← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

طمع وطامع، وفره وفاره، أحقابًا واحدها حقب، وهو ثمانون سنة، وقد مضى الكلام فيه، قال المفسرون: الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، السنة ثلاث مائة وستون يومًا، اليوم ألف سنة من أيام الدنيا. وقال الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة، بل قال: ﴿أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣] فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب، دخل آخر ثم آخر، كذلك إلى الأبد. ١٢٧٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ كوهي بْنُ الْحَسَنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْحَضْرَمِيُّ، نا زِيَادُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ هُوَ الْبَصْرِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَلا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ دَخَلَهَا حَتَّى يَمْكُثَ فِيهَا أَحْقَابًا، وَالْحُقْبُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَالسَّنَةُ ثَلاثُ مِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فلا يَتَّكِلْنَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ النَّارِ» . ١٢٧٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عُمَرَ الْخَشَّابُ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ الْأَوْدِيُّ، نا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَفَعَهُ قَالَ: لَوْ عَلِمَ أَهْلُ النَّارِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي النَّارِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَفَرِحُوا، وَلَوْ عَلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي الْجَنَّةِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَحَزِنُوا ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا﴾ [النبأ: ٢٤] قال ابن عباس: يريد النوم والماء.

стр. 2137

وقال مقاتل: لا يذوقون في جهنم بردًا ينفعهم من حرها، ولا شرابًا ينفعهم من عطشها. ﴿إِلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٥] تقدم تفسيرها. ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦] قال مقاتل: وافق عذاب النار الشرك، لأنهما عظيمان، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. وقال الزجاج: أي: جوزوا جزاء وفق أعمالهم. ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ [النبأ: ٢٧] لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: كانوا لا يؤمنون بالبعث، ولا بأنهم يحاسبون. ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النبأ: ٢٨] بما جاءت به الأنبياء، كذابًا تكذبيًا، وفعال من مصادر التفعيل، قال الفراء: هي لغة فصيحة يمانية، قال لي أعرابي منهم على المروة يستفتيني: الحلق أحب إليك أم القصار؟ ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا﴾ [النبأ: ٢٩] أي: وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] . فذوقوا أي: فيقال لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، فلن نزيدكم إلا عذابًا. ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا ﴿٣١﴾ حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴿٣٢﴾ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ﴿٣٣﴾ وَكَأْسًا دِهَاقًا ﴿٣٤﴾ لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا كِذَّابًا ﴿٣٥﴾ جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا ﴿٣٦﴾ ﴾ [النبأ: ٣١-٣٦] . إن للمتقين الذين لم يجعلوا لله شريكًا، مفازًا فوزًا بالجنة، ونجاة من النار. ثم فسر ذلك الفوز، فقال: حدائق وأعنابًا يعني: أشجار الجنة، وثمارها، وكواعب جواري تكعبت ثديهن، أترابًا مستويات في السن. وكأسًا دهاقًا ممتلئة. ١٢٧٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ نِسْطَاسٍ،

стр. 2138

قَالَ: دَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ غُلامًا، فَقَالَ: اسْقِنَا دِهَاقًا فَجَاءَ الْغُلامُ بِهَا مَلْأَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذَا الدِّهَاقُ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: هِيَ الْمُتَتَابِعَةُ. أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ: ٣٤] قال: ممتلئة. ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ [النبأ: ٣٥] يعني: في الجنة إذا شربوها، ﴿لَغْوًا﴾ [النبأ: ٣٥] باطلًا من الكلام، ولا كذابًا ولا يكذب بعضهم بعضًا، قال ابن عباس: وذلك أن أهل الدنيا، إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتكلموا عليها بشيء يكرهه الله . وروي عن الكسائي التخفيف في هذه الآية، قال الفراء: وهو حسن المعنى، لا يكذب بعضهم بعضًا. قال أبو عبيدة: الكذاب: مخفف مصدر المكاذبة. وقال أبو علي: هو مصدر كذب، كالكتاب في مصدر كتب. ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ﴾ [النبأ: ٣٦] قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء. وكذلك: ﴿عَطَاءً﴾ [النبأ: ٣٦] أي: وأعطاهم عطاء، ﴿حِسَابًا﴾ [النبأ: ٣٦] قال أبو عبيدة: كافيًا. وقال ابن قتيبة: كثيرًا، يقال: أحسبت فلانًا. أي: أكثرت له وأعطيته ما يكفيه. قال الزجاج: أي في ذلك الجزاء كل ما يشتهون. ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ﴿٣٧﴾ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ﴿٣٨﴾ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ﴿٣٩﴾ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ﴿٤٠﴾ ﴾ [النبأ: ٣٧-٤٠] . ﴿رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٧] فيه ثلاثة أوجه من القراءة: رفعهما بالقطع من الخبر الذي قبله رب السموات ابتداء، الرحمن خبره، وخفضهما باتباع الجر الذي قبلهما، وهو قوله: من ربك، ومن خفض الأول أتبعه الجر الذي قبله، واستأنف بقوله: الرحمن، وجعل لا يملكون في

стр. 2139

موضع خبره، ومعنى: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ [النبأ: ٣٧] قال مقاتل: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨] أي: في ذلك اليوم، قال مجاهد، وقتادة، وأبو صالح: الروح خلق من خلق الله على صورة بني آدم، وليسوا بناس يقومون صفًا والملائكة صفًا، هؤلاء جند وهؤلاء جند. وقال عطاء، عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقًا أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفًا، وقامت الملائكة كلهم صفًا واحدًا، فيكون عظم صفه مثل صفوفهم. لا يتكلمون يعني: الخلق كلهم، ﴿إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٨] وهم: المؤمنون، والملائكة، وقال في الدنيا، صوابًا أي: شهد بالتوحيد، وقال: لا إله إلا الله. ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ [النبأ: ٣٩] الكائن، الواقع، يعني: يوم القيامة، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩] مرجعًا بالطاعة، أي: فمن شاء رجع إلى الله بطاعته. ثم خوف كفار مكة، فقال: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] يعني: العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت قريب، ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] يعني: أن كل أحد يرى عمله في ذلك اليوم، ما قدم من خير وشر مثبتًا عليه في صحيفته، فيرجو ثواب الله على صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] قال الحسن: إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة، فقضى بين الثقلين الجن والإنس، وأنزلهم منازلهم، قال لسائر الخلق: كونوا ترابًا. فكانوا ترابًا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابًا. وقال الزجاج: وقيل: إن معنى: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] أي: ليتني لم أبعث.

