← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

تفسير سورة المدثر خمسون وست آيات، مكية. ١٢٥٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي سَبَقَ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ صَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَكَذَّبَ بِهِ بِمَكَّةَ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿٨﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾ ﴾ [المدثر: ١-١٠] . ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] ١٢٥٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْجُلُودِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، نا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَبِي كَثِيرٍ، يَقُولُ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فَقُلْتُ: أَوِ «اقْرَأْ» ؟ فَقَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ قَبْلَ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ، فَقُلْتُ: أَوِ «اقْرَأْ» ؟ فَقَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُمْ مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: جَاوَرْتُ بِحِرَاءَ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي نَزَلْتُ، فَاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الْوَادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أَمَامِي وَخَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى الْعَرْشِ فِي الْهَوَاءِ يَعْنِي جِبْرِيلَ ﵇، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ ﴾ [المدثر: ١-٢] قال المفسرون: لما بدئ رسول الله ﷺ بالوحي، أتاه جبريل، فرآه رسول الله صَلَّى اللهُ

стр. 2102

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سرير بين السماء والأرض، كالنور المتلألئ، ففزع ووقع مغشيًا عليه، فلما أفاق دخل على خديجة، ودعا بماء فصبه عليه، وقال: دثروني. فدثروه بقطيفة، فأتاه جبريل ﵇، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ ﴾ [المدثر: ١-٢] كفار مكة العذاب، إن لم يوحدوا ربك. وربك فكبر فعظمه مما يقول له عبدة الأوثان. وثيابك فطهر قال قتادة، ومجاهد: نفسك فطهر من الذنب، والثياب عبارة عن النفس. وقال عكرمة: يقول: البسها على غير غدرة، وغير فجرة. وقال: أما سمعت قول الشاعر: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع وهذا معنى قول من قال في هذه الآية: وعملك فأصلحه. قال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنه لطاهر الثياب. وإذا كان فاجرًا: إنه لخبيث الثياب. وقال ابن سيرين، وابن زيد: أمر بتطهير ثيابه من النجاسات التي لا تجوز صلاة معها. وقال الزجاج: وثيابك فقصر، لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسة، فإنه إذا انجر على الأرض لم يؤمن أن يصيبه ما ينجسه. وهذا قول طاوس. والرجز فاهجر قال جماعة المفسرين: يريد: عبادة الأوثان فاهجر. والرجز معناه في

стр. 2103

اللغة: العذاب، وفيه لغتان: كسر الراء وضمها، وسمي الشرك وعبادة الأوثان رجزًا، لأنه سبب العذاب المؤدي إليه. ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] لا تعط شيئًا من مالك لتأخذ أكثر منه، ومعنى: ولا تمنن ولا تعط، قال المفسرون: لا تعط مالك مصانعة، لتعطى أكثر منه في الدنيا. أعط لربك وأرد به الله، وهذا للنبي ﷺ خاصة أدبه الله تعالى بأشرف الآداب. ولربك فاصبر على طاعته، وفرائضه، والمعنى: لأجل ربك، أي: لأجل ثوابه، وقال مقاتل: يعني: على الأذى والتكذيب. قوله: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] أي: نفخ في الصور، وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، يعني: النفخة الثانية. ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر: ٩] يعني: يوم النفخ في الصور، يوم عسير: يعسر فيه الأمر. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠] غير هين. ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾ وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾ سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ﴿٢٨﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾ ﴾ [المدثر: ١١-٣٠] . ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] أي: ومن خلقته في بطن أمه وحيدًا، لا مال له ولا ولد، يعني: الوليد

стр. 2104

بن المغيرة، قال مقاتل: يقول: خل بيني وبينه، وأنا أنفرد بهلاكه. ثم ذكر أنه رزقه المال والولد، فقال: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] قال عطاء، عن ابن عباس: ما بين مكة إلى الطائف الإبل الموبلة، والخيل المسومة، والنعم المرحلة، وأحبة بالطائف، ومال وعين كثير، وعبيد وجواري. والأولى في تفسير الممدود: أن يكون ما يمد له بالزيادة والنماء كالزرع، والضرع، والتجارة، ويكون له مدد يأتي شيئًا بعد شيء، قال الزجاج: مال غير منقطع عنه. وبنين شهودًا أي: حضورًا معه بمكة، كانوا لا يسافرون ولا يحتاجون أن يتفرقوا ويغيبوا عنه، وكانوا عشرة. ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ [المدثر: ١٤] بسطت له في العيش، وطول العمر. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥] ثم يرجو أن أزيد في ماله، وولده. كلا لا أفعل، ولا أزيده، ﴿إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر: ١٦] معاندًا لما جاء به محمد ﷺ . سأرهقه صعودًا سأكلفه مشقة من العذاب. ١٢٥٦ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ السَّرَّاجِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ، نا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، أنا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الذهني، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧] قَالَ: جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُكَلَّفُ أَنْ يَصْعَدَهُ، فَإِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ، وَإِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَيْهِ ذَابَتْ، فَإِذَا رَفَعَهَا عَادَتْ وقال الكلبي: هو جبل من صخرة ملساء في النار، يكلف أن يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ثم تكلف أيضًا أن يصعدها، فذلك دأبه أبدًا، يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من خلفه بمقامع الحديد، فيصعدها في أربعين سنة. إنه فكر تفكر، ودبر ماذا يقول في القرآن، وقدر القول في

стр. 2105

نفسه. فقتل لعن وعذب، كيف قدر قال صاحب النظم: معناه: لعن على أي حال قدر ما قدر من الكلام، كما يقال في الكلام: لأضربنه كيف صنع، أي: على أي حال كانت منه. ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر: ٢٠] هذا تكرير للتأكيد. ثم نظر في طلب ما يدفع به القرآن، ويرده به. ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر: ٢٢] كلح وكره وجهه، ونظر بكراهة شديدة، كالمهتم المتفكر في شيء. ثم أدبر عن الإيمان، واستكبر تكبر حين دعي إليه. ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا﴾ [المدثر: ٢٤] ما هذا القرآن، ﴿إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: ٢٤] يروى عن السحرة. أخبرنا أبو عمرو بن عبد العزيز، أنا محمد بن الحسين الحدادي، أنا محمد بن بريد الخالدي، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا محمد بن سواء، نا روح بن القاسم، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، أن الوليد بن المغيرة قال لقريش: إن لي إليكم حاجة فاجتمعوا. قال: فاجتمعوا في دار الندوة، فقال لهم: إنكم ذوو أحساب وذوو أحلام، وإن العرب يأتونكم من كل قوم، فينطلقون من عندكم على أمر مختلف، فأجمعوا أمركم على شيء واحد، ما تقولون في هذا الرجل؟ قالوا: نقول: إنه شاعر. فعبس عندها، فقال: قد سمعنا الشعر، فما يشبه قوله للشعر. فقالوا: نقول: إنه كاهن. فقال: إذًا يأتونه فلا يجدونه يحدث به الكهنة. قالوا: نقول: إنه مجنون. فقال: إذًا يأتونه فلا يجدونه مجنونًا. فقالوا: نقول: إنه ساحر. قال: وما الساحر. قالوا: بشر يحببون بين المتباغضين، ويبغضون بين المتحابين. قال: فهو ساحر. فخرجوا، فجعل لا يلقى أحد منهم النبي ﷺ إلا قالوا: يا ساحر، يا ساحر. فاشتد ذلك عليه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] إلى قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾ إِنْ هَذَا إِلا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾ ﴾ [المدثر: ٢٤-٢٥] . يعني: أنه كلام الإنس، وليس

