← История

История · id 21877

الأندلس من الفتح إلى السقوط

راغب السرجاني

Полный текст (142 стр.). Показаны 106–142 · переход к 111.

стр. 106

التقاء محمد بن تومرت بعبد المؤمن بن علي وفكرة التغيير قابل محمد بن تومرت في المهدية رجلاً اسمه: عبد المؤمن بن علي وكان له شأن فيما بعد في تاريخ المسلمين في بلاد المغرب والأندلس، وكان في مدينة المهدية في تونس يبغي ما بغاه محمد بن تومرت من قبل، فهو يبحث عن العلم والدين كما فعل محمد بن تومرت برحلته في بلاد المسلمين، فسأله محمد بن تومرت عن سبب تركه لبلاد المغرب العربي وسياحته في البلاد، فقال: أبحث عن العلم والدين فقال: عندي العلم والدين. فالتقيا وأخذ محمد بن تومرت يعلم عبد المؤمن بن علي من علمه، فأعجب به جداً وتآخيا في الله، فتعلم عبد المؤمن بن علي من محمد بن تومرت العلم مع فظاظة الأسلوب في دعوة الناس إلى المعروف وفي نهيهم عن المنكر، وبدأ الاثنان يدعوان إلى الله في بلاد المغرب العربي، وانظم إليهما خمسة فصاروا سبعة. كان يرى محمد بن تومرت أن المنكرات قد كثرت جداً في بلاد المرابطين، فوجد أن الخمور قد فشت في أماكن كثيرة، حتى في مراكش العاصمة التي أسسها يوسف بن تاشفين ﵀ من قبل، وكانت ثغراً من ثغور الإسلام، ووجد أن السفور والاختلاط قد انتشر، وأن الولاة يظلمون الناس ويفرضون عليهم الضرائب، ويأكلون أموال اليتامى، حتى إنه شاهد من ضمن المشاهدات أن امرأة سافرة تخرج في فوج كبير جداً وحرس وما إلى ذلك من الأمور، فسأل عن هذه المرأة السافرة فوجدها ابنة علي بن يوسف بن تاشفين ابنة أمير المسلمين في ذلك الزمان. فجلس مع الستة الأفراد الذين معه وعرض عليهم فكرته في التغيير، وقال لهم: إن الأمور قد فشت والمعاصي قد انتشرت في بلاد المرابطين وأرى أن الحل لهذا الأمر هو أن نقصي الحكام عن الحكم، فنبدأ بـ علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الحكام أو الولاة والجيش، فنخرج عليهم ونقصيهم من الحكم، فنستطيع أن نغير البلاد ونحكمها بشرع الله بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . يعني: هو لا يريد أن يبدأ الطريق الطويل طريق التربية الذي بدأه عبد الله بن ياسين ﵀ من قبل، والذي سار فيه سنوات حتى تمكن من الأمور، إنما يريد أن يعزل علي بن يوسف بن تاشفين من حكم البلاد عليها، ثم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن المعلوم أن علي بن يوسف بن تاشفين كان يقيم شرع الله ، وكان يجاهد في سبيل الله، لكن كانت عنده تجاوزات ومخالفات في هذه الفترة ما كان يجوز لـ محمد بن تومرت ومن معه من الرجال -على صدق نواياهم فيما يبدو لنا وعلى تقشفهم وزهدهم وعلمهم الغزير- أن يخرجوا عليه، بل كان عليهم أن يساعدوه على العودة إلى طريق الإسلام الصحيح، وعلى تعليم الناس وتربيتهم. فرسول الله ﷺ لما نزلت عليه الرسالة في أرض مكة ودعا إلى الله وخالفه المشركون، كان من الممكن أن يفعل الأمر الذي فكر فيه محمد بن تومرت فيأمر سيدنا علي بن أبي طالب، وسيدنا الزبير بن العوام، وسيدنا طلحة بن عبيد الله أن يقتل كل واحد منهم رجلاً من صناديد قريش ليتملك الرسول ﷺ الحكم في مكة، ثم بعد ذلك يقيم شرع الله ، لكن هذه ليست سنة الله في التغيير، ولذلك لم يتبعها رسوله الكريم ﷺ ، بل أخذ يربي الناس بالتدريج في مكة لمدة (١٣) سنة، ثم هاجر إلى المدينة المنورة فبدأ يربي الناس بالتدريج، ثم كانت موقعة بدر مع الكافرين، ثم كانت المواقع التي تتلو ذلك، حتى تمكن رسولنا ﷺ من السيطرة على الأمور في جزيرة العرب جميعاً. إذاً: هذا هو النهج الذي سلكه رسول الله ﷺ والذي سلكه الشيخ عبد الله بن ياسين ﵀ في إقامة دولة المرابطين، لكن الذي فعله محمد بن تومرت كان مخالفاً للنهج في التغيير، وكانت عنده فظاظة وشدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 107

موقف علي بن يوسف بن تاشفين من محمد بن تومرت لما سمع علي بن يوسف بن تاشفين بـ محمد بن تومرت أنه يدعو الناس إلى الخروج عليه فكر في عقد مناظرة بين محمد بن تومرت وبين علماء دولة المرابطين في ذلك الزمن في قصر الإمارة، فأتى بـ محمد بن تومرت وبعلماء المرابطين وبدأ الفريقان في المناظرة، وكان على رأس علماء دولة المرابطين مالك بن وهيب ﵀ كبير علماء دولة المرابطين، وكان قاضي القضاة في ذلك الوقت. وهذا يبين لنا أن دعوة علي بن يوسف بن تاشفين للمناظرة كان فيه خير كثير، فقد كان يمكنه أن يأخذ محمد بن تومرت ويضعه في السجن أو يقتله أو يعتقله أو يفعل به ما يشاء. وفي تلك المناظرة تفوق محمد بن تومرت عليهم تفوقاً عظيماً؛ لأنه كان بحراً متفجراً من العلم وشهاباً في الدين كما ذكر ابن خلدون، فاستطاع محمد بن تومرت أن يحاجهم جميعاً في كل القضايا التي أثيرت بينه وبينهم، حتى إن علي بن يوسف بن تاشفين بكى في مجلسه لما رأى كثرة المعاصي في البلد وهو لا يدري عنها شيئاً، أو يدري عنها ولا يغيرها، لكن كانت الحدة واضحة جداً في كلام محمد بن تومرت، وكانوا يعلمون أنه يحرض الناس على الخروج على الحاكم، فأسر مالك بن وهيب قاضي القضاة في أذن علي بن يوسف بن تاشفين وقال له: عليك أن تعتقل هذا الرجل وتنفق عليه ديناراً في كل يوم في السجن، وإلا ستمر عليك الأيام فتنفق عليه كل خزائنك دون أن تقدر عليه، لكن الوزير نصحه بعدم اعتقال محمد بن تومرت، فقال له: لو اعتقلته ستكون متناقضاً مع نفسك، لأنك بكيت من خشية الله لما سمعت كلامه وحججه، وهذا يكون فيه بلبلة عند عموم الناس، وأيضاً هو رجل واحد ومعه ستة من البشر، وأنت حاكم دولة المرابطين، فكيف تخشى من هذا الرجل؟ فأطلق علي بن يوسف بن تاشفين سراح محمد بن تومرت، ولم يحبسه دون وجه حق.

стр. 108

الانحرافات العقدية والسلوكية التي وقع فيها محمد بن تومرت خرج محمد بن تومرت من مراكش ونزل على صديق له في بلد مجاور، ونصحه أن يذهب معه إلى قرية في عمق الجبل اسمها: قرية تينملل، هذه القرية ستكون عاصمة للدولة التي أسسها محمد بن تومرت بعد ذلك، وكان محمد بن تومرت زاهداً، وكان لا يحمل معه إلا عصا، ولا يأكل إلا البسيط من الطعام، وكان صاحب علم غزير فبدأ الناس في هذه القرية الصغيرة يلتفون حوله ويسمعون كلامه، وبدأ يؤثر فيهم ويخبرهم بكثرة المعاصي في بلاد المرابطين، فكون حوله جماعة صغيرة سماها: جماعة الموحدين، وكانت هذه التسمية خطيرة، فقويت شوكة محمد بن تومرت، وظهرت عليه انحرافات عقائدية خطيرة جداً، والسبب في ذلك أنه تعلم على يد أناس كثيرين وتيارات مختلفة من سنة وشيعة ومعتزلة وغيرها في الشام والعراق ومكة ومصر وغيرها من البلاد، حتى ظهر عليه خليط من العقائد المختلفة، فادعى العصمة، وهذه خاصة بأئمة الشيعة، فقد أخذ منهم هذه الجزئية، فادعى أنه معصوم لا يخطئ، وادعى أمراً خطيراً آخر وهو أن المرابطين من المجسمة؛ وذلك لأنهم يثبتون لله صفاته، فقد أخذ فكر المعتزلة في نفي الصفات عن الله ، ولهذا الادعاء كفر المرابطين، فقال: إن علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الولاة والعلماء كافرون، ومن يعمل تحت حكمهم ويرضى بحكمهم من الكافرين. ونتيجة لهذا التكفير استحل دماء المرابطين وأمر بقتلهم والخروج عليهم، وأفتى أصحابه أن من قتلهم إن استطاع ليس آثماً، بل هو محرز لثواب عظيم، وكان متساهلاً جداً في الدماء، وقد أخذ ذلك عن الخوارج، فإنهم كانوا متساهلين جداً في الدماء، فقد كان يقتل العشرات من المخالفين له، حتى ولو كانوا من جماعة الموحدين. وادعى لنفسه بعض الخوارق، وأنه هو المهدي المنتظر، وبدأ الناس يصدقون ذلك؛ لأن علماء دولة المرابطين انشغلوا بالأمور الفرعية عن تعليم الناس أصول العقائد وأصول العبادات وأصول الدين، وصنعوا جداراً كبيراً بينهم وبين العامة. فالعامة ما تعرف الحق من الباطل، لما رأت رجلاً مثل محمد بن تومرت عالماً كبيراً يروي عن هذا ويروي عن هذا، ويحفظ كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، ويعلم سير الصالحين والسابقين، ويعلم فقه كذا وكذا، فما كان للعامة إلا أن تسمع وتطيع لما يقوله محمد بن تومرت فاعتقدوا جميعاً بعصمته وبحل قتل المرابطين، بل والثواب الجزيل على من يقتل المرابطين الذين فتحوا البلاد وأقاموا صرح الإسلام في بلاد المغرب والأندلس سنوات طويلة، فبعد أن انتشرت بعض المنكرات في بلادهم، وبعد أن انشغلوا بالجهاد عن التعليم صاروا يكفرون ويقاتلون من قبل جماعة الموحدين!! وعبارة جماعة الموحدين فيها إشارة واضحة جداً من محمد بن تومرت أن غير الجماعة ليسوا بموحدين، بل هم كفار ليسوا بمسلمين.

стр. 109

بدء المعارك بين المرابطين والموحدين بدأ محمد بن تومرت وجماعته يقاتلون المرابطين والتقوا مع المرابطين في تسعة مواقع ضخمة جداً في تاريخ المسلمين، انتصر محمد بن تومرت في سبعة مواقع منها، وهزم في موقعتين، فعلى سبيل المثال: الموقعة الأولى في سنة (٥١٨هـ) قتل فيها من المرابطين خمسة عشر ألفاً من المسلمين على يد جماعة الموحدين، أهذا هو نهج الله ونهج رسوله الكريم؟ يقتل خمسة عشر ألف مسلم من المرابطين الذين كانوا شوكة كبيرة في حلوق النصارى سنوات طويلة. وموقعة ثانية: موقعة البحيرة أو البستان في سنة (٥٢٤هـ) انتصر فيها المرابطون على الموحدين، وقتل فيها من الموحدين أربعون ألفاً، وهكذا فإن عدد القتلى من المسلمين في جميع المواقع بين الموحدين والمرابطين يزيد على ثمانين ألف مسلم، من سنة (٥١٢هـ -٥٤١هـ) أي: في غضون (٢٨) سنة، إلى أن قامت دولة الموحدين على دماء أكثر من ثمانين ألف مسلم، أهذا هو النهج الصحيح للتغيير الذي سار عليه رسول الله ﷺ ؟ فالطريق الذي سار فيه محمد بن تومرت ومن معه مخالف للطريق الذي سار فيه الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه من قبل، مع أن كليهما وصل في الأخير للحكم! وأتعجب كثيراً كيف يسير محمد بن تومرت هذا الطريق، وقد رسم له السابقون الطريق الصحيح الذي ليس فيه دماء المسلمين، وليس فيه تشريد وقتل وذبح لأمة كبيرة من المجاهدين مثل أمة المرابطين؟ وفي سنة (٥٢٤هـ) يموت محمد بن تومرت، وقبل آخر لحظة من حياته كان يأمر الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والزهد في الدنيا واتباع سنة رسول الله ﷺ واتباع نهج الخلفاء الراشدين، وعدم المكوث أبداً عن الجهاد في سبيل الله، لكن على فهمه وطريقته التي ذكرناها، وأمر الناس أن يسمعوا ويطيعوا لـ عبد المؤمن بن علي ما أطاع الله فيهم. ويدل كلام محمد بن تومرت على أنه من أكبر علماء المسلمين ومن أكبر المجاهدين، وكان بحق من العلماء كما ذكرنا، لكن كانت عنده أشياء عجيبة في أسلوب التغيير من العنف الشديد في التغيير، والمخالفات العقائدية، والخروج عن الحكام وتكفير المسلمين وقتلهم، مع أن الحكام قد أقاموا شرع الله ، مع وجود بعض المخالفات في بعض الجزئيات، فكان الواجب عليه أن يقومهم بالتي هي أصلح، وكانت النتيجة أن قامت للمسلمين دولة على دماء ثمانين ألف مسلم، فتولى عبد المؤمن بن علي الأمور في جماعة الموحدين من بعد محمد بن تومرت في سنة (٥٢٤هـ)، واستمر يقود الجماعة إلى أن سقطت دولة المرابطين السنية المجاهدة في سنة (٥٤١هـ) على إثر مجزرة شديدة جداً داخل مراكش، قتل فيها معظم المرابطين الذين كانوا في مدينة مراكش، وتملك الموحدون الحكم في البلاد سنة ٥٤١هـ. نحن ندرس التاريخ لكي نتعلم، ولكي لا نكرر أخطاء السابقين، بل نكرر ما فعله الصالحون من المسلمين في سنوات الإسلام السابقة التي فيها الكثير من الصلاح، وعلينا أن نستفيد الاستفادة الكاملة من هذه الخطوات. فماذا حدث مع دولة الموحدين بعد أن قامت على هذه الدماء؟ وماذا فعل عبد المؤمن بن علي في قيادته لدولة الموحدين من سنة (٥٤١هـ) إلى ما بعدها من السنوات؟ وهل صلحت الأفكار التي كانت في ذهن الموحدين عن عصمة محمد بن تومرت ومهديته، وعن كونهم يفسقون غيرهم من المسلمين؟ هذا ما سوف نتدارسه في الحلقة القادمة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.

