مالك بن نبي
شروط النهضة
ترجمة عبد الصبور شاهين
بإشراف ندوة مالك بن نبي
دار الفكر
стр. 2
مالك بن نبي
مشكلات الحضارة
شروط النهضة
ترجمة: - عمر كامل مسقاوي - عبد الصبور شاهين
إصدار ندوة مالك بن نبي
стр. 3
تصوير ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م
جميع الحقوق محفوظة
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في عام ١٩٧١، ترك أستاذنا مالك بن نبي، ﵀، في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٦٧/ ٢٧٥ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١
الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية.
وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف بـ "ندوة مالك بن نبي".
والتسمية هذه، دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات، كان قد بدأه.
وهي مشروع نطرحه كنواة لعلاقات فكرية، كان ﵀ يرغب في توثيقها.
وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم.
فقد حمّلني، ﵀، مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإنوجدت طبعات لم تذكر فيها إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها.
طرابلس لبنان
١٨ ربيع الأول ١٣٩٩
١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩
عمر مسقاوي
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْفِرَنْسِيَّةِ
بِقَلم الدكتور عَبْد العَزِيز الخَالِدي
لكي أقوم بتقديم هذه الدراسة أجد بين يدي سيرة عاصفة مؤثرة أعرفها في الجزائر، ولكني ملزم بأن أدع الحديث عنها، لأن المؤلف قد منعني صراحة من مجرد الإشارة إليها، وأحتفط مع ذلك بحقي في الحديث عن العمل الذي تحتل فيه هذه الدراسة مكانا هاما، منتهيا إلى بيان الطابع الخاص، والقيمة الاجتماعية التي نجدها حتى في كتابه (لبيك) (١) الذي اعتبره بعض القراء غريبا عن الأفق الوضاء الذي خطه كتاب (الظاهرة القرآنية).
ويلفت انتباهنا في كتاب (الظاهرة) هذا، ذلك الحشد من المشاكل التي يثيرها مدخله، وطريقته الجديدة التي طبقها المؤلف للمرة الأولى على تفسير القرآن.
وأيا ما كان، فلقد تأثر المؤلف في كتاب (الظاهرة) بمشهد شباب الإسلام الذين استهوتهم المناقشة الخطيرة بين العلم والدين، فاستخلص من هذه المناقشات نتائج وثيقة أراد تبليغها للضمائر الأخرى.
ولكن دقة النقد، وعمق التحليل، وصرامة المنطق الذي يقود إلى هذه النتيجة، كل هذه الأمور ثانوية في عمل ينبع تأليفه والهدف منه من المغزى الدرامي للمشكلة أكثر من أن ينشأ عن المغزى العقلي.
وبن نبي في الواقع ليس كاتبا محترفا، أو عاملا في مكتب مكبا على أشياء
стр. 6
خامدة من الورق والكلمات، ولكنه رجل شعر في حياته الخاصة بمعنى الإنسان في صورتيه الخلقية والاجتماعية. وتلك هي المأساة التي شعر بها بن نبي بكل ما فيها من شدة، وبكل ما صادف في تجاربه الشخصية النادرة من قساوة. وهي التي تقدم المادة الأساسية لمؤلفاته سواء (الظاهرة القرآنية) أو الدراسة التي يقدمها اليوم كأنشودة بهيجة يحي بها (كوكب المثالية) الذي يسجل فجر الحضارات منذ العصور المظلمة.
ولكن هذه الأنشودة ثمرة عقل يحاول فتح آفاق عملية للنهضة العربية والإسلامية، التي يطالبنا بها في الجزائر، وهو يكشف لنا عن مفهومها الأليم.
فإذا كان دقيقاً حساسا إلى هذه الدرجة، فليس معنى ذلك أنه رجل عقل مغرم بالتجريد، أو أنه أديب فنان مولع بصور الجمال، فإن الذي يأسره ويستولي عليه إنما هو الرعشة الإنسانية ... الألم ... الجوع ... الأسمال ... الجهل ...
فهل من يفكر من أول وهلة في مواجهة هذه المشكلات يكون غير فقيه؟
لقد عاش بن نبي هذه المشكلات تماما كالآخرين الذين اتخذوا منها معارج انتخابية، يتحدثون منها عن البؤس حتى درجة الإشباع التي تناسب جميع صنوف الدجل والاستغلال، ونحن نعلم اليوم ما يؤدي إليه مثل هذه الحالة من الاختلال والقحط والفوضى.
ولكن التجربة الشخصية تعني عند بن نبي شيئا آخر: فهي سبب لتأمل في الدواء، ومن هذا التأمل تبدأ المأساة في أن تصبح عنده مشكلة فنية، فهو يقودنا بتحليله الدقيق الوثيق في أركان التاريخ لكي يكشف لنا عن (الدورة الخالدة) التي ألهمته الأنشودة الجميلة التي صدّر بها هذه الدراسة.
ولكن قبل اقتراح الحل. يجب أن تزول تماما الأنقاض من الفناء الغاص ببقايا انحطاطنا. ورواسب الفوضى التي عشنا فيها سنين عديدة.
وهذا الكتاب قد استطاع في فصوله الأولى أن يلقي الضوء على تلك الحقبة
стр. 7
الهامدة، والتي حركتها بصعوبة (التقاليد البطولية) ثم أعقبتها مرحلة (الفكرة).
ولكن تراثا وثنيا قد تبقى في أعماق الضمير الشعبي الذي شكلته القرون المليئة بخرافات الدراويش.
فإذا كان غول الدراويش قد صرعه الإصلاح، فإن غولا جديدا يمكن أن يظهر أيضا. وهو لا يشترط وجود أولياء أو أحجبة وحروز، ولكن أوثان سياسية، وبطاقات للتصويت.
هذا هو الصراع بين الفكرة والوثن، الذي أصبح طابعا جديدا للمأساة الجزائرية، وبدهي أن الإدارة الاستعمارية لم تكن غافلة وهي تعرف كيف تستغل هذا الوضع لكي يتفرق الشعب الجزائري، وتتبعثر قواه. وأكثر من ذلك فإن المشكلة التي نحن بصددها قد أسيء تكييفها سواء عند دعاة الإصلاح أو رجال السياسة.
إن الاستعمار ليس مجرد عارض، بل هو نتيجة حتمية لانحطاطنا: هذه هي المشكلة، ولا جدوى من فكرة لا تسلم بهذا المسلّم الأساسي الذي يبرزه بن نبي وهو يؤكد أنه " لكيلا نكون مستعمَرين يجب أن نتخلص من القابلية للاستعمار" هذه الجملة البسيطة هي، فيما أعتقد، الإشعاع النوراني الأول، الذي استرسل لينير حلبة الصراع لنا، ولقد أضاءها من قبل نور تلك الآية المذكورة هنا كأساس للنظرية كلها ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
ومع ذلك فإن المؤلف يرى من المفيد أن يقدم أيضا التبرير التاريخي، والنقدي، والعقلي، لهذا الأساس الرباني، الذي قد يفزع العقل الديكارتي.
وهو يعتبر هذا التبرير- الذي يكشف في بعض الصفحات عن أصول فلسفته- من القوانين التي تحكم أطراد الحضارات، وهنا ينبثق حل المشكلة كنتيجة حتمية لهذا الدرس التاريخي.
стр. 8
والنظرية تتكون جزءا فجزءا، بطريقة منطقية، طبقا للتكوين الأساسي لكل حضارة، حيث تتكون من الإنسان والتراب والوقت.
فإذا طبقت هذه النظرية على بلاد العروبة مثلا، فإنها تستوجب تكييفا للانسان الأمي، والتراب البائر، والوقت الضائع.
والمؤلف يبدأ نظريته هذه في ذلك الرمز الذي صدر به الباب الثاني والذي صاغه في كناية بارعة، وجمال أدبي فذ، وإلهام اجتماعي عميق.
وخطوة خطوة يكشف لنا عن العناصر التي تبدو في نظرنا ثانوية لا تستحق التفكير، والتي تنال هنا اهتماما رئيسيا، لأن اتصالها الحقيقي بتطورنا وحياتنا يظهر أمامنا فجأة، ولقد قال فاليري: " كل سياسة تقتضي (وهي عموما تجهل أنها تقتضي) فكرة معينة للإنسان ورأيا عن مصير النوع الإنساني، فكرة غيبية تذهب من المادة البحتة إلى التصوف الشاطح ".
فهل فكر أحد في مشكلة الرجل والتراب والوقت والمرأة والزي والتكيف والثقافة، التي هي جوهر المشكلة الإنسانية كلها؟
وتكوين المؤلف كمهندس قد ساعده دون شك في التصوير الفني للأشياء، ولكن ثقافته المزدوجة تسمح له بأن يصل هذا التصور بالخطة الإنسانية، بنفس الثقة التي تطبع خاتمته المؤثرة. ونضيف هنا أن الأمر لا يتعلق بعمل مفيد للجزائر فحسب، لأن هذه الدراسة تتعدى بعبقريتها حدود الجزائر، لكي تضم مجال العالم الإسلامي كله، حيث أنها تتضمن المشكلة الإنسانية في سائر عناصرها.