стр. 2140

تفسير سورة النازعات أربعون وست آيات، مكية. ١٢٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والنازعات لَمْ يَكُنْ حَبْسُهُ أَوْ حِسَابُهُ فِي الْقِيَامَةِ إِلا كَقَدْرِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ﴿١﴾ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ﴿٢﴾ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا ﴿٣﴾ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا ﴿٤﴾ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا ﴿٥﴾ يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿٦﴾ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿٧﴾ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴿٨﴾ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴿٩﴾ يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴿١٠﴾ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً ﴿١١﴾ قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ ﴿١٢﴾ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ﴿١٣﴾ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ ﴿١٤﴾ ﴾ [النازعات: ١-١٤] . والنازعات غرقًا يعني: الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم، كما يغرق النازع في القوس، فيبلغ بها غاية المد، والغرق اسم أقيم مقام الإغراق. والناشطات نشطًا هم الملائكة، ينشطون روح الكافر من قدميه إلى حلقه نشطًا، كما ينشط الصوف من سفود الحديد، والنشط الجذب، يقال: نشطت الدلو نشطًا. إذا نزعتها. والسابحات سبحًا يعني: الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلًا رفيقًا، ثم يدعونها حتى تستريح، كالسابح بالشيء في الماء يرفق به، وقال أبو صالح، ومجاهد: هم: الملائكة ينزلون من السماء مسرعين، كالفرس الجواد السابح. فالسابقات سبقًا هم الملائكة سبقت ابن آدم بالخير، والعمل الصالح، والإيمان، والتصديق. فالمدبرات أمرًا يعني: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، يدبرون أمر الله في أهل الأرض، قال عطاء، عن ابن عباس: هم الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله العمل بها. وقال عبد الرحمن بن سابط: أما جبريل فوكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم. وجواب هذه الأقسام محذوف على تقدير: لتبعثن،

стр. 2141

ولتحاسبن. ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ [النازعات: ٦] يعني: النفخة الأولى التي تموت فيها جميع الخلائق، والراجفة: صيحة عظيمة، فيها تردد واضطراب، كالرعد إذا تمخض. تتبعها الرادفة يعني: النفخة الثانية ردفت النفخة الأولى. ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨] مضطربة، قلقة، لما عاينت من أهوال يوم القيامة. أبصارها خاشعة ذليلة، وذلك عند معاينة النار، كقوله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الشورى: ٤٥] الآية، قال عطاء: يريد أبصار من مات على غير الإسلام. ويدل على هذا أنه ذكر منكري البعث، فقال: ﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] أنرد إلى أول حالنا، وابتداء أمرنا، فنصير أحياء كما كنا! يقال: رجع فلان من حافرته. أي: رجع من حيث جاء، والحافرة عند العرب اسم لأول الشيء، وابتداء الأمر. أئذا كنا عظامًا ناخرة ونخرة، أي: بالية، يقال نخر العضم، ينخر فهو ناخر. ونخر إذا بلي وتفتت، قال الأخفش: هما جميعًا لغتان أيهما قرأت فحسن. والمعنى: أنهم أنكروا البعث، فقالوا: أنرد أحياء إذا متنا، وبليت عظامنا! ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٢] قالوا: إن رددنا بعد الموت، لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت مما يقول محمد. ثم أعلم الله تعالى سهولة البعث عليه، فقال: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ [النازعات: ١٣] يعني: النفخة الأخيرة، ﴿زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] صيحة واحدة من إسرافيل، يسمعونها وهم في بطون الأرض أموات فيحيون. وهو قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] يعني: وجه الأرض وظهرها في قول الجميع. قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى ﴿١٥﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٦﴾ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ﴿١٧﴾ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ﴿١٨﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴿١٩﴾ فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى ﴿٢٠﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَى ﴿٢١﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ﴿٢٢﴾ فَحَشَرَ فَنَادَى ﴿٢٣﴾ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ﴿٢٤﴾ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى ﴿٢٥﴾ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴿٢٦﴾ ﴾ [النازعات: ١٥-٢٦] . هل أتاك يقول: هل جاءك يا محمد: حديث موسى ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ [النازعات: ١٦] دعاه ربه، فقال: يا موسى ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] علا، وتكبر، وكفر بالله. ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨] تتطهر من الشرك، وقال ابن عباس: تشهد أن لا إله إلا الله. ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [النازعات: ١٩] أدعوك إلى عبادته، وتوحيده، فتخشى عقابه؟ ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٢٠] يعني: اليد، والعصا، فكذب بأنهما من عند الله،

стр. 2142

وعصى نبيه، فلم يطعه. ثم أدبر أعرض عن الإيمان، يسعى يعمل بالفساد في الأرض. فحشر فجمع قومه، وجنوده، فنادى لما اجتمعوا. ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] أي: لا رب فوقي. ١٢٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُؤَمَّلُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّوَّارِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ، نا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ أَمْهَلْتَ فِرْعَوْنَ أَرْبَعَ مِائَةِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] يُكَذِّبُ بِآيَاتِكَ وَيَجْحَدُ رُسُلَكَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ سَهْلَ الْحِجَابِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُكَافِئَهُ قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] يعني بالآخرة والأولى: كلمتى فرعون، حين قال: ما علمت لكم من إله غيري، وقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] وكان بينهما أربعون سنة. أخبرنا أبو نصر بن عباس، أنا إسماعيل بن نجيد، نا محمد بن إبراهيم بن سعيد، نا أمية بن بسطام، نا يزيد بن زريع، نا روح، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: الآخرة والأولى قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] و ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] . وهذا قول الأكثرين. وقال الحسن، وقتادة: جعله الله نكال الدنيا والآخرة، أغرقه في الدنيا، وعذبه في الآخرة. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [النازعات: ٢٦] الذي فعل بفرعون، حين كذب وعصى، لعبرة عظة، ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦] الله. ثم خاطب منكري البعث، فقال: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ﴿٢٧﴾ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿٢٨﴾ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿٢٩﴾ وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴿٣٠﴾ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿٣١﴾ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿٣٢﴾ مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٣﴾ ﴾ [النازعات: ٢٧-٣٣] . ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] يعني: أخلقكم بعد الموت أشد عندكم، أم السماء في تقديركم، وهما في قدرة الله تعالى واحد؟ ! وهذا كقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] ثم وصف خلق السماء، فقال: ﴿بَنَاهَا ﴿٢٧﴾ رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ [النازعات: ٢٧-٢٨] سقفها، وما ارتفع منها، فسواها بلا شقوق، ولا فطور. وأغطش ليلها جعله مظلمًا، والغطش:

стр. 2143

الظلمة. وأخرج ضحاها أبرز نهارها، وأضافهما إلى السماء لأن الظلمة والنور كلاهما ينزل من السماء. ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النازعات: ٣٠] بعد خلق السماء، دحاها بسطها، من الدحو وهو البسط. ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا﴾ [النازعات: ٣١] قال ابن عباس: فجر الأنهار، والبحار، والعيون. ومرعاها ما يأكل الناس والأنعام، وهو قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣] . ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ﴿٣٤﴾ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى ﴿٣٥﴾ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى ﴿٣٦﴾ فَأَمَّا مَنْ طَغَى ﴿٣٧﴾ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٣٨﴾ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿٣٩﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿٤١﴾ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿٤٢﴾ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ﴿٤٣﴾ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا ﴿٤٤﴾ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا ﴿٤٥﴾ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿٤٦﴾ ﴾ [النازعات: ٣٤-٤٦] . ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤] يعني: النفخة الثانية التي فيها البعث، والطامة: الحادثة التي تطم على ما سواها، أي: تعلو فوقه، ومن هذا يقال: فوق كل طامة، والقيامة تطم على كل شيء. ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: ٣٥] ما عمل من خير وشر. ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ [النازعات: ٣٦] قال مقاتل: يكشف عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق. ثم ذكر مأوى الفريقين، فقال: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ [النازعات: ٣٧] في كفره، ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النازعات: ٣٨] على الآخرة، ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى ﴿٣٩﴾ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ [النازعات: ٣٩-٤٠] تقدم تفسيره، ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] عن المحارم التي تشتهيها، قال مقاتل: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر مقامه للحساب فيتركها. قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢] متى وقوعها، وقيامها. ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٣] لست في شيء من عملها، وذكرها أي: لا تعلمها. ﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ [النازعات: ٤٤] منتهى علمها. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: ٤٥] إنما أنت مخوف من يخاف قيامها، أي: إنما ينفع إنذارك من يخافها، فأما من لا يخاشها، فكأنك لم تنذره، قال الفراء: والتنوين وتركه في: ﴿مُنْذِرُ﴾ [النازعات: ٤٥] صواب، كقوله: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: ٣] وبالغ أمره و ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] وموهن كيد كأنهم يعني: كفار قريش، يوم يرونها يعاينون القيامة، لم يلبثوا في الدنيا، ﴿إِلا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] إلا قدر آخر نهار أو أوله، كقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقد مر بيانه، والمعنى: أن ما أنكروه سيرونه، حتى كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة ثم مضت، كأنها لم تكن.

