Полный текст (1 593 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
عَلَيْهِ» ، (وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ) لِحَدِيثِ «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِإِنَاثِ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَالْخُنْثَى كَالرَّجُلِ (وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا) إيَّاهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْفَرْشِ مَا فِي اللُّبْسِ مِنْ التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ الْمَطْلُوبِ (وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ) إذْ لَيْسَ لَهُ شَهَامَةٌ تُنَافِي خُنُوثَةَ الْحَرِيرِ بِخِلَافِ الرَّجُلِ. (قُلْت: الْأَصَحُّ حِلٌّ افْتِرَاشِهَا) إيَّاهُ وَبِهِ. (قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي الصَّبِيِّ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إلْبَاسُهُ الْحَرِيرَ، بَلْ يَمْنَعُهُ مِنْهُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ. وَالثَّالِثُ الْأَصَحُّ فِي الشَّرْحِ لَهُ إلْبَاسُهُ قَبْلَ سَبْعِ سِنِينَ دُونَ مَا بَعْدِهَا كَيْ لَا يَعْتَادَهُ، وَتَعَقَّبَهُ فِي الرَّوْضَةِ بِأَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ، قَالَ: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَالْأَصْحَابُ عَلَى تَزْيِينِ الصِّبْيَانِ يَوْمَ الْعِيدِ بِحُلِيِّ الذَّهَبِ وَالْمُصَبَّغِ وَيَلْحَقُ بِهِ الْحَرِيرُ.
(وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ أَوْ فُجَاءَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَلِلْحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحَكَّةٍ وَدَفْعِ قُمَّلٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ «رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» ، وَأَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمَا لَمَّا شَكَوَا إلَيْهِ الْقُمَّلَ فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ، وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ السَّفَرُ
ــ
[حاشية قليوبي]
فُرُوعٌ) يَحِلُّ مِنْهُ الْأَزْرَارُ بِالْعَادَةِ، كَالتَّطْرِيفِ الْآتِي وَخَيْطِ خِيَاطَةٍ وَخَيْطِ سُبْحَةٍ لَا شَرَارِيبِهَا، وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ جَوَازُ الشَّرَارِيبِ تَبَعًا لِلْخَيْطِ. وَيَحِلُّ خَيْطُ مُصْحَفٍ وَكِيسِهِ لَا كِيسِ دَرَاهِمَ، وَيَحِلُّ خَيْطُ غِطَاءِ كُوزٍ وَغِطَاؤُهُ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ، وَخَيْطُ مِيزَانٍ وَخَيْطُ مِنْطَقَةٍ وَقِنْدِيلٍ وَلِيقَةِ دَوَاةٍ وَنَحْوِ تِكَّةِ لِبَاسٍ، وَخَيْطُ مِفْتَاحٍ وَيَحِلُّ اتِّخَاذُ وَرَقِ الْكِتَابَةِ مِنْهُ لِأَنَّهُ اسْتِحَالَةٌ. وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ حِلُّ مِنْدِيلِ فِرَاشِ الزَّوْجَةِ لِلرَّجُلِ. قَالَ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ اسْتِعْمَالًا كَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْحَرِيرِ الْمُتَقَدِّمِ حِلُّهُ لَهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (الْحَرِيرِ) وَمِنْهُ الْقَزُّ وَمِثْلُهُ الْمُزَعْفَرُ إنْ صُبِغَ أَكْثَرُهُ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ. قَوْلُهُ: (وَالتَّدَثُّرِ بِهِ) وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ كَمَا مَرَّ إلَّا إنْ كَانَ حَشْوًا وَلَوْ لِمِخَدَّةٍ أَوْ لِحَافٍ، وَمِنْهُ مَا لَوْ خَاطَ ثَوْبًا عَلَى وَجْهِ اللِّحَافِ، أَوْ خَاطَ ثَوْبَ حَرِيرٍ بَيْنَ ثَوْبَيْنِ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ حَرُمَ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (وَاتِّخَاذِهِ سِتْرًا) وَمِنْهُ النَّامُوسِيَّةُ وَنَحْوُهَا كَمَا مَرَّ حَيْثُ عُدَّ مُسْتَعْمِلًا عُرْفًا وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ.
(فَائِدَةٌ) اسْتِعْمَالُ الذَّهَبِ كَالْحَرِيرِ يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ، فَيَحْرُمُ الْجُلُوسُ تَحْتَ السُّقُوفِ الْمُذَهَّبَةِ إنْ حَصَلَ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا كَمَا فِي الْأَوَانِي الْمُمَوَّهَةِ، وَأَمَّا النَّعْلُ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا كَمَا مَرَّ فِيهَا أَيْضًا. قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ) وَلَوْ مُزَرْكَشًا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، وَلَوْ فِي الْمَدَارِسِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ النَّوْمُ مَعَهَا وَلَا عُلُوُّهَا وَلَا مُعَانَقَتُهَا مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الثَّوْبِ مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَنَّ لِلْوَلِيِّ) وَلَوْ غَيْرَ أَبٍ وَجَدٍّ إلْبَاسُهُ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ وَالنَّعْلُ مِنْ الْمَلْبُوسِ. قَوْلُهُ: (حِلُّ افْتِرَاشِهَا) وَمِثْلُهُ تَدَثُّرُهَا. نَعَمْ يَحْرُمُ فِيهِمَا الْمُزَرْكَشُ بِمَا مَرَّ آنِفًا. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ مُطْلَقًا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (يَوْمَ الْعِيدِ) أَيْ مَثَلًا. قَوْلُهُ: (وَالْمُصَبَّغِ) بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ الْمَصْبُوغُ.
قَوْلُهُ: (لُبْسُهُ) وَفَرْشُهُ وَالتَّدَثُّرُ بِهِ. قَوْلُهُ: (مُهْلِكَيْنِ) الْمُرَادُ ضَرَرٌ لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً وَإِنْ لَمْ يُبَحْ التَّيَمُّمُ.
قَوْلُهُ: (لِلْحَاجَةِ) وَلَوْ بِتَعَمُّمٍ أَوْ تَقَمُّصٍ حَيْثُ لَا إزَارَ، وَمِنْهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ وَلَا يَلْزَمُهُ قَطْعُ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ مِنْهُ. قَوْلُهُ: (وَحَكَّةٍ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ لِأَنَّهَا جَرَبٌ يَابِسٌ، وَمَحَلُّ الْجَوَازِ أَنَّ آذَاهُ غَيْرُهُ، وَلَا يَضُرُّ قُدْرَتُهُ عَلَى إزَالَتِهَا بِدَوَاءٍ مَثَلًا. قَوْلُهُ:
ــ
[حاشية عميرة]
وَأَصْلُهُ دِيبَاهْ بِالْهَاءِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (افْتِرَاشِهَا) مِثْلُهُ التَّدَثُّرُ بِالْأَوْلَى، وَقَوْلُ الشَّارِحِ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْفُرُشِ إلَخْ أَيْ كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا الْأَكْلُ فِي الْأَوَانِي مِنْهُ. قَوْلُهُ: (وَالْوَجْهُ الثَّانِي إلَخْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ ﵀ الْأَوْجُهُ فِي الصَّبِيِّ جَارِيَةٌ فِي اسْتِعْمَالِ الْحُلِيِّ أَيْضًا، وَنُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الصَّبِيِّ فِي غَيْرِ يَوْمَيْ الْعِيدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ) اسْتَثْنَى ثَلَاثَ صُوَرٍ حَالَةَ الضَّرُورَةِ وَالْحَاجَةِ وَالْقِتَالِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (لُبْسُهُ) أَفْهَمَ جَوَازَ غَيْرِ اللُّبْسِ بِالْأَوْلَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُهْلِكَيْنِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ مِثْلُ ذَلِكَ الْخَوْفُ عَلَى الْعُضْوِ وَالْمَنْفَعَةُ قَالَ: بَلْ الْمُتَّجِهُ إلْحَاقُ الْأَلَمِ الشَّدِيدِ بِذَلِكَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَيْدًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَبْلَهُ.
(تَنْبِيهٌ) خَطَرَ بِذِهْنِي أَنْ يُقَالَ هَلَّا جُوِّزَ التَّزَيُّنُ بِالْحَرِيرِ فِي الْحُرُوبِ غَيْظًا لِلْكُفَّارِ وَلَوْ وُجِدَ غَيْرُهُ كَتَحْلِيَةِ الْآلَةِ لِأَنَّ بَابَ الْحَرِيرِ أَوْسَعُ، وَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّحْلِيَةَ مُسْتَهْلَكَةٌ غَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، وَفِي الْآلَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ الْبَدَنِ بِخِلَافِ التَّزَيُّنِ بِالْحَرِيرِ فِيهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، عَلَى أَنَّ ابْنَ كَجٍّ جَوَّزَ اتِّخَاذَ الْقَبَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْقِتَالِ مِنْ الْحَرِيرِ وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ، وَقَدْ عَلِمْت جَوَابَهُ.
стр. 352
وَالْحَضَرُ. وَفُجَاءَةُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمَدِّ وَبِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ. (وَلِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ) فِي دَفْعِ السِّلَاحِ قِيَاسًا عَلَى دَفْعِ الْقُمَّلِ
(وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ إبْرَيْسَمٍ) أَيْ حَرِيرٍ (وَغَيْرِهِ إنْ زَادَ وَزْنُ الْإِبْرَيْسَمِ وَيَحِلُّ عَكْسُهُ) تَغْلِيبًا لِلْأَكْثَرِ فِيهِمَا. (وَكَذَا) يَحِلُّ (إنْ اسْتَوَيَا) وَزْنًا (فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يَغْلِبُ الْحَرَامُ وَإِبْرَيْسَمٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَبِكَسْرِهِمَا وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ.
(وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ) فِي التَّطْرِيفِ وَقَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ فِي الطِّرَازِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا فَإِنْ جَاوَزَ ذَلِكَ حَرُمَ، رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ أُصْبُعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» ، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَتْ لَهُ جُبَّةٌ يَلْبَسُهَا لَهَا لِبْنَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ وَفَرْجَاهَا مَكْفُوفَانِ بِالدِّيبَاجِ» ، وَاللِّبْنَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا نُونٌ رُقْعَةٌ فِي جَيْبِ الْقَمِيصِ أَيْ طَوْقِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد «مَكْفُوفَةُ الْجَيْبِ وَالْكُمَّيْنِ وَالْفَرْجَيْنِ بِالدِّيبَاجِ» ، وَالْمَكْفُوفُ الَّذِي جُعِلَ لَهُ كُفَّةٌ بِضَمِّ الْكَافِ، أَيْ سِجَافٌ.
(وَ) يَحِلُّ (لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا) كَالطَّوَافِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ لُبْسِهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ فَرْضٌ فَيَحْرُمُ لِقَطْعِهِ الْفَرْضَ بِخِلَافِ النَّفْلِ
ــ
[حاشية قليوبي]
وَلِلْقِتَالِ) وَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْفَجْأَةِ فَهُوَ أَعَمُّ، وَمَا فِي ابْنِ حَجَرٍ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ. قَوْلُهُ: (كَدِيبَاجٍ) بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَجِيمُهُ بَدَلٌ مِنْ هَاءٍ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّدْبِيجِ، وَهُوَ النَّقْشُ وَالتَّحْسِينُ وَجَمْعُهُ دَيَابِيجُ أَوْ دَبَابِيجُ.
قَوْلُهُ: (إنْ زَادَ وَزْنُ الْإِبْرَيْسَمِ) وَلَوْ احْتِمَالًا لِأَنَّهُ لَيْسَ طَارِئًا عَلَى الثَّوْبِ، وَلِذَلِكَ لَوْ شَكَّ فِي زِيَادَةِ وَزْنِ الْمُطَرَّزِ لَمْ يَحْرُمْ كَمَا فِي الضَّبَّةِ وَلَفْظُ الْإِبْرَيْسَمِ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وَهُوَ مَا تَمُوتُ دُودَتُهُ فِيهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْهُ حَيَّةً فَهُوَ الْقَزُّ، وَاسْمُ الْحَرِيرِ يَعُمُّهُمَا. قَوْلُهُ: (يَحِلُّ إنْ اسْتَوَيَا وَزْنًا فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ مَعَ التَّفْسِيرِ نَظَرًا لِأَصْلِهِ مَعَ التَّعْظِيمِ.
قَوْلُهُ: (مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ) خَرَجَ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَحَرَامٌ مُطْلَقًا، كَالْمَنْسُوجِ بِهِمَا نَعَمْ لَا يَحْرُمُ لُبْسُ نَحْوِ شَاشٍ فِي طَرَفِهِ: نَحْوِ قَصَبٍ لَمْ يَحْصُلْ بِوَضْعِهِ عَلَى النَّارِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ مَنْسُوجًا فِيهِ. قَوْلُهُ: (فِي التَّطْرِيفِ) وَهُوَ التَّسْجِيفُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ وَزْنٌ بَلْ عَادَةُ أَمْثَالِهِ، فَلَوْ فَعَلَهُ زَائِدًا لَزِمَهُ قَطْعُهُ، وَلَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ بِبَيْعِهِ لِمَنْ هُوَ عَادَتُهُ كَمَا لَوْ بَاعَ كَافِرٌ دَارًا بَنَاهَا عَالِيَةً لِمُسْلِمٍ، وَلَوْ اشْتَرَى زَائِدًا عَلَى عَادَةِ أَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ دَوَامٌ كَمَا لَوْ اشْتَرَى كَافِرٌ دَارًا عَالِيَةً مِنْ مُسْلِمٍ. قَوْلُهُ: (وَقَدْرُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ) أَيْ عَرْضًا وَلَوْ احْتِمَالًا وَإِنْ زَادَ طُولًا. قَوْلُهُ: (فِي الطِّرَازِ) وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْوَزْنُ وَأَصْلُهُ مَا عَلَى الْكَتِفِ. وَالْمُرَادُ هُنَا الْأَعَمُّ الشَّامِلُ لِمَا فِي دَاخِلِ الثَّوْبِ وَخَارِجِهِ وَلَوْ بِالْإِبْرَةِ وَسَوَاءٌ فِي الْمَنْسُوجِ مَا لَحْمَتُهُ الْحَرِيرُ أَوْ سُدَاهُ أَوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَخَرَجَ بِالْحَرِيرِ الْكَتَّانُ وَالْقُطْنُ وَالصُّوفُ وَنَحْوُهَا وَإِنْ غَلَّتْ أَثْمَانُهَا عَنْهُ.
(فُرُوعٌ) تُسَنُّ الْعَذَبَةُ بِطَرَفِ الْعِمَامَةِ وَكَوْنُهَا بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَيَحْرُمُ إطَالَتُهَا فَاحِشًا، وَيُسَنُّ فِي كُمِّ الرَّجُلِ إلَى رُسْغِهِ وَفِي ذَيْلِهِ إلَى نِصْفِ سَاقِهِ وَيُكْرَهُ زِيَادَتُهُ عَلَى الْكَعْبِ وَيَحْرُمُ مَعَ الْخُيَلَاءِ وَفِي كُمِّ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى مَا يَحْصُلُ بِهِ احْتِيَاطُ السَّتْرِ، وَفِي ذَيْلِهَا زِيَادَةٌ نَحْوُ رُبْعِ ذِرَاعٍ عَنْ الْكَعْبِ وَيُنْدَبُ التَّقَنُّعُ وَالتَّسَرْوُلُ وَالْإِزَارُ وَلَوْ لِلرِّجَالِ، وَيَحْرُمُ إفْرَاطُ سَعَةِ الْأَكْمَامِ أَوْ الثِّيَابِ أَوْ طُولِهَا مَعَ الْخُيَلَاءِ، وَيُكْرَهُ بِغَيْرِهَا إلَّا لِمَنْ صَارَتْ شِعَارًا لَهُ لِنَحْوِ عِلْمٍ، بَلْ يُنْدَبُ إنْ كَانَ سَبَبًا لِامْتِثَالِ أَمْرٍ أَوْ اجْتِنَابِ نَهْيٍ وَيُنْدَبُ التَّعَمُّمُ قَائِمًا وَالتَّسَرْوُلُ جَالِسًا لِأَنَّ عَكْسَهُمَا يُورِثُ الْفَقْرَ وَالنِّسْيَانَ، وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ أَوْ خُفٍّ وَاحِدٍ وَالِانْتِعَالُ قَائِمًا لِغَيْرِ نَحْوَ مَدَاسٍ خَشْيَةَ السُّقُوطِ.
وَيُنْدَبُ خَلْعُ النَّعْلِ أَوْ الْخُفِّ لِلْجُلُوسِ وَجَعْلُهُ فِي غَيْرِ أَمَامِهِ إلَّا لِخَوْفٍ عَلَيْهِ.
(فَائِدَةٌ) لَمْ يَتَحَرَّرُ فِي طُولِ عِمَامَتِهِ ﷺ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ إزَارُهُ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا تَقْرِيبًا فِي عَرْضِ ذِرَاعَيْنِ تَقْرِيبًا. وَكَذَا رِدَاؤُهُ وَقِيلَ كَانَ سِتَّةَ أَذْرُعٍ فِي عَرْضِ ثَلَاثَةٍ وَكُلُّهَا مِنْ صُوفٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ لُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ) أَيْ الْمُتَنَجِّسِ لِمَا يَأْتِي، وَكَاللُّبْسِ
ــ
[حاشية عميرة]
فَائِدَةٌ) تَجُوزُ كِتَابَةُ الصَّدَاقِ فِي الْحَرِيرِ كَنَسْجِهِ وَخِيَاطَتِهِ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ عَسَاكِرَ مُفْتِي الشَّامِ، وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْبَارِزِيُّ، لَكِنْ أَفْتَى النَّوَوِيُّ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكِتَابَةَ اسْتِعْمَالٌ مِنْ الْكُتَّابِ لِلْحَرِيرِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ إبْرَيْسَمٍ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ هُوَ الَّذِي حَلَّ مِنْ عَلَى الدُّودَةِ بَعْدَ مَوْتِهَا فِيهِ، وَالْقَزُّ مَا قَطَعَتْهُ وَخَرَجَتْ مِنْهُ حَيَّةً فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَلُّهُ، وَيُغْزَلُ كَالْكَتَّانِ، قَالَ: كَذَا رَأَيْته فِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْإِبْرَيْسَمُ) فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَكَذَا إنْ اسْتَوَيَا فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَنَافِعِ الْإِبَاحَةُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ طُرِّفَ إلَخْ) الْمُطَرَّفُ هُوَ الَّذِي جُعِلَ فِي طَرَفِهِ حَرِيرٌ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ خَارِجٍ أَمْ مِنْ دَاخِلٍ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (النَّجِسِ) أَيْ الْمُتَنَجِّسِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الطَّهَارَةِ تَشُقُّ خُصُوصًا
стр. 353
(لَا جِلْدُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) أَيْ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ (إلَّا لِضَرُورَةٍ كَفَجْأَةِ قِتَالٍ) وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ لِأَنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي حَيَاتِهِ بِحَالٍ، وَكَذَا الْكَلْبُ إلَّا لِأَغْرَاضٍ مَخْصُوصَةٍ فَبَعْدَ مَوْتِهِمَا أَوْلَى. (وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ) لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ. (فِي الْأَصَحِّ) كَجِلْدِ الْكَلْبِ وَالثَّانِي يَحِلُّ مُطْلَقًا بِخِلَافِ جِلْدِ الْكَلْبِ لِغِلَظِ نَجَاسَتِهِ.
(وَيَحِلُّ الِاسْتِصْبَاحُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ) سَوَاءٌ عَرَضَتْ لَهُ النَّجَاسَةُ كَالزَّيْتِ أَمْ لَا كَوَدَكِ الْمَيْتَةِ، وَالثَّانِي لَا لِمَا يُصِيبُ بَدَنَ الْإِنْسَانِ وَثِيَابَهُ مِنْ الدُّخَانِ عِنْدَ الْقُرْبِ مِنْ السِّرَاجِ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ قَلِيلٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي بَيَانِ الْمُشْكِلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ فَأْرَةٍ وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ: إنْ كَانَ جَامِدًا فَخُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَاسْتَصْبِحُوا بِهِ، أَوْ فَانْتَفِعُوا بِهِ» وَقَالَ: إنَّ رِجَالَهُ ثِقَاتٌ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ " اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَلَا تَأْكُلُوهُ " وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
ــ
[حاشية قليوبي]
الِافْتِرَاشُ وَالتَّدَثُّرُ بِهِ وَتَوَسُّدُهُ وَلَوْ فِي مَسْجِدٍ كَمَا يَأْتِي وَلِغَيْرِ آدَمِيٍّ، نَعَمْ يَحْرُمُ إنْ لَزِمَ تَنَجُّسٌ بِغَيْرِ عَرَقٍ. قَوْلُهُ: (مُطْلَقًا) هُوَ تَعْمِيمٌ لِيَشْمَلَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ تَعْلِيلُ الشَّارِحِ بِقَوْلِهِ: لِقَطْعِهِ إلَخْ، وَقِيلَ هُوَ تَعْمِيمٌ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ لِحَاجَةٍ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: (كَالطَّوَافِ) هُوَ مِثَالٌ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا لَا لِنَحْوِهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ وَلَوْ فَرْضًا وَمِثْلُهُ خُطْبَةُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا.
قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةِ أَوْ نَحْوِهَا، وَلَوْ أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ لَكَانَ صَوَابًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَنْهَجِ إذْ اللُّبْسُ مِنْ حَيْثُ هُوَ جَائِزٌ، وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَسْجِدِ وَحُرْمَتُهُ فِيهِمَا لِقَطْعِ الْفَرْضِ وَصَوْنِ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَةِ. وَالْمُرَادُ بِنَحْوِهَا نَفْلُ صَلَاةِ نَذْرِهِ لِحُرْمَةِ قَطْعِهِ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يُمَثِّلْ لَهُ الشَّارِحُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِهِ كَمَا عَلِمْت. قَوْلُهُ: (لِقَطْعِهِ الْفَرْضَ) مِنْ الصَّلَاةِ كَمَا عُلِمَ وَبِخِلَافِ النَّفْلِ مُطْلَقًا إلَّا إنْ اسْتَمَرَّ فِيهِ لِتَلَبُّسِهِ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ. قَوْلُهُ: (أَيْ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ) أَيْ جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لِغَيْرِهِمَا وَلَوْ غَيْرَ آدَمِيٍّ، وَيَحِلُّ لَهُمَا وَخَرَجَ بِلُبْسِهِ افْتِرَاشُهُ وَالتَّدَثُّرُ بِهِ فَهُمَا حَلَالٌ مُطْلَقًا. وَكَالْجِلْدِ بَقِيَّةُ الْأَجْزَاءِ، فَيَحْرُمُ تَسْمِيدُ الْأَرْضِ وَدَبْغُ الْجِلْدِ بِدُهْنِهِمَا نَعَمْ يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ الشِّيتَةِ الْمَعْرُوفَةِ لِمُشْطِ الْكَتَّانِ مَا لَمْ تَكُنْ رُطُوبَةٌ. قَوْلُهُ: (إلَّا لِضَرُورَةٍ) أَوْ حَاجَةٍ كَمَا مَرَّ فِي الْحَرِيرِ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتَةِ لَا يَحِلُّ لُبْسُهُ) وَكَذَا لَا يَحِلُّ اسْتِعْمَالُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا نَعَمْ يَحِلُّ الِامْتِشَاطُ بِمُشْطٍ مِنْ نَحْوَ الْعَاجِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ حَيْثُ لَا رُطُوبَةً، وَمَحَلُّ حُرْمَةُ لُبْسِهِ لِلْآدَمِيِّ وَلَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ فَوْقَ الثِّيَابِ كَفِرَاءِ الذِّئَابِ، وَيَحِلُّ لِغَيْرِ آدَمِيٍّ افْتِرَاشُهُ مُطْلَقًا وَالتَّدَثُّرُ بِهِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيَحِلُّ الِاسْتِصْبَاحُ بِهِ) إلَّا فِي مَسْجِدٍ مُطْلَقًا وَفِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَمَوْقُوفٍ إنْ لَوَّثَ فِيهِمَا وَيَحِلُّ طِلَاءُ السُّفُنِ بِهِ وَإِطْعَامُهُ لِبَهِيمَةٍ وَجَعْلِهِ صَابُونًا مَثَلًا.
(تَنْبِيهٌ) يَجُوزُ تَنْجِيسُ الْبَدَنِ لِغَرَضِ كَعَجْنِ سِرْجِينٍ وَوَطْءِ مُسْتَحَاضَةِ وَإِصْلَاحِ فَتِيلَةٍ فِي زَيْتٍ نَجِسٍ بِنَحْوِ أُصْبُعٍ وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ وَالتَّدَاوِي بِهِ وَيَحِلُّ تَنْجِيسُ مِلْكِهِ كَوَضْعِ زَيْتٍ نَجِسٍ فِي إنَاءٍ طَاهِرٍ مَا لَمْ يُضَيِّعْ بِهِ مَالًا وَتَنْجِيسُ مِلْكِ غَيْرِهِ وَمَوْقُوفٍ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَالْوُقُودِ بِالسِّرْجِينِ فِي الْبُيُوتِ، وَتَرْبِيَةُ نَحْوَ الدَّجَاجِ فِيهَا وَتَسْمِيدُ الْأَرْضِ وَدَبْغُ الْجِلْدِ بِغَيْرِ مُغَلَّظٍ كَمَا مَرَّ.
(فَرْعٌ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: يَحْرُمُ إلْقَاءُ الْقُمَّلَ وَنَحْوَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ حَيًّا لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِمَوْتِهِ فِيهِ وَيَحْرُمُ إلْقَاءُ الْحَيِّ فِي غَيْرِهِ إنْ تَأَذَّى أَوْ آذَى، وَخَالَفَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَجَوَّزَ إلْقَاءَهُ حَيًّا بِلَا أَذًى وَلَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. قَوْلُهُ: (كَوَدَكِ الْمَيْتَةِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مُغَلَّظٍ كَمَا مَرَّ.
ــ
[حاشية عميرة]
عَلَى الْفَقِيرِ وَفِي اللَّيْلِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَا جِلْدُ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ) لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِمَا.
стр. 354
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الْأَضْحَى (هِيَ سُنَّةٌ) مُؤَكَّدَةٌ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ (وَقِيلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) نَظَرًا إلَى أَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ قُوتِلُوا عَلَى الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ. (وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً) كَمَا فَعَلَهَا ﷺ (وَلِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ) وَلَا يَخْطُبُ الْمُنْفَرِدُ وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ.
(وَوَقْتُهَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ) الشَّمْسُ (كَرُمْحٍ) كَمَا فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقِيلَ إنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِالِارْتِفَاعِ لِيَنْفَصِلَ عَنْ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَدُفِعَ بِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ أَيْ وَقْتٍ كَمَا تَقَدَّمَ
(وَهِيَ رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهِمَا) بِنِيَّةِ عِيدِ الْفِطْرِ أَوْ الْأَضْحَى (ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ «أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الْأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ» . (يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِنَحْوِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، (وَيَحْسُنُ) فِي ذَلِكَ (سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ
ــ
[حاشية قليوبي]
[بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ]
ِ الْمُغْتَفَرُ فِيهَا مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي غَيْرِهَا كَرَفْعِ الْيَدَيْنِ وَفِي التَّكْبِيرَاتِ وَإِنْ تَوَالَى وَالْمَطْلُوبُ فِيهَا مَا لَمْ يُطْلَبْ فِي غَيْرِهَا، وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْعِيدُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعَوْدِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعُودُ عَلَى عِبَادِهِ فِيهِ بِالسُّرُورِ كُلَّ عَامٍ، وَلِذَلِكَ طُلِبَ عَقِبَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ الْمُوجِبَيْنِ لِلْمَغْفِرَةِ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ السُّرُورِ. وَقِيلَ لِعَوْدِهِ فِي كُلِّ عَامٍ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيُرْسَمُ بِالْيَاءِ فِي مُفْرَدٍ وَجَمْعِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ أَعْوَادِ الْخَشَبِ. قَوْلُهُ: (لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ ) هَذِهِ عِلَّةُ التَّأْكِيدِ اللَّازِمِ لَهَا السُّنِّيَّةُ، فَهِيَ دَلِيلٌ لَهُمَا وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى السُّنِّيَّةِ بِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ لَا أَذَانَ لَهَا كَمَا فِي الْأُصُولِ، وَمَشْرُوعِيَّتُهَا كَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ كَالْأُضْحِيَّةِ وَأَوَّلُ عِيدٍ صَلَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عِيدُ الْفِطْرِ فِيهَا، وَفُرِضَ رَمَضَانُهَا فِي شَعْبَانِهَا وَزَكَاةُ الْفِطْرِ فِي رَمَضَانِهَا الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (جَمَاعَةً) وَلَوْ لِلنِّسَاءِ وَالْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ. وَكَذَا لِلْحَاجِّ إلَّا فِي مِنًى فَتُنْدَبُ لَهُ فُرَادَى. قَوْلُهُ (وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ) وَكَذَا غَيْرُهُمْ كَالْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ. وَكَذَا النِّسَاءُ إنْ أَمَّهُنَّ ذَكَرٌ، وَلَا تَخْطُبُ إمَامَتُهُنَّ فَإِنْ وَعَظَتْهُنَّ وَاحِدَةٌ بِغَيْرِ خُطْبَةٍ فَلَا بَأْسَ.
قَوْلُهُ: (طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ ابْتِدَاؤُهُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ يَوْمٍ يُعَيِّدُ فِيهِ النَّاسُ وَلَوْ فِي ثَانِي شَوَّالٍ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ) فَلَوْ فَعَلَهَا قَبْلَهُ لَمْ تُكْرَهْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافٌ لِابْنِ حَجَرٍ.
قَوْلُهُ: (بِدُعَاءِ الِافْتِتَاحِ) وَلَا يَفُوتُ بِالتَّكْبِيرَاتِ لِنُدْرَتِهَا وَيَفُوتُ بِالتَّعَوُّذِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. قَوْلُهُ: (سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) وَلَوْ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَيُكْرَهُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا، وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي الرَّكْعَةُ الْأُولَى سِتٌّ وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ثَلَاثٌ فِي كُلٍّ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ، وَهِيَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ. وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، فَلَا يُوَافِقُهُ فِي فِعْلِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ مُفَارَقَتُهُ، وَلَا تَبْطُلُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَعَلَى كُلٍّ لَوْ كَانَ الْمَأْمُومُ شَافِعِيًّا وَتَرَكَهَا إمَامُهُ أَوْ نَقَصَ عَنْهَا وَلَوْ بِغَيْرِ اعْتِقَادِ تَابَعَهُ فِيهِمَا، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهَا لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الزِّيَادَةِ نَدْبًا وَإِنْ تَابَعَهُ فِي التَّكْبِيرِ لَمْ يَضُرَّ، أَوْ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعَهُ وَتَوَالَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. نَعَمْ لَوْ صَلَّى الْعِيدَ خَلْفَ الصُّبْحِ لَمْ يَتْرُكْهَا الْمَأْمُومُ بِخِلَافِ عَكْسِهِ وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ فِي عَدَدِهِ بِالْيَقِينِ.
قَوْلُهُ: (يَقِفُ) أَيْ يَفْصِلُ نَدْبًا وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا أَوْ مُضْطَجِعًا فَيُكْرَهُ تَوَالِيهَا وَلَوْ مَعَ الرَّفْعِ، وَلَا
ــ
[حاشية عميرة]
بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ
قَوْلُهُ: (نَظَرًا إلَى أَنَّهَا إلَخْ) أَيْ فَيُعَدُّ تَرْكُهَا تَهَاوُنًا بِالدِّينِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلِلْمُنْفَرِدِ إلَخْ) لِأَنَّهَا صَلَاةُ نَفْلٍ كَالِاسْتِسْقَاءِ، وَنُقِلَ عَنْ الْقَدِيمِ أَنَّهُ كَالْجُمُعَةِ فِي الشَّرَائِطِ حَتَّى لَا تَصِحُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبَعًا لِلْقَوْمِ. نَعَمْ يُسْتَثْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ إقَامَتُهَا فِي الْخُطْبَةِ، وَتَقْدِيمُ الْخُطْبَتَيْنِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْعَدَدُ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ تَرَكَهُمَا لَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ.
قَوْلُهُ: (وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ) سَكَتَ عَنْ جَمَاعَةِ الْعَبِيدِ وَالْمُتَّجِهُ الْخُطْبَةُ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَالْمُتَّجِهُ فِيهِنَّ أَنْ لَا خُطْبَةَ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِهِنَّ. نَعَمْ إنْ وَعَظَتْهُنَّ وَاحِدَةٌ فَلَا بَأْسَ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته فِي أَمْرِ النِّسْوَةِ قَدْ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِيهِنَّ فِي خُطْبَةِ الْكُسُوفِ كَمَا سَيَأْتِي.
قَوْلُهُ: (كَمَا فَعَلَهَا ﷺ ) وَلِيَزُولَ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ يَرَى دُونَ ذَلِكَ تَابَعَهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُمَجِّدُ) أَيْ يُعَظِّمُ. قَوْلُهُ: (عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ) قَالَ فِي الْكِفَايَةِ: وَلَا يَقُولُ ذَلِكَ إلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ اهـ.
стр. 355
وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَهِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ (ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ وَمَا سَيَأْتِي.
(وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ) بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ (خَمْسًا) بِالصِّفَةِ السَّابِقَةِ (قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيعِ) السَّبْعِ وَالْخَمْسِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: رَوَيْنَاهُ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ، وَيَضَعُ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ (وَلَسْنَ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا) فَلَا يُجْبَرُ تَرْكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالسُّجُودِ (وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ فَاتَتْ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهَا. (وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ) فَإِنْ تَذَكَّرَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ قَطَعَهَا وَكَبَّرَ ثُمَّ اسْتَأْنَفَهَا، أَوْ بَعْدَهَا كَبَّرَ وَاسْتُحِبَّ اسْتِئْنَافُهَا، فَإِنْ رَكَعَ لَا يَعُودُ إلَى الْقِيَامِ لِيُكَبِّرَ.
(وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الْأُولَى ق وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ بِكَمَالِهِمَا جَهْرًا) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ بِ قِ وَاقْتَرَبَتْ» ، وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» . قَالَ فِي الرَّوْضَةِ فَهُوَ سُنَّةٌ أَيْضًا.
(وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» ، وَتَكْرِيرُهَا مَقِيسٌ عَلَى الْجُمُعَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حَدِيثٌ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَلَوْ قُدِّمَتْ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا كَالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ إذْ قُدِّمَتْ. (أَرْكَانُهَا كَهِيَ) أَيْ كَأَرْكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ (فِي الْجُمُعَةِ) وَهِيَ حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى فِيهِمَا وَقِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إحْدَاهُمَا، وَالدُّعَاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقِيَامُ، فَإِنْ قَامَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُسَنُّ الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا. أَمَّا الْجُلُوسُ قَبْلَهُمَا عَلَى الْمِنْبَرِ فَقِيلَ لَا يُسْتَحَبُّ، وَالْأَصَحُّ يُسْتَحَبُّ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَقَبْلَهُ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْجُمُعَةِ. (وَيُعَلِّمُهُمْ) اسْتِحْبَابًا (فِي) عِيدِ (الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ وَ) فِي عِيدِ (الْأَضْحَى الْأُضْحِيَّةَ) أَيْ أَحْكَامَهَا وَالْفِطْرَةُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ، وَهِيَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ بِكَسْرِ الْفَاءِ مُوَلَّدَةٌ وَابْنُ الرِّفْعَةِ كَابْنِ أَبِي الدَّمِ بِضَمِّهَا.
ــ
[حاشية قليوبي]
تَبْطُلُ صَلَاتُهُ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ) فِي إضَافَةِ بَيْنَ إلَى كُلِّ تَسَامُحٌ وَخَرَجَ بِهَا مَا قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ وَمَا بَعْدَهَا فَلَا فَصْلَ. قَوْلُهُ: (كَآيَةِ مُعْتَدِلَةٍ) ضَبَطَهَا بَعْضُهُمْ بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ. قَوْلُهُ: (وَيُمَجِّدُ) أَيْ يُعَظِّمُ بِتَسْبِيحٍ وَتَحْمِيدٍ.
قَوْلُهُ: (وَيَحْسُنُ) فَهُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَذْكَارِ أَوْلَى مِنْ السُّكُوتِ، وَزَادَ عَلَيْهِ فِي الْعُبَابِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. قَوْلُهُ: (وَلَوْ نَسِيَهَا) فَالْعَمْدُ أَوْلَى بِالْفَوَاتِ. قَوْلُهُ: (وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ) بِخِلَافِ التَّعَوُّذِ فَلَا تَفُوتُ بِهِ كَمَا لَا يَفُوتُ الِافْتِتَاحُ بِهَا وَإِنْ فَاتَ بِالتَّعَوُّذِ. قَوْلُهُ: (فَاتَتْ) وَلَا يَتَدَارَكُهَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (فِي الْأُولَى ق إلَخْ) وَفِي تَرْكِهَا مَا فِي الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ (بِكَمَالِهِمَا) وَلَوْ إمَامَ غَيْرِ مَحْصُورِينَ وَفِي بَدَلِهِمَا مَا فِي الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ: (جَهْرًا) وَلَوْ مُنْفَرِدًا.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ) إلَّا بِنَذْرٍ فَيَجِبَانِ، وَيُشْتَرَطُ لَهُمَا حِينَئِذٍ مَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ إلَّا الْعَدَدَ، وَنَحْوَهُ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا فَرَاجِعْهُ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا وُجُوبُ الْقِيَامِ وَحْدَهُ فِي نَذْرِهِمَا وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (فَلَوْ قَدَّمَهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا) بَلْ يَحْرُمُ إنْ قَصَدَهَا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقِيَامُ وَلَا غَيْرُهُ) إلَّا الْإِسْمَاعَ وَالسَّمَاعَ وَكَوْنَهَا عَرَبِيَّةً، وَذُكُورَةَ الْخَطِيبِ، فَتَصِحُّ خُطْبَةُ الْجُنُبِ لَكِنْ يُشْتَرَطُ قَصْدُ الْآيَةِ وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهَا. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ يُسْتَحَبُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ بِقَدْرِ جُلُوسِ الْجُمُعَةِ. قَوْلُهُ:
ــ
[حاشية عميرة]
وَلِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرٍ فِي الصَّلَاةِ يَعْقُبُهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، فَكَذَا هَذَا، فَلَوْ وَالَى كُرِهَ. قَوْلُهُ: (وَهِيَ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ) قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: هِيَ أَعْمَالُ الْخَيْرِ الَّتِي يَبْقَى لِلشَّخْصِ ثَمَرَتُهَا أَبَدًا، وَيَنْدَرِجُ فِيهَا مَا فُسِّرَتْ بِهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَأَعْمَالِ الْحَجِّ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَسْنَ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا) نُقِلَ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ نَصِّ الْأُمِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ تَرْكُهَا وَمُوَالَاتُهَا وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهَا. زَادَ السُّبْكِيُّ: وَيُكْرَهُ تَرْكُ وَاحِدَةٍ مِنْهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الْقَدِيمِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ مَحَلَّهَا بَاقٍ وَهُوَ الْقِيَامُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الثَّانِيَةِ اقْتَرَبَتْ) أَيْ يَجْهَرُ وَلَوْ مُنْفَرِدًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، قَالَهُ فِي الرَّوْضِ وَشَرْحِ الْإِسْنَوِيِّ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْقِيَامُ) أَيْ لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ كَصَلَاةِ الْعِيدِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ الْوَقْتُ وَلَا الْأَرْبَعُونَ، قَالَ: وَمُقْتَضَى التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ فِي الْمِنْهَاجِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَرَبِيَّةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ اهـ. قَوْلُهُ:
стр. 356
(يَفْتَتِحُ) اسْتِحْبَابًا (الْأُولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ) وَلَاءٍ (وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعِ وَلَاءً) قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ التَّابِعِينَ إنَّ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَلَوْ فَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْحَمْدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالثَّنَاءِ جَازَ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْخُطْبَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مُقَدِّمَةٌ لَهَا، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ يَفْتَتِحُ الْخُطْبَةَ بِهَا يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ افْتِتَاحَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ مُقَدِّمَاتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ نَفْسِهِ.
(وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ) لِلْعِيدِ، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ لِلْعِيدَيْنِ» ، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. (وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَفِي قَوْلٍ بِالْفَجْرِ) كَالْجُمُعَةِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ بِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى الَّذِينَ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ يُبَكِّرُونَ لِصَلَاةِ الْعِيدِ مِنْ قُرَاهُمْ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ الْغُسْلُ قَبْلَ الْفَجْرِ لَشَقَّ عَلَيْهِمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ تَأْخِيرُ صَلَاتِهَا وَتَقَدُّمُ صَلَاتِهِ فَعُلِّقَ غُسْلُهُ بِالنِّصْفِ الثَّانِي، وَقِيلَ بِجَمِيعِ اللَّيْلِ (وَ) يُنْدَبُ (التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ) بِأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ وَإِزَالَةِ الظُّفْرِ وَالرِّيحِ الْكَرِيهَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، سَوَاءٌ فِي الْغُسْلِ وَمَا بَعْدَهُ الْقَاعِدُ فِي بَيْتِهِ وَالْخَارِجُ لِلصَّلَاةِ، هَذَا حُكْمُ الرِّجَالِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُكْرَهُ لِذَوَاتِ الْجَمَالِ وَالْهَيْئَةِ الْحُضُورُ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَجَائِزِ وَيَتَنَظَّفْنَ بِالْمَاءِ وَلَا يَتَطَيَّبْنَ وَيَخْرُجْنَ فِي ثِيَابٍ بِذَاتِهِنَّ.
(وَفِعْلُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ) لِشَرَفِهِ (وَقِيلَ بِالصَّحْرَاءِ) أَفْضَلُ لِأَنَّهَا أَرْفَقُ بِالرَّاكِبِ وَغَيْرِهِ. (إلَّا لِعُذْرٍ) كَضِيقِ الْمَسْجِدِ عَلَى الْأَوَّلِ، فَتُكْرَهُ فِيهِ التَّشْوِيشُ بِالزِّحَامِ وَوُجُودِ الْمَطَرِ أَوْ الثَّلْجِ عَلَى الثَّانِي فَتُكْرَهُ فِي الصَّحْرَاءِ عَلَى قِيَاسِ كَرَاهَتِهَا فِي الْمَسْجِدِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ إذَا وَجَدَ مَطَرًا أَوْ غَيْرَهُ وَضَاقَ الْمَسْجِدُ الْأَعْظَمُ صَلَّى الْإِمَامُ فِيهِ وَاسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِبَاقِي النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: إنَّ
ــ
[حاشية قليوبي]
مُوَلَّدَةٌ) أَيْ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ. قَوْلُهُ: (فَلَا يَفْصِلُ إلَخْ) وَيُسَنُّ إفْرَادُ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ بِنَفَسٍ وَتَفُوتُ التَّكْبِيرَاتُ بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ وَلَا تُتَدَارَكُ كَمَا فِي الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (يَفْتَتِحُ إلَخْ) يُفِيدُ أَنَّ التَّكْبِيرَاتِ لَيْسَتْ مِنْ الْخُطْبَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لَهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. قَوْلُهُ: (مِنْ السُّنَّةِ إلَخْ) هُوَ قَوْلُ تَابِعِيٍّ وَاحْتُجَّ بِهِ لِأَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَمَا فِي الْمَنْهَجِ مَرْجُوحٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ (جَازَ) بَلْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ إنَّهُ حَسَنٌ وَعَلَيْهِ فَالْمُرَادُ بِالْوَلَاءِ عَدَمُ طُولِ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا عُرْفًا.
(تَنْبِيهٌ) يُطْلَبُ فِي الْقَضَاءِ مَا فِي الْأَدَاءِ مِنْ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ وَطَلَبِ الْخُطْبَةِ إنْ صَلَّوْهَا جَمَاعَةً، وَإِنْ لَمْ تُطْلَبْ وَتَكْبِيرَاتِهَا وَالْجَهْرَ وَالسُّورَتَيْنِ، وَتَعْلِيمُ أَحْكَامِ الْفِطْرَةِ وَالْأُضْحِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ الْغُسْلُ) وَلَوْ لِنَحْوِ حَائِضٍ وَذَكَرَهُ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْدُوبَاتِ الْعِيدِ كَالتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَسَيَأْتِي مَا يُخَالِفُهُ عَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَأَتْبَاعِهِ وَتَخْرُجُ كُلُّهَا بِالْغُرُوبِ. قَوْلُهُ: (بِنِصْفِ اللَّيْلِ) وَبَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ وَتَقْرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ وَلَيْسَ هُنَا دَرَجَاتٌ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ لِعَدَمِ النَّصِّ هُنَا.
قَوْلُهُ: (بِأَنَّ أَهْلَ الْقُرَى) وَالْأَوْلَى لَهُمْ إقَامَتُهَا فِي قُرَاهُمْ وَيُكْرَهُ ذَهَابُهُمْ لِغَيْرِهَا. قَوْلُهُ: (وَالتَّطَيُّبُ) بِفَوْقِيَّةٍ أَوَّلِهِ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهِيَ أَوْلَى لِأَنَّهُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِ النَّدْبُ وَلِمُنَاسَبَةِ مَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: (وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ) إلَّا فِي عَشَرِ ذِي الْحِجَّةِ لِمُرِيدِ التَّضْحِيَةِ نَعَمْ يُنْدَبُ هُنَا أَغْلَى الْمَلْبُوسِ، وَلَوْ غَيْرَ أَبْيَضَ لِإِظْهَارِ النِّعْمَةِ. وَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَبْيَضِ لَوْ وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (وَالْخَارِجُ إلَخْ) نَعَمْ يُرَاعَى الِاسْتِسْقَاءُ لَوْ وَقَعَ يَوْمَ الْعِيدِ. قَوْلُهُ: (لِذَوَاتِ الْجَمَالِ وَالْهَيْئَةِ) قَالَ شَيْخُنَا الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
قَوْلُهُ: (وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ إلَخْ) وَيُنْدَبُ عَدَمُ تَعَدُّدِهَا وَلِلْإِمَامِ الْمَنْعُ مِنْهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا فِي الْأَنْوَارِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) ذَكَرَهُ لِتَعَارُضِ الْقَوْلَيْنِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (مَنْ يُصَلِّي) وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْطُبَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ وَلَا عِلْمِ رِضَاهُ وَيَحْرُمُ مَعَ النَّهْيِ، وَلَوْ صَلَّى الْإِمَامُ بِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَاسْتَخْلَفَ بِمَنْ يُصَلِّي بِغَيْرِهِمْ خَارِجَهُ فَفِيهِ مَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (مَوْضِعٍ آخَرَ)
ــ
[حاشية عميرة]
مُوَلَّدَةٌ) أَيْ لَا عَرَبِيَّةٌ وَلَا مُعَرَّبَةٌ وَكَأَنَّهَا مِنْ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ الْخِلْقَةُ أَيْ زَكَاةُ الْخِلْقَةِ وَهِيَ اسْمٌ لِلْمُخْرَجِ. قَوْلُهُ: (مِنْ التَّابِعِينَ) نَبَّهَ عَلَى هَذَا لِأَنَّ قَوْلَ التَّابِعِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ عَلَى الصَّحِيحِ بِخِلَافِ الصَّحَابِيِّ وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَيْضًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالتَّطَيُّبُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ هُوَ بِالتَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ فِي أَوَّلِهِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْإِضْمَارِ وَيُوَافِقَ مَا بَعْدَهُ وَمَا قَبْلَهُ مِنْ الْمَصَادِرِ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَتَزَيَّنَ إلَخْ) هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ التَّشْبِيهِ فِي الْمَتْنِ نَعَمْ مِنْ التَّزَيُّنِ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ.
стр. 357
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَفْضَلُ قَطْعًا وَأَلْحَقَ بِهِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ الصَّيْدَلَانِيُّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَسَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ، وَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّهُ كَغَيْرِهِ اهـ. أَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ» إلَى آخِرِهِ أَيْ يَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى لِذِكْرِهَا فِيهِ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهَا لِضِيقِ مَسْجِدِهِ عَمَّنْ يَحْضُرُ صَلَاةَ الْعِيدِ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ. (وَيَسْتَخْلِفُ) الْإِمَامُ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِلصَّحْرَاءِ. (مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ) كَالشُّيُوخِ وَالْمَرْضَى كَمَا اسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ ﵁ أَبَا مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيَّ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَاقْتِصَارُهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ يُفْهِمُ أَنَّ الْخَلِيفَةَ لَا يَخْطُبُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْجِيلِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ
(وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي آخَرَ) لِفِعْلِهِ ﷺ ذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ» . وَالْأَرْجَحُ فِي سَبَبِ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ فِي أَطْوَلِ الطَّرِيقَيْنِ تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ، وَيَرْجِعُ فِي أَقْصَرِهِمَا وَقِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَتَصَدَّقُ عَلَى فُقَرَائِهِمَا، وَقِيلَ: لِيَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، وَيُسْتَحَبُّ الذَّهَابُ فِي طَرِيقٍ وَالرُّجُوعُ فِي آخَرَ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي رِيَاضِهِ.
(وَيُبَكِّرُ النَّاسُ) لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ وَيَنْتَظِرُوا الصَّلَاةَ. (وَيَحْضُرُ الْإِمَامُ وَقْتَ صَلَاتِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ السَّابِقِ. (وَيُعَجِّلُ) الْحُضُورَ (فِي الْأَضْحَى) وَيُؤَخِّرُهُ فِي الْفِطْرِ قَلِيلًا. «كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ وَلَّاهُ الْبَحْرَيْنِ أَنْ عَجِّلْ الْأَضْحَى وَأَخِّرْ الْفِطْرَ» ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: هُوَ مُرْسَلٌ. وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ وَوَقْتُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.
(قُلْت:) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ. (وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَيُمْسِكُ فِي الْأَضْحَى) عَنْ الْأَكْل حَتَّى يُصَلِّيَ. قَالَ بُرَيْدَةَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
ــ
[حاشية قليوبي]
أَيْ كُنْ. قَوْلُهُ: (أَفْضَلُ قَطْعًا) ثُمَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ الْأَقْصَى ثُمَّ غَيْرَهَا خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ كَلَامُ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: (لَا يَخْطُبُ) عَلَى مَا مَرَّ وَمَا فِي الْمَنْهَجِ مُؤَوَّلٌ وَلَا يَتَنَاوَلُ الْإِذْنَ غَيْرَ مَرَّةٍ هُنَا وَكُلَّ مَا لَا يَتَكَرَّرُ كَالْكُسُوفِ.
(تَنْبِيهٌ) يَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ مِنْهَا وَيَدْخُلُ فِي إمَامَةِ الْعِشَاءِ وَلَوْ مَعَ الْخَمْسِ إمَامَةُ الْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ وَالتَّرَاوِيحِ.
قَوْلُهُ: (تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ) أَيْ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ عَدَمُ الْأَجْرِ فِي الرُّجُوعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِبَادَةً وَلَا وَسِيلَةً لَهَا، وَإِنْ نُوزِعَ فِيهِ نَعَمْ يُنْدَبُ الرُّكُوبُ لِلْغُزَاةِ إرْهَابًا لِلْعَدُوِّ.
قَوْلُهُ: (وَيُبَكِّرُ النَّاسُ) مِنْ الْفَجْرِ لِغَيْرِ بَعِيدِ الدَّارِ وَهُوَ لِمَنْ فِي الْمَسْجِدِ بِالتَّهَيُّؤِ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ اعْتِبَارُ قَصْدِ الصَّلَاةِ لِمُرِيدِ التَّبْكِيرِ كَمَا مَرَّ فِي الْجُمُعَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: التَّبْكِيرُ هُنَا مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ فَلْيُرَاجَعْ فَإِنَّهُ الْمُنَاسِبُ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَقْتَ صَلَاتِهِ) وَأَفْضَلُهُ فِي الْفِطْرِ بَعْدَ رُبْعِ النَّهَارِ وَفِي الْأَضْحَى بَعْدَ سُدُسِهِ قَالَهُ الْإِمَامُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَالْوَجْهُ خِلَافُهُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَمَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا فِي شَرْحِهِ مِنْ مُوَافَقَةِ كَلَامِ الْإِمَامِ الْمَذْكُورِ. قَوْلُهُ: (وَيُعَجِّلُ) أَيْ الْإِمَامُ الْحُضُورَ لِلْخُطْبَةِ وَيَخْطُبُ وَحِكْمَتُهُ اتِّسَاعُ وَقْتِ التَّضْحِيَةِ وَعَكْسُ ذَلِكَ فِي عِيدِ الْفِطْرِ لِاتِّسَاعِ وَقْتِ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَالتَّعْجِيلِ عَقِبَ وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ شَيْخُنَا مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَوْلُهُ: (الْبَحْرَيْنِ) هُوَ إقْلِيمٌ بَيْنَ حَضْرَمَوْتَ وَالْبَصْرَةِ وَمِنْهُ مَدِينَةُ هَجَرَ.
قَوْلُهُ: (وَيَأْكُلُ) وَلَوْ فِي الطَّرِيقِ وَلَوْ
ــ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) لَوْ اتَّفَقَ الْخُرُوجُ لِلِاسْتِسْقَاءِ وَالْعِيدِ تُرِكَ التَّزَيُّنُ فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُهُ: (وَأُلْحِقَ بِهِ بَيْتُ الْمَقْدِسِ إلَخْ) اسْتَظْهَرَهُ الْأَذْرَعِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ قَالَ: وَلَيْسَ بِظَاهِرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بُقْعَةٌ فِي سَعَةِ مَسْجِدِهَا بَلْ جِبَالٌ وَأَوْعَارٌ. قَوْلُهُ: (أَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ ﵀، وَلَمْ يُلْحِقُوا مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ يَعْنِي بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي نَفْيِ الْخِلَافِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الشَّرَفُ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ يَعْنِي مَا يَأْتِي فِي كَلَامِ الشَّارِحِ ﵀.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ) أَيْ أَطْوَلَ. قَوْلُهُ: (تَكْثِيرًا لِلْأَجْرِ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ عَدَمُ الْأَجْرِ فِي الرُّجُوعِ وَيُخَالِفُهُ مَا ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَ فِي شِرَاءِ حِمَارٍ يَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَالرَّمْضَاءِ كَمَا أَسْلَفْنَاهُ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ، هَذَا مَعْنَى مَا فِي الْإِسْنَوِيِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: الذَّهَابُ أَفْضَلُ مِنْ الرُّجُوعِ، فَلَا تَكُونُ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَانِعَةً مِنْ الْأَجْرِ فِي الرُّجُوعِ. قَالَ السُّبْكِيُّ: وَقَوْلُ الْإِمَامِ إنَّ الرُّجُوعَ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ غَلَطٌ، بَلْ يُثَابُ فِي رُجُوعِهِ اهـ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت وَيَأْكُلُ إلَخْ) وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ النَّصِّ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَاسَ حُكْمُ الْإِمْسَاكِ فِي النَّحْرِ
стр. 358
وَالْحَاكِمُ، وَحِكْمَتُهُ امْتِيَازُ يَوْمِ الْعِيدِ عَمَّا قَبْلَهُ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْأَكْلِ أَوْ تَأْخِيرِهِ. (وَيَذْهَبُ مَاشِيًا) كَالْجُمُعَةِ. (بِسَكِينَةٍ) لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ» (وَلَا يُكْرَهُ الْفِعْلُ قَبْلَهَا) بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ وَلَا بَعْدَهَا (لِغَيْرِ الْإِمَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) بِخِلَافِ الْإِمَامِ فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ صَلَّى عَقِبَ الْحُضُورِ وَخَطَبَ عَقِبَ الصَّلَاةِ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا.
(فَصْلٌ: يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ) اللَّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ الصَّادِقِ بَعِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الْأَضْحَى وَدَلِيلُهُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ عِدَّةَ صَوْمِ رَمَضَانَ ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] أَيْ عِنْدَ إكْمَالِهَا. وَفِي عِيدِ الْأَضْحَى الْقِيَاسُ عَلَى عِيدِ الْفِطْرِ (فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ) لَيْلًا وَنَهَارًا. (بِرَفْعِ الصَّوْتِ) إظْهَارًا لِشِعَارِ الْعِيدِ (وَالْأَظْهَرُ إدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الْإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ) وَالثَّانِي حَتَّى يَخْرُجَ لَهَا. وَالثَّالِثُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا. قِيلَ وَمِنْ الْخُطْبَتَيْنِ وَهُوَ فِيمَنْ لَا يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ (وَلَا يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الْأَضْحَى بَلْ يُلَبِّي) لِأَنَّ التَّلْبِيَةَ شِعَارُهُ (وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الْأَصَحِّ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ، وَالثَّانِي يَقِيسُهُ عَلَى التَّكْبِيرِ لَيْلَةَ الْأَضْحَى عَلَى مَا سَيَأْتِي فَيُكَبِّرُ خَلْفَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ
(وَيُكَبِّرُ
ــ
[حاشية قليوبي]
الْإِمَامَ، وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ كَالْإِمْسَاكِ فِي الْأَضْحَى. قَوْلُهُ: (وَيَطْعَمُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَالْعَيْنِ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَأْكُولِ الْمَطْعُومُ وَلَوْ مَشْرُوبًا، وَأَفْضَلُهُ عَلَى مَا فِي الْفِطْرِ لِلصَّائِمِ وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ نَسْخُ تَحْرِيمِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ.
قَوْلُهُ: (وَحِكْمَتُهُ) أَيْ الْأَصْلِيَّةُ فَلَا يَرِدُ مُفْطِرُ رَمَضَانَ أَوْ صَائِمُ عَرَفَةَ. قَوْلُهُ: (بِالْمُبَادَرَةِ إلَخْ) أَيْ تُطْلَبُ الْمُبَادَرَةُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ كَافٍ فِي تَمْيِيزِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا الَّذِي لَمْ يُطْلَبْ فِيهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا. وَقَالَ السُّبْكِيُّ فِي الْحِكْمَةِ إنَّ فِيهِ مُوَافَقَةُ الْمَسَاكِينِ فِي طَلَبِ الصَّدَقَةِ فِي الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَضْحَى بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (قَبْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ. نَعَمْ يُكْرَهُ لِمَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ. كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَيَّدَ بِمَنْ يَسْمَعُ. قَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْإِمَامِ) إنْ حَضَرَ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا يُكْرَهُ لَهُ.
(فَصْلٌ فِي طَلَبِ التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدِ) وَكَيْفِيَّتِهِ وَوَقْتِهِ. قَوْلُهُ: (لَيْلَتَيْ الْعِيدِ) وَلَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ (وَدَلِيلُهُ) أَيْ التَّكْبِيرُ الْمُرْسَلُ وَهُوَ فِي الْفِطْرِ أَفْضَلُ وَالْمُقَيَّدُ فِي الْأَضْحَى أَفْضَلُ مِنْهُ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (فِي الْمَنَازِلِ إلَخْ) دَخَلَ فِيهِ خَلْفُ الصَّلَاةِ وَيُزَادُ عَلَى مَا فِي كَلَامِهِ نَحْوُ التَّرَاوِيحِ. قَوْلُهُ: (بِرَفْعِ الصَّوْتِ) إلَّا لِغَيْرِ ذِكْرٍ بِحَضْرَةِ غَيْرِ مَحْرَمٍ. قَوْلُهُ: (حَتَّى يُحْرِمَ الْإِمَامُ) أَيْ حَتَّى يَدْخُلُ وَقْتُ إحْرَامِهِ الْمَطْلُوبُ سَوَاءٌ صَلَّى مَعَهُ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ لَمْ يُصَلِّ أَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ، وَهَذَا مَا اعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُسَنُّ التَّكْبِيرُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ، وَيُسَنُّ مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُ فِي عُمُومِ الْوَقْتِ فِيمَا مَرَّ.
ــ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) الشُّرْبُ كَالْأَكْلِ. قَوْلُهُ: (وَلَا بَعْدَهَا) يُسْتَثْنَى مَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ.
[فَصْلٌ يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَيْ الْعِيدِ]
(فَصْلٌ يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ إلَخْ) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: الْوَاوُ وَإِنْ كَانَتْ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ لَكِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى التَّرْتِيبِ أَرْجَحُ، كَمَا قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ وَلِأَنَّ الْأَدِلَّةَ تُثْبِتُ الْمُرَادَ اهـ.
وَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ الْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ جَمْعُ مُقَارَنَةٍ، وَجَمْعُ مُعَاقَبَةٍ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، قَالَ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَمْلُ الْوَاوِ هُنَا عَلَى الْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى التَّرْتِيبِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي حَتَّى يَخْرُجَ) أَيْ لِأَنَّ بِخُرُوجِهِ تَشْتَغِلُ النَّاسُ بِالتَّهَيُّؤِ وَالِاسْتِقْبَالِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّالِثُ إلَخْ) تَوْجِيهُهُ أَنَّ الْإِمَامَ وَمَنْ مَعَهُ يُقِيمُونَ الشِّعَارَ بِالصَّلَاةِ فَمَنْ لَا يُصَلِّي يُقِيمُهُ بِالتَّكْبِيرِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يُسَنُّ) أَيْ التَّكْبِيرُ إلَخْ، شُرُوعٌ فِي بَيَانِ التَّكْبِيرِ الْمُقَيَّدِ. قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَقِيسُهُ إلَخْ) عِبَارَةُ الْإِسْنَوِيِّ، وَالثَّانِي يَقُولُ: هُوَ عِيدٌ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُطْلَقُ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْمُقَيَّدُ وَهُوَ عِنْدَ التَّأَمُّلِ مُوَافِقٌ لِتَعْلِيلِ الشَّارِحِ.
стр. 359
الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ) يَوْمِ (النَّحْرِ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ بَعْدَ انْتِهَاءِ وَقْتِ التَّلْبِيَةِ. (وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ) لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهِ بِمِنًى (وَغَيْرُهُ كَهُوَ) أَيْ غَيْرُ الْحَاجِّ كَالْحَاجِّ فِي ذَلِكَ (فِي الْأَظْهَرِ) تَبَعًا لَهُ (وَفِي قَوْلٍ) يُكَبِّرُ غَيْرُهُ (مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَفِي قَوْلٍ مِنْ صُبْحِ) يَوْمِ (عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ) أَيَّامِ (التَّشْرِيقِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) فِي الْأَمْصَارِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لِلْحَدِيثِ أَيْ الَّذِي رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ ذَلِكَ، وَقَالَ فِيهِ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ) فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا (وَالرَّاتِبَةِ) وَمِنْهَا صَلَاةُ الْعِيدِ.
(وَالنَّافِلَةِ) الْمُطْلَقَةِ لِأَنَّهُ شِعَارُ الْوَقْتِ، وَالثَّانِي لَا وَإِنَّمَا هُوَ شِعَارٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ.
(وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ. (كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) وَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا قَبْلَ كَبِيرًا اللَّهُ أَكْبَرُ وَبَعْدَ أَصِيلًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ.
(وَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ
ــ
[حاشية قليوبي]
قَوْلُهُ: (وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ) سَوَاءٌ كَانَ بِمِنًى أَوْ غَيْرِهَا وَالتَّعْلِيلُ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ أَوْ لِمَا مِنْ شَأْنِهِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَخَرَجَ بِهِ الْمُعْتَمِرُ فَيُكَبِّرُ إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَغِلًا بِذِكْرِ طَوَافٍ وَسَعْيٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (مِنْ ظُهْرِ إلَخْ) أَيْ إنْ تَحَلَّلَ فِيهِ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالتَّحَلُّلِ سَوَاءٌ قَدَّمَهُ أَوْ أَخَّرَهُ عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أَمْرُ شَيْخِنَا، فَغَايَةُ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّكْبِيرُ لِلْحَاجِّ مِنْ الْفَرَائِضِ خَمْسَ عَشْرَةَ صَلَاةً مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ إلَى صُبْحِ آخِرِ التَّشْرِيقِ. قَوْلُهُ: (فِي ذَلِكَ) أَيْ مُبْتَدِئًا تَكْبِيرَهُ، فَالضَّمَائِرُ بَعْدَهُ رَاجِعَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ، وَآخِرُ الْوَقْتِ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ أَيْضًا صُبْحُ آخِرِ التَّشْرِيقِ كَمَا ذَكَرَهُ. قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي الْحَاجِّ. قَوْلُهُ: (مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَخْ) وَالْمُعْتَبَرُ الْوَقْتُ، وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَغُرُوبُ الشَّمْسِ آخِرَ الْأَيَّامِ سَوَاءٌ وُجِدَ فِيهِ صَلَاةٌ أَوْ لَا، نَعَمْ مُسْتَثْنًى مِنْ ذَلِكَ لَيْلَةُ الْعِيدِ لِمَا مَرَّ مِنْ دَلِيلِهَا الْخَاصِّ الْمُقَدَّمِ عَلَى الْعُمُومِ هُنَا، بَلْ يَلْزَمُ عَلَى دُخُولِهَا أَنْ يُسَمَّى تَكْبِيرُهَا مُقَيَّدًا وَمُرْسَلًا، وَلَا قَائِلَ بِهِ وَغَايَةُ مَا يَقَعُ فِيهِ التَّكْبِيرُ مِنْ صَلَوَاتِ الْفَرَائِضِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الصَّحِيحِ عِشْرُونَ صَلَاةً، وَعَلَى إدْخَالِ اللَّيْلِ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَقَالَ شَيْخُنَا يُكَبِّرُ عَقِبَ الْمَغْرِبِ الَّتِي عَقِبَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَيْضًا فَيُزَادُ عَلَى مَا ذُكِرَ. قَوْلُهُ: (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) أَيْ عَمَلُ النَّاسِ فِي الْأَمْصَارِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ أَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَهِيَ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْهَا. وَلَا يَقْضِي هَذَا التَّكْبِيرَ إذَا فَاتَ وَفَوَاتُهُ بِطُولِ الْفَصْلِ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَوْ بِإِعْرَاضٍ عَنْهُ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا أَنَّهُ يَتَدَارَكُهُ، وَإِنْ كَانَ تَرَكَهُ عَمْدًا وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ إذْ يَلْزَمُ تَدَارُكُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ فَإِنْ قَيَّدَهُ بِدَوَامِ وَقْتِهِ وَرُدَّ عَلَيْهِ مَا لَا وَقْتَ لَهُ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ رَجَعَ شَيْخُنَا عَنْهُ وَعَمَّا فِي حَاشِيَتِهِ تَبَعًا لَهُ. قَوْلُهُ: (وَالرَّاتِبَةِ) أَيْ مَعَ الْفَرَائِضِ بِقَرِينَةِ الْعَطْفِ أَوْ الْأَعَمِّ. وَعَلَيْهِ الشَّارِحُ وَشَمِلَتْ الْفَرِيضَةَ الْمَقْضِيَّةَ وَالْمَنْذُورَةَ وَالْجِنَازَةَ. قَوْله: (وَالنَّافِلَةِ) الْمُطْلَقَةِ عَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ أَوْ مَا يَعُمُّهَا وَالْمُؤَقَّتَةَ وَذَاتَ السَّبَبِ لَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ أَوْ شُكْرٍ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ) أَيْ وَمَا بَعْدَهَا إلَى بَعْدِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَيَزِيدُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَبْلَ كَبِيرًا وَيُقَدِّمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ، وَبِذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يَنْتَظِمُ التَّكْبِيرَ الْمَعْرُوفَ. قَوْلُهُ: (وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ) وَبَعْدَهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ
ــ
[حاشية عميرة]
فَرْعٌ) هَلْ يُكَبِّرُ خَلْفَ الْفَوَائِتِ، عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَحَلُّ نَظَرٍ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهِ) هُوَ تَعْلِيلٌ لِابْتِدَائِهِ، وَأَمَّا أَصْلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] وَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ) أَيْ قِيَاسًا عَلَى تَكْبِيرِ عِيدِ الْفِطْرِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، هَذَا كَلَامُ الْإِسْنَوِيِّ ﵀، فَلْيُتَأَمَّلْ ذَلِكَ مَعَ التَّعْلِيلِ السَّابِقِ لِمُقَابِلِ الْأَصَحِّ فِي عِيدِ الْفِطْرِ، عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَالشَّارِحِ. قَوْلُهُ: (كَمَا تَقَدَّمَ) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَيَخْتِمُ إلَخْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي قَوْلٍ مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الذِّكْرِ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ وَالْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ) هَذِهِ الْعِبَارَةُ تُشْعِرُ بِأَنَّ التَّكْبِيرَ يَكُونُ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَلَوْ قَبْلَ فِعْلِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ فِعْلِ الْعَصْرِ. قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا هُوَ شِعَارٌ إلَخْ) لَمْ يَذْكُرْهُ الْإِسْنَوِيُّ، بَلْ قَالَ: وَالثَّانِي عَقِبَ الْفَرَائِضِ خَاصَّةً مُؤَدَّاةً، أَوْ فَائِتَةً مُطْلَقًا كَالْأَذَانِ يُطْلَبُ فِي هَذَا دُونَ غَيْرِهِ، وَالثَّالِثُ
стр. 360
الثَّلَاثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ) حَيْثُ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ جَمْعَ النَّاسِ وَالصَّلَاةَ وَإِلَّا فَكَمَا لَوْ شَهِدُوا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ، وَسَيَأْتِي. (وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ تُقْبَلْ الشَّهَادَةُ) فِي صَلَاةِ الْعِيدِ وَصَلَّى فِي الْغَدِ أَدَاءً وَتُقْبَلُ فِي غَيْرِهَا كَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ. (أَوْ) شَهِدُوا (بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا وَفَاتَتْ الصَّلَاةُ) أَدَاءً (وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الْأَظْهَرِ) كَغَيْرِهَا. وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهَا بَعْدَ شَهْرِ الْعِيدِ. (وَقِيلَ فِي قَوْلٍ) لَا يَفُوتُ أَدَاؤُهَا، بَلْ (تُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً) لِعِظَمِ حُرْمَتِهَا. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ الْفَوَاتُ كَطَرِيقِ الْقَطْعِ بِهِ الرَّاجِحَةِ، وَلَوْ شَهِدُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ وَعَدَلُوا بَعْدَهُ فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ، وَفِي قَوْلٍ بِوَقْتِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُمَا.
ــ
[حاشية قليوبي]
أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَهَذِهِ عَلَى التَّأْوِيلِ السَّابِقِ مَذْكُورَةٌ فِي مَحَلِّهَا. وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مُقَدَّمَةٌ مِنْ تَأْخِيرٍ لِمُوَافَقَةِ مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ فِي الْأَمْصَارِ. فَقَدْ قَالَ فِي الْأَذْكَارِ: إنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَمْ يَرِدْ: وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَيُنْدَبُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَصَحْبِهِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ كَمَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ أَيْضًا.
قَوْلُهُ: (أَفْطَرْنَا) أَيْ وُجُوبًا. قَوْلُهُ: (جَمْعَ النَّاسِ) أَيْ مَنْ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ. قَوْلُهُ: (وَالصَّلَاةَ) وَلَوْ رَكْعَةً، وَلَوْ صَلَّاهَا وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَ جَمَاعَةً صَلَّاهَا مَعَهُمْ. وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَعَلَيْهِ فَهَذِهِ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ شَرْطِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ فِي الْمُعَادَةِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَتُصَلَّى مِنْ الْغَدِ أَدَاءً) فَتَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى طُلُوعِ شَمْسِهِ، وَلَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ قَبُولُ الْبَيِّنَةِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ عَلَى نَظِيرِ مَا لَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ غَلَطًا فِي الْحَجِّ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا لِبَعْضِهِمْ هُنَا. وَمِنْ ذَلِكَ يُعْلَمُ عَدَمُ صِحَّةِ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا وَالْقِيَاسُ خِلَافُهُ كَمَا فِي حُلُولِ الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا. قَوْلُهُ: (وَفَاتَتْ الصَّلَاةُ أَدَاءً) أَيْ قَطْعًا فَحَقُّهُ التَّعْبِيرُ بِالْمَذْهَبِ. قَوْلُهُ: (بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ.
(تَتِمَّةٌ) يُنْدَبُ إحْيَاءُ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ بِذِكْرٍ أَوْ صَلَاةٍ وَأَوْلَاهَا صَلَاةُ التَّسْبِيحِ. وَيَكْفِي مُعْظَمُهَا وَأَقَلُّهُ صَلَاةُ الْعِشَاءِ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْعَزْمُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ كَذَلِكَ. وَمِثْلُهُمَا لَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَأَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَجَبٍ وَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهَا مَحَالُّ إجَابَةِ الدُّعَاءِ.
(فَائِدَةٌ) التَّهْنِئَةُ بِالْأَعْيَادِ وَالشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: مَنْدُوبَةٌ وَيُسْتَأْنَسُ لَهَا بِطَلَبِ سُجُودِ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَبِقِصَّةِ كَعْبٍ وَصَاحِبِيهِ وَتَهْنِئَةِ أَبِي طَلْحَةَ لَهُ.
ــ
[حاشية عميرة]
عَقِبَ فَرَائِضِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، أَدَاءً أَوْ قَضَاءً، لِأَنَّهُ قَضَاءُ مَا كَانَ التَّكْبِيرُ مَأْمُورًا بِهِ فِيهِ، وَالرَّابِعُ عَقِبَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ، وَعَقِبَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَنَبَّهَ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ قَاصِرَةٌ عَنْ إفَادَةِ مَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ، عَقِبَ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَنَحْوِهِمَا، وَعَنْ تَنَاوُلِ الْعِيدِ وَالضُّحَى، وَنَحْوِهِمَا مِنْ حَيْثُ إنَّ الرَّاتِبَةَ هِيَ التَّابِعَةُ لِلْفَرَائِضِ اهـ بِمَعْنَاهُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ) وَجْهُ اخْتِيَارِ، هَذِهِ الزِّيَادَةِ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قَالَهَا عَلَى الصَّفَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ) اقْتَضَى هَذَا الصَّنِيعُ مِنْ الْمَتْنِ وَالشَّرْحِ أَنَّهُ يَزِيدُ هَذَا ثُمَّ يَخْتِمُ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ. وَاَلَّذِي فِي الْمُحَرَّرِ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ، بَعْدَ ذِكْرِ التَّكْبِيرَاتِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ، أَمَّا الْمَذْكُورُ أَوَّلًا وَهُوَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، وَأَمَّا كَبِيرًا إلَى أَصِيلًا، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا اهـ.
ثُمَّ رَاجَعْت الرَّوْضَةَ فَرَأَيْت فِيهَا بَعْدَ الَّذِي حَكَاهُ الشَّارِحُ عَنْهَا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، وَكَأَنَّ وَجْهَ إسْقَاطِ الشَّارِحِ لِذَلِكَ دُخُولُهُ فِي قَوْلِ الْمِنْهَاجِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَخْ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ، يُرْشِدُ لِهَذَا النَّظَرُ لِلْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (جَمْعَ النَّاسِ وَالصَّلَاةَ) أَيْ وَلَوْ رَكْعَةً. قَوْلُهُ: (وَالْعِتْقِ الْمُعَلَّقَيْنِ إلَخْ) وَكَذَا يَجُوزُ صَوْمُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ التَّشْرِيقِ فِيمَا يَظْهَرُ وَقَدْ يُمْنَعُ بِظَاهِرِ حَدِيثِ الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (مَتَى شَاءَ إلَخْ) هُوَ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ أَوْلَى. قَالَ الرَّافِعِيُّ: فَإِنْ عَسُرَ جَمْعُ النَّاسِ فَالتَّأْخِيرُ أَوْلَى. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَقِيلَ فِي قَوْلٍ إلَخْ) مُقَابِلُ قَوْلِهِ، وَفَاتَتْ الصَّلَاةُ. قَوْلُهُ: (فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ التَّعْدِيلِ إلَخْ) أَيْ لِأَنَّهُ وَقْتُ جَوَازِ الْحُكْمِ، وَوَجْهُ الثَّانِي إسْنَادُ التَّعْدِيلِ إلَى الزِّيَادَةِ.
стр. 361
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ كُسُوفُ الشَّمْسِ وَكُسُوفُ الْقَمَرِ، وَيُقَالُ فِيهِمَا خُسُوفَانِ، وَفِي الْأَوَّلِ كُسُوفٌ وَالثَّانِي خُسُوفٌ، وَهُوَ أَشْهَرُ، وَحُكِيَ عَكْسُهُ. (هِيَ سُنَّةٌ) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا مُؤَكَّدَةٌ
«لِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَصَلَّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ» ، رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ. (فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجْدَتَيْنِ وَيَأْتِي بِالطُّمَأْنِينَةِ فِي مَحَالِّهَا (فَهَذِهِ رَكْعَةٌ ثُمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ) هَذَا أَقَلُّهَا كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا، فَهِيَ رَكْعَتَانِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ كَمَا فَعَلَهَا ﷺ (وَلَا يَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ) فَأَكْثَرَ (لِتَمَادِي الْكُسُوفِ وَلَا نَقْصِهِ) أَيْ نَقْصُ رُكُوعٍ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ
ــ
[حاشية قليوبي]
بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهَا مَعَ عَدَمِ تَكْرَارِهَا، وَأَوَّلُ كُسُوفٍ وَقَعَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ أَوْ فِي الْعَاشِرَةِ كَمَا يَأْتِي، وَمَيْلُ الْجَلَالِ إلَى أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَهِيَ مِنْ كَسَفَ كَضَرْبِ مُتَعَدِّيًا وَلَازِمًا. يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ وَكَسَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى. وَكَذَا يُقَالُ فِي خَسَفَ. قَوْلُهُ: (وَهُوَ أَشْهُرُ) لِأَنَّ الْكَسْفَ السِّتْرُ وَالْخَسْفَ الْمَحْوُ وَنُورُ الشَّمْسِ لَا يُفَارِقُ جِرْمَهَا وَإِنَّمَا يَسْتُرُهُ الْقَمَرُ عَنَّا بِحَيْلُولَتِهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا. وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْكُسُوفُ إلَّا فِي أَوَاخِرِ الشُّهُورِ فَإِنْ وَقَعَ فِي غَيْرِهَا فَهُوَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ، وَنُورُ الْقَمَرِ مُمْتَدٌّ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ، وَلَيْسَ لَهُ نُورٌ فِي ذَاتِهِ فَإِذَا حَالَتْ الْأَرْضُ بَيْنَهُمَا مُحِيَ نُورُهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ مُقَابَلَتِهِمَا. وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ الْخُسُوفُ إلَّا فِي أَنْصَافِ الشُّهُورِ، وَمَا وَقَعَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ أَيْضًا وَمِنْ الْأَوَّلِ أَيْضًا كُسُوفُ الشَّمْسِ فِي عَاشِرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ مَوْتِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ ﷺ
فِي سَنَةِ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ. وَمَاتَ وَعُمْرُهُ سَبْعُونَ يَوْمًا عَلَى الصَّحِيحِ. وَمِنْهُ الْكُسُوفُ يَوْمَ عَاشِرِ الْمُحَرَّمِ حِينَ قُتِلَ الْحُسَيْنُ فِي سَنَةِ إحْدَى وَسِتِّينَ.
(تَنْبِيهٌ) وَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ الْبُرُلُّسِيِّ هُنَا كَلَامٌ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ الْخِبْرَةُ بِحَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ.