ونظريه بن نبي تلقي ضوءا على التجديد الإسلامي الذي يتجلى فيه قطبا النهضة: الروح والفن.
وهو حين يقدم في النطاق العقلي والخلقي مثله الباهر، فإنما يعطي لهذين القطبين منتهى الوضوح.
стр. 9
ونحن نأمل أن تخدم هذه الدراسة سير النهضة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي، اللذين يجب أن تتوافق صحوة ضميرهما مع ضابط النغم في الضمير العالمي، الذي يبحث بصورة مؤثرة عن وسائل طمأنينته في طريق السلام والديمقراطية.
ونحن نريد أيضا أن تتقبل الدول الكبرى هذه الصحوة لا " كخطر إسلامي"، ولكن كنهضة لمئات الملايين من الناس الذين جاؤوا بدورهم ليساهموا في الجهود الخلقية والعقلية للإنسانية.
فهل تستطيع الشبيبة العربية والإسلامية التي وجدت في ظروف مواتية أن تحرك هذه النهضة، التي يعتبر بن نبي داعيا وحاديها؟
وأنا لا أريد هنا أن أخالفه، فأبدي له تقديري الشخصي كأخ لي وكأستاذ.
نوفمبر ١٩٤٨
دكتور عبد العزيز الخالدي
стр. 10
مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الْعَرَبِيَّةِ
إن نشر الطبعة الأولى لهذا الكتاب، باللغة العربية، قد أظهر الاهتمام المتزايد الذي تحظى به في البلاد العربية والإسلامية بوجه عام المشكلات التي تمت إلى علم الاجتماع.
فالجيل الحاضر، يبدي أكثر فأكثر، رغبته في تفهم الوقائع الاجتماعية وآليتها.
لذلك فقد كان طبيعيا أن يبدي بعض قراء الطبعة الأولى رأيهم في الكيفية التي عالجت فيها بعض الوقائع.
ولقد لمست من خلال مناقشاتي مع هؤلاء القراء أن بعض التفسيرات التي قدمتها لهم عن تلك الوقائع لم تعطهم كل ما كنت أتمناه من التوضيح؟
وإن من هذه النقط التي تبين لي اكتنافها بشيء من الإبهام رغم ما أردت لها من الوضوح تلك التي تتصل بدور الفكرة الدينية كعامل اجتماعي يؤثر في توجيه التاريخ.
ولعلي لم أكن فيما عرضت لهذه النقطة في الطبعة السابقة قد أوفيتها حقها من التفصيل، وذلك لاقتناعي بالتفسير المختصر للدور الذي تقوم به الفكرة الدينية في التاريخ، ولما اعتمدت عليه من آراء لكسر لنج H.Kesserling في الموضوع، أعني تلك الآراء التي استخلصها من دور الفكرة المسيحية (١) في تركيب الحضارة الغربية.
وهكذا اتفقت آراء القراء على غموض هذه النقطة بالذات واقترحوا أن
стр. 11
بعقد فصل كامل في هذا الكتاب لتوضيح دور الفكرة الدينية في التاريخ. وحيث لا يسعني هنا إلا أن أؤيد هذه الملاحظات اعترافا مني بجدارتها.
فقد وددت أن أستغل فرصة الطبعة الثانية للكتاب لأضيف إليه فصلا يعالج بالخصوص أثر الفكرة الدينية في الدورة الحضارية معتمدا هذه المرة على الاعتبارات النفسية الاجتماعية بالإضافة إلى الاعتبارات التاريخية التي اقتنعنا بها في الطبعة السابقة.
ونحن حينما نتناول الأشياء على هذه الصورة، إنما نعطي للقارىء فرصة يلمس فيها بنفسه التأثير المباشر للفكرة الدينية في الوقائع النفسية الاجتماعية التي تكون ظاهرة التاريخ، فعندما نقول في فصل "من التكديس إلى البناء" إن الفكرة الدينية تتدخل كـ" مركب" ( Cataliseur) ، في تركيب عناصر التاريخ فنحن في هذا نقرر حقيقة يؤيدها تاريخ الحضارات غير أن هذا التأييد سوف يأتي على صورة "شهادة" عن هذه الظاهرة وليس في صورة "تفسير" مقبول لها.
ومن هنا كان للقارىء بعض الحق في أن لا يقتنع بهذه " الشهادة" أي أن لا يقتنع بما يقول المؤرخ وحده دونما مزيد من التفاصيل عن الفكرة الدينية في عملها المباشر في صياغة النفوس التي تحرك التاريخ بما يختلج فيها.
من أجل ذلك فقد شعرت أن القارىء ينتظر في هذا الموضوع أكثر من شهادة التاريخ: إنه ينتظر وصفا تحليليا يجد فيه المعلومات التي تقدمها الدراسات الموضوعية لهذه الظاهرة. أعني الدراسة التي تتناول الأشياء في كنهها لا في مظهرها.
ولقد حاولت تلبية هذه الرغبة المحقة فخصصت في هذه الطبعة فصل " أثر الفكرة الدينية في مركب الحضارة". سالكا هذه المرة مسلك التحليل النفساني الذي يبين بوضوح أكبر جانب من " الظاهرة" في هذا المركب، إذ يكشف لنا عن التأثير المباشر للفكرة الدينية في خصائص الفرد النفسية.
وأنا في هذا لا أدعي أن هذه الطريقة تعطي للقارىء " معرفة رياضية" في
стр. 12
الموضوع، لأن هذا الموضوع لا مجال فيه للرياضيات حيث يتصل بعالم النفوس، وهو عالم يقصر العقل التجريدي عن أن يكشف سره تماما. غير أنه يمكننا القول بأن هذه الطريقة التي اتبعناها تعطي على الأقل للقارىء فرصة يتتبع فيها كيف تحدث عملية التركيب بتأثير الفكرة الدينية، وذلك بنظرة مباشرة تختلف عن نظرة التاريخ غير المباشرة.
ومما تنبغي الإشارة إليه هنا أن الفصل الذي تحدثنا فيه عن هذا الموضوع قد كتبناه في الحالة التي يكون فيها عالم الاجتماع الذي يحاول توضيح دور الفكرة الدينية في تكوين وتطوير الواقع الاجتماعي. مع العلم أن هذا الدور ليس هو كل شيء بالنسبة للفكرة الدينية. ذلك أننا قبل أن نشرع في البحث عن صلاتها بعالم الشهادة، قد تقبلنا أولا صلتها بعالم الغيب، وبعبارة أدق فإن الفكرة الدينية لا تقوم بدورها الاجتماعي إلا بقدر ما تكون متمسكة بقيمتها الغيبية في نظرنا، أي بقدر ما تكون معبرة عن نظرتنا إلى ما بعد الأشياء الأرضية. غير أن هذه النظرة ليست موضوع هذا البحث. فنحن قد خصصنا لها دراسة أخرى (١) ولذلك فإن بحثنا هنا سوف يقتصر على الجانب الاجتماعي.
ومن ناحية أخرى فإن القارىء سوف يجد في هذه الطبعة فصلا عقدناه لتوضيح العلاقة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال. وذلك لإظهار أثره الكبير كعامل يحدد اتجاه الحضارة ورسالتها في التاريخ. وأظن أن هذا الفصل هو أول بحث تناول العلاقة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال باعتبارها مقياسا من أهم مقاييس علم الاجتماع.
وبهذا فإننا نكون قد حققنا على قدر ما نستطيع إرادة القارىء في هذه الطبعة. ونحن نأمل أن نكون، فيما أضفناه من جديد، قد أشبعنا رغبات القراء التي تعتبر أحسن مسوغ لجهود المؤلف.
المعادي ٣٠/ ١٠/ ١٩٦٠
م. ب. ن.
стр. 13
الْبَابُ الْأَوَّلُ
الْحَاضِرُ وَالتَّارِيخُ
стр. 14
أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ
أي صديقي:
* لقد حانت الساعة التي ينساب فيها شعاح الفجر الشاحب بين نجوم الشرق.
* وكل من سيستيقظ بدأ يتحرك وينتفض في خدر النوم وملابسه الرثة.
* ستشرق شمس المثالية على كفاحك الذي استأنفته، هنالك في السهل، حيث المدينة التي نامت منذ أمس ما زالت مخدرة.
* ستحمل اشعاعات الصباح الجديد، ظل جهدك البارك، في السهل الذي تبذر فيه، بعيدا عن خطواتك.
* وسيحمل النسيم الذي يمر الآن البذور التي تنثرها يداك ... بعيدأ عن ظلك.
* ابذر يا أخي الزارع. من أجل أن تذهب بذورك بعيدا عن حقلك، في الخطوط التي تتناءى عنك ... في عمق المستقبل.
* ها هي بعض الأصوات تهتف. الأصوات التي أيقظتها خطواتك في المدينة، وأنت منقلب إلى كفاحك الصباحي. وهؤلاء الذين استيقظوا بدورهم، سيلتئم شملهم معك بعدحين.
* غنِّ! يا أخي الزارع! لكي تهدي بصوتك هذه الخطوات التي جاءت في عتمة الفجر، نحو الخط الذي يأتي من بعيد.