стр. 2144

تفسير سورة عبس أربعون وثنتان آية، مكية. ١٢٧٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ عبس وتولى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ ضَاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى ﴿١﴾ أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى ﴿٢﴾ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ﴿٣﴾ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى ﴿٤﴾ أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى ﴿٥﴾ فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ﴿٦﴾ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى ﴿٨﴾ وَهُوَ يَخْشَى ﴿٩﴾ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ﴿١٠﴾ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾ ﴾ [عبس: ١-١٦] . عبس يعني: النبي ﷺ ، وتولى أعرض، أن جاءه لأن جاءه، الأعمى وهو ابن أم مكتوم، أتى النبي ﷺ وعنده رهط من أشراف قريش، وهو مقبل عليهم يدعوهم إلى الله، وإلى الإسلام، ويرجو أن يجيبوه إلى ذلك، إذ أتى الأعمى، فجعل يناديه وهو يقول: علمني يا رسول الله مما علمك الله. ولا يدري أنه مشتغل عنه بغيره، فكلح النبي ﷺ ، وأعرض عنه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٣] يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح، وما يتعلمه منك. أو يذكر يتذكر، فيتعظ بما تعلمه من مواعظ القرآن، ﴿فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٤] ومن قرأ بالنصب فعلى جواب لعل. ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى﴾ [عبس: ٥] قال ابن عباس: عن الله تعالى، وعن الإيمان، بما له من المال. ﴿فَأَنْتَ لَهُ

стр. 2145

تَصَدَّى﴾ [عبس: ٦] تقبل عليه بوجهك، وتميل إليه، يقال: تصدى له. أي: تعرض له، وفيه قراءتان: التشديد على الإدغام، والتخفيف على الحذف. ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾ [عبس: ٧] أي: أن لا يؤمن ولا يهتدى، والمعنى: أي شيء عليك في ألا يسلم؟ فإنه ليس عليك إلا البلاغ. ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى﴾ [عبس: ٨] يعمل في الخير، يعني: ابن أم مكتوم. وهو يخشى الله . ﴿فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ [عبس: ١٠] تتشاغل، وتعرض عنه. كلا لا تفعل ذلك، إنها إن آيات القرآن، تذكرة تذكير للخلق. ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١٢] قال ابن عباس: فمن شاء الله ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به. ثم أخبر بجلالته عنده، فقال: في صحف كتب، مكرمة قال المفسرون: يعني: اللوح المحفوظ. مرفوعة يعني: في السماء السابعة، مطهرة لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة. بأيدي سفرة يعني: الكتبة من الملائكة، واحدهم سافر، مثل: كاتب وكتبة، وقال الفراء: السفرة ههنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله وبين رسله، من السفارة وهي السعي بين القوم. ثم أثنى عليهم، فقال: كرام أي: على ربهم، بررة مطيعين، جمع بار، قال مقاتل: كان ينزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، إلى الكتبة من الملائكة، ثم ينزل به جبريل إلى محمد ﷺ . ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿١٧﴾ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴿٢١﴾ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ ﴿٢٢﴾ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴿٢٣﴾ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾ ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾ وَزَيْتُونًا وَنَخْلا ﴿٢٩﴾ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠﴾ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴿٣١﴾ مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾ ﴾ [عبس: ١٧-٣٢] . قوله: قتل الإنسان يقول: لعن الكافر. يعني: عتبة بن أبي لهب، ما أكفره ما أشد كفره بالله، قال الزجاج: معناه: اعجبوا أنتم من كفره. ثم بين من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه، فقال: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] لفظه استفهام، ومعناه التقرير. ثم فسر، فقال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] أطوارًا نطفة، ثم علقة إلى آخر خلقه، وذكرًا أو أنثى، وشقيًا أم سعيدًا، وقال الكلبي: قدر خلقه، ورأسه، وعينيه،

стр. 2146

ويديه، ورجليه. ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: ٢٠] قال السدي، ومقاتل: أخرجه من الرحم، وهداه للخروج من بطن أمه. ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١] جعل له قبرًا يوارى فيه، ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير. ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] بعثه بعد الموت. كلا قال الحسن: حقًا. ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] ما عهد إليه في الميثاق الأول، ولما ذكر خلق ابن آدم ذكر رزقه ليعتبر، فقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] لينظر كيف خلق الله طعامه، الذي جعله سببًا لحياته. ثم بين، فقال: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] ومن فتح أنا فقال الزجاج: الكسر على الابتداء، والاستئناف، والفتح على معنى البدل من الطعام، المعنى: فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا. وأراد بصب الماء المطر. ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٦] بالنبات. ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] يعني: الحبوب التي يتغذى بها. وعنبًا وقضبًا وهو القت الرطب يقضب مرة بعد أخرى، يقطع يكون علقًا للدواب. وزيتونًا وهو ما يعتصر منه الزيت، ونخلًا جمع نخلة. وحدائق غلبًا يريد: الشجر العظام، الغلاظ الرقاب، وقال مجاهد، ومقاتل: الغلب الملتفة الشجر بعضه في بعض. وفاكهة يعني: ألوان الفاكهة، وأبا وهو المرعى، والكلأ الذي لم يزرعه الناس مما يأكله الأنعام. ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢] أي: منفعة لكم، ولأنعامكم. ثم ذكر القيامة، فقال: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٣٨﴾ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴿٣٩﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠﴾ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴿٤١﴾ أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴿٤٢﴾ ﴾ [عبس: ٣٣-٤٢] . ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣] يعني: صيحة القيامة، وهي الصاخة لشدة صوتها تصخ الآذان. ثم ذكر في أي وقت تجيء، فقال: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] إلى قوله: وبنيه أي: لا يلتفت إلى واحد من أدانيه، لعظم ما هو فيه. ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] لكل إنسان شأن يشغله عن الأقرباء،

стр. 2147

ويصرفه عنهم. ١٢٧٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاكِمِ، نا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يُبْعَثُ النَّاسُ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ، وَيَبْلُغُ شَحْمَةَ الْأُذُنِ، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاسَوْأَتَاهُ يَنْظُرُ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، قَالَ: شُغِلَ النَّاسُ عَنْ ذَلِكَ، وَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . ١٢٧٩ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدُونَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، نا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، نا بَقِيُّةُ، عَنِ الزَّبِيدِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،

стр. 2148

فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ؟ فَقَالَ: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] مشرقة، مضيئة، ضاحكة بالسرور، مستبشرة فرحة بما نالت من كرامة الله. ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] سواد، وكآبة للهم، ترهقها تعلوها، وتغشاها، قترة سواد، وكسوف عند معاينة النار. ثم بين من أهل هذه الحالة، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] جمع الكافر، والفاجر.

