← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

في مغفرة الذنوب. ٨٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ السَّرَّاجُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلامٍ، أنا حَجَّاجٌ، أنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا، وَزَنَوْا فَأَكْثَرُوا، ثُمَّ أَتَوْا مُحَمَّدًا، ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنْ لِمَا عَمِلْنَاهُ كَفَّارَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ومعنى ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] أي: بالشرك والزنا وإراقة الدماء. ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] وذلك أنهم ظنوا أنه لا توبة لهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وعد بغفران الذنوب وإن كثرت. ٨٠٣ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَارِكٍ، أنا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّاجِيُّ، نا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ شَهْرِ بِن حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ، ﷺ ، يَقْرَأُ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وَلا يُبَالِي بِهِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ٨٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 1717

حَشِيشٍ الْعَدْلُ، نا أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، نا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِئَ، يَقُولُ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُبُلانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ ، قَالَ: مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ " ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْبَةِ فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤] أي: ارجعوا من الشرك والذنوب إلى الله تعالى فوحدوه، وأسلموا له وأخلصوا له التوحيد، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] لا تمنعون من عذاب الله. ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥] يعني القرآن، يقول: أحلوا حلاله وحرموا حرامه. وقال السدي: الأحسن ما أمر الله به في كتابه. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر: ٥٥] يريد الموت، وذلك أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب، وهو قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ﴿٥٥﴾ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: ٥٥-٥٦] قال المبرد: أي بادروا خوف أن تقول، وحذرا من أن تقول نفس. وقال الزجاج: خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها هذا القول. ﴿يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله﴾ قال الفراء: الجنب القرب، أي: في قرب الله وجواره، والجنب

стр. 1718

بمعنى القرب كثير في الكلام، يقال: فلان يعيش في جنب فلان، أي في قربه وجواره، ومنه قوله تعالى: والصاحب بالجنب والمعنى على هذا القول: على ما فرطت في طلب جنب الله، أي: في طلب جواره وقربه، وهو الجنة. وهذا معنى قول ابن الأعرابي في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: أي فرطت في الطريق الذي هو طريق الله من توحيده والإقرار بنبوة رسوله ﷺ ، وعلى هذا الجنب بمعنى الجانب، أي: قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا الله . والمفسرون ذكروا هذه المعاني، فقال عطاء، عن ابن عباس: ضيعت في ثواب الله. وقال مجاهد، والسدي: في أمر الله. وقال الحسن: في طاعة الله. ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] أي: وما كنت إلا من المستهزءين بالقرآن وبالمؤمنين في الدنيا، أو تقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ [الزمر: ٥٧] أرشدني إلى دينه، ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر: ٥٧] الشرك. ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ [الزمر: ٥٨] مشاهدة وعيانا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨] رجعة إلى الدنيا، ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] الموحدين. ثم يقال لهذا القائل: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ [الزمر: ٥٩] يعني القرآن، ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر: ٥٩] قلت: إنها ليست من الله تعالى واستكبرت تكبرت عن الإيمان بها. قوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٦٠﴾ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦١﴾ ﴾ [الزمر: ٦٠-٦١] ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٦٠] فزعموا أن له ولدا أو شريكا، وجوههم مسودة. أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله قحطبة، نا محمد بن الصباح، نا عمرو بن الأزهري، عن أبي الربيع، عن كثير بن زياد، قال: سئل الحسن عن هذه الآية ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]

стр. 1719

فقال: هم الذين يقولون: الأشياء إلينا إن شئنا فعلنا، وإن شئنا لم نفعل. وباقي الآية مفسر في هذه ال ﴿ [. قوله: وينجي الله أي: من جهنم، الذين اتقوا الشرك، بمفازتهم المفازة الفوز، هو الظفر بالخير والنجاة من الشر. قال المبرد: المفازة مفعلة من الفوز، وهو السعادة، وإن جمع فحسن، كقولك: السعادة والسعادات. والمعنى: ينجيهم الله بفوزهم، أي بنجاتهم من النار وفوزهم بالجنة،] لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ [سورة الزمر: ٦١] لا يصيبهم العذاب، ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر: ٦١] لأنهم رضوا بالثواب. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿٦٢﴾ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿٦٣﴾ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴿٦٤﴾ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٦٥﴾ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴿٦٦﴾ ﴾ [الزمر: ٦٢-٦٦] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] أي: إن ما في الدنيا والآخرة فهو خالقه، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] أي: الأشياء كلها موكولة إليه، فهو القائم بحفظها والتصرف فيها. ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] واحدها مقليد ومقلاد.

стр. 1720

قال ابن عباس، ومقاتل: يريد مفاتيح السموات والأرض بالرزق والرحمة. وهو قول قتادة. وقال الليث:

стр. 1721

المقلاد الخزانة، ومقاليد السموات والأرض خزائنها. وهو قول الضحاك. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٦٣] يعني القرآن، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣] خسروا حين صاروا إلى النار. ثم أعلم أنه إنما ينبغي أن يعبد الخالق وحده، فقال: قل لهم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] قال مقاتل: وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. وفي تأمروني وجوه من القراءة: تأمرونني بنونين، وهو الأصل، وتأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية، وتأمروني بنون خفيفة على حذف إحدى النونين. وقوله: أيها الجاهلون أي: فيما تأمرونني. ثم حذره أن يتبع دينهم، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] قال ابن عباس: هذا أدب من الله تعالى لنبيه ﷺ ، وتهديد لغيره، لأن الله تعالى قد عصمه من الشرك ومداهنة الكفار. ثم أمره بتوحيده، فقال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] قال عطاء، ومقاتل: وحده، لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده. ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٦] لإنعامه عليك. قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ

стр. 1722

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿٦٧﴾ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ﴿٦٨﴾ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ﴿٦٩﴾ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴿٧٠﴾ ﴾ [الزمر: ٦٧-٧٠] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] أي: ما عظموه إذ عبدوا غيره، وأمروا النبي ﷺ بعبادة غيره، ثم أخبر عن عظمته، فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧] القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك، وأخبر الله عن قدرته فذكر أن الأرض كلها مع عظمتها وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه، فذكر القبضة، وإن كان لا يقبض عليها تفهيما لنا على عادة التخاطب فيما بيننا، لأنا نقول: هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه. وكذا قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار، يعني أنه يطويها بقدرته كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه. قال الأخفش: بيمينه، يقول: أي في قدرته نحو قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] أي ما كانت لكم عليه قدرة. وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر الجسد، ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] . قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] الآية، قال المفسرون: مات من الفزع وشدة الصوت أهل السماء والأرض. ﴿إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] . ٨٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُوفِيُّ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّمْلِيُّ، نا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ ، أَنَّهُ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَشَإِ اللَّهُ أَنْ يَصْعَقَهُمْ؟ قَالَ: «هُمُ الشُّهَدَاءُ مُتَقَلِّدُونَ أَسْيَافَهُمْ حَوْلَ الْعَرْشِ» ، وَهَذَا قَوْلُ