стр. 2106

من عند الله. قال الله تعالى: سأصليه سقر سأدخله النار، وسقر: اسم من أسماء جهنم. ثم ذكر عظيم شأنها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: ٢٧] . ثم أخبر عنها، فقال: ﴿لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ [المدثر: ٢٨] لا تبقي لهم لحمًا إلا أكلته، ولا تذرهم إذا أعيدوا خلقًا جديدًا. لواحة للبشر مغيرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لاحه السقم والحزن. إذا غيره. قال أبو رزين: تلفح الجلد حتى تدعه أشد سوادًا من الليل. ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: ٣٠] قال المفسرون: يقول: على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، مالك ومعه ثمانية عشر، أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم مثل ربيعة ومضر، نزعت منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألفًا فيرميهم حيث أراد من جهنم، ولما نزلت هذه الآية قال اللعين أبو جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر، يخوفكم محمد بتسعة عشر وأنتم الدهم، أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم يخرجون من النار. فقال أبو الأشدين، وهو رجل من بني جمح: يا معشر قريش، إذا كان يوم القيامة وأنا أمشي بين أيديكم على الصراط، فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي الأيسر في النار، ونمضي ندخل الجنة. فأنزل الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا كَذَلِكَ

стр. 2107

يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴿٣١﴾ كَلَّا وَالْقَمَرِ ﴿٣٢﴾ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾ إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ ﴿٣٥﴾ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴿٣٦﴾ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴿٣٧﴾ ﴾ [المدثر: ٣١-٣٧] . ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾ [المدثر: ٣١] يعني: خزانها، أي: فمن يطيق الملائكة، ومن يغلبهم؟ ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ﴾ [المدثر: ٣١] أي: عددهم في القلة، ﴿إِلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] ضلالة لهم، حتى قالوا ما قالوا، ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المدثر: ٣١] لأن عدد الخزنة في كتابهم تسعة عشر، فيعلمون أن ما أتى به محمد ﷺ موافق لما في كتابهم، فيستيقنوا صدقه، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] يعني: من آمن من أهل الكتاب يزدادون تصديقًا لمحمد ﷺ ، إذا وجدوا ما يخبرهم به من عدد الخزنة موافقًا لما في كتابهم، ﴿وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [المدثر: ٣١] ولئلا يشك هؤلاء في عدد الخزنة، ﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المدثر: ٣١] شك، ونفاق، والكافرون مشركو العرب، ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا﴾ [المدثر: ٣١] أي شيء أراد الله بهذا الحديث والخبر؟ يعني: أنهم لا يصدقون بهذا العدد، وهذا الحديث الذي ذكره الله تعالى، والمثل يكون الحديث نفسه، أي: تقولون: ما هذا من الحديث؟ كذلك أي: كما أضل من أنكر عدد الخزنة، وهدى من صدق ذلك، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] وأنزل في قول أبي جهل: أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] وقال عطاء: يعني: من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، لا يعلم عدتهم إلا الله. والمعنى: أن تسعة عشر هم خزنة النار، لهم من الأعوان، والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله، ثم رجع إلى ذكر سقر، فقال: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١] تذكرة، وموعظة للعالم. ثم أقسم على عظم شأنهم، فقال: كلا أي: حقًا، ﴿وَالْقَمَرِ ﴿٣٢﴾ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ ﴾ [المدثر: ٣٢-٣٣] ذهب، وهو مثل دبر في المعنى، يقال: دبر الليل وأدبر. إذا ولى ذاهبًا، ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] أضاء، وتبين. إنها إن سقر، لإحدى الكبر قال مقاتل، والكلبي: أراد بالكبر: دركات جهنم وأبوابها، وهي سبعة: جهنم، ولظى، والحطمة، والسعير، وسقر، والجحيم، والهاوية. أعاذنا الله منها، والكبر جمع الكبرى. ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦] قال الكسائي، والزجاج: هو حال من قوله: ﴿قُمْ﴾ [المدثر: ٢] في أول

стр. 2108

السورة ﴿ [. ورواه عطاء، عن ابن عباس، قال: يريد: قم نذيرًا للبشر. لمن شاء بدل من قوله: للبشر، أن يتقدم أي: في الخير والإيمان، أو يتأخر عنه، والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل أحد ممن آمن، أو كفر. ] كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾ إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴿٣٩﴾ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴿٤٤﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴿٤٥﴾ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٤٦﴾ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴿٤٧﴾ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴿٤٨﴾ ﴾ [سورة المدثر: ٣٨-٤٨] . ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] مأخوذة بعملها، قال ابن عباس: مرتهنة في جهنم. ﴿إِلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٩] وهم المؤمنون، قال الكلبي: هم الذين قال الله تعالى: هؤلاء في الجنة ولا أبالي. وهم الذين كانوا على يمين آدم. وقال مقاتل: هم الذين أعطوا كتبهم بأيمانهم، لا يرتهنون بذنوبهم في النار. وهو قوله: ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ ﴾ [المدثر: ٤٠-٤٢] وما أدخلكم النار؟ فأجابوا عن أنفسهم، فقالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] لله في الدنيا، ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] لم نتصدق على المساكين، ولم نطعمهم في الله. ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] مع أهل الباطل في الباطل والتكذيب، قال قتادة: كلما غوى غاو، غوينا معه. ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] الجزاء، والحساب. ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٧] الموت. ١٢٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّازِيُّ، نا الْعَسْكَرِيُّ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ بِشْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُؤْتَى بِأَدْنَى أَهْلِ النَّارِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عَبْدِي أَتَفْتَدِي مِنِّي بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، فَيَقُولُ: نَعَمْ إِنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ كُنْتُ أَسْأَلُكَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَنِي فَأُعْطِيَكَ

стр. 2109

وَتَسْتَغْفِرَنِي فَأَغْفِرَ لَكَ وَتَدْعُوَنِي فَأَسْتَجِيبَ لَكَ، قَالَ ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا لَمْ يَخَفْنِي سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ وَلا نَهَارٍ قَطُّ وَلَمْ يَرْجُ مَا عِنْدِي قَطُّ، وَلَمْ يَخْشَ عِقَابِي سَاعَةً قَطُّ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: مَا سَلَكَكُمْ، أَيْ مَاذَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ . قال: يقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قال: بلغنا أن هذا بعد الشفاعة. قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: شفاعة الملائكة، والنبيين، كما نفعت الموحدين. وقال الحسن: لم تنفعهم شفاعة ملك، ولا شهيد، ولا مؤمن. وقال عمران بن حصين: الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون. ١٢٥٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحِيرِىُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، أنا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، أنا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي الزَّعْرَاءِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَشْفَعُ نَبِيُّكُمْ ﷺ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ: جِبْرِيلُ، ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى أَوْ عِيسَى، ثُمَّ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، لا يَشْفَعُ أَحَدٌ فِي أَكْثَرِ مِمَّا يَشْفَعُ فِيهِ نَبِيُّكُمْ ﷺ ، ثُمَّ النَّبِيُّونَ ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ، وَيَبْقَى قَوْمٌ فِي جَهَنَّمَ فَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ، ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ ، قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَبْقُونَ فِي جَهَنَّمَ. ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴿٥٠﴾ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴿٥١﴾ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴿٥٢﴾ كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ ﴿٥٣﴾ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿٥٤﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿٥٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴿٥٦﴾ ﴾ [المدثر: ٤٩-٥٦] .

стр. 2110

﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] يعني: كفار قريش، حين نفروا عن القرآن والتذكرة، والتذكير بمواعظ القرآن، والمعنى: لا شيء لهم في الآخرة، إذ أعرضوا عن القرآن فلم يؤمنوا به. ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بحمر نافرة، فقال: كأنهم حمر يعني: الحمر الوحشية، مستنفرة نافرة، يقال: نفروا ستنفر. مثل: عجب واستعجب، وقرئ بفتح الفاء وهي بمعنى: مذعورة، يقال: استنفرت الوحش ونفرتها. ﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] يعني: الأسد، في قول عطاء، والكلبي. قال ابن عباس: الحمر الوحشية إذا عاينت الأسد هربت منه، كذلك هؤلاء المشركون، إذا سمعوا النبي ﷺ يقرأ القرآن، هربوا منه. وقال الضحاك، ومقاتل: هم الرماة، رجال القنص. لا واحد له من لفظه. ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] قال المفسرون: إن كفار قريش قالوا لمحمد ﷺ : ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله بأنك رسوله، تؤثر فيه باتياءك. والصحف: الكتب، واحدتها: صحيفة، ومنشرة معناها: منشورة. كلا لا يؤتون الصحف، ﴿بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ﴾ [المدثر: ٥٣] يعني: عذاب الآخرة، والمعنى: أنهم لو خافوا النار، لما اقترحوا الآيات بعد قيام الدلالة. كلا حقًا، إنه إن القرآن، تذكرة تذكير، وموعظة. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٥] اتعظ به. ثم رد المشيئة إلى نفسه، فقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦] قال مقاتل: إلا أن يشاء الله لهم الهدى. ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] . ١٢٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْبُخَارِيُّ، نا بَشِيرُ بْنُ الْوَلِيدِ الْكِنْدِيُّ، نا سُهَيْلٌ أَخُو حَزْمٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ:

стр. 2111

﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦] فَقَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فَلا يُجْعَلُ مَعِي إِلَهٌ، فَمَنِ اتَّقَى أَنْ يَجْعَلَ مَعِي إِلَهًا فَإِنِّي أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ وقال قتادة: أهل أن تتقى محارمه، وأهل أن يغفر الذنوب.

