← Фикх общий

Фикх общий · id 21823

فقه العبادات للعثيمين

ابن عثيمين

Полный текст (326 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

السؤال (٦٨) : فضيلة الشيخ، ما هي صفة الوضوء ؟ الجواب: صفة الوضوء الشرعي على وجهين: الوجه الأول: صفة واجبة لا يصح الوضوء إلا بها، وهي المذكورة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: ٦) ، فهي غسل الوجه مرة واحدة، ومنه أي غسل الوجه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرافق من أطراف الأصابع إلى المرافق مرة واحدة، ومسح الرأس مرة واحدة، ومنه أي من الرأس الأذنان وغسل الرجلين إلى الكعبين مرة واحدة، هذه هي الصفة الواجبة التي لابد منها. أما الوجه الثاني من صفة الوضوء: فهي الصفة المستحبة ونسوقها الآن بمعونة الله، فهي أن يسمي الإنسان عند وضوئه، ويغسل كفيه ثلاث مرات، ثم يتمضمض ويستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يمسح رأسه مرة واحدة، يبدأ بمقدمه حتى يصل إلى مؤخره، ثم يرجع حتى يصل إلى مقدمه، ثم يمسح أذنيه، فيدخل سبابته في صماخيهما، ويمسح بإبهامه ظاهرهما، ثم يغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثاً ثلاثاً، يبدأ باليمنى ثم باليسرى، ثم يقول بعد ذلك أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فإنه إذا فعل ذلك فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء. هكذا صح الحديث عن النبي ﷺ قاله عمر ﵁ (١) .

стр. 72

السؤال (٦٩) : فضيلة الشيخ، لكن بالنسبة للأذنين، هل يلزم أخذ ماء خاص لهما أم مع الرأس ؟ الجواب: لا يلزم أخذ ماء جديد للأذنين، بل ولا يستحب، لأن جميع الواصفين لوضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه كان يأخذ ماء جديداً لأذنيه، فالأفضل أن يمسح أذنيه ببقية البلل الذي بقي بعد مسح رأسه. نواقض الوضوء

стр. 73

السؤالان (٧٠-٧١) : فضيلة الشيخ، ما هي نواقض الوضوء ؟ الجواب: قبل أن نذكر نواقض الوضوء، أحب أن أنبه إلى مسألة تخفى على كثير من الناس، وهي أن بعض الناس يظنون أن الاستنجاء أو الاستجمار من فروض الوضوء، فتجدهم يسألون كثيراً عن الرجل ينقض الوضوء في أول النهار، ثم يؤذن أذان الظهر وهو لم ينقض وضوءه بعد، وهو لم يتوضأ حين نقض وضوءه أولاً، فيقول: إذا أذن الظهر هل أغسل فرجي مرة ثانية أو لا فنقول: لا تغسل فرجك، لأن غسل الفرج إنما هو لتطهيره من النجاسة عند البول أو الغائط، فإذا لم يحصل ذلك بعد التطهير الأول، فإنه لا يطهر، وحينئذ نعرف أنه لا علاقة بين الاستنجاء الذي هو غسل الفرج مما تلوث به من النجاسة، وبين الوضوء، وهذه مسألة أحب أن يتنبه لها. أما ما يتعلق بنواقض الوضوء: وهي مفسداته ومبطلاته، فنذكر منها: الغائط، والبول، والريح، والنوم، وأكل لحم الجزور. فأما الغائط والبول والنوم فقد دل عليها حديث صفوان بن عسال ﵁، قال: أمرنا رسول الله ﷺ : ألا ننزع خفافنا إذا كنا سفراً ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (١) ، وهذا تؤيده الآية الكريمة في الغائط حيث قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) (النساء: ٤٣) . وأما الريح: فلما جاء في حديث عبد الله بن زيد وأبي هريرة ﵄، فيمن أشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ قال النبي ﷺ : " لا ينصرف أولا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (٢) ، وهذا دليل على أن الريح ناقض للوضوء فهذه أربعة أشياء: البول، والغائط، والريح، والنوم. ولكن النوم لا ينقض الوضوء إلا إذا كان عميقاً، بحيث يستغرق النائم فيه، فلا يعلم عن نفسه لو خرج منه شيء، لأن النوم مظنة الحدث، وليس حدثاً في نفسه، فإذا نعس الإنسان في صلاته أو خارج صلاته، ولكنه يعي نفسه لو أحدث لأحس بذلك، فإنه لا ينتقض وضوءه ولو طال نعاسه، ولو كان متكئاً أو مستنداً أو مضطجعاً، لأن المدار ليس على الهيئة، ولكن المدار على الإحساس واليقظة، فإذا كان هذا الناعس يحس بنفسه لو أحدث، فإن وضوءه باق ولو كان متكئا أو مستنداً أو مضطجعاً، وما أشبه ذلك. وأما الخامس من نواقض الوضوء: فهو أكل لحم الإبل: لأن النبي ﷺ صح عنه أنه سئل: نتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم، وسئل عن الوضوء من لحم الغنم؟ قال " إن شئت" (٣) ، فإجابته بنعم في لحم الإبل، وبأن شئت في لحم الغنم، دليل على أن الوضوء من لحم الإبل ليس راجعاً إلى مشيئته، بل هو أمر مفروض عليه، ولو لم يكن مفروضاً لكان راجعاً إلى المشيئة، وثبت عنه ﷺ "إنه أمره بالوضوء من لحم الإبل" (٤) ، وعلى هذا فإذا أكل الإنسان لحم إبل انتقض وضوءه، سواء كان الأكل كثيراً أم قليلاً، وسواء كان اللحم نيئاً أو مطبوخاً، وسواء كان اللحم من اللحم الأحمر الهبر أو من الأمعاء، أو من الكرش، أو من الكبد، أو من القلب، أو من أي شيء كان من أجزاء البدن، لأن الحديث عام لم يفرق بين لحم وآخر، والعموم في لحم الإبل كالعموم في لحم الخنزير، حين قال الله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) (المائدة: ٣) ، فإن لحم الخنزير هنا يشمل كل أجزاء بدنه، وهكذا لحم الإبل الذي سئل النبي ﷺ عن الوضوء منه، يشمل جميع أجزاء البدن، وليس في الشريعة الإسلامية جسد واحد تختلف أحكامه، فيكون جزء منه له حكم وجزء منه له حكم آخر، بل الجسم كله تتفق أجزاؤه في الحكم، ولا سيما على القول بأن نقض الوضوء بلحم الإبل علته معلومة لنا، وليس تعبداً محضاً. وعلى هذا فمن أكل لحم إبل من أي جزء من أجزاء البدن وهو على وضوء، وجب عليه أن يجدد وضوءه، ثم اعلم أن الإنسان إذا كان على وضوء، ثم شك في وجود الناقض، بأن شك هل خرج منه بول أو ريح، أو شك في اللحم الذي أكله، هل هو لحم إبل أو لحم غنم، فإنه لا وضوء عليه، لأن النبي ﷺ سئل عن الرجل، يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (٥) ، يعني حتى يتيقن ذلك، ويدركه بحواسه إدراكاً معلوماً لا شبهة فيه، ولأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه حتى نعلم زواله، فالأصل أن الوضوء باق حتى نعلم زواله وانتقاضه.

стр. 74

السؤال (٧٢) : فضيلة الشيخ، ولكن بالنسبة للنوم هل هناك فرق بين نوم الليل ونوم النهار ؟ الجواب: ليس هناك فرق بين نوم الليل والنهار، لأن العلة واحدة وهي زوال الإحساس، وكون الإنسان لا يحس بنفسه لو خرج منه شيء. موجبات الغسل

стр. 75

السؤال (٧٣) : فضيلة الشيخ، ما هي موجبات الغسل؟ وما صفته ؟ الجواب: أما صفة الغسل فعلى وجهين: صفة واجبة وهي أن يعم بدنه كله بالماء، ومن ذلك المضمضة والاستنشاق، فإذا عمم بدنه بالماء على أي وجه كان، فقد ارتفع عنه الحدث الأكبر، والوجه الثاني: صفة كاملة، وهي أن يغتسل كما اغتسل النبي ﷺ ، فإذا اغتسل من الجنابة، فإنه يغسل كفيه، ثم يغسل فرجه، وما تلوث من الجنابة، ثم يتوضأ وضوءاً كاملاً، على صفة ما ذكرنا في الوضوء، ثم يغسل رأسه بالماء ثلاثاً تروية، ثم يغسل بقية بدنه، هذه صفة الغسل. أما موجبات الغسل فمنها: إنزال المني بشهوة يقظة أو مناماً لكنه في المنام يجب عليه الغسل وإن لم يحس بالشهوة، لأن النائم قد يحتلم ولا يحس بنفسه، فإذا خرج منه المني بشهوة وجب عليه الغسل بكل حال. الثاني: الجماع، فإذا جامع الرجل زوجته وجب عليه الغسل، والجماع يكون بأن يولج الحشفة في فرجها، فإذا أولج الحشفة في فرجها فعليه الغسل، لقول النبي صلى عليه وسلم عن الأول: " الماء من الماء" (١) ، يعني أن الغسل يجب من الإنزال، وقوله عن الثاني: " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها، فقد وجب الغسل وإن لم ينزل" (٢) . وهذه المسألة أعني الجماع بدون إنزال يخفى حكمها على كثير من الناس، حتى إن بعض الناس تمضي عليه الأسابيع أو الشهور، وهو يجامع زوجته بدون إنزال ولا يغتسل جهلاً منه، وهذا أمر له خطورته، فالواجب على الإنسان أن يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن الإنسان إذا جامع زوجته وإن لم ينزل، وجب الغسل عليه وعليها، للحديث الذي أشرنا إليه آنفاً. ومن موجبات الغسل: خروج دم الحيض والنفاس، فإن المرأة إذا حاضت ثم طهرت، وجب عليها الغسل، لقول الله تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (البقرة: ٢٢٢) . ولأمر النبي ﷺ المستحاضة إذا جلست قدر حيضها أن تغتسل (٣) والنفساء مثلها، فيجب عليها أن تغتسل. وصفة الغسل من الحيض والنفاس كصفة الغسل من الجنابة، إلا أن بعض أهل العلم استحب في غسل الحائض، أن تغتسل بالسدر، لأن ذلك أبلغ في نظافتها وتطهيرها. وذكر بعض العلماء أيضاً من موجبات الغسل: الموت، مستدلين بقول النبي ﷺ للنساء اللاتي كن يغسلن ابنته: " اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك" (٤) ، وقوله ﷺ في الرجل الذي وقصته راحلته بعرفة وهو محرم: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين" (٥) ، فقالوا: إن الموت موجب للغسل، ولكن الوجوب هنا يتعلق بالحي، لأن الميت انقطع تكليفه بموته. ومعنى يتعلق بالحي، أن الحي هو الذي يوجه إليه الأمر بأن يغسل الميت، فالميت هو الذي يغسل، والحي هو الذي يغسله، فعلى الأحياء أن يقوموا بما وجب عليهم من تغسيل موتاهم، لأمر النبي ﷺ بذلك. حكم المسح على الخفين وشروطه

стр. 76

السؤال (٧٤) : فضيلة الشيخ، ما هو حكم المسح على الخفين وشروط ذلك ؟ الجواب: المسح على الخفين مما تواترت به السنة عن النبي ﷺ ، كما قيل: مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتاً واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعض بل دل عليه القرآن في قوله تعالى: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: ٦) ، على قراءة الجر، وهي قراءة صحيحة سبعية، ووجه ذلك أن قوله: (وَأَرْجُلَكُمْ) ، بالجر، معطوف على قوله (بِرُؤُوسِكُمْ) والعامل في قوله (بِرُؤُوسِكُمْ) قوله (امْسَحُوا) وعلى هذا فيكون المعنى: " امسحوا برؤوسكم وامسحوا بأرجلكم"، ومن المعلوم أن المسح مناقض للغسل، فلا يمكن أن نقول: إن الآية دالة على وجوب الغسل الدال عليه قراءة النصب (وَأَرْجُلَكُمْ) ، ووجوب المسح في حال واحدة، بل تتنزل الآية على حالين، والسنة بينت هاتين الحالين، فبينت أن الغسل يكون للرجلين إذا كانتا مكشوفتين، وأن المسح يكون لهما إذا كانتا مستورتين بالجوارب والخفين، وهذا الاستدلال ظاهر لمن تأمله. على كل حال، المسح على الخفين وعلى الجوارب وهي ما يسمى بالشراب ثابت ثبوتاً لا مجال للشك فيه، ولهذا قال الإمام أحمد: ليس في قلبي من المسح شيء، يعني ليس عندي فيه شك بوجه من الوجوه، ولكن لابد من شروط لهذا المسح: الشرط الأول: أن يلبسهما على طهارة، ودليله: حديث المغيرة بن شعبة ﵁، قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين" (١) ومسح عليها، فإن لبسهما على غير طهارة وجب عليه أن يخلعهما عند الوضوء ليغسل قدميه، لأن النبي ﷺ علل عدم خلعهما عند الوضوء ومسح عليهما، علله بأنه لبسهما على طهارة: "أدخلتهما طاهرتين". الشرط الثاني: أن يكون ذلك في المدة المحددة شرعاً، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وتبتدئ هذه المدة من أول مرة مسح بعد الحدث إلى آخر المدة فكل مدة مضت قبل المسح فهي غير محسوبة على الإنسان، حتى لو بقي يومين أو ثلاثة على الطهارة التي لبس فيها الخفين أو الجوارب، فإن هذه المدة لا تحسب، لا يحسب له إلا من ابتداء المسح أول مرة إلى أن تنتهي المدة، وهي يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر، كما ذكرناها آنفاً. مثال ذلك: رجل لبس الخفين أو الجوارب حين توضأ لصلاة الفجر من يوم الأحد، وبقي على طهارته إلى أن صلى العشاء، ثم نام، ولما استيقظ لصلاة الفجر يوم الاثنين مسح عليهما، فتبتدئ المدة من مسحه لصلاة الفجر يوم الاثنين، لأن هذا أول مرة مسح بعد حدثه، وتنتهي بانتهاء المدة التي ذكرناها آنفاً. الشرط الثالث: أن يكون ذلك في الحدث الأصغر لا في الجنابة، فإن كان في الجنابة فإنه لا مسح، بل يجب عليه أن يخلع الخفين ويغسل جميع بدنه، لحديث صفوان بن عسال ﵁ قال: " أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم" (٢) ، وثبت في صحيح مسلم من حديث علي ﵁، أن النبي ﷺ وقت المسح " يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام للمسافر" (٣) . فهذه الشروط الثلاثة لابد منها لجواز المسح على الخفين، وهناك شروط أخرى اختلف فيها أهل العلم، ولكن القاعدة التي تبنى عليها الأحكام: أن الأصل براءة الذمة من كل ما يقال من شرط أو موجب أو مانع، حتى يقوم عليه الدليل. شروط الممسوح عليه