стр. 1723

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ، وَالسُّدِّيُّ، وَالْكَلْبِيُّ: هُوَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٦٨] يعني نفخة البعث، ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ﴾ [الزمر: ٦٨] يعني: الخلق كلهم قيام على أرجلهم، ينظرون ينتظرون ما يقال لهم، وما يؤمرون به. ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: ٦٩] وهو أن الله يخلق في القيامة نورا يلبسه وجه الأرض فتشرق به من غير شمس ولا قمر، ووضع الكتاب قال مقاتل: يعني كتب الأعمال. ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩] وهم الذين يشهدون للرسل بالتبليغ، وهم أمة محمد ﷺ ، قاله ابن عباس. وقال عطاء: يعني الحفظة، كقوله: ﴿مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] . ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٦٩] لا ينقضون من ثواب أعمالهم، وهو قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر: ٧٠] أي: ثواب ما عملت، ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر: ٧٠] قال عطاء: يريد أني عالم بفعلهم، لا أحتاج إلى كاتب ولا شاهد. قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٧١﴾ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٧٢﴾ ﴾ [الزمر: ٧١-٧٢] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١] أفواجا كفارا، كل أمة على حدة، والزمر جماعات في تفرقة بعضها على إثر بعض، واحدتها زمرة. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] أي: من أنفسكم، ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٧١] يعني: ما أنزل الله على الأنبياء، ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وهو قوله: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] . ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴿٧٣﴾ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ

стр. 1724

مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿٧٤﴾ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٧٥﴾ ﴾ [الزمر: ٧٣-٧٥] قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ﴾ [الزمر: ٧٣] إلى قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣] هذه الواو زيادة عند الأخفش والكوفيين، والمعنى: فتحت حتى يكون جوابا لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر: ٧٣] كالذي في قصة سوق الكفار. وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأشياء التي ذكرت إلى قوله: فادخلوها خالدين دخلوها، فالجواب دخلوها حذف، لأن في هذا الكلام دليل عليه. وقوله: سلام عليكم أخبر الله تعالى أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين ويخبرونهم بطيب مقامهم فيها. قال ابن عباس طبتم: طاب لكم المقام. وقال قتادة: إنهم قد طيبوا قبل دخول الجنة بالمغفرة، واقتص لبعضهم من بعض، لما هذبوا وطيبوا قال لهم الخزنة: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] . فلما دخلوها قالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر: ٧٤] أي بالجنة، وأورثنا الأرض أرض الجنة، ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] نتخذ فيها من المنازل ما نشاء، يقول الله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤] نعم ثواب المحسنين الجنة. وترى الملائكة يومئذ، ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥] محيطين محدقين به، يقال: حف القوم بفلان إذا أطافوا به. ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٧٥] يحمدون الله حيث أدخل الموحدين الجنة، وقضي بينهم بين الخلائق، بالحق بالعدل، ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥] أهل الجنة يقولون ذلك شكرا لله على إنجاز وعده حين تم وعد الله لهم.

стр. 1725

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تفسير سورة حم المؤمن مكية، وهي ثمانون وخمس آيات. ٨٠٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُطَّوِعِيُّ، أنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَحْمَدَ الْفَقِيهُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا الْمُحَارِبِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَرَّاجٍ الْكِنْدِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ السُّدِّيُّ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْتَعَ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَلْيَقْرَأْ بِالْحَوَامِيمِ فِي صَلاةِ اللَّيْلِ» ٨٠٧ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ شَرِيكٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا سَلامُ بْنُ سُلَيْمٍ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ حم الْمُؤْمِن لَمْ يَبْقَ رُوحُ نَبِيٍّ وَلا صِدِّيقٍ وَلا مُؤْمِنٍ إِلا صَلَّوْا عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿٢﴾ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴿٣﴾ ﴾ [غافر: ١-٣] . حم قال ابن عباس في رواية الوالبي: حم قسم. وقال في رواية عكرمة: الر،

стр. 1726

وحم و «نون» حروف الرحمن مقطعة. وقال في رواية عطاء، والكلبي: حم قضى ما هو كائن، هذا ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ [غافر: ٢] في ملكه، العليم بخلقه. غافر الذنب لمن يقول: لا إله إلا الله. وهم أولياؤه، وأهل طاعته، وقابل التوب من الشرك وهو جمع توبة، ويجوز أن تكون مصدرا من تاب يتوب توبا، شديد العقاب لمن لا يوحده، ذي الطول: ذي الغنى عمن لا يوحده، ولا يقول: لا إله إلا الله. وقال الكلبي: ذي الفضل على عباده، والمن عليهم. وقال مجاهد: ذي السعة والغنى. ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣] : مصير العباد إليه في الآخرة، فيجزيهم بأعمالهم. قوله: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ﴿٤﴾ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴿٥﴾ وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿٦﴾ ﴾ [غافر: ٤-٦] . ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٤] : ما يخاصم فيها بالتكذيب، وفي دفعها بالباطل، ﴿إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر: ٤] بالتجارات والغنى، وسلامتهم في ترفهم بعد كفرهم، فإن عاقبة أمرهم العذاب، كعاقبة من قبلهم من الكفار. ثم بين ذلك، فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر: ٥] يعني: رسولهم نوحا، ﴿وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر: ٥] وهم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد، وثمود، ومن بعدهم، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ﴾ [غافر: ٥] فصدوه، ليأخذوه قال ابن عباس: ليقتلوه، ويهلكوه. كقوله:

стр. 1727

﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] ، وجادلوا بالباطل خاصموا رسولهم، فقالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [يس: ١٥] وهلا أرسل الله إلينا ملائكة؟ وأمثال هذا القول، ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر: ٥] الذي جاءت به الرسل، فأخذتهم بالعذاب، ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر: ٥] استفهام تقرير لعقوبتهم الواقعة بهم. وكذلك ومثل ما حق على الأمم المكذبة، ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٦] بالعذاب، ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٦] من قومك، ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦] قال الأخفش: لأنهم أو بأنهم. ثم أخبر بفضل المؤمنين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٨﴾ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴿٩﴾ ﴾ [غافر: ٧-٩] . ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ [غافر: ٧] يعني: حملة العرش والطائفين به، الكروبيون، سادة الملائكة، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] ينزهون الله بالتحميد والتسبيح، ويؤمنون به يصدقون بأنه واحد لا شريك له، ويقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] وسعت رحمتك وعلمك كل شيء، ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] من الشرك، واتبعوا سبيلك دينك: الإسلام وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: وقهم السيئات قال قتادة: يعني: العذاب. ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ﴾ [غافر: ٩] : يوم القيامة، فقد رحمته لأن المعافى من العذاب مرحوم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ

