Полный текст (2 298 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.
стр. 2066
وقال آخرون: يعني: بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت المقدار.
﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ [الحاقة: ٦] وقد سبق تفسيرها، عاتية عتت على خزانها، فلم يكن لهم عليها سبيل، ولم يعرفوا كم خرج منها.
أخبرنا الحسن بن محمد الفارسي، أنا محمد بن عبد الله بن الفضل التاجر، أنا أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، نا محمد بن يحيى، نا سعيد بن أبي مريم، حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن قبيصة بن ذؤيب، أنه قال: ما يخرج من الريح شيء إلا عليها خُزَّان يعلمون قدرها، وعددها، وكيلها، حتى كانت التي أرسلت على عاد، فاندفق منها شيء لا يعلمون قدره غضبًا لله تعالى، ولذلك سميت عاتية.
وقوله: سخرها عليهم قال مقاتل: سلطها.
وقال الزجاج: أقامها عليهم كما شاء.
﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧] ولاء متتابعة، يعني: أن هذه الأيام والليالي تتابعت عليهم بالريح المهلكة، فلم يكن فيها فتور، ولا انقطاع.
قال الفراء: والحسوم التتابع إذا تتابع الشيء ولم ينقطع أوله عن آخره، قيل له: حسوم، وقال الزجاج: الذي توجبه اللغة في معنى حسومًا أي: تحسمهم حسومًا تفنيهم وتذهبهم.
وهذا معنى قول النضر بن شميل: حسمتهم فقطعتهم، وأهلكتهم.
﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا﴾ [الحاقة: ٧] أي: في تلك الليالي والأيام، ﴿صَرْعَى﴾ [الحاقة: ٧] جمع صريع، يعني: أنهم صرعوا بموتهم، ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] أصول نخل ساقطة، وهذا كقوله: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] وقد مر.
﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨] أي: من نفس باقية، يعني: لم يبق منهم أحد.
﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ [الحاقة: ٩] من الأمم الكافرة، وقرئ ومن قِبَلَهُ يعني: من يليه، ويحف به من جنوده وأتباعه، ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ [الحاقة: ٩] يعني: قرى قوم لوط، ويكون المعنى: وأهل المؤتفكات، ويجوز أن يريد: الأمم والجماعات الذين ائتفكوا بخطيئتهم، وقوله: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ [الحاقة: ٩] يعني: الشرك والكفر، وهي: مصدر كالخطأ والخطيئة.
﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة: ١٠] يعني: لوطًا، وموسى، ﴿فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠] نامية، زائدة على
стр. 2067
عذاب الأمم، قال الزجاج: تزيد على الأخذات.
وقال صاحب النظم: بالغة في الشدة، يقال: ربا الشيء يربو إذا زاد وتضاعف.
قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة: ١١] أي: تجاوز حده حتى علا كل شيء، وارتفع فوقه، يعني: زمن نوح، ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ [الحاقة: ١١] حملنا آباءكم، وأنتم في أصلابهم، ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] في السفينة، التي تجري في الماء.
لنجعلها لنجعل تلك الفعلة التي فعلناها، من إغراق قوم نوح، ونجاة من حملناه، تذكرة لكم عبرة، وموعظة، ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] تحفظها، وتسمعها أذن حافظة لما جاء من عند الله.
قال قتادة: أذن وسمعت، وعقلت ما سمعت.
وقال الفراء: لتحفظها كل أذن، فتكون عظة لمن يأتي بعد.
قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿١٣﴾ وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً ﴿١٤﴾ فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ﴿١٥﴾ وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ﴿١٦﴾ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴿١٧﴾ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴿١٨﴾ ﴾ [الحاقة: ١٣-١٨] .
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] قال عطاء: يريد النفخة الأولى.
وقال الكلبي، ومقاتل: يريد النفخة الأخيرة.
﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [الحاقة: ١٤] رفعت من أماكنها، ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤] كسرتا كسرة واحدة لا تثنى، حتى يستوي ما عليها من شيء مثل الأديم الممدود.
﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥] قامت القيامة.
﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الحاقة: ١٦] لنزول من فيها من الملائكة، ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦] قال الزجاج: يقال لكل ما ضعف جدًا: قد وهي فهو واه.
وقال الفراء: وَهْيُهَا تشققها.
﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] أطرافها ونواحيها، واحدها: رجى، مقصور، وتثنيته: رجوان، مثل: قفا وقفوان، قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة على حافاتها، حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض، فيحيطون بالأرض ومن عليها.
﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ [الحاقة: ١٧] فوق رءوسهم، يعني: الحملة، يومئذ يعني: يوم القيامة، ثمانية ثمانية أملاك، على صورة الأوعال، بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء،
стр. 2068
ويقال: ثمانية صفوف من الملائكة.
يومئذ تعرضون على الله لحسابكم، لا تخفى على الله، منكم خافية أي: نفس خافية، أو فعلة خافية، قال الكلبي: لا يخفى على الله من أعمالكم شيء.
١٢٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، نا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَازِمٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَلْخِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا وَحَاسِبُوهَا قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ غَدًا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] .
وقال أبو موسى الأشعري: يعرض الناس ثلاث عرضات، فأما عرضتان: فجدال، ومعاذير، وأما الثالثة: فعندما تتطاير الصحف، فآخِد كتابه بيمينه، وآخذ بشماله.
وذلك قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ﴿١٩﴾ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ ﴿٢٠﴾ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٢١﴾ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿٢٢﴾ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴿٢٣﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴿٢٤﴾ ﴾ [الحاقة: ١٩-٢٤] .
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] فيقول: تعالوا اقرءوا حسابيه.
وأهل اللغة يقولون: في تفسير ﴿هَاؤُمُ﴾ [الحاقة: ١٩] : خذوا.
قال ابن السكيت: يقال: هاء يا رجل، هاؤما يا رجلان، وهاؤم يا رجال.
إني ظننت علمت، وأيقنت في الدنيا، ﴿أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] أي: حسابي في الآخرة.
﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] حالة من العيش، ﴿رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] يرضاها، بأن لقي الثواب، وآمن العقاب.
﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢٢] المنازل.
﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] ثمارها قريبة ممن يتناولها، وهي جمع قطف، وهو ما يقطف من الثمار.
١٢٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّرَّكِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، أنا أَبُو الْوَلِيدِ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
стр. 2069
قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] : يَتَنَاوَلُ الرَّجُلُ مِنَ الثَّمَرَةِ وَهُوَ نَائِمٌ.
أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنِي أَبِي أَحْمَدُ بْنُ بِشْرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَسْعُودٍ البدشي، قَالا: نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدُكُمْ إِلا بِجَوَازِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ لِفُلانِ بْنِ فُلانٍ أَدْخِلُوهُ جَنَّةً عَالِيَةً، قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ» قوله: كلوا واشربوا، أي: ويقال لهم: كلوا وشربوا في الجنة، ﴿هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ [الحاقة: ٢٤] قدمتم من أعمالكم الصالحة، ﴿فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] الماضية، يريد: أيام الدنيا.
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴿٢٥﴾ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ﴿٢٦﴾ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ﴿٢٧﴾ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ﴿٢٨﴾ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴿٢٩﴾ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿٣١﴾ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ﴿٣٢﴾ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴿٣٣﴾ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣٤﴾ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا حَمِيمٌ ﴿٣٥﴾ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ ﴿٣٦﴾ لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ ﴿٣٧﴾ ﴾ [الحاقة: ٢٥-٣٧] .
﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥] يتمنى أنه لم يؤت، لما يرى فيه من قبائح أعماله، التي يسود بها وجهه.
﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] ولم أدر أي شيء حسابي، لأنه لا حاصل له في ذلك الحساب، إنما كله عليه.
﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] ليت الموتة التي متها لم أحي بعدها، ومعنى القاضية: القاطعة للحياة، تمنى دوام الموت، وأنه لم يبعث للحساب.
﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] لم يدفع عني من عذاب الله شيئًا.
﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩] ضلت عني حجتي، قال مقاتل: يعني: حين شهدت عليه الجوارح بالشرك.
