← Тафсир

Тафсир · id 21821

التفسير الوسيط للواحدي

الواحدي

Полный текст (2 298 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، ﷺ ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي ﷺ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال﴾ [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ﴿٢﴾ ﴿ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه ﷺ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال:﴾ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿ [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال:﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴿ [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله ﷺ : «لن يغلب عسر يسرين» ، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ ﵀، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح ... مغمومًا له أروح

стр. 2242

فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء ... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم ... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر ... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين ... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، ﵀، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا ... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده ... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع ... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب ... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده ... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿ [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في

стр. 2243

المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله :﴾ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ﴿٧﴾ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ﴿٨﴾ [الشرح: ٧-٨] . قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

стр. 2244

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ» . ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴿١﴾ وَطُورِ سِينِينَ ﴿٢﴾ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ﴿٣﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿٤﴾ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿٦﴾ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾ ﴾ [التين: ١-٨] .

стр. 2245

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس» . وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و ﴿سِينِينَ﴾ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، ﷺ ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله ﷺ : " ﴿الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي

стр. 2246

أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] . وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ

стр. 2247

الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴿٥﴾ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥-٦] . قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ» . وقوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك

стр. 2248

أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ﴾ [التين: ٣] مَكَّةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ ﵃ ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴿٧﴾ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴿٨﴾ ﴾ [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

стр. 2249

تفسير سورة العلق تسع عشرة آية، مكية. ١٣٩٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْمُفَصَّلَ كُلَّهُ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴿١﴾ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿٢﴾ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ ﴿٣﴾ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿٤﴾ عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴿٥﴾ ﴾ [العلق: ١-٥] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] أكثر المفسرين على أن هذه السورة أول ما نزل من القرآن، وأول يوم نزل جبريل على رسول الله ﷺ وهو قائم على حراء، علمه خمس آيات من أول هذه السورة، وبيان ذلك فيما ١٣٩٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ، أنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ، أنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ، فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي

стр. 2250

فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] حَتَّى بَلَغَ ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ. ١٣٩٦ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ، أنا جَدِّي، نا أَبُو حَامِدِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: " إِنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ قال أبو عبيدة: مجازه: اقرأ اسم ربك، يعني أن الباء زائدة، والمعنى: اذكر اسمه، كأنه أمر أن يبتدئ القراءة باسم الله تأديبًا. الذي خلق قال الكلبي: يعني الخلائق. ثم ذكر ذلك، فقال: خلق الإنسان يعني: ابن آدم، من علق جمع علقة. اقرأ تكرير للتأكيد، ثم استأنف، فقال: وربك الأكرم، قال الكلبي: الحليم عن جهل العباد: لا يعجل عليهم بالعقوبة. الذي علم الكتابة، بالقلم قال الزجاج: علم الإنسان الكتابة بالقلم. ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴿٧﴾ إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ﴿٨﴾ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴿٩﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴿١٠﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴿١١﴾ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴿١٢﴾ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿١٣﴾ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴿١٤﴾ كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ ﴿١٥﴾ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ﴿١٦﴾ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿١٧﴾ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴿١٨﴾ كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴿١٩﴾ ﴾ [العلق: ٦-١٩] . ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] نزلت هذه الآية وما بعدها إلى آخر ال ﴿ [في أبي جهل، ومعنى: كلا حقًا، إن الإنسان يعني: أبا جهل، ليطغى قال مقاتل: كان إذا أصاب مالًا زاد في ثيابه، ومركبه، وطعامه، وشرابه، فذلك طغيانه. ونحو هذا قال الكلبي: يرتفع عن منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام. ﴿أَنْ رَآهُ

стр. 2251

اسْتَغْنَى﴾ [سورة العلق: ٧] أي: رأى نفسه غنيًا. ١٣٩٧ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأُمَوِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، أنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْسٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا طَالِبُ الْعِلْمِ، فَيَزْدَادُ رِضًا لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا، فَيَزْدَادُ فِي الطُّغْيَانِ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ﴿٧﴾ ﴾ [العلق: ٦-٧] قال مقاتل: ثم خوفه الله تعالى بالرجعة، فقال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] أي: المرجع، والرجعى مصدر على فعلى، قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق: ٩] . ١٣٩٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ الدَّقَّاقُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُكْرَمٍ الْبِرْتِيُّ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمديني، نا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَبِالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ، يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: هَا هُوَ ذَاكَ يُصَلِّي، فَانْطَلَقَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَمَا فَجَأَهُمْ إِلا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلا وَأَجْنِحَةً، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ دَنَا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق: ٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ ومعنى: أرأيت ههنا: تعجيب للمخاطب، وكرر هذه اللفظة للتأكيد في التعجيب، وهو قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] يعني: العبد المنهي وهو محمد ﷺ . ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق: ١٢] يعني: بالإخلاص، والتوحيد، ومخافة الله. ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ﴾ [العلق: ١٣] أبو جهل، وتولى عن الإيمان، وتقدير نظم الآية: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ﴿٩﴾ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ﴿١٠﴾ ﴾ [العلق: ٩-١٠] وهو على الهدى، أمر بالتقوى، والناهي مكذب عن الإيمان؟ ! أي: فما أعجب من هذا! ألم يعلم يعني: أبا جهل، ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: ١٤] ذلك فيجازيه به. كلا لا يعلم ذلك، ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ [العلق: ١٥] عن تكذيب محمد ﷺ وشتمه، وإيذائه، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] السفع: الجذب الشديد، والمعنى: لنجرن

