← Фикх общий

Фикх общий · id 21823

فقه العبادات للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (326 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السؤال (٣٤) : فضيلة الشيخ، نريد أن نعرف التنجيم وحكمه ؟ الجواب: التنجيم مأخوذ من النجم، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بمعنى أن يربط المنجم ما يقع في الأرض أو ما سيقع في الأرض بالنجوم، بحركتها وطلوعها وغروبها واقترانها وافتراقها وما أشبه ذلك، والتنجيم نوع من السحر وهو محرم، لأنه مبني على أوهام لا حقيقة لها، فلا علاقة لما يحدث بالأرض بما يحدث في السماء، ولهذا لما كان من عقيدة أهل الجاهلية أن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت أحد، أي لموت عظيم، فكسفت الشمس في عهد رسول الله ﷺ في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم ﵁، فقال الناس كسفت الشمس لموت إبراهيم، فخطب النبي ﷺ الناس حين صلى للكسوف، وقال: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته" (١) ، فأبطل النبي ﷺ ارتباط الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية، وهو كذلك، وكما أنه - أي التنجيم - بهذا المعنى نوع من السحر، فهو أيضاً سبب للأوهام والانفعالات النفسية التي ليس لها حقيقة ولا أصل، فيوقع الإنسان في أوهام وتشاؤمات ومتاهات لا نهاية لها. هناك نوع آخر من التنجيم: وهو أن الإنسان يستدل بطلوع النجوم على الأوقات والأزمنة والفصول، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه، مثل أن يقول: إنه إذا دخل النجم الفلاني فإنه يكون قد دخل موسوم الأمطار، أو قد دخل وقت نضوج الثمار، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا بأس به ولا حرج فيه.

стр. 37

السؤال (٣٥) : فضيلة الشيخ يعني أن هذا يكون من باب استقراء السنن الكونية ؟ الجواب: نعم هذا كما نقول إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، وإذا غربت دخل وقت المغرب، وما أشبه ذلك. علاقة التنجيم بالكهانة

стр. 38

السؤال (٣٦) : فضيلة الشيخ، لكن هل هناك علاقة بين التنجيم والكهانة ؟ الجواب: نعم، العلاقة بينهما هي أن الكل مبني على الوهم والدجل، وأكل أموال الناس بالباطل، وإدخال الهموم والغموم عليهم، وما أشبه ذلك. أيهما أخطر؟

стр. 39

السؤال (٣٧) : فضيلة الشيخ، لكن أيهما أخطر على المسلمين ؟ الجواب: هذا ينبني على شيوع هذا الأمر بين الناس، فقد يكون في بعض البلاد لا أثر للتنجيم عندهم إطلاقاً، ولا يهتمون به، ولا يصدقون به، ولكن الكهانة منتشرة عندهم فتكون أخطر. وقد يكون الأمر بالعكس، لكن من حيث واقع الكهانة والتنجيم فإن الكهانة أخطر وأعظم. حقيقة السحر

стр. 40

السؤال (٣٨) : فضيلة الشيخ، ذكرتم في حديثكم عن التنجيم أنه نوع من السحر فما هو السحر ؟ الجواب: السحر كما قال العلماء: هو عبارة عن كل ما لطف وخفي سببه، بحيث يكون له تأثير خفي لا يطلع عليه الناس، وهو بهذا المعنى يشمل التنجيم والكهانة، بل إنه يشمل التأثير بالبيان والفصاحة، كما قال النبي ﵊: "إن من البيان لسحرا" (١) ، فكل شيء يكون له أثر لكنه ليس شيئاً معلوماً - أي ذلك المؤثر فإنه نوع من السحر.

стр. 41

السؤال (٣٩) : فضيلة الشيخ، لكن ما المقصود باللطافة في قولكم: السحر كل ما لطف وخفي سببه ؟ الجواب: اللطافة معناها الشيء الخفي اللطيف، وضده الشيء الجليل الكبير البين فمثلاً هذا الساحر يعمل عملاً يستجلب ود المسحور، حتى يتعلق بع تعلقاً عظيماً، أو يستجلب نفرته منه، حتى يبغضه بغضاً عظيماً. مع أن هذا الذي سحر وحصلت له المحبة العظيمة أو النفرة العظمة لا يعرف هذا الشيء ويخفي عليه سببه. حكم السحر وتعلمه

стр. 42

السؤال (٤٠) : فضيلة الشيخ، ما حكم السحر وما حكم تعلمه ؟ الجواب: تعلم السحر محرم، بل هو كفر إذا كانت وسيلته الاستعانة بالشياطين، قال الله ﵎: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) (البقرة: ١٠٢) ، فتعلم هذا النوع من السحر، وهو الذي يكون بواسطة الاستعانة بالشياطين كفر، واستعماله أيضاً كفر وظلم وعدوان على الخلق، ولهذا يقتل الساحر، إما ردة، وإما حداً، فإن كان سحره على وجه يكفر به، فإنه يقتل قتل ردة وكفر، وإن كان سحره لا يصل إلى درجة الكفر فإنه يقتل حداً، دفعاً لشره وأذاه عن المسلمين. هل السحر حقيقة؟

стр. 43

السؤال (٤١) : فضيلة الشيخ، هل السحر حقيقة أم أنه تخيل أو تخيلات على الناس ؟ الجواب: السحر حقيقة ولا شك، وهو مؤثر حقيقة. لكن كونه يقلب الشيء أو يحرك الساكن، أو يسكن المتحرك، هذا خيال وليس حقيقة. وانظر إلى قول الله ﵎ في قصة السحرة في آل فرعون، يقول الله : (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) (الأعراف: ١١٦) ، كيف سحروا أعين الناس؟ سحروا أعين الناس حتى صار الناس ينظرون إلى هذه الحبال والعصي كأنها ثعابين تمشي، كما قال الله تعالى في سورة طه: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه: ٦٦) ، فالسحر باعتبار تأثيره في قلب الأشياء، وتحريك الساكن، أو تسكين متحرك، هذا ليس له أثر، لكن في كونه يسحر أو يؤثر على المسحور، حتى يرى الساكن متحركاً والمتحرك ساكناً، هذا أثره ظاهر جداً، إذا فله حقيقة، ولهذا يؤثر على بدن المسحور وعقله وحواسه، وربما يهلكه. علاقة الكهانة بالسحر

стр. 44

السؤال (٤٢) : فضيلة الشيخ، تحدثتم عن الكهانة وعرفتم الكاهن، وعرفتم أيضاً السحر، لكن هل هناك علاقة بين الكهانة والسحر ؟ الجواب: كما قلنا من قبل: إن الكاهن يؤثر في الناس بما يدجل به عليهم من الإخبارات عن الأشياء المستقبلية، وكذلك الساحر يؤثر في عقول الناس وتفكيرهم وأبدانهم، حتى يتوهم المسحور أشياء ليس لها حقيقة. هل سحر النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 45

السؤال (٤٣) : فضيلة الشيخ، جاء عن رسول الله ﷺ أنه سحر، فنريد أن تتحدثوا لنا عما سحر به النبي ﷺ ؟ وأيضاً هل حصول السحر للنبي ﷺ ينافي مقام النبوة ؟ الجواب: ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي ﷺ سحر (١) ، لكن هذا السحر لم يؤثر عليه من الناحية التشريعية أو الوحي، إنما غاية ما هنالك أنه وصل إلى درجة يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله في أهله، وهذا السحر الذي وضع له كان من يهودي يقال له لبيد بن الأعصم، وضعه له ولكن الله أنجاه منه، حتى جاءه الوحي بذلك. وعوذ بالمعوذتين ﵊ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) ، (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) . ولا يؤثر هذا السحر على مقام النبوة، لأنه لم يؤثر في تصرف النبي ﷺ فيما يتعلق بالوحي والعبادات كما أسلفنا، وقد أنكر بعض الناس أن النبي ﷺ سحر، بحجة أن هذا القول يستلزم تصديق الكافرين، بل تصديق الظالمين الذين قالوا: (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلاً مَسْحُوراً) (الإسراء: ٤٧) ، ولكن هذا لا شك أنه لا يستلزم موافقة هؤلاء الظالمين بما وصفوا به النبي ﷺ ، لأن أولئك يدعون أن الرسول ﷺ مسحور فيما يتكلم به من الوحي، وأن ما جاء به هذيان كهذيان المسحور، وأما السحر الذي وقع للرسول ﵊ فلم يؤثر عليه في شيء من الوحي، ولا في شيء من العبادات، ولا يجوز لنا أن نكذب الأخبار الصحيحة بسوء فهمنا للنصوص. حقيقة الإلحاد