стр. 2112

تفسير سورة القيامة أربعون آية، مكية. ١٢٦٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْقِيَامَةِ شَهِدْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَاءَ وَوَجْهُهُ مُسْفِرٌ عَلَى وُجُوهِ الْخَلائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿١﴾ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴿٢﴾ أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ﴿٣﴾ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴿٤﴾ بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ ﴿٥﴾ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴿٦﴾ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ ﴿٧﴾ وَخَسَفَ الْقَمَرُ ﴿٨﴾ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴿٩﴾ يَقُولُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ﴿١٠﴾ كَلَّا لا وَزَرَ ﴿١١﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ﴿١٢﴾ يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴿١٣﴾ بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴿١٤﴾ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴿١٥﴾ ﴾ [القيامة: ١-١٥] . ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] معناه: أقسم، ولا صلة، وقال الفراء: لا رد على الذين أنكروا البعث، والجنة والنار. ويدل على أن المعنى إثبات القسم: قراءة من قرأ لأقسم، يجعلها لا ما دخلت على أقسم، قال ابن عباس: يريد: أقسم بيوم القيامة. وهو قول الجميع. ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] قال الحسن: أقسم بالأولى، ولم يقسم بالثانية. وقال الآخرون: معناه: أقسم كالأول. قال الفراء: ليس من نفس برة، ولا فاجرة، إلا وهي تلوم نفسها، إن كانت عملت خيرًا قالت: هلا ازددت. وإن كانت عملت سوءا، قالت:

стр. 2113

ليتني لم أفعل. وهذا قول عطاء، عن ابن عباس. وقال الحسن: هي النفس المؤمنة، لا ترى المؤمن إلا يلوم نفسه على كل حال. قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ﴾ [القيامة: ٣] يعني: الكافر بالبعث، ﴿أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣] قال ابن عباس: يريد: أبا جهل، يقول: أيحسب أن لن يبعث. بلى نجمعها، ﴿قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] على ما كانت، وإن قل عظامها وصغرت، نردها كما كانت، ونؤلف بينها حتى يستوي البنان، ومن قدر على جمع صغار العظام، كان على جمع أكابرها أقدر، وهذا قول، الزجاج، وابن قتيبة. والمفسرون يقولون: نجعلها كخف البعير، أو كحافر الدابة. والمعنى: نجعل بنانه مع كفه صفحة مستوية، لا شقوق فيها، فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة، والخياطة. ﴿بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ﴾ [القيامة: ٥] يعني: الكافر، ليفجر أمامه يقدم الذنب، ويؤخر التوبة، والمعنى: يريد أن يعصي، ويكفر أبدًا ما عاش، قال ابن الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد عمره، وليس في نيته أن يرجع عن ذنب يرتكبه. ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ٦] أي: متى يكون ذلك؟ تكذيبًا به. قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] فزع، وتحير لما يرى من العجائب التي كان يكذب بها، قال الكلبي: وذلك عند رؤية جهنم، يبرق أبصار الكفار. والفتح في برق لغة. ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٨] ذهب ضوءه. ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩] كالبعيرين القرينين، وقال مجاهد: كُورا يوم القيامة. وهو اختيار الفراء، والزجاج، قالا: جمعا في ذهاب نورهما. يقول الإنسان المكذب بيوم القيامة: أين المفر أين الفرار؟ ويجوز أن يكون الفرار موضع الفرار. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] لا جبل، ولا حصن، ولا ملجأ من الله. ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: ١٢]

стр. 2114

المنتهى والمرجع. ﴿يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] بأول عمله وآخره، وقال قتادة: ما عمل من طاعة الله، وما آخر من طاعة الله، فلم يعمل به. وقال زيد بن أسلم: بما قدم من أمواله، وما خلف للورثة. ﴿بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] يعني: أن جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه، قال الفراء: يقول: على الإنسان من نفسه بصيرة، يعني: رقباء يشهدون عليه بعمله: اليدان، والرجلان، والعينان، والذكر. ودخول الهاء في البصيرة، لأن المراد بالإنسان ههنا الجوارح. ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ [القيامة: ١٥] ولو اعتذر، وجادل عن نفسه، لم ينفعه ذلك، يقال: معذرة ومعاذر ومعاذير. قال الفراء: أي: وإن اعتذر، فعليه من يكذب عذره. وقال الضحاك، والسدي: يعني: ولو أرخى الستور. وقال الزجاج: المعاذير: الستور، واحدها معذار. وقال المبرد: هي لغة يمانية. والمعنى على هذا القول: وإن أسبل الستر ليخفي ما يعمل، فإن نفسه شاهدة عليه. قوله: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ ﴿١٧﴾ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ ﴿١٨﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴿١٩﴾ كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴿٢٠﴾ وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ ﴿٢١﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ﴿٢٤﴾ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ﴿٢٥﴾ ﴾ [القيامة: ١٦-٢٥] . ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يعالج من التنزيل شدة، وكان يشتد عليه حفظه، فكان إذا نزل عليه الوحي، يحرك لسانه وشفتيه، قبل فراغ جبريل ﵇ من قراءة الوحي، مخافة أن لا يحفظ. فقال الله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] أي: بالوحي، أو بالقرآن، لسانك يعني: بالقراءة، لتعجل به أي: تأخذه، كما قال: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] . ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة: ١٧] أي: نجمعه في صدرك، ﴿وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧] وقراءته عليك، أي: أن جبريل يقرؤه

стр. 2115

عليك حتى تحفظه. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨] قال ابن عباس: فإذا قرأه جبريل. ﴿فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] أي: قراءته، والمعنى: اقرأه إذا فرع جبريل من قراءته، فكان النبي ﷺ بعد هذا إذا نزل عليه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأ كما وعده الله تعالى. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أي: علينا أن نحفظه عليك، حتى تبين للناس بتلاوتك إياه، وقراءتك عليهم، وقال الزجاج: علينا أن ننزله قرآنا عربيًا، فيه بيان للناس. ١٢٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أبو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا عُبَيْدَةُ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يُعَالِجُ مِنْ ذَلِكَ شِدَّةً كَانَ يَتَلَقَّاهُ وَيُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ كَيْلا يَنْسَى، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] يَقُولُ: لِتَعْجَلَ بِأَخْذِهِ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧] إن علينا أن نجمعه في صدرك، فتقرأه، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] يقول: إذا أنزلناه فاستمع له. ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أي: نبينه بلسانك. فكان إذا أتاه جبريل أطرق، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله. رواه البخاري، ومسلم، عن قتيبة، عن أبي عوانة، عن موسى بن أبي عائشة. قوله: كلا قال عطاء: لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وببيانه. بل يحبون العاجلة يعني: كفار مكة يحبون الدنيا، ويعملون لها. ويذرون العمل للآخرة، فيؤثرون الدنيا عليها، وقرئ بالتاء على تقدير: قل لهم يا محمد: بل تحبون وتذرون. قوله : وجوه يومئذ يعني: يوم القيامة، ناضرة ناعمة، غضة، حسنة، يقال: شجر ناضر، وروض ناضر. يقال: وجهه ينضر، ونضر ينضر، ونضره الله، وأنضره ونضره. والمفسرون يقولون: مضيئة، مشرقة، مسفرة. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد إلى الله ناظرة. وقال في رواية الكلبي: تنظر إلى الله

