مِنَ التَّكْدِيسِ إِلَى الْبِنَاءِ
لقد ظل العالم الإسلامي خارج التاريخ دهرا طويلا كأن لم يكن له هدف، استسلم المريض للمرض، وفقد شعوره بالألم حتى كأنه يؤلف جزءا من كيانه. وقبيل ميلاد هذا القرن سمع من يذكّره بمرضه، ومن يحدثه عن العناية الإلهية التي استقرت على وسادته، فلم يلبث أن خرج من سباته العميق ولديه الشعور بالألم. وبهذه الصحوة الخافتة تبدأ بالنسبة للعالم الإسلامي حقبة تاريخية جديدة يطلق عليها: النهضة. ولكن ما مدلول هذه الصحوة؟ إن من الواجب أن نضع نصب أعيننا "المرض" بالمصطلح الطبي لكي تكون لدينا عنه فكرة سليمة: فإن الحديث عن المرض أو الشعور به لا يعني بداهة "الدواء".
ونقطة الانطلاق هي ان الخمسين عاما الماضية تفسر لنا الحالة الراهنة التي يوجد فيها العالم الإسلامي اليوم، والتي يمكن أن تفسر بطريقتين متعارضتين: فهي من ناحية: النتيجة الموفقة للجهود المبذولة طوال نصف قرن من الزمان من أجل النهضة.
وهي من ناحية أخرى: النتيجة الخائبة لتطور استمر خلال هذه الحقبة، دون أن تشترك الآراء في تحديد أهدافه أو اتجاهاته.
ومن الممكن أن نفحص الآن سجلات هذه الحقبة، ففيها كثير من الوثائق والدراسات، ومقالات الصحف، والمؤتمرات التي تتصل بموضوغ النهضة.
هذه الدراسات تعالج الاستعمار والجهل هنا، والفقر والبؤس هناك، وانعدام التنظيم، واختلال الاقتصاد أو السياسة في مناسبة أخرى ولكن ليس فيها تحليل منهجي للمرض، أعني دراسة مرضية للمجتمع الإسلامي، بحيث لا تدع مجالاً للظن حول المرض الذي يتألم منه منذ قرون.
стр. 37
ففي الوثائق نجد أن كل مصلح قد وصف الوضع الراهن تبعا لرأيه أو مزاجه أو مهنته. فرأي رجل سياسي كجمال الدين الأفغاني: أن المشكلة سياسية تحل بوسائل سياسية، بينما قد رأى رجل دينٍ كالشيخ محمد عبده أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ .. الخ ... على حين أن كل هذا التشخيص لا يتنناول في الحقيقة المرض، بل يتحدث عن أعراضه.
وقد نتج عن هذا أنهم منذ خمسين عاما لا يعالجون المرض، وإنما يعالجون الأعراض، وقد كانت النتيجة قريبة من تلك التي يحصل عليها طبيب يواجه حالة مريض بالسل الجرثومي، فلا يهتم بمكافحة الجراثيم، وانما يهتم بهيجان الحمى عند المريض. والمريض نفسه يريد منذ خمسين عاما أن يبرأ من آلام كثيرة: من الاستعمار، من الأمية، من الكساح العقلي، من ...
وهو لا يعرف حقيقة مرضه، ولم يحاول أن يعرفه، بل كل ما في الأمر أنه شعر بألم، فاشتد في الجري نحو الصيدلي، أي صيدلي يأخذ من آلاف الزجاجات، ليواجه آلاف الآلام.
وليس هناك في الواقع سوى طريقتين لوضع نهاية لهذه الحالة المرضية فإما القضاء على المرض، وإما إعدام المريض.
ولنا أن نتساءل حينئذ إذا ما كان المريض الذي دخل الصيدلية دون أن يدرك مرضه على وجه التحديد، سيذهب بمحض الصدفة لكي يقضي على المرض، أو يقضي على نفسه؟
هذا شأن العالم الإسلامي: إنه دخل إلى صيدلية الحضارة الغربية طالبا الشفاء، ولكن من أي مرض؟ وبأي دواء؟ وبدهي أننا لا نعرف شيئا عن مدة علاج كهذا، ولكن الحالة التي تطّرد هكذا تحت أنظارنا منذ نصف قرن، لها دلالة اجتماعية يجب أن تكون موضع تأمل وتحليل. وفي الوقت الذي نقوم فيه بهذا التحليل يمكننا أن نفهم المعنى الواقعي لتلك الحقبة التاريخية التي نحياها، ويمكننا أيضا أن نفهم التعديل الذي ينبغي أن يضاف إليها.
стр. 38
فيجوز لنا أن نطلق على هذه الحقبة أنها (بادرة حضارة)، أو بلغة علم الإلاهيات (مرحلة إرهاص) وجه فيها العالم الاسلامي جهوده الاجتماعية هادفا إلى تحصيل حضارة.
فقد قرر على هذا ضمنا ان اتجاهه هذا يمثل بالتحديد علاج مرضه، ونحن لا يسعنا إلا أن نوافقه على هذا دون أن نفعل سوى تقرير الواقع (١)، بيد أننا نريد هكذا أيضا أن نحدد المرض ضمنا، ثم ندع للصدفة المجال اللازم لها في حالة ما إذا المريض الذي لجأ إلى الصيدلية، لكي يبرأ- كما قلنا- من مرض لا يعرف عنه شيئا محددا، سيبرأ مصادفة بدواء يتعاطاه من القنائن.
فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا (حبة) ضد الجهل، ويأخذ هناك (قرصا) ضد الاستعمار، وفي مكان قصي يتناول (عقارا) كي يشفى من الفقر، فهو يبني هنا مدرسة، ويطالب هنالك باستقلاله، وينشيء في بقعة قاصية مصنعا. ولكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء، أي أننا لن نجد حضارة. ومع ذلد فهناك جهود محمودة يمكن أن نلاحظ من خلالها السلبية النسبية لجهود العالم الإسلامي، حين نقارنها بجهود اليابان مثلاً، منذ خمسين عاما، أو جهود الصين منذ عشر سنوات، فهناك شيء من الغرابة في الحالة التي نفحصها مما يدفعنا إِلى تفهم كيفية سيرها (وآليتها) ومن أجل هذا يجب أن نعرف المقياس العام لعملية الحضارة، ليلقي لنا ضوءا كاشفا على (السلبية النسبية) وانعدام الفاعلية في جهود المجتمع الإسلامي. إن المقياس العام في عملية الحضارة هو أن: " الحضارة هي التي تلد منتجاتها " وسيكون من السخف والسخرية حتما أن نعكس هذه القاعدة، حين نريد أن نصنع حضارة من منتجاتها.
يضاف إلى هذا أن القاعدة في علم الاجتماع ليست كنظيرتها في علم الرياضة، حدا صارما بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، ولكنها مجرد توجيه
стр. 39
عام يمكن به تجنب الأغلاط الفاحشة، إذ لا يمكن أن يوجد حد دقيق بين حضارة تتكون، وبين حضارة تكونت فعلاً. ونحن في القرن العشرين نعيش في عالم يبدو فيه امتداد الحضارة الغربية قانونا تاريخيا لعصرنا. ففي الحجرة التي كتب فيها الآن كل شيء غربي. فيما عدا (القلة) التي أراها أمامي. فمن العبث إذن أن نضع ستارا حديديا بين الحضارة التي يريد تحقيقها العالم الاسلامي، والحضارة الحديثة.
ولكن هذا يجسم المشكلة بأكملها، فليس من الواجب لكي ننشىء حضارة أن نشتري كل منتجات الأخرى. فإن هذا يعكس القضية التي سبق أن قررناها، وهو يقود في النهاية إلى عملية محالة كما وكيفا:
فمن ناحية الكيف: تنتج الاحالة من أن أي حضارة لا يمكن أن تبيع جملة واحدة لأشياء التي تنتجها، ومشتملات هذه الاشياء. أي أنها لا يمكن أن تبيعنا روحها وأفكارها وثرواتها الذاتية، وأذواقها، هذا الحشد من الأفكار والمعاني التي لا تلمسها الأنامل. والتي توجد في الكتب أو في المؤسسات، ولكن بدونها تصبح كل الأشياء التي تبيعنا إياها فارغة، دون روح، وبغير هدف.
وهي بوجه خاص تمنحنا ذلك العديد الهائل من العلائق التي لا توصف، والتي تبعثها أي حضارة داخل أشيائها وأفكارها من جانب، وبين هاتين المجموعتين والإنسان من جانب آخر.
وفي استخدامنا للمصطلحات البيولوجية نجد أن الحضارة مجموعة من العلائق بين المجال الحيوي (البيولوجي) حيث ينشأ ويتقوى هيكلها، وبين المجال الفكري حيث تولد وتنمو روحها؛ فعندما نشتري منتجاتها فإنها تمنحنا هيكلها وجسدها لا روحها.
ومن ناحية الكم: لن تكون الإحالة أقل، فليس من الممكن أن نتخيل العديد الهائل من الأشياء التي نشتريها، ولا أن نجد رأس المال الذي ندفعه فيها.
ولئن سلمنا بإمكان هذا فإنه سيؤدي قطعا إلى الاحالة المزدوجة، فينتهي بنا الأمر
стр. 40
إلى ما أسميه (الحضارة الشيئية) إلى جانب أنه يؤدي إلى "تكديس" هذه الأشياء الحضارية. ومن البين أن العالم الإسلامي يعمل منذ نصف قرن على جمع أكوام من منتجات الحضارة، أكثر من أن يهدف إلى بناء حضارة، وقد تنتهي هذه العملية ضمنا إلى أن نحصل على نتيجة ما، بمقتضى ما يسمى بقانون الأعداد الكبيرة، أعني قانون الصدقة، فكوم ضخم من المنتجات المتزايدة دائما، يمكن أن يحقق على طول الزمن، وبدون قصد (حالة حضارة)، ولكنا نرى فرقا شاسعا بين هذه الحالة الحضارية، وبين تجربة مخططة كتلك التي ارتسمتها روسيا منذ أربعين عاما، والصين منذ عشر سنوات، هذه التجربة تبرهن على أن الواقع الاجتماعي خاضع لنهج فني معين، تطبق عليه فيه قوانين (الكيمياء الحيوية) و (الديناميكية الخاصة) سواء في تكونه أم في تطوره.