стр. 46

السؤال (٤٤) : فضيلة الشيخ، ما هو الإلحاد في أسماء الله وصفاته ؟ الجواب: الإلحاد في الأصل أي في اللغة العربية: هو الميل، ومنه قوله تعالى: (لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) (النحل: ١٠٣) ، ومنه اللحد في القبر، فإنه سمي لحداً لميله إلى جانب منه. ولا يعرف الإلحاد إلا بمعرفة الاستقامة، لأنه كما قيل: بضدها تتبين الأشياء، فالاستقامة في باب أسماء الله وصفاته: أن نجري هذه الأسماء والصفات على حقيقتها اللائقة بالله ، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، كما مر علينا في القاعدة التي يمشي عليها أهل السنة والجماعة في هذا الباب، فإذا عرفنا الاستقامة في هذا الباب فإن خلاف الاستقامة هو الإلحاد، وقد ذكر أهل العلم للإلحاد في أسماء الله تعالى أنواعاً يجمعها أن نقول: هو الميل بها عما يجب اعتقاده فيها. فالنوع الأول: أن ينكر شيء منها أو مما دلت عليه من الصفات، مثل أن ينكر اسم الرحمن من أسماء الله كما فعل أهل الجاهلية، أو تثبت الأسماء ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات، كما يقول بعض المبتدعة: " إن الله تعالى رحيم بلا رحمة، وسميع بلا سمع، وبصير بلا بصر" وهكذا. النوع الثاني: أن يسمي الله تعالى بما لم يسم به نفسه، ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله توقيفية، فلا يحل لأحد أن يسمي الله تعالى باسم لم يسم به نفسه، لأن هذا من القول على الله بلا علم، ومن العدوان على الله أيضاً، ومن العدوان في حق الله ، وذلك كما صنع الفلاسفة فسموا الإله بالعلة الفاعلة، وكما صنع النصارى فسموا الله تعالى باسم الأب ونحو ذلك. النوع الثالث: أن يعتقد أن هذه الأسماء دالة على أوصاف تماثل أوصاف المخلوقين، فيجعلها دالة على التمثيل. ووجه كونه إلحاداً: أن من اعتقد بأن أسماء الله دالة على تمثيل الله بخلقه فقد جعل كلام الله وكلام رسوله ﷺ دالاً على الكفر، لأن تمثيل الله بخلقه كفر، لكونه تكذيباً لقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: ١١) ، ولقوله: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) (مريم: ٦٥) ، قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري ﵏ " من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما سمى الله ووصف به نفسه تشبيه". النوع الرابع: أن يشتق من أسماء الله تعالى أسماء للأصنام، كاشتقاق اللات من الإله، والعزى من العزيز، ومناة من المنان، ووجه كونه إلحاداً أن أسماء الله خاصة به، فلا يجوز أن تنقل المعاني الدالة عليها هذه الأسماء إلى أحد المخلوقين، ليعطى من العبادة ما لا يستحقه إلا الله ، هذه أنواع الإلحاد في أسماء الله . أنواع الشرك

стр. 47

السؤال (٤٥) : فضيلة الشيخ، ما هي أنواع الشرك ؟ الجواب: سبق لنا فيما تقدم أن التوحيد يتضمن إثباتاً ونفياً، وأن الاقتصار فيه على النفي تعطيل، والاقتصار فيه على الإثبات لا يمنع المشاركة، فلهذا لابد من التوحيد من نفي وإثبات، فمن لم يثبت الحق لله على هذا الوجه، فقد أشرك به. والشرك نوعان: شرك أكبر مخرج عن الملة، وشرك دون ذلك، فالشرك الأكبر: كل شرك أطلقه الشارع، وهو متضمن لخروج الإنسان من دينه، مثل أن يصرف شيئاً من أنواع العبادة لغير الله ، كأن يصلي لغير الله، أو يصوم لغير الله، أو يذبح لغير الله، وكذلك من الشرك الأكبر أن يدعو غير الله ، مثل أن يدعو صاحب القبر، أو يدعو غائباً ليغيثه من أمر لا يقدر عليه إلا الله ، وأنواع الشرك معلومة فيما كتبه أهل العلم. وأما النوع الثاني: فهو الشرك الأصغر، وهو كل عمل قولي أو فعلي أطلق الشارع عليه وصف الشرك ولكنه لا يخرج من الملة مثل الحلف بغير الله، فإن النبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله كفر أو أشرك" (١) ، فالحالف بغير الله الذي لا يعتقد أن لغير الله تعالى من العظمة ما يماثل عظمة الله، نقول: إنه مشرك شركاً أصغر، سواء كان هذا المحلوف به معظماً من البشر أم غير معظم فلا يجوز الحلف بالنبي ﷺ ، ولا برئيس أو وزير ولا يجوز الحلف بالكعبة، ولا يجوز الحلف بجبريل وميكائيل وما أشبه ذلك، لأن هذا شرك، لكنه شرك أصغر، لا يخرج من الملة. ومن أنواع الشرك الأصغر: الرياء اليسير، مثل أن يقوم الإنسان يصلي لله ، ولكنه يزين صلاته لأنه يعلم أن أحداً من الناس يراه فيزين صلاته من أجل مراءاة الناس، فهذا مشرك شركاً أصغر، لأنه فعل العبادة لله لكن أدخل عليها هذا التزيين مراءاة للخلق. وكذلك لو أنفق ماله في شيء يتقرب به إلى الله، لكنه أراد أن يمدحه الناس بذلك، فإن هذا مشرك شركاً أصغر. وأنواع الشرك الأصغر أيضاً كثيرة معلومة في كتب أهل العلم. تعريف أنواع الشرك

стр. 48

السؤال (٤٦) : فضيلة الشيخ، عرفنا أنواع الشرك لكن هل هناك تعريف محدد لكل نوع منها ؟ الجواب: نعم، ذكرنا أن الشرك الأصغر كل ما أطلق عليه الشارع اسم الشرك، أو وصف الشرك، ولكنه لا يخرج من الملة، وأن الشرك الأكبر كل ما أطلق الشارع عليه اسم الشرك أو وصف الشرك وهو مخرج من الملة. هل يسمى ترك العبادة شركاً؟

стр. 49

السؤال (٤٧) : فضيلة الشيخ، ورد فيما رواه مسلم قوله ﷺ "إن بين الرجل وبين الشرك الكفر ترك الصلاة" (١) هل ترك العبادة يكون شركاً؟ الجواب: نعم هو شرك من حيث المعنى العام، لأن تارك الصلاة تهاوناً إنما تركها لهواه، فقدم هواه على طاعة الله ، فكان مشركاً بهذا الاعتبار، كما قال الله : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) (الجاثية: ٢٣) ، فكل من اتبع هواه مقدماً له على طاعة الله ، فإن فعله هذا نوع من الشرك، وإن كان الشرك بالمعنى الأخص لا يشمل الترك. حقيقة دين الإسلام

стр. 50

السؤال (٤٨) : فضيلة الشيخ، ما هو دين الإسلام ؟ الجواب: الإسلام بالمعنى العام: هو التعبد لله تعالى بما شرعه من العبادات التي جاءت بها رسله، منذ أن تعبد الله تعالى عباده بشرعه إلى أن تقوم الساعة، فيشمل ما جاء به نوح ﵊ من الهدى والحق، ويشمل ما جاء به إبراهيم ﵊ إمام الحنفاء، وما جاء به موسى وعيسى، كما قال الله ﵎، أو كما ذكر الله تعالى ذلك في آيات كثيرة، تدل على أن الشرائع السابقة كلها إسلام لله . ولكنه بالمعنى الخاص: يختص بما بعث به النبي ﷺ ، لأن ما بعث به النبي ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة، فصار من اتبعه مسلماً، ومن خالفه ليس بمسلم، لأنه لم يستسلم لله، بل استسلم لهواه. فاليهود مسلمون في زمن موسى ﵊، والنصارى مسلمون في زمن عيسى ﵊، وأما بعد أن بعث النبي ﷺ فكفروا به فليسوا بمسلمين، ولهذا لا يجوز لأحد أن يعتقد أن دين اليهود والنصارى الذي يدينون به اليوم دين صحيح مقبول عند الله، مساو لدين الإسلام، بل من اعتقد ذلك فهو كافر خارج عن دين الإسلام، لأن الله يقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسلام) (آل عمران: ١٩) ، ويقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) (آل عمران: ٨٥) . وهذا الإسلام الذي أشار الله إليه هو الإسلام الذي امتن الله به على محمد ﷺ وأمته، لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً) (المائدة: ٣) ، وهذا نص صريح في أن من سوى هذه الأمة بعد أن بعث محمد ﷺ ليسوا على الإسلام، وعلى هذا فما يدينون الله به لا يقبل منهم، ولا ينفعهم يوم القيامة، ولا يحل لنا أن نعتبره ديناً قائماً قويماً، ولهذا يخطئ خطأ كبيرا من يصف اليهود والنصارى بأنهم إخوة لنا أو يقول: إن أديانهم اليوم قائمة، لما أسلفناه آنفاً. وإذا قلنا: إن الإسلام هو التعبد لله بما شرع، شمل ذلك الاستسلام له ظاهراً وباطناً، فيشمل الدين كله عقيدة وعملاً وقولاً، أما إذا قرن الإسلام بالإيمان، فإن الإسلام يكون بمعنى الأعمال الظاهرة، من نطق اللسان وعمل الجوارح، والإيمان الأعمال الباطنة، من العقيدة وأعمال القلوب، ويدل على هذا التفريق قوله ﵎: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات: ١٤) ، وقوله تعالى في قصة لوط: (فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٣٥) (فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الذاريات: ٣٥-٣٦) . فإنه فرق هنا بين المؤمنين والمسلمين، لأن البيت الذي كان في القرية بيت إسلامي في ظاهره، إذ إنه يشمل امرأة لوط التي خانته وهي كافرة. وأما من أخرج منها ونجا فإنهم المؤمنون حقا، الذين دخل الإيمان في قلوبهم، ويدل لذلك أي للفرق بين الإيمان والإسلام عند اجتماعهما، حديث عمر بن الخطاب ﵁، وفيه أن جبريل سأل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان، فقال له النبي ﷺ : " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت"، وقال في الإيمان: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" (١) ، فالحاصل أن الإسلام عند الإطلاق يشمل الدين كله، ويدخل فيه الإيمان، وأنه إذا قرن مع الإيمان فسر بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح، وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها.