стр. 1728

إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ ﴿١٠﴾ قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ﴿١١﴾ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴿١٢﴾ ﴾ [غافر: ١٠-١٢] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ [غافر: ١٠] الآية. قال المفسرون: إنهم لما رأوا أعمالهم، ونظروا في كتابهم، وأدخلوا النار، مقتوا أنفسهم لسوء صنيعهم، ناداهم مناد: لمقت الله إياكم في الدنيا، ﴿أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ﴾ [غافر: ١٠] ، ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠] أنفسكم اليوم. قال قتادة: ينادون يوم القيامة لمقت الله أهل الضلالة، حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه، أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله. ثم أخبر عما يقولون في النار بقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] أي: كنا نطفا في الدنيا أمواتا، فخلقت فينا الحياة، ثم أمتنا وبعثتنا بعد الموت، وهذا كقوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] وإنما قالوا هذا، لأنهم كانوا قد كذبوا في الدنيا بالبعث، فاعترفوا في النار بما كذبوا به، وهو قوله: فاعترفنا بذنوبنا أي: بالتكذيب، وما كنا نكذب به في الدنيا، ثم سألوا الرجعة، فقالوا: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١] هل من خروج من النار إلى الدنيا فنعمل بطاعتك؟ قال الله تعالى لهم: ذلكم أي: ذلكم العذاب الذي نزل بكم، ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غافر: ١٢] إذا قيل: لا إله إلا الله، أنكرتم، وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] . ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر: ١٢] : وإن يجعل له شريك، تؤمنوا: تصدقوا ذلك الذي أشرك، وتشهدوا أن له شريكا، فالحكم لله أي: أنه حكم بعذاب من أشرك به، ولا يرد حكمه، العلي الكبير الذي لا أعلى منه، ولا أكبر. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلا مَنْ يُنِيبُ ﴿١٣﴾ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴿١٤﴾ رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ﴿١٥﴾ يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ

стр. 1729

الْقَهَّارِ ﴿١٦﴾ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٧﴾ ﴾ [غافر: ١٣-١٧] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ [غافر: ١٣] مصنوعاته التي تدل على قدرته، وتوحيده من السماء والأرض، والشمس والقمر، والسحاب، ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] يعني: المطر الذي هو سبب الأرزاق، وما يتذكر وما يتعظ بهذه الآيات، فيوحد الله، ﴿إِلا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: ١٣] يرجع إلى طاعته. ثم أمر المؤمنين بتوحيده، فقال: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤] موحدين، تخلصون له الطاعة، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ١٤] من أهل مكة. ثم عظم نفسه، فقال: رفيع الدرجات قال عطاء، عن ابن عباس: يريد درجاتكم، والرفيع بمعنى الرافع. والمعنى: أنه يرفع درجات الأنبياء، والأولياء في الجنة، ذو العرش: خالقه ومالكه، يلقي الروح ينزل الوحي من السماء، من أمره قال ابن عباس: من قضائه. وقال مقاتل: بأمره. لينذر النبي ﷺ بما أوحي إليه، يوم التلاق بيوم التلاق، يلتقي في ذلك اليوم أهل السماء، وأهل الأرض. ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ [غافر: ١٦] من قبورهم، ﴿لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غافر: ١٦] لا يستتر منهم أحد، وقال ابن عباس: لا يخفى على الله من أعمالهم شيء. ويقول الله في ذلك: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] . قال الحسن: هو السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه، فيجيب نفسه. وهذا قول جماعة المفسرين. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [غافر: ١٧] يجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. قال رسول الله ﷺ : " يقول الله تعالى: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، ولا لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصها منه ". وتلا هذه الآية. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ ﴿١٨﴾ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴿١٩﴾ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿٢٠﴾ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ

стр. 1730

كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴿٢١﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢٢﴾ ﴾ [غافر: ١٨-٢٢] . وأنذرهم يقول لمحمد ﷺ : وأنذر أهل مكة بـ يوم الآزفة يعني: القيامة، قال ابن عباس: أزف أمرها، أي: دنا. يقال: أزف الشيء يأزف أزفا. قال الزجاج: وقيل لها آزفة، لأنها قريبة، وإن استبعد الناس أمرها، وما هو كائن فهو قريب. ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ [غافر: ١٨] وذلك أنها تزول عن مواضعها من الخوف، حتى تصير إلى الحنجرة، كقوله: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] . كاظمين: مغمومين، مكروبين، ممتلئين غما، ما للظالمين قال ابن عباس، ومقاتل: يريد المشركين، والمنافقين. من حميم قريب ينفعهم، ﴿وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] فيهم، فتقبل فيهم شفاعته. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩] خيانتها، وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل، ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] : وما تسر القلوب، في السر من المعصية. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠] يحكم به، فيجزي بالحسنة والسيئة، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [غافر: ٢٠] من الشركاء، ﴿لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر: ٢٠] لا يجازون، لأنهم لا يعلمون ولا يقدرون، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ﴾ [غافر: ٢٠] لما يقوله الخلق، البصير بأعمالهم. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [غافر: ٢١] ظاهر إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢١] أي: من عذاب الله، من واق يقي العذاب عنهم. ذلك أي: ذلك العذاب الذي نزل بهم، ﴿بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ﴾ [غافر: ٢٢] الآية. ثم ذكر قصة موسى وفرعون ليعتبروا، فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴿٢٣﴾ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿٢٤﴾ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ﴿٢٥﴾ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ ﴿٢٦﴾ وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿٢٧﴾ ﴾ [غافر: ٢٣-٢٧] . ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [غافر: ٢٣] إلى قوله: ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر: ٢٥] قال ابن عباس: أعيدوا عليهم القتل فيهم كالذي كان أولا. وقال قتادة: كان فرعون أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث الله موسى، ﵇، إليه أعاد عليهم القتل ليصدهم بذلك عن متابعة موسى. قوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي

стр. 1731

ضَلالٍ﴾ [غافر: ٢٥] أي: يذهب كيدهم باطلا، ويحيق بهم ما يريده الله . ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر: ٢٦] وإنما قال هذا، لأنه كان في خاصة قوم فرعون، من يمنعه من قتله خوفا من الهلاك، وليدع ربه الذي يزعم أنه أرسله إلينا رسولا، فليمنعه من القتل إن قدر، ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦] : يبدل عبادتكم إياي، ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦] أراد ظهور الهدى، وتغير أحكام فرعون، فجعل ذلك فسادا، ومعنى أو: وقوع أحد الشيئين، المعنى: أخاف أن يبدل دينكم، وإن لم يبدله أوقع فيه الفساد، ومن قرأ: وأن يظهر فيكون المعنى: أخاف إبطال دينكم والفساد معه، وقرئ يظهر بضم الياء، الفساد نصبا وهو أشبه بما قبله، لإسناد الفعل إلى موسى. فلما قال فرعون هذا، استعاذ موسى بالله، فقال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٢٧] : متعظم عن الإيمان. ولما قصد فرعون قتل موسى وعظهم المؤمن من آله، وهو قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ﴿٢٨﴾ يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿٢٩﴾ وَقَالَ الَّذِي

стр. 1732

آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ ﴿٣٠﴾ ﴾ [غافر: ٢٨-٣٠] . ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٢٨] قال مقاتل، والسدي: كان قبطيا ابن عم فرعون. ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ﴾ [غافر: ٢٨] لأن يقول: ربي الله وهو استفهام إنكار، ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] أي: بما يدل على صدقه من المعجزات، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر: ٢٨] لا يضركم ذلك، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ [غافر: ٢٨] وكذبتموه، ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] قال أبو عبيدة، وأبو الهيثم: كل الذي يعدكم أي: ينذركم، ويتوعدكم به. أي: إن قتلتموه وهو صادق، أصابكم ما يتوعدكم به من العذاب، والمراد بالبعض الكل في هذه الآية، وقال الليث: بعض ههنا صلة يريد: يصبكم الذي يعدكم. وقال أهل المعاني: هذا على المظاهرة في الحجاج. كأنه قال لهم: أقل ما يكون في صدقه، أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم، فذكر البعض ليوجب الكل، لا أن البعض هو الكل، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي﴾ [غافر: ٢٨] أي: إلى دينه، ﴿مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ [غافر: ٢٨] مشرك، كذاب مفتر. ثم ذكرهم هذا المؤمن ما هم فيه من الملك، لتشكروا ذلك بالإيمان بالله، فقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [غافر: ٢٩] غالبين في أرض مصر، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] من يمنعنا من عذاب الله، إن جاءنا والمعنى: أنه يقول: لكم الملك، فلا تتعرضوا لعذاب الله بالتكذيب، وقتل النبي ﷺ ، فلا مانع من عذابه إن حل بكم. فقال فرعون عند ذلك: ما أريكم من الرأي، ﴿إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩] ما أدعوكم إلا إلى طريق الهدى. ثم ذكرهم

стр. 1733

المؤمن ما نزل بمن قبلهم، فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر: ٣٠] . ثم فسر ذلك، فقال: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ ﴿٣١﴾ وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ ﴿٣٢﴾ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴿٣٣﴾ ﴾ [غافر: ٣١-٣٣] . ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١] الآية، أي: مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب، حتى أتاهم العذاب، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] لا يهلكهم قبل اتخاذ الحجة عليهم. ثم حذرهم عذاب الآخرة، فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] يعني: يوم القيامة، لأنه ينادى فيه كل أناس بإمامهم، وينادي فيه أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وينادى فيه بسعادة السعداء، وبشقاوة الأشقياء. ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] قال قتادة، ومقاتل: إلى النار بعد الحساب. وقال الضحاك: إنهم إذا سمعوا زفير النار، ولوا هربا، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه. ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: ٣٣] ما لكم من عذاب الله من يعصمكم ويمنعكم. ثم وعظهم ليفكروا، فقال: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ ﴿٣٤﴾ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴿٣٥﴾ ﴾ [غافر: ٣٤-٣٥] .

стр. 1734

﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ [غافر: ٣٤] يعني: يوسف بن يعقوب، من قبل من قبل موسى، بالبينات يعني: قوله لهم: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ [يوسف: ٣٩] الآية. ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر: ٣٤] قال ابن عباس: من عبادة الله وحده لا شريك له. ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولا﴾ [غافر: ٣٤] أي: أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله لا يجدد عليكم إيجاب الحجة، كذلك مثل ذلك الضلال، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ [غافر: ٣٤] مشرك، مرتاب شاك في توحيد الله، وصدق أنبيائه. قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥] قال الزجاج: هذا تفسير المسرف المرتاب على معنى هم الذين يجادلون. ومعنى ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٣٥] أي: في إبطالها ودفعها، والتكذيب بها، بغير سلطان بغير حجة أتتهم من الله، كبر مقتا كبر جدالهم مقتا، ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٣٥] قال ابن عباس: يمقتهم الله، ويمقتهم الذين آمنوا بذلك الجدال. كذلك كما طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا، وجادلوا بالباطل، ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] قال ابن عباس: يختم على قلوبهم فلا يسمعون الهدى، ولا يعقلون الرشاد. قال مقاتل: متكبر عن عبادة الله والتوحيد، جبار قتال في غير حق. وقرئ:

стр. 1735

على كل قلب بالتنوين. قال الزجاج: الوجه الإضافة، لأن المتكبر هو الإنسان. قال: ويجوز أن تقول: قلب متكبر، أي: صاحبه متكبر. وإذا وصف القلب بالتكبر، كان صاحبه في المعنى متكبرا. ولما وعظه المؤمن من أهل فرعون وأقاربه، وزجره عن قتل موسى، قال فرعون لوزيره: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ ﴿٣٦﴾ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ ﴿٣٧﴾ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴿٣٨﴾ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴿٣٩﴾ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٤٠﴾ ﴾ [غافر: ٣٦-٤٠] . ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦] قصرا مشيدا بالآجر، ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر: ٣٦] يعني: الطرق من سماء إلى سماء. ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر: ٣٧] بالرفع نسق على قوله: أبلغ الأسباب أي: لعلي أبلغ ولعلي أطلع، ومن نصب جعله جوابا للفعل بالفاء على معنى: إني إذا بلغت اطلعت، ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٧] أي: فيما يقول من أن له ربا في السماء، وما قال موسى له ذلك قط، ولكنه لما قال له: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] ، قال موسى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشعراء: ٢٤] ظن فرعون باعتقاده الباطل أنه لما لم يره في الأرض، أنه في السماء، فرام الصعود إلى السماء، لرؤية إله موسى، وكذلك ومثل ما وصفنا، ﴿زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ

стр. 1736

السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧] قال ابن عباس: صده الله عن سبيل الهدى. ومن قرأ: وصد بنى الفعل لفرعون، أراد وصد فرعون الناس عن السبيل، ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر: ٣٧] في إبطال آيات موسى، ﴿إِلا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٧] خسار وهلاك. ثم عاد الكلام إلى ذكر نصيحة المؤمن لقومه، وهو قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٣٨] طريق الهدى. ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٣٩] يعني: الحياة في هذه الدار، متاع يتمتع بها أياما، ثم تنقطع، ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٩] التي تستقر فلا تزول. ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً﴾ [غافر: ٤٠] يعني: الشرك، ﴿فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا﴾ [غافر: ٤٠] في العظم، يعني: النار، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [غافر: ٤٠] قال ابن عباس: يريد قول: لا إله إلا الله. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [غافر: ٤٠] مصدق بالله وبجميع الأنبياء، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠] قال مقاتل: يقول: لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير. ثم قال: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ﴿٤١﴾ تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ﴿٤٢﴾ لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿٤٣﴾ فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿٤٤﴾ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴿٤٥﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴿٤٦﴾ ﴾ [غافر: ٤١-٤٦] . ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] أي: ما لكم، كما تقول: ما لي أراك حزينا، معناه: ما لك. يقول: أخبروني عنكم كيف هذه الحال، ﴿أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ [غافر: ٤١] من النار، بالإيمان بالله، ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر: ٤١] إلى الشرك الذي يوجب النار. ثم فسر الدعوتين، فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر: ٤٢] بأنه شريك له، ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ [غافر: ٤٢] في انتقامه ممن كفر، الغفار لذنوب أهل التوحيد. لا جرم حقا، ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر: ٤٣] من المعبودين من دون الله، ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣] قال السدي: لا يستجيب لأحد لا في الدنيا، ولا في الآخرة.

стр. 1737

والتقدير: ليس له استجابة دعوة، ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٣] مرجعنا ومصيرنا إليه، فيجازي كلا بما يستحقه، وأن المسرفين المشركين، ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ﴿٤٣﴾ فَسَتَذْكُرُونَ﴾ [غافر: ٤٣-٤٤] إذا نزل بكم العذاب، ﴿مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر: ٤٤] في الدنيا من النصيحة، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤] لا أشتغل بمجازاتكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٤] بأوليائه، وأعدائه. ثم خرج المؤمن من بينهم، فطلبوه، فلم يقدروا عليه، وذلك قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥] ما أرادوا به من الشر، وحاق أحاط، ونزل بهم، سوء العذاب قال الكلبي: غرقوا في البحر، ودخلوا النار. وذلك قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] ،

стр. 1738

قال ابن مسعود: إن أرواح آل فرعون في أجواف طير سود، يعرضون على النار كل يوم مرتين، فيقال: يا آل فرعون هذه داركم. وقال مقاتل: تعرض روح كل كافر على النار، غدوا وعشيا ما دامت الدنيا. وهو قول قتادة، والسدي، والكلبي. ٨٠٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أَنَا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنَ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، كِلاهُمَا عَنْ مَالِكٍ ثم أخبر بمستقرهم في الآخرة، فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر: ٤٦] أي: يقال للملائكة: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] . ومن قرأ بالوصل، فهو على الأمر لهم بالدخول، قال ابن عباس: يريد ألوان العذاب، غير الذي كانوا يعذبون به منذ غرقوا. قوله:

стр. 1739

﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ ﴿٤٧﴾ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ﴿٤٨﴾ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ ﴿٤٩﴾ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ﴿٥٠﴾ ﴾ [غافر: ٤٧-٥٠] . وإذ يتحاجون واذكر يا محمد لقومك إذ يختصمون، يعني: أهل النار، في النار والآية مفسرة في ﴿ [إبراهيم. ] قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سورة غافر: ٤٨] وهم القادة والرؤساء، ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر: ٤٨] نحن وأنتم، أي: الملوك والأتباع، ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر: ٤٨] وقضى بهذا علينا وعليكم. فلما ذاقوا شدة العذاب، قالوا لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] فاحتج عليهم الخزنة في ترك التخفيف عنهم، بإتيان الرسل إياهم، وتركهم الإجابة، وهو قوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾ [غافر: ٥٠] أنتم، أي: إنا لا ندعو لكم بالتخفيف، لأنهم علموا أن الكفار لا يخفف عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر: ٥٠] أي: أن ذلك يبطل ويضل، فلا ينفع. قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ﴿٥١﴾ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴿٥٢﴾ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ﴿٥٣﴾ هُدًى وَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ ﴿٥٤﴾ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ ﴿٥٥﴾ ﴾ [غافر: ٥١-٥٥] . ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] النصر قد يكون بالحجة، ويكون بالغلبة والقهر، ويكون بإهلاك العدو، وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قبل الله تعالى، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم، وقد نصرهم بإهلاك عدوهم،

стр. 1740

وأنجاهم مع من آمن معهم، وقد يكون نصر بالانتقام لهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قتل، حتى قتل به سبعون ألفا، فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] يعني: يوم القيامة، تقوم الحفظة من الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ، وعلى الكفار بالتكذيب، وواحد الأشهاد شاهد مثل طائر وأطيار. ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] إن اعتذروا من كفرهم لم يقبل منهم، وإن تابوا لم تنفعهم التوبة، ولهم اللعنة البعد من الرحمة، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] جهنم. قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ [غافر: ٥٣] قال مقاتل: الهدى من الضلالة، يعني: التوراة، وأورثنا من بعد موسى، ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر: ٥٣] وما فيه من البيان. هدى أي: هو هدى، وذكرى وتذكير، لأولي الألباب. قوله: فاصبر على أذاهم، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٥٥] في نصرتك، وإظهار دينك، ﴿حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] يعني: الصغائر على قول من جوزها على الأنبياء، وعند من لا يجوزها، يقول: هذا تعبد من الله لنبيه بهذا الدعاء، لكي يزيده درجة، وليصير سنة لمن بعده، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر: ٥٥] وصل شاكرا لربك، بالعشي والإبكار قال ابن عباس: يريد الصلوات الخمس. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴿٥٦﴾ لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴿٥٧﴾ وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ ﴿٥٨﴾ إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ﴿٥٩﴾ ﴾ [غافر: ٥٦-٥٩] . قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر: ٥٦] يعني: كفار قريش، وقد تقدم تفسير هذا، ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] قال ابن عباس: ما يحملهم على تكذيبك إلا ما في صدورهم من العظمة. ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] مقتضى ذلك الكبر، لأن الله تعالى مذلهم، وقال ابن قتيبة: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ﴾ [غافر: ٥٦] تكبر على محمد ﷺ ، وطمع أن يغلبوه، وما هم ببالغي ذلك. فاستعذ بالله من شرهم، وكرهم، ﴿إِنَّهُ

