Полный текст (4 869 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فَصْلٌ الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ أَئِمَّةٌ مُجْتَهِدُونَ وَهُمْ مَنْسُوبُونَ إلَى الشَّافِعِيِّ: فَأَمَّا الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ فَصَاحِبَانِ لِلشَّافِعِيِّ حَقِيقَةً وَابْنُ الْمُنْذِرِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُمَا: وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْمُهَذَّبِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَجَعَلَ أَقْوَالَهُمْ وُجُوهًا فِي الْمَذْهَبِ وَتَارَةً يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ وُجُوهًا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ ظَاهِرٌ إيرَادُهُ إيَّاهَا فَإِنَّ عَادَتَهُ فِي الْمُهَذَّبِ أَنْ لَا يَذْكُرَ أَحَدًا مِنْ الائمة أصحاب المذاهب غير أصحابنا الا في نَحْوَ قَوْلِهِ يُسْتَحَبُّ كَذَا لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مُجَاهِدٍ أَوْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ الزُّهْرِيِّ أَوْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَشِبْهِ ذَلِكَ: وَيَذْكُرُ قَوْلَ أَبِي ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ ذِكْرَ الْوُجُوهِ وَيَسْتَدِلُّ لَهُ وَيُجِيبُ عَنْهُ: وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي بَابِ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مِنْ النِّهَايَةِ إذَا انْفَرَدَ الْمُزَنِيّ بِرَأْيٍ فَهُوَ صَاحِبُ مَذْهَبٍ وَإِذَا خَرَّجَ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا فَتَخْرِيجُهُ أَوْلَى مِنْ تَخْرِيجِ غَيْرِهِ وَهُوَ مُلْتَحِقٌ بِالْمَذْهَبِ لَا مَحَالَةَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ حَسَنٌ لَا شَكَّ أَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ
* فَرْعٌ ان استغرب من لا انس له بالمهذب الْمَوْضِعَ الَّذِي صَرَّحَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ فِيهِ بِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا دَلَّلْنَاهُ وَقُلْنَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْغَصْبِ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ رَدَّ الْمَغْصُوبَ نَاقِصَ الْقِيمَةِ دُونَ الْعَيْنِ أَنَّ أَبَا ثَوْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَذَكَرَ نَحْوَهُ في ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي آخِرِ فَصْلٍ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى
* فَرْعٌ اعْلَمْ أَنَّ صَاحِبَ الْمُهَذَّبِ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ أَبِي ثَوْرٍ لَكِنَّهُ لَا يُنْصِفُهُ فَيَقُولُ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ كَذَا وَهُوَ خَطَأٌ
وَالْتَزَمَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ فِي أَقْوَالِهِ وَرُبَّمَا كَانَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ أَقْوَى دَلِيلًا مِنْ الْمَذْهَبِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ: وَأَفْرَطَ الْمُصَنِّفُ فِي اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ حَتَّى فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الصَّحَابِيِّ ﵁ الذى محله من الْفِقْهِ وَأَنْوَاعِ الْعِلْمِ مَعْرُوفٌ قَلَّ مَنْ يُسَاوِيهِ فِيهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ لَا سِيَّمَا الْفَرَائِضُ فَحَكَى عَنْهُ فِي بَابِ الْجَدِّ وَالْإِخْوَةِ مَذْهَبَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَعْرُوفَةِ بِمُرَبَّعَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا خَطَأٌ: وَلَا يَسْتَعْمِلُ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْعِبَارَةَ غَالِبًا فِي آحَادِ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ الَّذِينَ لَا يُقَارِبُونَ أَبَا ثَوْرٍ وربما كانت أو جههم ضَعِيفَةً بَلْ وَاهِيَةً وَقَدْ أَجْمَعَ نَقَلَةُ الْعِلْمِ عَلَى جَلَالَةِ أَبِي ثَوْرٍ وَإِمَامَتِهِ وَبَرَاعَتِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَحُسْنِ مُصَنَّفَاتِهِ فِيهِمَا مَعَ الْجَلَالَةِ وَالْإِتْقَانِ: وَأَحْوَالُهُ مَبْسُوطَةٌ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي الطَّبَقَاتِ ﵀
* فَهَذَا آخِرُ مَا تَيَسَّرَ من المقدمات ولولا خَوْفُ إمْلَالِ مُطَالِعِهِ لَذَكَرْتُ فِيهِ مُجَلَّدَاتٍ
* مِنْ النفايس الْمُهِمَّةِ وَالْفَوَائِدِ الْمُسْتَجَادَّاتِ
* لَكِنَّهَا تَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مُفَرَّقَةً فِي مَوَاطِنِهَا مِنْ الْأَبْوَابِ: وَأَرْجُو اللَّهَ النَّفْعَ بِكُلِّ مَا ذَكَرْتُهُ وَمَا سأذكره ان شاء الله لي ولوالدي ومشايخي وسائر أحبايي وَالْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ إنَّهُ الْوَاسِعُ الْوَهَّابُ وَهَذَا حِينَ أَشْرَعُ فِي شَرْحِ أَصْلِ الْمُصَنِّفِ ﵀
*
стр. 72
بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف الشيخ أبو إسحاق ﵀ (١) (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنَا لِشُكْرِهِ وَهَدَانَا لِذِكْرِهِ) (الشَّرْحُ) بَدَأَ ﵀ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ نَحْوِ ثَلَاثِينَ قَوْلًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ أَقْطَعُ وَفِي رِوَايَةٍ بِحَمْدِ اللَّهِ: وَفِي رِوَايَةٍ بِالْحَمْدُ فَهُوَ أَقْطَعُ: وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ: وَفِي رِوَايَةٍ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَقْطَعُ
* رَوَيْنَا كُلَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيِّ وَرَوَيْنَاهُ فِيهِ مِنْ رِوَايَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الصَّحَابِيِّ ﵁ وَالْمَشْهُورُ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُهُ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ هُوَ ابْنُ مَاجَهْ الْقَزْوِينِيُّ فِي سُنَنِهِمَا وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَبُو
عَوَانَةَ يعقوب بن إسحاق الاسفراينى فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ الْمُخَرَّجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وَرُوِيَ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا وَرِوَايَةُ الْمَوْصُولِ إسْنَادُهَا جَيِّدٌ
* قَوْلُهُ ﷺ كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ مَعْنَاهُ لَهُ حَالٌ يُهْتَمُّ بِهِ وَمَعْنَى أَقْطَعُ أَيْ نَاقِصٌ قَلِيلُ الْبَرَكَةِ وَأَجْذَمُ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ بِجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ يُقَالُ جَذِمَ يَجْذَمُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ
* قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵏ يستحب البداء بالحمد الله لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ وَمُزَوِّجٍ وَمُتَزَوِّجٍ وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ: قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أُحِبُّ أَنْ يُقَدِّمَ الْمَرْءُ بَيْنَ يَدَيْ خِطْبَتِهِ يَعْنِي بِكَسْرِ الْخَاءِ وَكُلِّ أَمْرٍ طَلَبَهُ حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتَرَضُوا عَلَى الْمُزَنِيِّ ﵀ حَيْثُ لَمْ يَبْدَأْ فِي مُخْتَصَرِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ стр. 73
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ بَدَأَ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَخَطَبَ خُطْبَةً: فَأَخَلَّ بِذَلِكَ مَنْ نَقَلَ كِتَابَهُ قَالُوا وَقَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ في ملك وَلَا مِثْلَ: الَّذِي هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَفَوْقَ مَا يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شئ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الْجَوَابُ الثَّانِي) يُحْتَمَلُ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْ الْمُزَنِيَّ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي جَلَالَتِهِ (الْجَوَابُ الثَّالِثُ) أَنَّ الَّذِي اقْتَضَاهُ الْحَدِيثُ أَنْ يَحْمَدَ لَا أَنْ يَكْتُبَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُزَنِيَّ حَمِدَ بِلِسَانِهِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ فَيَبْعُدُ خَفَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَرْكُهُ لَهُ مَعَ عِلْمِهِ (الرَّابِعُ) أَنَّ لَفْظَةَ الْحَمْدِ لَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً لِتَسْمِيَتِهِ حَمْدًا لِأَنَّ الْحَمْدَ الثَّنَاءُ وَقَدْ أَثْنَى الْمُزَنِيّ علي الله تعالى أَوَّلِ كِتَابِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالتَّسْمِيَةُ مِنْ أَبْلَغِ الثَّنَاءِ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ أَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا نَقَلْنَاهُ: وَذَكَرُوا أَجْوِبَةً كَثِيرَةً غَيْرَ مُرْضِيَةٍ فَتَرَكْتُهَا: وَأَمَّا مَعْنَى الْحَمْدُ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بجميل صفاته وأفعاله: والشكر الثناء عليه بالنعامه فَكُلُّ شُكْرٍ حَمْدٌ وَلَيْسَ كُلُّ حَمْدٍ شُكْرًا وَنَقِيضُ الْحَمْدِ الذَّمُّ وَنَقِيضُ الشُّكْرِ الْكُفْرُ: وَقَوْلُهُ الَّذِي وَفَّقَنَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ التَّوْفِيقُ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ وَالْخُذْلَانُ خَلْقُ قُدْرَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُوَفَّقُ في شئ لا يعصي في ذلك الشئ إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْعِصْمَةُ هِيَ التَّوْفِيقُ فَإِنْ عَمَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا عَامًّا وَإِنْ خَصَّتْ كَانَتْ تَوْفِيقًا خَاصًّا قَالُوا وَيَكُونُ الشُّكْرُ بِالْقَوْلِ
وَالْفِعْلِ وَيُقَالُ شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ وَيُقَالُ فِي لُغَةٍ غَرِيبَةٍ شَكَرْتُ بِهِ بِالْبَاءِ وَتَشَكَّرْتُ لَهُ كَشَكَرْتُهُ وَالشُّكْرَانُ خِلَافُ الْكُفْرَانِ: وَقَوْلُهُ وَهَدَانَا لِذِكْرِهِ الْمُرَادُ هُنَا بِالْهُدَى خُلُقُ الْإِيمَانِ وَاللُّطْفِ وَقَدْ يَكُونُ الْهُدَى بمعنى البيان ومنه (وأما ثمود فهد يناهم) أي بينا لهم طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمِثْلُهُ (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) (وهديناه النجدين) أَيْ بَيَّنَّا طَرِيقَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ: وَأَمَّا الذِّكْرُ فَأَصْلُهُ التَّنْبِيهُ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ الْأَدِيبُ الشَّافِعِيُّ أَصْلُ الذكر في اللغة التنبيه علي الشئ وإذا ذكرته فقد تنبهت عَلَيْهِ وَمَنْ ذَكَّرَكَ شَيْئًا فَقَدْ نَبَّهَكَ عَلَيْهِ وليس من
стр. 74
لَازِمِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ نِسْيَانٍ قَالَ وَمَعْنَى الذِّكْرِ حُضُورُ الْمَعْنَى فِي النَّفْسِ وَيَكُونُ تَارَةً بِالْقَلْبِ وَتَارَةً بِاللِّسَانِ وَتَارَةً بِهِمَا وَهُوَ أَفْضَلُ الذكر ويليه ذكر القلب والله أعلم * قال المصنف ﵀ (وَصَلَوَاتُهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ خَلْقِهِ وَعَلَى آلِهِ وصحبه) (الشَّرْحُ) أَصْلُ الصَّلَاةِ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ هَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ: وَقَالَ الزَّجَّاجُ أَصْلُهَا اللُّزُومُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ: وَأَمَّا تَسْمِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدٌ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ رَجُلٌ مُحَمَّدٌ وَمَحْمُودٌ إذَا كَثُرَتْ خِصَالُهُ الْمَحْمُودَةُ: قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ فِي كِتَابِهِ الْمُجْمَلِ وَبِذَلِكَ سُمِّيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُحَمَّدٌ يَعْنِي أَلْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَهُ تَسْمِيَتَهُ بِهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ وَأَنْشَدَ أَبُو نصر اسماعيل بن حماد الجواهري فِي صِحَاحِهِ وَغَيْرُهُ إلَيْكَ أَبَيْتَ اللَّعْنَ كَانَ كِلَالُهَا
* إلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ الْقَرْمُ بِفَتْحِ الْقَافِ السَّيِّدُ: وَقَوْلُهُ خَيْرِ خَلْقِهِ كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَالْعُلَمَاءُ أَنَّهُ ﷺ خَيْرُ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ والآدمين: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قُلْتُمْ بِالتَّفْضِيلِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رسوله ﷺ لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ فَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا
* أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِ بَعْضِهِمْ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بِلَا خِلَافٍ: (الثَّانِي) أَنَّهُ ﷺ نَهَى
قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ خَيْرُ الْخَلْقِ فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ (الثَّالِثُ) نَهَى تَأَدُّبًا وَتَوَاضُعًا (الرَّابِعُ) نَهَى لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْخُصُومَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي سَبَبِ ذَلِكَ (الْخَامِسُ) نَهَى عَنْ التَّفْضِيلِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّةِ لَا فِي ذَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا تَتَفَاوَتُ النُّبُوَّةُ وَإِنَّمَا التَّفَاوُتُ بِالْخَصَائِصِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ورفع بعضهم درجات) : وَأَمَّا قَوْلُهُ وَعَلَى آلِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ مَوْجُودٌ فِي الْكَلَامِ الْفَصِيحِ وَاسْتَعْمَلَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ جَمِيعِ الطوائف:
стр. 75
وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ الِاقْتِضَابُ فِي شَرْحِ أَدَبِ الْكِتَابِ أَنَّ أَبَا جَعْفَرٍ النَّحَّاسَ وَأَبَا بَكْرٍ الزُّبَيْدِيَّ قَالَا لَا يَجُوزُ إضَافَةُ آلِ إلَى مُضْمَرٍ فَلَا يُقَالُ صَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ وَأَهْلِهِ أَوْ وَآلِ مُحَمَّدٍ قَالَ وَهَذَا مَذْهَبُ الْكِسَائِيّ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهُ: وَلَيْسَ قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمَا بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ يُعَضِّدُهُ وَلَا سَمَاعَ يُؤَيِّدُهُ قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ وَآلِهِ فِي قِلَّةٍ وَذَكَرَ الْمُبَرِّدُ فِي الْكَامِلِ حِكَايَةً فِيهَا إضَافَةُ آلِ إلَى مُضْمَرٍ ثُمَّ أَنْشَدَ أَبْيَاتًا كَثِيرَةً لِلْعَرَبِ فِي إضَافَةِ آلِ إلَى مُضْمَرٍ: مِنْهَا قَوْلُ عَبْدِ المطلب لا هم أن المرء يح
* مي رحله فامنع حلالك وانصر علي آل الصلي
* ب وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكَ يَعْنِي قُرَيْشًا وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِمْ آلَ اللَّهِ لِكَوْنِهِمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءُ فِي آلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ (وَالثَّانِي) عِتْرَتُهُ الْمَنْسُوبُونَ إلَيْهِ (وَالثَّالِثُ) أَهْلُ دِينِهِ كُلُّهُمْ وَأَتْبَاعُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ هَذَا الْقَوْلُ أَقْرَبُهَا إلَى الصَّوَابِ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا غَيْرُهُ: وَأَمَّا صَحَابَتُهُ ﷺ فَفِيهِمْ مَذْهَبَانِ
(أَحَدُهُمَا)
وَهُوَ الصَّحِيحُ وَقَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ إنَّ الصَّحَابِيَّ كُلُّ مُسْلِمٍ رَآهُ ﷺ وَبِهَذَا قَطَعَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَسَوَاءٌ جَالَسَهُ أَمْ لَا (وَالثَّانِي) وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ هُوَ مَنْ طَالَتْ صُحْبَتُهُ وَمُجَالَسَتُهُ عَلَى طَرِيقِ التَّبَعِ: وَأَمَّا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُنَا فَمَجَازٌ مُسْتَفِيضٌ
لِلْمُوَافَقَةِ بَيْنَهُمْ وَشِدَّةِ ارْتِبَاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ كَالصَّاحِبِ حَقِيقَةً وَيُجْمَعُ صَاحِبٌ عَلَى صَحْبٍ كَرَاكِبٍ وَرَكْبٍ: وَصِحَابٍ كجائع وجياع: وصبحة بِالضَّمِّ كَفَارِهٍ وَفَرَهَةٍ وَصُحْبَانٍ كَشَابٍّ وَشُبَّانٍ وَالْأَصْحَابُ جمع صحب كفرخ وأفراخ: والصاحبة الاصحاب وَجَمْعُ الْأَصْحَابِ أَصَاحِيبُ وَقَوْلُهُمْ فِي النِّدَاءِ صَاحِ مَعْنَاهُ صَاحِبِي هَكَذَا سُمِعَ مِنْ الْعَرَبِ مُرَخَّمًا وصحبته بكسر الحاء أصحبه بفتحها صحية بِضَمِّ الصَّادِ وَصَحَابَةً بِالْفَتْحِ: وَإِنَّمَا ثَنَّى الْمُصَنِّفُ ﵀ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ
стр. 76
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لقوله تعالى (ورفعنا لك ذكرك) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ وَمَوَاضِعَ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ مَعْنَاهُ لَا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرَتْ مَعِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَرَوَيْنَا هَذَا التَّفْسِيرَ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لِلرَّهَاوِيِّ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَاَللَّهُ أعلم: قال المصنف ﵀
* (هَذَا كِتَابٌ مُهَذَّبٌ أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أُصُولَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ بِأَدِلَّتِهَا وَمَا تَفَرَّعَ عَلَى أُصُولِهِ فِي الْمَسَائِلِ المشكلة بعللها)