стр. 51

السؤال (٤٩) : فضيلة الشيخ، إذن هل نفهم من ذلك أن لدينا تعريفاً للإسلام بالمعنى العام وتعريفاً له بالمعنى الخاص ؟ الجواب: نعم لدينا تعريف للإسلام بالمعنى العام، وتعريف له بالمعنى الخاص إذا اقترن بالإيمان وهو ما جاء في حديث الرسول ﷺ وفي الآتين اللتين ذكرتا آنفاً. الطاغوت وأنواعه

стр. 52

السؤال (٥٠) : فضيلة الشيخ، ما هو الطاغوت، وما هي اشتقاقاته ؟ الجواب: الطاغوت مشتق من الطغيان، والطغيان مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: (إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ) (الحاقة: ١١) ، يعني لما زاد عن الحد المعتاد حملناكم في الجارية، يعني في السفينة، وأحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره ابن القيم ﵀ "أنه- أي الطاغوت- كل ما تجاوز به العبد حده، من معبود أو متبوع أو مطاع". فالأصنام التي تعبد من دون الله طواغيت، والعلماء - علماء السوء- الذين يدعون إلى الضلال من الطواغيت أيضاً، الذي يدعون إلى البدع، وإلى تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، أو يزينون لولاة الأمور الخروج عن شريعة الإسلام بنظم يستوردونها مخالفة لنظام الدين الإسلامي لأن هؤلاء تجاوزوا حدهم، فإن حد العالم أن يكون متبعاً لما جاء به النبي ﷺ ، لأن العلماء حقيقة هم ورثة الأنبياء، يرثونهم في أمتهم علماً وعملاً وأخلاقاً ودعوة وتعليماً، فإذا تجاوزوا هذا الحد، وصاروا يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام بمثل هذه النظم فهم طواغيت، لأنهم تجاوزوا ما كان يجب عليهم أن يكونوا عليه من متابعة الشريعة. وأما المطاع في قوله ﵀" أو مطاع"، فيريد بهم الأمراء الذين يطاعون شرعاً أو قدراً، فالأمراء يطاعون شرعاً إذا أمروا بما لا يخالف أمر الله ورسوله، فهم يطاعون هنا شرعاً، كما يطاعون قدراً، فإن الواجب على الرعية إذا أمر ولي الأمر بأمر لا يخالف أمر الله الواجب عليهم السمع والطاعة، وطاعتهم لولاة الأمور في هذه الحال، وبهذا القيد طاعة لله ، ولهذا ينبغي أن نلاحظ حين ننفذ ما أمرت به الدولة مما تجب طاعتها فيه، أن نلاحظ أننا بذلك نتعبد لله تعالى ونتقرب إليه حتى يكون تنفيذنا لهذا الأمر قربة إلى الله ، وإنما ينبغي لنا أن نلاحظ ذلك، لأن الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) . وأما طاعة الأمراء قدراً فإن الأمراء إذا كانوا أقوياء في سلطتهم، إن الناس يطيعونهم بقوة السلطان، وإن لم يكن بوازع الإيمان لأن طاعة ولي الأمر قد تكون بوازع الإيمان، وهذه هي الطاعة النافعة لهم أي لولاة الأمور، والنافعة للناس أيضاً، وقد تكون طاعة ولاة الأمور برادع السلطان، بحيث يكون السلطان قويا يخشى الناس منه ويهابونه، لأنه ينكل بمن خالف أمره، ولهذا نقول: إن الناس مع حكامهم في هذه المسألة ينقسمون إلى أقسام: فتارة: يقوى الوازع الإيماني والرادع السلطاني، وهذه أكمل المراتب وأعلاها، وتارة يضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني، وهذه أدنى المراتب وأخطرها على المجتمع، على حكامه وعلى محكوميه، لأنه إذا ضعف الوازع الإيماني والرادع السلطاني، صارت الفوضى الفكرية والخلقية والعملية. المرتبة الثالثة: أن يقوى الوازع الإيماني ويضعف الرادع السلطاني، وهذه مرتبة وسطى، ينظر فيها أيها أكمل مما إذا قوي الرادع السلطاني وضعف الوازع الإيماني، فإنه في المظهر إذا قوي الرادع السلطاني يكون أصلح للأمة، لكن الأمة إذا اختفت قوة السلطان فلا تسأل عن حالها، وسوء عملها، لأن الوازع الإيماني ضعيف، أما إذا قوي الوازع الإيماني وضعف السلطاني فقد يكون المظهر أدنى من المظهر في المرتبة الأخرى، لكنه فيما بين الإنسان وبين ربه إذا اختفى الرادع السلطاني يكون أصلح. على كل حال هذه مراتب أربع: قوة الإيمان والسلطان وضعف الإيمان والسلطان، وقوة الإيمان وضعف السلطان وضعف الإيمان وقوة السلطان. فالمهم أننا نقول: أنه ينبغي لنا عند تنفيذ أوامر السلطان أن نعتقد أننا بذلك نقترب به إلى الله ، وإنما قال ابن القيم: " إن الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، لأن الأمير أو ولي الأمر الذي يطاع قد يأمر بما يخالف أمر الله ورسوله، فإذا أمر بما يخالف أمر الله ورسوله فإنه لا سمع له ولا طاعة، ولا يجوز لنا أن نطيعه في معصية الله ، لأن الله تعالى جعل طاعتهم تابعة أو جعل طاعتهم تابعة لطاعة الله ورسوله كما يفهم من سياق الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) ، ولم يقل: وأطيعوا أولى الأمر، فدل هذا على أن طاعتهم غير مستقلة، بل هي تابعة لطاعة الله ورسوله، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن الطاعة بالمعروف أو في المعروف، أي فيما أقره الشرع، وأما ما أنكره فلا يجوز أن يطاع فيه أي مخلوق، حتى لو كان الوالد أو الوالدة يأمرانك بمعصية الله، فإنه لا يحل لك أن تطيعهما، لأن طاعة الله مقدمة على كل طاعة، فإذا أطاع الإنسان أميره أو ولي أمره في معصية الله فقد تجاوز به حده. عقيدة المسلمين في عيسى

стр. 53

السؤال (٥١) : فضيلة الشيخ، ما هي عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم ﵇؟ وما حكم القول بقتله وصلبه . الجواب: عقيدة المسلمين في عيسى ابن مريم ﵊، أنه أحد الرسل الكرام، بل أحد الخمسة الذين هم أولو العزم، وهم: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح عليهم الصلاة والسلام، ذكرهم الله تعالى في موضعين من كتابه فقال في سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) (الأحزاب: ٧) ، وقال في سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: ١٣) . وأن عيسى ﵊ بشر من بني آدم مخلوق من أم بلا أب، وأنه عبد الله ورسوله، فهو عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، وأنه ليس له من خصائص الربوبية شيء، بل هو كما قال الله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائيلَ) (الزخرف: ٥٩) . وأنه ﵊ لم يأمر قومه بأن يتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وإنما قال لهم ما أمره الله به (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ) (المائدة: ١١٧) ، وأنه أي عيسى ﵊ خلق بكلمة الله ، كما قال الله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران: ٥٩) ، وأنه ليس بينه وبين النبي ﷺ رسول، كما قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف: ٦) . ولا يتم إيمان أحد حتى يؤمن بأن عيسى عبد الله ورسوله وأنه مبرأ ومنزه عما وصفه به اليهود، الذين قالوا: إنه ابن بغي، وأنه نشأ من زنا والعياذ بالله، وقد برأه الله تعالى من ذلك، كما أنهم أي المسلمين يتبرؤون من طريق النصارى، الذين ضلوا في فهم الحقيقة بالنسبة إلى عيسى ابن مريم، حيث اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، وقال بعضهم: "إنه ابن الله"، وقال بعضهم: "إن الله ثالث ثلاثة". أما فيما يتعلق بقتله وصلبه فإن الله قد نفى أن يكون قتل أو صلب نفياً صريحاً قاطعاً، فقال : (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) (١٥٧) (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (١٥٨) (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) (النساء: ١٥٧-١٥٩) . فمن اعتقد أن عيسى ابن مريم ﵊ قتل وصلب فقد كذب القرآن، ومن كذب القرآن فقد كفر، فنحن نؤمن بأن عيسى ﵊ لم يقتل ولم يصلب، ولكننا نقول: إن اليهود باؤوا بإثم القتل والصلب، حيث زعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وهم لم يقتلوه حقيقة، بل قتلوا من شبه لهم، حيث ألقى الله شبهه على واحد منهم فقتلوه وصلبوه، وقالوا: إنا قتلنا المسيح ابن مريم رسول الله، فاليهود باؤوا بإثم القتل بإقرارهم على أنفسهم، وإثم الصلب، والمسيح عيسى ابن مريم برأه الله تعالى من ذلك وحفظه ورفعه عنده إلى السماء، وسوف ينزل في آخر الزمان إلى الأرض، فيحكم بشريعة النبي ﷺ ، ثم يموت في الأرض، ويدفن فيها، ويخرج منها كما يخرج منها سائر بني آدم، لقول الله تعالى: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى) (طه: ٥٥) وقوله: (قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ) (الأعراف: ٢٥) . افتراق الأمة