(فَائِدَةٌ) تُسَنُّ الصَّلَاةُ فُرَادَى لَا بِالْهَيْئَةِ الْآتِيَةِ لِبَقِيَّةِ الْكَوَاكِبِ وَالْآيَاتِ السَّمَاوِيَّةِ وَالزَّلَازِلِ وَالصَّوَاعِقِ، وَلَا يَجُوزُ لَهَا خُطْبَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِوُجُودِهَا، وَيَخْرُجُ بِزَوَالِهَا كَالْكُسُوفِ فَيَصِحُّ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ إلَخْ) كَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا دَلِيلُ التَّأْكِيدِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (فَيُحْرِمُ إلَخْ) أَيْ مَعَ تَعْيِينِ الشَّمْسِ أَوْ الْقَمَرِ وَتَعْيِينِ كَوْنِهَا بِرُكُوعَيْنِ أَوْ لَا وَلَا يَجُوزُ غَيْرُ مَا نَوَاهُ.
فَلَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ تَخَيَّرَ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ وَفَارَقَ الْوِتْرَ بِعَدَمِ تَعَدُّدِ الرَّكَعَاتِ هُنَا إذْ لَا يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَإِذَا اخْتَارَ كَيْفِيَّةً تَعَيَّنَتْ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا قَبْلَ الْوُصُولِ لِمَا يُعَيِّنُهَا، كَالْقِيَامِ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الرُّكُوعَيْنِ أَوْ الْهَوِيِّ لِلسُّجُودِ فِي الْكَيْفِيَّةِ الْأُخْرَى. نَعَمْ يَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فَيَنْوِي مَا هُوَ فِيهِ، وَتَنْصَرِفُ نِيَّتُهُ الْمُطْلَقَةُ إلَيْهِ وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي التَّشَهُّدِ عَلَى الْأَوْجَهِ. وَقِيلَ فِي هَذِهِ يَتَخَيَّرُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ خِلَافَهُ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ نَظْمِ الصَّلَاةِ وَقَدْ مَرَّ مَنْعُهُ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (هَذَا أَقَلُّهَا) أَيْ أَقَلُّ كَمَالِهَا، وَأَقَلُّهَا حَقِيقَةً كَسُنَّةِ الظُّهْرِ. قَوْلُهُ: (فَأَكْثَرَ) وَإِنْ زَادَ عَلَى خَمْسَةٍ خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا إلَّا
ــ
[حاشية عميرة]
[بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفَيْنِ]
ِ قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِهَا) وَالصَّارِفُ عَنْ الْوُجُوبِ إلَى النَّدْبِ، حَدِيثُ «هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا» . قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَيُحْرِمُ إلَخْ) مَسْأَلَةٌ مُكَرَّرَةٌ فِي الْكِتَابِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ) فِيهِ مَيْلٌ إلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي الرَّفْعِ الْأَوَّلِ. وَيَقُولُ فِي الثَّانِي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَاتُ خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهَذَا الْمَاوَرْدِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ وَكَذَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ كَجٍّ، وَلَكِنْ نَصَّ الْأُمُّ، وَمُخْتَصَرُ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيِّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِيهِمَا، وَاعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِي عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ، وَالرَّافِعِيِّ وَلَكِنْ بَعْضُهُمْ أَوَّلَهَا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَالِثٍ) جَعَلَ الْإِسْنَوِيُّ الْخِلَافَ ثَابِتًا فِي زِيَادَةِ رَابِعٍ وَخَامِسٍ، لِوُرُودِهِمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَمَنَعَ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَى الْخَامِسِ قَطْعًا. قَوْلُهُ: (مِنْ الرُّكُوعَيْنِ) أَيْ فَلَيْسَ الضَّمِيرُ عَائِدًا لِلرُّكُوعِ الثَّالِثِ لِفَسَادِهِ. قَوْلُهُ:
стр. 362
(لِلِانْجِلَاءِ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي يُزَادُ وَيُنْقَصُ مَا ذَكَرَ لِمَا ذُكِرَ وَيَجْرِي الْوَجْهَانِ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ إذَا بَقِيَ الْكُسُوفُ بَعْدَ السَّلَامِ. وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ. وَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ ثَلَاثَةُ رُكُوعَاتٍ» ، وَفِي أُخْرَى لَهُ أَرْبَعَةُ رُكُوعَاتٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ خَمْسَةُ رُكُوعَاتٍ، أَجَابَ الْأَئِمَّةُ عَنْهَا بِأَنَّ رِوَايَاتِ الرُّكُوعَيْنِ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ، فَقُدِّمَتْ. وَمَا فِي حَدِيثَيْ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ» ، أَيْ مِنْ غَيْرِ تَكْرِيرِ رُكُوعٍ، كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَجَابَ عَنْهُمَا أَصْحَابُنَا بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ أَحَادِيثَنَا أَشْهَرُ وَأَصَحُّ وَأَكْثَرُ رُوَاةً، وَالثَّانِي أَنَّا نَحْمِلُ أَحَادِيثَنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْحَدِيثَيْنِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، قَالَ: فَفِيهِ تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَنَحْوِهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِلْكُسُوفِ وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ اهـ. وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ امْتِنَاعِ نَقْصِ رُكُوعٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ قَصَدَ فِعْلَهَا بِالرُّكُوعَيْنِ، وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأُمِّ أَنَّ مَنْ صَلَّى الْكُسُوفَ وَحْدَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ صَلَّاهَا مَعَهُ
. (وَالْأَكْمَلُ) فِيهَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ (أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) وَمَا يَتَقَدَّمُهَا مِنْ دُعَاءِ الِافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ. (الْبَقَرَةَ) أَوْ قَدْرَهَا إنْ لَمْ يُحْسِنْهَا.
(وَفِي الثَّانِي كَمِائَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مِائَةً وَخَمْسِينَ) مِنْهَا (وَالرَّابِعِ مِائَةً تَقْرِيبًا) وَفِي نَصٍّ آخَرَ لِلثَّانِي آلَ عِمْرَانَ أَوْ قَدْرَهَا، وَفِي الثَّالِثِ النِّسَاءَ أَوْ قَدْرَهَا، وَفِي الرَّابِعِ الْمَائِدَةَ أَوْ قَدْرَهَا وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ لِلْقِرَاءَةِ فِي الْقَوْمَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ فِي الرَّوْضَةِ. قَالَ: وَهُمَا الْوَجْهَانِ فِي التَّعَوُّذِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَيْ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاسْتِحْبَابُ. (وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ قَدْرَ مِائَةٍ مِنْ الْبَقَرَةِ وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيبًا) وَيَقُولُ فِي الرَّفْعِ مِنْ كُلِّ رُكُوعٍ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ
ــ
[حاشية قليوبي]
لِأَجْلِ مُقَابِلِ الْأَصَحِّ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ الْمَنْعُ) أَيْ فُرَادَى لِمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (فَقُدِّمَتْ) لِأَنَّهَا الْمُتَيَقَّنَةُ وَغَيْرُهَا مُحْتَمَلٌ إذْ لَمْ يُرِدْ تَكَرُّرَ فِعْلِهَا مِنْهُ ﷺ
بِعَدَدِ الرِّوَايَاتِ. وَحِينَئِذٍ فَيَمْتَنِعُ غَيْرُهَا ابْتِدَاءً وَدَوَامًا وَالْجَوَابُ بِحَمْلِ الرِّوَايَاتِ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، بَلْ هُوَ سَبْقُ قَلَمٍ لِاقْتِضَائِهِ جَوَازَ فِعْلِهَا بِأَكْثَرَ مِنْ رُكُوعَيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. قَوْلُهُ: (أَشْهُرُ وَأَصَحُّ) فَامْتَنَعَ غَيْرُهَا مِمَّا فِيهِ زِيَادَةٌ لَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فَيَجُوزُ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَعَ مَا بَعْدَهُ. كَمَا مَشَى عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ: (وَحْدَهُ) وَكَذَا جَمَاعَةً كَمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مِنْ جَوَازِ إعَادَتِهَا فِي جَمَاعَةٍ
. قَوْلُهُ: (وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ) وَإِنْ عَلِمَ الِانْجِلَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَرْضَ الْمَأْمُومُونَ أَوْ لَمْ يَنْحَصِرُوا، نَعَمْ يُخَفِّفُ لِنَحْوِ ضِيقِ وَقْتِ جُمُعَةٍ. قَوْلُهُ: (قَدْرَهَا) أَيْ الْبَقَرَةِ وَهِيَ مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسِتُّ آيَاتٍ، وَآلُ عِمْرَانَ مِائَتَا آيَةٍ، وَالنِّسَاءُ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ وَسِتُّ آيَاتٍ، وَالْمَائِدَةُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ آيَةً. فَالْمُرَادُ مِنْ الْقَدْرِ فِي الْجَمِيعِ الْآيَاتُ الْمُعْتَدِلَةُ. قَوْلُهُ: (وَهُمَا) أَيْ النَّصَّانِ الْمَذْكُورَانِ مُتَقَارِبَانِ، إذْ السُّورَةُ الثَّالِثَةُ تَزِيدُ عَلَى مُقَابِلِهَا بِنَحْوِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ آيَةً، وَالرَّابِعَةُ تَزِيدُ عَلَى مُقَابِلِهَا بِنَحْوِ عِشْرِينَ آيَةً. قَوْلُهُ: (فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ) قَيَّدَ بِهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ طَلَبِ الْقِرَاءَةِ كَمَا هُنَا. قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: (وَيُسَبِّحُ) وَإِنْ عَلِمَ الِانْجِلَاءَ
ــ
[حاشية عميرة]
وَالثَّانِي يُزَادُ) هُوَ مُمْكِنٌ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ: لَعَلَّ وَجْهَهُ فِيهَا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِامْتِدَادِهِ. قَوْلُهُ: (بِأَنَّ رِوَايَاتِ الرُّكُوعَيْنِ إلَخْ) اُنْظُرْ لَوْ قُلْنَا بِالْجَوَازِ وَأَحْرَمَ، وَأَطْلَقَ هَلْ يَنْصَرِفُ إلَى النَّوْعِ الَّذِي فِي الْمَتْنِ. قَوْلُهُ: (وَالْحَدِيثَيْنِ) الْمُرَادُ بِهِمَا حَدِيثُ أَبِي دَاوُد وَغَيْرُهُ الْمَأْخُوذَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ، وَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُنَافِي إلَخْ) جَوَابٌ عَنْ اعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ، بِأَنَّهُ إذَا امْتَنَعَ النَّقْصُ بِسَبَبِ الِانْجِلَاءِ، لِتَعُودَ إلَى رَكْعَتَيْنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ، فَلَأَنْ يَمْتَنِعَ ذَلِكَ بِلَا سَبَبٍ أَوْلَى، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ فِيمَا سَلَفَ هَذَا أَقَلُّهَا، كَمَا فِي الرَّوْضَةِ يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَقَلِّ الْكَمَالِ، لِئَلَّا يُنَافِيَ مَا تَقَرَّرَ عَنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
(فَرْعٌ) لَوْ نَوَاهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَنْ يَزِيدَ رُكُوعًا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَالظَّاهِرُ الْجَوَازُ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ، وَهُوَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ قُوَّةِ كَلَامِ الشَّارِحِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ إلَخْ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ أَنَّ التَّطْوِيلَ مَطْلُوبٌ وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُونَ غَيْرَ مَحْصُورِينَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (كَمِائَتَيْ آيَةٍ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُرِيدَ الْآيَاتِ الْمُتَوَسِّطَةَ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ. قَوْلُهُ: (وَهُمَا مُتَقَارِبَانِ) قَدْ يُقَالُ كَيْفَ التَّقَارُبُ فِي الْقِيَامِ الثَّالِثِ، إلَّا أَنْ يُعْتَذَرَ بِأَنَّ مِائَةً وَخَمْسِينَ مِنْ الْبَقَرَةِ، قَدْ تَكُونُ آيَاتُهَا مُقَارِبَةً لِلنِّسَاءِ، وَفِيهِ
стр. 363
إلَى آخِرِهِ رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى» . قَالَ مُسْلِمٌ: «وَالنَّاسُ مَعَهُ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ انْجَلَتْ الشَّمْسُ» .
وَرَوَيَا أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ قَرَأَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي قِرَاءَةً طَوِيلَةً، وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، وَأَنَّهُ قَالَ فِي الرَّفْعِ مِنْ الرُّكُوعَيْنِ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» . (وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الْأَصَحِّ) كَالْجُلُوسِ بَيْنَهَا وَالِاعْتِدَالِ وَالتَّشَهُّدِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْأَصْحَابِ، وَحَكَى فِيهِ وَفِي الرَّوْضَةِ الْخِلَافَ قَوْلَيْنِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ: فِيهِ قَوْلَانِ، وَيُقَالُ وَجْهَانِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ الْأَظْهَرَ وَقِيسَ مُقَابِلُهُ عَلَى الرُّكُوعِ. (قُلْت: الصَّحِيحُ تَطْوِيلُهَا) كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ. (ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) فِي صَلَاتِهِ ﷺ لِكُسُوفِ الشَّمْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَلَفْظُهُ: «فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْته قَطُّ يَفْعَلُهُ فِي صَلَاتِهِ» ، وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَفْظُهَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، فَسَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا، وَفِي الثَّانِيَةِ: ثُمَّ سَجَدَ وَهُوَ دُونَ السُّجُودِ الْأَوَّلِ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «مَا رَكَعْت رُكُوعًا قَطُّ وَلَا سَجَدْت سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ» . وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ تَطْوِيلَ السُّجُودِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ. (وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيِّ أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ الْبَغَوِيّ: فَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ كَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، وَالسُّجُودُ الثَّانِي كَالرُّكُوعِ الثَّانِي، وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ
(وَتُسَنُّ جَمَاعَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ الْمُحَوَّلِ عَنْ نَائِبِ الْفَاعِلِ أَيْ تُسَنُّ الْجَمَاعَةُ فِيهَا وَيُنَادَى لَهَا الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ كَمَا «فَعَلَهَا ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ جَمَاعَةً، وَبَعَثَ لَهَا مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ» . رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ، وَتُسَنُّ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَتُسَنُّ فِي الْجَامِعِ.
(وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ) لِأَنَّ الْأُولَى فِي اللَّيْلِ، وَالثَّانِيَةَ فِي النَّهَارِ، وَمَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ
ــ
[حاشية قليوبي]
كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (انْخَسَفَتْ الشَّمْسُ) وَصَحَّ أَنَّهُ انْخَسَفَ الْقَمَرُ أَيْضًا وَصَلَّى لَهُ وَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَالِاعْتِدَالِ) وَمَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّهُ طَوِيلٌ شَاذٌّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ. قَوْلُهُ: (فِي الْمُحَرَّرِ الْأَظْهَرَ إلَخْ) فَالْمُصَنِّفُ لَمْ يُوَافِقْ فِي تَعْبِيرِهِ الْوَاقِعِ وَلَا أَصْلِهِ.
قَوْلُهُ: (وَالصَّحِيحُ) الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْأَصَحِّ كَمَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، أَوْ بِالْأَظْهَرِ لِأَنَّ الْخِلَافَ أَقْوَالٌ كَمَا مَرَّ، إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِمَعْنَى الرَّاجِحِ أَوْ يُقَالَ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى رَدِّ تَعْبِيرِ الرَّافِعِيِّ بِالْأَظْهَرِ الْمُشْعِرِ بِقُوَّةِ الْخِلَافِ. وَعَلَى كُلٍّ فَهُوَ خِلَافُ اصْطِلَاحِهِ. قَوْلُهُ: (ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ) فِي هَذَا أَوْ مَا سَيَأْتِي بِقَوْلِهِ: وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ إلَخْ رَدٌّ عَلَى الرَّافِعِيِّ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ النَّصَّ مُقَدَّمٌ. قَوْلُهُ: (فِي الْبُوَيْطِيِّ) نِسْبَةً إلَى بُوَيْطَ قَرْيَةٍ بِصَعِيدِ مِصْرَ الْأَدْنَى، وَهُوَ أَبُو يَعْقُوبَ يُوسُفُ بْنُ يَحْيَى الْقُرَشِيُّ، كَانَ خَلِيفَةَ الشَّافِعِيِّ ﵁ فِي حَلْقَتِهِ، مَاتَ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (فَالسُّجُودُ الْأَوَّلُ كَالرُّكُوعِ الْأَوَّلِ وَالسُّجُودُ الثَّانِي كَالرُّكُوعِ الثَّانِي) وَهَكَذَا فَيُسَبِّحُ قَدْرَ مِائَةِ آيَةٍ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ وَغَيْرِهِ فِي الْأَوَّلِ، ثُمَّ ثَمَانِينَ فِي الثَّانِي، ثُمَّ سَبْعِينَ فِي الثَّالِثِ، ثُمَّ خَمْسِينَ فِي الرَّابِعِ أَوْ بِبَعْضٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُطِيلُ الِاعْتِدَالَ وَلَا الْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اتِّفَاقًا. قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَهُ) يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى كَلَامِ الْبَغَوِيّ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى الْحُكْمِ كُلِّهِ
. قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ جَمَاعَةً) وَغَيْرَ جَمَاعَةٍ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ. وَكَذَا فِي حُضُورِ النِّسَاءِ
ــ
[حاشية عميرة]
نَظَرٌ بِاعْتِبَارِ الْمِائَتَيْنِ فِي الثَّانِي. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ قَرَأَ) صَرَّحَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي، بِخِلَافِ الْأُولَى. قَوْلُهُ: (وَالِاعْتِدَالُ) قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَطْوِيلُ الِاعْتِدَالِ، لَكِنْ أَجَابَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ، مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ. قَوْلُهُ: (وَأَطْلَقَ فِي الْمُحَرَّرِ الْأَظْهَرَ) أَيْ لَمْ يَقُلْ أَظْهَرَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَلَيْتَ الْمُؤَلِّفَ تَرَكَ مَا فِي الْمُحَرَّرِ عَلَى حَالِهِ، أَيْ لِيُفِيدَ أَنَّ الْخِلَافَ قَوْلَانِ: مُوَافَقَةٌ لِاصْطِلَاحِهِ، وَلِمَا فِي الشَّرْحَيْنِ وَالرَّوْضَةِ. قَوْلُهُ: (وَاخْتَارَهُ فِي الرَّوْضَةِ) يُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى مَقَالَةِ الْبَغَوِيّ، وَيُحْتَمَلُ عَوْدُهُ إلَى الْحُكْمِ كُلِّهِ.
قَوْلُهُ: (بِالنَّصْبِ إلَخْ) دَفْعٌ لِاعْتِرَاضِ الْإِسْنَوِيِّ عَلَى نَصْبِهَا حَالًا، أَوْ رَفْعِهَا الْمُحْوِجِ إلَى
стр. 364
«أَنَّهُ ﷺ جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ» ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ فِي كُسُوفٍ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا» ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْإِسْرَارَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَالْجَهْرَ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ.
(ثُمَّ) بَعْدَ الصَّلَاةِ (يَخْطُبُ الْإِمَامُ) كَمَا فَعَلَ ﷺ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (خُطْبَتَيْنِ بِأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ) قِيَاسًا عَلَيْهَا (وَيَحُثُّ) النَّاسَ فِيهِمَا (عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ) قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْإِعْتَاقِ وَالصَّدَقَةِ وَيُحَذِّرُهُمْ الْغَفْلَةَ وَالِاغْتِرَارَ، فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ» ، وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ، وَلَا تَخْطُبُ إمَامَةُ النِّسَاءِ، وَلَوْ قَامَتْ وَاحِدَةٌ وَعَظَتْهُنَّ فَلَا بَأْسَ.
(وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلٍ) مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ.
(أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) كَمَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ (أَوْ فِي) رُكُوعٍ (ثَانٍ أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ) مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ (فَلَا) يُدْرِكُ الرَّكْعَةَ أَيْ شَيْئًا مِنْهَا (فِي الْأَظْهَرِ) لِأَنَّ الرُّكُوعَ الثَّانِيَ وَقِيَامَهُ كَالتَّابِعِ لِلْأَوَّلِ وَقِيَامِهِ، وَالثَّانِي يُدْرِكُ مَا لَحِقَ بِهِ الْإِمَامُ وَيُدْرِكُ بِالرُّكُوعِ الْقَوْمَةَ الَّتِي قَبْلَهُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ هُوَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ وَاعْتَدَلَ وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ، وَسَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ وَقَرَأَ وَرَكَعَ ثُمَّ أَتَى بِالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ بِرُكُوعِهَا، وَضَعُفَ هَذَا الْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِتْيَانَ فِيهِ بِقِيَامٍ وَرُكُوعٍ مِنْ غَيْرِ سُجُودٍ مُخَالِفٌ لِنَظْمِ الصَّلَاةِ.
(وَتَفُوتُ صَلَاةُ) كُسُوفِ (الشَّمْسِ بِالِانْجِلَاءِ) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِهَا، وَقَدْ حَصَلَ. وَلَوْ انْجَلَى بَعْضُهَا فَلَهُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ لِلْبَاقِي كَمَا لَوْ لَمْ يَنْكَشِفْ مِنْهَا إلَّا ذَلِكَ الْقَدْرُ، وَلَوْ حَالَ سَحَابٌ، وَشَكَّ فِي الِانْجِلَاءِ صَلَّى لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْكُسُوفِ، وَلَوْ كَانَتْ تَحْتَ غَمَامٍ فَظَنَّ الْكُسُوفَ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ. (وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً) لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الْغُرُوبِ.
(وَ) تَفُوتُ صَلَاةُ كُسُوفِ. (الْقَمَرِ بِالِانْجِلَاءِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَطُلُوعِ الشَّمْسِ) لِعَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ بَعْدَ طُلُوعِهَا (لَا) طُلُوعِ
ــ
[حاشية قليوبي]
فِيهَا
. قَوْلُهُ: (يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَخْ) هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ ﷺ
صَلَّى لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ يَخْطُبُ) فَلَوْ قَدَّمَهَا لَمْ تَصِحَّ وَيَحْرُمُ إنْ قَصَدَهَا كَمَا فِي الْعِيدِ، وَلَا يُنْدَبُ فِيهَا وَلَا فِي صَلَاتِهَا اسْتِغْفَارٌ، وَلَا تَكْبِيرٌ وَلَا تَكْفِي خُطْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَيُنْدَبُ هُنَا ثِيَابُ الْبِذْلَةِ وَالْمِهْنَةِ، وَعَدَمُ التَّزَيُّنِ وَغَيْرُ ذَلِكَ كَمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ. قَوْلُهُ: (وَيُحَرِّضُهُمْ) الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ أَوْ قَاضِي الْمَحَلِّ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يَأْتِي، وَيَجِبُ مَا ذَكَرَ بِالْأَمْرِ كَمَا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَسَيَأْتِي مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: (وَيَخْطُبُ إمَامُ الْمُسَافِرِينَ) وَكَذَا إمَامُ الْعَبِيدِ وَالصِّبْيَانِ. وَكَذَا إمَامُ النِّسَاءِ كَمَا مَرَّ فِي الْعِيدِ
. قَوْلُهُ: (أَيْ شَيْئًا مِنْهَا) يُشِيرُ إلَى أَنَّ عَدَمَ إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ لَا خِلَافَ فِيهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ أَتَى إلَخْ) فَعَلَيْهِ يَتَوَالَى ثَلَاثُ قِيَامَاتٍ وَثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ.
قَوْلُهُ: (وَتَفُوتُ صَلَاةُ إلَخْ) وَيَلْزَمُهُ فَوَاتُ الْخُطْبَةِ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ فَلَوْ انْجَلَتْ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَفُتْ الْخُطْبَةُ وَعَلَى هَذِهِ يُحْمَلُ مَا فِي الْمَنْهَجِ، وَشَرْحِ شَيْخِنَا وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهَا وَعْظٌ، وَقَوْلُ شَيْخِنَا بِعَدَمِ فَوَاتِ الْخُطْبَةِ فِي الْحَالِ الْأُولَى فِيهِ نَظَرٌ فَرَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (بِالِانْجِلَاءِ) أَيْ التَّامِّ يَقِينًا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا فَلَهُ الشُّرُوعُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ فَإِنْ تَبَيَّنَ الِانْجِلَاءُ قَبْلَ الشُّرُوعِ بَطَلَتْ إنْ كَانَ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَإِلَّا وَقَعَتْ نَفْلًا إنْ فَعَلَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يَضُرُّ الِانْجِلَاءُ فِي أَثْنَائِهَا، قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَلَا تُوصَفُ بِأَدَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ، ثُمَّ قَالَ وَلَا مَانِعَ مِنْ وَصْفِهَا بِذَلِكَ كَغَيْرِهَا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ قَبْلَ الِانْجِلَاءِ أَوْ دُونَهَا. قَوْلُهُ: (صَلَّى) وَإِنْ قَالَ الْمُنَجِّمُونَ إنَّهَا انْجَلَتْ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَسْتَيْقِنَ) يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الشُّرُوعُ فِي الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ الْكُسُوفِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي ظَنُّهُ أَيْضًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَخْبَارِ عَدَدِ التَّوَاتُرِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي خَبَرُ عَدْلَيْنِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ، وَلَا عَدَدُ التَّوَاتُرِ عَنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحْسُوسٍ. وَمِنْهُ إخْبَارُ الْمُنَجِّمِينَ سَوَاءٌ أَخْبَرُوا بِوُجُودِهِ أَوْ دَوَامِهِ. هَكَذَا عَنْ شَيْخِنَا تَبَعًا لِشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ. وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: وَلِيَ بِهِ أُسْوَةٌ أَنَّهُ يَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِخَبَرِ عَدْلٍ وَلَوْ عَنْ غَيْرِهِ مُشَاهَدَةً بَلْ وَبِخَبَرِ نَحْوِ صَبِيٍّ اعْتَقَدَ صِدْقَهُ،
ــ
[حاشية عميرة]
التَّقْدِيرِ
. قَوْلُهُ: (وَالْجَهْرُ فِي كُسُوفِ الْقَمَرِ) أَيْ فَيَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ صَلَّى لِكُسُوفِ الْقَمَرِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ فِي ثَانٍ أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ إلَخْ) وَأَمَّا بَعْدَهُمَا فَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ سِوَى الْجَمَاعَةِ. قَوْلُهُ: (أَيْ شَيْئًا مِنْهَا) هِيَ عِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَهِيَ أَوْضَحُ. قَوْلُهُ: (قَامَ هُوَ إلَخْ) أَيْ وَلَا يَسْجُدُ، لِأَنَّهُ إذَا أَدْرَكَ بِالرُّكُوعِ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْقِيَامِ فَلَأَنْ يَحْصُلَ لَهُ السُّجُودُ الَّذِي فَعَلَهُ بِالْأَوْلَى
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَفُوتُ صَلَاةُ كُسُوفِ الشَّمْسِ إلَخْ) . بِمَعْنَى يَمْتَنِعُ فِعْلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، لَا بِمَعْنَى فَوَاتِ الْأَدَاءِ.
стр. 365
(الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ) لِبَقَاءِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ وَالْقَدِيمُ تَفُوتُ بِهِ لِذَهَابِ اللَّيْلِ. (وَلَا بِغُرُوبِهِ) قَبْلَ الْفَجْرِ. (خَاسِفًا) كَمَا لَوْ اسْتَتَرَ بِغَمَامٍ وَلَوْ خَسَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ صَلَّى فِي الْجَدِيدِ غَابَ أَمْ لَا، وَقِيلَ إنْ لَمْ يَغِبْ صَلَّى قَطْعًا، وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْفَجْرِ أَوْ بَعْدَهُ وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ فِي أَثْنَائِهَا لَمْ تَبْطُلْ كَمَا لَوْ انْجَلَى الْكُسُوفُ فِي الْأَثْنَاءِ.
(وَلَوْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ قُدِّمَ الْفَرْضُ) الْجُمُعَةُ أَوْ غَيْرُهَا (إنْ خِيفَ فَوْتُهُ) لِضِيقِ وَقْتِهِ فَفِي الْجُمُعَةِ يَخْطُبُ لَهَا ثُمَّ يُصَلِّيهَا، ثُمَّ يُصَلِّي الْكُسُوفَ ثُمَّ يَخْطُبُ لَهَا. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ الْفَرْضِ (فَالْأَظْهَرُ تَقْدِيمُ الْكُسُوفِ) لِتَعَرُّضِهَا لِلْفَوَاتِ بِالِانْجِلَاءِ (ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ) فِي صُورَتِهَا (مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُ وَالْجُمُعَةَ بِالْخُطْبَتَيْنِ لِأَنَّهُ تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ. (ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ) وَالثَّانِي يُقَدِّمُ الْجُمُعَةَ أَوْ الْفَرْضَ الْآخَرَ لِأَنَّهُمَا أَهَمُّ.
(وَلَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ)
ــ
[حاشية قليوبي]
كَمَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ. وَالتَّعْلِيلُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ هُنَا لِلِاحْتِيَاطِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الَّتِي لَا نَظِيرَ لَهَا مَمْنُوعٌ بِمَا مَرَّ مِنْ جَوَازِ الشُّرُوعِ فِيهَا مَعَ الشَّكِّ فِي الِانْجِلَاءِ مَعَ أَنَّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمَنْعِ فِيهَا إذَا فَعَلَهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ: (لِبَقَاءِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ) أَيْ لِبَقَاءِ وَقْتِ الِانْتِفَاعِ بِضَوْئِهِ فَلَهُ الشُّرُوعُ بَعْدَ الْفَجْرِ وَإِنْ غَرَبَ كَاسِفًا قَبْلَهُ، وَيَجْهَرُ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ
. قَوْلُهُ: (أَوْ فَرْضٌ آخَرُ) وَلَوْ مَنْذُورًا لِأَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ. قَوْلُهُ: (تَقْدِيمُ الْكُسُوفِ) أَيْ صَلَاتِهِ، وَيُنْدَبُ تَخْفِيفُهَا بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ قَصِيرَةٍ، وَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ، وَالْأَوْلَى صَلَاتُهَا كَسُنَّةِ الظُّهْرِ وَيُؤَخِّرُ خُطْبَتَهَا لِمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ كَمَا فِي تَحْرِيرِ الْعِرَاقِيِّ. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصِدَهُ إلَخْ) بَلْ يَجِبُ قَصْدُ الْجُمُعَةِ هُنَا وَحْدَهَا لِوُجُودِ الصَّارِفِ، فَلَا تَصِحُّ مَعَ الْإِطْلَاقِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. وَالْمُرَادُ الْقَصْدُ فِي الْأَرْكَانِ فَلَا يَتَنَاقَضُ بِقَوْلِهِ: مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ لِأَنَّهُ فِيمَا بَيْنَ الْأَرْكَانِ. وَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَسْقُطُ خُطْبَةُ الْكُسُوفِ اسْتِغْنَاءً بِالتَّعَرُّضِ الْمَذْكُورِ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَيَظْهَرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكُسُوفِ لَا تَفُوتُ خُطْبَتُهُ، وَلَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فَلْيُرَاجَعْ.
قَوْلُهُ: (تَشْرِيكٌ بَيْنَ فَرْضٍ وَنَفْلٍ) أَيْ نَفْلٍ مَقْصُودٍ فَخَرَجَ بِذَلِكَ مَا لَوْ اجْتَمَعَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ فَهُوَ كَاجْتِمَاعِ الْفَرْضِ مَعَ الْكُسُوفِ لَكِنْ لَهُ أَنْ يُوَالِيَ الصَّلَاتَيْنِ وَيُؤَخِّرَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَحِينَئِذٍ فَلَهُ أَنْ يَقْصِدَهُمَا مَعًا بِالْخُطْبَةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَبِذَلِكَ فَارَقَ عَدَمَ صِحَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ سُنَّتَيْنِ مَقْصُودَتَيْنِ مِنْ الصَّلَوَاتِ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَفِيهِ نَظَرٌ، مَعَ مَنْعِهِ ذَلِكَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ كَمَا مَرَّ قَبْلَهُ
. قَوْلُهُ: (قُدِّمَتْ) أَيْ الْجِنَازَةُ وُجُوبًا إنْ خِيفَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ وَإِنْ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَوْ فَرْضًا وَلَوْ جُمُعَةً، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ تَغَيُّرُهُ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ وُجُوبًا أَيْضًا إنْ اتَّسَعَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَلَوْ فَرْضًا فَإِنْ خِيفَ خُرُوجُ وَقْتِ الْفَرْضِ قُدِّمَ عَلَيْهَا. وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ إذَا اجْتَمَعَ صَلَوَاتٌ فَعِنْدَ أَمْنِ الْفَوَاتِ تُقَدَّمُ الْجِنَازَةُ ثُمَّ الْكُسُوفُ ثُمَّ الْفَرِيضَةُ أَوْ الْعِيدُ، وَعِنْدَ خَوْفِ الْفَوَاتِ تُقَدَّمُ الْفَرِيضَةُ ثُمَّ الْجِنَازَةُ إلَّا مَعَ خَوْفِ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ كَمَا مَرَّ. ثُمَّ الْعِيدُ ثُمَّ الْكُسُوفُ تَقْدِيمًا لِلْأَخْوَفِ، فَالْآكَدُ أَيْ بَعْدَ تَقْدِيمِ الْأَهَمِّ الَّذِي هُوَ الْفَرْضُ وَلَوْ قَالَ قُدِّمَ مَا يُخَافُ فَوْتُهُ مُطْلَقًا ثُمَّ الْأَهَمُّ فَالْأَخْوَفُ. فَالْآكَدُ لَكَانَ أَوْلَى وَلَا مَانِعَ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ مَعَ الْعِيدِ أَوْ بِفَرْضِ وُقُوعِهِ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قُدِّمَ الْكُسُوفُ عَلَى الْفَرْضِ صَلَّى الْفَرْضَ ثُمَّ خَطَبَ لِلْكُسُوفِ.
ــ
[حاشية عميرة]
(تَنْبِيهٌ) تَقْيِيدُهُ الْفَوَاتَ بِالصَّلَاةِ، يَقْتَضِي أَنَّ الْخُطْبَةَ لَا تَفُوتُ بِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (قَبْلَ الْفَجْرِ) لَا يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا قِيلَ: إنَّ الْقَمَرَ لَا يَخْسِفُ إلَّا فِي لَيْلَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ، أَوْ الرَّابِعَ عَشَرَ، وَهُوَ فِيهِمَا لَا يَغِيبُ قَبْلَ الْفَجْرِ، لِأَنَّ هَذَا قَوْلُ الْمُنَجِّمِينَ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] ، وَلِأَنَّ الْفَقِيهَ يَفْرِضُ الْمَسَائِلَ لِلتَّدْرِيبِ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَسَفَ بَعْدَ الْفَجْرِ إلَخْ) لَوْ غَابَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، قَالَ فِي الْكِفَايَةِ، فَيَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، فِيمَا لَوْ غَابَ بَعْدَ الْفَجْرِ خَاسِفًا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (تَقْدِيمُ الْكُسُوفِ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَعَلَى هَذَا يَقْرَأُ فِي كُلِّ قِيَامٍ بِالْفَاتِحَةِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَمَا أَشْبَهَهَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
(تَنْبِيهٌ) إذَا قُدِّمَ الْكُسُوفُ عَلَى فَرْضٍ غَيْرِ الْجُمُعَةِ، فَظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ أَيْضًا، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ لِأَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالِانْجِلَاءِ، وَأَيْضًا فَقَوْلُهُمْ يَقْتَصِرُ عَلَى الْفَاتِحَةِ إلَخْ. يُرْشِدُ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ رَأَيْت فِي تَحْرِيرِ الْعِرَاقِيِّ نَقْلًا عَنْ التَّنْبِيهِ، أَنَّهُ يُصَلِّي الْكُسُوفَ ثُمَّ الْفَرْضَ ثُمَّ يَخْطُبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُدِّمَتْ) أَيْ إنْ حَضَرَ وَلِيُّهَا؛ وَغَيْرُ الْجُمُعَةِ مِنْ الْفِرَاضِ كَالْجُمُعَةِ، وَمِنْ ثَمَّ تَعْلَمُ أَنَّ النَّاسَ مُخْطِئُونَ فِيمَا يَفْعَلُونَهُ الْآنَ، مِنْ تَأْخِيرِ الْجِنَازَةِ مَعَ اتِّسَاعِ وَقْتِ الْفَرْضِ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ: وَهَذَا خَطَأٌ يَجِبُ اجْتِنَابُهُ اهـ.
стр. 366
لِمَا يُخَافُ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ بِتَأَخُّرِهَا، وَإِنْ اجْتَمَعَ جُمُعَةٌ وَجِنَازَةٌ وَلَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ قُدِّمَتْ الْجِنَازَةُ، وَإِنْ ضَاقَ قُدِّمَتْ الْجُمُعَةُ، وَلَوْ اجْتَمَعَ خُسُوفٌ وَوِتْرٌ قُدِّمَ الْخُسُوفُ وَإِنْ خِيفَ فَوَاتُ الْوِتْرِ لِأَنَّهَا آكَدُ.
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ أَيْ طَلَبُ السُّقْيَا، وَسَيَأْتِي أَنَّهَا رَكْعَتَانِ. (هِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ) لِانْقِطَاعِ مَاءِ الزَّرْعِ أَوْ قِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي بِخِلَافِ انْقِطَاعِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَوْ انْقَطَعَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَاجَتْ سُنَّ لِغَيْرِهِمْ أَيْضًا أَنْ يُصَلُّوا وَيَسْتَسْقُوا لَهُمْ وَيَسْأَلُوا الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَسَوَاءٌ فِي سَنِّهَا أَهْلُ الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْبَوَادِي وَالْمُسَافِرُونَ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي الْحَاجَةِ وَقَدْ فَعَلَهَا ﷺ ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا إنْ لَمْ يُسْقَوْا) حَتَّى يَسْقِيَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ تَأَهَّبُوا لِلصَّلَاةِ فَسُقُوا قَبْلَهَا اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيُصَلُّونَ عَلَى الصَّحِيحِ) شُكْرًا. وَالثَّانِي اسْتَنَدَ إلَى «أَنَّهُ ﷺ مَا صَلَّى هَذِهِ الصَّلَاةَ إلَّا عِنْدَ
ــ
[حاشية قليوبي]
فَرْعٌ) قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يُقَدِّمُ عَرَفَةَ إذَا خِيفَ فَوْتُهَا عَلَى انْفِجَارِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الصَّلَاةُ عَلَى الْقَبْرِ بِلَا مَشَقَّةٍ بِخِلَافِ قَضَاءِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَشُقُّ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ الَّتِي وُقُوعُهَا نَادِرٌ عَنْ الْكُسُوفِ، يُقَالُ: سَقَاهُ وَأَسْقَاهُ بِمَعْنًى. وَيُقَالُ: سَقَاهُ لِلْخَيْرِ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] . وَأَسْقَاهُ لِغَيْرِهِ ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] وَشُرِعَتْ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ.
