← Фикх шафии

Фикх шафии · id 2186

المجموع شرح المهذب - ط المنيرية

النووي

Полный текст (4 869 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فِيهِ وَجَرَى لَهُ فِي السِّجْنِ أَشْيَاءُ عَجِيبَةٌ وَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ ﵁ طَوِيلَ الصَّلَاةِ وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ: قَالَ الرَّبِيعُ مَا رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ بَعْدَ مَا فَطِنْتُ لَهُ إلَّا رَأَيْتُ شَفَتَيْهِ يَتَحَرَّكَانِ بِذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ قَالَ وَكَانَ لَهُ مِنْ الشَّافِعِيِّ مَنْزِلَةٌ وَكَانَ الرَّجُلُ رُبَّمَا سَأَلَ الشَّافِعِيَّ مَسْأَلَةً فَيَقُولُ سَلْ أَبَا يَعْقُوبَ فَإِذَا أَجَابَهُ أَخْبَرَهُ فَيَقُولُ هُوَ كَمَا قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْزَعَ بِحُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْبُوَيْطِيِّ وَرُبَّمَا جَاءَ إلَى الشَّافِعِيِّ رَسُولُ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ فَيُوَجِّهُ الشَّافِعِيُّ الْبُوَيْطِيَّ: وَيَقُولُ هَذَا لِسَانِي: وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ أَبِي الْجَارُودِ كَانَ الْبُوَيْطِيُّ جَارِي وَمَا انْتَبَهْتُ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ إلَّا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وَيُصَلِّي: وَكَانَ الشَّافِعِيُّ قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْتَ يَا فُلَانُ يَجْرِي لَكَ كَذَا وَأَنْتَ كَذَا وَقَالَ لِلْبُوَيْطِيِّ سَتَمُوتُ فِي حَدِيدِكَ فَكَانَ كَمَا تَفَرَّسَ جَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا ذَكَرَهُ وَدُعِيَ الْبُوَيْطِيُّ إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَأَبَى فَقُيِّدَ وَحُمِلَ إلَى بَغْدَادَ: قَالَ الرَّبِيعُ رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ وَفِي رِجْلَيْهِ أَرْبَعُ حِلَقٍ قُيُودٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَطْلًا وَفِي عُنُقِهِ غُلٌّ مَشْدُودٌ إلَى يَدِهِ: وَتُوُفِّيَ فِي السِّجْنِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ﵀ * وَأَمَّا الْمُزَنِيّ فَهُوَ نَاصِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أبو ابراهيم اسمعيل بن يحيى بن اسمعيل بن عمرو بن اسحق بْنِ مُسْلِمِ بْنِ نَهْدَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ كَانَ الْمُزَنِيّ زَاهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا مُنَاظِرًا مِحْجَاجًا غَوَّاصًا عَلَى الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْهَا الْجَامِعُ الْكَبِيرُ وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَالْمُخْتَصَرُ وَالْمَنْثُورُ وَالْمَسَائِلُ الْمُعْتَبَرَةُ والترغيب في العلم وكتاب الوثائق. قال الشَّافِعِيُّ الْمُزَنِيّ نَاصِرُ مَذْهَبِي. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَمَّا جَرَى لِلْبُوَيْطِيِّ مَا جَرَى كَانَ الْقَائِمُ بِالتَّدْرِيسِ والتفقيه على مذهب الشافعي المزني: وأنشد لمنصور الْفَقِيهُ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ وَتَسْمَعْ أُذُنِي * أَحْسَنَ نَظْمًا مِنْ كِتَابِ الْمُزَنِيِّ وَأَنْشَدَ أَيْضًا فِي فَضَائِلِ الْمُخْتَصَرِ وَذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ شَيْئًا كَثِيرًا: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَا نَعْلَمُ كِتَابًا صُنِّفَ فِي الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ نَفْعًا وَأَعَمَّ بَرَكَةً وَأَكْثَرَ ثَمَرَةً مِنْ مُخْتَصَرِهِ قَالَ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَاعْتِقَادُهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ اجْتِهَادُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ فِي جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ ثُمَّ اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ فِي تَصْنِيفِ الْكُتُبِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمَا وَجَمَعَنَا فِي جَنَّتِهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ: وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ﵀ قَالَ مَنْ تَتَبَّعَ الْمُخْتَصَرَ حق تتبعه لا يخفى عليه شئ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إلَّا وَقَدْ ذَكَرَهَا تَصْرِيحًا أَوْ إشَارَةً: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ

стр. 107

عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ إمَامِ الْأَئِمَّةِ قَالَ سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ كنت فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَلَّفْتُهُ ثمان مَرَّاتٍ وَغَيَّرْتُهُ وَكُنْتُ كُلَّمَا أَرَدْتُ تَأْلِيفَهُ أَصُومُ قَبْلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأُصَلِّي كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ نَاظَرَ الْمُزَنِيّ الشَّيْطَانَ لَقَطَعَهُ وَهَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْمُزَنِيُّ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّافِعِيِّ سِتِّينَ سَنَةً يُقْصَدُ مِنْ الْآفَاقِ وَتُشَدُّ إلَيْهِ الرَّحَّالُ حَتَّى صَارَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَ كَالْمُزَنِيِّ لَكَانَ صَادِقًا: وَذَكَرُوا مِنْ مَنَاقِبِهِ فِي أَنْوَاعِ طُرُقِ الْخَيْرِ جُمَلًا نَفِيسَةً لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْمَوْضِعُ عُشْرَ مِعْشَارِهَا وَهِيَ مُقْتَضَى حَالِهِ وَحَالِ مَنْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ تُوُفِّيَ الْمُزَنِيّ بِمِصْرَ وَدُفِنَ يَوْمَ الْخَمِيسِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُقَالُ كَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ أَحْوَالِ الْبُوَيْطِيِّ وَالْمُزَنِيِّ ذَكَرْتُهَا تَنْبِيهًا لِلْمُتَفَقِّهِ لِيَعْلَمَ مَحَلَّهُمَا وَقَدْ اسْتَقْصَيْتُ أَحْوَالَهُمَا بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي الطَّبَقَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ * وَقَوْلُهُ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مَعْنَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَسُمِّيَ الكتاب باسم مصنفه مجازا كما يقال قَرَأْتُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا وَالتِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ وَسِيبَوَيْهِ وَنَظَائِرَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحْدَاهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ قَطِرَانٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ رِيحُهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ إذَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ كَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَعَكَسَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَغَيْرُهُمَا فَقَدَّمُوا النَّصَّ الْمُؤَخَّرَ وَلَعَلَّ النُّسَخَ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ عَلَى حَالَيْنِ فَقَوْلُهُ يَجُوزُ أَرَادَ إنْ لَمْ يَخْتَلِطْ بَلْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ: وَقَوْلُهُ لَا يَجُوزُ يَعْنِي إذَا اخْتَلَطَ وَقِيلَ الْقَطِرَانُ ضَرْبَانِ مُخْتَلِطٌ وَغَيْرُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُمَا قَوْلَانِ وَهَذَا غَلَطٌ (الثَّانِيَةُ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْمَاءُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْهُ مِلْحٌ إنْ بَدَأَ فِي الْجُمُودِ وَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْجَارِي لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَإِنْ كان جار يا فهو ضربان ضرب يصير ملحا لجوهر التربة كَالسِّبَاخِ الَّتِي إذَا حَصَلَ فِيهَا مَطَرٌ أَوْ غَيْرُهُ صَارَ مِلْحًا جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِهِ: وَضَرْبٌ يصير ملحا لجوهر الماء كأعين الملج الَّتِي يَنْبُعُ مَاؤُهَا مَائِعًا ثُمَّ يَصِيرُ مِلْحًا جَامِدًا فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ جَوَازُ الطَّهَارَةِ لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُهُ فِي الْحَالِ وَإِنْ تَغَيَّرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا يَجْمُدُ الْمَاءُ فَيَصِيرُ جَمَدًا: وَقَالَ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ كَالنِّفْطِ وَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ

стр. 108

الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَجْهَيْنِ فِي الْمَاءِ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْهُ مِلْحٌ وَعِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ مَاءُ الْمَلَّاحَةِ وَالصَّوَابُ الجواز مطلقا مادام جَارِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ تَمْرٌ أَوْ قَمْحٌ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْحُبُوبِ وَتَغَيَّرَ بِهِ نُظِرَ إنْ كَانَ بِحَالِهِ صَحِيحًا لَمْ يَنْحَلَّ فِي الْمَاءِ جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِذَلِكَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ وَإِنْ انْحَلَّ لَمْ يَجُزْ لِلْمُخَالَطَةِ: وَإِنْ طُبِخَ ذَلِكَ الْحَبُّ بِالنَّارِ فَإِنْ انْحَلَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ لَمْ يَنْحَلَّ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ جَازَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْحَلَّ وَتَغَيَّرَ بِهِ فَوَجْهَانِ: قَالَ وَلَوْ تَغَيَّرَ بِالشَّمْعِ جَازَتْ الطَّهَارَةُ كَالدُّهْنِ يَعْنِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ: وَلَوْ تَغَيَّرَ بِشَحْمٍ أُذِيبَ فِيهِ فَوَجْهَانِ: قَالَ ولو تغير بالمعنى فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُمَاعُ وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (الرَّابِعَةُ) الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِوَرَقِ الشَّجَرِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ طَهُورٌ وَكَذَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا طَهُورٌ وَالثَّانِي لَا وَالثَّالِثُ يُعْفَى عَنْ الْخَرِيفِيِّ فَلَا يَسْلُبُ بِخِلَافِ الرَّبِيعِيِّ لِأَنَّ فِي الرَّبِيعِيِّ رُطُوبَةً تُخَالِطُ الْمَاءَ وَلِأَنَّ تَسَاقُطَهُ نَادِرٌ وَالْخَرِيفِيُّ يُخَالِفُهُ فِي هَذَيْنِ وَالْأَصَحُّ الْعَفْوُ مُطْلَقًا صَحَّحَهُ الْفُورَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ وَحَرَّرَهَا الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ إنْ لَمْ تَتَفَتَّتْ الْأَوْرَاقُ فَهُوَ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْعُودِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ وَإِنْ تَعَفَّنَتْ وَاخْتَلَطَتْ فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الْأَصَحُّ الْعَفْوُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا إذَا تَنَاثَرَتْ بِنَفْسِهَا فَإِنْ طُرِحَتْ قَصْدًا فَقِيلَ عَلَى الْأَوْجُهِ وَقِيلَ يَسْلُبُ الْمُتَفَتِّتُ قَطْعًا وَهَذَا أَصَحُّ: قَالَ الرُّويَانِيُّ وَلَوْ تَغَيَّرَ بِالثِّمَارِ سُلِبَ قَطْعًا وَاَللَّهُ أعلم * * قال المصنف ﵀ *

стр. 109

بَابِ (مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مِنْ النَّجَاسَةِ وما لا يفسده) (إذا وقعت في الماء نجاسة لا يخلو إما أن يكون راكدا أو جاريا أو بعضه راكدا وبعضه جاريا فان كان راكد نظرت في النجاسة فان كانت نجاسة يدركها الطرف من خمر أو بول أو ميتة لها نفس سائلة نظرت فان تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ مِنْ طَعْمٍ أَوْ لون أو رائحة بالنجاسة فَهُوَ نَجِسٌ لِقَوْلِهِ ﷺ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا ينجسه شئ إلا ما غير طعمه أو ريحه فَنَصَّ عَلَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَقِسْنَا اللَّوْنَ عَلَيْهِمَا لانه في معناهما) * (الشَّرْحُ) هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِنَجَاسَةٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوْ الْكَثِيرَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا فَهُوَ نَجِسٌ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ كَذَلِكَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا فَاحِشًا أَوْ يَسِيرًا طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ فَكُلُّهُ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمُتَغَيِّرِ بِطَاهِرٍ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التغير اليسير علي الاصح وانه يضر تَغَيُّرُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ: وَيُسْتَثْنَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مَا إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِمَيْتَةٍ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ كَثُرَتْ فيه فانه لا ينجس علي وَجْهٍ ضَعِيفٍ مَعَ قَوْلِنَا بِنَجَاسَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفًا لَمْ يَلْتَفِتْ الْأَصْحَابُ إلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَثْنُوهُ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ وَذَكَرَا فِيهِ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَوْ لَوْنَهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ ضَعْفَهُ وَهَذَا الضَّعْفُ فِي آخِرِهِ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمَاءُ طهور لا ينجسه شئ نصحيح مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَإِذَا عُلِمَ ضَعْفُ الحديث تعين

стр. 110

الِاحْتِجَاجُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فَقَالَ الْحَدِيثُ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ وَلَكِنَّهُ قَوْلُ الْعَامَّةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَنَصَّ عَلَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَقِسْنَا اللَّوْنَ عَلَيْهِمَا فَكَأَنَّهُ قَالَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا اللَّوْنُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيِّ كَمَا قدمناه: فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهُ رَآهَا فَتَرَكَهَا لِضَعْفِهَا قُلْنَا هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَوْ رَاعَى الضَّعْفَ وَاجْتَنَبَهُ لَتَرَكَ جُمْلَةَ الْحَدِيثِ لِضَعْفِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ) لَوْ وَقَعَتْ جِيفَةٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فَتَرَوَّحَ بِهَا بِالْمُجَاوَرَةِ وَلَمْ يَنْحَلَّ منها شئ فوجها الصَّحِيحُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَاقِينَ أَنَّهُ نَجِسٌ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ دَلَالَةِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَصَحَّحَهُ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ وَمُسْتَقْذَرًا: وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ لانه مجاور فأشبه الجيفة خارج الماء * قال المصنف ﵀ * (وإن تغير بعضه دون بعض نجس الجميع لانه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس بعضه دون بعض) (الشَّرْحُ) هَذِهِ مَعْدُودَةٌ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بَعْضُهُ بِالنَّجَاسَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْجُسُ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرٌ وَإِلَّا فَنَجِسٌ وَهَذَا الَّذِي صَحَّحْنَاهُ هُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُمَا أَيْضًا وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِيهِ وَفِي مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ حَمَلَ كَلَامَ الْمُهَذَّبِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (١) وَقَالَ مُرَادُهُ إذَا كَانَ الْبَاقِي دُونَ قُلَّتَيْنِ وَفَرَّعَ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ لَوْ كَانَ مَاءٌ

стр. 111

رَاكِدٌ مُتَغَيِّرٌ بِنَجَاسَةٍ فَمَرَّتْ بِهِ قُلَّتَانِ غَيْرُ مُتَغَيِّرَتَيْنِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ نَجَاسَتُهُمَا إذَا اتَّصَلَتَا بِهِ فَإِذَا انْفَصَلَتَا عَنْهُ زَالَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ قلتان مستقلتان بلا تغير والله أعلم * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ * (وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ نظرت فان كان دون قلتين فَهُوَ نَجِسٌ وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا فَهُوَ طَاهِرٌ لِقَوْلِهِ ﷺ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَحْمِلُ الْخَبَثَ وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ يُمْكِنُ حِفْظُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ فِي الظروف والكثير لا يمكن فجعل القلتان حدا فاصلا) * (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ حَدِيثٌ حَسَنٌ ثَابِتٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ رَوَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ قَالَ الْحَاكِمُ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ إسْنَادُ هذا الرِّوَايَةِ إسْنَادٌ صَحِيحٌ: وَالْخَبَثُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْبَاءِ: وَمَعْنَاهُ هُنَا لَمْ يَنْجُسْ كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: وَقَوْلُهُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا مَعْنَاهُ فَأَكْثَرَ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ * وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْهُ فَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِيهَا سَبْعَةَ مَذَاهِبَ لِلْعُلَمَاءِ أَحَدُهَا إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يَنْجُسْ وَإِنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ نَجِسَ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدِ بن جبير ومجاهد وأحمد وأبي عبيد واسحق بْنِ رَاهْوَيْهِ (الثَّانِي) أَنَّهُ إنْ بَلَغَ أَرْبَعِينَ قلة لم ينجسه شئ حَكَوْهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ: (الثَّالِثُ) : إنْ كَانَ