وحينئذ يقول الله تعالى: خذوه فغلوه اجمعوا يده إلى عنقه.
﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣١] أدخلوه الجحيم.
﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ﴾ [الحاقة: ٣٢] وهي: حلق منتظمة، ﴿ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] قال نوف الشامي: كل ذراع سبعون باعا، كل باع أبعد مما بينك وبين مكة.
وكان في رحبة الكوفة، وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هو.
стр. 2070
فاسلكوه اجعلوه فيها، يقال: سلكته في الطريق، وفي القيد، وغيره.
إذا أدخلته فيه، قال الكلبي: كما يسلك الخيط في اللؤلؤ.
قال سويد بن أبي نجيح: بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة.
﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٣٣] لا يصدق بتوحيد الله، وعظمته.
﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٤] لا يطعم المسكين في الدنيا، ولا يأمر أهله بذلك.
﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَهُنَا﴾ [الحاقة: ٣٥] في الآخرة، حميم قريب ينفعه، أو يشفع له.
﴿وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] وهو صديد أهل النار، وما ينغسل من أبدانهم من القيح، والدم.
وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: لو أن قطرة من الغسلين وقعت في الأرض، أفسدت على الناس معايشهم.
ثم ذكر أن الغسلين أكل من هو، فقال: ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] قال الكلبي: يعني: من يخطأ بالشرك.
١٢٣٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْجَوْزَقِيُّ فِيمَا أَجَازَ لِي، أنا الْحُسَيْنُ الْحَجَّاجِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا أَبُو تُمَيْلَةَ، نا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَرَأَ نَافِعٌ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة: ٣٧] فَقَالَ: مَهْ كُلُّنَا نُخْطِئُ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨﴾ وَمَا لا تُبْصِرُونَ ﴿٣٩﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿٤٠﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾ وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٣﴾ ﴾ [الحاقة: ٣٨-٤٣] .
قوله: فلا أقسم لا رد لكلام المشركين، كأنه قيل: ليس الأمر كما يقول المشركون.
﴿أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨﴾ وَمَا لا تُبْصِرُونَ ﴿٣٩﴾ ﴾ [الحاقة: ٣٨-٣٩] قال قتادة: أقسم بالأشياء كلها، ما يبصر منها، وما لا يبصر، ويدخل في هذا جميع المكونات، والموجودات في الدنيا والآخرة.
إنه إن القرآن، ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] يعني: محمدًا ﷺ ، والمعنى: إنه لتلاوة رسول كريم وتلاوته قوله.
﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] لا تصدقون بأن القرآن من عند الله، وأريد بالقليل نفي إيمانهم أصلًا، كما تقول لمن لا يزورك: قلَّ ما تأتينا.
وأنت تريد: لا يأتينا أصلًا، ومن قرأ: يؤمنون بالياء، فهو إخبار عن المشركين.
﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ [الحاقة: ٤٢] وهو الذي يقضي على الغائب.
стр. 2071
١٢٣٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا ابْنُ الْمُغِيرَةِ، نا صَفْوَانُ، نا شُرَيْحُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: خَرَجْتُ أَتَعَرَّضُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقَّةِ، فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَقَرَأَ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿٤٠﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلا مَا تُؤْمِنُونَ ﴿٤١﴾ ﴾ [الحاقة: ٤٠-٤١] قَالَ: قُلْتُ: كَاهِنٌ، قَالَ: ﴿وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ ﴿٤٢﴾ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٤٣﴾ ﴾ [الحاقة: ٤٢-٤٣] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ: فَوَقَعَ الْإِسْلامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ.
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ﴿٤٤﴾ لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿٤٥﴾ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴿٤٦﴾ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ﴿٤٨﴾ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿٥٠﴾ وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ ﴿٥١﴾ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٥٢﴾ ﴾ [الحاقة: ٤٤-٥٢] .
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة: ٤٤] محمد ما لم نقله، أي: يكلف القول، وأتى به من عند نفسه.
﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] لأخذناه بالقوة، والقدرة، قاله الفراء، والمبرد، والزجاج.
قال ابن قتيبة: وإنما أقام اليمين مقام القوة، لأن قوة كل شيء في ميامنه.
﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] وهو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، إذا انقطع بطلت القوى، ومات صاحبه، والمفسرون يقولون: إنه نياط القلب.
﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ليس منكم أحد يحجزنا عنه، أي: أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم، مع علمه بأنه لو تكلف ذلك لعاقبناه، ثم لم تقدروا أنتم على دفع عقوبتنا عنه.
ثم ذكر أن القرآن ما هو، فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: ٤٨] لعظة لمن اتقى عقاب الله بطاعته.
﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ [الحاقة: ٤٩] علمنا: أن بعضكم يكذبه.
﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠] يعني: يوم القيامة، يندمون على ترك الإيمان به.
﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: ٥١] أنه من عند الله.
ثم أمره بتنزيهه عن السوء، بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] .
стр. 2072
تفسير سورة المعارج
أربعون وأربع آيات، مكية.
١٢٣٨ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ سَأَلَ سَائِلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ الَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿١﴾ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ﴿٢﴾ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ﴿٣﴾ تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿٤﴾ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ﴿٥﴾ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا ﴿٦﴾ وَنَرَاهُ قَرِيبًا ﴿٧﴾ ﴾ [المعارج: ١-٧] .
﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] نزلت في النضر بن الحارث، حين قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، والمعنى: دعى داع على نفسه، وهو قوله: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية، وقوله: ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١] أي: كائن، يعني: أن العذاب كائن للكفار، واقع بهم، فاستعجله النضر، والباء في بعذاب زيادة للتوكيد، كقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] ، وتأويل الآية: سأل سائل عذابًا واقعًا،
стр. 2073
ومن قرأ سال بغير همز، فإنه خفف الهمزة وقلبها ألفًا، وقوله: للكافرين تقدير الكلام: بعذاب للكافرين واقع، والمعنى: أن العذاب الذي سأله النضر في الدنيا هو للكافرين في الآخرة، لا يدفعهم عنهم أحد، وهو قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ [المعارج: ٢] من الله، أي: بعذاب.
﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: ٣] وهي الدرجات، قال الكلبي: ذي السموات، وسماها معارج، لأن الملائكة تعرج فيها.
وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] أي: إلى الموضع الذي لا يجري لأحد سواه فيه حكم، فجعل عروجهم إلى ذلك الموضع عروجًا إليه، كقول إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى حيث أمرني ربي بالذهاب إليه، وقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] قال عكرمة، وقتادة: يعني يوم القيامة.
١٢٣٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَّوِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا زُهَيْرٌ، نا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، نا دَرَّاجٌ، أَنَّ أَبَا الْهَيْثَمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمٌ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مَا أَطْوَلَ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَخَفَّ عَلَيْهِ مِنْ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا»
وروى ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أنه قال: في هذه الآية، وفي قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ [الحج: ٤٧] : يومان ذكرهما الله في كتابه، أكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم.
وقال قوم: معنى الآية: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] لو ولي الحساب غير الله.
هذا معنى قول عطاء، عن ابن عباس، ومقاتل.
قال عطاء: ويفرغ الله في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا.
قوله: فاصبر يا محمد على تكذبيهم إياك، صبرًا
стр. 2074
جميلًا لا جزع فيه، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال.
إنهم يرونه يرون العذاب، بعيدًا غير كائن.
ونراه قريبًا كائنًا، لأن ما هو آت قريب.
ثم أخبر متى يقع بهم العذاب، فقال: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ ﴿٨﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ ﴿٩﴾ وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ﴿١٠﴾ يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ﴿١١﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ﴿١٢﴾ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُئْوِيهِ ﴿١٣﴾ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴿١٤﴾ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى ﴿١٥﴾ نَزَّاعَةً لِلشَّوَى ﴿١٦﴾ تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ﴿١٧﴾ وَجَمَعَ فَأَوْعَى ﴿١٨﴾ ﴾ [المعارج: ٨-١٨] .
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] قال ابن عباس: كدردي الزيت.
وقال عطاء: كعكر القطران.
وقال الحسن: مثل الفضة إذا ذيبت.
﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩] كالصواف الأحمر في ختفها، وسيرها.
﴿وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ [المعارج: ١٠] لا يسأل الرجل قرابته، من شدة الأهوال، والمعنى: لا يسأل قرابة عن قرابته اشتغالًا بنفسه، وروي عن ابن كثير بضم الياء، أي: لا يقال لحميم أين حميمك؟ قال الفراء: ولست أشتهي ضم الياء، لأنه مخالف للتفسير، ولما أجمع عليه القراء.
يبصرونهم يعرفونهم، ويرونهم، أي: يعرف الحميم حميمه حتى يعرفه، ومع ذلك لا يسأل عن شأنه، لشغله بنفسه، ويقال: بصّرتُ زيدًا بكذا، إذا عرفته إياه، ثم يحذف الجار، فيقال: بصرته كذا.
والآية على حذف الجار، يود المجرم المشرك الكافر، ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] لشدة ما يرى، يتمنى أن لو قبل منه أولاده فداء وأعزته، وهو قوله: ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ﴿١٢﴾ وَفَصِيلَتِهِ﴾ [المعارج: ١٢-١٣] عشيرته الأقربين، التي تئويه تضمه، ويأوي إليها، يقول الله تعالى: يود لو يفتدي بهذه الأشياء.
ثم ينجيه ذلك الفداء.
كلا لا ينجيه ذلك، إنها لظى وهي من أسماء النار، ومعناها في اللغة: اللهب الخالص، يقال: لظيت النار، تلظى لظى.
نزاعة أي: هي نزاعة، ﴿لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٦] وهي الأطراف: اليدان والرجلان، قال مقاتل: تنزع النار الأطراف، فلا تترك لحمًا، ولا جلدًا، إلا أحرقته.
وقال الضحاك: تنزع الجلد، واللحم عن العظم.
стр. 2075
ومن قرأ: ﴿نَزَّاعَةً﴾ [المعارج: ١٦] بالنصب، فعلى أنها مؤكدة، كما قال: ﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [فاطر: ٣١] .
﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٧] تدعو النار من أدبر، وتولى عن الحق، فتقول: إليّ يا مشرك، إليّ يا منافق، إليّ يا فاسق، إليّ يا ظالم.
وجمع المال، فأوعى أي: أمسكه في الوعاء، ولم ينفقه في طاعة الله، فلم يؤد زكاة، ولا وصل رحمًا.
﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ﴿١٩﴾ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١﴾ إِلا الْمُصَلِّينَ ﴿٢٢﴾ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴿٢٣﴾ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴿٢٤﴾ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴿٢٥﴾ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٢٦﴾ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴿٢٧﴾ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ ﴿٢٨﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴿٢٩﴾ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴿٣٠﴾ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴿٣١﴾ وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴿٣٢﴾ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ ﴿٣٣﴾ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴿٣٤﴾ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴿٣٥﴾ ﴾ [المعارج: ١٩-٣٥] .
﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ضجورًا، شحيحًا، جزوعًا، من الهلع وهو: شدة الحرص، وقلة الصبر، والمفسرون يقولون: تفسير الهلوع: ما بعده، وهو قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴿٢٠﴾ وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴿٢١﴾ ﴾ [المعارج: ٢٠-٢١] إذا أصابه الفقر لا يصبر، ولا يحتسب، وإذا أصابه المال منعه من حق الله.
ثم استثنى الموحدين، فقال: ﴿إِلا الْمُصَلِّينَ ﴿٢٢﴾ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴿٢٣﴾ ﴾ [المعارج: ٢٢-٢٣] يقيمونها في أوقاتها، لا يدعونها بالليل والنهار، يعني: المكتوبة.
١٢٤٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ، أنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، أنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَأَلْنَا عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] هُمُ الَّذِينَ يُصَلُّونَ أَبَدًا؟ قَالَ: لا وَلَكِنَّهُ الَّذِي إِذَا صَلَّى لَمْ يَلْتَفِتْ عَنْ يَمِينِهِ وَلا عَنْ شِمَالِهِ
وهذا القول اخيتار الزجاج، قال: هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة.
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] يعني: الزكاة المفروضة.
للسائل وهو الذي يسأل، والمحروم الفقير الذي لا يسأل، يتعفف عن السؤال، وقد سبق تفسيره.
стр. 2076
وما بعد هذا مفسر في ﴿ [المؤمنين إلى قوله: والذين هم بشهادتهم قائمون، وقرئ:] بِشَهَادَاتِهِمْ﴾ [سورة المعارج: ٣٣] والإفراد أولى لأنه مصدر، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات، والمعنى: أنهم يقومون فيها بالحق، ولا يكتبونها.
قوله: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴿٣٦﴾ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ ﴿٣٧﴾ أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴿٣٨﴾ كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾ فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴿٤٠﴾ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿٤١﴾ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴿٤٢﴾ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴿٤٣﴾ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴿٤٤﴾ ﴾ [المعارج: ٣٦-٤٤] .
﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ [المعارج: ٣٦] نزلت الآية في جماعة من الكفار، جلسوا حول النبي ﷺ يستهزئون بالقرآن، ويكذبون به، فقال الله تعالى: ما لهم ينظرون إليك، ويجلسون عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون.
وتفسير المهطع قد تقدم.
﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] جماعات في تفرقة، واحدتها: عزة، وهي العصبة من الناس، وكانوا يقولون: إن كان أصحاب محمد يدخلون الجنة، فإنما ندخلها قبلهم.
فقال الله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [المعارج: ٣٨] قال ابن عباس: أيطمع كل رجل منهم أن يدخل جنتي، كما يدخلها المسلمون، ويتنعم فيها، وقد كذب بنبيي.
كلا لا يكون ذلك، ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] أي: من المقاذير والأنجاس، أي: فمتى يدخلون الجنة، ولم يؤمنوا بي، ولم يصدقوا رسولي؟ نبه الناس بهذا على أن الناس كلهم من أصل واحد، وإنما يتفاضلون بالإيمان، والطاعة.
стр. 2077
١٢٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَكَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الصَّائِغُ، نا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، نا جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ بِشْرِ بْنِ جَحَّاشٍ، قَالَ: تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ [المعارج: ٣٩] ثُمَّ بَزَقَ عَلَى كَفِّهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ آدَمَ، أَنَّى تُعْجِزُنِي، وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ حَتَّى إِذَا سَوَّيْتُكَ وَعَدَلْتُكَ، مَشَيْتَ بَيْنَ بُرْدَيْنِ وَلِلْأَرْضِ مِنْكَ وَئِيدٌ فَجَمَعْتَ وَمَنَعْتَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ قُلْتُ: أَتَصَدَّقُ، وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟
قوله: فلا أقسم معناه: فأقسم، ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠] يعني: مشرق كل يوم من السنة، ومغربه، ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴿٤٠﴾ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [المعارج: ٤٠-٤١] على أن نخلق أمثل منهم، وأطوع لله حين عصواهم، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [المعارج: ٤١] مفسر في ﴿ [الواقعة.
] فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ [سورة المعارج: ٤٢] مفسر في ﴿ [الطور.
يوم يخرجون من الأجداث سراعًا كأنهم إلى نصب يوفضون أي: يخرجون بسرعة، كأنهم يستبقون إلى علم نصب لهم، والنصب: كل شيء نصب، ومن قرأ:] نُصُبٍ﴾ [سورة المعارج: ٤٣] بضمتين، فقال الحسن: يعني: أنصابهم.
وهي الأصنام يسرعون إليها، أيهم يستلمها أولًا، ومعنى يوفضون: يسرعون، يقال: أوفض إيفاضًا.
وباقي السورة مفسر فيما سبق.
стр. 2078
تفسير سورة نوح
عشرون وثمان آيات، مكية.
١٢٤٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ نُوحٍ كَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِي تُدْرِكُهُمْ دَعْوَةُ نُوحٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١﴾ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٢﴾ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴿٣﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ﴾ [نوح: ١-٤] .
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ﴾ [نوح: ١] بأن، ﴿أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١] يعني: الطوفان، والغرق، والمعنى: أرسلناه لينذرهم بعذاب أليم إن لم يؤمنوا.
فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: ٢] أنذركم، وأبين لكم.