стр. 77

السؤال (٧٥) : فضيلة الشيخ، لكن هل هناك شروط تتعلق بالممسوح عليه من خف وجورب ؟ الجواب: ليس فيه شروط، اللهم إلا أن يكون طاهراً، فإنه إذا كان نجساً لا يمسح عليه، فلو اتخذ الإنسان خفا من جلد نجس، كجلد الكلاب والسباع، فإنه لا يجوز المسح عليه، لأنه نجس، والنجاسة لا يجوز حملها في الصلاة، ولأن النجس لا يزد مسحه إلا تلويثاً. حكم المسح على الجوارب

стр. 78

السؤال (٧٦) : فضيلة الشيخ، ما حكم المسح على الجورب أو الخف المخروق أو الجورب الخفيف ؟ الجواب: القول الراجح أنه يجوز المسح على ذلك، أي على الجورب المخرق، والجورب الخفيف الذي ترى من ورائه البشرة، لأنه ليس المقصود من جواز المسح على الجورب ونحوه أن يكون ساتراً، فإن الرجل ليست عورة يجب سترها، وإنما المقصود الرخصة على المكلف، والتسهيل عليه، بحيث لا نلزمه بخلع هذا الجورب أو الخف عند الوضوء، بل نقول: يكفيك أن تمسح عليه، هذه هي العلة التي من أجلها شرع المسح على الخفين، وهذه العلة كما ترى يستوي فيها الخف أو الجورب المخرق، والسليم، والخفيف، والثقيل. هل موجبات الغسل من نواقض الوضوء؟

стр. 79

السؤال (٧٧) : فضيلة الشيخ، هل موجبات الغسل تعد من نواقض الوضوء أم لا ؟ الجواب: المشهور عند فقهائنا ﵏: أن كل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت، وبناء على ذلك فإنه لابد لمن اغتسل من موجبات الغسل أن ينوي الوضوء، فإما أن يتوضأ وإما أن يكفي الغسل بالنيتين، وذهب شيخ الإسلام ﵀ إلى أن نية الاغتسال من الحدث الأكبر تغني عن نية الوضوء لأن الله قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ... ..) إلى آخره (المائدة: ٦) ، فلم يذكر الله تعالى في حال الجنابة إلا الإطهار يعني التطهر، ولم يذكر الوضوء، ولأن النبي ﷺ قال للرجل حين أعطاه الماء ليغتسل قال: " أذهب فافرغه عليك" (١) ، ولم يذكر له الوضوء أخرجه البخاري من حديث عمران بن حصين في حديث طويل. وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية أقرب إلى الصواب، وهي أن من عليه حدث أكبر إذا نوى الأكبر، فإنه يجزئ عن الأصغر. وبناء على هذا فإن موجبات الغسل منفردة عن نواقض الوضوء. الأحكام المتعلقة بالجنابة

стр. 80

السؤال (٧٨) : فضيلة الشيخ، ذكرتم من موجبات الغسل الجنابة، فما هي الأحكام المتعلقة بالجنابة ؟ الجواب: الأحكام المتعلقة بالجنابة هي: أولاً: أن الجنب تحرم عليه الصلاة، فرضها، ونفلها، حتى صلاة الجنازة. ثانياً: يحرم عليه الطواف بالبيت ثالثاً: يحرم عليه مس المصحف رابعاً: يحرم عليه المكث في المسجد إلا بوضوء خامساً: يحرم عليه قراءة القرآن حتى يغتسل هذه هي أحكام خمسة تتعلق بمن عليه جنابة. تأثير الشك في الطهارة

стр. 81

السؤال (٧٩) : فضيلة الشيخ، أيضاً مما يتعلق بالطهارة الشك فيها، فما هو الشك في الطهارة، ومتى يكون مؤثراً ؟ الجواب: الشك في الطهارة نوعان: أحدهما: شك في وجودها بعد تحقق الحدث. والثاني: شك في زوالها بعد تحقق الطهارة أما الأول: وهو الشك في وجودها بعد تحقق الحدث، فأن يشك الإنسان هل توضأ أم لم يتوضأ، وهو يعتقد أنه أحدث لكن يشك هل توضأ أم لا، ففي هذه الحال نقول: ابن على الأصل، وهو أنك لم تتوضأ، ويجب عليك الوضوء. مثال ذلك: رجل شك عند أذان الظهر هل توضأ بعد نقض وضوئه في الضحى أم لم يتوضأ، يعني أنه نقض الوضوء في الساعة العاشرة مثلاً، ثم عند أذان الظهر شك، هل توضأ حين نقض وضوءه أم لا، فنقول له: ابن على الأصل، وهو أنك لم تتوضأ، ويجب عليك أن تتوضأ. أما النوع الثاني: وهو الشك في انتقاض الطهارة بعد وجودها، فإننا نقول أيضاً: ابن على الأصل، ولا تعتبر نفسك ناقضاً للوضوء. مثاله: رجل توضأ في الساعة العاشرة، فلما حان وقت الظهر شك، هل انقض وضوءه أم لا، فنقول له: إنك على وضوئك، ولا يلزمك الوضوء حينئذ، وذلك لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان عليه، ويشهد لهذا الأصل قول النبي ﷺ فيمن وجد في بطنه شيئاً فأشكل عليه: أخرج منه شيء أم لا؟ " لا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً" (١) . وأما الشك في فعل أو الشك في أجزاء الطهارة، مثل أن يشك الإنسان هل غسل وجهه في وضوئه أم لا، وهل غسل يديه أم لا، وما أشبه ذلك، فهذا لا يخلو من أحوال أربعة: الحال الأولى: أن يكون مجرد وهم طرأ على قلبه أنه: هل غسل يديه أم لم يغسلهما، وهماً ليس له مرجح، ولا تساوى عنده الأمران، بل هو مجرد شيء خطر في قلبه، لهذا لا يهتم به، ولا يلتفت إليه. الحال الثانية: أن يكون كثير الشكوك، كلما توضأ شك، إذا كان الآن يغسل قدميه شك هل مسح رأسه أم لا؟ هل مسح أذنيه أم لا؟ هل غسل يديه أم لا؟ فهو كثير الشكوك، هذا أيضاً لا يلتفت إلى الشك ولا يهتم به. أما الحال الثالثة: أن يقع الشك بعد فراغه من الوضوء فإذا فرغ من وضوئه شك، هل غسل يديه أم لا؟ أو هل مسح رأسه، أو هل مسح أذنيه، فهذا أيضاً لا يلتفت إليه، إلا إذا تيقن أنه لم يغسل ذلك العضو المشكوك فيه، فيبني على يقينه. هذه ثلاث حالات لا يلتفت إليها في الشك. الحال الأولى: الوهم. الحال الثانية: أن يكون كثير الشكوك، الحال الثالثة: أن يكون الشك بعد الفراغ من العبادة، أي بعد فراغ الوضوء. أما الحال الرابعة: فهي أن يكون الشك شكا حقيقياً، وليس كثير الشكوك، وحصل قبل أن يفرغ من العبادة، ففي هذه الحال يجب عليه أن يبني على اليقين وهو العدم، أي أنه لم يغسل ذلك العضو الذي شك فيه، فيرجع إليه ويغسله وما بعده، مثاله: لو شك وهو يمسح رأسه، هل تمضمض واستنشق أم لا، وهو ليس كثير الشكوك، وهو شك حقيقي ليس وهماً، نقول له الآن: ارجع فتمضمض واستنشق، ثم اغسل يديك، ثم امسح رأسك وإنما أوجبنا عليه غسل اليدين مع أنه غسلهما من أجل الترتيب لأن الترتيب بين أعضاء الوضوء واجب، كما ذكر الله تعالى ذلك مرتباً، وقال النبي ﵊ حين أقبل على الصفا: " ابدأ بما بدأ الله به" (٢) ، هذا هو حال الشك في الطهارة. أنواع النجاسات الحكمية ومفهومها

стр. 82

السؤال (٨٠) : فضيلة الشيخ، ما هي النجاسات الحكمية من حيث المفهوم والأنواع ؟ الجواب: النجاسات الحكمية هي النجاسة الواردة على محل طاهر، فهذه يجب علينا أن نغسلها، وأن ننظف المحل الطاهر منها، فيما إذا كان الأمر يقتضي الطهارة، وكيفية تطهيرها، أو تطهير ما أصابته النجاسة تختلف بحسب الموضع، فإذا كانت النجاسة على الأرض، فإنه يكتفي بصب الماء عليها بعد إزالة عينها إن كانت ذات جرم لأن النبي ﷺ قال للصحابة حين بال الرجل في طائفة المسجد- أي في جانب منه قال لهم "دعوه، وهريقوا على بوله سجلاً من ماء" (١) ، فإذا كانت النجاسة على الأرض، فإن كانت ذات جرم أزلنا جرمها أولاً، ثم صببنا الماء عليها مرة واحدة ويكفي. ثانياً: إذا كانت النجاسة على غير الأرض، وهي نجاسة كلب، فإنه لابد لتطهيرها من سبع غسلات، إحداها بالتراب، لقول النبي ﷺ : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب" (٢) . ثالثاً: إذا كانت النجاسة على غير الأرض، وليست نجاسة كلب، فإن القول الراجح أنها تطهر بزوالها على أي حال كان سواء زالت بأول غسلة، أو بالغسلة الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة، أو الخامسة، المهم متى زالت عين النجاسة فإنها تطهر، لكن إذا كانت النجاسة بول غلام صغير لم يأكل الطعام، فإنه يكفي أن تغمر بالماء الذي يستوعب المحل النجس، وهو ما يعرف عند العلماء بالنضح، ولا يحتاج إلى غسل ودلك، لأن نجاسة بول الغلام الصغير الذي لم يأكل الطعام نجاسة مخففة. الأحكام المتعلقة بالحيض والنفاس

