ففي بلاد مستعمرة كالجزائر، نرى أنه ليس فيها طبقات، وإنما هنالك صنفان من الناس:
الصنف الأول: وهو الذي يسكن المدينة، إما متعطل لا يعمل شيئا، وإما أنه يبيع بعض العقاقير والحاجات، وإما أنه " شاويش " في إدارة استعمارية، وبعض آخر نجده محاميا أو صيدليا أو قاضيا، وقليل ما هم.
والصنف الثاني: وهو الذي يسكن البادية مترحلاً بلا مواش، فلاحا بلا محراث ولا أرض.
والفرق بين هذين الصنفين هو أن ساكن الحضر رجل قليل، تتمثل فيه القِلة في كل شيء. والثاني رجل الفطرة الذي يرضى من الأشياء بالعدم، ولكن رب عدم خير من القليل، إذ أن رجل المدينة الذي رضي بالقليل من الأشياء، قد تغلغلت في نفسه دواعي الانحطاط التي قضت على المدنيات المتعاقبة على بلاده من أيام قرطاجنّة، فهو يحمل روح الهزيمة بين جوانحه، فقد عاش حياته دائما في منحدر المدينة إذ هو دائما في منتصف طريق. وفي منتصف فكرة، وفي منتصف تطور، لا يعرف كيف يصل إلى هدف، إذ هو ليس "نقطة الانطلاق" في التاريخ كرجل الفطرة؛ ولا " نقطة الانتهاء " كرجل الحضارة، بل هو " نقطة التعليق " في التطور، وفي التاريخ، وفي الحضارة. فرجل المدينة إذن يصدق عليه هذان الوصفان: " رجل القلة " و " رجل النصف " الذي دخل في ميدان فكرة هي الاصلاح، فمسخها (نصف فكرة) وأطلق عليها اسم " السياسة " لأنه لم يكن مستعدا إلا لنصف جهد، ونصف اجتهاد، ونصف طريق.
واليوم فإن ذلك الرجل المقل يحاول وضع القضية الجزائرية في طريق نصف الحل، أمام المجلس المنصف بين المستعمرين وأهل البلاد ذلك المجلس الذي فرضه الاستعمار كميدان لإنصاف المثقفين (١).
стр. 72
فقد صار من اللازم أن نضع أمامنا المشكلة بأكملها، وأن نأخذ في اعتبارنا - على الأخص- عنصرها الأساسي: الرجل، ويلزمنا أولاً أن نفم كيف يؤثر الإنسان في تركيب التاريخ الذي درسنا قانونه في الفصل السابق.
ومن الملاحظ أنه في القرن العشرين يؤثر الفرد في المجتمع بثلاثة مؤثرات: أولاً: بفكره. ثانياً: بعمله. ثالثاً: بماله.
وحاصل البحث أن قضية الفرد منوطة بتوجيهه في نواح ثلاثة:
أولا- توجيه الثقافة.
ثانيا- العمل.
ثالثا- رأس المال.
***
стр. 73
فِكْرَةُ التَّوْجِيهِ
لا بد لنا- قبل كل شيء- من تعريف فكرة التوجيه، فهو- بصفة عامة- قوة في الأساس، وتوافق في السير، ووحدة في الهدف فكم من طاقات وقوى لم تستخدم، لأننا لا نعرف كيف نكتلها!
وكم من الطاقات وقوى ضاعت فلم تحقق هدفها، حين زحمتها قوى أخرى، صادرة عن نفس المصدر، متجهة إلى نفس الهدف!
فالتوجيه هو تجنب هذا الاسراف في الجهد وفي الوقت. فهناك ملايين السواعد العاملة، والعقول المفكرة في البلاد الإسلامية، صالحة لأن تستخدم في كل وقت، والمهم هو أن ندير هذا الجهاز الهائل، المكون من ملايين السواعد والعقول، في أحسن ظروفه الزمنية، والانتاجية، المناسبة لكل عضو من أعضائه. وهذا الجهاز حين يتحرك، يحدد مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود، وفي هذا تكمن أساسا فكرة توجيه الإنسان، الذي تحركه دفعة دينية، وبلغة الاجتماع: الذي يكتسب من فكرته الدينية معنى (الجماعة) ومعنى (الكفاح).
стр. 74
تَوْجِيهُ الثَّقَافَةِ
تعريف الثقافة:
إن توجيه الأشياء الإنسانية يعني أولاً تعريفها، وفي التاريخ منعطفات هائلة خطيرة، يتحتم فيها هذا التعريف، والنهضة في العالم الاسلامي إحدى تلك المنعطفات، والثقافة من هذه الأشياء الأساسية التي تتطلب بإلحاح تعريفها، بل تعريفين:
الأول: يحددها في ضوء حالتنا الراهنة.
والثاني: يحددها حسب مصيرنا.
لأن جيلنا هذا حد فاصل بين عهدين: عهد الكساد والخمول، وعهد النشاط والمدنية.
فنحن قد شرعنا في بناء نهضتنا منذ خمسين عاما، ذلك هو مكاننا أي تلك هي اللحظة الخاطفة التي تسجل نهاية الظلام في ضميرنا، ودبيب الحياة في ذلك الضمير. فهي اللحظة الفارقة بين عهد الفوضى الجامدة، والجمود الفوضوي، وعهد التنظيم والتركيب والتوجيه.
وحينما يصل التاريخ إلى مثل هذا المنعطف من دورة الحضارة، فإنه يصل الى المنطقة التي تتصل فيها نهاية عهد ببداية عهد آخر، ويتجاوز فيها ماضي الأمة المظلم، مع مستقبلها المشرق البسام.
وهكذا حين نتحدث عن النهضة، يلزمنا أن نتصورها من ناحيتين:
стр. 75
١ - تلك التي تتصل بالماضي، أي بخلاصة التدهور، وتشعبها في الأنفس والأشياء.
٢ - تلك التي تتصل بخمائر المصير، وجذور المستقبل.
هذا التمييز الضروري ليس موضوعه مظهر الترف العقلي لطائفة من الناس من نوع " الباشوات "، ولكن موضوعه تكييف حالة شعب بأكمله، وتقرير مصيره، بما في ذلك حالة السائل، ما دام السؤال موجودا في النظام الاجتماعي. وإنه ليجب بادىء الأمر تصفية عاداتنا وتقاليدنا، وإطارنا الخلقي والاجتماعي، مما فيه من عوامل قتالة، ورمم لا فائدة منها، حتى يصفو االجو للعوامل الحية والداعية إلى الحياة.
وإن هذه التصفية لا تتأتى إلا بفكر جديد، يحطم ذلك الوضع الموروث عن فترة تدهور مجتمع أصبح يبحث عن وضع جديد، هو وضع النهضة. ونخلص من ذلك إلى ضرورة تحديد الأوضاع بطريقتين:
الأولى: سلبية تفصلنا عن رواسب الماضي.
والثانية: إيجابية تصلنا بيمقتضيات المستقبل.
ولعل هذه النظرية قد لوحظ أثرها في الثقافة الغربية في عهد نهضتنا إِذ كان توماس الاكويني ينقيها- ولو عن غير قصد منه- لتكون الأساس الفكري للحضارة الغربية. وما كانت ثورته ضد ابن رشد، وضد القديس أوغسطين، إلا مظهراً للتجديد السلبي، حتى يستطيع تصفية ثقافته مما كان يراه فكرة إسلامية؛ أو ميراثا ميتا فيزيقياً للكنيسة البيزنطية.
وأتى بعده ديكارت بالتحديد الايجابي، الذي رسم الثقافة الغربية طريقها الموضوعي، الذي يبنى على المنهج التجريبي ذلك الطريق، الذي هو في الواقع السبب المباشر لتقدم المدينة الحديثة تقدمها المادي.
стр. 76
والحضارة الإسلامية نفسها قامت بعملية التحديد هذه من ناحيتها السلبية والايجابية، إلا أن الحضارة الإسلامية قد جاءت بهذين التحديدين مرة واحدة، وصدرت فيهما عن القرآن الكريم، الذي نفى الأفكار الجاهلية البالية، ثم رسم طريق الفكرة الاسلامية الصافية التي تخطط للمستقبل، بطريقة ايجابية.
وهذا العمل نفسه لازم اليوم للنهضة الإسلامية.
ولعل هذه المسألة قد أصبحت منذ زمن قريب موضع بحث وتأمل وإننا لنجد فعلاً في روح الاصلاح التي هبت على العالم الاسلامي منذ محمد عبده وتلامذته كابن باديس، بشائر ذلك التحديد السلبي الذي حاولوا فيه تحطيم عللنا وعوامل انحطاطنا.
ولكن الدوائر الأزهرية والزيتونية لم تعبأ بتلك المحاولة من قبل محمد عبده وتلامذته، ولم تستطع أن تتصور في بعض الأحيان النتائج التي تقتضيها الحركة الاصلاحية، وهذا الأمر يعود بلا شك إلى ما بقي في أنفسنا من وطأة شديدة للانحطاط.
وأما التحديد الإيجابي فإننا، وإِن كان قد وضح لنا مجمله، إلا أنه لا يزال غامضا غير محدد.