стр. 2116

يومئذ، لا تحجب عنه. وقال مقاتل: تنظر إلى ربها معاينة. وقال الحسن: حق لها أن تنظر، وهي تنظر إلى الخالق. وقال الزجاج: نضرت بنعيم الجنة، والنظر إلى ربها . ١٢٦٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ ". ١٢٦٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحَافِظُ، نا عَبْدَانُ، نا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، نا مُعَاوِيَةُ، نا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبْجَرَ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً، لَمَنْ يَنْظُرُ فِي مُلْكِهِ أَلْفَ سَنَةٍ يَرَى أَقْصَاهُ كَمَا يَرَى أَدْنَاهُ يَنْظُرُ فِي سُرُرِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَخَدَمِهِ، وَإِنَّ أَفْضَلَهُمْ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ فِي وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: وَثُوَيْرُ وَإِنْ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ، فَلَمْ يُنْقَمْ عَلَيْهِ غَيْرُ التَّشَيُّعِ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٤] كالحة، عابسة، كئيبة، مصفرة. ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٥] تستيقن أن يعمل بها عظيم من

стр. 2117

العذاب، والفاقرة: الداهية العظيمة، والأمر الشديد يكسر فقار الظهر، قال ابن زيد: هي دخول النار. وقال الكلبي: هي أن تحجب عن رؤية ربها، فلا تنظر إليه. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ ﴿٢٦﴾ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴿٢٧﴾ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ ﴿٢٨﴾ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿٢٩﴾ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ ﴿٣٠﴾ فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ﴿٣١﴾ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿٣٢﴾ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ﴿٣٣﴾ ﴾ [القيامة: ٢٦-٣٣] . كلا أي: لا يؤمن الكافر بهذا، إذا بغلت النفس، أو الروح، التراقي جمع ترقوة، وهي: عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عند الإشراف على الموت. ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة: ٢٧] طبيب يرقي، ويشفي برقيته، قال قتادة: التمسوا له الأطباء، فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا. ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة: ٢٨] أيقن الذي بلغت روحه تراقيه، أنه الفراق من الدنيا. ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] قال عطاء: شدة الموت بشدة الآخرة. وقال المفسرون: تتابعت عليه الشدائد. وقال الشعبي: هما ساقاه عند الموت. وقال الحسن: هما ساقاه إذا لفتا في الكفن. ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: ٣٠] هو مرجع العباد إلى الله تعالى، يساقون إليه. قوله: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] يعنى: أبا جهل، يقول: لم يصدق بالقرآن، ولا صلى لله. ولكن كذب بالقرآن، وتولى عن الإيمان: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [القيامة: ٣٣] رجع إليهم، يتمطى يتبختر، ويختال في مشيه.

стр. 2118

﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٤﴾ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٥﴾ أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴿٣٦﴾ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴿٣٧﴾ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ﴿٣٨﴾ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ﴿٣٩﴾ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ﴿٤٠﴾ ﴾ [القيامة: ٣٤-٤٠] . ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] هذا تهديد من الله لأبي جهل، والمعنى: وليك المكروه يا أبا جهل وقرب منك. قال المفسرون: أخذ رسول الله ﷺ بيد أبي جهل، ثم قال له: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٤﴾ ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴿٣٥﴾ ﴾ [القيامة: ٣٤-٣٥] توعده، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني، لا تستطيع أنت، ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعز أهل هذا الوادي. فأنزل الله تعالى كما قال له رسوله ﷺ . ١٢٦٤ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حَمْشَاذٍ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي، نا أَبُو النُّعْمَانِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، نا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] أَشَيْءٌ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، أَشَيْءٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ؟ قَالَ: قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى ". أيحسب الإنسان يعني: أبا جهل، ﴿أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] هملا، ولا يؤمر، ولا ينهى، ولا يحاسب بعمله في الآخرة، والسدى معناه: المهمل. ألم يك هذا الإنسان في ابتداء خلقه، نطفة، ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧] يصب في الرحم، ومن قرأ بالتاء فلتأنيث النطفة. ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ﴾ [القيامة: ٣٨] فيه الروح، فسوى خلقه. ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩] خلق من مائه أولادا: ذكورًا، وإناثًا. أليس ذلك الذي فعل هذا، ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] وهذا تقرير لهم، أي: من قدر على الابتداء، قدر على البعث بعد الموت. ١٢٦٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو بَكْرٍ

стр. 2119

الْقَطِيعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا شُعَيْبُ بْنُ بَيَانٍ الصَّفَّارُ، نا شُعْبَةُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ الطَّوِيلُ جَلِيسٌ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُبْحَانَكَ وَبَلَى» . ١٢٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْمَرْوَزِيُّ، نا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إذا قَرَأَ أَحَدُكُمْ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ وَبَلَى.

стр. 2120

تفسير سورة الإنسان إحدى وثلاثون آية، مدنية. ١٢٦٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ هَلْ أَتَى كَانَ جَزَاؤُهُ عَلَى اللَّهِ جَنَّةً وَحَرِيرًا» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٢﴾ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾ ﴾ [الإنسان: ١-٣] . هل أتى قال المفسرون، وأهل المعاني: قد أتى، فهل ههنا خبر، وليس باستفهام. على الإنسان يعني: آدم، ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١] قدر أربعين سنة، ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١] لا في السماء، ولا في الأرض، يعني: أنه كان جسدًا ملقى من طين، قبل أن ينفخ فيه الروح، قال عطاء، عن ابن عباس: إنما تم خلقه بعد عشرين ومائة سنة. وسمع عمر بن الخطاب رجلًا يقرأ هذه الآية، فقال: ليت ذلك تم. يعني: ليته بقي على ما كان عليه. فكان لا يلد، ولا يبتلى بأولاده. ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ [الإنسان: ٢] يعني: ولد آدم، ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: ٢] أخلاط، وأحدها: مشج، وهو شيئان مخلوطان، يعني: اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة، أحدهما أبيض والآخر أصفر، فما كان من عصب، وعظم، وقوة، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم، ودم، وشعر، فمن ماء المرأة، وتم الكلام، ثم قال: ﴿نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢] قال الفراء: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه. ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر. قوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] قال عطاء: بينا له سبيل الهدى. ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٣] إما موحدًا طائعًا لله، وإما مشركًا بالله في عمله، والمعنى: أنه بين له سبيل التوحيد

стр. 2121

بنصب الأدلة، وبعث الرسل، شكر الإنسان فآمن، أو جحد فكفر. ثم بين ما أعد للكافرين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالا وَسَعِيرًا ﴿٤﴾ إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿٦﴾ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا ﴿٩﴾ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿١٠﴾ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿١١﴾ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿١٢﴾ ﴾ [الإنسان: ٤-١٢] . ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا﴾ [الإنسان: ٤] يعني: في جهنم، كقوله تعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ [الحاقة: ٣٢] الآية، وتقرأ: سلاسلًا بالتنوين، وكذلك قواريرًا و ﴿قَوَارِيرَا﴾ [الإنسان: ١٥] وفيه وجهان: أحدهما: أن من العرب من يصرف جميع ما لا ينصرف، وهو لغة الشعر، إلا أنهم اضطروا إليه في الشعر فصرفوه، فجرت على ألسنتهم كذلك، والآخر: أن هذا الجمع أشبه الآحاد، لأنهم قالوا: صواحبات يوسف. ويقولون: مواليات. في جمع الموالي، فمن حيث جمعوه جمع الآحاد المنصرفة، جعلوه في حكمها، فصرفوه، وقوله: وأغلالًا يعني: في أيديهم تغل إلى أعناقهم، وسعيرًا وقودًا شديدًا. ثم ذكر ما أعد للشاكرين، فقال: إن الأبرار يعني: المطيعين لله، ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ [الإنسان: ٥] من إناء فيه شراب، ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ [الإنسان: ٥] ما يمازجها، كافورًا قال