стр. 112

كرا (١) لم ينجسه شئ روي عَنْ مَسْرُوقٍ وَابْنِ سِيرِينَ (وَالرَّابِعُ) إذَا بَلَغَ ذَنُوبَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةٍ وَقَالَ عِكْرِمَةُ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ (الْخَامِسُ) إنْ كَانَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا لَمْ يَنْجُسْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (السَّادِسُ) إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ حُرِّكَ جَانِبُهُ تَحَرَّكَ الْجَانِبُ الْآخَرُ نَجِسَ وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (وَالسَّابِعُ) لَا يَنْجُسُ كَثِيرُ الْمَاءِ وَلَا قَلِيلُهُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ حَكَوْهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعطاء وعبد الرحمن ابن أَبِي لَيْلَى وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَدَاوُد وَنَقَلُوهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالنَّخَعِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهَذَا الْمَذْهَبِ أَقُولُ وَاخْتَارَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْبَحْرِ وَالْحِلْيَةِ قَالَ فِي الْبَحْرِ هُوَ اخْتِيَارِي وَاخْتِيَارُ جَمَاعَةٍ رَأَيْتُهُمْ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَهَذَا الْمَذْهَبُ أَصَحُّهَا بَعْدَ مَذْهَبِنَا * وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِأَشْيَاءَ لَيْسَ في شئ مِنْهَا دَلَالَةٌ لَكِنِّي أَذْكُرُهَا لِبَيَانِ جَوَابِهَا إنْ أُورِدَتْ عَلَى ضَعِيفِ الْمَرْتَبَةِ: مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ قَالُوا وَرُوِيَ أَنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَأَمَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِنَزْحِهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَاءَ زَمْزَمَ يَزِيدُ عَلَى قُلَّتَيْنِ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ يَنْجُسُ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ إذَا قَلَّ فَكَذَا إذَا كَثُرَ كَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ وَلِأَنَّهُ تُيُقِّنَ حُصُولُ نَجَاسَةٍ فِيهِ فَهُوَ كَالْقَلِيلِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا وَفِي رِوَايَةٍ لَمْ يَنْجُسْ وَهُمَا صَحِيحَانِ كَمَا سَبَقَ: وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ فِي وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَكَانَتْ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَخِرَقُ الْحِيَضِ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَسَبَقَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَهَذِهِ الْبِئْرُ كَانَتْ صَغِيرَةً كَمَا سَبَقَ بَيَانُهَا وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْوُضُوءَ مِنْ مِثْلِهَا: قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا تَوَضَّأَ مِنْهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ جَارِيَةً قَالَ الْوَاقِدِيُّ كَانَ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْعُ وَالْبَسَاتِينُ وَكَذَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا غَلَطٌ وَلَمْ تَكُنْ بِئْرُ بُضَاعَةَ جَارِيَةً بَلْ كَانَتْ وَاقِفَةً لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ ضَبَطُوا بِئْرَ بُضَاعَةَ وَعَرَّفُوهَا فِي كُتُبِ مكة والمدينة وان الماء لم يكن

стр. 113

يَجْرِي وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ عِنْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَذَكَرْنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ قُتَيْبَةَ وَمَا وصفه هو: قال أصحابنا وما نَقَلُوهُ عَنْ الْوَاقِدِيِّ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الْوَاقِدِيَّ ﵀ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَاتِهِ الْمُتَّصِلَةِ فَكَيْفَ بِمَا يُرْسِلُهُ أَوْ يَقُولُهُ عَنْ نَفْسِهِ قَالُوا وَلَوْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ يُسْقَى مِنْهَا الزَّرْعُ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُسْقَى مِنْهَا بِالدَّلْوِ وَالنَّاضِحِ عَمَلًا بِمَا نَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ فِي صِفَتِهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا وَعُمْدَتُنَا حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ فَإِنْ قَالُوا هُوَ مُضْطَرِبٌ لِأَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ تَارَةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عباد ابن جَعْفَرٍ وَتَارَةً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَرُوِيَ تَارَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أبيه وتارة عن عبيد الله بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ وَهَذَا اضْطِرَابٌ ثَانٍ: فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ اضْطِرَابًا بَلْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُمَا ثِقَتَانِ مَعْرُوفَانِ: وَرَوَاهُ أَيْضًا عبد الله وعبيد الله ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا وَهُمَا أَيْضًا ثِقَتَانِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الِاضْطِرَابِ: وَبِهَذَا الْجَوَابِ أَجَابَ أَصْحَابُنَا وَجَمَاعَاتٌ مِنْ حُفَّاظِ الْحَدِيثِ وَقَدْ جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ طُرُقَهُ وَبَيَّنَ رِوَايَةَ المحمدين وعبد الله وعبيد الله وَذَكَرَ طُرُقَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَبَيَّنَهَا أَحْسَنَ بَيَانٍ ثُمَّ قَالَ فَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وعبيد الله: قَالَ وَكَذَا كَانَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ الْحَاكِمُ يَقُولُ الْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ عَنْهُمَا وَكِلَاهُمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ: وَكَانَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ يَقُولُ غَلِطَ أَبُو أُسَامَةَ فِي عَبْدِ الله بن عبد الله انما هو عبيد الله بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ وَأَطْنَبَ الْبَيْهَقِيُّ فِي تَصْحِيحِ الْحَدِيثِ بِدَلَائِلِهِ فَحَصَلَ أَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ نُجُومَ أَهْلِ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ وَقَالُوا بِهِ وَاعْتَمَدُوهُ في تحديث الماء وهم القدوة وعليهم الْمُعَوَّلُ فِي هَذَا الْبَابِ: فَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ ومحمد بن اسحاق بن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ (قُلْتُ) وَقَدْ سَلَّمَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ إمَامُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْحَدِيثِ والذاب عنهم صحة هَذَا الْحَدِيثِ لَكِنَّهُ دَفَعَهُ وَاعْتَذَرَ عَنْهُ بِمَا لَيْسَ بِدَافِعٍ وَلَا عُذْرٍ فَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ لَكِنْ تَرَكْنَاهُ لِأَنَّهُ رَوَى قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ولا نا لَا نَعْلَمُ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الرواية الصحيحة المعروفة المشهورة

стр. 114

قلتين وراية الشَّكِّ شَاذَّةٌ غَرِيبَةٌ فَهِيَ مَتْرُوكَةٌ فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لَا نَعْلَمُ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ فَالْمُرَادُ قِلَالُ هَجَرَ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَقِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ مَشْهُورَةً يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ الاسراء فقال رفعت لي السدرة الْمُنْتَهَى فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ فَعُلِمَ بِهَذَا أَنَّ الْقِلَالَ مَعْلُومَةٌ عِنْدَهُمْ مَشْهُورَةٌ وَكَيْفَ يُظَنُّ أَنَّهُ ﷺ يجدد لَهُمْ أَوْ يُمَثِّلُ بِمَا لَا يَعْلَمُونَهُ وَلَا يَهْتَدُونَ إلَيْهِ: فَإِنْ قَالُوا رُوِيَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً وَرُوِيَ أَرْبَعِينَ غَرْبًا وَهَذَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ: فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا نُقِلَ أَرْبَعِينَ قُلَّةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصر وأربعين غربا أي هُرَيْرَةَ كَمَا سَبَقَ: وَحَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ فَهَذَا مَا نَعْتَمِدُهُ فِي الْجَوَابِ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا بِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَالِفًا بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْأَرْبَعِينَ صِغَارٌ تَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ فَقَطْ: فَإِنْ قَالُوا يُحْمَلُ عَلَى الْجَارِي: فَالْجَوَابُ أَنَّ الحديث عام يتناول الجارى والرا كد فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ بِلَا دَلِيلٍ وَلِأَنَّ تَوْقِيتَهُ بِقُلَّتَيْنِ يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْجَارِي عِنْدَهُمْ: فَإِنْ قَالُوا لَا يَصِحُّ التَّمَسُّكُ بِهِ لِأَنَّهُ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ فِي الْمُتَغَيِّرِ بِنَجَاسَةٍ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ خُصَّ فِي بَعْضِهِ فَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى عُمُومِهِ كما هو المختار في الاوصول: فَإِنْ قَالُوا قَدْ رَوَى ابْنُ عُلَيَّةَ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ: فَالْجَوَابُ أَنَّهُ صَحَّ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ طُرُقِ الثِّقَاتِ فَلَا يَضُرُّ تفرد واحد لم يحفظ تَوَقُّفُهُ: وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ إمَامِ هَذَا الشَّأْنِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ قِيلَ لَهُ فَإِنَّ ابْنَ عُلَيَّةَ لَمْ يرفعه قَالَ يَحْيَى وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَالْحَدِيثُ جَيِّدُ الْإِسْنَادِ فَإِنْ قَالُوا إنَّمَا لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا لِضَعْفِهِ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ: فَالْجَوَابُ مَا قَالَ أَصْحَابُنَا وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَغَيْرُهُمْ إنَّ هَذَا جَهْلٌ بِمَعَانِي الْكَلَامِ وَبِطُرُقِ الْحَدِيثِ أَمَّا جَهْلُ قَائِلِهِ بِطُرُقِ الْحَدِيثِ فَفِي رواية صحيحة لا بي دَاوُد إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهَا فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَعَيَّنَ حَمْلُ الْأُخْرَى عَلَيْهَا وَأَنَّ مَعْنَى لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا لَمْ يَنْجُسْ: وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ أَحْسَنُ تَفْسِيرِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِذَلِكَ الْحَدِيثِ * وَأَمَّا جَهْلُهُ بِمَعَانِي الْكَلَامِ فَبَيَانُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الْقُلَّتَيْنِ

стр. 115

حَدًّا فَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ لَكَانَ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ بَاطِلًا فَإِنَّ مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ يُسَاوِي الْقُلَّتَيْنِ فِي هَذَا: وَالثَّانِي أَنَّ الْحَمْلَ ضَرْبَانِ حَمْلُ جِسْمٍ وَحَمْلُ مَعْنًى فَإِذَا قِيلَ فِي حَمْلِ الْجِسْمِ فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الْخَشَبَةَ مَثَلًا فَمَعْنَاهُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ لِثِقَلِهِ وَإِذَا قِيلَ فِي حَمْلِ الْمَعْنَى فُلَانٌ لَا يَحْمِلُ الضَّيْمَ فَمَعْنَاهُ لَا يَقْبَلُهُ وَلَا يَلْتَزِمُهُ وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (مَثَلُ الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها) مَعْنَاهُ لَمْ يَقْبَلُوا أَحْكَامَهَا وَلَمْ يَلْتَزِمُوهَا: وَالْمَاءُ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ لَا يَتَشَكَّكُ فِي هَذَا مَنْ لَهُ أَدْنَى فَهْمٍ وَمَعْرِفَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * واحتج أصحابنا من جهة الاعتبار والاستدلال باشيا أَحَدُهَا وَهُوَ الْعُمْدَةُ عَلَى مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَنَّ الْأُصُولَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا صَعُبَتْ إزَالَتُهَا وَشَقَّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا عُفِيَ عَنْهَا كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَوْضِعِ النَّجْوِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَإِذَا لَمْ يَشُقَّ الِاحْتِرَازُ لَمْ يُعْفَ كَغَيْرِ الدَّمِ مِنْ النَّجَاسَاتِ: وَمَعْلُومٌ أَنَّ قليل الماء لا يشق حفظه فكثيره يَشُقُّ فَعُفِيَ عَمَّا شَقَّ دُونَ غَيْرِهِ وَضَبَطَ الشَّرْعُ حَدَّ الْقُلَّةِ بِقُلَّتَيْنِ فَتَعَيَّنَ اعْتِمَادُهُ وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ بَلَغَهُ الْحَدِيثُ الْعُدُولُ عَنْهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلِهَذَا يَنْجُسُ الْمَائِعُ وَإِنْ كَثُرَ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي حِفْظِهِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ وَذَكَرُوا دَلَائِلَ كَثِيرَةً وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ: وَالْجَوَابُ عَمَّا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ حَدِيثِ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ عَامٌّ مخصوص بحديث القلتين: والثاني وهو الا ظهر أَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ فَيُكْرَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَلَا يَحْرُمُ: وَسَبَبُ الْكَرَاهَةِ الِاسْتِقْذَارُ لَا النَّجَاسَةُ وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى كَثْرَةِ الْبَوْلِ وَتَغَيُّرِ الْمَاءِ بِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ زِنْجِيًّا مَاتَ فِي زَمْزَمَ فَنَزَحَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَجَوَابُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَجَابَ بِهَا الشَّافِعِيُّ ثُمَّ الْأَصْحَابُ أَحْسَنُهَا أَنَّ هَذَا الَّذِي زَعَمُوهُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ لَقِيتُ جَمَاعَةً مِنْ شُيُوخِ مَكَّةَ فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ هَذَا فَقَالُوا مَا سَمِعْنَا هَذَا: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ إمَامِ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ إنَّا بِمَكَّةَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ أَرَ أَحَدًا لَا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا يَعْرِفُ حَدِيثَ الزِّنْجِيِّ الَّذِي يَقُولُونَهُ وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُ نُزِحَتْ زَمْزَمُ: فَهَذَا سُفْيَانُ كَبِيرُ أَهْلِ مَكَّةَ قَدْ لَقِيَ خَلَائِقَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَمِعَهُمْ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ بَعْدَ هَذَا صِحَّةُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا إذَا وَقَعَتْ أَنْ تَشِيعَ فِي النَّاسِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ مَكَّةَ لَا سِيَّمَا أَصْحَابُ ابن

стр. 116

عَبَّاسٍ وَحَاضِرُوهَا وَكَيْفَ يَصِلُ هَذَا إلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ وَيَجْهَلُهُ أَهْلُ مَكَّةَ: وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا: الثَّانِي لَوْ صَحَّ لَحُمِلَ عَلَى أَنَّ دَمَهُ غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ فَغَيَّرَهُ: الثَّالِثُ فَعَلَهُ اسْتِحْبَابًا وَتَنَظُّفًا فَإِنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ وَالْمَشْهُورُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَائِعِ فَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ قِيَاسٌ يُخَالِفُ السُّنَّةَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ: (الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَشُقُّ حِفْظُ الْمَائِعِ وَإِنْ كَثُرَ بَلْ الْعَادَةُ حِفْظُهُ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا: (الثَّالِثُ) أَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً فِي دَفْعِ النَّجَسِ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَا يَتَحَرَّكُ طَرَفُهُ الْآخَرُ بِخِلَافِ الْمَائِعِ: (الرَّابِعُ) لِلْمَاءِ قُوَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ فَكَذَا لَهُ دَفْعُ النَّجَسِ بِخِلَافِ الْمَائِعِ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ فَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ: قَالَ أَصْحَابُنَا اعْتَبَرُوا حَدًّا وَاعْتَبَرْنَا حَدًّا وَحَدُّنَا مَا حَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه الَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى طَاعَتَهُ وَحَرَّمَ مُخَالَفَتَهُ: وَحَدُّهُمْ مُخَالِفٌ حَدَّهُ ﷺ مَعَ أَنَّهُ حَدٌّ بِمَا لَا أَصْلَ لَهُ وَهُوَ أَيْضًا حَدٌّ لَا ضَبْطَ فِيهِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِضِيقِ مَوْضِعِ الْمَاءِ وَسَعَتِهِ وَقَدْ يَضِيقُ مَوْضِعُ الْمَاءِ الْكَثِيرِ لِعُمْقِهِ وَيَتَّسِعُ مَوْضِعُ الْقَلِيلِ لِعَدَمِ عُمْقِهِ فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ * وَأَمَّا مَالِكٌ وَمُوَافِقُوهُ فَاحْتُجَّ لَهُمْ بِقَوْلِهِ ﷺ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا ينجسه شئ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْقُلَّتَيْنِ وَعَلَى مَا إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ وَقَدْ وَافَقَنَا مَالِكٌ ﵀ عَلَى الْقَوْلِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَنَهَاهُ ﷺ عَنْ غَمْسِ يَدِهِ وَعَلَّلَهُ بِخَشْيَةِ النَّجَاسَةِ وَيُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي قَدْ تَكُونُ عَلَى يَدِهِ وَتَخْفَى عَلَيْهِ لَا تُغَيِّرُ الْمَاءَ فَلَوْلَا تَنْجِيسُهُ بِحُلُولِ نَجَاسَةٍ لَمْ تُغَيِّرْهُ لَمْ يَنْهَهُ: وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ " فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ " فَالْأَمْرُ بِالْإِرَاقَةِ وَالْغَسْلِ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ: وَبِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ فجاءت هرة