стр. 1741

هُوَ السَّمِيعُ﴾ [غافر: ٥٦] لقولهم، البصير بهم. ثم نبه على عظم قدرته، بقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [غافر: ٥٧] مع عظمهما، وكثرة أجزائهما، ووقوفهما من غير عمد، وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب، أعظم في النفس، وأهول في الصدر، ﴿مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] وإن كان عظيما بالحواس المهيأة للإدراك، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] يعني: الكفار حين لا يستدلون بذلك على توحيد خالقهما. ثم ضرب مثل الكافر والمؤمن، فقال: وما يستوي إلى قوله: ﴿قَلِيلا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨] يعني: الكفار، يقول: قل نظرهم فيما ينبغي أن ينظروا فيه مما دعوا إليه. وقرأ أهل الكوفة بالتاء، أي: قل لهم ذلك. قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴿٦٠﴾ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ﴿٦١﴾ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴿٦٢﴾ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴿٦٣﴾ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٤﴾ هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٥﴾ ﴾ [غافر: ٦٠-٦٥] . وقال ربكم قال مقاتل: يعني: لأهل الإيمان. ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قال ابن عباس: وحدوني واعبدوني أثبكم. ويدل على صحة هذا التفسير: ٨٠٩ - مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رُحَيمٍ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، أنا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ يَسِيعَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] الآية. والدعاء بمعنى: العبادة

стр. 1742

كثير في التنزيل، ولما عبر عن العبادة بالدعاء، جعل الإثابة استجابة ليتجانس اللفظ، ويدل على هذه الجملة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] صاغرين ذليلين. ثم ذكرهم النعم، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [غافر: ٦١] الآية، وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: ٦٤] أي: موضع قرار، كما قال: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] . والسماء بناء سقفا كالقبة، ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] قال مقاتل: خلقكم فأحسن خلقكم. وقال ابن عباس: خلق ابن آدم قائما معتدلا، يأكل بيده ويتناول بيده، وكل ما خلق الله يتناول بفيه. وقال الزجاج: خلقكم أحسن الحيوان كله. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر: ٦٤] يعني: من غير رزق الدواب، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] الذي فعل ذلك الذي ذكر كله، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قال: لا إله إلا الله، فليقل على أثرها: الحمد لله رب العالمين. يريد قول الله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥] . ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِي الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦٦﴾ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿٦٧﴾ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿٦٨﴾ ﴾ [غافر: ٦٦-٦٨] . قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر: ٦٧] الآية أكثرها مفسر في ﴿ [الحج، وقوله:] وَلِتَبْلُغُوا أَجَلا مُسَمًّى﴾ [سورة غافر: ٦٧] قال ابن عباس: يريد أجل الحياة إلى الموت، فلكل أجل حياته تنتهي إليه. ولعلكم تعقلون ولكي تعقلوا توحيد ربكم، وقدرته في خلقكم وله. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ ﴿٦٩﴾ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٧٠﴾ إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ

стр. 1743

يُسْجَرُونَ ﴿٧٢﴾ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٧٣﴾ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ﴿٧٤﴾ ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ﴿٧٥﴾ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴿٧٦﴾ ﴾ [غافر: ٦٩-٧٦] . ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٦٩] يعني: القرآن أنه ليس من عند الله، وهم المشركون، أنى يصرفون كيف صرفوا عن دين الله، الذي هو الحق إلى الباطل؟ ثم وصفهم، فقال: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ [غافر: ٧٠] بالقرآن، ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر: ٧٠] من التوحيد، فسوف يعلمون عاقبة أمرهم. قوله: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] يجرون. ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] قال مقاتل، ومجاهد: توقد بهم النار. فصاروا وقودها. ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ [غافر: ٧٣] على وجه التوبيخ: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ [غافر: ٧٣] . ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ [غافر: ٧٤] فقدناهم فلا نراهم، ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر: ٧٤] أي: شيئا ينفع ويضر، كما يقول من ضاع عمله: ما كنت أعمل شيئا، كذلك أي: كما أضل هؤلاء، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر: ٧٤] . ذلكم العذاب الذي نزل بكم، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر: ٧٥] أي: الباطل الذي كنتم تشتغلون به، ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] قال مقاتل: يعني: البطر والخيلاء. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ﴿٧٧﴾ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ﴿٧٨﴾ ﴾ [غافر: ٧٧-٧٨] .

стр. 1744

﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٧] بنصرك، ﴿حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ [غافر: ٧٧] الآية مفسرة في ﴿ [الرعد. وقوله:] وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة غافر: ٧٨] بأمر الله تعالى، وبإرادته، وذلك أن كفار مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يأتيهم بآية، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [غافر: ٧٨] قضاؤه بين أنبيائه وأممهم، قضي بالحق أي: لم يظلموا إذا عذبوا، وهو قوله: وخسر هنالك عند كذلك، المبطلون المكذبون بالعذاب والمفترون، والمبطل: صاحب الباطل. ثم ذكر منته عليهم بقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿٧٩﴾ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴿٨٠﴾ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ﴿٨١﴾ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿٨٢﴾ ﴾ [غافر: ٧٩-٨٢] . ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ﴾ [غافر: ٧٩] إلى قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠] قال مجاهد، ومقاتل: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وتبلغوا عليها حاجاتكم في البلاد ما كانت. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر: ٨٠] على الإبل في البر، وعلى السفن في البحر. ويريكم آياته أي: دلائل قدرته، ﴿فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر: ٨١] استفهام توبيخ، يقول: أيها تنكرون، بأنها ليست من الله؟ ثم ذكر أن الرسل أتت من قبلهم، وأنهم لم يؤمنوا، بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٨٣﴾ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿٨٤﴾ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا

стр. 1745

رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ ﴿٨٥﴾ ﴾ [غافر: ٨٣-٨٥] . ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣] رضوا بما عندهم من العلم، وقالوا: نحن أعلم لن نبعث، ولن نعذب. وسمي ذلك علما على ما يدعونه ويزعمونه، وهو في الحقيقة جهل. وقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] قال ابن عباس: يريد هذا قضائي في خلقي، أن من كذب أنبيائي، وجحد ربوبيتي، فإذا نزل به العذاب استكان، وتضرع، لم ينفعه ذلك عندي. والمعنى: سن الله هذه السنة في الأمم كلها، أن لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب، ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥] قال ابن عباس: هلك عند ذلك المكذبون. وقال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه لم يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.