* وليدوِّ غناؤك البهيج. كما دوّى من قبل غناء الأنبياء، في فجر آخر، في الساعات التي ولدت فيها الحضارات.
стр. 15
* وليملأ غناؤك أسماع الدنيا، أعنف وأقوى من هذه الجوقات الصاخبة التي قامت هنالك.
* ها هم ينصبون الآن على باب المدينة التي تستيقظ، السوق وملاهيه، لكي يميلوا هؤلاء الذين جاؤوا على إثرك، ويُلهوهم عن ندائك.
* وها هم قد أقاموا المسارح والمنابر للمهرجين والبهلوانات، لكي تغطي الضجة على نبرات صوتك.
* وها هم قد أشعلوا المصابيح الكاذبة لكي يحجبوا ضوء النهار. ولكي يطمسوا بالظلام شبحك، في السهل الذي أنت ذاهب إليه.
* وها هم قد جملوا الأصنام ليلحقوا الهوان بالفكرة.
* ولكن شمس المثالية ستتابع سيرها دون تراجع، وستعلن قريبا انتصار الفكرة، وانهيار الأصنام، كما حدث يوم تحطّم "هُبل" في الكعبة.
стр. 16
دَوْرُ الْأَبْطَالِ
إن عهود الملاحم كالأوديسة والألياذة ليست هي العهود التي توجه فيها الشعوب طاقتها الاجتماعية نحو أهدافها الواقعية، سواء أكانت هذه الأهداف بعيدة أم قريبة.
بل هي تصرف في مثل هذه العهود طاقتها تسلية واشباعا لخيالاتها. وما جهود الأبطال الذين يقومون بأدوارهم في تلكم الملاحم إلا جهود من أجل الطموح واكتساب المجد أو إرضاء العقيدة، فهم لا يقاتلون مدركين أن نصرهم قريب، وأن طريقهم إلى تخليص مجتمعهم محدد واضح. فمجدهم هذا أقرب إلى الأسطورة منه إلى التاريخ.
ولو أننا سألنا أحدهم عن بواعث كفاحه، فإنه لا يستطيع أن يجد بكل وضوح المبررات التي تتصل عادة بالأعمال التاريخية، فهو يعلم أن مجهوداته كلها تذهب هباء، غير أن دوافعه الدينية وشرفه الإنساني قد حتما عليه مثل هذا السير.
ولقد كان دور الشعوب الإسلامية أمام الزحف الاستعماري خلال القرن الماضي وحتى الربع الأول من هذا القرن دورا بطوليا فقط. ومن طبيعة هذا الدور أنه لا يلتفت إلى حل المشاكل التي مهدت للاستعمار وتغلغله داخل البلاد.
إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته، ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها ... وما الحضارات المعاصرة، والحضارات أو تهدمها ... وما الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ
стр. 17
فجر القرون إلى نهاية الزمن، فهي حلقات لسلسلة واحدة تؤلف الملحمة البشرية منذ أن هبط آدم على الأرض إلى آخر وريث له فيها، ويا لها سلسلة من النور! .. تتمثل فيها جهود الأجيال المتعاقبة في خطواتها، المتصلة في سبيل الرقي والتقدم.
هكذا تلعب الشعوب دورها، وكل واحد منها يُبعث ليكوّن حلقته في سلسلة الحضارات، حينما تدق ساعة البعث معلنة قيام حضارة جديدة، ومؤذنة بزوال أخرى.
وما أجلّ هذه الساعة!. حينما تؤذن بفجر جديد من المدنية، وما أهولها من ساعة حينما تعلن غروب أخرى!. وهكذا كان شأن الجزائر عام ١٨٣٠، فقد مضى على أفول شمسها زمن بعيد، وقضت في ليلها وقتا ليس بالقصير، ومن عادة التاريخ ألا يلتفت للأمم التي تغط في نومها، وإِنما يتركها لأحلامها التي تطربها حينا، وتزعجها حينا آخر؛ تطربها إذ ترى في منامها أبطالها الخالدين وقد أدوا رسالتهم، وتزعجها حينما تدخل صاغرة في سلطة جبار عنيد.
فعندما برق في أفقنا فرس الأمير (عبد القادر) في وثبته الرائعة كان الليل قد انتصف منذ وقت طويل ثم اختفى سريعا شبح البطل الأسطوري كأنه حلم طواه النوم.
ثم توالت أشباح أخرى في موجة من الأحلام. تستمد مغزاها الأليم من تقاليد شعب بطل، أحب دائما الفرس والبارود، وكان تتابعها على الأخص في البوادي، حيث الخيل المسومة، والمجال الفسيح متوفران لدى القبائل.
فالرابطة القبلية قد ظلت وحدها الرابطة الوثيقة التي توحد بعض الرجال فيما يشبه وحدة رسالة، غير أن هذه الرابطة لم تكن بكافية لتأهيل شعب ليؤدي رسالة تاريخية، وإن كانت أهلته للقيام برواية حماسية رائعة، ولكن التاريخ يقرر أن الشعب الذي لم يقم برسالته، أي بدوره في تلك السلسلة، ما عليه إلا أن يخضع ويذل.
стр. 18
ولم يكن هناك في الحقيقة من يسجل هذه الحقبة من كفاح الشعوب ضد الاستعمار سوى هؤلاء المجاهدين من رجال القبائل، ولقد كان الأمير (عبد الكريم الخطابي) آخر من ارتشف من كأس البطولة الموروثة عن أجدادنا الأول، ولم يبق بعده باق ممن يهبون للنضال ضد المستعمر، من أجل البطولة المجردة، في سبيل الخلود، على سنة الذين عقدوا ألويتهم للكفاح، فقد كانت القبائل العربية البربرية تقاتل معه لا من أجل البقاء، ولكن في سبيل الخلود، ولقد كتب لها الخلود بما أوتيت من روح رفعتها فوق الهاوية، حيث هوى الآخرون، من الشعوب التي غمرتها موجة الاستعمار. فليسأل السائل عن مصير القبائل الأمريكية قبل كريستوف كولومب، أين هي؟ لقد أصبحت أحاديث وتمزقت كل ممزق، ودفنها التاريخ في طياته، حيث استقرت في ضميره نسيا منسيا، ونحن نرى في زوالها وانحلالها خير شاهد على أن الإسلام بما انطوى عليه من قوة روحية، كان للذين يتمسكون به درعا من أن تحطمهم الأيام، أو يذوبوا في بوتقة المستعمِر، يتقمصون شخصيته.
ولكن شمس المثالية ما تزال تواصل سيرها، وسرعان ما انبلج الفجر في الأفق الذي يدعو فيه المؤذن إلى الفلاح، كل صباح، ففي هدأة الليل، وفي سبات الأمة الإسلامية العميق، انبعث من بلاد الأفغان صوت ينادي بفجر جديد، صوت ينادي: حيَّ على الفلاح! فكان رجعه في كل مكان، إنه صوت (جمال الدين الأفغاني) موقظ هذه الأمة إلى نهضة جديدة، ويوم جديد.
***
стр. 19
دَوْرُ السِّيَاسَةِ وَالْفِكْرَةِ
إن الكلمة لَمِن روح القدس، إنها تساهم إِلى حد بعيد في خلق الظاهرة الاجتماعية، فهي ذات وقع في ضمير الفرد شديد، إذ تدخل إِلى سويداء قلبه، فتستقر معانيها فيه، لتحوله إلى إنسان ذي مبدأ ورسالة.
فالكلمة يطلقها إنسان، تستطيع أن تكون عاملاً من العوامل الاجتماعية حين تثير عواصف في النفوس تغير الأوضاع العالمية.
وهكذا كانت كلمة جمال الدين، فقد شقت كالمحراث في الجموع النائمة طريقها، فأحيت مواتها، ثم ألقت وراءها بذورا لفكرة بسيطة: فكرة النهوض، فسرعان ما آتت أكلها في الضمير الإسلامي ضعفين، وأصبحت قوية فعالة، بل غيرت ما بأنفس الناس من تقاليد، وبعثتم إلى أسلوب في الحياة جديد.
وكان من آثار هذه الكلمة أن بعثت الحركة في كل مكان، وكشفت عن الشعوب الإسلامية غطاءها، ودفعتها إلى نبذ ما كانت عليه من أوضاع ومناظر، فانكرت من أمرها ما كانت تستحسن، واتخذت مظاهر جديدة لا تتلاءم حتى مع ثيابها التي كانت تلبسها، فنبذت النرجيلة والطربوش والحرز والزردة (١). ولقد يلغ تأثير تلك القوة الفعالة الجزائر فأخذت منها بنصيب.
فمأساة الجزائر مثلاً حتى سنة ١٩١٨ لم تكن إلا رواية صامتة، أر أثرا من الآثار التاريخية وضع في متحف، أي في صدور قوم صامتين يعلمون السر الخفي للمأساة، حتى أرّقت ضمائرهم، واحتوته أيضا ملفات الحكومة التي كانت تعلم من أمرها ما تعلم، حتى إذا ظهرت الفكرة الإصلاحية حوالي سنة ١٩٢٥ تحركت المشكلة الجزائرية، وقد أوتيت لسانا ينطق، وفكرة تنير لها الطريق.