стр. 2122

عطاء، والكلبي: هو اسم عين ماء في الجنة. وقال مقاتل، ومجاهد: يعني: الكافور الذي له رائحة طيبة، يمازجه ريح الكافور، وليس ككافور الدنيا. ويدل على صحة القول الأول قوله: عينًا قال الفراء: وهي كالمفسرة للكافور. وقال الأخفش: نصب ﴿عَيْنًا﴾ [الإنسان: ٦] على وجه المدح، على أعني عينًا. وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى من عين يشرب بها عباد الله. قال ابن عباس: أولياء الله. ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: ٦] يفجرون تلك العين، بحيث يريدون يقودونها حيث شاءوا، قوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] هذا من صفاتهم في الدنيا، أي: كانوا في الدنيا كذلك يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج، وهو قول قتادة، ومجاهد، ومعنى النذر في اللغة: الإيجاب، والمعنى: ما أوجبه الله تعالى عليهم من الطاعات، وقال عكرمة: إذا نذروا في طاعات الله وفوا به. ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧] فاشيًا، منتشرًا، يقال: استطار الحريق. إذا انتشر، واستطار الصبح، إذا انتشر ضوءه، قال مقاتل: كان شره فاشيًا في السموات: فانشقت، وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس والقمر، وفي الأرض: فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شيء على الأرض من جبل، وبناء، ففشا شر يوم القيامة فيهما. قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] على حب الطعام، والمعنى: يطعمون الطعام أشد ما تكون حاجتهم إليه، وصفهم الله تعالى بالأثرة على أنفسهم. ١٢٦٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا عُبَيْدَةُ، نا هِشَامٌ، عَنِ الْجَارُودِ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ إِلا أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا أَخَاهُ عَلَى عُرْيٍ إِلا كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا عَلَى ظِمَاءٍ مَاءً سَقَاهُ اللَّهُ الرَّحِيقَ» . وقوله: مسكينًا يعني: فقيرًا، لا مال له، ويتيمًا لا أب له، وأسيرًا قال عطاء،

стр. 2123

عن ابن عباس، وذلك أن علي بن أبي طالب، ﵁، أجر نفسه يسقي نخلًا بشيء من شعير ليله حتى أصبح، فلما أصبح وقبض الشعير، طحن ثلثه، فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، يقال له: الحريرة، فلما تم إنضاجه أتى مسكين، فأخرجوا إليه الطعام، ثم عمل الثلث الثاني، فلما تم انضاجه أتى يتيم، فسأل فأطعموه، ثم عمل الثالث الباقي، فلما تم إنضاجه أتى أسير من المشركين، فسأل فأطعموه، وطووا يومهم ذلك. وهذا قول الحسن، وقتادة: أن الاسير كان من أهل الشرك.

стр. 2124

وقال أهل العلم: الآية تدل على أن إطعام الأسارى، وإن كانوا من غير أهل ملتنا، حسن يرجى ثوابه، فأما فريضة الكفارات والزكوات، فلا يجوز وضعها في فقراء المشركين. وقال عطاء، وسعيد بن جبير: الأسير هو المسجون من أهل القبلة. ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩] قال المفسرون: إنهم لن يتكلموا بهذا، ولكن علمه الله تعالى من قلوبهم، فأثنى به عليهم وعلم من نياتهم، أنهم فعلوا ذلك خوفًا من الله، ورجاء ثوابه. ومعنى: لوجه الله لطلب رضا الله، وخاصة لله مخلصًا من الرياء، وطلب الجزاء، وهو قوله: ﴿لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] وهو مصدر القعود، والخروج. ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا﴾ [الإنسان: ١٠] قال مقاتل، والكلبي: تعبس فيه الوجوه، من هول ذلك اليوم، فلا تنبسط. قمطريرًا يقبض الوجوه، والجباه بالتعبيس، وقال الفراء، وأبو عبيدة، والمبرد: يوم قمطرير وقماطر، إذا كان صعبًا شديدًا. ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ﴾ [الإنسان: ١١] بما أطاعوه في الدنيا، ولقاهم نضرة حسنًا، وبياضًا في الوجوه، وسرورًا لا انقطاع له. ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢] على طاعته، واجتناب معصيته، جنة وحريرًا يعني: لباس أهل الجنة. ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا ﴿١٣﴾ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا ﴿١٤﴾ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا ﴿١٥﴾ قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴿١٦﴾ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا ﴿١٧﴾ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا ﴿١٨﴾ ﴾ [الإنسان: ١٣-١٨] . ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [الإنسان: ١٣] مفسر في ﴿ [الكهف،] لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [سورة الإنسان: ١٣] لا يجدون الحر، والبرد، وقال

стр. 2125

مقاتل: يعني: شمسًا يؤذيهم حرهم، ولا زمهريرًا يؤذيهم برده. لأنهما يؤذيان في الدنيا، والزمهرير: البرد الشديد. ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا﴾ [الإنسان: ١٤] قال مقاتل: يعني: شجرها قربت منهم. ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلا﴾ [الإنسان: ١٤] قال ابن عباس: إذا همّ أن يتناول من ثمارها، نزلت إليه حتى يتناول منها ما يريد. والمعنى قريب منهم، مذلل كيف شاءوا، كقوله: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣] . ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ﴾ [الإنسان: ١٥] أقداح، لا عرى لها، كانت قواريرا أي تلك الأكواب هي قوارير، يعني: الزجاج قوارير من فضة، قال المفسرون: جعل الله قوارير أهل الجنة من الفضة، فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير. قال الزجاج: القوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم الله أن تلك القوارير أن أصلها من فضة، ويرى من خارجها ما في داخلها. قدروها تقديرًا قدروا الكأس على قدر ريهم، لا يزيد ولا ينقص من الري، وهو ألذ الشراب، والضمير في قدروا للسقاة والخدم الذين يسقونهم يقدرونها، ثم يسقون، وقال القرطبي: أي: كانت كما يشتهون، يعني: أن الأكواب على ما اشتهوا لم يعظم، ولم يثقل الكف حملها. ويسقون يعني: أهل الجنة في الجنة، ﴿كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلا﴾ [الإنسان: ١٧] قال مقاتل: لا يشبه زنجبيل الدنيا. وقال ابن عباس: كلما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه، ليس له مثل في الدنيا. ولكن الله سماه بالاسم الذي يعرف، والزنجبيل مما كانت العرب تستطيبه جدًا، فلذلك ذكره الله تعالى في القرآن، ووعدهم أنهم يسقون في الجنة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنة. ﴿عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلا﴾ [الإنسان: ١٨] يقول: يمزج الخمر بالزنجبيل، والزنجبيل من عين تسمى تلك العين سلسبيلًا، قال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن. وقال الزجاج: سلسبيل صفة لما كان في غاية السلاسة. والمعنى: أنها سلسة تتسلسل في الحلق، لذلك سميت سلسبيلًا.

стр. 2126

﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ﴿١٩﴾ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴿٢٠﴾ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴿٢١﴾ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴿٢٢﴾ ﴾ [الإنسان: ١٩-٢٢] . ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان: ١٩] سبق تفسيره، وقد وصف الله تعالى في هذه ال ﴿ [الأقداح وما فيها من الشراب، والسقاة الذين يطوفون بها، وهو قوله:] إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [سورة الإنسان: ١٩] قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ، وحسنه. واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظومًا، وقال أهل المعاني: إنما شبهوا بالمنثور لانتثارهم في الخدمة، ولو كانوا صفًا لشبهوا بالمنظوم. قوله: وإذا رأيت أي: إذا رميت ببصرك، ونظرت، ثم يعني: الجنة، رأيت نعيمًا لا يوصف، وملكًا كبيرًا قال مقاتل، والكلبي: هو أن رسول رب العزة من الملائكة لا يدخل عليهم إلا بإذنهم. ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ [الإنسان: ٢١] من نصب عاليهم جعله ظرفًا، بمنزلة قولك فوقهم ثياب سندس، ويجوز أن تكون نصبًا على الحال من