فليس المقصود هنا من التحديد الايجابي وضع منهاج جديد للتفكير فإن ديكارت قد وضعه بصورة لا نتوهم تغييرها. إلا بانقلاب علمي هائل، لا تحتمله الظروف الآن. وإِنما المقصود تحديد محتواه من العناصر الجوهرية التي نراها لازمة تماما للثقافة وهي:
١ - الدستور الخلقي.
٢ - الذوق الجمالي.
٣ - المنطق العملي.
стр. 77
٤ - الصناعة بتعبير ابن خلدون أي ( Cechnigue) .
...
ولكن هذا التحديد المزدوج للثقافة لا أثر له إلا إذا زال ذلك الخلط الخطير الشائع في العالم الاسلامي، بين ما تفيده كلمتا " ثقافة " و " علم ".
ففي الغرب يعرفون الثقافة: على أنها تراث "الانسانيات الاغريقية اللاتينية" بمعنى أن مشكلتها ذات علاقة وظيفية بالإنسان: فالثقافة على رأيهم هي: " فلسفة الإنسان ".
وفي البلاد الاشتراكية، حيث يطبع تفكير ماركس كل القيم، عرف (يادانوف) الثقافة- في تقريره المشهور الذي قدمه منذ عشر سنوات لمؤتمر الحزب الشيوعي في موسكو- على أنها ذات علاقة وظيفية بالجماعة، فالثقافة عنده هي: فلسفة المجتمع.
ونزيد هنا أن هذين التعريفين يعتبران من الوجهة التربوية مشتملين على " فكرة عامة " عن الثقافة. دون تحديد لمضمونها القابل لأن يدخله التعليم في سلوك الفرد وأسلوب الحياة في المجتمع.
وهذا ما نريد أن نحاوله هنا. حين نربط ربطا وثيقا بين الثقافة والحضارة.
وفي ضوء هذا الربط تصبح الثقافة نظرية في السلوك، أكثر من أن تكون نظرية في المعرفة، وبهذا يمكن أن يقاس الفرق الضروري بين الثقافة والعلم.
ولكي نفهم هذا الفرق يجب أن نتصور- من ناحية- فردين مختلفين في الوظيفة وفي الظروف الاجتماعية، ولكنهما ينتميان لمجتمع واحد، كطبيب انجليزي، وراع انجليزي مثلاً.
ومن ناحية أخرى نتصور فردين متحدين في العمل والوظيفة، ولكنهما ينتميان إلى مجتمعين في درجة تقدمهما وتطورهما، فالأولان يتميز سلوكهما إزاء
стр. 78
مشكلات الحياة بتماثل معين في الرأي، يتجلى فيه ما يسمى "الثقافة الانجليزية".
بينيما يختلف سلوك الآخرين أحيانا اختلافا عجيبا يدل على طابع الثقافة الذي يميز أحد الرجلين عن صاحبه، لأنه يميز المجتمع الذي ينتمي إليه.
هذا التماثل في السلوك في الحالة الأولى، والاختلاف في السلوك في الثانية، هما الملاحظتان المسلم بهما في المشكلة التي أمامنا، وعليه فالتماثل أو الاختلاف في السلوك ناتج عن الثقافة لا عن العلم.
ونحن نريد أن نؤكد هذا، لندرك أن السلوك الاجتماعي للفرد خاضع لأشياء أعم من المعرفة، وأوثق صلة بالشخصية، منهم، بجمع المعلومات، وهذه هي الثقافة.
فالثقافة إذن تتعرف بصورة عملية على أنها: مجموعة من الصفات الخلقية، والقيم الاجتماعية التي يلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه، والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته.
وهذا التعريف الشامل للثقافة هو الذي يحدد مفهومها، في المحيط الذي يعكس حضارة معينة، والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر. وهكذا نرى أن هذا التعريف يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان، وفلسفة الجماعة، أي (مَعطِيَّات) الإنسان (ومَعطِيَّات) المجتمع، مع أخذنا في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد، تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية، عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات.
ولكن لا سبيل لعودة الثقافة إلى وظيفتها الحضارية إلا بعد تنظيف الموضوع من الحشو أو الانحراف الذي أحدثه فيه عدم فهمنا لمفهوم " ثقافة ".
وهذا يعني أنه يجب أولاً أن نوضح هذا الحشو من ناحية، ثم أن نوضح من ناحية أخرى معنى الثقافة، حتى يكون سلوكنا الشخصي وأسلوب الحياة في المجتمع الذي نعيش فيه مطابقين لمفهوم لا غموض فيه، لا من وجهة التاريخ أي
стр. 79
عندما نتصور الثقافة كالشيء الذي يصنع التاريخ، ولا من الوجهة التربوية، عندما نعتبر الثقافة كالشيء الذي يكيف الإنسان الذي يصنع التاريخ، أي عندما نريد فهم وظيفة اجتماعية وتطبيقها في مجتمع معين.
الحرفية في الثقافة:
فاما الحشو الذي نشير إليه فإنه نتج عن عدم محاولتنا تصفية عاداتنا وصياتنا مما يشوبها من عوامل الانحطاط- كما أشرنا سابقا- أن ثقافة نهضتنا لم تنتج سوى حرفيين منبثين في صفوف شعب أمي.
ونحن مدينون بهذا النقص لرجل "القلة" الذي بتر فكرة النهضة فلم ير في مشكلتها إلا حاجاته ومطامعه، دون أن يرى فيها العنصر الرئيسي لما في نفسه من كساد وعليه، فإنه لم ير في الثقافة إلا المظهر التافه، فهي عنده: طريقة ليصبح شخصية بارزة، وإن زاد: فعلم يجلب رزقا.
ونتيجة هذا التحريف لمعنى الثقافة متجسدة في ذات ما نسميه: " المتعالم أو المتعاقل".
والحقيقة أننا قبل خمسين عاما كنا نعرف مرضا واحدا يمكن علاجه، وهو الجهل والأمية، ولكننا اليوم أصبحنا نرى مرضا جديدا مستعصيا هو (التعالم). وإن شئت فقل: الحرفية في التعلم، والصعوبة كل الصعوبة في مداواته. وهكذا فقد أتيح لجيلنا أن يرى خلال النصف الأخير من هذا القرن ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا: حامل المرقعات ذي الثياب البالية، وحامل اللافتات العلمية. فإذا كنا ندرك بسهولة كيف نداوي المريض الأول، فإن مداواتنا للمريض الثاني لا سبيل إليها. لأن عقل هذا المريض لم يقتن العلم ليصيره ضميرا فعالا، بل ليجعله آلة للعيش، وسلما يصعد به إلى منصة البرلمان. وهكذا يصبح العلم مسخة وعملة زائفة، غير قابلة للصرف. وان هذا النوع من الجهل لأدهى وأمر من الجهل المطلق، لأنه جهل حجرته الحروف الأبجدية، وجاهل هذا النوع
стр. 80
لا يقوم الأشياء بمعانيها ولا يفهم الكلمات بمراميها، وإنما بحسب حروفها، فهي تتساوى عنده إذا ما تساوت حروفها، وكلمة "لا" تساوي عنده "نعم" لو احتمل أن حروف الكلمتين متساوية.
وكلام هذا المتعالم ليس "كتهتهة" الصبي فيها "صبيانية" وبراءة، فهو ليس متدرجا في طريق التعلم كالصبي، وإنما "تهتهة" يتمثل فيها شيخوخة وداء عضال، فهو الصبي المزمن.
فلا بد من إزالة هذا المريض، ليصفو الجو للطالب العاقل الجاد، وعليه فإن مشكلة الثقافة لا تخص طبقة دون أخرى، بل تخص مجتمعنا كله، بما فيه المتعلم، والصبي الذي لما يبلغ مرحلة التعلم، إنها تشمل المجتمع كله. من أعلاه إلى أسفله، إن بقي هناك علو في مجتمع فقد حاسة العلو، فأصبحت هذه الحاسة عنده أفقية، زاحفة، راقدة.
إنه لمن أوليات واجبنا أن تعود الثقافة عندنا إلى مستواها الحقيقي ولذلك يجب أن نحددها كعامل تاريخي لكي نفهمها، ثم كنظام تربوي تطبيقي لنشرها بين طبقات المجتمع.
معنى الثقافة في االتاريخ:
لا يمكن لنا أن نتصور تاريخا بلا ثقافة، فالشعب الذي فقد ثقافته قد فقد حتما تاريخه.
والثقافة- بما تتضمنه من فكرة دينية نظمت الملحمة الإنسانية في جميع أدوارها من لدن آدم- لا يسوغ أن تعتبر علما يتعلمه الإنسان، بل هي محيط يحيط به، وإطار يتحرك داخله، يغذي الحضارة في احشائه، فهي الوسط الذي تتكون فيه جميع خصائص المجتمع المتحضر، وتتشكل فيه كل جزئية من جزئياته، تبعا للغاية العليا التي رسمها المجتمع لنفسه، بما في ذلك الحداد، والفنان، والراعي، والعالم، والإمام، وهكذا يتركب التاريخ.
стр. 81
فالثقافة هي تلك الكتلة نفسها، بما تتضمنه من عادات متجانسة وعبقريات متقاربة، وتقاليد متكاملة وأذواق متناسبة. وعواطف متشابهة. وبعبارة جامعة: هي كل ما يعطي الحضارة سمتها الخاصة. ويحدد قطبيها: من عقلية ابن خلدون. وروحانية الغزالي. أو عقلية ديكارت. وروحانية جان دارك. هذا هو معنى الثقافة في التاريخ.