стр. 83

السؤال (٨١) : فضيلة الشيخ، ما هي الأحكام المتعلقة بالحيض والنفاس ؟ الجواب: الحيض قال أهل العلم: إنه دم طبيعة وجبلة يعتاد الأنثى إذا صلحت للحمل في أيام معلومة. وقالوا: إن الله خلقه لغذاء الولد في بطن الأم، ولهذا إذا حملت المرأة انقطع عنها الحيض غالباً، ثم إن هذا الحيض الطبيعي إذا أصاب المرأة تعلق به أحكام كثيرة، منها: تحريم الصلاة والصيام، لقول النبي ﷺ " أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم" (١) ، فلا يحل للمرأة أن تصوم ولا أن تصلي وهي حائض، فإن فعلت فهي آثمة، وصومها وصلاتها مردودان عليها. ثانياً: يحرم عليها الطواف بالبيت، لأن النبي ﷺ قال لعائشة حين حاضت: " افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت" (٢) ، ولما ذكر له أن صفية بنت حيي قد حاضت، قال: " أحابستنا هي؟ " لأنه ظن أنها لم تطف طواف الإفاضة، فقالوا: إنها قد أفاضت، فقال: "اخرجوا" (٣) ، ومن هذا الحديث نستفيد أن المرأة إذا طافت طواف الإفاضة وهو طواف الحج، ثم أتاها الحيض بعد ذلك، فإن نسكها يتم، حتى لو حاضت بعد طواف الإفاضة وقبل السعي، فإن نسكها يتم، لأن السعي يصح من المرأة الحائض. ونستفيد أيضاً من هذا الحديث أن طواف الوداع يسقط عن المرأة الحائض، كما جاء ذلك صريحاً في حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض" (٤) . يحرم على الحائض أيضاً الجماع، فلا يحل للرجل أن يجامع زوجته وهي حائض، لقول الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) (البقرة: ٢٢٢) ، والآية الكريمة تفيد أنه يحرم على الإنسان أن يطأ زوجته وهي حائض، وأنها إذا طهرت لا يطأها أيضاً حتى تغتسل لقوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) يعني اغتسلن، فإن الإطهار بمعنى الاغتسال، لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) (المائدة: ٦) . ولكن يجوز للإنسان أن يباشر زوجته وهي حائض، وأن يستمتع منها بما دون الفرج، وهذا يخفف من حدة الشهوة بالنسبة للإنسان الذي لا يستطيع الصبر عن أهله مدة أيام الحيض، فإنه يتمكن من الاستمتاع بها فيما عدا الوطء في الفرج، أما الوطء في الدبر فهو حرام بكل حال، سواء كانت امرأته حائضاً أم غير حائض. ومن الأحكام التي تترب على الحيض: أن المرأة إذا طهرت في وقت الصلاة فإنه يجب عليها أن تبادر بالاغتسال لتصلي الصلاة قبل خروج وقتها، فإذا طهرت مثلاً بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وجب عليها أن تغتسل، حتى تصلي صلاة الفجر في وقتها، وبعض الناس يتهاون في هذا الأمر، فتجدها تطهر في الوقت، ولكن تسوف ولا سيما في أيام الشتاء، تسوف وتتهاون حتى يخرج الوقت، وهذا حرام عليها ويحل لها، بل الواجب: أن تغتسل لتصلي الصلاة في وقتها. وأوقات الصلوات معلومة لعامة الناس: وهي في الفجر من طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وفي وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله يعني طوله وفي العصر من هذا الوقت إلى أن تصفر الشمس، وهذا وقت الاختيار، وإلى أن تغرب وهذا وقت الضرورة، وفي المغرب من غروب الشمس إلى مغرب الشمس الأحمر، وفي العشاء من مغرب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، وما بعد منتصف الليل فهو وقت لا تصلى فيه العشاء لأن وقتها قد خرج، إلا إذا كان الإنسان قد نام أو نسي، فإن النبي ﷺ يقول: من نام عن صلاته أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٥) . وليعلم أن الأصل في الدم الذي يصيب المرأة إذا كانت في سن الحيض أن يكون حيضاً، حتى يأتي ما يخرجه عن هذا الأصل، والذي يخرجه عن هذا الأصل، أن نعلم أن هذا الدم خرج من عرق وليس دم الطبيعة، مثل أن يكون ذلك إثر عملية أجرتها المرأة، أو يكون هذا الشيء لروعة أصابتها، أو نحو هذا من الأسباب التي توجب خروج الدم غير الطبيعي، فإنها في هذه الحال لا تعتبر هذا الدم دم حيض، وكذلك إذا أطبق عليها الدم وكثر حتى استغرق أكثر المدة من الشهر، فإنها في هذه الحال تكون مستحاضة، وترجع إلى عادتها التي كانت عليها قبل حصول هذه الاستحاضة، فتجلس مدة عادتها ثم تغتسل وتصلي، ولو كان الدم يجري. ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس: أنه لا يجوز للرجل أن يطلق المرأة وهي حائض، فإن فعل فهو آثم وعليه أن يردها إلى عصمته، حتى يطلقها وهي طاهر طهراً لم يجامعها فيه، لأنه ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر ذلك لرسول الله ﷺ فتغيظ منه رسول الله ﷺ وقال: " مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً" (٦) . وكثير من الناس نسأل الله لنا ولهم الهداية يتسرعون في هذا الأمر، فيطلق زوجته وهي حائض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه، قبل أن يتبين حملها، وكل هذا حرام يجب على المرء أن يتوب إلى الله منه، وأن يعيد امرأته التي طلقها على هذه الحال. ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس: أن المرأة النفساء إذا طهرت قبل أربعين يوماً، فإنه يجب عليها أن تغتسل وتصلي وتصوم إذا كان ذلك في رمضان، لأنها إذا طهرت ولو في أثناء الأربعين صار لها حكم الطاهرات، حتى بالنسبة للجماع، فإنه يجوز لزوجها أن يجامعها وإن لم تتم أربعين، لأنه إذا جازت لها الصلاة جاز الوطء من باب أولى. ومما يتعلق بأحكام الحيض والنفاس: كما أشرنا إليه سابقاً وجوب الغسل على الحائض والنفساء إذا طهرتا من الحيض والنفاس، وأحكام الحيض والنفاس كثيرة جداً، ونقتصر منها على هذا القدر ولعل فيه كفاية إن شاء الله تعالى. المرأة إذا لم ينزل منها دم

стр. 84

السؤال (٨٢) : فضيلة الشيخ، بالنسبة للمرأة إذا طهرت من النفاس أو إذا لم ينزل منها الدم فهل تعتبر نفساء ؟ الجواب: إذا لم ينزل منها دم في حال النفاس، فإنها ليست نفساء، ولا يلزمها شيء، لا يلزمها غسل، ولا يحرم عليها صلاة ولا صيام. حكم أخذ حبوب منع الحيض أثناء الحج

стр. 85

السؤال (٨٣) : فضيلة الشيخ، هل يجوز للمرأة أن تأخذ ما يمنع عنها الحيض أثناء حجها حتى تتمكن من أداء الحج، كالحبوب المانعة للحمل أو أي نوع من أنواع ما يتطبب به ؟ الجواب: الأصل في هذا الجواز، وأنه يجوز للمرأة أن تأخذ ما يمنع الحيض إذا كان ذلك بإذن زوجها، ولكن بلغني عن بعض الأطباء أن هذه الحبوب المانعة من نزل الحيض ضارة جداً على المرأة، ضارة للرحم والأعصاب والدم وغير ذلك، حتى قال لي بعضهم: إنه إذا استعملتها امرأة بكر فإنه يكون موجباً للعقم، فتكون هذه المرأة عقيمة، وهذا خطر عظيم، وما قاله بعض الأطباء ليس ببعيد، لأن الدم أعني دم الحيض دم طبيعة، فإذا حاول الإنسان أن يمنعه بهذه العقاقير، فقد حاول مخالفة الطبيعة، ولا شك أن مخالفة الطبيعة مضر على البدن، لأنه يقتضي أن ينحبس هذا الدم عن وقت خروجه الذي كان من طبيعة المرأة، لهذا أنصح جميع نسائنا في هذه المسألة بأن يدعن هذه الحبوب في رمضان وفي غير رمضان. لكن في مسألة الحج والعمرة، ربما تدعو الحاجة أو الضرورة إلى استعمال هذه الحبوب وهو استعمال مؤقت، وربما لا تعود المرأة إليه مدى عمرها، فمثل هذا أرجو ألا يكون فيه بأس ولا ضرر. إذا ثبت ضرر الحبوب فما حكمها؟

стр. 86

السؤال (٨٤) : فضيلة الشيخ، لكن إذا ثبت ضررها فما حكمها ؟ الجواب: إذا ثبت ضررها فمعلوم أن كل ما تحقق ضرره فإنه لا يجوز للإنسان أن يتناوله، لأن الله يقول (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: ٢٩) ، وقد استدل عمرو بن العاص بهذه الآية، حين قال له النبي ﷺ : "أصليت بأصحابك وأنت جنب" وكان ﵁ قد أجنب في ليلة باردة، فتيمم وصلى بأصحابه، فلما قال له النبي ﵊: "أصليت بأصحابك وأنت جنب" قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فتبسم النبي ﷺ أو ضحك، وأقره على هذا (١) . وهذا يدل على أن كل ما يكون فيه ضرر على بدن الإنسان، فإنه لا يجوز له أن يتناوله.

стр. 87

فتاوى الصلاة حكم الصلاة وأهميتها

стр. 88

السؤال (٨٥) : فضيلة الشيخ، ما حكم الصلاة؟ وما أهميتها ؟ الجواب: الصلاة من آكد أركان الإسلام بل هي الركن الثاني بعد الشهادتين، وهي آكد أعمال الجوارح، وهي عمود الإسلام، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: "عموده الصلاة" (١) ، يعني الإسلام، وقد فرضها الله على نبيه محمد ﷺ في أعلى مكان وصل إليه البشر، وفي أفضل ليلة لرسول الله ﷺ وبدون واسطة أحد، وفرضها الله على رسوله محمد ﷺ خمسين مرة في اليوم والليلة، ولكن الله خفف على عباده، حتى صارت خمساً بالفعل وخمسين في الميزان، وهذا يدل على أهميتها، ومحبة الله لها، وأنها جديرة بأن يصرف الإنسان شيئاً كثيراً من وقته فيها، ولهذا دل على فرضيتها: الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. ففي الكتاب: يقول الله (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: ١٠٣) ، معنى كتاباً: أي مكتوباً، أي مفروضاً، وقال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" (٢) ، وأجمع المسلمون على فرضيتها ولهذا قال العلماء ﵏: إن الإنسان إذا جحد فرض الصلوات الخمس، أو فرض واحدة منها فهو كافر مرتد عن الإسلام، يباح دمه وماله، إلا أن يتوب إلى الله ، ما لم يكن حديث عهد بإسلام، لا يعرف عن شعائر الإسلام شيئاً، فإنه يعذر بجهله في هذه الحال، ثم يعرف فإن أصر بعد علمه بوجوبها على إنكار فرضيتها فهو كافر. إذا فالصلاة من أفرض الفرائض في دين الإسلام. على من تجب الصلاة

стр. 89

السؤال (٨٦) : فضيلة الشيخ، على من تجب الصلاة ؟ الجواب: تجب على كل مسلم بالغ عاقل، من ذكر أو أنثى. فالمسلم: ضده الكافر، فإن الكافر لا تجب عليه الصلاة، بمعنى أنه لا يلزم بأدائها حال كفره، ولا بقضائها إذا أسلم، لكنه يعاقب عليها يوم القيامة، كما قال الله تعالى: (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ) (٣٩) (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) (٤٠) (عَنِ الْمُجْرِمِينَ) (٤١) (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) (٤٢) (قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (٤٣) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) (٤٤) (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (٤٥) (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المدثر: ٣٩-٤٦) ، فقولهم: (لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) يدل على أنهم عوقبوا على ترك الصلاة. وأما البالغ: فهو الذي حصل له واحدة من علامات البلوغ، وهي ثلاث بالنسبة للرجل، وأربع بالنسبة للمرأة. إحداها: تمام خمس عشرة سنة. والثانية: إنزال المني بلذة يقظة كان أم مناماً. والثالثة: إنبات العانة، وهي الشعر الخشن حول القبل. هذه الثلاث العلامات تكون للرجال والنساء، وتزيد المرأة علامة رابعة: وهي الحيض، فإن الحيض من علامات البلوغ. وأما العاقل: فضده المجنون الذي لا عقل له، ومنه الرجل الكبير أو المرأة الكبيرة إذا بلغ به الكبر إلى حد فقد التمييز، فإنه لا تجب عليه الصلاة حينئذ لعدم وجود العقل في حقه. وأما الحيض والنفاس: فهو مانع من وجوب الصلاة، فإذا وجد الحيض والنفاس فإن الصلاة لا تجب. حكم تارك الصلاة

стр. 90

السؤال (٨٧) : فضيلة الشيخ، عرفنا حكم الصلاة وعلى من تجب، فما حكم ترك الصلاة ؟ الجواب: حكم ترك الصلاة، أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وذلك بدلالة الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والنظر الصحيح. أما الكتاب: ففي قوله تعالى عن المشركين: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (التوبة: ١١) ، وجه الدلالة من هذه الآية الكريمة، أن الله اشترط لثبوت الأخوة بين هؤلاء المشركين، وبين المؤمنين ثلاثة شروط: التوبة من الشرك، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة فإذا تخلف أحد هذه الثلاثة لم يكونوا إخوة لنا في الدين، ولا تنتفي الأخوة في الدين إلا بالكفر المخرج عن الملة، فإن المعاصي مهما عظمت إذا لم تصل إلى حد الكفر لا تخرج عن الأخوة في الدين، ألا ترى إلى قوله تعالى في آية القصاص، فيمن قتل أخاه عمداً، قال : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة: ١٧٨) ، فجعل الله تعالى القاتل أخاً للمقتول، مع أن قتل المؤمن عمداً من أعظم الكبائر، ثم ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (٩) (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: ٩-١٠) ، فجعل الله الطائفة الثالثة المصلحة اخوة للطائفتين المقتتلتين، مع أن قتال المؤمن من أعظم الذنوب، وهذا يدل على أن الأخوة في الدين لا تنتفي بالمعاصي أبداً إلا ما كان كفراً. وشرح الآية المذكورة: أنهم إن بقوا على الشرك فكفرهم ظاهر، وإن آمنوا ولم يصلوا فكفرهم أيضاً ظاهر معلوم من الجملة الشرطية (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ) أي تابوا من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، إلا أن مسألة الزكاة فيها خلاف بين أهل العلم، هل يكفر الإنسان إذا تركها أو لا يكفر، وفيه عن أحمد روايتان. لكن الذي تقتضيه وتدل عليه السنة: أن تارك الزكاة لا يكفر، ويدل لذلك حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى به جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار" (١) ، فإن هذا الحديث يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة إذ لو كفر لم يكن له سبيل إلى الجنة، وعلى هذا فتكون الزكاة خارجة من هذا الحكم بمقتضى دلالة السنة. أما الدليل من السنة على كفر تارك الصلاة، فقوله ﷺ فيما رواه مسلم من حديث جابر ﵁: "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٢) ، ووجه الدلالة من الحديث: أنه جعل هناك فاصلاً بين الإيمان والكفر وهو الصلاة، وهو واضح في أنه لا إيمان لمن لم يصل، لأن هذا هو مقتضى الحد، إذ إن الحد يفصل بين المحدودين. وقوله "بين الرجل وبين الشرك والكفر"ولم يقل بين الرجل وبين كفر منكراً، والكفر إذا دخلت عليه"أل" كان المراد به الكفر الحقيقي، بخلاف ما إذا كان منكراً، كما في قوله ﷺ : "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" (٣) ، فإن هذا لا يقتضي الخروج من الإسلام، لأنه قال: "هما بهم كفر" يعني هاتين الخصلتين. أما أقوال الصحابة ﵃، فقد قال عبد الله بن شقيق ﵀ " كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة" (٤) ، وقد نقل إجماعهم إسحاق بن راهويه ﵀ على أن تارك الصلاة كافر. وأما المعنى فنقول: كل إنسان عرف الصلاة وقدرها وعناية الشريعة بها، ثم يدعها بدون عذر، وليس له حجة أمام الله عز جل، فإن ذلك دليل واضح على أنه ليس في قلبه من الإيمان شيء، إذ لو كان في قلبه من الإيمان شيء ما ترك هذه الصلاة العظيمة، التي دلت النصوص على العناية بها وأهميتها، والأشياء تعرف بآثارها، فلو كان في قلبه أدنى مثقال من إيمان لم يحافظ على ترك هذه الصلاة مع أهميتها وعظمها. وبهذا تكون الأدلة السمعية والنظرية دالة على أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرجاً عن الملة، وتكون مقتضية للحذر من هذا العمل الشنيع، الذي تهاون به اليوم كثير من الناس. ولكن باب التوبة مفتوح ولله الحمد كما قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (٥٩) (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً) (٦٠) (جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً) (٦١) (لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم: ٥٩-٦٢) . فنسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين للقيام بطاعته على الوجه الذي يرضيه عنا. الأحكام المترتبة على ترك الصلاة