стр. 2127

قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الإنسان: ١٢] ومن أسكن الياء كان في موضع رفع بالابتداء، وخبره: ثياب سندس، خضر بالرفع صفة لقوله: ثياب وبالخفض صفة لقوله: سندس وهو إن كان واحدًا أريد به الجنس، وإستبرق فيه الجر والرفع أيضًا، فالجر من حيث عطف على السندس، ومن رفع أراد العطف على الثياب، وهذه الآية مفسرة في ﴿ [الكهف،] وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [سورة الإنسان: ٢١] قال الفراء: يقول طهور ليس بنجس كما كانت في الدنيا مذكورة بالنجاسة. والمعنى: أن ذلك الشراب طاهر، ليس كخمر الدنيا، قال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش، وغل، وحسد. وقال أبو قلابة، وإبراهيم: يؤتون بالطعام، فإذا كان آخر ذلك أتوا بالشراب الطهور، فيشربون، فتضمر بذلك بطونهم، ويغيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك. إن هذا يعني: ما وصف من نعيم أهل الجنة، ﴿كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢] بأعمالكم، وكان سعيكم عملكم في الدنيا بطاعة الله، مشكورًا قال عطاء: يريد شكرتكم عليه، وأثبتكم أفضل الثواب. قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلا ﴿٢٣﴾ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴿٢٤﴾ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلا ﴿٢٥﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا ﴿٢٦﴾ إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا ﴿٢٧﴾ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا ﴿٢٨﴾ ﴾ [الإنسان: ٢٣-٢٨] .

стр. 2128

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ تَنْزِيلا﴾ [الإنسان: ٢٣] يعني: فصلناه في الإنزال، فلم ننزله جملة واحدة. ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٤] مفسر في مواضع، ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٤] من مشركي مكة، آثما يعني: عتبة بن ربيعة، أو كفورًا يعني: الوليد بن المغيرة، قالا له: ارجع عن هذا الأمر، ونحن نرضيك بالمال، والتزويج. ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٥] اذكره بالتوحيد في الصلاة، بكرة وأصيلًا يعني: الفجر والعصر. ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ [الإنسان: ٢٦] يعني: المغرب والعشاء، ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلا طَوِيلا﴾ [الإنسان: ٢٦] يعني: التطوع بعد المكتوبة. إن هؤلاء يعني: كفار مكة، يحبون العاجلة الدار العاجلة، وهي الدنيا، ويذرون وراءهم يعني أمامهم، يومًا ثقيلًا عسيرًا، شديدًا، والمعنى: يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعملون له. ثم ذكر قدرته، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] الأسر: شدة الخلق، يقال: شدد الله أسر فلان. أي: قوى خلقه، قال الحسن: يعني: أوصالهم بعضًا إلى بعض بالعروق والعصب. وروي عن مجاهد، أنه قال في تفسير الأسر: الشرج، يعني: موضعي مصرفي البول والغائط، إذا خرج الأذى تقبضتا. ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا﴾ [الإنسان: ٢٨] إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلًا منهم. ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا ﴿٢٩﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٣٠﴾ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٣١﴾ ﴾ [الإنسان: ٢٩-٣١] . إن هذه ال ﴿ [، تذكرة تذكير وموعظة،] فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [سورة الإنسان: ٢٩] بالإيمان، والطاعة. ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ [الإنسان: ٣٠] اتخاذ السبيل، ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ذلك لكم، قال الزجاج: أي: لستم تشاءون إلا بمشيئة الله. ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: ٣١] قال عطاء: من صدق نيته، أدخله جنته. والظالمين المشركين من كفار مكة، ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١] .

стр. 2129

تفسير سورة المرسلات خمسون آية، مكية. ١٢٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيٍّ الْخَفَّافُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْمُرْسَلاتِ كُتِبَ لَيْسَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا ﴿١﴾ فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا ﴿٢﴾ وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا ﴿٣﴾ فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا ﴿٤﴾ فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴿٦﴾ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ ﴿٧﴾ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴿٨﴾ وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ ﴿٩﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ﴿١٠﴾ وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ﴿١١﴾ لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ ﴿١٢﴾ لِيَوْمِ الْفَصْلِ ﴿١٣﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ﴿١٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٥﴾ ﴾ [المرسلات: ١-١٥] . والمرسلات عرفًا يعني: الرياح أرسلت متتابعة كعرف الفرس. فالعاصفات عصفًا يعني: الرياح الشديدة الهبوب. والناشرات نشرًا يعني: الرياح التي تأتي بالمطر، وهي تنشر السحاب. فالفارقات فرقًا يعني: الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وقال مجاهد: هي الريح تفرق بين السحاب فتبدده. وقال قتادة: هي آي القرآن، فرقت بين الحق والباطل، والحلال والحرام. وهو قول الحسن. فالملقيات ذكرًا يعني الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء. عذرًا أو نذرًا أي: للإعذار أو الإنذار، ومن أول ال ﴿ [إلى ههنا أقسام ذكرها الله تعالى على قوله: إنما توعدون أي: من أمر الساعة والبعث، لواقع لكائن. ثم ذكر متى يقع فقال:] فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [سورة المرسلات: ٨] محي نورها. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات: ٩] شقت. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ [المرسلات: ١٠] قلعت من مكانها، كقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] . ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١] الهمزة في أقتت بدل من الواو المضمومة، وكل واو

стр. 2130

انضمت وكانت ضمتها لازمة جاز إبدالها بالهمزة، كقولهم: أجوه وأدور. ومن قرأ بالواو فهو على الأصل ولم يبدله، والمعنى: جمعت لوقتها، وهو يوم القيامة ليشهدوا على الأمم، وهو قوله: ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٢] أي: أخرت، وضرب لهم الأجل لجمعهم يعجب العباد من ذلك اليوم. ثم بين، فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٣] قال ابن عباس: يوم يفصل الرحمن بين الخلائق. ثم عظم ذلك اليوم، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [المرسلات: ١٤] . ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم، فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥] . ثم أخبر بما فعل بالكفار من الأمم الخالية، فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ ﴿١٦﴾ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ ﴿١٧﴾ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿١٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٩﴾ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ﴿٢٠﴾ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴿٢١﴾ إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴿٢٢﴾ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ ﴿٢٣﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٤﴾ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا ﴿٢٥﴾ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴿٢٦﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴿٢٧﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٢٨﴾ ﴾ [المرسلات: ١٦-٢٨] . ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ١٦] قال مقاتل: يعني: بالعذاب في الدنيا، حين كذبوا رسلهم. ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخِرِينَ﴾ [المرسلات: ١٧] يعني: كفار مكة حين كذبوا بمحمد. كذلك الذي فعلنا بمن تقدم من الأمم، نفعل بالمجرمين بالمكذبين من أهل مكة. ثم ذكر بدو خلقهم، فقال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠] يعني: النطفة. ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المرسلات: ٢١] يعني الرحم. ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [المرسلات: ٢٢] يعني: مدة الحمل. فقدرنا قال الكلبي: يعني: خلقه كيف يكون قصيرًا أو طويلًا، ذكرًا أو أنثى. وفيه قراءتان: التخفيف والتشديد، قال الفراء: والمعنى فيهما واحد. ومعنى: فنعم القادرون المقدرون. ثم بين لهم صنعه ليعتبروا، فيوحدوه، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] معنى الكفت في اللغة: الضم والجمع، يقال: كفت الشيء. إذا ضمه وجمعه، ومن هذا يقال للجراب والقدر: كفت. قال الفراء: تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم، ومنازلهم، وتكفتهم أمواتًا في بطنها، أي: تحوزهم. وهو قوله: أحياء وأمواتًا وهذا قول جماعة المفسرين. ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [المرسلات: ٢٧] جبالًا ثوابت، شامخات عاليات، وكل عال فهو شامخ، ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] تقدم تفسير هذا في آيتين، قال