معنى الثقافة في التربية:
وإذا حاولنا أن نحدد الثقافة بمعناها التربوي، فيجب أن نوضح هدفها، وما تتطلبه من وسائل التطبيق.
فاما الهدف فإنه قد اتضح بما قدمنا في الفصل السابق من أن الثقافة ليست علما خاصا لطبقة من الشعب دون أخرى، بل هي دستور تتطلبه الحياة العامة، بجميع ما فيها من ضروب التفكير والتنوع الاجتماعي.
وعلى الاخص، إذا كانت الثقافة هي الجسر الذي يعبره المجتمع إلى الرقي والتمدن، فإنها أيضا ذلك الحاجز الذي يحفظ بعض أفراده من السقوط من فوق الجسر إلى الهاوية.
وعلى هدي هذه القاعدة تشتمل الثقافة في معناها العام على إطار حياة واحدة، يجمع بين راعي الغنم والعالم، بحيث توحد بينهما دواعٍ مشتركة، وهي تهتم في معناها الخاص بكل طبقة من طبقات المجتمع فيما يناسبها من وظيفة تقوم بها، وما لهذه الوظيفة من شروط خاصة، وعلى ذلك فإن الثقافة تتدخل في شؤون الفرد، وفي بناء المجتمع، وتعالج مشكلة القيادة فيه، كما تعالج مشكلة الجماهير ...
وإِذا ما أردنا إيضاحا أوسع لوظيفة الثقافة فلنمثل لها بوظيفة الدم، فهو يتركب من الكريات الحمراء والبيضاء، وكلاهما يسبح في سائل واحد من "البلازما"، ليغذي الجسد: فالثقافة هي ذلك الدم في جسم المجتمع، يغذي
стр. 82
حضارته، ويحمل أفكار "النخبة" كما يحمل أفكار "العامة"، وكل من هذه الأفكار منسجم في سائل واحد من الاستعدادات المتشابهة، والاتجاهات الموحدة، والأذواق المتناسبة.
وفي هذا المركب الاجتماعي للثقافة ينحصر برنامجها التربوي، وهو يتألف من عناصر أربعة. يتخذ منها الشعب دستورا لحياته المثقفة:
١ - عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية.
٢ - عنصر الجمال لتكوين الذوق العام.
٣ - منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام ..
٤ - الفن التطبيقي الموائم لكل نوع من أنواع المجتمع، أو (الصناعة) حسب تعبير ابن خلدون.
***
стр. 83
التوجيه الأخلاقي
لسنا هنا نهتم بالأخلاق من الزاوية الفلسفية؟ ولكن من الناحية الاجتماعية. وليس المقصود هنا تشريح مبادىء خلقية، بل أن نحدد (قوة التماسك) اللازمة للأفراد في مجتمع يريد تكوين وحدة تاريخية، هذه القوة مرتبطة في أصلها بغريزة (الحياة في جماعة) عند الفرد، والتي تتيح له تكوين القبيلة والعشيرة والمدينة ووالأمة. وتستخدم القبائل الموغلة في البداوة هذه الغريزة لكي تتجمع، والمجتمع الذي يتجمع لتكوين حضارة، فإنه يستخدم نفس الغريزة، ولكنه يهذبها ويوظفها بروح خلقية سامية.
هذه الروح الخلقية منحة من السماء إلى الأرض، تأتيها مع نزول الأديان، عندما تولد الحضارات، ومهمتها في المجتمع ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
ومن العجب أن نجد اتفاقاً له مغزاه ودلالته بين ما توحي به هذه الآية، وبين معنى كلمة "دين" ( Réligion) في أصلها اللاتيني فهي تعني هنالك "الربط والجمع".
وليس من شك في أن نظرات المثقفين عندنا- أي المتعلمين- إلى المدنية الغربية مؤسسة على غلط منطقي، إذ يحسبون أن التاريخ لا يتطور، ولا تتطور معه مظاهر الشيء الواحد الذي يدخل في نطاقه، حتى أنهم حين ينظرون إلى الشيء
стр. 84
بعد حين يحسبونه قد تبدل بشيء آخر، وما هو في الحقيقة إلا الشيء نفسه، تنكر لهم في مظهره الجديد.
وإن شبابنا لينظرون إلى المدنية الغربية في يومها الحالي، ويضربون صفحا عن أمسها الغابر، حيث نبتت أولى بذورها، وتلونت في تطورها ونموها ألوانا مختلفة، وما فتئت تتلون عبر السنين حتى استوت على لونها الحاضر فحسبناها نباتا جديدا.
ولو أننا تناولنا بالدراسة مشروعا اجتماعيا، كجمعية حضانة الأطفال في فرنسا على سبيل المثال، لبدا لنا من أول نظرة في صورة جمعية تقوم على شؤونها دولة مدنية، فنحكم إذا عليها بأنها مؤسسة نشأت في بادىء أمرها على أسس مدنية (لا دينية)! .. في حين لو درسنا تاريخها، ورجعنا إلى أصول فكرتها الأولى، لوجدناها ذات أصل مسيحي، فهي تدين بالفضل إلى القديس (فانسان دي بول) الذي أنشأ مشروع الأطفال المشردين، خلال النصف الأول من القرن السابع عشر.
غير أن نظرتنا العابرة هذه، جعلتنا ننظر إليه وكان تاريخه قد ابتدأ من يوم ان التفتت أنظارنا اليه، فاعرناه بعض اهتمامنا في صورته الطارئة لا في جوهره وهذا شان شبابنا في نظرتهم إلى الأشياء، فإن أكبر مصادر خطئنا في تقدير المدنية الغربية أننا ننظر إلى منتجاتها وكأنها نتيجة علوم وفنون وصناعات، وننسى أن هذه العلوم والفنون والصناعات ما كان لها أن توجد، لولا صلات اجتماعية خاصة، لا تتصور هذه الصناعات والفنون بدونها، فى الأساس الخلقي، الذي قام عليه صرح المدنية الغربية، في علومه وفنونه، بحيث لو ألغينا ذلك الأساس لسرى الإلغاء على جميع ما نشاهده اليوم من علوم وفنون، فلو أخذنا جهاز الراديو مثلا لرأينا فيه مجهودات علمية وفنية مختلفة، دون أن يخطر ببالنا أثر القيم المسيحية في بناء هذا الجهاز، على حين أنه في الواقع أثر من آثار العلاقات الاجتماعية الخاصة، التي وحدت جهودا مختلفة (لهرتز) " Hertz" الألماني،
стр. 85
و ((بو بوف)) " Popoff" الروسي و (برانلي) " Branly" الفرنسي، و (ماركوني) " Marconi" الايطالي، و (فليمن) " Fleming" الأمريكي فكان الراديو نتيجة هذه الجهود جميعاً وهل هذه العلاقات الخاصة في أصلها سوى الرابطة المسيحية، التي أنتجت الحضارة الغربية منذ عهد شارلمان؟ ..
وهكذا سوف نصل في النهاية- إذا ما تتبعنا كل مظهر مدني من مظاهر الحضارة الغربية- إلى الروابط الدينية الأولى التي بعثت الحضارة وهذه حقيقة كل عصر، وكل حضارة.
إن روح الإسلام هي التي خلقت من عناصر متفرقة كالأنصار والمهاجرين أول مجتمع إسلامي، حتى كان الرجل في المجتمع الجديد يعرض على أخيه أن ينكحه من يختار من أزواجه، بعد أن يطلقها له، لكي يبني بذلك أسرة!!.
إن قوة التماسك الضرورية للمجتمع الإسلامي موجودة بكل وضوح في الإسلام، ولكن أي إسلام؟ ... الاسلام المتحرك في عقولنا، وسلوكنا، والمنبعث في صورة إسلام اجتماعي.
وقوة التماسك هذه جديرة بأن تؤلف لنا حضارتنا المنشودة وفي يدها - ضمانا لذلك- تجربة عمرها ألف عام، وحضارة ولدت على أرض قاحلة، وسط البدو، رجال الفطرة والصحراء.
стр. 86
التَّوْجِيهُ الْجَمَالِيُّ
((إن الله جميل يحب الجمال))
((أثر نبوي))
لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل، فإن لمنظرها القبيح في النفس خيالاً أقبح، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره، وأعماله، ومساعيه.
ولقد بعثت هذه الملاحظة كل من عنوا بالنفس الاجتماعية من علماء الأخلاق، أمثال الغزالي، لدراسة الجمال، وتقديره في الروح الاجتماعية.
ويمكن أن نلخص أفاكارهم- في هذا الصدد- في اعتبارهم "الإحسان" صورة نفسية للجمال.
وترجمة هذا الاعتبار في لغة الاجتماع: أن الأفكار- بصفتها روح الأعمال التي تعبر عنها أو تسير بوحيها- إنما تتولد من الصور المحسة، الموجودة في الإطار الاجتماعي، والتي تنعكس في نفس من يعيش فيه. وهنا تصبح صوراً معنوية يصدر عنها تفكيره.
فالجمال الموجود في الإطار الذي يشتمل على ألوان، وأصوات، وروائح، وحركات، وأشكال، يوحي للإنسان بأفكاره، ويطبعها بطابعه الخاص من الذوق الجميل، أو السماجة القبيحة.