стр. 110

سلسلة الأندلس_ دولة الموحدين قامت دولة الموحدين بعد سقوط دولة المرابطين، وكان المؤسس الفعلي لها هو محمد بن تومرت، وأول حكامها هو عبد المؤمن بن علي الذي أقام دولة قوية في بلاد المغرب العربي والأندلس، ثم تولى الحكم من بعده يوسف بن عبد المؤمن بن علي، ولم يكن على شاكلة والده، ثم تولى من بعده ابنه أبو يوسف يعقوب الملقب بالمنصور، ويعد عصره العصر الذهبي، ثم تولى من بعده ابنه الناصر لدين الله الذي حدثت في عصره هزيمة المسلمين المنكرة في موقعة العقاب، والتي كانت السبب في سقوط الأندلس، ثم تولى من بعده ابنه المستنصر بالله، فكان عهده عهد سقوط الأندلس.

стр. 111

قيام دولة الموحدين أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فهذه هي الحلقة الحادية عشرة من حلقات الأندلس: من الفتح إلى السقوط. في الحلقة السابقة تحدثنا عن سقوط دولة المرابطين السنية المجاهدة، وقيام دولة الموحدين على أكتافها، وذكرنا عوامل سقوط دولة المرابطين، ومنهج التغيير في دولة الموحدين حتى قامت في سنة (٥٤١) من الهجرة، وكان أول حكامها هو عبد المؤمن بن علي صاحب محمد بن تومرت المؤسس الحقيقي الفعلي لجماعة ولدولة الموحدين. كان محمد بن تومرت آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لكن أسلوبه في معاملة الناس كان فظاً شديداً، وقد ربى عبد المؤمن بن علي ومن معه من قادة الموحدين ومن أتباع الموحدين على الزهد والتقشف في الدنيا، وعلى القتال الشديد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنهم تأثروا بأسلوبه في التعامل مع الناس، فكانوا يتعاملون معهم بحدة كبيرة. جاهد عبد المؤمن بن علي جهاداً كبيراً، فقد كانت له صولات وجولات، وأقام دولة قوية جداً في بلاد المغرب والأندلس تعرف بدولة الموحدين، بدأت سنة (٥٤١هـ)، وقد وصفه الإمام الذهبي ﵀ في كتابه العبر، وابن العماد في شذرات الذهب، وذكروا عنه أنه كان ملكاً عادلاً سائساً عظيم الهيبة عالي الهمة، كثير المحاسن، متين الديانة، قليل المثل، كان يقرأ كل يوم سبعاً من القرآن العظيم، ويجتنب لبس الحرير، فإن عموم الناس في زمانه كانوا يلبسون الحرير، فكان من صفاته الحسنة أنه كان لا يلبس الحرير، وكان يصوم الإثنين والخميس، ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق لهما، وكان سفاكاً لدماء من خالفه من أتباعه أو غير أتباعه. ومحمد بن تومرت لما كان يرى أن أتباعه ينظرون إلى غنائم دولة المرابطين في حربهم لهم، كان يحرقها حتى لا تتعلق قلوب الناس بهذه الغنائم، والذي كان يفوته قيام الليل من جماعته كان يعزره بالضرب؛ لأنه لا يقوم الليل. فنشأت جماعة من الطائعين العابدين الزاهدين الورعين، لكن بأسلوب خالف منهج رسول الله ﷺ ، فلم يكن رسول الله ﵊ يضرب على قيام الليل، ولا يحرق الغنائم، ولا يتبع هذا الأسلوب الشديد جداً والعنيف. وأصبح عبد المؤمن بن علي مثل محمد بن تومرت في طريقته الشديدة العنيفة، لكن يذكر أيضاً لـ عبد المؤمن بن علي أنه لم يكن مقتنعاً بفكرة عصمة محمد بن تومرت؛ لأنه أبداً ما دعا إلى فكرة عصمة محمد بن تومرت ولا إلى مهديته، ولا إلى فكر الخوارج الذي ظهر في بعض كلام محمد بن تومرت، وعلى الجانب الآخر فهو لم ينف هذه الأفكار الضالة صراحة؛ لأن معظم شيوخ وقواد الموحدين على هذا الفكر، فخاف عبد المؤمن بن علي من إعلانه أن أفكار محمد بن تومرت كانت ضالة ومخالفة للشرع أن يحدث انقلاباً في دولة الموحدين في هذه الفترة الحرجة جداً في تاريخ المسلمين. كان في قيام دولة الموحدين وسقوط دولة المرابطين في سنة (٥٤١هـ) ومقتل حوالي ثمانين ألف مسلم تداعيات ضخمة لهذا الموقف الخطير في كل بلاد دولة المرابطين، لكن الذي يخصنا في هذا الأمر هو ما حدث في بلاد الأندلس، فكان على النحو التالي: أولاً: في سنة (٥٤٢هـ) أي: بعد سنة واحدة من قيام دولة الموحدين سقطت ألمرية في يد النصارى، وألمرية مدينة في جنوب الأندلس على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وكان ذلك بمساعدة فرنسا، واستشهد الآلاف من المسلمين، وسبيت أربع عشرة ألف فتاة مسلمة في سنة (٥٤٣)، وسقطت طرطوشة ثم لاردة في يد النصارى التي هي مملكة سرقسطة في الشمال الشرقي، التي كان قد حررها المرابطون قبل ذلك، ثم سقطت من جديد في يد النصارى. وفي سنة (٥٤٣هـ) أيضاً توسعت مملكة البرتغال في الجنوب، وكانت من أشد ممالك النصارى ضراوة على المسلمين، وفي نفس السنة احتلت تونس من قبل النصارى، فقد بدأ النصارى يحتلون بلاد المغرب العربي، كانت هذه التداعيات متوقعة نتيجة الفتنة الكبيرة التي دارت بين المسلمين في بلاد المغرب العربي.

стр. 112

سياسة عبد المؤمن بن علي في تأسيس دولة الموحدين كان عبد المؤمن بن علي شخصية قوية جداً، وكان عنده فكر سياسي عال جداً، وإدارة في منتهى القوة لبلاد المغرب العربي، فقد بدأ يؤسس دولة قوية هي دولة الموحدين بطريقة مرتبة ومنظمة وشديدة كما ذكرنا، وكانت على النحو التالي: أولاً: أطلق عبد المؤمن بن علي حرية العلوم والمعارف، وأنشأ كثيراً من المدارس، وهذا على خلاف طريقة محمد بن تومرت، فقد كان عنده فكر واحد فقط، أما في عهد عبد المؤمن بن علي فقد أصبح الناس يتعلمون أكثر من نهج، ولا يرتبطون بفقه واحد كما كان في عهد محمد بن تومرت. وكان عبد المؤمن بن علي يتميز بتفرده في الإدارة، فلا يأخذ كثيراً بالشورى، وهذا أيضاً كان فكر محمد بن تومرت الذي كان يعتمد تماماً على اجتهاداته، حتى إنه كان لا يسير على نهج رسول الله ﷺ لاجتهاده المخالف لما كان عليه رسول الله ﷺ ، فكان عبد المؤمن بن علي مثل محمد بن تومرت في هذا الأمر، لكنه أطلق حرية العلوم والمعارف، وأنشأ كثيراً من المدارس والمساجد وقرن الخدمة العسكرية دائماً بالعلوم، وأنشأ مدارس كثيرة لتعليم وتخريج رجال السياسة والحكم، وكان يمتحن الطلاب بنفسه، فأخرج جيلاً كبيراً من قواد الحروب ومن السياسيين البارعين في دولة الموحدين، وكان يدربهم على كل فنون الحرب، حتى إنه أنشأ بحيرة صناعية كبيرة جداً في بلاد المغرب؛ لتعليم الناس كيف يتقاتلون في الماء، وكيف تقوم الحروب البحرية، وكان يختبر المقاتلين الموحدين بنفسه أيضاً. وأقام مصانع كثيرة جداً للسلاح، ومخازن ضخمة جداً للسلاح، وأصبحت دولة الموحدين من أقوى الدول الموجودة في المنطقة عسكرياً. فكل هذا الأمر كان في بلاد المغرب العربي، أما بلاد الأندلس فلم تكن في حسابات عبد المؤمن بن علي في ذلك الوقت؛ لأنه كان يحاول أن يستتب له الأمر في بلاد المغرب العربي حيث أنصار المرابطين في كل مكان، والوضع في بلاد الأندلس هو سقوط أكثر من مدينة في يد النصارى، والتدهور أصبح سريعاً هناك. وفي سنة (٥٤٣هـ) بعد هذا التدهور الكبير في بلاد الأندلس قدم منها إلى بلاد المغرب العربي القاضي ابن العربي من أكبر علماء المسلمين، صاحب كتاب (العواصم من القواصم)، وبايع عبد المؤمن بن علي وطلب النجدة لأهل الأندلس، فمبايعته لـ عبد المؤمن بن علي تعطي إشارة واضحة إلى أن القاضي ابن العربي ﵀ يعلم أن عبد المؤمن بن علي لا يدعو إلى أفكار ضالة كالمهدية والعصمة وما إلى ذلك، وإلا لم يكن للقاضي ابن العربي أن يأتي من بلاد الأندلس ويبايعه على الطاعة والنصرة. فـ عبد المؤمن بن علي سمع من القاضي ابن العربي، وجهز جيوشه، وانطلق إلى بلاد الأندلس، وبدأ يحارب هناك حتى ضم معظم بلاد الأندلس الإسلامية التي كانت في أملاك المرابطين إلى دولة الموحدين، وممن قاتلهم بعض الأنصار لدولة المرابطين لكنه انتصر عليهم، واستعاد معظم هذه البلاد في سنة (٥٤٥هـ). وفي سنة (٥٥٢هـ) استعاد بلدة ألمرية التي كانت على البحر الأبيض المتوسط، وفي سنة (٥٥٥هـ) استعاد تونس من يد النصارى، وبعدها بقليل ضم ليبيا ولأول مرة إلى حدود الموحدين. إذاً: بلغت في عهده دولة الموحدين كامل مساحة دولة المرابطين بالإضافة إلى ليبيا واقتربت جداً من حدود مصر، وكان عبد المؤمن بن علي يفكر في أن يوحد كل أطراف الدولة الإسلامية تحت راية واحدة تكون لدولة الموحدين.

стр. 113

وفاة عبد المؤمن بن علي وتولية يوسف بن عبد المؤمن في سنة (٥٥٨هـ) توفي عبد المؤمن بن علي وخلفه على الحكم يوسف بن عبد المؤمن بن علي، وكان عمره (٢٢) سنة، وكان مجاهداً شهماً كريماً، لكنه لم يكن في كفاءة أبيه القتالية، واستمر يحكم من سنة (٥٥٨هـ- ٥٨٠هـ) يعني: حوالي (٢٢) سنة متصلة، ونظم الأمور بشدة في كل بلاد الأندلس والمغرب العربي، وكانت له أعمال جهادية ضخمة ضد النصارى، لكن كان يعيبه شيء خطير جداً، وهو أنه كان لا يأخذ بالشورى أبداً، وكان منفرداً برأيه تماماً، وهذا شيء متوقع منه، فإنه من تربية عبد المؤمن بن علي الذي هو من تربية محمد بن تومرت، فأدى هذا الانفراد بالرأي في فكر يوسف بن عبد المؤمن بن علي إلى بعض الأخطاء في موقعة من المواقع حول قلعة من قلاع البرتغال، التي كان يقاتل فيها بنفسه، وقتل ستة من النصارى ثم طعن واستشهد ﵀ في هذه الموقعة في سنة (٥٨٠هـ) من الهجرة.

стр. 114

تولية يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بعد استشهاد والده تولى من بعد يوسف بن عبد المؤمن ابنه يعقوب ولقب في التاريخ بـ المنصور، وكان معروفاً باسم أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي، وكانت ولايته من سنة (٥٨٠) من الهجرة إلى سنة (٥٩٥) من الهجرة، يعني: تولى (١٥) سنة، ويعد عصر هذا الرجل في دولة الموحدين بالعصر الذهبي، فهو أعظم شخصية في تاريخ الموحدين، ومن أعظم الشخصيات في تاريخ المسلمين، ونقول في نسبته الموحدي من أجل أن نفرق بينه وبين أبي يوسف يعقوب المنصور المريني الذي سيأتي إن شاء الله ذكره في الحلقة القادمة.