* (الشَّرْحُ) قَدْ يُقَالُ قَوْلُهُ هَذَا إشَارَةٌ إلَى حاضر وليس هنا الآن شئ يُشَارُ إلَيْهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اسْتَعْمَلَهَا الْأَئِمَّةُ مِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِ الْفُنُونِ فِي مُصَنَّفَاتِهِمْ وإمام النحوين سِيبَوَيْهِ ﵀ صَدَّرَ كِتَابَهُ بِهَا وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالنَّحْوِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ مَجْمُوعُهَا أَنَّهُ لَمَّا تَأَكَّدَ عَزْمُهُ عَلَى تَصْنِيفِهِ عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الْمَوْجُودِ فَأَشَارَ إلَيْهِ وَذَلِكَ لُغَةُ الْعَرَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ) وَنَظَائِرُهُ: وَمِنْ الْمُصَنِّفِينَ مَنْ يَتْرُكُ مَوْضِعَ الْخُطْبَةِ بَيَاضًا فَإِذَا فَرَغَ ذَكَرَهَا فَأَشَارَ إلَى حَاضِرٍ لِتَكُونَ عِبَارَتُهُ فِي الْخُطْبَةِ مُوَافِقَةً لِمَا ذَكَرَهُ: وَقَوْلُهُ كِتَابٌ أَصْلُ الْكَتْبِ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَمِنْهُ كَتِيبَةُ الْخَيْلِ لِتَتَابُعِهَا وَاجْتِمَاعِهَا فَسُمِّيَ كِتَابًا لِضَمِّ حُرُوفِهِ وَمَسَائِلِهِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ وَالْكِتَابُ اسْمٌ لِلْمَكْتُوبِ مَجَازًا وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ كَثِيرٌ وَهُوَ فِي اصْطِلَاحِ المصنفين كالجنس المستقل الجامع لا بواب: تِلْكَ الْأَبْوَابُ أَنْوَاعُهُ فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ يَشْمَلُ بَابَ الْمِيَاهِ وَالْآنِيَةِ وَبَابَ الْوُضُوءِ وَغَيْرَهَا: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وَكِتَابَةً وَكِتَابًا
وجمعه كتب تضم التَّاءُ وَتُسَكَّنُ: وَقَوْلُهُ مُهَذَّبٌ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ التَّهْذِيبُ التَّنْقِيَةُ وَالتَّصْفِيَةُ وَالْمُهَذَّبُ الْمُنَقَّى مِنْ الْعُيُوبِ وَرَجُلٌ مُهَذَّبٌ مُطَهَّرُ الْأَخْلَاقِ: وَقَوْلُهُ أَذْكُرُ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَهُ امْتِثَالًا لِقَوْلِ اللَّهِ تعالي (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فَيُسَنُّ قَوْلُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي كُلِّ شئ يُعْزَمُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا يَدْخُلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَاضِي فَلَا يُقَالُ خَرَجْتُ أَمْسِ إنْ شَاءَ الله والله أعلم: قال المصنف ﵀
* (وإلى الله الكريم أرغب أَنْ يُوَفِّقَنِي فِيهِ لِمَرْضَاتِهِ وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ وَعَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عليه توكلت وهو حسبى ونعم الوكيل)
стр. 77
(الشَّرْحُ) أَمَّا الْكَرِيمُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ ثَلَاثَةَ مَذَاهِبَ فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ مَعْنَاهُ الْمُفَضِّلُ وَقِيلَ الْعَفُوُّ وَقِيلَ الْعَلِيُّ قَالَ وَكُلُّ نَفِيسٍ كَرِيمٌ: وَقَوْلُهُ يوفقني تقدم بيانه: وقوله أن ينفع به هذا مما يرغبك في المهذب وَهُوَ دُعَاءُ هَذَا الْعَبْدِ الصَّالِحِ وَقَدْ سَبَقَ فِي بَيَانِ أَحْوَالِهِ أَنَّهُ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ: وَالدُّنْيَا اسْمٌ لِهَذِهِ الدَّارِ وَمَا فِيهَا سُمِّيَتْ بِهِ لِدُنُوِّهَا وَقُرْبِهَا وَيُنْسَبُ إلَيْهَا دُنْيَاوِيُّ وَدُنْيَوِيٌّ: قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَدُنْيِيُّ: وَقَوْلُهُ إنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ اقتداء بصالح صلي الله عليه وسلم في قوله (إن ربي قريب مجيب) وَتَأَدُّبًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دعوة الداع) قَالُوا وَمَعْنَى قَرِيبٌ أَيْ بِالْعِلْمِ كَمَا فِي قوله تعالى (وهو معكم) : وَقَوْلُهُ وَهُوَ حَسْبِي أَيْ الَّذِي يَكْفِينِي: وَالْوَكِيلُ الحافظ وقيل الموكل إلَيْهِ تَدْبِيرُ خَلْقِهِ: وَقِيلَ الْقَائِمُ بِمَصَالِحِهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ وَحَسْبِي اللَّهُ أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِهِ وَحَسْبُنَا اللَّهُ لِمَا فِي الثاني من التعظيم قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ الله) قَالَ وَفِي الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِكَ وَحَسْبِي اللَّهُ أَوْ وَحَسْبُنَا اللَّهُ إعْلَامٌ بِأَنَّكَ لَمْ تُضْرِبْ عَنْ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ قَالَ وَلَوْ حَذَفْتَهَا جَازَ لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوفٌ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ قَوْلُ حَسْبِي اللَّهُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حسبى الله) : وَقَالَ تَعَالَى (وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) الْآيَةَ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إبْرَاهِيمُ ﷺ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ
وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قَالُوا إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ كَانَ آخِرُ قَوْلِ إبْرَاهِيمَ ﷺ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ حَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ: وَاقْتَدَى الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي كُتُبِهِمْ وَغَيْرِهَا بِهَذَا وَخَتَمُوا كَلَامَهُمْ بِحَسْبِي اللَّهُ وَنِعْمَ الوكيل: قال المصنف رحمه الله
стр. 78
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
(بَابُ مَا يَجُوزُ بِهِ الطَّهَارَةُ من المياه وما لا يجوز)
(الشَّرْحُ) أَمَّا الْكِتَابُ فَسَبَقَ بَيَانُهُ وَالْبَابُ هُوَ الطريق إلى الشئ والموصل إليه وباب المسجد والدار ما يدخل منه إليه وباب المياه ما يتوصل بِهِ إلَى أَحْكَامِهَا: وَقَدْ يَذْكُرُونَ فِي الْبَابِ أَشْيَاءَ لَهَا تَعَلُّقٌ بِمَقْصُودِ الْبَابِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا تُرْجِمَ لَهُ كَإِدْخَالِهِ الْخِتَانَ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ وَقَصَّ الشَّارِبِ وَنَحْوَهَا فِي بَابِ السِّوَاكِ لِكَوْنِهَا جَمِيعًا مِنْ خِصَالِ الْفِطْرَةِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ بَابُ السِّوَاكِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيُقَارِبُهُ: وَقَوْلُهُ يَجُوزُ الطَّهَارَةُ لَفْظَةُ يَجُوزُ يَسْتَعْمِلُونَهَا تَارَةً بِمَعْنَى يَحِلُّ وَتَارَةً بِمَعْنَى يَصِحُّ وَتَارَةً تَصْلُحُ لِلْأَمْرَيْنِ: وَهَذَا الْمَوْضِعُ مِمَّا يَصْلُحُ فِيهِ لِلْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فَهِيَ فِي اللُّغَةِ النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الادناس ويقال طهر الشئ بِفَتْحِ الْهَاءِ (١) وَطَهُرَ بِضَمِّهَا وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ يَطْهُرُ بالضم فيهما طهارة وَالِاسْمِ الطُّهْرُ: وَالطَّهُورُ بِفَتْحِ الطَّاءِ اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَبِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْفِعْلِ هَذِهِ اللُّغَةُ المشهورة التى عليها الا كثرون مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ: وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ بِالْفَتْحِ فِيهِمَا وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا جَمَاعَاتٌ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَحَكَى صَاحِبُ مَطَالِعِ الْأَنْوَارِ الضَّمَّ فِيهِمَا وَهُوَ غريب شاذ ضعيف وقد أو ضحت هذا كله مضافا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ.
وَأَمَّا الطَّهَارَةُ فِي إصطلاح الفقهاء فهي رفع حدث أو أزالة نَجَسٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَعَلَى صُورَتِهِمَا: وقولنا في معناهما أردنا به التيمم والاغال الْمَسْنُونَةَ كَالْجُمُعَةِ وَتَجْدِيدِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فِي الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ (٢) أَوْ مَسْحِ الْأُذُنِ وَالْمَضْمَضَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ نَوَافِلِ الطَّهَارَةِ: وَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَسَلَسِ الْبَوْلِ فَهَذِهِ كُلُّهَا طَهَارَاتٌ وَلَا تَرْفَعُ حَدَثًا ولا نجسا وفي المستحاضة والسلس والمتيمم وَجْهٌ ضَعِيفٌ
أَنَّهَا تَرْفَعُ: وَأَمَّا الْمِيَاهُ فَجَمْعُ مَاءٍ وَهُوَ جَمْعُ كَثْرَةٍ وَجَمْعُهُ فِي الْقِلَّةِ أَمْوَاهٌ وَجَمْعُ الْقِلَّةِ عَشَرَةٌ فَمَا دُونَهَا وَالْكَثْرَةُ فَوْقَهَا وَأَصْلُ مَاءٍ مَوَهَ وَهُوَ أَصْلٌ مَرْفُوضٌ وَالْهَمْزَةُ فِي مَاءٍ بَدَلٌ مِنْ الْهَاءِ إبْدَالٌ لازم عند стр. 79
بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ: وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ لُغَةً أُخْرَى فِيهِ أَنْ يُقَالَ مَاهٍ عَلَى الْأَصْلِ وهذا يبطل دعوى لزوم الابدال: وإن ما قال المصنف مياه وأتي يجمع الْكَثْرَةِ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْمَاءِ زَائِدَةٌ عَلَى الْعَشَرَةِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ وَطَهُورٌ وَنَجَسٌ: وَالطَّهُورُ يَنْقَسِمُ إلَى مَاءِ السَّمَاءِ وَمَاءِ الْأَرْضِ: وَمَاءُ السَّمَاءِ يَنْقَسِمُ إلَى مَطَرٍ وَذَوْبِ ثَلْجٍ وَبَرَدٍ: وَمَاءُ الْأَرْضِ إلَى مَاءِ أَنْهَارٍ وَبِحَارٍ وَآبَارٍ وَمُشَمَّسٍ وَمُسَخَّنٍ ومتغير بالمكث وبما لا يمكن ضونه مِنْهُ وَبِالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِهِ: وَيَنْقَسِمُ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ أَقْسَامًا مَعْرُوفَةً: وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ ثُمَّ بَابِ الْمِيَاهِ وَكَذَا فَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ وَكَثِيرُونَ مِنْ الْعُلَمَاءِ لِمُنَاسَبَةٍ حَسَنَةٍ ذَكَرَهَا صاحب التتمة وهو أبو سعيد عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمَأْمُونِ الْمُتَوَلِّي قَالَ بَدَأْنَا بِذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لا إله إلا اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَفِي رِوَايَةٍ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَبَدَأَ ﷺ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِالصَّلَاةِ وَالْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَكَانَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ أَهَمَّ: وَأَمَّا التَّوْحِيدُ فَلَهُ كُتُبٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَهُوَ عِلْمُ الْكَلَامِ وَقَدَّمُوا الصَّوْمَ عَلَى الْحَجِّ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَلِأَنَّهُ أَعَمُّ وُجُوبًا مِنْ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كَثِيرِينَ مِمَّنْ لَا حَجَّ عَلَيْهِ وَيَجِبُ أَيْضًا عَلَى الْفَوْرِ وَيَتَكَرَّرُ وَإِذَا ثَبَتَ تَقْدِيمُ الصَّلَاةِ فَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ مُقَدِّمَاتِهَا وَمِنْهَا الطَّهَارَةُ ثُمَّ مِنْ الطهارة أعمها والاصل فيها وهو الماء وبالله التوفيق قَالَ الْمُصَنِّفُ ﵀ (يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَسِ بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ فَمَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءُ الْمَطَرِ وَذَوْبُ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ)
*
(الشرح) قوله (وينزل) قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ قِرَاءَتَانِ فِي السَّبْعِ: وَالنَّجَسُ بِفَتْحِ الْجِيمِ هُوَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ: وَأَمَّا الْمَاءُ الْمُطْلَقُ فَالصَّحِيحُ فِي حَدِّهِ أَنَّهُ الْعَارِي عَنْ الْإِضَافَةِ اللَّازِمَةِ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ هُوَ مَا كَفَى فِي تَعْرِيفِهِ اسْمُ مَاءٍ وَهَذَا الْحَدُّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ: وَقِيلَ هُوَ الْبَاقِي عَلَى وَصْفِ خِلْقَتِهِ وَغَلَّطُوا قَائِلَهُ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ الْمُتَغَيِّرُ بِمَا يَتَعَذَّرُ صَوْنُهُ عَنْهُ أَوْ بِمُكْثٍ أَوْ تُرَابٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُسْتَعْمَلِ هَلْ هُوَ مُطْلَقٌ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مِنْ الِاسْتِعْمَالِ وَآخَرُونَ مِنْ مُحَقِّقِي
стр. 80
أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُطْلَقٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ الْقَاصِّ فِي التَّلْخِيصِ وَالْقَفَّالُ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ ابْنُ (١) الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ مُنِعَ اسْتِعْمَالُهُ تَعَبُّدًا: قَالَ الْقَفَّالُ وَكَوْنُهُ مُسْتَعْمَلًا لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِطْلَاقِ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ نَعْتٌ كَالْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ وَإِنَّمَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِطْلَاقِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ كَمَاءِ الزَّعْفَرَانِ: وَسُمِّيَ الْمُطْلَقُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إذَا أُطْلِقَ الْمَاءُ انْصَرَفَ إلَيْهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ فَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْكُلَّ مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فسلكه ينابيع في الارض) والجواب من وجهين (أحداهما) الْمُرَادُ بِنَبَعَ مَا نُشَاهِدُهُ يَنْبُعُ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ به فقال وما نبع مَاءُ الْبِحَارُ إلَى آخِرِهِ وَالثَّانِي لَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ كُلَّ الْمَاءِ نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي الْإِثْبَاتِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَا تَعُمُّ وَيُقَالُ نَبَعَ يَنْبُعُ بِفَتْحِ الْبَاءِ فِي الْمُضَارِعِ وَضَمِّهَا وَكَسْرِهَا وَالْمَصْدَرُ نُبُوعٌ أَيْ خَرَجَ: وَذَوْبُ الثَّلْجِ ذَائِبُهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ يُقَالُ ذَابَ ذَوْبًا وَذَوَبَانًا وَأَذَبْتُهُ وَذَوَّبْتُهُ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ذَوْبَ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ لِأَنَّ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا عَلَى حَالِهِمَا تَفْصِيلًا سَنَذْكُرُهُ فِي فَرْعٍ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْآيَةِ لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَهُوَ جَوَازُ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ السَّمَاءِ ظَاهِرٌ وَهَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ: وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْغَالِطِينَ عَلَى الْفُقَهَاءِ بِاسْتِدْلَالِهِمْ بِهَا وَقَالَ مَاءٌ نَكِرَةٌ وَلَا عُمُومَ لَهَا فِي الْإِثْبَاتِ: وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا خَيَالٌ فَاسِدٌ وإنما ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا امْتِنَانًا عَلَيْنَا فَلَوْ لَمْ نَحْمِلْهُ عَلَى الْعُمُومِ لَفَاتَ الْمَطْلُوبُ وَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْعُمُومِ بِالنَّكِرَةِ فِي الْإِثْبَاتِ أَفَادَتْهُ وَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا
إذَا اُسْتُعْمِلَ الثَّلْجُ وَالْبَرَدُ قَبْلَ إذَابَتِهِمَا فَإِنْ كَانَ يَسِيلُ عَلَى الْعُضْوِ لِشِدَّةِ حَرٍّ وَحَرَارَةِ الْجِسْمِ وَرَخَاوَةِ الثَّلْجِ صَحَّ الْوُضُوءُ عَلَى الصَّحِيحِ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ لِحُصُولِ جَرَيَانِ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُسْلًا حَكَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ الْمَاوَرْدِيُّ الْبَصْرِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي وَأَبُو الْفَرَجِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ أَئِمَّتِنَا الْعِرَاقِيِّينَ وَعَزَاهُ الدَّارِمِيُّ إلَى أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: وَإِنْ كَانَ لَا يَسِيلُ لَمْ يَصِحَّ الْغُسْلُ بِلَا خِلَافٍ وَيَصِحُّ مَسْحُ الْمَمْسُوحِ وَهُوَ الرَّأْسُ وَالْخُفُّ وَالْجَبِيرَةُ هَذَا مَذْهَبُنَا وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ جَوَازَ الْوُضُوءِ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَسِلْ ويجزيه في المغسول والممسوح стр. 81
وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ إنْ صَحَّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُسْلًا وَلَا فِي مَعْنَاهُ قَالَ الدَّارِمِيُّ وَلَوْ كَانَ مَعَهُ ثَلْجٌ أَوْ بَرَدٌ لَا يَذُوبُ وَلَا يَجِدُ مَا يُسَخِّنُهُ بِهِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَفِي الْإِعَادَةِ أَوْجُهٌ ثَالِثُهَا يُعِيدُ الْحَاضِرُ دُونَ الْمُسَافِرِ بِنَاءً عَلَى التَّيَمُّمِ لشدة البرد ووجه الاعادة ندور هَذَا الْحَالُ قُلْتُ أَصَحُّهَا (١) الثَّالِثُ (فَرْعٌ)
اسْتَدَلُّوا لِجَوَازِ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْكُتُ بَيْنَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالْقِرَاءَةِ سَكْتَةً يَقُولُ فِيهَا أَشْيَاءَ مِنْهَا اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَفِي رِوَايَةٍ بِمَاءِ الثلج والبرد قال المصنف ﵀
* (وما نبع من الارض ماء البحار وماء الانهار وماء الآبار والاصل فِيهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْبَحْرِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ من بئر بضاعة) (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَهُمَا بَعْضَانِ مِنْ حَدِيثَيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ سَأَلَ سَائِلٌ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُد
وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وغيرهم: قال البخاري في غير صَحِيحِهِ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح وروي الحل ميتتسه وَرُوِيَ الْحَلَالُ وَهُمَا بِمَعْنًى: وَالطَّهُورُ بِفَتْحِ الطَّاء وَمَيْتَتُهُ بِفَتْحِ الْمِيم.