стр. 2252

بناصيته إلى النار، وهو كقوله: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ﴾ [الرحمن: ٤١] ، قال مقاتل: ثم أخبر عنه أنه فاجر خاطئ، فقال: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] . تأويله: صاحبها كاذب خاطئ، ولما نهى أبو جهل رسول الله ﷺ انتهره رسول الله ﷺ ، فقال أبو جهل: أتنتهرني يا محمد؟ فوالله لقد علمت ما بها رجل أكثر ناديًا مني. فأنزل الله : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أي: أهل مجلسه، يعني عشيرته، أي: فليستنصر بهم. ١٣٩٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْجَوْزِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، نا أَبُو خَالِدٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكَ عَنْ هَذَا؟ فَانْصَرَفَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَزَجَرَهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا بِهَا نَادٍ أَكْثَرُ مِنِّي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ ﴿١٧﴾ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ ﴿١٨﴾ ﴾ [العلق: ١٧-١٨] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ دَعَا نَادِيَهُ لأَخَذَتْهُ زَبَانِيَةُ اللَّهِ قال أبو عبيدة، والمبرد: واحد الزبانية زبينية، وهو الشديد الأخذ، وأصله من زبنته إذا دفعته. قال ابن عباس: يريد: الأعوان زبانية جهنم. وقال الزجاج: هم الملائكة، الغلاظ الشداد. ثم قال: كلا أي: ليس الأمر على ما عليه أبو جهل، لا تطعه في ترك الصلاة، واسجد صلّ لله، واقترب إليه بالطاعة. ١٤٠٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ

стр. 2253

الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، نا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرَوَيْهِ الْحَارِثِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ سُمَيٍّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» . ١٤٠١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدُّرَّكِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمِيكَالِيُّ، أنا عَبْدَانُ الْجَوَالِيقِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ، نا أَبُو هَمَّامٍ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ إِذَا كَانَ سَاجِدًا» .

стр. 2254

تفسير سورة القدر خمس آيات، مكية. ١٤٠٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي الْفَضْلِ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْقَدْرِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَحْيَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ﴿١﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴿٢﴾ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴿٣﴾ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ﴿٤﴾ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴿٥﴾ ﴾ [القدر: ١-٥] . ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] يعني: القرآن أنزل جملة واحدة في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم فرق في السنين بالإنزال على محمد ﷺ . ١٤٠٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي عَمْرٍو، أنا جَدِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ، نا قُتَيْبَةُ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] أُنْزِلَ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَكَانَ بِمَوْقِعِ النُّجُومِ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى يُنَزِّلُهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ بَعْضَهُ فِي أَثَرِ بَعْضٍ وقال مقاتل: أنزله الله من اللوح المحفوظ إلى السفرة، وهم الكتبة من الملائكة في السماء الدنيا، فكان ينزله ليلة القدر من الوحي على قدر ما ينزل به جبريل، ﷺ ، على النبي، ﷺ ، في السنة كلها، إلى مثله من القابل حتى نزل القرآن كله في ليلة القدر، ونزل به جبريل على محمد، ﷺ ، في عشرين سنة. وليلة القدر ليلة تقدير الأمور والأحكام، قدر الله في ليلة القدر أمر السنة في عباده، وبلاده إلى السنة المقبلة، كقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] والأخبار في ليلة القدر، وبيان فضلها، وأي ليلة هي، كثيرة نذكر منها ما لا بد منه، والناس مختلفون في ليلة القدر، فذهب كثير منهم إلى أنها إنما كانت على عهد النبي ﷺ ، ثم رفعت،

стр. 2255

وقال بعضهم: هي في ليالي السنة كلها. ومن علق طلاق امرأته على ليلة القدر لم تقع إلى مضي سنة، وهو مذهب أبي حنيفة، رحمة الله عليه، وجمهور أهل العلم على أنها في رمضان كل سنة. ١٤٠٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الأَوْزَاعِيَّ، حَدَّثَنِي أَبُو كَثِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَهُوَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَكَثُرَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَتَّى مَسَّتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، وَقَدْ جَمَعْتُ أَشْيَاءَ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهَا، فَتَفَلَّتَتْ مِنِّي، فَبَلَغْتُ أَرْمِي بِبَصَرِي نَحْوَ السَّمَاءِ أَتَذَكَّرُ، فَذَكَرْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَقَالَ: أَنَا كُنْتُ أَسْأَلَ النَّاسِ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَشَيْءٌ يَكُونُ فِي زَمَانِ الأَنْبِيَاءِ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْوَحْيُ فَإِذَا قُبِضُوا رُفِعَتْ؟ قَالَ: بَلْ هِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنِي فِي أَيِّ شَهْرٍ هِيَ؟ قَالَ: فِي رَمَضَانَ، قُلْتُ: فِي أَيٍّ؟ قَالَ: لَوْ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِهَا لأَخْبَرْتُكُمْ الْتَمِسْهَا فِي أَحَدِ السَّبْعَيْنِ، ثُمَّ لا تَسْأَلْنِي عَنْهَا بَعْدَ مَرَّتِكَ هَذِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ يُحَدِّثُهُمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِ اسْتَطْلَقَ لَهُ الْحَدِيثُ، قُلْتُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي فِي أَيِّ السَّبْعَيْنِ هِيَ، قَالَ: فَغَضِبَ عَلَيَّ غَضْبَةً لَمْ يَغْضَبْ عَلَيَّ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا مِثْلَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَوَلَمْ أَنْهَكَ أَنْ تَسْأَلَنِي عَنْهَا؟ إِنَّ اللَّهَ لَوْ أَذِنَ لِي أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِهَا لأَخْبَرْتُكُمْ بِهَا لا آمَنُ أَنْ تَكُونَ فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ. ١٤٠٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثَمِ الأَنْبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، نا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: قُلْتُ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: مَنْ قَامَ الْحَوْلَ كُلَّهُ أَدْرَكَهَا، فَقَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَمَا وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ لَقَدْ عَلِمَ، أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُ يَحْلِفُ لا يَسْتَثْنِي، قُلْتُ: مَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: بِالآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَحَسَبْنَا وَعَدَدْنَا، فَإِذَا هِيَ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ، يَعْنِي أَنَّ الشَّمْسَ لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ، ثُمَّ إِنَّهَا فِي الْعَشْرُ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَفِي الأَوْتَارِ مِنْهَا. ١٤٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو

стр. 2256

الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، نا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، أنا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ هِشَامٍ. ١٤٠٧ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِيُّ، نا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، نا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى أَوْ فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى أَوْ فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى» ثُمَّ إِنَّهَا قَدْ تَكُونُ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَاخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ١٤٠٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أنا الرَّبِيعُ، أنا الشَّافِعِيُّ، أنا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَدْ تَكُونُ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وَعِشْرِينَ. ١٤٠٩ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَحْمَدَ الطُّوسِيُّ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ذَكَرْنَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَمْ مَضَى مِنَ الشَّهْرِ، قُلْنَا: ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ وَبَقِيَ ثَمَانٍ، فَقَالَ: مَضَى ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ وَبَقِيَ سَبْعٌ اطْلُبُوهَا اللَّيْلَةَ، الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ". ١٤١٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو

стр. 2257

بَكْرٍ الْقَاضِي، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا بَحْرُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: قُرِئَ عَلَى ابْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَكَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ، وَقَدْ تَكُونُ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» . ١٤١١ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاءِ، نا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، نا ابْنُ ثَوْبَانَ، قَالَ: سُئِلَ عِكْرِمَةُ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ؟ قَالَ: لا أُرَاهَا إِلا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ، لأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإِنْسَانَ عَلَى سَبْعَةِ أَصْنَافٍ فَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] ثُمَّ جَعَلَ رِزْقَهُ فِي سَبْعَةِ أَصْنَافٍ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] وَإِلَى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] ثُمَّ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ كَرَامَةً لِدِينِهِ وَعِيدًا، وَجَعَلَ السَّمَوَاتِ سَبْعًا، وَجَعَلَ الأَرْضِينَ سَبْعًا، وَجَعَلَ الْمَثَانِيَ سَبْعًا، فَلا أَرَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِلا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ. ١٤١٢ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ حَمْشَادَ بْنِ شختويه، نا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبِ بْنِ حَرْبٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ النُّعْمَانِ، نا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهَا هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَقُومَهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ مُثَنَّى، عَنْ غُنْدَر، عَنْ شُعْبَة. ١٤١٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحِيرِيُّ، أَنَّ حَامِدَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْهَرْمِيَّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الأَشَجُّ، نا عَمْرُو بْنُ حَكَّامٍ، نا سَلامُ بْنُ أَبِي مُطِيعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «تَحَرَّوْهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَقَدْ تَكُونُ لَيْلَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ» ١٤١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو

стр. 2258

إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا مَكِّيُّ بْنُ عَبْدَانَ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ، نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، نا عُيَيْنَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: ذَكَرْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ أَبِي بَكْرَةَ، فَقَالَ: مَا أَنَا بِطَالِبِهَا بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ أَوْ سَبْعٍ يَبْقَيْنَ أَوْ خَمْسٍ يَبْقَيْنَ أَوْ ثَلاثٍ يَبْقَيْنَ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ» فَكَانَ أَبُو بَكْرَةَ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ صَلَّى كَمَا يُصَلِّي فِي السَّنَةِ، فَإِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ اجْتَهَدَ، وَمِنْ فَضْلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ أَنَّ قِيَامَهَا مَغْفِرَةٌ لِلذُّنُوبِ كُلِّهَا. ١٤١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، نا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هِشَامٍ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَن مُعَاذِ بْنِ هِشَام، عَن أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. ١٤١٦ - أَخْبَرَنِي الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّاذَيَاخِيُّ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا مُعَاذُ بْنُ هَاشِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي قَتَادَةُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرْيَرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ مَا مَضَى مِنْ ذَنْبِهِ» . وقد ذكر الله، ، فضلها في قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ، قال مجاهد: قيامها، والعمل فيها خير من قيام شهر، وصيامه ليس فيه ليلة القدر. وهذا قول مقاتل، وقتادة، واختيار

стр. 2259

الفراء، والزجاج، وذلك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيه من الخير والنفع، فلما جعل الله تعالى الخير الكبير في ليلة القدر، كانت خيرًا من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما يكون في هذه الليلة، وقال عطاء، عن ابن عباس: ذكر لرسول الله، ﷺ ، رجل من بني إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، فعجب لذلك رسول الله، ﷺ ، عجبًا شديدًا، وتمنى أن يكون مثل ذلك في أمته، فقال: يا رب، جعلت أمتى أقصر الأمم أعمارًا، وأقلها أعمالًا. فأعطاه الله تعالى ليلة القدر، فقال: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] الذي حمل الإسرائيلي السلاح في سبيل الله لك، ولأمتك من بعدك إلى يوم القيامة في كل رمضان. ثم أخبر بما يكون في تلك الليلة، فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] يعني: جبريل فيها، قال المفسرون: تنزل الملائكة ومعهم جبريل في ليلة القدر، بالرحمة من الله، والسلام على أوليائه، فيسلمون على كل عبد قائم، أو قاعد يذكر الله. وهو قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أي: بكل أمر من الخير والبركة، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] أي: بأمره. سلام قال عطاء: يريد: سلام على أولياء الله، وأهل طاعته. وقال الكلبي: كلما لقي الملائكة مؤمنًا، أو مؤمنة في ليلة القدر، سلموا عليه من ربه. وقال مجاهد: إن ليلة القدر سالمة من أن يحدث فيها داء، أو يستطيع شيطان أن يعمل فيها. وسلام يعني سلامة، أي: سلامة، ﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] والمطلع مصدر بمعنى: الطلوع، ومن قرأ بكسر اللام، فهو اسم لوقت الطلوع.

