Полный текст (142 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
استرداد هشام بن الحكم بن الناصر للحكم بعد الانقلاب على المهدي
انقلب الفتى واضح على المهدي، وبدأ يتولى الأمور؛ لكن الفتى واضح كان أذكى من عبد الرحمن بن المنصور الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك.
فقد رفض أن يكون خليفة البلاد؛ لأنه سيحدث انقلاب من كل القبائل الموجودة، ولأن الناس غير متعودين أن يكون الخليفة عامرياً، فبحث عن رجل من بني أمية يكون هو الخليفة في الظاهر، فوجد الرجل الذي يناسبه ألا وهو هشام بن الحكم المخلوع من قبل، الذي ظل ألعوبة لمدة (٣٣) سنة في يد محمد بن أبي عامر وعبد الملك بن المنصور ثم في يد عبد الرحمن بن المنصور، فعرض على هشام بن الحكم الخلافة من جديد بشرط أن يكون الفتى واضح هو الذي يدير الأمور في البلاد، فوافق هشام بن الحكم فوراً، وعاد من جديد هشام بن الحكم الذي كان ملقباً بـ المؤيد بالله للحكم ومن ورائه الفتى واضح.
وسليمان بن الحكم كان موجوداً في البلاد وكان يدبر المكائد ويريد أن يعود للحكم من جديد، فاستعان بملك قشتالة من جديد، لكن ملك قشتالة أرسل إلى هشام بن الحكم أن سليمان بن الحكم يريد مساعدتي في قتالك وحربك، فماذا تعطيني حتى لا أساعده؟ فعرض عليه أموراً فاختار كل الحصون الشمالية للمسلمين في بلاد الأندلس، فتوسعت قشتالة جداً حتى أصبحت حدود قشتالة أكبر من حدود مملكة ليون، مع أن مملكة قشتالة كانت جزءاً صغيراً منفصلاً عن مملكة ليون، وتوحدت البلاد النصرانية في الشمال، فهذه كارثة كبيرة جداً تحل على الأمة الإسلامية، وكل هذه الأحداث والصراعات والاستعانة بالنصارى ودخولهم في بلاد المسلمين والقتل والسلب والنهب في ثلاث سنوات فقط.
стр. 72
استرداد سليمان بن الحكم بن الناصر للحكم من هشام
في سنة (٤٠٣هـ) هجم سليمان بن الحكم ومن معه من البربر على قرطبة فعاثوا فيها فساداً، قتلاً واغتصاباً للنساء، وهذا أمر في منتهى الغرابة جداً، وهذه من بذور الضعف، والقشة التي قصمت ظهر البعير كانت في وفاة عبد الرحمن بن المنصور وخلع هشام بن الحكم، لكن لم يكن هذا هو السبب، وإنما هو تملك الترف في الناس وتوسع الدنيا، ووسد الأمر إلى غير أهله، وكل هذه الأمور أدت إلى هذه الهلكة العجيبة في البلاد، ومن جديد يتولى سليمان بن الحكم الحكم في بلاد الأندلس، ومقر الحكم قرطبة، لكن البلاد تفككت، كان في قرطبة هشام بن الحكم والعامريون، ففر العامريون إلى شرق الأندلس في منطقة بلنسية وما حولها، وطرد هشام بن الحكم من البلاد ثم قتل بعد ذلك.
والمفاجأة الأخرى أن كل هذه المؤمرات والمكائد، وهشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر وسليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر أخوان، فهما من أولاد الحكم بن عبد الرحمن الناصر القائد المظفر الذي استخلف على الحكم من لا يملك مؤهلات الحكم، ووسد الأمر إلى غير أهله.
стр. 73
تولية علي بن حمود البربري للحكم من بعد سليمان بن الحكم ثم القاسم بن حمود
تولى سليمان بن الحكم الحكم من سنة (٤٠٣هـ - ٤٠٧هـ) وكان الجيش الرئيسي له من البربر، وكانوا يريدون أن يستولوا على الحكم، فكونوا قوة أساسية كبيرة، واستعانوا بالبربر من بلاد المغرب وهجموا على سليمان بن الحكم وأخرجوه من الحكم وقتلوه، وتولى خلافة المسلمين في الأندلس في سنة (٤٠٧هـ) رجل من البربر اسمه علي بن حمود الذي تسمى بـ الناصر بالله، استقر الأمر لـ علي بن حمود في قرطبة وعين أخاه القاسم بن حمود على إشبيلية في سنة (٤٠٧هـ)، وبذا أصبح الذين يتملكون الأمور في قرطبة وما حولها هم البربر في ذلك الوقت سنة (٤٠٧هـ).
والعامريون الذين فروا إلى شرق الأندلس لم يسكتوا، بل بحثوا عن أموي آخر هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله من أحفاد عبد الرحمن الناصر، وبايعوه على الخلافة، وسمى نفسه المرتضي بالله، فأخذوه وذهبوا به إلى قرطبة لحرب علي بن حمود البربري، وبالفعل دارت حرب بين العامريين ومعهم المرتضي بالله وبين البربر وعلى رأسهم علي بن حمود كانت النتيجة بين الفريقين أن قتل في الموقعة علي بن حمود والمرتضي بالله.
لكن تمكن البربر من الانتصار في الموقعة النهائية وتولى الحكم القاسم بن حمود حاكم إشبيلية سابقاً.
ثم قامت بعد ذلك صراعات كثيرة وأتوا برجل آخر من بني أمية وهكذا استمر هذا الوضع إلى سنة (٤٢٢) أي: أن (١٣) خليفة تولوا الحكم من سنة (٣٩٩هـ - ٤٢٢هـ) ثم يجتمع العقلاء من أهل الأندلس، والعلماء وكبار القوم، واتفقوا على عزل بني أمية تماماً عن الحكم؛ لأنه لم يعد هناك من بني أمية من يصلح لإدارة الأمور، فقد انتهى عهد الخلفاء والأمراء ومن تبعهم أبداً ليسوا على شاكلتهم، فاجتمعوا على خلعهم.
وعملوا بالفعل مجلس شورى في قرطبة في سنة (٤٢٢)، وولوا عليه رجلاً اسمه أبو الحزم بن جهور، وهذا الرجل كان من علماء القوم، وكان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة العقل، وظل الحال هكذا سنة أو سنتين أو ثلاث، لكن واقع الأمر أن أبا الحزم بن جهور لم يكن يسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قرطبة فقط، أما البلاد والأقاليم الأخرى في الأندلس فقد ضاع السيطرة عليها، وبالفعل بعد ثلاث أو أربع سنوات من هذا التاريخ بدأت الأندلس تقسم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة، ليبدأ ما يسمى بعهد دويلات الطوائف أو عهد ملوك الطوائف.
стр. 74
تقسيم بلاد الأندلس في عهد ملوك الطوائف
قسمت بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسية في عهد ملوك الطوائف.
فبنوا عباد أخذوا منطقة إشبيلية، وهم من أهل الأندلس الأصليين.
وبنو زيري من البربر أخذوا منطقة غرناطة في جنوب الأندلس.
وبنو جهور أخذوا منطقة قرطبة، والذي كان منهم أبو الحزم بن جهور زعيم مجلس الشورى، فصاروا حكاماً على منطقة قرطبة.
وبنو الأفطس من البربر أخذوا غرب الأندلس وأسسوا إمارة اسمها: بطليوس، وقد تكاثروا فيها ووضعوا أنفسهم في هذه المنطقة.
وبنو ذي النون من البربر أخذوا المنطقة الشمالية التي فيها طليطلة وما فوقها.
وبنو عامر وهم العامريون وأصلهم من اليمن أخذوا شرق الأندلس، وكانت عاصمتهم في تلك المنطقة بلنسية.
وأخيراً بنو هود أخذوا سرقسطة في الشمال الشرقي من البلاد، فقسمت البلاد إلى سبعة أقسام متساوية، كل قسم فيه عنصر من العناصر، إما قبيلة من البربر أو من العرب أو من الأندلس الأصليين.
بل إن داخل كل منطقة من المناطق أكثر من دويلة، فبنو عامر كانوا مسيطرين على شرق الأندلس، وكانت شرق الأندلس مقسمة إلى أكثر من دويلة، وعلى كل دويلة رئيس من رؤساء بني عامر.
وكذا بنو جهور قسموا قرطبة إلى أكثر من منطقة.
وبنو الأفطس قسموا بطليوس إلى أكثر من منطقة وهكذا، حتى وصل تعداد الدويلات الإسلامية في الأندلس بلا مبالغة إلى (٢٢) دويلة، بالرغم من أن (٢٥%) من أرض الأندلس تحت سيطرة النصارى، و (٧٥%) من أرض الأندلس يقسم إلى (٢٢) دويلة، وأن مساحة الأندلس بكاملها ستمائة ألف كيلو متر مربع، أما المساحة التي يحكمها المسلمون فهي حوالي (٤٥٠.
٠٠٠ كيلو متر مربع) يعني: أقل من مساحة نصف مصر وهي مقسمة إلى (٢٢) دولة كاملة، كل دولة لها رئيس ولها جيش ولها أمة ولها سفراء ولها وزارات، ولها كل مقومات الدولة أو الإمارة.
فتفتت المسلمون تفتتاً لم يسبق في عهد الأندلس، وكان الهبوط على أشد ما يكون، ولو نقارن ما كان عليه الأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر من العزة والقوة والوحدة، وما صار إليه من التفرق والتشتت وفقدان عنصر من أهم عناصر القوة عند المسلمين وهو عنصر الوحدة، لقلنا: ما أشبه اليوم بالبارحة.
لقد كان هذا التفرق بعد حوالي (٥٠ أو ٦٠) سنة فقط من العزة والقوة والوحدة أيام الناصر وولده الحكم.
ترى ماذا حدث بين هذه الدول المتصارعة في بلاد الأندلس؟ هل من قيام بعد هذا التفتت الشديد وهذا الانهيار المروع في بلاد الأندلس؟ هذا ما نتداوله إن شاء الله في الحلقة القادمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.
стр. 75
سلسلة الأندلس_ عهد ملوك الطوائف
تجزأت بلاد الأندلس إلى دويلات ضعيفة لا تمتلك أسباب ومقومات النصر على الأعداء المحيطين بها؛ وذلك بسبب حب الدنيا والركون إليها، وحب الجاه والسيادة، وأدى ذلك إلى التناحر والتباغض فيما بين أمراء هذه الدويلات، وتفاقم الأمر حتى بلغ إلى الاستعانة بالنصارى، فسقطت بسبب ذلك بعض الإمارات الإسلامية كطليطلة، والبعض الآخر فرض عليه الحصار كإشبيلية، فصارت هذه الدويلات تحت سلطة النصارى وحكمهم، وأصبح المسلمون يدفعون الجزية للنصارى وهم صاغرون.
стр. 76
سبب انتصار الأمة الإسلامية أو هزيمتها
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فمع الحلقة الثامنة من حلقات الأندلس: من الفتح إلى السقوط.
قبل: الدخول في الحلقة المعتادة هناك بعض التعليقات والأسئلة بخصوص الحلقات السابقة.
شكوى متكررة من كثرة الأسماء والتواريخ والأرقام وما إلى ذلك، والحقيقة أن هذه المجموعة لتاريخ الأندلس هي مجموعة للتاريخ، فمن الضروري أن يذكر فيها كل الأسماء المؤثرة في تاريخ الأندلس، لكن ليس بالضرورة أن تحفظ كل الأسماء والتواريخ، وعلى سبيل المثال: ما حدث في الحلقة السابقة من صراع دامي وطويل بين مجموعة الملوك الأقزام من سنة (٣٩٩) إلى سنة (٤٢٢هـ)، أي: (١٣) خليفة، غير مهم أن تحفظ أسماء هؤلاء الخلفاء الذين ما حكموا إلا شهوراً معدودات، وما حكموا إلا لجمع الدنيا والمال وما إلى ذلك.
وهذه الفترات كانت دامية في العصر الإسلامي في بلاد الأندلس، لكن المهم هو العبرة في هذه الفترة من الفرقة، وأثرها على المجتمع، والولاء للنصارى والتعاون معهم ضد المسلمين، وأثر ذلك على المجتمع الأندلسي، والترف وأثره على المجتمع والقواد والشعوب.
وهناك على الجانب الآخر أسماء لابد أن تحفظ وأن تدرس بعناية وأن تتخذ نبراساً للأمة، أمثال: موسى بن نصير وطارق بن زياد وعبد الرحمن الغافقي وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر ﵏، ومما لا شك أن لهؤلاء أخطاء وعيوباً، لكنها قليلة جداً بالنسبة للحسنات الكثيرة التي فعلوها، فتدرس حياة هؤلاء بعناية، وتدرس العبر والدروس لهذا التاريخ الطويل.