стр. 115

أعظم الأعمال التي قام بها أبو يوسف يعقوب المنصور قام أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي بالأمر أحسن قيام، فرفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، ونظر في أمور الدين والورع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن، وغير كثيراً من أسلوب السابقين، وبدأ يأمر بشيء من الهدوء والسكينة الكبيرة، حتى إنه كان يقف في الطريق ليقضي حاجة المرأة والضعيف، وكان يؤم الناس في الصلوات الخمس، وكان زاهداً جداً يلبس الصوف الخشن من الثياب، وأقام الحدود حتى في أهله وعشيرته، فاستقامت الأحوال في البلاد وعظمت الفتوحات. كان حازماً جداً وحليماً جداً، حارب الخمور بشدة، وأحرق كتب الفلاسفة، واهتم بالطب والهندسة، وألغى المناظرات العقيمة التي كانت موجودة في أواخر عهد المرابطين وأوائل عهد الموحدين، وأسقط الديون عن الأفراد، وزاد بشدة في عطايا العلماء، ومال إلى مذهب ابن حزم الظاهري، لكن لم يفرضه على الناس، بل إنه حرق الكثير من كتب الفروع، وأمر بالاعتماد على كتاب الله وكتب السنة الصحيحة. اهتم بالعمران بشدة، فأنشأ مدينة الرباط، وسماها رباط الفتح، وأنشأ المستشفيات، وغرس فيها كثيراً من الأشجار، وخصص الأموال الثابتة لكل مريض لشراء الأدوية، وكان ﵀ يعود المرضى بنفسه يوم الجمعة، وكان يجمع الزكاة بنفسه، ويفرقها على الناس، وكان كريماً جداً مع الفقراء، فقد وزع في عيد أكثر من سبعين ألف شاة على الفقراء، وهو أول من أعلن صراحة فساد أقوال محمد بن تومرت في قضية العصمة والمهدية، فقال: إن هذا ضلال من الضلالات، وإنه لا عصمة لأحد إلا للأنبياء، وكان مجلسه دائماً عامراً بالعلماء وأهل الخير، ذكر الذهبي ﵀ في العبر: أنه كان يجيد حفظ القرآن والحديث، ويتكلم في الفقه، ويناظر، وكان فصيحاً مهيباً يرتدي زي الزهاد والعلماء، وكان مع ذلك عليه جلالة الملوك، تولى الحكم وهو يبلغ من العمر (٢٥) سنة فقط. أما بلاد الأندلس فقد وطد الأوضاع فيها بشدة، وقوى الثغور، وكان يقاتل هناك بنفسه، وكانت أشد الممالك عليه ضراوة مملكة البرتغال، ثم من بعدها مملكة قشتاله. وفي سنة (٥٨٥هـ) حدثت ثورة في بلاد الأندلس في جزر البليار، قادها أتباع المرابطين وهم قبيلة بني غانية، كانت لهم ثورات كثيرة على عبد المؤمن بن علي ومن ثم ابنه، فقاموا بثورتين: الأولى في جزر البليار، والأخرى في تونس، فعاد يعقوب المنصور من بلاد الأندلس إلى جزر البليار فقمع الثورة الأولى ثم إلى تونس فقمع الثورة الثانية، فضعفت لذلك قوة الموحدين في الأندلس؛ لأنه انشغل عن الأندلس بوقف هذه الثورة. استغل ملك البرتغال هذا الأمر، واستعان بجيوش ألمانيا وإنجلترا البرية والبحرية، فحاصر إحدى مدن المسلمين هناك واحتلها وأخرج المسلمين منها، وفعل بعض الموبقات في هذه المنطقة، ووصل في تقدمه إلى غرب مدينة إشبيلية في جنوب الأندلس، وأصبح الوضع في منتهى الخطورة. أما بنو غانية فقد كان مقبولاً منهم أن يقوموا بثورات على السابقين؛ لأنه كانت لهم أفكار ضالة خرجت عن منهج الله ، لكن أن يقوموا على هذا الرجل الذي أعاد للشرع هيبته من جديد، والذي أقام الإسلام كما ينبغي أن يقام، وأعاد القرآن والسنة إلى مكانهما الصحيح، فهذا مما لا يجوز، بل كان من المفروض على بني غانية أن يضعوا أيديهم في يد أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي ﵀، ويضموا قوتهم إلى قوته؛ ليحاربوا العدو الرئيسي في هذا المكان وهو العدو الصليبي المتمثل في دول الشمال الأندلسي، سواء كانت قشتالة أو البرتغال أو الممالك الأخرى التي ضعفت شوكتها نسبياً، لكن هذا لم يحدث، فالثورة الداخلية أدت إلى ضعف قوة الموحدين في بلاد الأندلس، وإلى هذا الانهيار المتدرج في هذه المنطقة.

стр. 116

معركة الأرك بين الصليبيين والمسلمين بعد أن قضى أبو يوسف يعقوب المنصور على ثورة بني غانية فكر ماذا يفعل في بلاد الأندلس حتى يعيد الأمر إلى نصابه؟ فرأى أن أكبر قوتين هما قوة قشتالة والبرتغال، لكن قوة البرتغال كانت أشد وأقوى، فعمل اتفاقية مع قشتالة عاهدهم فيها على عدم الحرب لمدة عشر سنوات، ثم اتجه إلى مملكة البرتغال، فتحارب معها حروباً شديدة وانتصر عليها أكثر من انتصار، وحررها بكاملها فعادت من جديد للمسلمين، لكن قبل أن يكتمل له تحريرها نقض ملك قشتالة العهد، وبدأ يعيث في الأرض فساداً، وينطلق على أراضي المسلمين مخالفاً الهدنة التي عقدها معه أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي، فبعث ألفونسو الثامن -أحد أحفاد ألفونسو السادس - رسالة إلى يعقوب المنصور الموحدي يستفزه فيها بالقتال ويهدده، فمزق المنصور الموحدي خطاب ألفونسو الثامن، وكتب على جزء منه رداً أعاده مع رسوله؛ قال فيه: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون، وأعلن الجهاد والاستنفار العام في كل ربوع المغرب والصحراء، ونشر للناس ما جاء في كتاب ألفونسو الثامن؛ ليحمسهم، وتسابق الناس للجهاد، وفي ذلك الوقت وقبله بسنوات جاءت أخبار من المشرق جعلت الناس متحمسين أكثر للجهاد، وهو انتصار صلاح الدين الأيوبي المشهور على الصليبيين في موقعة حطين الخالدة في سنة (٥٨٣) من الهجرة، فحفز أبو يوسف يعقوب المنصور الناس للخروج للجهاد؛ فالناس تريد أن تكرر ما حدث في المشرق، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]. وفي سنة (٥٩٠هـ) يبدأ هذا الاستنفار، وفي سنة (٥٩١هـ) تنطلق الجيوش من المغرب العربي والصحراء وتعبر مضيق جبل طارق متجهة إلى بلاد الأندلس لتلتقي مع جيش الصليبيين في موقعة مشهورة جداً في التاريخ الإسلامي اسمها موقعة الأرك في (٩) شعبان سنة (٥٩١) من الهجرة. والأرك حصن كبير موجود في جنوب طليطلة ويعتبر الحدود بين قشتالة والمسلمين في الأندلس في ذلك الوقت، أعد ألفونسو الثامن جيشاً استعان فيه بمملكتي ليون ونافار وبجيوش ألمانيا وإنجلترا وهولندا، حتى بلغ جيش الصليبيين في هذه الموقعة (٢٢٥) ألف صليبي، وكان معهم جماعات كبيرة من اليهود في الجيش، من أجل أن يشتروا من الصليبيين أسارى المسلمين، لأنهم متوقعون نصراً كبيراً جداً وسيكون فيه أسرى كثير من المسلمين، ومعلوم أن اليهود طوال التاريخ معهم أموال ضخمة، حتى في عصر دولة الأندلس كانت معهم أموال كثيرة، فأرادوا أن يشتروا بها المسلمين الأسرى من أجل يبيعوهم بعد ذلك في أوروبا. أعد المنصور الموحدي ﵀ جيشاً قوامه (٢٠٠) ألف مسلم، وهذا يبين لنا قدر الحمية التي كانت في قلوب أهل المغرب للقتال في أرض الأندلس، لما سمعوا بأخبار الجهاد وانتصارات المسلمين في حطين. وأول ما دخل أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي منطقة الأرك عمل اجتماعاً كبيراً جداً أو مجلساً استشارياً يأخذ فيه كل آراء الحضور، وهذا نسق جديد من القيادة، فقد كانت من قبل قيادة دولة الموحدين متميزة بالفردية في الآراء، فهذا أول أمير يغير تماماً من سياسة دولة الموحدين، ويصبح رجلاً يعمل على نهج رسول الله ﷺ . فاستعان بكل الآراء المطروحة من قبل قواد الجيش، وأخذ برأي أبي عبد الله بن صناديد زعيم الأندلسيين ليس من قبائل المغرب البربرية، وكان شيئاً جديداً على دولة الموحدين التي كانت في كل حروبها في دولة الأندلس لا تعتمد إلا على جيوش المغرب فقط، لكن في موقعة الأرك بدأ أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي يضم قوة الأندلسيين إلى قوة المغاربة، وقوة البربر القادمين من الصحراء، فاستعان بآرائهم، ووضع خطة شبيهة جداً بخطة موقعة الزلاقة، قسم فيها الجيش نصفين، جعل نصفه للقتال في المقدمة، وأخفى جزءاً كبيراً جداً من الجيش خلف التلال، وكان هو على رأس هذا الجيش المختفي خلف التلال، واختار أميراً عاماً للجيش هو كبير الوزراء أبو يحيى بن أبي حفص، وولى قيادة الأندلسيين لـ أبي عبد الله بن صناديد وذلك حتى لا يوغر صدور الأندلسيين فلا يتولى عليهم بربري أو مغربي. وقسم المقدمة إلى مقدمة أولى تواجه جيش النصارى جعلها من الجيش النظامي الموحدي ومن الأندلسيين، وهذه تنقسم إلى ميمنة من الأندلسيين والقلب من الموحدين والميسرة من العرب، ثم جعل من خلفهم مجموعة المتطوعين غير النظاميين، والهدف من وضع الجيوش النظامية في المقدمة لأجل تلقي الصدمة الأولى والضربة الأولى للنصارى، فيصدونهم صداً عظيماً يوقع الرهبة في قلوب النصارى، ويرفع من معنويات الجيش الإسلامي، أما المتطوعون غير النظاميين الذين ليست لهم كفاءة عالية جداً في القتال فوضعهم خلف الجيوش، ومكث هو خ

стр. 117

آثار ونتائج موقعة الأرك كانت لموقعة الأرك آثار عظيمة ونتائج كثيرة: أولاً: النصر المادي: أقل تقدير لقتلى الصليبيين في اليوم الأول للأرك كان ثلاثين ألف مقاتل، لكن المسلمين بعد موقعة الأرك تبعوا جيش النصارى، ذكر في نفح الطيب للمقري وفي وفيات الأعيان لـ ابن خلكان أن عدد قتلى الصليبيين وصل إلى (١٤٦) ألف قتيل من أصل (٢٢٥) ألف مقاتل، وعدد الأسرى ما بين عشرين إلى ثلاثين ألف أسير، وقد منَّ عليهم المنصور بغير فداء إظهاراً لعظمة الإسلام ورأفته بهم، وعدم اكتراثه بقوة الصليبيين. أما الغنائم فلا تحصى؛ فقد بلغ عدد الخيول كما جاء في نفح الطيب ثمانين ألفاً من الخيول، ومائة ألف من البغال وما لا يحصى من الخيام، وقد وزع المنصور كل هذه الغنائم الضخمة وكل هذه الأموال التي حصدت من جيش الصليبيين على الجيش أربعة أخماس، واستغل الخمس الباقي في بناء مسجد كبير جداً في إشبيلية تخليداً لذكرى الأرك، وأنشأ له مئذنة طويلة يبلغ طولها (٢٠٠) متر، وكانت من أعظم المآذن في الأندلس في ذلك الوقت، ولما سقطت إشبيلية بعد ذلك في يد النصارى تحول المسجد إلى كنيسة، وهو موجود إلى الآن كنيسة في يد الصليبيين ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثانياً: النصر المعنوي الكبير جداً، وعلو نجم الموحدين، وارتفعت بشدة معنويات الأندلسيين، وهانت عليهم قوة الصليبيين، وارتفعت معنويات المسلمين في كل بلاد العالم الإسلامي، حتى أعتقت الرقاب الكثيرة في المشرق والمغرب فرحاً بهذا الانتصار، وارتفعت معنويات الموحدين حتى فكروا بجدية في عهد المنصور الموحدي في ضم كل بلاد المسلمين تحت راية واحدة، وبالذات أن المعاصر لـ أبي يوسف يعقوب المنصور الموحدي في المشرق هو صلاح الدين الأيوبي ﵀، لكن لم يرد الله لهذا الأمر أن يتم، فمات المنصور الموحدي قبل أن يكتمل حلمه في توحيد المسلمين جميعاً تحت راية واحدة. ثالثاً: حدثت صراعات شتى بين ليون ونافار من ناحية، وبين قشتالة من ناحية أخرى ألقى عليهم ألفونسو الثامن مسئولية الهزيمة، وحدثت لهم هزيمة نفسية كبيرة جداً، فأتت السفارات من بلاد أوروبا تطلب العهد والاتفاق مع المنصور الموحدي ﵀، ومن أشهرها سفارة إنجلترا التي أتت المنصور الموحدي في أواخر أيامه، واستمرت حركة الفتوح وفتح المسلمون بعض الحصون الأخرى، وضموا الشمال الشرقي من جديد للمسلمين كما كان في عهد المرابطين، وحاصروا طليطلة سنوات عديدة، لكن كما ذكرنا من قبل كانت طليطلة من أحصن المدن الأندلسية فلم تفتح. رابعاً: تمت معاهدة جديدة بين قشتالة وبين المسلمين على أن تكون الهدنة بينهما عشر سنوات من سنة (٥٩٥هـ) إلى سنة (٦٠٥هـ) فلا اقتتال فيها، فحاول المنصور أن يرتب الأمور من جديد في بلاد الموحدين. إذاً: تأسست دولة الموحدين في سنة (٥٤١هـ)، لكن الدعوة إليها بدأت في سنة (٥١٢هـ)، واستمر عهد القوة فيها من سنة (٥٤١هـ) في ارتفاع متتال إلى أن جاء المنصور الموحدي فكان عصره العصر الذهبي لدولة الموحدين من سنة (٥٨٠هـ) إلى سنة (٥٩٥هـ).

стр. 118

وفاة المنصور الموحدي وتولية ابنه الناصر للحكم في سنة (٥٩٥هـ) يموت المنصور الموحدي فجأة وله من العمر (٤٠) سنة فقط، فقد حكم البلاد (١٥) سنة من سنة (٥٨٠هـ - ٥٩٥هـ)، واستلم زمام الحكم وعمره (٢٥) سنة، فتولى من بعده ابنه الناصر لدين الله أبو محمد عبد الله وكان عمره (١٨) سنة فقط، وهذا العمر ليس بالسهل فقد يقود البلاد والجيوش وما إلى ذلك من الأمور، وقد وجد قبل هذا قواد للمسلمين كانوا يبلغون من العمر (١٨) سنة أو أصغر من ذلك، لكن المشكلة أن الناصر لدين الله لم يكن على شاكلة أبيه في القيادة؛ وذلك لأن الناصر لدين الله لم يكن قد اكتسب من الخبرات التي تؤهله أن يكون قائداً فذاً كأبيه في القتال، لكن الموت المفاجئ للمنصور الموحدي وضع على رئاسة البلاد هذا الشاب. وكان المفروض على دولة الموحدين أن ينتخبوا من بينهم من يصلح للقيادة بدلاً من الناصر لدين الله، فقد كان شاباً طموحاً قوياً مجاهداً لكن لم يكن في كفاءة أبيه، والبلد محاطة بالأعداء من كل مكان، والصليبيون هزموا في موقعة الأرك منذ سنوات قليلة، وهم يريدون أن يعيدوا الكرة من جديد على بلاد المسلمين.