стр. 117

فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ فَشَرِبَتْ فَتُعُجِّبَ مِنْهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عليكم أو الطوافات حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ: وَفِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ نَجَّسَتْهُ: وَاحْتَجُّوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَمِنْ حَيْثُ الِاسْتِدْلَالِ مَا سَبَقَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا يُعْفَى عَنْهَا وَمَا لَا فَلَا وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَضَبَطَ الشَّرْعُ بِقُلَّتَيْنِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِأَنَّهُ لَا يَشُكُّ مُنْصِفٌ أَنَّ السَّلَفَ لَوْ رَأَوْا رَطْلَ مَاءٍ أَصَابَهُ قَطَرَاتُ بَوْلٍ أَوْ خَمْرٍ لَمْ يُجِيزُوا الْوُضُوءَ بِهِ: وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجُّوا بِهِ فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَإِنَّهُ عَامٌّ وَخَبَرُنَا خَاصٌّ فَوَجَبَ تَقْدِيمُهُ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ: وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى مَا إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ حَيْثُ النَّصِّ وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَمَنَعَ ﷺ مِنْ إيرَادِ الْيَدِ عَلَى الْمَاءِ وَأَمَرَ بِإِيرَادِهِ عَلَيْهَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا: وَالثَّانِي أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ لِوُرُودِ النَّجَاسَةِ وَأَمَرَ بِإِيرَادِ الْمَاءِ عَلَى الْإِنَاءِ: فَإِنْ قَالُوا الْكَلْبُ طَاهِرٌ عِنْدَنَا قُلْنَا سَنُوَضِّحُ الدَّلَائِلَ عَلَى نَجَاسَتِهِ فِي بَابِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَالْجَوَابُ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّا إذَا نَجَّسْنَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ بِوُرُودِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَشُقَّ لِإِمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهَا ولو نجسنا دون القلتين بوروده على نَجَاسَةً لَشَقَّ وَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَطْهُرَ شي حَتَّى يُغْمَسَ فِي قُلَّتَيْنِ وَفِي ذَلِكَ أَشَدُّ الْحَرَجِ فَسَقَطَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَاعْلَمْ أَنَّهُ حَصَلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ جُمْلَةٌ مِنْ الْأَحَادِيثِ ذَكَرْنَاهَا وَبِجَمِيعِهَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ وَلَمْ يَرُدَّ مِنْهَا شَيْئًا وَهَذِهِ عَادَتُهُ ﵀ فِي تَمَسُّكِهِ بِالسُّنَّةِ وَجَمْعِهِ بَيْنَ أَطْرَافِهَا وَرَدِّهِ بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَسَتَرَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي نَظَائِرِ هَذِهِ مِنْ مسائل الخلاف وغيرها من ذلك ما تقربه عَيْنُكَ وَتَزْدَادُ اعْتِقَادًا فِي الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبِهِ فَلَيْسَ الْخَبَرُ الْجُمَلِيُّ كَالْعِيَانِ التَّفْصِيلِيِّ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ (فَرْعٌ) نَقَلَ أَصْحَابُنَا عَنْ دَاوُد بْنِ عَلِيٍّ

стр. 118

الظَّاهِرِيِّ الْأَصْبَهَانِيِّ ﵀ مَذْهَبًا عَجِيبًا فَقَالُوا انْفَرَدَ دَاوُد بِأَنْ قَالَ لَوْ بَالَ رَجُلٌ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَوَضَّأَ هُوَ مِنْهُ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ قَالَ وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ عِنْدَهُ وَلَوْ بَالَ فِي إنَاءٍ ثُمَّ صَبَّهُ فِي مَاءٍ أَوْ بَالَ فِي شَطِّ نَهْرٍ ثُمَّ جَرَى الْبَوْلُ إلَى النَّهْرِ قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَضَّأَ هُوَ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَا بَالَ فِيهِ بَلْ فِي غَيْرِهِ قَالَ وَلَوْ تَغَوَّطَ فِي ماء جار جَازَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ لِأَنَّهُ تَغَوَّطَ وَلَمْ يَبُلْ. وَهَذَا مَذْهَبٌ عَجِيبٌ وَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ فَهُوَ أَشْنَعُ مَا نُقِلَ عَنْهُ إنْ صَحَّ عَنْهُ ﵀. وَفَسَادُهُ مُغْنٍ عَنْ الِاحْتِجَاجِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا أَعْرَضَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُعْتَنِينَ بِذِكْرِ الْخِلَافِ عَنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ بَعْدَ حِكَايَتِهِمْ مَذْهَبَهُ وَقَالُوا فَسَادُهُ مُغَنٍّ عَنْ إفْسَادِهِ وَقَدْ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ فِي قَوْلِهِ فِي الْغَائِطِ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَوْلِ ثُمَّ فَرْقُهُ بَيْنَ الْبَوْلِ فِي نَفْسِ الْمَاءِ وَالْبَوْلِ فِي إنَاءٍ ثُمَّ يُصَبُّ فِي الْمَاءِ مِنْ أَعْجَبِ الْأَشْيَاءِ: وَمِنْ أَخْصَرِ مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَبَّهَ بِالْبَوْلِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ التَّغَوُّطِ وَبَوْلِ غَيْرِهِ كَمَا ثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا. وَأَجْمَعُوا أَنَّ السِّنَّوْرَ كَالْفَأْرَةِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرُ السَّمْنِ مِنْ الدُّهْنِ كَالسَّمْنِ وَفِي الصَّحِيحِ إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فلغسله فَلَوْ أَمَرَ غَيْرَهُ فَغَسَلَهُ إنْ قَالَ دَاوُد لَا يَطْهُرُ لِكَوْنِهِ مَا غَسَلَهُ هُوَ خَرَقَ الا جماع وَإِنْ قَالَ يَطْهُرُ فَقَدْ نَظَرَ إلَى الْمَعْنَى وناقض قوله والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وَالْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بِالْبَغْدَادِيِّ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ بِقِلَالِ هَجَرَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ مِنْهَا تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا فَجَعَلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ الشئ نِصْفًا احْتِيَاطًا وَقِرَبُ الْحِجَازِ كِبَارٌ تَسَعُ كُلُّ قِرْبَةٍ مِائَةَ رِطْلٍ فَصَارَ الْجَمِيعُ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ وَهَلْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ تَقْرِيبٌ فَإِنْ نَقَصَ مِنْهُ رِطْلٌ أو رطلان لم يؤثر لان الشئ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ فِي الْعَادَةِ وَالثَّانِي تَحْدِيدٌ فَلَوْ نَقَصَ مَا نَقَصَ نَجِسَ لِأَنَّهُ لما وجب أن يجعل الشئ نصفا احتياطا صار ذلك فرضا) *

стр. 119

(الشَّرْحُ) ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي الْقُلَّتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ غَيْرُهُمْ أَنَّهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ وَالثَّانِي سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ صَاحِبِ الْكَافِي قَالَ الْإِمَامُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ قَالَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ هُوَ الْأَقْصَدُ وهذا الذى اختاراه ليس بشئ بَلْ شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْغَزَالِيُّ بِأَبْطَلَ مِنْهُ وَأَكْثَرَ فَسَادًا فَزَعَمَ أَنَّ الْقُلَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ اسْتِقْلَالِ الْبَعِيرِ وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا لَا حاصل له ولا أصل: والوجه الثَّالِثُ أَنَّهُمَا أَلْفُ رِطْلٍ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبِي زَيْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَهُوَ شيخ القفال المروزى * قال صاحب الحاوى اعلم أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ لَمْ يَرَ قِلَالَ هَجَرَ وَلَا أَهْلَ عَصْرِهِ لِنَفَادِهَا فَاحْتَاجَ إلَى بَيَانِهَا بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ وَمُشَاهَدٌ لَهُمْ فَقَدَّرَهَا بِقِرَبِ الْحِجَازِ لِأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ مَشْهُورَةٌ: وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ وَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ الِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقُلَّتَانِ خَمْسَ قِرَبٍ وَهَذَا لَيْسَ تَقْلِيدًا لِابْنِ جُرَيْجٍ بَلْ قَبُولَ أَخْبَارِهِ قَالَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّافِعِيُّ لِتَقْدِيرِ الْقِرَبِ بِالْأَرْطَالِ لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ في بلده القرب الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ كَمَا اكْتَفَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْقِلَالِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ عَنْ تَقْدِيرِهَا قَالَ ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا بَعْدَ الشَّافِعِيِّ بَعُدُوا عَنْ الْحِجَازِ وَغَابَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْقِرَبُ وَجَهِلَ الْعَوَامُّ مِقْدَارَهَا فَاضْطُرُّوا إلَى تَقْدِيرِهَا بِالْأَرْطَالِ فَاخْتَبَرُوا قِرَبَ الْحِجَازِ ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ قَالَ وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا إبْرَاهِيمَ بن جابر وأبو عبيد بن حربوبة ثُمَّ تَابَعَهُمَا سَائِرُ أَصْحَابِنَا فَصَارَتْ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَرْطَالِ لَيْسَ هُوَ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ لِأَصْحَابِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ خَمْسُ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ قَالَ وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَحْكِي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ خَمْسُ قِرَبٍ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ وكذا نقل البند نيجي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ. وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ

стр. 120

حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ أَنَّهُ شَاهَدَ الْقِرَبَ وَأَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ هَذَا حَدُّ الْقُلَّةِ فِي الشَّرْعِ: وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ هِيَ شِبْهُ جُبٍّ يَسَعُ جِرَارًا سُمِّيَتْ قُلَّةً لِأَنَّ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ يُقِلُّهَا أي يحملها: وكل شئ حَمَلْتَهُ فَقَدْ أَقْلَلْتَهُ: قَالَ وَالْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ بِالْقُرَى الْعَرَبِيَّةِ: وَقِلَالُ هَجَرَ مِنْ أَكْبَرِهَا: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ بِقِلَالِ هَجَرَ يَعْنِي الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا هَكَذَا رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ: وَهَجَرُ هَذِهِ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَتْ هَجَرَ الْبَحْرَيْنِ: وَقَدْ أَوْضَحْتُ حَالَ هَجَرَ هَذِهِ وَتِلْكَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانَ ابْتِدَاءُ عَمَلِ هَذِهِ الْقِلَالِ بِهَجَرَ فَنُسِبَتْ إلَيْهَا ثُمَّ عُمِلَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَبَقِيَتْ النِّسْبَةُ عَلَى مَا كَانَتْ كَمَا يُقَالُ ثِيَابٌ مَرْوَزِيَّةٌ وَإِنْ كَانَتْ تُعْمَلُ بِبَغْدَادَ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ قِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الْمَكَايِيلُ وَالصِّيعَانُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الْبُلْدَانِ: قَالَ وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا وَأَشْهَرُهَا لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ: وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ أَبُو إسحق إبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ صَاحِبُ الْخِلَافِ سَأَلْتُ قَوْمًا مِنْ ثِقَاتِ هَجَرَ فَذَكَرُوا أَنَّ الْقِلَالَ بِهَا لَا تَخْتَلِفُ: وَقَالُوا قَايَسْنَا قُلَّتَيْنِ فَوَجَدْنَاهُمَا خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا فَهُوَ شَكٌّ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَدْرِ كُلِّ قُلَّةٍ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ: وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ ﵀ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا التَّقْسِيمَ وَيَحْتَمِلُ الشَّكَّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ يقتضي كون القلة مجهولة القدر لا ختلافها وَحِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ تَقْدِيرٌ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ لِلشَّكِّ: وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَخَلَائِقُ وَهُوَ مُوَافِقُ لِمَا سَبَقَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ وَعَنْ نَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ أَنَّ هَذِهِ الْقِلَالَ مُتَسَاوِيَةٌ وَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجَعَلُوا هَذَا جَوَابًا عَنْ اعْتِرَاضِ أَصْحَابِ أبي حنيفة:

стр. 121

وَقَوْلُهُمْ الْقِلَالُ تَخْتَلِفُ فَقَالُوا بَلْ هِيَ مُتَّفِقَةٌ كما سبق: وبالضرورة نَقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَضْبِطُ بِمُبْهَمٍ مَجْهُولٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ ضَبْطٌ بَلْ شَكٌّ وَنِزَاعٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَمَّا الرِّطْلُ فَيُقَالُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَيَكُونُ الرِّطْلُ كَيْلًا وَوَزْنًا: وَاخْتَلَفُوا فِي رِطْلِ بَغْدَادَ: فَقِيلَ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا بِدَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ: وَقِيلَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ: وَقِيلَ مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ: وَهِيَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَوْسُقِ: وَمُخْتَصَرُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ: وَفِي بَغْدَادَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ: إحْدَاهَا بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ وَالثَّانِيَةُ بِإِهْمَالِ الْأُولَى وَإِعْجَامِ الثَّانِيَةِ: وَالثَّالِثَةُ بَغْدَانُ بِالنُّونِ وَالرَّابِعَةُ مَغْدَانُ أَوَّلُهَا مِيمٌ: ذَكَرَهُنَّ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شرح الفصيح وابن الانباري وآخرون: وحكوهما عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ اللُّغَوِيِّ وهو من تلامذة الشافعي: قال ابن الانباري وتذكر تؤنث فيقال هذا بغداد وهذه بغداد: قالوا كُلُّهُمْ وَمَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ الصَّنَمِ: وَقِيلَ بُسْتَانُ الضم: قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ الْفُقَهَاءُ يَكْرَهُونَ تَسْمِيَتَهَا بَغْدَادَ مِنْ أَجْلِ هَذَا: وَسَمَّاهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مَدِينَةُ السَّلَامِ لِأَنَّ دِجْلَةَ كَانَ يُقَالُ لَهَا وَادِي السَّلَامِ: وَيُقَالُ لَهَا الزَّوْرَاءُ أَيْضًا: وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا: وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذِهِ الا حرف هُنَا لِتَكَرُّرِهَا فِي الْكِتَابِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ هَلْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ أو تقريب فيه وجهان مَشْهُورَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا: فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ الْأَصَحُّ التَّحْدِيدُ: وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ وَالرُّويَانِيُّ وَابْنُ كَجٍّ وَهُوَ قَوْلُ أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ وَصَحَّحَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ: وَمِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ: قَالَ الْمُتَوَلِّي هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ غَيْرَ أَبِي اسحق وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ: وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ التَّقْرِيبُ: فَإِنْ قُلْنَا تَحْدِيدٌ. فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ نَقَصَ