فبالذوق الجميل الذي ينطبع فيه فكر الفرد، يجد الإنسان في نفسه نزوعا إلى الإحسان في العمل، وتوخياً للكريم من العادات.
стр. 87
ولا شك أن للجمال أهمية اجتماعية هامة، إذا ما اعتبرناه المنبع الذي تنبع منه الأفكار، وتصدر عنه بواسطة تلك الأفكار أعمال الفرد في المجتمع.
والواقع أن أزهد الأعمال- في نظرنا- له صلة كبرى بالجمال، فالشيء الواحد قد يختلف تأثيره في المجتمع باختلاف صورته التي تنطق بالجمال، أو تنضح بالقبح، ونحن نرى أثر تلك الصورة في تفكير الإنسان، وفي عمله، وفي السياسة التي يرسمها لنفسه، بل حتى في الحقيبة التي يحمل فيها ملابس سفره.
ولعل من الواضح لكل إنسان أننا أصبحنا اليوم نفقد ذوق الجمال، ولو أنه كان موجودا في ثقاقننا، إذن لسخرناه لحل مشكلات جزئية، تكون في مجموعها جانبا من حياة الإنسان.
ويكفينا للتدليل على ذلك ما نراه مثلاً من شأن ذلك الطفل الذي يلبس الأسمال البالية، والثياب القذرة، التي إن شئنا وصفها لقلنا إنها ثياب حيكت من قاذورات وجراثيم، مثل هذا الطفل الذي يعيش جسمه وسط هذه القاذرات والمرقعات غير المتناسبة، يحمل في المجتمع صورة القبح والتعاسة معا، بينما هو جزء من ملايين السواعد والعقول التي تحرك التاريخ، ولكنه لا يحرك شيئاً، لأن نفسه قد دفنت في أوساخه، ولن تكفينا عشرات من الخطب السياسية لتغيير ما به من القبح، وما يسوده من الضعة النفسية، والبؤس الشنيع.
فإن هذا الطفل لا يعبر عن فقرنا المسلم به، بل عن تفريطنا في حياتنا.
ولنستخدم أبسط معنى للجمال، ولننظر من قريب إلى أسمال هذا الطفل، في- على كونها أسمالا- تحمل معنى القبح، وتحمل أكثر من ذلك جراثيم تقتله مادياً وأدبياً، فليست هذه الاسمال جراباً للوسخ فقط، ولكنها سجن لنفس الطفل أيضا.
لقد أراد الطفل من الوجهة الخلقية، ستر عورته، ولكن مرقعاته قتلت كرامته، لأن العدالة الشكلية تذهب أحيانا إلى أن "الجبة" تصنع الشيخ، كما أن القبعة تصنع القسيس.
стр. 88
وليس من شك في أن مصطفى كمال حينما فرض القبعة لباسا وطنيا للشعب، إنما أراد بذلك تغيير نفس، لا تغيير ملبس، إِذ أن الملبس يحكم تصرفات الإنسان إلى حد بعيد.
فإذا ما لاحظنا أن مرقعات طفلنا قد أصبحت بما تحمل من أوساخ لا تقيه من البرد، أو الحر، وجدنا أيضاً أنها لا تستدر في الإنسان عطفا، بل تبعث فيه اشمئزازا، وذلك بتأثير الصورة الشنيعة، والرائحة الكريهة، والألوان المتنافرة.
وإن دستور الجمال في النفس الإنسانية ليعبر عن هذه المأساة كلها بكلمة واحدة: إنه لمنظر قبيح!! إلا أنه لا يقف عند هذا الحد، بل يوحي بالحل والمعالجة الممكنة. ومن المؤكد أننا سوف لا نأتي له بثوب آخر فنحن نريد أن نخلِّصه من قبحه في سرعة ويسر، وإِذن فنحن نأخذ بيد هذا الطفل إلى الماء فننزع عنه مرقعاته، ونأمره بأن يقوم بغسل واحدة منها ذات لون أقرب إلى الذوق، قطعة تكفي لستر عورته يغسلها، ثم يرتديها، بعد أن يغتسل هو أيضا مما به من وسخ، ثم نأخذه إلى حلاق يحلق رأسه، ونتركه بعد ذلك يسير في حاله، بعد أن نعلمه كيف يقصد في مشيه، وكيف لا يطأطىء رأسه، فبهذا لا يظل كومة متحركة من الأوساخ، بل يصبح طفلاً فقيرا يسعى لقوته، نجد فيه صورة للفقر والكرامة، لا للقبح والمهانة.
ولا يظننَّ ظان أننا بضربنا هذا المثل نرى أن ذوق الجمال يسعى لحل مشكلات المساكين فحسب، بل أردنا التدليل على تأثيره في المجتمع، باختيار نموذج من صميم أوضاعنا الاجتماعية. أما تأثيره فعام يمس كل دقيقة من دقائق الحياة، كذوقنا في الموسيقى، وفي الملابس، والعادات، وأساليب الضحك، والعطاس، وطريقة تنظيم بيوتنا، وتمشيط أولادنا، ومسح أحذيتنا، وتنظيف أرجلنا.
ولقد صدرت أخيرا بعض الأوامر في مدينة موسكو- نقلتها إلينا الصحافة
стр. 89
بتاريخ ١٩٥٧/ ٨/٣ - تلزم سكانها بأن يراعوا نظافة مدينتهم، فهم مهددون بفرض غرامة تبدأ من خمسة وعشرين روبلا إلى مائة روبل على كل من يبصق في الشارع أو يلقي بأعقاب (السجائر) على الرصيف، أو يعلق ملابسه في الشباك المطل على الشارع أو يلصق إعلانات على الحوائط، وأيضا كل من يركب السيارات العامة بملابس العمل المتسخة.
فلو أننا سألنا عمدة موسكو مثلاً عن السبب الذي دعا لمثل هذه الاجراءات لأجابنا بأنه: النظام. وجيب طبيب من وجهة نظره بأنه: الصحة، وثالث فنان يذهب إلى أنه: جمال المدينة.
وكل إجابة من هذه الإجابات صادقة كسلوك يمليه وضع خاص بكل فرد ولكن جميع هذه الاجابات لا تكون صادقة إلا لأنها تعبر عن سلوك عام يعكس (الثقافة الشيوعية) التي نتصورها في شكلها الأعم الذي سميناه في تعريف الثقافة (المحيط) الاجتماعي.
وعليه، فإن فكرة المحيط تدخل في كل عمل فردي أو إداري في وسط متحضر، ولكنها تدخل ضمنا فقط- كما رأينا- لا على وجه التحديد، الذي نريد القيام به هنا حين نتحدث عن أحد مقومات الثقافة وهو: الجمال.
والإطار الحضاري بكل محتوياته متصل بذوق الجمال، بل إن الجمال هو الاطار الذي تتكون فيه أية حضارة، فينبغي أن نلاحظه في نفوسنا، وأن نتمثل في شوارعنا، وبيوتنا، ومقاهينا، مسحة الجمال نفسها التي يرسمها مخرج رواية في منظر سينمائي أو مسرحي.
يجب أن يثيرنا أقل نشاز في الأصوات، والروائح، والألوان، كما يثيرنا منظر مسرحي سيء الأداء.
إن الجمال هو وجه الوطن في العالم، فلنحفط وجهنا، لكي نحفط كرامتنا، ونفرض احترامنا على جيراننا، الذين ندين لم بنفس الاحترام.
стр. 90
الْمَنْطِقُ الْعَمَلِيُّ*
لسنا نعني بالمنطق العملي ذلك الشيء الذي دونت أصوله، ووضعت قواعده منذ أرسطو، وإنما نعني به كيفية ارتباط العمل بوسائله ومعانيه وذلك حتى لا نستسهل أو نستعصب شيئا، بغير مقياس يستمد معاييره من واقع الوسط الاجتماعي، وما يشتمل عليه من إمكانيات، انه ليس من الصعب على الفرد المسلم أن يصوغ مقياسا نظريا يستنتج به نتائج من مقدمات محددة، غير أنه من النادر جدا أن نعرف المنطق العملي، أي استخراج أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة.
ونحن أحوج ما نكون إلى هذا المنطق العملي في حياتنا، لأن العقل المجرد متوفر في بلادنا، غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه فشيء يكاد يكون معدوما.
فالمسلم يتصرف مثلاً في أربع وعشرين ساعة كل يوم: فكيف يتصرف فيها؟.
وقد يكون له نصيب من العلم، أو حظ من المال، فكيف ينفق ماله، ويستغل علمه؟.
وإذا أراد أن يتعلم علما أو حرفة، فكيف يستخدم إمكانياته في سبيل الوصول إلى ذلك العلم أو تلك الحرفة؟.
стр. 91
إننا نرى في حياتنا اليومية جانبا كبيرا من (اللافاعلية) في أعمالنا إذ يذهب جزء كبير منها في العبث، والمحاولات الهازلة.
وإذا ما أردنا حصرا لهذه القضية فإننا نرى سببها الأصيل في افتقادنا الضابط الذي يربط بين عمل وهدفه، بين سياسة ووسائلها، بين ثقافة ومثلها، بين فكرة وتحقيقها: فسياستنا تجهل وسائلها، وثقافتنا لا تعرف مثلها العليا، وإن ذلك كله ليتكرر في كل عمل نعمله وفي كل خطوة نخطوها.