стр. 54

السؤال (٥٢) : فضيلة الشيخ، إلى كم افترقت الأمة الإسلامية بعد نبيها محمد ﷺ ؟ الجواب: أخبر النبي ﷺ فيما صح عنه أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، وهذه الفرق كلها في النار إلا واحدة، وهي من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه (١) ، وهذه الفرقة هي الفرقة الناجية، التي نجت في الدنيا من البدع، وتنجو في الآخرة من النار، وهي الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة، التي لا تزال ظاهرة قائمة بأمر الله . وهذه الفرق الثلاث والسبعون، التي واحدة منها على الحق، والباقي على الباطل، حاول بعض الناس أن يعددها، وشعب أهل البدع إلى خمس شعب، وجعل من كل شعبة فروعاً، ليصلوا إلى هذا الحد، وإلى هذا العدد الذي عينه النبي ﷺ ، ورأى بعض الناس أن الأولى الكف عن التعداد، لأن هذه الفرق ليست وحدها هي التي ضلت، بل قد ضل أناس ضلالاً أكثر مما كانت عليه من قبل، وحدثت بعد أن حصرت هذه الفرق باثنتين وسبعين فرقة، وقالوا: إن هذا العدد لا ينتهي ولا يمكن العلم بانتهائه إلا في آخر الوقت، في آخر الزمان عند قيام الساعة. فالأولى أن نجمل ما أجمله النبي ﷺ ونقول إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ثم نقول: كل من خالف ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فهو داخل في هذه الفرق، وقد يكون الرسول ﵊ قد أشار إلى أصول لم نعلم منها الآن إلا ما يبلغ العشرة، وقد يكون أشار إلى أصول تتضمن فروعاً، كما ذهب إليه بعض الناس، فالعلم عند الله . خصائص الفرقة الناجية

стр. 55

السؤال (٥٣) : فضيلة الشيخ، ما هي أبرز خصائص الفرقة الناجية ؟ الجواب: أبرز خصائص الفرقة الناجية هي التمسك بما كان عليه النبي ﵊ في العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملة، هذه الأمور الأربعة تجد الفرقة الناجية بارزة فيها. ففي العقيدة: تجدها متمسكة بما دل عليه الكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، من التوحيد الخالص في ربوبية الله وألوهيته، وأسمائه وصفاته. وفي العبادات: تجد هذه الفرقة متميزة في تمسكها التام وتطبيقها لما كان النبي عليه الصلاة السلام عليه في العبادات، في أجناسها، وصفاتها، وأقدارها، وأزمنتها، وأمكنتها، وأسبابها، فلا تجد عندهم ابتداعاً في دين الله، بل هم متأدبون غاية التأدب مع الله ورسوله، لا يتقدمون بين يدي الله ورسوله، في إدخال شيء من العبادات لم يأذن به الله . تجدهم أيضاً في الأخلاق متميزين عن غيرهم بحسن الأخلاق، بمحبة الخير للمسلمين، بانشراح الصدر، بطلاقة الوجه، بحسن المنطق، إلى غير ذلك من مكارم الأخلاق ومحاسنها. وفي المعاملات تجدهم يعاملو الناس بالصدق والبيان اللذين أشار إليهما النبي ﷺ في قوله: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما، وإذا كذبا وكتما، محقت بركة بيعهما" (١) ، فهذه الميزة والعلامة لأهل السنة والجماعة، للفرقة الناجية التي كانت على ما كان عليه النبي ﷺ . تأثير نقص بعض الخصائص

стр. 56

السؤال (٥٤) : فضيلة الشيخ، لكن هل يلزم توافر أو تكامل هذه الخصائص في الأمور الأربعة وهي: العقيدة، والعبادة، والأخلاق، والمعاملات، دون نقص؟ وهل إذا نقص منها شيء يخرج الإنسان بذلك من الفرقة الناجية أم أن النقص لا يخرجه من ذلك ؟ الجواب: النقص من هذه لا يخرج الإنسان عن كونه من الفرقة الناجية، لكن كما قال تعالى: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) (الأنعام: ١٣٢) ، ربما الإخلال في جانب التوحيد، أو جانب البدع، يخرج الإنسان عن هذه الفرقة الناجية، مثل أن يدخل في عباداته أو يكون الإخلال بالإخلاص، وكذلك في البدع، لكن في مسألة الأخلاق والمعاملات، فالإخلال بها لا يخرج الإنسان من هذه الفرقة الناجية وإن كان آثماً على إخلاله بذلك.

стр. 57

السؤال (٥٥) : فضيلة الشيخ، هل هناك إضافة حول خصائص هذه الفرقة الناجية ؟ الجواب: الحقيقة أنه ليس هناك من إضافة، لأن الأصول الأربعة التي ذكرناها واضحة وكافية، لكن قد نحتاج إلى تفصيل في مسألة الأخلاق، فإن من أهم ما يكون من الأخلاق: اجتماع الكلمة، والاتفاق على الحق الذي أوصانا الله به في قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: ١٣) . وأخبر أن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً أن محمداً ﷺ بريء منهم، فقال الله : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) (الأنعام: ١٥٩) ، فاتفاق الكلمة وائتلاف القلوب من أبرز خصائص الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، فهم أعني الفرقة الناجية إذا حصل بينهم خلاف ناشئ عن اجتهاد في الأمور الاجتهادية، لا يحمل بعضهم على بعض حقداً ولا عداوة ولا بغضاء، بل يعتقدون أنهم إخوة، حتى وإن حصل بينهم هذا الخلاف، حتى إن يصلى الواحد منهم خلف الشخص، يعتقد المأموم أنه ليس على وضوء، ويعتقد الإمام أنه على وضوء، مثل أن يصلي الواحد منهم خلف شخص أكل لحم إبل، وهذا الإمام يعتقد أنه لا ينقض الوضوء، والمأموم يعتقد أنه ينقض الوضوء فيرى أن الصلاة خلف ذلك الإمام صحيحة، وإن كان هو لو صلاها بنفسه لرأى أن صلاته غير صحيحة، كل هذا لأنهم يرون أن الخلاف الناشئ عن اجتهاد فيما يسوغ فيه الاجتهاد ليس في الحقيقة بخلاف، لأن كلا من المختلفين قد تبع ما يجب عليهما إتباعه من الدليل الذي لا يجوز له العدول عنه، فهم يرون أن أخاهم إذا خالفهم في عمل ما إتباعاً للدليل، هو في الحقيقة قد وافقهم، لأنهم هم يدعون إلى إتباع الدليل أينما كان، فإذا خالفهم موافقة للدليل عنده، فهو في الحقيقة قد وافقهم، لأنه تمشى على ما يدعون إليه، ويهدفون إليه، من تحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولا يخفى على كثير من أهل العلم، ما حصل من الخلاف بين الصحابة في مثل هذه الأمور، حتى في عهد نبيهم ﷺ ولم يعنف أحداً منهم، فإنه ﵊ لما رجع من غزوة الأحزاب، وجاءه جبريل، وأشار إليه أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد، ندب النبي ﷺ أصحابه فقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" (١) . فخرجوا من المدينة إلى بني قريظة، وأرهقتهم صلاة العصر، فمنهم من أخر صلاة العصر حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت، ولم يصل إلا بعد غروب الشمس، لأن النبي ﷺ قال: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"ومنهم من صلى الصلاة لوقتها، وقال: إن الرسول ﷺ أراد منا المبادرة للخروج، ولم يرد منا أن نؤخر الصلاة عن وقتها، وهؤلاء هم المصيبون، لكن مع ذلك لم يعنف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين، ولم يحمل كل واحد على الآخر عداوة أو بغضاء بسبب اختلافهم في فهم هذا النص. لذلك أرى أن الواجب على المسلمين الذين ينتسبون إلى السنة أن يكونوا أمة واحدة، وألا يحصل بينهم تحزب، هذا ينتمي إلى طائفة ما، والآخر ينتمي إلى طائفة أخرى، والثالث إلى طائفة ثالثة وهكذا، بحيث يتناحرون فيما بينهم بأسنة الألسن، ويتعادون ويتباغضون من أجل اختلاف يسوغ فيه الاجتهاد، ولا حاجة إلى أن أنص على طائفة بعينها، ولكن العاقل يفهم ويتبين له الأمر، فأرى أنه يجب على أهل السنة والجماعة أن يتحدوا حتى وإن اختلفوا فيما يختلفون فيه مما تقتضيه النصوص حسب أفهامهم، فإن هذا أمر فيه سعة ولله الحمد، والمهم ائتلاف القلوب، واتحاد الكلمة، ولا ريب أن أعداء المسلمين يحبون من المسلمين أن يتفرقوا، سواء كانوا أعداء يصرحون بالعداوة أو أعداء يتظاهرون بالولاية للمسلمين أو للإسلام، وهم ليسوا كذلك، فالواجب أن نتميز بهذه الميزة التي هي ميزة الطائفة الناجية وهي الاتفاق على كلمة واحدة. التوسل الصحيح والتوسل الباطل