وَاسْمُ السَّائِلِ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ عُبَيْدٌ وَقِيلَ عَبْدٌ: وَأَمَّا قَوْلُ السَّمْعَانِيِّ فِي الْأَنْسَابِ اسْمُهُ الْعَرَكِيُّ فَفِيهِ إيهَامُ أَنَّ العركي اسم علم له وليس كذلك بل الْعَرَكِيُّ وَصْفٌ لَهُ وَهُوَ مَلَّاحُ السَّفِينَةِ
* وَأَمَّا الثَّانِي فَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ قَالَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ.
وَلَحْمُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لا ينجسه شئ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ نَقَلْنَا عَنْهُمْ رِوَايَةَ الْأَوَّلِ: قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وقوله اتتوضأ بتائين مُثَنَّاتَيْنِ مِنْ فَوْقُ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعْنَاهُ تَتَوَضَّأُ أَنْتَ يَا رَسُولَ الله من هذه البئر وتستعمل مائها في وضوءك مع أن حالها ما ذكرناه: стр. 82
وَإِنَّمَا ضَبَطْتُ كَوْنَهُ بِالتَّاءِ لِئَلَّا يُصَحَّفَ فَيُقَالَ أَنَتَوَضَّأُ بِالنُّونِ وَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ صَحَّفَهُ وَاسْتَبْعَدَ كَوْنَ النَّبِيِّ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْهَا وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ وَقَدْ جَاءَ التَّصْرِيحُ بِوُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ وَرَوَاهَا آخَرُونَ غَيْرُهُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ إنَّهُ يُسْتَقَى لَكَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا لُحُومُ الْكِلَابِ وَهَذَا فِي مَعْنَى رِوَايَاتِ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرِهِ الْمُصَرِّحَةِ بِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْهَا وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ
* وَفِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ: وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ مَرَرْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ فَقُلْتُ أَتَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُكْرَهُ من النتن فقال الماء لا ينجه شئ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْطَعُ كُلَّ شَكٍّ وَنِزَاعٍ: وَبُضَاعَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَيُقَالُ بِكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَالضَّمُّ أَشْهُرُ وَلَمْ يَذْكُرْ جَمَاعَةٌ غَيْرَهُ: ثُمَّ قِيلَ
هُوَ اسْمٌ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ وَقِيلَ اسْمٌ لِمَوْضِعِهَا
* وَقَوْلُهُ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَفِي رِوَايَةٍ الْمَحَايِضُ وَمَعْنَاهُ الْخِرَقُ الَّتِي يُمْسَحُ بِهَا دَمُ الْحَيْضِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَطَّابِ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَكُنْ إلْقَاءُ الحيض فِيهَا تَعَمُّدًا مِنْ آدَمِيٍّ بَلْ كَانَتْ الْبِئْرُ فِي حَدُورٍ وَالسُّيُولُ تَكْسَحُ الْأَقْذَارَ مِنْ الْأَفْنِيَةِ وَتُلْقِيهَا فِيهَا وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ لِكَثْرَتِهِ وَكَذَا ذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْمَعْنَى آخَرُونَ: وَقِيلَ كَانَتْ الرِّيحُ تُلْقِي الْحِيَضَ فِيهَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّيْلُ وَالرِّيحُ يُلْقِيَانِ: قَالَ صَاحِبُ الشَّامِلِ وَيَجُوزُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُلْقُونَ ذَلِكَ (فَرْعٌ)
الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ جَوَازُ الطَّهَارَةِ بِمَا نَبَعَ مِنْ الْأَرْضِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا سَأَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبَحْرِ وَمَاءِ زَمْزَمَ (فَرْعٌ)
يُنْكَرُ عَلَى الْمُصَنِّفِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَرُوِيَ بِصِيغَةِ تَمْرِيضٍ مَعَ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا سَبَقَ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفُصُولِ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي حَدِيثٍ صحيح وروى بَلْ يُقَالُ بِصِيَغِ الْجَزْمِ فَيُقَالُ هُنَا وَتَوَضَّأَ النبي
стр. 83
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ ﷺ فَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهَا جَزْمٌ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ: وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ بَعْضَانِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمُقَدِّمَةِ بَيَانُ جَوَازِ اخْتِصَارِ الْحَدِيثِ (فَرْعٌ)
فِي فَوَائِدِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ (إحْدَاهَا) أَنَّهُ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الطَّهَارَةِ ذَكَرَ صَاحِبُ الْحَاوِي عَنْ الْحُمَيْدِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ وَصَاحِبِ الشَّافِعِيِّ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ نِصْفُ عِلْمِ الطَّهَارَةِ (الثَّانِيَةُ) أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهِّرُ وَسَأُفْرِدُ لَهُ فَرْعًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (الثَّالِثَةُ) جَوَازُ الطَّهَارَةِ بِمَاءِ الْبَحْرِ (الرَّابِعَةُ) أَنَّ الْمَاءَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا يَتَعَذَّرُ صَوْنُهُ عَنْهُ طَهُورٌ (الْخَامِسَةُ) جَوَازُ رُكُوبِ الْبَحْرِ مَا لَمْ يَهِجْ وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ (السَّادِسَةُ) أَنَّ مَيْتَاتِ الْبَحْرِ كُلَّهَا حَلَالٌ إلَّا مَا خُصَّ مِنْهَا وَهُوَ الضُّفْدَعُ وَالسَّرَطَانُ (١) وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَفِيهِ خِلَافٌ فِي بَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ (السَّابِعَةُ) أَنَّ الطَّافِيَ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ حَلَالٌ وَهُوَ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا (الثَّامِنَةُ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ وَالْمُفْتِي إذَا سئل عن شئ وَعَلِمَ أَنَّ بِالسَّائِلِ حَاجَةً إلَى أَمْرٍ آخَرَ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ لَمْ يَذْكُرْهُ السَّائِلُ أَنْ يَذْكُرَهُ لَهُ وَيُعْلِمَهُ إيَّاهُ
لِأَنَّهُ سَأَلَ عَنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَأُجِيبَ بِمَائِهِ وَحُكْمِ مَيْتَتِهِ لِأَنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إلَى الطَّعَامِ كَالْمَاءِ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَسَبَبُ هَذَا أَنَّ عِلْمَ طَهَارَةِ الْمَاءِ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ الخاصة والعامة وعلم حل ميتة البحر تخفى فَلَمَّا رَآهُمْ جَهِلُوا أَظْهَرَ الْأَمْرَيْنِ كَانَ أَخْفَاهُمَا أولى: ونظيره حديث المسئ صَلَاتَهُ فَإِنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُعَلِّمَهُ الصَّلَاةَ فَابْتَدَأَ بِتَعْلِيمِهِ الطَّهَارَةَ ثُمَّ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تُفْعَلُ ظَاهِرًا وَالْوُضُوءَ فِي خَفَاءٍ غَالِبًا فَلَمَّا جَهِلَ الْأَظْهَرَ كَانَ الْأَخْفَى أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: (فَرْعٌ)
الطَّهُورُ عِنْدَنَا هُوَ الْمُطَهِّرُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَحَكَاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ: وَحَكَوْا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسُفْيَانَ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ وَابْنِ دَاوُد وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الطَّاهِرُ: وَاحْتَجَّ لَهُمْ بقوله تعالى (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) وَمَعْلُومٌ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى التَّطْهِيرِ مِنْ حَدَثٍ وَلَا نَجَسٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّهُورِ الطَّاهِرُ: وَقَالَ جَرِيرٌ فِي وَصْفِ стр. 84
النِّسَاءِ
* عِذَابُ الثَّنَايَا رِيقُهُنَّ طَهُورُ
* وَالرِّيقُ لَا يُتَطَهَّرُ بِهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ طَاهِرٌ
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ لَفْظَةَ طَهُورٍ حَيْثُ جَاءَتْ فِي الشَّرْعِ الْمُرَادُ بِهَا التَّطْهِيرُ: مِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) فَهَذِهِ مُفَسِّرَةٌ لِلْمُرَادِ بِالْأُولَى: وَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَمَعْلُومٌ أنهم سألوا عن تطهير ماء البحر لاعن طهارته ولولا أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ مِنْ الطَّهُورِ الْمُطَهِّرَ لَمْ يَحْصُلْ الْجَوَابُ: وَقَوْلُهُ ﷺ طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْ مُطَهِّرُهُ: وَقَوْلُهُ ﷺ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ وَالْمُرَادُ مُطَهِّرَةٌ وَبِكَوْنِهَا مُطَهِّرَةً اُخْتُصَّتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ لَا بِكَوْنِهَا طَاهِرَةً.
فَإِنْ قِيلَ يُرَدُّ عَلَيْكُمْ حَدِيثُ الْمَاءُ طَهُورٌ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ مُخَالِفًا وَأَجَابَ أصحابنا عن قوله تعالي (شرابا طهورا) بِأَنَّهُ تَعَالَى وَصَفَهُ بِأَعْلَى الصِّفَاتِ وَهِيَ التَّطْهِيرُ وَكَذَا قَوْلُ جَرِيرٍ حُجَّةٌ لَنَا لِأَنَّهُ قَصَدَ تَفْضِيلَهُنَّ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ فَوَصَفَ رِيقَهُنَّ بِأَنَّهُ مُطَهِّرٌ يُتَطَهَّرُ بِهِ لِكَمَالِهِنَّ وَطِيبِ رِيقِهِنَّ
وَامْتِيَازِهِ على غيره ولا يصح حمله على طاهر فَإِنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ كُلَّ النِّسَاءِ رِيقُهُنَّ طَاهِرٌ بَلْ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَكُلُّ حَيَوَانٍ غَيْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا رِيقُهُ طَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا حَدِيثُ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ لان ماءها كان كثير الا يُغَيِّرُهُ وُقُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهِ: قَالَ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ فِي سُنَنِهِ سَمِعْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ سَأَلْتُ قَيِّمَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَنْ عُمْقِهَا قَالَ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْمَاءُ فِيهَا إلَى الْعَانَةِ قُلْت فَإِذَا نَقَصَ قَالَ دُونَ العورة: قال أبو داود وقدرت بِئْرَ بُضَاعَةَ بِرِدَائِي مَدَدْتُهُ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَرَعْتُهُ فَإِذَا عَرْضُهَا سِتُّ أَذْرُعٍ وَقَالَ لِي الَّذِي فَتَحَ لِي الْبَابَ يَعْنِي بَابَ الْبُسْتَانِ الَّذِي هِيَ فِيهِ لَمْ يُغَيَّرْ بِنَاؤُهَا عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ: قَالَ وَرَأَيْتُ فِيهَا مَاءً مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ.
قَوْلُهُ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ يَعْنِي بِطُولِ الْمُكْثِ وَبِأَصْلِ المنبع لا بشي أَجْنَبِيٍّ وَهَذِهِ صِفَتُهَا فِي زَمَنِ أَبِي دَاوُد ولا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كَانَتْ هَكَذَا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ بِئْرِ بُضَاعَةَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ
стр. 85
خُصَّ مِنْهُ الْمُتَغَيِّرُ بِنَجَاسَةٍ فَإِنَّهُ نَجِسٌ لِلْإِجْمَاعِ وَخُصَّ مِنْهُ أَيْضًا مَا دُونَ قُلَّتَيْنِ إذَا لَاقَتْهُ نَجَاسَةٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَالْمُرَادُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ الَّذِي لم تغيره نجاسة لا ينجسه شئ وَهَذِهِ كَانَتْ صِفَةُ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فرع)
قوله ماء الابآر هو بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ آبَارٌ بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَلَا هَمْزَةَ بَعْدَهَا وَهُوَ جَمْعُ بِئْرٍ جَمْعَ قِلَّةٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا فِي الْقِلَّةِ أَبْؤُرٌ بِإِسْكَانِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَضْمُومَةٌ وَفِي الْكَثْرَةِ بِئَارٌ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَالْبِئْرُ مُؤَنَّثَةٌ مَهْمُوزَةٌ يَجُوزُ تَخْفِيفُهَا بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ يَاءً (فَرْعٌ)
قَالَ الْمُزَنِيّ فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَكُلُّ مَاءٍ مِنْ بَحْرٍ عَذْبٍ أَوْ مَالِحٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ سَمَاءٍ أَوْ ثَلْجٍ أَوْ بَرَدٍ مُسَخَّنٍ وَغَيْرِ مُسَخَّنٍ فَسَوَاءٌ وَالتَّطَهُّرُ بِهِ جَائِزٌ: وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ وَقَالُوا مَالِحٌ خَطَأٌ وَصَوَابُهُ مِلْحٌ قال الله تعالى (وهذا ملح أجاج) .
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَاضَ جَهَالَةٌ مِنْ قَائِلِهِ بَلْ فِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ مَاءٌ مِلْحٌ وَمَالِحٌ وَمَلِيحٌ وَمُلَاحٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ حَكَاهُنَّ الْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ جَمَعْتُ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ وَأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ وَإِنْشَادِ الْعَرَبِ فِيهِ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ.
فَمِنْ الْأَبْيَاتِ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَلَوْ تَفَلَتْ فِي البحر والبحر مالح
* لا صبح مَاءُ الْبَحْرِ مِنْ رِيقِهَا عَذْبًا
وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ حَازِمٍ
* تَلَوَّنْتَ أَلْوَانًا عَلَيَّ كَثِيرَةً
* وَخَالَطَ عَذْبًا مِنْ إخَائِكِ مَالِحٌ فَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ الَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْتَقِدُهُ: وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا جَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا وَالثَّانِي أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ لَيْسَتْ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ لِلْمُزَنِيِّ وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ عَذْبٌ أو أحاج: وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ جِدًّا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُزَنِيَّ ثِقَةٌ وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ ذَكَرَ فِي الْأُمِّ عِبَارَةً أَنْ لَا يَذْكُرَ غَيْرَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَلَا أَنْ لَا يَسْمَعَهَا الْمُزَنِيّ شِفَاهًا وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ يَتَضَمَّنُ تَغْلِيطَ
стр. 86
الْمُزَنِيِّ فِي النَّقْلِ وَنِسْبَتَهُ إلَى اللَّحْنِ وَلَا ضَرُورَةَ بِنَا إلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا: ثُمَّ وَجَدْتُ في رسالة البيهقى إلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا يَنْسِبُونَ الْمُزَنِيَّ فِي هَذَا إلَى الْغَلَطِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَمْ تُوجَدْ لَلشَّافِعِيِّ: قال البيهقي وقد سمي الشافعي البحر ما لحا فِي كِتَابَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي أَمَالِي الْحَجِّ فِي مَسْأَلَةِ كَوْنِ صَيْدِ الْبَحْرِ حَلَالًا لِلْمُحْرِمِ: وَالثَّانِي في المناسك الكبير وبالله التوفيق * قال المصنف ﵀
* (وَلَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا قُصِدَ إلَى تَشْمِيسِهِ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ الْوُضُوءُ بِهِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ لَا يُكْرَهُ كَمَا لَا يُكْرَهُ بِمَاءٍ تَشَمَّسَ فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً بِالشَّمْسِ يَا حُمَيْرَاءُ لَا تَفْعَلِي هذا فانه يورث البرص) (الشَّرْحُ) هَذَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ وَبَيَّنَ ضَعْفَهَا كُلَّهَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا: وَقَدْ رَوَى الشافعي في الامام بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ وَقَالَ إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى تَضْعِيفِهِ وَجَرَّحُوهُ وَبَيَّنُوا أَسْبَابَ الْجَرْحِ إلَّا الشَّافِعِيَّ ﵀ فَإِنَّهُ وَثَّقَهُ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُشَمَّسَ لَا أَصْلَ لِكَرَاهَتِهِ وَلَمْ يَثْبُتْ عن الاطباء فيه شئ فَالصَّوَابُ الْجَزْمُ بِأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الَّذِي حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَضَعَّفَهُ وَكَذَا ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ وَلَيْسَ بِضَعِيفٍ بَلْ هُوَ الصَّوَابُ الْمُوَافِقُ لِلدَّلِيلِ وَلِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِي
الْأُمِّ لَا أَكْرَهُ الْمُشَمَّسَ إلَّا أَنْ يُكْرَهَ مِنْ جِهَةِ الطِّبِّ كَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ: وَكَذَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي كِتَابِهِ مَعْرِفَةُ السُّنَنِ وَالْآثَارِ عَنْ الشَّافِعِيِّ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ إلَّا مِنْ جِهَةِ
стр. 87
الطِّبِّ لِكَرَاهَةِ عُمَرَ لِذَلِكَ وَقَوْلِهِ إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي مُخَالَفَةِ نَصِّهِ فِي الام بل يمكن جمله عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ لَا أَكْرَهُهُ إلَّا مِنْ جهة الطلب إنْ قَالَ أَهْلُ الطِّبِّ إنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ.