ومن المعلوم أن عملية التحلل الطبيعي (للأورانيوم) لا تدخل في نطاق القياس الزمني للانسان، اذ ان كمية معينة من هذه المادة، ولتكن جراما، يتحلل نصفها طبيعيا خلال أربعة مليارات وأربعمائة مليونا من السنين. ولكن العمل الكيميائي قد توصل إلى أن تتم العملية الفنية للتحلل في بضع ثوان.
وبالمثل نجد أن عوامل التعجيل بالحركة الطبيعية بدأت تلعب دورها الكامل في دراسات الاجتماع، كما هو مشاهد في التجربة الخالدة لليابان، فمن عام ١٨٦٨ إلى ١٩٠٥ انتقلت من مرحلة العصور الوسطى. أو ما سبق أن أطلقت عليه (بادرة الحضارة) إلى الحضارة الحديثة. فالعالم الاسلامي يريد أن يجتاز نفس المرحلة بمعنى أنه يريد انجاز مهمة (تركيب) الحضارة في زمن معين، ولذا يجب عليه أن يقتبس من الكيمياوي طريقته، فهو يحلل أولا المنتجات التي يريد أن يجري عليها بعد ذلك عملية التركيب. فإذا سلكنا هنا هذا المسلك قررنا أن كل ناتج حضاري تنطبق عليه الصيغة التحليلية الآتية:
ناتج حضاري = انسان + تراب (١) + وقت.
стр. 41
ففي المصباح مثلاً يوجد الإنسان خلف العملية العلمية والصناعية، التي يعتبر المصباح ثمرتها، والتراب في عناصره من موصل وعازل، وهو يتدخل بعنصره الأول في نشأة الإنسان العضوية، والوقت (مناط) يبرز في جميع العمليات البيولوجية والتكنولوجية، وهو ينتج المصباح بمساعدة العنصرين الأولين: الإنسان والتراب.
فالصيغة صادقة بالنسبة لأي ناتج حضاري، وإذا ما درسنا هذه المنتجات حسب طريقة الجمع المستخدمة في الحساب، فسننتهي حتما إلى ثلاثة أعمدة ذات علاقة وظيفية:
حضارة = إنسان + تراب + وقت.
وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إِلى أن مشكلة الحضارة تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشاكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت. فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات، وإنما بأن نحل هذه المشكلات الثلاثة من أساسها. ومع ذلك فإن هذه الصيغة تثير عند التطبيق اعتراضا هاما هو: إذا كانت الحضارة في مجموعها ناتجا للإنسان والتراب والوقت، فلم لا يوجد هذا الناتج تلقائيا حيثما توفرت- هذه العناصر الثلاثة؟ ... وإنه لعجب يزيله اقتباسنا للتحليل الكيماوي:
فالماء في الحقيقة نتاج للأدروجين والأكسجين، وبرغم هذا فهما لا يكونانه تلقائيا، فقد قالوا إن تركيب الماء يخضع لقانون معين يقتضي تدخل (مركب) ما، بدونه لا تتم عملية تكون الماء. وبالمثل لنا الحق في أن نقول: إن هناك ما يطلق
стр. 42
عليه (مركِّب الحضارة) أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض، فكما يدل عليه التحليل التاريخي الآتي مفصلا، نجد أن هذا (المركِّب) موجود فعلا، هو الفكرة الدينية التي رافقت دائما تركيب الحضارة خلال التاريخ، فإذا اتضح صدق هذه الاعتبارات عن التفاعل الكيميائي الحيوي وعن ديناميكية الواقع الاجتماعي كان لنا أن نخطط بطريقة ما، مجال تطوره كاطراد مادي نعرف قانونه. وفي الوقت تفسه يسمح لنا ذلك بالقضاء على بعض الأخطاء التي يشعها ما يطلق عليه (أدب الكفاح) في العالم الاسلامي، حيث يزكي ضمنا الاتجاه نحو التكديس.
من هذا الأدب الذي يبدي أحيانا الايمان المضطرم، والأصالة الصادقة، يتحول (التكديس) من نطاق الأحداث البسيطة الناتجة عن الصدفة، إلى نطاق الفكرة الموجهة، لقد هضمناه جملة، وتمثلناه في سلوكنا. ولنقرأ مثلا العبارة التالية (١): ((لقد سار العالم العربي في طريق هذه الحضارة، التي يسميها الناس "الحضارة الغربية" وما هي إلا حضارة إنسانية استمدت أسسها من حضارات انسانية عديدة، ومنها الحضارة العربية الإسلامية، وساهم ويساهم في إغنائها شرقيون وغربيون، ملاحدة ومؤمنون، ولا رجوع للعالم العربي عن هذا الطريق ولانكسة)).
لا شك اننا نتذوق الجمال الأدبي، والتوقيع الموسيقي في هذه العبارة، ولكن أخشى ما نخشاه أنها تترجم عن تفاؤلية صالحة لأن تقلل في أذهاننا من خطورة المشكلة.
أخشى ما نخشاه أن تنسينا أن كل ما ساهمنا ونساهم به في الإطار الغربي الذي نعيش فيه اليوم هو (القلة)، والقلة فقط.
وأخشى ما نخشاه أخيرا من تفاؤلية كهذ تدعيمها وتكثيرها للاتجاهات المؤسفة نحو "التكديس" في العالم الاسلامي.
стр. 43
الدَّوْرَةُ الخَالِدَةُ
((إنه من السنن الأزلية أن يعيد التاريخ نفسه، كما تعيد الشمس كرتها من نقطة الانقلاب)).
((نيتشة))
من الملاحظات الاجتماعية أن للتاريخ دورة وتسلسلاً، فهو تارة يسجل للأمة مآثر عظيمة ومفاخر كريمة، وهو تارة أخرى يلقي عليها دثارها، ليسلمها إلى نومها العميق. فإذا ما أخذنا هذه الملاحظة بعين الاعتبار، ختم علينا في حل مشكلاتنا الاجتماعية أن ننظر مكاننا من دورة التاريخ، وأن ندرك أوضاعنا، وما يعتورنا من عوامل الانحطاط وما ننطوي عليه من أسباب التقدم. فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ، سهل علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا.
ولعل أعظم زيغنا وتنكبنا عن طريق التاريخ أننا نجهل النقطة التي منها نبدأ تاريخنا، ولعل أكبر أخطاء القادة أنهم يسقطون من حسابهم هذه الملاحظة الاجتماعية. ومن هنا تبدأ الكارثة، ويخرج قطارنا عن طريقه حيث يسير خبط عشواء.
ولا عجب، فإن كوارث التاريخ التي تحيد بالشعب عن طريقه ليست بشاذة. ونحن نجد مثلها في الكارثة التي أصابت العالم الاسلامي في واقعة صفين فأخرجته من جو المدينة الذي كان مشحونا بهدى الروح، وبواعث التقدم، إلى جو دمشق حيث تجمعت مظاهر الترف، وفتور الايمان.
وعليه فإنه لا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج، مغفلاً مكان أمته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره، وعواطفه، وأقواله، وخطواته مع
стр. 44
ما تقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلولا من الشرق أو الغرب، فإن في ذلك تضييعا للجهد، ومضاعفة للداء. إذ كل تقليد في هذا الميدان جهل وانتحار.
وعلاج أي مشكلة يرتبط بعوامل زمنية نفسية، ناتجة عن فكرة معينة، تورخ من ميلادها عمليات التطور الاجتماعي، في حدود الدورة التي ندرسها.
فالفرق شاسع بين مشاكل ندرسها في إطار الدورة الزمنية الغربية، ومشاكل أخرى تولدت في نطاق الدورة الإسلامية.
فالمشكلة التي أحاول درسها في هذا المؤلف ليست من المشاكل التي تخص عالم ١٩٤٨، بل هي من المشاكل التي تخص عالم ١٣٦٧، وإنني لأخشى أن لا يعجب قولنا هذا بعض من تعودوا النشوة بالكلمات العذبة، أو ألفوا الاقتناع بالحلول المجربة في أمة من الأمم. غير أني أحب أن أعجل إلى الموضوع فلا أضيع الوقت في سرد الأسباب والمبررات، التي يستند اليها أولئك المشعوذون.
إن كل شعب مسلم يعيش في عام ١٣٦٧، أي في نقطة من دورته تنطلق منها الأحداث التي لا تزال في ضمير الغيب، وهي نفسها مادة مستقبلة، فإذا ما تطلعنا إلى الشعب الجزائري في هذة النقطة من التاريخ فإننا نجده والشعوب الإسلامية في مستوى واحد، وفي مشكلات متقاربة، إن لم نقل متحدة؛ وبذلك فإننا نكون قد وضعنا المشكلة في مكانها من التاريخ، ونكون أيضا قد جعلنا مشكلتنا في وضعها المناسب، وفي الطور الذي تستطيع منه أن تبدأ الحضارة دورها.
وعند هذه النقطة من تاريخنا يجدر بنا التساؤل: ها نحن أولاء على أهبة سفر، وإن قافلتنا لتشد رحالها، ولكن إلى أين تسير؟ وبأي زاد سوف تقطع الطريق؟. وإن هذا التساؤل لتحتمه علينا الظروف، فإنه في كل سفر يجب أن نعلم أية جهة نقصد؟ وبأي زاد نتزود؟! ..
وإنه لسؤال جدير بالاهتمام، ولا يكفي فيه أن نجيب إجابات ارتجالية مقتضبة مثل "لا" أو "نعم" بل يجب التأمل في سنن التاريخ التي لا تغيير لها،
стр. 45
كما أشار إليها القرآن الكريم ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾، وكما وضحها ذلك العبقري، عمدة المؤرخين (ابن خلدون).