стр. 119

موقعة العقاب والأسباب التي أدت إلى هزيمة المسلمين فيها بعد وفاة المنصور قامت من جديد ثورات بني غانية المؤيدة لدولة المرابطين السابقة، فحدثت خلخلة في داخل الدولة الإسلامية، فوجه الناصر لدين الله جل طاقته لمحاربتهم في صولات وجولات كثيرة حتى أخمدها تماماً في سنة (٦٠٤هـ)، أي: أنها استمرت تسع سنوات كاملة من حكمه، وفي هذه الأثناء تجدد الأمل من جديد عند الفونسو الثامن، وحرص على تجهيز العدة لرد الاعتبار، وأقسم ألا يقرب النساء ولا يركب فرساً ولا بغلاً وأن ينكس الصليب حتى يأخذ بثأره من المسلمين، وأخذ يعد العدة ويجهز الجيوش ويعقد الأحلاف، ويعد الحصون تمهيداً لحرب جديدة مع المسلمين ثم خالف العهد والهدنة وهجم على بلاد المسلمين، قبل انتهاء الهدنة والمعاهدة التي عقدها معه المنصور قبل موته، وحرق الزروع ونهب القرى وقتل العزل من المسلمين. وكان هذا بداية حرب جديدة من الصليبيين ضد المسلمين، بينما المسلمون كانوا قد أنهكوا في رد الثورات المتتالية لبني غانية في داخل دولة الموحدين، أضف إلى ذلك أن القيادة ليست بكفاءة السابقين من قادة الموحدين، وكان عند الناصر لدين الله العيب الذي كان في أجداده وكان في أشياخ الموحدين وهو مخالفة الشورى، بخلاف أبيه، فهو الوحيد من قادة الموحدين الذي اهتم بالشورى وجمع من حوله كل الآراء، ولذلك أفلح وساد وتمكن ونصره الله . أما الناصر لدين الله فكان على عكس أبيه تماماً، فقد كان معتداً برأيه، وأمر آخر خطير جداً عند الناصر لدين الله أنه استعان بوزير ذميم الخلق جداً اسمه أبو سعيد بن جامع، فقد شك كثير من المؤرخين في نواياه، وشك كثير من الأندلسيين والمغاربة المعاصرين له في اقتراحاته، فهو من أصل إسباني، ويقال: إنه كانت له اتصالات مع الصليبيين أدت إلى أمور خطيرة جداً في دولة الموحدين، فهذا هو الرجل الوحيد الذي كان يأمن له الناصر لدين الله ولم يستعن بكل آراء أشياخ الموحدين وقادة الأندلسيين الموجودين في تلك الفترة. ومن الناحية الأخرى فإن جيش النصارى حصل فيه تعبئة روحية كبيرة جداً، قادها البابا بنفسه في روما، وقالوا: إنها حرب صليبية مقدسة، ورفعوا صور المسيح، وقال البابا: إن من يشارك هذه الموقعة سيمنح له الغفران التام، وهذا كما حدث في موقعة الزلاقة، فحصل استنفار عام في كل بلاد أوروبا اشتركت فيه معظم الدول الأوروبية، حتى وصل الاستنفار إلى القسطنطينية في شرق أوروبا التي تبعد كثيراً عن بلاد الأندلس، وتولت فرنسا الإنفاق على الجيوش بالإضافة إلى إمداد الرجال للجيش القشتالي؛ فإن فرنسا يهمها جداً هزيمة المسلمين؛ لأنها البلد التالية لبلاد الأندلس إن قامت لدولة الموحدين دولة قوية كانت الدائرة على بلاد فرنسا في المرحلة التالية. ثم إن مملكة نافار كانت معاهدة للمنصور الموحدي قبل أن يموت، ومع ذلك فقد أرسل إليها البابا رسالة يحضها فيها على نبذ معاهدة الموحدين، وعلى إرجاع العلاقة مع القشتاليين، ومن المعروف أن القشتاليين كما ذكرنا من قبل قد اختلفوا مع مملكة ليون ونافار بعد هزيمة الأرك، فالبابا يريد منهم التوحد في مواجهه الصف المسلم، فسمع له ملك نافار وأطاع، وتوحدت جيوش أوروبا حتى بلغ الجيش الأوروبي في الموقعة التي ستحدث الآن بين الصليبيين وبين المسلمين مائتي ألف صليبي يتقدمهم الملوك والرهبان. وفي المقابل فإن الناصر لدين الله أعلن الجهاد وجمع المجاهدين من بلاد المغرب العربي والأندلس، حتى وصل إلى (٥٠٠) ألف مقاتل؛ يعني: كان ضعف جيش النصارى أو أكثر، وأقل رواية ذكرت عدد المسلمين أنهم كانوا (٢٦٠) ألف مقاتل، والنصارى لم يزيدوا على (١٦٠) ألف نصراني، يعني: كان جيش المسلمين في كل الروايات ضعف جيش النصارى أو أكثر، وانطلق الناصر لدين الله بجيشه من بلاد المغرب وعبر مضيق جبل طارق وتوجه إلى منطقة عرفت في التاريخ بمنطقة العقاب؛ لوجود قصر قديم فيها اسمه: العقاب دارت حوله الموقعة، لكن سبحان الله فإن اسم الموقعة كان اسماً على مسمى، فقد كانت عقاباً للمسلمين على مخالفتهم، وعقاباً للناصر على اعتداده برأيه، وعقاباً للمجاهدين على انغماسهم في الغنائم والأموال التي فتحت عليهم بعد عهد المنصور الموحدي ﵀، وكانت عقاباً للثورات المتكررة التي دارت على دولة الموحدين بعد صلاح حالها، والتي أدت إلى إنهاك قوى الموحدين ضد النصارى، وما جاز لهم أبداً أن يفعلوا هذا الأمر بعد أن صلح حال الموحدين. المهم أن الناصر لدين الله دخل أرض الأندلس بهذا العدد الكثيف من المسلمين، وأول ما دخل حاصر قلعة كبيرة جداً للنصارى اسمها قلعة سلبطرة؛ وكانت هذه القلعة حصينة جداً في جنوب طليطلة، وكان الصليبيون في داخل هذا الحصن قليلين جداً، لكن من حصانة القلعة لم يستطع المسلمون أن يفتحوها، فاجتمع قادة الموحدين وقادة ال

стр. 120

استخلاف المستنصر بالله بعد موت الناصر لدين الله عاد الناصر لدين الله من إشبيلية منسحباً أكثر وأكثر إلى بلاد المغرب العربي واعتكف في قصره، واستخلف ابنه وهو يبلغ من العمر عشر سنوات؛ استخلفه على الحكم ليكون ولياً للعهد من بعده، والله لا يرضى عن هذه الأفعال، يموت الناصر لدين الله بعد هذا الاستخلاف بعام واحد سنة (٦١٠هـ) وهو يبلغ من العمر (٣٤) سنة فقط، فيتولى حكم البلاد ابنه المستنصر بالله ويبلغ من العمر (١١) سنة، ومن جديد يوسد الأمر لغير أهله، وتضيع الأمانة من جديد كما ضاعت في عهد هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر، وكيف قامت الدولة العامرية وكيف حدث ما يسمى بعهد ملوك الطوائف بعد تولية الأمر لغير أهله؟ هكذا يتولى المستنصر بالله وتتوالى الهزائم على المسلمين، كانت موقعة العقاب في سنة (٦٠٩) من الهجرة، بعد سنوات طويلة جداً من السيادة والتمكين لدولة الموحدين، وسنة الله في أرضه وفي خلقه أنه كلما ارتفع المسلمون وكثرت الأموال وفتحت عليهم الدنيا وأهمل المسلمون الشرع واعتدوا بآرائهم ونبذوا الشورى وتركوا كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ظهرت الهزائم والمكائد والانحدارات والانكسارات والانهيارات إلى أجل بعيد. وبعد موقعة العقاب ظهرت بعض الأمراض في الجيوش القشتالية فاضطروا للعودة، وهذا مد في عمر الأندلس بضع سنوات أخرى في سنة (٦١٤) أي: بعد موقعة العقاب بخمس سنوات، ونظراً لتردي الأوضاع في بلاد المغرب، وتولي المستنصر السلطة وهو طفل ظهرت حركة جديدة للاستقلال عن الموحدين، وأنشأت دولة سنية جديدة من قبيلة زناته في بلاد المغرب، هذه الدولة سيكون لها شأن كبير في الأندلس بعد ذلك، وهي: دولة بني مرين في سنة (٦١٤هـ). وفي سنة (٦٢٠هـ) سقطت جزر البليار على يد ملك أراجون بمساعدة إيطاليا، وقتل في جزر البليار عشرون ألفاً من المسلمين، واستقل بنو حفص بتونس، وانفصلوا بها عن دولة الموحدين، وفي نفس السنة مات أمير الموحدين المستنصر وهو يبلغ من العمر (٢١) سنة فقط، ودار صراع شديد على السلطة فهو لم يستخلف ثم كانت ولاية عبد الواحد عم أبيه من بعده ولكنه خلع وقتل وتولى عبد الله العادل. أصبح يتولى الرجل الحكم في دولة الموحدين مدة أربع أو خمس سنوات فقط ثم يقتل ويأتي غيره، وسارت الدولة نحو هاوية سحيقة.

стр. 121

حال الأندلس بعد موت المستنصر بالله في سنة (٦٢٥هـ) استقل رجل اسمه ابن هود بشرق وجنوب الأندلس، وكان كما يصفه المؤرخون مفرطاً في الجهل ضعيف الرأي لم ينصر له جيش على النصارى، وفي سنة (٦٣٣هـ) استقل بنو زيان في الجزائر، وفي نفس السنة حدث حادث خطير وهام ومروع وهو سقوط قرطبة، وذلك بعد حصارها عدة شهور، واستغاثت بـ ابن هود الذي استقل كما ذكرنا منذ قليل بشرق وجنوب الأندلس لكنه لم يعر لها اهتماماً، كان ابن هود مشغولاً بحرب ابن الأحمر الذي استقل بجزء آخر من بلاد الأندلس، حتى اضطر أهل قرطبة للتسليم، وكان الرهبان يصرون على قتلهم لكن رفض فرناندو الثالث ملك قشتالة؛ خشية أن يدمر أهل المدينة كنوزها وآثارها الفاخرة، وبالفعل خرج أهلها متجهين جنوباً تاركين المجد العظيم خلفهم. سقطت قرطبة حاضرة الإسلام، ومن أعظم مدن الإسلام في التاريخ، التي أفاضت على العالم أجمع خيراً وبركة وعلماً ونوراً، والتي فيها ثلاثة آلاف مسجد وثلاثة عشر ألف دار، عاصمة الخلافة الأموية أكثر من (٥٠٠) عام، والتي فيها أكبر مسجد في العالم، صاحبة ثغر من أعظم ثغور الجهاد في الإسلام، سقطت قرطبة في (٢٣) شوال سنة (٦٣٣هـ) من الهجرة، وتحول مسجدها الجامع الكبير إلى كنيسة، وما زال كنيسة إلى اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله. وفي سنة (٦٣٥هـ) استقل بنو الأحمر بغرناطة بعد موت ابن هود في نفس السنة، وسيكون لهم شأن كبير في بلاد الأندلس سنعرض له في الحلقة القادمة إن شاء الله. وفي سنة (٦٣٦هـ) بعد استقلال بني الأحمر بغرناطة بسنة واحدة سقطت بلنسية، بعد حصار خمس سنوات متصلة على يد ملك أراجون بمساعدة فرنسا، وكان حصاراً شديداً كاد الناس أن يهلكوا جوعاً، وكان خلاله عدة مواقع أشهرها موقعة أنيشة في سنة (٦٣٤هـ) هلك فيها كثير من المسلمين، منهم الكثير من العلماء، حاول بنو حفص في تونس مساعدة بلنسية بالمؤن والسلاح، لكن الحصار كان شديداً، حتى اضطروا لترك البلد تماماً في سنة (٦٣٦هـ)، وهاجر (٥٠) ألفاً من المسلمين إلى تونس، وتحولت كل مساجد المسلمين إلى كنائس وكانت سياسة مشهورة للنصارى في كل الأراضي التي يسيطرون عليها إما القتل وإما التهجير. وفي سنة (٦٤١) سقطت دانية بالقرب من بلنسية، وفي سنة (٦٤٣) سقطت جيان وهكذا لم يبق في بلاد الأندلس إلا ولايتان فقط، ولاية غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد، وولاية إشبيلية في الجنوب الغربي من البلاد، وهما يمثلان حوالي ربع بلاد الأندلس. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن كل ولايات إفريقيا قد استقلت عن دولة الموحدين، وسقطت بذلك دولة الموحدين، الدولة العظيمة المهيبة المترامية الأطراف ولا بد لنا من وقفة.