فَهَذَا مَا نَعْتَقِدُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَمَا هُوَ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ: وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَأَمَّا الْأَصْحَابُ فَمَجْمُوعُ مَا ذَكَرُوا فِيهِ سَبْعَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا لَا يُكْرَهُ مُطْلَقًا كَمَا سَبَقَ: وَالثَّانِي يُكْرَهُ فِي كُلِّ الْأَوَانِي وَالْبِلَادِ بِشَرْطِ الْقَصْدِ إلَى تَشْمِيسِهِ وَهُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَزَعَمَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ (١) وَالْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ الْبَنْدَنِيجِيُّ مِنْ كِبَارِ الْعِرَاقِيِّينَ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ.
وَالثَّالِثُ يُكْرَهُ مُطْلَقًا وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَصْدُ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ صَاحِبِ الْحَاوِي قَالَ وَمَنْ اعْتَبَرَ الْقَصْدَ فَقَدْ غَلِطَ.
وَالرَّابِعُ يُكْرَهُ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ فِي الْأَوَانِي الْمُنْطَبِعَةِ وَهِيَ الْمُطْرَقَةُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَصْدُ وَلَا تَغْطِيَةُ رَأْسِ الْإِنَاءِ وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَغَلَّطَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْعِرَاقِيِّينَ فِي اشْتِرَاطِ الْقَصْدِ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالْمُنْطَبِعَةِ أَوْجُهٌ أَحَدُهَا جَمِيعُ مَا يُطْرَقُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ: وَالثَّانِي أَنَّهَا النُّحَاسُ خَاصَّةً وَهُوَ قَوْلُ الصيدلاني: والثلث كُلُّ مَا يُطْرَقُ إلَّا الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لِصَفَائِهِمَا وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ.
وَالْخَامِسُ يُكْرَهُ فِي الْمُنْطَبِعَةِ بِشَرْطِ تَغْطِيَةِ رَأْسِ الْإِنَاءِ حَكَاهُ الْبَغَوِيّ وَجَزَمَ بِهِ شَيْخُهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ: وَالسَّادِسُ إنْ قَالَ طَبِيبَانِ يُورِثُ الْبَرَصَ كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفُوهُ وَزَعَمُوا أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهِ وَلَمْ يُقَيَّدْ بِسُؤَالِ الْأَطِبَّاءِ.
وَهَذَا التَّضْعِيفُ غَلَطٌ بَلْ هَذَا الْوَجْهُ هُوَ الصَّوَابُ إنْ لَمْ يُجْزَمْ بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِنَصِّهِ فِي الْأُمِّ لَكِنَّ اشترط طبيبين ضعيف بل يكفى واحد стр. 88
فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ: وَالسَّابِعُ يُكْرَهُ فِي الْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ
فَإِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْأَوْجُهَ السَّابِقَةَ عَامَّةٌ لِلْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الصَّوَابُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْحَاوِي أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَخْتَصُّ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي الْبَدَنِ فِي طَهَارَةِ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ أَوْ تَبَرُّدٍ أَوْ تَنَظُّفٍ أَوْ شُرْبٍ قَالَ وَسَوَاءٌ لَاقَى الْبَدَنَ فِي عِبَادَةٍ أَمْ غَيْرِهَا قَالَ وَلَا كَرَاهَةَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا لَا يُلَاقِي الْبَدَنَ مِنْ غَسْلِ ثَوْبٍ وَإِنَاءٍ وَأَرْضٍ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لِلْبَرَصِ وَهَذَا مُخْتَصٌّ بالجد قَالَ فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي طَعَامٍ وَأَرَادَ أَكْلَهُ فَإِنْ كَانَ مَائِعًا كَالْمَرَقِ كُرِهَ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مَائِعًا كَالْخُبْزِ وَالْأُرْزِ الْمَطْبُوخِ بِهِ لَمْ يُكْرَهْ هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي وَذَكَرَ مِثْلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ وَهُوَ الْإِمَامُ أَبُو الْمَحَاسِنِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ إسْمَاعِيلَ الرُّويَانِيُّ
* وَإِذَا قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فنرد فَفِي زَوَالِهَا أَوْجُهٌ حَكَاهَا الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ ثَالِثُهَا إنْ قَالَ طَبِيبَانِ يُورِثُ الْبَرَصَ كُرِهَ وَإِلَّا فَلَا (١) وَحَيْثُ أَثْبَتْنَا الْكَرَاهَةَ فَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَهَلْ هِيَ شَرْعِيَّةٌ يَتَعَلَّقُ الثَّوَابُ بِتَرْكِهَا وَإِنْ لَمْ يُعَاقَبْ عَلَى فِعْلِهَا أَمْ إرْشَادِيَّةٌ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ فِي فِعْلِهَا ولا تركها فِيهِ وَجْهَانِ ذَكَرَهُمَا الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ: قَالَ وَاخْتَارَ الْغَزَالِيُّ الْإِرْشَادِيَّةَ وَصَرَّحَ الْغَزَالِيُّ بِهِ فِي دَرْسِهِ قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَالْأَظْهَرُ (٢) وَاخْتِيَارُ صَاحِبَيْ الْحَاوِي وَالْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا الشَّرْعِيَّةَ (قُلْتُ) هَذَا الثَّانِي هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْأَصْحَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَوْلُهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂: هَذِهِ عِبَارَةٌ جَيِّدَةٌ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَيُقَالُ فِيهِ رُوِيَ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ
* وَعَائِشَةُ ﵂ تُكَنَّى أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ كُنِّيَتْ بِابْنِ أُخْتِهَا أَسْمَاءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَهِيَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بن مرة ابن كعب بن لؤى بن غالب القرشية التيمية تلتقي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مرة ابن كَعْبٍ وَسَبَقَ بَاقِي نَسَبِهَا فِي نَسَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوَّلَ الْكِتَابِ: وَمَنَاقِبُ عَائِشَةَ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ذَكَرْتُ مِنْهَا جُمْلَةً صَالِحَةً فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقِيلَ تِسْعٍ وَقِيلَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ النَّبِيُّ ﷺ بِكْرًا غَيْرَهَا وَأَقَامَتْ عِنْدَهُ تِسْعَ سِنِينَ وَتُوُفِّيَ وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِ عَشْرَةَ: وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ قَصَدَ إلَى تَشْمِيسِهِ صَحِيحٌ وَزَعَمَ بَعْضُ الْغَالِطِينَ أَنَّهُ لَا يُقَالُ قَصَدَ إلَى كَذَا بَلْ قَصَدَ كَذَا وَهَذَا خَطَأٌ بَلْ يُقَالُ قَصَدْتُهُ وَقَصَدْتُ إلَيْهِ وَقَصَدْتُ لَهُ ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ ابْنُ الْقَطَّاعِ وَغَيْرُهُ: وَمِنْ أَظْرَفِ الْأَشْيَاءِ أَنَّ اللُّغَاتِ الثَّلَاثَ اجْتَمَعَتْ مُتَوَالِيَةً فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ في стр. 89
صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي نَحْوِ سَطْرٍ عَنْ جُنْدُبِ الْبَجَلِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَانَ إذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ وَأَنَّ رجلا من المسلمين قصد غفلته هذا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
* وَأَمَّا قَوْلُهُ كَمَا لَا يُكْرَهُ مَاءٌ تَشَمَّسَ فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ فعدم الكراهة فِي الْبِرَكِ وَالْأَنْهَارِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الصيانة وتأثير الشمس * قال المصنف ﵀
* (فَإِنْ تَطَهَّرَ مِنْهُ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ الضَّرَرِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صحة الوضؤ كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ يَخَافُ مِنْ حَرِّهِ أو برده) (الشَّرْحُ) أَمَّا صِحَّةُ الطَّهَارَةِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ: وَقَوْلُهُ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِخَوْفِ الضَّرَرِ وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّهْيَ لَيْسَ رَاجِعًا إلَى نَفْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ الضَّرَرُ وَإِذَا كَانَ النَّهْيُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ لِأَهْلِ الْأُصُولِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: فَإِنْ قِيلَ لَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْوُضُوءِ لِأَنَّ كَرَاهَةَ التَّنْزِيهِ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ قُلْنَا (١) هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ نَهْيٌ مَانِعٌ مِنْ الصِّحَّةِ سَوَاءٌ كَانَ نَهْيَ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَمْرٍ خَارِجٍ فَلِهَذَا عَلَّلَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّهُ لِأَمْرٍ خَارِجٍ: وَمِمَّا حُكِمَ فِيهِ بالفساد لنهي النزيه الصَّلَاةُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ فَإِنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَلَا تَنْعَقِدُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قوله كَمَا لَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ يَخَافُ مِنْ حَرِّهِ أَوْ بَرْدَهُ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَنَا وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِلضَّرَرِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِيفَاءُ الطَّهَارَةِ عَلَى وَجْهِهَا (فَرْعٌ)
فِي قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَلَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا قُصِدَ إلَى تَشْمِيسِهِ تَصْرِيحٌ بِمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الطَّهَارَةُ بِمَاءِ الْبَحْرِ وَلَا بِمَاءِ زَمْزَمَ وَلَا بِالْمُتَغَيِّرِ بِطُولِ الْمُكْثِ وَلَا بِالْمُسَخَّنِ مَا لَمْ يُخَفْ الضَّرَرُ لِشِدَّةِ حَرَارَتِهِ سَوَاءٌ سُخِّنَ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ: وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ كُلُّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَنَا وَفِي كُلِّهَا خلاف لبعض السلف: فأما ماء стр. 90
الْبَحْرِ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ كَمَذْهَبِنَا: وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وعبد الله بن عمرو بن القاصي ﵁ أَنَّهُمَا كَرِهَا الْوُضُوءَ بِهِ وَحَكَاهُ أَصْحَابُنَا أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارٌ وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرٌ حَتَّى عَدَّ سَبْعَةً وَسَبْعَةً رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِحَدِيثِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَبِحَدِيثِ الْمَاءُ طَهُورٌ: وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ: وَأَمَّا حَدِيثُ تَحْتَ الْبَحْرِ نَارٌ فَضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ وَمِمَّنْ بَيَّنَ ضَعْفَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ: وَأَمَّا زَمْزَمُ فَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ بِهِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِكَرَاهَتِهِ لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْ الْعَبَّاسِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عِنْدَ زَمْزَمَ لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ وَهُوَ لِشَارِبٍ حِلٌّ وَبَلٌّ: وَدَلِيلُنَا النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْمِيَاهِ بِلَا فَرْقٍ وَلَمْ يَزَلْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهُ بِلَا إنْكَارٍ وَلَمْ يَصِحَّ مَا ذَكَرُوهُ عَنْ الْعَبَّاسِ بَلْ حُكِيَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ الْعَبَّاسِ لَمْ يَجُزْ تَرْكُ النُّصُوصِ بِهِ: وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي وَقْتِ ضِيقِ الْمَاءِ لِكَثْرَةِ الشَّارِبِينَ: وَأَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِالْمُكْثِ فَنَقَلَ ابن المنذر الاتفق علي انه لا كراهة فِيهِ إلَّا ابْنُ سِيرِينَ فَكَرِهَهُ: وَدَلِيلُنَا النُّصُوصُ الْمُطْلَقَةُ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ فَأَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِمَا يَتَعَذَّرُ صَوْنُهُ عَنْهُ: وَأَمَّا الْمُسَخَّنُ فالجمهور أنه لا كراهة فيه وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مُجَاهِدٍ كَرَاهَتَهُ: وَعَنْ أَحْمَدَ كَرَاهَةَ الْمُسَخَّنِ بِنَجَاسَةٍ وَلَيْسَ لَهُمْ دَلِيلٌ فِيهِ رُوحٌ: وَدَلِيلُنَا النُّصُوصُ الْمُطْلَقَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ نَهْيٌ (فَرْعٌ)
ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الحجر أرض ثمود فاستقو امن آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ يُهَرِيقُوا مَا استقوا ويعلفوا الابل الصجين وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ ترده النَّاقَةُ: وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ
стр. 91
آبَارِهَا وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا فَقَالُوا قَدْ عجنا منها وأشتقينا فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ
وَيُهَرِيقُوا ذَلِكَ الْمَاءَ قُلْتُ فَاسْتِعْمَالُ مَاءِ هَذِهِ الْآبَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي طَهَارَةٍ وَغَيْرِهَا مَكْرُوهٌ أَوْ حَرَامٌ إلَّا لِضَرُورَةٍ لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي فَيُمْنَعُ اسْتِعْمَالُ آبَارِ الْحِجْرِ إلَّا بِئْرَ النَّاقَةِ وَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا لِأَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلنَّجَاسَةِ وَالْمَاءُ طَهُورٌ بِالْأَصَالَةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَرِدُ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا قُصِدَ إلَى تَشْمِيسِهِ وَكَذَلِكَ يَرِدُ عليه شديد الحرارة والبرودة والله أعلم: قال المصنف ﵀ (وَمَا سِوَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ مِنْ الْمَائِعَاتِ كَالْخَلِّ وماء الورد والنبيذ وما اعتصر من التمر أَوْ الشَّجَرِ لَا يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَلَا إزَالَةُ النَّجَسِ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَلَمْ تَجِدُوا ماء فتيمموا) فَأَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عَلَى مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِغَيْرِهِ ولقوله ﷺ لا سماء بنت أبى بكر رضى الله عنهما فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ فَأَوْجَبَ الْغَسْلَ بِالْمَاءِ فدل على انه لا يجوز يغيره)
* (الشرح) أما حديث اسماء فرواه البخاري ومسلم بِمَعْنَاهُ لَكِنْ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ تَحُتُّهُ ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ: وَفِي رِوَايَةٍ فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ هَذَا لَفْظُهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ وَلَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ لَكِنْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى الْمُصَنِّفِ رِوَايَتَهُ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ وَغَلَّطُوهُ فِيهِ وَلَيْسَ هُوَ بِغَلَطٍ بَلْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ كَمَا ذَكَرْنَا: وَالْمُرَادُ مَتْنُ الْحَدِيثِ وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَوْ اعْتَنَى الْمُصَنِّفُ بِتَحْقِيقِ الْحَدِيثِ وَأَتَى بِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ لَكَانَ أَكْمَلَ لَهُ وَأَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ: وَمَعْنَى حُتِّيهِ حُكِّيهِ وَمَعْنَى اُقْرُصِيهِ قَطِّعِيهِ وَاقْلَعِيهِ بِظُفْرِكِ وَالدَّمُ مُخَفَّفُ الْمِيمِ عَلَى اللُّغَةِ الْفَصِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ وَتُشَدَّدُ الْمِيمُ فِي لغية وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ لَيْسَ بِالْمَفْهُومِ بَلْ أَمْرٌ بِالتَّيَمُّمِ وَالْغُسْلِ بِالْمَاءِ فَمَنْ غَسَلَ بِمَائِعٍ فَقَدْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ: وَأَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ وَإِزَالَةَ النَّجَسِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَهُوَ مَذْهَبُنَا لَا خِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ
стр. 92
جَمَاهِيرُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى
وَأَبِي بَكْرٍ الْأَصَمِّ أَنَّهُ يَجُوزُ رَفْعُ الْحَدَثِ وَإِزَالَةُ النَّجَسِ بِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ إلَّا الدَّمْعَ فَإِنَّ الْأَصَمَّ يُوَافِقُ عَلَى مَنْعِ الْوُضُوءِ بِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ عَلَى شَرْطٍ سَأَذْكُرُهُ فِي فَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ وَأَذْكُرُ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ فِي فَرْعٍ آخَرَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: وَاحْتُجَّ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى بِأَنَّهُ مَائِعٌ طَاهِرٌ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِالْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَبِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَعْدَمُونَ الْمَاءَ فِي أَسْفَارِهِمْ وَمَعَهُمْ الدُّهْنُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَمَا نُقِلَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ مَاءٍ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْمَاءِ فَإِنَّ الْمَاءَ جَمَعَ اللَّطَافَةَ وَعَدَمَ التَّرْكِيبِ مِنْ أَجْزَاءٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ غَيْرُهُ: وَأَمَّا قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ طَهَارَةُ الْحَدَثِ مَخْصُوصَةٌ بالماء بالاجماع فمحصول عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ليلى ان صح عنه وأما الاصل لا يعتد بخلاء: وقد أضحت حَالَ الْأَصَمِّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ: وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْأَشْرَافِ وَكِتَابِ الْإِجْمَاعِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَالشَّجَرِ وَالْعُصْفُرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ وَهَذَا يُوَافِقُ نَقْلَ الْغَزَالِيِّ (فَرْعٌ)