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ﴿٣﴾ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣-٤] قال مقاتل: من ههنا صلة، يريد: يغفر لكم ذنوبكم.
وقال أهل المعاني: يعني: ما سلف من ذنوبهم إلى وقت الإيمان، وهو بعض ذنوبهم.
﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [نوح: ٤] أي: عن العقوبات والشدائد، والمعنى: يعافيكم إلى منتهى آجالكم، ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤] يقول: آمنوا قبل الموت، تسلموا من العقوبات، فإن أجل الموت إذا حل لم يؤخر، فلا يمكنكم الإيمان إذا جاء الأجل.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا ﴿٥﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا ﴿٦﴾ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿٧﴾ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٨﴾ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴿٩﴾ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ ﴾ [نوح: ٥-١١] .
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا ﴿٥﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلا فِرَارًا ﴿٦﴾ ﴾ [نوح: ٥-٦] قال مقاتل: يعني: تباعدا من الإيمان.
стр. 2079
﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ﴾ [نوح: ٧] إلى طاعتك، والإيمان بك، ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] لئلا يسمعون صوتي، ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] غطوا بها وجوهم، لئلا يروني، وأصروا على كفرهم، واستكبروا عن دعوتي، والإيمان بك.
﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ [نوح: ٨] معلنًا لهم بالدعاء، قال ابن عباس: بأعلى صوتي.
﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ﴾ [نوح: ٩] أي: كررت لهم الدعاء، معلنًا وإسرارًا، وهو قوله: ﴿وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٩] قال ابن عباس: يريد: الرجل بعد الرجل، أكلمه سرًا، فيما بيني وبينه، أدعوه إلى عبادتك وتوحيدتك.
﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: ١٠] قال مقاتل: إن قوم نوح لما كذبوه زمانًا طويلًا، حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فقال لهم نوح: استغفروا ربكم من الشرك.
أي: استدعوا مغفرته بالتوحيد.
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] كثير الدر، وهو التخلب بالمطر.
١٢٤٣ - أَخْبَرَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أنا أَبُو يَزِيدَ الْخَالِدِيُّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ ﵁، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ يَسْتَسْقِي، فَلَمْ يَذْكُرْ إِلا الاسْتِغْفَارَ حَتَّى نَزَلَ، فَلَمَّا نَزَلَ قِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا سَمِعْنَاكَ اسْتَسْقَيْتَ، قَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ الْغَيْثَ بِمَجَادِيحِ السَّمَاءِ الَّتِي بِهَا يُسْتَنْزَلُ الْقَطْرُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾
﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ ﴾ [نوح: ١١] ، وقرأ التي في هود: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢] .
وقوله:
стр. 2080
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴿١٤﴾ أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴿١٥﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿١٦﴾ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا ﴿٢٠﴾ ﴾ [نوح: ١٢-٢٠] .
﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢] قال عطاء: يكثر أموالكم، وأولادكم.
﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ [نوح: ١٢] يعني: البساتين، ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٢] أعلمهم نوح: أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخر الخصب والغنا في الدنيا.
﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣] لا تخافون لله عظمة، فالرجاء ههنا بمعنى: الخوف، والوقار: العظمة، اسم من التوقير وهو التعظيم، والمعنى: لا تعلمون حق عظمته فتوحدوه، وتطيعوه، وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده: من خلقه إياكم، ومن خلق السموات والأرض، وهو قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤] يعني: نطفة، ثم علقة شيئًا بعد شيء إلى آخر الخلق، وطورًا بعد طور، بتقليبكم من حال إلى حال، قال ابن الأنباري: الطور: الحال، وجمعه أطوار.
وتلا هذه الآية.
﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] قال ابن عباس: وجهه في السموات، وقفاه في الأرض.
وهذا قول عبد الله بن عمر، وقال في هذه الآية: وجوههما إلى السماء، وأقفاهما إلى الأرض، يضيئان في السماء، كما يضيئان في الأرض.
ونحو هذا قال قتادة، وقال أهل المعاني: هذا على المجاز، كما تقول: أتيت بني تميم، وإنما أتيت بعضهم، وركب إلى بغداد في السفر، وتوارى في دور بني فلان، فيقام البعض مقام الكل، كذلك القمر جعل نورًا في السماء الدنيا، ثم جاز أن يقال فيهن.
﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٦] يستضاء به، ويضيء العالم.
﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [نوح: ١٧] يعني: مبتدأ خلق آدم، وآدم خلق من الأرض، والناس ولده، وقوله: نباتًا اسم جعل في موضع المصدر، والمعنى: ينبتون نباتًا.
﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾ [نوح: ١٨] بعد الموت،
стр. 2081
قوله: ويخرجكم إخراجًا للبعث.
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] فرشها، وبسطها، ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلا فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠] طرقًا واسعة.
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا ﴿٢١﴾ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴿٢٢﴾ وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ﴿٢٣﴾ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا ضَلالا ﴿٢٤﴾ ﴾ [نوح: ٢١-٢٤] .
﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ [نوح: ٢١] لم يجيبوا دعوتي، واتبعوا اتبع السفلة والفقراء الرؤساء والكبراء، الذين لم يزدهم كثرة المال، والأولاد، إلا ضلالًا في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، وهو قوله: ﴿مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلا خَسَارًا ﴿٢١﴾ وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا ﴿٢٢﴾ ﴾ [نوح: ٢١-٢٢] عظيمًا، يقال: كبير وكبار وكبار، ومعنى المكر: السعي بالفساد، وذلك بمنع الرؤساء أتباعهم عن الإيمان بنوح.
وقوله: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح: ٢٣] أي: عبادتها، ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا﴾ [نوح: ٢٣] إلى قوله: ونسرًا وهذه أسماء آلهتهم، قال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين، كانوا بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم، يأخذون بأخذهم في العبادة، فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم كان أنشط لكم، وأشوق إلى العبادة.
ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم، فقال لهم إبليس: إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم.
فعبدوهم.
فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء، لأنهم صوروها على صورة أولئك القوم المسلمين، المسمين بهذه الأسماء، والفتح في ود أشهر وأعرف، قال الأخفش: لعل الضم أن يكون لغة في اسم الصنم.
وقوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] قال مقاتل: أضل كبراؤهم كثيرًا من الناس.
ويجوز أن يكون المعنى: أضل الأصنام كثيرًا، أي: ضلوا
стр. 2082
بسببها، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ، ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ [نوح: ٢٤] الكافرين، إلا ضلالا هذا دعاء عليهم، بعد أن أعلمه الله أنهم لا يؤمنون، وهو قوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦] .
قوله: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا ﴿٢٥﴾ وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ﴿٢٦﴾ إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا ﴿٢٧﴾ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلا تَبَارًا ﴿٢٨﴾ ﴾ [نوح: ٢٥-٢٨] .
مما خطيئاتهم وما صلة، والمعنى: من خطيئاتهم، أي: من أجلها وسببها، وقرئ خطاياهم وكلاهما جمع خطيئة، أغرقوا بالطوفان، فأدخلوا نارًا قال مقاتل: أدخلوا في الآخرة نارًا.
وقال الكلبي: سيدخلون في الآخرة نارًا.
وجاء لفظ المضي بمعنى الاستقبال، لصدق الوعد به، ﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ٢٥] لم يجدوا أحدًا يمنعهم من عذاب الله.
﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] نازل دار، يعني: لا تدع أحدًا منهم إلا أهلكته، يقال: ما بالدار ديار، أي: ما بها أحد.
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ [نوح: ٢٧] قال الكلبي، ومقاتل: هو أن الرجل منهم كان ينطلق بابنه إلى نوح، يحذره تصديقه، والإيمان به، ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧] أخبر الله نوحًا، ﵇، أنهم لا يلدون مؤمنًا، لذلك علم فقال: ﴿وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا﴾ [نوح: ٢٧] خارجًا عن طاعتك، كفارًا لنعمتك.
﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] يعني: لمك بن متوشلخ، وسمخا بنت أنوش، وكانا مؤمنين، ﴿وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا﴾ [نوح: ٢٨] قال الضحاك، والكلبي: يعني مسجده.