стр. 2260

تفسير سورة البينة ثماني آيات، مدينة. ١٤١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ لَمْ يَكُنْ كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ مُسَافِرًا وَمُقِيمًا» . ١٤١٨ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ النُّعْمَانِ، نا فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ الْكَاهِلِيُّ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كفروا لَعَطَّلُوا الأَهْلَ وَالْمَالَ وَلَتَعَلَّمُوهَا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ: مَا فِيهَا مِنَ الأَجْرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا يَقْرَؤُهَا مُنَافِقٌ أَبَدًا، وَلا عَبْدٌ فِي قَلْبِهِ شَكٌّ فِي اللَّهِ ، وَاللَّهِ إِنَّ الْمَلائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ يَقْرَءُونَهَا مُنْذُ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَفْتُرُونَ مِنْ قِرَاءَتِهَا، وَمَا عَبْدٌ يَقْرَؤُهَا بِلَيْلٍ إِلا بَعَثَ اللَّهُ مَلائِكَتَهُ يَحْفَظُونَهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، وَيَدْعُونَ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَإِنْ قَرَأَهَا بِنَهَارٍ أُعْطِيَ عَلَيْهَا مِنَ الثَّوَابِ مِثْلُ مَا أَضَاءَ عَلَيْهِ النَّهَارُ، وَأَظْلَمَ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، فَقَالَ رَجُل ٌمِنْ قَيْسِ عَيْلانَ: زِدْنَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " تَعَلَّمُوا ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١] وَتَعَلَّمُوا ﴿ق وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ [ق: ١] وَتَعَلَّمُوا ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١] وَتَعَلَّمُوا ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: ١] فَإِنَّكُمْ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِنَّ لَعَطَّلْتُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ، وَتَعَلَّمْتُمُوهُنَّ وَتَقَرَّبْتُمْ إِلَى اللَّهِ بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ بِهِنَّ كُلَّ ذَنْبٍ إِلا الشِّرْكَ بِاللَّهِ،

стр. 2261

وَاعْلَمُوا أَنَّ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ، تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَسْتَغْفِرُ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿١﴾ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ﴿٢﴾ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ ﴿٣﴾ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿٤﴾ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴿٥﴾ ﴾ [البينة: ١-٥] . ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: ١] يعني: اليهود والنصارى، والمشركين يعني: مشركي العرب، منفكين منفصلين، وزائلين، يقال: فككت الشيء فانفك. أي: انفصل منه، قال ابن عباس، في رواية عطاء، والكلبي: لم يكونوا منتهين عن كفرهم بالله، وعبادتهم غير الله. حتى تأتيهم أي: حتى أتتهم، لفظه مستقبل ومعناه المضي، كقوله : ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: ما تلت، وقوله: البينة قال ابن عباس: يريد محمدًا ﷺ . وهو قول مقاتل. يعني محمدًا، فبين لهم ضلاتهم وشركهم، ومعنى الآية: إخبار الله تعالى عن الكفار، أنهم لم ينتهوا عن كفرهم وشركهم بالله حتى أتاهم محمد ﷺ بالقرآن، فبين لهم ضلالتهم وجهالتهم، ودعاهم إلى الإيمان، وهذا بيان عن النعمة، والإنقاذ به من الجهل والضلالة، والآية فيمن آمن من الفريقين، وهذه الآية من أصعب ما في القرآن نظما وتفسيرًا، وقد تخبط فيها الكبار من العلماء، وسلكوا في تفسيرها طرقًا لا تفضي بهم إلى الصواب، والوجه ما أخبرتك به، فاحمد الله إذ أتاك بيانها من غير لبس ولا إشكال، ويدل على أن المراد بالبينة محمد ﷺ ، أنه فسرها، وأبدل منها، فقال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا﴾ [البينة: ٢] يعني: ما تضمنته الصحف من المكتوب فيها، وهو القرآن، ويدل على ذلك، أنه كان يتلو عن ظهر قلبه، لا عن كتاب، مطهرة من الباطل، والكذب، والزور. فيها كتب يعني: الآيات، والأحكام المكتوبة فيها، قيمة عادلة، مستقيمة، غير ذات عوج، تبين الحق من الباطل. ثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب، بقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] قال المفسرون: لم يزل أهل الكتاب مجتمعين في تصديق محمد ﷺ حتى بعثه الله، فلما بعث، تفرقوا في أمره واختلفوا، وآمن به بعضهم، وكفر آخرون. ثم ذكر ما أمروا به في كتبهم، فقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا

стр. 2262

إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] قال ابن عباس: وما أمروا في التوراة، والإنجيل إلا بإخلاص العبادة لله، موحدين لا يعبدون معه غيره. حنفاء على دين إبراهيم، ويقيموا الصلاة المكتوبة في أوقاتها، ويؤتوا الزكاة عند محلها، وذلك الذي أمروا به، هو: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] دين الملة المستقيمة. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا أبو الشيخ الحافظ، أنا عبد الله بن عبد الملك، نا عبد الله بن عبد الوهاب، نا ابن نمير، نا أحمد الزبيري، عن معقل، قال: قلت للزهري: قوم يزعمون أن الصلاة والزكاة ليستا من الإيمان. فقرأ هذه الآية: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥] إلى قوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فمن زعم أن هذا ليس من الإيمان، فقد كذب. ثم ذكر مال الفريقين، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴿٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴿٧﴾ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴿٨﴾ ﴾ [البينة: ٦-٨] . إن الذين كفروا إلى قوله: شر البرية يعني: شر الخليقة من أهل الأرض، وقراءة العامة بغير همز، وهي من برأ الله الخلق، والقياس فيها الهمز، إلا أنه مما ترك همزه كالنبي، والذرية، والجابية، والهمز فيه كالرد إلى الأصل المرفوض في الاستعمال. ثم ذكر مستقر المؤمنين، فقال: إن الذين آمنوا وهو ظاهر التفسير، إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] يعني: في الدنيا، وتناهى عن معاصيه.