ولقد يقال: إن المجتمع الاسلامي يعيش طبقا لمبادىء القرآن، ومع ذلك فمن الأصوب أن نقول: إنه يتكلم تبعا لمبادىء القرآن، لعدم وجود المنطق العملي في سلوكه الاسلامي.
ونظرة إلى واقعنا لنرى الرجل الأوروبي والرجل المسلم: أيهما ذو نشاط وعزم وحركة دائبة؟.
ليس هو الرجل المسلم بكل أسف، الذي يأمره القرآن كما يعرف ذلك تماما- بقوله تعالى: (واقصد في مشيك) وقوله: (ولا تمش في الأرض مرحا). ألم نقل: إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكر؟. ولكن منطق العمل والحركة، فهو لا يفكر ليعمل، بل ليقول كلاما مجردا بل أكثر من ذلك. فهو أحيانا يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيرا مؤثرا. ويقولون كلاما منطقيا من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط.
ومن هنا يأتي عقمنا الاجتماعي، فنحن حالمون، يقصنا المنطق العملي، ولننظر إلى الأم التي تريد أن تربي ولدها، فهي إما أن تبلده بمعاملة أم متوحشة، وإما أن ترخي له العنان، وتتميع معه، فإذا أبدت إشارة أو أصدرت أمرا، شعر الطفل بتفاهة إرادتها، فلم يعبأ بها، إذ أن الوهن والسخف يطبعان منطق قولها، حتى في عين هذا الصبي المسكين.
стр. 92
الصِّنَاعَةُ
لا نعني بالصناعة ذلك المعنى الضيق المقصود من هذا اللفظ بصفة عامة في البلاد الإسلامية، فإن كل الفنون والمهن والقدرات، وتطبيقات العلوم تدخل في مفهوم الصناعة.
والراعي نفسه له صناعته، ومما يدلنا على القيمة الاجتماعية لهذه الحرفة المتواضعة الزهيدة، أن لها مدرسة وطنية في فرنسا بمدينة (رامبولية) من ضواحي باريس، فلو رأينا الراعي الخريج من هذه المدرسة، والراعي عندنا، يقود كل منهما قطيعه، لعلمنا أي فرق بينهما؟.
ومن المسلم به أن الصناعة للفرد وسيلة لكسب عيشه، وربما لبناء مجده، ولكنها للمجتمع وسيلة للمحافظة على كيانه، واستمرار نموه.
وعليه، فإنه يجب أن نلاحظ في كل فن هذين الاعتبارين.
وإنا لنرى في هذا الباب ضرورة إنشاء مجلس للتوجيه الفني، ليحل نظريا وعمليا المشكلة الخطيرة للتربية المهنية، تبعا لحاجات البلاد. وقد بدأ الأخذ بهذا الاتجاه في مصر الآن.
هذا الحل المنطقي لمشكلة الصناعة هو الذي يتيح لرجل الفطرة ورجل القلة (المدينة)؛ أن يلجا معا باب الحضارة التي بدأت فعلاً تشرق علينا شمسها ونحن واقفون على مفترق الأقدار، وفي مهب الأهواء والمبادىء، وشعوبنا قلقة لا تعرف لنفسها طريقا.
ولسوف تخيب آمالنا التي عقدناها إذا ما عولنا في قضيتنا على العلم الذي
стр. 93
نتعلمه في المدارس الرسمية أو غير الرسمية، أو على ما تعدنا به السياسات الانتخابية، وما تعدنا إلا غرورا.
ولقد نعلم أن الحل الوحيد منوط بتكوين الفرد الحامل لرسالته في التاريخ، فقد صار مؤكدا أن السرقة الكبرى التي ورثنا عنها جيلا من (المتعالين)، ورثنا عنها التنافس على المقاعد الأولى، حتى في لجان الانقاذ في كارثة فلسطين في البلاد الإسلامية.
كل هذه الفضائح التي يغذيها الاستعمار بكل عناية، لا يمكن أن نضع لها حدا إلا بتحديد الثقافة.
وإن الامكانيات البسيطة في البلاد الإسلامية لتسمح لنا بأن نصبَّ هذا التحديد سريعا في واقع التاريخ، وأن نكون القيادة الفنية التي نحتاج اليها الآن.
стр. 94
الْمَبْدَأُ الْأَخْلَاقِيُّ وَالذَّوْقُ الْجَمَالِيُّ فِي بِنَاءِ الْحَضَارَةِ
ما من حوار شجر بين الرجل والمرأة، منذ آدم وحواء، سواء كان ذلك في صورة رمزية ترمز إليها بعض الاشارات أو كان في صورة لغوية تنطق بها بعض الكلمات إلا والمرأة تحاول أن تظهر من خلال هذا الحوار في مظهر الجمال بينما الرجل يحاول أن يتخذ له مظهر القوة. في حين أن القوة هنا ضرب من الجمال. كذلك الجمال الرياضي الذي تعبر عنه الألعاب الأولبية، كما يصورها نحت فيدياس الخالد.
وإِن هذا المظهر من قبل المرأة. وتلك المحاولة من طرف الرجل ليعبران عن ذوق الجمال في أبسط صوره، كما أنهما المرجع البعيد الذي إليه يرد تاربخ كل فن ومولده.
فكل علاقة تنشأ بين المرأة والرجل، مهما تكن درجة البساطة في المجتمع الذي يعيشان فيه تقع بطبيعتها، وبحكم الغريزة. تحت قانون ذوق الجمال بما فيه من بساطة أو تعقد حسب تطور ذلك المجتمع.
والفنون جميعها: التصوير والموسيقا والشعر والنحت الخ .. إنما تعبر عن تلك العلاقة خلال القرون وعبر التاريخ.
والمرأة من قبائل الكو نجو حينما تشق شفتيها لتركب فيهما قرطين من نحاس، إنما تقوم- كما يقولون اليوم- بعملية تجميل مطابقة لتطور وسطها. كما أن
стр. 95
المرأة الصينية المعاصرة لسون يات سين، التي كانت في طفولتها تضع قدميها في قالب من حديد حتى لا يزيد طولهما عن قدر معين، إِنما هي في هذا تتجمل بمثل هذه العملية القاسية.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنه منذ هابيل وقابيل ما اجتمع رجل برجل إلا وتنشأ بينهما علاقة تخضع بحكم طبيعتها منذ اللحظة الأولى لقانون أخلاقي.
من هنا يتضح لنا أن المجتمع ينتج، مهما تكن درجة تطوره، بذورا أخلاقية وجمالية نجدها في عرفه وعاداته وتقاليده. أي فيما نصطلح على تسميته بـ (ثقاقة) في أوسع معاني هذه الكلمة.
وطبيعي أنه بقدر ما تكون هذه " الثقافة " متطورة فإن البذور الأخلاقية والجمالية تكون أقرب إلى الكمال. حتى تصبح بالتالي القوانين المحددة التي يخضع لها نشاط المجتمع. والدستور الذي تقوم عليه حضارته.
وليس للثقافة، في صورتها الحية. أعني كنشاط، تقسيمات تفصل بعضها عن بعض. كتلك الفصول التي نصفها حينما ندرس الثقافة دراسبة نظرية- وإلا كانت ثقافة ميتة، قد حنطها الزمن، وفصل بعض أجزائها عن بعض علماء الآثار أو علماء التاريخ الذين يختارون أحياناً لتبسيط الأشياء دراستها مجزأة.
أما الثقافة في صورتها الحية، فهي وحدة ذات أجزاء متماسكة ومترابطة فيما بينها بروابط داخلية تحددها عبقرية الشعب الذي وضعها مطابقة لأخلاقه وأذواقه وتاريخه.
والروابط هذه هي التي تضع على الثقافة طابعها الخاص. فتضع طابعا خاصا لأسلوب الحياة في المجتمع ولسلوك الأفراد فيه. بمعنى أنها تحدد كل الميزات الانسانية والتاريخية الخاصة بتلك الثقافة.
إن هناك على الخصوص صلة بين المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال، تكون في
стр. 96
الواقع علاقة عضوية ذات أهمية اجتماعية كبيرة. إذ أنها تحدد طابع الثقافة كله، واتجاه الحضارة حينما تضع هذا الطابع الخاص على أسلوب الحياة في المجتمع، وعلى سلوك الافراد فيه.
فالحياة في مجتمع معين قبل أن تتأثر بالفنون والصناعات، أي بالجانب المادي أو الاقتصادي من الحضارة تتخذ لها اتجاها عاما ولونا شاملاً. يجعلان جميع تفاصيلها مرتبطة بالمبدأ الأخلاقي وبذوق الجمال الشائعين في هذا المجتمع. وبعبارة أدق إنها تكون مرتبطة بالعلاقة الخاصة القائمة بينهما.
ونتيجة هذه العلاقة تأتى أولاً في ترتيب خاص يقدم أو يؤخر المبدأ الأخلاقي على ذوق الجمال في "سلم" القيم الثقافية. حتى يتكون نموذج معين من المجتمع بسبب هذا الترتيب.
ويمكننا أن نصوغ هذه العلاقة في صورة جبرية هكذا.
مبدأ أخلاقي + ذوق جمال= اتجاه حضارة.
وتعتبر إذن هذه المعادلة كمقياس عام يدل عن اتجاه الحضارة كما يدل ما يسميه علماء الرياضة " الدالة " ( le discriminant) في المعادلات الجبرية من الدرجة الثانية (١).