وأول ما يجب أن نعرفه عن شعب حديث اليقظة، لا تزال آثار النوم الطويل بادية عليه هو: هل بيده أسباب تقدمه؟
إننا نجد في القرآن الكريم النص المبدئي للتاريخ التكويني ( Bio-histoire) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وينبغي أن لا نقرر هذا المبدأ حسب إيماننا به فقط، بل يجب أن يكون تقريره في ضوء التاريخ.
و"نعم" لا تجدي كجواب عن السؤال المطروح أمامنا، إلا إذا تأكدنا من شرطين:
أولهما: هل المبدأ القرآني سليم في تأثيره التاريخي؟.
ثانيهما: هل يمكن للشعوب الإسلامية تطبيق هذا المبدأ في حالتها الراهنة؟.
الشرط الأول:
مطابقة التاريخ للمبدأ القرآني.
إذا نظرنا إلى الأشياء من الوجهة الكونية، فإننا نرى الحضارة تسير كما تسير الشمس، فكأنها تدور حول الأرض مشرقة في أفق هذا الشعب، ثم متحولة إلى أفق شعب آخر.
وإنه لمفيد للقادة أن ينظروا هذه النظرة الفاحصة، فيدركوا طبائع الأشياء، ولكن الكثير منهم تأخذه العزة بالإثم، فيزعم أن إرادته فوق إرادة الأقدار، حتى ليكاد يقول: "يا شمس قفي " وهيهات أن تقف الشمس، أو يسمع لهرائه مستمع، فإن الأقدار، لا تلبث أن تقود الحضارة إلى حيث قدر الله لها السير، من دور إلى دور، ومن فجر إلى فجر، غير عابئة بما يحاوله الباطل من إطفاء النور، أو تغيير الحقائق، ولا متلفتة إلى ما تبثه الزوايا من وهم، أو إلى ما يتخرص به الاستعمار.
стр. 46
ومن المعلوم أنه حينما يبتدىء السير إلى الحضارة، لا يكون الزاد بطبيعة الحال من العلماء والعلوم، ولا من الانتاج الصناعي أو الفنون، تلك الأمارات التي تشير إلى درجة ما من الرقي، بل إن الزاد هو "المبدأ" الذي يكون أساسا لهذه المنتجات جميعا.
ففي نقطة انطلاق الحضارة ليس أمامنا سوى العوامل المادية الثلاثة التي ألمحنا إليها فيما سبق من الكلام: الإنسان. التراب. الوقت. وفي هذه العوامل ينحصر رأس مال الأمة الاجتماعي الذي يمدها في خطواتها الأولى في التاريخ. ولقد سبق أن أشرنا من الوجهة النظرية إلى العامل الذي يمزج هذه العناصر الثلاثة، فيكون منها حضارة.
وسنشرع الآن في تحليل دور كامل من أدوار الحضارة، بل دورتين، من الوجهة لتاريخية، حتى نستخرج منه السر الكوني الذي يركب هذه العناصر الثلاثة: الإنسان، والتراب، والوقت، ليبعثها قوة فعالة في التاريخ.
وحسبنا أن ندرس مثلاً الحضارتين الإسلامية والمسيحية في المرحلة الأولى من نشوئهما.
وكما يتضح من الشكل الذي رسمناه في فصل "أثر الدين في دورة الحضارة" لا يختلف تطور الحضارة المسيحية عن تطور الحضارة الإسلامية إذ هما ينطلقان من الفكرة الدينية التي تطبع الفرد بطابعها الخاص، وتوجهه نحو غايات سامية.
فالحضارة لا تنبعث -كما هو ملاحظ- إلا بالعقيدة الدينية (١)، وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها، ولعله ليس من الغلو في شيء أن يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية، وفي البرهمية نواة الحضارة البرهمية.
стр. 47
فالحضارة لا تظهر في أمة من الأمم إلا في صورة وحي يهبط من السماء، يكون للناس شرعة ومنهاجا، أو هي- على الأقل- تقوم أسسها في توجيه الناس نحو معبود غيبي (١) بالمعنى العام، فكأنما قدر للانسان ألا تشرق عليه شمس الحظارة إلا حيث يمتد نظره إلى ما وراء حياته الأرضية، أو بعيدا عن حقبته اذ حينما يكتشف حقيقة حياته الكاملة، يكتشف معها أسمى معاني الأشياء التي تهيمن عليها عبقريته، وتتفاعل معها.
ومن هنا يستطيع المؤمن ادراك الحقيقة الساطعة التي يفسرها التاريخ، في الفقرة التي وردت في أحد الكتب المنزلة القديمة: "في البدء كانت الروح".
ومن المعلوم أن جزيرة العرب مثلا لم يكن بها قبل نزول القرآن إلا شعب بدوي يعيش في صحراء مجدبة، يذهب وقته هباء لا ينتفع به لذلك فقد كانت العوامل الثلاثة: الإنسان والتراب والوقت راكدة خامدة، وبعبارة أصح، مكدسة لا تؤدي دورا ما في التاريخ، حتى إذا ما تجلت الروح بغار حراء- كما تجلت من قبل بالوادي المقدس، أو بمياه الأردن- نشأت من بين هذه العناصر الثلاثة المكدسة حضارة جديدة، فكأنما ولدتها كلمة (اقرأ) التي أدهشت النبي الأمي وأثارت معه وعليه العالم. فمن تلك اللحظة وثبت القبائل الحربية على مسرح التاريخ حيث ظلت قرونا طوالا تحمل للعالم حضارة جديدة، وتقوده إلى التمدن والرقي.
ومما هو جدير بالاعتبار أن هذه الوثبة لم تكن من صنع السياسيين ولا العلماء الفطاحل، بل كانت بين أناس يتَّسمون بالبساطة، ورجال لا يزالون في بداوتهم، غير أن أنظارهم توجهت في تلك اللحظات إلى ما وراء أفق الأرض أو إلى ما وراء الأفق القريب، فتجلت لهم آيات في أنفسهم، وتراءت لهم أنوارها في الآفاق.
стр. 48
نعم إنه لمن الغريب أن يتحول هؤلاء البسطاء، ذوو الحياة الراكدة، عندما مستهم شرارة الروح، إلى دعاة إسلاميين، تتمثل فيهم خلاصة الحضارة الجديدة، وأن يدفعوا بروحها وثبة واحدة، إلى تلك القمة الخلقية الرفيعة، التي انتشرت منها حياة فكرية واسعة متجددة، نقلت من علوم الأولين ما نقلت، وأدخلت علوما جديدة، حتى إذا ما بلغت درجة معينة، انحدرت القيم الفكرية التي أنتجتها دمشق، وبغداد، وقرطبة، وسمرقند.
ومن هنا ندرك سر دعوة القرآن الكريم المؤمنين إلى التأمل فيما مضى من سير الأمم وذلك حتى يدركوا كيف تتركب الكتلة الخصبة من الإنسان والتراب والوقت.
ولا شك في أن المرحلة الأولى من مراحل الحضارة الإسلامية التي ابتدأت من غار حراء إلى صفين- وهي المرحلة الرئيسية التي تركبت فيها عناصرها الجوهرية- إنما كانت دينية بحتة، تسودها الروح.
ففي هذه الحقبة ظلت روح المؤمن هي العامل النفسي الرئيسي، من ليلة حراء إلى أن وصلت إلى القمة الروحية للحضارة الإسلامية، وهو ما يوافق واقعة صفين عام ٣٨ هـ.
ولست أدري لماذا لم يتنبه المؤرخون إلى هذه الواقعة، التي حولت هجرى التاريخ الاسلامي إذ أخرجت الحضارة الإسلامية إلى طور القيصرية الذي يسوده عامل المقل، وتزينه الأبهة والعظمة، في الوقت الذي بدأت تظهر فيه بوادر الفتور الدالة على أفول الروح.
فإن مؤرخينا لم يروا في تلك الكارثة إلا ظاهرة ثانوية، وهي نشوء التشيع في العالم الإسلامي، مع تداولهم لحديث ألمح فيه الرسول إلى تلك الكارثة، وقد ورد فيه ما معناه: أن الخلافة تكون بعده أربعين عاما ثم تكون ملكا عضوضا. ولا شأن لنا هنا بتحقيق مدى صحته من جهة السند أو الرواية. الأمر الذي
стр. 49
يهمنا هو أنه مما لا شك فيه أن الحضارة الإسلامية قد خرجت من عمق النفوس، كقوة دافعة، إلى سطح الأرض تنتشر أفقيا من شاطىء الأطلنطي إلى حدود الصين.
وهكذا وجدنا الحضارة الإسلامية تتوسع وتنشر فوق الأرض، تتغلب أولا على جاذبيتها بما تبقى لديها من مخزون روحي، حتى إذا ما وهنت فيها قوى الروح، وجدناها تخلد إلى الأرض شيئا فشيئا.
وقد بدأ العلم في تلك الحقبة ينتشر بفضل أساتذة سطعت أسماؤهم في جو المعرفة، كالفارابي، وابن سينا، وأبي الوفاء، وابن رشد ... إلى ابن خلدون الذي أضاءت عبقريته غروب الحضارة الإسلامية في نهايتها.
ومن هنا نستطيع أن نقرر أن المدنيات الإنسانية حلقات متصلة تتشابه أطوارها مع أطوار المدنية الإسلامية والمسيحية، إذ تبدأ الحلقة الأولى بظهور فكرة دينية، ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها، بعد أن تفقد الروح ثم العقل.
ذلك هو منحنى السقوط، الذي تخلقه عوامل نفسية أحط من مستوى الروح، والعقل، وطالما أن الإنسان في حالة يتقبل فيها توجيهات الروح، والعقل، المؤدية إلى الحضارة ونموها، فإن هذه العوامل النفسية تختزن بطريقة ما، فيما وراء الشعور، وفي الحالة التي تنكمش فيها تأثيرات الروح والعقل، تنطلق الغرائز الدنيا من عقالها، لكي تعود بالإنسان إلى مستوى الحياة البدائية. وكذلك كان شأن المسلم، فقد بعث الدين فيه روحا محركا للحضارة، فلم يلبث بعد مرحلة قضاها في الخلافات والحروب أن عاد إلى حيث هو الآن، إنسانا بدائيا.