أَمَّا النَّبِيذُ فَلَا يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ عِنْدَنَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ مِنْ عَسَلٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ غَيْرِهَا مَطْبُوخًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَإِنْ نَشَّ وَأَسْكَرَ فَهُوَ نَجَسٌ يَحْرُمُ شُرْبُهُ وَعَلَى شَارِبِهِ الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ يَنِشَّ فَطَاهِرٌ لَا يَحْرُمُ شُرْبُهُ وَلَكِنْ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ والجمهور وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ إحْدَاهُنَّ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ الْمَطْبُوخِ إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَعُدِمَ الْمَاءُ: وَالثَّانِيَةُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ وَبِهِ قَالَ صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحسن: والثالثة يستحب الجمع بينهما: والرابعة أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ جَوَازِ الْوُضُوءِ بِهِ وَقَالَ يَتَيَمَّمُ وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ كَذَا قَالَهُ الْعَبْدَرِيُّ قَالَ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ الْوُضُوءُ بِنَبِيذِ التَّمْرِ مَنْسُوخٌ وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ الْوُضُوءُ بِكُلِّ نَبِيذٍ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الْوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ: وَاحْتُجَّ لِمَنْ جَوَّزَ بِرِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي فَزَارَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ هَلْ فِي إدَاوَتِكَ مَاءٌ قَالَ لَا إلَّا نَبِيذُ تَمْرٍ قَالَ ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ وَتَوَضَّأَ بِهِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ: وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفْعُهُ النَّبِيذُ وُضُوءُ مَنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ: وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا مَوْقُوفَاتٌ وَاحْتَجَّ اصحابنا بالآية فلم تجدوا ماء فتيمموا وَقَدْ سَبَقَ وَجْهُ
стр. 93
التَّمَسُّكِ بِالْآيَةِ فَمَنْ تَوَضَّأَ بِالنَّبِيذِ فَقَدْ تَرَكَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَلَهُمْ أَسْئِلَةٌ ضَعِيفَةٌ عَلَى الْآيَةِ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهَا: وَبِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيِّ فِي سُنَنِهِمْ وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْبَيْعِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الْحَاكِمُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ: وَالِاسْتِدْلَالُ مِنْهُ كَالِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْآيَةِ: وَمِنْ القياس كل شئ لَا يَجُوزُ التَّطَهُّرُ بِهِ حَضَرًا لَمْ يَجُزْ سَفَرًا كَمَاءِ الْوَرْدِ: وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فَلَمْ يَجُزْ مَعَ عَدَمِهِ كَمَاءِ الْبَاقِلَّا: وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَأَشْبَهَ الْخَمْرَ وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ كَالْخَلِّ
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ شُبَهِهِمْ فَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ بِإِجْمَاعِ الْمُحَدِّثِينَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ أبي زيد مولى ابن خريث وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ قَالَ لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ فَقُلْنَا اُسْتُطِيرَ أَوْ اُغْتِيلَ فبتنا بشر ليلة بات يا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إذْ هُوَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ حِرَاءٍ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَقَالَ أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ قَالَ فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَهُ فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَعَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اتِّفَاقِ الْحُفَّاظِ عَلَى تَضْعِيفِ حَدِيثِ النَّبِيذِ بُطْلَانُ احْتِجَاجِهِمْ
* وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا مَعَ هَذَا بِأَرْبَعَةِ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ حَدِيثٌ مُخَالِفٌ الْأُصُولَ فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: وَالثَّانِيَ أَنَّهُمْ شَرَطُوا لِصِحَّةِ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ السَّفَرَ وَإِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي شِعَابِ مَكَّةَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ: الثَّالِثُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ نَبِيذٌ أَيْ مَاءٌ نُبِذَتْ فِيهِ تَمَرَاتٌ لِيَعْذُبَ وَلَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا وَهَذَا تَأْوِيلٌ سَائِغٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ تمرة طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ فَوَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئَيْنِ لَيْسَ النَّبِيذُ وَاحِدًا مِنْهُمَا: فَإِنْ قِيلَ فَابْنُ
مَسْعُودٍ نَفَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ وَأَثْبَتَ النَّبِيذَ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَاءٌ مُعَدٌّ لِلطَّهَارَةِ
стр. 94
وأثبت أن معه ماء نبذ فيه تمر معد اللشرب وَحَمْلُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَتَأْوِيلُ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْلَى من عكسه: الرابع أالنَّبِيذَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ نَقِيعٌ لَا مَطْبُوخٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ لَا تَطْبُخُهُ وَإِنَّمَا تُلْقِي فِيهِ حَبَّاتِ تَمْرٍ حَتَّى يَحْلُوَ فتشر به: وَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَجْوِبَةً كَثِيرَةً غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وفيما ذكرناه كفاية: واما حديث ابن عباس والاثار غيرهما فَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ وَلَوْ صَحَّتْ لَكَانَ عَنْهَا أَجْوِبَةٌ كَثِيرَةٌ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَضْيِيعِ الْوَقْتِ بِذِكْرِهَا بِلَا فَائِدَةٍ: وَلَقَدْ أَحْسَنَ وَأَنْصَفَ الْإِمَامُ أبن جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُنْتَصِرُ لَهُمْ حَيْثُ قَالَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ إنَّمَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إلَى الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ اعْتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا أَصْلَ لَهُ فَلَا معنى لتطويل كتابي بشئ فِيهِ (فَرْعٌ)
قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا تَجُوزُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ إلَّا بِالْمَاءِ فَلَا تَجُوزُ بِخَلٍّ وَلَا بِمَائِعٍ آخَرَ: وَمِمَّنْ نُقِلَ هَذَا عَنْهُ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وزفر واسحق بْنُ رَاهْوَيْهِ وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَدَاوُد يَجُوزُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ بِكُلِّ مَائِعٍ يَسِيلُ إذَا غُسِلَ بِهِ ثُمَّ عُصِرَ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ: وَلَا يَجُوزُ بِدُهْنٍ وَمَرَقٍ: وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ
* وَاحْتُجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رضى الله عنها قالت ما كان لا حدانا إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ فَإِذَا أَصَابَهُ شئ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا فَمَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَصَعَتْهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالصَّادِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ أَذْهَبَتْهُ: وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي فَأَجُرُّهُ عَلَى الْمَكَانِ الْقَذِرِ فَقَالَ ﷺ يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ: وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ:
وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ إذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الْأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: وَالدَّلَالَةُ مِنْ هذين كبى مِمَّا قَبْلَهُمَا: وَذَكَرُوا أَحَادِيثَ لَا دَلَالَةَ فِيهَا كَحَدِيثِ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فاغسلوه وبأى شئ غَسَلَهُ سُمِّيَ غَاسِلًا: قَالُوا وَلِأَنَّهُ مَائِعٌ
стр. 95
طَاهِرٌ فَأَشْبَهَ الْمَاءَ: وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ تَجِبُ إزَالَتُهَا لِلْعِبَادَةِ فَجَازَ بِغَيْرِ الْمَاءِ كَالطِّيبِ عَنْ ثَوْبِ الْمُحْرِمِ وَهَذَا يَعْتَمِدُونَهُ: وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ فَزَالَ بِزَوَالِهَا: وَلِأَنَّ الْمُرَادَ إزَالَةُ الْعَيْنِ وَالْخَلُّ أَبْلَغُ وَلِأَنَّ الْخَمْرَ إذَا انْقَلَبَتْ خَلًّا طَهُرَتْ وَطَهُرَ الدَّنُّ وَمَا طَهُرَ إلَّا بِالْخَلِّ: وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ فَلَا يَتَعَيَّنُ لَهَا الْمَاءُ كَنَجَاسَةِ النَّجْوِ: وَلِأَنَّ الْهِرَّةَ لَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ وَلَغَتْ فِي إنَاءٍ لَمْ تُنَجِّسْهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رِيقَهَا طَهَّرَ فَمَهَا
* وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) فَذَكَرَهُ امْتِنَانًا فَلَوْ حَصَلَ بِغَيْرِهِ لَمْ يَحْصُلْ الِامْتِنَانُ: وَبِحَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمَذْكُورِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ: وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ وَنُقِلَ إزَالَتُهَا بِالْمَاءِ وَلَمْ يَثْبُتْ صَرِيحٌ فِي إزَالَتِهَا بِغَيْرِهِ فَوَجَبَ اخْتِصَاصُهُ إذْ لَوْ جَازَ بِغَيْرِهِ لَبَيَّنَهُ مَرَّةً فَأَكْثَرَ لِيُعْلَمَ جَوَازُهُ كَمَا فَعَلَ فِي غَيْرِهِ: وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلَمْ تَجُزْ بِالْخَلِّ كَالْوُضُوءِ: وَلِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ أَغْلَظُ مِنْ حُكْمِ الْحَدَثِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَنْ الْحَدَثِ دُونَهَا وَلَوْ وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا يَكْفِيهِ لِأَحَدِهِمَا غَسَلَهَا وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي النَّجَاسَةِ نَجَسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا عِنْدَنَا إنْ انْفَصَلَ وَلَمْ يَطْهُرْ الْمَحَلُّ عَلَى الْأَظْهَرِ وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي الْحَدَثِ طَاهِرٌ عِنْدَنَا وَكَذَا عَلَى الْأَصَحِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِذَا لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِغَيْرِ الْمَاءِ فَالنَّجَاسَةُ الَّتِي هِيَ أَغْلَظُ أَوْلَى
* وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَدِلَّتِهِمْ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الدَّمِ الْيَسِيرِ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ بل تصح الصلاة معه ويكون عفو أو لم تُرِدْ عَائِشَةُ غَسْلَهُ وَتَطْهِيرَهُ بِالرِّيقِ وَلِهَذَا لَمْ تَقُلْ كُنَّا نَغْسِلُهُ بِالرِّيقِ وَإِنَّمَا أَرَادَتْ إذْهَابَ صُورَتِهِ لِقُبْحِ مَنْظَرِهِ فَيَبْقَى الْمَحَلُّ نَجِسًا كَمَا كَانَ وَلَكِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِقِلَّتِهِ: وَهَذَا الْجَوَابُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا يَكُونُ مَرْفُوعًا وَإِنْ لَمْ يُضِفْهُ إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّا مَنْ اشْتَرَطَ الْإِضَافَةَ فَلَا يَكُونُ عنده مرفوعا بل يكون موقوفا ويجئ فِيهِ التَّفْصِيلُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ هَلْ انْتَشَرَ أَمْ لَا وَهَلْ هُوَ حُجَّةٌ فِي الْحَالَيْنِ أَمْ لَا
* وَفِي كُلِّ هَذَا خِلَافٌ قَدَّمْنَاهُ وَاضِحًا فِي الْفُصُولِ
السَّابِقَةِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذَا الشَّرْحِ: وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ أُمَّ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ مَجْهُولَةٌ وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَذَرِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ وَمَعْنَى يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ أَنَّهُ إذَا انْجَرَّ عَلَى مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَرْضِ ذَهَبَ مَا عَلِقَ بِهِ مِنْ الْيَابِسِ هَكَذَا أَجَابَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ في تعليقه ويدل علي التَّأْوِيلِ الْإِجْمَاعُ أَنَّهَا لَوْ جَرَّتْ ثَوْبَهَا عَلَى نَجَاسَةٍ رَطْبَةٍ فَأَصَابَتْهُ لَمْ يَطْهُرْ بِالْجَرِّ عَلَى مَكَان طَاهِرٍ وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي هَذَا أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: وَنَقَلَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا التَّأْوِيلَ عَنْ آبَاءِ عَبْدِ اللَّهِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ﵏: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلَنَا في
стр. 96
الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ الْقَدِيمُ أَنَّ مَسْحَ أَسْفَلِ الْخُفِّ الذى لصقت به نجاسة كلف فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ عُفِيَ عَنْهُ وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَافٍ فَعَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْأَذَى الْمَذْكُورَ مَحْمُولٌ عَلَى مُسْتَقْذَرٍ طَاهِرٍ كَمُخَاطٍ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ طَاهِرٌ أَوْ مَشْكُوكٌ فِيهِ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا ضَعِيفَةٍ وَلَوْ صَحَّ لَأُجِيبَ عَنْهُ بِنَحْوِ مَا سَبَقَ: وَأَمَّا حَدِيثُ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فَالْغَسْلُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَسْلِ بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ الْمَعْهُودُ السَّابِقُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يُعْرَفُ الْغَسْلُ فِي اللُّغَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَاءِ فَبَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِخِلَافِ الْمَائِعِ وَلِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِالدُّهْنِ وَالْمَرَقِ: وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الطِّيبِ مَرْدُودٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ إزَالَةَ الطِّيبِ وَغَسْلَهُ لَيْسَ وَاجِبًا بَلْ الْوَاجِبُ إذْهَابُ رَائِحَتِهِ وَإِهْلَاكُهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ طَلَى عَلَيْهِ حين أَوْ غَسَلَهُ بِدُهْنٍ كَفَاهُ: وَالثَّانِي أَنَّ النَّجَاسَةَ بِطَهَارَةِ الْحَدَثِ أَشْبَهُ مِنْ إزَالَةِ الطِّيبِ فَإِلْحَاقُ طَهَارَةٍ بِطَهَارَةٍ أَوْلَى: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الْحُكْمُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ فَزَالَ بِزَوَالِهَا فَلَيْسَ بِلَازِمٍ وَيُنْتَقَضُ بِلَحْمِ الْمَيْتَةِ إذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ فَيُنَجِّسُهُ وَإِذَا زَالَ لَا يَزُولُ التَّنْجِيسُ: وَقَوْلُهُمْ الْخَلُّ أَبْلَغُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِأَنَّ فِي الْمَاءِ لَطَافَةً وَرِقَّةً لَيْسَتْ فِي الْخَلِّ وَغَيْرِهِ وَلَوْ صَحَّ مَا قَالُوهُ لَكَانَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِالْخَلِّ أَفْضَلَ وَأَجْمَعْنَا بِخِلَافِهِ: وَأَمَّا قَوْلُهُمْ الدَّنُّ يَطْهُرُ بِالْخَلِّ فَغَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ يَطْهُرُ تَبَعًا لِلْخَلِّ لِلضَّرُورَةِ وَلَوْ كَانَ الْخَلُّ هُوَ الَّذِي طَهَّرَهُ لَنَجُسَ الْخَلُّ لِأَنَّ الْمَائِعَ إذَا أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ تَنْجُسُ عِنْدَهُمْ: وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُطَهِّرًا لَوَجَبَ أَنْ تَتَقَدَّمَ طَهَارَتُهُ فِي نَفْسِهِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَطْهُرْ الْخَلُّ
لِحُصُولِهِ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ: وَأَمَّا نَجَاسَةُ النَّجْوِ فَإِذَا اسْتَنْجَى بِالْأَحْجَارِ عُفِيَ عَمَّا بَقِيَ لِلضَّرُورَةِ وَهِيَ رُخْصَةٌ وَرَدَ الشَّرْعُ بِهَا وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْمَحَلَّ يبقى نجسا ولهذا لو انعمس فِي مَاءٍ قَلِيلٍ نَجَّسَهُ فَلَمْ تَحْصُلْ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ بِغَيْرِ الْمَاءِ: وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْهِرَّةِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا مَذْكُورَةٍ بَعْدَ هَذَا فَإِنْ قُلْنَا بِطَهَارَةِ مَا وَلَغَتْ فِيهِ فَلَيْسَ هُوَ لِطَهَارَةِ فَمِهَا بِرِيقِهَا بَلْ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا فَعُفِيَ عَنْهَا كَأَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ: وَيَنْبَغِي لِلنَّاظِرِ فِي هَذَا الْكِتَابِ أَنْ لَا يَسْأَمَ مِنْ طُولِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهَا لَا تَطُولُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا بِفَوَائِدَ وَتَمْهِيدِ قَوَاعِدَ وَيَحْصُلُ فِي ضِمْنِ ذِكْرِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَدَلَائِلِهَا وَأَجْوِبَتِهَا فَوَائِدُ مُهِمَّةٌ نَفِيسَةٌ وَتَتَّضِحُ الْمُشْكِلَاتُ وَتَظْهَرُ الْمَذَاهِبُ الْمَرْجُوحَةُ مِنْ الرَّاجِحَةِ وَيَتَدَرَّبُ النَّاظِرُ فِيهَا بِالسُّؤَالِ وَالْجَوَابِ وَيَتَنَقَّحُ ذِهْنُهُ وَيَتَمَيَّزُ عِنْدَ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالْأَلْبَابِ وَيَتَعَرَّفُ الْأَحَادِيثَ
стр. 97
الصَّحِيحَةَ مِنْ الضَّعِيفَةِ وَالدَّلَائِلَ الرَّاجِحَةَ مِنْ الْمَرْجُوحَةِ وَيَقْوَى لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي تُظَنُّ مُتَعَارِضَاتٍ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا إفْرَادُ نَادِرَاتٍ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ (فَرْعٌ)
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أول مختضر الْمُزَنِيِّ وَمَا عَدَا الْمَاءَ مِنْ مَاءِ وَرْدٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ عَرَقٍ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ: وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ضَبْطِ قَوْلِهِ عَرَقٍ فَقِيلَ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَهُوَ عَرَقُ الْحَيَوَانِ: وَقِيلَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ الْمُعْتَصَرُ مِنْ كِرْشِ الْبَعِيرِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي الْأُمِّ: وَقِيلَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ عِرْقُ الشَّجَرِ أَيْ الْمُعْتَصَرُ مِنْهُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَالثَّالِثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ عَطَفَهُ عَلَى الشَّجَرِ وَالثَّانِي فِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّهُ نَجَسٌ لَا يَخْفَى امْتِنَاعُ الطَّهَارَةِ بِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ (فَرْعٌ)