فنحن نلخص تاريخ (٨٠٠) سنة، فعليكم أن تعذرونا في كثرة الأسماء والأحداث وتلاحقها؛ لأننا نريد أن نكمل هذه المجموعة في حوالي (١١) أو (١٢) درساً، أي: أن تاريخ ١٠٠ سنة تقريباً أو أقل منها بقليل يكون في كل حلقة واحدة، وهذا الشيء يجعلنا نتغاضى عن كثير من الأحداث، ليس لقلة أهميتها، ولكن لضيق الوقت، والأمر محتاج لدراسة طويلة.
أنا أنصح كل الإخوة الذين يسمعون هذه الحلقات أن يسمعوا الأشرطة أكثر من مرة، وأن يدونوا ذلك، ويجمعوا الأحداث والأفكار؛ لأن هذه دراسة لتاريخ الأندلس، ليس مجرد أخذ بعض المعلومات من هذا التاريخ، وهذه الدراسة متأنية، وأنا واثق أنه في كل سماع جديد للشريط ستوجد نتائج ودروس جديدة، فهذه دعوة مفتوحة للجميع.
هذا سؤال يقول: لماذا كلما قام المسلمون على أقدامهم سقطوا، وكأنه ليس هناك أمل، أليس من قيام لا سقوط بعده، ولا تحصل فيه هذه الهزات المتتالية للمسلمين؟
الجواب
نحن رأينا في تاريخ الأندلس قياماً أثناء الفتح وعهد الولاة الأول، ثم تلاه سقوط في آخر عهد الولاة، وحللنا ذلك، ثم رأينا قياماً في أول الإمارة الأموية في عهد عبد الرحمن الداخل ومن تبعه من الأمراء والخلفاء، ثم تلاه سقوط في النصف الثاني من الإمارة الأموية في عهد الضعف، والذي استمر من سنة (٢٣٨ - ٣٠٠هـ) أي: قرابة ٦٢ سنة، ثم صار قيام من جديد في عهد عبد الرحمن الناصر ووصول إلى الذروة والعلو، ثم سقوط بعد نهاية عهد الحاجب المنصور أو الدولة العامرية والدخول فيما يسمى بعهد ملوك الطوائف، والذي قد تحدثنا عنه في الحلقة السابقة، واعذروني في هذه الحلقة لأنه سيكون فيها أشياء قد تدمي القلب أكثر، لكن هذا واقع لا بد من دراسته.
وللجواب عن السؤال الذي يقول: لماذا كلما نقوم نقع؟ ولماذا كلما ارتفعت الأمة سقطت؟ فهذه ملحوظة في منتهى الجمال، نقول: من سنن الله الارتفاع والهبوط، وهما بصفة مستمرة منذ نزول الرسالة على رسول الله ﷺ وحتى يومنا هذا، بل وحتى يوم القيامة، فالمسلمون لا يقومون ولا ينهضون بأمتهم إلا إذا أخذوا بأسباب القيام، وأسباب القيام كثيرة جداً تحدثنا عنها في كل فترة من فترات القيام، ومن أهمها: الإيمان بالله ، والاعتقاد الجازم بنصرته وقدرته ، والأخوة بين المسلمين والوحدة بين الصفوف والتجمع، ونبذ الفرقة، والعدل في التعامل بين الحكام والمحكومين، وانتشار العلم والدين بين الناس، والأخذ بالأسباب بصورة كاملة، من عدة وعتاد وعدد وخطط وعلم ومال، وكل ما هو مستطاع في اليد، يقول في كتابه الكريم: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
стр. 77
عهد ملوك الطوائف في الأندلس
ذكرنا في الدرس السابق أنه بعد موت عبد الرحمن المنصور الذي كان يتولى الحجابة في عهد هشام بن الحكم حدث انهيار مروع في أرض الأندلس، وقسمت البلاد إلى (٢٢) دويلة، وهذا أمر في منتهى الغرابة، أن بلاداً صغيرة ليست بالمساحات الشاسعة قسمت إلى (٢٢) دويلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وإذا نظرنا إلى واقع المسلمين في الأندلس المجزأة إلى (٢٢) دولة نجد أنها دول مفرقة ومفتتة، وكلها تنتمي إلى الإسلام، وكل واحد من هؤلاء الذين حكموا هذه الدويلات الصغيرة قد أعلن أنه أمير المؤمنين، ليس فقط أمير مدينة من المدن، إنما أمير كل المؤمنين وكأنه يستحق أن يكون أميراً للمؤمنين في جميع أنحاء الأرض.
حتى إن الرجل في ذلك الوقت كان يمر على ثلاثة من أمراء المسلمين في يوم وليلة لصغر حجم الإمارات، فهي بلاد صغيرة جداً، وكل مدينة وما حولها من القرى تعتبر نفسها دولة ومملكة، ولها سياج من حولها ورئيس وإعلام وجيش وسفراء خاص بها، وهي لا تملك أي مقومات للدولة، ويا ليت كل واحد منهم ظل متحكماً في أرضه ولا ينظر إلى أرض أخيه المجاورة، بل إن كل واحد منهم يعتدي على حدود الآخر فينشأ الصراع بينهما.
تخيل أن المدن الإسلامية وحواضر الإسلام في الأندلس كقرطبة تصارع إشبيلية، وبلنسية تصارع سرقسطة وهكذا كان العهد في تلك الفترة صراع بين الممالك الإسلامية أو الدويلات الإسلامية أو المحافظات الإسلامية داخل أرض الأندلس، وكل جيش يضرب الجيش الثاني.
عندما نحلل الموقف نتعجب جداً عن حال الناس في ذلك الوقت، فقد يفهم الإنسان أن الخليفة شرير وخارج عن تعاليم الشرع، ويقاتل من أجل المال، لكن أين الشعوب؟ فالشعب يقاتل الشعب المجاور، وكيف زين للشعوب أن تقاتل إخوانها؟ والإعلام الموجود في تلك الفترة هو الشعر، فإن كثيراً من الشعراء يتحدثون شعراً عما يحدث في هذه البلاد، بل إن معظم أبيات الشعر في تلك الفترة هي تمجيد لهؤلاء القواد الذين يقودون الشعوب، حتى جعلوهم كأنهم إله له الحق أن يشرع، وكانت له أموال ضخمة وبناءات ضخمة، وإنجازات ضخمة، فيفتن الناس بهذا المال وهذا العلو في الأرض فيتبعونه فيما يقول.
وكان هناك ضغط قوي من الجيوش التي تتبع هؤلاء الحكام، فقد كانت تحكم الناس بالحديد والنار، والناس لا تستطيع أن ترفع أصواتها في وجوه هؤلاء الطواغيت، وظهرت فتاوى خاصة تصرح لهؤلاء بالغزو على بعضهم البعض، فهذه صفات المجتمع الأندلسي في ذلك الوقت.
وهناك كارثة أخرى حلت على المسلمين في ذلك الزمان وهي التعاون مع النصارى ضد بعضهم البعض، فمنهم من استعان بأمير قشتالة، ومنهم من ذهب إلى أمير أراغون، ومنهم من ذهب إلى أمير ليون، وكل واحد أخذ له نصير من الدول النصرانية الموجودة في شمال الأندلس، التي كانت في أول هذا العهد تسيطر على (٢٥%) فقط من أرض الأندلس، والتي كانت تدفع الجزية لـ عبد الرحمن الناصر وللحكم بن عبد الرحمن الناصر وللحاجب المنصور.
وأكثر من ذلك أن أمراء الطوائف دفعوا الجزية للنصارى، وقام ألفونسو السادس حاكم إمارة قشتالة أكبر الحكام النصارى في ذلك الوقت بالتوسع في بداية عهد الطوائف، وضم إليه مع مرور الوقت مملكة ليون، فأصبحت قشتالة وليون مملكة واحدة تحت زعامة ألفونسو السادس.
وكان أمراء ملوك الطوائف يدفعون الجزية للأمير ألفونسو السادس من أجل أن يحافظ لهم على الحكم في بلادهم، وكان يسبهم في وجوههم، فما يزيدون على قول: ما نحن إلا جباة أموال لك في بلادنا، على أن تجعلنا حاكمين لهذا الشعب المسكين.
انظر إلى قوله الذي يصور هذا الواقع، وكأن هذه الآية نزلت في أهل الأندلس في هذه الفترة من الزمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِم يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢]، أي: نحن لا نستطيع أن نحارب الدول التي حولنا، لابد أن نأخذ معاونة ومساعدة من هؤلاء النصارى المحيطين بنا، فيرد عليهم رب العالمين بقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥٢].
انظر إلى تدبير رب العالمين في آخر عهد ملوك الطوائف عندما يأتي النصر، فإن هؤلاء يسرون في أنفسهم ويندمون ويرجعون إلى دينهم بعد ذلك.
وهذه الآية تصف وصفاً دقيقاً لواقع المسلمين في عهد الأندلس، ولابد أن ندرس القرآن بعناية، والقرآن ليس كتاباً يحفظ في السيارة أو البيت أو يحفظ للبركة، بل القرآن منهج ودستور يربي الأمة والمجتمع، وليس هناك
стр. 78
موقف المتوكل بن الأفطس من ملك قشتالة
كان كل أمراء الممالك الموجودين في فترة أمراء الطوائف يدفعون الجزية لـ ألفونسو السادس إلا أمير مملكة بطليوس المتوكل بن الأفطس ﵀، وبالرغم من أن مملكته صغيرة لكن كانت عنده عزة، لكنه لم يستطع أن يفعل مثل ما فعل عبد الرحمن الناصر أو غيره من المصلحين، لكن كان لا يدفع الجزية للنصارى، والنصارى كانوا يعلمون أن هذا الرجل خارج عن الشرعية التي حكمت هذه البلاد في ذلك الوقت، وخارج عن المألوف، فإن كل الأمراء يدفعون الجزية، فأرسل له ألفونسو السادس رسالة شديدة اللهجة يطلب منه أن يدفع الجزية كما يدفعها إخوانه من المسلمين في الممالك الإسلامية المجاورة، فرد عليهم المتوكل رداً عجيباً، فأرسل رسالة حفظها لنا التاريخ حتى نعلم أن المؤمن في أشد عصور الانحدار والانهيار يكون له عزة إن أراد أن يكون له عزة.
يقول المتوكل بن الأفطس في رسالته: وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدع في المقادير وأحكام العزيز القدير يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتواترة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن لله جنوداً أعز بهم الإسلام، وأظهر بهم دين نبيه محمد ﵊ أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون، بالتقوى يعرفون، وبالتوبة يتضرعون، ولئن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين.
أي: إن كان ظهر الروم في هذه الفترة وعلا شأنهم، فهذا الظهور المفاجئ للنصارى بإذن الله ، ليعلم المؤمنين، وليميز الله الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين.
ثم يقول: أما تعييرك للمسلمين فيما وهن من أحوالهم فبذنوب مركوبة، ثم يضيف قائلاً: ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، أي: تذكر يا ألفونسو السادس أيام عبد الرحمن الناصر وأيام الحكم وأيام الحاجب المنصور، الذي أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى جدك إحدى بناته إليه، وهي أم عبد الرحمن المنصور الذي ذكرناه في آخر الدروس السابقة.
يقول: فجدك أعطى ابنته هدية للحاجب المنصور حتى يأمن جانبه، أما نحن إن قلت أعدادنا، وعدم من المخلوقين استنجادنا، فما بينا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف؛ تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في ليلك ونهارك، وبالله تعالى وملائكته المسومين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى الله مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلى إحدى الحسنيين: نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل الله فيا لها من جنة، وفي الله العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت، ويقطع بما أعددت.
وختم رسالته وأرسلها إلى ألفونسو السادس، وما استطاع ألفونسو السادس أن يرسل له جيشاً، لأن هؤلاء الرجال لا يستطيع أن يقاومهم أهل الأرض جميعاً، وإن كانوا قليلين، لكن عزة الإسلام ترفع من شأن صاحبها.
هذه صورة من الصور المشرقة في داخل أرض الأندلس، لكن عموم الأمراء في أرض الأندلس لم يكونوا على شاكلة المتوكل بن الأفطس، هذا الذي حصل في بطليوس، فأين إحدى وعشرون مملكة؟ أنا لا أستطيع الخوض في تفاصيل هذه الممالك، فالتفاصيل موجودة في الكتب، والدراسة لذلك واجبة، لكن سنعرض بعض الصور، حتى نعطي فكرة كيف كان الوضع في تلك البلاد من التدني للمسلمين؟
стр. 79
اختلاف حكام بني هود في سرقسطة ومأساة بربشتر
صورة من مملكة سرقسطة في الشمال الشرقي من الأندلس بالقرب من فرنسا، كان يحكمها بنو هود كما ذكرنا في الدرس السابق، والرجل الحاكم في هذه البلاد لما أتاه مرض الموت يريد يستخلف من بعده، وكان لديه ولدان الولد الكبير يستحق الملك من بعده كما هي العادة في ذلك الزمان في توارث الحكم.
والولد الصغير أنجب من الكبير، فأراد هذا الملك ألا يظلم أحد الولدين، فعمل شيئاً غريباً جداً، فقسم البلد والأرض إلى نصفين بما في ذلك الشعب والجيش من أجل ألا يظلم أحد أبنائه، لكنه ظلم الشعب كله.