ولو أردنا أن نسمي هذه المرحلة الخالية من الروح والعقل، والخاتمة لكل حضارة لأطلقنا عليها بلا تردد اسم المرحلة (السياسية) بالمعنى السطحي لكلمة "سياسة".
стр. 50
والتجارب التاريخية العامة تؤكد أطوار الحضارات هذه، ولا تكاد حضارة ما تشذ عن هذه القاعدة.
ولقد يثير هذا التأكيد سؤالاً في أذهان القراء عما يسمى (حضارة شيوعية) إذ لا يمكننا أن نرى فيها (طابع الروح) الذي عرفناه في الدورة العامة للحضارة، وبذا يقال: إن الشيوعية كحضارة ليست منبثقة عن (عامل الروح!).
هذا الخطأ الشائع إنما يأتي أولاً من تفسير أصول الشيوعية، باعتبارها (حضارة)، ومؤلفات ماركس وأنجلز تخفي- في الواقع- التكوين الحقيقي للظاهرة الشيوعية بفصلها ظاهرا عن دورة الحضارة المسيحية.
والحال أنها لا تجد تفسيرا اذا ما ضربنا صفحا عن الحضارة المسيحية، تلك التي تكون- عند تحللها- سطح التربة الخصيب، حيث استمدت الفكرة الماركسية حيويتها.
فنحن على هذا مضطرون إلى أن نعتبر الشيوعية (أزمة) للحضارة المسيحية.
هذا من الناحية التاريخية. ولنا أن نأخذ في اعتبارنا الناحية النفسية (السيكولوجية)، التي تهمنا أكثر.
فمن هذه الناحية تعتبر الشيوعية النظرية قبل كل شيء "فكرة" ماركس، ولكن هناك شيوعية واقعية، هي في جوهرها نشاط المؤمنين المدفوعين بنفس القوى الداخلية التي دفعت غيرهم من المؤمنين في مختلف العصور، أولئك الذين شهدوا مولد الحضارات. فالظاهرة متماثلة في جوهرها النفسي، ومحددة هنا وهناك بنفس سلوك الفرد حيال مشاكل المجتمع الناشيء.
فنحن لا يمكننا أن نفكر في المثل الذي ضربه (استخانوف) للطبقة العاملة في روسيا إبان تنفيذ المشروع الأول للسنوات الخمس، حين رُفع مستوى الإنتاج اليومي إلى الضعف في مناجم الفحم، دون أن نفكر في المثل الذي ضربه سلمان الفارسي، الذي كان يقوم بأضعاف العمل الذي يؤديه الصحابي الواحد في
стр. 51
حفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب، أو الذي ضربه عمار بن ياسر حين كان يحمل حجرين على كاهله في بناء مسجد المدينة، حيث كان الفرد يحمل حجرا واحدا. ففي كلتا الحالتين نجد أن الإيمان هو الذي مهد الطريق للحضارة.
وبتأمل الحضارة المسيحية الحالية نجدها تسير سيرة الحضارة الإسلامية، التي سبقتها في الزمن، مهما يكن في هذا التقرير من غرابة- إذ من البين أن مولد المسيحية يسبق الاسلام بمراحل- ولكن التاريخ يؤيدنا فيما نذهب إليه. ذلك أنه يقرر: أن الحضارة تولد مرتين، أما الأولى: فميلاد الفكرة الدينية، وأما الثانية: فهي تسجيل هذه الفكرة في الأنفس. أي دخولها في أحداث التاريخ.
وإذا كانت المدنية الإسلامية قد جمعت المولدين في وقت واحد، فإن ذلك يعود إلى الفراغ الذي وجدته الفكرة الإسلامية في النفس العربية العذراء، التي لم تنشأ فيها ثقافة، ولا ديانة سابقة، فخلا لها بذلك الجو.
ولم يكن حظ الحضارة المسيحية في نفوس أهلها وبيئتها، كحظ الحضارة الإسلامية، فقد نشأت المسيحية في رسط فيه الخليط من الديانات، والثقافات العبرية، والرومانية، واليونانية، فلم يتح لها أن تدخل إلى قلوب الناس وسط الزحام الفكري الثقافي، لتؤثر فيها تأثيرا فعالاً. ولم يكتب لها أن تعمل عملها إلا عندما بلغت وسط البداوة الجرمانية في شمال أوربا، حيث وجدت النفوس الشاغرة، فتمكنت منها، وبعثت فيها الروح الفعالة، التي اندفعت بها لتكون حلقتها في سلسلة التاريخ.
ومن المفيد أن أعزز هذا النظر برأي للمفكر " هرمان دي كيسر لنج " في كتابه (البحث التحليلي لأوروبا)، حيث يقول " ومع الجرمانيين ظهرت روح خلقية سامية في العالم المسيحي ".
ولعل عبارة هذا النص يمكن أن تبدو أكثر أو أقل صدقا، إذ أن " الروح السامية" التي يعنيها، ليست في التحليل النهائي سوى الفكرة المسيحية، المتأهبة تماما للدخول في التاريخ.
стр. 52
ولكن المفكر الألماني لم يتردد في القول بأن الميلاد النفسي للحضارة المسيحية متوافق مع ظهور روح خلقي.
ولا شك أن كتابا آخرين لاحظوا هذه الملاحظة أيضا، بطريقة أو بأخرى، فالمؤرخ (هنري بيرين) قد لاحظ ذلك الارتباط بين بعث الدين وظهور الحضارة، في كتاب له عنوانه (محمد وشرلمان) قارن فيه بين الحضارتين الإسلامية والمسيحية.
فإن المؤلف المذكور يرى في شرلمان الشخصية التي بعثت مبدأ المسيحية في النفوس البكر، فأنبتت فيها الحضارة، تماما كما فعل الرسول من قبل.
وإنه لمن الأهمية التاريخية أن نلاحظ أن الروح المسيحية لم تجد طابعها الخاص في فن المعمار، إلا عندما تفاعلت هذه الفكرة مع القبائل الجرمانية، فتمثلت عبقريتها الفنية حينئذ في صورة (المعبد القوطي)، الذي يدل علو ارتفاعه على علو في الضمير الديني وطموح، ذلك الطموح الذي كان يهز أوربا من عهد الكارولنجيان (١) إلى عهد النهضة.
فلما بدأت هذه النهضة، خرجت حضارة أوروبا من مرحلة السمو الروحي إلى مرحلة التوسع العقلي، التي انطبعت بطابع (ديكارت)، والتوسع في البلاد الذي حققه (كرستوف كولومب) باكتشاف أمريكا. وعودة أخرى إلى كتاب (البحث التحليلي لأوروبا) توضع لنا هذا التطور، إذ يتحدث مؤلفه عن هذا التحول في الحضارة الأوروبية في قوله: " وكان أعظم ارتكاز حضارة أوروبا على روحها الدينية " ثم بعد ذلك يفسر لنا الروح كعامل اجتماعي فيقول: " ولست أعني بالروح ذلك الشيء الدال على منطق، أو عقل أو مبادىء مجردة، وإنما هو - بصفة عامة- ذلك الشعور القوي في الإنسان، والذي تصدر عنه مخترعاته وتصوراته وتبليغه لرسالته، وقدرته الخفية على إدراك الأشياء".
стр. 53
وبالجملة، يتعلق الأمر بحالة خاصة، وشروط خلقية، وعقلية، لازمة للإنسان لكي يستطيع أن ينشيء، ويبلغ حضارة.
ولكن أليست هذه الشروط هي نفس ما أشار إليه القرآن من تغيير النفس الذي جعل أساسا لكل تغيير اجتماعي؟؟!!
ولنتساءل الآن: من أين لأوربا (مبدأ الشعور) الذي أتاح لها أن تخلق وتبلغ حضارتها؟ وكيف تغييرت تفسيتها؟ ...
إن المفكر المذكور يجيب مرة أخرى، فيقول: "ان الروح المسيحية ومبدأها الخلقي هما القاعدتان اللتان شيدت عليهما أوروبا سيادتها التاربخية".
وإذا لم يكن (كيسر لنج) قد وضح حتى الآن فكرة المراحل الثلاثة للحضارة المسيحية. فإنه لا شك قد أشار اليها، ونحن نجد عنده تأييدا لفكرتنا عن تطور الحضارة، وتنوع العوامل النفسية، إذ يقول: " إن مركز الثقل للحضارة تزحزح عن مكانه، وتحول بالنهضة والإصلاح الديني، من مجال الروح إلى مجال العقل".
ولا شك أن ذلك التزحزح الذي يشير إليه (كيسر لنج) إنما يعني المرحلة الجديدة التي دخلت فيها الحضارة المسيحية في طورها العقلي.
وإذا لاحظنا عند (كيسر لنج) اشارة إلى المرحلتين الأوليتين لتلك الحضارة، فإننا نجد الاشارة إلى المرحلة الثالثة واضحة عند كتاب آخرين، إذا سادهم شعور بفناء المدنية الأوروبية مثل (اسوالد شبنجلر) في كتابه (أفول الغرب).
ولعله من الواضح ان مشكلة الحضارة في العصر الحاضر لا تخص الشعوب الإسلامية فقط، بل انها تخص أيضا الشعوب المتقدمة نفسها، التي تتهدد فيها مدنيتها بالفناء.
وجملة القول إن الوسيلة إلى الحضارة متوفرة ما دامت هنالك فكرة دينية
стр. 54
تؤلف بين العوامل الثلاثة: الإنسان، والتراب، والوقت، لتركب منها كتلة تسمى في التاريخ "حضارة ".
الشرط الثاني:
إمكانية تطبيق المبدأ القرآني الآن؟
((أشد ما أثر في حياتي نصيحة سمعتها من أبي: يا بني إقرأ القرآن كأنه أنزل عليك))
((إقبال))
إننا لكي نتوصل إلى التركيب الضروري كحل للمشكلة الإسلامية؛ أعني مزج الإنسان والتراب والوقت، يجب أن يتوفر لدينا موثر الدين الذي يغير النفس الإسلامية، أو كما يقول كيسر لنج: "يمنح النفس مبدأ الشعور".