وَيَظْهَرُ أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (طَلَبُ السُّقْيَا) أَيْ لُغَةً مِنْ اللَّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ فَسِينُهَا لِلطَّلَبِ وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ، وَشَرْعًا طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ حَاجَتِهِمْ، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَدْنَاهَا مُطْلَقُ الدُّعَاءِ، وَيَلِيهِ الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ نَفْلًا، وَأَعْلَاهَا الصَّلَاةُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْآتِيَةِ. قَوْلُهُ: (وَسَيَأْتِي إلَخْ) هُوَ بَيَانٌ لِمَرْجِعِ الضَّمِيرِ بِقَوْلِهِ هِيَ سُنَّةٌ أَيْ مُؤَكَّدَةٌ. قَوْلُهُ: (لِانْقِطَاعِ مَاءٍ) وَكَذَا لِمُلُوحَتِهِ، وَنَحْوِهَا وَالزَّرْعُ لَيْسَ قَيْدًا فَالْوَجْهُ إسْقَاطُهُ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ انْقَطَعَ إلَخْ) هُوَ مِمَّا دَخَلَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَتَوَهَّمَ فِي الْمَنْهَجِ أَنَّ الشَّارِحَ أَوْرَدَهُ عَلَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَجَعَلَهُ مِنْ زِيَادَتِهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ فِيهَا نَفْعٌ لَهُمْ فَلَا تَخْلُو عَنْ حَاجَةٍ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (عَنْ طَائِفَةٍ) أَيْ غَيْرِ أَهْلِ بِدْعَةٍ أَوْ بَغْيٍ. قَوْلُهُ: (وَالْمُسَافِرُونَ) وَكَذَا النِّسَاءُ وَالْعَبِيدُ وَالصِّبْيَانُ، وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِهِمْ هُنَا لِطَلَبِ خُرُوجِهِمْ فِيمَا يَأْتِي أَوْ لِأَنَّ الْكَامِلِينَ هُمْ الْمَقْصُودُونَ بِالْأَصَالَةِ، وَفِي صَلَاتِهِمْ وَالْخُطْبَةِ لَهُمْ مَا مَرَّ فِي الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَتُعَادُ) وَلَوْ لِمُنْفَرِدٍ فَلَا تَتَقَيَّدُ إعَادَتُهَا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ بَلْ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ ثُمَّ إنْ اشْتَدَّتْ الْحَاجَةُ لَمْ تَتَوَقَّفْ إعَادَتُهَا عَلَى صَوْمٍ وَإِلَّا فَمَعَهُ كَمَا فِي الِابْتِدَاءِ. قَوْلُهُ: (لِلصَّلَاةِ) بِلَا صَوْمٍ أَوْ مَعَهُ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (وَيُصَلُّونَ) أَيْ بِالْهَيْئَةِ الْآتِيَةِ مَعَ الْخُطْبَةِ وَإِنَّمَا لَمْ تَمْتَنِعْ بِفَوَاتِ سَبَبِهَا كَمَا مَرَّ فِي الْكُسُوفِ لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِلنَّاسِ عَنْ وُجُودِ الْغَيْثِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، إذْ لَا يَخْلُو عَمَّنْ
ــ
[حاشية عميرة]
وَقَالَ السُّبْكِيُّ: قَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِمْ تَخَوُّفَ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ، أَنَّ تَقْدِيمَ الْجِنَازَةِ عَلَى الْفَرْضِ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَاجِبٌ اهـ. وَإِذَا ذَهَبَ مَعَهَا الْوَلِيُّ فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْحَمَّالُونَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الصَّدِيقَ وَالصِّهْرَ وَالزَّوْجَ كَذَلِكَ، وَأَمَّا بَاقِي أَهْلِ الْبَلَدِ لَوْ أَرَادُوا التَّوَجُّهَ، وَتَرْكَ الْجُمُعَةِ فَالْوَجْهُ الِامْتِنَاعُ. قَوْلُهُ: (لِمَا يَخَافُ مِنْ تَغَيُّرِ الْمَيِّتِ) أَقُولُ وَلِأَنَّ صَلَاتَهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ.
[بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتُعَادُ إلَخْ) رُوِيَ «أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» ، لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ طَاهِرٍ. نَعَمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي فَإِنْ قِيلَ لِمَ شُرِعَتْ الْإِعَادَةُ، هُنَا دُونَ الْكُسُوفِ كَمَا سَلَفَ، قُلْت: أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِشِدَّةِ الْحَاجَةِ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَثَالِثًا) أَيْ وَأَكْثَرَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالدُّعَاءِ) أَيْ لِطَلَبِ الزِّيَادَةِ. قَوْلُهُ: (شُكْرًا) قَالَ صَاحِبُ الْمُذَاكَرَةِ، وَيَنْوُونَ بِصَلَاتِهِمْ الشُّكْرَ، وَيُبَدِّلُونَ الشِّكَايَةَ بِالشُّكْرِ اهـ.
وَقَوْلُ
стр. 367
الْحَاجَةِ» . وَقَطَعَ بِالْأَوَّلِ الْأَكْثَرُونَ، وَأُجْرِيَ الْوَجْهَانِ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْقَطِعْ الْمَاءُ، وَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا لِلِاسْتِزَادَةِ. (وَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا وَالتَّوْبَةِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) . فِي الدَّمِ وَالْعِرْضِ وَالْمَالِ لِأَنَّ لِكُلٍّ مِمَّا ذُكِرَ أَثَرٌ فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ. (وَيَخْرُجُونَ إلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ وَتَخَشُّعٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ يُصَلِّي الْعِيدَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَقَوْلُهُ: مُتَبَذِّلًا هُوَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ النِّهَايَةِ، مِنْ تَبَذَّلَ أَيْ لَبِسَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَالْبِذْلَةُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ الْمِهْنَةُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَثِيَابُ الْبِذْلَةِ هِيَ الَّتِي تُلْبَسُ فِي حَالِ الشُّغْلِ وَمُبَاشَرَةِ الْخِدْمَةِ وَتَصَرُّفِ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ
. (وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ) لِأَنَّ دُعَاءَهُمْ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ. (وَكَذَا الْبَهَائِمُ فِي الْأَصَحِّ) وَالثَّانِي لَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا إذْ لَيْسَ لَهَا أَهْلِيَّةُ دُعَاءٍ، وَرُدَّ بِحَدِيثِ: «خَرَجَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ يَسْتَسْقِي فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةً بَعْضَ قَوَائِمِهَا إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدْ اُسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجْلِ شَأْنِ النَّمْلَةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ
. (وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ) لِأَنَّهُمْ مُسْتَرْزِقُونَ، وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ. (وَلَا
ــ
[حاشية قليوبي]
يَنْتَفِعُ بِهِ فَكَأَنَّ سَبَبَهَا لَمْ يَفُتْ. كَذَا قِيلَ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (وَالدُّعَاءِ وَيُصَلُّونَ) هُمَا تَفْسِيرٌ لِلشُّكْرِ أَوْ تَفْصِيلٌ لَهُ لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، أَوْ يُصَلُّونَ تَفْسِيرٌ لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ لِاشْتِمَالِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهَا شُكْرٌ وَفِيهَا دُعَاءٌ. قَوْلُهُ: (شُكْرًا) أَيْ تَقَعُ شُكْرًا وَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (لِلِاسْتِزَادَةِ) أَيْ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِهَا وَلَوْ بِلَا حَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ. قَوْلُهُ: (وَيَأْمُرُهُمْ الْإِمَامُ) وَمِثْلُهُ نَائِبُهُ أَوْ قَاضِي الْمَحَلِّ أَوْ مُطَاعٍ فِيهِ أَوْ حَاكِمٌ فِي بَلَدٍ لَا إمَامَ فِيهِ.
وَبِأَمْرِهِ لَهُمْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ مِمَّا يَأْتِي وَيَكْفِي فِيهِ مَا فِي النَّذْرِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ وُجُوبُ ذَلِكَ بِالْأَمْرِ بِالِاسْتِسْقَاءِ، بَلْ كُلُّ مَا لَيْسَ مَعْصِيَةً يَجِبُ بِأَمْرِهِ وَلَوْ مُبَاحًا، وَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ مَنْ خَالَفَهُ لِشَقٍّ وَلَا يَجِبُ شَيْءٌ عَلَى الْإِمَامِ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ، وَيَبْعُدُ إيجَابُ الشَّخْصِ شَيْئًا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِرُجُوعِهِ عَنْ الْأَمْرِ وَلَا بِالسُّقْيَا فِي أَثْنَائِهِ، وَيَجِبُ فِي الصَّوْمِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لَيْلًا وَلَا يَقْضِي إذَا فَاتَ. وَيُجْزِئُ عَنْهُ صَوْمُ غَيْرِهِ وَلَوْ نَفْلًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. وَلَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ فِطْرُهُ وَإِنْ تَضَرَّرَ بِمَا لَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ. قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَخَالَفَهُ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ كَابْنِ حَجَرٍ فَقَالَا: لَا يُجْزِئُ عَنْهُ غَيْرُهُ. وَيَجُوزُ فِطْرُهُ بِمَا يَجُوزُ بِهِ فِطْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ الْوَجْهُ. قَوْلُهُ: (ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) بَلْ أَرْبَعَةٍ بِيَوْمِ الْخُرُوجِ فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرِ وَيَجُوزُ صَوْمُهَا وَلَوْ مِنْ نِصْفِ شَعْبَانَ الثَّانِي لِأَنَّهُ لِسَبَبٍ. قَوْلُهُ: (وَالتَّوْبَةِ) وَوُجُوبُهَا بِالْأَمْرِ تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهَا شَرْعًا وَتَرَدَّدَ شَيْخُنَا فِي وُجُوبِهَا عَلَى مَنْ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (بِوُجُوهِ الْبِرِّ) كَالصَّدَقَةِ وَيَجِبُ مِنْهَا أَقَلُّ مُتَمَوَّلٍ فَإِنْ عَيَّنَ قَدْرًا كَالْفِطْرَةِ فَأَقَلَّ اُعْتُبِرَ بِهَا أَوْ كَالْكَفَّارَةِ اُعْتُبِرَ بِهَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَهُوَ يَشْمَلُ الْكَفَّارَةَ الْعُظْمَى، وَيُعْتَبَرُ فِيهَا بِالْعُمْرِ الْغَالِبِ، وَكَالْعِتْقِ وَيُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ بِمَا فِي الْكَفَّارَةِ بِهِ كَكِفَايَةِ الْعُمْرِ الْغَالِبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَفِّرِ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا. قَوْلُهُ: (وَالْخُرُوجِ إلَخْ) وَالْأَمْرُ بِهِ تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ الشَّرْعِيِّ كَمَا مَرَّ
. قَوْلُهُ: (وَيَخْرُجُونَ إلَخْ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذَا وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسَ مِمَّا دَخَلَ فِي الْأَمْرِ وَإِنَّمَا يُسَنُّ فِعْلُهُ لَهُمْ فِي ذَاتِهِ.
وَفِي شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْأَمْرُ بِهِ كَالصِّيَامِ، لَكِنْ هَلْ يَجِبُ بِأَمْرِهِ بَحَثَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَجِبُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِمَنْدُوبٍ كَمَا مَرَّ، وَنُوزِعَ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ. قَوْلُهُ: (إلَى الصَّحْرَاءِ) أَيْ وَلَوْ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ. قَوْلُهُ: (وَتَخَشُّعٍ) عَطْفٌ عَلَى ثِيَابٍ، وَيُنْدَبُ الْمَشْيُ وَالْحَفَا لَا كَشْفُ الرَّأْسِ وَالْعُرْيُ. قَوْلُهُ: (وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ) وَمُؤْنَةُ إخْرَاجِهِمْ فِي مَالِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُمْ مُؤْنَتُهُمْ، وَمِثْلُهُمْ النِّسَاءُ غَيْرُ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إذْنِ حَلِيلِ ذَاتِ الْحَلِيلِ. وَكَذَا الْعَبِيدُ بِإِذْنِ سَادَاتِهِمْ لَا الْمَجَانِينَ وَإِنْ أَمِنَتْ ضَرَاوَتُهُمْ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا الْبَهَائِمُ) وَتُبْعَدُ أَوْلَادُهَا عَنْهَا لِيَكْثُرَ الصِّيَاحُ وَالضَّجِيجُ. قَوْلُهُ: (نَبِيٌّ) هُوَ سُلَيْمَانُ.
قَوْلُهُ: (نَمْلَةٍ) قِيلَ: اسْمُهَا حَرْمَى، وَقِيلَ طَافِيَةٌ، وَقِيلَ شَاهِدَةٌ، وَكَانَتْ عَرْجَاءَ وَقَالَ الدَّمِيرِيِّ اسْمُهَا عَيْجَلُونَ. قَوْلُهُ: (رَافِعَةً إلَخْ) وَهِيَ مُلْقَاةٌ عَلَى ظَهْرِهَا وَهِيَ تَدْعُو بِقَوْلِهَا: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك لَا غِنَى بِنَا عَنْ رِزْقِك، فَلَا تُهْلِكُنَا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْعِيَةِ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ) أَيْ لَا يَجِبُ مَنْعُهُمْ بَلْ يَنْدُبُ عَلَى أَحَدِ احْتِمَالَيْنِ لِابْنِ حَجَرٍ فَتَمْكِينُهُمْ مِنْ خُرُوجِهِمْ مَكْرُوهٌ كَإِخْرَاجِهِمْ. قَوْلُهُ: (وَلَا
ــ
[حاشية عميرة]
الْمِنْهَاجِ وَالدُّعَاءِ وَيُصَلُّونَ، كَأَنَّهُ عَطْفُ تَفْصِيلٍ لِلشُّكْرِ، لِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) تَصْرِيحٌ بِبَعْضِ أَرْكَانِ التَّوْبَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتَخَشُّعٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ ثِيَابٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (إذْ لَيْسَ لَهَا أَهْلِيَّةُ دُعَاءٍ) وَلِأَنَّ النَّاسَ
стр. 368
يَخْتَلِطُونَ بِنَا) لِأَنَّهُ قَدْ يَحِلُّ بِهِمْ عَذَابٌ بِكُفْرِهِمْ الْمُتَقَرَّبِ بِهِ فِي اعْتِقَادِهِمْ.
(وَهِيَ رَكْعَتَانِ) كَمَا فَعَلَهَا ﷺ ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ
(كَالْعِيدِ) فِي التَّكْبِيرَاتِ سَبْعًا وَخَمْسًا وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ وَمَا يُقْرَأُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ (لَكِنْ قِيلَ يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ) بَدَلَ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القمر: ١] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: ١] لِاشْتِمَالِهَا عَلَى اللَّائِقِ بِالْحَالِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] وَالْأَصَحُّ يَقْرَأُ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ [القمر: ١] كَمَا يَقْرَأُ فِي الْأُولَى ﴿ق﴾ [ق: ١] وَمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي الْأُولَى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] وَقَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] » قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: ضَعِيفٌ
(وَلَا تَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الْأَصَحِّ) فَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَالثَّانِي يَخْتَصُّ بِهِ أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ
. (وَيَخْطُبُ) بَعْدَ الصَّلَاةِ وَسَيَأْتِي جَوَازُ أَنْ يَخْطُبَ قَبْلَهَا دَلِيلُ الْأَوَّلِ حَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَطَبَ» .
(كَالْعِيدِ) أَيْ كَخُطْبَتَيْهِ فِي الْأَرْكَانِ وَغَيْرِهَا (لَكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ) أَوَّلُهُمَا فَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إلَيْهِ بَدَلَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. وَيُكْثِرُ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ مِنْ الِاسْتِغْفَارِ، وَمِنْ قَوْلِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] (وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى: اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا) هُوَ الْمَطَرُ (مُغِيثًا) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ مُرْوِيًا مُشْبِعًا (هَنِيئًا) هُوَ الطَّيِّبُ الَّذِي لَا يُنَغِّصُهُ شَيْءٌ (مَرِيئًا) بِالْهَمْزِ هُوَ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ (مَرِيعًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ ذَا رِيعٍ أَيْ نَمَاءٍ (غَدَقًا) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ كَثِيرَ الْخَيْرِ (مُجَلِّلًا) بِكَسْرِ اللَّامِ يُجَلِّلُ الْأَرْضَ أَيْ يَعُمُّهَا كَجُلِّ الْفَرَسِ.
(سَحًّا) بِالْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ شَدِيدَ الْوَقْعِ عَلَى الْأَرْضِ (طَبَقًا) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ يُطَبِّقُ الْأَرْضَ فَيَصِيرُ كَالطَّبَقِ عَلَيْهَا (دَائِمًا) إلَى انْتِهَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ) أَيْ الْآيِسِينَ بِتَأْخِيرِهِ (اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ) أَيْ الْمَطَرَ (عَلَيْنَا مِدْرَارًا) أَيْ كَثِيرًا. رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا اسْتَسْقَى قَالَ: اللَّهُمَّ
ــ
[حاشية قليوبي]
يَخْتَلِطُونَ بِنَا) أَيْ يُكْرَهُ لَنَا تَمْكِينُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي مُصَلَّانَا أَوْ غَيْرِهِ، وَلَوْ غَيْرَ بَاغِينَ، وَيَمْنَعُهُمْ الْإِمَامُ مِنْ خُرُوجِهِمْ اسْتِقْلَالًا فِي يَوْمٍ وَمَا فِي الْأُمِّ مُؤَوَّلٌ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ إجَابَةُ دُعَاءِ الْكَافِرِينَ، وَيَجُوزُ الدُّعَاءُ لَهُ وَلَوْ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، خِلَافًا لِمَا فِي الْأَذْكَارِ إلَّا مَغْفِرَةَ ذَنْبِ الْكُفْرِ مَعَ مَوْتِهِ عَلَى الْكُفْرِ فَلَا يَجُوزُ.
قَوْلُهُ: (كَالْعِيدِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْرِمَ فِيهَا بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ شَرْحِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ مُوَافَقَتُهُ. وَنَقَلَ أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَيْهِ بِالْقَلَمِ، وَعَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ يَنْظُرُ فِي التَّكْبِيرِ فِيمَا زَادَ هَلْ يَتْرُكُهُ أَوْ يَزِيدُهُ أَوْ يَنْقُصُهُ حَرِّرْهُ. قَوْلُهُ: (وَالْأَصَحُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (ضَعِيفٌ) أَيْ الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ قِرَاءَةُ السُّورَتَيْنِ سُنَّةً أَيْضًا كَمَا فِي الْجُمُعَةِ.
قَوْلُهُ: (فِي أَيْ وَقْتٍ) . وَلَوْ وَقْتَ الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّهَا ذَاتُ سَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ، وَلَوْ أَسْقَطَ لَفْظَ الْعِيدِ كَانَ أَوْلَى، وَلَعَلَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهُ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ الْخِلَافِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّارِحُ قَوْلُهُ: (وَالثَّانِي يَخْتَصُّ بِهِ) وَحُمِلَ عَلَى أَنَّهُ الْمُخْتَارُ.
. قَوْلُهُ: (فَيَقُولُ) أَيْ بَدَلَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَخْ، لِخَبَرِ التِّرْمِذِيِّ: «مَنْ قَالَهَا غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ» . قَوْلُهُ: (أَسْقِنَا) هُوَ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ مِنْ أَسْقَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا يُفِيدُ جَوَازُ وَصْلِهَا مِنْ سَقَى. قَوْلُهُ: (مُغِيثًا) هُوَ فِي الْأَصْلِ الْمُنْقِذُ مِنْ الشِّدَّةِ. قَوْلُهُ: (هَنِيئًا) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ كَمَرِيئًا.
قَوْلُهُ: (مَرِيعًا بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ) وَبَعْدَهَا مُثَنَّاةٌ تَحْتِيَّةٌ قَبْلَ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَرُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ أَوْ فَوْقِيَّةٌ كَذَلِكَ، وَهُمَا بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُمَا مِنْ أَرْبَعَ الْبَعِيرُ أَكَلَ الرَّبِيعَ وَرَتَعَتْ الْمَاشِيَةُ أَكَلَتْ مَا شَاءَتْ. قَوْلُهُ: (يَعُمُّهَا) أَيْ بِالنَّبَاتِ النَّاشِئِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (بِالْمُهْمَلَتَيْنِ) أَيْ مَعَ تَشْدِيدِ الثَّانِيَةِ، يُقَالُ سَحَّ إذَا سَالَ مِنْ أَعْلَى إلَى أَسْفَلَ، وَسَاحَ إذَا سَالَ عَلَى وَجْهِ
ــ
[حاشية عميرة]
يَشْتَغِلُونَ بِهَا وَبِأَصْوَاتِهَا
قَوْلُ الْمَتْنِ: (مُغِيثًا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُوَ الْمُنْقِذُ مِنْ الشِّدَّةِ. قَوْلُهُ: (هُوَ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ إلَخْ) بِتَسْمِينِ الدَّوَابِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِدْرَارًا) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ وَمَعْنَاهُ كَثِيرُ الدَّرِّ. قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ
стр. 369
اسْقِنَا غَيْثًا.» إلَى آخِرِهِ وَفِيهِ بَيْنَ الْقَانِطِينَ وَمَا بَعْدَهُ زِيَادَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا. ذُكِرَ فِي الْمُحَرَّرِ أَكْثَرُهَا وَأَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ اخْتِصَارًا.
(وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ) وَهُوَ نَحْوُ ثُلُثِهَا كَمَا قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ (وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) حِينَئِذٍ (سِرًّا وَجَهْرًا) ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] فَإِذَا أَسَرَّ دَعَا النَّاسُ سِرًّا وَإِذَا جَهَرَ أَمَّنُوا وَيَرْفَعُونَ كُلُّهُمْ أَيْدِيَهُمْ فِي الدُّعَاءِ مُشِيرِينَ بِظُهُورِ أَكُفِّهِمْ إلَى السَّمَاءِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ» . وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْقَصْدَ دَفْعُ الْبَلَاءِ بِخِلَافِ قَاصِدِ حُصُولِ شَيْءٍ فَيَجْعَلُ بَطْنَ كَفَّيْهِ إلَى السَّمَاءِ. وَذَكَرَ فِي الْمُحَرِّرِ دُعَاءً أَسْقَطَهُ الْمُصَنِّفُ اخْتِصَارًا. (وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسَهُ) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْمَازِنِيِّ: «أَنَّهُ ﷺ فِي اسْتِسْقَائِهِ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ: «أَنَّهُ ﵊ حَوَّلَ رِدَاءً فَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ» . (وَيَنْكُسُهُ عَلَى الْجَدِيدِ فَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَيْضًا قَالَ: «اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِأَسْفَلِهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ» . فَهَمُّهُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَتُرِكَ لِلسَّبَبِ الْمَذْكُورِ وَالْقَدِيمُ يَنْظُرُ إلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَيَحْصُلُ التَّحْوِيلُ وَالتَّنْكِيسُ بِجَعْلِ الطَّرَفِ الْأَسْفَلِ الَّذِي عَلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ، وَالطَّرَفَ الْأَسْفَلَ الَّذِي عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا التَّفَاؤُلُ بِتَغَيُّرِ الْحَالِ إلَى الْخِصْبِ وَالسَّعَةِ. رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّهُ ﷺ اسْتَسْقَى وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» . (وَيُحَوِّلُ -
ــ
[حاشية قليوبي]
الْأَرْضِ. قَوْلُهُ (زِيَادَةٌ مَذْكُورَةٌ إلَخْ) وَهِيَ اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ، وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُو بِالنُّونِ، إلَّا إلَيْك، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك، وَاللَّأْوَاءُ بِالْهَمْزِ وَالْمَدِّ شِدَّةُ الْجُوعِ، وَالْجَهْدُ التَّعَبُ وَالضَّنْكُ شِدَّةُ التَّعَبِ. قَوْلُهُ: (وَأَسْقَطَهُ) أَيْ الْأَكْثَرُ وَفِيهِ اقْتِصَارٌ عَلَى بَعْضِ حَدِيثٍ وَلَا بِدَعَ فِيهِ
. قَوْلُهُ: (وَيَسْتَقْبِلُ) أَيْ نَدْبًا بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَوْ اسْتَقْبَلَ فِي الْأُولَى، لَمْ يُعِدْهُ فِي الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَيْئَاتِهَا. قَوْلُهُ: (وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁: وَيُطْلَبُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدَتْنَا إجَابَتَك وَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَأُحِبْنَا كَمَا وَعَدْتنَا، اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا وَإِجَابَتِكَ فِي سُقْيَانَا، وَسِعَةٍ فِي رِزْقِنَا، وَيُنْدَبُ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ كَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ، وَالشَّفَاعَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، بِخَالِصِ عَمَلِهِ وَبِأَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ. قَوْلُهُ: (بِظُهُورِ أَكُفِّهِمْ إلَخْ) حَاصِلُ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّنَاقُضِ فِيهِ، إنَّ الْإِشَارَةَ بِظَهْرِ الْكَفِّ فِي كُلِّ صِيغَةٍ فِيهَا، رَفْعٌ نَحْوَ اكْشِفْ وَارْفَعْ وَبِبَطْنِهِ فِي كُلِّ صِيغَةٍ، فِيهَا تَحْصِيلٌ نَحْوَ اسْقِنَا وَأَنْبِتْ لَنَا وَمَا فِي الْمَنْهَجِ مِنْ اعْتِبَارِ الْقَصْدِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَلَوْ اجْتَمَعَ التَّحْصِيلُ وَالرَّفْعُ، رَاعَى الثَّانِيَ كَمَا لَوْ سَمِعَ شَخْصًا دَعَا بِهِمَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ افْعَلْ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ رَفْعُ الْيَدِ النَّجِسَةِ فِي الدُّعَاءِ وَلَوْ بِحَائِلٍ كَدَاخِلِ كُمِّهِ. قَوْلُهُ: (وَيُحَوِّلُ) أَيْ الذَّكَرُ عِنْدَ أَيْ بَعْدَ اسْتِقْبَالِهِ، رِدَاءَهُ لَا غَيْرَهُ مِنْ نَحْوِ قَمِيصِهِ. قَوْلُهُ: (وَحَوَّلَ) أَيْ النَّبِيُّ ﷺ رِدَاءَهُ، وَكَانَ طُولُهُ أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفَ تَقْرِيبًا، وَعَرْضُهُ ذِرَاعَانِ تَقْرِيبًا، وَجِنْسُهُ مِنْ الصُّوفِ كَإِزَارِهِ قَدْرًا وَجِنْسًا، وَعِمَامَتُهُ جِنْسًا، وَلَمْ يَرِدْ فِيهَا تَقْدِيرٌ. فَالتَّحْوِيلُ يَكُونُ فِيمَا قَارَبَ ذَلِكَ، لَا فِي نَحْوِ الْبُرْدَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَلَبَ ظَهْرَ الْبَطْنِ) أَيْ بِالْفِعْلِ وَالدَّوَامِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَنْكُسْ أَوْ بِالْفِعْلِ فَقَطْ، لِأَنَّ الرِّدَاءَ مَعَهُمَا يَعُودُ إلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ، كَمَا سَيَأْتِي وَفِي ذِكْرِ مَعْنَى الْحَدِيثِ، بِقَوْلِهِمْ فَلَمَّا ثَقُلَتْ عَلَيْهِ، قَلَبَهَا عَلَى عَاتِقِهِ نَظَرٌ يُدْرَكُ بِالتَّأَمُّلِ. قَوْلُهُ: (وَيَنْكُسُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ، وَضَمِّ ثَالِثِهِ مُخَفَّفًا مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ وَكَسْرِ ثَالِثِهِ، مُشَدَّدًا وَلَا يُطْلَبُ تَنْكِيسُ الرِّدَاءِ غَيْرِ الْمُرَبَّعِ، كَمَا لَا يُطْلَبُ التَّحْوِيلُ، وَلَا التَّنْكِيسُ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالْخُنْثَى. قَوْلُهُ: (وَالْقَدِيمُ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّ فِي التَّنْكِيسِ مَعَ التَّحْوِيلِ عَوْدُ وَجْهِ الرِّدَاءِ الْمُلَاصِقِ لِلثِّيَابِ إلَى حَالِهِ قَبْلَهُمَا الْمُنَافِي لِتَغَيُّرِ الْحَالِ فَقَوْلُهُ وَالْحِكْمَةُ فِيهِمَا أَيْ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ، أَوْ الْمَقْصُودُ أَوْ مِنْ حَيْثُ الْفِعْلُ أَوْ -
ــ
[حاشية عميرة]
الْجَمِيعَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَأَسْقَطَهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ: وَأَكْثَرُهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ) وَيَكُونُ مِنْهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَمَرْتنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتنَا إجَابَتَك، وَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَأَجِبْنَا كَمَا وَعَدْتنَا. اللَّهُمَّ فَامْنُنْ عَلَيْنَا بِمَغْفِرَةِ مَا قَارَفْنَا، وَإِجَابَتِك فِي سُقْيَانَا، وَسَعَةٍ فِي رِزْقِنَا، ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي. قَوْلُ الْمَتْنِ: (عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ) اُنْظُرْ هَلْ يَفْعَلُ التَّحْوِيلَ عِنْدَ إرَادَةِ الِاسْتِقْبَالِ، أَوْ مَعَهُ أَوْ عَقِبَهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَنْكُسُهُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: يُقَالُ نَكَسَ يَنْكُسُ كَقَعَدَ يَقْعُدُ.
стр. 370
النَّاسُ مِثْلَهُ) أَيْ مِثْلَ تَحْوِيلِ الْخَطِيبِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى التَّنْكِيسِ. فَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَالْمُحَرَّرِ، وَيَفْعَلُ النَّاسُ بِأَرْدِيَتِهِمْ كَفِعْلِ الْإِمَامِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَنَّهُ ﵊ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَقَلَبَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ» ، وَحَوَّلَ النَّاسُ مَعَهُ. (قُلْت: وَيُتْرَكُ مُحَوَّلًا حَتَّى يَنْزَعَ الثِّيَابَ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ﵊ غَيَّرَ رِدَاءَهُ بَعْدَ التَّحْوِيلِ، وَيُتْرَكُ وَيُنْزَعُ مَبْنِيَّانِ لِلْمَفْعُولِ فَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا وَيَتْرُكُونَهَا أَيْ الْأَرْدِيَةَ مُحَوَّلَةً إلَى أَنْ يَنْزِعُوا الثِّيَابَ، فَإِذَا فَرَغَ الْخَطِيبُ مِنْ الدُّعَاءِ مُسْتَقْبِلًا أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ وَحَثَّهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَعَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَقَرَأَ آيَةً وَآيَتَيْنِ وَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
(وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ النَّاسُ) مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ (وَلَوْ خَطَبَ) لَهُ (قَبْلَ الصَّلَاةِ جَازَ) نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ. قَالَ: وَيَحْتَجُّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ: «أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ ثُمَّ صَلَّى» وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: قَالَ أَصْحَابُنَا تَقَدُّمُ الْخُطْبَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ) الْمَطَرُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «أَصَابَنَا مَطَرٌ وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَسَرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ الْمَطَرُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ صَنَعْت هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» . أَيْ بِتَكْوِينِهِ وَتَنْزِيلِهِ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ: «كَانَ إذَا مَطَرَتْ السَّمَاءُ حَسَرَ ثَوْبَهُ عَنْ ظَهْرِهِ حَتَّى يُصِيبَهُ الْمَطَرُ» الْحَدِيثَ.
وَفِي الصَّحَاحِ حَسَرْت كُمِّي عَنْ ذِرَاعِي كَشَفْت. (وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ) رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا سَالَ السَّيْلُ قَالَ: اُخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرُ مِنْهُ» . (وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ) رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَرْقَ فِي الْمُهَذَّبِ وَشَرْحِهِ. وَذَكَرَ فِي التَّنْبِيهِ وَالرَّوْضَةِ: وَكَانَ ذِكْرُهُ لِمُقَارَنَتِهِ الرَّعْدَ الْمَسْمُوعَ. -
ــ
[حاشية قليوبي]
تَحَوُّلُ الطَّرَفَيْنِ، لِأَنَّهُمَا يَسْتَمِرَّانِ عَلَى التَّغَيُّرِ. قَوْلُهُ: (وَيُحَوِّلُ النَّاسُ) أَيْ الذُّكُورُ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (الْمُشْتَمِلُ عَلَى التَّنْكِيسِ) أَيْ لِيَصِحَّ الدَّلِيلُ بَعْدَهُ، فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (حَتَّى يَنْزَعَ الثِّيَابَ) أَيْ بِالْفِعْلِ أَوْ بِالْعَوْدِ إلَى مَحَلِّ نَزْعِهَا.
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ الِاسْتِسْقَاءَ) أَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامٌ وَلَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ كَمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (فَعَلَهُ النَّاسُ) أَيْ نَدْبًا وَلَوْ بِالْهَيْئَةِ السَّابِقَةِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَى الصَّحْرَاءِ أَوْ غَيْرِهِ.
نَعَمْ يُكْرَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَحْرُمُ إنْ خَافُوا فِتْنَةً مِنْهُ. قَوْلُهُ: " (وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ جَازَ) وَكَذَا يَجُوزُ تَرْكُ الْخُطْبَةِ دُونَ الصَّلَاةِ وَعَكْسُهُ لِتَوَسُّعِهِمْ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ السُّقْيَا. كَمَا مَرَّ وَبِهَذَا فَارَقَ نَحْوَ الْكُسُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَيُسَنُّ) أَيْ مُؤَكَّدًا.
قَوْلُهُ: (لِأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ) الْمُرَادُ بِهِ الْمَطَرُ الْأَوَّلُ فِي ابْتِدَاءِ السَّنَةِ، سَوَاءٌ أَوَّلُهُ وَوَسَطُهُ وَآخِرُهُ وَهَذَا مِنْ حَيْثُ الْآكَدِيَّةُ، وَإِلَّا فَيَنْدُبُ لِكُلِّ مَطَرٍ، وَأَوَّلُ كُلِّ مَطَرٍ آكَدُ ثُمَّ أَوْسَطُهُ وَأَسْمَاءُ كُلِّ مَطَرٍ خَمْسَةٌ فَالْأَوَّلُ الْوَسْمِيُّ ثُمَّ الْوَلِيُّ ثُمَّ الرَّسَعُ، ثُمَّ الصَّيْفُ ثُمَّ الْحَمِيمُ، وَفِي مُطَابَقَةِ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ تَأَمُّلٌ. قَوْلُهُ: (بِتَكْوِينِهِ) أَيْ إيجَادِهِ وَزَوْلِهِ. قَوْلُهُ: (وَيَكْشِفُ غَيْرَ عَوْرَتِهِ) وَهِيَ عَوْرَةُ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرَ عَوْرَةِ الْخَلْوَةِ، إنْ كَانَ خَالِيًا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْحَاجَةِ الَّتِي تُكْشَفُ لَهَا الْعَوْرَةُ، وَالْوَجْهُ أَنْ يُرَادَ هُنَا عَوْرَةُ الْمَحَارِمِ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (أَوْ يَتَوَضَّأُ) هِيَ مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَجَمْعُهَا أَفْضَلُ ثُمَّ الْغُسْلُ، وَحْدَهُ ثُمَّ الْوُضُوءُ وَحْدَهُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِمَا مِنْ حَيْثُ التَّبَرُّكُ إلَى نِيَّةٍ، وَلَهُ نِيَّةُ السَّبَبِ فِيهِمَا، وَنِيَّةُ غَيْرِهِمَا، إنْ صَادَفَهُ وَيَحْصُلُ مَعَهُ كَمَا فِي التَّحِيَّةِ، وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَالنِّيلُ كَالسَّيْلِ فَيُسَنُّ الْغُسْلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ فِي أَيَّامِ الزِّيَادَةِ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا لِلْحِكْمَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ ذِكْرُهُ إلَخْ) ظَاهِرُهُ عَدَمُ نَدْبِ التَّسْبِيحِ لِلْبَرْقِ
ــ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (فَفِي الرَّوْضَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ الْمُشْتَمِلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ، وَقَلْبُ ظَهْرِ الْبَطْنِ لَا يُمَكِّنُ مَنْعَ الْجَمْعِ بَيْنَ التَّحْوِيلِ، وَالتَّنْكِيسِ السَّابِقَيْنِ ثُمَّ رَأَيْت ذَلِكَ مَسْطُورًا مِنْ بَحْثِ الرَّافِعِيِّ، وَكَذَا السُّبْكِيّ فِي شَرْحِهِ لَكِنْ الْحَدِيثُ لَا إشْكَالَ فِيهِ لِأَنَّهُ ﷺ ، لَمْ يَنْكُسْ وَإِنَّمَا فَعَلَ لِتَحْوِيلٍ فَقَطْ، وَالْقَلْبُ مَعَهُ مُمْكِنٌ. قَوْلُهُ: (مَبْنِيَّانِ لِلْمَفْعُولِ) أَيْ فَيَشْمَلُ ذَلِكَ الْمَأْمُومِينَ بِدَلِيلِ مَا سَاقَهُ عَنْ الرَّوْضَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩] ، قَالَ: فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تُصِيبَ الْبَرَكَةُ رَأْسِي وَرِجْلِي. قَوْلُهُ: (رَوَى مُسْلِمٌ إلَخْ) قَالَ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِهِ اتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَصْحَابُ عَلَى
стр. 371
(وَلَا يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ) رَوَى الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الْبَرْقَ أَوْ الْوَدْقَ فَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ.
الْوَدْقُ بِالْمُهْمَلَةِ الْمَطَرُ.
(وَيَقُولَ عِنْدَ الْمَطَرِ اللَّهُمَّ صَيِّبًا) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ أَيْ مَطَرًا (نَافِعًا) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ ذَلِكَ» . (وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ) لِحَدِيثِ الْبَيْهَقِيّ «يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ عِنْدَ الْتِقَاءِ الصُّفُوفِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَرُؤْيَةِ الْكَعْبَةِ» . (وَ) يَقُولَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَطَرِ أَيْ فِي أَثَرِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَيُكْرَهُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا) بِفَتْحِ النُّونِ وَبِالْهَمْزِ آخِرَهُ أَيْ بِوَقْتِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي إضَافَةِ الْأَمْطَارِ إلَى الْأَنْوَاءِ فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النَّوْءَ هُوَ الْفَاعِلُ لِلْمَطَرِ حَقِيقَةً كَفَرَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ وَقْتٌ أَوْقَعَ اللَّهُ فِيهِ الْمَطَرَ فَهُوَ مَحَلُّ الْكَرَاهَةِ لِإِيهَامِهِ الْأَوَّلَ. رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ عَلَى أَثَرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» .
(وَ) يُكْرَهُ (سَبُّ الرِّيحِ) رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ تَعَالَى. أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا» . (وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ رَفْعَهُ) بِأَنْ يَقُولُوا كَمَا
ــ
[حاشية قليوبي]
وَحْدَهُ، وَالْمُعْتَمَدُ خِلَافُهُ وَالْمُنَاسِبُ فِيهِ، أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ مَنْ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَفِي الْحَدِيثِ «بَعَثَ اللَّهُ السَّحَابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقِ، وَضَحِكَتْ أَحْسَنَ الضَّحِكِ، فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا وَالْبَرْقُ ضَحِكُهَا» ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ، وَالْبَرْقَ لَمَعَانُ أَجْنِحَتِهِ الَّتِي يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: فَيَكُونُ الْمَسْمُوعُ صَوْتَهُ أَوْ صَوْتَ تَسْبِيحِهِ، أَوْ صَوْتَ سَوْقِهِ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ: إنَّ الرَّعْدَ صَوْتُ اصْطِكَاكِ السَّحَابِ، وَالْبَرْقَ مَا يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ الِاصْطِكَاكَ، فَقَوْلُهُ وَذُكِرَ بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. قَوْلُهُ: (لِمُقَارَنَتِهِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْبُرُلُّسِيُّ أَيْ لَا لِكَوْنِهِ يُشْرَعُ لَهُ، ذِكْرٌ مُسْتَقِلٌّ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ. قَوْلُهُ: (الرَّعْدَ الْمَسْمُوعَ) يُفِيدُ أَنَّ الْأَصَمَّ لَا يُسَبِّحُ لِلرَّعْدِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ مَا شَأْنُهُ السَّمَاعُ، فَيَشْمَلُهُ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ. قَوْلُهُ: (فَلَا يُشِيرُ) شَامِلٌ لِلْإِشَارَةِ بِغَيْرِ الْبَصَرِ فَلْيُرَاجَعْ. قَوْلُهُ: (أَوْ الْوَدْقَ إلَخْ) قَالَ بَعْضُهُمْ: وَكَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ لَا يُشِيرُونَ إلَيْهِ، وَيَقُولُونَ عِنْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ.