стр. 2263

تفسير سورة الزلزلة ثماني آيات، مدنية. ١٤١٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ وَاضِحٍ الْكَرَجِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ الْبَجَلِيُّ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، نا سَلَمَةُ بْنُ وَرْدَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: " سَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلا مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ هَلْ تَزَوَّجْتَ؟ قَالَ: لا وَلَيْسَ عِنْدِي مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَكَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ قَالَ: بَلَى، قَالَ: رُبُعُ الْقُرْآنِ، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَكَ قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: رُبُعُ الْقُرْآنِ، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَكَ إِذَا زُلْزِلَتِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: رُبُعُ الْقُرْآنِ، ثُمَّ قَالَ: تَزَوَّجْ تَزَوَّجْ تَزَوَّجْ ". ١٤٢٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ سَيَّارِ بْنِ صَالِحٍ، نا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ قَرَأَ إِذَا زُلْزِلَت عُدِلَتْ لَهُ بِنِصْفِ الْقُرْآنِ، وَمَنْ قَرَأَ: قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ عُدِلَتْ لَهُ بِرُبُعِ الْقُرْآنِ وَمَنْ قَرَأَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ عُدِلَتْ لَهُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ ". ١٤٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ إِذَا زُلْزِلَت فَكَأَنَّمَا قَرَأَ الْبَقَرَةَ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَمَنْ قَرَأَ رُبُعَ الْقُرْآنِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴿١﴾ وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴿٢﴾ وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا ﴿٣﴾ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴿٤﴾ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴿٥﴾ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ﴿٦﴾ فَمَنْ يَعْمَلْ

стр. 2264

مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾ ﴾ [الزلزلة: ١-٨] . ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] إذا حركت حركة شديدة، وذلك عند قيام الساعة، تحرك الأرض فتضطرب حتى يتكسر كل شيء عليها، وتخرج كل شيء أدخل فيها، وهو قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] لفظت ما فيها من كنوزها وموتاها، والأثقال: جمع ثقل، والموتى أثقال في بطن الأرض. ثم ذكر أن الكافر ينكر تلك الحالة، فقال: ﴿وَقَالَ الإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: ٣] يقول الكافر الذي لم يؤمن بالبعث: لأي شيء زلزالها. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] تخبر بما عمل عليها. ١٤٢٢ - أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ الصُّوفِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ السَّوْطِيُّ، نا سَلَمَةُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُجَاشِعٍ، نا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ الْعُمَرِيُّ، نا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِ اللَّهِ : " ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤] أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَخْبَارُهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا، تَقُولُ: عَمِلَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَهَذَا أَخْبَارُهَا ". ١٤٢٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، نا ابْنُ بَطَّةَ، أنا أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ بِنْتِ مَنِيعٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، نا أَبُو الأَسْوَدِ، أنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ رَبَاحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «حَافِظُوا عَلَى الْوُضُوءِ، وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمُ الصَّلاةُ، وَتَحَفَّظُوا مِنَ الأَرْضِ، فَإِنَّهَا أُمُّكُمْ، وَلَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ يَعْمَلُ فِيهَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا إِلا وَهِيَ مُخْبِرَةٌ بِهِ» . وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] قال الفراء: تحدث أخبارها بوحي الله، وإذنه لها. قال ابن عباس: أذن لها لتخبر بما عمل عليها. ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] يرجع الناس عن موقف الحساب بعد العرض متفرقين: أهل الإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم: ١٤] و ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] ، ليروا أعمالهم قال ابن عباس: ليروا جزاء أعمالهم. والمعنى: أنهم يرجعون عن الموقف فرقًا، لينزلوا منازلهم من

стр. 2265

الجنة والنار. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٧] وزن نملة أصغر ما يكون من النمل، قال مقاتل: فمن يعمل في الدنيا، ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] يوم القيامة في كتابه، فيفرح به. وكذلك من الشر يراه في كتابة فيسوءه ذلك، قال: وكان أحدهم يستقل أن يعطي اليسير، ويقول: إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وليس اليسير مما نحب. ويتهاون بالذنب اليسير، ويقول: إنما أوعد الله النار على الكبائر. فأنزل الله هذه الآية، يرغبهم في القليل من الخير، ويحذرهم عن اليسير من الشر. ١٤٢٤ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنِيعِيُّ، نا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، نا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " قَدِمَ صَعْصَعَةُ عَمُّ الْفَرَزْدَقِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴿٧﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴿٨﴾ ﴾ [الزلزلة: ٧-٨] قَالَ: حَسْبِي مَا أُبَالِي أَنْ لا أَسْمَعَ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرَهَا ". ١٤٢٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، نا مَيْسَرَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قُلْتُ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَى مَا يَنْتَهِي النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: إِلَى أَعْمَالِهِمْ، مَنْ عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ عَمِلَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ".

стр. 2266

تفسير سورة العاديات إحدى عشرة آية، مكية. ١٤٢٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْعَادِيَاتِ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنْ بَاتَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَشَهِدَ جَمْعًا» بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا ﴿١﴾ فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ﴿٢﴾ فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا ﴿٣﴾ فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ﴿٤﴾ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ﴿٥﴾ إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ﴿٦﴾ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴿٧﴾ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴿٨﴾ أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ﴿٩﴾ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ﴿١٠﴾ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ﴿١١﴾ ﴾ [العاديات: ١-١١] . ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١] قال ابن عباس: هي الخيل في الغزو. وهو قول عطاء، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والربيع. قالوا: أقسم الله تعالى بالخيل العادية لغزو الكفار، وهي تضبح ضبحًا. وضبحها: صوت أجوافها إذا عدت، ليس بصهيل، ولا حمحمة، ولكنه صوت نفس. ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: ٢] قال ابن عباس: يريد ضرب الخيل بحوافرها، فأورت منها النار، مثل الزناد، إذا قدح. وقال مقاتل: يقدحن بحوافرهن في الحجارة. وقال الزجاج: إذا عدت بالليل، وأصاب حوافرها الحجارة، انقدح منها النيران. ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ [العاديات: ٣] هي التي تغير على العدو عند الصباح. ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] يقال: ثار الغبار والدخان، وأثرته. أي: هيجته، والنقع: الغبار، والمعنى: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ [العاديات: ٤] بمكان عدوها: ﴿نَقْعًا﴾ [العاديات: ٤] . ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ [العاديات: ٥] يقال: وسطت المكان. أي: صرت في وسطه، يعني: صرن بعدوهن وسط جمع العدو، أقسم الله تعالى بهذه الأشياء، فقال: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] وهو الكفور للنعمة. ١٤٢٧ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَدَّادِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ

стр. 2267

جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦] قَالَ: الْكَنُودُ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ﴾ [العاديات: ٧] قال عطاء، عن ابن عباس: وإن الله على كفره، لشهيد. ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وإن الإنسان من أجل حب المال لبخيل، يقال للبخيل: شديد ومتشدد. ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] أفلا يعلم هذا الإنسان إذا بعث الموتى؟ وبعثر معناه: انتثر، وأخرج. ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] أي: ميز، وبيّن ما فيها من الخير والشر، والتحصيل: تمييز ما يحصل. ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] قال الزجاج: الله خبير بهم في ذلك اليوم وفي غيره، ويكون المعنى: الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، ومثله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] معناه: أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم.