стр. 2131

مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث. قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٢٨] أي: بالبعث. ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة، فقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٩﴾ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ﴿٣٠﴾ لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴿٣١﴾ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ﴿٣٢﴾ كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ ﴿٣٣﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٤﴾ هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ ﴿٣٥﴾ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴿٣٦﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٧﴾ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ﴿٣٩﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٠﴾ ﴾ [المرسلات: ٢٩-٤٠] . ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المرسلات: ٢٩] تقول لهم الخزنة: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا. ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ﴾ [المرسلات: ٣٠] من دخان نار جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وهو قوله: ﴿ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: ٣٠] فكونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب. ثم وصف ذلك الظل، فقال: لا ظليل لا يظل من الحر، ﴿وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ [المرسلات: ٣١] لا يدفع عنكم من حره شيئًا، قال الكلبي: لا يرد لهب جهنم عنكم، والمعنى: أنهم إذا استظلوا بذلك الظل، لم يدفع عنهم حر اللهب. ثم وصف النار، فقال: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] يقال: شررة وشرر. وهي ما تطاير من النار متفرقًا، والقصر: البناء العظيم كالحصن، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر، فقال: كَأَنَّهُ جِمَالات صُفْرٌ وهي جمع جمال، من قرأ جمالة فهو جمع جمل، كما قالوا: حجر وحجارة. والصفر معناها: السود في قول المفسرين. قال الفراء: الصفر سود الإبل، لا ترى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة، لذلك سمت العرب سود الإبل صفرًا. قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] قال المفسرون: إن في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواهم فلا يتكلمون. أخبرنا أبو عمرو بن المروزي، فيما كتب إليّ، أن أبا الفضل الحدادي، أخبرهم عن محمد

стр. 2132

بن يزيد، أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن قتادة، قال: جاء رجل إلى عكرمة، فقال: أرأيت قول الله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] . قال: إنها مواقف منها، فتكلموا واختصموا، ثم ختم على أفواههم، فتكلمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون، وهو قوله: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] . وهذا يوم الفصل بين أهل الجنة والنار، جمعناكم يعني: مكذبي هذه الأمة، والأولين الذين كذبوا أنبياءهم. ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩] قال مقاتل: يقول: إن كانت لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم. ثم ذكرالمؤمنين، فقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ ﴿٤١﴾ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٤٢﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٤٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٥﴾ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ﴿٤٦﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ﴿٤٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٠﴾ ﴾ [المرسلات: ٤١-٥٠] . ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ﴾ [المرسلات: ٤١] الشجر، وظلال أكنان القصور، وعيون ماء. ﴿وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [المرسلات: ٤٢] ويقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [المرسلات: ٤٣] في الدنيا بطاعتي. ثم قال لكفار مكة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلا﴾ [المرسلات: ٤٦] أي: في الدنيا إلى منتهى آجالكم، ﴿إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات: ٤٦] مشركون بالله. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] إذا أمروا بالصلوات الخمس، لا يصلون. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠] يقول: إن لم يصدقوا بهذا القرآن، فبأي كتاب يصدقون، ولا كتاب بعد القرآن؟

стр. 2133

تفسير سورة النبإ أربعون آية، مكية. ١٢٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عُمَرَوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ سَقَاهُ اللَّهُ بَرْدَ الشَّرَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴿٢﴾ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ ﴿٣﴾ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴿٥﴾ أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا ﴿٦﴾ وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا ﴿٧﴾ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا ﴿٨﴾ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴿٩﴾ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴿١٠﴾ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ﴿١١﴾ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا ﴿١٢﴾ وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا ﴿١٣﴾ وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا ﴿١٤﴾ لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا ﴿١٥﴾ وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا ﴿١٦﴾ ﴾ [النبأ: ١-١٦] . ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] أصله: عن ما، فأدغمت النون في الميم، وحذفت ألف ما، كقولهم: فيم وبم. قال المفسرون: لما بعث رسول الله ﷺ ، وأخبرهم بتوحيد الله، والبعث بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم، فيقولون: ماذا جاء به محمد ﷺ ؟ وما الذي أتى به؟ فأنزل الله : ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] . قال الزجاج: اللفظ لفظ استفهام، والمعنى: تفخيم القصة، كما تقول: أي شيء زيد؟ إذا عظمت شأنه. ثم ذكر أن يسألهم عما ذا فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ٢] وهو: القرآن في قول الجميع. ومعناه: الخبر العظيم الشأن، لأنه ينبئ على التوحيد، وتصديق الرسول، والخبر عما يجوز وعما لا يجوز، وعن البعث والنشور، وقال الضحاك: يعني نبأ يوم القيامة. ويدل على أن المراد به القرآن، قوله: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ: ٣] وذلك أنهم اختلفوا في القرآن، فجعله

стр. 2134

بعضهم سحرًا، وبعضهم كهانة وشعرًا، وبعضهم أساطير الأولين. ثم أوعد الله من كذب بالقرآن، فقال: كلا وهو نفي لاختلافهم، أي: ليس الأمر على ما قالوا، سيعلمون عاقبة تكذيبهم، حين تنكشف الأمور. ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٥] وعيد على أثر وعيد. ثم ذكر صنعه، ليعرفوا توحيده، فقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦] فراشًا، وبساطًا، والجبال أوتادًا للأرض حتى لا تميد. ١٢٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا حَامِدُ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْمُقْرِئُ، نا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا طَلْحَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ مَدَّ الْأَرْضَ حَتَّى بَلَغَتْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنَ الطُّولِ وَالْعَرْضِ، قَالَ: وَكَانَتْ هَكَذَا تَمِيدُ، وَأَرَانِي ابْنُ عَبَّاسٍ بِيَدِهِ هَكَذَا وَهَكَذَا قَالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: ٧] وَكَانَ أَبُو قُبَيْسٍ مِنْ أَوَّلِ جَبَلٍ وُضِعَ عَلَى الْأَرْضِ. وخلقناكم أزواجًا ذكرانًا وإناثًا. ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ: ٩] قال الزجاج: السبات هو أن ينقطع عن الروح والحركة في بدنه، أي: جعلنا نومك راحة لكم. وقال ابن الأنباري: جعلنا نومك قطعًا لأعمالكم، لأن أصل السبت القطع. ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠] ساترًا بظلمته ستر اللباس من الثوب. ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١١] المعاش: العيش، وكل شيء يعاش به فهو معاش، والمعنى: وجعلنا النهار مبتغى معاش، أو مطلب معاش، قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: تبتغون فيه من فضل ربكم، وما قسم لكم فيه من رزقه. ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢] يريد: سبع سموات، غلظ كل واحدة مسيرة خمس مائة عام. ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: ١٣] يعني: الشمس، قال الزجاج: الوهاج: الوقاد، وهو الذي وهج، يقال: وهجت تهج، وهجًا ووهجانًا.

стр. 2135

قال مقاتل: جعل فيه نورا وحرًا، والوهج يجمع النور والحرارة. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ﴾ [النبأ: ١٤] قال مجاهد، ومقاتل، والكلبي، وقتادة: يعني الرياح. وقال الأزهري: هي الرياح ذوات الأعاصير. ومن معناه الباء، كأنه قال: بالمعصرات، وذلك أن الريح تستدر المطر. وقال أبو العالية، والربيع، والضحاك: هي السحاب. وهي رواية الوالبي، عن ابن عباس. قال الفراء: المعصر: السحابة التي تتجلب المطر. وقوله: ماء ثجاجًا أي: صبابًا، يقال: ثج الماء يثج ثجوجًا. إذا انصب. لنخرج به أي: بذلك الماء، حبًا وهو ما يأكله الناس، ونباتًا ما تنبته الأرض، مما يأكل الناس، والأنعام. وجنات ألفافًا ملتفة من الشجر، واحدها: لف، بالكسر، وقال أبو العباس: واحدها لفا: وحمعها لف. ثم يجمع ألفافًا. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا ﴿١٧﴾ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا ﴿١٨﴾ وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا ﴿١٩﴾ وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا ﴿٢٠﴾ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا ﴿٢١﴾ لِلطَّاغِينَ مَآبًا ﴿٢٢﴾ لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا ﴿٢٣﴾ لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا ﴿٢٤﴾ إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ﴿٢٥﴾ جَزَاءً وِفَاقًا ﴿٢٦﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا ﴿٢٧﴾ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا ﴿٢٨﴾ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ﴿٢٩﴾ فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلا عَذَابًا ﴿٣٠﴾ ﴾ [النبأ: ١٧-٣٠] . ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ [النبأ: ١٧] يوم القضاء بين الخلق، ﴿كَانَ مِيقَاتًا﴾ [النبأ: ١٧] لما وعد الله من الثواب، والعقاب. ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨] زمرًا من كل مكان للحساب. وفتحت السماء لنزول الملائكة، فكانت أبوابًا أي: ذات أبواب. ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠] عن أماكنهم، فكانت سرابًا أي: هباء منبثًا لعين الناظر، كالسراب بعد شدتها وصلابتها. ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: ٢١] قال الزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو. وقال المبرد: مرصادًا يرصدون به، أي: هو معد لهم، يرصد بها خزنتها الكفار. ثم بين أنها مرصاد لمن، فقال: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ [النبأ: ٢٢] قال ابن عباس: للمشركين الضالين. ﴿مَآبًا﴾ [النبأ: ٢٢] مرجعًا يرجعون إليه. ﴿لابِثِينَ فِيهَا﴾ [النبأ: ٢٣] وقرأ حمزة لبثين فيها وهما بمعنى واحد، مثل