فهل يمكن تحقيق هذا الشرط في الحالة الراهنة للشعوب الاسلامية؟
إن التردد في الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب لا يدل إلا على جهل بالإسلام، وبصفة عامة بتأثير الدين في الكون، فإن قوة التركيب لعناصر الحضارة خالدة في جوهر الدين، وليست ميزة خاصة بوقت ظهوره في التاريخ، فجوهر الدين- حسب العبارة الشائعة- موثر صالح في كل زمان ومكان.
وتسجيله في النفس وهو ما يهم التاريخ- كما سبق في حديثنا عن الحضارة المسيحية التي تركبت بعد ألف عام من ظهور الفكرة المسيحية- يمكن أن يتجدد ويستمر ما لم يخالف الناس شروطه وقوانينه، وهو ما ترمز إليه الآية الكريمة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، من هذه الوجهة نستطيع أن نقول:
إن العلماء الجزائريين كانوا أقرب إلى الصواب من السياسيين، حين دعوا إلى الاصلاح، بمعنى دفع النفس الانسانية إلى حظيرة الايمان من جديد، ولكن هؤلاء العلماء- لسوء الحظ- قد انحرفوا هم أنفسهم عن الطريق القويم، متبعين
стр. 55
رجال السياسة، ولقد كان الوقت مناسبا لكي يعودوا إلى الطريق القويم، واثقين من أنه لا نجاة بغيره، ولقد كان عليهم أن يستأنفوا جهدهم الذي بدأوه، ثم قطعوه عام ١٩٣٦، وأن يعدوا الجيل القادم لحمل رسالة الحضارة في نفسه، وإلى معرفته كيف يضعها الوضع الصحيح في المستقبل، حتى يستطيع كل فرد أن يؤدي رسالته في مجاله الخاص، متحملا في سبيلها الآلام الجسام، مغالبا هذه الآلام والدين وحده هو الذي يمنح الانسان هذه القوة، فقد أمد بها أولئك الحفاة العراة من بدو الصحراء، الذين اتبعوا هدى محمد ﷺ .
وبهذه القوة وحدها يشعر المسلم- رغم فاقته وعريه الآن- بثروته الخالدة التي لا يدري من أمر استخدامها شيئا.
***
стр. 56
الْعُدَّةُ الدَّائِمَةُ
عندما يتحرك رجل الفطرة، ويأخذ طريقه لكي يصبح رجل حضارة، فإنه لا زاد له- كما بيّنا- سوى التراب، والوقت، وإرادته لتلك الحركة.
وهكذا لا يتاح لحضارة في بدئها رأسمال، إلا ذلك الرجل البسيط الذي تحرك، والتراب الذي يمده بقُوتِه الزهيد، حتى يصل إلى هدفه، والوقت اللازم لوصوله.
وكل ما عدا ذلك من قصور شامخات، ومن جامعات وطائرات، ليس إلا من المكتسبات، لا من العناصر الأولية.
والمجتمع الإنساني يمكنه أن يستغني وقتا ما عن مكتسبات الحضارة، ولكنه لا يمكنه أن يتنازل عن هذه العناصر الثلاثة، التي تمثل ثروته الأولية، دون أن يتنازل في الوقت نفسه عن جوهر حياته الاجتماعية.
وقد تحقق هذا حين كانت الدول المتقاتلة في الحرب الأخيرة لا تقوِّم خسارتها في الحرب بالذهب والفضة، بل بساعات العمل، أي بقيم من الوقت، ومن الجهود البشرية، ومن منتجات التراب، وهكذا كلما أصبح المكتسب غير كاف، أو حالت دون الحصول عليه عقبات، وكلما دقت ساعة الخطر، وأذنت بالرجوع إلى القيم الأساسية، تستعيد الإنسانية مع عبقريتها، قيمة الأشياء البسيطة التي كونت عظمتها ..
تلك هي القيم الخالدة. التي نجدها كلما وجب علينا العودة إلى بساطة الأشياء، أي في الواقع كلما تحرك رجل الفطرة، وتحركت معه حضارة في التاريخ.
стр. 57
أَثَرُ الْفِكْرَةِ الدِّينِيَّةِ فِي تَكْوِينِ الْحَضَارَةِ
كنا قد بينا في الفصل السابق الذي جعلنا عنوانه "من التكديس إلى البناء" دور الفكرة الدينية حينما تدخل كمركب ( Catalyseur) في التركيب البيولوجي لإحدى الحضارات. وذلك باستنادنا إلى حد ما على أفكار "كيسرلنج" وعلى معطيات التاريخ بصورة عامة.
غير أن هذا التفسير التاريخي قد بدا غير كاف لدى قراء الطبعة الأولى لهذا الكتاب. ولهذا فقد طلب مني بعضهم- والطلبة على وجه أخص- أن أفرد تحليلا أعمق تقصيا لجوانب الموضوع في طبعة ثانية للكتاب.
وبودي أن أعرب لهؤلاء الذين أبدوا هذه الملاحظة عن تقديري لهم. لأنها تكشف عن مدى تحمسهم لمشاكل الحضارة. وهو تحمس لا شك يشرف هؤلاء الشباب من رواد الأمة.
من أجل هذا وضعت هذا الفصل ورأيت من واجبي أن أعيد فيه دراسة هذه المشكلة دراسة لا تقصر على المعطيات التاريخية وإنما هي تهتم أيضا بمقاييس التحليل النفسي. ذلك ان المنهج الذي يتناول واقعة الحضارة لا على انها سلسلة من الأحداث يعطينا التاريخ قصتها، بل كـ"ظاهرة" يرشدنا التحليل إلى جوهرها، وربما يهدينا إلى "قانونها" أي إلى سنة الله فيها، هو القادر، فيما اعتقد، على أن يستجلي لنا بطريقة أوضح، الدور الايجابي الفعال للفكرة الدينية في تركيب تلك الواقعة. إذ يوضح لنا كيف تشرط هذه الفكرة سلوك الفرد وكيف هي تنظم غرائزه تنظيما عضويا في علاقتها الوظيفية ببناء إحدى الحضارات.
وبتعبير آخر إن المسألة هنا هي أن نوضح للقارىء كيف يتاح "للفكرة
стр. 58
الدينية" (١) أن تبني الإنسان حتى يقوم بدوره في بناء الحضارة وبالتالي كيف يتاح لهذه الفكرة ذاتها أن تمدنا بتفسير عقلي لدور إِحدى الديانات في توجيه التاريخ.
فما هي إذن الحدود التي تقف عندها الفكرة الدينية في تفسيرها للوقائع التاريخية؟
لقد اهتم معظم المؤرخين- ابتداء من توسيديد ( Thucydide) حتى "جيزو" ( juizot) بتجميع الوقائع التاريخية بدل أن يهموا بالبحث في تفسير عقلي لهذه الوقائع في إطار معين. فلما جاء جيزو بدأ علم المؤرخ بفضل "عصر النور" يأخذ عنده صبغة علمية معينة. ومع ذلك فقد وجدنا لدى هذا المؤرخ الفرنسي الكبير نوعا من التحفظ الديكارتي يحول بينه وبين صياغة تفكيره الخاص في صورة منهجية مكتملة.
أما ابن خلدون، فقد تمكن من قبل من اكتشاف منطق التاريخ في مجرى أحداثه، فكان بهذا المؤرخ الأول الذي قام بالبحث عن هذا المنطق إذا لم نقل أنه قد قام بصياغته فعلاً. فقد كان يمكن أن يكون أول من أتيح له أن يصوغ قانون الدورة التاريخية ( La Loi du Cycle) لولا أن مصطلح عصره قد وقف به عند ناتج معين من منتوجات الحضارة ونعني به- الدولة- وليس عند الحضارة نفسها.
وهكذا لم نجد فيما ترك ابن خلدون غير نظرية عن تطور الدولة. في حين أنه كان من الأجدى لو أن نظريته رسمت لنا تطور الحضارة، حيث كنا نستطيع أن نجد فيها ثروة من نوع آخر، غير ذلك الذي أثرانا به فعلاً. إِذ لم تكن عبقرية ابن خلدون بعاجزة عن أن ترسم لنا ذلك التطور في صورة منهج قائم بذاته. ولقد كان القرن التاسع عشر هو القرن الذي ولدت فيه أول تفسيرات الواقعة الاجتماعية في إطار ظاهرة معينة هي "الحضارة" غير أن ماركس ومدرسته
стр. 59
حينما طبقا على هذه الواقعة الاجتماعية منطق الجدلية المادية، فقد كان طبيعيا أن يجدا في الشروط الاجتماعية الخاصة بأوروبا في عهدها الفكتوري ما يبرر النزعة المادية التاريخية في نظرهم.
فماركس ومدرسته يذهبان إلى ان كل اكتمال تاريخي لا يكون إلا نتيجة الضرورات المادية، وحاجات الإنسان الأساسية وبالتالي الوسائل الفنية التي يخترعها ويستعملها في تلبية تلك الحاجات. فالحاجة والفن الصناعي يمثلان في نظر ماركس مركزي التقاطب لقوى الانتاج، المركزين اللذين يحددان العلاقات الاجتماعية الخاصة بحضارة معينة، كما يحددان هذه الحضارة ذاتها معنويا وماديا. ولكن هذه النظرية لا تفسر لنا النقطة الأساسية الماثلة فيما يحدث من تفكك العلاقات الاجتماعية، وتلاشي الحضارات، دون ظهور أي تغيير في طبيعة الحاجات ووسائل الانتاج. فحضارات أمريكا السابقة على العهد الكولومبي. وكذلك الحضارة الرومانية لم تتلاش لفقدها الوسائل الصناعية والحاجات.
وهكذا نجد في التفسير الماركسي للوقائع التاريخية ثغرة أحدثها التحليل المفرط في المنهجية لهذه الوقائع، ذلك التحليل الذي يتخذ نقطة انطلاق، من حتمية مادية أي من عملية ميكانيكية لا إرادية لتخطيط الحضارة.