стр. 20
والذين أدركوا شبابم في تلكم الأيام يتذكرون تلكم الخواطر التي كانت تمر بهم.
وليس من شك في أن التاريخ يرى في مثل هذه الظواهر خير شاهد على رجوع الحاسة الاجتماعية إلى الجزائر، بمعنى أنها قد عادت إلى الحياة التي يستأنف فيها كل شعب رسالته، ويبدأ تاريخه.
أما في الماضي فقد كانت البطولات تتمثل في جرأة فرد، لا في ثورة شعب، وفي قوة رجل، لا في تكاتف مجتمع، فلم تكن حوادثها تاريخا، بل كانت قصصا ممتعة، ولم تكن صيحاتها صيحات شعب بأكمله، وإنما كانت مناجاة ضمير لصاحبه، لا يصل صداه إلى الضمائر الأخرى، فيوقظها من نومها العميق.
وإنه لمن الواجب علينا أن ننوه ببعض ما كان من أمر مناجاة الشيخ (صالح بن مهنة) الضميرية الفردية- إن صح التعبير- فإن صوت مناجاته كاد يوقظ أهل قسنطينة كلها حوالي سنة ١٨٩٨.
والحق أن هذا الشيخ الوقور كان في طليعة المصلحين، إذ أنه قام قومة مباركة ضد الخرافيين (الدراويش)، غير أن الحكومة الساهرة على الهدوء، كيلا يستيقد النائمون، عملت على إبعاده وعاقبته بمصادرة مكتبته الثمينة، وفرقت أمثاله من (مقلقي النوم العام) في نظر الاستعمار، فحولت الشيخ (عبد القادر المجاوي) من منصبه بمدرسة قسنطينة، إلى مدرسة العاصمة، وهكذا استطاع النوم أن يشد بالأجفان من جديد، بعد أن حاولت تفلتا من قيوده، ومضت هذه الأصوات التي كادت أن تلفت إليها الأذهان، وتجمع حولها الناس، وكأنها شجار حدث في وسط ليل: لم ينتبه إليه نائم.
ولكن شعاع الفجر قد بدأ ينساب بين نجوم الليل، من قمة الجبل. فلم يلبث أن محت آياته الظلمة من سماء الجزائر. فحوالي عام ١٩٢٢، بدأت في الأرض هينمة وحركة، وكان ذلك إعلانا لنهار جديد، وبعثا لحياة جديدة. فكأنما
стр. 21
هذه الأصوات استمدت من صوت جمال الدين قوتها الباعثة، بل كأنها صدى لصوته البعيد، لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات (بن باديس) (١) فكانت تلك ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدر يتحرك، ويا لها من يقظة جميلة مباركة، يقظة شعب ما زالت مقلتاه مشحونتين بالنوم، فتحولت المناجاة إلى خطب ومحادثات ومناقشات وجدل، وهكذا استيقظ المعنى الجماعي؛ وتحولت مناجاة الفرد إلى حديث الشعب، فتساءل الناس: كيف نمنا طويلاً؟ وهل استيقظنا حقا؟ وماذا يجب أن نفعل الآن! ولقد كانت هذه الأسئلة على شفاه قوم غمرتهم الدهشة، وما زالوا يتقلبون في خدر النوم، يتلمسون منه فكاكا.
كانت الحكومة في شك من أمرها، ومن المفيد أن نذكر كم كانت بطيئة في تكيفها مع الظروف الجديدة، فبعد عشر سنوات، أي حوالي عام ١٩٣٣، لم تكن هذه الحكومة قد تفهمت تلك الظروف، إذ نجد أن حاكم الجزائر- وقد أصدر لائحته المشهورة التي حرمت المساجد على العلماء المصلحين- نجده يصفه الشعب الجزائري بأنه " شعب خامل"!!.
ومن الواجب أن نذكر أن هذا الخمول الذي لم يكن إلا في الإدارة الاستعمارية الشائخة هو السبب الأساسي للبلاء، بينما البلاد قد شاعت فيها الحيوية، وامتلأت بالغليان والثورة.
لقد انطلقت الأفكار، ثم تلاقت وتصارعت، فكانت أحيانا تنفجر شأن فقاقيع الهواء على سطح (الغلاية)، وأحيانا أخرى تتحول مباشرة من حالة الجمود إلى حالة التبخر والشيوع، في صورة مدرسة، أو مسجد، أو مؤسسة إصلاحية، وظهرت النظريات الاجتماعية التي كانت يومئذ رائجة في سوق الأفكار، ظهرت هذه النظريات في أفكار الشباب المتطلعين إلى كل تجديد، فهذا يرنو إلى المذهب الكمالي، وذاك يأخذ بالمذهب الوهابي، وذلك ينزع إلى التمدن الغربي، ومنهم من انحدر بفكره إلى مذهب المادة، وكل واحد من هؤلاء وأولنك
стр. 22
يتخذ ملبسا يعبر عن نزعة تفكيره، فهذا يلبس القبعة ليشعرنا بأنه يقفو أثر مصطفى كمال، وأنه تزعم تحرير النساء، وأنه يريد أن ينشر في البلاد التدريس المدني (اللاديني)، وأنه يريد أن يبدل مكان الشريعة القانون الوضعي.
ونرى من بين هؤلاء وأولئك عمائم الإصلاح، تدلنا على منهاج آخر يقوم على عقيدة صحيحة، ورجوع إلى السلف الصالح، وتغيير ما بالنفس من آثار الانحطاط.
ولكنا نرى أن هذه القيادات والاتجاهات- رغم تباينها واختلافها- كانت متفقة على نقطة هي: إرادة الحركة والتجديد والفرار من الزوايا الخرافية إلى المكاتب العلمية، ومن الخمارات الحقيرة إلى مواطن أكثر طهارة وفائدة.
ولقد كانت حركة الاصلاح التي قام بها العلماء الجزائريون أقرب هذه الحركات إلى النفوس، وأدخلها في القلوب، إذ كان أساس منهاجهم الأكمل قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
فأصبحت هذه الآية شعار كل من ينطرح في سلك الإصلاح في مدرسة (بن باديس) وكانت أساسا لكل تفكير. فظهرت آثارها في كل خطوة، وفي كل مقال، حتى أشرب الشعب في قلبه نزعة التغيير فأصبحت أحاديثه تتخدها شرعة ومنهاجا، فهذا يقول: لا بد من تبليغ الإسلام إلى المسلمين، وذاك يعظ: فلنترك البدع الشنيعة البالية التي لطخت الدين، ولنترك هذه الأوثان. وذلك يلح: يجب أن نعمل، يجب أن نتعلم، يجب أن نجدد صلتنا بالسلف الصالح، ونحيي شعائر المجتمع الإسلامي الأول.
وإنه لتفكير سديد؛ ذلك الذي يرى أن تكوين الحضارة كظاهرة اجتماعية إنما يكون في نفس الظروف والشروط التي ولدت فيها الحضارة الأولى، كان هذا صادرا عن عقيدة قوية، ولسان يستمد من سحر القرآن تأثيره، ليذكر الناس بحضارة الإسلام في عصوره الزاهرة.
стр. 23
والشعب المتدين الطروب كان مصغيا ... ولكن المستقبل هدف بعيد، فلا بد من طرق واضحة ودفعات قوية لكي يدرك هدفه. وإذن فيجب أن تحدد الكلمات معالم هذه الطرق، وأن تحتوي على الخمائر المباركة لهذه الدفعات.
وعلى الرغم من قوة عبارات الإصلاحيين الجزائريين، فإن هذه الكلمات قد انحرفت- أحيانا وبكل أسف- عن أهدافها، لأسباب تضاد المنهج، فلقد كان النوم يحذرهم عن أن ينشروا وعيهم وجهدهم باستمرار، فكانت النتيجة انحرافا. ولا نتيجة، لأن الحكمة قد تركت مكانها للانتهازية السياسية.
ولكن مهما كان شأن جمعية العلماء إزاء ذلك الانحراف، ومهما كان ركونها أحيانا إلى التفكير غير المنهجي، فإنها لا تزال في طليعة النهضة الجزائرية الصحيحة، ومن أقوى محركاتها.
على أن من الممكن أن يتحول هذا النوع من التفكير غير المنهجي إلى انتهازية خطيرة (١)، وبخاصة في العصور المضطربة عندما تؤدي كل خطوة خاطئة إلى الموت أحيانا.
فليس للانحراف طرق مرسومة نظريا، ولكن له دروبا مظلمة يتعثر فيها السائر في كل خطوة.
وهنا يظهر السبب الذي دعا العلماء إلى أن يسيروا عام ١٩٣٦ في القافلة السياسية التي ذهبت إلى باريس كأكبر سبب جرَّ الحركة الإصلاحية الحزائرية إلى أول انحرافها.