стр. 122

عوامل انهيار دولة الموحدين لماذا يسقط هذا الكيان الكبير هذا السقوط المفاجئ؟ واقع الأمر أنه ليس مفاجئاً، فدولة الموحدين كانت تحمل في طياتها بذور الضعف وعوامل الانهيار وهي كثيرة، أذكر منها ما يلي: أولاً: تعاملها بالظلم مع دولة المرابطين، وقتلها الآلاف ممن لا يستحقون القتل، وطريق الدم لا يمكن أبداً أن يثمر عدلاً، يقول ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ثانياً: العقائد الفاسدة التي أدخلوها على منهج أهل السنة، باستثناء يعقوب المنصور ﵀ الذي قاومها بشدة، ولكن حتى آخر لحظات دولة الموحدين فقد ظل أشياخ الموحدين يعتقدون في عصمة محمد بن تومرت وفي صدق ما قاله. ثالثاً: الثورات الداخلية الكثيرة التي قامت داخل دولة الموحدين، وأشهرها ثورة بني غانية والتي كانت في جزر البليار في بلاد الأندلس. رابعاً: الإعداد الجيد من قبل النصارى في مقابل الإعداد غير المدروس من قبل الناصر لدين الله ومن تبعه بعد ذلك. خامساً وهو أمر هام جداً: كثرة الأموال بعد انفتاح الدنيا على دولة الموحدين، فأموال الأندلس التي طالما غرق فيها كثير من رجال المسلمين، والترف الشديد الذي أدى إلى التصارع على الحكم، وإلى دعة الحكام والحركات الانفصالية كما ذكرنا. سادساً: بطانة السوء المتمثلة في أبي سعيد بن جامع وزير الناصر لدين الله ومن كان على شاكلته بعد ذلك. سابعاً: إهمال الشورى من قبل الناصر ومن بعده من الخلفاء، وكثير من العوامل التي اجتمعت مع ما سبق. لا بد أن يدرس المسلمون جيداً كيف سقطت دولة الموحدين؟ هكذا سقط هذا الكيان الكبير، ولم يبق كما ذكرنا في بلاد الأندلس إلا ولايتان فقط: غرناطة وإشبيلية، ومع ذلك بقي الإسلام في بلاد الأندلس أكثر من (٢٥٠) سنة بعد هذا السقوط المروع لدولة الموحدين. كيف بقي المسلمون هذه المدة الطويلة في بلاد الأندلس؟ وكيف استطاعوا أن يمكثوا على إسلامهم مع حرب النصارى الشديدة؟ هذا ما نتداوله وغيره إن شاء الله في اللقاء القادم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.

стр. 123

سلسلة الأندلس_ سقوط الأندلس تولى بنو الأحمر حكم مملكة غرناطة، وكان أول حكامهم هو محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر الذي عقد معاهدة مع ملك قشتالة فرناندو الثالث وقدم له فيها بعض التنازلات التي تدل على ضعف المسلمين في تلك الحقبة التاريخية، وقد كانت هنالك بعض الأسباب التي أدت إلى عدم غزو ملك قشتالة لغرناطة، وقد استعان محمد بن يوسف الأحمر بيعقوب المنصور المريني الذي استطاع هزيمة النصارى في معركة الدونونية، ثم حصلت بعد ذلك خلافات ونزاعات وأطماع أدت إلى سقوط غرناطة واحتلالها.

стр. 124

حكم بني الأحمر لمملكة غرناطة أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فاليوم نفتح الصفحة الأخيرة من صفحات تاريخ الأندلس: من الفتح إلى السقوط. بالأمس القريب وقفنا على تداعيات سقوط دولة الموحدين، وهزيمتهم في موقعة العقاب، وسقوط مدن المسلمين الواحدة تلو الأخرى حتى سقطت قرطبة حاضرة الإسلام وعاصمة الخلافة الأموية، وهكذا لم تبق في بلاد الأندلس إلا ولايتان كبيرتان نسبياً: ولاية غرناطة، وهي تقع في الجنوب الشرقي من بلاد الأندلس، وتمثل حوالي (١٥%) من أرض الأندلس، وولاية إشبيلية في الجنوب الغربي من بلاد الأندلس، وتمثل حوالي (١٠%) من بلاد الأندلس، وهاتان الولايتان فقط هما اللتان بقيتا من بلاد الأندلس بعد هذا الانهيار المروع في هذه البلاد العظيمة. وذكرنا أيضاً في الدرس السابق أن المسلمين استمروا في بلاد الأندلس لمدة أكثر من (٢٥٠) سنة بعد هذا الانهيار الكبير، وهذه علامة استفهام هامة جداً لا بد أن يقف أمامها المسلمون. ففي سنة (٦٤٣هـ) سقطت جيان آخر المدن التي تحدثنا عن سقوطها في الدرس السابق، وفي تلك السنة يطلب فرناندو الثالث ملك قشتالة من ابن الأحمر الذي يتزعم مملكة غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد أن يعقد معه معاهدة، يضمن له فيها بعض الحقوق، ويأخذ عليه بعض الواجبات، لكن قبل أن نتحدث عن هذه المعاهدة نذكر من هو ابن الأحمر؟ هو محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر وينتهي نسبه إلى سعد بن عبادة الخزرجي صاحب رسول الله ﷺ ، لكن شتان بين محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر وبين سعد بن عبادة صاحب رسول الله ﷺ . وسمي ابن الأحمر؛ لأن لون شعره كان أحمر، ولم يكن هذا اسماً له، بل كان لقباً، وكان هذا اللقب له ولأبنائه من بعده حتى نهاية فترة حكمهم لمنطقة غرناطة.

стр. 125

المعاهدة التي تمت بين محمد بن يوسف بن الأحمر وملك قشتالة عقد محمد بن يوسف بن الأحمر أو محمد الأول عقد معاهدة مع ملك قشتالة كان فيها: أولاً: أنه يدفع الجزية لملك قشتالة، وهذا يدل على مدى التهاوي في حال الأمة الإسلامية، فقد كانت دولة الموحدين تسيطر على أطراف كثيرة جداً في بلاد الأندلس، وعلى أماكن كثيرة جداً في إفريقيا، لكن ما حدث بعد السقوط هو أن ملك غرناطة يدفع الجزية لملك قشتالة وهي (١٥٠) ألف دينار ذهب كل سنة. ثانياً: أن يحضر بلاطه كأحد ولاته على البلاد. ثالثاً: أن يحكم غرناطة باسم ملك قشتالة علناً. رابعاً: أن يسلّمه ما بقي من حصون جيّان وأرجونة وغرب الجزيرة الخضراء حتى طرف الغار، وتقع كلها في غرب غرناطة، وبذلك يسلم ابن الأحمر مواقع بمنتهى الخطورة لـ فرناندو الثالث ملك قشتالة تحيط بغرناطة. خامساً: أن يساعده في حروبه ضد أعدائه إذا احتاج له، فأول حرب يدخل فيها ملك قشتالة بعد هذه المعاهدة هي الحرب ضد إشبيلية، فطلب من ابن الأحمر أن يساعده في فتح إشبيلية فيسمع ويطيع، فجهز ابن الأحمر فرسان المسلمين، وذهبوا في مقدمة جيوش قشتالة ليحاصروا إشبيلية سنة وخمسة شهور، وهذا أمر في منتهى العجب، وهو أن ابن الأحمر وجيش غرناطة وشعبها يحاصرون مدينة إشبيلية المسلمة المجاورة، التي كانت مجرد محافظة أو مدينة مع مدينة غرناطة في دولة واحدة هي دولة الأندلس، لكن انظر إلى الانهيار الكبير جداً في أخلاق القادة والشعوب، شعب تحرك ولم يتأثر لحصار إخوانه المسلمين الموجودين هناك في مدينة إشبيلية. يستغيث أهل إشبيلية بكل من حولهم، فالمغرب مشغولة بالثورات الداخلية، وبنو مرين يصارعون الموحدين في داخل المغرب، وغرناطة تحاصر إشبيلية، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وفي (٢٧) رمضان في سنة (٦٤٦هـ) بعد (١٧) شهر تسقط إشبيلية بأيدي المسلمين ومن عاونهم من النصارى، ويغادر أهل إشبيلية البلاد وعددهم أربعمائة ألف مسلم يهجّرون ويشرّدون من إشبيلية، فتسقط إشبيلية ثاني أكبر مدينة في الأندلس، تلك المدينة ذات التاريخ المجيد والعمران العظيم، أعظم ثغور الجنوب، ومن أقوى حصون الأندلس، لكن واحسرتاه على المسلمين تُفتح حصونهم وتدمّر قوتهم بأيدي المسلمين وما فتئ الزمان يدور حتى مضى بالمجد قوم آخرونا وأصبح لا يرى في الركب قوم وقد عاشوا أئمته سنينا وآلمني وآلم كل حر سؤال الدهر أين المسلمونا؟ المسلمون يحاصرون المسلمين، والمسلمون يقتلون المسلمين، والمسلمون يشردون المسلمين، هذا كان واقع هذه البلاد في سنة (٦٤٦هـ) تختفي إشبيلية إلى الأبد من على الخارطة الإسلامية، والذي فيها مسجد إشبيلية الكبير، الذي أسسه يعقوب المنصور الموحدي بعد انتصار الأرك الخالد بغنائم الأرك، والذي صار إلى اليوم كنيسة يعلق فيها الصليب ويُعبد فيها المسيح، بعد أن كانت ثغراً من أعظم ثغور الإسلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا لم تبق في سنة (٦٤٦هـ) في بلاد الأندلس بلاد مسلمة إلا غرناطة وما حولها من القرى والمدن، فهي تمثل (١٥%) من أرض الأندلس، وتضم ثلاث ولايات متحدة سوياً: ولاية غرناطة، وولاية ملقة، وولاية ألمرية، وهي جميعاً تحت حكم ابن الأحمر، وإن كان هناك شيء من الاستقلال في داخل كل ولاية.

стр. 126

السبب في عدم غزو ملك قشتالة لغرناطة السبب في عقد فرناندو الثالث معاهدة مع ابن الأحمر أمير غرناطة، ولم يحتلها كما احتل المدن الأخرى هو ما يلي: الأمر الأول: في الواقع أن غرناطة في ذلك الوقت كان فيها كثافة سكانية عالية جداً، تستعصي على جيوش النصارى أن يدخلوها، فقد كانت تسقط المدينة من بلاد الأندلس على يد النصارى، الذين كانوا ينهجون نهجاً واحداً إما القتل وإما التشريد والطرد من البلاد، فكان كلما طُرد المسلمون من بلادهم اتجهوا إلى الجنوب الشرقي من البلاد، فتجمع كل أهل الأندلس المسلمين في منطقة غرناطة في الجنوب الشرقي من البلاد، فأصبح فيها كثافة ضخمة جداً، لا تستطيع قوات النصارى أن تدخل إلى هذه المناطق الكثيفة. الأمر الثاني: الحصون المنيعة، فقد كان فيها حصون كثيرة جداً كانت تحيط بمنطقة غرناطة وألمرية وملقة. الأمر الثالث: أن مدينة غرناطة في الجنوب الشرقي للأندلس كانت تقع على البحر الأبيض المتوسط بالقرب من بلاد المغرب العربي، وقد قامت في بلاد المغرب العربي نواة دولة إسلامية جديدة هي دولة بني مرين، وكانت دولة سنية تقوم على التقوى، وكانت تساعد من حين إلى آخر بلاد غرناطة، ولذلك استطاعت بلاد غرناطة أن تقف على أقدامها ولو قليلاً في مواجهة فرناندو الثالث ومن معه من النصارى في مملكة قشتالة، لذلك وافق فرناندو الثالث على هذه المعاهدة، لكنها كانت معاهدة مخزية جداً؛ لأن ملك غرناطة كان يدفع فيها الجزية، ويحارب مع ملك قشتالة، ويقضي معه العهود ألا يحاربه يوماً من الأيام، ومع كون هذه المعاهدة تقوم على أساس التعاون والتصالح بين الفريقين، إلا أنه بين كل عام وآخر كان فرناندو الثالث وغيره من ملوك النصارى يخونون العهد دائماً مع ابن الأحمر، ويحتلون بعض المدن منه، فيحاول ابن الأحمر أن يرد تلك البلاد فلا يُفلح؛ فيعاهدهم من جديد على أن يترك لهم حصناً أو حصنين أو مدينة أو مدينتين ويتركوه حاكماً على البلاد يحكم باسمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. إذاً: غرناطة لم تؤسس على التقوى، بل أسسها ابن الأحمر على شفا جرف هار معتمداً على صليبي لا عهد له ولا أمانة، قال تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠].

стр. 127

أسباب استعانة ابن الأحمر أمير غرناطة بالمنصور المريني على ملك قشتالة قضى ابن الأحمر معاهدات مع ملك قشتالة من سنة (٦٤٣هـ - ٦٧١هـ)، لكن في سنة (٦٧١هـ) بدأ ملك قشتالة ألفونسو العاشر بالمخالفة الصريحة للمعاهدة، فبدأ في تجهيز جيوش كبيرة ينوي بها دخول غرناطة لإنهاء الوجود الإسلامي تماماً في بلاد الأندلس، فوجد ابن الأحمر نفسه في مأزق؛ لأنه عاهد من لا عهد له، فنظر إلى بني مرين الدولة التي قامت على أنقاض دولة الموحدين، وقد سقطت دولة الموحدين سقوطاً كاملاً في سنة (٦٦٨هـ)، وقام بحكم المرينيين رجل اسمه يعقوب المنصور المريني، واسمه نفس اسم الرجل الآخر الذي تحدثنا عنه في دولة الموحدين وهو يعقوب المنصور الموحدي لذلك نضيف كلمة المريني لتفريقه عن ذلك الرجل السابق، وكلاهما على شاكلة واحدة، وكلاهما من عظماء المسلمين، ومن أكابر القواد في تاريخ المسلمين، وقد وصف المؤرخون يعقوب المنصور المريني بقولهم: كان صوّاماً قوّاماً، دائم الذكر كثير الفكر، لا يزال في أكثر نهاره ذاكراً، وفي أكثر ليله قائماً يصلي، مكرماً للصلحاء، كثير الرأفة والحنين على المساكين، متواضعاً في ذات الله تعالى لأهل الدين، متوقفاً في سفك الدماء، كريماً جواداً، وكان مظفراً منصور الراية، ميمون النقيبة، لم تُهزم له راية قط، ولم يُكسر له جيش، ولم يغز عدواً إلا قهره، ولا لقي جيشاً إلا هزمه ودمّره، ولا قصد بلداً إلا فتحه، كان ﵀ خطيباً مفوهاً يؤثر في نفوس جنوده، شجاعاً مقداماً يبدأ الحرب بنفسه. فهذه صفات عظيمة جداً، لا بد أن يقف معها المسلمون كثيراً، والوقت لا يتسع إلى دراسة كل هذه الصفات، ويجب أن يأخذ المسلمون العبرة من هؤلاء الفاتحين المجاهدين العظماء. فيستعين محمد بن الأحمر الأول ببني مرين، وبالفعل يأتي بنو مرين ويصدون هجوم النصارى، فقد تعودت بلاد الأندلس لأكثر من حوالي مائتي سنة أن تستورد النصر من خارجها، فمرة تستورده من المرابطين، ومرة من الموحدين، ومرة من بني مرين، وهكذا لا تقوم للمسلمين قائمة في بلاد الأندلس إلا على أكتاف غيرهم من بلاد المغرب العربي وما حولها من البلاد. إذاً: هذه البلاد التي قامت على أكتاف غيرها لا يستقيم لها الأمر، ولا تستكمل النصر، ولا تستحق الحياة، ولا يستقيم أبداً أن تنفق الأموال الضخمة في غرناطة في بناء قصر الحمراء من أعظم قصور الأندلس، ليكون قصراً لحكم ابن الأحمر وهو محاصر من جيوش النصارى، ولا يستقيم له أبداً أن ينشئ الجنان الكثيرة، والتي هي أكثر من (٣٠٠) حديقة ضخمة جداً في غرناطة، ويُطلق على كل حديقة جنة من سعة هذه الحديقة وكثرة الثمار والأشجار وما إلى ذلك من نعيم الدنيا، ولا يستقيم له أبداً أن ينفق هذا الإنفاق والبلاد محاصرة من جيوش النصارى، وعندما يأتي وقت الجهاد يذهب ويستعين بالمجاهدين من البلاد المجاورة. لكن على كل حال أتى بنو مرين واستطاعوا أن يردوا الهجوم النصراني، لكن في سنة (٦٧١هـ) مات محمد بن الأحمر الأول وقد قارب الثمانين من عمره، واستخلف على الحكم ابنه محمد بن محمد بن يوسف بن الأحمر الملقب بـ الفقيه؛ لأنه كان صاحب علم غزير وفقه عميق، والحمد لله فقد ذهب الرجل الذي عقد معاهدات الخيانة والتسليم، وجاء رجل صاحب علم وفقه ولُقّب بـ محمد الفقيه.