أما القرن العشرون فقد شاهد بوادر تفتح مناهج أخرى للتفسير، ينفسح فيها المجال داخل "تكوين" الحضارة لعوامل أخرى غير العوامل المقصورة على حاجة الإنسان المادية ووسائل الإنتاج.
فقد وضحنا سالفا كيف يفسر "كسرلنج" الحضارة الأوروبية باعتبارها تركيبا مكونا من "روح" المسيحية، وتقاليد الجرمانية. غير أن هذا الفيلسوف لم يكن هو السابق إلى هذا الطريق فقد سار فيه من قبل المؤرخ الفرنسي "جيزو" الذي كان ينظر إلى الأشياء من هذه الزاوية نفسها قبل "كسرلنج" بقرن كامل.
стр. 60
ثم يأتينا بعد ذلك فيلسوف ألماني آخر، ونعني به "سبنجلر" ( Spengler) ليقودنا إلى نظرية أخرى. تفسر الحضارة باعتبارها ثمرة لعبقرية خاصة تسم عصرا معينا بميسم ابتداع أساسي، كما هو الشأن في "علم الجبر" بالنسبة إِلى الحضارة العربية.
وهكذا نجد في هذه النظرية العامل العنصري يتسرب على يد "سبنجلر" إلى المذاهب التاريخية، وهو العامل الذي سوف يتاح لدوره التاريخي فيما بعد، أن يحقق اكتماله المنهجي في المدرسة الهتلرية على يد روزنبرج.
ثم إن بعد ذلك بقليل. فيما بين الحربين العالميتين، نرى فيلسوفا جرماني الأصل "بلطي" الجنسية، وهو ولتر شوبرت ( Walter Schubart) يقوم بدوره بتكييف طريقة "سبنجلر" - إذا لم أقل مذهبه- مع نظريته التي تفسر الحضارة باعتبار نتاج عبقرية عصر معين وليس باعتبارها نتاج عبقرية جنس معين.
فقد بين "ولتر شوبرت" في كتاب قليل الذيوع بعنوان "أوروبا وروح الشرق" أن لكل عصر عبقريته الخاصة- أو " روحه الكلي " ( éon) - الذي يسم حضارة هذا العصر أو ذاك بسمته الخاصة.
أما المؤرخ الانجليزي الكبير "جون أرنولد توينبي" فقد جاء من ناحيته بتفسير ضخم للحضارة يلعب فيه العامل الجغرافي دورا أساسيا. وقد كان مواطنه "السير جون هالفورد" ( Sir j.Hallford) قد سبقه بنصف قرن من الزمان إلى إدخال العامل الجغرافي بطريقة منهجية في تفسير الحضارة. فكان عنوان نظريته المنصبة بصفة خاصة على غايات سياسية وعسكرية "القاعدة الجغرافية للتاريخ".
غير أن " توينبي" يُدخل هذا العامل الجغرافي ضمن مذهبه المتمثل فيما يدعوه "بالتحدي" ( défi) ، وهو المذهب الذي يفسر الحضارة كـ"رد" معين يقوم به أحد الشعوب أو الأجناس مواجهة لـ"تحد" معين.
стр. 61
والطبيعة بالخصوص- أي الجغرافيا- هي التي تقوم بهذا ((التحدي)) وحسب مستوى التحدي، وفعالية "الرد" عليه من طرف الشعوب المواجَه به. فإن حضارته تكون بين احتمالات ثلاث:
فهي إما أن تقوم بوثبة إلى الأمام. وإما أن تصاب بالتوقف والجمود. وإما أن يلفها الفناء بردائه.
وإذا نحن حاولنا بعد الذي سردنا من النظريات أن نستعمل إحداها في تفسير لواقعة تاريخية محددة- ولتكن الحضارة الإسلامية على سبيل المثال- فإننا نجد أنها لا ترضينا تمام الرضى.
إذا نحن لا نرى في "تكوين" هذه الحضارة العامل الجغرافي أو المناخي في شكل "تحدٍّ" معين حسب نظرية توينبي، ولا العامل الاقتصادي الزوجي الأساس المتمثل في الحاجة، الوسيلة الصناعية حسب نظرية ماركس.
أما نظرية "الروح الكلي" ( ecn) فلا تستطيع بدورها تفسير الظاهرة الإسلامية مع الظروف النفسية- الزمنية التي رافقتها، كما سبق لي أن أوضحت ذلك في كتابي "الظاهرة القرآنية"، ولقد يبدو في أفكار ((كسرلنج)) ما يمدنا بتخطيط تحليلي للواقعة المسيحية، نستطيع أن ندرج في نطاقه الواقعة الاسلامية.
وذلك لما فيها من وجوه التماثل البيولوجية- التاريخية المعينة. التي تضع الحضارة في كلتا الواقعتين، ضمن حالات تطورية متشابهة.
وهي حالات قد أعدت لها جميع اللغات المتطورة مصطلحاً خاصا لتحديدها.
إذ تشير إلى هذه الحالات الثلاث: بالنهضة، والأوج، والأفول.
وعلى هذا فـ"كسرلنج" و"أوسفالد شبنجلر)، لم يخرجا في دراستيهما من حيث المصطلح الشعبي في اللغات المتطورة عن واقع التاريخ وهو التقاء فرضته طبيعة الأحداث وليس مجرد الصدفة العارضة.
ولو حاولنا الآن بدورنا عرض التحليل التاريخي في صورة تخطيطية لأمكننا
стр. 62
- كما يحدث ذلك عند عرض ظاهرة فيزيقية- أن نشاهد قانون ظاهرة الحضارة.
فنحن نعلم مسبقا أن حضارة معينة تقع بين حدين اثنين: الميلاد والافول.
وإذن فنحن نملك هنا نقطتين اثنتين من دورتها باعتبارهما ليستا محل نزاع. والمنحنى البياني يبدأ بالضرورة من النقطة الأولى في خط صاعد، ليصل إلى النقطة الثانية في خط نازل. فما الذي يمكننا أن نضع من طور انتقالي يتوسط هذين الخطين؟ ويجيبا المصطلح الشعبي- (الذي سبق ذكره، والذي يلتقي كما رأينا مع التحليل التاريخي) - مشيرا إلى طور وسيط هو: الأوج.
وبين الطورين الأولين يوجد بالضرورة توازٍ معين، يشير إلى تعاكس في الظاهرة. فطور الأفول النازل هو عكس طور النهضة الصاعدة. وبين الطورين يوجد بالضرورة اكتمال معين هو: طور انتشار الحضارة وتوسعها.
ولو حاولنا ترجمة هذه الاعتبارات في صورة تخطيطية لحصلنا على التخطيطي التالي:
.......... «صورة التخطيط» ..........
فنحن نملك الآن أمام أنظارنا، وسيلة نستطيع بها تتبع اطراد حضارة معينة، بطريقة شاهدة على نحو من الانحاء، كما تمكننا من عقد الصلات المشروعة بين العوامل النفسية- الزمنية المختلفة التي تلعب دورا في هذا الاطراد بالضرورة.
ومن المؤكد أنه عندما نتناول الحضارة الإسلامية فلا بد من أن يدخل في اطرادها بالضرورة عاملان هما: الفكرة الإسلامية التي هي أصل الاطراد نفسه؛ والإنسان المسلم الذي هو السند المحسوس لهذه الفكرة.
стр. 63
وعليه فإنه مما ينسجم وطبيعة الأشياء حينما ندرس تطور هذه الحضارة، أن ندرس من حيث الأساس العلاقة العضوية التي تربط الفكرة بسندها. وإذن فكل القيم النفسية- الزمنية التي تميز مستوى حضارة ما في وقت معين، ليست إلا الترجمة التاريخية لهذه العلاقة العضوية بين فكرة معينة كالاسلام مثلا، والفرد الذي يمثل بالنسبة إليها السند المحسوس. وهو هنا المسلم.
ومن هنا تعين علينا اللجوء إلى لغة التحليل النفسي بغية تتبع اطراد الحضارة باعتباره صورة زمنية للافعال وردود الأفعال المتبادلة والتي تتولد منذ مطلع هذا الاطراد بين الفرد والفكرة الدينية التي تبتعث فيه الحركة والنشاط. وحينئذ فعندما نعتبر الفرد عند نقطة الصفر في الصورة التخطيطية التي قدمناها فإننا نجده في الحالة التي يعرفها بعض المؤرخين المسلمين بـ"الفطرة"، مع جميع غرائزه كما وهبته إياها الطبيعة. فالفرد في هذه الحالة ليس أساسه إلا "الانسان الطبيعي" أو الفطري ( L'homonatuna) غير أن الفكرة الدينية سوف تتولى إِخضاع غرائزه إلى " عملية شرطية "، ( Conditionnement) تمثل ما يصطلح عليه علم النفس "الفرويدي" بـ"الكبت" ( Refoulement) .
وهذه العملية الشرطية ليس من شأنها القضاء على الغرائز ولكنها تتولى تنظيمها في علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية: فالحيوية الحيوانية التي تمثلها الغرائز بصورة محسوسة لم تلغ ولكنها انضبطت بقواعد نظام معين.
وفي هذه الحالة يتحرر الفرد جزئيا من قانون الطبيعة المفطور في جسده. ويخضع وجوده في كليته إلى المقتضيات الروحية التي طبعتها الفكرة الدينية في نفسه. بحيث يمارس حياته في هذه الحالة الجديدة حسب قانون الروح.
هذا القانون نفسه هو الذي كان يحكم بلالاً حينما كان تحت سوط العذاب يرفع سبابته ولا يفتر عن تكرار قوله "أحد! .. أحد! .. " إذ من الواضح أن هذه القولة لا تمثل صيحة الغريزة. فصوت الغريزة قد صمت، ولكنه لا يمكن
стр. 64
أن يكون قد ألغي بواسطة التعذيب. كما أنها لا تمثل صوت العقل أيضا فالألم لا يتعقل الأشياء.