فبأي غنيمة أرادوا أن يرجعوا من هناك، وهم يعلمون أن مفتاح القضية في روح الأمة لا في مكان آخر؟
وبأي شيء في الحقيقة قد رجعوا؟ ألم يرجعوا باخفاق المؤتمر الجزائري
стр. 24
وبتشتيت جمعيتهم نفسها؟ فلقد ساد الرأي الانتخابي، وأصبح قائدا بدلاً من أن يكون مقودا، وهكذا انقلبت الحركة الاصلاحية على عقبها، وأصبحت تمشي على قمة رأسها، لا على قدميها وما كان الأمر خاصا بالجزائر، بل كان العالم الإسلامي مصابا بمثل ما أصاب الجزائر، فقد نشأت فيه التيارات الحزبية، وانعكست فيه روح السمو وقوة الصعود والنهوض، إلى عاطفة سفلية، وجاذبية سطحية.
وربما كان عام ١٩٣٦ في الجزائر هو القمة التي بلغها روح الكفاح والاصلاح الاجتماعي، وهي نفسها القمة التي هبط منها الاصلاح إلى هاوية لا قرار لها.
وكان ذلك قبيل حرب عام ١٩٣٩، عندما أوعدت سحبها السوداء في أفق العالم.
ومن المحزن حقا أن العالم الاسلامي- إبان هذه الحقبة- قد استسلم لرقاد طويل، فلم يفطن لساعات التاريخ الفاصلة، ولم يحاول انتهاز فرصتها السانحة، ليتخلص من الاستعمار.
***
стр. 25
دَوْرُ الْوَثَنِيَّةِ
((إذا فصلت السياسة عن الدين فقدت معناها .. كل طفل فى مدرستنا يدري الأنظمة السياسية في الهند، ويعرف كيف أن بلاده تتقد بإحساسات جديدة وبآمال جديدة، ولكننا أيضاً في حاجة إلى الضوء الثابت المستقر. ضوء الأيمان الديني))
((غاندي)).
من المعرو ف أن القرآن الكريم قد أطلق اسم الجاهلية على الفترة التي كانت قبل الإسلام، ولم يشفع لهم شعر رائع، وأدب فذ، من أن يصفهم القرآن بهذا الوصف، لأن التراث الثقافي العربي لم يكن يحوي سوى الديباجة المشرقة، الخالية من كل عنصر "خلاق" أو فكر عميق. وإذا كانت الوثنية في نظر الإسلام جاهلية، فإن الجهل في حقيقته وثنية، لأنه لا يغرس أفكارا، بل ينصب أصناما، وهذا هو شأن الجاهلية، فلم يكن من باب الصدفة المحضة أن تكون الشعوب البدائية وثنية ساذجة، ولم يكن عجيبا أيضا أن مر الشعب العربي بتلك المرحلة، حين شيد معبدا للأقطاب (الدراويش) المتصرفين في الكون، ومن سنن الله في خلقه أنه عندما تغرب الفكرة يبزغ الصنم، والعكس صحيح أحيانا.
وهكذا كان شأن الجزائر فإنها كانت حتى عام ١٩٢٥ - على الرغم من إسلامها- تدين بالوثنية، التي قامت نصبها في الزوايا، هنالك كانت تذهب الارواح الكاسدة لالتماس البركات، ولاقتناء الحروز ذات الخوارق والمعجزات، غير أنه ما إن سطع نور الفكرة الإصلاحية حتى تحطم ذلك المعبد، فخرت الأوثان مع أسف عماتنا وخالاتنا اللاتي أدهشهن ما رأين.
وبالفعل فقد خمدت نيران أهل الزردة (الفتَّة)، وزالت عن البلاد حمى الدراويش، وتخلصت منها الجماهير بعد أن ظلت طوال خمسة قرون ترقص على دقات البنادير، وتبتلع العقارب والمسامير مع الخرافات والأوهام.
стр. 26
ولقد ذهبت بذهابهم تلك الجنة التي وُعِدها المريدون بلا كد ولا عمل، إلا ما يتلمسون من رضا الشيخ ودعواته، وحلت مكانها جنة الله التي وَعدَها المتقين العاملين.
وهكذا أتيح (للإصلاح) أن يمسك مقاليد النهضة الجزائرية، وأمكنه أن يبعثها خلقا آخر بالروح الإسلامية التي تخلصت من كابوس الأوثان، وكأني بالفكرة الإصلاحية قد بلغت أوجها وانتصرت يوم افتتاح المؤتمر الجزائري عام ١٩٣٦، مما جعلنا نتساءل: هل سوف نمضي هكذا حتى النهاية؟
لقد كان ذلك ممكنا، لو لم يشعر العلماء المصلحون- بكل أسف- بمركب النقص إزاء قادة السياسة في ذلك العهد (١)، فمالؤوهم وسايروهم، ظنا منهم أنهم سوف يذودون عنهم نوائب الحكومة، ولقد كان ذلك ممكنا لو لم يكونوا على استعداد للعودة إلى فكرة الزوايا ذات الطابع السياسي، والأصنام المزوقة بأسماء جديدة.
لقد كانوا يستطيعون أن يبلغوا ذلك، لو أن أوراق الحروز التي نبذها الشعب لم ترجع إليه باسم أوراق الانتخابات، ولو أن العقول التي كانت تصدق بالمعجزات الكاذبة، لم تعد مرة أخرى تصدق بمعجزات صناديق الانتخابات، ولو أن الزردة التي كانت تقام في ساحات المشايخ لم تعقبها الزردة التي تقام في الميدان السياسي، والتي أصبحت تقدم فيها الأمة قربانها من حين إلى حين.
لقد كان من واجبنا أن ننتبه فلا نلدغ من حجر مرتين، غير أننا لم نكن في الواقع قد تخلصنا من الأسلوب الخرافي، ذلك الأسلوب الطفولي الذي نتجت عنه قصة ألف ليلة وليلة. تلك القصة الذي استطبنا مذاقها في عصور انحطاطنا، وكان لها تأثيرها في جونا الخلقي والاجتماعي.
ولقد كان حقيقا بنا أن نوصد مرة واحدة في عام ١٩٣٦ باب التيه، فلا ندع أرواحنا تسبح في متاهات لا حد لها. ولو اننا احتطنا لأنفسنا بمثل هذه
стр. 27
الاحتياطات البسيطة لاستطعنا منذ ذلك التاريخ أن نواجه الواقع. وأن نحل مشكلتنا بأيدينا حلا واقعيا علميا.
فلقد كان على الحركة الاصلاحية أن تبقى متعالية على أوحال السياسة والمعامع الانتخابية، ومعارك الاوثان. ولكن العلماء آنذاك قد وقعوا في الوحل - حيث تلطخت ثيابهم البيضاء، وهبطت معهم الفكرة الاصلاحية فجرت في المجرى الذي تجري فيه (الشامبانيا) في الأعراس الانتخابية، الممزوجة أحيانا بدم تريقه اليد السوداء لاغتيال الاصلاح (١).
ولئن كان هنالك شيء يؤسف له منذ عام ١٩٢٥، فإن أكبر أسفنا على زلة العلماء، التي كانت زلة نزيهة، لما توفر فيها من النية الطاهرة، والقصد البريء.
ومع ذلك فإنه يجب أن لا يغرب عن بالنا أن الحكومة الاستعمارية كانت هي السبب الخارجي لتلك الخطوة المشؤومة التي خطاها العلماء نحو السراب السياسي، وكان ذلك حينما تكونت في فرنسا الجبهة الشعبية التي بذلت الوعود بغير حساب.
ولكن ألم تكن المعجزة الحقة في تحويل الأمة وتقدمها شيئا أغلى من هذا السراب؟
ألم يكن موطن المعجزة هو ما دل عليه القرآن، أي في النفس ذاتها؟
أوَ لم يكن العلماء أنفسم ينهلون من ذلك الينبوع معجزتهم من عام ١٩٢٥ حتى عام ١٩٣٦، إذ كانوا يغيرون ما بنفس الفرد، ذلك التغيير الذي هو الشرط الجوهري لكل تحول اجتماعي رشيد؟
وإذن فلا يجوز لنا أن نغفل الحقائق، فالحكومة مهما كانت ما هي إلا آلة اجتماعية تتغير تبعا للوسط الذي تعيش فيه وتتنوع معه، فإذا كان الوسط نظيفا حرا، فما تستطيع الحكومة أن تواجهه بما ليس فيه، وإذا الوسط كان متسما بالقابلية إلى الاستعمار فلا بد من أن تكون حكومته استعمارية.
стр. 28
هذه الملاحظة الاجتماعية تدعونا لأن نقرر أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين، ولا من أفعالهم، بل هو من النفس ذاتها، التي تقبل ذل الاستعمار، والتي تمكن له في أرضها.
وليس ينجو شعب من الاستعمار وأجناده، إلا إذا نجت نفسه من أن تتسع لذل مستعمر، وتخلصت من تلك الروح التي تؤهله للاستعمار.
ولا يذهب كابوسه عن الشعب- كما يتصور البعض- بكلمات أدبية أو خطابية، وإنما بتحول نفسي، يصبح معه الفرد شيئا فشيئا قادرا على القيام بوظيفته الاجتماعية، جديرا بأن تُحترم كرامتُه، وحينئذ يرتفع عنه طابع "القابلية للاستعمار"، وبالتالي لن يقبل حكومة استعمارية تنهب ماله، وتمتص دمه، فكأنه بتغيير نفسه قد غير وضع حاكميه تلقائيا إلى الوضع الذي يرتضيه (١).