стр. 91

السؤال (٨٨) : فضيلة الشيخ، ما الذي يترتب على الحكم بالكفر على تارك الصلاة ؟ الجواب: يترتب على ترك الصلاة المؤدي إلى الكفر، يترتب عليه ما يترتب على أي مرتد آخر بسبب يقتضي الردة، والذي يترتب على ذلك أحكام دنيوية وأحكام أخروية. فمن الأحكام الدنيوية: أنه لا يحل أن يزوج لأن الكافر لا يحل أن يزوج بمسلمة، لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) (الممتحنة: ١٠) ، ولقوله تعالى: (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) (البقرة: ٢٢١) ، ومن عقد لشخص على ابنته المسلمة، وهذا الشخص لا يصلي فإن النكاح باطل، ولا تحل به المرأة لهذا الرجل، ولا يستبيح منها ما يستبيح الرجل من امرأته، لأنها محرمة عليه، فإن هداه الله ومنَّ عليه بالتوبة فلابد من إعادة العقد. الحكم الثاني: سقوط ولايته، فلا يكون وليا على بناته، وعلى قريباته، فلا يزوج أحداً منهن لأنه لا ولاية لكافر على مسلم. الحكم الثالث: سقوط حقه من الحضانة، فلا يكون له حق في حضانة أولاده، لأنه لا حضانة لكافر على مسلم، فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. الحكم الرابع: تحريم ما ذكّاه من الحيوان، فذبيحته التي يذبحها حرام، لأن من شرط حل الذبيحة، أن يكون الذابح مسلماً أو كتابياً وهو اليهودي والنصراني، والمرتد ليس من هؤلاء، فذبيحته حرام. الحكم الخامس: أنه لا يحل له دخول مكة وحرمها، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) (التوبة: ٢٨) ، وعليه فلا يحل لأحد أن يمكِّن من لا يصلي من دخول مكة وحرمها لهذه الآية التي ذكرناها. وأما الأحكام الأخروية فمنها: أنه إذا مات لا يغَّسل، ولا يكفَّن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، لأنه ليس منهم، وإنما يخرج به إلى مكان منفرد فيدفن لئلا يتأذى الناس برائحته، أو يتأذى أهله بمشاهدته، ولا يحل لأحد أن يدعو بالرحمة لمن مات من أقاربه وهو يعلم أنه لا يصلي، لقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) ، ولا يقولن قائل: إن الله عز جل يقول: "أن يستغفروا للمشركين" وتارك الصلاة ليس بمشرك، لأننا نقول: إن ظاهر حديث جابر: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (١) أن ترك الصلاة نوع من الشرك، ثم، نقول: إن الله تعالى علل ذلك بقوله: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) ، وتارك الصلاة قد تبين بمقتضى الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأقوال الصحابة ﵃، والمعنى الصحيح، قد تبين لنا أنه من أصحاب الجحيم. فالعلة هي هي، والحكم إذا ثبت بعلة شمل كل ما تؤثر فيه هذه العلة. ومن الأحكام الأخروية التي تترب على ترك الصلاة: أنه إذا كان يوم القيامة حُشر مع فرعون، وهامان، وقارون، وأبيّ بن خلف - أئمة الكفر - والمحشور مع هؤلاء مآله مآلهم وهو النار والعياذ بالله. فليحذر الإنسان من ترك الصلاة، وليخف ربّه، وليؤد الأمانة التي حمّله الله إياها في نفسه، فإن لنفسه عليه حقا. قد يقول قائل: إن قولكم بأنه يكفر كفراً مخرجاً عن الملة، معارض بقول من قال من أهل العلم: إنه كفر دون كفر، وإنه لا يخرج به من الإسلام، ويحمل الأحاديث الواردة في ذلك على من تركها جحوداً، لا من تركها تهاوناً. وجوابنا عن ذلك أن نقول: إن المسألة لا شك مسألة خلافية، ولكن الله يقول: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) (الشورى: ١٠) ، ويقول : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء: ٥٩) . وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله ورسوله، تبين لنا أن الحكم مرتب على الترك لا على الجحود، وقد ذكرنا ذلك في سؤال سابق. ثم إننا نقول: هل أحد من الناس يزعم أنه أعلم من النبي ﷺ في أحكام الله ؟ وهل أحد يدعي أنه أنصح من رسول الله ﷺ للخلق؟ وهل أحد يزعم أنه أفصح من الرسول ﷺ فيما ينطق به؟ وهل أحد يزعم أنه أعلم من النبي ﷺ فيما يريده؟ كل هذه الأوصاف أو كل هذه الأمور الأربعة لا يمكن لأحد أن يدعيها، فإذا كان نبينا محمد ﷺ وهو أعلم الخلق بشريعة الله، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق فيما ينطق به، وأعلم الخلق بما يقول، يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" (٢) ، ويقول: " بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" (٣) ، فأي بيان أوضح من هذا في أن الحكم معلّق بالترك، ثم نقول لمن زعم أن المراد من تركها جاحداً لها: إنك حرفت النص من وجهين: الوجه الأول: أنك ألغيت الوصف الذي رتب عليه الحكم وهو الترك. الوجه الثاني: أنك جعلت وصفاً يتعلق به الحكم لا يدل عليه اللفظ وهو الجحد، فأين الجحد في قول الرسول ﵊: " فمن تركها فقد كفر"؟ ثم إننا نقول: إذا جحد الإنسان فرض الصلاة فهو كافر وإن صلى، فهل تقول أنت: إنه إذا جحدها وصلى لم يكن كافراً؟ سيقول: لا، إذا جحدها - أي جحد وجوبها فهو كافر وإن صلى، فنقول: إذاً خالفت الحديث، فالحديث يقول: "فمن تركها"، وأنت قلت: إن الحديث المراد به من تركها جاحداً لها، والكفر مرتب على زعمك على من تركها جاحداً، لا من جحدها بدون ترك، وأنت لا تقول بهذا، فعلى قولك يكون من جحدها بدون ترك يكون مسلماً!! فتبين بهذا واتّضح، أن القول الصواب أن من تركها متهاوناً متكاسلاً فهو كافر، أما من جحدها فهو كافر سواء صلى أم لم يصل. وما أشبه هذه الدعوى - أعني دعوى أن المراد من تركها جحداً لوجوبها ما أشبهها بما نقل عن الإمام أحمد في قوله تعالى: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) (النساء: ٩٣) ، روي عن الإمام أحمد أن بعض الناس يقول: إن المراد من قتل مؤمناً مستحلاً لقتله، فتعجب الإمام أحمد من هذا، وقال: إنه إذا استحل قتله فإنه كافر سواء قتله أم لم يقتله، والآية علقت الحكم بالقتل، وهذا نظير مسألتنا فيمن ترك الصلاة، ونحن إذا قلنا بكفر تارك الصلاة، فإننا نبرأ إلى الله ، أن نقول عليه ما لا يدل عليه كلامه، أو كلام رسوله ﷺ ، ونرى أن القول بالتكفير كالقول بالإيجاب والتحريم، لا يتلقى إلا من جهة الشرع، وإن الجرأة على القول بالتكفير كالجرأة على القول بالإيجاب فيما لم يجب، وبالتحريم فيما لم يحرم، لأن الكل أمره إلى الله ، التحليل والتحريم والإيجاب والبراءة والتكفير وعدم التكفير، كلها أمرها إلى الله ، فعلى المرء أن يقول بما يقتضيه كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولا يلاحظ أي اعتبار يخالف ذلك. شروط الصلاة

стр. 92

السؤال (٨٩) : فضيلة الشيخ، ما هي شروط الصلاة؟ وماذا يترتب عليها ؟ الجواب: شروط الصلاة: ما يتوقف عليه صحة الصلاة، لأن الشرط في اللغة: العلامة، كما قال الله تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) (محمد: ١٨) ، أي علاماتها، والشرط في الشرع، في اصطلاح أهل الأصول: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود. وشروط الصلاة عدة، أهمها: الوقت، كما قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (النساء: ١٠٣) ، ولهذا يسقط كثير من الواجبات مراعاة للوقت، وينبغي بل يجب على الإنسان أن يحافظ على أن تكون الصلاة في وقتها، وأوقات الصلاة ذكرها الله تعالى مجملة في كتابه، وذكرها النبي ﷺ مفصلة في سنته. أما في الكتاب العزيز، فقال الله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (الاسراء: ٧٨) فقوله تعالى (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي زوالها. وقوله (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) أي انتصاف الليل، لأن أقوى غسق في الليل نصفه، وهذا الوقت من نصف النهار إلى نصف الليل يشتمل على أوقات أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. وهذه الأوقات كلها متتالية، ليس بينها فاصل، فوقت الظهر: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل الشيء كطوله، ووقت العصر: من هذا الوقت إلى اصفرار الشمس: الوقت الاختياري، وإلى غروب الشمس: الوقت الاضطراري، ووقت المغرب: من غروب الشمس إلى مغرب الشفق، وهو الحمرة التي تكون في الأفق بعد غروب الشمس، ووقت العشاء: من هذا الوقت إلى منتصف الليل. هذه هي الأوقات الأربعة المتصلة بعضها ببعض. وأما من نصف الليل إلى طلوع الفجر، فليس وقتاً لصلاة فريضة. ووقت صلاة الفجر: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولهذا فصله الله تعالى عما قبله فقال (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) ثم قال: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) ، والسنة جاءت مبينة لهذا على ما وصفته آنفاً. هذه الأوقات التي فرضها الله على عباده، لا يجوز للإنسان أن يقدم الصلاة عن وقتها، ولا يجوز أن يؤخرها عن وقتها، فإن قدمها عن وقتها، ولو بقدر تكبيرة الإحرام لم تصح، لأنه يجب أن تكون الصلاة في نفس الوقت، لأن الوقت ظرف، فلابد أن يكون المظروف داخله. ومن أخر الصلاة عن وقتها، فإن كان لعذر من نوم أو نسيان أو نحوه، فإنه يصليها إذا زال ذلك العذر، لقول النبي ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك" (١) ، ثم تلى قول الله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) (طه: ١٤) ، وإن لم يكن له عذر فإن صلاته لا تصح، ولو صلى ألف مرة، فإذا ترك الإنسان الصلاة فلم يصلها في وقتها، فإنها لا تنفعه، ولا تبرأ بها ذمته إذا كان تركه إياها لغير عذر، ولو صلاها آلاف المرات، دليل ذلك قوله ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (٢) . ومن ترك الصلاة حتى خرج وقتها لغير عذر، فقد صلاها على غير أمر الله ورسوله، فتكون مردودة عليه. لكن من رحمة الله بعباده، أن وسع لهم فيما إذا كان لهم عذر يشق عليهم أن يصلوا الصلاة في وقتها، رخص لهم في الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، فإذا شق على الإنسان أن يصلي كل صلاة في وقتها من الصلاتين المجموعتين، فإنه يجوز أن يجمع بينهما، إما جمع تقديم، وإما جمع تأخير، على حسب ما يتيسر له، لقول الله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) ، وثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر، فسئل ابن عباس عن ذلك، يعني لم صنع الرسول ﷺ هذا؟ قال: أراد ألا يحرج أمته (٣) ، ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا لحقته مشقة في ترك الجمع بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء، فإنه يجوز له أن يجمع بينها. والوقت أهم الشروط، ولهذا كان الوقت شرطاً وسبباً. من الشروط أيضاً: ستر العورة، لقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف: ٣١) ، وقال النبي ﷺ لجابر بن عبد الله في الثوب: " فإن كان واسعاً فالتحف به، وإن كان ضيقاً فاتزر به" (٤) . وقال ﷺ فيما رواه أبو هريرة: " لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء" (٥) ، وهذا يدل على أنه يجب على الإنسان أن يكون مستتراً في حال الصلاة، وقد نقل ابن عبد البر ﵀ إجماع العلماء على ذلك، وأن من صلى عرياناً مع قدرته على السترة، فإن صلاته لا تصح. وفي هذا المجال قسم العلماء ﵏ العورة إلى ثلاثة أقسام: مخففة، ومغلظة، ومتوسطة، فالمغلظة: عورة المرأة الحرة البالغة، قالوا: إن جميع بدنها عورة في الصلاة، إلا وجهها، واختلفوا في الكفين والقدمين. والمخففة: عورة الذكر من سبع سنين إلى عشر سنين فإن عورته الفرجان القبل والدبر فلا يجب عليه أن يستر فخذه، لأنه صغير. والمتوسطة: ما عدا ذلك، قالوا: فالواجب فيها: ستر ما بين السرة والركبة، فيدخل في ذلك: الرجل البالغ عشراً فما فوق، ويدخل في ذلك المرأة التي لم تبلغ، ويدخل في ذلك الأم المملوكة، ومع هذا فإننا نقول: المشروع في حق كل إنسان، أن يأخذ زينته عند كل صلاة، وأن يلبس اللباس الكامل، لكن لو فرض أنه كان هناك خرق في ثوبه على ما يكون داخلاً ضمن العورة، فإنه حينئذ يناقش فيه: هل تصح صلاته أو لا تصح؟ ، ثم إن المرأة إذا كان حولها رجال غير محارم، فإنه يجب عليها أن تستر وجهها ولو في الصلاة، لأن المرأة لا يجوز لها كشف وجهها عند غير محارمها. توضيح