стр. 122

ما نقص نجس الماء بملاقات النَّجَاسَةِ: وَإِنْ قُلْنَا تَقْرِيبٌ لَمْ يَضُرَّ النَّقْصُ الْقَلِيلُ وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِيهِ وَيَجْمَعُهَا أَوْجُهٌ أَحَدُهَا لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ وَيَضُرُّ مَا زَادَ. وَهَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي التَّجْرِيدِ وَآخَرِينَ وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. وَالثَّانِي لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ. وَيَضُرُّ مَا زَادَ حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ وَالثَّالِثُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةٍ وَمَا قَارَبَهَا: قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ: وَالرَّابِعُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ مِائَةِ رِطْلٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَهَذَا قَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ بعيد حَكَاهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي قَالَ الْإِمَامُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَيْسَ بَيَانًا لِلتَّقْرِيبِ وَكَأَنَّهُ رَدَّ الْقُلَّتَيْنِ إلَى أَرْبَعِمِائَةِ رِطْلٍ وَطَرَحَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ. قَالَ الْإِمَامُ وَلَسْتُ أَعُدُّ كَلَامَهُ هَذَا مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ. وَالْخَامِسُ اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِمِقْدَارٍ مُغَيِّرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنْ قِيلَ التَّقْدِيرُ بِالْأَرْطَالِ رُجُوعٌ إلَى التَّحْدِيدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ تَحْدِيدًا فَهُوَ غَيْرُ التَّحْدِيدِ الَّذِي قَالَهُ الْقَائِلُ بِالتَّحْدِيدِ وَنَفَاهُ الْقَائِلُ بِالتَّقْرِيبِ. لِأَنَّ ذَلِكَ التَّحْدِيدَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ هُوَ التَّحْدِيدُ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ وَهَذَا غَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِهِ لان الشئ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ فِي الْعَادَةِ فَمَعْنَاهُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ دُونَ النِّصْفِ وَاحِدٌ وشئ فَإِنْ كَانَ الزَّائِدُ نِصْفًا قَالُوا وَاحِدٌ وَنِصْفٌ فَإِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ قَالُوا اثْنَانِ إلَّا شيئا فيستعملون الشئ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي دُونِ النِّصْفِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ لما وجب ان يجعل الشئ نِصْفًا احْتِيَاطًا وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وجب غسل شئ مِنْ الرَّأْسِ احْتِيَاطًا لِغَسْلِ الْوَجْهِ صَارَ فَرْضًا فَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَذَكَرُوا مِثْلَهُ وُجُوبَ إمْسَاكِ لَحْظَةٍ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الصَّائِمِ لِتَيَقُّنِ اسْتِيفَاءِ النَّهَارِ: وَالْفَرْقُ عِنْدَ

стр. 123

الْقَائِلِ بِالتَّقْرِيبِ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَجْهِ مُحَقَّقٌ وُجُوبُهُ وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ وَهُنَا لم يتيقن ان الشئ نِصْفٌ لِيَتَعَيَّنَ اسْتِيفَاؤُهُ: وَجَعَلْنَاهُ نِصْفًا احْتِيَاطًا. وَالِاحْتِيَاطُ لَا يَجِبُ (فَرْعٌ) ابْنُ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورُ بِجِيمَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَكِّيُّ أَبُو الْوَلِيدِ. وَيُقَالُ أَبُو خَالِدٍ مِنْ كِبَارِ تَابِعِ التَّابِعِينَ وَمِنْ جُلَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَفُضَلَاءِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي سِلْسِلَةِ الْفِقْهِ وَسِلْسِلَتِي مُتَّصِلَةٌ بِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي أَوَّلِ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ. فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي خَالِدٍ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزِّنْجِيِّ إمَامِ أَهْلِ مَكَّةَ وَمُفْتِيهِمْ. وَتَفَقَّهَ الزِّنْجِيُّ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ على أبي محمد عطاء أَبِي رَبَاحٍ وَعَطَاءٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَعَلَى جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي التَّهْذِيبِ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْكُتُبَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ: وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ابْنُ جُرَيْجٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْحِجَازِ. تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقِيلَ إحْدَى وَخَمْسِينَ. وَقِيلَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ سِتِّينَ. وَقَدْ جَاوَزَ مِائَةَ سَنَةٍ ﵀ وقد بسطت حاله وَفَضْلَهُ فِي التَّهْذِيبِ (فَرْعٌ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ قَدْرُ الْقُلَّتَيْنِ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ فِي ذِرَاعٍ وَرُبُعٍ طُولًا وَعَرْضًا فِي عُمْقِ ذِرَاعٍ وَرُبُعٍ. وَهَذَا حَسَنٌ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهِ (فَرْعٌ) لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ أَمْ لَا فَقَدْ قَطَعَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْحُسَيْنِ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ. قَالُوا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْقُلَّةُ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَهُمَا هَذَا: وَالثَّانِي أَنَّهُ طَاهِرٌ: قُلْتُ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ: وَلَا يَصِحُّ غَيْرُهُ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ عَلَى الطَّهَارَةِ

стр. 124

وَشَكَكْنَا فِي الْمُنَجِّسِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ: وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا ينجسه شئ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا مَا تَحَقَّقْنَاهُ. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَوْ رَأَى كَلْبًا وَضَعَ رَأْسَهُ فِي مَاءٍ هُوَ قُلَّتَانِ فَقَطْ وَشَكَّ هَلْ شَرِبَ مِنْهُ فَنَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ أَمْ لَا فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) أَمَّا غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرَّطَبَاتِ فَيَنْجَسُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَإِنْ بَلَغَتْ قِلَالًا وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا يَشُقُّ حِفْظُ الْمَائِعِ مِنْ النَّجَاسَةِ وَإِنْ كَثُرَ بِخِلَافِ كَثِيرِ الْمَاءِ (فَرْعٌ) قَدْ سَبَقَ وَجْهَانِ فِي أَنَّ تَقْدِيرَ الْقُلَّتَيْنِ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ هَلْ هُوَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ: وَلَهُمَا نَظَائِرُ مِنْهَا سِنُّ الْحَيْضِ تِسْعُ سِنِينَ وَالْمَسَافَةُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ: وَمَسَافَةُ الْقَصْرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا: وَنِصَابُ الْمُعْشِرَاتِ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ: فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَقْرِيبٌ: وَالثَّانِي تَحْدِيدٌ: وَسَتَأْتِي مَبْسُوطَةً فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ ضَرْبٌ تَقْدِيرُهُ لِلتَّحْدِيدِ بِلَا خِلَافٍ: وَضَرْبٌ لِلتَّقْرِيبِ بِلَا خِلَافٍ. وضرب فيه خلاف. فالمختلف فيه هذه الصور السَّابِقَةُ وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ تَقْرِيبٌ فَسِنُّ الرَّقِيقِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِأَنْ أَسْلَمَ فِي عَبْدٍ سِنُّهُ عَشْرُ سِنِينَ فَيَسْتَحِقُّ ابْنَ عَشْرٍ تَقْرِيبًا: وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي سِنِّ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ ابْنِ عَشْرٍ بِالْأَوْصَافِ الْمَشْرُوطَةِ. حَتَّى لَوْ شَرَطَ أَلَّا يَزِيدَ عَلَى عَشْرٍ وَلَا يَنْقُصَ لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ: وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ تَحْدِيدٌ فَكَثِيرٌ جِدًّا فَمِنْهُ تَقْدِيرُ مُدَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَضَرًا وَثَلَاثَةٍ سَفَرًا وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثٍ: وَغَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ بِسَبْعٍ وَانْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِأَرْبَعِينَ. وَنُصُبِ زَكَاةِ النَّعَمِ وَالنَّقْدِ وَالْعُرُوضِ وَالْمُعْشِرَاتِ. وتقدير الاسنان المأخوذة في

стр. 125

الزَّكَاةِ كَبِنْتِ مَخَاضٍ بِسَنَةٍ وَنَظَائِرِهَا وَسِنِّ الْأُضْحِيَّةِ. وَالْأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ فِي الْعَرَايَا إذَا جَوَّزْنَاهَا فِي خمسة. والآجال في حول الزكاة والجزية دية الخطأ تغريب الزَّانِي وَانْتِظَارِ الْمَوْلَى وَالْعِنِّينِ وَمُدَّةِ الرَّضَاعِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ كَحَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ ونصاب السرقة بربع دِينَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا تَحْدِيدٌ: وَسَبَبُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتِ مَنْصُوصَةٌ وَلِتَقْدِيرِهَا حِكْمَةٌ. فَلَا يَسُوغُ مُخَالَفَتُهَا: وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَسَبَبُهُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِالِاجْتِهَادِ إذْ لَمْ يَجِئْ نَصٌّ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ وَمَا قَارَبَ الْمُقَدَّرَ فَهُوَ فِي المعنى مثله. والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مِمَّا لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لاحكم لَهَا لِأَنَّهَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَهِيَ كَغُبَارِ السِّرْجِينِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ الَّتِي يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِيهِ قولان أحدهما لاحكم لها والثاني لها حكم وجههما ما ذكرنا) * (الشَّرْحُ) قَوْلُهُ لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ مَعْنَاهُ لَا تُشَاهَدُ بِالْعَيْنِ لِقِلَّتِهَا بِحَيْثُ لَوْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلَوْنِ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ وَوَقَعَتْ عَلَيْهِ لَمْ تُرَ لِقِلَّتِهَا وَذَلِكَ كَذُبَابَةٍ تَقَعُ عَلَى نَجَاسَةٍ ثُمَّ تَقَعُ فِي الْمَاءِ قَالَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَكَالْبَوْلِ يَتَرَشَّشُ إلَيْهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ: وَقَوْلُهُ السِّرْجِينُ هِيَ لَفْظَةٌ عَجَمِيَّةٌ وَيُقَالُ سِرْقِينٌ أَيْضًا بِالْقَافِ وَتُكْسَرُ السِّينُ فِيهِمَا وَتُفْتَحُ فَهِيَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مُوَضَّحَاتٍ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ * أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فَعَادَةُ أَصْحَابِنَا يَضُمُّونَ إلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَسْأَلَةَ الثَّوْبِ إذَا أَصَابَهُ نَجَاسَةٌ لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ. وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَ هَذِهِ الثَّانِيَةَ فِي بَابِ طَهَارَةِ الْبَدَنِ. وانا إذ كرهما جَمِيعًا هُنَا عَلَى عَادَةِ الْأَصْحَابِ وَوَفَاءً بِشَرْطِ هَذَا الْكِتَابِ فِي تَقْدِيمِ الْمَسَائِلِ فِي أَوَّلِ مَوَاطِنِهَا: قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الْمَاءِ وَالثَّوْبِ سَبْعُ طُرُقٍ: أَحَدُهَا يُعْفَى فِيهِمَا: وَالثَّانِي يَنْجَسَانِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالثَّالِثُ فِيهِمَا قَوْلَانِ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ: وَالرَّابِعُ يَنْجَسُ الْمَاءُ لَا الثَّوْبُ لِأَنَّ الثَّوْبَ أَخَفُّ حُكْمًا فِي النَّجَاسَةِ وَلِهَذَا يُعْفَى عَنْ دَمِ الْبَرَاغِيثِ وَقَلِيلِ سَائِرِ الدِّمَاءِ وَالْقَيْحِ فِي الثَّوْبِ دُونَ الْمَاءِ: وَالْخَامِسُ عَكْسُهُ لِأَنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةَ دَفْعِ النَّجَاسَةِ عَنْ غَيْرِهِ فَعَنْ نفسه

стр. 126

أَوْلَى بِخِلَافِ الثَّوْبِ: وَالسَّادِسُ يَنْجَسُ الثَّوْبُ وَفِي الْمَاءِ قَوْلَانِ: وَالسَّابِعُ يَنْجَسُ الْمَاءُ وَفِي الثَّوْبِ قَوْلَانِ: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَصَحِّ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ: فَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْأَصَحُّ وَهُوَ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ وَيَنْجَسُ الثَّوْبُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَوَافَقَهُ عَلَى تَصْحِيحِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ: وَعَكَسَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فَقَالَ الصَّحِيحُ يَنْجَسُ الْمَاءُ لَا الثَّوْبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَطْبًا: وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ الصَّحِيحُ يَنْجَسُ الْمَاءُ وَفِي الثَّوْبِ وَجْهَانِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الصَّيْدَلَانِيِّ: وَقَطَعَ الْبَغَوِيّ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَهِيَ طَرِيقَةُ الْقَفَّالِ وَأَصْحَابِهِ. وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ وَلَا الثَّوْبُ وَبِهَذَا قَطَعَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَنَقَلَهُ فِي كِتَابَيْهِ عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَصَحَّحَهُ الْغَزَالِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمَا لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ وَحُصُولِ الْحَرَجِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا بَيَانُ الطُّرُقِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَوْجُهِ فَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَاخِرِ مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ وَبِاَللَّهِ التوفيق قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَيْتَةً لَا نَفْسَ لَهَا سائلة كالذباب والزنبور ما أَشْبَهَهُمَا فَفِيهِ قَوْلَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْمَيْتَاتِ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا لِحُرْمَتِهِ فَهُوَ كَالْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ. وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ دَوَاءً وَقَدْ يَكُونُ الطَّعَامُ حَارًّا فَيَمُوتُ بِالْمَقْلِ فِيهِ فَلَوْ كَانَ يُفْسِدُهُ لَمَا أَمَرَ بِمَقْلِهِ لِيَكُونَ شِفَاءً لَنَا إذَا أَكَلْنَاهُ فَإِنْ كَثُرَ مِنْ ذَلِكَ مَا غَيَّرَ الْمَاءَ فَفِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَنْجَسُ لِأَنَّهُ مَاءٌ تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ. وَالثَّانِي لَا يَنْجَسُ لِأَنَّ مَا لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إذَا وَقَعَ فِيهِ وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ كَالسَّمَكِ والجراد) (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَفِيهِ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لِيَنْزِعهُ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَزَادَ وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ من رواية أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَيْضًا: وَمَعْنَى اُمْقُلُوهُ اغْمِسُوهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ

стр. 127

قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ أَجْسَامَ الْحَيَوَانِ طَاهِرَةٌ إلَّا مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ مِنْ الْكَلْبِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ: قَالَ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ: وَقَالَ كَيْفَ يَجْتَمِعُ الدَّاءُ وَالشِّفَاءُ في جناحى الذبابة وكيف تعلم ذلك حتي تقدم جَنَاحَ الدَّاءِ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ: وَأَنَّ الَّذِي يَجِدُ نَفْسَهُ وَنُفُوسَ عَامَّةِ الْحَيَوَانِ قَدْ جُمِعَ فِيهِ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ: وَهِيَ أَشْيَاءُ مُتَضَادَّةٌ إذَا تَلَاقَتْ تَفَاسَدَتْ. ثُمَّ يَرَى اللَّهُ قَدْ أَلَّفَ بَيْنَهَا وَجَعَلَهَا سَبَبًا لِبَقَاءِ الْحَيَوَانِ وَصَلَاحِهِ لَجَدِيرٌ أَنْ لَا يُنْكِرَ اجْتِمَاعَ الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ في جزئين من حيوان واحد. وان أَلْهَمَ النَّحْلَ اتِّخَاذَ ثَقْبٍ عَجِيبِ الصَّنْعَةِ وَتَعْسِلُ فِيهِ. وَأَلْهَمَ النَّمْلَةَ كَسْبَ قُوتِهَا وَادِّخَارَهُ لِأَوَانِ حَاجَتِهَا إلَيْهِ هُوَ الَّذِي خَلَقَ الذُّبَابَةَ وَجَعَلَ لَهَا الْهِدَايَةَ إلَى أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ لِمَا أَرَادَ مِنْ الِابْتِلَاءِ الَّذِي هُوَ مَدْرَجَةُ التَّعَبُّدِ وَالِامْتِحَانِ الَّذِي هُوَ مِضْمَارُ التَّكْلِيفِ. وفي كل شئ حِكْمَةٌ وَعِلْمٌ. (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَقَوْلُهُ مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ يَعْنِي مَا لَيْسَ لَهَا دَمٌ يَسِيلُ وَالنَّفْسُ الدَّمُ: وَيَجُوزُ فِي إعْرَابِ سَائِلَةٍ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الْفَتْحُ بِلَا تَنْوِينٍ وَالنَّصْبُ وَالرَّفْعُ مَعَ التنوين فيهما والزنبور بضم الزاى. قوله لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ بَعْدَ مَوْتِهِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ. وَقَوْلُهُ لَا لِحُرْمَتِهِ احْتِرَازٌ مِنْ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ بِمَيْتَتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ مَيْتَتِهِ وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمَيْتَةُ الَّتِي لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ هِيَ كَالذُّبَابِ وَالزُّنْبُورِ وَالنَّحْلِ وَالنَّمْلِ وَالْخُنْفُسَاءِ والبق والبعوض والصراصر والعقارب وَبَنَاتِ وَرْدَانِ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَأَشْبَاهِهَا: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بالقمل والبراغيث الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ. وَأَمَّا الْحَيَّةُ فَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِيهَا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الدَّارَكِيِّ وَصَاحِبِهِ الشيخ أبي حامد