ولا شك في أن يلازمة السياسية الراهنة تعود في تعقدها إلى أننا نجهل أو نتجاهل القوانين الأساسية التي تقوم عليها الظاهرة السياسية والتي تقتضينا أن ندخل في اعتبارنا دائما صلة الحكومة بالوسط الاجتماعي، كآلة مسيرة له، وتتأثر به في وقت واحد، وفي هذا دلالة على ما بين تغيير النفس وتغير الوسط الاجتماعي من علاقات متينة، ولقد قال الكاتب الاجتماعي (بورك): " إن الدولة التي لا تملك الوسائل لمسايرة التغيرات الاجتماعية لا تستطيع أن تحتفط ببقائها" (٢).
ومن الواضح أن السياسة، التي تجهل قواعد الاجتماع وأسسه لا تستطيع إلا أن تكوّن دولة تقوم على العاطفة في تدبير شؤونها، وتستعين بالكلمات الجوفاء في تأسيس سلطانها، ولن نستطيع فهم هذه الملاحظات الاجتماعية إلا إذا فهمنا الآية الكريمة التي اتخذها العلماء شعارا لهم في تأسيس دعوتهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. وما بقي الاصلاح متمسكا بأهداب
стр. 29
هذه الآية فلن يستطيع درويش جديد أن يهدد البلاد بخطر خرافته، ولكن زلة العلماء عام ١٩٣٦ كان لها أكبر الأثر في عودة البلاد إلى الأفكار الوثنية؛ فقد كان من آثار هذه النكسة تلك الزردة الكبرى التي أقامتها (النخبة) من رجال السياسة في بلدة (سطيف)، حيث أمسكت بكلتا يديها المبخرة، ثم ألقت فيها العود الأخير من " الجاوي " المبارك الذي كان السدنة يعطرون به زواياهم.
وما كانت تلك الزردة إلا ابتداء لدروشة جديدة، تذهب معها جهود الاصلاح هباء، وكأنها لم تكن؛ دروشة لا تختلف عن سابقتها إلا بأنها تبيع بدل الحروز والتمائم حروزاً في شكل آخر، هي أوراق الانتخابات، والحقوق السياسية، والأماني السابحة في الخيال.
ومع ما استجلبناه من مصر (الفاروقية) من الاسطوانات والأشرطة السينمائية المجافية للفن والأخلاق، فإِننا قد استجلبنا منها أيضاً أسساً لسياستنا تقوم على أفكار تضلل العقول البسيطة، كان لها أسوأ تأثير في حياتنا، حيث اتخذتها (الدروشة السياسية) شعاراً لها ومبدأ، وكررتها على مسمع من الشعب، حيث رددها معها سنين طويلة، صباح مساء: (إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى)! لحاها الله كلمة تطرب وتغري، فالحق ليس هدية تعطى، ولا غنيمة تغتصب، وإنما هو نتيجة حتمية للقيام بالواجب، فهما متلازمان، والشعب لا ينشئ دستور حقوقه إلا إذا عدل وضعه الاجتماعي، المرتبط بسلوكه النفسي.
وإنها لشرعة السماء: غير نفسك، تغير التاريخ!
وعلى هدى هذه الكليمة بدأ الإصلاح الجزائري من النفس- هادفا في جوهره إلى تغيير الإنسان، فبعث فيه روحا وثابة، أشرقت معها بوادر النهضة الكبرى، وكان الانطلاق الرائع للضمير الشعبي فيما قبل عام ١٩٣٦ في انسجامه، واطراده، وحماسه، هو ملحمة الفكرة الاصلاحية التي توَّجها المؤتمر الإسلامي المنعقد في ذلك العام.
وخلال العصر الذهبي الذي بدأ عام ١٩٢٥، واستمر حتى زوال المؤتمر
стр. 30
الذي مات في مهده، وكنا نشعر بالنهضة، ولم يكن زادنا في مبدأ رحلتنا سوى كلمات من الفصحى، وبعض آيات من القرآن، وهكذا ابتدأت على أثر هذه النهضة المدارس الأولى، تشيد بسيطة متواضعة، كتلك المدارس الأولى التي افتتحت في الغرب، في عهد شارلمان والتي كانت أصولا للمدنية الغربية.
ولقد كنا إذ ذاك، إذا ما خلصنا إلى سمرنا نتحدث حديث " الغشيم"!! ..
ولكنه ليس عقيما، إذ هو يدور حول الشئون الاجتماعية، كالتعليم
والتربية، وتطهير الأخلاق، والعادات، ومستقبل المرأة، واستخدام رؤوس الأموال. وكانت هذه الأحاديث ذات قيمة، لأنها كانت بعيدة عن منطق الغوغاء، وعن الرياء، والذاتية، وعن النزعات الانتخابية، فقد أصبحت لكل كلمة من هذه الكلمات قيمتها في الوسط الجزائري. ولكل سعي أثره وإن قل؛ إذ هو يساهم في بناء التقدم والنهضة، تماما كما تساهم القشة الصغيرة في بناء عش الطير، إبان الربيع.
ولم يتخلف الأدب الجزائري عن الركب، فقد بدأ يصور تقدم البلاد في قصائد، جدد فيها نشاطه بعد ركود طويل، كانت تلك القصائد تغني ربيع النهضة، أي ربيع الفكرة، لا ربيع الصنم.
وكنت ترى في كل مسجد أو مدرسة أو منزل حديث الاصلاح، بين مؤيد ومنتقد، ولكن كلا الفريقين كان يتمتع باللسان العِف، والسريرة النقية. إذ كانت المبادىء هدفهم من وراء اختلافهم، لا الأعراض الشخصية والوظائف السياسية.
وكانت الأمة تقدم تضحياتها لبناء المدارس والمساجد من أجل البعث الفكري، والبعث الروحي، اللذين هما عماد كل حضارة في سيرها الحثيث.
ولعلك تلاحظ كم يكون شاقاً القيام بهذه التضحيات في بلاد فقيرة، امتص المستعمر خيراتها، غير أن الشعب الذي آمن بالفكرة، كان عزاؤه في جهده الشاق، أنه سوف يحظى بالعاقبة الحميدة. لقد كان يعيش في جو من الحماس يتيح له أن يصنع المعجزات الاجتماعية، من تغيير العوائد والأفكار، والاتجاهات
стр. 31
والأشياء، وكانت الاستجابة لهذه التحولات بادية في تقاليد مدينة (تبسَّة) مثلاً، تلك المدينة التي بدت أعراسها وجنائزها أقرب إلى الكرامة والوقار، مما لم تعرفه قبل الاصلاح. وإنه لمن الواضح أن الشعب الذي بدأ يعود إلى وقاره، ويستمسك بأسباب كرامته، ويميل إلى التناسب والجمال في مظهره العام قد أعاد سيره في موكب التاريخ.
وكنت تشاهد حركات، الهدف منها إزالة كل منكر لا تقبله العقيدة.
ولا يقره الذوق العام. ومن ذلك حركة محاربة الخمور وبيعها، حتى لم يجد باعة تلك السموم حيلة يفرون بها من هجوم الحركة الاصلاحية، إلا أن يلجؤوا إلى الحكومة حوالي عام ١٩٢٧، محتجين بأن إيرادهم تناقص، وأن تجارتهم بارت. وبدأت فعلاً المساجد تمتلئ برواد الخمارات. كما أن الحلقات الدراسية الليلية قد عمرت بأولئك الذين انصرفوا عن حلقات الدراويش.
ولعل هذا التغيير المطرد، والنسق الجديد من الحياة قد أقلق كثيرا أولئك الذين كانت مواردهم وإمكانياتهم مستمدة من سباتنا.
وبدأت المعجزة تشق طريقها بقوة وعزم، إلى أن جاءت سنة ١٩٣٦، فإذا بها تضل طريقها، حتى تغلقت عليها السبل. ثم اختارت طريقا ظنت أنه موصلها إلى هدفها المنشود، ولم تدر أنها تتجه إلى الجهة التي انطلقت منها.
وهكذا عادت أدراجها، ميممة وجهها شطر السراب السياسي، حيث تتوارى من ورائها بوارق النهضة والتقدم.
لقد أصبحنا لا نتكلم إلا عن حقوقنا المهضومة، ونسينا الواجبات، ونسينا أن مشكلتنا ليست فيما نستحق من رغائب، بل فيما يسودنا من عادات. وما يراودنا من أفكار. وفي تصوراتنا الاجتماعية، بما فيها من قيم الجمال والأخلاق. وما فيها أيضا من نقائص تعتري كل شعب نائم.