إنها صيحة الروح التي تحررت من إسار الغرائز بعدما تمت سيطرة العقيدة عليها نهائيا في ذاتية "بلال بن رباح"؟
كذلك كان المجتمع الاسلامي يحكمه هذا التغير نفسه. إذ كان شأنه شأن "بلال" لا يتحدث بلغة غريزة اللحم والدم من ناحية ومن ناحية أخرى فإن صوت العقل كان لا يزال صامتا في هذا المجتمع الوليد. فكل لغة هذا العمر قد كانت روحية المنطق إذ هي بنت الروح أولاً وقبل كل شيء.
ذلكم هو الطور الأول من أطوار حضارة معينة. الطور الذي تروّض فيه الغرائز وتسلك في نظام خاص تكبح فيه الجماح وتتقيد عن الانطلاق.
إنها الروح في صوت بلال هي التي تتكلم وتتحدى بلغتها الدم واللحم.
كما أن ذلك الصحابي كأنه يتحدى بسبابته المرفوعة الطبيعة البشرية ويرفع بها، في لحظة معينة، مصير الدين الجديد. كما أنها هي نفسها تتحدث بصوت تلك "المرأة الزانية" التي أقبلت إلى "الرسول" لتعلن عن خطيئتها وتطلب إقامة حد الزنى عليها. فالوقائع هذه جميعها تخرج عن معايير الطبيعة. وتدل على أن الغريزة قد كبتت. غير أنها ظلت محتفظة بنزوعها إلى التحرر. وهنا ينشب الصراع المحتدم بين هذا النزوع وسيطرة الروح.
وفي الوقت نفسه يواصل المجتمع الذي أبرزته الفكرة الدينية إلى النور تطوره. وتكتمل شبكة روابطه الداخلية، بقدر امتداد إِشعاع هذه الفكرة في العالم، فتنشأ المشاكل المحسوسة لهذا المجتمع الوليد نتيجة توسعه، كما تتولد ضرورات جديدة نتيحة اكتماله. وحتى تستطيع هذه الحضارة تلبية هذه المقاييس المستجدة تسلك منعطفا جديدا، فإما أن يتطابق مع "النهضة" كما نراها بالنسبة إلى الدورة الأوروبية. وإما أن يتطابق مع استيلاء الأمويين على الحكم
стр. 65
كما هو شأن الدورة الإسلامية. وفي كلا الحالتين فإن المنعطف هو منعطف العقل. غير أن هذا العقل لا يملك سيطرة الروح على الغرائز. وحينئذ تشرع الغرائز في التحرر من قيودها بالطريقة التي شاهدناها في عهد بني أمية. إذ أخذت الروح تفقد نفوذها على الغرائز بالتدريج. كما كف المجتمع عن ممارسة ضغطه على الفرد.
ومن الطبيعي أن الغرائز لا تتحرر دفعة واحدة. وإنما هي تنطلق بقدر ما تضعف سلطة الروح.
وأثناء مواصلة التاريخ سيره. نرى هذا التطور يستمر في نفسية الفرد.
وفي البنية الأخلاقية للمجتمع الذي يكف عن تعديل سلوك الأفراد. وبقدر ما تتحرر هذه النزعة من قيودها في المجتمع يكف التحرر الأخلاقي الذي يمارسه الفرد في أفعاله الخاصة، شيئا فشيئا.
ولو استطعنا في هذا الحين بوسيلة دقيقة المراقبة لهذه الظروف النفسية بغية تتبع نتائج هذا الاطراد- كما هو الشأن في وسائل المراقبة التي تتوفر في مختبرات علوم الطبيعة- لأمكن أن نلاحظ انخفاضا في مستوى أخلاق المجتمع. أو أننا نلاحظ- وهو ما يؤول إلى النتيجة نفسها- نقصا في الفعالية الاجتماعية للفكرة الدينية، وأن هذه الفكرة تظل مواصلة لنقصانها منذ أن دخلت الحضارة منعطف العقل.
فأوج أي حضارة- وأعني به ازدهار العلوم والفنون فيها- يلتقي من وجهة نظر "علم العلل (١) " البحت مع بدء مرض اجتماعي معين لمِّا يجتذب انتباه المؤرخين وعلماء الاجتماع بعد. لأن آثاره المحسوسة لا تزال بعيدة. وبهذا نواصل الغريزة المكبوحة الجماح بيد الفكرة الدينية سعيها إلى الانطلاق والتحرر وتستعيد الطبيعة غلبتها على الفرد وعلى المجتمع شيئا فشيئا.
وعندما يبلغ هذا التحرر تمامه، يبدأ الطور الثالث من أطوار الحضارة.
стр. 66
طور الغريزة التي تكشف عن وجهها تماما. وهنا تنتهي الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية التي تصبح عاجزة عن القيام بمهمتها تماما في مجتمع منحل يكون قد دخل نهائيا في ليل التاريخ وبذلك تتم دورة في الحضارة.
وهكذا نكون في هذا الطور إزاء علم بعثته الدوافع النامية عن الفكرة الدينية، وأشرقت به أنوار الحضارة غير أنه إذا انتهت دورتها فقد جرفته الفوضى واستحال إلى عدم. أو إلى علم إنتفاعي يعيش أصحابه على حساب الجهل المنتشر.
فدورة الحضارة اذن تتم على هذا المنوال، إذ تبدأ حينما تدخل التاريخ فكرة دينية معينة، أو "عندما يدخل التاريخ مبدأ أخلافى معين" ( Zthos) على حد قول " كيسرلنج " كما أنها تنتهي حينما تفقد الروح نهائيا الهيمنة التي كانت لها على الغرائز المكبوتة أو المكبوحة الجماح.
وقبل بدء دورة من الدورات أو عند بدايتها يكون الانسان في حالة سابقة للحضارة. أما في نهاية الدورة فإن الإنسان يكون قد تفسخ حضاريا وسلبت منه الحضارة تماما. فيدخل في عهد ما بعد الحضارة.
فإذا كان ممكنا المماثلة بين هاتين الحالتين من وجهة نظر سطحية لما فيهما من وجه الشبه الظاهرية. فإنه من الخطأ المماثلة بينهما من وجهة بيولوجية- تاريخية: إذ الانسان الذي تفسخ حضاريا مخالف تماما للانسان السابق على الحضارة أو الإنسان الفطري.
فالأول ليس مجرد إنسان خارج عن الحضارة فحسب- كما هي الحال مع الثاني الذي سميناه فيما سلف "بالإنسان الطبيعي" إذ الانسان المسلوب الحضارة لم يعد قابلا لانجاز "عمل مُحَضر" ( Oeuvre Civilisatrice) إلا إِذا تغير هو نفسه عن جذوره الأساسية.
وعلى العكس من ذلك، فإن الإنسان السابق على الحضارة يظل مستعدا -كما هي الحال مع البدوي المعاصر للنبي- للدخول في دورة الحضارة.
стр. 67
ونستطيع التمثيل لهذه الاعتبارات بصورة مستقاة من "علم الطاقة المائية ". وذلك باتخاذنا كحد للمقارنة " جزئيا " من الماء في وضعين مختلفين: يكون في أولهما "قبل" وصوله إلى خزان ينتج الكهرباء وفي ثانيهما "بعد" خروجه منه. فهذا الجزيء عندما يكون " قبل " الخزان: يعطينا صورة للانسان السابق على الحضارة، أي الذي لم يدخل بعد في دورة حضارة معينة: فهو جزيء منطو على طاقة مذخورة معينة. قابلة لتأدية عمل نافع، إذا ما استعملتها أجهزة الخزان في الري أو في انتاخ الكهرباء.
غير أن هذا الجزيء يصبح قاصرا عن تأدية العمل نفسه، منذ أن يصبح "بعد" الخزان، لأنه يكون قد فقد طاقته المذخورة: وهو ما يعطينا صورة للانسان المنحل حضاريا أو الإنسان الذي خرج من دورة الحضارة. ذلك ان هذا الجزيء الخارج من خزانه، لم يعد في امكانه أن يستعيد حالته إلا بواسطة عملية جوهرية تتمثل في عملية التبخر التي ترجع له إلى حالة بخارية. وفي التيارات الجوية الملائمة التي ترجعه إلى أصله. حيث يتم تحوله من جديد إلى جزيء مائي واقع "قبل" خزان معين.
تلك صورة للانسان قبل دخوله في دورة حضارة من الحضارات، وبعد خروجه منها.
والاعتبارات هذه تبين لنا كيف "تشرط" الفكرة الدينية سلوك الانسان حتى تجعله قابلا لانجاز رسالة "محضرة" غير أن دور الفكرة الدينية لا يكتفي بالوقوف عند هذا الحد. ـ فهي تحل لنا مشكلة نفسية اجتماعية أخرى، ذات أهمية أساسية تتعلق باستمرار الحضارة. فالمجتمع لا يمكنه مجابهة "الصعوبات" (١) التي يواجهه بها التاريخ كمجتمع ما لم يكن على بصيرة جلية من هدف جهوده.
غير أن النشاط الاجتماعي لا يكون مثمرا، فعالا وقابلا للبقاء والاستمرار
стр. 68
إلا مع وجود " سبب " معين، يكون من شأنه أن يشرط الطاقات التي يحركها هذا السبب بغائية معينة.
وضمن هذه العلاقة، تبدو أفكار " توينبي " أدنى إلى الصواب من أفكار ماركس. إذ الواقع أن نظرية " التحدي " تفسر السبب الذي يشرط التاريخ بغائية معينة. ذلك بإثارة هذا التحدي لمجرد غريزة البقاء الكائنة في إحدى المجموعات البشرية. بينما تظل نظرية الحاجة عاجزة عن تفسير الواقعة نفسها بغية اللجوء إِلى نوع من المواربة السياسية وذلك باعتمادها على " وعي طبقي " معين أي بإضفائها صبغة سياسية على المشكلة. " فالتحدي " يستلزم عمليا " تعاضدا " أو " ارتباطا تعاونيا " معينا بين أفراد مجموعة بشرية معينة، اقتضى منها وضعها الرد على هذا التحدي بصورة جماعية متآزرة.
وعلى العكس من ذلك. فحاجة القوت الأساسية تستدعي الغريزة الفردية. وتستلزم " منافسة " أو " مزاحمة " معينة، يتصرف فيها كل فرد لحسابه الخاص مدفوعا بالقوانين السفلية الموروثة عن النظام الحيواني.