стр. 93

السؤال (٩٠) : فضيلة الشيخ، قبل أن نخرج من الشرط الثاني، قلتم إذا كان فيه خرق يناقش فيه، كيف يناقش فيه ؟ الجواب: إذا كان فيه خرق فإنه يناقش فيه، إذ إنه يفرق بين اليسير والكثير، ويفرق بين ما كان على حذاء العورة المغلظة كالفرجين، وما كان متطرفاً، كالذي يكون في طرف الفخذ وما أشبه ذلك، أو يكون في الظهر من فوق الإليتين أو في البطن من دون السرة وفوق السوأة، المهم أن كل مكان له حظّه من تغليظ العورة. ولعل هذا السؤال أيضاً يجرنا إلى التنبيه على مسألة يفعلها بعض الناس في أيام الصيف، حيث يلبس سراويل قصيرة، ثم يلبس فوقها ثوباً شفافاً يصف البشرة ويصلي، فهذا لا تصح صلاته لأن السراويل القصيرة التي لا تصل إلى الركبة أو بعبارة أصح التي لا تستر ما بين السرة والركبة، إذا لبس فوقها ثوباً خفيفاً يصف البشرة، فإنه لم يكن ساتراً لعورته التي يجب عليه أن يسترها في الصلاة. ومعنى قولنا " يصف البشرة": أي يبين من ورائه لون الجلد، هل هو أحمر أو أسود أو بين ذلك، وليس المعنى أن يبين حجم الجلد، فإن هذا لا يضر، وإن كان كلما كان أثخن فهو أفضل، لكنه لا يضر، لأنه ليس بشفاف ترى من ورائه البشرة. فمثلاً يوجد ثياب إذا كان تحتها سراويل تعرف الفرق بين حد السروال من بقية الجلد لكن لا يتبين لك لون الجلد، فهذا تصح الصلاة معه، لكن كما قلنا كلما كان أثخن فهو أفضل. ومن شروط الصلاة أيضاً: الطهارة، وهي نوعان: طهارة من الحدث، وطهارة من النجس. أولاً: الطهارة من الحدث: والحدث نوعان: حدث أكبر، وهو ما يوجب الغسل، وحدث أصغر، وهو ما يوجب الوضوء. وقد سبق لنا ذكر الغسل والوضوء وأسبابهما، وهي نواقض الوضوء، وموجبات الغسل، فلا حاجة إلى إعادة ذلك مرة أخرى. لكن الذي يهمنا هنا، أن نبين أن الطهارة من الحدث شرط، وهو من باب الأوامر التي يطلب فعلها لا التي يطلب اجتنابها، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم: أن ترك المأمور لا يعذر فيه بالنسيان والجهل، وبناء على ذلك: فلو أن أحداً من الناس صلى بغير وضوء ناسياً، فإنه يجب عليه أن يعيد صلاته بعد أن يتوضأ، لأنه أخل بشرط إيجابي مأمور بفعله، وصلاته بغير وضوء ناسياً ليس فيها إثم لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) ، لكنها صلاة غير صحيحة، فلا تبرأ بها الذمة، فيكون مطالباً بها. ولا فرق في هذا بين أن يكون الإنسان منفرداً، أو مأموماً، أو إماماً، فكل من صلى بغير وضوء، أو بغير غسل من حدث أكبر ناسياً، فإنه يجب عليه إعادة الصلاة متى ذكر، حتى وإن كان إماماً، إلا أنه إذا كان إماماً، وذكر في أثناء الصلاة فإنه ينصرف، ويأمر من خلفه أن يتم الصلاة، فيقول لأحدهم: تقدم أتم الصلاة بهم، فإن لم يفعل أي لم يعين من يتم الصلاة بهم قدموا واحداً منهم فأتم، فإن لم يفعلوا أتم كل واحد على نفسه، ولا يلزمهم أن يستأنفوا الصلاة من جديد، ولا أن يعيدوا الصلاة لو لم يعلموا إلا بعد ذلك، لأنه معذورون حيث إنهم لا يعلمون حال إمامهم، وكذلك لو صلى بغير وضوء جاهلاً، فلو قدم إليه طعام وفيه لحم إبل، وأكل من لحم الإبل، وهو لا يدري أنه لحم إبل، ثم قام فصلى، ثم علم بعد ذلك، فإنه يجب عليه أن يتوضأ ويعيد صلاته ولا إثم عليه حين صلى، وقد انتقض وضوءه وهو لا يدري بانتقاضه، لقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (البقرة: ٢٨٦) . حكم صلاة الإمام بغير وضوء ناسياً

стр. 94

السؤال (٩١) : فضيلة الشيخ، نحب أن نسأل إذا لم يعلم الإمام أن وضوءه منتقض إلا بعد انتهاء الصلاة، فهل يلزمه الإعادة هو والمأمومون أم لا ؟ الجواب: حكم ذلك أن الإمام يجب عليه إعادة الصلاة، وأما المأمومون فلا تجب عليهم إعادة الصلاة، وهم في الأجر قد نالوا أجر الجماعة، لأنهم صلوا جماعة، فيكبت لهم الأجر، ولا يخفى أيضاً أننا إذا قلنا: إنه إذا صلى بغير وضوء أو بغير غسل من الجنابة، أنه إذا كان معذوراً لا يتمكن من استعمال الماء، فإنه يتيمم بدلاً عنه، فالتيمم عند تعذر استعمال الماء يقوم مقام الماء، فإذا قدر أن هذا الرجل لم يجد الماء، وتيمم وصلى، فصلاته صحيحة، ولو بقي أشهراً ليس عنده ماء أو لو بقي أشهراً مريضاً لا يستطيع أن يستعمل الماء، فإن صلاته بالتيمم صحيحة، فالتيمم يقوم مقام الماء عند تعذر استعماله، وإذا قلنا: إنه يقوم مقامه عند تعذر استعماله، فإنه إذا تطهر بالتيمم، بقي على طهارته حتى تنتقض الطهارة، حتى لو خرج الوقت، وهو على تيممه، فإنه لا يلزمه إعادة التيمم للصلاة الثانية، لأن التيمم مطهر، كما قال الله تعالى في آية المائدة لما ذكر التيمم قال: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) (المائدة: ٦) ، وقال النبي ﵊: " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" (١) . حكم ائتمام المتوضئ بالمتيمم

стр. 95

السؤال (٩٢) : فضيلة الشيخ، أيضاً ربما يستفسر: هل يجوز أن يؤم متيمم متوضئاً ؟ الجواب: نقول: نعم، يجوز أن يكون المتيمم إماماً للمتوضئ، لأن كلا منهما قد صلى بطهارة مأذون فيها. ثانياً الطهارة من النجاسة: أما الشق الثاني: الطهارة من النجاسة ومواضعها ثلاثة: البدن، والثوب، والبقعة، فلابد أن يتنزه الإنسان عن النجاسة في بدنه، وثوبه، وبقعته، ودليل ذلك في البدن: أن النبي ﷺ مرّ بقبرين فقال: " إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول" (١) . وكذلك أمر النبي ﷺ المرأة الحائض إذا أصاب الحيض ثوبها، أن تغسله ثم تصلي فيه" (٢) . ففيه دليل على وجوب تطهير الثوب من النجاسة، وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه أتي بصبي لم يأكل الطعام، فوضعه في حجره فبال عليه، فدعا بإناء من ماء فأتبعه إياه (٣) . وأما البقعة: ففي حديث أنس ﵁ أن رجلاً أعرابياً جاء فبال في طائفة المسجد أي في جانب منه فأمر النبي ﷺ أن يراق على بوله ذنوب من ماء (٤) . إذن: فلابد أن يتجنب الإنسان النجاسة، في بدنه وثوبه وبقعته التي يصلي عليها. فإن صلى وبدنه نجس أي قد أصابته نجاسة لم يغسلها أو ثوبه نجس، أو بقعته نجسة، ولكنه لم يعلم بهذه النجاسة، أو علم بها ثم نسي أن يغسلها، حتى تمت صلاته، فإن صلاته صحيحة، ولا يلزمه أن يعيد ودليل ذلك: أن النبي ﷺ صلى بأصحابه ذات يوم، فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما أنصرف النبي ﷺ سألهم عن سبب خلع نعالهم فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: " إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً" (٥) . ولو كانت الصلاة تبطل لاستصحاب النجاسة حال الجهل لأستأنف النبي ﷺ الصلاة، فإن الإنسان لو ذكر أنه لم يتوضأ في أثناء صلاته، وجب عليه أن ينصرف ويتوضأ، إذن اجتناب النجاسة في البدن، والثوب، والبقعة شرط لصحة الصلاة، لكن إذا لم يتجنب الإنسان النجاسة جاهلاً أو ناسياً وصلى، فإن صلاته صحيحة، سواء علم بها قبل الصلاة ثم نسي أن يغسلها، أو لم يعلم بها إلا بعد الصلاة. فإن قلت: ما الفرق بين هذا وبين ما إذا صلى بغير وضوء ناسياً أو جاهلاً، حيث أمرنا من صلى بغير وضوء جاهلاً أو ناسياً بالإعادة، ولم نأمر هذا الذي صلى بالنجاسة ناسياً أو جاهلاً بالإعادة؟ قلنا: الفرق بينهما أن الوضوء أو الغسل من باب فعل المأمور، وأما اجتناب النجاسة فهو من باب ترك المحظور، وفعل المأمور لا يعذر فيه بالجهل والنسيان، بخلاف ترك المحظور. ومن شروط الصلاة: استقبال القبلة، لقول الله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة: ١٤٤) ، فاستقبال القبلة شرط لصحة الصلاة، فمن صلى إلى غير القبلة، فصلاته باطلة غير صحيحة، لا مبرئة لذمته إلا في أحوال أربعة: الحال الأولى: إذا كان عاجزاً عن استقبال القبلة، مثل أن يكون مريضاً، وجهه إلى غير القبلة، ولا يتمكن من الانصراف إلى القبلة، فإن صلاته تصح على أي جهة كان، لقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: ١٦) ، وهذا الرجل لا يستطيع أن يتحول إلي القبلة، لا بنفسه ولا بغيره. الحال الثانية: - إذا كان خائفاً من عدو أو كان هارباً واتجاهه إلى غير القبلة، ففي هذه الحال يسقط عنه استقبال القبلة، لقول الله تعالي: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) (البقرة: ٢٣٩) ومعلوم أن الخائف قد يكون اتجاهه إلى القبلة، وقد يكون اتجاهه إلى غير القبلة، فإذا رخص الله له في الصلاة راجلاً أو راكباً، فمقتضى ذلك أن يرخص له في الاتجاه إلى غير القبلة، إذا كان يخاف على نفسه إذا اتجه إلى القبلة. الحال الثالثة: إذا كان في سفر وأراد أن يصلي النافلة، فإنه يصلي حيث كان اتجاه سيره، ثبت ذلك عن النبي ﷺ أنه كان يصلي في السفر حيث كان وجهه، إلا أنه لا يصلي المكتوبة، ففي النافلة يصلي المسافر حيث كان وجهه، بخلاف الفريضة، فإن الفريضة يجب عليه أن يستقبل القبلة فيها في السفر. الحال الرابعة: إذا كان قد اشتبهت عليه القبلة، فلا يدري أي الجهات تكون القبلة، ففي هذه الحال يتحرى بقدر ما يستطيع ويتجه حيث غلب على ظنه أن تلك الجهة هي القبلة، ولا إعادة عليه لو تبين له فيما بعد أنه صلى إلى غير القبلة. وقد يقول قائل: إن هذه الحالة لا وجه لاستثنائها، لأننا نلزمه أن يصلي إلى الجهة التي يغلب على ظنه أنها القبلة، ولا يضره إذا لم يوافق القبلة، لأن هذا منتهى قدرته واستطاعته، وقد قال الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة: ٢٨٦) ، وقال تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (التغابن: ١٦) . بقية شروط الصلاة