стр. 2149

تفسير سورة التكوير عشرون وتسع آيات، مكية. ١٢٨٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ قَرَأَ: «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يَفْضَحَهُ حِينَ تُنْشَرُ صَحِيفَتُهُ» . ١٢٨١ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الْفَقِيهُ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عِيسَى، نا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَحِيرٍ الْقَاضِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ الصَّنْعَانِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى الْفَرَّاء، عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2150

﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ﴿٢﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴿٣﴾ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴿٤﴾ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴿٥﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴿٦﴾ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴿٧﴾ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴿٨﴾ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴿٩﴾ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴿١٠﴾ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴿١١﴾ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴿١٢﴾ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴿١٣﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ ﴿١٤﴾ ﴾ [التكوير: ١-١٤] . ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] قال الزجاج: لفت كما تلف العمامة، يقال: كرت العمامة على رأسي، أكورها كورًا، وكورتها تكويرًا، إذا لففتها. قال مقاتل، وقتادة، والكلبي: ذهب ضوءها. وقال مجاهد: اضمحلت. قال المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض، ثم تلف، فيرمى بها. قال ابن عباس: يكور الله الشمس، والقمر، والنجوم يوم القيامة في البحر، ثم يبعث عليها ريحًا، فتضربها فتصير نارًا. ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] تهافتت، وتناثرت، وتساقطت، يقال: انكدر الطائر من الهواء. إذا انقض، قال الكلبي، وعطاء: تمطر السماء يومئذ نجومًا، فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض. وذلك أنها في قناديل معلقة بين السماء والأرض بسلاسل من النور، وتلك السلاسل بأيدي ملائكة، فإذا مات من في السموات ومن في الأرض، تساقطت تلك السلاسل من أيدي الملائكة، لأنه مات من كان يمسكها. ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: ٣] عن وجه الأرض، فكانت هباء منبثًا. وإذا العشار وهي النوق الحوامل إذا أتت عليها عشرة أشهر، وبعد الوضع تسمى عشارًا أيضًا، واحدها عشرًا، وهي أنفس مال عند العرب، وقوله: عطلت أي: تركت هملًا بلا راع، أهملها أهلها، لما جاءهم من أهوال يوم القيامة، وخوطبوا بأمر العشار، لأن أكثر عيشهم من الإبل. وإذا الوحوش يعني: دواب البر، حشرت جمعت حتى يقتص بعضها من بعض، وقال ابن عباس: حشر البهائم موتها. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦] قال ابن عباس: أوقدت، فصارت نارا تضطرم. وقال الفراء: ملئت بأن صارت بحرًا واحدًا، وكثر ماؤها. وهو قول الكلبي.

стр. 2151

﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] ١٢٨٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ ﵁ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] قَالَ: يُقْرَنُ بَيْنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ بِقَرِينِهِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ، وَيُقْرَنُ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ السُّوءَ بِصَاحِبِهِ الَّذِي كَانَ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ فِي النَّارِ، فَذَلِكَ تَزْوِيجُ الْأَنْفُسِ، وَقَالَ عَطَاءٌ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحُورِ الْعِينِ، وَقُرِنَتْ نُفُوسُ الْكَافِرِينَ بِالشَّيَاطِينِ قوله: وإذا الموءودة كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية، مخافة العار، والحاجة، يقال: وأد يئد وأدا فهو وائد. والمفعول به موءودًا. ١٢٨٣ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحُسَيْنِ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَوْءُودَةُ هِيَ الْمَدْفُونَةُ، وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا هِيَ حَمَلَتْ وَكَانَ أَوَانُ وِلادَتِهَا حَفَرَتْ حَفِيرَةً، فَتَمَخَّضَتْ عَلَى رَأْسِ الْحَفِيرَةِ، فَإِنْ وَلَدَتْ جَارِيَةً رَمَتْ بِهَا فِي الْحَفِيرَةِ، وَإِنْ وَلَدَتْ غُلامًا حَبَسَتْهُ وقوله: ﴿سُئِلَتْ ﴿٨﴾ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴿٩﴾ ﴾ [التكوير: ٨-٩] قال الفراء: سئلت الموءودة، فقيل لها: بأي ذنب قتلت؟ ثم يجوز قتلت، كما تقول: سألته: بأي ذنب قتل؟ وبأي ذنب قتلت؟ ومعنى سؤالها: توبيخ قاتلها، لأنها تقول: قتلت بغير ذنب. ١٢٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُطَّوِعِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 2152

بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّامِيُّ، نا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: " جِئْتُ أَنَا وَأَخِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّنَا هَلَكَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَتْ تَقْرِي الضَّيْفَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَفْعَلُ، وَتَفْعَلُ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعٌ أُمَّنَا؟ قَالَ: لا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا وَارَتْ أُخْتًا لَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ تَبْلُغْ الْحِنْثَ، فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعٌ أُمَّنَا؟ فَقَالَ: لا، الْوَائِدُ وَالْمَوْءُودَةُ فِي النَّارِ إِلا أَنْ تُدْرِكَ الْوَائِدَةُ الْإِسْلامَ فَيُغْفَرُ لَهَا ". قوله: وإذا الصحف يعني: صحائف أعمال بني آدم، نشرت للحساب. ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] قال الفراء: نزعت وطويت. وقال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف. وقال مقاتل: يكشف عمن فيها. ومعنى الكشط دفعك شيئًا عن شيء قد غطاه، كما يكشط الجلد عن السنام. ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: ١٢] أوقدت لأعداء الله من الكفار. ﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ [التكوير: ١٣] قربت لأولياء الله من المتقين. وجواب هذه الأشياء، قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] أي: إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كل نفس ما أحضرته من خير، أو شر تجزى به. ثم أقسم، فقال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾ وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ ﴿٢٣﴾ وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿٢٤﴾ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ ﴿٢٥﴾ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿٢٦﴾ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴿٢٧﴾ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾ ﴾ [التكوير: ١٥-٢٩] . فلا أقسم ولا زائدة، معناه: فأقسم، ﴿بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾ ﴾ [التكوير: ١٥-١٦] يعني: النجوم وهي تخنس بالنار فتخفى ولا ترى، وتكتس في وقت غروبها، فهذا وقت خنوسها وكنوسها. ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] أدير وذهب، وقال الحسن: أقبل بظلامه.

стр. 2153

قال أهل اللغة: هو من الأضداد، يقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر. ويدل على أن المراد ههنا أدبر، قوله: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٨] أي: امتد ضوءه حتى يصير نهارًا. ثم ذكر جواب القسم، فقال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] يعني: جبريل، يقول: إن القرآن نزل به جبريل، فأخبر به محمدًا ﷺ عن الله تعالى وقد تقدم هذا. ثم وصف جبريل، فقال: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ [التكوير: ٢٠] أي: فيها كلف وأمر به، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] يعني: في المنزلة، يقال: مكن فلان عند فلان تمكن مكانه. ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ [التكوير: ٢١] أي: في السموات تطيعه الملائكة، قال المفسرون: من طاعة الملائكة لجبريل، أنه أمر خازن الجنة ليلة المعراج بمحمد، حتى فتح لمحمد ﷺ أبوابها فدخلها، ورأى ما فيها، وأمر خازن جهنم ففتح له عنها، حتى نظر إليها. فذلك قوله: ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١] أي: على وحي الله، ورسالته إلى أنبيائه. ١٢٨٥ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ التَّاجِرُ فِيمَا أَجَازَ لِي، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ بْنُ شَرِيكٍ، نا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: مَا أَحْسَنَ مَا أَثْنَى عَلَيْكَ رَبُّكَ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾ ﴾ [التكوير: ٢٠-٢١] فَمَا كَانَتْ قُوَّتُكَ؟ وَمَا كَانَتْ أَمَانَتُكَ؟ قَالَ: أَمَّا قُوَّتِي، فَإِنِّي بُعِثْتُ إِلَى مَدَائِنِ لُوطٍ وَهِيَ أَرْبَعُ مَدَائِنَ وَفِي كُلِّ مَدِينَةٍ أَرْبَعُ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ سِوَى الذَّرَارِيَّ، فَحَمَلْتُهُمْ مِنَ الْأَرْضِ السُّفْلَى حَتَّى سَمِعَ أَهْلُ السَّمَاءِ أَصْوَاتَ الدَّجَاجِ وَنُبَاحَ الْكِلابِ، ثُمَّ هَوَيْتُ بِهِنَّ فَقَلَبْتُهُنَّ، وَأَمَا أَمَانَتِي فَإِنِّي لَمْ أُومَرْ بِشَيْءٍ فَعَدَوْتُهُ إِلَى غَيْرِهِ قوله: وما صاحبكم يعني: محمدا ﷺ ، بمجنون والخطاب لأهل مكة، وهذا أيضًا من جواب القسم، أقسم الله أن القرآن نزل به جبريل، وأن محمدًا ليس كما يقول أهل مكة، وذلك أنهم قالوا: إن محمدًا مجنون، وهذا الذي أتى به يتقوله من نفسه. ولقد رآه رأى محمد جبريل، بالأفق المبين حيث تطلع الشمس , وهذا مفسر في ﴿ [النجم. ثم أخبر أنه ليس بمتهم فيما يأتي به من القرآن، فقال:] وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [سورة التكوير: ٢٤] يعني: على خبر السماء، وما أطلع عليه مما كان غائبًا علمه عن أهل مكة من الأنباء، والقصص، مما لم يعرفوه، بظنين بمتهم، يقول: ما محمد على القرآن بمتهم. أي: هو