وبدلاً من أن تكون البلاد ورشة للعمل المثمر والقيام بالواجبات الباعثة إلى الحياة. فإنها أصبحت منذ سنة ١٩٣٦ سوقا للانتخابات. وصارت كل منضدة في المقاهي، منبرا تلقى منه الخطب الانتخابية. فلكم شربنا في تلك الأيام
стр. 32
الشاي، وكم سمعنا من الاسطوانات، وكم رددنا عبارة (إننا نطالب بحقوقنا)، تلك الحقوق الخلابة المغرية، التي يستسهلها الناس، فلا يعمدون إلى الطريق الأصعب: طريق الواجبات.
وهكذا تحول الشعب إلى جماعة من المستمعين، يصفقون لكل خطيب، أو قطيع انتخابي، يقاد إلى صناديق الاقتراع، أو قافلة عمياء زاغت عن الطريق، فذهبت حيث قادتها الصدف في تيار المرشحين.
وفي هذا اختلاس أي اختلاس للعقول التي أشرفت على قطف ثمار نهضتها، فإن هذه العقول قد عادت إليها الوثنية، تلك الوثنية التي تلد الاصنام المتعاقبة المتطورة. كما تتطور الدودة الصغيرة إلى فراشة طائرة، إذا ما صادفت جوا ملائماً. وهذا يعني أن البلاد لم تتحقق فيها النهضة المنشودة، وكل الذي كان هو أن أحداثا صدمتها صدمة عنيفة أيقظتها من نومها، ثم لم تلبث بعد أن زال أثر هذه الصدمة أن غالبها النعاس، فعادت إلى النوم، وأمكنها في نومتها هذه أن تعود إلى أحلامها، غير أنها أحلام ذات موضوع آخر، إنها أحلام الانتخابات، قامت على أطلال الزوايا المهدمة التي دمرها معول الاصلاح الأول.
وهو يعني من ناحية أخرى أن أرواحنا لا تزال مكدسة في محيط الطلاسم والخيال، ذلك المحيط الذي لا يزال يحتفظ بها منذ أن سقطت الحضارة الإسلامية.
وهكذا وجدنا أنفسنا بين أحضان الوثنية مرة أخرى، كان الإصلاح قد حطم الزوايا والقباب من دون الوثن، فقد توارت الفكرة عن العقول وحلت محلها الوثنية التي تتكلم اليوم وحدها، إذ نصب لها في كل سوق منبر (١)، كي يستمع الناس إليها، تسلية لهم، وإغفالا لواجباتهم، وإبعادا لهم عن طريق التاريخ. لقد ورث المكروب السياسي ميكروب الدروشة، فأصبح يفعل بالشعب ما كان سلفه يفعل، فبعد أن كان الشعب يقتني بالثمن الغالي البركات والحروز، أصبح يقتني الأصوات والمقاعد الانتخابية، ويسعى اليها في تعصب لا يفترق عن
стр. 33
تعصبه الأول، دون أي ذوق ناقد، ودون أي جهد لتغيير نفسه أو مجتمعه وبعد أن آمن الشعب لأحد رجاله وزعمائه السياسيين بمعجزة (الطيارة الخضراء) (١) أصبح يؤمن بالعصا السحرية التي تحوله بضربة واحدة إلى شعب رشيد، مع ما به من جهل، وما تنتابه من أمراض اجتماعية!! ..
وإننا لنتذكر- بكل أسف- مأدبة أقامها طلبة الجامعة في الأشهر الماضية، وتكلم فيها أحد الطلاب فقال: - "إننا نريد حقوقنا ولو مع جهلنا وعرينا ووسخنا"!!
ولقد كانت هذه الكلمة موضع استحسان من جميع الحاضرين!
ألا قاتل الله الجهل، الجهل الذي يلبسه أصحابه ثوب العلم، فإن هذا النوع أخطر على المجتمع من جهل العوام لأن جهل العوام بيّن ظاهر يسهل علاجه: أما الأول فهو متخفّ في غرور المتعلمين.
ولقد بدأنا بالفعل في التقهقر والعودة إلى الظلام؛ وبعثرة الجهود، وتحطيم المساعي والإسراف في إمكانياتنا القليلة التي تتطلب منا صرفها فيما يفيد تقدمنا.
وختاماً فإن (الزردة) التي أقامتها (النخبة) من رجال السياسة يوم (سطيف) كانت لصالح الاستعمار. الذي تمكن على إثر تقهقرنا من قتل (المؤتمر)، وتشتيت العلماء (٢).
وأصبحت الحركة الجزائرية منذ ذلك الحين لا ترأسها فكرة بل تقودها أوثان، وليس يهمنا هنا الشكل، بل الموضوع. فليس الخطر من الإنقياد إلى نوع من الدروشة، ولكن الخطر من الانقياد الأعمى إلى الدروشة ذاتها وليس الخطر أيضاً من اسم الصنم، ولكن من سيطرة الوثنية.
إن جوهر المسألة هو مشكلتنا العقلية، ونحن لا زلنا نسير ورؤوسنا في الأرض، وأرجلنافي الهواء، وهذا القلب للأوضاع هو المظهر الجديد لمشكلة نهضتنا.
стр. 34
الْبَابُ الثَّانِيَ
الْمُسْتَقْبَلُ
стр. 35
أُنْشُوْدَةٌ رَمَزَيَّةٌ
*فلما عصى آدم ربه وغوى ... أنزله الله إلى لأرض منبوذا. ولم يكن له ما يستر به جسده إلا بعض أوراق من الشجر، ولم يكن له من زاد إلا الندامة التي كانت تعتصر قلبه، وتنتهش ضميره.
*ولما وطئت قدماه الأرض سخرت الوحوش من ضعفه، وهزئت القوى الطبيعية من عريه وفقره، فأحس آدم بالجوع والبرد والخوف، ففر هاربا وأوى إلى غار مظلم.
*لقد بدأ هناك يفكر في فقره ووحدته، في بيئة كل من فيها يعاديه؛ وهو لا يعرف من أسرارها شيئا.
*نظر إلى السماء فرأى الطير يكتسحها، ونظر إلى البحر فرأى السمك يرتع فيه ويلعب، وتطلع إلى الأرض فإذا بالوحوش تصول في الغاب وتجول.
*فغبط آدم هذه الحيوانات كلها، لما أوتيت من مأكل ومأوى، ولما أمنت من خوف، وازداد في قلبه الندم. حتى ملك عليه نفسه.
*هنالك رفع يديه إلى السماء يتضرع، فاستجابت له السماء قائلة: اذهب أيها الرجل، فإني أعطيتك عقلا ويدا، وأعطيتك ترابا وزمانا.
*اذهب فإن لك في الحياة أن تفعل ما يفعل الطير، فتحلق في الفضاء، وأن تغوص في اليم مثل الحوت فتعبر المسافات الطويلة في البحار.
*حينئذ ارتدت إلى آدم نفسه، وتفتحت مغاليق الحياة أمام عينيه. وإذا بشمسها تسطع على غاره المظلم، وتضيء له السبيل إلى مستقبله الساطع الخلاب.
стр. 36
مِنَ التَّكْدِيسِ إِلَى الْبِنَاءِ
لقد ظل العالم الإسلامي خارج التاريخ دهرا طويلا كأن لم يكن له هدف، استسلم المريض للمرض، وفقد شعوره بالألم حتى كأنه يؤلف جزءا من كيانه. وقبيل ميلاد هذا القرن سمع من يذكّره بمرضه، ومن يحدثه عن العناية الإلهية التي استقرت على وسادته، فلم يلبث أن خرج من سباته العميق ولديه الشعور بالألم. وبهذه الصحوة الخافتة تبدأ بالنسبة للعالم الإسلامي حقبة تاريخية جديدة يطلق عليها: النهضة. ولكن ما مدلول هذه الصحوة؟ إن من الواجب أن نضع نصب أعيننا "المرض" بالمصطلح الطبي لكي تكون لدينا عنه فكرة سليمة: فإن الحديث عن المرض أو الشعور به لا يعني بداهة "الدواء".
ونقطة الانطلاق هي ان الخمسين عاما الماضية تفسر لنا الحالة الراهنة التي يوجد فيها العالم الإسلامي اليوم، والتي يمكن أن تفسر بطريقتين متعارضتين: فهي من ناحية: النتيجة الموفقة للجهود المبذولة طوال نصف قرن من الزمان من أجل النهضة.
وهي من ناحية أخرى: النتيجة الخائبة لتطور استمر خلال هذه الحقبة، دون أن تشترك الآراء في تحديد أهدافه أو اتجاهاته.
ومن الممكن أن نفحص الآن سجلات هذه الحقبة، ففيها كثير من الوثائق والدراسات، ومقالات الصحف، والمؤتمرات التي تتصل بموضوغ النهضة.
هذه الدراسات تعالج الاستعمار والجهل هنا، والفقر والبؤس هناك، وانعدام التنظيم، واختلال الاقتصاد أو السياسة في مناسبة أخرى ولكن ليس فيها تحليل منهجي للمرض، أعني دراسة مرضية للمجتمع الإسلامي، بحيث لا تدع مجالاً للظن حول المرض الذي يتألم منه منذ قرون.