ولما مات اختلف الأخوان على الحدود فبدأ أحدهما يهجم على أخيه ليحرر أرضه، لكن لم يكن له طاقة بالهجوم؛ لأن الجيش والبلد مقسومان بينهما على النصف لكل واحد منهما، والكيان ضعيف جداً، فاستعان هذا الأخ الحاكم بملك نصراني ليحرر له أرضه من أخيه المسلم، ولسان حاله: ليست مشلكة أن أحضر النصراني لكي يساعدني في تحرير الأرض الإسلامية التي أخذها مني أخي، وليست مشكلة أن يأخذ الحاكم النصراني الأرض ويضمها لأملاكه، وهذه دولة صديقة مجاورة، وهي دولة أراجون ستساعدني في أن آخذ حقي من أخي، وأتى النصارى بالفعل ودخلوا البلاد وفي طريقهم عملوا مآسي لا تحصى في المسلمين في مملكة سرقسطة، أذكر منها على سبيل المثال: ما حدث في بربشتر عرفت في التاريخ بمآساة بربشتر، اسمع وافهم وانظر إلى ما يحدث في هذا العصر الآن في بلاد البوسنة والهرسك وفي كشمير وفي كوسوفا وفلسطين وفي غيرها من البلاد، وقارن بينه وبين ما كان يحدث في التاريخ، فقد حاصر النصارى بربشتر أربعين يوماً، والمسلمون في داخل بربشتر يستغيثون بكل أمراء المؤمنين في كل أرض الأندلس ولا يتحرك أحد؛ لما في القلوب من رهبة شديدة من النصارى، وليست لهم بهم طاقة، وأخيراً تفاوض النصارى مع المسلمين وفتحت بربشتر، وكانت النتيجة أن قتل في يوم واحد من المسلمين (٤٠) ألفاً كما في رواية ياقوت الحموي، وفي رواية أخرى (١٠٠) ألف، وسبيت سبعة آلاف فتاة بكر منتخبة، أي: أجمل سبعة آلاف فتاة بكر في المدينة، وأعطيت هدية لملك القسطنطينية، وكانوا ينتهكون حرمات البكر أمام أبيها، وحرمات الزوجة أمام زوجها، هكذا فعل في بربشتر، فهذه مأساة ضخمة جداً، واستغاثة من كل بلاد المسلمين ولم يتحرك أحد.
стр. 80
مأساة بلنسية
كذلك انظر وتفكر وتدبر مأساة بلنسية في سنة (٤٥٦) من الهجرة، فقد قتل (٦٠) ألف مسلم في بلنسية في هجوم للنصارى عليها، ولم يتحرك من المسلمين أحد، وهذا أمر في منتهى الغرابة، وما هو الشعور الذي كان عند القادة الذين كانوا يقودون البلاد في ذلك الوقت؟ وما هو شعور الشعوب وهي ترى هذه المآسي ولا تتحرك؟ فنحن رأينا ما يحدث في البوسنة والهرسك، من تحرك للبوسنة والهرسك؟ من تحرك لخمسين ألف فتاة مغتصبة؟ من تحرك لمائتين وخمسين ألف قتيل في البوسنة، وهذا غير كوسوفا وكشمير وفلسطين؟ من تحرك وأسقط رصاصة على البلاد الصربية أو الهندية أو الروسية أو غيرها؟ فنحن لا نستطيع؛ لأن تلك البلاد قوية جداً، وليست لنا بهم طاقة.
إذاً: ما نستطيع أن نقوله هو: لا حول ولا قوة إلا بالله، الله معهم، الله ينصرهم، فليست لنا طاقة في نصرهم، فهذا موقف من المواقف الموجودة في أرض الأندلس، والمواقف على ذلك كثيرة ومتعددة، فالمسلمون ليسوا فقراء، بل إنهم في منتهى الغنى.
стр. 81
يوم الطين
سوف أحكي لكم موقفاً عجيباً حدث في إشبيلية، وهو أن امرأة المعتمد على الله بن عباد شاهدت من شباك قصرها الضخم جداً الجواري يلعبن في الطين خارج القصر، فاشتهت أن تلعب بالطين، وليس معقولاً أن امرأة الأمير تلعب في الطين، فاشترى كميات كبيرة جداً من المسك والعنبر وماء الورد وخلطها حتى جعلها طيناً خاصاً بالملوك، وصرف عليه أموالاً ضخمة من بيت مال المسلمين، وأمرها أن تلعب في هذا الطين الخاص يوماً أو يومين، حتى ضاقت من اللعب في الطين، فرجعت إلى قصرها مرة أخرى.
ومرت الأيام -سبحان الله- وضاع ملكه، وفي يوم من الأيام بعدما ضاع هذا الملك الكبير قعد معها فأغضبها فقالت له كعادة النساء لما تغضب من الأزواج: ما رأيت منك خيراً قط، فقال لها: ولا يوم الطين، فسكتت واستحت.
انظر إلى السفه في المسلمين، ومع ذلك فقد وصف أحد الشعراء المعتمد على الله بن عباد بكل ما أوتي من صفات العزة والكرامة والمجد والبأس، والإعلام في ذلك الوقت كان يصوره بهذه الصورة، وهذا مخالف ولا شك للواقع.
لكن مع كل هذا التفخيم والتعظيم لهؤلاء الأمراء فقد كانت هناك محاولات من المصلحين تحاول أنها تغير، ودعوات إصلاحية لكن كانت مكبوتة، وأحد الشعراء يصف هذا العهد بقوله: مما يزهدني في أرض أندلس ألقاب معتضد فيها ومعتمد يعني: الشيء الذي يكرهني ويجعلني أزهد في أرض الأندلس وأتركها هو أن فيها ألقاباً ضخمة جداً، نحو: معتضد بالله، ومعتمد على الله، فـ المعتضد بالله هو أبو المعتمد على الله وهما من حكام إشبيلية.
فقال: مما يزهدني في أرض أندلس ألقاب معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد أي: أن القطة تنتفخ انتفاخاً فتحكي صولة الأسد، وأين الهر من الأسد؟ هكذا كانوا يتسمون بأسماء ضخمة في بلاد الأندلس، كان هناك قادر بالله ومعتصم بالله ومستكفي بالله ومؤيد بالله، والمعتمد على الله كان يدفع جزية لـ ألفونسو السادس مع أن إشبيلية في الجنوب الغربي من بلاد الأندلس، يعني: أنها بعيدة عن مملكة قشتالة ومع ذلك كان يدفع الجزية لملك قشتالة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وكان يسمي نفسه معتمداً على الله ولكنه كان في الواقع معتمداً على ألفونسو السادس.
стр. 82
سبب رفض أمراء الطوائف للوحدة الإسلامية
كان هناك مصلحون في تلك الفترة، أمثال: ابن حزم ﵀ فقيه الإسلام المشهور وابن عبد البر وابن حيان وأبو الوليد الباجي، وكثير من علماء المسلمين، والحق يقال: إنهم حاولوا قدر استطاعتهم أن يجمعوا الناس، لكن تجميع (٢٢) دويلة في دولة واحدة كان مستحيلاً لاختلافهم من سيكون الرئيس، فهم يرفضون فكرة الانضمام والاجتماع تحت راية واحدة حتى في وجود هؤلاء الأفاضل من علماء المسلمين.
قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣].
انظر إلى نعمة الله كيف فرط فيها المسلمون، كانوا على شفا حفرة من النار، وكادوا يقعون فيها لولا فضل الله.
وقال : ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] فأنتم يا أمراء المؤمنين! سمعتم عن عبد الرحمن الناصر ودولته الموحدة المجمعة، كيف كانت عزة الإسلام في عصره؟ فلماذا تفرطون في عزة الإسلام في الدنيا وفي ثواب الآخرة؟ أمن أجل أيام معدودات على مدينة من مدن المسلمين تحكمونها؟ أتأبى أن تكون تابعاً لأمير من المؤمنين وترضى أن تكون تابعاً لملك من ملوك النصارى، كـ ألفونسو السادس أو غيره؟ هذا كان واقع المسلمين.
стр. 83
سقوط طليطلة في عهد المقتدر بالله
تتصاعد المأساة في بلاد الأندلس أكثر من ذلك، ففي سنة (٤٧٨هـ) كان سقوط طليطلة الثغر الإسلامي الأعلى في بلاد الأندلس، المدينة التي كانت عاصمة للقوط قبل دخول المسلمين في عهد موسى بن نصير وطارق بن زياد رحمهما الله، فقد فتحها طارق بن زياد ﵀ بالرعب، ومعه ستة آلاف مقاتل، قال النبي ﷺ : (نصرت بالرعب مسيرة شهر)، وطليطلة الثغر الذي كان ينطلق منه عبد الرحمن الناصر ومن تبعه من الحكام المحترمين لبلاد المسلمين لفتح بلاد النصارى، ولكي يستقبلوا من بلاد النصارى الجزية، طليطلة المدينة العظيمة الحصينة التي لا تسقط؛ لأن حولها جبالاً من كل النواحي إلا الناحية الجنوبية ففيها حصن كبير ومنيع.
وسقوط طليطلة هز العالم الإسلامي في الشرق والغرب، وسقوط طليطلة سبقه استقبال لملك من ملوك النصارى لمدة تسعة أشهر كاملة داخل أرض طليطلة؛ لأنه كان هارباً بسبب خلاف حصل في أرض النصارى فذهب إلى صديقه المقتدر بالله الذي كان حاكم طليطلة في ذلك الوقت، ومكث عنده تلك المدة داخل طليطلة، والقائد المسلم غير المحنك المفرط في حق المسلمين، كان يتجول به في كل الحصون، ومداخل البلد وعلى أبواب الأنهار الداخلة لمدينة طليطلة، حتى عرف الرجل كل شيء في مدينة طليطلة، ثم عاد الملك النصراني إلى بلاده حاكماً.
وأول خطوة أخذها بعدما رجع إلى بلاده أنه دخل طليطلة ففتحها وضمها إلى بلاده، قال الله وكأنه يصف سقوط طليطلة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١]، نعم ضل المقتدر بالله سواء السبيل، فسقطت طليطلة بعد أن أسروا لملك النصارى بأسرارها.
لما سقطت طليطلة حدث إحباط شديد في كل بلاد الأندلس، يقول ابن العسال أحد المعاصرين لسقوط طليطلة: شدوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام فيها إلا من الغلط أي: اتركوا البلد وامشوا منها، واحذروا أن تدافعوا عنها فقد انتهت القضية، اتركوا البلد وهاجروا منها إلى المغرب أو الشام أو أي بلد في العالم.
شدوا رواحلكم يا أهل أندلس فما المقام فيها إلا من الغلط الثوب ينسل من أطرافه وأرى ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط أي: البلاد تحتل من الأطراف، لكن الأندلس احتلت من الوسط، فإن طليطلة في وسط بلاد الأندلس كما هو موضح في الخريطة، والحصون الشمالية في طليطلة قد سلمت قبل ذلك في معاهدة للنصارى كما ذكرنا ذلك سابقاً.
من جاور الشر لا يأمن بوائقه كيف الحياة مع الحيات في سخط أي: لا نستطيع أن نعيش مع الثعابين والحيات، فنبعد عن أرض الأندلس ونتركها؛ لأن الأندلس ضاعت، وسقوط طليطلة هز المشرق والمغرب.
стр. 84
سبب حصار إشبيلية وموقف المعتمد بن عباد من الفونسو السادس
تزامن مع سقوط طليطلة حصار إشبيلية، التي كانت تدفع الجزية كل عام لـ ألفونسو السادس، مع أنها كانت بعيدة عن مملكة قشتالة، فقشتالة في الشمال وإشبيلية في الجنوب الغربي للبلاد، وسبب حصارها هو أن ألفونسو السادس زعيم قشتالة أرسل وفداً إلى إشبيلية لأخذ الجزية كالمعتاد، وكان على رأسه وزير يهودي يجمع الجزية من بلاد المسلمين، فانطلق إلى المعتمد على الله بن عباد فقال الوزير اليهودي: إن زوجة ألفونسو السادس ستلد قريباً، وألفونسو السادس يطلب منك أن تجعل زوجته تلد في مسجد قرطبة، فرفض المعتمد على الله هذا الطلب، فقال له: لماذا هذا الطلب؟ قال الوزير اليهودي في منتهى التحدي: لقد قالت قساوسة قشتالة لـ ألفونسو السادس أنه لو ولد لك ولد في أكبر مساجد المسلمين دانت لك السيطرة عليهم، فأخذت المعتمد على الله الغيرة، وتحرج بعد سنين من دفع الجزية فقال له: أنا أدفع لك الجزية، لكن لا أستطيع أن أدع امرأة ألفونسو السادس تلد في مسجد قرطبة، فأساء الوزير اليهودي الأدب عليه وسبه في حضرة وزرائه، فلم يستطع المعتمد على الله أن يتحمل ذلك، فأمسك بالوزير اليهودي وقطع رأسه واعتقل الوفد، وأرسل رسالة إلى ألفونسو السادس يقول له فيها: لن أدفع الجزية، ولن أدع امرأتك تلد عندنا في مسجد قرطبة.