стр. 128

الاسفراينى لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ: وَالثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْفَيَّاضِ الْبَصْرِيِّ وَصَاحِبِهِ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ لَيْسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: وَأَمَّا الْوَزَغُ فَقَطَعَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ: مِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ والبندنيجي والقاضى حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَغَيْرُهُمْ وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ كَالْحَيَّةِ وَقَطَعَ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ بِأَنَّ لَهُ نَفْسًا سَائِلَةً قَالَ وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطُّهُورِ وَأَنَّهُ قُتِلَ فَوُجِدَ فِي رَأْسِهِ دَمٌ: وَكَذَا رَأَيْتُ أَنَا فِي كِتَابِ الطُّهُورِ لِأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الْوَزَغَ وَالْحَيَّةَ لهما نفس سائلة ودم في رؤسهما: إذَا ثَبَتَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَإِذَا مَاتَ مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ فِي دُونَ الْقُلَّتَيْنِ مِنْ الْمَاءِ فَهَلْ يَنْجَسُ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِمَا الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَهَذِهِ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرَ فِي الْأُمِّ فِيهَا قَوْلَيْنِ (١) : قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَذَكَرَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ قَوْلًا ثَالِثًا مُخَرَّجًا وَهُوَ أَنَّ مَا يَعُمْ لَا يُنَجِّسُهُ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِمَا وَمَا لَا يَعُمْ كَالْخَنَافِسِ وَالْعَقَارِبِ وَالْجُعْلَانِ يُنَجِّسُهُ نَظَرًا إلَى تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ وَعَدَمِهِ وَهَذَا الْقَوْلُ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ إطْلَاقُ قَوْلَيْنِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ هَكَذَا صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ الرَّازِيّ فِي كِتَابِهِ الْكِفَايَةِ وَصَاحِبُهُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَافِي وَغَيْرُهُمَا وَشَذَّ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ (٢) وَرَجَّحَا النَّجَاسَةَ وهذا ليس بشئ وَالصَّوَابُ الطَّهَارَةُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ بَلْ نَسَبَ جَمَاعَةٌ الشَّافِعِيَّ إلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ بِالنَّجَاسَةِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ قَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَفْسُدُ الْمَاءُ بِمَوْتِ الذُّبَابِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَنَحْوِهِمَا قَالَ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا أَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجَسُ بِذَلِكَ إلَّا أَحَدَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ نَقَلَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّهُ قَالَ يَنْجَسُ الْمَاءُ بِمَوْتِ الْعَقْرَبِ فِيهِ وَنَقَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَهَذَانِ إمامان من التابعين (٣) لم يَخْرِقْ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ: فَإِذَا قُلْنَا بِالصَّحِيحِ إنَّهُ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ فَلَوْ كَثُرَ هَذَا الْحَيَوَانُ فَغَيَّرَ الْمَاءَ فَهَلْ يُنَجِّسُهُ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ هَذَانِ الوجهان حكاهما

стр. 129

أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ (١) عَنْ أَبِيهِ وَالْأَصَحُّ مِنْهُمَا أَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَصَحَّحَهُ الشَّاشِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَطَعَ بِهِ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَابْنُ كَجٍّ فِي التَّجْرِيدِ لِأَنَّهُ ما تَغَيَّرَ بِالنَّجَاسَةِ: وَالْوَجْهَانِ جَارِيَانِ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِهِ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا: وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَرَيَانِهِمَا فِيمَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَأَشَارَ إلَى جَرَيَانِهِمَا أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَيَجْرِيَانِ فِي الطَّعَامِ الْمُتَغَيِّرِ بِهَذَا الْحَيَوَانِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فَإِنْ قُلْنَا لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِهِ كَانَ طَاهِرًا غَيْرَ طَهُورٍ: قَالَ وَكَذَا مَا تَغَيَّرَ بِسَمَكٍ أَوْ جَرَادٍ يَكُونُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ الصَّيْدَلَانِيِّ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَالْمُتَغَيِّرِ بِوَرَقِ الشَّجَرِ يَعْنِي فَيَكُونُ فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ فِي الْوَرَقِ وَالصَّوَابُ (٢) مَا ذَكَرَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَقَلَّ مِنْ الْمُتَغَيِّرِ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ) هَذَانِ الْقَوْلَانِ السَّابِقَانِ إنَّمَا هُمَا فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ بِمَوْتِ هَذَا الْحَيَوَانِ وَأَمَّا الْحَيَوَانُ نَفْسُهُ فَفِيهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي نَجَاسَتِهِ الْقَوْلَيْنِ إنْ قُلْنَا نَجِسٌ نَجِسَ الْمَاءُ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا قَوْلُ الْقَفَّالِ وَالثَّانِي الْقَطْعُ بِنَجَاسَةِ الْحَيَوَانِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَيْتَاتِ * وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ بِالْمَوْتِ. دَلِيلُنَا أَنَّهُ مَيْتَةٌ وَإِنَّمَا لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ (فَرْعٌ) الْقَوْلَانِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ بِمَوْتِهِ يَجْرِيَانِ فِي جَمِيعِ الْمَائِعَاتِ وَالْأَطْعِمَةِ

стр. 130

صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ فِي الْجَمِيعِ الطَّهَارَةُ لِلْحَدِيثِ وَعُمُومِ الْبَلْوَى وَعُسْرِ الِاحْتِرَازِ: (فَرْعٌ) هَذَا الْخِلَافُ السَّابِقُ إنَّمَا هُوَ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَسَائِرِ الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا بِمَوْتِ حَيَوَانٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ: أَمَّا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ فِي الْأَطْعِمَةِ وَالْمَاءِ كَدُودِ التِّينِ وَالتُّفَّاحِ وَالْبَاقِلَّاءِ وَالْجُبْنِ وَالْخَلِّ وَغَيْرِهَا فَلَا يُنَجِّسُ مَا مَاتَ فِيهِ بِلَا خِلَافٍ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي كُلِّ الطُّرُقِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُنَجِّسُ هَذَا الْحَيَوَانُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَلَا يُنَجِّسُ عَلَى قَوْلٍ (١) عِنْدَ القفال: وأما ما شذ به الدار مى فِي الِاسْتِذْكَارِ فَقَالَ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي نَجَاسَةِ الْمَائِعِ بِهَذَا الْحَيَوَانِ خِلَافٌ فَغَلَطٌ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ فَالصَّوَابُ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَهُوَ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فَإِنْ انْعَصَرَ هَذَا الْحَيَوَانُ فِيمَا يَجْرِي مِنْ تَصَرُّفٍ وَعَصْرٍ أَوْ اخْتَلَطَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا مُبَالَاةَ بِهِ وَإِنْ جَمَعَ جَامِعٌ مِنْهُ شَيْئًا وَتَعَمَّدَ أَكْلَهُ مُنْفَرِدًا فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ لِأَنَّهُ مَيْتَةٌ وَالثَّانِي يَحِلُّ لِأَنَّ دُودَ الْخَلِّ وَالْجُبْنِ كَجُزْءٍ مِنْهُ طَبْعًا وَطَعْمًا: قَالَ الْإِمَامُ فَإِنْ حَرَّمْنَاهُ عَادَ الْخِلَافُ فِي نَجَاسَتِهِ يَعْنِي خِلَافَ الْقَفَّالِ وَالْجُمْهُورِ: وَذَكَرَ غَيْرُ الْإِمَامِ فِي جَوَازِ أَكْلِ هَذَا الْحَيَوَانِ مَعَ مَا مَاتَ فِيهِ وَجْهَيْنِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ لَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مَعَ الطَّعَامِ عَلَى الْأَصَحِّ وَجَمَعَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فَقَالَ فِي جَوَازِ أَكْلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا يَجُوزُ أَكْلُهُ مَعَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ لَا مُنْفَرِدًا وَالثَّانِي يَجُوزُ مُطْلَقًا وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ مُطْلَقًا: وَأَمَّا الذُّبَابُ وَسَائِرُ مَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ وَلَيْسَ مُتَوَلِّدًا مِمَّا مَاتَ فِيهِ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ قُلْنَا انه طاهر عند القفال لانه يمتة وَمُسْتَقْذَرٌ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ أُخْرِجَ هَذَا الْحَيَوَانُ مِمَّا مَاتَ فِيهِ وَأُلْقِيَ فِي مَائِعٍ غَيْرِهِ أُورِدَ إلَيْهِ فَهَلْ يُنَجِّسُهُ فِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الحيوان الا جنبى وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ * (فَرْعٌ) مَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ مِمَّا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ إنْ كَانَ مَأْكُولًا فَمَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ وَمَا لَا يُؤْكَلُ كَالضِّفْدَعِ وَكَذَا غَيْرُهُ إذَا قُلْنَا لَا يُؤْكَلُ فَإِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ أَوْ مَائِعٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ نَجَّسَهُ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا في طرقهم وقالو لَا خِلَافَ فِيهِ إلَّا صَاحِبَ الْحَاوِي فَإِنَّهُ قَالَ فِي نَجَاسَتِهِ بِهِ قَوْلَانِ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ فِي نَجَاسَتِهِ بِهِ خِلَافًا مَبْنِيًّا عَلَى حِلِّ أَكْلِهِ وَإِنْ أَرَادَ مَعَ تَحْرِيمِ أَكْلِهِ فَشَاذٌّ مَرْدُودٌ: وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ فِي الضِّفْدَعِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ فَيَكُونُ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ بِهَا قَوْلَانِ وَالثَّانِي لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَتُنَجِّسُهُ قَطْعًا وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُورُ

стр. 131

فِي كُتُبِ الْأَصْحَابِ وَجَعَلُوا الْمَسْأَلَةَ خِلَافِيَّةً فَحَكَوْا هُمْ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ومحمد ابن الْحَسَنِ وَأَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ الضِّفْدَعَ لَا يُنَجِّسُ مَا مَاتَ فِيهِ وَكَذَلِكَ السَّرَطَانُ وَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ) الْآدَمِيُّ الَّذِي لَا نَجَاسَةَ عَلَيْهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا إذَا مَاتَ فِي مَاءٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ أَوْ فِي مَائِعٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ فَهَلْ يُنَجِّسُ مَا مات فِيهِ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُ فَلَا يُنَجِّسُهُ (فَرْعٌ) إذَا قُلْنَا بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ وَهُوَ أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ يُنَجِّسُ مَا مَاتَ فِيهِ: فَالْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ مَا أَجَابَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَقْلِ الْمَوْتُ: فَإِنْ قِيلَ لَا يُؤْمَنُ الْمَوْتُ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا قُلْنَا لَا يَمْتَنِعُ أن يقصد مصلحة الشئ وان احتمل تلفه: كما يقصد بالفصد وَشُرْبِ الدَّوَاءِ الْمَصْلَحَةُ وَقَدْ يُفْضِي إلَى التَّلَفِ: فَإِنْ قِيلَ لَمْ يَنْهَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَكْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ مَوْتِهِ: قلنا قدر تَقَرَّرَ نَجَاسَةُ الْمَيْتَةِ وَمَا مَاتَتْ فِيهِ فَلَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِهِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ: وَبِاَللَّهِ التوفيق * قال المصنف ﵀ * (إذَا أَرَادَ تَطْهِيرَ الْمَاءِ النَّجِسِ نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ نَجَاسَتُهُ بِالتَّغَيُّرِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ: بِأَنْ يَزُولَ التَّغَيُّرُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِأَنْ يُضَافَ إلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ: أَوْ بِأَنْ يُؤْخَذَ بعضه لان النجاسة بالتغير وقد زال) * (الشرح) ادا زَالَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ النَّجِسِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ قُلَّتَيْنِ نُظِرَ إنْ زَالَ بِإِضَافَةِ مَاءٍ آخَرَ إلَيْهِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ الْمُضَافُ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَسَوَاءٌ صُبَّ الْمَاءُ عَلَيْهِ أَوْ نَبَعَ عَلَيْهِ وَإِنْ زَالَ بِنَفْسِهِ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَحْدُثْ فيه شيئا بَلْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ أَوْ الرِّيحِ أَوْ مُرُورِ الزَّمَانِ طَهُرَ أَيْضًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ: وَحَكَى الْمُتَوَلِّي عَنْ أَبِي سعيد الاصطخرى أنه لا يطهر لانه شئ نجس فلا يطهر بنفسه: وهذا ليس بشئ لِأَنَّ سَبَبَ النَّجَاسَةِ التَّغَيُّرُ: فَإِذَا زَالَ طَهُرَ لِقَوْلِهِ ﷺ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَإِنْ زَالَ بِأَخْذِ بَعْضِهِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَ الْأَخْذِ قُلَّتَيْنِ: فَإِنْ بَقِيَ دُونَهُمَا لم يطهر بلا خلاف:

стр. 132

ويتصور زوال تفسيره بِأَخْذِ بَعْضِهِ بِأَنْ يَكُونَ كَثِيرًا لَا يَدْخُلُهُ الرِّيحُ: فَإِذَا نَقَصَ دَخَلَتْهُ وَقَصَرَتْهُ وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ فَيَطِيبُ: ثُمَّ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ وَحَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ ثُمَّ تَغَيَّرَ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَا أَثَرَ لِتَغَيُّرِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ طَاهِرٌ تَغَيَّرَ بِغَيْرِ نجاسة لاقته فَكَانَ طَاهِرًا كَاَلَّذِي لَمْ يَنْجَسْ قَطُّ ذَكَرَهُ صاحب الحاوى وهو ظاهر لاخفاء به: والله أعلم * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أَوْ جِصٌّ فَزَالَ التَّغَيُّرُ فَفِيهِ قَوْلَانِ: قَالَ فِي الْأُمِّ لَا يَطْهُرُ كَمَا لَا يَطْهُرُ إذَا طُرِحَ فِيهِ كَافُورٌ أَوْ مِسْكٌ فَزَالَتْ رَائِحَةُ النَّجَاسَةِ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ يَطْهُرُ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ قد زال فصار بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ آخَرَ وَيُفَارِقُ الْكَافُورَ وَالْمِسْكَ لِأَنَّ هُنَاكَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّائِحَةُ بَاقِيَةً وَإِنَّمَا لَمْ تَطْهُرْ لِغَلَبَةِ رَائِحَةِ الْكَافُورِ وَالْمِسْكِ) * (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ أَحَدَهُمَا فِي الْأُمِّ وَالْآخَرَ فِي حَرْمَلَةَ وَكَذَا قاله المحاملى في المجموع * وقال القاضى أبي الطَّيِّبِ الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا حَرْمَلَةُ وَنَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ هَذَانِ الْقَوْلَانِ نَقَلَهُمَا الْمُزَنِيّ فِي جَامِعِهِ الْكَبِيرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ نُصَّ عَلَيْهِمَا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ يَطْهُرُ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ لَا يَطْهُرُ كَذَا قَالَ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ لَا يَطْهُرُ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ وَصَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَالْجُمْهُورُ عَنْ حَرْمَلَةَ أَنَّهُ يَطْهُرُ وَلَكِنْ ذَكَرْنَا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَصَاحِبِ الشَّامِلِ أَنَّهُمَا نقلا عن حرملة نقل القولين فصحح نَقْلُهُ فِي التَّجْرِيدِ عَنْ حَرْمَلَةَ وَنَقْلُ الْأَصْحَابِ * ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الْأَصَحِّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ فَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ وَشَيْخُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ الطهارة وهو اختيار المزني والقاضي أبى حامد المروروذى وصحح الا كثرون أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ: وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَقَطَعَ بِهِ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ وَالشَّيْخُ نَصْرٌ فِي الْكَافِي وَآخَرُونَ وَاحْتَجَّ لَهُ الْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ وَقَعَ الشَّكُّ فِي زَوَالِ التَّغَيُّرِ وَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي سَبَبِ الْإِبَاحَةِ لَمْ تَثْبُتْ الْإِبَاحَةُ كَمَا لَوْ رَأَى شَاةً مَذْبُوحَةً فِي مَوْضِعٍ فِيهِ مُسْلِمُونَ وَمَجُوسٌ وَشَكَّ هَلْ ذَبَحَهَا الْمَجُوسِيُّ أَوْ الْمُسْلِمُ لا تبلح * واعلم ان