стр. 58

السؤال (٥٦) : فضيلة الشيخ، ما هو التوسل الصحيح والتوسل الباطل ؟ الجواب: التوسل: مصدر توسل يتوسل، إذا اتخذ وسيلة توصله إلى مقصوده، فأصله: طلب الوصول إلى الغاية المقصودة، وينقسم إلى قسمين: قسم صحيح: وهو التوسل بالوسيلة الصحيحة الموصلة إلى المطلوب. وقسم غير صحيح: وهو التوسل بوسيلة لا توصل إلى المقصود. فأما الأول: وهو التوسل بالوسيلة الموصلة إلى المقصود: فإنه أنواع: منها: التوسل بأسماء الله وصفاته، سواء كان ذلك على سبيل العموم أو على سبيل الخصوص، مثاله على سبيل العموم: ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ في دعاء الهم والغم: قال " اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك اللهم بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي.." (١) ، إلى آخره، فهنا توسل بأسماء الله على سبيل العموم، وذلك في قوله: " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك". أما الخصوص: فأن يتوسل باسم خاص، لحاجة خاصة تناسب هذا الاسم، مثل ما جاء في حديث أبي بكر ﵁، حيث طلب من النبي ﷺ دعاء يدعو به في صلاته، فقال: " قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كبيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم" (٢) ، فطلب المغفرة والرحمة، وتوسل إلى الله تعالى باسمين من أسمائه مناسبين للمطلوب، فقال "إنك أنت الغفور الرحيم" وهذا النوع من التوسل داخل في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: ١٨٠) ، فإن الدعاء هنا يشمل دعاء المسألة، ودعاء العبادة. أما التوسل إلى الله تعالى بصفاته، فهو أيضاً كالتوسل بأسمائه، يكون عاماً وخاصا، أما العام فأن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا، ثم تذكر مطلوبك، وإما الخاص فأن تتوسل إلى الله تعالى بصفة معينة خاصة لمطلوب خاص، مثل ما جاء في الحديث: " اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، أحيني إذا علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيراً لي" (٣) ، فهنا توسل إلى الله تعالى بصفة العلم والقدرة " بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق".. هذا نوع. النوع الثاني: أن يتوسل الإنسان إلى الله ، بالإيمان به وبرسوله فيقول: اللهم إني آمنت بك وبرسولك، فاغفر لي أو فوقفني أو يقول " اللهم بإيماني بك وبرسولك أسألك كذا وكذا"، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (: ١٩٠) (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ) (آل عمران١٩١) إلى قوله: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) (آل عمران: ١٩٠-١٩٣) ، فتوسلوا إلى الله تعالى بالإيمان به، أن يغفر لهم الذنوب، ويكفر عنهم السيئات ويتوفاهم مع الأبرار. النوع الثالث: أن يتوسل إلى الله بالعمل الصالح، ومنه قصة النفر الثلاثة الذين آووا إلى غار ليبيتوا فيه، فانطبق عليهم الغار، انطبق عليهم بصخرة لا يستطيعون زحزحتها، فتوسل كل منهم إلى الله بعمل صالح فعله، أحدهم توسل إلى الله تعالى ببره بوالديه، والثاني بعفته التامة، والثالث بوفائه لأجيره، قال: كل منهم اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فأفرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة (٤) ، فهذا توسل إلى الله بالعمل الصالح. النوع الرابع: أن يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله، يعني أن الداعي يتوسل إلى الله تعالى بذكر حاله وما هو عليه من الحاجة، ومنه قول موسى ﵊: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص: ٢٤) ، فهو بذلك يتوسل إلى الله بذكر حاله أن ينزل إليه الخير، ويقرب من ذلك قول زكريا ﵊: (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً) (مريم: ٤) ، فهذه أنواع من التوسل كلها جائزة، لأنها أسباب صالحة لحصول المقصود بالتوسل بها. نوع خامس من التوسل

стр. 59

السؤال (٥٧) : فضيلة الشيخ، هل هناك أنواع أخرى من التوسل غير أنواع التوسل الأربعة التي ذكرتموها ؟ الجواب: نعم، هناك توسل زائد عن الأربعة السابقة، وهو التوسل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الذي ترجى إجابته، فإن الصحابة ﵃ كانوا يسألون النبي ﷺ أن يدعو الله لهم بدعاء عام وبدعاء خاص، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁، أن رجلاً دخل يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل فادع الله يغيثنا، فرفع النبي ﷺ يديه وقال: " اللهم أغثنا" ثلاث مرات، فما نزل ﷺ من منبره إلا والمطر يتحادر من لحيته، وبقي المطر أسبوعاً كاملاً، وفي الجمعة الأخرى جاء ذلك الرجل أو غيره، والنبي ﷺ يخطب، فقال: يا رسول الله، غرق المال، وتهدم البناء، فادع الله تعالى أن يمسكها عنا، فرفع النبي ﷺ يديه وقال " اللهم حوالينا ولا علينا" فما يشير إلى ناحية من السماء إلا انفرجت، حتى خرج الناس يمشون في الشمس (١) ، وهناك عدة وقائع سأل الصحابة النبي ﷺ أن يدعو الله لهم على وجه الخصوص. فمن ذلك: أن النبي ﷺ لما ذكر أن في أمته سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، قام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم" (٢) . فهذا أيضاً من التوسل الجائز، أن يطلب الإنسان من شخص أن يدعو الله تعالى له، إذا كان هذا الشخص مرجو الإجابة، إلا أن الذي ينبغي على هذا السائل الذي سأل الشخص أن يدعو له أن يريد بذلك منفعة نفسه ومنفعة أخيه الذي طلب منه الدعاء، حتى لا يتمحض السؤال لنفسه خاصة، لأنك إذا أردت نفع أخيك ونفع نفسك، صار في هذا إحسان له، فإن الإنسان إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين ولك بمثله، وكذلك إذا دعا له أخوه، فإنه يكون من المحسنين بهذا الدعاء، والله يحب المحسنين. التوسل الباطل وأقسامه

стр. 60

السؤال (٥٨) : فضيلة الشيخ، بعد أن عرفنا التوسل الصحيح وأقسامه، لابد لنا من معرفة التوسل الباطل، وهل له أقسام أيضاً ؟ الجواب: التوسل الباطل أن يتوسل الإنسان إلى الله تعالى بما لم يكن وسيلة، أي بما لم يثبت في الشرع أنه وسيلة، لأن التوسل بمثل ذلك من اللغو والباطل والمخالف للمعقول والمنقول، ومن ذلك أن يتوسل الإنسان إلى الله بدعاء ميت، يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له، فإن هذا ليس وسيلة شرعية صحيحة، بل هو سفه من الإنسان أن يطلب من هذا الميت أن يدعو الله له، لأن الميت إذا مات انقطع عمله، ولا يمكن أن يدعو لأحد، حتى النبي ﷺ لا يمكن أن يدعو لأحد بعد موته ﵊، ولهذا لم يتوسل الصحابة ﵃ إلى الله بطلب الدعاء من رسوله ﷺ بعد موته، فإن الناس لما أصابهم الجدب في عهد عمر بن الخطاب ﵁ قال: اللهم إن كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فقام العباس ﵁ فدعا الله (١) ، ولو كان طلب الدعاء من الميت سائغاً ووسيلة صحيحة، لكان عمر ومن معه من الصحابة يطلبون ذلك من رسول الله ﷺ ، لأن إجابة دعائه أقرب من إجابة دعاء العباس بن عبد المطلب ﵁. فالمهم أن التوسل إلى الله تعالى بطلب الدعاء من الميت توسل باطل لا يحل ولا يجوز. ومن التوسل الذي ليس بصحيح: أن يتوسل الإنسان إلى الله بجاه النبي ﷺ فيقول: اللهم إني أسألك بجاه نبيك كذا وكذا، وذلك أن جاه الرسول ﵊ ليس مفيداً بالنسبة إليك، لأنه لا يفيد إلا الرسول ﵊، أما بالنسبة لك فليس بمفيد حتى تتوسل إلى الله تعالى به، والتوسل كما قلنا اتخاذ الوسيلة الصالحة التي تثمر، فما فائدتك أنت من كون الرسول ﵊ له جاه عند الله؟ وإذا أردت أن تتوسل إلى الله على وجه صحيح، فقل: اللهم إني أسألك بإيماني برسولك، أو بالمحبة لرسولك أو ما أشبه ذلك، فإن هذا من الوسيلة الصحيحة النافعة. الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية

стр. 61

السؤال (٥٩) : فضيلة الشيخ، ما هي الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية ؟ الجواب: الشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو ضد الوتر، وهو جعل الوتر شفعاً، مثل أن نجعل الواحد اثنين، والثلاثة أربعة وما أشبهها، هذا من حيث اشتقاقها في اللغة. أما معناها فهي: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، يعني أن يقوم الشافع بين المشفوع إليه والمشفوع له واسطة، ليجلب منفعة إلى المشفوع له، أو يدفع عنه مضرة. والشفاعة نوعان: شفاعة ثابتة وصحيحة، وشفاعة باطلة لا تنفع أصحابها. أما الشفاعة الثابتة الصحيحة: فهي التي أثبتها الله تعالى في كتابه، وأثبتها رسوله ﷺ ، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، لأن أبا هريرة ﵁ قال: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه" (١) وهذه الشفاعة لها شروط ثلاثة: الشرط الأول: رضا الله عن الشافع. والشرط الثاني: رضا الله عن المشفوع له. والشرط الثالث: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع. وهذه الشروط مجموعة في قوله تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (لنجم: ٢٦) ، ومفصلة في قوله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) (البقرة: من الآية٢٥٥) ، وفي قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً) (طه: ١٠٩) ، وقوله: (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) (الأنبياء: ٢٨) ، فلابد من هذه الشروط حتى تتحقق الشفاعة. وبناء على ذلك نعرف النوع الثاني، وهي الشفاعة الباطلة التي لا تنفع أصحابها، وهي ما يدعيه المشركون من شفاعة آلهتهم لهم عند الله ، فإن هذه الشفاعة لا تنفعهم كما قال الله تعالى: (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) (المدثر: ٤٨) ، وذلك لأن الله تعالى لا يرضي لهؤلاء المشركين شركهم، ولا يمكن أن يأذن بالشفاعة لهم، لأنه لا شفاعة إلا لمن ارتضاه الله ، والله لا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد، فتعلق المشركين بآلهتهم التي يعبدونها ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله، تعلق باطل غير نافع، بل هذا لا يزيدهم من الله تعالى إلا بعداً. ثم إن الشفاعة الثابتة النافعة، ذكر العلماء ﵏ أنها تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة، ومعنى العموم: أن الله يأذن لمن شاء من عباده الصالحين أن يشفعوا لمن أذن الله لهم بالشفاعة فيهم. والخاصة: التي تختص بالنبي ﷺ ، وأعظمها: الشفاعة العظمى التي تكون يوم القيامة، حين يلحق الناس من الغم والكرب مالا يطيقون، فيطلبون من يشفع لهم إلى الله أن يريحهم من هذا الموقف العظيم، فيذهبون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، وكلهم لا يشفع، حتى تنتهي إلى النبي ﷺ ، فيقوم ويشفع عند الله أن يخلص عباده من هذا الموقف العظيم، فيجيب الله دعاءه ويقبل شفاعته، وهذا من المقام المحمود الذي وعده الله تعالى به في قوله: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً) (الاسراء: ٧٩) . ومن الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ : شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فإن أهل الجنة إذا عبروا الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فتمحص قلوبهم بعضهم من بعض، حتى يهذبوا وينقوا، ثم يؤذن لهم في دخول الجنة، ولكن لا يدخلونها إلا بعد شفاعة النبي ﷺ إلى الله أن يدخلوا الجنة، فتفتح أبواب الجنة بشفاعة النبي ﷺ . وأما الشفاعة العامة له ولغيره من عباد الله الصالحين، فهي أن يشفع في أهل النار من المؤمنين - أي من عصاة المؤمنين - الذين لا يستحقون الخلود في النار يشفع فيهم أن يخرجوا من النار، وهذه الشفاعة ثابتة له ولغيره من النبيين والشهداء والصالحين. والله أعلم. عقيدة السلف في القرآن الكريم

стр. 62

السؤال (٦٠) : فضيلة الشيخ، ما هي عقيد السلف في القرآن الكريم ؟ الجواب: عقيدة السلف في القرآن الكريم كعقيدتهم في سائر صفات الله تعالى وأسمائه، وهي عقيدة مبنية على ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكلنا يعلم أن الله وصف القرآن الكريم بأنه كلامه، وأنه منزل من عنده، فقال جل وعلا: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) (التوبة: ٦) ، والمراد بلا ريب بكلام الله هنا: القرآن الكريم، وقال تعالى: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (النمل: ٧٦) ، فالقرآن كلام الله تعالى لفظاً ومعنى، تكلم به حقيقة، وألقاه إلى جبريل الأمين، ثم نزل به جبريل على قلب النبي ﷺ ، ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، ويعتقد السلف أن القرآن منزل نزله الله على محمد ﷺ منجماً في ثلاث وعشرين سنة، حسب ما تقتضيه حكمة الله . ثم إن نزوله يكون ابتدائياً ويكون سببياً، بمعنى أن بعضه ينزل لسبب معين اقتضى نزوله، وبعضه ينزل بغير سبب، وبعضه ينزل في حكاية حال مضت للنبي ﷺ وأصحابه، وبعضه ينزل في أحكام شرعية ابتدائية، على حسب ما ذكره أهل العلم في هذا الباب، ثم إن السلف يقولون: إن القرآن من عند الله ابتداءً، وإليه يعود في آخر الزمان، هذا هو قول السلف في القرآن الكريم. ولا يخفى علينا جميعاً أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بأوصاف عظيمة، وصفه بأنه حكيم، وبأنه كريم، وبأنه عظيم، وبأنه مجيد، وهذه الأوصاف التي وصف الله بها كلامه، تكون لمن تمسك بهذا الكتاب، وعمل به ظاهراً وباطناً، فإن الله تعالى يجعل له من المجد، والعظمة، والحكمة، والعزة، والسلطان، ما لا يكون لم يتمسك بكتاب الله ، ولهذا أدعو من هذا المنبر جميع المسلمين، حكاماً ومحكومين، علماء وعامة، أدعوهم إلى التمسك بكتاب الله ظاهراً وباطناً، حتى ينالوا رضا الله، وتكون لهم العزة، والسعادة، والمجد، والظهور في مشارق الأرض ومغاربها. أبرز أحكام التلاوة

стр. 63

السؤال (٦١) : فضيلة الشيخ، ما هي أبرز أحكام التلاوة ؟ الجواب: الذي ينبغي لتالي القرآن أن يكون على طهر من الحدثين الأصغر والأكبر، ولا يجوز له أن يقرأن القرآن وعليه حدث أكبر، فالجنب مثلاُ لا يقرأ القرآن حتى يغتسل، لأن السنة وردت بالمنع منه في حال الجنابة، أما الحائض فقد اختلف أهل العلم هل يجوز لها أن تقرأ القرآن؟ اختلفوا في ذلك على قولين: فمنهم من قال: إنه يجوز أن تقرأ القرآن، لأنه ليس في منعها من القرآن سنة صريحة، والأصل براءة الذمة وعدم الإلزام، كما أن الأصل أيضاً عدم المنع، ويرى بعض أهل العلم أنه لا يجوز لها أن تقرأ القرآن وهي حائض، لأنها ممن يلزمها الغسل، فهي كالجنب، ولأنه روي عن النبي ﷺ في ذلك أحاديث تدل على المنع، والذي أرى في هذه المسألة أنها لا تقرأ القرآن إذا كان غرضها بذلك مجرد التلاوة، أما إذا كانت تريد أن تقرأ القرآن لحاجة، تخشى نسيانه مثلاُ، أو تقرئه أبناءها أو بناتها أو الطالبات إن كانت مدرسة، أو تكون طالبة تريد أن تقرأه لإسماع المدرسة، فإن هذا لا بأس به للحاجة، وكذلك لا بأس أن تقرأ الآيات التي تكون ورداً كآية الكرسي، لأن هذا حاجة، فيكون هذا القول الذي أراه أقرب إلى الصواب مبنيا على حاجة المرأة الحائض، إن احتاجت للتلاوة فلها أن تقرأ القرآن، وإن لم تحتج فلا تقرأ القرآن. كذلك ينبغي لقارئ القرآن أن يكون مستحضراً في قلبه ما تدل عليه كلمات القرآن العظيم من المعاني الجليلة، سواء كانت هذه الآيات تتضمن الأخبار والقصص أو الأحكام، لأن الله أنزل القرآن لهذه الحكمة (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) (صّ: ٢٩) . والإنسان يجد الفرق العظيم إذا تلا القرآن وقلبه غافل، وإذا تلا القرآن وقلبه حاضر يتدبر ما يقول، يجد الفرق العظيم بين هذه الحال والحال الأخرى، ويجد أنه ينتفع أكثر إذا قرأ القرآن بتدبر وتفكر، فإن ذلك يؤثر في قلبه قوة الإيمان والتصديق، وقوة الانقياد والإذعان للأحكام التي يتضمنها كتاب الله . وأما ما ينبغي أن تكون التلاوة عليه: فينبغي أن تكون التلاوة تلاوة هادئة، ليس فيها سرعة تسقط بعض الحروف، أو تخفى بها الكلمات، بل يقرأ القرآن بتمهل وترسل، ولا بأس بالعجلة أحياناً، بشرط ألا يسقط الحروف أو شيئاً منها، أو يدغم مالا يجوز إدغامه أو ما أشبه ذلك.

стр. 64

السؤال (٦٢) : فضيلة الشيخ، ما حكم التلاوة لروح الميت ؟ الجواب: التلاوة لروح الميت، يعني أن يقرأ القارئ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، فقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فمنهم من يرى أن ذلك غير مشروع، وأن الميت لا ينتفع به، أي لا ينتفع بالقرآن في هذه الحال، ومنهم من يرى أنه ينتفع بذلك، وأنه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنه لفلان أو لفلانة من المسلمين، سواء كان قريباً له أم غير قريب له، وهذا هو الأرجح، لأنه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت، كما في حديث سعد بن عبادة ﵁، حين تصدق بمخرافه - أي ببستانه -لأمه (١) ، وكما في قصة الرجل الذي قال للنبي ﵊: إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم" (٢) . وهذه قضايا أعيان، تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز، وهو كذلك، ولكن أفضل من هذا أن يدعو للميت، وأن يجعل الأعمال الصالحة لنفسه، لأن النبي ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (٣) ، ولم يقل: أو ولد صالح يتلو له، أو يصلي له، أو يصوم له، أو يتصدق عنه، بل قال: أو ولد صالح يدعو له، والسياق في سياق العمل فدل ذلك على أن الأفضل أن يدعو الإنسان للميت. لا أن يجعل له شيئاً من الأعمال الصالحة، والإنسان محتاج إلى العمل الصالح، أن يجد ثوابه مدخراً له عند الله . أما ما يفعل بعض الناس من التلاوة للميت بعد موته بأجرة، مثل أن يحضر قارئاً يقرأ القرآن بأجرة، ليكون ثوابه للميت، فإن هذا بدعة، ولا يصل إلى الميت ثوابه، لأن هذا القارئ إنما قرأ من أجل الدنيا، ومن أتى بعبادة من أجل الدنيا، فإنه لا حظ له منها في الآخرة، كما قال الله ﵎: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ) (١٥) (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (هود: ١٥-١٦) وإني بهذه المناسبة أوجه نصيحة إلى إخواني الذين يعتادون مثل هذا العمل، أن يحفظوا أموالهم لأنفسهم أو لورثة الميت، وأن يعلموا أن هذا العمل بدعة في ذاته، وأن الميت لا يصل إليه ثوابه، لأن القارئ الذي ليس له نية في قراءته إلا أخذ الأجرة، ليس له ثواب عند الله ، وحينئذ يكون أخذ الأموال ولم ينتفع الميت بذلك. قراءة الفاتحة لروح النبي ﷺ