فجن جنون ألفونسو السادس وأتى بحده وحديده وأتى بجيش كبير وأحرق كل القرى حول حصن إشبيلية الكبير وحاصر البلاد، وقال: إن لم تفتح فسأستأصل خضراءكم، لكن المعتمد على الله بن عباد كان خائفاً من أن يفتح فتطاول الحصار فترة من الزمان تقدر بشهر أو شهرين أو أكثر من ذلك، وأراد ألفونسو السادس أن يفت في عضد المسلمين ويلقي بالهزيمة النفسية عندهم فأرسل رسالة قبيحة أخرى إلى المعتمد على الله بن عباد يقول له فيها: إن الذباب قد آذاني حول مدينتك فلو ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل.
ومغزى الرسالة إن أكثر شيء مضايقني في الحصار هو الذباب، وأنت وجيشك وأمتك وحصونك كلها أهون عندي من الذباب، فلو سمحت ابعث لي مروحة من أجل أروح بها عن نفسي، فأخذ المعتمد على الله بن عباد الرسالة وقلبها وكتب على ظهرها رداً وأرسله إلى ألفونسو السادس، هذا الرد هو سطر واحد فقط، قرأه ألفونسو السادس فأخذ جيشه وانصرف ولم يدخل في القتال، ونسي كل الكلام وعاد إلى قشتالة، ترى ما هو هذا الرد الذي كتبه المعتمد على الله بن عباد؟ وكيف القيام بعد هذا الانهيار المروع في بلاد الأندلس؟ وكيف حال الدولة التي ستنشأ من جديد في هذه البلاد الإسلامية بلاد الأندلس؟ هذا ما نتداوله وغيره إن شاء الله في الحلقة القادمة من حلقات الأندلس: من الفتح إلى السقوط.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
وجزاكم الله خيراً كثيراً.
стр. 85
سلسلة الأندلس_ دولة المرابطين
عاش أمراء الطوائف برهة من الزمن في ذل وانكسار وفرقة وخضوع للنصارى المحيطين بهم، فأحس بعضهم بالخزي لما تمادى النصارى في غيهم وظلمهم، فأدى ذلك إلى تداركهم هذا الخطر المحدق بهم، فاستعانوا بدولة المرابطين الذين كان لهم الفضل بعد الله في هزيمة النصارى في موقعة الزلاقة الشهيرة، ومن ثم انضمام الأندلس إلى حكم دولة المرابطين.
стр. 86
رسالة المعتمد بن عباد إلى ألفونسو السادس لما حاصر إشبيلية
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
وبعد: فنفتح اليوم صفحة جديدة من صفحات التاريخ الإسلامي في الأندلس، وذكرنا في الدرس السابق كيف وصل الحال في بلاد الأندلس إلى انهيار مروع وضياع للهيبة وللعزة، وذل وهوان وانكسار وفرقة وتشتت بين المسلمين، وصراع بين الإخوة، وموالاة للنصارى، وكاد الإسلام أن ينتهي من بلاد الأندلس، لكن الإسلام لا ينتهي أبداً.
فقد حدثَ حدث غيّر من شأن بلاد الأندلس، وهو حصار إشبيلية، لما حاصرها ألفونسو السادس أياماً وشهوراً، ثم إذا به يرسل رسالة إلى المعتمد على الله بن عباد يحذره ويهينه فيها، ويقول له: لقد آذاني الذباب في بلادك، فإن شئت أن ترسل لي بمروحة أروح بها عن نفسي فافعل، أي: أن جيش ابن عباد وشعبه وحصونه أهون من الذباب عند ألفونسو السادس.
فرد عليها المعتمد على الله بن عباد رداً قوياً، لما قرأها ألفونسو السادس انسحب بجيشه، قال له فيها: والله لئن لم ترجع لأروحن لك بمروحة من المرابطين.
ودولة المرابطين قامت في المغرب العربي ووسط أفريقيا، وكانت دولة إسلامية قوية جداً.
وألفونسو السادس كان يعلم بأس المرابطين؛ لأنه مطلع على أحوال العالم المحيط، ويعلم دولة المرابطين، لذلك انسحب مع جيشه.
стр. 87
موقف أمراء الطوائف من سقوط طليطلة وحصار إشبيلية
كانت كل بلاد الأندلس فيها أمراء للمؤمنين كما ذكرنا، فهذه كارثة حلت بالمسلمين، فقد سقطت طليطلة في سنة (٤٧٨) من الهجرة، ومنذ سقوطها لم تعد للمسلمين حتى الآن، وحوصرت إشبيلية مع أنها في الجنوب الغربي بعيدة عن بلاد قشتالة، والمعتمد على الله كاد أن يهلك لولا أن فتح الله عليه بفكرة التلويح بالاستعانة بالمرابطين، فكان أمراء الأندلس يعلمون أنه آجلاً أو عاجلاً ستسقط بقية المدن، فإذا كانت طليطلة أحصن مدينة في بلاد الأندلس قد سقطت، فإنه عما قريب ستسقط قرطبة وبطليوس وغرناطة وإشبيلية وكل حواضر الإسلام، فعملوا مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وهو أول مؤتمر يجتمعون فيه للاتفاق على رأي، وقبل هذا المؤتمر لم يكن هناك مؤتمرات في السنوات السابقة؛ لأنه كان هنالك فرقة، بخلاف ما كانت عليه الأندلس أيام إمارة عبد الرحمن الناصر.
فاجتمع ما يقارب من اثنين وعشرين أمير في مؤتمر القمة الأندلسي الأول، وأخذوا ينددون بشدة بالاحتلال القشتالي لطليطلة، مع أن قشتالة دولة صديقة لهم، ولم يفكروا أن يرفعوا شكواهم إلى الله ، بل لربما أنهم يشتكون للبابا أو لملك فرنسا، أو لملك ليون أو لغيرهم من ملوك النصارى.
واجتمع الأمراء ومعهم العلماء، والعلماء يفهمون الموقف، ويفهمون أصل الهزيمة، فأشاروا عليهم بالجهاد؛ لأن في تاريخنا ما يثبت أن المسلمين إذا ارتبطوا بربهم وجاهدوا في سبيله انتصروا، حتى لو كانت قواتهم ضعيفة، لكن الأمراء رفضوا كلام العلماء، وقالوا: إن أهم شيء هو إيقاف نزيف الدماء، ونحن سنحاول أن نحل الموقف بشيء من السلام مع قشتالة، ونتفاوض مع ألفونسو السادس، على أن تترك له طليطلة أو يأخذ جزءاً منها ويترك لنا الباقي، ونعيش معاً بسلام، بهذا أشار الأمراء.
أما العلماء فرأوا أن الوضع مزر، ومن المحال أن يتغير الوضع بهذه الطريقة، فالأمراء يدفعون الجزية لمدة (٧٠) أو (٨٠) سنة، وقد ألفوا الهوان والذل، فليس من الممكن أبداً أن يجاهد هؤلاء الأمراء، فأشار عليهم العلماء برأي جديد، فقالوا: لا داعي أن نجاهد ما دام أنكم تخافون من الجهاد، لكن أرسلوا إلى دولة المرابطين لتأتي وتواجه النصارى في موقعة فاصلة، وتبعدهم عن أرضنا، فإنهم رجال أقوياء، فإنهم سيحاربون النصارى ونحن نتفرج على الأحداث! فهذا اقتراح معقول، لكن لم يقبله الأمراء؛ لأن دولة المرابطين قوية جداً، ويخشون منها أنها لو هزمت النصارى أنها ستحتل الأندلس، وما المانع لو أن دولة المرابطين احتلتها فإنها دولة إسلامية وفيها شرع إسلامي، ولم الشمل أفضل من بقاء الأندلس مفرقة ومشتتة أكثر من عشرين جزءاً، لكن رفض الأمراء ذلك الأمر وتجادلوا كثيراً، إلى أن منّ الله على رجل منهم وفتح عليه، وهو المعتمد على الله بن عباد، فقام وخطب في الحضور، ومما قاله في آخرها: ولا أحب أن ألعن على منابر المسلمين، لأنني لم أستعن بالمرابطين، ولأن أرعى الإبل في صحراء المغرب خير لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا.
فلما قال ذلك تحركت النخوة في قلوب البعض، فأول من وافق على هذا الأمر هو المتوكل بن الأفطس الذي أرسل رسالة إلى ألفونسو السادس ولم يدفع له الجزية في حياته، ثم قام عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة ووافق أيضاً على هذا، فهذه ثلاث ممالك إسلامية ضخمة: غرناطة وإشبيلية وبطليوس، وافقت على استجلاب دولة المرابطين لمحاربة النصارى ورفض الباقون، فجهزوا وفداً عظيماً مهيباً من العلماء والوزراء يذهب إلى بلاد المغرب ليستعين بملك المرابطين لينقذهم من بأس النصارى في بلاد الأندلس.
стр. 88
نشأة دولة المرابطين
في جنوب موريتانيا صحراء قاحلة يعيش فيها طوائف وقبائل من البربر تسمى: قبائل صنهاجة، وأكبر فرعين فيها: جدالة ولمتونة.
فالقبيلة التي كانت تسكن في منطقة جنوب موريتانيا هي جدالة، وكان على رأس هذه القبيلة رجل اسمه يحيى بن إبراهيم الجدالي، كانت فطرته حسنة، نظر في أحوال قبيلته فوجد الناس من حوله قد أدمنوا شرب الخمور، ووجد الزنا قد فشا في الناس، إلى درجة أن الرجل كان يزاني حليلة جاره ولا يعترض عليه جاره، كما وصف ربنا في كتابه الكريم: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت:٢٩]، فقد كانوا يأتون المنكر في ناديهم، والرجل منهم لا يعترض على ذلك؛ لأنه يفعل نفس الأمر؛ وكثر الزواج من أكثر من أربع نسوة ولا ينكر عليهم منكر، وأصبح السلب والنهب هو الأصل، والقبيلة القوية تأكل الضعيفة، والقبائل مشتتة ومفرقة، والوضع شديد الشبه بما يحدث في دويلات الطوائف، بل هو أشد، ولا يخفى علينا جميعاً أن الوضع في سنة (٤٤٠) سواء في بلاد موريتانيا أو الأندلس هو أشد وطأة مما نحن عليه الآن.
فكان هذا الرجل صاحب الفطرة الطيبة يعلم أن كل هذا من المنكر، لكن ليست في يده طاقة للتغيير؛ لأن الشعب كله يعيش في ضلال وبعد عن الدين، وليس عنده من العلم ما يغير به أحوال الناس، ولا يعرف ما هي الأصول الصحيحة، إنما يعلم أن كل ما يحدث من حوله هو خطأ، لكن كيف يغير؟ فهداه ربه إلى أن يحج وعند رجوعه من الحج يمر على أكبر مدن الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان، التي هي موجودة الآن في تونس، وعلماء القيروان مشهورون بالعلم، فذهب بالفعل إلى الحج، ثم عاد إلى القيروان، وهناك قابل أبا عمران الفاسي شيخ المالكية في مدينة القيروان، والمذهب المالكي هو المنتشر في كل بلاد الشمال الإفريقي، وهو المذهب السائد في بلاد الأندلس؛ فحكى له المنكرات التي تحدث في قومه، والجهل المطبق عليهم، فأرسل معه رجلاً يعلم الناس دينهم، وهو الشيخ عبد الله بن ياسين، فذهب معه حتى وصلا إلى جنوب موريتانيا، فوجدها أرضاً شديدة الجدب، وفقيرة وشديدة الحر، ونظر في الناس فرأى هذه المنكرات تفعل أمام كل الناس، ولا ينكر عليهم منكر، فبدأ في أناة شديدة يعلم الناس، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فثارت عليه جميع الفصائل، وثار عليه أصحاب المصالح، وثار عليه الشعب؛ لأن الناس تريد أن تعيش في شهواتها، وأصحاب المصالح مستفيدون من هذا الذي يحدث في قبائل جدالة في هذه المنطقة، فبدأ الناس يجادلونه ويصدونه عما يأمر به، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجدالي زعيم القبيلة أن يحميه؛ لأن الشعب ليس متربياً، لذا فهو رافض، ولو أصر يحيى بن إبراهيم الجدالي على هذا الأمر لخلعه الشعب، ولخلعته القبيلة، وبدأ يحاول مرة ثانية وثالثة، فبدأ الناس يهددونه بالضرب إن استمر في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ثم هددوه بالطرد من البلاد أو القتل، لكنه كان يدعو ولا يبالي بفعلهم حتى قاموا فعلاً بطرده من البلاد، فخرج الشيخ عبد الله بن ياسين ﵀ من البلد ودموعه تنحدر على خده، وهو يقول والحسرة في قلبه: يا ليت قومي يعلمون، يريد أن يغير ولكنه لا يستطيع، فيحدث نفسه: أأرجع مرة أخرى إلى القيروان، إلى طلاب العلم؟ ولمن أترك هؤلاء الناس؟ فحز في نفسه أن يولد الناس في هذه البلاد فلا يجدون من يعلمهم، ففكر أن يدخل إليهم مرة أخرى، لكنه سيموت، وما الفائدة في موته، إذا كان الموت لن يفيد، فتعمق أكثر في الصحراء، في جنوب موريتانيا، حتى وصل إلى شمال السنغال، وهي بلاد إسلامية كبيرة جداً، (٩٠%) أو أكثر من سكان السنغال من المسلمين.