стр. 2268

تفسير سورة القارعة إحدى عشرة آية، مكية. ١٤٢٨ - أَخْبَرَنَا الأُسْتَاذُ سَعِيدٌ الْمُقْرِي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْقَارِعَةِ ثَقَّلَ اللَّهُ بِهَا مِيزَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الْقَارِعَةُ ﴿١﴾ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٢﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ ﴿٣﴾ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ ﴿٤﴾ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ﴿٥﴾ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴿٦﴾ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ﴿٧﴾ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴿٨﴾ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ﴿٩﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ﴿١٠﴾ نَارٌ حَامِيَةٌ ﴿١١﴾ ﴾ [القارعة: ١-١١] . القارعة اسم من أسماء القيامة، لأنها تفزع القلوب بالقرع، وتفزع أعداء الله بالعذاب. وقوله: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢] تهويل وتعظيم. ثم عجب نبيه ﷺ ، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: ٣] تعظيمًا لشأنها. ثم بين أنها متى تكون، فقال: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] الفراش ما تراه يتهافت في النار، شبه الناس في وقت البعث بالفراش، لأنهم إذا بعثوا ماج بعضهم في بعض، والفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة، فدل على أنهم إذا بعثوا فزعوا، فاختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة، كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] و ﴿الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] المفرق، يقال: بثه، إذا فرقه. ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وهو الذي نفش بالندف، والمعنى: أنها تصير خفيفة في السير. ثم ذكر أحوال الناس بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] يعني: رجحت حسناته. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] قال الزجاج: أي: ذات رضا، يرضاها صاحبها. ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] رجحت سيئاته على حسناته. ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] فمسكنه جهنم، وقيل لمسكنه: أمه. لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، والهاوية: من أسماء جهنم، وهي المهواة لا يدرك قعرها، ويدل على صحة هذا التفسير ما روي، أن رسول الله ﷺ ، قال: " إذا

стр. 2269

مات العبد تلقى روحه أرواح المؤمنين، فتقول له: ما فعل فلان. فإذا قال: مات. قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية، فبئست الأم، وبئست المربية ". ثم أخبر الله عنها، فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] يعني: الهاوية، والهاء في هيه للوقف. ثم فسر، فقال: نار حامية حارة، قد انتهى حرها.

стр. 2270

تفسير سورة التكاثر ثمان آيات، مكية. ١٤٢٩ - رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالإِسْنَادِ السَّابِقِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، لَمْ يُحَاسِبْهُ اللَّهُ بِالنَّعِيمِ الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْهِ فِي دَارِ الدُّنْيَا، وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ كَأَنَّمَا قَرَأَ أَلْفَ آيَةٍ» بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴿٢﴾ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٣﴾ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٤﴾ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ﴿٥﴾ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ﴿٦﴾ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ﴿٧﴾ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴿٨﴾ ﴾ [التكاثر: ١-٨] . ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قال المفسرون: شغلكم التكاثر بالأموال، والأولاد، والتفاخر بكثرتها. ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] حتى أدرككم الموت على تلك الحال، نزلت في اليهود حين قالوا: نحن أكثر من فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان. شغلهم ذلك عن الإيمان حتى ماتوا ضلالا، ثم يدخل في هذا كل من اشتغل بالتكاثر، والتفاخر عن طاعة الله حتى يأتيه الموت وهو على ذلك، ويدل على هذا ما: ١٤٣٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا حَاجِبُ بْنُ أَحْمَدَ، نا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُنِيبٍ، نا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قَالَ: " يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي وَمَا لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ " رَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ بُنْدَارٍ، عَنْ غُنْدَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ

стр. 2271

ثم رد الله تعالى عليهم هذا، فقال: كلا أي: ليس الأمر الذي ينبغي أن تكونوا عليه التكاثر، ثم أوعدهم فقال: سوف تعلمون ثم وكد ذلك وكرره، فقال: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] قال الحسن، ومقاتل: هو وعيد بعد وعيد، والمعنى: سوف تعلمون عاقبة تكاثركم وتفاخركم، إذا نزل بكم الموت. ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] كلام آخر، يقول: لو تعلمون الأمر علمًا يقينًا، لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر، وجواب لو محذوف وهو ما ذكرنا. ثم أوعدهم وعيدًا آخر، فقال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] وقرأه العامة بفتح التاء، وقرئ بضمها من أريته الشيء، والمعنى: أنهم يحشرون إليها فيرونها. ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] أي: مشاهدة، تقول: لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم، ثم لترونها مشاهدة. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] قال مقاتل: يعني كفار مكة، كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون يوم القيامة عن شكر ما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعم، حيث عبدوا غيره، وأشركوا به، ثم يعذبون على ترك الشكر بتوحيد المنعم. وهذا قول الحسن. قال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار. وقال قتادة: إن الله سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه. وعلى هذا ورد أكثر الأخبار. ١٤٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَقِيهُ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْعَبْدِيُّ، نا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ " عَنْ أَيِّ النَّعِيمِ نُسْأَلُ؟ إِنَّمَا هُوَ الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ وَسُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا، وَالْعَدُوُّ حَاضِرٌ، فَعَنْ أَيِّ النَّعِيمِ نُسْأَلُ؟ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ ". ١٤٣٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَحْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 2272

الْحَسَنِ بْنِ كَوْثَرٍ، نا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ عَلِيٍّ الْخَزَّازُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَاصِمٍ الْحِمَّانِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، نا عَامِرُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَأَطْعَمْنَاهُمْ رُطَبًا، وَسَقَيْنَاهُمْ مِنَ الْمَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ» ١٤٣٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ قال، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَنِيعِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، نا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، نا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ، نا أَبُو نَصْرٍ، عَنْ أَبِي عَسِيبٍ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلا، فَدَعَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي وَنَحْنُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: أَطْعِمْنَا بُسْرًا، فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَشَرِبَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكُمْ لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَخَذَ عُمَرُ الْعِذْقَ، فَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَمَسْئُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِلا مِنْ ثَلاثٍ خِرْقَةٍ يُوَارِي الرَّجُلُ بِهَا عَوْرَتَهُ، أَوْ كِسْرَةٍ يَسُدُّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ حَجَرٍ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ» .