وللمؤمنين والمؤمنات عام في كل من آمن بالله تعالى، وصدق بالرسل، ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ﴾ [نوح: ٢٨] يعني: قومه، إلا تبارًا هلاكًا، فاستجاب الله دعاءه، وأهلكهم.
стр. 2083
تفسير سورة الجن
عشرون وثمان آيات، مكية.
١٢٤٤ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْجِنِّ أُعْطِيَ بِعَدَدِ كُلِّ جِنِّيٍّ وَشَيْطَانٍ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَذَّبَ بِهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا ﴿١﴾ يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿٢﴾ وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا ﴿٣﴾ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ﴿٤﴾ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿٥﴾ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿٦﴾ وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ﴿٧﴾ ﴾ [الجن: ١-٧] .
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ﴾ [الجن: ١] الآية.
١٢٤٥ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا أَبُو عُمَروَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو يَعْلَى، نا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٍ، نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْجِنِّ وَمَا رَآهُمُ، انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: قَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلا لِشَيْءٍ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا
стр. 2084
نَحْوَ تِهَامَةَ، بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِنَخْلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيِّهِ ﵇ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ شَيْبَانَ، كِلاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةَ.
١٢٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الزَّاهِدُ، أنا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى بْنِ مُجَاشِعٍ، نا هُدْبَةُ، نا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، نا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ مِنَّا مَعَهُ أَحَدٌ، فَقَدْنَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقُلْنَا: اغْتِيلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَوِ اسْتُطِيرَ، فَانْطَلَقْنَا نَطْلُبُهُ فِي الشِّعَابِ فَلَقِينَاهُ مُقْبِلًا مِنْ نَحْوِ حِرَاءَ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ كُنْتَ؟ لَقَدْ أَشْفَقْنَا عَلَيْكَ، وَقُلْنَا: بِتْنَا اللَّيْلَةَ بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ حِينَ فَقَدْنَاكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ، فَذَهَبْتُ أُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، فَذَهَبَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ صَحِبَهُ مِنَّا أَحَدٌ فَلَمْ يَصْحَبْهُ
١٢٤٧ - قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، يَأْخُذُونَهُ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ
стр. 2085
أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : «لا تَسْتَنْجُوا بِالْعِظَامِ وَلا بِالْبَعْرِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» قَالَ دَاوُدُ: وَلا أَدْرِي هَذَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ إِلا ذِكْرَ الزَّادِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّة، عَنْ دَاوُد
ومعنى قوله: قرآنا عجبًا قال ابن عباس: بليغًا.
والمعنى: قرآنا ذا عجب، يعجب منه لبلاغته.
﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: ٢] يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان، فآمنا به بذلك القرآن، ولن نشرك لن نعدل، بربنا أحدًا يعنون: إبليس، أي: لا نطيعه في الشرك بالله.
قوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: ٣] الاختيار كسر إن، لأنه من قول الجن لقومهم، فهو معطوف على قوله: ﴿فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا﴾ [الجن: ١] ، وقالوا: وإنه تعالى جد ربنا، وأما من فتح، فقال الفراء: رد أن في كل ال ﴿ [على قوله:] فَآمَنَّا بِهِ﴾ [سورة الجن: ٢] وآمنا بكل ذلك، ففتح أنه: لوقوع الإيمان عليه، ومعنى: جد ربنا جلال ربنا، وعظمته، يقال: جد فلان.
أي: عظم، ومنه الحديث: " كان الرجل إذا قرأ البقرة جد فينا، أي: عظم قدره "، قال الزجاج: تعالى جلال ربنا، وعظمته عن أن يتخذ صاحبة، أو ولدًا.
وهو قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن: ٣] .
﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا﴾ [الجن: ٤] يعني: الكفار والمشركين منهم، وقال مجاهد، وقتادة: هو إبليس.
﴿عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤] كذبًا، وجورًا، وهو وصفه بالشرك والولد.
وأنا ظننا قالت الجن: إنا ظننا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله، بأن له شريكًا، وصاحبة، وولدًا.
أي: كنا نظنهم صادقين حتى سمعنا القرآن.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦] وهو أن الرجل في الجاهلية كان إذا سافر، فأمسى في قفر
стр. 2086
من الأرض، قال: أعوذ بسيد هذا الوادي، من شر سفهاء قومه.
فيبيت في جوار منهم حتى يصبح.
١٢٤٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، نا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي المفر، أنا الْقَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ كَرْدَمِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي إِلَى الْمَدِينَةِ، وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَآوَانَا الْمَبِيتُ إِلَى صَاحِبِ غَنَمٍ، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جَاءَ ذِئْبٌ، فَأَخَذَ حَمَلًا مِنَ الْغَنَمِ، فَوَثَبَ الرَّاعِي فَنَادَى: يَا عَامِرَ الْوَادِي جَارَكَ، فَنَادَى مُنَادٍ لا نَرَاهُ: يَا سَرْحَانُ أَرْسِلْهُ، فَإِذَا الْحَمَلُ يَشْتَدُّ حَتَّى دَخَلَ الْغَنَمَ لَمْ تُصِبْهُ كَدْمَةٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ ﷺ ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] يَعْنِي
стр. 2087
سَفَهًا وَطُغْيَانًا وَظُلْمًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَزْدَادُونَ بِهَذَا التَّعَوُّذِ طُغْيَانًا
يقولون: سدنا الجن والإنس.
وأنهم ظنوا يقول الله تعالى: ظن الجن، كما ظننتم أيها الإنس المشركون، أنه لا بعث يوم القيامة.
أي: كانوا لا يؤمنوا بالبعث، كما أنكم لا تؤمنون به.
وقالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴿٨﴾ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ﴿٩﴾ وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴿١٠﴾ ﴾ [الجن: ٨-١٠] .
﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨] قال الكلبي: أتينا السماء.
﴿فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا﴾ [الجن: ٨] وهم: الملائكة الذي يحرسون السماء من استراق السمع، وشهبًا وهي: النار التي ترجم بها الشياطين، كقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] .
﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٩] من السماء، مقاعد للسمع أي: كنا نستمع، والآن حين حاولنا الاستماع رمينا بالشهب، وهو قوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] أرصد له ليرمى به، قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم.
قلت: أقرأت قوله: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا﴾ [الجن: ٩] الآية.
قال: غلظت، وشدد أمرها حين بعث محمد ﷺ .
وقال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه، ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه.
وكانوا يسترقون في بعض الأحوال، فلما بعث، منعوا من ذلك أصلًا.
ثم قالوا: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن: ١٠] أي: بحدوث الرجم بالكواكب، وحراسة السماء، أم صلاح وهو قوله: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] .
ثم أخبروا عن أحوالهم، فقالوا: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ﴿١١﴾ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴿١٢﴾ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا ﴿١٣﴾ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴿١٤﴾ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴿١٥﴾
стр. 2088
وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴿١٦﴾ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴿١٧﴾ ﴾ [الجن: ١١-١٧] .
﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ﴾ [الجن: ١١] المؤمنون، المخلصون، ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: ١١] دون الصالحين، ﴿كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١] جماعات متفرقين، وأصنافًا مختلفة، والقدة: القطعة من الشيء، وصار القوم قددًا إذا تفرقت حالاتهم، قال مجاهد: يعنون: مسلمين وكافرين.
وقال الحسن: الجن أمثالكم، فمنهم قدرية، ومنهم مرجئة، ورافضة، وشيعة.
وأنا ظننا علمنا وأيقنا، ﴿أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الأَرْضِ﴾ [الجن: ١٢] لن نفوته إذا أراد بنا أمرًا، ﴿وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ [الجن: ١٢] أي: أنه يدركنا حيث كنا.
﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى﴾ [الجن: ١٣] القرآن، وما أتى به محمد ﷺ ، آمنا به صدقنا أنه من عند الله، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا﴾ [الجن: ١٣] نقصانًا من عمله وثوابه، ولا رهقًا ولا مكروهًا يغشاه.
﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ [الجن: ١٤] وهم الذين آمنوا بالنبي ﷺ ، ومنا القاسطون الجائرون الظالمون، قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله ندًا.
﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] قصدوا طريق الحق، وقال الفراء: أموا الهدى.
وأما القاسطون الذين عدلوا، وكفروا بربهم، ﴿فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وكانوا وقودًا للنار في الآخرة.
ثم رجع إلى كفار مكة، فقال: وأن لو استقاموا على الطريقة.
لو آمنوا، واستقاموا على الهدى، ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] كثيرًا، قال مقاتل: ماء كثيرًا من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين.
وقال ابن قتيبة: لو آمنوا
стр. 2089
جميعًا لوسعنا عليهم في الدنيا.
وضرب الماء الغدق مثلًا، لأن الخير كله والرزق بالمطر يكون، وهذا كقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [الأعراف: ٩٦] الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٦] الآية.
لنفتنهم فيه لنختبرهم، فنعلم كيف شكرهم، ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾ [الجن: ١٧] يعني: القرآن، نسلكه ندخله، عذابًا صعدًا شاقًا، والمعنى: ذا صعد، أي: ذا مشقة.
قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿١٩﴾ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴿٢٠﴾ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا ﴿٢١﴾ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٢﴾ إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿٢٣﴾ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ﴿٢٤﴾ ﴾ [الجن: ١٨-٢٤] .
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨] يعني: المواضع التي بنيت للصلاة وذكر الله، ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم، أشركوا بالله، فأمر الله أن يخلص المسلمون له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم.
وقال سعيد بن جبير: المساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد.
وهذا القول اختيار ابن الأنباري، قال: يقول: هذه الأعضاء التي يقع السجود عليها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغيره.
وقال الحسن: أراد البقاع كلها.
يعني: أن الأرض كلها مواضع للسجود، وجعلت مسجدًا لهذه الأمة،
стр. 2090
يقول: الأرض كلها مخلوقة لله، فلا يسجدوا عليها لغير خالقها.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: ١٩] يعني: النبي ﷺ في قول الجميع، وذلك حين كان يصلي ببطن نخلة، ويقرأ القرآن، يدعوه أي: يعبده، ﴿كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩] كادوا يركبونه حرصًا على القرآن، وحبًا لاستماعه، قال الزجاج: ومعنى لبدًا: يركب بعضهم بعضًا.
ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش، ومن قرأ: لبدًا بضم اللام، فهو بمعنى: الكثير، من قوله تعالى: ﴿أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا﴾ [البلد: ٦] ، وإنما قيل للكثير لبدا لركوب بعضه بعضًا.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] قال مقاتل: إن كفار مكة، قالوا للنبي ﷺ : إنك جئت بأمر عظيم لم نسمع بمثله، فارجع عنه.
فأنزل الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي﴾ [الجن: ٢٠] ومن قرأ قال حمل هذا على أن النبي ﷺ أجابهم بهذا، فقال: ﴿إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴿٢٠﴾ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ [الجن: ٢٠-٢١] لا أقدر أن أدفع عنكم ضرًا، ولا أسوق إليكم رشدًا، أي: خيرًا، يعني: أن الله يملك ذلك لا أنا.
﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن: ٢٢] إن عصيته لم يمنعني منه أحد، وذلك أنهم قالوا: اترك ما تدعو إليه، ونحن نجيرك.
﴿وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: ٢٢] ملجأ وحرزًا، والملتحد معناه في اللغة: فمال، والمعنى: موضعًا أميل إليه في الالتجاء.
﴿إِلا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن: ٢٣] أي: لا ينجيني إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به، قال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذابه.
يعني: التبليغ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الجن: ٢٣] في التوحيد، فلم يؤمن، ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿٢٣﴾ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٣-٢٤] يعني: من العذاب
стр. 2091
يوم القيامة، فسيعلمون عند نزول العذاب، ﴿مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا﴾ [الجن: ٢٤] أهم أم المؤمنين؟ وأقل عددًا يعني: جندا وناصرًا.
فلما سمعوا هذا، قال النضر بن الحارث: متى هذا الوعد الذي يوعدنا؟ فأنزل الله : ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ﴿٢٥﴾ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨﴾ ﴾ [الجن: ٢٥-٢٨] .
﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي﴾ [الجن: ٢٥] ما أدري، ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ [الجن: ٢٥] من العذاب، ﴿أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ [الجن: ٢٥] غاية وبعدًا، قال عطاء: يريد: أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله وحده.
والمعنى: أن علم وقت ذلك العذاب غيب، ولا يعلمه إلا الله، وهو قوله: عالم الغيب أي: ما غاب عن العباد، فلا يظهر فلا يطلع، علي غيبه على الغيب الذي يعلمه، أحدًا من الناس.
ثم استثنى، فقال: ﴿إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] يعني: الرسل، لأنه يستدل على نبوتهم بالآية المعجزة بأن يخبروا بالغيب، والمعنى: أن من ارتضاه للرسالة والنبوة، فإنه يطلعه على ما شاء من غيبه، وفي هذا دليل على أن من النجوم ما يدله على ما يكون من حادث، فقد كفر بما في القرآن، ثم ذكر أنه يحفظ ذلك الذي يطلع عليه الرسول، ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] أي: يجعل بين يديه وخلفه مرصدًا من الملائكة، يحوطون الوحي من أن يسترقه الشياطين، فيلقوه إلى الكهنة، والرصد من الملائكة يدفعون الجن من أن يستمع ما ينزل من الوحي.
ليعلم محمد،
стр. 2092
﴿أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة، كما بلغ هو، إذ كانوا محروسين من الشيطان، ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ [الجن: ٢٨] علم الله ما عند الرسل، فلم يخف عليه شيء، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] قال ابن عباس: أحصى ما خلق، وعرف عدد ما خلق، لم يفته علم شيء حتى مثاقيل الذر، والخردل.
стр. 2093
تفسير سورة المزمل
عشرون آية، مكية.
١٢٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَفَّافُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ يَا أيها المزمل رُفِعَ عَنْهُ الْعُسْرُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ﴿١﴾ قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا ﴿٢﴾ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا ﴿٣﴾ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلا ﴿٤﴾ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ﴿٥﴾ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلا ﴿٦﴾ إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا ﴿٧﴾ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا ﴿٨﴾ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا ﴿٩﴾ ﴾ [المزمل: ١-٩] .
﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] أصله المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي، والخطاب للنبي ﷺ ، وكان يتزمل بالثياب في أول ما جاءه جبريل فرقًا منه، حتى أنس به، وقال السدي: يعني: يأيها النائم، وكان قد تزمل للنوم.
ومعنى التزمل: التلفف في الثوب، وخوطب بهذه الآية في أول ما بدئ بالوحي ولم يكن قد بلغ شيئًا، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول.
قم الليل أي: للصلاة، وكان قيام الليل فريضة على الرسول الله ﷺ ، وقوله: إلا قليلًا تقدير الآية: قم الليل، نصفه إلا قليلًا، أي: قم نصف الليل، أي: صل من الليل النصف إلا قليلًا، وهو قوله: ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] أي: من النصف.
﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤] على النصف، قال المفسرون: أو انقص من النصف قليلًا إلى الثلث، أو زد على النصف قليلًا إلى الثلثين، جعل له سعة في مدة قيامه في الليل، وخيره في الساعات للقيام، فكان النبي ﷺ وطائفة من المؤمنين معه يقومون على هذه المقادير، وشق ذلك عليهم، فكان الرجل لا يدري كم صلى؟ وكم بقي من الليل؟ فكان يقوم الليل كله، مخافة أن لا يحفظ القدر الواجب، حتى خفف الله عنهم بآخر هذه السورة.
١٢٥٠ - أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 2094
إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُثَنَّى، نا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، فَقَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ حَوْلا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ
وقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: بينه بيانًا.
قال الزجاج: والبيان لا يتم بأن يعجل في القرآن، إنما يتم بأن يبين جميع الحروف، ويوفي حقها من الإشباع.
قال أبو حمزة: قلت لابن عباس: إني رجل في قراءتي، وفي كلامي عجلة.