إذَا أَغْلَى مَائِعًا فَارْتَفَعَ مِنْ غَلَيَانِهِ بُخَارٌ تَوَلَّدَ مِنْهُ رَشْحٌ فَلَيْسَ بِطَهُورٍ بِلَا خِلَافٍ كَالْعَرَقِ: وَلَوْ أُغْلِيَ مَاءٌ مُطْلَقًا فَتَوَلَّدَ مِنْهُ الرَّشْحُ قَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِخُرَاسَانَ لَفْظُ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ لِأَنَّهُ عَرَقٌ قَالَ الرُّويَانِيُّ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدِي لِأَنَّ رَشْحَ الْمَاءِ مَاءٌ حَقِيقَةً وَيَنْقُصُ مِنْهُ بِقَدْرِهِ فَهُوَ ماء مطلق فيتطهر به (١) (قلت) الا صح جواز الطهارة به والله أعلم قال المصنف ﵀ (فَإِنْ كَمَّلَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ بِمَائِعٍ بِأَنْ احْتَاجَ فِي طَهَارَتِهِ إلَى خَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَمَعَهُ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ فَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ كَمَاءِ وَرْدٍ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ
لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ كَمُلَ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ وَالْمَائِعِ فَأَشْبَهَ إذَا غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِالْمَاءِ وَبَعْضَهَا بِالْمَائِعِ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا من قال يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَائِعَ اُسْتُهْلِكَ فِي الْمَاءِ فَصَارَ كَمَا لَوْ طُرِحَ ذَلِكَ فِي مَاءٍ يَكْفِيهِ) ثُمَّ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي (إذا اختلط بالماء شئ طَاهِرٌ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لِقِلَّتِهِ لَمْ يَمْنَعْ الطَّهَارَةَ بِهِ لِأَنَّ الْمَاءَ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لِمُوَافَقَتِهِ الْمَاءَ فِي الطَّعْمِ وَاللَّوْنِ وَالرَّائِحَةِ كَمَاءِ وَرْدٍ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا إنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِهِ لِبَقَاءِ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ وان كانت الغلبة للمخالط لَمْ تَجُزْ لِزَوَالِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ وَالثَّانِي إنْ كَانَ ذَلِكَ قَدْرًا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِلْمَاءِ فِي صِفَاتِهِ لَمْ يُغَيِّرْهُ لَمْ يُمْنَعْ وَإِنْ كَانَ قَدْرًا لَوْ كَانَ مُخَالِفًا لَهُ غَيَّرَهُ مُنِعَ لِأَنَّ الْمَاءَ لَمَّا لَمْ يُغَيَّرْ بِنَفْسِهِ اُعْتُبِرَ بِمَا يُغَيِّرُهُ كَمَا تَقُولُ فِي الجنابة الَّتِي لَيْسَ لَهَا أَرْشٌ مُقَدَّرٌ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ اعْتِبَارُهَا بِنَفْسِهَا اُعْتُبِرَتْ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبِيدِ) стр. 98
(الشَّرْحُ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مَعْدُودَةٌ فِي مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ وَهِيَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ ذَكَرُوهَا فِي مشكلاته ووجه الاشكال أن بينها وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فِي أَوَّلِ الْبَابِ الثَّانِي اشْتِبَاهًا كَمَا تَرَاهُ: وَأَجَابُوا بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مُفَرَّعَةٌ عَلَى الثَّانِيَةِ فَكَانَ يَنْبَغِي لَلْمُصَنِّفِ أن يذكر الثانية أو لا: وَحَاصِلُ حُكْمِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَائِعَ الْمُخَالِطَ لِلْمَاءِ إنْ قَلَّ جَازَتْ الطَّهَارَةُ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا: وَبِمَاذَا تُعْرَفُ الْقِلَّةُ وَالْكَثْرَةُ يُنْظَرُ: فَإِنْ خَالَفَهُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ فَالْعِبْرَةُ بِالتَّغَيُّرِ فَإِنْ غَيَّرَهُ فَكَثِيرٌ وَإِلَّا فَقَلِيلٌ وَهَذِهِ هِيَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مِنْ الْبَابِ الثَّانِي وَهَذَا مُتَّفَقٌ (١) عَلَيْهِ: وَإِنْ وافقه في صفاته ففيها تعتبر به القلقة وَالْكَثْرَةُ الْوَجْهَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْكِتَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَصَحُّهُمَا بِتَقْدِيرِهِ مُخَالِفًا فِي صِفَاتِهِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَكَذَا صَحَّحَهُ جُمْهُورُ الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ: وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْبَغَوِيّ وَالرَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ احمد بن فوران الفوراني بضم الفإ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَآخَرُونَ وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ الْوَزْنُ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ وَزْنًا جَازَتْ الطَّهَارَةُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْمَائِعُ أَكْثَرَ أَوْ تَسَاوَيَا فَلَا: وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ وَقَطَعَ بِهِ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو
الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابَيْهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ وَلَوْ خَالَطَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ فَطَرِيقَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ كَالْمَائِعِ فَفِيهِ الْوَجْهَانِ وَبِهَذَا قَطَعَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ: وَالثَّانِي يُعْتَبَرُ الْوَزْنُ قَطْعًا وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو نَصْرٍ عَبْدُ السَّيِّدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ صَاحِبُ الشَّامِلِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الصَّبَّاغِ: ثُمَّ حَيْثُ حَكَمْنَا بِقِلَّةِ الْمَائِعِ إمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يُغَيِّرْ الْمَاءَ مَعَ مُخَالَفَتِهِ وَإِمَّا لِقِلَّةِ وَزْنِهِ عَلَى وَجْهٍ وَإِمَّا لِعَدَمِ تَغَيُّرِهِ بِتَقْدِيرِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى الْأَصَحِّ فَالْوُضُوءُ مِنْهُ جَائِزٌ: وَهَلْ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ كُلِّهِ أَمْ يَجِبُ ترك قدر المائع فيه الو جهان اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْمُصَنِّفُ فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلُ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ وَقَوْلُ غَيْرِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْهُمَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْجَمِيعِ لِمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَدْ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى تَغْلِيطِ أَبِي عَلِيٍّ وَنَقَلَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ تَغْلِيطَهُ وَكَذَا هُوَ فِي كُتُبِهِمْ: وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْأَصْحَابَ أَطْبَقُوا عَلَى تَغْلِيطِهِ وَقَدْ شَذَّ عَنْ الْأَصْحَابِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فَصَحَّحَا قَوْلَ أَبِي عَلِيٍّ: وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ طائفة وافقت стр. 99
أَبَا عَلِيٍّ وَأَنَّ الْجُمْهُورَ خَالَفُوهُ: ثُمَّ ضَابِطُ قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ أَنَّ الْمَاءَ إنْ كَانَ قَدْرًا يَكْفِي لِلطَّهَارَةِ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ سَوَاءٌ اُسْتُعْمِلَ الْجَمِيعُ أَوْ بَقِيَ قَدْرُ الْمَائِعِ: وَإِنْ كَانَ لَا يَكْفِيهَا إلَّا بِالْمَائِعِ وَجَبَ أَنْ يَبْقَى قَدْرُ الْمَائِعِ: فَعَلَى مَذْهَبِهِ لَوْ احْتَاجَ الْجُنُبُ إلَى عَشَرَةِ أَرْطَالٍ وَمَعَهُ تِسْعَةٌ مِنْ الْمَاءِ فَطُرِحَ فِيهِ رِطْلٌ مَائِعٌ وَقُلْنَا الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ فَإِنْ اغْتَسَلَ بِالْجَمِيعِ لَمْ يَصِحَّ وَلَوْ تَوَضَّأَ عَنْ حَدَثٍ بِجَمِيعِهِ جَازَ: قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا الَّذِي قَالَهُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَتَحَكُّمٌ لَا أَصْلَ لَهُ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ طَرْحِهِ فِي كَافٍ وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا رَدَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَمَا لَوْ طُرِحَ ذَلِكَ فِي مَاءٍ يَكْفِيهِ: وَاعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ الْمُصَنِّفِ فِي حِكَايَةِ قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ الطَّبَرِيِّ نَاقِصَةٌ وَمُوهِمَةٌ خِلَافَ الْمُرَادِ فَإِنَّ ظَاهِرَهَا أَنَّهُ يَقُولُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ كَذَلِكَ بَلْ مَذْهَبُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْهُ قَدْرَ الْمَاءِ بِلَا شك وتمام تفصيله علي ما ذكرناه ضَابِطِهِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ فِي حِكَايَتِهِمْ عَنْهُ: وَلَوْ نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا نَقَلَهُ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ
كَانَ أَوْلَى وَأَصْوَبَ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: ثُمَّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ لَا يَكْفِيهِ أَيْ لِوَاجِبِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ مَرَّةً مَرَّةً صَرَّحَ بِهِ الْفُورَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ: قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَوْ كَانَ الْمَاءُ يَكْفِي الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ وَيَقْصُرُ عَنْ الرِّجْلَيْنِ وَخَلَطَهُ بِالْمَائِعِ الْمَذْكُورِ صَحَّ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَفِي الرِّجْلَيْنِ خِلَافُ أَبِي عَلِيٍّ وَالْجُمْهُورِ: فَلَوْ كَانَ كَافِيًا وُضُوءَهُ فَقَطْ صَحَّ الْوُضُوءُ به فان فضل شئ فَفِي اسْتِعْمَالِهِ فِي طَهَارَةٍ أُخْرَى الْخِلَافُ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا أَنَّهُ يَجِبُ تَبْقِيَةُ قَدْرِ الْمَائِعِ وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَافِيًا وَهَذَا غَرِيبٌ: وَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ وَهُوَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْجَمِيعِ فَكَانَ الْمَاءُ لَا يَكْفِي وَمَعَهُ مَائِعٌ يُكْمِلُهُ لَزِمَهُ التَّكْمِيلُ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ فَرْعٌ حَسَنٌ: وَصُورَتُهُ أَنْ لَا يَزِيدَ ثَمَنُ الْمَائِعِ عَلَى ثَمَنِ الْمَاءِ فَإِنْ زَادَ لَمْ يَجِبْ كَمَا لَا يَجِبُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوقِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ أَبِي عَلِيٍّ لَوْ كَانَ مَعَهُ مَاءٌ كَافٍ لِوُضُوءَيْنِ إلَّا عُضْوًا فَكَمَّلَهُ بِمَائِعٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِالْوُضُوءَيْنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إذَا نَقَصَ عَنْ
стр. 100
أَعْضَائِهِ مَرَّةً فَكَمَّلَهُ بِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ اسْتِعْمَالُ مَائِعٍ فِي طَهَارَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهُنَا تَيَقُّنُهُ فِي إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ فِي الْمَائِعِ الْمُخَالِطِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِتَقْدِيرِهِ بِغَيْرِهِ فَالْمُعْتَبَرُ أَوْسَطُ الصِّفَاتِ وَأَوْسَطُ الْمُخَالَفَاتِ لَا أَعْلَاهَا وَلَا أَدْنَاهَا وَهَذَا مُتَّفَقُ عَلَيْهِ إلَّا الرُّويَانِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ يُعْتَبَرُ بِمَا هُوَ أَشْبَهُ بِالْمُخَالِطِ: وَأَمَّا إذَا وَقَعَ فِي قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا مَائِعٌ نَجِسٌ يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي صِفَاتِهِ كَبَوْلٍ انْقَطَعَتْ رَائِحَتُهُ فَيُعْتَبَرُ بِتَقْدِيرِهِ مُخَالِفًا بِلَا خلاف ولا يجئ فِيهِ الْوَجْهُ الْقَائِلُ بِاعْتِبَارِ الْوَزْنِ: وَيُعْتَبَرُ أَغْلَظُ الصِّفَاتِ وَأَشَدُّ الْمُخَالَفَاتِ هُنَا بِلَا خِلَافٍ لِغِلَظِ أَمْرِ النَّجَاسَةِ هَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ (فَرْعٌ)
أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ الْمَذْكُورُ اسْمُهُ الْحَسَنُ بْنُ الْقَاسِمِ الطَّبَرِيُّ نِسْبَةً إلَى طَبَرِسْتَانَ وَكَذَا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مَنْسُوبٌ إلَى طَبَرِسْتَانَ: وَتَفَقَّهَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ عَلَى ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْهَا الْإِفْصَاحُ وَهُوَ كِتَابٌ نَفِيسٌ وَصَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْجَدَلِ: قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي طَبَقَاتِهِ وَصَنَّفَ الْمُحَرَّرَ فِي النَّظَرِ وَهُوَ أَوَّلُ مُصَنَّفٍ فِي الْخِلَافِ الْمُجَرَّدِ: وَدَرَسَ بِبَغْدَادَ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ﵀ وبالله التوفيق
* قال المصنف ﵀
بَابُ (مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مِنْ الطَّاهِرَاتِ وَمَا لا يفسده)
(إذا اختلط بالماء شئ طَاهِرٌ إلَى قَوْلِهِ اُعْتُبِرَ بِالْجِنَايَةِ عَلَى الْعَبِيدِ) (١) (الشَّرْحُ) هَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ تَقَدَّمَتَا فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ بِشَرْحِهِمَا الْمُسْتَوْفَى قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْفَسَادُ ضد الاستقامة وفسد الشئ بفتح السين وضمها يفسد فسادا وفسودا
* قال المصنف ﵀ (وان تغير أحد اوصافه من طعم أولون أَوْ رَائِحَةٍ نَظَرْتَ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ حِفْظُ الْمَاءِ مِنْهُ كَالطُّحْلُبِ وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ الْمِلْحِ وَالنُّورَةِ وَغَيْرِهِمَا جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْنُ الْمَاءِ مِنْهُ فَعُفِيَ عَنْهُ كَمَا عُفِيَ عَنْ النَّجَاسَةِ الْيَسِيرَةِ وَالْعَمَلِ الْقَلِيلِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ حِفْظُهُ مِنْهُ نَظَرْتُ فَإِنْ كَانَ مِلْحًا انْعَقَدَ مِنْ الْمَاءِ لَمْ يَمْنَعْ الطَّهَارَةَ بِهِ لِأَنَّهُ كَانَ مَاءً فِي الْأَصْلِ فَهُوَ كالثلج إذا ذاب فيه وان стр. 101
كَانَ تُرَابًا طُرِحَ فِيهِ لَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي التَّطْهِيرِ فَهُوَ كَمَا لَوْ طُرِحَ فِيهِ مَاءٌ آخَرُ فَتَغَيَّرَ بِهِ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا سِوَى ذَلِكَ كَالزَّعْفَرَانِ وَالتَّمْرِ وَالدَّقِيقِ وَالْمِلْحِ الْجَبَلِيِّ وَالطُّحْلُبِ إذَا أُخِذَ وَدُقَّ وَطُرِحَ فيه وغير ذلك مما يستغنى الماء عنه لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ لِأَنَّهُ زَالَ عَنْهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَاءِ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ والماء مستغني عَنْهُ فَلَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ كَمَاءِ اللَّحْمِ والباقلاء)
* (الشَّرْحُ) أَمَّا قَوْلُهُ أَوَّلًا إذَا تَغَيَّرَ بِمَا لَا يُمْكِنُ حِفْظُهُ مِنْهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فَمُجْمَعٌ عَلَيْهِ (١) وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ تَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ: وَلَوْ قَالَ جَازَتْ الطَّهَارَةُ لَكَانَ أَعَمَّ وَأَحْسَنَ وَلَكِنْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الطَّهَارَةِ فِي هَذَا وَأَنَّ مَا لَا يَمْنَعُ الْوُضُوءَ مِنْ هَذَا لَا يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْهَا: وَأَمَّا قَوْلُهُ إنْ كَانَ مِلْحًا انْعَقَدَ مِنْ الْمَاءِ لَمْ يَمْنَعْ الطَّهَارَةَ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ فِي الْمِلْحِ الجبلى أنه يسلب الطهور به فهذا أحد اوجه ثلاثة لا صحابنا الْخُرَاسَانِيِّينَ وَهُوَ أَصَحُّهَا عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ الْعِرَاقِيِّينَ: وَالثَّانِي يَسْلُبَانِ: وَالثَّالِثُ لَا يَسْلُبَانِ وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي الْمَائِيِّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالدَّارِمِيُّ: وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ فِي الْجَبَلِيِّ الْفُورَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَنَقَلَ الْفُورَانِيُّ أَنَّ اخْتِيَارَ الْقَفَّالِ لَا يَسْلُبَانِ: وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا لِأَنِّي رَأَيْتُ بَعْضَ الْكِبَارِ يُنْكِرُ الْخِلَافَ فِي الْجَبَلِيِّ وَيَنْسِبُ الْغَزَالِيَّ إلَى التَّفَرُّدِ بِهِ وَكَأَنَّهُ
اغْتَرَّ بِقَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ الْجَبَلِيُّ يَقْطَعُ بِأَنْ يَسْلُبَ وَمَنْ ظَنَّ فِيهِ خِلَافًا فَهُوَ غَالِطٌ: وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ تُرَابًا طُرِحَ فِيهِ قَصْدًا (٢) لَمْ يُؤَثِّرْ فَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ جماهير العراقيين وصححه الخراسانيون وذكروا وجها آخر أَنَّهُ يَسْلُبُ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ قَوْلًا: وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي التُّرَابِ لِأَنَّهُ يُوَافِقُ الْمَاءَ فِي التَّطْهِيرِ فَكَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَقَالَ هَذَا مِنْ رَكِيكِ الْكَلَامِ وَإِنْ ذَكَرَهُ طَوَائِفُ فَإِنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَإِنَّمَا عُلِّقَتْ بِهِ إبَاحَةٌ بِسَبَبِ ضَرُورَةٍ وَهَذَا الْإِنْكَارُ بَاطِلٌ بَلْ الصَّوَابُ تَسْمِيَتُهُ طَهُورًا: قَالَ الله تعالى (ولكن يريد ليطهركم) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وطهورا وفي رواية стр. 102
" وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا " وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا الْحَدِيثِ: وَمَذْهَبُنَا أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهِّرُ فَثَبَتَ أَنَّ التُّرَابَ مُطَهِّرٌ وَإِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْحَدَثَ وَإِطْلَاقُ اسْمِ التَّطْهِيرِ وَالطَّهُورِ عَلَى التُّرَابِ فِي السُّنَّةِ وَكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ (١) : وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالطُّحْلُبُ إذَا أُخِذَ وَدُقَّ وَطُرِحَ فِيهِ فَإِنَّمَا قَالَ وَدُقَّ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُدَقَّ فَهُوَ مُجَاوِرٌ لَا مُخَالِطٌ: وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا دُقَّ يَسْلُبُ هُوَ الْمَذْهَبُ وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهُ لَا يَسْلُبُ قَالَا وَهُوَ غَلَطٌ: وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ أَبُو الْخَيْرِ يَحْيَى بْنُ سَالِمٍ وَغَيْرُهُ فِي الطُّحْلُبِ الْمَدْقُوقِ وَوَرَقِ الْأَشْجَارِ الْمَدْقُوقِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا أَبُو عَلِيٍّ فِي الْإِفْصَاحِ وَالشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: وَقَالَ الْبَغَوِيّ الزِّرْنِيخُ وَالنُّورَةُ وَالْحَجَرُ الْمَسْحُوقُ وَالطُّحْلُبُ وَالْعُشْبُ الْمَدْقُوقُ إذَا طُرِحَ فِي الْمَاءِ هَلْ يَسْلُبُ فيه وجهان الصحيح نعم لا مكان الِاحْتِرَازِ عَنْهُ: وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْ أَصْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَهَذَا النَّصُّ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ مِنْ النَّصِّ مَا سَبَقَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ زَالَ عَنْهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَاءِ فَاحْتِرَازٌ مِمَّا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهِ لِقِلَّتِهِ: وَقَوْلُهُ بِمُخَالَطَةِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ: وَقَوْلُهُ مَا لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ احْتِرَازٌ مِنْ التُّرَابِ: وَقَوْلُهُ وَالْمَاءُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ احْتِرَازٌ مِمَّا يَجْرِي عَلَيْهِ كَالنُّورَةِ وَنَحْوِهَا: وَقَوْلُهُ كَمَاءِ اللَّحْمِ وَالْبَاقِلَّاءِ يَعْنِي مَرَقَهُمَا: وَإِنَّمَا
قَاسَ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُخَالِفُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَيُوَافِقُ عَلَيْهِمَا: وَأَمَّا قَوْلُهُ تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ مِنْ طَعْمٍ أَوْ رَائِحَةٍ أَوْ لَوْنٍ وَجَعْلُهُ أَحَدَ الْأَوْصَافِ سَالِبًا فَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ فِي الطُّرُقِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَالْأُمِّ كَذَلِكَ رَأَيْتُهُ فِيهِمَا: وَحَكَى الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَسْلُبُ إلَّا تَغَيُّرُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ نَصٌّ غَرِيبٌ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ أَنَّ صَاحِبَ جَمْعِ الْجَوَامِعِ حَكَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَاخْتِيَارُ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ أَحَدَ الْأَوْصَافِ يَسْلُبُ: وَالثَّانِي وَهُوَ رِوَايَةُ الرَّبِيعِ أَنَّ اللون وحده يسلب والطعمم مَعَ الرَّائِحَةِ يَسْلُبُ فَإِنْ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا فَلَا وَهَذَا أَيْضًا غَرِيبٌ ضَعِيفٌ: وَأَمَّا صِفَةُ التَّغَيُّرِ فَإِنْ كَانَ تَغَيُّرًا كَثِيرًا سَلَبَ قَطْعًا: وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا بِأَنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلُ زَعْفَرَانٍ فَاصْفَرَّ قَلِيلًا أَوْ صَابُونٌ أَوْ دَقِيقٌ فَابْيَضَّ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُضَافُ إلَيْهِ فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ منهما انه طهور لبقاء الاسم هكذا صححه الخراسانيون وهو المختار: стр. 103
وَالثَّانِي لَيْسَ بِطَهُورٍ نَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْقَفَّالُ: وَوَجْهُهُ الْقِيَاسُ عَلَى النَّجَاسَةِ فَلَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ التَّغَيُّرِ الْكَثِيرِ وَالْيَسِيرِ: ويجاب عن هذا للمذهب الْمُخْتَارِ بِأَنَّ بَابَ النَّجَاسَةِ أَغْلَظُ
* وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَالطُّحْلُبُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ: وَالنُّورَةُ بِضَمِّ النُّونِ حِجَارَةٌ رَخْوَةٌ فِيهَا خُطُوطٌ بِيضٌ يَجْرِي عَلَيْهَا الْمَاءُ فَتُنْحَلُ: وَفِي الْبَاقِلَّاءِ لُغَتَانِ إحْدَاهُمَا تَشْدِيدُ اللَّامِ مَعَ الْقَصْرِ وَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ وَالثَّانِيَةُ تَخْفِيفُ اللَّامِ مَعَ المد ويكتب بالالف وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَنْعِ الطَّهَارَةِ بِالْمُتَغَيِّرِ بِمُخَالَطَةِ مَا لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ وَالْمَاءُ يَسْتَغْنِي عَنْهُ هُوَ مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَدَاوُد وَكَذَا أَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بِالْمُتَغَيِّرِ بِالزَّعْفَرَانِ وَكُلِّ طَاهِرٍ سَوَاءٌ قَلَّ التَّغَيُّرُ أَوْ كَثُرَ بِشَرْطِ كَوْنِهِ يَجْرِي لَا ثَخِينًا إلَّا مَرَقَةَ اللَّحْمِ وَمَرَقَةَ الْبَاقِلَّاءِ وَلِهَذَا رَدَّ الْمُصَنِّفُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ كَمَاءِ اللَّحْمِ وَالْبَاقِلَّاءِ وَهَذِهِ عَادَةُ الْمُصَنِّفِ يُشِيرُ إلَى إلْزَامِ الْمُخَالِفِ بِمَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ فَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا وَضَعِيفٌ: واحتج لابي حنيفة بالقياس على الطلحب وَشَبَهِهِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِالْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ
وَاعْتَمَدُوهُ فَإِنْ قَالُوا إنَّمَا لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِمَاءِ الْبَاقِلَّاءِ لِأَنَّهُ صَارَ أُدْمًا: فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَا تَأْثِيرَ لِكَوْنِهِ أُدْمًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَوْ طُبِخَ فِيهِ حَنْظَلٌ وَغَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ التَّطَهُّرُ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَصِرْ أُدْمًا فَدَلَّ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْأُدْمِيَّةِ وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِزَوَالِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي مَاءِ الزَّعْفَرَانِ فَإِنَّهُ صَارَ صِبْغًا وَطِيبًا وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ مَسُّهُ وَيَلْزَمُهُ بِهِ الْفِدْيَةُ: وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الطُّحْلُبِ فَضَعِيفٌ لِأَنَّ الطُّحْلُبَ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
قَالَ أَصْحَابُنَا صَاحِبُ الْحَاوِي وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ فِي مُخَالَطَةِ الطَّاهِرِ لِلْمَاءِ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَالْحُكْمُ فِي كُلِّ ذلك وَاحِدٌ عَلَى مَا سَبَقَ (فَرْعٌ)
قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنْ اعْتَرَضَ مُتَكَلِّفٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ عَلَى الْفُقَهَاءِ فِي فَرْقِهِمْ بَيْنَ الْمُجَاوَرَةِ وَالْمُخَالَطَةِ فَزَعَمَ أَنَّ الزَّعْفَرَانَ مُلَاقَاتُهُ أَيْضًا مُجَاوَرَةٌ فَإِنَّ تَدَاخُلَ الْأَجْرَامِ مُحَالٌ قُلْنَا لَهُ مَدَارِكُ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ لَا تُؤْخَذُ مِنْ هَذِهِ الْمَآخِذِ بَلْ تُؤْخَذُ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ أَفْهَامُ النَّاسِ لَا سِيَّمَا فِيمَا بُنِيَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَعْنًى وَلَا شَكَّ أَنَّ أَرْبَابَ اللِّسَانِ لُغَةً وَشَرْعًا قَسَّمُوا التَّغَيُّرَ إلَى مُجَاوَرَةٍ وَمُخَالَطَةٍ وَإِنْ كَانَ مَا يُسَمَّى مُخَالَطَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ مُجَاوَرَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَالنَّظَرُ إلَى تَصَرُّفِ
стр. 104
اللِّسَانِ (فَرْعٌ)
حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَ مَاءً مُتَغَيِّرًا بِزَعْفَرَانٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ وَكَّلَ مَنْ يَشْتَرِي لَهُ مَاءً فَاشْتَرَاهُ لَمْ يَقَعْ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَقَعُ عليه عند الاطلاق ذكره صاحب البيان: قال المصنف ﵀
* (وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا يَخْتَلِطُ بِهِ فغير رائحته كالدهن الطيب وَالْعُودِ فَفِيهِ قَوْلَانِ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ كَالْمُتَغَيِّرِ بِزَعْفَرَانٍ وَرَوَى الْمُزَنِيّ انه يجوز لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ عَنْ مُجَاوَرَةٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ: وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلُ كَافُورٍ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ رائحته فو جهان أَحَدُهُمَا لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِالزَّعْفَرَانِ وَالثَّانِي يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِطُ به وانما يتغير من جهة المجاورة (الشَّرْحُ) هَذَانِ الْقَوْلَانِ مَشْهُورَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا بِاتِّفَاقِ الْأَصْحَابِ رِوَايَةُ الْمُزَنِيِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الطَّهَارَةُ بِهِ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ كِبَارِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي كُتُبِهِ الْمَجْمُوعِ وَالتَّجْرِيدِ وَالْمُقْنِعِ وَأَبُو عَلِيٍّ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ ابراهيم بن
نصر المقدسي الزاهد في كتابيه التهذيب والانتخاب الدمشقي وَغَيْرُهُمْ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَفَّالِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي الْفُرُوقِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْفُورَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَالْأَصَحُّ مِنْ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الْجَوَازُ أَيْضًا: وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى مَسْأَلَةَ الْقَوْلَيْنِ لَا فَرْقَ فِيهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّغَيُّرُ بِطَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ رائحة هذا هو الصوب وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ عِنْدِي أَنَّ التَّغَيُّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالرَّائِحَةِ لِأَنَّ تَغَيُّرَ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا بِانْفِصَالِ أَجْزَاءٍ وَاخْتِلَاطِهَا وَالرَّائِحَةُ تَحْصُلُ بِدُونِ ذَلِكَ وَلِهَذَا تَتَغَيَّرُ رَائِحَتُهُ بِمَا عَلَى طَرَفِ الماء لا طمعه وَلَوْنُهُ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ لَا نَعْرِفُهُ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ إلَّا مَا سَأَذْكُرُهُ عَنْ الْمَاوَرْدِيُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَفْهُومِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَإِطْلَاقِهِمْ الْمُقْتَضِي عَدَمَ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ بَلْ هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ شَيْخُ الْأَصْحَابِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَصَاحِبُهُ الْمَحَامِلِيُّ: وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ فِي بَابِ الْمَاءِ الَّذِي يَنْجُسُ وَاَلَّذِي لَا يَنْجُسُ وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ مَا لَا يَخْتَلِطُ كَالْعُودِ الصُّلْبِ وَالْعَنْبَرِ أَوْ الدُّهْنِ الطَّيِّبِ فَإِنَّهُ لَا يَخْتَلِطُ وَلَكِنْ لَوْ غَيَّرَ بَعْضَ أَوْصَافِهِ فَهُوَ مُطَهِّرٌ: وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلٌ لَا يَخْتَلِطُ بِهِ كَعُودٍ وَعَنْبَرٍ وَدُهْنٍ فَلَا بَأْسَ قَالَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُغَيِّرَ أَوْصَافَ الْمَاءِ أَوْ لَا يُغَيِّرَهُ فَهَذَا
стр. 105
لَفْظُهُمَا: وَقَوْلُهُمَا أَحَدُ أَوْصَافِهِ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ فالصواب ان لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَوْصَافِ: وَقَوْلُهُ كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ بِجِيفَةٍ بِقُرْبِهِ يَعْنِي جِيفَةً مُلْقَاةً خَارِجَ الْمَاءِ قَرِيبَةً مِنْهُ وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا تَضُرُّ الْجِيفَةُ قَطْعًا بَلْ الْمَاءُ طَهُورٌ بِلَا خِلَافٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ وَإِنْ وَقَعَ فِيهِ قَلِيلُ كَافُورٍ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ رَائِحَتُهُ فَوَجْهَانِ فَقَدْ اضْطَرَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي تَصْوِيرِهَا وَمِمَّنْ نَقَّحَهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ مَنْ فَسَّرَ الْكَافُورَ هُنَا بِالصُّلْبِ فَقَدْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لِقَوْلِهِ قَلِيلُ فَائِدَةٍ وَلَا مَعْنًى وَلِأَنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ هِيَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى بِعَيْنِهَا: وَالصَّوَابُ أَنَّ صُورَتَهُ أَنْ يَكُونَ رَخْوًا لَكِنَّهُ قَلِيلٌ بِحَيْثُ لَا يَظْهَرُ فِي أَقْطَارِ الْمَاءِ لِقِلَّتِهِ بَلْ يُسْتَهْلَكُ فِي مَوْضِعِ وُقُوعِهِ: فَإِذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَةُ الْجَمِيعِ علم انه تغير بالمجاورة فيجئ فِيهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ مَسْأَلَةِ الْقَوْلَيْنِ
* فَإِنْ قِيلَ فَالْمُغَيِّرُ لَمْ يُجَاوِرْ الْجَمِيعَ فَكَيْفَ يُقَالُ تَغَيَّرَ الْجَمِيعُ بِالْمُجَاوَرَةِ قُلْنَا لَا تعتبر في المغير بمجاوره مُجَاوَرَتُهُ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ هُوَ الخالط بَلْ يَكْفِي مُجَاوَرَةُ بَعْضِهِ كَمَا
فِي الدُّهْنِ وَالْعُودِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُخَالِطِ وَالْمُجَاوِرِ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَمْرٍو: وَكَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِي كِتَابَيْهِ الْبَيَانِ وَمُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يَخْتَلِطُ أَجْزَاؤُهُ بِالْيَسِيرِ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ بِهِ رَائِحَةُ جَمِيعِ الْمَاءِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْفُورَانِيُّ فَقَالَ فِي الْإِبَانَةِ الْيَسِيرُ مِنْ الْكَافُورِ الَّذِي يَخْتَلِطُ بِالْمَاءِ وَيَذُوبُ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمَاءِ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ وَتَرَوَّحَ بِهِ فِيهِ وَجْهَانِ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْقِيقِ صُورَةِ الْكِتَابِ: وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لِلْكَافُورِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: حَالٌ يُعْلَمُ انْحِلَالُهُ فِي الْمَاءِ فَيَسْلُبُ لِأَنَّهُ مُخَالِطٌ: وَحَالٌ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَنْحَلَّ فَلَا يَسْلُبُ لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ: وَحَالٌ يُشَكُّ فَإِنْ تَغَيَّرَ بِطَعْمٍ أَوْ لَوْنٍ يَسْلُبُ وَإِنْ تَغَيَّرَ بِرَائِحَةٍ فَوَجْهَانِ هَذَا كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ: وَقَوْلُهُ فِي الْحَالِ الْأَوَّلِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى كَافُورٍ كَثِيرٍ لِيُوَافِقَ مَا سَبَقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
هَذَا أَوَّلُ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ الْبُوَيْطِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَهُمَا أَجَلُّ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵏ فَأَمَّا الْبُوَيْطِيُّ بِضَمِّ الْبَاءِ فَمَنْسُوبٌ إلَى بُوَيْطٍ قَرْيَةٍ مِنْ صَعِيدِ مِصْرَ الادني: وهو أبو يعقوب يوسف ابن يَحْيَى أَكْبَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمِصْرِيِّينَ وَخَلِيفَتُهُ فِي حَلْقَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ: أَوْصَى الشَّافِعِيُّ أَنْ يَجْلِسَ فِي حَلْقَتِهِ الْبُوَيْطِيُّ وَقَالَ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَقَّ بِمَجْلِسِي مِنْ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي أَعْلَمَ مِنْهُ: وَدَامَ فِي حَلْقَةِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنْ جَرَتْ فِتْنَةُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَحَمَلُوهُ إلَى بَغْدَادَ مُقَيَّدًا لِيَقُولَ بِخَلْقِهِ فأبي وصبر محتسبا لله تعالى وحسبوه وَدَامَ فِي الْحَبْسِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ
стр. 106
فِيهِ وَجَرَى لَهُ فِي السِّجْنِ أَشْيَاءُ عَجِيبَةٌ وَكَانَ الْبُوَيْطِيُّ ﵁ طَوِيلَ الصَّلَاةِ وَيَخْتِمُ الْقُرْآنَ كُلَّ يَوْمٍ: قَالَ الرَّبِيعُ مَا رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ بَعْدَ مَا فَطِنْتُ لَهُ إلَّا رَأَيْتُ شَفَتَيْهِ يَتَحَرَّكَانِ بِذِكْرٍ أَوْ قِرَاءَةٍ قَالَ وَكَانَ لَهُ مِنْ الشَّافِعِيِّ مَنْزِلَةٌ وَكَانَ الرَّجُلُ رُبَّمَا سَأَلَ الشَّافِعِيَّ مَسْأَلَةً فَيَقُولُ سَلْ أَبَا يَعْقُوبَ فَإِذَا أَجَابَهُ أَخْبَرَهُ فَيَقُولُ هُوَ كَمَا قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْزَعَ بِحُجَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْبُوَيْطِيِّ وَرُبَّمَا جَاءَ إلَى الشَّافِعِيِّ رَسُولُ صَاحِبِ الشُّرْطَةِ فَيُوَجِّهُ الشَّافِعِيُّ الْبُوَيْطِيَّ: وَيَقُولُ هَذَا لِسَانِي: وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ أَبِي الْجَارُودِ كَانَ الْبُوَيْطِيُّ جَارِي وَمَا انْتَبَهْتُ سَاعَةً مِنْ اللَّيْلِ إلَّا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وَيُصَلِّي: وَكَانَ الشَّافِعِيُّ قَالَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْتَ يَا فُلَانُ يَجْرِي لَكَ كَذَا وَأَنْتَ كَذَا وَقَالَ لِلْبُوَيْطِيِّ سَتَمُوتُ فِي حَدِيدِكَ فَكَانَ كَمَا تَفَرَّسَ جَرَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا ذَكَرَهُ وَدُعِيَ الْبُوَيْطِيُّ
إلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فَأَبَى فَقُيِّدَ وَحُمِلَ إلَى بَغْدَادَ: قَالَ الرَّبِيعُ رَأَيْتُ الْبُوَيْطِيَّ وَفِي رِجْلَيْهِ أَرْبَعُ حِلَقٍ قُيُودٍ فِيهَا أَرْبَعُونَ رَطْلًا وَفِي عُنُقِهِ غُلٌّ مَشْدُودٌ إلَى يَدِهِ: وَتُوُفِّيَ فِي السِّجْنِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ ﵀
* وَأَمَّا الْمُزَنِيّ فَهُوَ نَاصِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أبو ابراهيم اسمعيل بن يحيى بن اسمعيل بن عمرو بن اسحق بْنِ مُسْلِمِ بْنِ نَهْدَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمِصْرِيُّ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الطَّبَقَاتِ كَانَ الْمُزَنِيّ زَاهِدًا عَالِمًا مُجْتَهِدًا مُنَاظِرًا مِحْجَاجًا غَوَّاصًا عَلَى الْمَعَانِي الدَّقِيقَةِ صَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْهَا الْجَامِعُ الْكَبِيرُ وَالْجَامِعُ الصَّغِيرُ وَالْمُخْتَصَرُ وَالْمَنْثُورُ وَالْمَسَائِلُ الْمُعْتَبَرَةُ والترغيب في العلم وكتاب الوثائق.