стр. 128

تولية محمد بن محمد بن الأحمر على غرناطة بعد وفاة أبيه واستعانته ببني مرين على النصارى في معركة الدونونية وغيرها معظم أمراء بني الأحمر كان اسمهم محمداً، فـ محمد الملقّب بـ الفقيه لما تولى الأمور ونظر في أمر البلاد، وجد أن قوة المسلمين في بلاد الأندلس لا تستطيع أن تبقى في مواجهة قوة النصارى، فإن ألفونسو العاشر لما مات محمد بن الأحمر الأول ظن أن البلاد قد تهاوت فأسرع بالمخالفة من جديد وبالهجوم على أطراف غرناطة، فاستعان محمد بن الأحمر الثاني الملقّب بـ الفقيه بـ يعقوب المنصور المريني ﵀ في سنة (٦٧٣هـ)، فجهز المنصور جيشاً قوامه خمسة آلاف مقاتل، وكان هو قائد الجيش، ووصل مع جيشه إلى بلاد الأندلس وانضم إليه خمسة آلاف مقاتل من غرناطة، فالتقى المسلمون مع الصليبيين، خارج غرناطة بالقرب من قرطبة، وعدد المسلمين عشرة آلاف مقاتل، بينما عدد النصارى تسعون ألفاً من الصليبيين على رأسهم رجل من أكبر قواد مملكة قشتالة يُدعى دون ننيو ديلارا، والموقعة التي دارت بين المسلمين والصليبيين في ذلك المكان عُرفت بموقعة الدونونية نسبة إلى دون ننيو ديلارا الذي كان يقود قوات قشتالة في تلك الموقعة، تمت هذه الموقعة في سنة (٦٧٤هـ)، وقاد جيوش المسلمين المنصور المريني ﵀، وأخذ يحفّز الناس على القتال، وكان مما قاله في خطبته الشهيرة: ألا وإن الجنة قد فتحت لكم أبوابها، وزينت سورها وأترابها، فبادروا إليها وجدوا في طلابها، وابذلوا النفوس في أفنانها، ألا وإن الجنة تحت ظلال السيوف، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] فاغتنموا هذه التجارة الرابحة، وسارعوا إلى الجنة بالأعمال الصالحة، فمن مات منكم مات شهيداً، ومن عاش رجع إلى أهله سالماً غانماً مأجوراً حميداً، فاصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون، فعانق الناس بعضهم بعضاً للوداع وبكوا جميعاً، وسبحان الله! وإذا بهذا العدد القليل وبهذه القيادة وبهؤلاء الرجال الذين أتوا من بلاد المغرب حقق المسلمون انتصاراً باهراً عظيماً، وقُتل من النصارى ستة آلاف وأُسر ثمانية آلاف، وقُتل دون ننيو قائد قشتالة في تلك الموقعة، وغنم المسلمون غنائم هائلة لا تحصى، فما انتصر المسلمون منذ موقعة الأرك في سنة (٥٩١هـ) إلا في موقعة الدونونية سنة (٦٧٤هـ)، ثم انقسم جيش المسلمين بعد تلك الموقعة إلى نصفين: نصف توجه إلى جيّان وعلى رأسه ابن الأحمر ففتح جيان وانتصر عليهم، ونصف اتجه إلى إشبيلية وعلى رأسه المنصور فإذا به يحاصر إشبيلية ويصالح أهلها على الجزية، سبحان الله! رجل يحاصر إشبيلية بخمسة آلاف فقط، قال رسول الله ﷺ : (نُصرت بالرعب مسيرة شهر) وهذا يدل على صلاح الرجال والجيوش. وفي سنة (٦٧٧هـ) -أي: بعد ثلاث سنوات من تلك الموقعة- ينقض أهل إشبيلية العهد، فيذهب إليهم يعقوب المريني ﵀ ويصالحونه من جديد على الجزية، بعد أن تُحاصر فترة من الزمان، ثم بعد ذلك يتجه إلى قرطبة ويحاصرها فترضخ له من جديد، فيحرر قرطبة وإشبيلية وجيّان، وهذا كله وعدد جيشه لا يزيد عن خمسة آلاف مقاتل، فهذا الأمر يستحق وقفات طويلة، وهذا الأمر ليس بمستغرب في التاريخ الإسلامي، بل المستغرب أن يُهزم جيش الناصر لدين الله من قبل في موقعة العقاب، وكان عدد المقاتلين خمسمائة ألف مسلم؛ لأنهم اعتمدوا على قوتهم ولم يعتمدوا على الله ، فهذه سنن تتكرر في التاريخ ولنا فيها عبرة. ينتصر المريني كل هذه الانتصارات، ويجمع غنائم لا حصر لها، ثم في منتهى الورع والزهد يُعطي كل الغنائم لأهل غرناطة ويعود إلى بلاد المغرب ولا يأخذ معه شيئاً، انظروا إلى التاريخ كيف يكرر نفسه، فقد فعل نفس فعل يوسف بن تاشفين ﵀ بعد موقعة الزلاقة، فهؤلاء هم الرجال المنصورون.

стр. 129

موقف محمد بن الأحمر الفقيه من المنصور المريني حينما صار حاكماً على ألمرية مات حاكم ولاية ألمرية وتولى من بعده على حكم ألمرية ابنه وقد كان شاباً، ولما رأى أفعال يعقوب المنصور المريني وانتصاراته المتعددة أُعجب به إعجاباً كبيراً، فعرض عليه أن يحكم ألمرية، فوافق يعقوب المنصور المريني على ذلك فخلّف فيها ﵀ قوة بسيطة من المسلمين تبلغ من العدد (٣٠٠٠) رجل واستجلب (٣٠٠٠) رجل آخرين من بلاد المغرب، ووضعهم في جزيرة طريف حتى يكونوا مدداً قريباً لبلاد الأندلس إذا احتاجوا إليها في حربهم ضد النصارى، ثم عاد إلى بلاد المغرب. نظر محمد بن الأحمر الفقيه إلى ما فعله حاكم ألمرية من إعطاء ولاية ألمرية لـ يعقوب المنصور المريني، فأوجس ابن الأحمر، في نفسه خيفة، ففكر ولسان حاله يقول: إن في التاريخ لعبرة، لقد استعان المعتمد على الله بن عباد ملك الطوائف بـ يوسف بن تاشفين فأخذ البلاد وضمها إلى دولة المرابطين، وها هو الآن يعقوب المريني يأخذ مدينة طريف وألمرية إن في التاريخ لعبرة! لا بد أن أقف موقفاً حتى لا تضم بلاد الأندلس إلى دولة بني مرين، فهذا هو الفكر الذي كان عليه هذا الرجل الذي لقّبوه بـ الفقيه وما هو بفقيه. فلم تكن له طاقة لمحاربة يعقوب المنصور المريني ولا لشعبه ولا لجيشه ولا لحصونه، فاستعان بملك قشتالة لطرد يعقوب المنصور المريني من جزيرة طريف، بعد أن انتصر على النصارى في موقعتين شهيرتين في التاريخ: الدونونية وما تلاها في سنة (٦٧٧هـ) وفتح إشبيلية وقرطبة وجيّان، فأتى ملك قشتالة بجيشه وأساطيله فحاصر طريف من ناحية، وحاصرها من الناحية الأخرى ابن الأحمر الفقيه، فعلم بذلك يعقوب المنصور المريني ﵀ فعاد من جديد بسرعة إلى جزيرة طريف، وجهز الجيوش والأساطيل وحارب النصارى في موقعة كبيرة في سنة (٦٧٧هـ) وانتصر عليهم، ففروا إلى الشمال، فوجد ابن الأحمر نفسه في مواجهة يعقوب المنصور المريني، فأظهر الندم والاعتذار والأسباب غير المقبولة، فعفا عنه يعقوب المنصور المريني ﵀ وتاب عليه وأعاده إلى حكمه. ومن جديد يأتي يعقوب المنصور المريني في سنة (٦٨٤هـ) ليساعد ابن الأحمر في حرب جديدة ضد النصارى، هكذا وهب يعقوب المنصور المريني حياته للجهاد في سبيل الله وللدفاع عن دين الله، وفي هذه الموقعة ينتصر المسلمون على النصارى ويعقدون معهم عهداً، واشترط عليهم شروطاً فلم يطلب منهم مالاً ولا قصوراً ولا جاهاً، لكن طلب منهم أن يأتوا له بكتب المسلمين الموجودة في قرطبة وإشبيلية وطليطلة وغيرها من البلاد، وبالفعل أتوا له بكميات ضخمة جداً من كتب المسلمين، وهذا هو الذي حفظ تراث الأندلس إلى الآن، وما زالت في مكتبة فاس في المغرب إلى هذه اللحظة، فهذا يدل على علو المقاصد والهمم عند يعقوب المنصور المريني ﵀.

стр. 130

موقف ابن الأحمر الفقيه مع يوسف بن المنصور المريني بعد توليه حكم بني مرين في سنة (٦٨٥هـ) بعد هذه الموقعة يموت الحاكم العظيم المنصور ﵀ ويخلفه يوسف بن المنصور على إمارة بني مرين، ويذهب ابن الأحمر الفقيه بسرعة إلى ابن المنصور يعرض عليه ما شاء من أرض الأندلس، ويعرض عليه الولاء والطاعة، ويقدم له ما يريد، فطلب يوسف بن المنصور ﵀ أن يأخذ الجزيرة الخضراء وطريف حتى تكون قاعدة له في حرب النصارى، وهدأت الأمور نسبياً هناك في غرناطة، لكن لما أخذ يوسف بن المنصور الجزيرة الخضراء وطريف حرك هذا الأمر الوساوس من جديد في قلب ابن الأحمر الملقّب بـ الفقيه، فذهب مرة أخرى إلى النصارى، واستعان بهم من جديد على حرب يوسف بن المنصور لرد طريف من بني مرين، فأتى بالفعل جيش النصارى، وحاصر طريف، لكن في هذه المرة استطاع الجيش النصراني أن يسقط طريف، وكان الاتفاق بين النصارى وبين الفقيه ابن الأحمر أنهم إذا أخذوا جزيرة طريف من بني مرين أن يعطوها إلى ابن الأحمر، لكن بعد أن أخذها النصارى لم يعيدوها له، وهكذا خانوا العهد معه وحدثت الجريمة الكبرى والخيانة العظمى وسقطت طريف، التي كانت تطل على مضيق جبل طارق، وبذلك انقطعت بلاد المغرب عن بلاد الأندلس لوجود قوة كبيرة للنصارى تقع في طريف على الطريق بين بلاد الأندلس وبلاد المغرب، فانقطع المدد من بلاد المغرب إلى بلاد الأندلس.

стр. 131

تولية محمد الثالث الأحمر الملقب بالأعمش لبلاد غرناطة بعد وفاة والده في سنة (٧٠١هـ) يموت ابن الأحمر الفقيه ويتولى من بعده محمد الثالث الذي كان يلقّب بـ الأعمش، وقد كان رجلاً ضعيفاً جداً، وتولى الأمور في عهده الوزير أبو عبد الله بن الحكيم وما هو بحكيم، فقد سيطر على الأمور تماماً في بلاد غرناطة، وكان على شاكلة من سبقه في مراسلة ملك قشتالة والتحالف معه، ثم لم يكتف بذلك، لكنه زاد على السابقين له في هذه المحالفة بأن فعل أفعالاً عجيبة، فجهّز جيشاً وذهب به إلى دولة بني مرين واحتل منها سبتة حتى يقوي شأنه في مضيق جبل طارق، بل وفعل ما هو أشد من ذلك، فراسل رجلاً من بني مرين ليقوم بانقلاب ضد يوسف بن المنصور وأمده بسلاح، فوافق الرجل على ذلك، فهو يريد أن يُزعزع الحكم في بني مرين ويعتمد تماماً على ملك قشتالة في الحكم، وهذا غباء منقطع النظير، وأمر لا يقره عقل ولا دين، لكن هذا ما حدث. كانت النتيجة أنه بعد ذلك بأعوام قليلة سقط جبل طارق على يد الصليبيين، وعُزلت بالكلية بلاد الأندلس عن بلاد المغرب، وهكذا تُركت غرناطة لمصيرها المحتوم، فبلاد غرناطة وحُكام غرناطة وشعبها اعتمدوا منذ سنوات طويلة على استيراد النصر من بلاد المغرب، أما الآن فقد انقطع النصر الذي يأتي من بلاد المغرب، وخيانات كثيرة جداً مع بلاد المغرب لا تُعطي لهم الأمان في مساعدة هؤلاء، وهكذا تُركوا لحالهم ولشأنهم، وكان هذا في سنة (٧٠٩هـ) لما سقط جبل طارق في يد الصليبيين.