стр. 2154

ثقة فيما يؤدي عن الله، ومن قرأ بالضاد فمعناه ببخيل، أي: أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه، كما يكتم الكاهن حتى يأخذ عليه حلوانًا. ثم ذكر أنه ليس من تعليم الشيطان، فقال: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [التكوير: ٢٥] قال الكلبي: يقول: إن القرآن ليس بشعر، ولا كهانة، كما قالت قريش. ثم بكتهم بقوله: فأين تذهبون قال الزجاج: معناه: أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم؟ ثم بين أن القرآن ما هو، فقال: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٧] يقول: ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين. ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] على الحق والإيمان، والمعنى: أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على حق. ثم رد المشيئة إلى نفسه، فقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] أعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، وهذا إعلام بأن الإنسان لا يعمل خيرًا إلا بتوفيق الله، ولا شرًا إلا بخذلانه. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا أبو يحيى، نا العسكري، نا عبد الله بن المبارك، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، قال: لما نزلت: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] ، قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .

стр. 2155

تفسير سورة الانفطار تسع عشرة آية، مكية. ١٢٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْعَزَايِمِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ قَبْرٍ حَسَنَةً، وَبِعَدَدِ كُلِّ قَطْرَةِ مَاءٍ حَسَنَةً، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ﴿٢﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ﴿٣﴾ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴿٤﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴿٥﴾ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴿٦﴾ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴿٧﴾ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴿٨﴾ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ﴿٩﴾ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿١٠﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ ﴿١١﴾ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴿١٢﴾ ﴾ [الانفطار: ١-١٢] . ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] قال المفسرون: انفطارها انشقاقها كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ﴾ [الفرقان: ٢٥] . ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢] تساقطت. ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ [الانفطار: ٣] فجر بعضها في بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلط العذب بالملح. ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] قلب ترابها، وبعث الموتى الذين فيها، يقال: بعثر يبعثر بعثرة. إذا قلب التراب، قال ابن عباس، ومقاتل: يريد عند البعث، بحث عن الموتى فأخرجوا منها. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] وهذا كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] وقد تقدم تفسيره. ١٢٨٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ الْقَطَّانُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْهِلالِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، نا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] قَالَ: مَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، وَمَا أَخَّرَتْ مِنْ سُنَّةٍ

стр. 2156

حَسَنَةٍ اسْتُنَّ بِهَا بَعْدَهُ، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، أَوْ سُنَّةٍ سَيِّئَةٍ عُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ فَعَلَيْهِ وِزْرٌ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ ويدل على صحة هذا التفسير ما ١٢٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ حَكِيمٍ، نا أَبُو الْمُوَجِّهِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أنا هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ، قَالَ: قَامَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ، فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا، فَاسْتُنَّ بِهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنِ اتَّبَعَهُ، غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا فَاسْتُنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَمِثْلُ أَوْزَارِ مَنِ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مُنْتَقَصٍ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ» ، قَالَ: وَتَلا حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] . قوله: يأيها الإنسان مخاطبة للكافر، ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] ما خدعك، وسول لك الباطل حتى أضعت، فأوجب عليك؟ والمعنى: ما الذين أمنك من عقابه؟ يقال: غره بفلان. إذا أمّنه المحذور من جهته وهو غير مأمون. قال عطاء: نزلت في الوليد بن المغيرة. وقال الكلبي، ومقاتل: نزلت في أبي الأشدين، ضرب النبي ﷺ ، فلم يعاقبه الله تعالى، وأنزل هذه الآية. يقول: ما الذي غرك بربك الكريم، المتجاوز عنك، إذ لم يعاقبك عاجلا بكفرك؟ قال قتادة: غره عدوه المسلط عليه، يعني: الشيطان. وقال مقاتل: غره عفو الله عنه، حين لم يعاقبه في أول أمره. أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعَالِبِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، نا أَبُو عَلِيِّ بْنُ جَيْشٍ الْمُقْرِي، نا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِي، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، نا الْمُقَدَّمِيُّ، نا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنِي

стр. 2157

صَالِحُ بْنُ مِسْمَارٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار: ٦] ثم قَالَ: جَهْلُهُ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يابن آدم ما غرك بي؟ يابن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة. فنظمه محمد ابن السماك، فقال: يا كاتم الذنب أما تسحتي ... والله في الخلوة ثانيكا غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا وتلا السري بن مغلس هذه الآية، فقال: غره رفق الله به. وقال يحيى بن معاذ: لو أقامني الله بين يديه، فقال: ما غرك بي؟ قلت: غرني بك برك بي سالفًا وآنفًا. وقال أبو بكر الوراق: لو قال لي: ما غرك بربك الكريم؟ لقلت: غرني كرم الكريم. وقال منصور بن عمار: لو قال لي: ما غرك برك الكريم؟ قلت: يا رب، ما غرني إلا ما علمته من فضلك على عبادك. وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى: يا من غلا في الغي والتيه ... وغره طول تماديه أملى لك الله فبارزته ... ولم تخف غب معاصيه

стр. 2158

وقوله: الذي خلقك أي: من نطفة، ولم تك شيئًا، فسواك رجلًا، تسمع وتبصر، فعدلك جعلك معتدلًا، قال عطاء: جعلك قائمًا، معتدلًا، حسن الصورة. وقال مقاتل: عدل خلقك في العينين، والأذنين، واليدين، والرجلين. والمعنى: عدل بين ما خلق لك من الأعضاء التي في الإنسان منها اثنان، وقرأ الكوفيون فعدلك بالتخفيف، قال الفراء: فصرفك إلى أي صورة ما شاء. قال: والتشديد أحسن الوجهين، لأنك تقول: عدلتك إلى كذا. كما تقول: صرفتك إلى كذا. ولا يحسن عدلتك فيه، ولا صرفتك فيه، وقال أبو علي الفارسي: معنى التخفيف: عدل بعضه ببعض، وكنت معتدل الخلقة متناسبها، فلا تفاوت فيها، ولا يلزم على هذا ما ألزم الفراء. وقوله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] قال مقاتل، والكلبي: في أي شبه من أب، أو أم، أو خال، أو عم. يدل على صحة هذا التفسير ما ١٢٩٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ زَكَرِيَّا الشَّيْبَانِيُّ، أنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، نا أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْبُحْتُرِيِّ، نا أَبُو كَامِلٍ، نا وَهْبُ بْنُ سَوَّارٍ، حَدَّثَنِي وَالِدِي سَوَّارٌ، أَنَّ أَبَا قِلابَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ وُلِدَ لَهُ غُلامٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا أَبَا فُلانٍ مِثْلُ مَنْ أُشْبِهَ ابْنُكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهَلْ عَسَى أَنْ يُشْبِهَ إِلا أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ؟ قَالَ: فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَا أُخِذَ فِي خَلْقِهِ أُحْضِرَ كُلُّ عِرْقٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آدَمَ ثُمَّ قَرَأَ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] . ١٢٩١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ الْبَصْرِيُّ، نا