فنزل في شمال السنغال على مصب نهر من الأنهار، في غابة من غابات إفريقيا هناك فوضع خيمته على مصب النهر، وبعث برسالة إلى أهل جدالة في جنوب موريتانيا أن من أراد أن يتعلم العلم فليأتني في هذا المكان، وكان في جدالة مجموعة من الشباب تتحرق قلوبها للدين، لكن أصحاب المصالح وأصحاب القوى في هذه البلاد يمنعونهم من الارتباط بالدين، فلما علموا أن الشيخ في شمال السنغال، تاقت قلوبهم إلى لقياه، فاتجهوا من جنوب موريتانيا إلى شمال السنغال، وجلسوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين في خيمته، وكانوا اثنين أو ثلاثة أو أربعة فأخذ يعلمهم أن الإسلام دين شامل ومتكامل ينظم كل أمور الحياة، فبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة، وكيفية العبادة والجهاد في سبيل الله، وركوب الخيل، وحمل السيف، وكيف يعتمدون على أنفسهم، فيذهبون إلى الغابات فيصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة يطبخونه ويأكلونه ولا يسألون أكلهم أو طعامهم من الفرق المحيطة بشمال السنغال؛ فذاق هؤلاء الشباب حلاوة الدين، وشعروا أنه من واجبهم أن يأتوا بأحبابهم وأصحابهم وأقاربهم إلى هذا الذي ذاقوا حلاوته، فذهبوا إلى جدالة، فعاد كل واحد منهم برجل، فبدلاً من خمسة أصبحوا عشرة، فأخذ الشيخ عبد الله بن ياسين يع
стр. 89
سبب تسمية دولة المرابطين
الخيمة في اللغة: الرباط، وفي حديث رسول الله ﷺ : (رباط يوم في سبيل الله)؛ وهذا لأن المرابطين أو المجاهدين كانوا يتخذون خياماً على الثغور؛ يحمون فيها الثغور ويجاهدون في سبيل الله، فلما كان الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه يجلسون في خيام هناك على نهر السنغال سموا أنفسهم بجماعة المرابطين، فعرفوا في التاريخ بهذا الاسم.
стр. 90
انضمام قبيلتي جدالة ولمتونة إلى جماعة المرابطين
في سنة (٤٤٥هـ) يحدث حدثاً متوقعاً في سنن الله ، وهو أن من سنن الله أن يتقدم المسلمون ببطء في سلِّم الارتفاع والرقي، ثم يفتح الله عليهم بشيء لم يكن متوقعاً لأنفسهم، فيحدث الفرج للمسلمين، كما حدث في موقف عبد الرحمن الناصر عند دخول سرقسطة وموت عمر بن حفصون، فلقد اقتنع بفكرة الشيخ عبد الله بن ياسين زعيم قبيلة لمتونة يحيى بن عمر، ودخل معه في جماعة المرابطين، وفعل ﵀ كما فعل سعد بن معاذ ﵁ وأرضاه لما دخل الإسلام، عاد إلى قومه، فقال لهم: إن كلام رجالكم ونسائكم وأطفالكم علي حرام حتى تشهدوا أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ ففعل يحيى بن عمر اللمتوني نفس الأمر، فذهب إلى قومه وأتى بهم إلى الشيخ عبد الله بن ياسين فدخلوا في جماعته، فأصبح الألف والثلاثمائة سبعة آلاف في يوم وليلة، وبعد أيام قليلة من دخول قبيلة لمتونة مع المرابطين يموت الشيخ يحيى بن عمر اللمتوني الذي أتى بستة آلاف جندي للإسلام، وهذا من أحسن الخواتيم، فتولى من بعده على زعامة لمتونة الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني، فانضم مع الشيخ عبد الله بن ياسين وبدأ الأمر يزداد، والأعداد تكثر، والمرابطون يصلون إلى أماكن أوسع حول المنطقة التي كانوا فيها، فبدءوا يتوسعون حتى وصل حدودهم من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا، وأصبحت جدالة ولمتونة القبيلتان الموجودتان في شمال السنغال وجنوب موريتانيا جماعة واحدة، وبلغ تعداد المرابطين في سنة (٤٥١هـ) حوالي (١٢٠٠٠) رجل.
стр. 91
استشهاد الشيخ عبد الله بن ياسين وتولية أبي بكر بن عمر زعامة جماعة المرابطين
شاء الله أن يستشهد الشيخ عبد الله بن ياسين ﵀ وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في قبيلة من القبائل فحاربوه وقاتلوه، فقاتلهم فاستشهد ﵀ في سنة (٤٥١هـ) أي: أنه ظل (١١) سنة يدعو إلى الله من سنة (٤٤٠هـ) إلى سنة (٤٥١هـ)، وخلف من ورائه (١٢٠٠٠) رجل يعلمون المنهج الصحيح للإسلام، ويتولى من بعده الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني زعامة جماعة المرابطين، ويظل سنتين في زعامة هذه الجماعة الناشئة، حتى عرفوا في التاريخ بدويلة المرابطين، وهي دويلة صغيرة لا ترى على الخارطة، تمتد من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا.
وفي سنة (٤٥٣هـ) يعلم أبو بكر بن عمر اللمتوني أن هناك خلافاً بين المسلمين في جنوب السنغال في منطقة بعيدة عن دويلة المرابطين، وأن هذا الخلاف شر، وأنه لو استشرى بين الناس فلن يكون هناك مجال للدعوة، فسار بجيشه ليحل الخلاف، مع أن الناس ليسوا في جماعته ولا في قبيلته، وكان عدد الذين ساروا معه سبعة آلاف رجل، أي: نصف عدد أفراد جماعته الذين بلغ عددهم أربعة عشر ألف رجل، وأمّر على دولة المرابطين ابن عمه يوسف بن تاشفين ﵀، فاستطاع أبو بكر بن عمر ﵀ أن يحل الخلاف، لكنه يفاجأ أن في جنوب السنغال بجوار هذه القبائل المتصارعة هناك قبائل وثنية، لا تعبد الله بالكلية، إنما تعبد الأشجار والأصنام وما إلى ذلك، فهذه القبائل لم يصل إليها الدين بالمرة، فحز ذلك في نفسه، فقد تعلم من الشيخ عبد الله بن ياسين أن يغير الأمور بنفسه وأن يحمل هم المسلمين والناس أجمعين، حتى وإن لم يكونوا مسلمين، فصار يعلمهم الإسلام، ويعرفهم الدين، فيتعلمون ويجدون أمراً عجباً، وهو أن هذا الدين المتكامل الشامل فيه كل شيء، وهم يعيشون في أدغال أفريقيا، ويفعلون أشياء عجيبة، فيعبدون أصناماً غريبة، ولا يعرفون رباً ولا إلهاً، فأخذ يعلمهم بصبر شديد، فدخل منهم جمع في الإسلام وقاومه آخرون من أهل الباطل الذين يحافظون على مصالحهم، ويستفيدون من وجود هذه الأصنام، فصارعهم والتقى معهم في حروب طويلة، وظل يتوسع في قبيلة تلو قبيلة، وينزل من مكان إلى مكان، حتى عاد بعد ذلك إلى بلاد المرابطين سنة (٤٦٨هـ) أي: استمر خمس عشرة سنة يدعو إلى الله في أدغال أفريقيا.
أما الشيخ يوسف بن تاشفين فإنه اتجه إلى جنوب المغرب العربي، وشمال موريتانيا، فوجد أموراً عجيبة، فعلى سبيل المثال: قبيلة غمارة من قبائل البربر هناك، قد ظهر فيها رجل اسمه حاميم بن من الله ادعى النبوة، وهو من المسلمين، ولم ينكر نبوة رسول الله ﷺ ، وأخذ يشرع للناس شرعاً والناس يتبعونه في ذلك، ويظنون أن هذا هو الإسلام، ففرض عليهم صلاة في الشروق وصلاة في الغروب فقط، وألف لهم قرآناً بالبربرية، ووضع عنهم الوضوء والطهر من الجنابة وفريضة الحج، وحرم عليهم أكل بيض الطيور، وأحل أكل أنثى الخنزير، وحرم أكل السمك حتى يذبح، لكن اللافت للنظر أن الناس يعتقدون أن هذا هو الإسلام.
وقبيلة أخرى من قبائل البربر وهي قبيلة برغواطة كان رئيسها صالح بن طريف بن شمعون، وأصل جده يهودي ثم أسلم، ثم جاء الحفيد صالح وادعى النبوة، وفرض على الناس خمس صلوات في الصباح وخمس صلوات في المساء، وفرض عليهم نفس وضوء المسلمين بالإضافة إلى غسل السرة وغسل الخاصرتين، وفرض عليهم الزواج من غير المسلمات فقط، والزواج بأكثر من أربع نسوة، وفرض عليهم تربية الشعور للرجال وظفرها.
وقبيلة أخرى وجدها تعبد الكبش وتتقرب إلى رب العالمين بذلك، وكانت في جنوب المغرب، في البلد التي فتحها عقبة بن نافع ثم موسى بن نصير ﵁ عنهم ورحمهما الله.
فشق ذلك على يوسف بن تاشفين ﵀، فانطلق إلى الشمال يدعو الناس للإسلام فقاومه وحاربه كل من صالح بن طريف، وحاميم بن من الله وقبائلهما، وكذا قبيلة زناتة السنية التي كانت لا تعرف الإسلام إلا في جانب العبادات والعقيدة، فهم يصلون كما تنبغي أن تكون الصلاة، ويزكون كما تنبغي أن تكون الزكاة، لكنهم يسلبون وينهبون ما حولهم، والقوي فيهم يأكل الضعيف، فقد فصلت الدين تماماً عن قيادة الأمة، فالدين عندهم صلاة وصيام وحج، لكن غير ذلك من المعاملات فقد كانوا يفعلون ما بدا لهم.
فأخذ يوسف بن تاشفين يدعو هؤلاء للإسلام، فدخل معه بعضهم، أما المعظم فحاربهم بالسبعة آلاف رجل حتى أخضعهم للإسلام.
عاد الشيخ أبو بكر بن عمر اللمتوني في سنة (٤٦٨هـ) فرأى أن يوسف بن تاشفين قد استولى على مساحات شاسعة تمتد من شمال السنغال إلى جنوب موريتانيا؛ وتشمل حالياً: السنغال بأكملها، وموريتانيا بأكملها، والمغرب بأكملها، والجزائر بأكملها، وتونس بأكملها، أي: صار أميراً على دولة واحدة تمتد من تونس إلى السنغال، وو
стр. 92
استشهاد أبي بكر بن عمر اللمتوني وتولية ابن تاشفين أميراً للدولة
استشهد أبو بكر بن عمر اللمتوني ﵀ في فتوحاته هناك في سنة (٤٨١) من الهجرة، وما رأى عزاً أو ملكاً، فقد كان يغزو في كل عام مرتين، ويفتح البلاد ويعلم الناس الإسلام، ومن حسن الخواتيم أنه استشهد في سبيل الله بعد حياة طويلة متجردة لله ، وتصبح دولة المرابطين في سنة (٤٧٨) قبل استشهاد الشيخ أبي بكر بن عمر اللمتوني دولة واحدة من تونس الشمال إلى الجابون في وسط أفريقيا، أي: أكثر من عشرين دولة أفريقية الآن في دولة واحدة تمثل أكثر من ثلث أفريقيا، لذلك لما قرأ ألفونسو السادس رسالة المعتمد بن عباد التي قال فيها: لأروحن لك بمروحة من المرابطين، علم أنه سيأتي إليه ثلث أفريقيا، أقوام عاشوا على الجهاد سنوات طويلة، فدولة المرابطين بدأت في سنة (٤٤٠هـ) برجل واحد فقط وهو الشيخ عبد الله بن ياسين، فدعا الناس إلى الإسلام، ورباهم تربية متأنية صبورة، حتى وصل الناس إلى هذا العدد الهائل، ويصبح يوسف بن تاشفين ﵀ زعيماً على هذه الدولة العظيمة، ويسمي نفسه أمير المسلمين وناصر الدين، فلما سئل عن عدم تسمية نفسه أمير المؤمنين، فقال: هذا شرف لا أدعيه، هذا شرف يخص العباسيين، وأنا رجلهم في هذا المكان، مع أن العباسيين لا يملكون إلا بغداد فقط، فهو يريد أن يوحد كل المسلمين تحت راية واحدة، ولا يريد شق عصا الخلافة، أو أن ينتقض على خليفة المسلمين، وكان يتمنى أن لو استطاع ضم قوته إلى قوة الخليفة العباسي هناك، ويصبح رجلاً من رجاله في تلك البلاد.