стр. 96

السؤال (٩٣) : فضيلة الشيخ، نريد أن نستكمل معكم بقية شروط الصلاة، وقد ذكرتم منها: الوقت، وستر العورة، والطهارة، واستقبال القبلة ؟ الجواب: سبق أن تكلمنا على شرط استقبال القبلة لصحة الصلاة، وذكرنا أنه يستثنى من ذلك أحوال أربع، وأن الحالة الرابعة وهي ما إذا اشتبهت القبلة على الإنسان قد يناقش فيها. وعلى كل حال فإننا نقول: سواء جعلناها مما يستثنى، أو مما لا يستثنى، فإن الإنسان فيها يجب عليه أن يتقي الله ما استطاع، وأن يتحرى الصواب فيعمل به ولكن هاهنا مسألة وهي أنه يجب أن نعرف، أن استقبال القبلة يكون إما إلى عين القبلة وهي الكعبة، وإما إلى جهتها، فإن كان الإنسان قريباً من الكعبة يمكنه مشاهدتها، ففرض أن يستقبل عين الكعبة، لأنها هي الأصل، وأما إذا كان بعيداً لا يمكنه مشاهدة الكعبة، فإن الواجب عليه أن يستقبل الجهة، وكلما بعد الإنسان عن مكة، كانت الجهة في حقه أوسع لأن الدائرة كلما تباعدت اتسعت، ولهذا قال النبي ﷺ : " ما بين المشرق والمغرب قبلة" (١) ، هذا بالنسبة لأهل المدينة، وذكر أهل العلم ﵏ أن الانحراف اليسير في الجهة لا يضر، والجهات معروف أنها أربع: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، فإذا كان الإنسان عن الكعبة شرقاً أو غرباً، كانت القبلة في حقه ما بين الشمال والجنوب، وإذا كان عن الكعبة شمالاً أو جنوباً، صارت القبلة في حقه ما بين الشرق والغرب، لأن الواجب استقبال الجهة. نعم لو فرض أن الإنسان كان شرقاً عن مكة واستقبل الشمال، فإن ذلك لا يصح، لأنه جعل الجهة على يساره، وكذلك لو استقبل الجنوب، فإن ذلك لا يصح لأنه جعل القبلة عن يمينه، وكذلك لو كان من أهل الشمال واستقبل الغرب، فإن صلاته لا تصح، لأنه جعل القبلة عن يساره، ولو استقبل الشرق، فإن ذلك لا يصح أيضاً، لأنه جعل القبلة عن يمينه. وقد يسر الله لعباده في هذا الوقت وسائل تبين القبلة بدقة وهي مجربة، فينبغي للإنسان أن يصطحب هذه الوسائل معه في السفر، لأنها تدله على القبلة إذا كان في حال لا يتمكن معها من معرفة القبلة. وكذلك ينبغي لمن أراد إنشاء مسجد، أن يتبع ما تقتضيه هذه الوسائل المجربة والتي عرف صوابها. من شروط الصلاة أيضاً: " النية"، والنية محلها القلب، واشتراط النية إنما يذكر من أجل التعيين أو التخصيص، أما من حيث الإطلاق، فإنه لا يمكن لأحد عاقل مختار، أن يقوم فيتوضأ، ثم يذهب ويصلي، لا يمكن أن يفعل ذلك وقد نوى للصلاة، لكن الكلام على التعين فالتعيين لابد منه في النية، فينوي الظهر ظهراً، والعصر عصراً، والمغرب مغرباً، والعشاء عشاء، والفجر فجراً، لابد من ذلك، ولا يكفي نية الصلاة المطلقة، لأن نية الصلاة المطلقة أعم من نية الصلاة المعينة، والأعم لا يقضي على الأخص، فمن نوى الأعم لم يكن ناوياً للأخص ومن نوى الأخص كان ناوياً للأعم لدخوله به. ولهذا نقول: إذا انتقل الإنسان من مطلق إلى معين، أو من معين إلى معين لم يصح ما انتقل إليه، وأما ما انتقل منه فإن كان من مطلق إلى معين تبطل نية الإطلاق، وإن كان من معين إلى معين بطل الأول والثاني، وهذا القول المجمل أبينه في الأمثلة: رجل أخذ يصلي ناوياً نفلاً مطلقاً، ثم أراد أن يقلب النية في أثناء الصلاة إلى نفل معين، أراد أن يجعل هذا النفل المطلق راتبة، فهنا نقول: لا ينفع ذلك، لأن الراتبة لابد أن تكون منوية من قبل تكبيرة الإحرام، وإلا لم تكن راتبة، لأن الجزء الأول الذي خلا من نية الراتبة، صار بغير نية الراتبة، لكن لو كان يصلي راتبة، ثم نواها نفلاً مطلقاً، وألغى نية التعيين صح ذلك، وذلك لأن الصلاة المعينة تضمين نية التعيين ونية الإطلاق، فإذا ألغى نية التعيين بقيت نية الإطلاق. مثال آخر: رجل دخل يصلي بنية العصر، ثم ذكر في أثناء الصلاة، أنه لم يصل الظهر، فحول نية العصر إلى الظهر، فهنا لا تصح، لا صلاة الظهر، ولا صلاة العصر، أما صلاة العصر فلا تصح، لأنه قطعها، وأما صلاة الظهر فلا تصح، لأنه لم ينوها من أولها، لكن إذا كان جاهلاً، صارت هذه الصلاة في حقه نفلاً، لأنه لما ألغى التعيين، بقي الإطلاق. والخلاصة: أني أقول: إن النية المطلقة في العبادات لا أظن أحداً لا ينويها أبداً، إذ ما من شخص يقول فيفعل إلا وقد نوى، لكن الذي لابد منه هو نية التعيين والتخصيص. كذلك أيضاً مما يدخل في النية: نية الإمامة بعد أن كان منفرداً، أو الائتمام بعد أن كان منفرداً، وهذا فيه خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا بأس به، فنية الإمامة بعد أن كان منفرداً، مثل أن يشرع الإنسان في الصلاة وهو منفرد، ثم يأتي رجل آخر يدخل معه، ليصيرا جماعة فلا بأس بذلك، لأن النبي ﷺ قام يصلي من الليل، وكان ابن عباس ﵄ نائماً، ثم قام ابن عباس فتوضأ ودخل مع النبي ﷺ ، وأقره النبي ﷺ (٢) ، والأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل. فلو شرع الإنسان يصلي وحده، ثم جاء آخر فدخل معه فجعله إماماً له فلا بأس، ويكون الأول إماماً والثاني مأموماً، وكذلك بالعكس، لو أن أحداً شرع في الصلاة منفرداً، ثم جاء جماعة، فصلوا جماعة، فانضم إليهم، فقد انتقل من انفراد إلى ائتمام، وهذا أيضاً لا بأس به، لأن الانتقال هنا ليس إبطالاً للنية الأولى، ولكنه انتقال من وصف إلى وصف فلا حرج فيه. هذه من أهم الشروط التي ينبغي الكلام عليها، وهناك شروط أخر كالإسلام، والتمييز، والعقل، لكن هذه شروط في كل عبادة. صفة الصلاة

стр. 97

السؤال (٩٤) : فضيلة الشيخ، ما هي صفة الصلاة المفروضة ؟ الجواب: إن معرفة صفة الصلاة كمعرفة صفة غيرها من العبادات من أهم ما يكون، وذلك لأن العبادة لا تتم إلا بالإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ ، والمتابعة لرسول الله ﷺ لا تكون إلا بمعرفة طريقة عبادة الرسول ﵊ حتى يتبعه الإنسان فيها، فمعرفة صفة الصلاة مهمة جداً، وإني أحث نفسي وإخواني المسلمين على أن يتلقوا صفة النبي من الكتب الصحيحة، من كتب الحديث المعتبرة، حتى يقيموها على حسب ما أقامها النبي ﷺ الذي هو قدوتنا وإمامنا وأسوتنا صلوات الله وسلامه عليه، وجعلنا من أتباعه بإخلاص، وها نحن نذكرها، سائلين الله أن يوفقنا للصواب، فنقول: فصفة الصلاة أن يقوم الإنسان بشروطها السابقة التي تسبق عليها كالطهارة من الحدث والخبث، واستقبال القبلة وغيرها من الشروط، لأن شروط الصلاة تتقدم عليها، ثم يكبر، فقول: الله أكبر، رافعاً يديه إلى حذو منكبيه، أو إلى فروع أذنيه، ثم يضع يديه اليمنى على ذراعه اليسرى على صدره، ثم يستفتح بما ورد عن النبي ﷺ من الاستفتاح، يستفتح بأي نوع ورد، إما بقول " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد (١) أو بقول " سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك" (٢) ، أو بغيرهما مما ورد عن النبي ﷺ . ثم يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم يقرأ الفاتحة، ويقف على كل آية منها فيقول: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (٢) (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (٣) (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) (: ٤) (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) (٥) (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) (٦) (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ) (٧) ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، والأفضل أن يقرأ سورة تامة تكون في الفجر من طوال المفصل، وفي المغرب من قصاره غالباً، وفي الباقي من أوساطه. ثم يرفع يديه مكبراً في الركوع فيقول: الله أكبر، ويضع يديه مفرجتي الأصابع على ركبتيه، ويمد ظهره متسوياً مع رأسه، لا يرفع رأسه ولا يصوبه ويقول: سبحان ربي العظيم، يكررها ثلاثاً وهو أدنى الكمال، وإن زاد فلا بأس. ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه كذلك كما رفعهما عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، ثم يقول بعد قيامه: ربنا ولك الحمد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، ثم يسجد مكبراً، ولا يرفع يديه حال السجود، ولا يرفع يديه إذا هوى إلى السجود. قال ابن عمر ﵄: وكان لا يفعل ذلك - يعني الرفع - في السجود ويسجد على ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته وأنفه، يسجد على أعضاء سبعة: الجبهة والأنف، وهما عضو واحد، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، ويجافي عضديه عن جنبيه، ويرفع ظهره ولا يمده، ويجعل يديه حذاء وجهه، أو حذاء منكبيه، مضمومتي الأصابع، مبسوطة، ورؤوس الأصابع نحو القبلة، فيقول: سبحان ربي الأعلى، أدنى الكمال ثلاث، ويزيد ما شاء، ولكن يغلب في السجود جانب الدعاء، لقول النبي ﷺ : "أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم (٣) . ثم يرفع من السجود مكبراً، ولا يرفع يديه، ويجلس مفترشاً رجله اليسرى، ناصباً رجله اليمنى، ويضع يديه على فخذيه أو على أعلى ركبتيه، وتكون اليمنى مضمومة الأصابع الثلاثة: الخنصر، والبنصر، والإبهام، وإن شاء حلق الإبهام مع الوسطى، وأما السبابة فتبقى مفتوحة، ويحركها عند الدعاء، ويقول: رب اغفر لي، وارحمني، وأجبرني، وعافني وارزقني. وكلما دعا حرك أصبعه نحو السماء، إشارة إلى علو المدعو، أما اليد اليسرى، فإنها تبقى على الرجل اليسرى، على الفخذ، أو على طرف الركبة، مبسوطة، مضمومة أصابعها، متجهاً بها إلى القبلة، ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما يقال وما يفعل. ثم يرفع من السجود إلى القيام مكبراً، ولا يرفع يديه عند هذا القيام، لأن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ في حديث صحيح، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر لكن تكون قراءته دون القراءة في الركعة الأولى، ويصلي الركعة الثانية كما صلاها في الركعة الأولى. ثم يجلس للتشهد، وجلوسه للتشهد كجلوسه للدعاء بين السجدتين، أي يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى، ويضع يده اليمنى على رجله اليمنى، ويده اليسرى على رجله اليسرى، على صفة ما سبق في الجلوس بين السجدتين، ويقرأ التشهد: " التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" ثم إن كان ي ثنائية كالفجر والنوافل، فإنه يكمل التشهد، فيستمر فيه "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، أعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"، ثم إن أحب أطال في الدعاء، ما شاء، ثم يسلم عن يمينه: " السلام عليكم ورحمة الله " وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله". أما إذا كان في ثلاثة أو رباعية، فإنه بعد أن يقول في التشهد: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله" يقوم، فيصلي ما بقي من صلاته مقتصراً على قراءة الفاتحة، أما عن الركوع والسجود، فكما سبق في الركعتين الأوليين، ثم يجلس للتشهد الثاني، وهو التشهد الأخير، لكن يكون جلوسه توركاً. والتورك له ثلاث صفات: إما أن ينصب رجله اليمنى، ويخرج اليسرى من تحت ساقها، وإما أن يفرش الرجل اليمنى والرجل اليسرى من تحت ساقها، أي من تحت ساق اليمنى، وإما أن يفرش اليمنى ويدخل اليسرى بين ساق اليمنى وفخذها، كل ذلك ورد عن النبي ﷺ ، ثم إذا أكمل التشهد سلم عن يمينه وعن يساره كما سبق. هذه هي صفة الصلاة والواردة عن النبي ﷺ ، فليجتهد الإنسان باتباعها ما استطاع، لأن ذلك أكمل في عبادته، وأقوى في إيمانه وأشد في اتباعه لرسول الله ﷺ . وضع الرجلين أثناء القيام في الصلاة