فقال ابن عباس: لأن أقرأ البقرة أرتلها، أحب إلىّ من أن أقرأ القرآن كله.
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] ليس على ثقل الحفظ له، ولكن ما قال الحسن: إنهم ليهذونه هذّا.
ولكن العمل به ثقيل، وقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده.
وقال مقاتل: ثقيل لما فيه من الأمر والنهي، والحدود.
وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما
стр. 2095
ثقل في الدنيا، يثقل في الموازين يوم القيامة.
أخبرنا أبو سعد النصروي، أنا أبو العباس محمد بن إبراهيم المحاملي، أنا أحمد بن سلمة، أنا محمد بن عماد الرازي، نا سليمان بن حرب، نا جرير بن حازم، عن الحسن في قول الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ [المزمل: ٥] قال: العمل به العمل به.
قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: ٦] يعني: ساعات الليل وآناءه، قال الزجاج: ناشئة الليل: كل ما نشأ منه أي حدث فهو نائشة.
قال المفسرون: الليل كله ناشئة.
وقال عبد الله بن مسعود: هي بالحبشية قيام الليل.
وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير، قال: هي بلسان الحبشة نشأ فلان إذا قام.
وقالت عائشة، ﵂: الناشئة: القيام بعد النوم.
قال ابن الأعرابي: إذا نمت من أول الليل ثم قمت، فتلك النشأة، ومنه ناشئة الليل.
﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ [المزمل: ٦] أشد على المصلي من النهار، لأن الليل للنوم، قال ابن قتيبة: أثقل على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب: اشتدت على القوم وطأة السلطان.
إذا ثقل عليهم ما يلزمهم، ومنه قوله ﷺ : «اللهم اشدد وطأتك على مضر» .
ومن قرأ
стр. 2096
بكسر الواو والمد، فهو فعال من أوطأت فلانا على كذا موطأة، ووطأ إذا وافقته عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧] قال ابن عباس: يواطئ السمع القلب.
والمعنى: أن صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع القلب فيها، أكثر مما يواطئ في ساعات النهار، لأن البال أفرغ للانقطاع عن كثير مما يشغل بالنهار، وأقوم قيلًا وأشد استقامة، وقال الكلبي: وأبين قولا بالقرآن.
﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ [المزمل: ٧] فراغًا وسعة لتصرفك، وقضاء حوائجك، والمعنى: إن لك في النهار فراغًا للنوم، والتصرف في الحوائج، فصل من الليل، والتسبح التقلب، ومنه السابح في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، قال ابن قتيبة: أي: تصرفًا، وإقبالًا، وإدبارًا في حوائجك وأشغالك.
﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] انقطع إليه في العبادة، وهو رفض الدنيا وما فيها، والتماس ما عند الله، والبتل في اللغة: القطع وتمييز الشيء عن الشيء، وصدقة بتلة: منقطعة من مال صاحبها، والتبتل تفعيل منه، قال: بتله فتبتل.
ومعنى تبتل إليه: بتل إليه نفسك، فلذلك جاء تبتيلًا.
رب المشرق بالخفض بدلًا من قوله: اسم ربك، وبالرفع على الابتداء، وخبره: ﴿لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلا﴾ [المزمل: ٩] أي: كفيلًا بما وعدك أنه سيفعله.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا ﴿١٠﴾ وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا ﴿١١﴾ إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٣﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلا ﴿١٤﴾ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا ﴿١٥﴾ فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا
стр. 2097
وَبِيلا ﴿١٦﴾ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا ﴿١٧﴾ السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولا ﴿١٨﴾ ﴾ [المزمل: ١٠-١٨] .
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] لك من التكذيب، والأذى، ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا﴾ [المزمل: ١٠] لا جزع فيه، وهذا قبل الأمر بالقتال.
وذرني والمكذبين أي: لا تهتم بهم، فإني أكفيكهم، أولي النعمة ذوي النعمة، ذوي الغنى، وكثرة المال، قالت عائشة ﵂: لما نزلت: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا﴾ [المزمل: ١١] لم يكن إلا قليلًا، حتى كانت وقعة بدر.
قوله: إن لدينا أي: عندنا في الآخرة، أنكالا واحدها: نكل، وهو القيد، قال الكلبي: أغلالا من حديد.
وقال أبو عمران الجوني: هي قيود لا تحل.
﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣] لا يسوغ في الحلق، يعني: الزقوم، وقال عكرمة: شوك يأخذ بالحلق، لا يدخل ولا يخرج.
قال الزجاج: يعني: الضريع، كما قال: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] .
١٢٥١ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرَائِضِيُّ، أنا طَاهِرُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيُّ، نا وَكِيعٌ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ حِمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ قَارِئًا قَرَأَ ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] فَصُعِقَ، رَوَاهُ إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ وَكِيعٍ.
أخبرنا أبو
стр. 2098
نصر الجوزقي فيما أجاز لي، أنا محمد بن محمد بن يعقوب الحافظ، نا محمد بن إسحاق الثقفي، نا حاتم بن الليث الجوهري، نا خالد بن خداش، نا صالح المري، عن خليد بن حسان الهجري، قال: أمسى الحسن صائمًا، فلما أتي بإفطاره، عرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا ﴿١٢﴾ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٢-١٣] فقلصت يداه عن عشائه.
فقال: ارفعوه.
فرفع، فأصبح صائمًا، فلما أتي بإفطاره، عرضت له أيضًا هذه الآية فرفع، فلما كان اليوم الثالث انطلق ابنه إلى ثابت البناني، ويزيد الضبي، ويحيى البكاء، وناس من أصحابه، فقال: أدركوا أبي فإنه لم يذق طعامًا منذ ثلاثة أيام، كلما قربنا إليه الطعام، عرضت له هذه الآية: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: ١٢] فيتركه.
فأتوه، فلم يزالوا به حتى سقوه شربة من سويق.
ثم أخبر متى يكون ذلك، فقال: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ [المزمل: ١٤] تزلزل، وتتحرك، ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا﴾ [المزمل: ١٤] رملًا، مهيلًا سائلا، ويقال لكل شيء أرسلته إرسالا من رمل، أو تراب، أو طعام: هلته أهيله هيلًا.
قال الكلبي: هو الرمل الذي إذا أخذت منه شيئًا، تبعك آخره.
قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ١٥] يعني: أهل مكة، رسولًا يعني: محمدًا رسول الله ﷺ ، شاهدا عليكم بالتبليغ والبيان، وإيمان من آمن به وأجاب، وكفر من عصى، ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] موسى.
﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] ولم يجبه إلى ما دعاه إليه، ﴿فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلا﴾ [المزمل: ١٦] وهو الثقيل، الغليظ جدًا، والمعنى: عاقبناه عقوبة غليظة، يعني: الغرق، يخوف كفار مكة.
﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ﴾ [المزمل: ١٧] ولم تؤمنوا برسولكم، يومًا أي: عذاب يوم، ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧] وصف لذلك اليوم وشدته، كما يقال: هذا أمر يشيب منه الوليد.
إذا كان عظيمًا شديدًا، والمعنى: بأي شيء تتحصنون من عذاب ذلك اليوم إن كفرتم.
ثم وصف من
стр. 2099
هول ذلك اليوم، فقال: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] أي: لنزول الملائكة، كما قال: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] ، ﴿كَانَ وَعْدُهُ﴾ [المزمل: ١٨] بكل ما وعد من البعث، والحساب، مفعولًا كائن.
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ﴿١٩﴾ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿٢٠﴾ ﴾ [المزمل: ١٩-٢٠] .
إن هذه يعني: آيات القرآن، تذكرة تذكير وموعظة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩] بالطاعة، والتصديق.
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى﴾ [المزمل: ٢٠] أقل، ﴿مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠] ومن نصب عطفه على الأدنى، وهو في موضع نصب، ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: المؤمنين، كانوا يقومون معه، ﴿وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [المزمل: ٢٠] قال عطاء: يريد: لا يفوته علم ما يفعلون، أي: أنه يعلم مقادير الليل والنهار، فيعلم القدر الذي يقومونه من الليل.
﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] لن تطيقوه، قال الحسن: قاموا حتى انتفخت أقدامهم، فنزل ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] .
وقال مقاتل: كان الرجل يصلي الليل كله، مخافة أن لا يصيب ما أمر به من القيام، فقال الله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] لن تطيقوا معرفة ذلك.
فتاب عليكم فعاد عليكم بالعفو، والتخفيف، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: في الصلاة من غير أن يوقت وقتًا، قال الحسن: هو ما يقرأ في صلاة المغرب والعشاء.
١٢٥٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، نا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَزْدِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عَامِرٍ الْبَجَلِيُّ، نا هُرَيْمُ بْنُ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: صَلَيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ، فَقَرَأَ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ بِالْحَمْدِ وَأَوَّلِ آيَةٍ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ قَامَ فِي الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ بِالْحَمْدِ، وَالآيَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ
стр. 2100
مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]
قال علي بن عمر: في هذا حجة لمن يقول: فاقرأ ما تيسر منه فيما بعد الفاتحة.
ثم ذكر عذرهم، فقال: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ [المزمل: ٢٠] فلا يطيقون قيام الليل، ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: المسافرين للتجارة، يطلبون من رزق الله، فلا يطيقون قيام الليل، ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: المجاهدين، لا يطيقون قيام الليل، ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] من القرآن، قال المفسرون: كان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين، وثبت على النبي ﷺ خاصة.
وذلك قوله: وأقيموا الصلاة قال ابن عباس: يريد: هذه فريضة عليكم في أوقاتها.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [المزمل: ٢٠] قال ابن عباس: يريد: سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف.
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ [المزمل: ٢٠] يعني: من صدقة فريضة، أو تطوع، ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] تجدوا ثوابه في الآخرة أفضل مما أعطيتم، وأعظم أجرًا مما تؤخره إلى وصيتك عند الموت.
١٢٥٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مَكِّيٍّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِنْ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ
واستغفروا الله لذنوبكم، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ [المزمل: ٢٠] لذنوب المؤمنين، رحيم بهم.
стр. 2101
تفسير سورة المدثر
خمسون وست آيات، مكية.
١٢٥٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَبَقَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَذَّبَ بِهِ بِمَكَّةَ» .
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿٨﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾ ﴾ [المدثر: ١-١٠] .
﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]
١٢٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فَقُلْتُ: أَوِ «اقْرَأْ» ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلَ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فَقُلْتُ: أَوِ «اقْرَأْ» ؟ فَقَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ ﴾ [المدثر: ١-٢]
قال المفسرون: لما بدئ رسول الله ﷺ بالوحي، أتاه جبريل، فرآه رسول الله صَلَّى اللهُ
стр. 2102
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سرير بين السماء والأرض، كالنور المتلألئ، ففزع ووقع مغشيًا عليه، فلما أفاق دخل على خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني.
فدثروه بقطيفة، فأتاه جبريل ﵇، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ ﴾ [المدثر: ١-٢] كفار مكة العذاب، إن لم يوحدوا ربك.
وربك فكبر فعظمه مما يقول له عبدة الأوثان.
وثيابك فطهر قال قتادة، ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، والثياب عبارة عن النفس.
وقال عكرمة: يقول: البسها على غير غدرة، وغير فجرة.
وقال: أما سمعت قول الشاعر:
وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع
وهذا معنى قول من قال في هذه الآية: وعملك فأصلحه.
قال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب.
وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب.
وقال ابن سيرين، وابن زيد: أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز صلاة معها.
وقال الزجاج: وثيابك فقصر، لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه.
وهذا قول طاوس.
والرجز فاهجر قال جماعة المفسرين: يريد: عبادة الأوثان فاهجر.
والرجز معناه في
стр. 2103
اللغة: العذاب، وفيه لغتان: كسر الراء وضمها، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزًا، لأنه سبب العذاب المؤدي إليه.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] لا تعط شيئًا من مالك لتأخذ أكثر منه، ومعنى: ولا تمنن ولا تعط، قال المفسرون: لا تعط مالك مصانعة، لتعطى أكثر منه في الدنيا.
أعط لربك وأرد به الله، وهذا للنبي ﷺ خاصة أدبه الله تعالى بأشرف الآداب.
ولربك فاصبر على طاعته، وفرائضه، والمعنى: لأجل ربك، أي: لأجل ثوابه، وقال مقاتل: يعني: على الأذى والتكذيب.
قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] أي: نفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، يعني: النفخة الثانية.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] يعني: يوم النفخ في الصور، يوم عسير: يعسر فيه الأمر.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] غير هين.
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ﴿٢٨﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾ ﴾ [المدثر: ١١-٣٠] .
﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] أي: ومن خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، يعني: الوليد
стр. 2104
بن المغيرة، قال مقاتل: يقول: خل بيني وبينه، وأنا أنفرد بهلاكه.
ثم ذكر أنه رزقه المال والولد، فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] قال عطاء، عن ابن عباس: ما بين مكة إلى الطائف الإبل الموبلة، والخيل المسومة، والنعم المرحلة، وأحبة بالطائف، ومال وعين كثير، وعبيد وجواري.
والأولى في تفسير الممدود: أن يكون ما يمد له بالزيادة والنماء كالزرع، والضرع، والتجارة، ويكون له مدد يأتي شيئًا بعد شيء، قال الزجاج: مال غير منقطع عنه.
وبنين شهودًا أي: حضورًا معه بمكة، كانوا لا يسافرون ولا يحتاجون أن يتفرقوا ويغيبوا عنه، وكانوا عشرة.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] بسطت له في العيش، وطول العمر.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ثم يرجو أن أزيد في ماله، وولده.
كلا لا أفعل، ولا أزيده، ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] معاندًا لما جاء به محمد ﷺ .
سأرهقه صعودًا سأكلفه مشقة من العذاب.
١٢٥٦ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ السَّرَّاجِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، أنا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الذهني، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] قَالَ: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ
وقال الكلبي: هو جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم تكلف أيضًا أن يصعدها، فذلك دأبه أبدًا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، فيصعدها في أربعين سنة.
إنه فكر تفكر، ودبر ماذا يقول في القرآن، وقدر القول في
стр. 2105
نفسه.
فقتل لعن وعذب، كيف قدر قال صاحب النظم: معناه: لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام، كما يقال في الكلام: لأضربنه كيف صنع، أي: على أي حال كانت منه.
﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] هذا تكرير للتأكيد.
ثم نظر في طلب ما يدفع به القرآن، ويرده به.
﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] كلح وكره وجهه، ونظر بكراهة شديدة، كالمهتم المتفكر في شيء.
ثم أدبر عن الإيمان، واستكبر تكبر حين دعي إليه.
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾ [المدثر: ٢٤] ما هذا القرآن، ﴿إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] يروى عن السحرة.
أخبرنا أبو عمرو بن عبد العزيز، أنا محمد بن الحسين الحدادي، أنا محمد بن بريد الخالدي، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا محمد بن سواء، نا روح بن القاسم، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن الوليد بن المغيرة قال لقريش: إن لي إليكم حاجة فاجتمعوا.
قال: فاجتمعوا في دار الندوة، فقال لهم: إنكم ذوو أحساب وذوو أحلام، وإن العرب يأتونكم من كل قوم، فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول: إنه شاعر.
فعبس عندها، فقال: قد سمعنا الشعر، فما يشبه قوله للشعر.
فقالوا: نقول: إنه كاهن.
فقال: إذًا يأتونه فلا يجدونه يحدث به الكهنة.
قالوا: نقول: إنه مجنون.
فقال: إذًا يأتونه فلا يجدونه مجنونًا.
فقالوا: نقول: إنه ساحر.
قال: وما الساحر.
قالوا: بشر يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين المتحابين.
قال: فهو ساحر.
فخرجوا، فجعل لا يلقى أحد منهم النبي ﷺ إلا قالوا: يا ساحر، يا ساحر.
فاشتد ذلك عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ ﴾ [المدثر: ٢٤-٢٥] .
يعني: أنه كلام الإنس، وليس
следующие страницы →