стр. 133

صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ كَدِرًا وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ أَمَّا إذَا صَفَا فَلَا يَبْقَى خِلَافٌ بَلْ إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ مَوْجُودًا فَنَجِسٌ قَطْعًا وَإِلَّا فَطَاهِرٌ قَطْعًا كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ أَوْ الرَّائِحَةِ فَفِي الْجَمِيعِ القولان هذا هو الصوب: وقال الشيخ أبو عمر وبن الصَّلَاحِ ﵀ عِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إذَا تَغَيَّرَ بِالرَّائِحَةِ فَأَمَّا إذَا تَغَيَّرَ بِالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ فَلَا يَطْهُرُ قَطْعًا لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِالتُّرَابِ قَالَ وَهَذَا تَحْقِيقٌ لَوْ عُرِضَ عَلَى الْأَئِمَّةِ لَقَبِلُوهُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ﵀ خِلَافُ ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَخِلَافُ مُقْتَضَى إطْلَاقِ مَنْ أَطْلَقَ مِنْهُمْ وَخِلَافُ تَصْرِيحِ الْبَاقِينَ فَقَدْ صَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِهِمْ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَوَرَدَ عليه ماله لَوْنٌ كَالْخَلِّ فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ أَوْ تَغَيُّرَ رِيحِهِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَهُ رِيحٌ كَالْكَافُورِ فَأَزَالَهُ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ قَالَ وَإِنْ طُرِحَ عَلَيْهِ مَا لَا رِيحَ لَهُ وَلَا لَوْنَ كَالتُّرَابِ وَغَيْرِهِ فَأَزَالَهُ فَقَوْلَانِ: وَقَالَ هُوَ فِي الْمَجْمُوعِ إذَا تَغَيَّرَ طَعْمُ الْمَاءِ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ نَجِسَ وَيَطْهُرُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَخَامِسٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَذَكَرَ زَوَالَهُ بِنَفْسِهِ وَبِمَا يُضَافُ إلَيْهِ أَوْ يَنْبَعُ فِيهِ أَوْ يُؤْخَذُ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ أَنْ يَزُولَ بِالتُّرَابِ فَقَوْلَانِ ثُمَّ قَالَ وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ متى تغير طعم الماء فورد عليه ماله طعم: أو ريحه فورد عليه ماله ريح: أو لونه فورد عليه ماله لَوْنٌ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ: وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مَا لَا طَعْمَ لَهُ وَلَا لَوْنَ وَلَا رِيحَ فَأَزَالَ تَغَيُّرَهُ فَهَلْ يَطْهُرُ فِيهِ قَوْلَانِ هَذَا كَلَامُ الْمَحَامِلِيِّ: وَقَالَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ إنْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَطُرِحَ فِيهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ رِيحُهُ فَطُرِحَ فِيهِ مِسْكٌ لَمْ يَطْهُرْ: وَإِنْ طُرِحَ تُرَابٌ فَهَلْ يَطْهُرُ قَبْلَ أَنْ يَصْفُوَ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا لَا يَطْهُرُ لِأَنَّ زَوَالَ لَوْنِ النَّجَاسَةِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ لَوْنَ التُّرَابِ غَلَبَهُ: وَقَالَ الْفُورَانِيُّ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي مَاءٍ فَغَيَّرَتْ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ فَإِنْ زَالَ التَّغَيُّرُ بِزَعْفَرَانٍ لَمْ يَطْهُرْ: وَإِنْ زَالَ بِتُرَابٍ فَقَوْلَانِ الْأَصَحُّ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ لَوْنَ النَّجَاسَةِ: وَقَالَ الرَّافِعِيُّ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ يَطْهُرُ لِأَنَّ التُّرَابَ لَا يَغْلِبُ عَلَى شئ مِنْ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ: وَالْأَصَحُّ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ إلَّا أَنَّهُ يُكَدِّرُ الْمَاءَ وَالْكُدُورَةُ سَبَبُ السَّتْرِ: قَالَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ فِي مَسْأَلَةِ التُّرَابِ مَفْرُوضٌ فِي التَّغَيُّرِ بِالرَّائِحَةِ: فَأَمَّا اللَّوْنُ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التُّرَابُ: قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالْأُصُولُ الْمُعْتَمَدَةُ سَاكِتَةٌ عَنْ هَذَا التَّفْصِيلِ: فَهَذَا الَّذِي ذكره هؤلاء

стр. 134

مُصَرِّحٌ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ طُرِحَ فِيهِ تُرَابٌ أو جص ففيه قولان فكذا قاله الا كثرون: فَطَرَدُوا الْقَوْلَيْنِ فِي الْجِصِّ وَالنُّورَةِ الَّتِي لَمْ تُحْرَقْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِغَالِبٍ لِصِفَةِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ: وَقِيلَ الْقَوْلَانِ فِي التُّرَابِ فَقَطْ: وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يُؤَثِّرُ قَطْعًا (١) نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمَا: وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَقَدْ نَقَلَ الْمُزَنِيّ وَحَرْمَلَةُ النُّورَةَ صَرِيحًا: وَنَقَلَا فِيهَا الْقَوْلَيْنِ: وَيُقَالُ جِصٌّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ: وَهِيَ أَعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الْأُمِّ وَقَالَ فِي حَرْمَلَةَ يَعْنِي قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْأُمِّ وَهُوَ الْكِتَابُ الْمَعْرُوفُ رَوَاهُ عَنْهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ * وَقَوْلُهُ قَالَ فِي حَرْمَلَةَ يَعْنِي الشَّافِعِيَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي يَرْوِيهِ حَرْمَلَةُ عَنْهُ: فسمى الكتاب باسم روايه وَنَاقِلِهِ وَهُوَ حَرْمَلَةُ مَجَازًا وَاتِّسَاعًا كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْبُوَيْطِيِّ * وَهُوَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ قُرَادٍ التُّجِيبِيُّ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ فَوْقَ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا وَالضَّمُّ أَشْهَرُ الْمِصْرِيُّ أَبُو حَفْصٍ: وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ شَيْخُ مسلم ابن الْحَجَّاجِ صَاحِبُ الصَّحِيحِ أَكْثَرَ مِنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ فِي صَحِيحِهِ وَكَفَى بِذَلِكَ لَهُ شَرَفًا وَفَضْلًا وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ ﵀: فَإِنْ قِيلَ إذَا زَالَ التَّغَيُّرُ بِالتُّرَابِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزَمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ لِكَوْنِهِ مُتَغَيِّرًا بِتُرَابٍ مُتَنَجِّسٍ قُلْنَا هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ نَجَاسَةَ التُّرَابِ نَجَاسَةٌ مُجَاوِرَةٌ لِلْمَاءِ النَّجِسِ فَإِذَا زَالَتْ نَجَاسَةُ الْمَاءِ طَهُرَ التراب والماء جميعا لان عينه طاهرة * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِجَمِيعِ مَا ذَكَرْنَاهُ إلَّا بِأَخْذِ بَعْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ ينقص عن قلتين وفيه نجاسة) (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: وَيُقَالُ طهر بفتح الهاء وضمها والفتج أَفْصَحُ: وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَاَللَّهُ أعلم * قال المصنف ﵀ * (وان كانت نجاسته بالقلقة بان يكون دون القلتين طهربان ينضاف إليه ماء حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ وَيَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ إذَا طُرِحَ عَلَيْهَا ماء حتى غمر النجاسة: ومن

стр. 135

أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَطْهُرُ لِأَنَّهُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عليه: وههنا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَنْجَسْ: إذْ لو نجس لم يطهر الثوب إذا صب عليه الماء) * (الشَّرْحُ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ إذَا كَاثَرَهُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَيَصِيرُ طَاهِرًا مُطَهِّرًا بِلَا خِلَافٍ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي أَوْرَدَهُ عَلَيْهِ طَاهِرًا أَوْ نَجِسًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا لِقَوْلِهِ ﷺ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا فَلَوْ فَرَّقَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ التَّفْرِيقُ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ: وَكَذَا لَوْ كَانَ مَعَهُ قُلَّتَانِ مُتَفَرِّقَتَانِ نَجِسَتَانِ فَجَمَعَهُمَا وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِمَا صَارَتَا طَاهِرَتَيْنِ: فَإِنْ فُرِّقَتَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُمَا عَلَى طَهُورِيَّتِهِمَا: كَمَا لَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ مَائِعَةٌ فِي قُلَّتَيْنِ وَلَمْ تُغَيِّرْهُمَا ثُمَّ فُرِّقَتَا فَإِنَّهُمَا عَلَى الطَّهُورِيَّةِ بِلَا خِلَافٍ: هَذَا مَذْهَبُنَا: وَقَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ إذَا جَمَعَ الْقُلَّتَيْنِ النَّجِسَتَيْنِ لَمْ تَطْهُرَا لِأَنَّ النَّجِسَتَيْنِ لَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُمَا طَاهِرٌ: كَالْمُتَوَلِّدِ مِنْ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ * وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ: وَيُخَالِفُ مَا ذَكَرُوهُ فَإِنَّ لِلْمَاءِ قُوَّةً وَغَايَةً إذَا وَصَلَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ نَجَاسَةٌ بِخِلَافِ مَا ذَكَرُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كُوثِرَ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهَلْ يَطْهُرُ فِيهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ دَلِيلَهُمَا: وَهِمَا مَشْهُورَانِ: لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ وَسَائِرِ الْعِرَاقِيِّينَ أَنَّهُ يَطْهُرُ: وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ شَيْخُهُمْ أَبُو حَامِدٍ: وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ: وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ لَا يَطْهُرُ: وَبِهِ قَطَعَ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْنٌ: وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ صَحَّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ قَوْلُهُ الطَّهَارَةُ فَهُوَ مِنْ هَفَوَاتِهِ: إذْ لَا مَعْنَى لِغَسْلِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ: قَالَ فَلَا يَتَمَارَى فِي فَسَادِهِ وَكَذَا صَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ عَدَمَ الطَّهَارَةِ وَهُوَ الْأَرْجَحُ. فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ بَعْدَهُ. وَسَنُوضِحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الْمُتَوَلِّي وَآخَرُونَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ في اشتراط عصر الثواب النَّجِسِ إذَا غُسِلَ: قَالُوا وَوَجْهُ الْبِنَاءِ أَنَّ الْمَاءَ الْوَارِدَ عَلَى النَّجَاسَةِ مُزِيلٌ لَهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرِدَ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ ماء نجس: والو جهان فِي الْعَصْرِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ الْغُسَالَةَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْغَسْلِ طَاهِرَةٌ أَمْ لَا: وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ نَجِسًا بِالتَّغَيُّرِ فَكَاثَرَهُ فَزَالَ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يَبْلُغْ قلتين

стр. 136

فَهُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ: ثُمَّ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نحن فيها أن يكون الماء الطاهر وارادا عَلَى الْمَاءِ النَّجِسِ: وَأَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا وَأَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ النَّجِسِ: فَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ لَمْ يَطْهُرْ بِلَا خِلَافٍ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ أبو علي السنجي وامام الحرمين والبغوى وَآخَرُونَ: وَهُوَ مَفْهُومٌ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَيَطْهُرُ بالمكاثرة) ونبه عليه أيضا بقوله في الفصل الذي بعده: (لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ) وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ ثُمَّ الشَّيْخُ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ: وَبِهِ أَجَابَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْوَارِدِ سَبْعَةَ أَضْعَافِ النَّجِسِ وَهَذَا شَاذٌّ وَغَلَطٌ نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ: وَيُظَنَّ غَفْلَتُنَا عَنْهُ: وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ وَجْهٍ لَنَا شَاذٍّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ النَّجَاسَةُ سَبْعَةَ أَمْثَالِهَا: وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَنُوَضِّحُ ضَعْفَهُ وَبُطْلَانَهُ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي التَّعْلِيقِ فَإِنْ قِيلَ حَيْثُ حَكَمْتُمْ بِطَهَارَةِ هَذَا الْمَاءِ يَنْبَغِي أَنْ تَقُولُوا إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ كَاثَرَهُ بِهِ أَنْ يَطْهُرَ الْمَاءُ وَالْإِنَاءُ: يَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ: قُلْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا (١) مَنْ قَالَ يَطْهُرُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا (فَرْعٌ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا كُوثِرَ الْمَاءُ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ طَهُرَ بِلَا خِلَافٍ وَذَكَرْنَا أَنَّهُ سَوَاءٌ كُوثِرَ بِمَاءٍ طَاهِرٍ أو نجس كثيرا وقليل وَلَوْ كُوثِرَ الْمَاءُ النَّجِسُ بِبَوْلٍ أَوْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ عَرَقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا ليس بماء فبلغ به قلتين ولا تيغر فِيهِ فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ: وَطَرِيقُهُ فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُصَبَّ عَلَيْهِ مَاءٌ آخَرُ حَتَّى يَبْلُغَ بِهِ قُلَّتَيْنِ طَاهِرًا كَانَ الْمُضَافُ أَوْ نَجِسًا: وَلَوْ كُوثِرَ النَّجِسُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَحَدُهُمَا يَكُونُ الْجَمِيعُ نَجِسًا لِأَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ كَالْمَائِعِ فَصَارَ كَالْعَرَقِ وَأَصَحُّهُمَا يَصِيرُ الْجَمِيعُ مُطَهِّرًا لِقَوْلِهِ ﷺ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا وَهَذَا كُلُّهُ مَاءٌ وَقَدْ بَلَغَ قُلَّتَيْنِ وَبَنَى الْقَاضِي وَالْمُتَوَلِّي الْوَجْهَيْنِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ إذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ هَلْ يَعُودُ طَهُورًا إنْ قُلْنَا نَعَمْ فَهَذَا طَهُورٌ وَإِلَّا فَنَجِسٌ: وَلَوْ كُوثِرَ مَاءٌ مُتَغَيِّرٌ بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ فَزَالَ تَغَيُّرُهُ الَّذِي كَانَ بِالزَّعْفَرَانِ فَهُوَ طَهُورٌ فَإِنْ وَقَعَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ نَجَاسَةٌ لَمْ تُنَجِّسْهُ: قَالَ الرُّويَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ الطَّاهِرِ قُلَّتَانِ إلَّا كُوزًا فَصَبَّ عَلَيْهِ كُوزَ مَاءٍ متغير