стр. 65

السؤال (٦٣) : فضيلة الشيخ، بالنسبة للذين يوصون أن تقرأ الفاتحة لروح النبي ﷺ أو له عند قبر النبي ﷺ ؟ الجواب: هذه الوصية لا يلزم تنفيذها، لأنها وصية بأمر غير مشروع، فالنبي ﷺ لا يشرع لأحد أن يعبد الله، ثم يجعل ثواب العبادة للرسول ﷺ ، لأن هذا لو كان مشروعاً لكان أسبق الناس إليه الصحابة ﵃، ولأن النبي ﷺ لا يحتاج لمثل هذا، فإنه ما من إنسان يعمل عملاً صالحاً إلا كان للنبي ﷺ مثل أجره، لأنه هو الذي دل عليه، " والدال على الخير كفاعله" (١) ، فهذا يكون من العبث، ومن البدعة التي لم ترد عن السلف الصالح ﵃، وكذلك لو قال: تقرأ الفاتحة عند قبر النبي ﷺ ، لي، فإنه لا يلزم الوفاء بهذه الوصية، لأن تخصيص مكان بعبادة معينة لم يرد بها الشرع من البدع، كما هو معلوم في البحث عن ذكر المتابعة للرسول ﵊، وأنه لا تحقق المتابعة حتى توافق العبادة الشريعة في أمور ستة: في سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.

стр. 66

فتاوى الطهارة حقيقة الطهارة

стр. 67

السؤال (٦٤) : فضيلة الشيخ، ما هي الطهارة ؟ الجواب: الطهارة معناها: النظافة والنزاهة، وهي في الشرع على نوعين: طهارة معنوية، وطهارة حسية، أما الطهارة المعنوية: فهي طهارة القلوب من الشرك والبدع في عبادة الله، ومن الغل، والحقد، والحسد، والبغضاء، والكراهة، وما أشبه ذلك في معاملة عباد الله الذين لا يستحقون هذا. أما الطهارة الحسية: فهي طهارة البدن، وهي أيضاً نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة وإزالة الخبث. نتكلم أولاً عن الطهارة المعنوية: وهي طهارة القلب من الشرك والبدع فيما يتعلق بحقوق الله ، وهذا هو أعظم الطهارتين، ولهذا تنبني عليه جميع العبادات، فلا تصح أي عبادة من شخص ملوث قلبه بالشرك، ولا تصح أي بدعة يتقرب بها الإنسان إلى الله ، وهي مما لم يشرعه الله ، قال الله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) (التوبة: ٥٤) ، وقال النبي ﷺ : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) . وعلى هذا، فالمشرك بالله شركاً أكبر لا تقبل عبادته وإن صلى وإن صام وزكى وحج، فمن كان يدعو غير الله ، أو يعبد غير الله فإن عبادته لله غير مقبولة، حتى وإن كان يتعبد لله تعالى عبادة يخلص فيها لله، ما دام قد أشرك بالله شركاً أكبر من جهة أخرى. ولهذا وصف الله المشركين بأنهم نجس، فقال تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ٢٨) ، ونفى النبي ﷺ النجاسة عن المؤمن، فقال ﷺ "إن المؤمن لا ينجس" (٢) ، وهذا هو الذي ينبغي للمؤمن أن يعتني به عناية كبيرة ليطهر قلبه منه. كذلك أيضاً يطهر قلبه من الغل والحقد والحسد والبغضاء والكراهة للمؤمنين، لأن هذه كلها صفات ذميمة ليست من خلق المؤمن، فالمؤمن أخو المؤمن، لا يكرهه ولا يعتدي عليه، ولا يحسده، بل يتمنى الخير لأخيه كما يتمنى الخير لنفسه، حتى إن الرسول ﷺ نفى الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فقال ﵊: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (٣) ، ونرى كثيراً من الناس أهل خير وعبادة وتقوى وزهد، ويكثرون التردد إلى المساجد، ليعمروها بالقراءة والذكر والصلاة، لكن يكون لديهم حقد على بعض إخوانهم المسلمين، أو حسد لمن أنعم الله عليه بنعمة، وهذا يخل كثيراً فيما يسلكونه من عبادة الله ، فعلى كل منا أن يطهر قلبه من هذه الأدناس بالنسبة لإخوانه المسلمين. أما الطهارة الحسية: فهي كما قلت نوعان: إزالة وصف يمنع من الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة، وإزالة خبث. فأما إزالة الوصف: فهي رفع الحدث الأصغر والأكبر، بغسل الأعضاء الأربعة في الحدث الأصغر، وغسل جميع البدن في الحدث الأكبر، إما بالماء لمن قدر عليه، وإما بالتيمم لمن لم يقدر على الماء، وفي هذا أنزل الله تعالى قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٦) . أما النوع الثاني: فهو الطهارة من الخبث، أي من النجاسة، وهي كل عين أوجب الشرع على العباد أن يتنزهوا منها ويتطهروا منها، كالبول والغائط ونحوهما مما دلت السنة بل مما دلت الشريعة على نجاسته، ولهذا قال الفقهاء ﵏: الطهارة إما عن حدث وإما عن خبث، ويدل لهذا النوع أعني الطهارة من الخبث ما رواه أهل السنن أن الرسول ﷺ صلى بأصحابه ذات يوم فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما أنصرف النبي ﷺ سألهم أي سأل الصحابة-: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال ﷺ : إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما أذى" (٤) ، يعني قذراً، فهذا هو الكلام على لفظ الطهارة. الأصل في التطهير

стр. 68

السؤال (٦٥) : فضيلة الشيخ، ما هو الأصل في التطهير ؟ الجواب: أما الطهارة من الحدث فالأصل فيها الماء، ولا طهارة إلا بالماء، سواء كان الماء نقياً أم متغيراً بشيء طاهر، لأن القول الراجح أن الماء إذا تغير بشيء طاهر وهو باق على أسم الماء، أنه لا تزول طهوريته، بل هو طهور، طاهر في نفسه، مطهر لغيره. فإن لم يوجد الماء، أو خيف الضرر باستعماله، فإنه يعدل عنه إلى التيمم بضرب الأرض بالكفين، ثم مسح الوجه بهما، ومسح بعضهما ببعض، هذا بالنسبة للطهارة من الحدث، أما الطهارة من الخبث فإن أي مزيل يزيل ذلك الخبث من ماء أو غيره، تحصل به الطهارة، وذلك لأن الطهارة من الخبث يقصد بها إزالة تلك العين الخبيثة بأي مزيل، فإذا زالت هذه العين الخبيثة بماء أو بنزين أو غيره من السائلات أو الجامدات على وجه تمام، فإن هذا يكون تطهيراً لها، وبهذا نعرف الفرق بين ما يحصل به التطهير في باب الخبث، وبين ما يحصل به التطهير في باب الحدث. البدل عن الأصل في التطهير

стр. 69

السؤال (٦٦) : فضيلة الشيخ، ما هو البدل عن هذا الأصل الذي هو الماء ؟ الجواب: البدل عن هذا الأصل هو التراب، إذا تعذر استعمال الماء لعدمه أو التضرر باستعماله، فإنه يعدل عن ذلك إلى التراب، أي إلى التيمم، بأن يضرب الإنسان يديه على الأرض، ثم يمسح بهما وجهه، ويمسح بعضهما ببعض، لكن هذا خاص في الطهارة من الحدث، أما طهارة الخبث فليس فيها تيمم، سواء كان على البدن، أو على الثوب، أو على البقعة، لأن المقصود من التطهر من الخبث إزالة هذه العين الخبيثة، وليس التعبد فيها شرطاً، ولهذا لو زالت هذه العين الخبيثة بغير قصد من الإنسان طهر المحل. فلو نزل المطر على مكان نجس، أو على ثوب نجس، وزالت النجاسة بما نزل من المطر، فإن المحل يطهر بذلك، وإن كان الإنسان ليس عنده علم بهذا، بخلاف طهارة الحدث، فإنها عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله ، فلابد فيها من النية والقصد.