كذلك شأن الحضارة. تتغير ميزاتها وتتجه بوجه خاص، طبقا لعلاقة المبدأ الأخلاقي وذوق الجمال في المعادلة الحضارية. أي طبقا لترتيب هذين العنصرين في تلك المعادلة.
وعليه فإنه يمكننا القول بأن هناك، بصورة عامة، نموذجين من المجتمع: نموذج يقوم فيه النشاط أساسا، على الدوافع الجمالية ونموذج يقوم فيه النشاط على الدوافع الأخلاقية أولاً.
стр. 97
وهذا الاختلاف الأساسي ليس مجرد اختلاف شكلي .. إنه يؤدي إلى نتائج تاريخية ذات أهمية كبيرة.
فالنموذجان اللذان يختلفان هكذا. بسبب اختلافهما في ترتيب عناصر الثقافة لا يتطوران في اتجاه واحد، بل إنه في بعض الظروف تنشأ بينهما مناقضات جذرية: حتى إن الأمر الذي لا يريد أحدهما- بل ولا يمكنه أن يريد- تحقيقه بسبب أخلاقي، نرى الآخر يحققه، بسبب جمالي.
ولنتخذ دليلا على هذا من حضارتين:
١ - إِن المجتمع الغربي. قد مارس، من بين فنونه، فن التصوير وتصوير المرأة العارية على الخصوص بسبب الدافع الجمالي. بينما لا نرى الفن الإسلامي قد خلف آثارا في التصوير كذلك الذي نشاهده في متاحف الحضارة الغربية لأن الرادع الأخلاقي في المجتمع الإسلامي لا يطلق العنان للفنان أن يعبر عن كل ألوان الجمال وعلى الخصوص المرأة العارية.
٢ - إن تطور الملابس في المجتمع الغربي، قد انطلق من نقطة معينة، هو إبراز جمال المرأة في الشارع بكل ما يمكن أن يوضح مظهره، بينما نجد أن تطور الملابس في المجتمع الإسلامي قد اتخذ اتجاها مخالفا تمام الاختلاف إذ هو يهدف أساساً بوسائل "ملاية اللف" أن يخفي جمال المرأة في الشارع (١).
وليس الأمر في هذين الاتجاهين أمر تفكير واختيار وإنما هو أمر تقليد يخضع للوراثة الاجتماعية وللعادات والتقاليد. وليس يعني هذا أن الثقافه الإسلامية تفقد عنصر الجمال. وإنما تضعه في مكان آخر في سلم القيم.
فكل ثقافة تتضمن عنصر "الجمال" وعنصر "الحقيقة" غير أن عبقرية أحدهما تجعل محورها من الجمال بينما الأخرى تفضل أن يكون محورها "الحقيقة".
стр. 98
والاختلاف هذا يعود إلى الأصول البعيدة. فالثقافة الغربية قد ورثت ذوق الجمال من التراث اليوناني الروماني. أما الثقافة الإسلامية فقد ورثت الشغف "بالحقيقة" من بين ميزات الفكر السامي.
فكان رواد الأولى وحملة لوائها، زعماء الفن من فيدياس Phidias إلى مخائيل انجلو Angelo Michel بينما قادة الأخرى أنبياء من ابراهيم إلى محمد. ومن هنا لم يكن من محض الصدفة أو من لغو الحديث، أن مؤرخي، "النهضة " الأوروبية يحددونها بأنها "رجوع إلى الحضارة الرومانية اليونانية".
ولقد كان لهذا الاختلاف في الأصول البعيدة للحضارتين، أثر فيما ينتجه الفكر، في كل واحدة منهما. فالعبقرية الأوروبية أنتجت مناهج أدبية كتبت على رايتها خلال القرون أسماء لامعة منذ ( Zschyle) اسشيل وسوفوكل ( Sophocle) إلى راسين وبلزاك ودستويفسكي حتى برناردشو. غير أن هذه العبقرية بعيدة عن وحي التوراة والإنجيل والفرقان.
وعلى العكس من ذلك فإن الأدب العربي والادب الاسلامي بصفة عامة.
لم ينتج التراجيديه ( Tragedie) ولا القصة ( Roman) بل لم يحاول أن ينتجهما إلا في القرن العشرين، وفي صور تدعو أحيانا للأسف.
وعليه فإن كل ثقافة تتضمن علاقة "مبدأ أخلاقي- ذوق جمالي" تكون ذات دلالة عن نوع عبقرية مجتمع معين. وهي ليست تطبع إِنتاجه الأدبي بطابع خاص فحسب وإنما تحدد اتجاهه في التاريخ أيضا.
اننا نستطيع مثلا أن نعتبر الاستعمار "كظاهرة ثقافية" يدل على أن الثقافة الغربية حددت علاقة "مبدأ أخلاقي- ذوق جمالي" بصفة معينة وذلك بأن قدمت العنصر الثاني على الأول في ترتيب القيم فأثر هذا الترتيب في علاقة الإنسان الأوروبي بالانسانية.
стр. 99
فكل ثقافة سيطرة ( Culture d'empire) هي في أساسها ثقافة تنمو فيها القيم الجمالية على حساب القيم الأخلاقية.
وهكذا يمكننا أن نتتبع هذه الاعتبارات إلى أبعد مدى. فنرى كيف أن ثقافة تمنح الأولوية لذوق الجمال، تغذي حضارة تنتهي إلى فضيحة حمراء .... يقود جنونها رجل مثل نيرون أو إمرأة مثل مسالين ( Messaline) وذلك لأنها تسيطر عليها دوافع الأنوثة.
كما أننا نلاحظ من ناحية أخرى. كيف أن الثقافة التي تمنح الأولوية للمبدأ الأخلاقي، تكون حضارة مآلها التحجر والجمود. ـ وتنتهي إلى فضيحة صامتة سوداء تتيه في مجاهل تصوف متقهقر يقود جنونه مشايخ الطرق.
كما أننا لو تتبعنا مفعول علاقة " مبدأ أخلاقي- ذوق جمالي" في مركب الحضارة لوجدنا أن له أثرا كبيرا في مجالات أخرى مثل تركيب الأسرة حيث تسود الأم أو يسيطر الأب وفي اتجاه الأدب بصورة عامة. فإن العلاقة التي نحن بصددها تحدد نزعة "الفن للفن" التي يتعارف عليها القوم في المجتمعات التي تمنح الأولوية "لذوق الجمال" كما تحدد من ناحية أخرى نزعة " الأدب الملتزم" في المجتمعات التي تقدم الأخلاق بصورة ما. على الجمال.
والتقديم والتأخير هذا ينتهي أيضا إلى تحديد مناهج سياسية مختلفة تمام الاختلاف. فبينما ينزع منهج إلى تأسيس ديمقراطية تجعل حرية الفرد هدفها وذلك بدافع جمالي إذا بالأخرى تنهج إلى ديمقراطية تستهدف سعادة المجتمع وذلك بدافع أخلاقي.
وعليه فإنه حينما توضع مشكلة توجيه الثقافة. فإنه يجب أن تراعى هذه الاعتبارات جميعها. بحسب ضرورات الحياة. علما بأن العناصر الثقافية موجودة في كل حضارة تواجه هذه الضرورات. غير أن تأثيرها يختلف في الحياة والتاريخ بحسب ترتيبها في سلم القيم المصطلح عليه.
стр. 100
وإن هذا ليبين لنا مدى الأهمية التي ينبغي لنا أن نعيرها لعناصر الثقافة ليس فقط بالنسبة لقيمتها الفردية في مركب الحضارة ولكن بالنسبة لعلاقاتها في هذا المركب.
وبهذا فإنه يبين لنا من هذه الأسطر أن أي خلل يحدث في هذه العلاقات فإنه قد ينتهي في آخر المطاف إلى خلل في توازن الحضارة وفي كيانها.
стр. 101
تَوْجِيهُ الْعَمَلِ
((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))
((حديث شريف))
قلنا إن حل مشكلة الإنسان يتكامل في ثلاثة عناصر أساسية هي: توجيه الثقافة، وتوجيه العمل، وتوجيه رأس المال.
وقد انتهينا في الفصل السابق من دراسة توجيه الثقافة، والآن نبدأ في دراسة توجيه العمل، وهو الحلقة الثانية من مشكلة الإنسان.
ولقد يظهر بعض الغرابة، عندما نلاحظ درجة النمو الاجتماعي في البلاد الإسلامية، في الحديث عن توجيه شيء يكاد يكون لا وجود له!!
إن الشبح المألوف للمتعطل في هذه البلاد- ذلك المسكين الذي يقتل وقته بلا شعور فيما لا يجدي- قد أصبح هذا الشبح نقطة استفهام مقلقة تحت عنوان هذا الفصل.
ولكن ألم نتحدث عن توجيه الثقافة؟ فهل هناك ثقافة في بلادنا؟ لا بأس على كل حال من أن نتحدث عن توجيه شيء لا وجود له، فحديثنا نفسه محاولة لخلقه، وإسهام في تكوينه.
ونقطة الاستفهام هذه لا تسد الطريق إلا على من ينظر إلى الأشياء في وضعها لا في مصيرها.
والعمل وحده هو الذي يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي. ورغم
стр. 102
أنه ليس عنصرا أساسيا كالإنسان والزمن والتراب، إلا أنه يتولد من هذه العناصر الثلاثة، لا من الخطب الانتخابية أو الوعظية.