стр. 98

السؤال: (٩٥) : فضيلة الشيخ، ذكرتم- جزاكم الله خيراً - بالتفصيل وضع الأيدي في القيام وفي الركوع، وكذلك في السجود، وكذلك في الجلسة بين السجدتين، لكننا لم نسمع شيئاً عن وضع الرجلين، ونحن نشاهد الآن كثيراً من الناس يفرج ما بين رجليه، فيتسع ما بين مناكب المصلين. فما الصحيح في ذلك ؟ الجواب: وضع الرجلين في حال القيام طبيعي، بمعنى أنه لا يدني بعضهما من بعض، ولا يباعد ما بينهما، كما روي ذلك عن ابن عمر ﵄، ذكره في شرح السنة أنه كان ﵄ لا يباعد بين رجليه ولا يقارب بينهما، هذا في حال القيام وفي حال الركوع. أما في حال الجلوس فقد عرفناه فيما سبق، وأما في حال السجود فالأفضل أن يلصق إحدى القدمين بالأخرى، وألا يفرق بينهما، كما يدل على ذلك حديث عائشة ﵂، حين وقعت يدها على قدمي النبي ﷺ منصوبتين وهو ساجد (١) ، ومعلوم أن اليد الواحدة لا تقع على قدمين منصوبتين إلا وبعضها قد ضم إلى بعض، وكذلك جاء صريحاً في صحيح ابن خزيمة ﵀ أنه يلصق إحدى القدمين بالأخرى في حال السجود (٢) . وقبل أن ننتهي من صفة الصلاة نود أن نبين أنه ينبغي للإنسان إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله بما ورد عن النبي ﷺ ، لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (النساء: ١٠٣) ، ومن ذلك: أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام، ثم يذكر الله بما ورد عن النبي ﷺ ، ثم يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميعاً، أي أنه إن شاء قال: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وإن شاء قال: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، ثلاثاً وثلاثين، ثم: الحمد لله، ثلاثاً وثلاثين، ثم: الله أكبر ثلاثاً وثلاثاً، كل ذلك جائز، بل وتجوز أيضاً صفة أخرى: أن يسبح عشراً، ويكبر عشراً، ويحمد عشراً، وتجوز صفة رابعة: أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمساً وعشرين مرة، فتتم مائة. والمهم أن كل ما ورد عن النبي ﷺ من الأذكار بعد الصلاة فليقله، إما على سبيل البدل، أو على سبيل الجمع، لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلاً عن بعض، وبعض الأذكار يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) (البقرة: ١٩٨) ، وأتباعاً لسنة رسول الله ﷺ . وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي ﷺ (٣) . فيسن للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر اقتداء بالصحابة في عهد رسول الله ﷺ ، بل اقتداء بالرسول ﷺ ، لأنه كان يرفع صوته بذلك، كما قال ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي ﷺ إلا بالتكبير (٤) ، وقول بعض أهل العلم: أنه يسن الإسرار بهذا الذكر، وأن جهر النبي ﷺ كان للتعليم، فيه نظر، فإن الأصل فيما فعله الرسول ﵊ أن يكون مشروعاً في أصله ووصفه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه وهو رفع الصوت به مشروعاً، لكان يكفي ما علمه النبي ﷺ أمته فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله، فلا حاجة إلى أن يعلمهم برفع الصوت، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين، ولا يحافظ عليه الرسول ﵊، كلما سلم رفع صوته بالذكر. أركان الصلاة

стр. 99

السؤال (٩٦) : فضيلة الشيخ، ما هي أركان الصلاة ؟ الجواب: صفة الصلاة التي ذكرناها آنفاً تشتمل على أركان الصلاة وواجباتها وسننها، وأهل العلم ﵏ ذكروا أن ما يقع في هذه الصلاة، أو أن ما يكون من هذه الصفة ينقسم إلى أركان وواجبات وسنن، على اتفاق فيما بينهم في بعض الأركان والواجبات، وخلاف فيما بينهم في بعضها، فنذكر مثلاً من الأركان: الأول: القيام مع القدرة: وهذا ركن في الفرض خاصة، لقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨) ، وقول النبي ﷺ لعمران بن الحصين: " صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب" (١) . الثاني من الأركان: تكبيرة الإحرام، لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر" (٢) . ولابد أن يقول: الله أكبر، فلا يجزئ أن يقول: الله أجل، أو الله أعظم، وما أشبه ذلك. وينبغي أن يعلم أنه لا يصح أن يقول: الله أكبر بمد الهمزة، لأنها تنقلب حينئذ استفهاماً، ولا أن يقول: الله أكبار بمد الباء، لأنها حينئذ تكون جمعاً للكبر، والكَبَر هو الطبل، فأكبار كأسباب جمع سبب، وأكبار جمع كبر، هكذا قال أهل العلم فلا يجوز أن يمد الإنسان الباء، لأنها تنقلب بلفظها إلى جمع كبر، وأما ما يقوله بعض الناس: الله وكبر فيجعل الهمزة واواً، فهذا له مساغ في اللغة العربية، فلا تبطل به الصلاة. الركن الثالث: قراءة الفاتحة، لقول النبي ﷺ : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (٣) ، ولكن إذا كان لا يعرفها فإنه يلزمه أن يتعلمها، فإن لم يتمكن من تعلمها، قرأ ما يقوم مقامها من القرآن إن كان يعلمه، وإلا سبح وحمد الله وهلّل. الركن الرابع: الركوع: لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (الحج: ٧٧) ، ولقول البني ﷺ للرجل الذي أساء في صلاته ولم يصلها على وجه التمام: " ثم اركع حتى تطمئن راكعاً" *. الركن الخامس: الرفع من الركوع، لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم ارفع حتى تطمئن قائماً" (٤) . الركن السادس: السجود، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) (الحج: من الآية٧٧) ولقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً (٥) . الركن السابع: الجلوس بين السجدتين، لقول الرسول ﷺ للمسيء في صلاته: " ثم ارفع حتى تطمئن جالساً (٦) . الركن الثامن: السجود الثاني، لأنه لابد في كل ركعة من سجودين لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: " ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً" (٧) بعد أن ذكر قوله: " ثم ارفع حتى تطمئن جالساً". أما الركن التاسع: فهو التشهد الأخير، لقول ابن مسعود ﵁: كنا نقوم قبل أن يفرض علينا التشهد، فدل هذا على أن التشهد فرض. الركن العاشر: وهو الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد. الركن الحادي عشر: الترتيب بين الأركان: القيام، ثم الركوع، ثم الرفع منه، ثم السجود، ثم الجلوس بين السجدتين، ثم السجود، فلو بدأ بالسجود قبل الركوع لم تصح صلاته، لأنه أخل بالترتيب. الثالث عشر: الطمأنينة في الأركان، لقول النبي ﷺ للمسيء في صلاته: "ثم اركع حتى تطمئن"، ثم ارفع حتى تطمئن "، "ثم اسجد حتى تطمئن". والطمأنينة: أن يسكن الإنسان في الركن حتى يرجع كل فقال إلى موضعه، قال العلماء: وهي السكون وإن قل، فمن لم يطمئن في صلاته فلا صلاة له ولو صلى ألف مرة. وبهذا نعرف خطأ ما نشاهده من كثير من المصلين من كونهم لا يطمئنون ولا سيما في القيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، فإنك تراهم قبل أن يعتدل الإنسان قائماً إذا هو ساجد وقبل أن يعتدل جالساً إذا هو ساجد، وهذا خطأ عظيم، فلو صلى الإنسان على هذا الوصف ألف صلاة لم تقبل منه، لأن النبي ﷺ قال للرجل الذي كان يخل بالطمأنينة، فجاء فسلم على النبي ﷺ قال له النبي ﷺ : "ارجع فصل فإن لم تصل" (٨) ، وهذا يدل على أن من صلى صلاة أخل فيها بشيء من أركانها أو واجباتها على وجه أعم، فإنه لا صلاة له، بل ولو كان جاهلاً في مسألة الأركان، فإنه لا صلاة له. والركن الأخير وهو الرابع عشر: التسليم، بأن يقول في منتهى صلاته: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، والصحيح أن التسليمتين كلتاهما ركن، وأنه لا يجوز أن يخل بواحدة منهما، لا في الفرض ولا في النفل، وذهب بعض أهل العلم إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في الفرض والنافلة، وذهب آخرون إلى أن الركن التسليمة الأولى فقط في النافلة دون الفريضة، فلابد فيها من التسليمتين، لكن الأحوط أن يسلم الإنسان التسليمتين كلتيهما، هذه هي الأركان. حكم من ترك ركنا من أركان الصلاة

стр. 100

السؤال (٩٧) : فضيلة الشيخ، ما حكم من ترك ركناً من هذه الأركان ؟ الجواب: إذا ترك ركناً من هذه الأركان متعمداً فصلاته باطلة، تبطل بمجرد تركه، أما إذا كان ناسياً فإنه يعود إليه، فلو نسي أن يركع، ثم سجد حين أكمل قراءته، ثم ذكر وهو ساجد أنه لم يركع، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع ثم يكمل صلاته، ويجب عليه أن يرجع للركن الذي تركه ما لم يصل إلى مكانه من الركعة الثانية، فإن وصل إلى مكانه من الركعة الثانية قامت الركعة الثانية مقام الركعة التي تركه منها. فلو أنه لم يركع، ثم سجد، جلس بين السجدتين، وسجد الثانية، ثم ذكر، فإنه يجب عليه أن يقوم فيركع، ثم يستمر فيكمل صلاته، أما لو لم يذكر أنه ركع إلا بعد أن وصل إلى موضع الركوع من الركعة التالية، فإن هذه الركعة الثانية تقوم مقام الركعة التي ترك ركوعها. وهكذا لو نسي الإنسان السجدة الثانية، ثم قام من السجدة الأولى، ولما قرأ ذكر أنه لم يسجد السجدة الثانية، ولم يجلس أيضاً بين السجدتين فيجب عليه حينئذ أن يرجع ويجلس بين السجدتين، ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يكمل صلاته، بل لو لم يذكر أنه ترك السجدة الثانية والجلوس بين السجدتين إلا بعد أن ركع، فإنه يجب عليه أن ينزل، ويجلس، ويسجد، ثم يستمر في صلاته، أما لو لم يذكر أنه ترك السجود الثاني من الركعة الأولى إلا بعد أن جلس بين السجدتين في الركعة الثانية، فإن الركعة الثانية تقوم مقام الأولى، وتكون هي ركعته الأولى. وفي كل هذه الأحوال، أو في كل هذه الصور التي ذكرناها، يجب عليه أن يسجد سجود السهو، لما حصل من الزيادة في الصلاة بهذه الأفعال، ويكون سجوده بعد السلام، لأن سجود السهو إذا كان سببه الزيادة فإن محله بعد السلام، كما تدل على ذلك سنة الرسول ﷺ . إذا شك المصلي في أنه ترك ركناً

стр. 101

السؤال (٩٨) : فضيلة الشيخ، هذا بالنسبة لمن تأكد لديه أنه ترك ركناً من الأركان، لكن لو شك في تركه ماذا يفعل ؟ الجواب: إذا شك في تركه، فهو لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون هذا الشك وهماً لا حقيقة له، فهذا لا يؤثر عليه، يستمر في صلاته ولا كأنه حصل له هذا الشك، وإما أن يكون هذا الشك كثيراً معه، كما يوجد في كثير من الموسوسين، نسأل الله لنا ولهم العافية، فلا يلتفت إليه أيضاً، بل يستمر في صلاته حتى لو خرج من صلاته وهو يرى أنه مقصر فيها فليفعل ولا يهمنه ذلك، وإما أن يكون شكه بعد الفراغ من الصلاة، فكذلك أيضاً لا يتلفت إليه ولا يهتم به، ما لم يتيقن أنه ترك. أما إذا كان الشك في أثناء الصلاة، فإن العلماء يقولون: من شك في ترك ركن فكتركه، فإذا كان الشك في أثناء الصلاة، وكان شكاً حقيقياً، ليس وهماً ولا وسواساً فلو أنه سجد وفي أثناء سجوده شك هل ركع أو لم يركع، فإنا نقول له: قم فاركع، لأن الأصل عدم الركوع، إلا إذا غلب على ظنه أنه ركع، فإن الصحيح أنه إذا غلب على ظنه أنه ركع، فإنه يعتد بهذا الظن الغالب، ولكن يسجد للسهو بعد السلام. وسجود السهو في الحقيقة أم مهم، ينبغي للإنسان أن يعرفه، ولا سيما الأئمة، وقد كان كثير منهم يجهل ذلك، وهو أمر لا ينبغي من مثلهم، بل الواجب على المؤمن أن يعرف حدود ما أنزل الله على رسوله ﷺ . مأموم يدخل مع الإمام وينسى كم صلى

стр. 102

السؤال (٩٩) : فضيلة الشيخ، بعض الناس يأتي بعد إقامة الصلاة، ويدخل مع الإمام، وينسى عدد الركعات التي فاتته، ثم يقتدي بمن في جانبه ممن دخل الصلاة معه فما حكم ذلك ؟ الجواب: هذا يقع كثيراً كما قلت، يدخل اثنان مع الإمام، ثم ينسى أحدهما كم صلى، أو كم أدرك مع إمامه، فيقتدي بالشخص الذي إلى جنبه، فنقول: لا بأس أن يقتدي بالشخص الذي إلى جنبه، إذا لم يكن عنده ظن يخالفه أو يقين يخالفه، لأن هذا رجوع إلى ما يغلب على ظنه، والرجوع إلى ما يغلب على ظنه في باب العبادات لا بأس به على القول الراجح. واجبات الصلاة