وعلاوة على ذلك، فالفكرة الدينية التي تشرط سلوك الفرد- كما سبق أن أوضحنا ذلك- تخلق في قلوب المجتمع بحكم غائية معينة (١). وذلك بمنحها إياها الوعي بهدف معين، تصبح معه الحياة ذات دلالة ومعنى. وهي حينما تمكن لهذا الهدف من جيل إلى جيل ومن طبقة إلى أخرى. فإِنها حينئذ تكون قد مكنت لبقاء المجتمع ودوامه وذلك بتثبتها وضمانها لاستمرار الحضارة.
وإن هذه المشكلات ذاتها التي تتعلق بعلم النفس الفردي والاجتماعي. قد سبق أن وجدت لها الفكرة الإسلامية حلها منذ ثلاثة عشر قرنا من الزمن.
حتى تحرك الانسان السابق على الحضارة والذي بنى الحضارة الإسلامية .... إلى حيث يسوقه الله.
стр. 69
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْإِنْسَانُ
стр. 70
إن المشاكل التي تحيط بالإنسان (١) تختلف باختلاف بيئته، فالإنسانية لا تعاني مشكلة واحدة، بل مشاكل متنوعة، تبعا لتنوع مراحل التاريخ. فلا يمكن لنا أن نقارن في الوقت الحاضر بين رجل أوروبا المستعمر، ورجل العالم الإسلامي القابل للاستعمار، لأن كليهما في طور تاريخي خاص به.
ففي بلد أوروبية كبلجيكا، نجد الرجل لا يتمتع بتوازن اقتصادي في حياته، فهنالك اضطراب نتج عن عدم الملاءمة بين حاجاته وتيار الانتاج الصناعي المسرع، ومن هنا تنشأ مشكلة اجتماعية يعانيها شعب بلجيكا، وهي مشكلة "حركة" مضطربة لا يشعر بها شعب لا يعيش في مجال هذا التيار. بينما البلاد الإسلامية على نقيض ذلك أزمتها ليست في الحركة بل في "الركود"، فهو مشكلة الإنسان المتوطن فيها، الذي عزف عن الحركة، وقعد عن السير في ركب التاريخ.
فالأمر في الحالة الأولى يتعلق بحاجات غير مشبعة، وديناميكية مضطربة، على حين يتعلق في الأخرى بعادات راكدة وضعت الفرد في حالة توازن خامد، وخمول تام، في الوقت الذي خطت فيه الحضارة خطوات العماليق.
وعليه فالأمر متصل بمشكلتين مختلفتين في أساسهما، فهنالك هم في حاجة الى مؤسسات، بينما نحتاج هنا إلى رجال، فمن الرجل تنبع المشكلة الإسلامية بأكملها، وبخاصة في الجزائر، فالمسألة هي: يجب أولا أن نصنع رجالاً يمشون في التاريخ، مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم الكبرى.
стр. 71
ففي بلاد مستعمرة كالجزائر، نرى أنه ليس فيها طبقات، وإنما هنالك صنفان من الناس:
الصنف الأول: وهو الذي يسكن المدينة، إما متعطل لا يعمل شيئا، وإما أنه يبيع بعض العقاقير والحاجات، وإما أنه " شاويش " في إدارة استعمارية، وبعض آخر نجده محاميا أو صيدليا أو قاضيا، وقليل ما هم.
والصنف الثاني: وهو الذي يسكن البادية مترحلاً بلا مواش، فلاحا بلا محراث ولا أرض.
والفرق بين هذين الصنفين هو أن ساكن الحضر رجل قليل، تتمثل فيه القِلة في كل شيء. والثاني رجل الفطرة الذي يرضى من الأشياء بالعدم، ولكن رب عدم خير من القليل، إذ أن رجل المدينة الذي رضي بالقليل من الأشياء، قد تغلغلت في نفسه دواعي الانحطاط التي قضت على المدنيات المتعاقبة على بلاده من أيام قرطاجنّة، فهو يحمل روح الهزيمة بين جوانحه، فقد عاش حياته دائما في منحدر المدينة إذ هو دائما في منتصف طريق. وفي منتصف فكرة، وفي منتصف تطور، لا يعرف كيف يصل إلى هدف، إذ هو ليس "نقطة الانطلاق" في التاريخ كرجل الفطرة؛ ولا " نقطة الانتهاء " كرجل الحضارة، بل هو " نقطة التعليق " في التطور، وفي التاريخ، وفي الحضارة. فرجل المدينة إذن يصدق عليه هذان الوصفان: " رجل القلة " و " رجل النصف " الذي دخل في ميدان فكرة هي الاصلاح، فمسخها (نصف فكرة) وأطلق عليها اسم " السياسة " لأنه لم يكن مستعدا إلا لنصف جهد، ونصف اجتهاد، ونصف طريق.
واليوم فإن ذلك الرجل المقل يحاول وضع القضية الجزائرية في طريق نصف الحل، أمام المجلس المنصف بين المستعمرين وأهل البلاد ذلك المجلس الذي فرضه الاستعمار كميدان لإنصاف المثقفين (١).
стр. 72
فقد صار من اللازم أن نضع أمامنا المشكلة بأكملها، وأن نأخذ في اعتبارنا - على الأخص- عنصرها الأساسي: الرجل، ويلزمنا أولاً أن نفم كيف يؤثر الإنسان في تركيب التاريخ الذي درسنا قانونه في الفصل السابق.
ومن الملاحظ أنه في القرن العشرين يؤثر الفرد في المجتمع بثلاثة مؤثرات: أولاً: بفكره. ثانياً: بعمله. ثالثاً: بماله.
وحاصل البحث أن قضية الفرد منوطة بتوجيهه في نواح ثلاثة:
أولا- توجيه الثقافة.
ثانيا- العمل.
ثالثا- رأس المال.
***
стр. 73
فِكْرَةُ التَّوْجِيهِ
لا بد لنا- قبل كل شيء- من تعريف فكرة التوجيه، فهو- بصفة عامة- قوة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف فكم من طاقات وقوى لم تستخدم، لأننا لا نعرف كيف نكتلها!
وكم من الطاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى، صادرة عن نفس المصدر، متجهة إلى نفس الهدف!
فالتوجيه هو تجنب هذا الاسراف في الجهد وفي الوقت. فهناك ملايين السواعد العاملة، والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل، المكون من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية، والانتاجية، المناسبة لكل عضو من أعضائه. وهذا الجهاز حين يتحرك، يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكمن أساسا فكرة توجيه الإنسان، الذي تحركه دفعة دينية، وبلغة الاجتماع: الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى (الكفاح).
стр. 74
تَوْجِيهُ الثَّقَافَةِ
تعريف الثقافة:
إن توجيه الأشياء الإنسانية يعني أولاً تعريفها، وفي التاريخ منعطفات هائلة خطيرة، يتحتم فيها هذا التعريف، والنهضة في العالم الاسلامي إحدى تلك المنعطفات، والثقافة من هذه الأشياء الأساسية التي تتطلب بإلحاح تعريفها، بل تعريفين:
الأول: يحددها في ضوء حالتنا الراهنة.
والثاني: يحددها حسب مصيرنا.
لأن جيلنا هذا حد فاصل بين عهدين: عهد الكساد والخمول، وعهد النشاط والمدنية.
فنحن قد شرعنا في بناء نهضتنا منذ خمسين عاما، ذلك هو مكاننا أي تلك هي اللحظة الخاطفة التي تسجل نهاية الظلام في ضميرنا، ودبيب الحياة في ذلك الضمير. فهي اللحظة الفارقة بين عهد الفوضى الجامدة، والجمود الفوضوي، وعهد التنظيم والتركيب والتوجيه.
وحينما يصل التاريخ إلى مثل هذا المنعطف من دورة الحضارة، فإنه يصل الى المنطقة التي تتصل فيها نهاية عهد ببداية عهد آخر، ويتجاوز فيها ماضي الأمة المظلم، مع مستقبلها المشرق البسام.
وهكذا حين نتحدث عن النهضة، يلزمنا أن نتصورها من ناحيتين:
стр. 75
١ - تلك التي تتصل بالماضي، أي بخلاصة التدهور، وتشعبها في الأنفس والأشياء.
٢ - تلك التي تتصل بخمائر المصير، وجذور المستقبل.
هذا التمييز الضروري ليس موضوعه مظهر الترف العقلي لطائفة من الناس من نوع " الباشوات "، ولكن موضوعه تكييف حالة شعب بأكمله، وتقرير مصيره، بما في ذلك حالة السائل، ما دام السؤال موجودا في النظام الاجتماعي. وإنه ليجب بادىء الأمر تصفية عاداتنا وتقاليدنا، وإطارنا الخلقي والاجتماعي، مما فيه من عوامل قتالة، ورمم لا فائدة منها، حتى يصفو االجو للعوامل الحية والداعية إلى الحياة.
وإن هذه التصفية لا تتأتى إلا بفكر جديد، يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع أصبح يبحث عن وضع جديد، هو وضع النهضة. ونخلص من ذلك إلى ضرورة تحديد الأوضاع بطريقتين:
الأولى: سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.
والثانية: إيجابية تصلنا بيمقتضيات المستقبل.
ولعل هذه النظرية قد لوحظ أثرها في الثقافة الغربية في عهد نهضتنا إِذ كان توماس الاكويني ينقيها- ولو عن غير قصد منه- لتكون الأساس الفكري للحضارة الغربية. وما كانت ثورته ضد ابن رشد، وضد القديس أوغسطين، إلا مظهراً للتجديد السلبي، حتى يستطيع تصفية ثقافته مما كان يراه فكرة إسلامية؛ أو ميراثا ميتا فيزيقياً للكنيسة البيزنطية.
وأتى بعده ديكارت بالتحديد الايجابي، الذي رسم الثقافة الغربية طريقها الموضوعي، الذي يبنى على المنهج التجريبي ذلك الطريق، الذي هو في الواقع السبب المباشر لتقدم المدينة الحديثة تقدمها المادي.