فعندما كان المسلمون الأُوَل يشيدون مسجدهم الأول بالمدينة، كان هذا أول ساحة للعمل صنعت فيها الحضارة الإسلامية.
فلو أننا نظرنا إلى هذه الساحة في بساطتها، وقلة شأنها في ذلك الوقت لدعانا المشهد إلى الابتسام، ولكن، أليس هنالك قد تلقى بناءو الحضارة الإسلامية دروس العمل؟؟!!
أو ليسوا هنالك قد قبضوا لأول مرة على عصا التاريخ؟
إن الشيء الذي يهمنا في المجتمع الناشىء هو الناحية التربوية في عملنا، لا الناحية الكسبية، إذ أن الناحية الكسبية لا تظهر إلا في المرحلة التي تطابق عند علماء الاجتماع "تقسيم العمل": وأي خلط بين هذين المظهرين يدفع المجتمع الناشىء إلى إهمال شطر من إمكاناته واثقال كاهله بالأعباء، التي لا يمكن تحملها إِلا لمجتمع تطور فعلا، وأصبح شعاره: " كل جهد يستحق أجراً".
أما في المجتمع الناشىء، فإن كلمة " أجر" تفقد معناها، لأن العامل لا علاقة له بصاحب عمل، ولكن بجماعة أو عشيرة يشاطرها بؤسها ونعماها.
إن توجيه العمل في مرحلة التكوين الاجتماعي بعامة يعني سير الجهود الجماعية في اتجاه واحد، بما في ذلك جهد السائل، والراعي، وصاحب الحرفة، والتاجر، والطالب، والعالم، والمرأة، والمثقف، والفلاح، لكي يضع كل منهم في كل يوم لبنة جديدة في البناء.
فإعطاء ثلاثة حروف من الأبجدية عمل، وتقبل هذه الحروف عمل، وإزالة أذى عن الطريق عمل، وإِسداء نصح عن النظافة أو الجمال- دون أن يغضب الناصح حين لا يصغى لنصحه- عمل، وغرس شجرة هنا عمل، واستغلال أوقات فراغنا في مساعدة الآخرين عمل، وهكذا ..
стр. 103
فنحن نعمل ما دمنا نعطي أو نأخذ بصورة تؤثر في التاريخ.
فتوجيه العمل هو تأليف كل هذه الجهود لتغيير وضع الإنسان، وخلق بيئته الجديدة، ومن هذه البيئة يشتق العمل معناه الآخر: (كسب العيش لكل فرد).
والواقع أنه يجب أن يكون التوجيه المنهجي للحمل شرطا عاما أولا، ثم وسيلة خاصة لكسب الحياة بعد ذلك، لأن هذا التوجيه- حين يتحد مع توجيه الثقافة، وتوجيه رأس المال- يفتح مجالات جديدة للعمل.
وعلى قدر ما يصبح في البلاد من فنيين وفنون وحرف، تتجه أحوال معيشة الفرد إلى وضعها الطبيعي حتما، ولا يمكن أن يحدث هذا دون ذلك، لأنه كلما تقدم التوجيه المثلث للإنسان تغير وجه الحياة حتما، فيكتمل ويحتل مستوى أرفع دائما.
والحق أن كل عمل الإنسان قد صدر أولاً عن يده، فهي التي شقت الطريق لفكره في عالم الأشياء التي صنعتها، وكأنها كانت بذلك تخلق فكره، وتعد مهده، وإطاره، والمحيط الملائم لتطوره.
فلنكرم اليد التي تمسك بالمبرد (والفارة)، فمنها ستنبثق المعجزات التي ننتظرها.
ولقد انبثقت المعجزة فعلاً حين، تحركت اليد، فأمسكت الآلة، أو قلبت التراب.
وهكذا نجد أن توجيه الثقافة مع توجيه العمل يعدان- دون أدنى شك- للابسي الأسمال، وللعاطلين، مكانهم في المجتمع، في ظل وارف من الكرامة والرفاهية.
стр. 104
تَوْجِيهُ رَأْسِ الْمَالِ
لم يكن رأس المال في حد ذاته هو المشكلة التي تعرض لها كارل ماركس في آرائه عام ١٨٤٨، وإنما كان تعرضه لنتائجه الاجتماعية كرأسمالية.
وتفصيل ذلك أن الثورة الصناعية كانت في أيامه قد جاءت نتائجها الأولى في أوربا الغربية، وكان تركيز رؤوس الأموال، وظهور طبقة (البروليتاريا) العاملة كبر ما يميز ذلك العصر، وبالأخص في المناطق التي ظهر فيها التصنيع مبكراً كمقاطعة (الريناني) في ألمانيا، ومنطقة (بلاد الجال) ببريطانيا.
وعلى هذا فإن ظروف ذلك العصر لم تكن لتدعو كارل ماركس الى تحديد رأس المال من حيث هو آلة اجتماعية، وإنما من حيث هو آلة سياسية، بين يدي طبقة معينة هي "البرجوازية"، لاضطهاد طبقة أخرى هي " البروليتاريا".
فهو قد نظر إلى رأس المال من هذه الزاوية، لأن أوضاع المجتمع وظروفه قد حتّما عليه النظر.
يقابل هذه الحال الآن (في سنة ١٩٤٨) حال البلاد الإسلامية. فإنها لا تواجه مشكلة الرأسمالية لأن رأس المال نفسه لم يتكون بعد في غالب تلك البلاد: وإذن فالمشكلات التي كانت تعانيها أوربا في ذلك التاريخ لا تهم العالم الاسلامي اليوم، أو تمسه في شيء، فقد انتفت من بلادنا المشكلات التي خلفها رأس المال في أوربا.
وعليه فإن القضية في البلاد الإسلامية ذات طابع يختلف تمام الاختلاف عن
стр. 105
صورتها في أوربا، ومن هنا كان حتما علينا دراسة هذه المشكلات دراسة خاصة، وبالتالي تحديد رأس المال ذاته من زاوية أخرى باعتباره آلة اجتماعية تنهض بالتقدم المادي، لا آلة سياسية في يد فئة رأسمالية، كما عالجها ماركس ومدرسته، وذلك حتى يرتفع من الأذهان الغموض الذي يحيط ببعض المفاهيم الاقتصادية بسبب فهم مخطىء لمفهوم " رأس المال " ناشىء عن عدم فهمنا للمعنى الديناميكي لهذا المصطلح العلمي.
وينبغي لنا أن نفم قبل كل شيء أن كلمة " رأسمال " ليست من مصطلحاتنا، ولا هي من الشيء الذي تعودناه، فنحن دائما نخلط بين شيئين متمايزين تمام التمايز: الثروة، ورأس المال.
ولتحديد كلا الاصطلاحين بالمعنى الاجتماعي، نلاحظ أن الثروة يمكن فهمها من وجهتين في بلادنا:
١ - بالنسبة للمركز الاجتماعي لصاحبها. فهو فلاح، أو صاحب ماشية، أو صاحب ضيعة.
٢ - بالنسبة لاستعمال صاحبها لها. وهو يستعملها في إطاره الذي تقتضيه حرفته المحلية، وفي كلتا الحالتين تظهر الثروة معرفة لنا بطابع مكاسب الشخص غير المتحركة، غير الداخلة في الدورة الاقتصادية، فهي شيء محلي مستقر في حقل صاحبه، أو داره، أو حول خيمته، وليس لها من عمل مستقل، كقوة مالية تدخل في بناء الصناعات وتمويلها، أو في تجارة التصدير والاستيراد، أو غير ذلك من الميادين الاقتصادية، كما هو الشأن في رأس المال.
فالثروة تلقب بلقب صاحبها، أما رأس المال فإنه ينفصل اسما عن صاحبه، ويصبح قوة مالية مجردة، وهذا شيء معروف عند الاقتصاديين.
هذه القيود التي تقعد بالثروة عن أن ترقى إلى مستوى رأس المال، تجعل منها شيئاً بدائياً بسيطاً، من الناحيتين الاقتصادية والأدبية، شيئاً يستخدمه الفرد
стр. 106
في ميدانه الخاص، مثل عقاره، أو قطيعه، أو ورشته، فهي لا تسعى لغايتها كقوة مالية مستقلة بل لسد حاجات صاحبها المحدودة فحسب.
وبعد هذا التوضيح لمعنى الثروة فإنه يسهل علينا تحديد معنى (رأس المال)، فهو في جوهره: " المال المتحرك " الذي يتسع مجاله الاجتماعي بمقتضى حركته ونموه في محيط أكبر من محيط الفرد، وأقصى من المقدار الذي تحدده حاجاته الخاصة.
وهو في العادة مجرد، لا ينسب إلى صاحبه فلا يقال " رأسمال فلان " وإنما فقط " رأسمال ".
ولقد سجل التاريخ أن بدء تكوين رأس المال قد ظهر مع ظهور الصناعات الميكانيكية، أي الصناعات التي من طبيعتها أن تجعل للمال دورا كبيرا يناسب مقتضياتها.
فالبلاد النائية التي تستورد منها المواد الأولية، ثم المصانع التي تحول فيها تلك المواد إلى سلع ومنتجات، ثم الأسواق التي تصرف فيها تلك السلع، كل ذلك قد جعل للمال دورا متسعا، يخرج عن نطاق استعمال الفرد الخاص ومحيطه، إلى محيط يتنقل فيه من بلد إلى بلد، مقيما لشبكة العلاقات الاقتصادية بين البلدان، ويصبح بذلك قوة ممولة، يطلق عليها " رأس المال ".