стр. 37
ففي الوثائق نجد أن كل مصلح قد وصف الوضع الراهن تبعا لرأيه أو مزاجه أو مهنته. فرأي رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني: أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما قد رأى رجل دينٍ كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ .. الخ ... على حين أن كل هذا التشخيص لا يتنناول في الحقيقة المرض، بل يتحدث عن أعراضه.
وقد نتج عن هذا أنهم منذ خمسين عاما لا يعالجون المرض، وإنما يعالجون الأعراض، وقد كانت النتيجة قريبة من تلك التي يحصل عليها طبيب يواجه حالة مريض بالسل الجرثومي، فلا يهتم بمكافحة الجراثيم، وانما يهتم بهيجان الحمى عند المريض. والمريض نفسه يريد منذ خمسين عاما أن يبرأ من آلام كثيرة: من الاستعمار، من الأمية، من الكساح العقلي، من ...
وهو لا يعرف حقيقة مرضه، ولم يحاول أن يعرفه، بل كل ما في الأمر أنه شعر بألم، فاشتد في الجري نحو الصيدلي، أي صيدلي يأخذ من آلاف الزجاجات، ليواجه آلاف الآلام.
وليس هناك في الواقع سوى طريقتين لوضع نهاية لهذه الحالة المرضية فإما القضاء على المرض، وإما إعدام المريض.
ولنا أن نتساءل حينئذ إذا ما كان المريض الذي دخل الصيدلية دون أن يدرك مرضه على وجه التحديد، سيذهب بمحض الصدفة لكي يقضي على المرض، أو يقضي على نفسه؟
هذا شأن العالم الإسلامي: إنه دخل إلى صيدلية الحضارة الغربية طالبا الشفاء، ولكن من أي مرض؟ وبأي دواء؟ وبدهي أننا لا نعرف شيئا عن مدة علاج كهذا، ولكن الحالة التي تطّرد هكذا تحت أنظارنا منذ نصف قرن، لها دلالة اجتماعية يجب أن تكون موضع تأمل وتحليل. وفي الوقت الذي نقوم فيه بهذا التحليل يمكننا أن نفهم المعنى الواقعي لتلك الحقبة التاريخية التي نحياها، ويمكننا أيضا أن نفهم التعديل الذي ينبغي أن يضاف إليها.
стр. 38
فيجوز لنا أن نطلق على هذه الحقبة أنها (بادرة حضارة)، أو بلغة علم الإلاهيات (مرحلة إرهاص) وجه فيها العالم الاسلامي جهوده الاجتماعية هادفا إلى تحصيل حضارة.
فقد قرر على هذا ضمنا ان اتجاهه هذا يمثل بالتحديد علاج مرضه، ونحن لا يسعنا إلا أن نوافقه على هذا دون أن نفعل سوى تقرير الواقع (١)، بيد أننا نريد هكذا أيضا أن نحدد المرض ضمنا، ثم ندع للصدفة المجال اللازم لها في حالة ما إذا المريض الذي لجأ إلى الصيدلية، لكي يبرأ- كما قلنا- من مرض لا يعرف عنه شيئا محددا، سيبرأ مصادفة بدواء يتعاطاه من القنائن.
فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا (حبة) ضد الجهل، ويأخذ هناك (قرصا) ضد الاستعمار، وفي مكان قصي يتناول (عقارا) كي يشفى من الفقر، فهو يبني هنا مدرسة، ويطالب هنالك باستقلاله، وينشيء في بقعة قاصية مصنعا. ولكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء، أي أننا لن نجد حضارة. ومع ذلد فهناك جهود محمودة يمكن أن نلاحظ من خلالها السلبية النسبية لجهود العالم الإسلامي، حين نقارنها بجهود اليابان مثلاً، منذ خمسين عاما، أو جهود الصين منذ عشر سنوات، فهناك شيء من الغرابة في الحالة التي نفحصها مما يدفعنا إِلى تفهم كيفية سيرها (وآليتها) ومن أجل هذا يجب أن نعرف المقياس العام لعملية الحضارة، ليلقي لنا ضوءا كاشفا على (السلبية النسبية) وانعدام الفاعلية في جهود المجتمع الإسلامي. إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن: " الحضارة هي التي تلد منتجاتها " وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة، حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها.
يضاف إلى هذا أن القاعدة في علم الاجتماع ليست كنظيرتها في علم الرياضة، حدا صارما بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، ولكنها مجرد توجيه
стр. 39
عام يمكن به تجنب الأغلاط الفاحشة، إذ لا يمكن أن يوجد حد دقيق بين حضارة تتكون، وبين حضارة تكونت فعلاً. ونحن في القرن العشرين نعيش في عالم يبدو فيه امتداد الحضارة الغربية قانونا تاريخيا لعصرنا. ففي الحجرة التي كتب فيها الآن كل شيء غربي. فيما عدا (القلة) التي أراها أمامي. فمن العبث إذن أن نضع ستارا حديديا بين الحضارة التي يريد تحقيقها العالم الاسلامي، والحضارة الحديثة.
ولكن هذا يجسم المشكلة بأكملها، فليس من الواجب لكي ننشىء حضارة أن نشتري كل منتجات الأخرى. فإن هذا يعكس القضية التي سبق أن قررناها، وهو يقود في النهاية إلى عملية محالة كما وكيفا:
فمن ناحية الكيف: تنتج الاحالة من أن أي حضارة لا يمكن أن تبيع جملة واحدة لأشياء التي تنتجها، ومشتملات هذه الاشياء. أي أنها لا يمكن أن تبيعنا روحها وأفكارها وثرواتها الذاتية، وأذواقها، هذا الحشد من الأفكار والمعاني التي لا تلمسها الأنامل. والتي توجد في الكتب أو في المؤسسات، ولكن بدونها تصبح كل الأشياء التي تبيعنا إياها فارغة، دون روح، وبغير هدف.
وهي بوجه خاص تمنحنا ذلك العديد الهائل من العلائق التي لا توصف، والتي تبعثها أي حضارة داخل أشيائها وأفكارها من جانب، وبين هاتين المجموعتين والإنسان من جانب آخر.
وفي استخدامنا للمصطلحات البيولوجية نجد أن الحضارة مجموعة من العلائق بين المجال الحيوي (البيولوجي) حيث ينشأ ويتقوى هيكلها، وبين المجال الفكري حيث تولد وتنمو روحها؛ فعندما نشتري منتجاتها فإنها تمنحنا هيكلها وجسدها لا روحها.
ومن ناحية الكم: لن تكون الإحالة أقل، فليس من الممكن أن نتخيل العديد الهائل من الأشياء التي نشتريها، ولا أن نجد رأس المال الذي ندفعه فيها.
ولئن سلمنا بإمكان هذا فإنه سيؤدي قطعا إلى الاحالة المزدوجة، فينتهي بنا الأمر
стр. 40
إلى ما أسميه (الحضارة الشيئية) إلى جانب أنه يؤدي إلى "تكديس" هذه الأشياء الحضارية. ومن البين أن العالم الإسلامي يعمل منذ نصف قرن على جمع أكوام من منتجات الحضارة، أكثر من أن يهدف إلى بناء حضارة، وقد تنتهي هذه العملية ضمنا إلى أن نحصل على نتيجة ما، بمقتضى ما يسمى بقانون الأعداد الكبيرة، أعني قانون الصدقة، فكوم ضخم من المنتجات المتزايدة دائما، يمكن أن يحقق على طول الزمن، وبدون قصد (حالة حضارة)، ولكنا نرى فرقا شاسعا بين هذه الحالة الحضارية، وبين تجربة مخططة كتلك التي ارتسمتها روسيا منذ أربعين عاما، والصين منذ عشر سنوات، هذه التجربة تبرهن على أن الواقع الاجتماعي خاضع لنهج فني معين، تطبق عليه فيه قوانين (الكيمياء الحيوية) و (الديناميكية الخاصة) سواء في تكونه أم في تطوره.
ومن المعلوم أن عملية التحلل الطبيعي (للأورانيوم) لا تدخل في نطاق القياس الزمني للانسان، اذ ان كمية معينة من هذه المادة، ولتكن جراما، يتحلل نصفها طبيعيا خلال أربعة مليارات وأربعمائة مليونا من السنين. ولكن العمل الكيميائي قد توصل إلى أن تتم العملية الفنية للتحلل في بضع ثوان.
وبالمثل نجد أن عوامل التعجيل بالحركة الطبيعية بدأت تلعب دورها الكامل في دراسات الاجتماع، كما هو مشاهد في التجربة الخالدة لليابان، فمن عام ١٨٦٨ إلى ١٩٠٥ انتقلت من مرحلة العصور الوسطى. أو ما سبق أن أطلقت عليه (بادرة الحضارة) إلى الحضارة الحديثة. فالعالم الاسلامي يريد أن يجتاز نفس المرحلة بمعنى أنه يريد انجاز مهمة (تركيب) الحضارة في زمن معين، ولذا يجب عليه أن يقتبس من الكيمياوي طريقته، فهو يحلل أولا المنتجات التي يريد أن يجري عليها بعد ذلك عملية التركيب. فإذا سلكنا هنا هذا المسلك قررنا أن كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية:
ناتج حضاري = انسان + تراب (١) + وقت.