стр. 1746

تفسير سورة حم السجدة مكية، وهي خمسون وأربع آيات. ٨١٠ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، نا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا أَبُو إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الْمَدَايِنِيُّ، نا هَارُونُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ حم السَّجْدَة أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدِدِ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ» ﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ﴿٤﴾ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ ﴿٥﴾ ﴾ [فصلت: ١-٥] . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم ﴿١﴾ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿٢﴾ ﴾ [فصلت: ١-٢] قال الأخفش، والزجاج: تنزيل مبتدأ، وخبره قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٣] . بين حلاله وحرامه، ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] اللسان العربي. بشيرا لأولياء الله تعالى، ونذيرا لأعدائه، فأعرض أكثرهم أكثر أهل مكة، ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ٤] تكبرا عنه. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] مثل الكنانة التي فيها السهام، فهي لا تفقه ما تقول، ولا يصل إليها دعاؤك، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥] ثقل وصمم، يمنع من استماع قولك، والمعنى: إنا في ترك القبول عنك بمنزلة من لا يفهم ولا يعقل، ولا يسمع قولك، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] أي: بيننا وبينك فرقة في الدين، وحاجز في النحلة فلا نوافقك على ما تقول، وقال مقاتل: إن أبا جهل رفع ثوبه بينه وبين النبي ﷺ ، فقال: يا محمد، أنت من ذلك الجانب، ونحن من هذا الجانب. فاعمل

стр. 1747

أنت على دينك ومذهبك، إننا عاملون على ديننا ومذهبنا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٨﴾ ﴾ [فصلت: ٦-٨] . ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] أي: إنما أنا كواحد منكم، ولولا الوحي ما دعوتكم، وهو قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٦] لا تميلوا عن سبيله، وتوجهوا إليه بالطاعة، واستغفروه من الشرك، ثم توعدهم، فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴿٦﴾ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦-٧] قال ابن عباس في رواية عطاء، وعكرمة: لا يقولون: لا إله إلا الله. والمعنى: لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد، وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بالزكاة، ولا يرون إيتاءها، ولا يؤمنون بها. وقال الكلبي: عابهم الله بها، وقد كانوا يحجون ويعتمرون. وقال قتادة: كان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها برئ ونجا، ومن لم يقطعها هلك. ثم أخبر عنهم

стр. 1748

بأعظم من هذا، فقال: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴿٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٨﴾ ﴾ [فصلت: ٧-٨] غير مقطوع، ولا منقوص. ثم وبخهم على كفرهم، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ﴿١٠﴾ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴿١١﴾ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴿١٢﴾ ﴾ [فصلت: ٩-١٢] . ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الأحد والاثنين، ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: ٩] تتخذون معه آلهة، ذلك الذي فعل ما ذكر، ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٩﴾ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ٩-١٠] جبالا ثوابت من فوق الأرض، وبارك فيها بالأشجار، والثمار، والحبوب، والأنهار. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت: ١٠] قال الحسن، ومقاتل: وقسم في الأرض أرازق العباد والبهائم. وقال الكلبي: قدر الخبز لأهل قطر، والتمر لأهل قطر، والسمك لأهل قطر. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تتمة أربعة أيام، ويعني: الثلاثاء والأربعاء، وهما مع الأحد والاثنين أربعة، سواء نصب على المصدر، على معنى: استوت سواء واستواء، كما تقول: في أربعة

стр. 1749

أياما تماما، ومن خفض فعلى النعت للأيام، ومن رفع فعلى معنى: هي سواء، للسائلين قال السدي، وقتادة: سواء لا زيادة ولا نقصان، جوابا لمن سأل: في كم خلقت الأرض والأقوات؟ فيقال: في أربعة أيام. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت: ١١] عمد، وقصد إلى خلقها، وهي دخان قال السدي: كان ذلك الدخان من نفس الماء، حين تنفس خلقها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبعا في يومين الخميس والجمعة. ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] أي: ائتيا ما آمركما، أي: افعلاه، كما يقال: إيت ما هو الأحسن، أي: افعله، قال المفسرون: إن الله تعالى، قال: أما أنت يا سماء، فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض، فشققي أنهارك، وأخرجي ثمارك ونباتك، قال لهما: افعلا ما آمركما طوعا، وإلا ألجأتكما إلى ذلك حتى تفعلاه كرها. قال الزجاج: أطيعا طاعة، أو تكرهان كرها، فأطاعتا وأجابتا بالطوع. وهو قوله: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] أي: أتينا أمرك طائعين، ولما ركب الله فيهن العقول، وخوطبن خطاب من يعقل، جمعهن جمع من يعقل، كما قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] . فقضاهن صنعهن وأحكمهن، وفرغ من خلقهن، ﴿سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] قال مقاتل: وأمر في كل سماء بما أراد. وقال عطاء، عن ابن عباس: خلق في كل سماء من الملائكة، والبرد، والثلوج، وما لا يعلمه إلا الله. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢] وحفظناها من استماع الشياطين

стр. 1750

بالكواكب حفظا، ذلك الذي ذكر من صنعه، تقدير العزيز في ملكه، العليم بخلقه. قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ ﴿١٣﴾ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ﴿١٤﴾ ﴾ [فصلت: ١٣-١٤] . فإن أعرضوا عن الإيمان بعد هذا البيان، ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] هلاكا مثل هلاكهم، والصاعقة: المهلكة من كل شيء. ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ١٤] أتت الرسل آباءهم، ومن كان قبلهم، ومن خلفهم من خلف الرسل، الذين بعثوا إلى آبائهم رسل إليهم أن لا، بأن لا، ﴿تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت: ١٤] أي: لو شاء ربنا دعوة الخلق، لأنزل ملائكة، ثم أظهروا الكفر بهم، وهو قولهم: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٤] . ثم قص قصة عاد وثمود، فقال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿١٥﴾ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ﴿١٦﴾ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٧﴾ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿١٨﴾ ﴾ [فصلت: ١٥-١٨] . ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [فصلت: ١٥] تكبروا عن الإيمان وعملوا، بغير الحق وأعجبتهم أجسامهم، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وذلك أن هودا هددهم بالعذاب، فقالوا: نحن نقدر على دفعه عنا، بفضل قوتنا. فقال الله تعالى، ردا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ١٥] يكفرون بحججنا عليهم. ثم ذكر عذابهم، بقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦] عاصفا، شديدة الصوت، من الصرة وهي: الصيحة، وقال ابن عباس: وهي الباردة من الصر، وهي: البرد. وقال الفراء: هي الباردة، تحرق كما تحرق النار. ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] نكدات مشئومات، ذات نحوس،