ولا شك أن المال الذي تصبح هذه حاله، من التنقل بين البلاد، يخلق حركة ونشاطا، ويوظف الأيدي والعقول، أينما حل وحيثما ارتحل.
وجدير بالذكر أن رأس المال كان من نتائجه في أوربا، خلق ظاهرتين اجتماعيتين:-
١ - طبقة العمال كنتيجة للثورة الصناعية.
٢ - الاستعمار كنتيجة للحاجة إلى التصدير والاستيراد.
وهكذا قضى التوسع الاقتصادي بأن لا يصبح المال في قبضة صاحبه فقط،
стр. 107
وأن يتعدى حدود ميدانه الخاص، إلى ميدان أوسع انتشارا، وأعم فائدة، وأن يخلق في تطوره هذا مفهوما اجتماعيا سمي بالرأسمالية.
غير أن هذه الظاهرة- التي نقلت الثروة من حالتها البسيطة، إلى حالة واسعة منتشرة سميت " بالرأسمال "- لم تحدد " رأس المال " من حيث الكم، بل من حيث الكيف أو الحالة، فالدرهم الذي يتحرك، وينتقل، ويدخل، ويخرج عبر الحدود، يسمى " رأسمال "، والمليار من الدراهم المستقر الساكن هو ثروة ذات محيط ضيق.
أما " تركز " رؤوس الأموال فهو صفة طارئة على " رأس المال "، وليس من جوهره، وهو صفة لا تتناقض مع الصفة الأولى لرأس المال- وإنما تكملها من حيث الكم.
وعليه، فإن توجيه رأس المال وهو لا يزال في طور التكوين في بلادنا - لا يتصل أولا بالكم، بل بالكيف، فإن همنا الأول أن تصبح كل قطعة مالية متحركة متنقلة تخلق معها العمل والنشاط، أما الكم فإن ذلك الدور الثاني، دور التوسع والشمول.
وتاريخ العرب نفسه يحمل نموذجا بسيطا لما قدمنا. إذ كانت مكة قبل الاسلام تسير أموالها حسبما يقتضيه الأسلوب الرأسمالي، ومن المعروف أن قريشا لم تكن تملك من أموال الانتاج الشيء الضخم كالعقارات والمصانع، غير أن قوافلها كانت تجوب الصحراء حاملة بضائع الشرق الأدنى، في رحلة الشتاء والصيف، وكانت قريش كلها تسهم في تزويد هذه الرحلة.
والحالة اليوم في البلاد الإسلامية الفقيرة تشبه إلى حد بعيد حالة الجزيرة الفقيرة. (التي كانت تسكنها قريش)، حيث لم يبق لأغلب أهل البلاد الإسلامية عقار ولا قطيع ولا مصنع: في الشمال الافريقي، وفي جزيرة العرب، والمحميات، وفي إيران، والأفغان، وباكستان، وتركيا، وأندونيسيا.
فالقضية ليست- كما بينا- في تكديس الثروة، ولكن في تحريك المال
стр. 108
وتنشيطه، بتوجيه أموال الأمة البسيطة، وذلك بتحويل معناها الاجتماعي من أموال كاسدة إلى رأس مال متحرك، ينشط الفكر والعمل والحياة في البلاد. وزيادة على هذا يمكن أن نستفيد من تجربة أوربا، تجربتها التي مرت بها، والتي خرجت منها إلى توجيه رؤوس الأموال، وتخطيط اقتصادها، وذلك حتى لا نقع فيما وقعت فيه أوربا- حين تحركت فيها الآلة- من مشكلات حرية الانتاج والتجارة، تلك الحرية التي جاءت بالاضطرابات الاجتماعية الناتجة عن اضطهاد طبقة للاخرى.
لنتخذ من الآن الحيطة حتى تكون أموالنا مطبوعة بطابع الديمقراطية لا بطابع الاقطاعية.
فالقضية إنما هي قضية منهاج يحدد لنا تخطيطا مناسبا نبني عليه حياتنا الاقتصادية، ولا يكون فيه مكان لتركيز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة، تستغل السواد الأكبر من الشعب، بل يجب أن يتوفر فيه إسهام الشعب، مهما كان فقيرا، وبذلك يتم التعادل بين طبقات المجتمع، وتنسجم مصلحة الجماعة مع مصلحة الفرد.
ولنا أن نرحب ببعض الجهود التي بذلها في البلاد الإسلامية بعض رجال اقتصادها، في العهد القريب، ونحن نرى في تلك الجهود- وإن لم تحقق غاية ما نتمناه- تشجيعا على الاستمرار في تدعيم هذا الاتجاه الاقتصادي، ودليلا على أن تكوين رأس المال ممكن، حتى في وطن فقير، إذا ما اتحدت فيه الجهود وتوجهت نحو الصالح العام.
ولا يفوتنا أن ننبه بإلحاح إلى أننا بحاجة إلى تكوين مجلس لتوجيه ((الثروة)) وتوظيفها، لتتحول إلى " رأسمال " بالمعى الآنف الذكر، ولتخطيط أهدافه الاقتصادية.
وبهذا التوجيه الذي يسير متضافرا مع توجيه الثقافة وتوجيه العمل، يكون الفرد قد استكمل الشروط اللازمة لتشييد حضارة تطابق إطاره الخاص.
стр. 109
مشكلة المرأة
ليست مشكلة المرأة شيئا نبحثه منفردا عن مشكلة الرجل، فهما يشكلان في حقيقتهما مشكلة واحدة هي مشكلة الفرد في المجتمع.
وإِنه ليجدر بنا بادىء الأمر أن نستبعد من دائرة بحثنا تلك الأقاويل التي يقولها بدافع من عواطفم أولئك الذين نصبوا من أنفسهم ذادة عن حقوق المرأة من كتاب الشرق أو الغرب.
وليس بمجد أن نعقد مقارنة بين الرجل والمرأة، ثم نخرج منها بنتائج كمية تشير إلى قيمة المرأة في المجتمع، وإنها أكبر أو أصغر من قيمة الرجل، أو تساويها، فليست هذه الأحكام إِلا افتئاتا على حقيقة الأمر، ومحض افتراء.
ولسنا نرى في الأقاويل التي تقولها على حقوق المرأة أدعياء تحريرها، أو الذين يطالبون بإبعادها من المجتمع إلا تعبيرا عن نزعات جنسية لا شعورية.
ولتوضيح هذه الحقيقة يجدر بنا أن ننظر إلى الدوافع النفسية العميقة التي تدفع كلا الطرفين إلى القول بآرائه، وحينئذ لن يصعب علينا معرفة هذه الدوافع على حقيقتها، وأنها جميعها تصدر عن شيء واحد هو: دافع الغريزة الجنسية طبقا لتحليل فرويد.
فهذه النقطة كانت مبدأ الانطلاق لكلا الفريقين، غير أنهما سارا بعد ذلك في طريقين مختلفين.
стр. 110
ولقد يكون هذا التعليل ظاهرا بالنسبة لأولئك الذين يطالبون بخروج المرأة في زينة فاتنة، إذ في ذلك ما يوقظ غرائزهم، أو يرضي شهواتم.
غير أن أولئك المتمسكين بإبعاد المرأة عن المجتمع، والمؤمنين بضرورة إِبقائها في سجنها التقليدي- قد يبدو، في تعليل الدافع النفسي لموقفهم بأنه جنسي، بعض الغرابة، بيد أنَّ هذه الغرابة لا تلبث أن تزول حينما نعلم أن ليس لتفكيرهم من مبرر منطقي، إلى ما يتعللون به من الحفاظ على الأخلاق، الذي يختفي وراءه مغزى التمسك بالأنثى، فالغريزة هنا تكلمت بلسان آخر.
ولقد يكون كلام الغريزة واضحا في رأي من يريد المرأة في صورة تلفت إليها الغرائز، أما عند من يرى أن تخرج في هيئة يقبلها الخلق فإنه من العسير أن نرى دور الغريزة في مثل ذلك التفكير، ولكن قد يكون في منعها من الخروج مبرر خفي مما يستقر في نفس الرجل من دافع جنسي من الخوف على أنثاه أن يشاركه فيها غيره، وإذن فهو يدافع عن أنثاه، وهنا يظهر جلياً ذلك الاعتبار الجنسي في تفكيره.
وهكذا نرى أن كلا الفريقين قد يصدر رأيه عن اعتبار واحد هو الغريزة، ولا أمل لنا في أن نجد في آرائهما حلا لمشكلة المرأة.
وإذن فهذه المشكلة ينبغي أن تصفى أولا من مثل هذه النزعات، ثم تُحل حلا يكون الاعتبار الأول فيه لمصلحة المجتمع، فالمرأة والرجل يكونان الفرد في المجتمع: فهي شِقُّ الفرد، كما أن الرجل شقه الآخر.
ولا غرو فالرسول ﷺ يقول: " النساء شقائق الرجال ".
والله تعالى خلقهما من نفس واحدة. وأخبر عن ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.
فالمرأة والرجل قطبا الإنسانية، ولا معنى لأحدهما بغير الآخر، فلئن كان