стр. 2159

أُنَيْسُ بْنُ سَوَّارٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ عَبْدٍ جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَطَارَ مَاؤُهُ فِي كُلِّ عِرْقٍ وَعُضْوٍ مِنْهَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ جَمَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ كُلَّ عِرْقٍ لَهُ دُونَ آدَمَ، وَفِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَهُ» . ١٢٩٢ - أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ بِجُرْجَانَ، أنا جَدِّي الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّحَّاسُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، نا مُظْهِرُ بْنُ الْهَيْثَمِ الطَّائِيُّ، نا مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لِرَجُلٍ: مَا وُلِدَ لَكَ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَسَى أَنْ يُوَلَدَ لِي؟ إِمَّا غُلامٌ وَإِمَّا جَارِيَةٌ، قَالَ: فَمَنْ يُشْبِهُ، قَالَ: يُشْبِهُ أُمَّهُ أَوْ أَبَاهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَهْ لا تَقُولَنَّ هَذَا، إِنَّ النُّطْفَةَ إِذَا اسْتَقَرَتْ فِي الرَّحِمِ أَحْضَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ نَسَبٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ آدَمَ، أَمَا قَرَأْتَ هَذِهِ الآيَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] أَيْ مِنْ نَسَبِكَ. وذكر الفراء، والزجاج قولًا آخر: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] : إما طويلًا وإما قصيرًا، وإما مستحسنا، وإما غير ذلك. قوله: كلا أي: لا يؤمن هذا الإنسان الكافر، ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار: ٩] بالجزاء والحساب، فتزعمون أنه غير كائن. ثم أعلم أن أعمالهم محفوظة عليهم، فقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] أي: من الملائكة يحفظون عليكم أعمالكم. ثم نعتهم، فقال: كرامًا أي: على ربهم،

стр. 2160

كاتبين يكتبون أعمال بني آدم. ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] من خير أو شر، فيكتبونه عليكم، قال مجاهد: مع كل إنسان ملكان، ملك عن يمينه يكتب الخير، والذي عن شماله يكتب الشر. ١٢٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَسَّانٍ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ نُجَيْدٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَوَّارٍ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا الْمُغِيرَةُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً، فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً، فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ". وقال قتادة: سمعت عقبة بن صهبان، يقول: أتى ابن عمر، ﵄، على قوم يعقدون التسبيح. فقال: أتعدون على الله حسناتكم؟ إن معكم حافظين كرامًا كاتبين. ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿١٣﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴿١٤﴾ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ﴿١٥﴾ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ ﴿١٦﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿١٧﴾ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴿١٨﴾ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴿١٩﴾ ﴾ [الانفطار: ١٣-١٩] . قوله: إن الأبرار قال عطاء، ومقاتل: يريد أولياءه المطيعين في الدنيا. لفي نعيم الجنة في الآخرة. ١٢٩٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي رُشَيْدٍ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ بِالْأُبُلَّةِ، أنا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بْنُ دَاوُدَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبِي، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِنَّمَا سُمُّوا أَبْرَارًا، لَأَنَّهُمْ بَرُّوا آبَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] قوله: وإن الفجار يعني: الذين كذبوا النبي ﷺ ، لفي جحيم عظيم من النار. أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن محمد بن الفضل، أنا عبد المؤمن بن خلف، حدثني محمد بن عبد بن حميد، بكش، نا يحيى بن المغيرة المخزومي، نا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال:

стр. 2161

قال سليمان بن عبد الملك لأبي حازم المدني: ليت شعري ما لنا عند الله؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله ، فإنك تعلم ما لك عند الله. قال: وأين أجده من كتاب الله؟ قال: عند قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿١٣﴾ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴿١٤﴾ ﴾ [الانفطار: ١٣-١٤] قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قريب من المحسنين. قوله: يصلونها يعني: يلزمونها مقاسين وهجها، يوم الدين يوم الجزاء على الأعمال، وهو يوم القيامة. ثم عظم ذلك اليوم، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٧] تعظيمًا له، لشدته، قال الكلبي: الخطاب للإنسان الكافر، لا لرسول الله ﷺ . ثم كرر تفخيمًا لشأنه، فقال: ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار: ١٨] . ثم أخبر عنه، فقال: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ﴾ [الانفطار: ١٩] أي: هو يوم لا تملك، ﴿نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩] ومن نصب يومًا فهو ظرف، على معنى: أن هذه الأشياء المذكورة تكون يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، قال مقاتل: يعني نفس كافرة شيئًا من المنفعة. ﴿وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] يقول: لا يملك الأمر يومئذ غيره، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا، أو يصنع شيئًا، إلا الله رب العالمين. والمعنى: أن الله لا يملك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.

стр. 2162

تفسير سورة المطففين ثلاثون وست آيات، مكية. ١٢٩٥ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ المطففين سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴿١﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿٢﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿٣﴾ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٦﴾ ﴾ [المطففين: ١-٦] . ويل للمطففين وهم الذين ينقصون المكيال والميزان، قال أبو عبيدة، والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن. قال الزجاج: وإنما قيل للذين ينقص الميكال والميزان: مطفف، لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. قال الكلبي: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم، فنزلت هذه الآيات. وقال السدي: قدم رسول الله ﷺ المدينة، وبها رجل يقال له: أبو جهينة، ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ١٢٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي بِقِرَاءَتِهِ عَلَيْنَا، نا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي يَزِيدُ النَّحْوِيُّ، أَنَّ عِكْرِمَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانُوا مِنْ أَخْبَثِ النَّاسِ كَيْلًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] فَأَحْسَنُوا الْكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ وروى

стр. 2163

الضحاك، ومجاهد، وطاوس، عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ ، قال: «خمس بخمس» . قالوا: يا رسول الله، وما خمس بخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيه الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الميكال إلا منعوا النبات، وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر» . وقال مالك بن دينار: دخلت على جار لي، وقد نزل به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار، جبلين من نار. فقلت: ما تقول؟ أتهجر؟ قال: يا أبا يحيى، كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر. قال: فقمت، فجعلت أضرب أحدهما بالآخر. فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر ازدادا عظمًا. فمات في مرضه. ثم بين أن المطففين من هم، فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] الاكتيال: الأخذ بالكيل، قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس، وعلى ومن في هذا الموضع يعتقبان. وقال الزجاج: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتزنوا، لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع، فأحدهما يدل على الآخر. قال المفسرون: يعني: الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا، أو وزنوا لغيرهم نقصوا. وهو قوله: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: ٣] أي: كالوا لهم، أو وزنوا لهم، يقال: كلتك الطعام. أي: كلت لك، كما تقول: نصحتك ونصحت لك. قال الفراء: وهو من كلام أهل الحجاز، ومن جاورهم. وقوله: يخسرون أي: ينقصون كقوله: ﴿وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقد مر. ثم خوفهم، فقال: ألا يظن ألا يعلم، أولئك الذين يفعلون ذلك، ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴿٤﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿٥﴾ ﴾ [المطففين: ٤-٥] وهو يوم القيامة، قال ابن عباس: يريد: ألا يستيقن من فعل هذا أنه مبعوث، ومحاسب. وقال مقاتل: ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة؟ ثم أخبر عن ذلك اليوم، فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين: ٦] قال الزجاج: يوم منصوب بقوله: ﴿مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] ، المعنى: ألا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة. والمعنى: يوم يقوم الناس من قبورهم، لرب العالمين أي: لأمره، أو لجزائه، أو حسابه، وقال جماعة من المفسرين: يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم. ويدل على صحة هذا الحديث المجمع على صحته وهو ما