стр. 137

بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ ثُمَّ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لَمْ يَنْجَسْ فَهَذَا تَحْقِيقُ مَذْهَبِنَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: وَأَمَّا مَا يَخْتَرِعُهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةَ وَيَقُولُ إنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ إلَّا كُوزًا فَكَمَّلَهُ بِبَوْلٍ طَهُرَ فَبُهْتَانٌ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْأَصْحَابِ إذَا كَمَّلَهُ بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أُخْرَى فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ الشَّافِعِيِّينَ: وَقَالَ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْكُونَ عَنَّا مَا لَيْسَ مَذْهَبًا لَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ لِأَنَّ الْمَاءَ إنَّمَا يَنْجَسُ بِالنَّجَاسَةِ إذَا وَرَدَتْ عَلَيْهِ وَهُنَا وَرَدَ عَلَيْهَا فَلَمْ يَنْجَسْ فَفِيهِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ لَنَا مَعْرُوفَةٍ وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَخَذَهَا أَصْحَابُنَا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا فانه لا يدرى أبن بَاتَتْ يَدُهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ وَبَيَانُ الْقَاعِدَةِ وَسَنُعِيدُهُ حَيْثُ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ صِفَةِ الْوُضُوءِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّ الثَّوْبَ النَّجِسَ إذَا أُورِدَ عَلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ غَسْلِهِ لَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ بَلْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ وَهَذَا الْقَائِلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ وَسَنُوَضِّحُهُ مَعَ الْقَاعِدَةِ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى وبالله التوفيق * قال المصنف ﵀ * (وَإِذَا أَرَادَ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ وَحَكَمَ بِطَهَارَتِهِ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ دُونَ قلتين وحكم بطهارته بالمكاثرة لم يجز الوضؤ بِهِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ طَاهِرًا فَهُوَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْمَاءِ الَّذِي غَمَرَهُ وَهُوَ مَاءٌ أُزِيلَ بِهِ النَّجَاسَةُ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلطَّهَارَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ جَامِدَةً فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِلنَّجَاسَةِ الْقَائِمَةِ فَكَانَ وُجُودُهَا كَعَدَمِهَا وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ قُلَّتَانِ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّهُ لا حاجة إلى استعمال ما فِيهِ نَجَاسَةٌ قَائِمَةٌ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ قَائِمَةٌ فَفِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ أَبُو إسحاق لا

стр. 138

تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَاحِدٌ فَإِذَا كَانَ مَا يَبْقَى بَعْدَ مَا غُرِفَ نَجِسًا وجب أن يكون الذى عرفه نَجِسًا وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِأَنَّ مَا يُغْرَفُ مِنْهُ يَنْفَصِلُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُحْكَمَ بِنَجَاسَتِهِ فبقى على الطهارة: وان كانت النجاسة ذائبة جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِهِ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يَتَطَهَّرُ بِالْجَمِيعِ بَلْ يَبْقَى مِنْهُ قَدْرُ النَّجَاسَةِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ تَمْرَةً فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ كَثِيرٍ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْجَمِيعَ إلَّا تَمْرَةً وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَتَمَيَّزُ بَلْ تَخْتَلِطُ بِالْجَمِيعِ فَلَوْ وَجَبَ تَرْكُ بَعْضِهِ لَوَجَبَ تَرْكُ جميعه بخلاف التمر) * (الشَّرْحُ) أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى وَهِيَ إذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الْمَاءِ النَّجِسِ بِالْمُكَاثَرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْلُغَ قُلَّتَيْنِ فَقَدْ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِطَهُورٍ وَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ فَأَمَّا إذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الْأَنْمَاطِيِّ إنَّ الْمُسْتَعْمَلَ فِي النَّجَسِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ فَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ هُنَا فَإِنَّهَا هِيَ الْمَسْأَلَةُ بِعَيْنِهَا وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَآخَرُونَ وَصَرَّحُوا بِهِ: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ إذَا كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ فَقَدْ ذَكَرَ وَجْهَيْنِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ بَلْ تَجُوزُ الطَّهَارَةُ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ: وَالثَّانِي يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِقَدْرِ قُلَّتَيْنِ وَهَذَا الْخِلَافُ مَشْهُورٌ فِي الطَّرِيقَتَيْنِ لَكِنْ الْعِرَاقِيُّونَ وَالْبَغَوِيُّ حَكَوْهُ وَجْهَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ: وَحَكَاهُ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ قَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ يَجِبُ التَّبَاعُدُ وَالْقَدِيمُ لَا يَجِبُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّبَاعُدُ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِنَا قَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ وَهَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْتَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ: وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ بَيَانَهَا وَحُكْمَهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا: وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَبِالْجِيمِ أن الشافعي نص في كتابه اختلاف وهو من كتبه الجديدة عَلَى مُوَافَقَةِ الْقَدِيمِ وَحِينَئِذٍ لَا يَسْلَمُ كَوْنُ الْإِفْتَاءِ هُنَا بِالْقَدِيمِ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا شَرَطْنَا التَّبَاعُدَ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ التَّنَاسُبِ فِي الْأَبْعَادِ فَلَوْ كَانَتْ

стр. 139

النَّجَاسَةُ عَلَى وَجْهِ الْبَحْرِ فَتَبَاعَدَ شِبْرًا لِيَحْسِبَ عُمْقَ الْبَحْرِ وَحِينَئِذٍ يَزِيدُ عَلَى قُلَّتَيْنِ لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَتَبَاعَدَ قَدْرًا لَوْ حُسِبَ مِثْلُهُ فِي الْعُمْقِ وَسَائِرِ الْجَوَانِبِ لَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنْ يَكُونَ مَاءُ الْقُلَّتَيْنِ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ وَالْعُمْقُ الزَّائِدُ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ: وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مُنْبَسِطًا فِي عُمْقِ شِبْرٍ فَلْيَتَبَاعَدْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ بِنِسْبَتِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هَكَذَا قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْأَكْثَرُونَ: وَحَكَى الْمُتَوَلِّي فِيهِ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا: وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ النجاسة سوى الْجِهَةُ الَّتِي يَغْتَرِفُ مِنْهَا وَغَيْرُهَا وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْمُسْتَقِي بِبَاقِي الْجِهَاتِ وَإِذَا أَوْجَبْنَا التَّبَاعُدَ هَلْ يَكُونُ الْمَاءُ الْمُجْتَنَبُ نَجِسًا أَمْ طَاهِرًا مُنِعَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ: فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا طَاهِرٌ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَبِهَذَا قَطَعَ كَثِيرُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ آخَرِينَ مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعُ وَالتَّجْرِيدُ وَأَصْحَابُ الْحَاوِي وَالشَّامِلِ وَالْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَنَقَلَ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَبُو حامد الاسفراينى وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْبَغَوِيُّ بِأَنَّهُ نَجِسٌ حَتَّى قَالَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ لَوْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ كَانَ نَجِسًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وهذا الْقَوْلِ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ مُنَابِذٌ لِقَوْلِهِ ﷺ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَأَمَّا إذَا قُلْنَا لَا يُشْتَرَطُ التَّبَاعُدُ فَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهُ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ واتفقوا عليه: قال الماوردي لو ان يستعمل منه اقر به إلَى النَّجَاسَةِ وَأَلْصَقَهُ بِهَا: وَخَالَفَهُمْ الْغَزَالِيُّ فَقَالَ فِي الْوَسِيطِ يَجِبُ التَّبَاعُدُ عَنْ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ شَكْلُهُ بِسَبَبِ النَّجَاسَةِ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ شَاذٌّ مَتْرُوكٌ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ فِي الْبَسِيطِ بِمُوَافَقَةِ الْأَصْحَابِ فَقَطَعَ بِأَنَّ الرَّاكِدَ لَا حَرِيمَ لَهُ يُجْتَنَبُ: وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ النِّهَايَةِ فِي هَذَا الْبَابِ: وَقَالَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْ قُرْبِ النجاسة: قال

стр. 140

وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ تَرَادَّ الْمَاءِ يُوجِبُ تَسَاوِيَ أَجْزَائِهِ فِي النَّجَاسَةِ فَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَامِدَةٌ فَفِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ وَاتَّفَقَ الْمُصَنِّفُونَ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ الْجَوَازُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرَهُ: وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ حكاه المصنف والاصحاب عن أبي اسحق: وَحَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ: ثُمَّ إنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا الْمَاءِ يَحْتَاجُ إلَى فِقْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ مَا يَغْرِفُهُ بِدَلْوٍ مَثَلًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْمِسَ الدَّلْوَ فِي الماء غمسة واحدة ولا يغترف فيه النَّجَاسَةِ ثُمَّ يَرْفَعَهُ فَيَكُونَ بَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ طَاهِرًا وَيَكُونَ ظَاهِرُ الدَّلْوِ وَالْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ نَجِسًا: أَمَّا نَجَاسَةُ الْبَاقِي فَلِأَنَّ فِيهِ نَجَاسَةً وَقَدْ نَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ: وأما نجاسة ظاهر الدلو فلملا صقة الْمَاءِ النَّجِسِ وَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَغْرُوفِ وَإِنَّمَا حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ مَا فِي الدَّلْوِ لِأَنَّهُ انْفَصَلَ عَنْ الْبَاقِي قَبْلَ أَنْ يَنْقُصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ وَإِنَّمَا نَقَصَ بَعْدَ انْفِصَالِ الْمَأْخُوذِ فَلَوْ خَالَفَ وَأَدْخَلَ الْمَاءَ فِي الدَّلْوِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَالْجَمِيعُ نَجِسٌ بِلَا خِلَافٍ لِأَنَّهُ حِينَ دَخَلَ أَوَّلُ شئ فِي الدَّلْوِ نَقَصَ الْبَاقِي عَنْ قُلَّتَيْنِ فَصَارَ نَجِسًا فَإِذَا نَزَلَتْ الدُّفْعَةُ الثَّانِيَةُ فِي الدَّلْوِ وَهِيَ نَجِسَةٌ تُنَجِّسُ مَا فِي الدَّلْوِ فَصَارَ الْجَمِيعُ نَجِسًا: فَطَرِيقُهُ بَعْدَ هَذَا إلَى طَهَارَتِهِ أَنْ يَصُبَّهُ فِي الْبَاقِي أَوْ يَغْمِسَهُ غَمْسَةً وَاحِدَةً حَتَّى يَغْمُرَهُ الْمَاءُ وَيَمْكُثَ لَحْظَةً وَهُوَ وَاسِعُ الرَّأْسِ فَيَطْهُرُ الْجَمِيعُ فَإِذَا فَصَلَ الدَّلْوَ كَانَ بَاطِنُهُ وَمَا فِيهِ طَاهِرًا وَيَكُونُ الْبَاقِي وَظَاهِرُ الدَّلْوِ نَجِسًا لِمَا سَبَقَ: أَمَّا إذَا أَرَادَ اسْتِعْمَالَ مَا يَبْقَى بَعْدَ الْغَرْفِ فَيُنْظَرُ ان أخذها وخدها فِي الدَّلْوِ فَالْبَاقِي قُلَّتَانِ فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خلاف وابو اسحق يُوَافِقُ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُ قُلَّتَانِ وَلَيْسَ فِيهِ نجاسة: وان أخذ النجاسة مع شئ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ أَخَذَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَبَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ وَمَا بَقِيَ طَاهِرٌ: أَمَّا نَجَاسَةُ بَاطِنِ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ فَلِكَوْنِهِ مَاءً يَسِيرًا فِيهِ نَجَاسَةٌ: وَأَمَّا طَهَارَةُ الْبَاقِي فَلِانْفِصَالِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ قَبْلَ نَقْصِهِ عَنْ قُلَّتَيْنِ فَبَقِيَ عَلَى طَهَارَتِهِ: قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ قَطَرَ مِنْ الدَّلْوِ إلَى الْمَاءِ الْبَاقِي قَطْرَةً نُظِرَ إنْ كَانَتْ مِنْ ظَاهِرِ الدَّلْوِ فَالْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ لِأَنَّ ظَاهِرَ الدَّلْوِ طَاهِرٌ: وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَاطِنِهِ

стр. 141

صَارَ الْبَاقِي نَجِسًا: وَإِنْ شَكَّ فَالْبَاقِي عَلَى طَهَارَتِهِ ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ وَاضِحٌ: فَإِنْ تَنَجَّسَ الْبَاقِي وَأَرَادَ تَطْهِيرَهُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَصُبَّهُ فِيهِ أَوْ يَرُدَّ الدَّلْوَ وَيَغْمِسَهُ فِيهِ عَلَى مَا سَبَقَ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يخرج النجاسة أو لا ثُمَّ يَغْمِسَ الدَّلْوَ لِيَكُونَ طَهُورًا بِلَا خِلَافٍ ويخرج من خلاف أبي اسحق وَمِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الدَّقَائِقِ: وَكَذَلِكَ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ التَّبَاعُدِ أَيْضًا: وَلَوْ اخْتَطَفَ النَّجَاسَةَ أولا ثم نزل عليها من الماء شئ فَبَاطِنُ الدَّلْوِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْمَاءِ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ وَكَذَا الْبَاقِي مِنْ الْمَاءِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ فِي النَّقْصِ عَنْ قُلَّتَيْنِ مَحْمُولَةٌ عَلَى نَقْصٍ يُؤَثِّرُ سَوَاءٌ قُلْنَا الْقُلَّتَانِ خَمْسُمِائَةٍ تَحْدِيدًا أَوْ تَقْرِيبًا: وَفِي الدَّلْوِ لُغَتَانِ التَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ أَفْصَحُ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا هُنَا لِئَلَّا ينكر استعمالنا لها مذكرة مَنْ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَأَمَّا المسألة الرابعة وهى انما وَقَعَ فِي قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ نَجَاسَةٌ ذَائِبَةٌ فَفِيهَا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ جَمِيعِهِ: وَالثَّانِي يَجِبُ تَبْقِيَةُ قَدْرِ النَّجَاسَةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْجُمْهُورُ قَائِلَ هَذَا الْوَجْهِ وَسَمَّاهُ الدَّارِمِيُّ فَقَالَ حَكَاهُ ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ ابْنِ مَيْمُونٍ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْوَجْهُ غَلَطٌ وَأَبْطَلُوهُ بِمَا أَبْطَلَهُ بِهِ الْمُصَنِّفُ قَالُوا لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْبَاقِيَ لَيْسَ عَيْنَ النَّجَاسَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِهِ بَلْ إنْ وجب ترك شئ وَجَبَ تَرْكُ الْجَمِيعِ: فَلَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَرْكُ الْجَمِيعِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ يُسْتَعْمَلُ الْجَمِيعُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ اُسْتُهْلِكَتْ: وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ الذَّائِبَةُ قَلِيلَةً لَمْ تُغَيِّرْ الْمَاءَ مَعَ مُخَالَفَتِهَا لَهُ فِي صِفَاتِهِ أَوْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لَهُ فِي صِفَاتِهِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَتْ مُخَالَفَةٌ لَهُ لَمْ تُغَيِّرْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ هَذَا فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * (فَرْعٌ) إنْ قِيلَ مَا الْفَائِدَةُ في حكاية المصنف مذهب أبي اسحق فِيمَا إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا مَذْهَبَهُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ اُشْتُرِطَ التَّبَاعُدُ عَنْ النَّجَاسَةِ بِقُلَّتَيْنِ فَيُعْلَمُ بِهَذَا أَنَّهُ إذَا كَانَ قُلَّتَيْنِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِفَقْدِ الشَّرْطِ وَهُوَ التَّبَاعُدُ: فَالْجَوَابُ أَنَّ أَبَا اسحق يَقُولُ هُنَا لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ جَوَّزْنَاهُ هُنَاكَ لِمَعْنًى هُنَا وَهُوَ مَا عَلَّلَ بِهِ (فرع) ذكر المصنف أبا اسحق وابن القاص فاما أبو إسحق فَهُوَ الْمَرْوَزِيُّ وَاسْمُهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ وَهُوَ صَاحِبُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ انْتَهَتْ إلَيْهِ رِيَاسَةُ بَغْدَادَ فِي الْعِلْمِ وَشَرَحَ الْمُخْتَصَرَ وَصَنَّفَ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَعَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ

стр. 142

انْتَشَرَ فِقْهُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَقْطَارِ وَهُوَ جَدُّنَا فِي التَّفَقُّهِ فَإِنَّهُ أَحَدُ أَرْكَانِ سِلْسِلَةِ تَفَقُّهِ الشَّافِعِيَّةِ تُوُفِّيَ بِمِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَثَلَثَمِائَةٍ: وَأَمَّا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي أَحْمَدَ إمَامٌ جَلِيلٌ وَهُوَ صَاحِبُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَيْضًا وَعَنْهُ أَخَذَ الْفِقْهَ أَهْلُ طَبَرِسْتَانَ صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً كَالتَّلْخِيصِ وَالْمِفْتَاحِ وَأَدَبِ الْقَاضِي وَالْمَوَاقِيتِ وَالْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا تُوُفِّيَ بِطَرَسُوسَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَثِمِائَةٍ ﵀ * قال المصنف ﵀ * (وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا وَفِيهِ نَجَاسَةٌ جَارِيَةٌ كَالْمَيْتَةِ وَالْجِرْيَةِ الْمُتَغَيِّرَةِ فَالْمَاءُ الَّذِي قَبْلَهَا طَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى النَّجَاسَةِ فَهُوَ كَالْمَاءِ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى النَّجَاسَةِ مِنْ إبْرِيقٍ وَاَلَّذِي بَعْدَهَا طَاهِرٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ النجاسة وأما ما يحيط بها مِنْ فَوْقِهَا وَتَحْتِهَا وَيَمِينِهَا وَشِمَالِهَا فَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ كَانَ دونهما فنجس كالراكد: وقال ابن الْقَاصِّ فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ الْجَارِي إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لِأَنَّهُ مَاءٌ وَرَدَ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَنْجَسْ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ كَالْمَاءِ الْمُزَالِ بِهِ النَّجَاسَةُ: وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ وَاقِفَةً وَالْمَاءُ يَجْرِي عَلَيْهَا فان ما قبلها وبعدها طَاهِرٌ: وَمَا يَجْرِي عَلَيْهَا إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فهو طاهر: وان كان دونه نَجِسٌ: وَكَذَا كُلُّ مَا يَجْرِي عَلَيْهَا بَعْدَهَا فهو نجس: ولا يطهر شئ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْكُدَ فِي مَوْضِعٍ وَيَبْلُغَ قلتين: وقال أبو اسحق وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقَاصِّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْجِيفَةِ فَهُوَ طَاهِرٌ: وما بعدها يَجُوزُ أَنْ يُتَوَضَّأَ مِنْهُ إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِيفَةِ قُلَّتَانِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: لِأَنَّ لِكُلِّ جِرْيَةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْقُلَّتَانِ) (الشَّرْحُ) هَذَا الْفَصْلُ كُلُّهُ ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَرَجَّحُوا مَا رَجَّحَهُ إلَّا أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيَّ وَالْبَغَوِيَّ اخْتَارُوا فِيمَا إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَائِعَةً مُسْتَهْلَكَةً لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ جِرْيَةٍ دُونَ قُلَّتَيْنِ: وَهَذَا غَيْرُ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ فَإِنَّ ذَاكَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْجَامِدَةِ وَالْمَائِعَةِ: وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ لِهَذَا بِأَنَّ الاولين لم يزالوا يتوضؤن مِنْ الْأَنْهَارِ الصَّغِيرَةِ أَسْفَلَ مِنْ الْمُسْتَنْجِينَ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ قَوِيٌّ: وَأَجَابَ الْإِمَامُ عَنْ حَدِيثِ القلتين بان

стр. 143

مَجْمُوعَ الْمَاءِ الَّذِي فِي هَذَا النَّهْرِ يَزِيدُ علي قلتين وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ: وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ: وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ وضوء الاولين فلم يثبت أنهم كانوا يتوضؤن تَحْتَ الْمُسْتَنْجِينَ وَلَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ فِي نَفْسِ الْمَاءِ: وَقَوْلُهُ الْجِرْيَةُ هِيَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهِيَ الدُّفْعَةُ الَّتِي بَيْنَ حَافَّتَيْ النَّهْرِ فِي الْعَرْضِ هَكَذَا فَسَّرَهَا أَصْحَابُنَا: وَأَمَّا قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُحِيطُ بِهَا قُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ فَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَلَهُ أَنْ يَتَطَهَّرَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَرَادَ وَلَوْ مِنْ نَفْسِ النَّجَاسَةِ وَلَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ: وقيل يجئ الْخِلَافُ فِي التَّبَاعُدِ حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ: قَالَ الامام وقال الاكثرون لا يجئ ذَلِكَ الْخِلَافُ لِأَنَّ جَرَيَانَ الْمَاءِ يَمْنَعُ انْتِشَارَ النَّجَاسَةِ: ثُمَّ اخْتَارَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ وَالْوَسِيطِ أَنَّهُ يَجِبُ اجْتِنَابُ حَرِيمِ النَّجَاسَةِ فِي الْجَارِي وَهُوَ مَا يُنْسَبُ إلَيْهَا: وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ الْغَزَالِيَّ فِي الْوَسِيطِ أَوْجَبَ اجْتِنَابَ حَرِيمِ الرَّاكِدِ أَيْضًا: فَفَرَّقَ فِي الْبَسِيطِ بَيْنَ الْحَرِيمَيْنِ فاوجب اجتنابه في الجارى دون الراكد وكذا فَرَّقَ شَيْخُهُ قَالَ لِأَنَّ الرَّاكِدَ لَا حَرَكَةَ لَهُ حَتَّى يَنْفَصِلَ الْبَعْضُ عَنْ الْبَعْضِ فِي الْحُكْمِ: وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ اجْتِنَابُ الْحَرِيمِ لَا فِي الْجَارِي وَلَا فِي الرَّاكِدِ: وَكَذَا نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَجَعَلَهُ الْمَذْهَبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: وَإِذَا كانت الجرية التي فيها النجاسة دون قلتين وَقُلْنَا إنَّهَا نَجِسَةٌ فَقَالَ الْبَغَوِيّ مَحَلُّ النَّجَاسَةِ مِنْ الْمَاءِ وَالنَّهْرِ نَجِسٌ: وَالْجِرْيَةُ الَّتِي تَعْقُبُهَا تَغْسِلُ الْمَحَلَّ فَهِيَ فِي حُكْمِ غُسَالَةِ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ جِرْيَاتٍ عَلَيْهَا: وَقَوْلُهُ فِي النَّجَاسَةِ الْوَاقِفَةِ إنْ كَانَ مَا يَجْرِي عَلَيْهَا قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرٌ يَعْنِي إنْ كَانَتْ الْجِرْيَةُ قُلَّتَيْنِ وَكَذَا كُلُّ جِرْيَةٍ هِيَ قُلَّتَانِ لَا تَغَيُّرَ فِيهَا فهي طاهرة: وقوله ان كان دُونَهُ فَنَجِسٌ يَعْنِي عَلَى الصَّحِيحِ الْجَدِيدِ: وَأَمَّا عَلَى الْقَدِيمِ أَنَّ الْجَارِيَ لَا يَنْجَسُ إلَّا بالتغير فهو طاهر: وقوله ولا يطهر شئ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَرْكُدَ فِي مَوْضِعٍ فَيَبْلُغُ قلتين وقال أبو إسحق وَابْنُ الْقَاصِّ إلَى قَوْلِهِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ هَذَا الَّذِي صَحَّحَهُ هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَصْحَابُنَا الْمُصَنِّفُونَ وهو قال أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَعَلَى هَذَا

стр. 144

لَا يَزَالُ نَجِسًا وَإِنْ امْتَدَّ فَرَاسِخَ وَبَلَغَ مَجْمُوعُهُ أَلْفَ قُلَّةٍ: وَقَدْ يُقَالُ مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ لَا تَغَيُّرَ فِيهِ وَهُوَ مَحْكُومٌ بنجاسته وهذا صُورَتُهُ وَيُقَالُ مَاءٌ بَلَغَ أَلْفَ قُلَّةٍ وَلَا تَغَيُّرَ فِيهِ وَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ لَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِبَعْضِهِ (١) وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي مَسْأَلَةِ الْبِئْرِ التى تمعط شَعْرُ الْفَأْرَةِ كَمَا سَنُوَضِّحُهَا فِي مَسَائِلِ الْفَرْعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ) لَوْ كَانَتْ جِرْيَةً نَجِسَةً لِمُرُورِهَا عَلَى نَجَاسَةٍ وَاقِفَةٍ أَوْ لِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ فِيهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَاتَّصَلَتْ بِمَاءٍ رَاكِدٍ تَبْلُغُ بِهِ قُلَّتَيْنِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَخْتَلِطْ بِهِ لِكَوْنِ أَحَدِهِمَا صَافِيًا وَالْآخَرِ كَدِرًا حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ بِمُجَرَّدِ الِاتِّصَالِ كَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ: قَالُوا وَلِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِاجْتِمَاعِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ فِي مَكَان وَاحِدٍ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ: وَكَذَا لَوْ كَانَ قُلَّتَانِ صَافِيَةٌ وَكَدِرَةٌ إحْدَاهُمَا نَجِسَةٌ غَيْرُ مُتَغَيِّرَةٍ بِالنَّجَاسَةِ فَجَمَعَهُمَا وَبَقِيَ الْكَدَرُ مُتَمَيِّزًا غَيْرَ مُمْتَزِجٍ حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْجَمِيعِ بِلَا خِلَافٍ (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الْقَاضِي أَبَا حامد وهو المروزي بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالتَّشْدِيدِ وَاسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَامِرِ بن بشر وهو صاحب أبي اسحق الْمَرْوَزِيِّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي طَبَقَاتِهِ كَانَ إمَامًا لَا يُشَقُّ غُبَارُهُ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَدَرَسَ بِهَا وعنه أخذ نقهاؤها وصنف الجامع في المذهب وشرع مُخْتَصَرَ الْمُزَنِيِّ وَصَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ تُوُفِّيَ سنة اثنين وَسِتِّينَ وَثَلَثِمِائَةٍ ﵀ * (فَرْعٌ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يُصَبُّ عَلَى نَجَاسَةٍ مِنْ إبْرِيقٍ لَا يَنْجَسُ: وَمُرَادُهُ الَّذِي يَتَّصِلُ طَرَفُهُ بِالنَّجَاسَةِ بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَاءُ مُتَّصِلًا مِنْ الْإِبْرِيقِ إلَى النَّجَاسَةِ: وَإِنَّمَا لَا يَنْجَسُ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَنْعَطِفُ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي كِتَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ فِي مَسْأَلَةِ عَضِّ الْكَلْبِ الْمَاءُ الْمُتَصَعِّدُ مِنْ فَوَّارَةٍ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ عَلَى أَعْلَاهُ لَا يَنْجَسُ مَا تَحْتَهُ وَنَحْوُ هَذَا مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي الْفَتَاوَى قَالَ لَوْ كَانَ كُوزٌ يُبَزُّ الْمَاءُ مِنْ أَسْفَلِهِ فَوُضِعَ أَسْفَلُهُ عَلَى نَجَاسَةٍ لَا يَنْجَسُ الْمَاءُ لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ يَمْنَعُ النَّجَاسَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ * قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ * (وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُ جَارِيًا وَبَعْضُهُ رَاكِدًا بِأَنْ يَكُونَ فِي النَّهْرِ مَوْضِعٌ مُنْخَفِضٌ يَرْكُدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْمَاءُ يَجْرِي بِجَنْبِهِ وَالرَّاكِدُ زَائِلٌ عَنْ سَمْتِ الْجَرْيِ فَوَقَعَ فِي الرَّاكِدِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ دون قلتين

стр. 145

فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجِرْيَةِ الَّتِي يُحَاذِيهَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ وَتَنْجُسُ كُلُّ جِرْيَةٍ بِجَنْبِهَا إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ فِي مَوْضِعٍ قُلَّتَانِ فَيَطْهُرَ) * (الشَّرْحُ) هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ قَدْ ذَكَرَهُ هَكَذَا أَيْضًا كَثِيرُونَ: وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنْ كان الراكد النجس دون قلتين نظران دَخَلَ الْجَارِي عَلَى الرَّاكِدِ وَخَرَجَ مِنْهُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَإِنْ بَلَغَا قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرَانِ وَإِلَّا فَنَجِسَانِ: وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى الرَّاكِدِ بَلْ جَرَى عَلَى سُنَنِهِ: فَإِنْ كَانَ الْجَارِي دُونَ قُلَّتَيْنِ فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّهُ يُلَاصِقُ مَاءً نَجِسًا: وَإِنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَلَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَطْهُرُ بِهِ الرَّاكِدُ لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ وما فارق الشئ فَلَيْسَ مَعَهُ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ ضَعِيفٌ: وَسَلَكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ طَرِيقًا جَامِعًا مَبْسُوطًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: ثُمَّ اخْتَصَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ: فَقَالَ إذَا جَرَى الْمَاءُ فِي حَوْضٍ طَرَفَاهُ رَاكِدَانِ فَلِلطَّرَفَيْنِ حُكْمُ الرَّاكِدِ: وَلِلْمُتَحَرِّكِ حُكْمُ الْجَارِي. فَلَوْ وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي الْجَارِي لَمْ يَنْجَسْ الرَّاكِدُ إذَا لَمْ نُوجِبْ التَّبَاعُدُ. وَإِنْ كَانَ الرَّاكِدُ قَلِيلًا. لِأَنَّا نُجَوِّزُ رَفْعَ الْمَاءِ مِنْ طَرَفَيْ النَّجَاسَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. فَلَوْ وَقَعَ فِي الرَّاكِدِ وَهُوَ دُونَ قُلَّتَيْنِ نَجَاسَةٌ فَهُوَ نَجِسٌ. وَالْجَارِي يُلَاقِي فِي جَرَيَانِهِ مَاءً نَجِسًا وَقَدْ يَقْتَضِي الْحَالُ تَنْجِيسَهُ عَلَى مَا سَبَقَ فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ يَسْتَدِيرُ فِي بَعْضِ أطراف الحوض ثم يستد في المنفد قَالَ الْإِمَامُ أَرَى لَهُ حُكْمَ الرَّاكِدِ لِأَنَّ الِاسْتِدَارَةَ فِي مَعْنَى التَّدَافُعِ وَالتَّرَادِّ يَزِيدُ عَلَى الرُّكُودِ. وَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ النَّهْرِ حُفْرَةٌ لَهَا عُمْقٌ. فَقَدْ نَقَلَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ أَنَّ الْمَاءَ فِي الْحُفْرَةِ لَهُ حُكْمُ الرَّاكِدِ وَإِنْ جَرَى فَوْقَهَا. يَعْنِي نَقْلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْجَارِي يُقَلِّبُ مَاءَ الْحُفْرَةِ وَيُبَدِّلُهُ فَلَهُ حُكْمُ الْجَارِي أَيْضًا: وَإِنْ كَانَ يَلْبَثُ فِيهَا قَلِيلًا ثُمَّ يُزَايِلُهَا فَلَهُ فِي وَقْتِ اللُّبْثِ حُكْمُ الرَّاكِدِ: وَكَذَا إنْ كَانَ لَا يَلْبَثُ وَلَكِنْ تَتَثَاقَلُ حَرَكَتُهُ فَلَهُ فِي وَقْتِ التَّثَاقُلِ حُكْمُ الْمَاءِ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ارْتِفَاعٌ وَسَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَرْعٍ * (فَرْعٌ) قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ إذَا جَرَى الْمَاءُ مُنْحَدِرًا فِي صَبَبٍ أَوْ مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ فَهُوَ الْجَارِي حَقًّا: فَلَوْ كَانَ قُدَّامَهُ ارْتِفَاعٌ فَالْمَاءُ يَتَرَادُّ لَا مَحَالَةَ وَيَجْرِي مَعَ ذلك جريا
следующие страницы →