стр. 132

موقف ملوك بني الأحمر مع ملوك قشتالة ما بين سنة ٧٠٩هـ إلى سنة ٨٩٧ه ـ ما بين سنة (٧٠٩هـ - ٨٩٧هـ) أي: قرابة المائتي سنة والحال في بلاد غرناطة معاهدات متتالية من أبناء الأحمر ملوك غرناطة مع ملك قشتالة، وتسليم جزية وخزي وعار سنوات طويلة لكن لم تسقط، والذي حفظ هذه البلاد من السقوط لمدة مائتي سنة من غير وجود مدد من بلاد المغرب، أنه كان خلاف كبير جداً يدور بين مملكتي قشتالة وأراجون المملكتين النصرانيتين في شمال غرناطة، فقد كانتا تتصارعان سوياً، والمعروف أن كل مملكة منهما صارت مملكة ضخمة كبيرة على أنقاض الدولة الإسلامية في بلاد الأندلس، وأصبحت قوة غرناطة قوة هزيلة جداً لا ينظرون إليها، فقد انشغلوا بأنفسهم وتركوا المسلمين. ففي هذه المدة الطويلة كانت غرناطة على عهد واحد من الخمول والدعة والركون والمعاهدات المخزية مع النصارى، وهنالك أسباب غيّرت الأحوال وجعلت بلاد الأندلس تسقط بالكلية، ويلتفت إليها النصارى بعد أن شُغلوا عنها بحروبهم.

стр. 133

الخلافات بين الغالب بالله الأحمر وأخيه الزغل وأثرها في سقوط الأندلس في سنة (٨٧١هـ) أي: قبل السقوط بحوالي (٢٦) سنة، كان يحكم غرناطة في ذلك الوقت رجل اسمه محمد بن سعد بن إسماعيل بن الأحمر الملقّب بـ الغالب بالله، وكان له أحد الإخوة اسمه أيضاً محمد ويُعرف بـ أبي عبد الله محمد الملقّب بـ الزغل، أي: الشجاع، ولكن الأخوين اختلفا على الحكم، وتصارعا في مملكة غرناطة الهزيلة الضعيفة المحاطة في الشمال بمملكتي قشتالة وأراجون، فاستعان أبو عبد الله محمد الزغل بملك قشتالة لأجل أن يحارب أخاه الغالب بالله، وبالفعل تمت الاستعانة ودارت موقعة بين الأخوين، ثم اصطلحا على تقسيم غرناطة، فصار الجزء الشمالي منها والذي هو ولاية غرناطة الرئيسية تحت حكم الغالب بالله، والجزء الجنوبي والذي هو ولاية ملقة تحت حكم الزغل وهكذا انقسمت غرناطة إلى قسمين. وفي سنة (٧٧٤هـ)، أي: بعد هذا التقسيم بثلاثة أعوام يحدث حدث خطير جداً في الأندلس، وهو زواج فرناندو الثالث ملك أراغون وهو غير فرديناند الثالث ملك قشتالة أيام محمد بن الأحمر الأول، فيتزوج من إيزابيلا وريثة عرش قشتالة، وبعد هذا الزواج اصطلحت الدولتان: دولة أراجوان مع دولة قشتالة، وبعد خمس سنوات من زواجهما توحدت المملكتان في مملكة واحدة هي مملكة إسبانيا، وكان ذلك في سنة (٨٧٩هـ) وكانت هذه بداية النهاية لغرناطة، وأقسم الملكان فرديناند الثالث وإيزابيلا على ألا يعقدا عُرساً إلا في قصر الحمراء، قصر الرئاسة الموجود في غرناطة، فهذا يدل على قوة العزم الذي جهّزوه لبلاد المسلمين، أما بلاد غرناطة في ذلك الوقت في سنة (٨٧٩هـ) فقد كانت منقسمة إلى شطرين أو قسمين: قسم مع الزغل وقسم مع الغالب بالله، أما حال الشعب فقد عم فيهم الترف والدعة والخمول والغناء والخمور في ذلك الوقت، فماذا ننتظر بعد تلك الأمور؟

стр. 134

ظهور الخلاف بين أبي عبد الله الصغير وأبيه الغالب بالله وعمه الزغل وأثر ذلك في سقوط الأندلس كان الغالب بالله حاكم غرناطة متزوجاً من امرأة اسمها عائشة عُرفت في التاريخ بـ عائشة الحرة وكانت له جارية نصرانية اسمها الثريا، ففتن بها جداً وغرق في عشقها، وأنجبت له ولداً اسمه يحيى، وأثّرت عليه حتى جعلت يحيى هو وريث عرش غرناطة، والمؤهل للحكم رسمياً هو ابن عائشة الحرة الذي هو محمد أبو عبد الله، الملقب بـ الصغير تفريقاً بينه وبين عمه أبو عبد الله محمد الذي هو الزغل، فقد كان أصغر من عمه في سنه وفي مقامه. والذي حصل في بلاد غرناطة أن الغالب بالله حتى يضمن ولاية العهد لـ يحيى ابنه من ثريا الجارية النصرانية قام بحبس ابنه الآخر أبي عبد الله محمد الصغير وحبس عائشة في قصر كبير، وقيّد حركتهما تماماً، وكثير من الشعب يأبون أن يقوم بالحكم رجل أمه جارية نصرانية، فقد كانوا مؤيدين لـ أبي عبد الله محمد الصغير أن يكون وريثاً لعرش أبيه بعد عمر طويل، فاستطاع الشعب تخليص الأم والابن من السجن، وقام أبو عبد الله محمد الصغير بثورة على أبيه، وتولى الحكم في بلاد غرناطة، وطرد أباه من بلاد غرناطة إلى الجنوب، فذهب الأب إلى أخيه الزغل في ملقة، وهكذا قُسِّمت البلد من جديد إلى قسمين، وكما يقولون: هم يضحّك وهم يبكّي، فانقسمت غرناطة إلى قسمين: قسم عليه الصغير في غرناطة، وقسم عليه الزغل وتحت حمايته أخوه الغالب بالله، فاستغل ملك إسبانيا فرديناند الثالث الموقف، وبدأ يهاجم حصون غرناطة؛ لأن هناك خلافاً وانشقاقاً داخل البلد، وبدأ يحاربه الصغير، وكانت هناك معاهدات بين الغالب بالله وبين ملك إسبانيا، لكن الصغير كان مخالفاً لنهج الغالب بالله، فقامت بينه وبين ملك إسبانيا حرب، فأُسر من قبل ملك إسبانيا، فاستطاع الزغل أن يضم غرناطة إلى أملاكه، فأصبحت غرناطة مملكة واحدة من جديد تحت إمارة الزغل والغالب بالله أبي محمد الصغير، وبعد سنة مات الغالب بالله همّاً وكمداً من الذي حدث في البلاد، لكن هذا ما جنته عليه نفسه. وعرض الزغل على ملك إسبانيا أن يسترد الصغير بأموال كثيرة لكن ملك إسبانيا رفض، فهو يفكّر في لعبة خطيرة جداً، فقد تعاقد مع الصغير وكان عمره (٢٥) سنة، على أن يمكّن له في حكم بلاد غرناطة، بشرط أن يطرد منها الزغل بالكلية، وذلك بأن يشعل ثورة في شمال غرناطة، وملك إسبانيا يحاصر بجيشه ملقة من الجنوب، فبذلك تصبح غرناطة بين فكي كماشة، فإذا أتى الزغل إلى الجنوب لمحاربة ملك إسبانيا في ملقة فإن الصغير يدخل غرناطة ويسيطر عليها، فإذا تمكن النصارى من الاستيلاء على ملقة فإنها ستصير ملكاً لـ محمد الصغير ويصبح حاكماً على غرناطة باسم ملك إسبانيا، فوافق الصغير وسار بجيشه إلى شمال غرناطة، واتجه ملك إسبانيا فرديناند الثالث بجيوشه إلى ملقة، وتوجه الزغل سريعاً إلى ملقة لحرب النصارى هناك، لكنه لم يستطع مقاومتهم واستطاع النصارى أن يأخذوا ملقة منه، فعاد مسرعاً إلى غرناطة فوجدها في يد الصغير، فانطلق إلى شرق غرناطة إلى واد يسمى: وادي آش، واستقل بها وأخذها وأقام فيها جزءاً من مملكته، فصارت غرناطة كل وقت تتقلص وتتقسم نصفين، فهناك جزء في الشرق اسمه وادي آش على رأسه الزغل، وجزء الذي هو غرناطة على رأسه الصغير، وجزء الذي هو ملقة أخذه ملك إسبانيا، ومن المفروض أنه يرجعه للصغير فقد طلب من ملك إسبانيا أن يعيد له ملقة كما اتفقا، فقال له ملك إسبانيا: إن أنا سحبت جيوشي من هذه البلاد أتى الزغل وأخذها، فأنا سوف أُبقي جيوشي لحمايتك ثم أخذ ملقة، ثم مرت شهور واسترق أهل ملقة جميعاً، ولم يرع المعاهدة التي تمت بينه وبين الصغير، لكن هذا ديدنهم وهذه هي طبيعتهم، قال تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، فـ الصغير معه ولاية غرناطة، وملقة في يد ملك إسبانيا، ثم انطلق ملك إسبانيا من ملقة إلى ألمرية وهي على ساحل البحر المتوسط واحتلها في سنة (٨٩٥هـ)، ومنها توجه إلى وادي آش الذي هو بيد الزغل فأخذه منه، فهرب الزغل إلى تونس وترك البلاد بما فيها من المسلمين، وهكذا يفعل ملوك ذلك الزمان، وهكذا حوصرت مدينة غرناطة وقرى غرناطة ومز

стр. 135

انتفاضة موسى بن أبي غسان ضد الصليبيين في الأندلس وتسليم أبي عبد الله الصغير غرناطة للنصارى قامت في بلاد غرناطة في ذلك الوقت انتفاضة إسلامية قوية جداً بقيادة موسى بن أبي غسان وحرك الجهاد في قلوب الناس، وبدأ يحمّسهم على الموت في سبيل الله، وعلى الدفاع، فتحرك الشعب ليدافع عن غرناطة، وضلوا في دفاعهم طيلة سبعة أشهر كاملة، والمسلمون يدافعون عن حصون غرناطة ضد الهجمات الصليبية الشرسة، والصغير ينظر إلى تلك الأمور ويتفرج عليها وهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً، ويتمنى أن يجد حلاً أو مخرجاً فلا يجد، لكن بعد سبعة أشهر من هذه الأمور يحدث أمر جديد، وهو أن يُرسل فرديناند الثالث وإيزابيلا رسالة إلى الصغير يطلبان منه فيها أن يسلم غرناطة، على أن يعطوه شروطاً كثيرة جداً تضمن له ولقومه ولجيشه الأمان، فقد أعطوه في تلك الرسالة أكثر من سبعين شرطاً يضمن له البقاء، فتترك المساجد ولا تدخل الديار، ويطلق الأسرى، وتؤمّن الأعراض والأموال، ويوضع الصغير كأحد الوزراء المعاونين لملك إسبانيا، لكن موسى بن أبي غسان الذي قاد الانتفاضة هناك في بلاد غرناطة في ذلك الوقت فهم مغزى الرسالة، من أنها محاولة من النصارى لوقف الانتفاضة ووقف الدفاع عن البلاد، ووقف الحمية للجهاد، ووقف حمية الناس للموت في سبيل الله، لكن الصغير وجدها حلاً مناسباً للخروج من المأزق، فهو لا يريد أن يجاهد ولا يريد أن يحارب، بل يريد أن يبقى حياً ولو في ذل، فوافق الصغير على المعاهدة، ولكنه اشترط لنفسه شرطين، لأجل أن يؤمن نفسه من خيانة النصارى، الشرط الأول: أن يقسم على هذه العهود فرديناند وإيزابيلا فأقسما على هذا الأمر. الشرط الثاني: أن يحكّم هيئة معينة تضمن تطبيق هذه المعاهدة، وهو البابا في إيطاليا، فوقع البابا على هذه المعاهدة، فسلم الصغير مفاتيح غرناطة، وأوقف حركة الجهاد في البلد في مقابل أن يعطوه الأمان، بعد أن وقع له بابا روما وأقسم على تلك العهود فردنياند وإيزابيلا. ففهم موسى بن أبي غسان ﵀ هذا الأمر ووقف في قصر الحمراء، وقال: إن النصارى لا عهد لهم، ثم خطب خطبة مهيبة قال فيها: لا تخدعوا أنفسكم ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم، إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك نسائنا وبناتنا، وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنفاق والمحارق، هذا ما سوف نعاني من مصائب بدلاً من الموت الشريف، أما أنا فوالله لن أرى كل هذا الذل، وسأموت الموت الشريف، وغادر المجلس وذهب إلى بيته ولبس سلاحه وركب جواده وانطلق يقابل سرية من سرايا النصارى، وكان عددهم خمسة عشر رجلاً فقتل معظمهم ثم قتل في سبيل الله، وهذا ما نسميه اليوم بالعملية الاستشهادية، وكان مقتل موسى بن أبي غسان وتسليم الصغير مفاتيح غرناطة إيذاناً بانتهاء عصر الدولة الإسلامية في مملكة غرناطة خاصة والأندلس عامة، فأعطى الصغير الموافقة للملكين فرناندو الثالث وإيزابيلا بدخول غرناطة، وأرسل لهم بعض الهدايا، ودخل الملكان القصر الكبير قصر الحمراء ومعهما الرهبان، وكان أول ما فعل أن علّق صليباً فضياً كبيراً فوق برج القصر الأعلى، وأُعلن من فوق البرج أن غرناطة أصبحت ملكاً لملكي الكاثوليكيين، وأن حكم المسلمين قد انتهى من بلاد الأندلس، وخرج أبو عبد الله محمد الصغير من القصر الملكي، وسار بعيداً في اتجاه المغرب ووصل إلى ربوة عالية تطل على قصر الحمراء يتطلع إلى القصر والمهد القديم، فلم يستطع أن يتمالك نفسه فانفجر بالبكاء حتى بللت دموعه لحيته، فقالت أمه عائشة الحرة: أجل، فلتبك كالنساء ملكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال. وهذا التل الذي وقف عليه أبو عبد الله محمد الصغير ما زال موجوداً في إسبانيا، وما زال الناس يذهبون إليه يتفرجون على هذا الملك الذي أسسه الأجداد، ويُعرف هذا التل في إسبانيا بزفرة العربي الأخيرة، وكان بكاء أبي عبد الله محمد الصغير لما ترك ملكه في (٢) ربيع الأول سنة (٨٩٧هـ) الموافق (٢) يناير سنة (١٤٩٢م)، ثم هاجر أبو عبد الله محمد الصغير إلى بلاد المغرب، وهناك اعتقله ملك المغرب بتهمة الخيانة لبلاد المسلمين ووضعه في سجنه، وكما يقول المؤرخون: إن أولاد محمد الصغير صاروا بعد سنوات يشحذون في شوارع المغرب، وهذا من نتائج الذل وترك الجهاد، فلقد اندثرت حضارة الدنيا والدين ما عرفت أوروبا مثلها من قبل، وارتفع علم النصرانية فوق سطح الإسلام المغلوب، وطويت صفحة خالدة، وليت شعري أين موسى بن نصير؟ وأين طارق بن زياد؟ وأين يوس