стр. 93
استقبال ابن تاشفين لوفد ملوك الطوائف ثم ارتحاله بجيشه لحرب النصارى
استقبل يوسف بن تاشفين سنة (٤٧٨هـ) الوفد الذي جاء من ملوك الطوائف، يطلبون العون والمساعدة، فتشوق إلى ما يطلبون، فإنه يريد جهاد النصارى، فانطلق معهم ﵀، وقد كان تحت إمرته مائة ألف في الشمال الإفريقي، وخمسمائة ألف في أفريقيا، وأخذ معه سبعة آلاف من المجاهدين، لأنه رجل محنك ولا يريد أن يترك كل هذه المساحات الكبيرة بلا حراسة ولا حماية، لا بد أن يكون هناك جيش في تونس والجزائر والمغرب وفي كل بلد من هذه البلاد الإفريقية التي فتحت، ولا يلقي بكل الطاقة هناك، فهو لا يتحرك بعشوائية، فجهز السفن وعبر مضيق جبل طارق.
وفي وسط المضيق ترتفع الأمواج ويهيج البحر وتكاد السفن أن تغرق، فيقف ذليلاً خاشعاً يدعو ربه والناس تدعو معه، فكان يقول: اللهم إن كنت تعلم في عبورنا هذا البحر خيراً لنا وللمسلمين فسهل علينا عبوره، وإن كنت تعلم غير ذلك فصعبه علينا حتى لا نعبره، وهذا من الاتصال مع رب العالمين، فتسكن الريح ويعبر الجيش، والوفود منتظرة لاستقبال الفاتحين، وأول شيء عمله عندما وصل البلد سجد لله شكراً أن مكنه من العبور والجهاد، وأن اختاره ليكون جندياً من جنوده ؛ فيدخل يوسف بن تاشفين إلى قرطبة، وإلى إشبيلية ويستقبله الناس استقبال الفاتحين، ثم يتجه إلى مملكة قشتالة النصرانية المرعبة لكل هؤلاء الأمراء من المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس في ذلك الوقت، وهو في رباطة جأش عجيبة، وأهل الأندلس الذين كانوا يدفعون الجزية للنصارى لمدة (٧٠) أو (٨٠) سنة في ذل وهوان وخضوع للنصارى، لكنهم عندما رأوا (٧٠٠٠) رجل يتحركون في سبيل الله يحملون أرواحهم على أكفهم، تغيرت فيهم أشياء كثيرة جداً من رؤية القدوة؛ فخرج معهم رجال من قرطبة وإشبيلية وبطليوس، وهكذا حتى وصلوا إلى الزلاقة في شمال البلاد الإسلامية على حدود قشتالة وعددهم ثلاثون ألف رجل؛ لأنهم عندما وجدوا مجاهدين في سبيل الله تاقت نفوسهم إلى الجهاد، والناس فيهم فطرة طيبة، وإياكم أن تفقدوا الأمل من الناس فإن فطرهم طيبة، وعندما قامت الانتفاضة في فلسطين تحرك الناس، حتى الذين لا يصلون ولا يصومون تحركت عواطفهم لفلسطين.
وموقعة الزلاقة من أشهر المواقع الإسلامية في التاريخ، لم يكن يعرف بالزلاقة في ذلك الوقت، ولكن اشتهر بذلك الاسم بعد الموقعة، وسنذكر إن شاء الله لماذا سميت بالزلاقة؟
стр. 94
مراسلة يوسف بن تاشفين للفونسو السادس
وصل يوسف بن تاشفين إلى المنطقة التي دارت فيها الحرب ومعه ثلاثون ألف رجل، وهناك وصله خبر من بلاده المغرب؛ وهو أن ابنه الأكبر قد مات، فلم يفكر في الرجوع إلى بلاد المغرب مع عظم المصيبة وعظم الأمر؛ بل فضل الجهاد في سبيل الله، ولم يرسل أكبر قواده؛ داود بن عائشة إلى مراكش، إنما أرسل وزيره ليحكم البلاد في غيابه هناك، ولم تفت هذه المصيبة أبداً في عضده.
أما النصارى فقد استعانوا بستين ألفاً من المقاتلين، وكان على رأسهم ألفونسو السادس، بعد أن استعان بفرنسا وبإيطاليا وبإنجلترا وألمانيا، وبعد أن أخذ من البابا وعوداً بالغفران لكل من شارك في موقعة الزلاقة، جاء ألفونسو السادس وهو يحمل الصلبان فيها صورة المسيح، ويقول: بهذا الجيش أقاتل الجن والإنس، وأقاتل ملائكة السماء، وأقاتل محمداً وصحبه! فكلامه يدل على أن الحرب الصليبية ضد الإسلام، وهنا يفاجئنا يوسف بن تاشفين بأمر عجيب، فيرسل رسالة إلى ألفونسو السادس كعادة الجيوش في ذلك الوقت، يقول له فيها: بلغنا أنك دعوت أن يكون لك سفن تعبر بها إلينا فقد عبرنا إليك، وستعلم عاقبة دعائك، ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤]، وإني يا ألفونسو السادس أعرض عليك الإسلام أو الجزية عن يد وأنت صاغر أو الحرب، ولا أؤجلك إلا ثلاثاً وبعد ذلك سأحارب مباشرة.
فتسلم ألفونسو السادس الرسالة فاغتاظ بشدة، فأرسل رسالة يهدد فيها يوسف بن تاشفين فقال له: فإني اخترت الحرب فما ردك على ذلك، فأخذ يوسف بن تاشفين الرسالة وكتب عليها من ورائها: الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بأذنك، والسلام على من اتبع الهدى.
فهذا رد شديد جداً على ألفونسو السادس أمام جيشه، فما استطاع أن يتكلم فاختار الحرب، فأرسل رسالة فيها شيء من التخاذل، فقال له: غداً الجمعة والجمعة عيد من أعياد المسلمين، ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين، والسبت عيد اليهود وفي جيشنا كثير منهم، والأحد عيدنا، فلو أنك تسمح لنا أن نؤجل الحرب ثلاثة أيام إلى يوم الإثنين كان أحسن وأفضل.
فـ يوسف بن تاشفين القائد المحنك لم ير جيشه هذه الرسالة، لأنه يعلم أن هذا الرجل مخادع، ويعلم أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله، ويكذبون على الله، وقد قال الله فيهم: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠]، فجهز جيشه كامل التجهيز وعبأه على أكمل تعبئة، حتى إذا حدث هجوم مباغت يوم الجمعة يكون جاهزاً للرد على هذا الهجوم، وبالفعل فإنه رتب جيشه ﵀ في يوم الخميس، وكان من ضمن الجيش ابن رملية من شيوخ المالكية في قرطبة، رأى رسول الله ﷺ في المنام في تلك الليلة، ورؤيا رسول الله ﷺ حق، فإن الشيطان لا يتمثل برسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : يا ابن رملية إنكم منصورون وإنك ملاقينا، فيستيقظ ابن رملية فرحاً مسروراً لا يستطيع أن يملك نفسه من شدة الفرح، فيوقظ يوسف بن تاشفين والمعتمد على الله بن عباد والمتوكل بن الأفطس وعبد الله بن بلقين؛ ويوقظ كل قواد الجيش ويشرح لهم رؤيا رسول الله ﷺ ، فإذا بـ يوسف بن تاشفين ومن معه من القواد لا يملكون أنفسهم من الفرحة فصاحوا بكل الجيش في نصف الليل: ابن رملية رأى رسول الله ﷺ يقول له: إنكم منصورون وإنك ملاقينا، وإذا الجيش كله يعيش لحظة من لحظات السعادة العجيبة جداً، لم يذوقوها منذ سنوات في أرض الأندلس، فتتوق النفوس إلى الشهادة، ويأمر يوسف بن تاشفين جيشه بقراءة سورة الأنفال، ويأمر الخطباء بأن يحفزوا الناس على الجهاد، ويمر هو بنفسه ﵀ على الفصائل ويقول لهم: طوبى لمن أحرز الشهادة، ومن بقي له الأجر والغنيمة.
стр. 95
مواجهة المسلمين للصليبيين في الزلاقة
رتب ابن تاشفين جيشه وصلى بهم الفجر، وبعد الفجر يغدر ألفونسو السادس فهجم على الجيش فوجده على تعبئته، فقد قسم يوسف بن تاشفين الجيش إلى نصفين: نصف أمامي ونصف خلفي، أما النصف الأمامي فقد طلب المعتمد على الله بن عباد أن يكون على قيادته، ومن معه من الأندلسيين، فهو يريد أن يكون بين المسلمين والنصارى، وأن يغسل عار السنين، ويمحو الذل الذي أذاقه إياه ألفونسو السادس، وأن يتلقى الضربة الأولى من جيش النصارى، فيقف المعتمد على الله بن عباد في مقدمة الجيش وخلفه داود بن عائشة كبير قواد المرابطين.
أما الجيش الخلفي ففيه يوسف بن تاشفين ﵀ فهو يختفي خلف تل من التلال بعيداً عن أرض الموقعة، وعدد أفراد الجيش الثاني خمسة عشر ألفاً، وقد قسم الجيش الثاني إلى نصفين، يتكون من أحد عشر ألف مقاتل وكانوا مع يوسف بن تاشفين، ثم النصف الثاني يتكون من أربعة آلاف من رجال السودان المهرة؛ كانوا يحملون سيوفاً هندية، ورماحاً طويلة، وكانوا من أعظم المحاربين في جيش المرابطين، وجعلهم في آخر الجيش، وكانت خطة يوسف بن تاشفين نفس خطة خالد بن الوليد في فتوح فارس، في موقعة الولجة، ونفس خطة النعمان بن مقرن ﵁ وأرضاه في موقعة نهاوند أيضاً في فتوح فارس فقد كان ابن تاشفين يقرأ التاريخ ويعتبر بالتاريخ.
وتبدأ الموقعة، وإذا بستين ألف نصراني يهجمون على خمسة عشر ألف مسلم وبقية الجيش لا يقاتلون، يريد يوسف بن تاشفين أن تحتدم الموقعة حتى تنهك قوى الطرفين ولا يستطيعان القتال، هنا يدخل يوسف تاشفين بجيشه ليعدل الكفة في صف المسلمين، وهذه سياسة النفس الطويل، كالذي يجري في (الماراثون) في سباق طويل جداً (١٠كيلو) أو (٢٠كيلو)، فلو جرى في أول السباق بحمية شديدة لن يستطيع أن يكمل السباق، لكنه يبدأ بالتدريج حتى يصل إلى آخر السباق فيسرع ويكمل السباق لصالحه، هكذا فعل يوسف بن تاشفين ﵀.
فإذا بستين ألفاً من النصارى، وكأنهم أمواج تتلوها أمواج، وأسراب تتبعها أسراب يهجمون على جيش المسلمين والمسلمون صابرون، فقد مات على المعتمد على الله بن عباد ثلاثة خيول وهو صابر حتى كان لا يرى من كثرة الدماء، حتى أتى وقت العصر وهناك يشير يوسف بن تاشفين إلى من معه أن انزلوا وساعدوا إخوانكم، فينزل يوسف بن تاشفين ومن معه وهم مستريحون بعد طول صبر، فيحاصرون الجيش النصراني؛ وقد قسم يوسف بن تاشفين المقاتلين الذين معه إلى قسمين: قسم يساعد المسلمين، وقسم يلتف خلف جيش النصارى، وأول شيء عمله خلف جيش النصارى أن حرق خيام النصارى في خلف الجيش، وقد كانت الخيام فارغة لا يوجد بها أحد، وإنما فعل ذلك حتى يعلم النصارى أن يوسف بن تاشفين ومن معه خلف الجيش، فلما علموا أنهم محاصرون من خلفهم، دبت الهزيمة في قلوبهم، وبدأ يحدث الخلل والانسحاب، والتف الناس حول ألفونسو السادس يحمونه، وبدءوا ينسحبون فحدثت خلخلة عظيمة في جيش النصارى في موقعة الزلاقة، فكانت الضربة الأولى لـ يوسف بن تاشفين أن قتل من النصارى عشرة آلاف رجل، وذلك بعد العصر، حتى قال المؤرخون: إن يوسف بن تاشفين الأمير على ثلث أفريقيا كان في هذه الموقعة يتعرض للشهادة؛ فيلقي بنفسه في المهالك ﵀ ورضي الله عنه وعن أمثاله، وتزداد الموقعة في الحدة حتى قبيل المغرب، ثم يشير يوسف بن تاشفين ﵀ إلى الأربعة آلاف فارس، فيأتون من بعيد يستأصلون النصارى، فقد قتل في موقعة الزلاقة من النصارى تسعة وخمسين ألف وخمسمائة وخمسين رجلاً، نجا منهم أربعمائة وخمسون فارساً فقط! فيهم ألفونسو السادس بساق واحدة، فقد بترت ساقه في موقعة الزلاقة، وانسحب في جنح الظلام هو وأربعمائة وخمسين فارساً إلى طليطلة، وهناك دخلوا طليطلة بمائة فارس فقط، فقد مات في الطريق ثلاثمائة وخمسون فارساً من الجراح المثخنة في موقعة الزلاقة.