стр. 2136

طمع وطامع، وفره وفاره، أحقابًا واحدها حقب، وهو ثمانون سنة، وقد مضى الكلام فيه، قال المفسرون: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، السنة ثلاث مائة وستون يومًا، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا. وقال الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة، بل قال: ﴿أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣] فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب، دخل آخر ثم آخر، كذلك إلى الأبد. ١٢٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ كوهي بْنُ الْحَسَنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، نا زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ هُوَ الْبَصْرِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا حَتَّى يَمْكُثَ فِيهَا أَحْقَابًا، وَالْحُقْبُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَالسَّنَةُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فلا يَتَّكِلْنَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ» . ١٢٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَوْدِيُّ، نا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَ أَهْلُ النَّارِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي النَّارِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَفَرِحُوا، وَلَوْ عَلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي الْجَنَّةِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَحَزِنُوا ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] قال ابن عباس: يريد النوم والماء.

стр. 2137

وقال مقاتل: لا يذوقون في جهنم بردًا ينفعهم من حرها، ولا شرابًا ينفعهم من عطشها. ﴿إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] تقدم تفسيرها. ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] قال مقاتل: وافق عذاب النار الشرك، لأنهما عظيمان، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الزجاج: أي: جوزوا جزاء وفق أعمالهم. ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧] لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: كانوا لا يؤمنون بالبعث، ولا بأنهم يحاسبون. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النبأ: ٢٨] بما جاءت به الأنبياء، كذابًا تكذبيًا، وفعال من مصادر التفعيل، قال الفراء: هي لغة فصيحة يمانية، قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب إليك أم القصار؟ ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩] أي: وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] . فذوقوا أي: فيقال لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، فلن نزيدكم إلا عذابًا. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴿٣٤﴾ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴿٣٦﴾ ﴾ [النبأ: ٣١-٣٦] . إن للمتقين الذين لم يجعلوا لله شريكًا، مفازًا فوزًا بالجنة، ونجاة من النار. ثم فسر ذلك الفوز، فقال: حدائق وأعنابًا يعني: أشجار الجنة، وثمارها، وكواعب جواري تكعبت ثديهن، أترابًا مستويات في السن. وكأسًا دهاقًا ممتلئة. ١٢٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ نِسْطَاسٍ،

стр. 2138

قَالَ: دَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ غُلامًا، فَقَالَ: اسْقِنَا دِهَاقًا فَجَاءَ الْغُلامُ بِهَا مَلْأَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا الدِّهَاقُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُتَتَابِعَةُ. أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قال: ممتلئة. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ [النبأ: ٣٥] يعني: في الجنة إذا شربوها، ﴿لَغْوًا﴾ [النبأ: ٣٥] باطلًا من الكلام، ولا كذابًا ولا يكذب بعضهم بعضًا، قال ابن عباس: وذلك أن أهل الدنيا، إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتكلموا عليها بشيء يكرهه الله . وروي عن الكسائي التخفيف في هذه الآية، قال الفراء: وهو حسن المعنى، لا يكذب بعضهم بعضًا. قال أبو عبيدة: الكذاب: مخفف مصدر المكاذبة. وقال أبو علي: هو مصدر كذب، كالكتاب في مصدر كتب. ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النبأ: ٣٦] قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء. وكذلك: ﴿عَطَاءً﴾ [النبأ: ٣٦] أي: وأعطاهم عطاء، ﴿حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] قال أبو عبيدة: كافيًا. وقال ابن قتيبة: كثيرًا، يقال: أحسبت فلانًا. أي: أكثرت له وأعطيته ما يكفيه. قال الزجاج: أي في ذلك الجزاء كل ما يشتهون. ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴿٣٧﴾ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴿٣٨﴾ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ﴿٣٩﴾ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴿٤٠﴾ ﴾ [النبأ: ٣٧-٤٠] . ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٧] فيه ثلاثة أوجه من القراءة: رفعهما بالقطع من الخبر الذي قبله رب السموات ابتداء، الرحمن خبره، وخفضهما باتباع الجر الذي قبلهما، وهو قوله: من ربك، ومن خفض الأول أتبعه الجر الذي قبله، واستأنف بقوله: الرحمن، وجعل لا يملكون في

стр. 2139

موضع خبره، ومعنى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: ٣٧] قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] أي: في ذلك اليوم، قال مجاهد، وقتادة، وأبو صالح: الروح خلق من خلق الله على صورة بني آدم، وليسوا بناس يقومون صفًا والملائكة صفًا، هؤلاء جند وهؤلاء جند. وقال عطاء، عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقًا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفًا، وقامت الملائكة كلهم صفًا واحدًا، فيكون عظم صفه مثل صفوفهم. لا يتكلمون يعني: الخلق كلهم، ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وهم: المؤمنون، والملائكة، وقال في الدنيا، صوابًا أي: شهد بالتوحيد، وقال: لا إله إلا الله. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] الكائن، الواقع، يعني: يوم القيامة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩] مرجعًا بالطاعة، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] يعني: العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] يعني: أن كل أحد يرى عمله في ذلك اليوم، ما قدم من خير وشر مثبتًا عليه في صحيفته، فيرجو ثواب الله على صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] قال الحسن: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة، فقضى بين الثقلين الجن والإنس، وأنزلهم منازلهم، قال لسائر الخلق: كونوا ترابًا. فكانوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا. وقال الزجاج: وقيل: إن معنى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] أي: ليتني لم أبعث.

стр. 2140

تفسير سورة النازعات أربعون وست آيات، مكية. ١٢٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والنازعات لَمْ يَكُنْ حَبْسُهُ أَوْ حِسَابُهُ فِي الْقِيَامَةِ إِلا كَقَدْرِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ﴿١﴾ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ﴿٢﴾ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴿٣﴾ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ﴿٤﴾ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴿٥﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿٦﴾ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿٧﴾ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴿٨﴾ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴿٩﴾ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴿١٠﴾ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ﴿١١﴾ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴿١٢﴾ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿١٣﴾ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴿١٤﴾ ﴾ [النازعات: ١-١٤] . والنازعات غرقًا يعني: الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم، كما يغرق النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المد، والغرق اسم أقيم مقام الإغراق. والناشطات نشطًا هم الملائكة، ينشطون روح الكافر من قدميه إلى حلقه نشطًا، كما ينشط الصوف من سفود الحديد، والنشط الجذب، يقال: نشطت الدلو نشطًا. إذا نزعتها. والسابحات سبحًا يعني: الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلًا رفيقًا، ثم يدعونها حتى تستريح، كالسابح بالشيء في الماء يرفق به، وقال أبو صالح، ومجاهد: هم: الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كالفرس الجواد السابح. فالسابقات سبقًا هم الملائكة سبقت ابن آدم بالخير، والعمل الصالح، والإيمان، والتصديق. فالمدبرات أمرًا يعني: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، يدبرون أمر الله في أهل الأرض، قال عطاء، عن ابن عباس: هم الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله العمل بها. وقال عبد الرحمن بن سابط: أما جبريل فوكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم. وجواب هذه الأقسام محذوف على تقدير: لتبعثن،
следующие страницы →