стр. 2273

تفسير سورة العصر ثلاث آيات، مكية. ١٤٣٤ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا ابْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْعَصْرِ خَتَمَ اللَّهُ لَهُ بِالصَّبْرِ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْحَقِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْرِ ﴿١﴾ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿٢﴾ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴿٣﴾ ﴾ [العصر: ١-٣] . قوله تعالى: والعصر أقسم الله تعالى بالدهر، لأن فيه عبرة للناظرين من جهة مرور الليل والنهار على تقدير الأدوار، وقال مقاتل: أقسم الله تعالى بصلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى. وقال الزجاج: قال بعضهم: معناه ورب العصر. إن الإنسان يعني: جميع الناس، ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] الخسر كالخسران، وهو النقصان، وذهاب رأس المال، والمعنى: إن كل إنسان، يعني: الكافر، لاستثنائه المؤمنين، لفي ضلال حتى يموت ويدخل النار، وقال أهل المعاني: الخسر: هلاك رأس المال، والإنسان في هلاك نفسه وعمره، وهما أكثر رأس ماله، إلا المؤمن العامل بطاعة الله. وهو قوله: ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٣] وصدقوا الله ورسوله، وعملوا بطاعته، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] أوصى بعضهم بعضًا بالقرآن، وقال مقاتل: بتوحيد الله تعالى. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] عن معاصي الله، وعلى فرائض الله، وروى أبو أمامة، عن أبي بن كعب، قال: قرأت على رسول الله ﷺ والعصر، فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله ما تفسيرها؟ فقال: " ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١] قسم من الله، أقسم ربكم بآخر النهار، ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] أبو جهل بن هشام، إلا الذين آمنوا أبو بكر الصديق، وعملوا الصالحات عمر بن الخطاب، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣] عثمان بن عفان، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] علي بن أبي طالب، ﵃ ".

стр. 2274

تفسير سورة الهمزة مكية، تسع آيات. ١٤٣٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ أُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ مَنِ اسْتَهْزَأَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ » . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ ﴿١﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ ﴿٢﴾ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴿٣﴾ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ﴿٤﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ﴿٥﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴿٦﴾ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ﴿٧﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ﴿٨﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴿٩﴾ ﴾ [الهمزة: ١-٩] . ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] قال أبو عبيدة، والزجاج: الهمزة اللمزة: الذي يغتاب الناس. قال بعضهم: نزلت في الأخنس بن شريق، كان يلمز الناس ويغتابهم. وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي ﷺ من ورائه، ويطعن عليه في وجهه. ثم وصفه، فقال: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالا﴾ [الهمزة: ٢] وقرئ: جمع بالتشديد، وهو جمع بالشيء بعد الشيء، وعدده قال الفراء: أحصاه. وقال الزجاج:

стр. 2275

وعدده للدهور، فيكون من العدة، يقال: أعددت الشيء، وعددته إذا أمسكته. ثم ذكر طول أمله، فقال: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٣] أي: يعمل عمل من لا يظن مع يساره أنه يموت. كلا لا يخلد ماله، ولا يبقى له، ﴿لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: ٤] ليلقين في جهنم، وليطرحن فيها، والحطمة من أسماء جهنم، قال مقاتل: هي تحطم العظام، وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب. وذلك قوله: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ﴿٦﴾ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ﴿٧﴾ ﴾ [الهمزة: ٦-٧] قال: يخلص حرها إلى القلوب. ثم يكسى لحمًا جديدًا، ثم تقبل عليه فتأكله. ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: ٨] مطبقة، في عمد وقرئ عمد وكلاهما جمع عمود، وقال أبو عبيدة: كلاهما جمع العماد، وهي أوتاد الأطباق التي تطبق على أهل النار. قال مقاتل: أطبقت الأبواب عليهم، ثم سدت بأوتاد من حديد من نار، حتى يرجع عليهم غمها وحرها، فلا يفتح عنهم باب، ولا يدخل عليهم روح. وممددة من صفة العمد، أي: أنها ممدودة مطولة، وهي أرسخ من القصيرة.

стр. 2276

تفسير سورة الفيل خمس آيات، مكية. ١٤٣٦ - فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالإِسْنَادِ الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْفِيلِ عَافَاهُ اللَّهُ تَعَالَى أَيَّامَ حَيَاتِهِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْعَدُوِّ وَالْمَسْخِ» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ﴿٢﴾ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ﴿٣﴾ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴿٥﴾ ﴾ [الفيل: ١-٥] . ألم تر قال الفراء: ألم تخبر. وقال الزجاج: ألم تعلم. وقال صاحب النظم: معناه التعجب. و ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] يعني: الذين قصدوا تخريب الكعبة من الحبشة. ﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ﴾ [الفيل: ٢] مكرهم، وسعيهم في تخريب الكعبة، واستباحة أهلها، في تضليل عما قصدوا له، ضلل كيدهم حتى لم يصلوا إلى البيت، وإلى ما أرادوه بكيدهم. ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] أقاطيع يتبع بعضها بعضًا، كالإبل المؤبلة، قال أبو عبيدة: الأبابيل: جماعات في تفرقة، يقال: جاءت الخيل أبابيل من ههنا وههنا، ولم نر أحدًا يجعل لها واحدًا. وقال ابن عباس: كانت طيرًا لها خراطيم، وأكف كأكف الكلاب. وقال عطاء عنه، وقتادة: طير سود، جاءت من قبل البحر فوجًا فوجًا، مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجران في رجليه، وحجر في منقارة، لا يصيب شيئًا إلا هشمه. فذلك قوله: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٤] قال ابن مسعود: ما وقع منها حجر على رجل إلا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره. ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ٥] كزرع، وتبن قد أكلته الدواب، ثم راثته، وتفرقت أجزاؤه، شبه تقطع أوصالهم بتفرق أجزاء الروث.