стр. 70

السؤال (٦٧) : فضيلة الشيخ، إذن لو كان على الإنسان نجاسة، ولا يستطيع إزالتها، فإنه لا يتيمم عنها ؟ الجواب: نعم، إذا كان على الإنسان نجاسة وهو لا يستطيع إزالتها فإنه يصلي بحسب حاله لكن يخففها ما أمكن بالحك وما أشبه ذلك، وإذا كانت مثلاُ في ثوب يمكنه خلعه ويستتر بغيره، وجب عليه أن يخلعه ويستتر بغيره. صفة الوضوء

стр. 71

السؤال (٦٨) : فضيلة الشيخ، ما هي صفة الوضوء ؟ الجواب: صفة الوضوء الشرعي على وجهين: الوجه الأول: صفة واجبة لا يصح الوضوء إلا بها، وهي المذكورة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: ٦) ، فهي غسل الوجه مرة واحدة، ومنه أي غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى المرافق مرة واحدة، ومسح الرأس مرة واحدة، ومنه أي من الرأس الأذنان وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة، هذه هي الصفة الواجبة التي لابد منها. أما الوجه الثاني من صفة الوضوء: فهي الصفة المستحبة ونسوقها الآن بمعونة الله، فهي أن يسمي الإنسان عند وضوئه، ويغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يمسح رأسه مرة واحدة، يبدأ بمقدمه حتى يصل إلى مؤخره، ثم يرجع حتى يصل إلى مقدمه، ثم يمسح أذنيه، فيدخل سبابته في صماخيهما، ويمسح بإبهامه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإنه إذا فعل ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. هكذا صح الحديث عن النبي ﷺ قاله عمر ﵁ (١) .

стр. 72

السؤال (٦٩) : فضيلة الشيخ، لكن بالنسبة للأذنين، هل يلزم أخذ ماء خاص لهما أم مع الرأس ؟ الجواب: لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا يستحب، لأن جميع الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه كان يأخذ ماء جديداً لأذنيه، فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه. نواقض الوضوء

стр. 73

السؤالان (٧٠-٧١) : فضيلة الشيخ، ما هي نواقض الوضوء ؟ الجواب: قبل أن نذكر نواقض الوضوء، أحب أن أنبه إلى مسألة تخفى على كثير من الناس، وهي أن بعض الناس يظنون أن الاستنجاء أو الاستجمار من فروض الوضوء، فتجدهم يسألون كثيراً عن الرجل ينقض الوضوء في أول النهار، ثم يؤذن أذان الظهر وهو لم ينقض وضوءه بعد، وهو لم يتوضأ حين نقض وضوءه أولاً، فيقول: إذا أذن الظهر هل أغسل فرجي مرة ثانية أو لا فنقول: لا تغسل فرجك، لأن غسل الفرج إنما هو لتطهيره من النجاسة عند البول أو الغائط، فإذا لم يحصل ذلك بعد التطهير الأول، فإنه لا يطهر، وحينئذ نعرف أنه لا علاقة بين الاستنجاء الذي هو غسل الفرج مما تلوث به من النجاسة، وبين الوضوء، وهذه مسألة أحب أن يتنبه لها. أما ما يتعلق بنواقض الوضوء: وهي مفسداته ومبطلاته، فنذكر منها: الغائط، والبول، والريح، والنوم، وأكل لحم الجزور. فأما الغائط والبول والنوم فقد دل عليها حديث صفوان بن عسال ﵁، قال: أمرنا رسول الله ﷺ : ألا ننزع خفافنا إذا كنا سفراً ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (١) ، وهذا تؤيده الآية الكريمة في الغائط حيث قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) (النساء: ٤٣) . وأما الريح: فلما جاء في حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة ﵄، فيمن أشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ قال النبي ﷺ : " لا ينصرف أولا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (٢) ، وهذا دليل على أن الريح ناقض للوضوء فهذه أربعة أشياء: البول، والغائط، والريح، والنوم. ولكن النوم لا ينقض الوضوء إلا إذا كان عميقاً، بحيث يستغرق النائم فيه، فلا يعلم عن نفسه لو خرج منه شيء، لأن النوم مظنة الحدث، وليس حدثاً في نفسه، فإذا نعس الإنسان في صلاته أو خارج صلاته، ولكنه يعي نفسه لو أحدث لأحس بذلك، فإنه لا ينتقض وضوءه ولو طال نعاسه، ولو كان متكئاً أو مستنداً أو مضطجعاً، لأن المدار ليس على الهيئة، ولكن المدار على الإحساس واليقظة، فإذا كان هذا الناعس يحس بنفسه لو أحدث، فإن وضوءه باق ولو كان متكئا أو مستنداً أو مضطجعاً، وما أشبه ذلك. وأما الخامس من نواقض الوضوء: فهو أكل لحم الإبل: لأن النبي ﷺ صح عنه أنه سئل: نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم؟ قال " إن شئت" (٣) ، فإجابته بنعم في لحم الإبل، وبأن شئت في لحم الغنم، دليل على أن الوضوء من لحم الإبل ليس راجعاً إلى مشيئته، بل هو أمر مفروض عليه، ولو لم يكن مفروضاً لكان راجعاً إلى المشيئة، وثبت عنه ﷺ "إنه أمره بالوضوء من لحم الإبل" (٤) ، وعلى هذا فإذا أكل الإنسان لحم إبل انتقض وضوءه، سواء كان الأكل كثيراً أم قليلاً، وسواء كان اللحم نيئاً أو مطبوخاً، وسواء كان اللحم من اللحم الأحمر الهبر أو من الأمعاء، أو من الكرش، أو من الكبد، أو من القلب، أو من أي شيء كان من أجزاء البدن، لأن الحديث عام لم يفرق بين لحم وآخر، والعموم في لحم الإبل كالعموم في لحم الخنزير، حين قال الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) (المائدة: ٣) ، فإن لحم الخنزير هنا يشمل كل أجزاء بدنه، وهكذا لحم الإبل الذي سئل النبي ﷺ عن الوضوء منه، يشمل جميع أجزاء البدن، وليس في الشريعة الإسلامية جسد واحد تختلف أحكامه، فيكون جزء منه له حكم وجزء منه له حكم آخر، بل الجسم كله تتفق أجزاؤه في الحكم، ولا سيما على القول بأن نقض الوضوء بلحم الإبل علته معلومة لنا، وليس تعبداً محضاً. وعلى هذا فمن أكل لحم إبل من أي جزء من أجزاء البدن وهو على وضوء، وجب عليه أن يجدد وضوءه، ثم اعلم أن الإنسان إذا كان على وضوء، ثم شك في وجود الناقض، بأن شك هل خرج منه بول أو ريح، أو شك في اللحم الذي أكله، هل هو لحم إبل أو لحم غنم، فإنه لا وضوء عليه، لأن النبي ﷺ سئل عن الرجل، يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (٥) ، يعني حتى يتيقن ذلك، ويدركه بحواسه إدراكاً معلوماً لا شبهة فيه، ولأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه حتى نعلم زواله، فالأصل أن الوضوء باق حتى نعلم زواله وانتقاضه.

стр. 74

السؤال (٧٢) : فضيلة الشيخ، ولكن بالنسبة للنوم هل هناك فرق بين نوم الليل ونوم النهار ؟ الجواب: ليس هناك فرق بين نوم الليل والنهار، لأن العلة واحدة وهي زوال الإحساس، وكون الإنسان لا يحس بنفسه لو خرج منه شيء. موجبات الغسل

стр. 75

السؤال (٧٣) : فضيلة الشيخ، ما هي موجبات الغسل؟ وما صفته ؟ الجواب: أما صفة الغسل فعلى وجهين: صفة واجبة وهي أن يعم بدنه كله بالماء، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه بالماء على أي وجه كان، فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر، والوجه الثاني: صفة كاملة، وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي ﷺ ، فإذا اغتسل من الجنابة، فإنه يغسل كفيه، ثم يغسل فرجه، وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءاً كاملاً، على صفة ما ذكرنا في الوضوء، ثم يغسل رأسه بالماء ثلاثاً تروية، ثم يغسل بقية بدنه، هذه صفة الغسل. أما موجبات الغسل فمنها: إنزال المني بشهوة يقظة أو مناماً لكنه في المنام يجب عليه الغسل وإن لم يحس بالشهوة، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال. الثاني: الجماع، فإذا جامع الرجل زوجته وجب عليه الغسل، والجماع يكون بأن يولج الحشفة في فرجها، فإذا أولج الحشفة في فرجها فعليه الغسل، لقول النبي صلى عليه وسلم عن الأول: " الماء من الماء" (١) ، يعني أن الغسل يجب من الإنزال، وقوله عن الثاني: " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب الغسل وإن لم ينزل" (٢) . وهذه المسألة أعني الجماع بدون إنزال يخفى حكمها على كثير من الناس، حتى إن بعض الناس تمضي عليه الأسابيع أو الشهور، وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلاً منه، وهذا أمر له خطورته، فالواجب على الإنسان أن يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل، وجب الغسل عليه وعليها، للحديث الذي أشرنا إليه آنفاً. ومن موجبات الغسل: خروج دم الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت، وجب عليها الغسل، لقول الله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (البقرة: ٢٢٢) . ولأمر النبي ﷺ المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل (٣) والنفساء مثلها، فيجب عليها أن تغتسل. وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض، أن تغتسل بالسدر، لأن ذلك أبلغ في نظافتها وتطهيرها. وذكر بعض العلماء أيضاً من موجبات الغسل: الموت، مستدلين بقول النبي ﷺ للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته: " اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" (٤) ، وقوله ﷺ في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين" (٥) ، فقالوا: إن الموت موجب للغسل، ولكن الوجوب هنا يتعلق بالحي، لأن الميت انقطع تكليفه بموته. ومعنى يتعلق بالحي، أن الحي هو الذي يوجه إليه الأمر بأن يغسل الميت، فالميت هو الذي يغسل، والحي هو الذي يغسله، فعلى الأحياء أن يقوموا بما وجب عليهم من تغسيل موتاهم، لأمر النبي ﷺ بذلك. حكم المسح على الخفين وشروطه
следующие страницы →