موقعة الزلاقة تقاس بلا مبالغة بموقعتي اليرموك والقادسية.
стр. 96
سبب تسمية الزلاقة
سميت موقعة الزلاقة بهذا الاسم لكثرة الدماء فيها حتى كان الرجال والخيول ينزلقون، فقد كانت الأرض صخرية، وجمع المسلمون غنائم عديدة، لكن يوسف بن تاشفين يترك كل الغنائم لأهل الأندلس ويعود في زهد عجيب وورع كبير إلى بلاد المغرب، لسان حاله: لا نرجو منكم جزاء ولا شكوراً، وجمع الناس وحضهم على الاجتماع وعلى نبذ الفرقة، وعلى التمسك بكتاب الله وبسنة رسوله ﷺ ، ونصحهم باتباع سنة الجهاد في سبيل الله، وكان عمر يوسف بن تاشفين البطل الإسلامي المغوار الذي يكتب بحروف من ذهب وأغلى من الذهب (٧٩) سنة وهو يجاهد في موقعة الزلاقة، مثل موسى بن نصير، فقد كان يوسف بن تاشفين الشيخ الكبير يحارب على فرسه في موقعة الزلاقة في أماكن بعيدة جداً عن دولة المرابطين، وكان من الممكن أن يرسل جيشاً يحارب النصارى في الأندلس، ولكن ذهب بنفسه لعله يموت في سبيل الله هناك، لكنه لم يستشهد هناك، فلا نامت أعين الجبناء.
стр. 97
دخول ابن تاشفين الأندلس للمرة الثانية واستيلائه عليها
يعود يوسف بن تاشفين ﵀ إلى أرض المغرب من جديد، فتحدث الصراعات بين أمراء المؤمنين الموجودين في بلاد الأندلس على الغنائم، والبلاد المحررة، وهنا يضج العلماء، ويذهبون إلى يوسف بن تاشفين مرة أخرى ويقولون: يا يوسف! خلصنا من أمرائنا، فيتورع يوسف بن تاشفين من مهاجمة بلاد الأندلس، ومحاربة المسلمين، فتأتيه الفتاوى من كل بلاد المسلمين حتى جاءته من الشام من أبي حامد الغزالي صاحب الإحياء، ومن أبي بكر الطرطوشي العالم المصري الكبير، وجاءته الفتاوى من كل علماء المالكية في شمال إفريقية، أن يدخل بلاد الأندلس ويضمها إلى دولة المرابطين، وينجد المسلمين مما هم فيه؛ لأن هذه البلاد ستضيع لا محالة إن تركها يوسف بن تاشفين! فدخلها مرة ثانية سنة (٤٨٣هـ) أي: بعد موقعة الزلاقة التي تمت في (٤٧٩هـ) بأربع سنوات، فحاربه أمراء المؤمنين، وممن حاربه المعتمد على الله بن عباد، الذي لم يجد العزة إلا تحت راية يوسف بن تاشفين، لكن أنى له أن يحارب يوسف بن تاشفين، فقد استطاع أن يضم كل بلاد الأندلس ومن ضمنها سرقسطة بعد أن قسمها الملك الذي كان عليها بين ابنيه، وضمها إلى بلاد المسلمين، وأصبح يوسف بن تاشفين أميراً على دولة واحدة تمتد من شمال الأندلس بالقرب من فرنسا إلى وسط أفريقيا، وظل ﵀ يحكم المسلمين حتى سنة (٥٠٠هـ) وكان قد بلغ من العمر (١٠٠) عام، ومات ﵀ في سنة (٥٠٠هـ) ولم يفتن بالدنيا لحظة، فقد ملك أموال الدنيا جميعاً، فالأندلس بلاد غنية جداً، لكنه ما فتن بالدنيا لحظة، فقد ظل الشيخ الكبير والأمير العظيم حتى آخر لحظات حياته، لا يلبس إلا الخشن من الصوف، ولا يأكل إلا الخبز من الشعير، ولا يشرب إلا لبن الإبل، فرحم الله يوسف بن تاشفين، ورحم الله أبا بكر بن عمر اللمتوني ورحم الله الشيخ عبد الله بن ياسين، ورحم الله الشيخ يحيى بن إبراهيم الجدالي الذي أتى بالشيخ عبد الله بن ياسين في سنة (٤٤٠هـ)، فخلال (٦٠) سنة تصبح دولة المرابطين من أقوى دول العالم في ذلك الزمان.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.
стр. 98
سلسلة الأندلس_ بين المرابطين والموحدين
أسس الشيخ عبد الله بن ياسين وأبو بكر بن عمر اللمتوني دولة المرابطين في بلاد المغرب التي استمرت مائة عام وهي تحكم البلاد ابتداء من سنة ٤٤٠هـ -٥٤١هـ، وقد حققت انتصارات عظيمة ضد النصارى، وسيطرت على جزء كبير من بلاد الأندلس، ثم حدث أن ضعفت دولة المرابطين؛ بسبب انفتاح الدنيا والركون إليها، وانتشار الذنوب والمعاصي والتمادي فيها، وانشغال العلماء بالمناظرات والمؤلفات، فكانت نهايتها على يد دولة الموحدين.
стр. 99
معنى كلمة البربر وصلة هذه الكلمة بالتصرفات البربرية
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد: فسنفتح اليوم بإذن الله صفحة جديدة من صفحات التاريخ الإسلامي، مع الصفحة العاشرة من صفحات الأندلس: من الفتح إلى السقوط.
وقد وقفنا في الحلقة السابقة على موقعة الزلاقة وخاتمتها، وكيف انتصر فيها القائد الرباني المجاهد الورع التقي يوسف بن تاشفين اللمتوني ﵀، وكيف قضى في الحكم قرابة (٤٧ عاماً) ثم توفي ﵀ في سنة (٥٠٠) من الهجرة، واستخلف على الحكم من بعده علي بن يوسف بن تاشفين ﵀.
وقبل الخوض في نتائج موقعة الزلاقة وما حدث بعدها من أحداث نجيب على سؤالين بخصوص الحلقة السابقة وهما: السؤال الأول: ما معنى كلمة البربر؟ وما صلة البربر بالتصرفات البربرية عند بعض الناس؟ والحق أن كلمة البربر منفصلة كلية عن كلمة البرابرة أو التصرفات البربرية الهمجية، فالبربر جنس من الناس، مثل: العرب أو الفرس أو الروم، وهم من أولاد حام يعني: هم حاميون، والعرب ساميون، فالبربر حاميون كالأوروبيين في أغلب الظن، وكونهم ليسوا بعرب هذه مسألة لا يجب أن نقف عندها كثيراً، فقد تحدثنا عنها في دروس سابقة، إنما نريد أن نوسع مداركنا ونظرتنا للأمور.
فلا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى، والعرب وغير العرب نصروا الإسلام كثيراً، وفي هذه السلسلة من الأحداث في تاريخ الأندلس تكلمنا عن طارق بن زياد ويوسف بن تاشفين وأبي بكر بن عمر اللمتوني وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم، وهم من غير العرب؛ لكنهم نصروا الإسلام، وهناك أيضاً البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم من علماء المسلمين ليسوا بعرب.
والحق أن العرب وغير العرب جميعاً يجمعهم لواء واحد وعقيدة واحدة هي عقيدة الإسلام، وكلمة القومية العربية أو الاعتزاز بالعروبة وإلغاء غير المسلمين من العرب تلغي من قوام المسلمين أكثر من مليار مسلم، فعدد المسلمين في العالم مليار وثلاثمائة مليون مسلم، فالعرب يبلغون حوالي (٢٠٠) مليون مسلم فقط، والباقي من باكستان والهند وإندونيسيا ومن إفريقيا وغيرها من البلاد الواسعة التي تحدثنا عنها في دولة المرابطين، فالكثير من المسلمين غير عرب، فهم جند للإسلام، ولابد أن يندرجوا تحت لواء الإسلام الذي يجمع هؤلاء جميعاً.
стр. 100
الرد على من زعم أن المسلمين لا يستطيعون أن يحققوا النصر على الأعداء في ظل الحروب النووية
السؤال الثاني: كان من الممكن للمسلمين أن ينتصروا سابقاً عندما كانت الأسلحة سيوفاً وغيرها لكن انتصارهم في هذا الوقت الذي نعيش فيه من الصعب بمكان، وليس كما سبق في تاريخ المسلمين؟ أقول: إن الذي سأل هذا السؤال لم يفهم أمرين هامين من الأمور التي تحدثنا عنها في هذه السلسلة: الأمر الأول: أن من سنة الله أن أمة الإسلام لن تموت، وأنه لا بد من قيام بعد السقوط مهما بلغت قوة الباطل وتعاظمت قوة الكافرين، ومهما ضعفت قوة المسلمين، قال تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ [آل عمران:١٩٦].
الأمر الثاني وهو في الحقيقة أمر هام جداً: أنه لم يفهم طبيعة المعركة بين الحق والباطل، فهي ببساطة معركة بين أولياء الله وأولياء الشيطان، وأولياء الله هم الذين ينتصرون على أولياء الشيطان مهما تعاظمت قوة أولياء الشيطان، فهل من الطبيعي بالقياسات القديمة والحديثة أن يحقق المسلمون النصر في معاركهم السابقة، فينتصر اثنان وثلاثون ألف مسلم في القادسية على مائتين وأربعين ألف فارسي في بلدهم وفي عقر دارهم، وينتصر تسعة وثلاثون ألف مسلم في اليرموك على مائتي ألف رومي، وثلاثون ألف مسلم في تستر على مائة وخمسين ألف فارسي، فانتصر المسلمون فيما يقرب من ثمانين موقعة متتالية خلال سنة ونصف؟ وهل من الطبيعي كما درسنا في فتوحات الأندلس أن اثني عشر ألف مسلم ينتصرون على مائة ألف في موقعة وادي برباط؟ فهذه أمور ليست من الطبيعي أن تحدث حتى بقياسات الماضي، وهذا لغز صعب جداً لا تفهمه إلا بطريقة واحدة وهي أنك تفهم أن الله هو الذي يحارب الكافرين، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧].
ويقول في سورة محمد ﵊: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد:٤].
هكذا فإن الله يختبر المؤمنين بحربهم مع الكافرين؛ ونحن يجب ألا نظن أن ربنا محتاج لنصرة المؤمنين، لكي ينتصر على اليهود أو الأمريكان أو الروس أو غيرهم من أمم الأرض الذين اجتاحوا دول المسلمين، فمن فضل الله ومنِّه وجوده وكرمه أن منّ علينا أن نكون جنوداً من جنوده ، أنتم تسترون قدرة الله في هزيمته للكافرين وتأخذون الأجر على ثباتكم في هذا الموقف أمام الكفار، فالذي يقول: إن الموقف في الماضي مخالف عن الموقف في الحاضر؛ لأن حروب الماضي مختلفة بالكلية عن حروب الحاضر، وهو يعلم أن الله هو الذي نصر الصحابة ونصر من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، كأنه يقول -وحاشا لله من هذا-: إن الله كان قادراً على عاد وثمود وفارس والروم، لكنه -ونعوذ بالله من ذلك- ليس بقادر على أمريكا وروسيا وإنجلترا واليهود ومن حالفهم وشايعهم من الأمم الحاضرين المقاتلين لأمة الإسلام.
يقول في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥].
ويصف الله حال الكافرين، فيقول : ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٣ - ٤٤].
لكن المهم في الموضوع الذي يشغل الإنسان المسلم الحريص على دينه هو: أين دوره في قيام أمة المسلمين اليوم؟ وأين دوره في الانتصار الذي يشبه انتصار الزلاقة أو غيرها من مواقع المسلمين الخالدة؟ إن كان قيام أمة المسلمين بك، فأنت مأجور حتى لو لم تر نصراً، وإن كان القيام بدونك، فقد ضاع عليك الأجر حتى لو كنت معاصراً للتمكين، فالشيء الذي لا بد أن يشغل كل مسلم هو كيف يكون له دور في إعادة بنيان الأمة المسلمة، بعد السقوط الذي تحدثنا عنه في درس سابق.