стр. 2164

١٢٩٧ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَارُودِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو نَصْرٍ التَّمَّارُ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قَالَ: يَقُومُونَ حَتَّى يَبْلُغَ الرَّشْحُ إِلَى أَطْرَافِ آذَانِهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن أَبِي نَصْرٍ التَّمَّار، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ. ١٢٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَمْعَانَ الْمُذَكِّرُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ زُهَيْرٍ الطُّوسِيُّ، أَنَّ أَبَا حُذَافَةَ أَحْمَدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيَّ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين: ٦] يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] حَتَّى يَغِيبَ أَحَدُهُمْ فِي رَشْحِهِ إِلَى أَطْرَافِ أَنْصَافِ أُذَنَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ، عَنْ مَعْنٍ، عَنْ مَالِكٍ. ١٢٩٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَحْمَدَ التَّاجِرِ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ الْعَرَقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيَذْهَبُ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَإِنَّهُ لَيْبَلُغُ إِلَى أَفْوَاهِ النَّاسِ أَوْ إِلَى آذَانِهِمْ» شَكَّ ثَوْرٌ فِي أَيَّهِمَا قَالَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ قُتَيْبَةَ. ١٣٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى بْنِ مَاسَرْجِسَ، نا ابْنُ

стр. 2165

الْمُبَارَكِ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَد ِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أُدْنِيَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْعِبَادِ حَتَّى تَكُونَ قَدْرَ مِيلٍ أَوْ مِيلَيْنِ، قَالَ سُلَيْمٌ: فَلا أَدْرِي أَمَسَافَةُ الْأَرْضِ؟ أَمِ الْمِيلُ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ؟ ثُمَّ قَالَ: تَصْهَرُهُمُ الشَّمْسُ، فَيَكُونُونَ فِي الْعَرَقِ كَقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى عَقِبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُهُ إِلَى حِقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ إِلْجَامًا، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: تُلْجِمُهُ إِلْجَامًا "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مُوسَى، عَنْ يَحْيَى بْنِ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ وروى القاسم بن أبي بزة، أن ابن عمر قرأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] حتى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قال: فبكى حتى خر، وامتنع من القراءة. ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ﴿٧﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ ﴿٨﴾ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴿٩﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿١٠﴾ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿١١﴾ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴿١٣﴾ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴿١٤﴾ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴿١٥﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ﴿١٦﴾ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿١٧﴾ ﴾ [المطففين: ٧-١٧] . قوله: كلا هو ردع وزجر، أي ليس الأمر على ما هم عليه، فليرتدعوا، وتمام الكلام ههنا، وعند أبي حاتم: كلا ابتداء يتصل بما بعده على معنى: حقًا، ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] وهو قول الحسن. وسجين: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة، ومقاتل، ومجاهد، والضحاك. وروي ذلك مرفوعًا. ١٣٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا الْحُسْيَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّينَوَرِيُّ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ، نا الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سِجِّينٌ أَسْفَلَ سَبْعِ أَرَضِينَ» وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار.

стр. 2166

فقال: أخبرني عن قول الله : ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] قال: إن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء، فتأبى السماء أن تقبلها، ثم يهبط بها إلى الأرض، فتأبى الأرض أن تقبلها، فتدخل تحت سبع أرضين، فتهبط حتى ينتهى بها إلى سجين، وهو موضع خد إبليس. وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى، وفيها إبليس وذريته. والمعنى في الآية: إن كتاب عملهم يوضع في الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم، ودليل على خساسة منزلتهم، ولا يصعد به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن، وهو قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] . أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين القاضي، أنا حاجب بن أحمد، نا محمد بن حماد، نا يحيى بن سليم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: سجين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب، فيجعل كتاب الفاجر تحتها. ١٣٠٢ - أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْإِسْتِرَابَاذِيُّ، أنا مُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَاضِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ، نا مَسْعُودُ بْنُ مِشْكَانَ، نا نَصْرُ بْنُ خُزَيْمَةَ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقَرَظِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «الْفَلَقُ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مُغَطَّى، وَسِجِّينٌ جُبٌّ فِي جَهَنَّمَ مَفْتُوحٌ» والدليل على أن سجينًا ليس مما كانت العرب تعرفه، قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] قال الزجاج: أي: ليس ذلك ما كنت تعلم أنت ولا قومك. وقوله: كتاب مرقوم ذكر قوم أن هذا تفسير السجين، وهو بعيد، لأنه ليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين، والوجه أن يجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين: ٧] على تقدير: هو كتاب مرقوم، أي: مكتوب قد ثبتت حروفه، وقال قتادة، ومقاتل: رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه

стр. 2167

لكافر. ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ذكر صاحب النظم أن هذا منتظم بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ [المطففين: ٦] ، وأن قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين: ٧] وما اتصل به معترض بينهما، وما بعد هذا ظاهر التفسير إلى قوله: كلا قال مقاتل: أي: لا يؤمنون. ثم استأنف، فقال: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على عقل السكران رينًا ورينونًا. وقال أبو عبيد: كل ما غلبك وعلاك، فقد ران بك وران عليك. وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي منهم والذنوب، فأحاطت بقلوبهم، فذلك الرين عليها. وقال الحسن: هو الذنب على الذنب، والذنب على الذنب حتى يعمى القلب. وقال ابن مسعود: إن الرجل ليذنب الذنب، فينكت في قلبه نكته سوداء، ثم يذنب الذنب، فينكت أخرى، يصير قلبه مثل لون الشاة الربداء. وقال إبراهيم التيمي في هذه الآية: إذا عمل الرجل الذنب، نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم يعمل الذنب بعد ذلك، فينكت في قلبه نكتة سوداء، ثم كذلك حتى يسود قلبه، فإذا أتاح الله للعبد يسر له عملًا صالحًا، فيذهب من السواد ببعضه، ثم ييسر له العمل الصالح أيضًا، حتى يذهب السواد كله. ونحو هذا روي مرفوعًا. ١٣٠٣ - أَخْبَرَنَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكَارِزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ، نا إِدْرِيسُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ كَانَتْ نُكْتَةٌ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ جُلِيَتْ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ، وَهُوَ الرَّيْنُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] قوله: كلا قال ابن عباس: يريد لا

стр. 2168

يصدقون. ثم استأنف: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قال مقاتل: يعني: أنهم بعد العرض والحساب، لا ينظرون إليه نظر المؤمنين إلى ربهم. وقال الكلبي، عن ابن عباس: إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لحجوبون. والمؤمن لا يحجب عن رؤية ربه، وقال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته. وقال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في المعاد، لزهقت أنفسهم في الدنيا. وسئل مالك بن أنس عن هذه الآية، فقال: لما حجب أعداءه فلم يروه، تجلى لأوليائه حتى رأوه. سمعت أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، يقول: سمعت الحسن بن محمد بن جعفر السدوسي، يقول: سمعت أبا على الحسن بن أحمد النسوي، يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي، يقول: سمعت الربيع بن سليمان، يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي، ﵀، وجاءه كتاب من الصعيد، يسألونه عن قول الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فكتب فيه: لما حجب قومًا بالسخط، دل على أن قومًا يرونه بالرضا. فقلت له: أو تدين بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد، لما عبده في الدنيا. أخبرنا أبو بكر الحارثي، أنا أبو الشيخ الحافظ، نا عبد الله بن نصر، نا أبو إبراهيم المزني، عن ابن هرم، قال: قال الشافعي، رحمة الله عليه: قول الله : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] دلالة على أن أولياء الله يرون الله تعالى. سمعت أبا عثمان الحيري الزاهد، سمعت أبا الحسن بن مقسم المقرئ ببغداد، يقول: سمعت أبا إسحاق الزجاج، يقول: في هذه الآية دليل على أن الله تعالى يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، ولا