стр. 103

السؤال (١٠٠) : فضيلة الشيخ، عرفنا صفة الصلاة وأركانها، ونود أن نعرف ما هي واجبات الصلاة ؟ الجواب: واجبات الصلاة: هي الأقوال أو الأفعال التي إذا تركها الإنسان عمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً فإنه يجبرها بسجود السهو، فمنها التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام، فإنها من واجبات الصلاة، أما تكبيرة الإحرام فإنها ركن من أركان الصلاة، لا تنعقد الصلاة إلا بها، ويستثنى من هذه التكبيرات: تكبيرة الركوع، إذا أتى المأموم والإمام راكع، فإنه يكبر تكبيرة الإحرام قائماً منتصباً، فإذا أهوى إلى الركوع، فإن التكبير في حقه سنة، هكذا قرره الفقهاء ﵏. ومن الواجبات: التسبيح في الركوع والسجود، ففي الركوع: سبحان الله ربي العظيم، وفي السجود: سبحان ربي الأعلى. ومن الواجبات: التشهد الأول وجلسته. ومن الواجبات أيضاً: التسميع والتحميد، أي قول: سمع الله لمن حمده عند الرفع من الركوع، وقول: ربنا ولك الحمد بعد القيام من الركوع للإمام والمنفرد. أما المأموم فإنه يقول: ربنا ولك الحمد، حين رفعه من الركوع. هذه الواجبات إذا تركها الإنسان متعمداً بطلت صلاته، وإن تركها سهواً فصلاته صحيحة، ويجبرها سجود السهو، لحديث عبد الله بن بحينة ﵁، أن النبي ﷺ قام من الركعتين فلم يجلس في صلاة الظهر، فلما قضى الصلاة وانتظر الناس التسليمة، سجد سجدتين ثم سلم (١) . سنن الصلاة السؤال (١٠١) : فضيلة الشيخ، مادمنا عرفنا واجبات الصلاة، نود أن نعرف أيضاً شيئاً من سنن الصلاة؟ الجواب: إذا عرف الإنسان أركان الصلاة وواجباتها، فكل ما عداها فهو سنن، فمن ذلك: الزيادة على الواحدة في تسبيح الركوع والسجود. ومن ذلك: صفة الجلوس في الصلاة، فإنه يجلس مفترشاً في جميع جلسات الصلاة، والافتراش: أن يجلس على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى - أي القدم - إلا في الجلسة الثانية في الصلاة ذات التشهدين، فإنه يجلس متوركاً، والتورك: أن ينصب قدمه اليمنى، ويخرج رجله اليسرى من تحت الساق من يمينه. ومن السنن في الصلاة: أن يرفع الإنسان يديه إلى حذو منكبيه، أول إلى فروع أذنيه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، والسنن كثيرة يعرفها من تتبع كتب الفقهاء في هذا. سجود السهو موجباته ومواضعه

стр. 104

السؤال (١٠٢) : فضيلة الشيخ، نود أن نعرف أيضاً سجود السهو في الصلاة من حيث موجباته ومواضعه ؟ الجواب: سجود السهو في الصلاة أسبابه في الجملة ثلاثة: الزيادة، والنقص، والشك. فالزيادة: مثل أن يزيد الإنسان ركوعاً، أو سجوداً، أو قياماً، أو قعوداً. والنقص: مثل أن ينقص الإنسان ركناً، أو ينقص واجباً من وجبات الصلاة. والشك: أن يتردد كم صلى ثلاثاً أم أربعاً مثلاً. أما الزيادة: فإن الإنسان إذا زاد في الصلاة ركوعاً، أو سجوداً، أو قياماً، أو قعوداً متعمداً بطلت صلاته، لأنه إذا زاد متعمداً فقد أتى بالصلاة على غير الوجه الذي أمر به الله ورسوله، وقد قال النبي ﷺ : "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" (١) . أما إذا زاد ذلك ناسياً، فإن صلاته لا تبطل، ولكنه يسجد للسهو بعد السلام، ودليل ذلك: حديث أبي هريرة ﵁، حين سلم النبي ﷺ من ركعتين في إحدى صلاته، إما الظهر وإما العصر، فلما ذكروه، أتى ﷺ بما بقي من صلاته وسلم، ثم سجد سجدتين بعدما سلم (٢) ، ولحديث ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ صلّى بهم الظهر خمساً، فلما انصرف قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: "وما ذاك؟ " قالوا: صليت خمساً، فثنى رجليه، واستقبل القبلة، وسجد سجدتين (٣) . أما النقص: فإن نقص الإنسان ركناً من أركان الصلاة، فلا يخلو، إما أن يذكره قبل أن يصل إلى موضعه من الركعة الثانية، فحينئذ يلزمه أن يرجع فيأتي بالركن وبما بعده، وإما ألا يذكره حتى يصل إلى موضعه من الركعة الثانية، وحينئذ تكون الركعة الثانية بدلاً عن الذي تركه منها، فيأتي بدلها، أي بدل الذي تركها منها بركعة، وفي هاتين الحالين يسجد بعد السلام. مثال ذلك: رجل قام حين سجد السجدة الأولى من الركعة الأولى، ولم يجلس، ولم يسجد للسجدة الثانية، ولما شرع في القراءة، ذكر أنه لم يسجد ولم يجلس بين السجدتين، فحينئذ يرجع ويجلس بين السجدتين، ثم يسجد، ثم يقوم فيأتي بما بقي من صلاته، ويسجد للسهو بعد السلام. ومثال من لم يذكره إلا بعد وصوله إلى محله من الركعة الثانية، أنه قام من السجدة الأولى في الركعة الأولى، ولم يسجد السجدة الثانية، ولم يجلس بينها وبين الأولى ولكنه لم يذكر إلا حين جلس بين السجدتين من الركعة الثانية، ففي هذه الحال تكون الركعة الثانية هي الركعة الأولى، ويزيد ركعة في صلاته، ويسلم ثم يسجد للسهو. أما نقص الواجب: فإذا أنقص واجباً وانتقل من موضعه إلى الموضع الذي يليه، مثل أن لو نسي قول " سبحان ربي الأعلى" ولم يذكر إلا بعد أن رفع من السجود، فهذا قد ترك واجباً من واجبات الصلاة سهواً، فيمضي في صلاته ويسجد للسهو قبل السلام، لأن النبي ﷺ لما ترك التشهد الأول، مضى في صلاته، ولم يرجع، وسجد للسهو قبل السلام (٤) . أما الشك: فإن الشك هو التردد بين الزيادة والنقص، بأن يتردد المصلي هل صلى ثلاثاً أم أربعاً، وهذا لا يخلو من حالين: إما أن يترجح عنده أحد الطرفين الزيادة أو النقص، فيبني على ما ترجح عنده، ويتم عليه، ويسجد للسهو بعد السلام، وإما ألا يترجح عنده أحد الأمرين، فيبني على اليقين وهو الأقل، فيتم عليه، ويسجد للسهو قبل السلام. مثال ذلك: رجل صلى الظهر، ثم شك هل هو الآن في الركعة الثالثة أو الرابعة، وترجح عنده أنها الثالثة، فيأتي بركعة، ثم يسلم، ثم يسجد للسهو، ومثال ما يستوي فيه الأمران: رجل يصلي الظهر، فشك هل هذه الركعة الثالثة أو الرابعة، ولم يترجح عنده أنها الثالثة أو الرابعة، فيبني على اليقين وهو الأقل، فيجعلها الثالثة، ثم يأتي بركعة، ويسجد للسهو قبل أن يسلم. وبهذا تبين أن سجود السهو يكون قبل السلام، فيما إذا ترك واجباً من الواجبات، أو إذا شك في عدد الركعات ولم يترجح عنده أحد الطرفين، وأنه يكون بعد السلام، فيما إذا زاد في صلاته أو شك وترجح عنده أحد الطرفين. حكم السلام بعد سجود السهو

стр. 105

السؤال (١٠٣) : فضيلة الشيخ، لكن إذا كان سجود السهو بعد الصلاة هل يلزم أيضاً سلام ؟ الجواب: إذا كان السجود بعد السلام، فإنه يجب له السلام فيسجد سجدتين ثم يسلم.

стр. 106

السؤال (١٠٤) : فضيلة الشيخ، وهل يجب له التشهد . الجواب: في هذا خلاف بين العلماء، والراجح أنه لا يجب له التشهد. مبطلات الصلاة

стр. 107

السؤال (١٠٥) : فضيلة الشيخ، ما هي مبطلات الصلاة ولو على سبيل الإجمال ؟ الجواب: مبطلات الصلاة تدور على شيئين: إما ترك ما يجب فيها، أو فعل ما يحرم فيها. فأما ترك ما يجب: فمثل أن يترك الإنسان ركناً من أركان الصلاة متعمداً، أو شرطاً من شروطها متعمداً، أو واجباً من واجباتها متعمداً. مثال ترك الركن: أن يترك الركوع متعمداً. ومثال ترك الشرط: أن ينحرف عن القبلة في أثناء الصلاة متعمداً. ومثال ترك الواجب: أن يترك التشهد الأول متعمداً، فإذا ترك أي واجب من واجبات الصلاة متعمداً فصلاته بطالة، سواء سمي ذلك الواجب شرطاً أم ركناً أم واجباً. الشيء الثاني مما يدور عليه بطلان الصلاة: فعل المحرم فيها، كأن يحدث في صلاته، أو يتكلم بكلام الآدميين، أو يضحك، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي حرام في أثناء الصلاة، يفعلها متعمداً، فإن صلاته تبطل في هذه الحال. حكم صلاة الجماعة

стр. 108

السؤال (١٠٦) : فضيلة الشيخ، تحدثنا عن الصلاة، وحكمها، وشروطها، وكذلك الأركان، والواجبات، وأيضاً عن السجود للسهو لها، ونود أن نسأل ونركز على حكم صلاة الجماعة ؟ الجواب: صلاة الجماعة اتفق العلماء على أنها من أجل الطاعات وأوكدها وأفضلها، وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه وأمر بها حتى في صلاة الخوف، فقال الله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) (النساء: ١٠٢) . وفي سنة رسول الله ﷺ من الأحاديث العدد الكثير الدال على وجوب الصلاة مع الجماعة، مثل قوله ﷺ : "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" (١) ، وكقوله ﷺ : " من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر" (٢) ، وكقوله ﷺ للرجل الأعمى الذي طلب منه أن يرخص له في الصلاة في بيته: "أتسمع النداء؟ " فقال: نعم قال: " فأجب" (٣) . وقال ابن مسعود ﵁: لقد رأيتنا وما يتخلف عنها - أي عن صلاة الجماعة - إلا منافق معلوم النفاق، أو مريض، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف (٤) . والنظر الصحيح يقتضي وجوبها، فإن الأمة الإسلامية أمة واحدة، ولا يتحقق كمال الوحدة إلا بكونها تجتمع على عباداتها، وأجل العبادات وأفضلها وأوكدها: الصلاة، فكان من الواجب على الأمة الإسلامية أن تجتمع على هذه الصلاة. وقد اختلف العلماء ﵏ بعد اتفاقهم على أنها من أوكد العبادات وأجل الطاعات، اختلفوا: هل هي شرط لصحة الصلاة، أو أن الصلاة تصح بدونها مع الإثم، مع خلافات أخرى، والصحيح أنها واجب للصلاة، وليست شرطاً في صحتها، لكن من تركها فهو آثم، إلا أن يكون له عذر شرعي، ودليل كونها ليست شرطاً لصحة الصلاة هو أن الرسول ﵊ فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وتفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ يدل على أن في صلاة الفذ فضلاً، وذلك لا يكون إلا إذا كانت صحيحة. وعلى كل حال فيجب على كل مسلم ذكر بالغ أن يشهد صلاة الجماعة، سواء كان ذلك في السفر أم في الحضر. علاقة المأموم بإمامه

стр. 109

السؤال (١٠٧) : فضيلة الشيخ، مادمنا عرفنا حكم صلاة الجماعة، فما هي علاقة المأموم بإمامه الجواب: أما علاقة المأموم بإمامه، فإنها علاقة متابعة، ولهذا قال النبي ﷺ : "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا صلى قاعداً، فصلوا قعوداً أجمعون" (١) . ومقام المأموم مع إمامه في هذه الناحية يتنوع إلى أربع مقامات: متابعة، وموافقة، مسابقة، وتأخر. فأما المتابعة: فأن يأتي الإنسان بأفعال الصلاة بعد إمامه مباشرة، إذا ركع ركع بدون تأخر، وإذا سجد سجد بدون تأخر، وهكذا في بقية أفعال الصلاة. وأما الموافقة: فأن يفعل هذه الأفعال مع إمامه، يركع مع ركوعه، ويسجد مع سجوده، ويقوم مع قيامه، ويقعد مع قعوده. وأما المسابقة: فأن يتقدم إمامه في هذه الأفعال، فيركع قبله، ويسجد قبله، ويقوم قبله، ويقعد قبله. وأما التأخر: فأن يتوانى في متابعة الإمام، فإذا ركع الإمام، بقي واقفاً يقرأ الفاتحة، وإذا سجد بقي قائماً يحمد وهكذا، وكل هذه المقامات مذمومة إلا مقام المتابعة. فالموافق لإمامه مخالف لقول الرسول ﵊: " لا تكبروا حتى يكبر الإمام، ولا تركعوا حتى يركع" (٢) . والسابق له واقع في التحذير الشديد الذي حذر منه النبي ﵊ في قوله: " أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار" (٣) . والمتخلف: لم يحقق المتابعة، لأن قول الرسول ﵊: " إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا ركع فاركعوا" جملة شرطية تقتضي أن يقع المشروط فور وجود الشرط، وألا يتأخر عنه، فهو منهي عنه. فالمسابقة: حرام. والموافقة: قيل: إنها مكروهة، وقيل: إنها حرام. والتأخر: أقل أحواله الكراهة. أما المتابعة فهي الأمر الذي أمر به النبي ﷺ . أشد حالات مخالفة الإمام

стр. 110

السؤال (١٠٨) : فضيلة الشيخ، لكن أي الحالات الثلاث أشد: المسابقة، أم الموافقة أم التخلف عنه ؟ الجواب: المسابقة أشدها، لأنه ورد فيها الوعيد الذي سمعت، ولأن القول الراجح أن الإنسان إذا سبق إمامه، بطلت صلاته، سواء سبقه إلى الركن أو بالركن، لأنه إذا سبق إمامه فقد فعل فعلاً محرماً في الصلاة. والقاعدة الشرعية: أن من فعل فعلاً محرماً في العبادة، فإن العبادة تبطل به. صلاة التطوع (فضلها - أنواعها)
следующие страницы →