стр. 1751

قال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بتلك الأيام. والقراء قرءوا بكسر الحاء وسكونها، قال الزجاج: من قرأ بكسر الحاء فواحدها نحس، ومن قرأ بالسكون فواحدها نحس. ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [فصلت: ١٦] أي: عذاب الهوان والذل، وهو العذاب الذي يخزون به، ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [فصلت: ١٦] أشد إهانة، ﴿وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٦] أي، لا يمنعون من العذاب. ثم ذكر قصة ثمود، فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] قال ابن عباس: بينا لهم سبيل الهدى. وقال مجاهد: دعوناهم. وقال الفراء: دللناهم على مذهب الخير، أي: بإرسال الرسول. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] فاختاروا الكفر على الإيمان، ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت: ١٧] أي: ذي الهوان، وهو الذي يهينهم ويخزيهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧] من تكذيبهم صالحا، وعقرهم الناقة. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٩﴾ حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٠﴾ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢١﴾ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٢﴾ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٢٣﴾ ﴾ [فصلت: ١٩-٢٣] . ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩] يحبس أولهم على آخرهم، ليتلاحقوا، والمعنى: إذا حشر أعداء الله، وقفوا. ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت: ٢٠] جاءوا النار التي حشروا إليها، ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] قال مقاتل: تنطق جوارحهم بما كتبت الألسن، من عملهم بالشرك. ٨١١ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ فِيمَا أَجَازَ لِي، أَنَّ

стр. 1752

أَبَا الْفَرَجِ الْقَاضِي أَخْبَرَهُمْ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ قَادِمٍ، أنا شَرِيكٌ، عَنْ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلا تَسْأَلُونِي مِمَّا ضَحِكْتُ؟ قَالُوا: مِمَّ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " عَجِبْتُ مِنْ مُجَادَلَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَلَيْسَ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تَظْلِمَنِي؟ قَالَ: فَإِنَّ لَكَ ذَلِكَ، قَالَ: فَإِنِّي لا أَقْبَلُ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلا مِنْ نَفْسِي، قَالَ: أَوَلَيْسَ كَفَى بِي شَهِيدًا وَبِالْمَلائِكَةِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَجَرْتَنِي مِنَ الظُّلْمِ فَلَنْ أُجِيزَ الْيَوْمَ عَلَيَّ شَاهِدًا إِلا مِنْ نَفْسِي. قَالَ: فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ وَتَتَكَلَّمُ أَرْكَانُهُ بِمَا كَانَ يَعْمَلُ، قَالَ: فَيَقُولُ لَهُنَّ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، عَنْكُنَّ كُنْتُ أُجَادِلُ. وقوله: ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠] قال ابن عباس: يريد فروجهم. وهو قول الجميع. قالوا: كنى الله تعالى عنها بالجلود. ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] أي: مما ينطق، وتم الكلام، ثم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت: ٢١] وليس هذا من جواب الجلود. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ﴾ [فصلت: ٢٢] أي: من أن يشهد، عليكم لأنكم ما كنتم تظنون ذلك، ولكن ظننتم الآية، قال ابن عباس: إن الكفار كانوا يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكنه يعلم ما نظهر. ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ﴾ [فصلت: ٢٣] أي: ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون، أرداكم أهلككم. وقال ابن عباس: طرحكم في النار. ثم أخبر عن حالهم، فقال:

стр. 1753

﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴿٢٤﴾ وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ﴿٢٥﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴿٢٦﴾ فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿٢٧﴾ ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿٢٨﴾ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ ﴿٢٩﴾ ﴾ [فصلت: ٢٤-٢٩] . فإن يصبروا أي: على النار، ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٤] مسكن، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤] أن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما يحبون، لم يرجع بهم، لأنهم لا يستحقون ذلك، يقال: أعتبني فلان، أي: أرضاني بعد إسخاطه إياي، واستعتبته: طلبت منه أن يعتب، أي: يرضى. قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥] قال مقاتل: هيأنا لهم. قرناء من الشياطين، وقال الزجاج: سببنا لهم حتى أضلوهم. وهو قوله: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت: ٢٥] من أمر الآخرة، أنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب، وما خلفهم من أمر الدنيا، فزينوا لهم اللذات، وجمع الأموال، وترك النفقة في وجوه البر، وباقي الآية قد تقدم تفسيره. قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ [فصلت: ٢٦] أي: لا تستمعون، وعارضوه باللغو والباطل، وهو قوله: والغوا فيه يقال: لغى يلغي لغا فهو لغ، واللغا واللغو كل كلام لا وجه له، ولا فائدة فيه، وكان الكفار يوصي بعضهم بعضا، إذا سمعتم القرآن من محمد وأصحابه، فارفعوا أصواتكم، حتى تلبسوا عليهم قولهم، فيسكنون، وهو قوله تعالى: لعلكم تغلبون فيسكنون، قال مقاتل: لكي تغلبوهم فيسكنون. ثم وعدهم الله تعالى بقوله: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي﴾ [فصلت: ٢٧] . قال مقاتل: بأسوأ ما. كانوا يعملون وهو الشرك. ذلك العذاب الشديد، ﴿جَزَاءُ

стр. 1754

أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] وقوله: النار بدل من قوله: ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ [فصلت: ٢٨] ثم ذكر أن إقامتهم فيها دائمة، أي: فقال لهم فيها في النار، دار الخلد دار الإقامة، لا انتقال منها، جزاء أي: للجزاء، ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨] قال مقاتل: يعني: القرآن يجحدون أنه من عند الله. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت: ٢٩] أي: في النار، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [فصلت: ٢٩] يعنون: إبليس وقابيل، لأنهما سنا المعصية، ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت: ٢٩] أسفل منا في النار، ليكونا في الدرك الأسفل من النار، قال ابن عباس: ليكونا أشد عذابا منا. ثم ذكر المؤمنين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿٣١﴾ نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴿٣٢﴾ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿٣٣﴾ ﴾ [فصلت: ٣٠-٣٣] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قال أبو بكر الصديق ﵁: استقاموا على أن الله ربهم. ٨١٢ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا أَبُو شُعَيْبٍ الْحَرَّانِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ الْحَرَّانِيُّ، نا زُهَيْرٌ، نا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ نِمْرَانَ، أَنَّهُ قَالَ: قَرَأَ

стр. 1755

أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁، أَوْ قَرَأَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] قَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَا الاسْتِقَامَةُ؟ قَالَ: الاسْتِقَامَةُ أَنْ لا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُمُ الذَّيِنَ لَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَوْهُ. ٨١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَاعِزٍ الْعَامِرِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، " مُرْنِي بِأَمْرٍ أَعْتَصِمُ بِهِ، قَالَ: قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَقِمْ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَكْثَرُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا ". وَكَانَ الْحَسَنُ إِذَا تَلا هَذِهِ الْآيَةَ، قَالَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الاسْتِقَامَةَ ٨١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي الْمُطَّوِعِيِّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ، نا الْجَرَّاحُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَبُو قُتَيْبَةَ سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، نا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، نا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ
следующие страницы →