стр. 2277

تفسير قريش أربع آيات، مكية. وقال النبي ﷺ في حديث أبيّ بن كعب: «ومن قرأ سورة لإيلاف قريش، أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من طاف بالكعبة، واعتكف بها» . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لإِيلافِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴿٢﴾ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ﴿٣﴾ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾ ﴾ [سورة قريش: ١-٤] . ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ ﴿١﴾ إِيلافِهِمْ﴾ [قريش: ١-٢] وقرئ: إلافهم وإلفهم يقال: ألفت الشيء إلافا وإلفًا، وألفته إيلافًا بمعنى واحد. يقال: آلفت الظباء الرمل. إذ ألفته، واللام في الإيلاف تتعلق بالتي قبلها، وذلك أن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم النعمة عليهم، فيما صنع بالحبشة، ثم قال: ﴿لإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [سورة قريش: ١] يقول: فعلنا ذلك بهم لتألف قريش رحلتيها. قال الزجاج: المعنى: فجعلهم

стр. 2278

كعصف مأكول لإلف قريش، أي: أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما قد ألفوا من ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: ٢] . وشرح ابن قتيبة هذا شرحًا شافيًا، فقال: هاتان سورتان متصلتا الألفاظ، والمعنى: أن قريشًا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليهم فيه، وأن يعرض لها أحد بالسوء، إذا خرجت منه لتجارتها، والحرم واد جديب، إنما كانت تعيش قريش فيه بالتجارة، وكانت لهم رحلتان في كل سنة، رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، ولولا هاتان الرحلتان لم يكن به مقام، ولولا الأمن بجوارهم البيت لم يقدروا على التصرف، فلما قصد أصحاب الفيل إلى مكة، ليهدموا الكعبة، أهلكهم الله لتألف قريش هاتين الرحلتين اللتين بهما تعيشهم ومقامهم بمكة. وأما قريش فهم ولد النضر بن كنانة، فكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي، واختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الأسم، فقال الأكثرون: سموا قريشًا للتجارة وجمع المال، وكانوا أهل تجارة، ولم يكونوا أصحاب ضرع ولا زرع. والقرش: الكسب، يقال: هو يقرش لعياله ويقترض. أي: يكتسب. ١٤٣٧ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْخَلِيلِ، نا أَبُو كُرَيْبٍ، نا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لابْنِ عَبَّاسٍ: لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا، قَالَ: بِدَابَّةٍ تَكُونُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَعْظَمِ دَوَابَّهِ يُقَالُ لَهَا: الْقِرْشُ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ إِلا أَكَلَتْهُ، قَالَ: فَتُنْشِدُ فِي ذَلِكَ شَيْئًا، فَأَنْشَدَهُ شِعْرَ الْجُمَحِيِّ إِذْ يَقُولُ: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْرَ ... بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلا تَتْرُكُ ... فِيهِ لِذِي الْجَنَاحَيْنِ رِيشَا هَكَذَا فِي الْبِلادِ حَتَّى قُرَيْشٍ ... يَأْكُلُونَ الْبِلادَ أَكْلا كَمِيشَا وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ... يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا

стр. 2279

﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ [قريش: ٣] يقول: فليوحدوا رب هذه الكعبة. ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤] أي: بعد جوع، كما تقول: كسوتك من عرى. وذلك: أن الله تعالى أمنهم بالحرم، وجعلهم من أهله حتى لم يتعرض لهم في رحلتيهم، وكان ذلك سبب إطعامهم بعد ما كانوا فيه من الجوع، قال عطاء، عن ابن عباس: إنهم كانوا في ضر، ومجاعة حتى جمعهم هاشم على الرحلتين، فكانوا يقسمون ربحهم بين الفقير والغني، حتى كان فقيرهم كغنيهم، فلم يكن بنو أب أكثر مالًا، ولا أعز من قريش. وقد قال الشاعر فيهم: الخالطين فقيرهم بغنيهم ... حتى يكون فقيرهم كالكافي وقوله: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٤] هو أنهم كانوا يسافرون آمنين، لا يتعرض لهم أحد، وكان غيرهم لا يأمن في سفره، ولا في حضره.

стр. 2280

تفسير سورة الماعون سبع آيات، مكية. ١٤٣٨ - / فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالإِسْنَادِ السَّابِقِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَمَنْ قَرَأَ أَرَأَيْتَ الَّذِي غَفَرَ اللَّهُ لَهُ بِهَا إِنْ كَانَ لِلزَّكَاةِ مُؤَدِّيًا» . بسم الله الرحمن الرحيم ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴿٢﴾ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴿٣﴾ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾ ﴾ [الماعون: ١-٧] . ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١] قال عطاء، عن ابن عباس: نزلت في رجل من المنافقين. وقال الكلبي: نزلت في العاصي بن وائل. ومعنى: ﴿يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١] : بالجزاء والحساب. ثم أخبر عنه بقوله: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢] يدفعه عن حقه دفعًا بعنف وجفوة. ﴿وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ٣] ولا يطعمه، ولا يأمر بإطعامه، لأنه يكذب بالجزاء. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴿٤﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴿٥﴾ ﴾ [الماعون: ٤-٥] نزلت في المنافقين الذين لا يرجون لها ثوابًا إن صلوا، ولا يخافون عليها عقابا إن تركوا، فهم عنها غافلون حتى يذهب وقتها، فإذا كانوا مع المؤمنين صلوا رياء، وإذا لم يكونوا معهم لم يصلوا، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴿٦﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴿٧﴾ ﴾ [الماعون: ٦-٧] أكثر المفسرين على أن الماعون: اسم لما يتعاوره الناس بينهم من الدلو، والفأس، والقدر، ما لا يمنع كالماء، والملح يدل على هذا ما: ١٤٣٩ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا
следующие страницы →