стр. 136

محاكم التفتيش ضد المسلمين في الأندلس قام بعد ذلك ما يسمى في التاريخ بمحاكم التفتيش للبحث عن أي مسلم متخف بالنصرانية، فكانوا إذا وجدوا رجلاً يدّعي النصرانية ويُخفي إسلاماً، كأن يجدوا في بيته مصحفاً أو يجدوه يغتسل من جنابة، أو لا يشرب خمراً أقاموا عليه حدوداً كثيرة، كانوا يعذبونهم في السجون تعذيباً شديداً، ويملئون بطونهم بالماء حتى الاختناق، ويضعون في أجسادهم السياخ المحمية، ويسحقون عظامهم بآلات ضاغطة، ويمزّقون الأرجل ويفتحون الفك! ويضعونهم في توابيت مغلقة بها مسامير حديدية ضخمة تنغرس في جسم المعذب تدريجياً، أو في أحواض يوضع فيها الرجل، ثم يسقط عليه الماء قطرة قطرة حتى يملأ الحوض ويموت، وكانوا يدفنونهم أحياء، ويجلدونهم بسياط من الحديد الشائك، ويقطعون ألسنتهم بآلات خاصة! وقد شاهد كل هذه الآلات جنود نابليون لما فتحوا إسبانيا بعد ذلك، حتى صور ذلك جنود فرنسا في كتاباتهم وقالوا: إن الجنود الفرنسيين كانوا يصابون بالغثيان والقيء والإغماء، من تخيل أن هذه الآلات كان يُعذّب بها بشر! نعم يا إخوة كان يُعذب بها مسلمون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 137

عوامل سقوط دولة الإسلام في الأندلس بعد تاريخ الأندلس الطويل لأكثر من (٨٠٠) سنة، لا بد للمسلمين أن يقفوا معه وقفات كثيرة يأخذون العبرة ويأخذون الدرس، ويكررون ما حدث من العظماء، ويتجنبون ما حدث من الأقزام الذين أدوا إلى هذا الحال الذي وصلنا إليه في آخر عهود الأندلس. سقطت بلاد الأندلس سقوطاً ليس بالمفاجئ، فقد استمرت أكثر من (٢٠٠) سنة، وصبرت البلاد كثيراً بمساندة بني مرين وبخلاف النصارى، لكن الذي حدث في النهاية هو ما كان متوقعاً، لا بد أن ننظر ما الذي حصل في بلاد الأندلس حتى أدى إلى هذا الانهيار؟ ولو تكرر في أي وقت من الأوقات أو في أي بلد من البلاد ستكون العاقبة هي نفس العاقبة. عندما نحلل عوامل انحدار الأمم وضياع الأمم وسقوطها نجد أموراً متشابهة جداً في كل فترات الضعف في تاريخ الأندلس، ونجد أن هذه الأمور قد زادت بشدة في فترة غرناطة؛ ولذلك كان السقوط كاملاً وحاسماً، وهذه الأمور ما يلي: الأمر الأول: هو الإغراق بالترف، والركون الشديد إلى الدنيا وإلى الملذات والشهوات والخنوع والدعة والميوعة، فقد ترتبط دائماً فترات الهبوط بكثرة الأموال والانغماس في الملذات وميوعة شديدة جداً في شباب الأمة، وانحطاط كبير جداً في الأهداف، قال : ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:١١ - ١٣]، ارجعوا إلى قصر الحمراء، وسلموا غرناطة للنصارى، وتذوقوا الذل كما لم تعملوا للعزة وللكرامة. انظر إلى الرجل الذي كان يرثي سقوط غرناطة، والشعر هو الإعلام الذي يحفز الناس على أفكار معينة، يقول هذا الشاعر: غرناطة يا أجمل المدن لن تسري بعد اليوم نغمات العود الناعمة في شوارعك المقمرة ولن تُسمع ألحان العشاق تحت قصورك العالية وستسقط دقات الصنوج المرحة التي كانت تتناغم فوق تلالك الخصبة وستقف الرقصات الجميلة تحت عرائشك الوريفة وا حسرتاه! لن يستمع عربي بعد اليوم إلى البلابل تصدح في مروجك الفسيحة ولن يستروح أريج الريحان وأزهار البرتقال في ربوعك المؤنسة لأن نور الحمراء أُطفئ إلى الأبد تخيل بعد هذا السقوط الشنيع لبلاد غرناطة يقف رجل ويرثي غرناطة بهذه الكلمات، وهذا ما يهمه في تلك البلاد، لا يهمه الثغور التي خرجت منها الجيوش تجاهد في سبيل الله، ولا يهمه المكتبات، ولا يهمه المساجد التي حوّلت إلى كنائس، ولا يهمه المسلمون الذين قُتلوا بأيدي الصليبيين، وهذا من انحطاط أهداف الشباب، حتى أصبح حلم الشاب في حياته أن يكلم فتاة من الفتيات، أو يخرج معها أو يبادلها حباً غير مشروع لا يرضاه لأخته ولا لابنته، ويصور الشعراء هذا الحب على أنه أسمى درجات الحب، فيضحي الرجل من أجله، ويسمو عنده فوق كل حب، فوق حب الله، وحب رسوله، وحب الدين، وحب الجهاد، وحب الوالدين، وحب الوطن، وحب الفضيلة، بل وقد يضحي بحياته انتحاراً إذا فارق محبوبته! أي انحدار هذا؟ وأي انحطاط هذا؟ وأي سفاهة؟ وأي تفاهة؟ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤]، تذكروا ما فعله زرياب وأمثال زرياب في تاريخ الأندلس، وكيف قادوا الشباب إلى الميوعة التي أسقطت بلاد الأندلس إلى الأبد؟ الأمر الثاني: ترك الجهاد في سبيل الله، وهو أمر ملازم لمن أُغرق في الترف، الجهاد سنة ماضية إلى يوم القيامة؛ شرعها الله ليعيش المسلمون في عزة، ويموتون في عزة ثم يدخلون بعد ذلك الجنة ويخلدون فيها، أين أولئك الذين كانوا يجاهدون في حياتهم مرة أو مرتين كل سنة بصفة مستمرة ودائمة؟ أين يوسف بن تاشفين وأبو بكر بن عمر اللمتوني والحاجب المنصور الموحدي وعبد الرحمن الناصر؟ أما ملوك غرناطة ومن كان على شاكلتهم فقد تركوا الجهاد في سبيل الله، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]. وال

стр. 138

الأسئلة

стр. 139

فتح القسطنطينية وتزامنه مع سقوط الأندلس السؤال إذا كان الإسلام قد انتهى بالكلية من بلاد الأندلس فأي قيام بعد هذا الانتهاء؟ الجواب حدث قبل سقوط الأندلس التام بأربعين سنة شيء غريب جداً وهو فتح القسطنطينية في سنة (٨٥٧هـ)، فما غربت شمس الإسلام على أوروبا من ناحية المغرب إلا وتُشرق عليها من ناحية المشرق، فقد استبدل الله هؤلاء الذين باعوا وخانوا من ملوك غرناطة بالأندلس بغيرهم من العثمانيين المجاهدين الفاتحين الأبرار، الذين فتحوا القسطنطينية وما بعدها، وبدأ الإسلام ينتشر في شرق أوروبا انتشاراً أسرع من انتشاره في بلاد الأندلس وفرنسا، فهذه آية من آيات الله تبعث الأمل في نفوس المسلمين في كل وقت، فأمة الإسلام أمة لا تموت.

стр. 140

سبب ذهاب الإسلام من بلاد الأندلس السؤال لماذا انتهى الإسلام بالكلية من بلاد الأندلس؟ الجواب المعروف أن بلاد الأندلس سابقاً وإسبانيا والبرتغال حالياً من أقل بلاد العالم تعداداً للمسلمين، حيث أن عدد المسلمين في إسبانيا بعد أن حكمت بالإسلام ثمانية قرون مائة ألف فقط، يعني أقل من المسلمين في مدينة من مدن أمريكا، فإن مدينة دالاس فيها مائة ألف مسلم، وهذا أمر في منتهى الغرابة! فالإسلام انتهى بالكلية من بلاد الأندلس كأفراد وكشعوب، ولن ينتهي من بلاد المسلمين الأخرى التي استعمرت استعماراً صليبياً، وقد طال في بعض الفترات، فمثلاً: احتلت الجزائر لمدة (١٣٠) سنة، ومصر (٧٠) سنة، وكذلك احتل غيرها من البلاد، وفلسطين ما يقارب (٢٠٠) سنة على يد الصليبيين، ومع ذلك لم يتغير المسلمون في البلاد، فقد ظلوا مسلمين وإلى الآن. وللمزيد من الإجابة عن هذا السؤال: أن الاستعمار الأسباني في بلاد الأندلس كان استعماراً استيطانياً إحلالياً، لا يدخلون بلداً إلا قتلوا من فيه من المسلمين جميعاً، فهي حروب إبادة رهيبة، أو يطردونهم إلى خارج البلد ويأتون بالنصارى من أماكن مختلفة إلى بلاد الأندلس، وبذلك لم يبق في بلاد الأندلس مسلمون، وهؤلاء الذين حكموا البلاد وعاشوا فيها بعد ذلك كانوا نصارى أبناء نصارى، وهذا على عكس الاحتلال في البلاد الإسلامية الأخرى كمصر والجزائر وليبيا وسوريا وغيرها، فإن الاحتلال فيها كان بالجيوش لا بالشعوب، واحتلال الجيوش مصيره إلى الخروج، وهذا يذكرنا بشيء في غاية الأهمية، وهو أن الاحتلال الاستيطاني الذي حدث في الأندلس لم يتكرر في بلاد العالم إلا في مكان واحد يخص المسلمين وهو فلسطين، ففلسطين والله ما هي إلا أندلس جديدة، وما يفعله اليهود الآن من تهجير اليهود إلى أرض فلسطين وإبادة الشعب الفلسطيني أو طردهم وتشريدهم، وإصرارهم على عدم عودة اللاجئين، والإكثار من المستعمرات ما هو إلا خطوة من خطوات إحلال الشعب اليهودي مكان الفلسطيني، حتى يضمن البقاء بعد ذلك لفترات متلاحقة وطويلة، والشعب الفلسطيني المشرد مصيره إلى النسيان، وسينساه العالم، بل وقد ينسى الفلسطينيون المشردون القضية، كما نسيها أهل الأندلس الذين هاجروا إلى بلاد المغرب وتونس والجزائر بعد عام أو عامين أو عشرة أعوام أو مائة عام، فقد مر على سقوط الأندلس (٥٠٠) عام، فمن يفكر في تحريرها؟ فهكذا يريد اليهود بتهجير اليهود إلى بلاد فلسطين لإحلال الشعب اليهودي مكان الشعب الفلسطيني، فقضية فلسطين شديدة الشبه بالأندلس، ولا بد أن يعتبر المسلمون.

стр. 141

سبب عقد اتفاق السلام بين اليهود والفلسطينيين في مدريد السؤال لماذا عُقد اتفاق السلام الأخير بين اليهود والفلسطينيين في مدريد؟ الجواب تمت المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مدريد سنة (١٩٩٢م) إحياء لذكرى سقوط الأندلس الذي قد مر على سقوطها (٥٠٠) عام، وإذا بشوارع مدريد تكتظ بالاحتفالات والمهرجانات لهزيمة المسلمين وانتصار الصليبيين في هذه الموقعة القديمة منذ (٥٠٠) عام، وكأنهم يقولون لهم: ها هو التاريخ يتكرر، وها هي أحداث الأندلس تتكرر من جديد في فلسطين، وها هي الانتفاضة التي تحدث في فلسطين تُقتل كما قُتلت انتفاضة موسى بن أبي غسان في غرناطة، فلا داعي للحروب، ولا داعي للجدال والمحاورات الكثيرة؛ فإن مصيركم هو مصير الأندلس من قبل. نحن لا نذكر تاريخ الأندلس لنبكي على اللبن المسكوب، ولنعيش في صفحات الماضي كما يقولون، بل نذكره لنأخذ منه العبرة، قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف:١٧٦]. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] الذي يجب أن يشغلنا الآن هو أن نقف وقفة مع تاريخ الأندلس؛ لنفهم منه أحداث فلسطين والشيشان وكسوفا والبوسنة والهرسك وكشمير وغيرها من البلاد.

стр. 142

دور الشعوب والأفراد تجاه فلسطين لئلا تصبح أندلساً أخرى السؤال ما هو دور الشعوب والأفراد في قضية فلسطين حتى لا تصبح مثل الأندلس؟ الجواب هذا السؤال يا إخوة في غاية الأهمية، وإجابته موجودة في كل صفحة من صفحات تاريخ الأندلس، وفي كل صفحة من صفحات التاريخ الإسلامي، وسنسرد إن شاء الله مجموعات خاصة للحديث عن دور المسلمين تجاه قضية فلسطين، لكن يجب على عموم المسلمين أن يرجعوا ويبحثوا ويتدبروا أمرهم، ويكونوا كالمؤمن الذي لا يُلدغ من جحر مرتين. وأختم بقوله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.