стр. 2169

خسست منزلة الكفار بأنهم محجوبون عن الله تعالى. ولما أعلم أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار محجوبون عنه. ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله تعالى يدخلون النار، وهو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ﴾ [المطففين: ١٦] وتقول لهم الخزنة: هذا العذاب، ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] . ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ﴿١٨﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ﴿١٩﴾ كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴿٢٠﴾ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ﴿٢١﴾ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿٢٢﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٢٣﴾ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ﴿٢٤﴾ يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ﴿٢٥﴾ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴿٢٦﴾ وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ﴿٢٧﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴿٢٨﴾ ﴾ [المطففين: ١٨-٢٨] . قوله: كلا قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه. ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فقال: ﴿إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ﴾ [المطففين: ١٨] يعني: المطيعين له، لفي عليين قال المفسرون: يعني: السماء السابعة. قال الفراء: ﴿عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] : ارتفاع بعد ارتفاع، لا غاية له. وقال الزجاج: أعلى الأمكنة. وإعراب هذا الاسم كإعراب الجمع، لأنه على لفظ الجمع، ولا واحد له من لفظه، نحو ثلاثين، وعشرين، وقنسرين. ١٣٠٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُوسَى بْنُ مُحَمَّدٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا الْمُسَيِّبُ الْأَعْمَشُ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ زَاذَانَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ تَحْتَ الْعَرْشِ» وقوله: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] ليس بتفسير عليين، وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن المراد به كتاب أعمالهم، كما ذكرنا في كتاب الفجار، والثاني: أنه كتاب في عليين كتب هناك ما أعد الله لهم من الكرامة والثواب، وهو معنى قول مقاتل: مكتوب لهم بالخير في ساق العرش. ويدل على صحة هذا قوله: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون، ويحضرون ذلك

стр. 2170

المكتوب، أو ذلك الكتاب الذين إذا صعد به إلى عليين. قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ﴿٢٢﴾ عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [المطففين: ٢٢-٢٣] قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن، فزعم أن الأريكة عنده الحجلة، إذا كان فيها سرير. قوله: ينظرون يعني: إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة، وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة، مما ترى من النور، والحسن، والبياض، وقال عطاء: وذلك أن الله تعالى زاد في جمالهم، وفي ألوانهم، ما لا يصفه واصف. وسبق تفسير النضرة عند قوله تعالى: ﴿نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] . ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] قال أبو عبيدة، والمبرد، والزجاج: الرحيق من الخمر: ما لا غش فيه، ولا شيء يفسده. ﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] وهو الذي له ختام، أي: عاقبة. وقال مجاهد: مختوم مطين. كأنه ذهب إلى معنى الختم الطين، ويكون المعنى: أنه ممنوع من أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه الأبرار. ثم فسر المختوم، بقوله: ختامه مسك أي: آخر طعمه ريح المسك، إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك. ١٣٠٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، نا سَهْلُ بْنُ عَمَّارٍ، نا الْيَسَعُ بْنُ سَعْدَانَ، نا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ لِلَّهِ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ سَقَاهُ اللَّهُ عَلَى الظَّمَأِ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ» . ومعنى: ختامه عاقبته، وما يختم به، والمعنى: لذاذة المقطع، وذكاء الرائحة، والختام آخر كل شيء، وكذلك الخاتم والخاتم، وهو قراءة الكسائي. وقال مجاهد: طيبه مسك. وهو قول ابن زيد. قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين. ثم رغب فيه، فقال: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أي: فليرغب الراغبون في المبادرة إلى طاعة الله، والتنافس

стр. 2171

كالتشاح على الشيء والتنازع فيه، بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه. ومزاجه أي: ما يمزج به ذلك الشراب، من تسنيم وهو اسم عين في الجنة. أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر الزاهد، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الأصبهاني، أنا محمد بن إسحاق الثقفي، نا قتيبة، نا جرير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق في قوله : ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] قال: عين في الجنة، يشربها المقربون صرفًا، ويمزج منها كأس أصحاب اليمين فتطيب. وروى ميمون بن مهران، أن ابن عباس سئل عن قوله: ﴿تَسْنِيمٍ﴾ [المطففين: ٢٧] فقال: هذا مما يقول الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] . ونحو هذا قال الحسن: خفايا أخفاها الله لأهل الجنة. ثم فسره، فقال: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] أي: يشربها، كقوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] وقد مر، قال عبد الله: يشربها المقربون صرفًا، وتمزج لأصحاب اليمين. ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ﴿٣٢﴾ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴿٣٣﴾ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٣٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾ ﴾ [المطففين: ٢٩-٣٦] . ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [المطففين: ٢٩] يعني: كفار قريش، ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المطففين: ٢٩] يعني: أصحاب النبي ﷺ ، مثل عمار، وخباب، وبلال، وغيرهم، يضحكون على وجه السخرية منهم. ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ﴾ [المطففين: ٣٠] يعني: المؤمنين مروا بالكفار، يتغامزون من الغمز وهو الإشارة بالجفن والحاجب، أي: يشيرون إليهم بالأعين استهزاء. وإذا انقلبوا يعني: الكفار، ﴿إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] معجبين بما هم فيه يتفكهون بذكرهم. وإذا رأوهم رأوا أصحاب النبي ﷺ ، ﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ﴾ [المطففين: ٣٢] قال الله تعالى: وما أرسلوا يعني: الكفار، عليهم يعني: على الذين آمنوا، حافظين يحفظون أعمالهم عليهم، أي: لم يوكلوا بحفظ أعمالهم. فاليوم يعني: في الآخرة، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار، فيضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في

стр. 2172

الدنيا منهم. وقال المبرد، وأبو صالح: يقال لأهل النار وهم فيها: اخرجوا. وتفتح لهم أبوابها، فإذا رأوها قد فتحت، أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها، غلقت دونهم. فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٣٥﴾ ﴾ [المطففين: ٣٤-٣٥] إلى عذاب عدوهم. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أي: هل جوزوا بسخريتهم بالمؤمنين في الدنيا؟ ومعنى الاستفهام ههنا: التقرير، وثوب بمعنى أثيب.

стр. 2173

تفسير سورة الانشقاق عشرون وخمس آيات، مكية. ١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴿١﴾ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴿٢﴾ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ﴿٣﴾ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴿٤﴾ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ﴿٥﴾ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ﴿٦﴾ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿٧﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿٨﴾ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴿٩﴾ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ﴿١٠﴾ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ﴿١١﴾ وَيَصْلَى سَعِيرًا ﴿١٢﴾ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ﴿١٣﴾ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ﴿١٤﴾ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ﴿١٥﴾ ﴾ [الانشقاق: ١-١٥] . ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة. وذكر ذلك في مواضع من القرآن. وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق. من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها. ﴿وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها. وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها. ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل

стр. 2174

على صحة هذا المحذوف قوله: ﴿يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ﴾ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر. قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا. فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه. قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿٧﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿٨﴾ ﴾ [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها. وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير. ١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴿٧﴾ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿٨﴾ ﴾ [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ. ١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".

стр. 2175

١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ » . ١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ. قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان. قوله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة. ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره. وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره. ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه. كقوله: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣] . ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
следующие страницы →