قَوْلُهُ: (وَيَقُولُ) أَيْ نَدْبًا وَثَلَاثًا. قَوْلُهُ: (صَيِّبًا) مِنْ صَابَ يَصُوبُ إذَا نَزَلَ إلَى أَسْفَلَ، وَفِي رِوَايَةٍ بِالسِّينِ بِمَعْنَى الْعَطَاءِ. قَوْلُهُ: (بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ) وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا، وَهُوَ الْأَنْسَبُ مَعَ السِّينِ. قَوْلُهُ: (عِنْدَ الْتِقَاءِ الصُّفُوفِ) الْمُرَادُ بِهَا الْمُقَارَنَةُ وَبِالصُّفُوفِ الْجِهَادُ، وَبِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ أَلْفَاظُهَا أَوْ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ إلَخْ) وَإِنَّمَا لَمْ يَحْرُمْ كَمَا فِي الذَّبْحِ لِإِبْهَامِ الْفَاعِلِينَ هُنَاكَ، وَانْفِرَادِ النَّوْءِ هُنَا. قَوْلُهُ: (بِنَوْءٍ) لَوْ قَالَ فِي نَوْءِ كَذَا، لَمْ يُكْرَهْ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ. قَوْلُهُ: (بِوَقْتِ النَّجْمِ الْفُلَانِيِّ) أَيْ بِوَقْتِ سُقُوطِ مَنْزِلَةٍ مِنْ الْمَنَازِلِ فِي الْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ الْمُقَارِنِ، لِطُلُوعِ نَظِيرَتِهَا مِنْ الْأُفُقِ الشَّرْقِيِّ، فِي مُدَّةِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَفِي الْحَقِيقَةِ أَنَّ إضَافَةَ الْمَطَرِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إنَّمَا هِيَ لِلطَّالِعَةِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ لِلْغَارِبَةِ نَظَرًا لِاسْمِ النَّوْءِ الَّذِي هُوَ السُّقُوطُ. قَوْلُهُ: (كَفَرَ) أَيْ حَقِيقَةً كَمَا فِي الْحَدِيثِ، لِأَنَّ فِيهِ اعْتِقَادَ التَّأْثِيرِ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: (أَثَرِ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَبِفَتْحِهِمَا. قَوْلُهُ: (لِإِيهَامِهِ الْأَوَّلَ) أَيْ إنَّهُ فَاعِلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْفَاعِلَ مَحْذُوفٌ، وَنَائِبَهُ ضَمِيرُهُ مُطِرْنَا وَبِنَوْءِ ظَرْفُ لَغْوٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ: لِإِيهَامِ السَّبَبِيَّةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْفَاعِلِيَّةِ
. قَوْلُهُ: (وَيُكْرَهُ سَبُّ الرِّيحِ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَيُطْلَبُ الدُّعَاءُ عِنْدَهَا لِمَا وَرَدَ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ: عِنْدَ هُبُوبِهَا. اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا إلَخْ. قَوْلُهُ: (أَيْ مِنْ رَحْمَتِهِ) أَيْ فِي الْوَاقِعِ وَنِسْبَةُ الْعَذَابِ إلَيْهَا، فِي الظَّاهِرِ لَا يُنَافِيهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَجْمُوعُهَا. قَوْلُهُ (بِكَثْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْكَافِ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ يَقُولُوا) أَيْ نَدْبًا لِأَنَّ الدُّعَاءَ بِرَفْعِ الضَّرَرِ
ــ
[حاشية عميرة]
التَّخْصِيصِ، بَلْ ظَاهِرُ الثَّانِي الْعُمُومُ. قَوْلُهُ: (لِمُقَارَنَتِهِ الرَّعْدَ الْمَسْمُوعَ) يَعْنِي ذُكِرَ لِأَجْلِ الْمُقَارَنَةِ لَا لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لِأَجْلِهِ تَسْبِيحٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (صَيِّبًا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: مِنْ صَابَ يَصُوبُ إذَا نَزَلَ مِنْ عُلُوٍّ إلَى أَسْفَلَ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ «اللَّهُمَّ سَيْبًا» وَهُوَ الْعَطَاءُ.
قَوْلُهُ: (كَافِرٌ بِي) أَيْ حَقِيقَةً إنْ اعْتَقَدَ التَّأْثِيرَ أَوْ كَافِرٌ بِنِعَمِ اللَّهِ إنْ لَمْ يَعْتَقِدْ التَّأْثِيرَ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَسَبُّ الرِّيحِ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ إذَا عَصَفَتْ الرِّيحُ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِك مِنْ
стр. 372
قَالَ ﷺ لَمَّا شُكِيَ إلَيْهِ ذَلِكَ «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا» ) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْ اجْعَلْ الْمَطَرَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْمَرَاعِي لَا فِي الْأَبْنِيَةِ وَنَحْوِهَا. (وَلَا يُصَلَّى لِذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِعَدَمِ وُرُودِ الصَّلَاةِ لَهُ.
بَابٌ بِالتَّنْوِينِ (إنْ تَرَكَ) الْمُكَلَّفُ. (الصَّلَاةَ) الْمَعْهُودَةَ الصَّادِقَةَ بِإِحْدَى الْخَمْسِ. (جَاحِدًا وُجُوبَهَا) بِأَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ.
(كَفَرَ) لِإِنْكَارِهِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ بِخِلَافِ مَنْ أَنْكَرَهُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ لِجَوَازِ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ فَلَمْ يَعْلَمْهُ (أَوْ) تَرَكَهَا (كَسَلًا قُتِلَ حَدًّا) لَا كُفْرًا، قَالَ ﷺ : «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ» الْحَدِيثَ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ، «وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ كَافِرٌ» . (وَالصَّحِيحُ قَتْلُهُ بِصَلَاةٍ فَقَطْ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ (بِشَرْطِ إخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ) فِيمَا لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ بِأَنْ تُجْمَعَ مَعَ الثَّانِيَةِ فِي وَقْتِهَا فَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الظُّهْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا بِتَرْكِ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، وَيُقْتَلُ فِي الصُّبْحِ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَفِي الْعَصْرِ بِغُرُوبِهَا، وَفِي الْعِشَاءِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ كَالشَّرْحِ: فَيُطَالَبُ بِأَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا وَيُتَوَعَّدُ بِالْقَتْلِ إنْ أَخْرَجَهَا عَنْ الْوَقْتِ فَإِنْ أَصَرَّ
ــ
[حاشية قليوبي]
مَطْلُوبٌ، وَلَيْسَ مُنَافِيًا لِلتَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ لِلَّهِ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلَّى لِذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بَلْ يُصَلَّى لَهُ فُرَادَى كَمَا مَرَّ فِي الزَّلَازِلِ، وَالرِّيَاحِ.
بَابٌ هُوَ أَنْسَبُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْفَصْلِ، لِأَنَّهُ فِي الْفَرْضِ، وَلِأَنَّهُ تَرْكٌ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَعْبِيرِهِ بِالْبَابِ قَبْلَهُ، وَقُدِّمَ عَلَى الْجَنَائِزِ تَبَعًا لِلْمُزَنِيِّ وَالْجُمْهُورِ، لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِصَلَاةٍ فِي الْحَيَاةِ فَهُوَ أَنْسَبُ مِنْ ذِكْرِ الْوَجِيزِ، وَالشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ لَهُ بَعْدَهَا وَمِنْ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ لَهُ أَوَائِلَ الصَّلَاةِ، وَدُفِعَ بِذِكْرِ التَّنْوِينِ تَوَهُّمُ الْإِضَافَةِ لِفَسَادِهَا، إلَّا أَنْ يُرَادَ الْإِضَافَةُ لِلْجُمْلَةِ. قَوْلُهُ: (الصَّلَاةَ) خَرَجَ غَيْرُهَا فَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ يُقَاتَلُ عَلَيْهِمَا، وَالصَّوْمُ يُحْبَسُ وَيُمْنَعُ الْأَكْلَ حَتَّى يَصُومَ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا. قَوْلُهُ: (الْخَمْسِ) خَرَجَ بِهَا النَّافِلَةُ وَالْمَنْذُورَةُ وَلَوْ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ أَنْكَرَهُ إلَخْ) هُوَ تَفْسِيرٌ لِلْجَحْدِ لُغَةً وَجَحْدُ رُكْنٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَوْ شَرْطٍ كَذَلِكَ، وَعُلِمَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ التَّرْكِ وَالْجَحْدِ، عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ لَازِمٌ لِلثَّانِي. قَوْلُهُ: (كَسَلًا) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ أَوْ تَهَاوُنًا. قَوْلُهُ: (فِيمَا لَهَا إلَخْ) أَفَادَ بِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِوَقْتِ الضَّرُورَةِ، وَقْتُ الْعُذْرِ، لِأَنَّ وَقْتَ الضَّرُورَةِ فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ. قَوْلُهُ: (فَيُطَالَبُ) أَيْ يُطَالِبُهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي ذَلِكَ فَلَا عِبْرَةَ بِطَلَبِ غَيْرِهِمَا، وَالتَّوَعُّدُ بِالْقَتْلِ، إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَالْأَمْرِ وَلَا يَحْتَاجُ لِجَمْعِهِمَا خِلَافًا لِمَا فِي الْمَنْهَجِ.
قَوْلُهُ: (إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا) مُتَعَلِّقٌ -
ــ
[حاشية عميرة]
شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»
[بَابٌ تَرَكَ الْمُكَلَّفُ الصَّلَاةَ الْمَعْهُودَةَ الصَّادِقَةَ بِإِحْدَى الْخَمْسِ جَاحِدًا وُجُوبَهَا]
قَوْلُ الْمَتْنِ: (بَابٌ) عَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بِفَصْلٍ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا، ثُمَّ خَطَّ عَلَيْهِ وَعَبَّرَ الْبَابَ، وَقُدِّمَ عَلَى الْجَنَائِزِ تَبَعًا لِلْمُزَنِيِّ وَالْجُمْهُورِ، وَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ وَذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ بَعْدَهَا، وَتَبِعَهُ فِي الشَّرْحِ وَالرَّوْضَةِ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ. قَوْلُهُ: (بِأَنْ أَنْكَرَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ) يَخْرُجُ بِهِ نَحْوُ قَرِيبِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ كَمَا سَيَأْتِي، وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمُورِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، الْمَعْلُومَةِ بِالضَّرُورَةِ، وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ عَلَى عِبَارَةِ الْمَتْنِ مُؤَاخَذَةً، مِنْ حَيْثُ إنَّ الْجَحْدَ كَافٍ فِي الْكُفْرِ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ التَّرْكُ، ثُمَّ عِبَارَةُ الشَّيْخِ تَشْمَلُ جَحْدَ الْجُمُعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ لَنَا قَوْلًا بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالْحَنَفِيُّ يُخَالِفُ فِي وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى.
قَوْلُهُ: (لِإِنْكَارِهِ إلَخْ) أَيْ فَيَكُونُ تَكْذِيبًا لِلشَّارِعِ. قَوْلُهُ: (حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هُنَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ خُرُوجُ الْوَقْتِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَضِيقُهُ بِحَيْثُ يَبْقَى مَا لَا يَسَعُ الْفِعْلَ، وَضِيقُهُ عَنْ رَكْعَةٍ، وَقَدْ قِيلَ بِكُلٍّ وَإِلَّا وُجِّهَ عَلَى مَا أَوْضَحْته فِي الْمُهِمَّاتِ اعْتِبَارُ الرَّكْعَةِ. وَقَوْلُهُ: (إذَا ضَاقَ وَقْتُهَا) هَذَا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا فِيهَا فَيُطَالَبُ عِنْدَ
стр. 373
وَأَخْرَجَ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ أَوْجَهُ إنَّمَا يُقْتَلُ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ، وَامْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ، وَامْتَنَعَ عَنْ الْقَضَاءِ إذَا تَرَكَ قَدْرًا يَظْهَرُ بِهِ لَنَا اعْتِيَادُهُ لِلتَّرْكِ.
(وَيُسْتَتَابُ) عَلَى الْكُلِّ قَبْلَ الْقَتْلِ وَتَكْفِي الِاسْتِتَابَةُ فِي الْحَالِ، وَفِي قَوْلٍ: يُمْهَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَهُمَا فِي الِاسْتِحْبَابِ، وَقِيلَ فِي الْوُجُوبِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الِاسْتِتَابَةَ فِي الْحَالِ أَوْ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَقِيلَ وَاجِبَةٌ. (ثُمَّ يُضْرَبُ عُنُقُهُ) بِالسَّيْفِ إنْ لَمْ يَتُبْ (وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ) وَقِيلَ: يُضْرَبُ بِالْخَشَبِ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ (وَيُغَسَّلُ) وَيُكَفَّنُ (وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ) وَقِيلَ: لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُكَفَّنُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا دُفِنَ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ طُمِسَ قَبْرُهُ حَتَّى يُنْسَى وَلَا يُذْكَرَ
(تَتِمَّةٌ) تَارِكُ الْجُمُعَةِ يُقْتَلُ، فَإِنْ قَالَ أُصَلِّيهَا ظُهْرًا، فَقَالَ الْغَزَالِيُّ: لَا يُقْتَلُ، وَأَقَرَّهُ الرَّافِعِيُّ، وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَزَادَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الشَّاشِيِّ أَنَّهُ يُقْتَلُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. قَالَ فِي التَّحْقِيقِ: وَهُوَ الْقَوِيُّ.
ــ
[حاشية قليوبي]
بِأَدَائِهَا فَتَكْفِي الْمُطَالَبَةُ، وَلَوْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، إلَى أَنْ يَبْقَى بَعْدَ الْأَمْرِ، مَا يَسَعُهَا بِطُهْرِهَا. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَرَّ) أَيْ لَمْ يَفْعَلْ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ، وَخَرَجَ بِالتَّوَعُّدِ الْمَذْكُورِ مَا تَرَكَهُ قَبْلَهُ، وَلَوْ غَالِبَ عُمُرِهِ فَلَا قَتْلَ بِهِ.
قَوْلُهُ: (فِي الْحَالِ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَالِاسْتِحْبَابِ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ فِي الْوُجُوبِ) أَيْ كَالْمُرْتَدِّ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، فَوَجَبَ إنْقَاذُهُ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُضْرَبُ عُنُقُهُ) أَيْ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِي ذَلِكَ، لَا غَيْرِهِمَا وَلَوْ مِنْ أَهْلِ السَّطْوَةِ فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُمَا، بَعْدَ الْأَمْرِ، وَلَوْ قَبْلَ خُرُوجٍ لِوَقْتٍ، وَلَيْسَ مِثْلُهُ لَمْ يُقْتَلْ بِهِ إلَّا أَنْ قَتَلَهُ فِي حَالَةِ جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ
. قَوْلُهُ: (تَارِكُ الْجُمُعَةِ يُقْتَلُ) أَيْ إنْ تَرَكَهَا فِي مَحَلٍّ مُجْمَعٍ عَلَى وُجُوبِهَا فِيهِ، كَالْأَمْصَارِ لَا الْقُرَى لِعَدَمِ وُجُوبِهَا فِيهَا، عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا لَا يُقْتَلُ فَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ لِذَلِكَ، وَلَا يُقْتَلُ بِهَا حَتَّى يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ، مَا لَا يَسَعُ خُطْبَتَيْهَا وَرَكْعَتَيْهَا لَا قَبْلَهُ، وَإِنْ أَيِسَ مِنْهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَلَوْ أَمْكَنَهُ إدْرَاكُهَا فِي غَيْرِ بَلَدِهِ، لَا يَبْعُدُ الْوُجُوبُ.
قَوْلُهُ: (أَنَّهُ يُقْتَلُ) مَا لَمْ يَتُبْ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالْفِعْلِ، وَلَا يَكْفِي قَوْلُهُ أُصَلِّي، فَإِنْ قَالَ: صَلَّيْت أَوْ تَرَكْتهَا لِعُذْرٍ، كَعَدَمِ الْمَاءِ صُدِّقَ، فَلَا يُقْتَلُ. وَإِنْ ظَنَّ كَذِبَهُ لَكِنْ يُؤْمَرُ، بِأَنْ يُصَلِّيَ وُجُوبًا فِي الْعُذْرِ الْبَاطِلِ، وَنَدْبًا فِي غَيْرِهِ.
(تَتِمَّةٌ) قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَنْ ادَّعَى أَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى حَالَةً، أَسْقَطَتْ عَنْهُ الصَّلَاةَ أَوْ أَبَاحَتْ لَهُ الْخَمْرَ، أَوْ أَكْلَ مَالَ النَّاسِ، كَزَعْمِ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ، فَلَا شَكَّ فِي وُجُوبِ قَتْلِهِ بَلْ قَتْلُ مِثْلِهِ، أَفْضَلُ مِنْ قَتْلِ مِائَةِ كَافِرٍ، لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْثَرُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. -
ــ
[حاشية عميرة]
ضِيقِ الْوَقْتِ، عَنْ فِعْلِهَا مَعَ الْجَمَاعَةِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ أَصَرَّ وَأَخْرَجَ إلَخْ) اقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ انْتَفَى التَّوَعُّدُ الْمَذْكُورُ، فَلَا قَتْلَ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَظَاهِرٌ أَنَّ الْمُرَادَ التَّوَعُّدُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ، حَتَّى لَوْ تَرَكَ التَّوَعُّدَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مَثَلًا، ثُمَّ تَوَعَّدَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ عَلَى الظُّهْرِ، فَلَا قَتْلَ. قَوْلُهُ: (أَوْجُهٌ) وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَاحِدَةَ يُحْتَمَلُ تَرْكُهَا لِشُبْهَةِ الْجَمْعِ، وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الثَّلَاثَ أَقَلُّ الْجَمْعِ، فَيُغْتَفَرُ لِاحْتِمَالِ عُذْرٍ وَوَجْهُ الثَّالِثِ، احْتِمَالُ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى تَأْوِيلٍ مِنْ «تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ» قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ. قَوْلُهُ: (إذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ إلَخْ) اُنْظُرْ عَلَى هَذَا إذَا تَرَكَ الصُّبْحَ مَثَلًا، فَهَلْ نَقُولُ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَخْرُجَ الظُّهْرُ عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، أَوْ لَا يُعْتَبَرُ هُنَا وَقْتُ الضَّرُورَةِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُطْلَبَ مِنْهُ الْفِعْلُ فِي كُلٍّ مِنْ الْفَرْضَيْنِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهِ، أَمْ يَخْتَصُّ بِالثَّانِي. قَوْلُهُ: (مِنْ أَدَائِهَا) الضَّمِيرُ فِيهِ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ الثَّانِيَةِ
. قَوْلُهُ: (إنْ لَمْ يَتُبْ) اسْتَشْكَلَ بِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْحَدَّ هُنَا شَرْطُهُ دَوَامُ الِامْتِنَاعِ.
(فَرْعٌ) تَارِكُ الْجُمُعَةِ لَا يَسْقُطُ قَتْلُهُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ، لِأَنَّ فِعْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ قَضَاءً لَهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِالْقَضَاءِ.
ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ لَا تَتَحَقَّقُ، إلَّا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا فِي الْجُمُعَةِ فَتُحَقَّقُ بِالتَّوْبَةِ فَقَطْ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ يَمُوتَ) أَيْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ لَا قَتْلُهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُغَسَّلُ إلَخْ) أَيْ كَسَائِرِ أَرْبَابِ الْكَبَائِرِ، بَلْ أَوْلَى لِأَنَّ الْحَدَّ يُسْقِطُ الْعُقُوبَةَ الْأُخْرَوِيَّةَ، كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀.
стр. 374
كِتَابُ الْجَنَائِزِ بِالْفَتْحِ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ، مِنْ جَنَزَهُ أَيْ سَتَرَهُ، وَذُكِرَ هُنَا دُونَ الْفَرَائِضِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الصَّلَاةِ. (لِيُكْثِرَ) كُلُّ مُكَلَّفٍ (ذِكْرَ الْمَوْتِ) اسْتِحْبَابًا قَالَ ﷺ : «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» يَعْنِي الْمَوْتَ، حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، زَادَ النَّسَائِيّ: «فَإِنَّهُ مَا يُذْكَرُ فِي كَثِيرٍ إلَّا قَلَّلَهُ وَلَا قَلِيلٍ إلَّا كَثَّرَهُ» أَيْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَمَلِ وَالدُّنْيَا، وَقَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ. وَهَاذِمُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قَاطِعُ. (وَيَسْتَعِدَّ) لَهُ (بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ) إلَى أَهْلِهَا بِأَنْ يُبَادِرَ إلَيْهِمَا فَلَا يَخَافُ مِنْ فَجْأَةِ الْمَوْتِ الْمُفَوِّتِ لَهُمَا، وَصَرَّحَ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ التَّوْبَةِ لِئَلَّا يَغْفُلَ عَنْهُ. (وَالْمَرِيضُ آكَدُ) بِمَا ذُكِرَ أَيْ أَشَدُّ طَلَبًا بِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَيُضْجَعُ الْمُحْتَضَرُ) أَيْ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ (لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَان وَنَحْوِهِ) كَعِلَّةٍ بِجَنْبِهِ (أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمَصَاهُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ (لِلْقِبْلَةِ) بِأَنْ يُرْفَعَ رَأْسُهُ قَلِيلًا كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ الْإِلْقَاءُ الْمَذْكُورُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ. وَوَسَّطَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِضْجَاعِ عَلَى الْأَيْمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ بِالْإِضْجَاعِ عَلَى الْأَيْسَرِ إلَى الْقِبْلَةِ، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إذَا قِيلَ بِالْإِلْقَاءِ عَلَى الْقَفَا أَوَّلًا فَتَعَذَّرَ
ــ
[حاشية قليوبي]
[كِتَابُ الْجَنَائِزِ]
الْمُشْتَمِلُ عَلَى بَعْضِ إفْرَادِ الصَّلَوَاتِ، الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا الصَّلَاةُ عَلَى الْمَقْتُولِ بِتَرْكِهَا. قَوْلُهُ: (اسْمٌ لِلْمَيِّتِ فِي النَّعْشِ) وَقِيلَ بِالْفَتْحِ اسْمٌ لِذَلِكَ، وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِلنَّعْشِ، وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ وَقِيلَ عَكْسُهُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ نِيَّةُ الْمُصَلِّي إذَا قَالَ: أُصَلِّي عَلَى هَذِهِ الْجِنَازَةِ، فَعَلَى كَوْنِهَا اسْمًا لِلنَّعْشِ، لَا تَصِحُّ النِّيَّةُ مُطْلَقًا، وَعَلَى كَوْنِهَا اسْمًا لَهُ فِي النَّعْشِ، لَا تَصِحُّ عَلَى مَيِّتٍ بِلَا نَعْشٍ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ، وَقَدْ هَجَرَ فَالنِّيَّةُ صَحِيحَةٌ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ: (لِيُكْثِرَ نَدْبًا ذِكْرَ الْمَوْتِ) أَيْ بِلِسَانِهِ وَقَلْبِهِ بِاسْتِحْضَارِهِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. قَوْلُهُ: (أَيْ قَاطِعٌ) لِقَطْعِهِ مُدَّةَ الْحَيَاةِ، وَبِالْمُهْمَلَةِ مُزِيلُ الشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ، كَهَدْمِ الْجِدَارِ وَالْمَوْتُ عَدَمُ الْحَيَاةِ، عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ، وَقِيلَ: عَرَضٌ يُضَادُّ الْحَيَاةَ، وَنُقِضَ بِشُمُولِهِ لِلْجَمَادِ، وَقَبْلَ مُفَارِقَةِ الرُّوحِ الْجَسَدَ، وَنُقِضَ بِإِخْرَاجِهِ لِلْجَنِينِ، قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَالرُّوحُ جِسْمٌ لَطِيفٌ سَارٍ فِي الْبَدَنِ، كَسَرَيَانِ الْمَاءِ فِي الْعُودِ الْأَخْضَرِ، وَقِيلَ كَسَرَيَانِ النَّارِ فِي الْفَحْمِ، وَقِيلَ الدَّمُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: (وَيَسْتَعِدَّ) أَيْ وُجُوبًا بِالتَّوْبَةِ وَلَوْ مِنْ صَغِيرَةٍ، وَإِنْ أَتَى بِمُكَفِّرٍ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِالْآخِرَةِ، وَتَوْبَةُ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ مَجَازٌ. قَوْلُهُ: (وَرَدِّ الْمَظَالِمِ) أَيْ الْخُرُوجِ مِنْهَا فِي الْمَالِ، وَالْعِرْضِ وَالنَّفْسِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنْهَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَزْمُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا، إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَرِيضُ آكَدُ) وَيُكْرَهُ لَهُ الْجَزَعُ وَالتَّضَجُّرُ مُطْلَقًا، وَالشَّكْوَى إلَّا لِنَحْوِ طَبِيبٍ وَصَدِيقٍ، وَلَا يُكْرَهُ لَهُ الْأَنِينُ، -
ــ
[حاشية عميرة]
[تَتِمَّةٌ تَارِكُ الْجُمُعَةِ]
كِتَابُ الْجَنَائِزِ
قَوْلُهُ: (اسْتِحْبَابًا) وَأَمَّا الْمَعْطُوفُ الْآتِي فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ عَلَى عِبَارَةِ الْمَتْنِ نَوْعُ مُؤَاخَذَةٍ. قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ) وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. قَالَ الْعِرَاقِيُّ نَقْلًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ مَعْنَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَشَرْطِ مُسْلِمٍ أَنَّهُمَا لَا يُخَرِّجَانِ، لَا الْحَدِيثَ الْمُجْمَعَ عَلَى ثِقَةِ نَقْلَتِهِ إلَى الصَّحَابِيِّ الْمَشْهُورِ. قَوْلُهُ: (أَيْ قَاطِعٌ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَأَمَّا بِالْإِهْمَالِ فَهُوَ الْمُزِيلُ لِلشَّيْءِ مِنْ أَصْلِهِ، وَقَوْلُ الْمَتْنِ وَرَدُّ الْمَظَالِمِ، أَوْلَى مِنْهُ أَنْ يَقُولَ وَالْخُرُوجَ مِنْ الْمَظَالِمِ، لِيَشْمَلَ إبْرَاءَ صَاحِبِهَا وَغَيْرَ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ) أَيْ أَخْذًا مِنْ قَوْله تَعَالَى حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَوْلُهُ: (وَمُقَابِلُ الصَّحِيحِ إلَخْ) أَيْ
стр. 375
يُضْجَعُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ. وَالْأَخْمَصَانِ هُمَا أَسْفَلُ الرِّجْلَيْنِ، وَحَقِيقَتُهُمَا الْمُنْخَفِضُ مِنْ أَسْفَلِهِمَا، قَالَهُ فِي الدَّقَائِقِ.
(وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ) أَيْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ ﷺ : «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: الْمُرَادُ ذَكِّرُوا مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ. (بِلَا إلْحَاحٍ) لِئَلَّا يَضْجَرَ، وَلَا يُقَالُ لَهُ: قُلْ، بَلْ يَتَشَهَّدُ عِنْدَهُ، وَلْيَكُنْ غَيْرَ وَارِثٍ لِئَلَّا يَتَّهِمَهُ بِالِاسْتِعْجَالِ لِلْإِرْثِ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ الْوَرَثَةِ لَقَّنَهُ أَشْفَقُهُمْ عَلَيْهِ. وَإِذَا قَالَهَا مَرَّةً لَا تُعَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهَا. وَنُقِلَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُلَقَّنُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أَيْضًا. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. (وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ ﴿يس﴾ [يس: ١] قَالَ ﷺ : «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ ﴿يس﴾ [يس: ١] » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ. (وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثٍ: «لَا يَمُوتَن أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى» أَيْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَيَعْفُو عَنْهُ.
وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ عِنْدَهُ تَحْسِينُ ظَنِّهِ وَتَطْمِيعُهُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
(فَإِذَا مَاتَ غُمِّضَ) وَإِلَّا لَبَقِيَتْ عَيْنَاهُ مَفْتُوحَتَيْنِ وَقَبُحَ مَنْظَرُهُ.
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهُ ﵊ دَخَلَ عَلَى أَبِي سَلَمَةَ وَقَدْ شَخَصَ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثُمَّ قَالَ: إنَّ الرُّوحَ إذَا
ــ
[حاشية قليوبي]
وَاشْتِغَالُهُ بِذِكْرٍ أَوْ قُرْآنٍ أَوْلَى مِنْهُ، وَيُنْدَبُ لَهُ تَعَهُّدُ نَفْسِهِ بِتِلَاوَةٍ وَذِكْرٍ وَحِكَايَةِ الصَّالِحِينَ، وَوَصِيَّةِ أَهْلِهِ بِالصَّبْرِ وِتْرِك نَحْوِ نَوْحٍ وَنَدْبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَتَحْسِينُ خَلْقِهِ، وَاسْتِرْضَاءُ مَنْ لَهُ بِهِ عَلَاقَةٌ مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، وَتَرْكُ الْمُنَازَعَةِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَتُنْدَبُ عِيَادَتُهُ، وَلَوْ مِنْ نَحْوِ رَمَدٍ، وَإِنَّ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلَوْ كَافِرًا رُجِيَ إسْلَامُهُ، أَوْ لَهُ قَرَابَةٌ أَوْ جِوَارٌ، إلَّا جَازَتْ وَتُكْرَهُ لِنَحْوِ مُبْتَدِعٍ، وَتُكْرَهُ إطَالَتُهَا وَتَكْرَارُهَا، إلَّا لِتَأَنُّسٍ وَنَحْوِهِ كَتَبَرُّكٍ، وَيُنْدَبُ أَمْرُهُ بِالصَّبْرِ وَوَعْدُهُ بِالْأَجْرِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالشِّفَاءِ، وَمِنْهُ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَك بِشِفَائِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَأَنْ يُرَغِّبُهُ عَائِدُهُ فِي الْوَصِيَّةِ، وَالتَّوْبَةِ وَأَنْ يَطْلُبَ الدُّعَاءَ مِنْهُ، وَأَنْ يُوصِيَ خَادِمَهُ بِالرِّفْقِ بِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: (وَيُضْجَعُ) أَيْ نَدْبًا بَعْدَ التَّلْقِينِ الْآتِي، إنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فُعِلَا مَعًا.
قَوْلُهُ: (وَيُلَقَّنُ) نَدْبًا وَلَوْ صَبِيًّا هُنَا لَا بَعْدَ الدَّفْنِ وَسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ) وَلَا يُنْدَبُ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى، كَمَا وَقَعَ لَهُ ﷺ . قَوْلُهُ: (وَلَا يُقَالُ لَهُ قُلْ) وَلَا اشْهَدْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَوْنُهَا آخِرَ كَلَامِهِ، لِيَفُوزَ بِهَا مَعَ السَّابِقِينَ، أَوْ بِعَدَمِ الْحِسَابِ أَوْ بِتَقَدُّمِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقُلْ مِثْلَهُ، وَعَلَيْهِ حُمِلَ الْحَدِيثُ. نَعَمْ يَجِبُ تَلْقِينُ الشَّهَادَتَيْنِ، لِكَافِرٍ رُجِيَ إسْلَامُهُ، وَيُقَالُ لَهُ قُلْ. قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يَتَّهِمَهُ) أَيْ شَأْنُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إرْثٌ، وَيَنْبَغِي تَعَلُّقُ الْحُكْمِ بِالتُّهْمَةِ لِغَيْرِ الْوَارِثِ. قَوْلُهُ: (أَشْفَقُهُمْ) إنْ وُجِدَ وَإِلَّا تَرَكَهُ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهَا) وَلَوْ بِأُخْرَوِيٍّ. قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (لَا يَقْرَأُ عَلَيْهِ) أَيْ عَادَةً بَلْ يَقْرَأُ عِنْدَهُ، وَلَا مَانِعَ مِنْ الْأَوَّلِ كَالسَّلَامِ عَلَيْهِ، وَيُنْدَبُ قِرَاءَةُ سُورَةِ الرَّعْدِ عِنْدَهُ أَيْضًا، لِتَسْهِيلِهَا خُرُوجَ الرُّوحِ، وَلِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ، أَنَّهُ يَمُوتُ رَيَّانًا، وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ رَيَّانًا وَيَخْرُجُ مِنْهُ رَيَّانًا، وَيُنْدَبُ أَنْ يُجَرَّعَ مَاءً، خُصُوصًا لِمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ أَمَارَةُ طَلَبِهِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِيهِ بِمَاءٍ، وَيَقُولُ لَهُ: قُلْ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا حَتَّى أَسْقِيَك. قَوْلُهُ: (بِثَلَاثٍ) أَيْ مِنْ الْأَيَّامِ. قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ عِنْدَهُ) أَيْ لِلْحَاضِرِينَ عِنْدَ الْمَرِيضِ مِنْ النَّاسِ.
(فَائِدَةٌ) قَدْ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ يَحْضُرُ مَوْتَ كُلِّ مُؤْمِنٍ، مَا لَمْ يَمُتْ جُنُبًا. قَوْلُهُ: (تَحْسِينُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ) نَدْبًا، وَقِيلَ: يَجِبُ عَلَى مَنْ رَأَى مِنْهُ يَأْسًا وَقُنُوطًا، وَالرَّجَاءُ لَهُ أَوْلَى كَالصَّحِيحِ إنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ، وَإِلَّا فَالْخَوْفُ لَهُ أَوْلَى، وَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْأَمْنُ، وَإِلَّا اسْتَوَيَا. نَعَمْ الْأَوْلَى لِلْمَرِيضِ تَقْدِيمُ الرَّجَاءِ وَعَكْسُهُ.
ــ
[حاشية عميرة]
فَلَيْسَ الْخِلَافُ رَاجِعًا لِلِاسْتِقْبَالِ أَيْضًا، كَمَا يُوهِمُهُ الْمَتْنُ. قَوْلُهُ: (وَحَقِيقَتُهُمَا) أَيْ وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ لَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ إلَخْ) قِيلَ عُمُومُ الْكَلَامِ يَشْمَلُ الصَّغِيرَ الْمُمَيِّزَ، لَكِنْ قِيَاسُ عَدَمِ تَلْقِينِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَدَمُهُ هُنَا، وَفَرَّقَ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ هُنَا لِلْمَصْلَحَةِ فَيُفْعَلُ، وَهُنَاكَ لِلْفِتْنَةِ وَهُوَ لَا يُفْتَنُ، بَلْ بَحَثَ وُجُوبُهُ عَلَى الْوَلِيِّ كَتَعْلِيمِ الشَّرَائِعِ. قَوْلُهُ: (وَلْيَكُنْ غَيْرَ وَارِثٍ) لَوْ كَانَ فَقِيرًا لَا شَيْءَ لَهُ فَالْوَجْهُ أَنَّ الْوَارِثَ كَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ يَتَكَلَّمَ بَعْدَهَا) لِأَنَّ الْغَرَضَ أَنْ يَكُونَ آخَرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَقَالَ الصَّيْمَرِيُّ: لَا يُعِيدُهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلَامِ الدُّنْيَا أَيْ بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ اهـ.
وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ نَظَرًا لِلْغَرَضِ السَّابِقِ، وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» بَحَثَ فِي الْخَادِمِ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ أَعَمَّ مِنْ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسَانِيِّ، وَأَنَّهُ لَوْ نَطَقَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى التَّوْحِيدِ يَكْفِي، كَقَوْلِهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» . قَوْلُهُ: (لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ) وَاسْتَحْسَنَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، أَنْ يُلَقِّنَهُ الشَّهَادَتَيْنِ أَوَّلًا ثُمَّ يَقْتَصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، عَلَى لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.
قَوْلُهُ: (رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إلَخْ) زَادَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ، ثُمَّ قَالَ:
стр. 376
قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ» قَالَ الْمُصَنِّفُ: نَاظِرٌ أَيْنَ تَذْهَبُ، وَقُبِضَ خَرَجَ مِنْ الْجَسَدِ، وَشَخَصَ بَصَرُهُ بِفَتْحِ الشِّينِ وَضَمِّ الرَّاءِ شَخَصَ، أَيْ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْخَاءِ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَيُسْتَحْسَنُ أَنْ يَقُولَ حَالَ إغْمَاضِهِ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ) عَرِيضَةٍ تُرْبَطُ فَوْقَ رَأْسِهِ لِئَلَّا يَبْقَى فَمُهُ مُنْفَتِحًا فَتَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ. (وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ) فَيُرَدُّ سَاعِدُهُ إلَى عَضُدِهِ وَسَاقُهُ إلَى فَخْذِهِ وَفَخِذُهُ إلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ يَمُدُّهَا وَيُلَيَّنُ أَصَابِعُهُ أَيْضًا وَذَلِكَ لِيُسْهِلَ غُسْلُهُ فَإِنَّ فِي الْبَدَنِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الرُّوحِ بَقِيَّةَ حَرَارَةٍ إذَا لُيِّنَتْ الْمَفَاصِلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَانَتْ، وَإِلَّا لَمْ يُمْكِنْ تَلْيِينُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. (وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ) بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَيُجْعَلُ طَرَفُ الثَّوْبِ تَحْتَ رَأْسِهِ وَطَرَفُهُ الْآخَرُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ لِئَلَّا يَنْكَشِفَ، وَاحْتَرَزَ بِالْخَفِيفِ عَنْ الثَّقِيلِ فَإِنَّهُ يَحْمِيهِ فَيُغَيِّرُهُ. رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «سُجِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ بِثَوْبِ حِبَرَةٍ» ، هُوَ بِالْإِضَافَةِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، وَهُوَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ. وَسُجِّيَ: غُطِّيَ جَمِيعُ بَدَنِهِ.
(وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ) كَمِرْآةٍ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَدِيدٌ فَطِينٌ رَطْبٌ، وَيُصَانُ الْمُصْحَفُ عَنْهُ. (وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ) لِئَلَّا يُصِيبَهُ نَدَاوَةُ الْأَرْضِ فَتُغَيِّرَهُ. (وَنُزِعَتْ) عَنْهُ (ثِيَابُهُ) الَّتِي مَاتَ فِيهَا بِحَيْثُ لَا يُرَى بَدَنُهُ كَمَا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، فَإِنَّهَا تُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادَ فِيمَا حُكِيَ. (وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ) وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ تَوْجِيهِهِ (وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ) جَمِيعَهُ (أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ) بِهِ بِأَسْهَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيَتَوَلَّاهُ الرِّجَالُ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءُ مِنْ النِّسَاءِ، فَإِنْ تَوَلَّاهُ الرِّجَالُ مِنْ نِسَاءِ الْمَحَارِمِ، أَوْ النِّسَاءُ مِنْ رِجَالِ الْمَحَارِمِ جَازَ.
(وَيُبَادَرُ) بِفَتْحِ الدَّالِ (بِغُسْلِهِ إذَا تَيَقَّنَ مَوْتُهُ) بِظُهُورِ أَمَارَاتِهِ مَعَ وُجُودِ الْعِلَّةِ كَأَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ فَلَا تَنْتَصِبَا أَوْ يَمِيلَ أَنْفُهُ أَوْ يَنْخَسِفَ صُدْغَاهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي مَوْتِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ بِهِ عِلَّةٌ، وَاحْتُمِلَ عُرُوضُ سَكْتَةٍ أَوْ ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ فَزَعٍ أَوْ غَيْرِهِ أُخِّرَ إلَى الْيَقِينِ بِتَغَيُّرِ الرَّائِحَةِ أَوْ غَيْرِهِ.
(وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ) فِي حَقِّ الْمَيِّتِ
ــ
[حاشية قليوبي]
(فَائِدَةٌ) الظَّنُّ أَقْسَامٌ وَاجِبٌ كَحُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَحَرَامٌ كَسُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ، وَبِالْمُسْلِمِ الظَّاهِرِ الْعَدَالَةِ، وَمُبَاحٌ كَمَنْ يُخَالِطُ الرَّيْبَ، وَيَتَجَاهَرُ بِالْخَبَائِثِ، وَمِنْ الْجَائِزِ ظَنُّ الشُّهُودِ وَتَقْوِيمُ الْأَمْوَالِ وَأَرْشُ الْجِنَايَاتِ.