قال الشَّافِعِيُّ الْمُزَنِيّ نَاصِرُ مَذْهَبِي.
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَمَّا جَرَى لِلْبُوَيْطِيِّ مَا جَرَى كَانَ الْقَائِمُ بِالتَّدْرِيسِ والتفقيه على مذهب الشافعي المزني: وأنشد لمنصور الْفَقِيهُ لَمْ تَرَ عَيْنَايَ وَتَسْمَعْ أُذُنِي
* أَحْسَنَ نَظْمًا مِنْ كِتَابِ الْمُزَنِيِّ وَأَنْشَدَ أَيْضًا فِي فَضَائِلِ الْمُخْتَصَرِ وَذَكَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ شَيْئًا كَثِيرًا: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَا نَعْلَمُ كِتَابًا صُنِّفَ فِي الْإِسْلَامِ أَعْظَمَ نَفْعًا وَأَعَمَّ بَرَكَةً وَأَكْثَرَ ثَمَرَةً مِنْ مُخْتَصَرِهِ قَالَ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَاعْتِقَادُهُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ اجْتِهَادُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ فِي جَمْعِ هَذَا الْكِتَابِ ثُمَّ اعْتِقَادُ الشَّافِعِيِّ فِي تَصْنِيفِ الْكُتُبِ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا رَحِمَنَا اللَّهُ وَإِيَّاهُمَا وَجَمَعَنَا فِي جَنَّتِهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ: وَحَكَى الْقَاضِي حُسَيْنٌ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ ﵀ قَالَ مَنْ تَتَبَّعَ الْمُخْتَصَرَ حق تتبعه لا يخفى عليه شئ مِنْ مَسَائِلِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ مَا مِنْ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إلَّا وَقَدْ ذَكَرَهَا تَصْرِيحًا أَوْ إشَارَةً: وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ
стр. 107
عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ إمَامِ الْأَئِمَّةِ قَالَ سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ كنت فِي تَأْلِيفِ هَذَا الْكِتَابِ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَلَّفْتُهُ ثمان مَرَّاتٍ وَغَيَّرْتُهُ وَكُنْتُ كُلَّمَا أَرَدْتُ تَأْلِيفَهُ أَصُومُ قَبْلَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأُصَلِّي كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ نَاظَرَ الْمُزَنِيّ الشَّيْطَانَ لَقَطَعَهُ وَهَذَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْمُزَنِيُّ فِي سِنِّ الْحَدَاثَةِ ثُمَّ عَاشَ بَعْدَ مَوْتِ الشَّافِعِيِّ سِتِّينَ سَنَةً يُقْصَدُ مِنْ الْآفَاقِ وَتُشَدُّ إلَيْهِ الرَّحَّالُ حَتَّى صَارَ كَمَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرَ كَالْمُزَنِيِّ لَكَانَ صَادِقًا: وَذَكَرُوا مِنْ مَنَاقِبِهِ فِي أَنْوَاعِ طُرُقِ الْخَيْرِ جُمَلًا نَفِيسَةً لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْمَوْضِعُ عُشْرَ مِعْشَارِهَا وَهِيَ
مُقْتَضَى حَالِهِ وَحَالِ مَنْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ تُوُفِّيَ الْمُزَنِيّ بِمِصْرَ وَدُفِنَ يَوْمَ الْخَمِيسِ آخِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُقَالُ كَانَ عُمْرُهُ سَبْعًا وَثَمَانِينَ سَنَةً فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِنْ أَحْوَالِ الْبُوَيْطِيِّ وَالْمُزَنِيِّ ذَكَرْتُهَا تَنْبِيهًا لِلْمُتَفَقِّهِ لِيَعْلَمَ مَحَلَّهُمَا وَقَدْ اسْتَقْصَيْتُ أَحْوَالَهُمَا بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَفِي الطَّبَقَاتِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ
* وَقَوْلُهُ قَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ مَعْنَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُوَيْطِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ فَسُمِّيَ الكتاب باسم مصنفه مجازا كما يقال قَرَأْتُ الْبُخَارِيَّ وَمُسْلِمًا وَالتِّرْمِذِيَّ وَالنَّسَائِيَّ وَسِيبَوَيْهِ وَنَظَائِرَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
فِي مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ إحْدَاهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْأُمِّ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ قَطِرَانٌ فَتَغَيَّرَ بِهِ رِيحُهُ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ بِأَسْطُرٍ إذَا تَغَيَّرَ بِالْقَطِرَانِ لَمْ يَجُزْ الْوُضُوءُ بِهِ كَذَا رَأَيْتُهُ فِي الْأُمِّ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَعَكَسَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ وَغَيْرُهُمَا فَقَدَّمُوا النَّصَّ الْمُؤَخَّرَ وَلَعَلَّ النُّسَخَ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْأَصْحَابُ لَيْسَتْ عَلَى قَوْلَيْنِ بَلْ عَلَى حَالَيْنِ فَقَوْلُهُ يَجُوزُ أَرَادَ إنْ لَمْ يَخْتَلِطْ بَلْ تَغَيَّرَ بِمُجَاوِرِهِ: وَقَوْلُهُ لَا يَجُوزُ يَعْنِي إذَا اخْتَلَطَ وَقِيلَ الْقَطِرَانُ ضَرْبَانِ مُخْتَلِطٌ وَغَيْرُهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُمَا قَوْلَانِ وَهَذَا غَلَطٌ (الثَّانِيَةُ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ الْمَاءُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْهُ مِلْحٌ إنْ بَدَأَ فِي الْجُمُودِ وَخَرَجَ عَنْ حَدِّ الْجَارِي لَمْ تَجُزْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَإِنْ كان جار يا فهو ضربان ضرب يصير ملحا لجوهر التربة كَالسِّبَاخِ الَّتِي إذَا حَصَلَ فِيهَا مَطَرٌ أَوْ غَيْرُهُ صَارَ مِلْحًا جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِهِ: وَضَرْبٌ يصير ملحا لجوهر الماء كأعين الملج الَّتِي يَنْبُعُ مَاؤُهَا مَائِعًا ثُمَّ يَصِيرُ مِلْحًا جَامِدًا فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ جَوَازُ الطَّهَارَةِ لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ يَتَنَاوَلُهُ فِي الْحَالِ وَإِنْ تَغَيَّرَ فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا يَجْمُدُ الْمَاءُ فَيَصِيرُ جَمَدًا: وَقَالَ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ جِنْسٌ آخَرُ كَالنِّفْطِ وَكَذَا نَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَصَاحِبَاهُ
стр. 108
الْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيُّ وَجْهَيْنِ فِي الْمَاءِ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِنْهُ مِلْحٌ وَعِبَارَةُ الْبَغَوِيِّ مَاءُ الْمَلَّاحَةِ وَالصَّوَابُ الجواز مطلقا مادام جَارِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الثَّالِثَةُ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ تَمْرٌ أَوْ قَمْحٌ أَوْ شَعِيرٌ أَوْ غَيْرُهَا مِنْ الْحُبُوبِ وَتَغَيَّرَ بِهِ نُظِرَ إنْ كَانَ بِحَالِهِ صَحِيحًا لَمْ يَنْحَلَّ فِي الْمَاءِ جَازَتْ الطَّهَارَةُ بِذَلِكَ الْمَاءِ لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ وَإِنْ انْحَلَّ لَمْ يَجُزْ لِلْمُخَالَطَةِ: وَإِنْ طُبِخَ ذَلِكَ الْحَبُّ بِالنَّارِ فَإِنْ انْحَلَّ فِيهِ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ لَمْ يَنْحَلَّ وَلَمْ
يَتَغَيَّرْ بِهِ جَازَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْحَلَّ وَتَغَيَّرَ بِهِ فَوَجْهَانِ: قَالَ وَلَوْ تَغَيَّرَ بِالشَّمْعِ جَازَتْ الطَّهَارَةُ كَالدُّهْنِ يَعْنِي عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْقَوْلَيْنِ: وَلَوْ تَغَيَّرَ بِشَحْمٍ أُذِيبَ فِيهِ فَوَجْهَانِ: قَالَ ولو تغير بالمعنى فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُمَاعُ وَلَمْ يُرَجِّحْ وَاحِدًا مِنْ الْوَجْهَيْنِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ (الرَّابِعَةُ) الْمَاءُ الْمُتَغَيِّرُ بِوَرَقِ الشَّجَرِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّهُ طَهُورٌ وَكَذَا نَقَلَهُ الرُّويَانِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَذَكَرَ الْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا طَهُورٌ وَالثَّانِي لَا وَالثَّالِثُ يُعْفَى عَنْ الْخَرِيفِيِّ فَلَا يَسْلُبُ بِخِلَافِ الرَّبِيعِيِّ لِأَنَّ فِي الرَّبِيعِيِّ رُطُوبَةً تُخَالِطُ الْمَاءَ وَلِأَنَّ تَسَاقُطَهُ نَادِرٌ وَالْخَرِيفِيُّ يُخَالِفُهُ فِي هَذَيْنِ وَالْأَصَحُّ الْعَفْوُ مُطْلَقًا صَحَّحَهُ الْفُورَانِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُعْتَمَدِ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَغَيْرُهُمْ ثُمَّ الْجُمْهُورُ أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ وَحَرَّرَهَا الْغَزَالِيُّ ثُمَّ الرَّافِعِيُّ فَقَالَ إنْ لَمْ تَتَفَتَّتْ الْأَوْرَاقُ فَهُوَ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ فِي الْعُودِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ وَإِنْ تَعَفَّنَتْ وَاخْتَلَطَتْ فَفِيهَا الْأَوْجُهُ الْأَصَحُّ الْعَفْوُ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ وَهَذَا إذَا تَنَاثَرَتْ بِنَفْسِهَا فَإِنْ طُرِحَتْ قَصْدًا فَقِيلَ عَلَى الْأَوْجُهِ وَقِيلَ يَسْلُبُ الْمُتَفَتِّتُ قَطْعًا وَهَذَا أَصَحُّ: قَالَ الرُّويَانِيُّ وَلَوْ تَغَيَّرَ بِالثِّمَارِ سُلِبَ قَطْعًا وَاَللَّهُ أعلم
*
* قال المصنف ﵀
*
стр. 109
بَابِ (مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ مِنْ النَّجَاسَةِ وما لا يفسده) (إذا وقعت في الماء نجاسة لا يخلو إما أن يكون راكدا أو جاريا أو بعضه راكدا وبعضه جاريا فان كان راكد نظرت في النجاسة فان كانت نجاسة يدركها الطرف من خمر أو بول أو ميتة لها نفس سائلة نظرت فان تَغَيَّرَ أَحَدُ أَوْصَافِ الْمَاءِ مِنْ طَعْمٍ أَوْ لون أو رائحة بالنجاسة فَهُوَ نَجِسٌ لِقَوْلِهِ ﷺ الْمَاءُ طَهُورٌ لَا ينجسه شئ إلا ما غير طعمه أو ريحه فَنَصَّ عَلَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَقِسْنَا اللَّوْنَ عَلَيْهِمَا لانه في معناهما)
* (الشَّرْحُ) هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ نَجَاسَةُ الْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِنَجَاسَةٍ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ أَوْ الْكَثِيرَ إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ فَغَيَّرَتْ طَعْمًا أَوْ لَوْنًا أَوْ رِيحًا
فَهُوَ نَجِسٌ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ كَذَلِكَ جَمَاعَاتٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَاءُ جَارِيًا أَوْ رَاكِدًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا فَاحِشًا أَوْ يَسِيرًا طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ أَوْ رِيحُهُ فَكُلُّهُ نَجِسٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ سَبَقَ فِي الْمُتَغَيِّرِ بِطَاهِرٍ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ التغير اليسير علي الاصح وانه يضر تَغَيُّرُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ: وَيُسْتَثْنَى مِمَّا ذَكَرْنَاهُ مَا إذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِمَيْتَةٍ لَا نَفْسَ لَهَا سَائِلَةٌ كَثُرَتْ فيه فانه لا ينجس علي وَجْهٍ ضَعِيفٍ مَعَ قَوْلِنَا بِنَجَاسَةِ هَذَا الْحَيَوَانِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ هَذَا الْوَجْهُ ضَعِيفًا لَمْ يَلْتَفِتْ الْأَصْحَابُ إلَيْهِ فَلَمْ يَسْتَثْنُوهُ: وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ: وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ وَذَكَرَا فِيهِ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَوْ لَوْنَهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵀ تَضْعِيفَهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَبَيَّنَ الْبَيْهَقِيُّ ضَعْفَهُ وَهَذَا الضَّعْفُ فِي آخِرِهِ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ: وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمَاءُ طهور لا ينجسه شئ نصحيح مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ الْأَوَّلِ وَإِذَا عُلِمَ ضَعْفُ الحديث تعين
стр. 110
الِاحْتِجَاجُ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فَقَالَ الْحَدِيثُ لَا يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ وَلَكِنَّهُ قَوْلُ الْعَامَّةِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافًا: وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَنَصَّ عَلَى الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَقِسْنَا اللَّوْنَ عَلَيْهِمَا فَكَأَنَّهُ قَالَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا اللَّوْنُ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيِّ كَمَا قدمناه: فَإِنْ قِيلَ لَعَلَّهُ رَآهَا فَتَرَكَهَا لِضَعْفِهَا قُلْنَا هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَوْ رَاعَى الضَّعْفَ وَاجْتَنَبَهُ لَتَرَكَ جُمْلَةَ الْحَدِيثِ لِضَعْفِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَرْعٌ)
لَوْ وَقَعَتْ جِيفَةٌ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ فَتَرَوَّحَ بِهَا بِالْمُجَاوَرَةِ وَلَمْ يَنْحَلَّ منها شئ فوجها الصَّحِيحُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْبَاقِينَ أَنَّهُ نَجِسٌ وَنَقَلَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ دَلَالَةِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ وَصَحَّحَهُ لِأَنَّهُ يُعَدُّ مُتَغَيِّرًا بِالنَّجَاسَةِ وَمُسْتَقْذَرًا: وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ طَاهِرٌ لانه مجاور فأشبه الجيفة خارج الماء * قال المصنف ﵀
* (وإن تغير بعضه دون بعض نجس الجميع لانه ماء واحد فلا يجوز أن ينجس بعضه دون بعض) (الشَّرْحُ) هَذِهِ مَعْدُودَةٌ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَ بَعْضُهُ
بِالنَّجَاسَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الشَّامِلِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَنْجُسُ الْجَمِيعُ سَوَاءٌ كَانَ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ قُلَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ وَالثَّانِي وَهُوَ الصَّحِيحُ الْجَارِي عَلَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْمُتَغَيِّرَ كَنَجَاسَةٍ جَامِدَةٍ فَإِنْ كَانَ الْبَاقِي قُلَّتَيْنِ فَطَاهِرٌ وَإِلَّا فَنَجِسٌ وَهَذَا الَّذِي صَحَّحْنَاهُ هُوَ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْقَفَّالُ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ وَصَاحِبُ التَّتِمَّةِ وَصَحَّحَهُ غَيْرُهُمَا أَيْضًا وَذَكَرَ صَاحِبُ الْبَيَانِ فِيهِ وَفِي مُشْكِلَاتِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ حَمَلَ كَلَامَ الْمُهَذَّبِ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ (١) وَقَالَ مُرَادُهُ إذَا كَانَ الْبَاقِي دُونَ قُلَّتَيْنِ وَفَرَّعَ صَاحِبُ الشَّامِلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَقَالَ لَوْ كَانَ مَاءٌ следующие страницы →