قَوْلُهُ: (نَاظِرٌ) وَلَوْ أَعْمَى وَبَقَاءُ النَّظَرِ بَعْدَ مُفَارِقَةِ الرُّوحِ، غَيْرُ بَعِيدٍ لِبَقَاءِ حَرَارَةِ الْبَدَنِ، خُصُوصًا فِي عُضْوٍ أَقْرَبَ إلَى مَحَلِّ خُرُوجِ الرُّوحِ، لِأَنَّهَا تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ مِنْ الْيَافُوخِ، وَالْعَيْنُ آخِرُ شَيْءٍ، تُنْزَعُ مِنْهُ الرُّوحُ وَأَوَّلُ شَيْءٍ تَحِلُّهُ الْحَيَاةُ، وَأَوَّلُ شَيْءٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ. قَوْلُهُ: (وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ) وَلَوْ بِنَحْوِ دُهْنٍ تُوقَفُ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُغَسَّلْ وَالْعِلَّةُ لِلْأَغْلَبِ قَوْلُهُ: (جَمِيعِ بَدَنِهِ) إلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَوَجْهَ الْمُحْرِمَةِ.
قَوْلُهُ: (بَعْدَ نَزْعِ ثِيَابِهِ) وَلَوْ نَبِيًّا وَشَهِيدًا وَالْعِلَّةُ لِلْغَالِبِ، وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، بِمَا فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ، وَتُرَدُّ ثِيَابُ الشَّهِيدِ إلَيْهِ، كَمَا يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (عَلَى بَطْنِهِ) أَيْ فَوْقَ مَا سُتِرَ بِهِ بَدَنُهُ أَوْ تَحْتَهُ. قَوْلُهُ: (ثَقِيلٌ) نَحْوَ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَأَكْثَرَ، وَكَوْنُهُ مِنْ الْحَدِيدِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرَهُ. قَوْلُهُ: (وَيُصَانُ الْمُصْحَفُ عَنْهُ) وُجُوبًا إنْ خِيفَ تَنَجُّسُهُ وَإِلَّا فَنَدْبًا، وَكُتُبُ الْعِلْمِ كَذَلِكَ.
قَوْلُهُ: (عَلَى سَرِيرٍ) وَإِنَّ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى أَرْضٍ وَالْعِلَّةُ لِلْغَالِبِ. قَوْلُهُ: (وَنُزِعَتْ) أَيْ قَبْلَ سَتْرِهِ. قَوْلُهُ: (وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ) فَيُشَدُّ مَا ثَقُلَ بِهِ بَطْنُهُ بِنَحْوِ خِرْقَةٍ. قَوْلُهُ: (وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ جَمِيعَهُ) أَيْ التَّغْمِيضَ وَمَا بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَوَلَّاهُ إلَخْ) قَالَ الْأَذْرَعِيُّ: وَالزَّوْجُ كَالْمُحْرِمِ، وَيَجُوزُ مِنْ الْأَجَانِبِ مَعَ غَضِّ الْبَصَرِ بِلَامِسٍ، وَاسْتَبْعَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (وَيُبَادَرُ) أَيْ وُجُوبًا إنْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ بِالتَّأْخِيرِ وَإِلَّا فَنَدْبًا.
قَوْلُهُ: (إذَا تَيَقَّنَ مَوْتَهُ) قَالَ شَيْخُنَا: هُوَ رَاجِعٌ إلَى التَّغْمِيضِ وَمَا بَعْدَهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ ظَاهِرُ الشَّارِحِ. قَوْلُهُ: (كَأَنْ تَسْتَرْخِيَ قَدَمَاهُ) وَيَنْخَلِعَ كَفَّاهُ، وَتَتَقَلَّصَ خُصْيَتَاهُ وَتَسْتَرْخِيَ جِلْدَتَاهُمَا قَوْلُهُ: (أُخِّرَ) أَيْ وُجُوبًا.
قَوْلُهُ (فُرُوضُ كِفَايَةٍ) وَإِنْ تَكَرَّرَ مَوْتُهُ بَعْدَ حَيَاةٍ
ــ
[حاشية عميرة]
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْهُ لَهُ. قَوْلُهُ (إذَا قُبِضَ تَبِعَهُ إلَخْ) .
(فَائِدَةٌ) قِيلَ: إنَّ الْعَيْنَ آخِرُ شَيْءٍ تُنْزَعُ مِنْهُ الرُّوحُ وَأَوَّلُ شَيْءٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَنُزِعَتْ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: كَانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُ هَذَا عَلَى مَا سَلَفَ اهـ. أَقُولُ وَقَدْ أَشَارَ الشَّارِحُ إلَى هَذَا فِيمَا سَلَفَ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَغُسْلُهُ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَسْقُطُ بِفِعْلِ
стр. 377
الْمُسْلِمِ بِالْإِجْمَاعِ. أَمَّا الْكَافِرُ فَسَيَأْتِي حُكْمُهُ فِي فَرْعِ الْأَوْلِيَاءِ. (وَأَقَلُّ الْغُسْلِ تَعْمِيمُ بَدَنِهِ) مَرَّةً (بَعْدَ إزَالَةِ النَّجَسِ) عَنْهُ إنْ كَانَ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا أَيْضًا فَلَا يَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَيِّ أَنَّ الْغَسْلَةَ لَا تَكْفِيهِ عَنْ النَّجَسِ وَالْحَدَثِ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ أَنَّهَا تَكْفِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ، وَكَأَنَّهُ تَرَكَ الِاسْتِدْرَاكَ هُنَا لِلْعِلْمِ بِهِ مِنْ هُنَاكَ.
(وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ) أَيْ لَا تُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الْغُسْلِ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّ الْقَصْدَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ النَّظَافَةُ، وَهِيَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نِيَّةٍ. وَالثَّانِي يَجِبُ لِأَنَّهُ غُسْلٌ وَاجِبٌ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ فَيَنْوِي عِنْدَ إفَاضَةِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ أَوْ غُسْلَ الْمَيِّتِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ (فَيَكْفِي) عَلَى الْأَصَحِّ (غَرَقُهُ) عَنْ الْغُسْلِ (أَوْ غُسْلُ كَافِرٍ) لَهُ (قُلْت:) كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ (الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ غُسْلِ الْغَرِيقِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنَّا إلَّا بِفِعْلِنَا.
(وَالْأَكْمَلُ وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ) مِنْ النَّاسِ (مَسْتُورٍ) عَنْهُمْ لَا يَدْخُلُهُ إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يُعِينُهُ وَالْوَلِيُّ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْتَتِرُ عِنْدَ الِاغْتِسَالِ فَيَسْتَتِرُ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَقَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ بَدَنِهِ مَا يُكْرَهُ ظُهُورُهُ، وَقَدْ تَوَلَّى غُسْلَهُ ﷺ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ يُنَاوِلُ الْمَاءَ، وَالْعَبَّاسُ وَاقِفٌ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ. (عَلَى لَوْحٍ) أَوْ سَرِيرٍ هِيَ لِذَلِكَ وَلِيَكُنْ مَوْضِعُ رَأْسِهِ أَعْلَى لِيَنْحَدِرَ الْمَاءُ عَنْهُ وَلَا يَقِفُ تَحْتَهُ. (وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ) يُلْبَسُ عِنْدَ غُسْلِهِ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهُ، وَقَدْ «غُسِّلَ ﷺ فِي قَمِيصٍ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَلِيَكُنْ الْقَمِيصُ سَحِيقًا أَوْ بَالِيًا، وَيُدْخِلُ الْغَاسِلُ يَدَهُ فِي كُمِّهِ إنْ كَانَ وَاسِعًا يَغْسِلُهُ مِنْ تَحْتِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَتَقَ رُءُوسَ الدَّخَارِيصِ وَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي مَوْضِعِ الْفَتْقِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ قَمِيصٌ أَوْ لَمْ يَتَأَتَّ غُسْلُهُ فِيهِ سُتِرَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَسَيَأْتِي حُكْمُ نَظَرِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمَنْثُورَةِ. (بِمَاءٍ بَارِدٍ) لِأَنَّهُ يَشُدُّ الْبَدَنَ بِخِلَافِ الْمُسَخَّنِ فَإِنَّهُ يُرْخِيهِ إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ إلَيْهِ لِوَسَخٍ
ــ
[حاشية قليوبي]
حَقِيقَةٍ، وَيَحْرُمُ تَرْكُهَا عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ، وَغَيْرِ قَرِيبٍ، وَعَلَى جَارٍ قَصَّرَ فِي عِلْمِهِ بِعَدَمِ الْبَحْثِ عَنْهُ.
(تَنْبِيهٌ) مَشْرُوعِيَّةُ الْغُسْلِ وَالْحَنُوطِ وَالسِّدْرِ وَالْكَافُورِ، وَكَوْنِ الثِّيَابِ وِتْرًا وَالْحَفْرِ وَالصَّلَاةِ، بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّاتِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَلَا تَعَارُضَ، أَنَّ الْمَلَائِكَةَ غَسَّلَتْ آدَمَ، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ فِي الْقَبْرِ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ غَائِبًا النَّجَاشِيُّ. قَوْلُهُ: (بَدَنِهِ) وَمِنْهُ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الِاسْتِنْجَاءِ. قَوْلُهُ: (وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ
. قَوْلُهُ: (أَيْ لَا تُشْتَرَطُ) أَفَادَ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ، الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ الْبُطْلَانُ. قَوْلُهُ: (نِيَّةُ الْغَاسِلِ) وَلَا مَنْ يَمَّمَ.
قَوْلُهُ: (لِأَنَّا) مَعَاشِرَ الْآدَمِيِّينَ، وَلَوْ غَيْرَ الْمُكَلَّفِينَ، وَمِنْهُمْ الْمَيِّتُ لَوْ غَسَّلَ نَفْسَهُ كَرَامَةً، وَالْجِنُّ كَالْآدَمِيِّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ الْمَلَائِكَةِ، وَالصَّلَاةُ كَالْغُسْلِ. نَعَمْ يَكْفِي تَكْفِينُ الْمَلَائِكَةِ، وَدَفْنُهُمْ لِوُجُودِ السِّتْرِ. قَوْلُهُ: (مَسْتُورٍ) وَتَحْتَ سَقْفٍ كَمَا فِي الْأُمِّ، وَيُنْدَبُ كَمَا فِي وَقْتِ مَوْتِهِ، أَنْ يُغَطِّيَ وَجْهَهُ فِي أَوَّلِ وَضْعِهِ كَمَا قَالَهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الْإِمَامِ، وَيُنْدَبُ التَّبْخِيرُ عِنْدَهُ، مِنْ وَقْتِ مَوْتِهِ، وَبَعْدَهُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا. قَوْلُهُ: (وَالْوَلِيُّ) أَيْ إنْ لَمْ تَكُنْ عَدَاوَةٌ، وَإِلَّا فَالْأَجْنَبِيُّ أَوْلَى. قَوْلُهُ: (وَأُسَامَةُ يُنَاوِلُ الْمَاءَ) وَكَذَا شُقْرَانُ مَوْلَاهُ ﷺ فَهُمْ خَمْسَةٌ عَلِيٌّ وَالْفَضْلُ، وَشُقْرَانُ وَأُسَامَةُ وَالْعَبَّاسُ، وَكَانَتْ أَعْيُنُهُمْ مَعْصُوبَةً، وَكَانَ مَوْتُهُ ﷺ ضَحْوَةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَفْرُوضَةِ، وَصَلُّوا عَلَيْهِ فُرَادَى خِلَافًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ، لِأَنَّهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً بَعْدُ يُجْعَلُ إمَامًا وَجُمْلَةُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ سِتُّونَ أَلْفًا، وَمِنْ غَيْرِهِمْ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ، ثُمَّ بَنُو هَاشِمٍ ثُمَّ الْمُهَاجِرُونَ، ثُمَّ الْأَنْصَارُ ثُمَّ أَهْلُ الْقُرَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ، وَمَاتَ عَنْ مِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، كُلُّهُمْ لَهُ صُحْبَةٌ، خِلَافًا لِلْغَزَالِيِّ، وَمَنْ قَالَ: إنَّهُمْ صَلُّوا عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَمَّى اللَّيْلَةَ يَوْمًا بِالتَّغْلِيبِ، أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَيْلَةِ الْأَرْبِعَاءِ الَّتِي تَلِيهِ وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُهُ: (سَرِيرٍ) وَيُنْدَبُ رَفْعُهُ إنْ خِيفَ الرَّشَّاشُ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ «غُسِّلَ ﷺ فِي قَمِيصٍ» ) وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي تَجْرِيدِهِ، أَوْ
ــ
[حاشية عميرة]
الْمُمَيِّزِ، مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ، كَنَظِيرِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (عَلَى لَوْحٍ) رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غُسِّلَ عَلَى سَرِيرٍ، وَأَنَّهُ اسْتَمَرَّ إلَى أَنْ غُسِّلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِمَاءٍ بَارِدٍ) وَاسْتَحَبَّ
стр. 378
أَوْ بَرْدٍ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ يَكُونُ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ، وَيُبْعَدُ عَنْ الْمُغْتَسَلِ بِحَيْثُ لَا يُصِيبُهُ رَشَّاشُهُ.
(وَيُجْلِسُهُ الْغَاسِلُ) بِرِفْقٍ. (عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إلَى وَرَائِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ) لِئَلَّا يَمِيلَ رَأْسُهُ (وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إمْرَارًا بَلِيغًا لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ) مِنْ الْفَضَلَاتِ وَيَكُونُ عِنْدَهُ حِينَئِذٍ مِجْمَرَةٌ مُتَّقِدَةٌ فَائِحَةُ الطِّيبِ، وَالْمُعِينُ يَصُبُّ عَلَيْهِ مَاءً كَثِيرًا لِئَلَّا تَظْهَرَ رَائِحَةُ مَا يَخْرُجُ. (ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ) مَلْفُوفَةٌ بِهَا (سَوْأَتَيْهِ) أَيْ دُبُرَهُ وَقُبُلَهُ وَمَا حَوْلَهُ كَمَا يَسْتَنْجِي الْحَيُّ.
وَفِي النِّهَايَةِ وَالْوَسِيطِ أَنَّهُ يَغْسِلُ كُلَّ سَوْأَةٍ بِخِرْقَةٍ، وَهُوَ أَبْلَغُ فِي النَّظَافَةِ، لَكِنْ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ الْأَوَّلُ، وَيَتَعَهَّدُ مَا عَلَى بَدَنِهِ مِنْ قَذَرٍ وَنَحْوِهِ. (ثُمَّ) بَعْدَ إلْقَاءِ الْخِرْقَةِ وَغَسْلِ يَدِهِ بِمَاءٍ وَأُشْنَانٍ. (يَلُفُّ) خِرْقَةً (أُخْرَى) عَلَى الْيَدِ (وَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ) بِشَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ كَمَا يَسْتَاكُ الْحَيُّ وَلَا يَفْتَحُ فَاهُ. (وَيُزِيلُ مَا فِي مَنْخِرَيْهِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْخَاءِ (مِنْ أَذًى) بِأُصْبُعِهِ مَعَ شَيْءٍ مِنْ الْمَاءِ. (وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ) ثَلَاثًا ثَلَاثًا بِمَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ، وَقِيلَ: يُسْتَغْنَى عَنْهُمَا بِمَا تَقَدَّمَ، وَيُمِيلُ رَأْسَهُ فِيهِمَا لِئَلَّا يَصِلَ الْمَاءُ بَاطِنَهُ، وَلِخَوْفِ ذَلِكَ حَكَى الْإِمَامُ تَرَدُّدًا فِي أَنَّهُ يَكْفِي وُصُولُ الْمَاءِ مَقَادِيمَ الثَّغْرِ وَالْمَنْخِرَيْنِ، أَوْ يُوصَلُ الدَّاخِلَ، وَقَطَعَ بِأَنَّ أَسْنَانَهُ لَوْ كَانَتْ مُتَرَاصَّةً لَا تُفْتَحُ.
(ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ خِطْمِيٍّ (وَيُسَرِّحُهُمَا) إنْ تَلَبَّدَ شَعْرُهُمَا (بِمُشْطٍ وَاسِعِ الْأَسْنَانِ بِرِفْقٍ) لِيَقِلَّ الِانْتِتَافُ (وَيَرُدُّ الْمُنْتَتَفَ إلَيْهِ) بِأَنْ يُوضَعَ فِي كَفَنِهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ قُبَيْلَ بَابِ التَّكْفِينِ عَنْ الْبَغَوِيّ وَغَيْرِهِ (وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ ثُمَّ الْأَيْسَرَ) الْمُقْبِلَيْنِ مِنْ عُنُقِهِ إلَى قَدَمِهِ (ثُمَّ يُحَرِّفُهُ) بِالتَّشْدِيدِ (إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرِ إلَى الْقَدَمِ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ) الْأَغْسَالُ الْمَذْكُورَةُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ -
ــ
[حاشية قليوبي]
لَا فَغَشِيَهُمْ جَمِيعًا النُّعَاسُ، فَسَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ: لَا تُجَرِّدُوا رَسُولَ اللَّهِ، وَسَرِيرُهُ الَّذِي غُسِّلَ عَلَيْهِ ﷺ اسْتَمَرَّ بَعْدَهُ مَوْجُودًا، إلَى أَنْ غُسِّلَ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَحُمِلَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ. قَوْلُهُ: (بِمَاءٍ بَارِدٍ) وَأَوْلَاهُ الْمِلْحُ وَيُقَدَّمُ غَيْرُ مَاءِ زَمْزَمَ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (فِي إنَاءٍ كَبِيرٍ) يُغْرَفُ مِنْهُ بِصَغِيرٍ إلَى مُتَوَسِّطٍ يَصُبُّ بِهِ فَالْآنِيَةُ ثَلَاثَةٌ. قَوْلُهُ: (وَيُجْلِسُهُ إلَخْ) لَا يَخْفَى مَرْجِعُ هَذِهِ الضَّمَائِرِ. قَوْلُهُ: (بَلِيغًا) أَيْ مِنْ حَيْثُ تَكْرَارُهُ لَا شِدَّتُهُ. قَوْلُهُ: (وَبِخِرْقَةٍ) مَلْفُوفَةٍ وُجُوبًا إلَّا فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ، فَنَدْبًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ لِجَوَازِ الْمَسِّ، وَالنَّظَرِ فِيهِمَا. قَوْلُهُ: (الْأَوَّلُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَغَسْلِ يَدَيْهِ) أَيْ إنْ تَلَوَّثَتْ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ.
قَوْلُهُ: (عَلَى الْيَدِ) أَيْ الْيُسْرَى. قَوْلُهُ: (أُصْبُعَهُ) أَيْ السَّبَّابَةَ. قَوْلُهُ: (كَمَا يَسْتَاكُ الْحَيُّ) مِنْ حَيْثُ الْإِمْرَارُ إذْ الْأَوْلَى فِي الْحَيِّ أَنْ يَكُونَ بِعُودٍ، وَفِي بَاطِنِ الْأَسْنَانِ. قَوْلُهُ: (بِأُصْبُعِهِ) أَيْ الْخِنْصَرِ مِنْ الْيُسْرَى، وَيُزِيلُ مَا تَحْتَ أَظَافِيرِهِ إنْ لَمْ يُقَلِّمُهَا. قَوْلُهُ: (وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ) يُفِيدُ وُجُوبَ النِّيَّةِ فِيهِ، وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ نَدْبَهَا، كَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ وَيَكْفِيهِ فِيهِ نِيَّةُ سُنَّةِ الْغُسْلِ. قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَلَا يُنْدَبُ تَكْرِيرُ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ كَمَا سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: (وَيُسَرِّحُهُمَا) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ. قَوْلُهُ: (إنْ تَلَبَّدَ) لَيْسَ قَيْدًا لِلْحُكْمِ قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: قَيْدٌ لِطَلَبِ التَّسْرِيحِ مُطْلَقًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا: قَيْدٌ فِي كَوْنِ الْمِشْطِ وَاسِعَ الْأَسْنَانِ. قَوْلُهُ: (فِي كَفَنِهِ) نَدْبًا وَدَفْنُهُ وَاجِبٌ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يُحَرِّفُهُ) وَيَحْرُمُ كَبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ احْتِرَامًا لَهُ، وَإِنْ كُرِهَ لَهُ حَيًّا لِأَنَّهُ حَقُّهُ. قَوْلُهُ: (مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ إلَخْ) أَيْ فَالْمُرَادُ الْمَاءُ الْقَرَاحُ فِيهَا، كَمَا فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَالسِّدْرُ، وَنَحْوَهُ الْمَذْكُورُ هُنَا مِنْ جُمْلَةِ الِاسْتِعَانَةِ الْآتِيَةِ، قَدَّمَهُ عَلَى مَحَلِّهِ كَمَا
ــ
[حاشية عميرة]
الْمَاوَرْدِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ كَوْنَهُ مَالِحًا. قَوْلُهُ: (إنْ تَلَبَّدَ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَلَبَّدْ لِإِزَالَةِ مَا فِي أُصُولِهِ مِنْ السِّدْرِ، وَمَا عَسَاهُ يَكُونُ مِنْ الْوَسَخِ.
قَوْلُهُ: (بِمِشْطٍ) هُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَضَمِّهَا، وَبِضَمِّهَا مَعَ الشِّينِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (الْأَيْمَنِ) أَيْ لِلْحَدِيثِ وَأَمَّا الشِّقَّانِ الْمُقْبِلَانِ فَلِشَرَفِهِمَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَهَذِهِ غَسْلَةٌ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ لَك فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ كَيْفِيَّتَيْنِ، إحْدَاهُمَا غُسْلُهُ بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُزَالُ، وَهَكَذَا ثَانِيًا وَثَالِثًا، ثُمَّ
стр. 379
عَنْ السِّدْرِ وَنَحْوِهِ فِيهَا غَسْلَةٌ (وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً) فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ النَّظَافَةُ زِيدَ حَتَّى تَحْصُلَ، فَإِنْ حَصَلَتْ بِشَفْعٍ اُسْتُحِبَّ الْإِيتَارُ بِوَاحِدَةٍ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ) بِكَسْرِ الْخَاءِ، وَحُكِيَ فَتْحُهَا لِلتَّنْظِيفِ وَالْإِنْقَاءِ، وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. (ثُمَّ يَصُبُّ مَاءَ قَرَاحٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ أَيْ خَالِصٍ (مِنْ فَرْقِهِ إلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ) أَوْ نَحْوِهِ بِالْمَاءِ فَلَا تُحْسَبُ غَسْلَةُ السِّدْرِ وَلَا مَا أُزِيلَ بِهِ مِنْ الثَّلَاثِ لِتَغَيُّرِ الْمَاءِ بِهِ التَّغَيُّرِ السَّالِبِ لِلطَّهُورِيَّةِ، وَإِنَّمَا يُحْسَبُ مِنْهَا غَسْلَةُ الْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَيَكُونُ الثَّلَاثُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ فَيَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِأُولَاهَا.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ) مِنْ الثَّلَاثِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ. (قَلِيلَ كَافُورٍ) بِحَيْثُ لَا يَضُرُّ الْمَاءَ لِأَنَّ رَائِحَتَهُ تَطْرُدُ الْهَوَامَّ، وَهُوَ فِي الْأَخِيرَةِ آكَدُ وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ بَعْدَ الْغُسْلِ ثُمَّ يُنَشَّفُ تَنْشِيفًا بَلِيغًا لِئَلَّا تَبْتَلَّ أَكْفَانُهُ فَيَسْرَعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «قَوْلُهُ ﷺ لِغَاسِلَاتِ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ ﵂: ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا وَاغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْأَخِيرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنْهُنَّ: وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَفِي رِوَايَةٍ فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا» ، وَقَوْلُهُ: " أَوْ خَمْسًا " إلَى آخِرِهِ هُوَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فِي النَّظَافَةِ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّلَاثِ مَعَ رِعَايَةِ -
ــ
[حاشية قليوبي]
سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ زِيدَ، أَيْ مِنْ الْمَاءِ الْقَرَاحِ. قَوْلُهُ: (وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى) أَيْ مَعَهَا قَبْلَ فِعْلِهَا لِأَنَّهَا هِيَ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَصُبُّ مَاءَ قَرَاحٍ إلَخْ.
قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) أَيْ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهُ لِعَدَمِ طَلَبِ التَّحْرِيفِ فِيهِ كَمَا هُنَا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَصُبُّ إلَخْ) أَيْ يَعُمُّ بَدَنَهُ بِهِ سَوَاءٌ مَعَ تَحْرِيفٍ أَوْ لَا. قَوْلُهُ: (فَلَا تُحْسَبُ إلَخْ) أَيْ فَهُمَا غَسْلَتَانِ قَبْلَ ثَلَاثَةِ الْمَاءِ، الْقَرَاحِ الَّتِي يَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِأُولَاهَا كَمَا ذَكَرَهُ، فَجُمْلَةُ مَا فِي كَلَامِهِ خَمْسُ غَسَلَاتٍ هَذَا صَرِيحُ كَلَامِ الشَّارِحِ، الَّذِي قَرَّرَ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ، وَبَعْضُهُمْ قَرَّرَهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ جَعَلَ فِيهِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، كَمَا يُرَاجَعُ وَيُعْرَفُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَيُنْدَبُ الْغَسْلَتَانِ بِالسِّدْرِ وَالْمُزِيلَةِ قَبْلَ الثَّانِيَةِ، مِنْ مَاءِ الْقَرَاحِ فَتَكُونُ الْغَسَلَاتُ سَبْعَةً، وَيُنْدَبَانِ قَبْلَ الثَّالِثَةِ أَيْضًا، فَتَكُونُ تِسْعَةً وَلَهُ تَأْخِيرُ ثَلَاثَةِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ عَنْ السِّتَّةِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (السَّالِبُ لِلطَّهُورِيَّةِ) أَيْ غَالِبًا. قَوْلُهُ: (فَرْقِهِ) هُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ، لِأَنَّهُ مَحَلُّ فَرْقِ الشَّعْرِ، -
ــ
[حاشية عميرة]
يُغَسَّلُ ثَلَاثًا بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَاحِدَةٌ لِلْوَاجِبِ، وَثِنْتَانِ لِلتَّثْلِيثِ، فَالْجُمْلَةُ تِسْعَةٌ الثَّانِيَةُ وَاحِدَةٌ بِالسِّدْرِ، وَأُخْرَى مُزِيلَةٌ، وَأُخْرَى بِالْقَرَاحِ، ثُمَّ تُعَادُ الثَّلَاثُ هَكَذَا ثَانِيًا وَثَالِثًا، فَالْجُمْلَةُ تِسْعٌ أَيْضًا فَالْكَيْفِيَّةُ الْأُولَى فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْإِسْنَوِيُّ وَحَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ قَرِيبٌ مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ فِي كَلَامِ السُّبْكِيّ، وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا فِي الْمَنْهَجِ، قَالَ السُّبْكِيُّ: وَكَلَامُ الْمِنْهَاجِ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهَا بِأَنْ يُجْعَلَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، أَيْ بِأَنْ يُقَالَ فَيَغْسِلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُصَبُّ مَاءُ قَرَاحٍ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً أَيْ كَذَلِكَ أَقُولُ، لَكِنْ يُنَافِيهِ وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الْأُولَى إلَّا أَنْ يَحْمِلَ عَلَى الْأُولَى مِنْ كُلٍّ مِنْ الْغَسَلَاتِ الثَّلَاثِ، إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ لَمْ يَسْلُكْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا فَهِمَ كَيْفِيَّةً أُخْرَى حَاوَلَ حَمْلَ الْمَتْنِ عَلَيْهَا، هِيَ أَنْ يُغَسَّلَ أَوَّلًا بِالسِّدْرِ ثُمَّ يُزِيلَهُ ثُمَّ ثَلَاثًا فَبِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، فَقَوْلُهُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ إلَخْ.
يُرِيدُ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ بِالْغَسْلَةِ، هُوَ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ السِّدْرِ وَمُزِيلِهِ، وَقَوْلُ الْمِنْهَاجِ وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً أَيْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَقَوْلُهُ وَأَنْ يُسْتَعَانَ إلَى قَوْلِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، تَفْصِيلٌ وَبَيَانٌ لِمَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي الْأُولَى، وَإِفَادَةٌ لِأَنَّ غَسْلَةَ السِّدْرِ وَالْمُزِيلَةَ، لَا تُحْسَبُ، وَإِنَّمَا تُحْسَبُ الَّتِي بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَلِذَا قَالَ الشَّارِحُ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِنْتَاجِ، فِيمَا يَأْتِي فَتَكُونُ الثَّلَاثَةُ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ، يَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِأَوَّلِهَا ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّارِحُ، وَحَاوَلَهُ هُوَ ظَاهِرُ عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ بَلْ لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ، وَكَذَا صَنَعَ فِي الْبَهْجَةِ وَالْإِرْشَادِ لَكِنْ شَارِحَاهُ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَا ذَلِكَ، نَبَّهَا عَلَى أَنَّ الْأَكْمَلَ، هُوَ الْكَيْفِيَّةُ الْأُولَى أَيْ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْإِسْنَوِيُّ. قَوْلُهُ: (عَنْ السِّدْرِ) أَيْ الَّذِي سَلَفَ ذِكْرُهُ فِي الرَّافِعِيِّ، وَاَلَّذِي سَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ الْمِنْهَاجُ، أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَدَنِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَانِيَةً وَثَالِثَةً) أَيْ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ النَّظَافَةُ زِيدَ إلَخْ) صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي غَسْلَةِ السِّدْرِ، وَمُزِيلِهِ بِأَنْ يُكَرَّرَا مَعًا، وَيَكُونُ وِتْرًا إذَا حَصَلَ الْإِنْقَاءُ بِشَفْعٍ، وَفِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِلْمَقْدِسِيِّ، وَاعْلَمْ أَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْإِنْقَاءِ، إنَّمَا هِيَ فِي غَسْلَةِ السِّدْرِ وَمُزِيلَتِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْحَدِيثِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ خِلَافُ مَا يُوهِمُهُ الْإِرْشَادُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ غَسَلَاتِ الْمَاءِ الْقَرَاحِ اهـ. قَوْلُهُ: (وَمِنْهُ مَا تَقَدَّمَ إلَخْ) أَيْ فَالْمُرَادُ بِالْأُولَى بَاقِي الْبَدَنِ غَيْرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (مِنْ فَرْقِهِ) هُوَ وَسَطُ الرَّأْسِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ فَرْقِ الشَّعْرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الْمَفْرِقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا.
стр. 380
الْوِتْرِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، وَقَوْلُهُ: " إنْ رَأَيْتُنَّ " أَيْ احْتَجْتُنَّ، وَكَافُ ذَلِكَ بِالْكَسْرِ خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ. وَمَشَطْنَا وَضَفَرْنَا بِالتَّخْفِيفِ وَثَلَاثَةَ قُرُونٍ أَيْ ضَفَائِرَ الْقَرْنَيْنِ وَالنَّاصِيَةَ.
(وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ) أَيْ الْغُسْلِ (نَجَسٌ وَجَبَ إزَالَتُهُ فَقَطْ) وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِمَا وُجِدَ (وَقِيلَ) تَجِبُ إزَالَتُهُ (مَعَ الْغُسْلِ إنْ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ) لِيُخْتَمَ أَمْرُهُ بِالْأَكْمَلِ (وَقِيلَ) يَجِبُ مَعَ (الْوُضُوءِ) لَا الْغُسْلِ فِي الْخَارِجِ مِنْ الْفَرْجِ كَمَا فِي الْحَيِّ. وَأَطْلَقَ الْجُمْهُورُ الْخِلَافَ، وَأَشَارَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ إلَى تَخْصِيصِهِ بِالْخَارِجِ قَبْلَ الْإِدْرَاجِ فِي الْكَفَنِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: يُوَافِقُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَالسَّرَخْسِيُّ صَاحِبُ الْأَمَالِي: فَجَزَمُوا بِالِاكْتِفَاءِ بِغَسْلِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ الْإِدْرَاجِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إطْلَاقُ الْجُمْهُورِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِدْرَاجِ
(وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ) هَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا الْمَنْصُوبُ. (وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ وَهِيَ زَوْجَهَا) أَيْ لَهُمْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَمَةِ لَا تُغَسِّلُ سَيِّدَهَا فِي الْأَصَحِّ لِانْتِقَالِهَا عَنْهُ وَالزَّوْجَةُ لَا تَنْقَطِعُ حُقُوقُهَا بِالْمَوْتِ بِدَلِيلِ التَّوَارُثِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ لِعَائِشَةَ: «لَوْ مِتِّ قَبْلِي لَغَسَّلْتُك وَكَفَّنْتُك» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ فِي الْأَمَةِ فِي الشِّقَّيْنِ الْقِنَّةُ وَالْمُدَبَّرَةُ وَأُمُّ الْوَلَدِ.
أَمَّا الْمُكَاتَبَةُ فَلَهُ غُسْلُهَا أَيْضًا لِارْتِفَاعِ كِتَابَتِهَا بِمَوْتِهَا، وَلَيْسَ لَهَا غُسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ غُسْلُ الْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ وَالْمُسْتَبْرَأَةِ وَلَا لَهُنَّ غُسْلُهُ بِلَا خِلَافٍ لِحُرْمَةِ بُضْعِهِنَّ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ فِي الزَّوْجَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ فِي الشِّقَّيْنِ إلَّا أَنَّ غُسْلَ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ مَكْرُوهٌ، ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ كَالْمُهَذَّبِ عَنْ النَّصِّ، وَفِي شَرْحِهِ لِسَيِّدِ الذِّمِّيَّةِ غُسْلُهَا. (وَيَلُفَّانِ) أَيْ السَّيِّدُ وَأَحَدُ الزَّوْجَيْنِ. (خِرْقَةً) عَلَى يَدِهِمَا (وَلَا مَسَّ) بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَيِّتِ، أَيْ يَنْبَغِي ذَلِكَ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ صَحَّ الْغُسْلُ، وَلَا يُبْنَى عَلَى الْخِلَافِ فِي انْتِقَاضِ طُهْرِ الْمَلْمُوسِ، وَأَمَّا وُضُوءُ الْغَاسِلِ فَيُنْتَقَضُ. (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَجْنَبِيٌّ) فِي الْمَيِّتِ الْمَرْأَةِ (أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ) فِي الرَّجُلِ. (يُمِّمَ فِي الْأَصَحِّ) إلْحَاقًا لِفَقْدِ الْغَاسِلِ بِفَقْدِ الْمَاءِ الثَّانِي بِغُسْلِ الْمَيِّتِ -
ــ
[حاشية قليوبي]
وَيُقَالُ لَهُ مَفْرَقٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا. قَوْلُهُ: (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ إلَخْ) وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ وَيَحْرُمُ فِعْلُهُ فِي الْمُحْرِمِ. قَوْلُهُ: (وَكَافٍ ذَلِكَ) أَيْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْكَسْرِ، لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِمُؤَنَّثٍ، وَكَانَ الْأَنْسَبُ ذَلِكُنَّ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ، وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّارِحُ، بِقَوْلِهِ: خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ، لِأَنَّ غَيْرَهَا تَبَعٌ لَهَا فَلَمْ يَحْتَجْ لِخِطَابِهِ.
قَوْلُهُ: (وَجَبَ إزَالَتُهُ) أَيْ قَبْلَ الصَّلَاةِ، لِمَنْعِهِ مِنْ صِحَّتِهَا عَلَيْهِ، وَعَنْ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وُجُوبُهُ بَعْدَ الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ يَرْتَضِهِ شَيْخُنَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَطْعُ الْخَارِجِ مِنْهُ صَلَّى عَلَيْهِ كَالْحَيِّ السَّلِسِ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الْفَرْجِ) لِعَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ بِهِ كَمَا لَا يُجَنَّبُ بِالْوَطْءِ.
قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا الْمَنْصُوبُ) أَيْ لِيَصِحَّ تَذْكِيرُ الْفِعْلِ فِي الثَّانِي، بِوُجُودِ الْفَاصِلِ وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى. نَعَمْ مَنْ لَمْ يُمَيِّزْ وَالْخُنْثَى وَلَوْ كَبِيرًا يُغَسِّلَانِ الْفَرِيقَيْنِ، وَيُغَسِّلُهُمَا الْفَرِيقَانِ قَالَ شَيْخُنَا، وَيَقْتَصِرُ فِيهِمَا عَلَى غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ. قَوْلُهُ: (وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَتَهُ) أَيْ وَإِنْ تَزَوَّجَ نَحْوَ أُخْتِهَا، وَهِيَ زَوْجُهَا، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ غُسْلِهِ كَأَنْ، وَلَدَتْ عَقِبَ مَوْتِهِ وَالْكَلَامُ هُنَا مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ، وَسَتَأْتِي الْأَوْلَوِيَّةُ.
قَوْلُهُ: (وَلَيْسَ لَهُ غَسْلُ الْمُزَوِّجَةِ) وَكَذَا الْمَجُوسِيَّةِ وَالْوَثَنِيَّةِ وَلَوْ مَسْبِيَّةً. قَوْلُهُ: (وَسَوَاءٌ فِي الزَّوْجَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالذِّمِّيَّةِ) وَكَذَا الْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ، وَالضَّابِطُ فِي جَوَازِ الْغُسْلِ فِي الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ، وَالسَّيِّدِ وَأَمَتِهِ حِلُّ الْبُضْعِ قَبْلَ الْمَوْتِ لِأَحَدِهِمَا، إلَّا فِي أَمَتِهِ الْمُكَاتَبَةِ لِمَا ذَكَرَ فِيهَا. قَوْلُهُ: (وَيَلُفَّانِ) أَيْ نَدْبًا كَمَا مَرَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَاسِلُ مُتَطَهِّرًا. قَوْلُهُ: (يَنْبَغِي) أَيْ يُنْدَبُ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ) أَيْ لَمْ -
ــ
[حاشية عميرة]
قَوْلُهُ: (كَافُورًا أَوْ شَيْئًا) يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا شَكًّا مِنْ الرَّاوِي. قَوْلُهُ: (خِطَابًا لِأُمِّ عَطِيَّةَ) أَيْ لِأَنَّ غَيْرَهَا تَبَعٌ لَهَا، وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ [يونس: ٨٣] .
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ) بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ إلْحَاقَ الْأَمْرِ بِالْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: (وَالْأَوَّلُ فِيهِمَا الْمَنْصُوبُ) حِكْمَةُ ذَلِكَ إفَادَةُ الِاخْتِصَاصِ هَذِهِ الْحَاشِيَةُ كَتَبْتهَا وَلَمْ أَرَ إلَى الْآنَ هَلْ لِي فِيهَا سَلَفٌ أَمْ لَا، وَفِيهَا إنَّ إفَادَةَ الِاخْتِصَاصِ إنَّمَا هِيَ فِي تَقْدِيمِ الْمَعْمُولِ عَلَى عَامِلِهِ. وَأَمَّا كَوْنُهَا فِي تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ عَلَى الْفَاعِلِ فَلَمْ أَعْلَمْهُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ) قِيَاسًا عَلَى الزَّوْجَةِ. قَوْلُهُ: (لِانْتِقَالِهَا عَنْهُ) قَدْ يَرِدُ أُمُّ الْوَلَدِ وَيُجَابُ بِأَنَّهَا انْتَقَلَتْ عَنْهُ إلَى الْحُرِّيَّةِ بِخِلَافِ الزَّوْجَةِ فَإِنَّ عَلَقَتَهَا بَاقِيَةٌ. قَوْلُهُ: (لِحُرْمَةِ بُضْعِهِنَّ) قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَا يُغَسِّلُ الْمَجُوسِيَّةَ وَالْوَثَنِيَّةَ، وَكُلَّ أَمَةٍ يَحْرُمُ بُضْعُهَا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (أَيْ السَّيِّدُ) أَحْسَنُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ أَيْ الْحَلِيلُ وَالزَّوْجَةُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ) لَوْ مَاتَ مُسْلِمٌ، وَهُنَاكَ
стр. 381
فِي ثِيَابِهِ، وَيَلُفُّ الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً وَيَغُضُّ طَرْفَهُ مَا أَمْكَنَهُ، فَإِنْ اضْطَرَّ إلَى النَّظَرِ نَظَرَ لِلضَّرُورَةِ.
(وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ) أَيْ بِالرَّجُلِ فِي غُسْلِهِ (أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ) عَلَيْهِ وَهُمْ رِجَالُ الْعَصَبَاتِ مِنْ النَّسَبِ ثُمَّ الْوَلَاءِ كَمَا سَيَأْتِي، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَنْظُرُ مِنْهُ إلَى مَا لَا يَنْظُرُونَ، وَهُوَ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ وَبَعْدَهُمْ ذَوُو الْأَرْحَامِ، ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ الزَّوْجَةُ، ثُمَّ النِّسَاءُ الْمَحَارِمُ. وَقِيلَ: تُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ عَلَى الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ. (وَ) أَوْلَى النِّسَاءِ (بِهَا) أَيْ بِالْمَرْأَةِ فِي غُسْلِهَا (قَرَابَاتُهَا وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الْأَصَحِّ) وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ مِنْهَا إلَى مَا لَا يَنْظُرْنَ إلَيْهِ. (وَأَوْلَاهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) وَهِيَ مَنْ لَوْ قُدِّرَتْ ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نِكَاحُهَا، فَإِنْ اسْتَوَتْ اثْنَتَانِ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ فَالَّتِي فِي مَحَلِّ الْعُصُوبَةِ أَوْلَى كَالْعَمَّةِ مَعَ الْخَالَةِ وَاَللَّوَاتِي لَا مَحْرَمِيَّةَ لَهُنَّ يُقَدَّمُ مِنْهُنَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ. (ثُمَّ) بَعْدَ الْقَرَابَاتِ ذَوَاتُ الْوَلَاءِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ثُمَّ (الْأَجْنَبِيَّةُ ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ قُلْت إلَّا ابْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ) وَهُوَ قَرِيبٌ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ (فَكَالْأَجْنَبِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) فَلَا حَقَّ لَهُ فِي غُسْلِهَا بِلَا خِلَافٍ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ: نَبَّهَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُ وَأَهْمَلَهُ الْأَكْثَرُونَ.
(وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى رِجَالِ الْقَرَابَةِ (الزَّوْجُ فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُمْ ذُكُورٌ وَهُوَ يَنْظُرُ إلَى مَا لَا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، وَالثَّانِي يُقَدَّمُونَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ تَدُومُ، -
ــ
[حاشية قليوبي]
يُوجَدُ فِي مَحَلٍّ يَجِبُ فِيهِ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ، أَوْ فِي مَحَلٍّ يُطْلَبُ الْمَاءُ مِنْهُ أَوْ بِمَحَلِّ الْغَيْبَةِ الْآتِي كُلٌّ مُحْتَمَلٌ فَرَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (فِي الْمَيِّتِ الْمَرْأَةِ) وَمِثْلُهَا الْأَمْرَدُ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ. قَوْلُهُ: (يَمَّمَ) بِنِيَّةٍ نَدْبًا كَالْغُسْلِ وَلَوْ صَرَفَ الْوُضُوءَ، أَوْ الْغُسْلَ أَوْ التَّيَمُّمَ لِغَيْرِهِ، عِنْدَ الْمَوْتِ لَمْ يَنْصَرِفْ وَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِ نَجَاسَةٍ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ قَبْلَ التَّيَمُّمِ وَيُقَدَّمُ غَسْلُهَا عَلَيْهِ، إنْ قَلَّ الْمَاءُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ إزَالَتُهَا دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ، فَإِنْ تَيَسَّرَ قَبْلَ دَفْنِهِ، وَجَبَ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا، وَقَالَ شَيْخُنَا فِي مَرَّةٍ يُنْبَشُ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَلَوْ وُجِدَ الْمَاءُ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ لِفَقْدِهِ، وَجَبَ غُسْلُهُ وَإِعَادَةُ الصَّلَاةِ إنْ غَلَبَ وُجُودُ الْمَاءِ كَالْحَيِّ، وَوُجُودُ الْمُغَسِّلِ كَوُجُودِ الْمَاءِ فِيمَا ذَكَرَ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَمْكَنَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ الْغُسْلُ بِلَا مَسٍّ، وَلَا نَظَرٍ وَجَبَ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ الْأَصَحِّ.
قَوْلُهُ: (أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الدَّرَجَةُ، كَمَا فِي الْمَنْهَجِ لِيُخْرِجَ بِهِ الصِّفَةَ كَالسِّنِّ وَالْفِقْهِ. قَالَ شَيْخُنَا: كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ وَهَذَا التَّرْتِيبُ مَنْدُوبٌ إلَّا فِي التَّفْوِيضِ، لِغَيْرِ الْجِنْسِ فَوَاجِبٌ. قَوْلُهُ: (وَقِيلَ تُقَدَّمُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمْ) وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا بَعْدَهُمْ، وَذِكْرُ الشَّارِحُ لِهَذِهِ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الرِّجَالِ لِفَهْمِهِ أَنَّ الرِّجَالَ لَيْسُوا قَيْدًا. قَوْلُهُ: (وَبَعْدَهُمْ ذَوُو الْأَرْحَامِ) أَيْ بَعْدَ بَيْتِ الْمَالِ إنْ انْتَظَمَ. قَوْلُهُ: (ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) أَيْ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ اسْتَوَتْ اثْنَتَانِ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ تَقْدِيمُ مَنْ فِي مَحَلِّ الْعُصُوبَةِ، إنْ بَعُدَتْ عَلَى غَيْرِهَا. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعْدَ الْقَرَابَاتِ) تَقَدَّمَ فِي الرَّجُلِ تَقْدِيمُ ذَوِي الْوَلَاءِ عَلَى ذَوِي الْأَرْحَامِ وَقِيَاسُهُ هُنَا تَقْدِيمُ ذَوَاتِ الْوَلَاءِ عَلَى ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ فَرَاجِعْهُ.
وَقَوْلُ الشَّارِحِ الْقَرَابَاتِ تَبَعًا لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ ذَلِكَ، صَرِيحٌ فِي صِحَّتِهِ لُغَةً خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمْ إلَخْ) وَيُؤَخَّرُ عَنْ
ــ
[حاشية عميرة]
كَافِرٌ وَامْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ غَسَّلَهُ الْكَافِرُ وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (يُمِّمَ فِي الْأَصَحِّ) اُنْظُرْ لَوْ كَانَ عَلَى الْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ نَجَاسَةٌ مَاذَا يَفْعَلُ؟ ثُمَّ رَأَيْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ يُزِيلُهَا لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَأَوْلَى النِّسَاءِ) هَذَا الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّارِحُ هُوَ الْمُرَادُ وَإِنْ كَانَ قَضِيَّةُ الْعِبَارَةِ، وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهَا قَرَابَاتُهَا، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالْقَرَابَاتِ نَظَرَ فِيهِ الْإِسْنَوِيُّ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُؤَلِّفَ تَوَهَّمَ أَنَّ الْقَرَابَةَ خَاصَّةٌ بِالْأُنْثَى. الثَّانِي أَنَّ الْقَرَابَاتِ مِنْ كَلَامِ الْعَوَامّ، كَمَا قَالَ الْجَوْهَرِيُّ، وَسَبَبُهُ أَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُجْمَعُ إلَّا إذَا اخْتَلَفَ نَوْعُهُ، وَأَيْضًا فَهِيَ مَصْدَرٌ، وَقَدْ أَطْلَقَهَا عَلَى الْأَشْخَاصِ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ إنَّهَا مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الرَّحِمِ، تَقُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ وَقُرْبٌ، وَتَقُولُ ذُو قَرَابَتِي، وَلَا تَقُولُ هُمْ قَرَابَتِي وَلَا هُمْ قَرَابَاتِي، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قُلْ: هُوَ قَرِيبِي، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ اهـ.
(فَائِدَةٌ) مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمَوْتَ مُحَرِّمٌ لِلنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ دُونَ النَّظَرِ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ أَوْلَى النِّسَاءِ يَنْدَفِعُ بِهِ إشْكَالُ الْإِسْنَوِيِّ الْأَوَّلِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ) رُبَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ عُمُومِهِ أَنَّ بِنْتَ الْعَمِّ الْبَعِيدَةَ إذَا كَانَتْ أُمًّا مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ أُخْتًا تُقَدَّمُ عَلَى بِنْتِ الْعَمِّ الْقَرِيبَةِ، وَلَكِنْ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ الْمَحْرَمِيَّةُ مِنْ حَيْثُ النَّسَبُ، وَلِذَا لَمْ يُعَبِّرْ بِالرَّضَاعِ هُنَا بِالْكُلِّيَّةِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ بَعْدَ الْقَرَابَاتِ ذَوَاتُ الْوَلَاءِ إلَخْ) اقْتَضَى هَذَا أَنَّ ذَوَاتِ الْأَرْحَامِ يُقَدَّمْنَ هُنَا عَلَى ذَوَاتِ الْوَلَاءِ،
стр. 382
وَالنِّكَاحُ يَنْتَهِي بِالْمَوْتِ ثُمَّ كُلُّ مَنْ قُدِّمَ شَرْطُهُ الْإِسْلَامُ، وَأَنْ لَا يَكُونَ قَاتِلًا لِلْمَيِّتِ.
(وَلَا يَقْرَبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا) كَالْكَافُورِ فِي غُسْلِهِ وَكَفَنِهِ. (وَلَا يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ) إبْقَاءً لِأَثَرِ الْإِحْرَامِ، «قَالَ ﷺ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي مَاتَ وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَهُ بِعَرَفَةَ: لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ) الَّتِي كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الطِّيبُ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ. (فِي الْأَصَحِّ) لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ الطِّيبِ وَهُوَ التَّفَجُّعُ عَلَى زَوْجِهَا وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الرِّجَالِ، وَالثَّانِي يُسْتَصْحَبُ التَّحْرِيمُ قِيَاسًا عَلَى الْمُحْرِمِ، وَرُدَّ بِأَنَّ التَّحَرُّمَ فِي الْمُحْرِمِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَزُولُ بِالْمَوْتِ (وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ) قَالَ الرَّافِعِيُّ كَالرُّويَانِيِّ: وَلَا يُسْتَحَبُّ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَوْ الْكَثِيرِينَ الْجَدِيدُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَالْحَيِّ، وَالْقَدِيمُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ مَصِيرَهُ إلَى الْبِلَى. (قُلْت: الْأَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) لِمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ أَنَّ أَجْزَاءَ الْمَيِّتِ مُحْتَرَمَةٌ فَلَا تُنْتَهَكُ، بِهَذَا قَالَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ فِيهِ شَيْءٌ مُعْتَمَدٌ، وَنَقَلَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَرَاهَتَهُ عَنْ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ هُنَا بِالْأَظْهَرِ وَفِي الرَّوْضَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَتُفْعَلُ هَذِهِ الْأُمُورُ قَبْلَ الْغُسْلِ.
(فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا) مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ لِلْمَرْأَةِ وَغَيْرِ حَرِيرٍ لِلرَّجُلِ، وَيَحْرُمُ تَكْفِينُهُ بِالْحَرِيرِ، وَيُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِهِ لِلسَّرَفِ. قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَيُعْتَبَرُ فِيهِ حَالُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ أَوْ مُتَوَسِّطًا فَمِنْ وَسَطِهَا، أَوْ مُقِلًّا فَمِنْ -
ــ
[حاشية قليوبي]
الْأَجْنَبِيَّاتِ. قَوْلُهُ: (شَرْطُهُ الْإِسْلَامُ) وَالْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ وَعَدَمُ الْقَتْلِ، وَعَدَمُ عَدَاوَةٍ وَفِسْقٍ وَصِبًا وَجُنُونٌ وَوِصَايَةٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَقْرَبُ الْمُحْرِمَ إلَخْ) أَيْ فَيَحْرُمُ تَطْيِيبُهُ لَا الْبَخُورُ عِنْدَهُ، وَيَحْرُمُ أَخْذُ شَعْرِهِ. وَلَوْ مِنْ رَأْسِهِ فَلَا يَحْلِقُ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيَحْرُمُ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَى فَاعِلِ مَا ذَكَرَ. وَكُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ بَعْدَهُ كَغَيْرِهِ وَيَحْرُمُ أَخْذُ الْقُلْفَةِ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مُحْرِمٍ، وَإِنْ عَصَى بِتَأْخِيرِهَا، وَإِذَا تَعَذَّرَ إزَالَةُ مَا تَحْتَهَا أَوْ غَسْلُهُ، دُفِنَ بَعْدَ غَسْلِ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ بِلَا صَلَاةٍ، خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ، حَيْثُ قَالَ: يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ، عَمَّا تَحْتَهَا أَوْ تُزَالُ، نَعَمْ يُزَالُ شَعْرٌ وَظُفْرٌ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ، زَوَالُ نَجَاسَةٍ، أَوْ غَسْلُ مَا تَحْتَهُ وَلَوْ مِنْ مُحْرِمٍ.
(فَصْلٌ فِي التَّكْفِينِ) أَيْ كَيْفِيَّتِهِ، وَمَا يُكَفَّنُ بِهِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا. قَوْلُهُ: (يُكَفَّنُ) وَلَوْ ذِمِّيًّا. قَوْلُهُ: (بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا) أَيْ بِمَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ، لَا لِحَاجَةٍ فَلَا يُكَفَّنُ بِالْحَرِيرِ مِنْ لُبْسِهِ، لِحَكَّةٍ أَوْ قَمْلٍ، وَكَذَا الْقِتَالُ وَجَوَّزَهُ شَيْخُنَا فِي الشَّهِيدِ فِي الْقِتَالِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ الرَّمْلِيِّ، وَيُكَفَّنُ بِهِ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ، وَإِنْ كُرِهَ كَالْمَرْأَةِ وَيُقَدَّمُ الْحَرِيرُ عَلَى الْجِلْدِ، وَهُوَ عَلَى الْحَشِيشِ وَهُوَ عَلَى الطِّينِ وَالْمُزَعْفَرِ، كَالْحَرِيرِ وَيُكْرَهُ الْمُعَصْفَرُ، وَلَوْ لِلْمَرْأَةِ وَيُكَفَّنُ بِالنَّجَسِ بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَارِيًّا إنْ لَمْ يُوجَدْ نَحْوَ طِينٍ، وَكُلُّ كَفَنٍ نَقَصَ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ تُمِّمَ مِمَّا بَعْدَهُ، وَسِتْرُ التَّابُوتِ كَالتَّكْفِينِ. قَوْلُهُ: (الْعَوْرَةَ) وَهِيَ هُنَا مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ فِي الذَّكَرِ، وَمَا عَدَا الْوَجْهَ، وَالْكَفَّيْنِ فِي الْأُنْثَى وَلَوْ رَقِيقَةً، لِأَنَّ الرِّقَّ يَزُولُ هُنَا بِالْمَوْتِ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. قَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ) قَالَ شَيْخُنَا: نَدْبًا وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِلَّةِ وَالتَّوَسُّطِ، -
ــ
[حاشية عميرة]
وَهُوَ عَكْسُ مَا سَلَفَ فِي غُسْلِ الرَّجُلِ، فَمَا الْفَرْقُ؟ وَلَعَلَّهُ قُوَّةُ الذُّكُورِ بِدَلِيلِ عَقْلِهِمْ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ كُلُّ مَنْ قَدَّمَ شَرْطَهُ الْإِسْلَامُ) لَا يُقَالُ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَقَدُّمِهِ الْبُلُوغُ وَلَا الْحُرِّيَّةُ وَلَا الْعَدَالَةُ لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ أَحَالُوا عَلَى الصَّلَاةِ، وَسَيَأْتِي فِي الصَّلَاةِ أَنَّ الْحُرَّ الْبَعِيدَ يُقَدَّمُ عَلَى الرَّقِيقِ الْقَرِيبِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ أَيْضًا
. قَوْلُهُ: (لِمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ إلَخْ) وَأَيْضًا فَقِيَاسًا عَلَى عَدَمِ خَتْنِهِ. قَوْلُهُ: (عَنْ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ) أَيْ فَهُوَ جَدِيدٌ أَيْضًا، وَلِذَا عَبَّرَ بِالْأَظْهَرِ، وَلَمْ يَقُلْ: قُلْت: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ.
[فَصْلٌ يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا]
(فَصْلٌ: يُكَفَّنُ إلَخْ) قَوْلُهُ: (بِالْحَرِيرِ) بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ اسْتِثْنَاءَ الْحَرِيرِ إذَا كَانَ عَلَى قَتِيلِ الْمَعْرَكَةِ وَلَا سِيَّمَا إذَا تَلَطَّخَ بِالدَّمِ فَيُدْفَنُ فِيهِ كَمَا هُوَ.
(فَرْعٌ) يَجُوزُ تَكْفِينُ الْمُحَدَّةِ فِيمَا حَرُمَ عَلَيْهَا لُبْسُهُ كَمَا يَجُوزُ تَطْيِيبُهَا. قَوْلُهُ: (فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ) لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ
стр. 383
خَشِنِهَا وَسَيَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ كَلَامٌ آخَرُ. (وَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ) وَهُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ أَوْ جَمِيعَ الْبَدَنِ إلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ وَوَجْهَ الْمُحْرِمَةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَوَّلُ فَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ، وَجَزَمَ بِالثَّانِي الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ.
(وَلَا تُنَفَّذُ) بِالتَّشْدِيدِ (وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ) أَيْ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ الثَّوْبِ الثَّانِي، وَالثَّالِثِ الْآتِي ذِكْرُهُمَا فِي الْأَفْضَلِ فَإِنَّهُمَا حَقٌّ لِلْمَيِّتِ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِمَا، وَلَوْ أَوْصَى بِسَائِرِ الْعَوْرَةِ فَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ وَيَجِبُ تَكْفِينُهُ بِسَاتِرٍ لِجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَلَوْ لَمْ يُوصِ، فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَبَعْضُهُمْ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ، وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ كُفِّنَ بِثَوْبٍ أَوْ ثَلَاثَةٍ، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ وَبَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ كُفِّنَ بِهَا وَقِيلَ بِثَوْبٍ، وَلَوْ اتَّفَقُوا عَلَى ثَوْبٍ، فَفِي التَّهْذِيبِ يَجُوزُ، وَفِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: قَوْلُ التَّتِمَّةِ أَقْيَسُ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَقَالَ الْغُرَمَاءُ ثَوْبٌ وَالْوَرَثَةُ ثَلَاثَةٌ أُجِيبَ الْغُرَمَاءُ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ إلَى إبْدَاءِ ذِمَّتُهُ أَحْوَجُ مِنْهُ إلَى زِيَادَةِ السِّتْرِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَلَوْ قَالَ الْغُرَمَاءُ: يُكَفَّنُ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ، وَالْوَرَثَةُ بِسَاتِرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، نَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ الِاتِّفَاقَ عَلَى سَاتِرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْوَرَثَةُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ جَازَ بِلَا خِلَافٍ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَآخَرُونَ، وَقَدْ يَتَشَكَّكُ فِيهِ إنْسَانٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ ذِمَّتَهُ تَبْقَى مُرْتَهَنَةً بِالدَّيْنِ، انْتَهَى.
(وَالْأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ ثَلَاثَةٌ) قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَّةٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا
ــ
[حاشية قليوبي]
وَالْإِكْثَارِ الْعُرْفُ. قَوْلُهُ: (فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ) وَإِنْ كَانَ مُقَتِّرًا عَلَى نَفْسِهِ، إلَّا أَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ، لِأَنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ أَوْلَى، وَيَبْقَى الْمُفْلِسُ عَلَى مَا كَانَ لِرِضَاهُ لِنَفْسِهِ بِالرَّذَالَةِ. قَوْلُهُ: (فَمِنْ خَشِنِهَا) وَإِنْ اعْتَادَ الْجِيَادَ فِي حَيَاتِهِ. قَوْلُهُ: (وَجَزَمَ بِالثَّانِي الْإِمَامُ) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
قَوْلُهُ: (أَيْ الثَّوْبِ الْوَاحِدِ) وَهُوَ مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ جَمِيعَ الْبَدَنِ عَلَى الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَعْنَى كَوْنِ الثَّوْبِ أَقَلُّ، هُوَ مِنْ حَيْثُ سُقُوطُ الْوَاجِبِ بِهِ، فِي نَحْوِ بَيْتِ الْمَالِ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ) أَيْ الثَّوْبَ الْوَاحِدَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ مَحْضُ حَقِّهِ فِي سَاتِرِ الْعَوْرَةِ، وَمَعَ الْآدَمِيِّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ. قَوْلُهُ: (حَقٌّ لِلْمَيِّتِ) أَيْ مَحْضُ حَقِّهِ، وَسَوَاءٌ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ. قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ) أَيْ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فَقَطْ، لِأَنَّ النَّقْصَ عَنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ مَكْرُوهٌ، كَذَا قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. قَوْلُهُ: (فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ إلَخْ) . هُمَا مَسْأَلَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ، وَبَعْضُهُمْ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ. ثَانِيَتُهُمَا: لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ يُكَفَّنُ بِثَلَاثَةٍ، وَبَعْضُهُمْ بِسَاتِرِ الْعَوْرَةِ، فَالْمُجَابُ طَالِبُ الثَّوْبِ فِي الْأُولَى، وَطَالِبُ الثَّلَاثَةِ فِي الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهُ طَلَبُ الْأَكْثَرِ فِيهِمَا، وَهَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَ الثَّلَاثَةِ، وَلَوْ بِلَا طَلَبٍ كَمَا يَأْتِي. قَوْلُهُ: (كُفِّنَ بِهَا) هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا لَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (قَوْلُ التَّتِمَّةِ أَقِيسُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ فَيُكَفَّنُ بِثَلَاثٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَغَيْرُهُ.
قَوْلُهُ: (أُجِيبَ الْغُرَمَاءُ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (نَقَلَ صَاحِبُ الْحَاوِي إلَخْ) هُوَ الْمُعْتَمَدُ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ يَتَشَكَّكُ إلَخْ) قَدْ يُقَالُ: رِضَا الْغُرَمَاءِ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى رَجَاءِ إبْرَائِهِمْ لَهُ، أَوْ عَدَمِ مُطَالَبَتِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَلَا تَكُونُ ذِمَّتُهُ مَرْهُونَةً فَتَأَمَّلْ.
قَوْلُهُ:
ــ
[حاشية عميرة]
مُسْتَغْرِقٌ وَمِنْ عَادَتِهِ التَّقْتِيرُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَنْبَغِي اعْتِبَارُ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ التَّقْتِيرِ وَلَا يَكُونُ مِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (ثَوْبٌ) قَضِيَّتُهُ عَدَمُ جَوَازِ التَّطْيِينِ وَهُوَ ظَاهِرٌ نَعَمْ إنْ تَعَذَّرَ الثَّوْبُ فُعِلَ، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ تَقْدِيمَ الْإِذْخِرِ وَنَحْوِهِ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: (أَصَحُّهُمَا الْأَوَّلُ) اُسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأَنَّ كِسْوَةَ الرَّقِيقِ لَا يَكْفِي فِيهَا سَتْرُ الْعَوْرَةِ لِأَنَّهُ تَحْقِيرٌ وَإِذْلَالٌ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ، فَالْمَيِّتُ أَوْلَى، ثُمَّ هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى خِلَافٍ غَرِيبٍ، وَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ بِمَوْتِهِ هَلْ يَصِيرُ كُلُّهُ عَوْرَةً أَمْ عَوْرَتُهُ مَا كَانَ فِي حَيَاتِهِ كَذَا قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ شَارِحُ التَّعْجِيزِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِإِسْقَاطِهِ) بَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ إسْقَاطَ الزَّائِدِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ. قَوْلُهُ: (لَمْ تَصِحَّ وَصِيَّتُهُ إلَخْ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ مِنْ أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ. قَوْلُهُ: (كُفِّنَ بِثَوْبٍ) هَذَا قَدْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي عَنْ التَّتِمَّةِ الَّذِي قَالَ فِي الرَّوْضَةِ إنَّهُ أَقْيَسُ. قَوْلُهُ (إنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ) قَضِيَّتُهُ وُجُوبُ الثَّلَاثِ، وَلَا يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ: أَقَلُّ الْكَفَنِ ثَوْبٌ أَوْ سَاتِرُ الْعَوْرَةِ، لِأَنَّ مَعْنَى ذَاكَ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ إلَى زِيَادَةٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا عِنْدَ اتِّسَاعِ التَّرِكَةِ فَتَسْتَوْفِي الثَّلَاثُ وُجُوبًا. قَوْلُهُ: (وَقَدْ يَتَشَكَّكُ فِيهِ إنْسَانٌ إلَخْ) لَك أَنْ تَقُولَ الْمَيِّتُ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ وَقَدْ تَعَلَّقَ الدَّيْنُ بِالتَّرِكَةِ فَأَذِنَ الْغُرَمَاءُ فِي صَرْفِهَا فِي الْكَفَنِ، وَالْحَالُ مَا ذُكِرَ مُتَضَمِّنٌ لِلْمُسَامَحَةِ بِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الدَّيْنِ بِذَلِكَ، فَلَا أَثَرَ لِتَعَلُّقِهِ بِالذِّمَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ، وَيُجَابُ مِنْ طَرَفِ النَّوَوِيِّ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الدَّيْنَ عَنْ ذِمَّتِهِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ ظَهَرَ لَهُ مَالٌ، ثُمَّ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي قَبْلَهَا قَابِلَةٌ لِهَذَا التَّشْكِيكِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ سَتْرُ
стр. 384
قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ. (وَلَهَا) أَيْ وَالْأَفْضَلُ لِلْمَرْأَةِ. (خَمْسَةٌ) رِعَايَةً لِزِيَادَةِ السِّتْرِ فِيهَا وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ مَكْرُوهَةٌ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لِلسَّرَفِ وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ فِيمَا ذُكِرَ. (وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلَاثَةٍ فَهِيَ لَفَائِفُ) يَسْتُرُ كُلٌّ مِنْهَا جَمِيعَ الْبَدَنِ (وَإِنْ كُفِّنَ) الرَّجُلُ (فِي خَمْسَةٍ زِيدَ عِمَامَةٌ وَقَمِيصٌ تَحْتَهُنَّ) رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَفَّنَ ابْنًا لَهُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَثَلَاثِ لَفَائِفَ. (وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ فَإِزَارٌ وَخِمَارٌ وَقَمِيصٌ وَلِفَافَتَانِ وَفِي قَوْلٍ ثَلَاثُ لَفَائِفَ فَإِزَارٌ وَخِمَارٌ) وَالْإِزَارُ وَالْمِئْزَرُ مَا تُسْتَرُ بِهِ الْعَوْرَةُ وَالْخِمَارُ مَا يُغَطَّى بِهِ الرَّأْسُ وَيُجْعَلُ بَعْدَ الْقَمِيصِ وَهُوَ بَعْدَ الْإِزَارِ، ثُمَّ يُلَفُّ. رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّهُ ﷺ أَعْطَى الْغَاسِلَاتِ فِي تَكْفِينِ ابْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ الْحِقَاءَ ثُمَّ الدِّرْعَ ثُمَّ الْخِمَارَ ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدُ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ» . وَالْحِقَاءُ بِكَسْرِ الْحَاءِ. الْإِزَارُ، وَالدِّرْعُ: الْقَمِيصُ
(وَيُسَنُّ الْأَبْيَضُ) قَالَ ﷺ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا خَيْرُ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَيَأْتِي فِي الزِّيَادَةِ أَنَّ الْمَغْسُولَ أَوْلَى مِنْ الْجَدِيدِ.
(وَمَحَلُّهُ أَصْلُ التَّرِكَةِ) يَبْدَأُ بِهِ فِي جُمْلَةِ مُؤْنَةِ التَّجْهِيزِ مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي أَوَّلَ الْفَرَائِضِ أَنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ بِمُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ حَقٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْأَصْلِ مَنْ لِزَوْجِهَا مَالٌ فَكَفَنُهَا عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ الْآتِي (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمَيِّتِ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ تَرِكَةٌ (فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ) سَوَاءٌ فِي الْمَيِّتِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ لِعَجْزِهِ بِالْمَوْتِ وَالْقِنُّ وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبُ لِانْفِسَاخِ كِتَابَتِهِ بِمَوْتِهِ. (وَكَذَا الزَّوْجُ) مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرِكَةِ أَيْ عَلَيْهِ كَفَنُ زَوْجَتِهِ فِي جُمْلَةِ مُؤْنَةِ تَجْهِيزِهَا
ــ
[حاشية قليوبي]
وَالْأَفْضَلُ) أَيْ مِنْ الزِّيَادَةِ الْآتِيَةِ فَلَا يُنَافِي أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ) بَلْ هِيَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَتَحْرُمُ إنْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، أَوْ غَائِبٌ أَوْ امْتَنَعَ مِنْهَا بَعْضُهُمْ. قَوْلُهُ: (مَكْرُوهَةٌ) أَوْ حَرَامٌ بِالْأَوْلَى مِمَّا مَرَّ. قَوْلُهُ: (فَهِيَ لَفَائِفُ) قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ نَدْبًا.
وَقَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وُجُوبًا، وَلَا تُجَابُ الْوَرَثَةُ لَوْ طَلَبُوا غَيْرَهَا، أَوْ كَانَ فِيهِمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا فَلَا يُنَافِي مَا بَعْدَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأُولَى وَاجِبَةٌ لِذَاتِهَا، وَالْأُخْرَيَانِ وَاجِبَتَانِ لِأَدَاءِ الْمُسْتَحَبِّ، وَلِذَلِكَ صَحَّ إسْقَاطُهُمَا بِالْوَصِيَّةِ مَثَلًا، وَمَنْعُ الْوَرَثَةِ مِنْ النَّقْصِ عَنْهُمَا لِأَدَاءِ الْمُسْتَحَبِّ، لَا لِذَاتِهِمَا فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (لَا مَكْرُوهٌ) الْمُعْتَمَدُ كَرَاهَتُهُ.
قَوْلُهُ: (فَإِزَارٌ إلَخْ) أَيْ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ. قَوْلُهُ: (الْمِلْحَقَةُ) هِيَ لِفَافَةٌ، وَكَذَا الثَّوْبُ الْمَذْكُورُ مَعَهَا.
قَوْلُهُ: (يَبْدَأُ بِهِ) أَيْ يَقْدُمُ بِهِ مِنْهَا عَلَى مَالِ الْوَارِثِ، أَوْ الْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ طَلَبَاهُ. نَعَمْ إنْ رَضِيَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ بِتَكْفِينِهِ مِنْ مَالِ الْأَجْنَبِيِّ جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَرَثَةِ إبْدَالُهُ، وَيَلْزَمُهُمْ رَدُّهُ إنْ أَبْدَلُوهُ، إلَّا إنْ عَلِمُوا جَوَازَهُ مِنْ دَافِعِهِ، وَلَوْ سُرِقَ الْكَفَنُ قَبْلَ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ وَجَبَ إبْدَالُهُ مِنْهَا، أَوْ بَعْدَهَا، فَكَذَلِكَ إنْ كُفِّنَ فِي دُونِ ثَلَاثَةٍ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَوْ كَانَ حَيًّا، أَوْ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ، وَفَنَاءُ الْكَفَنِ كَسَرِقَتِهِ إنْ ظَهَرَ مِنْ الْمَيِّتِ شَيْءٌ، وَلَوْ فُتِحَ قَبْرٌ فَوَجَدَ الْكَفَنَ قَدْ بَلِيَ وَجَبَ بِدَالُهُ، قَبْلَ سَدِّ الْقَبْرِ وَيَكْفِي وَضْعُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ لَفٍّ فِيهِ إنْ لَزِمَ عَلَى لَفِّهِ تَمَزُّقُ الْمَيِّتِ، وَإِلَّا لُفَّ فِيهِ وَلَوْ أَكَلَ الْمَيِّتَ سَبْعٌ مَثَلًا، قَبْلَ بَلَاءِ الْكَفَنِ عَادَ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَّنَهُ أَجْنَبِيٌّ. قَوْلُهُ: (مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) وَلَوْ فِي وَقْتِ الْمَوْتِ فَدَخَلَ الِابْنُ الْكَبِيرُ الْفَقِيرُ، كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ لِعَجْزِهِ بِالْمَوْتِ.
نَعَمْ
ــ
[حاشية عميرة]
الْعَوْرَةِ، وَقَدْ يُمْنَعُ الْغَرِيمُ مِنْ الزَّائِدِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ) أَيْ وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَوْ كَانَ فِي الْوَرَثَةِ نَحْوَ صَغِيرٍ امْتَنَعَ الزَّائِدُ عَلَى الثَّلَاثِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَهِيَ لَفَائِفُ) فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى لِفَافَةٍ مَعَ قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ لِلرَّجُلِ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لَا مَكْرُوهٌ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي قَوْلٍ إلَخْ) تَوْجِيهُهُ أَنَّ الْخَمْسَةَ فِيهَا كَالثَّلَاثَةِ فِي الرَّجُلِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَمَحَلُّهُ أَصْلُ التَّرِكَةِ) دَلِيلُهُ الْإِجْمَاعُ «وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَفَّنَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ فِي نَمِرَةٍ وَالرَّجُلَ الَّذِي مَاتَ مُحْرِمًا فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَمْ يَسْأَلْ هَلْ هُنَاكَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لَا» . قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْأَبَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكْفِينُ الِابْنِ الْبَالِغِ الْفَقِيرِ، لِأَنَّ نَفَقَتَهُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، لَكِنْ نُقِلَ فِي الْكَبِيرِ عَنْ التَّتِمَّةِ وُجُوبُ تَكْفِينِهِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ إذَا كَانَ عَاجِزًا وَالْمَيِّتُ عَاجِزٌ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الرَّوْضَةِ. وَأَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: لِعَجْزِهِ بِالْمَوْتِ. قَوْلُهُ: (وَالْقِنُّ إلَخْ) لَوْ كَانَ مُبَعَّضًا فَعَلَيْهِ وَعَلَى السَّيِّدِ فِيمَا يَظْهَرُ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ ثُمَّ مَاتَ فِي نَوْبَةِ أَحَدِهِمَا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لِبُطْلَانِ الْمُهَايَأَةِ كَمَا فِي الْكِتَابَةِ، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِذِي النَّوْبَةِ. قَوْلُهُ: (مَعْطُوفٌ عَلَى أَصْلِ التَّرِكَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ: ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ مَحَلَّ التَّعَلُّقِ
стр. 385
(فِي الْأَصَحِّ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا عَلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ، وَالثَّانِي قَالَ صَارَتْ بِالْمَوْتِ أَجْنَبِيَّةً، وَعَلَى الْأَصَحِّ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَالٌ وَجَبَ فِي مَالِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ وَلَا كَانَ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ يَجِبُ كَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَنَفَقَتِهِ فِي الْحَيَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ فَعَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَلْزَمُهُمْ التَّكْفِينُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَوْبٍ، وَكَذَا بَيْتُ الْمَالِ وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُمَا التَّكْفِينُ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ.
(وَتُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا وَكَذَا الثَّالِثَةُ) أَيْ فَوْقَ الثَّانِيَةِ. (وَيُذَرُّ) بِالْمُعْجَمَةِ (عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ) بِفَتْحِ الْحَاءِ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ وَكَافُورٌ يُذَرُّ عَلَى الْأُولَى قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ قَبْلَ وَضْعِ الثَّالِثَةِ. (وَيُوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا) عَلَى ظَهْرِهِ. (وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ) وَيُسْتَحَبُّ تَبْخِيرُ الْكَفَنِ بِالْعُودِ أَوَّلًا (وَتُشَدُّ أَلْيَاهُ) بِخِرْقَةٍ بَعْدَ أَنْ يُدَسَّ بَيْنَهُمَا قُطْنٌ عَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ (وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بَدَنِهِ) مِنْ الْمَنْخِرَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ (قُطْنٌ) عَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ (وَتُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ) بِأَنْ يُثْنَى كُلٌّ مِنْهَا مِنْ طَرَفِ شِقِّهِ الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ ثُمَّ مِنْ طَرَفِ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ بِالْقَبَاءِ، وَيُجْمَعُ الْفَاضِلُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وَيَكُونُ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ (وَتُشَدُّ) بِشِدَادٍ خَوْفَ الِانْتِشَارِ عِنْدَ الْحَمْلِ. (فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ نُزِعَ الشِّدَادُ) عَنْهُ (وَلَا يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذَّكَرُ مَخِيطًا، وَلَا
ــ
[حاشية قليوبي]
لَا يَلْزَمُ الْفَرْعَ كَفَنُ زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ بَعْدَ مَوْتِ غَيْرِهِ وَضَاقَ مَالُهُ، قُدِّمَ هُوَ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. قَوْلُهُ: (وَالْقِنُّ إلَخْ) وَالْمُبَعَّضُ يُوَزَّعُ كَفَنُهُ بِحَسَبِ الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ لِبُطْلَانِهَا، وَيُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِذِي النَّوْبَةِ. قَوْلُهُ: (وَكَذَا الزَّوْجُ) أَيْ عَلَيْهِ كَفَنُهَا مَعَ بَقِيَّةِ مُؤَنِ تَجْهِيزِهَا، وَمَحَلُّهُ فِي الزَّوْجِ الْمُوسِرِ وَلَوْ بِمَا خَصَّهُ مِنْ التَّرِكَةِ، أَوْ بِمَالٍ حَصَلَ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَ دَفْنِهَا، وَيُعْتَبَرُ الْيَسَارُ بِمَا فِي الْفِطْرَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ بِمَا فِي الْفَلَسِ وَفِيهِ نَظَرٌ، بِمَا مَرَّ فِي زَوْجَتِهِ لِاسْتِوَائِهَا فِي زَوَالِ الْإِعْفَافِ وَالْخِدْمَةِ بِمَوْتِهِمَا فَرَاجِعْهُ.
(فَرْعٌ) لَوْ أَوْصَتْ الزَّوْجَةُ بِأَنْ تُكَفَّنَ مِنْ تَرِكَتِهَا فَهِيَ وَصِيَّةُ الْوَارِثِ، فَتَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ. قَوْلُهُ: (لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا) شَمِلَ الْحُرَّةَ وَالْأَمَةَ، وَالْبَائِنَ وَالْحَامِلَ، وَالرَّجْعِيَّةَ لَا النَّاشِزَةَ مَثَلًا، وَخَادِمُ الزَّوْجَةِ بِالنَّفَقَةِ مِثْلُهَا، وَلَوْ مَاتَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ زَوْجَةٍ مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا قَدَّمَ مَنْ يَخَافُ تَغَيُّرُهُ فِيهِمَا، وَإِلَّا فَبِالْقُرْعَةِ فِي الْأُولَى وَبِالسَّبْقِ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. نَعَمْ يُقَدِّمُ فِي الْمَعِيَّةِ الْأَبَ أَوْ الْأُمَّ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، وَقَدَّمَ بَعْضُهُمْ الْبَرَّ عَلَى الْفَاجِرِ. قَوْلُهُ: (عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ) أَيْ الْمُوسِرِينَ مِنْهُمْ بِمَا فِي الْكَفَّارَةِ، وَلَوْ كَفَّنَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ كَفَى عَنْهُمْ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَا بَيْتُ الْمَالِ) بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى الثَّوْبِ، وَنَحْوَ الْحَنُوطِ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) وَمِنْهُ الزَّوْجَةُ، وَلَا يَجِبُ فِي تَرِكَتِهَا مَا زَادَ عَلَى الثَّوْبِ، وَلَوْ كَفَّنَهَا غَيْرُهُ مِنْ وَلِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ لِغِيبَتِهِ مَثَلًا رَجَعَ عَلَيْهِ إنْ كَفَّنَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ أَوْ أَشْهَدَ
. قَوْلُهُ: (عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ إلَخْ) فَالْمُرَادُ بِالتَّسَاوِي كَوْنُهَا تَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ، وَكَذَا لِمَا زِيدَ عَلَيْهَا. قَوْلُهُ: (نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ) وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هُوَ صَنْدَلٌ وَكَافُورٌ وَذَرِيرَةُ قَصَبٍ مَخْلُوطَةٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كُلُّ مَا خُلِطَ لِأَجْلِ الْمَيِّتِ فَهُوَ حَنُوطٌ، وَعَلَى هَذَيْنِ فَعَطْفُ الْكَافُورِ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ. قَوْلُهُ: (عَلَى ظَهْرِهِ) وَيَدَاهُ عَلَى صَدْرِهِ، أَوْ مُرْسَلَتَانِ بِجَنْبِهِ. قَوْلُهُ: (بِخِرْقَةٍ) كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَإِدْخَالُ الْقُطْنِ فِي دُبُرِهِ وَاجِبٌ لِعُذْرٍ وَإِلَّا فَمَكْرُوهٌ، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ بَعْضُهُ خَارِجًا مُطْلَقًا.
وَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: تَصِحُّ مَعَ الْعُذْرِ. قَوْلُهُ: (مَنَافِذِ بَدَنِهِ) وَمِنْهَا الْجِرَاحَةُ فِيهِ، وَيُسَنُّ وَضْعُهُ أَيْضًا عَلَى مَوَاضِعِ السُّجُودِ إكْرَامًا لَهَا.
قَوْلُهُ: (وَتُشَدُّ) أَيْ فِي غَيْرِ مُحْرِمٍ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَقْدِ الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ.
(فَرْعٌ) قَالُوا: يَحْرُمُ كِتَابَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ اسْمٍ مُعَظَّمٍ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْمَيِّتِ، لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِالصَّدِيدِ. قَوْلُهُ: (نُزِعَ الشِّدَادُ) أَيْ شِدَادُ اللَّفَائِفِ فَقَطْ تَفَاؤُلًا بِانْحِلَالِ الشِّدَّةِ عَنْهُ، وَقِيلَ: جَمِيعُ مَا فِيهِ تَعَقُّدٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي -
ــ
[حاشية عميرة]
بِالزَّوْجِ إذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ. قَوْلُهُ: (فِي الْحَيَاةِ) وَكَانَتْ مَعَهُ كَالْأَبِ وَالِابْنِ لَكِنْ تَكْفِينُهَا وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهَا وَاجِبٌ عَلَى الزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَنِيَّةً. قَوْلُهُ: (وَمَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ) دَخَلَ فِيهِ الزَّوْجُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَالثَّانِيَةَ فَوْقَهَا إلَخْ) الْمُرَادُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فِي الرُّتْبَةِ، فَيُفِيدُ اعْتِبَارَ السِّعَةِ وَالْحُسْنِ فَيُوَافِقُ مَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (نُزِعَ الشِّدَادُ) الظَّاهِرُ اخْتِصَاصُ النَّزْعِ بِشِدَادِ اللَّفَائِفِ دُونَ
стр. 386
يُسْتَرُ رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ) إبْقَاءً لِأَثَرِ الْإِحْرَامِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُ طِيبًا
(وَحَمْلُ الْجِنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ فِي الْأَصَحِّ) كَحَمْلِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ «وَحَمْلِ النَّبِيِّ ﷺ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ» ، رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ، الْأَوَّلُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَالثَّانِي بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، وَالثَّانِي التَّرْبِيعُ أَفْضَلُ، وَالثَّالِثُ هُمَا سَوَاءٌ. (وَهُوَ) أَيْ الْحَمْلُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ (أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ) وَهُمَا الْعَمُودَانِ (عَلَى عَاتِقِيهِ وَرَأْسُهُ بَيْنَهُمَا وَيَحْمِلُ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ رَجُلَانِ) أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْأَيْسَرِ، وَلَوْ تَوَسَّطَ الْمُؤَخَّرَتَيْنِ وَاحِدٌ كَالْمُقَدَّمَتَيْنِ لَمْ يَرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ بِخِلَافِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ (وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يَتَقَدَّمَ رَجُلَانِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ) فِي حَمْلِهَا يَضَعُ أَحَدُ الْمُتَقَدِّمَيْنِ الْعَمُودَ الْأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ وَالْآخِرُ الْعَمُودَ الْأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَالْمُتَأَخِّرَانِ كَذَلِكَ
(وَالْمَشْيُ أَمَامُهَا بِقُرْبِهَا) بِحَيْثُ لَوْ الْتَفَتَ رَآهَا (أَفْضَلُ) مِنْهُ بِبَعْدِهَا فَلَا يَرَاهَا لِكَثْرَةِ الْمَاشِينَ مَعَهَا، وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ مِنْهُ خَلْفَهَا لِلرَّاكِبِ وَالْمَاشِي، وَفِي الرَّوْضَةِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْكَبَ فِي ذَهَابِهِ مَعَهَا إلَّا لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ أَوْ ضَعْفٍ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: فَلَا بَأْسَ، بِهِ وَهُوَ لِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ، رَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي عَنْ يَمِينِهَا وَشِمَالِهَا قَرِيبًا مِنْهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ» وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ
(وَيُسْرَعُ بِهَا) نَدْبًا لِحَدِيثِ الشَّيْخَيْنِ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» (إنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ بِالْإِسْرَاعِ فَيَأْتِي بِهِ حِينَئِذٍ، وَالْإِسْرَاعُ فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَدُونَ الْخَبَبِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ الضُّعَفَاءُ، فَإِنْ خِيفَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ الْإِسْرَاعِ أَوْ انْفِجَارِهِ أَوْ انْتِفَاخِهِ زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ.
ــ
[حاشية قليوبي]
الْقَبْرِ شَيْءٌ مَعْقُودٌ. قَوْلُهُ: (وَلَا يُلْبَسُ وَلَا يُسْتَرُ أَيْ فَهُمَا حَرَامٌ) .
(فَرْعٌ) يُكْرَهُ إعْدَادُ الْكَفَنِ إلَّا مِنْ وَجْهٍ حَلَالٍ أَوْ أَثَرٍ صَالِحٍ، وَلَا يَجُوزُ إبْدَالُهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِمَّا ذَكَرَ مُرَاعَاةً لِغَرَضِ الْمَيِّتِ، وَبِهَذَا فَارَقَ إبْدَالَ ثِيَابِ الشَّهِيدِ.
قَوْلُهُ: أَفْضَلُ مِنْ التَّرْبِيعِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْكَيْفِيَّتَيْنِ تَارَةً وَتَارَةً أَفْضَلُ، وَمَنْ حَمَلَهَا تَبَرُّكًا قُدِّمَ الْمُقَدَّمُ عَلَى الْمُؤَخَّرِ، وَالْأَيْمَنُ مِنْ الْحَامِلِ عَلَى الْأَيْسَرِ.
قَوْلُهُ: (وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا) لَوْ قَالَ: وَبِأَمَامِهَا وَبِقُرْبِهَا لَكَانَ أَوْلَى، لِإِفَادَةِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا صَنَعَ الشَّارِحُ، وَالْحَاصِلُ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْمَشْيَ أَفْضَلُ وَلَوْ خَلْفَهَا، أَوْ بَعِيدًا مِنْ الرُّكُوبِ وَلَوْ أَمَامَهَا، أَوْ قَرِيبًا وَأَنَّهُ أَمَامَهَا أَفْضَلُ مِنْهُ خَلْفَهَا، وَلَوْ مَشَى بِالْقُرْبِ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ وُقُوعِ التَّعَارُضِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ فَتَأَمَّلْ. قَوْلُهُ: (قَالَ الرَّاكِبُ إلَخْ) وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُ ﷺ رَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فِي جِنَازَةٍ فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ يَمْشُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ»
. قَوْلُهُ: (وَدُونَ الْخَبَبِ) بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَمُوَحَّدَتَيْنِ: هُوَ الْمَشْيُ عَلَى الْهَيِّنَةِ وَالتَّأَنِّي. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ الْإِسْرَاعِ) هُوَ مَفْهُومُ تَقْيِيدِهِ الْخَوْفَ قَبْلَهُ بِالْإِسْرَاعِ لِإِفَادَةِ أَنَّهُ لَوْ خِيفَ تَغَيُّرُهُ مَعَ الْإِسْرَاعِ مِنْ غَيْرِهِ كَشِدَّةِ حَرٍّ طُلِبَتْ الزِّيَادَةُ فِي الْإِسْرَاعِ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ وَلَمْ يَقُلْ: أَسْرَعَ، وَيَلْزَمُ مِنْ خَوْفِ التَّغَيُّرِ بِمَا ذَكَرَ مَعَ الْإِسْرَاعِ أَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مَعَ التَّأَنِّي أَوْلَى، وَلِذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: (فِي الْإِسْرَاعِ) أَيْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ.
(فَائِدَةٌ) يَنْدُبُ الْقِيَامُ لِلْجِنَازَةِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَأَنْ يَدْعُوَ لَهَا وَيُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا إنْ كَانَتْ أَهْلًا لَهُ، وَأَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، أَوْ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، أَوْ ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إيمَانًا وَتَصْدِيقًا وَتَسْلِيمًا، أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] لِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ كُتِبَ لَهُ عِشْرُونَ حَسَنَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[حاشية عميرة]
شِدَادِ الْأَلْيَيْنِ السَّابِقِ وَنَحْوِهِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (بِقُرْبِهَا) لَوْ تَعَارَضَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ فَانْظُرْ مَاذَا يُرَاعَى
. قَوْلُهُ: (مِنْ غَيْرِ الْإِسْرَاعِ) يَعْنِي لَوْ أَتَى بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ الْإِسْرَاعُ وَلَكِنْ خِيفَ التَّغَيُّرُ لَا مِنْ الْإِسْرَاعِ، بَلْ مِنْ أَمْرِ غَيْرِهِ كَشِدَّةِ الْحَرِّ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الشَّارِحُ: فِيمَا يَأْتِي زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ، وَلَمْ يَقُلْ أَسْرَعَ بِهَا. قَوْلُهُ: (زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ) .
стр. 387
(فَصْلٌ لِصَلَاتِهِ أَرْكَانٌ أَحَدُهَا النِّيَّةُ) كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ (وَوَقْتُهَا كَغَيْرِهَا) أَيْ كَوَقْتِ نِيَّةِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ وَقْتُ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ (وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ) فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ) تَعَرُّضًا لِكَمَالِ وَصْفِهَا. (وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) كَزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو أَوْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ بَلْ تَكْفِيهِ نِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا وَنَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ إمَامُهُ جَازَ. (فَإِنْ عَيَّنَ وَأَخْطَأَ) كَأَنْ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى زَيْدٍ فَإِذَا هُوَ عَمْرٌو، أَوْ رَجُلٍ فَكَانَ امْرَأَةً (بَطَلَتْ) أَيْ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، زَادَ فِي الرَّوْضَةِ هَذَا إذَا لَمْ يُشِرْ إلَى الْمُعَيَّنِ فَإِنْ أَشَارَ صَحَّتْ فِي الْأَصَحِّ (وَإِنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَاهُمْ) أَيْ قَصَدَهُمْ فِي نِيَّتِهِ وَعِبَارَةُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ نَوَى الصَّلَاةَ عَلَيْهِمْ وَيَجِبُ عَلَى الْمُقْتَدِي نِيَّةُ الِاقْتِدَاءِ
(الثَّانِي:) مِنْ الْأَرْكَانِ (أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ) رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَمَا دُفِنَ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» .
(فَإِنْ خَمَّسَ) عَمْدًا (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (فِي الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ زَادَ ذِكْرًا، وَالثَّانِي يَقُولُ: زَادَ رُكْنًا، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ خَمْسًا» ، وَلَا تَبْطُلُ فِي السَّهْوِ جَزْمًا، وَلَا مَدْخَلَ لِسُجُودِ السَّهْوِ فِيهَا. (وَلَوْ خَمَّسَ إمَامُهُ) وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْأَصَحِّ) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا الْأَظْهَرِ وَرَجَّحَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْقَطْعَ بِهِ (بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ
ــ
[حاشية قليوبي]
فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَمَا يَتْبَعُهَا) وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَمْ تُشْرَعْ إلَّا فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ «وَلَمْ يُصَلِّ ﵊ عَلَى زَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ بِمَكَّةَ» . قَوْلُهُ: (يَجِبُ قَرْنُ النِّيَّةِ بِالتَّكْبِيرِ) وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّشْبِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ فِي أَثْنَائِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ، فَلَا وَجْهَ لِقَصْرِ كَلَامِهِ عَلَى الْحَالَةِ الْأُولَى فَقَطْ. قَوْلُهُ: (فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعَرُّضِ لَهُ) أَيْ لِلْفَرْضِ ظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ الْمُصَلِّي صَبِيًّا وَلَوْ مَعَ الرِّجَالِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَفَارَقَ عَدَمَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى رَأْيِ شَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ بِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ هُنَا إسْقَاطًا عَنْ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْجُمْلَةِ وَالْمَرْأَةُ كَالصَّبِيِّ.
قَوْلُهُ: (وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) أَيْ الْحَاضِرِ، أَمَّا الْغَائِبُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهِ اتِّفَاقًا لِعَدَمِ قَرِينَةِ الْحُضُورِ فِيهِ. قَوْلُهُ: (نَوَاهُمْ) وَلَهُ أَنْ يَنْوِيَ مَعَهُمْ مَيِّتًا آخَرَ كَمَا سَيَأْتِي، فَإِنْ نَوَى مَعَهُمْ حَيًّا أَوْ نَقَصَ مِنْهُمْ بِلَا تَعْيِينٍ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ نِيَّتِهِمْ، أَوْ نَوَى بَعْضَهُمْ مُبْهَمًا ثُمَّ بَعْضَهُمْ كَذَلِكَ، أَوْ ذَكَرَ عَدَدَهُمْ فَبَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُ بَطَلَتْ فِي الْجَمِيعِ. نَعَمْ إنْ جَهِلَ الْحَيُّ فِي صُورَتِهِ لَمْ تَبْطُلْ قَالَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. وَكَذَا لَوْ أَشَارَ إلَيْهِمْ فِي الْأَخِيرَةِ لَمْ تَبْطُلْ كَمَا قَالَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاسِمٍ، وَمَشَى عَلَيْهِ شَيْخُنَا
. قَوْلُهُ: (فَإِنْ خَمَّسَ) الْمُرَادُ فَإِنْ زَادَ وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ، وَإِنْ كَرَّرَ الْأَذْكَارَ فِي الزِّيَادَةِ أَوْ أَخَّرَهَا إلَيْهَا. نَعَمْ لَوْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الزِّيَادَةِ ثَلَاثًا مُتَوَالِيًا بَطَلَتْ كَمَا مَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا، وَكَذَا لَوْ اعْتَقَدَ الْبُطْلَانَ بِالزِّيَادَةِ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ. قَوْلُهُ: (لَمْ يُتَابِعْهُ) أَيْ لَمْ تَنْدُبْ لَهُ مُتَابَعَتُهُ، فَلَا يَضُرُّ لَوْ تَابَعَ عَلَى مَا
ــ
[حاشية عميرة]
تَتِمَّةٌ) الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْأَكْثَرِينَ عَدَمُ اسْتِحْبَابِ الْقِيَامِ لَهَا، وَخَالَفَ الْمُتَوَلِّي وَاخْتَارَ مَقَالَتَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ
[فَصْلٌ أَرْكَانٌ صَلَاة الْجِنَازَةُ]
(فَصْلٌ: لِصَلَاتِهِ أَرْكَانٌ إلَخْ) . قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَيَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ) أَيْ كَمَا أَنَّ الظُّهْرَ مَثَلًا لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِكَوْنِهَا فَرْضَ عَيْنٍ. قَوْلُهُ: (فَلَا بُدَّ إلَخْ) هُوَ شَامِلٌ لِصَلَاةِ الصَّبِيِّ وَلِصَلَاةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ النِّسَاءَ إذَا صَلَّيْنَ مَعَ الرِّجَالِ تَقَعُ لَهُنَّ نَافِلَةً. قَوْلُهُ: (تَعَرُّضًا لِكَمَالِ وَصْفِهَا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: بَدَّلَهُ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ فَرْضِ الْعَيْنِ، وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الشَّارِحُ فَلْيُتَأَمَّلْ.
وَلَك أَنْ تَقُولَ هَلْ يَجْرِي نَظِيرُ هَذَا الْوَجْهِ فِي فُرُوضِ الْأَعْيَانِ؟ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَعْرِفُهُ. قَوْلُهُ: (كَزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو) وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ الْغَائِبَ، وَعَلَيْهِ فَيُعَيِّنُهُ وَلَوْ بِإِضَافَتِهِ لِلْبَلَدِ وَنَحْوِهَا فِيمَا يَظْهَرُ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (نَوَاهُمْ) لَوْ نَوَى بَعْضُهُمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ ثُمَّ صَلَّى عَلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ كَذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ، وَلَوْ اعْتَقَدَهُمْ عَشَرَةً فَبَانُوا أَحَدَ
стр. 388
لِيُسَلِّمَ مَعَهُ) وَالثَّانِي يُتَابِعُهُ وَإِنْ قُلْنَا بِالْبُطْلَانِ فَارَقَهُ
(الثَّالِثُ: السَّلَامُ) وَهُوَ (كَغَيْرِهَا) أَيْ كَسَلَامِ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي كَيْفِيَّتِهِ وَتَعَدُّدِهِ وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ مَعَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ
(الرَّابِعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ (بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى) قَبْلَ الثَّانِيَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْغَزَالِيِّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُ ﷺ كَبَّرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبَعًا وَقَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» .
(قُلْت تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا عَنْ النَّصِّ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ قِرَاءَتَهَا إلَى التَّكْبِيرَةِ الثَّانِيَةِ جَازَ.
(الْخَامِسُ: الصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الثَّانِيَةِ) أَيْ عَقِبَهَا، ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ السَّرَخْسِيِّ وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَعَيُّنِ الْفَاتِحَةِ قَبْلَهَا، رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ حَدِيثَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً إلَّا بِطَهُورٍ وَالصَّلَاةَ عَلَيَّ» لَكِنْ ضَعَّفَاهُ. (وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْآلِ لَا تَجِبُ) فِيهَا، بَلْ تُسَنُّ، وَقِيلَ تَجِبُ، وَهُوَ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ فِي التَّشَهُّدِ الْآخِرِ، وَهَذِهِ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِبِنَائِهَا عَلَى التَّخْفِيفِ.
(السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الثَّالِثَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: لَا يُجْزِئُ فِي غَيْرِهَا بِلَا خِلَافٍ وَلَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بِهَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ انْتَهَى، وَأَقَلُّهُ
ــ
[حاشية قليوبي]
تَقَدَّمَ وَانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامُ سَاهِيًا أَوْ عَامِدًا. نَعَمْ لِلْمَسْبُوقِ مُوَافَقَةُ الْإِمَامِ فِي الزَّائِدِ وَيَحْسُبُ لَهُ.
قَوْلُهُ: (كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ) مِنْهُ عَدَمُ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ مَنْ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ بِمَنْ يُحْسِنُ الذِّكْرَ، وَلَا هُمَا بِمَنْ وَاجِبُهُ الْوُقُوفُ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْحَقِّ
. قَوْلُهُ: (بَعْدَ غَيْرِ الْأُولَى) وَلَوْ فِيمَا بَعْدَ الرَّابِعَةِ وَلَوْ مِمَّا زَادَهُ عَلَيْهَا، وَفَارَقَتْ الْفَاتِحَةُ غَيْرَهَا مِنْ الْأَرْكَانِ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ أَكْمَلُ، وَقِيلَ: إنَّهَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ دَخِيلَةٌ أَيْ غَيْرُ أَصْلِيَّةٍ، إذْ الْمَطْلُوبُ فِيهَا أَصَالَةُ الدُّعَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ. قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ خُلُوُّ الْأُولَى عَنْ ذِكْرٍ، وَجَمْعِ رُكْنَيْنِ فِي غَيْرِهَا قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ: وَمَحَلُّ تَأْخِيرِهَا فِي غَيْرِ الْمَسْبُوقِ، وَمِثْلُهُ مَنْ شَرَعَ فِيهَا وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ فِيهِمَا وَخُصُوصًا فِي الثَّانِيَةِ، وَلَا يُقَاسُ بِالشُّرُوعِ فِي نَحْوِ الْقُنُوتِ لِإِمْكَانِ التَّدَارُكِ هُنَا وَسَيَأْتِي
. قَوْلُهُ: (الصَّلَاةُ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَيُنْدَبُ السَّلَامُ مَعَهَا وَلَا يُكْرَهُ هُنَا إفْرَادُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الْوَارِدِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَهَلْ بَقِيَّةُ أَسْمَائِهِ ﷺ كَذَلِكَ كَالْحَاشِرِ وَالْعَاقِبِ؟ رَاجِعْهُ. قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ إلَخْ) الْمُعْتَمَدُ تَعَيُّنُهَا عَقِبَهَا، وَمَا بَحَثَهُ الشَّارِحُ مِنْ الْبِنَاءِ مَرْجُوحٌ. قَوْلُهُ: (بَلْ تُسَنُّ) وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَدِّمَ قَبْلَهُمَا الْحَمْدَ لِلَّهِ، وَيُؤَخِّرَ عَنْهُمَا الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ. قَوْلُهُ: (بَعْدَ الثَّانِيَةِ) أَيْ -
ــ
[حاشية عميرة]
عَشَرَ وَجَبَ إعَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَمِيعِ، لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ بِخِلَافِ الْعَكْسِ ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَلَّى عَلَى حَيٍّ وَمَيِّتٍ صَحَّتْ مَعَ الْجَهْلِ دُونَ الْعِلْمِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْأَصَحِّ) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: هَذَا الْخِلَافُ فِي الْوُجُوبِ لِأَجْلِ الْمُتَابَعَةِ. قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِحْبَابِ، انْتَهَى. وَقَالَ السُّبْكِيُّ: الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ فِي الِاسْتِحْبَابِ. قَوْلُهُ: (فَارَقَهُ) لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ وَنَحْوَهُ: فَالْمَأْمُومُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْمُفَارَقَةِ وَالِانْتِظَارِ
. قَوْلُ الْمَتْنِ: (الثَّالِثُ السَّلَامُ) لِحَدِيثِ «تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» .
قَوْلُ الْمَتْنِ: (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ قَرَأَ فِيهَا بِالْفَاتِحَةِ، وَقَالَ: فَعَلَتْهُ لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ وَقَوْلُهُ: إنَّهَا سُنَّةٌ كَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ مِنْ السُّنَّةِ كَذَا فَيَكُونُ مَرْفُوعًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (قُلْت: تُجْزِئُ إلَخْ) يُسْتَفَادُ مِنْهُ كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيُّ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: إخْلَاءُ الْأُولَى عَنْ ذِكْرٍ يَكُونُ فِيهَا، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ رُكْنِ الْقِرَاءَةِ وَغَيْرِهِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ رُكْنَيْنِ فِي تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ
. قَوْلُهُ: (عَقِبَهَا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَالتَّخْصِيصُ بِالثَّانِيَةِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ. قَوْلُهُ: (وَكَأَنَّهُ) الضَّمِيرُ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ: ذَكَرَهُ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ أَيْ عَقِبَهَا. قَوْلُهُ: (لَكِنْ ضَعَّفَاهُ) أَقُولُ: رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
стр. 389
مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ نَحْوَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَسَيَأْتِي أَكْمَلُهُ
. (السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إنْ قَدَرَ) عَلَيْهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الْفَرَائِضِ، وَقِيلَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَجِبُ لِشِبْهِهَا بِالنَّافِلَةِ فِي جَوَازِ التَّرْكِ، وَالثَّانِي يَجِبُ إنْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ. (وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ) فِيهَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَوَضْعُهُمَا عَلَى صَدْرِهِ كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ. (وَإِسْرَارُ الْقِرَاءَةِ) فِيهَا فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. (وَقِيلَ يَجْهَرُ لَيْلًا) رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلَاثًا، وَالتَّسْلِيمُ عِنْدَ الْأَخِيرَةِ» .
(وَالْأَصَحُّ نَدْبُ التَّعَوُّذِ دُونَ الِافْتِتَاحِ) لِطُولِهِ، وَالثَّانِي يُنْدَبَانِ كَمَا فِي غَيْرِهَا، وَالثَّالِثُ لَا يُنْدَبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا تَخْفِيفًا، وَلَا تُنْدَبُ السُّورَةُ فِي الْأَصَحِّ وَيُنْدَبُ التَّأْمِينُ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ (وَيَقُولُ فِي الثَّالِثَةِ: اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدَيْك إلَخْ) وَبَقِيَّتُهُ كَمَا فِي الْمُحَرَّرِ خَرَجَ مِنْ رَوْحِ الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا، أَيْ نَسِيمِ رِيحِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ فِيهَا، أَيْ مَا يُحِبُّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ إلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لَاقِيهِ، أَيْ مِنْ الْأَهْوَالِ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُك وَرَسُولُك، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، اللَّهُمَّ إنَّهُ نَزَلَ بِك وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، وَأَصْبَحَ فَقِيرًا إلَى رَحْمَتِك وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ، وَقَدْ جِئْنَاك رَاغِبِينَ إلَيْك شُفَعَاءَ لَهُ، اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَزِدْ فِي إحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَاغْفِرْ لَهُ وَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك رِضَاك، وَقِه فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِك الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِك حَتَّى تَبْعَثَهُ آمِنًا إلَى جَنَّتِك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، جَمَعَ الشَّافِعِيُّ ﵁ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَصْحَابُ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ أَمَتُك وَبِنْتُ عَبْدَيْك، وَيُؤَنِّثُ الضَّمَائِرَ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: وَلَوْ ذَكَّرَهَا عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ لَمْ يَضُرَّ. (وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْته مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْته مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ) .
رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ
ــ
[حاشية قليوبي]
بِحَسَبِ إرَادَتِهِ أَخْذًا مِمَّا تَقَدَّمَ
. قَوْلُهُ: (الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ) أَيْ بِخُصُوصِهِ وَلَوْ فِي عُمُومٍ بِقَصْدِهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ بِأُخْرَوِيٍّ. قَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ إلَخْ) وَلَوْ فِي صَغِيرٍ، وَمِنْهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرْطًا وَذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ إلَخْ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَلَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ إلَخْ نَفْيُ دَلِيلِ تَخْصِيصِ عَدَمِ الْخِلَافِ لَا نَفْيُ دَلِيلِ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، فَلَا يُنَافِي مَا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ
. قَوْلُهُ: (الْقِيَامُ) وَلَوْ لِصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ مَعَ الرِّجَالِ. قَوْلُهُ: (فِي جَوَازِ التَّرْكِ) أَيْ لَا فِي جَوَازِ التَّنَفُّلِ بِصُورَتِهَا. قَوْلُهُ: (فِي التَّكْبِيرَاتِ) أَيْ الْمَطْلُوبَةِ لَا فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا، لَكِنْ لَا يَضُرُّ لَوْ رَفَعَ إلَّا فِيمَا مَرَّ. قَوْلُهُ: (قَالَ السُّنَّةُ) عِبَارَةُ الْمَنْهَجِ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ وَالْمُرَادُ الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ. قَوْلُهُ: (دُونَ الِافْتِتَاحِ) وَإِنْ صَلَّى عَلَى غَائِبٍ أَوْ قَبْرٍ، وَيُنْدَبُ الْإِسْرَارُ بِالتَّعَوُّذِ وَغَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ أَذْكَارِهَا إلَّا التَّكْبِيرَاتِ وَالسَّلَامَ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْمُصَنِّفُ الْقِرَاءَةَ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْخِلَافِ. قَوْلُهُ: (وَيُنْدَبُ التَّأْمِينُ) وَبَعْدَهُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] كَمَا فِي الرَّوْضَةِ. قَوْلُهُ: (وَمَحْبُوبِهِ وَأَحِبَّائِهِ) الْمَشْهُورُ فِيهِمَا الْجَرُّ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُمَا جُمْلَةً حَالِيَّةً. قَوْلُهُ: (مَا يُحِبُّهُ وَمَنْ يُحِبُّهُ) الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ فِيهِمَا لِلْمَيِّتِ، وَالْبَارِزُ لِمَحْبُوبِ الْمَيِّتِ مِنْ عَاقِلٍ وَغَيْرِهِ. قَوْلُهُ: (نَزَلَ بِك) أَيْ صَارَ ضَيْفًا عِنْدَك. قَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا إلَخْ) وَلَا يَضُرُّ هَذَا التَّعْلِيقُ، وَإِنْ صَلَّى عَلَى نَبِيٍّ مَثَلًا عَلَى نَظِيرِ دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ بِقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْت تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ إلَخْ، وَلَكِنْ الْأَوْلَى فِي نَحْوِ النَّبِيِّ تَرْكُهُ.
قَوْلُهُ: (جَنْبَيْهِ) بِنُونٍ فَمُوَحَّدَةٍ مُثَنَّى جَنْبٍ، وَبِمُثَلَّثَةٍ، فَمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَهِيَ أَوْلَى لِعُمُومِهَا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ، كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ. قَوْلُهُ: (وَلَقِّهِ) أَيْ أَعْطِهِ تَكَرُّمًا وَآمِنْهُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَسُؤَالِهِ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً إلَخْ) وَلَوْ كَانَ خُنْثَى أَوْ غَيْرَ مَعْرُوفٍ قَالَ: مَمْلُوكُك.
قَوْلُهُ: (وَيُؤَنِّثُ الضَّمَائِرَ) أَيْ إلَّا ضَمِيرَ مَنْزُولٍ بِهِ، فَيَجِبُ أَنْ يُذَكَّرَ مُطْلَقًا سَوَاءٌ أَفْرَدَهُ كَمَا ذَكَرَهُ، أَوْ جَمَعَهُ كَمَنْزُولٍ بِهِمْ، لِأَنَّهُ عَائِدٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَنَّثَهُ عَامِدًا عَالِمًا خِيفَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ. قَوْلُهُ: (عَلَى إرَادَةِ الشَّخْصِ) قَالَ شَيْخُنَا: وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ اعْتِبَارِ أَنَّهُ يُلَاحِظُ ذَلِكَ غَيْرُ مُرَادٍ. قَوْلُهُ: (وَيُقَدِّمُ عَلَيْهِ) وَيُنْدَبُ أَنْ يُقَدِّمَ عَلَيْهِمَا مَعًا مَا رَوَاهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ فِعْلِهِ ﷺ ، وَهُوَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ
ــ
[حاشية عميرة]
أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرُوهُ أَنَّ «السُّنَّةَ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ ثُمَّ يُصَلِّيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُخْلِصَ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ وَيُسَلِّمَ» . ثُمَّ قَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ
. قَوْلُهُ: (وَأَقَلُّهُ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ كَغَيْرِهِ أَنَّ هَذَا الْأَقَلَّ حَتَّى فِي الطِّفْلِ، فَلَا يَكْفِي الدُّعَاءُ لِوَالِدَيْهِ، لَكِنْ قَدْ يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ السَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ، وَيُمْكِنُ دَفْعُ الْإِشْكَالِ
. قَوْلُهُ:
стр. 390
وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جِنَازَةٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا» إلَخْ، زَادَ التِّرْمِذِيُّ: " اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ " وَالْجَمْعُ بَيْنَ الدُّعَاءَيْنِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ، وَأَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكَبِيرِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، وَتَقْدِيمُ الثَّانِي مِنْهُمَا لِأَنَّهُ بَعْضُ الْأَوَّلِ بِالْمَعْنَى. (وَيَقُولُ فِي الطِّفْلِ مَعَ هَذَا الثَّانِي اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ فَرَطًا لِأَبَوَيْهِ) أَيْ سَابِقًا مُهَيِّئًا مَصَالِحَهُمَا فِي الْآخِرَةِ. (وَسَلَفًا وَذُخْرًا) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَعِظَةً) أَيْ مَوْعِظَةً (وَاعْتِبَارًا وَشَفِيعًا وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا) وَفِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا: وَلَا تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ وَلَا تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ، وَيَشْهَدُ لِلدُّعَاءِ لَهُمَا مَا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ السَّابِقِ " وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ " (وَفِي الرَّابِعَةِ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّهَا (وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) أَيْ بِالِابْتِلَاءِ بِالْمَعَاصِي وَفِي التَّنْبِيهِ وَغَيْرِهِ: وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَوَّلَانِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي بِلَا عُذْرٍ فَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ أُخْرَى بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّ التَّخَلُّفَ بِالتَّكْبِيرِ هُنَا مُتَفَاحِشٌ شُبِّهَ بِالتَّخَلُّفِ بِرَكْعَةٍ، وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ احْتِمَالُ أَنَّهُ كَالتَّخَلُّفِ بِرُكْنٍ (وَيُكَبِّرُ الْمَسْبُوقُ وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ
ــ
[حاشية قليوبي]
لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَفِتْنَتِهِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ» ، انْتَهَى. وَهَذَا أَصَحُّ مَا فِي الْبَابِ، وَالْمُرَادُ بِإِبْدَالِ الزَّوْجِ وَلَوْ تَقْدِيرًا أَوْ صِفَةً فَيَدْخُلُ مَنْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَمِنْ الْحَوَرِ الْعَيْنِ، لِأَنَّ بَنَاتَ آدَمَ أَفْضَلُ مِنْهُنَّ، وَلِكُلِّ إنْسَانٍ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ ثِنْتَانِ فَقَطْ. قَوْلُهُ: (وَمَيِّتَنَا) وَلَا يَكْتَفِي بِهَذَا عَنْ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ إلَّا إنْ قَصَدَهُ فِيهِ بِخُصُوصِهِ وَلَوْ فِي عُمُومِهِ، وَحِينَئِذٍ يَكْفِي وَلَوْ فِي الصَّغِيرِ لِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ لَا تَسْتَدْعِي سَبْقَ ذَنْبٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ. قَوْلُهُ: (فِي الطِّفْلِ) أَيْ مِنْ أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ يَقِينًا، وَفِي الْمَشْكُوكِ فِيهِ يُعَلِّقُ كَمَا يَأْتِي فِي الِاخْتِلَاطِ، وَفِي الطِّفْلَةِ يُؤَنِّثُ ضَمَائِرَهَا كَمَا مَرَّ، وَيُرَاعِي فِي الدُّعَاءِ مَا يُنَاسِبُ فَلَا يَقُولُ: فَرْطًا وَنَحْوَهُ إلَّا فِيمَنْ لَهُ أَصْلٌ مُسْلِمٌ، وَلَا عِظَةً وَنَحْوَهُ إلَّا فِيمَنْ لَهُ أَصْلٌ حَيٌّ وَهَكَذَا، وَفِي كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ حُرْمَةُ الدُّعَاءِ لِلْكَافِرِ بِأُخْرَوِيٍّ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ، وَمِنْهُ جَوَازُ الدُّعَاءِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْأَذْكَارِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ: (وَفِي الرَّابِعَةِ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى الْمَنْدُوبِ لِأَنَّ ذِكْرَهَا مَنْدُوبٌ، وَيُنْدَبُ تَطْوِيلُهَا بِقَدْرِ مَا يَأْتِي بِهِ فِي الثَّلَاثَةِ قَبْلَهَا، وَأَنْ يَقْرَأَ فِيهَا آيَاتِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ إلَى الْعَظِيمِ. قَوْلُهُ: (وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَوَّلَانِ) لَكِنْ بِلَفْظِ وَلَا تُضِلَّنَا
قَوْلُهُ: (وَلَوْ تَخَلَّفَ الْمُقْتَدِي) وَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ إنْ أَحْرَمَ الْمُقْتَدِي عَقِبَ إحْرَامِ الْإِمَامِ وَلَمْ يُكَبِّرْ حَتَّى كَبَّرَ إمَامُهُ، أَيْ شَرَعَ فِي التَّكْبِيرَةِ الثَّالِثَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمِثْلُهَا الرَّابِعَةُ لِمَنْ أَحْرَمَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ لِلْإِمَامِ، وَخَرَجَ بِالتَّكْبِيرِ الشُّرُوعُ فِي السَّلَامِ، فَلَا يَضُرُّ.
وَخَرَجَ بِالثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مَا زَادَهُ الْإِمَامُ فَلَا يَضُرُّ التَّخَلُّفُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُنْدَبُ مُتَابَعَتُهُ فِيهِ. وَقَالُوا: لَهُ انْتِظَارُهُ فِيهِ أَيْضًا كَمَا مَرَّ، وَقِيلَ: إنَّهُ كَغَيْرِهِ أَيْضًا. قَوْلُهُ: (بِلَا عُذْرٍ) أَمَّا لَوْ كَانَ لِعُذْرٍ كَنِسْيَانٍ وَجَهْلٍ وَعَدَمِ سَمَاعِ إمَامٍ وَبُطْءِ قِرَاءَةٍ، فَلَا تَبْطُلُ بِتَخَلُّفِهِ بِتَكْبِيرَةٍ وَلَا بِتَكْبِيرَتَيْنِ كَمَا فِي الْمَنْهَجِ، وَاعْتَمَدَهُ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ. وَاَلَّذِي مَشَى عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ وَمَالَ إلَيْهِ شَيْخُنَا عَدَمُ الْبُطْلَانِ وَلَوْ بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الْوَجْهُ فِي غَيْرِ عَدَمِ السَّمَاعِ بَلْ مَعَهُ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ الْأَصْلِيَّةِ. قَوْلُهُ: (الْمَسْبُوقُ) قَالَ شَيْخُنَا الرَّمْلِيُّ وَشَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ مَنْ تَأَخَّرَ إحْرَامُهُ عَنْ إحْرَامِ الْإِمَامِ فِي الْأُولَى، أَوْ عَنْ تَكْبِيرِهِ فِيمَا بَعْدَهَا، وَإِنْ أَدْرَكَ مِنْ الْقِيَامِ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ أَوْ أَكْثَرَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَقَوْلِهِمْ: فَلَوْ كَبَّرَ إلَخْ. قَوْلُهُ: (وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ إلَخْ) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، جَوَازًا لِأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا لِمَا بَعْدَ الْأُولَى، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَتِهِ، ثُمَّ اعْتَمَدَ كَشَيْخِنَا الرَّمْلِيِّ الْوُجُوبَ قَالَ: وَهَذَا مُسْتَثْنَى مِمَّا تَقَدَّمَ آنِفًا نَظَرًا لِسُقُوطِهَا هُنَا، فَلَا
ــ
[حاشية عميرة]
نَسِيمِ رِيحِهَا) قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَيُرَادُ بِهِ الْفَضَاءُ أَيْضًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ إلَخْ) اُنْظُرْ هَلْ يَسْقُطُ هَذَا إذَا كَانَ أَبَوَاهُ مَيِّتَيْنِ؟ وَكَذَا قَوْلُهُ: وَعِظَةً وَاعْتِبَارًا. قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَفِي الرَّابِعَةِ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ ذِكْرٍ فِيهَا.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فَلَمْ يُكَبِّرْ إلَخْ) لَوْ كَبَّرَ الْمَأْمُومُ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِمَامِ الْأُخْرَى اُتُّجِهَ الصِّحَّةُ، وَلَوْ شَرَعَ مَعَ شُرُوعِهِ فِيهَا، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ فَرَاغُ الْمَأْمُومِ هَلْ نَقُولُ بِالصِّحَّةِ أَمْ بِالْبُطْلَانِ؟ هُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ. قَوْلُهُ: (مُتَفَاحِشٌ) وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَابَعَةَ هُنَا لَا تَظْهَرُ إلَّا بِالْمُوَافَقَةِ فِيهَا لِخُلُوِّهَا عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ثُمَّ قَضِيَّةُ عِبَارَةِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ لَوْ تَخَلَّفَ بِالرَّابِعَةِ حَتَّى سَلَّمَ الْإِمَامُ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. قَوْلُهُ:
следующие страницы →