أما موقعة الزلاقة فقد كانت في سنة (٤٧٩) من الهجرة، وكان قائد النصارى في موقعة الزلاقة هو ألفونسو السادس، الذي مات في بيته بعد الموقعة بشهرين أو ثلاثة كمداً وهماً وحزناً بعد الهزيمة الساحقة لجيشه في هذه الموقعة، وقد بترت فيها ساقه، وضاع معظم أو كل الجيش الصليبي في هذه الموقعة، واستخل
стр. 101
استخلاف علي بن يوسف بن تاشفين على دولة المرابطين بعد أبيه
ظل يوسف بن تاشفين ﵀ في الحكم إلى سنة ٥٠٠ من الهجرة، مات في نفس السنة وهو يبلغ من العمر (١٠٠) عام، واستخلف على الحكم علي بن يوسف بن تاشفين ﵀ على دولة المرابطين، وحاول المرابطون تحرير معظم الأراضي الأندلسية التي أخذت من المسلمين على مدار السنوات السابقة، فحاربوا في أكثر من جبهة، فحرروا سرقسطة وضموها إلى أملاك المسلمين، وهي في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، واقتربت حدود دولة المرابطين من فرنسا، وحاول المسلمون كثيراً تحرير طليطلة، لكنهم فشلوا في هذا الأمر؛ لأن طليطلة من أشد مدن الأندلس حصانة على الإطلاق، وإن كانوا قد أخذوا معظم القرى والمدن حول طليطلة.
وفي سنة (٥٠١) من الهجرة، بعد موت يوسف بن تاشفين ﵀ بعام واحد دارت موقعة ضخمة جداً بين المسلمين والنصارى وهي موقعة أقليش، تولى فيها القيادة على المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين، وتولى فيها قيادة النصارى ابن ألفونسو السادس، وانتصر المسلمون فيها انتصاراً ساحقاً، وقتل من الصلبيين في هذه الموقعة ثلاثة وعشرون ألف صليبي، واستمرت الانتصارات للمسلمين.
وفي سنة (٥٠٩) من الهجرة فتح المسلمون من جديد جزر البليار التي كانت قد سقطت في عهد ملوك الطوائف، وأصبح المسلمون يسيطرون على جزء كبير جداً من أراضي الأندلس.
стр. 102
أسباب ضعف دولة المرابطين
في سنة (٥١٢هـ) تحدث ثورة في داخل بلاد المغرب في عقر دار المرابطين، كان لها أثر سلبي على دولة المرابطين أدت بعد ذلك إلى هزيمتين متتاليتين للمسلمين من الصليبيين في بلاد الأندلس؛ الهزيمة الأولى: قتندة، والهزيمة الأخرى هي هزيمة القليعة.
قامت دولة المرابطين سنة (٤٤٠هـ) بقدوم الشيخ عبد الله بن ياسين، وتدرج الأمر ببطء حتى انضم أبو بكر بن عمر اللمتوني ﵀ مع الشيخ عبد الله بن ياسين.
وحدثت فرجة للمسلمين كانت غير متوقعة في ذلك الوقت، وحصل بعدها انتشار بسيط ثم انتشار سريع ثم فتح عظيم وتمكين، ثم دنيا وسلطان وعز كبير جداً للمسلمين، استمر من سنة (٤٤٠هـ) إلى سنة (٥٠٩هـ) يعني: حوالي (٧٠) سنة.
والشيء الطبيعي جداً والمتوقع والعادي أن يحدث انكسار جديد للمسلمين، بسبب فتنة الدنيا التي فتحت على المسلمين، وفتنة الأموال التي كثرت في أيدي المسلمين، والناس تتوقع أنه لا يمكن لهذه الدولة أن تتقهقر وتهزم، وتستغرب أن يحدث ذلك بعد وفاة يوسف بن تاشفين ولا تستغربه أن يحدث بعد وفاة رسول الله ﷺ وهو بلا شك أعظم تربية وأقوى أثراً من يوسف بن تاشفين ومن أمثال يوسف بن تاشفين، فسيدنا رسول الله ﷺ أعظم البشر وأحسنهم، وأحب الخلق إلى الله ، ومع ذلك فإنه بعد وفاته ﷺ حدثت الردة، وحدث انكسار كبير جداً للمسلمين، فهذه دورة طبيعية من دورات التاريخ، فالذي حدث في بلاد الأندلس أمر من الأمور الطبيعية جداً أنه بعد هذا العلو بدأ يحدث الانكسار.
فهذه هي الأشياء التي حدثت بعد انتهاء عصر يوسف بن تاشفين وبداية عصر علي بن يوسف بن تاشفين ﵀ الذي كان أيضاً مجاهداً على نسق أبيه في أول الأمر.
стр. 103
اشغال المرابطين بالجهاد وإهمال تعليم الناس وتفقيههم في الدين
استمر الجهاد في عهد علي بن يوسف بن تاشفين ولم يتوقف، فقد كانت له صولات وجولات مع النصارى في أكثر من موقعة، ومع ذلك فتن المرابطون بالدنيا مع استمرار الجهاد وكثرة الذنوب في البلاد، وإن وجد العلماء، وهذه في منتهى الغرابة ألغاز عجيبة في الظاهر، لكن عندما نحلل الموقف نجد الأمر شيئاً طبيعياً وهو افتتان الناس بالدنيا والجهاد مستمر، وكثرة الذنوب في وجود العلماء، وهذا يرجع إلى أمرين: الأمر الأول: الخطأ الكبير الذي ارتكبه المسلمون في دولة المرابطين -وعلى المسلمين أن يحذروا منه دائماً- هو التركيز على جانب من جوانب الإسلام وترك الجوانب الأخرى، فقد انشغل المرابطون في أرض الأندلس وفي بلاد المغرب وما حولها بالجهاد في سبيل الله عن تعليم الناس وتفقيههم في الدين، ومهمة التعليم مهمة شاقة جداً وبالذات في هذا الزمن، والناس بطبيعتها لا تحب من يعطي لها قوانين وبرامج، فهي متفلتة من التعلم ومن الالتزام بالدين، فتريد أن تبذل معها مجهوداً ضخماً حتى تعلمها أمر دينها.
فالمرابطون انشغلوا بالجهاد في سبيل الله، وجيوشهم الكثيرة جداً تخرج في كل مكان، والناس ما تعلمت الدين كما ينبغي أن تتعلم، كما كان في عهد عبد الله بن ياسين ويوسف بن تاشفين رحمهما الله.
والإسلام دين متوازن لا يغلب جانباً على جانب، فقد انشغل المرابطون عن إدارة الحكم والسياسية في داخل البلد بالأمور الخارجية.
ومن عوامل نجاح عبد الرحمن الناصر ﵀ كما ذكرنا سابقاً أنه أقام الدولة المتوازنة في العلم والجهاد والاقتصاد والقانون والعمران والعبادة وكل شيء، وكون الدولة التي تسد حاجات الروح والجسد فسادت الدولة وتمكنت.
وكذلك كان من عوامل نجاح الشيخ عبد الله بن ياسين في نشأة دولة المرابطين: أنه أقام الجماعة المتوازنة التي تهتم بكل جوانب الحياة وتعطي قدراً مناسباً من الجهد والطاقة والوقت والعمل، كما علمهم أن يكونوا مجاهدين علمهم أن يكونوا عابدين لله ، وكما علمهم أن يكونوا سياسيين بارعين علمهم أن يكونوا متعاملين تعاملاً على نهج الإسلام وأصول الإسلام، حتى أنشأ ما يسمى بالجماعة المتوازنة، لكن أن يوجه المسلمون طاقتهم في دولة المرابطين في سنة (٥٠٠) وما بعدها إلى الجهاد في سبيل الله وإلى أمور العبادة، ويتركوا أمور السياسة الداخلية وتثقيف الناس وتعليمهم أمر الدين، والسيطرة على المعاصي التي بدأت تنتشر في بلاد المغرب والأندلس، فهذا شيء فيه خلل حدثت من جرائه هزة في دولة المرابطين.
стр. 104
كثرة الذنوب والمعاصي في بلاد المرابطين وانشغال العلماء بالمناظرات
الأمر الثاني: أن الذنوب كثرت في أرض المرابطين سواء في أرض المغرب أو أرض الأندلس مع وجود العلماء الكثر، فكثرة الذنوب أمر طبيعي في بلاد المرابطين بعد أن كثرت فيها الأموال وانفتحت الدنيا؛ لأن معظم الذنوب تحتاج إلى أموال كثيرة لإيجاد الخمر والمخدرات ودخول الملاهي الليلية وما إلى ذلك من أنواع المعاصي.
والنفوس الضعيفة التي كانت في دولة المرابطين، والتي كانت تفكر في الذنوب وكانت لا تقدر عليها، بدأت بعد أن كثرت الأموال عندها ترتكب من المعاصي الكبيرة ألواناً وأشكالاً، والناس جميعاً إلا ما رحم الله يفتنون بالمال ويقعون في الذنوب؛ لذلك يقول في كتابه الكريم على لسان قوم نوح لنوح ﵊: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، والأراذل هم: ضعاف الناس وبسطاؤهم وفقراؤهم، وهم الذين اتبعوا نوحاً ﵇ واتبعوا الرسل من بعده، واتبعوا كل الدعاة من بعدهم إلى يوم القيامة.
وسبب ذلك كله هو أن العلماء انشغلوا بفرعيات الأمور وأغفلوا أساسياتها، فانشغلوا بالفروع عن الأصول، فأخذوا يؤلفون المؤلفات ويعقدون المناظرات، ويقسمون التقسيمات في أمور لا ينبني عليها كثير عمل، بينما أغفلوا أموراً لا يصح لهم أبداً أن يتركوها، وتناظروا كثيراً عن كيفية وضع اليد أثناء الصلاة، هل توضع على البطن أو على الصدر، وفي أي مكان في الصدر؟ وعن كيفية وضع السبابة أثناء التشهد، هل ترفع من أول التشهد أو في منتصف التشهد فقط؟ وهل ترفع ساكنة أم متحركة؟ وهل حركتها رأسية أفقية أم دائرية؟ وهذا في منتهى الغرابة أن تجد الناس يتجادلون كثيراً في هذا الأمر، وتناظروا طويلاً في مذهب المرجئة والمعطلة والمشبهة والمجسمة وأمور ما كان الناس يرونها ولا يسمعون عنها أبداً، وفتحوا على الناس أبواباً ما فتحها عليهم رسولهم ﷺ .
ونتج عن هذا التعمق في الفروع أشياء خطيرة منها: أولاً: وجود جدار عظيم جداً بين العلماء والعامة، فلا العامة يفهمون العلماء ولا العلماء يفهمون العامة، ونبينا الكريم ﷺ أعلم البشر وأحكم الخلق كان يتكلم بالكلمة فيفهمه كبير الصحابة والأعرابي البسيط والرجل والمرأة والكبير والصغير ﷺ ، لكن في عهد المرابطين الأخير لما اشتغل الناس بالفروع والتهوا بها عن الأصول، حدث أمر آخر نتيجة هذه المناظرات الطويلة وهو عزلة خطيرة للعلماء عن المجتمع، وأخذوا يتحدثون في كل هذه الأمور، وتركوا مصائب عظاماً حلت على المجتمع، فقد كانت الخمور تباع وتشترى، بل وتصنع في البلاد ولا يتكلم أحد.
وضرائب باهظة تفرض على الناس غير الزكاة بغير وجه حق، ولا يتكلم أحد من العلماء.
وظلم الولاة لأفراد الشعب ولا يتكلم أحد من العلماء.
وملاه للرقص تعلن الفساد والسفور ولا يتكلم أحد من العلماء.
وخروج النساء حاسرات بلا حجاب ولا يتكلم العلماء عن هذا الأمر.
ففي زمن دولة المرابطين في سنة (٥٠٠هـ) وما بعدها كانت النساء يخرجن من بيوتهن سافرات بلا حجاب، والعلماء لا يتكلمون عن هذه الأمور، بل هم منشغلون بالحديث عن المرجئة والمعطلة وغير ذلك، ويعتقدون أن هذه الأمور التي يجب أن يشغل بها المسلمون عن هذه الأمور الأقل قيمة في نظرهم.
فحدث في أواخر عهد المرابطين غياب الشمولية في دولة المرابطين، وفتنة الدنيا والمال، وكثرة الذنوب، وجمود الفكر عند العلماء، وانعزالهم عن المجتمع، وفوق كل هذه الأمور تحدث أزمة اقتصادية حادة جداً في دولة المرابطين، وهي أن ينقطع المطر سنوات، وهذه الأزمة ليست صدفة، بل هي في قرآن الله الكريم: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
وقال تعالى حاكياً عن قول سيدنا نوح ﵇ لقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٠ - ١٣].
إذاً: الله يبتلي المؤمنين دائماً بالقحط وبالأزمات الاقتصادية الحادة عندما يبتعدون عن طريقه، فلو لاحظت في مجتمعك أن الحالة الاقتصادية بدأت تسوء والأموال تقل في أيدي الناس، والناس تشتغل وتعمل ولا تحصل ما يكفي لسد رمقهم أو ما يكفي لعيشهم عيشة كريمة، فاعلم أن هناك خللاً في العلاقة بين العباد وبين الله ، وابتعاداً عن منهج الله ، ولو كانوا يطيعونه لبارك لهم في أقواتهم.
ثم تلا هذا الوضع الذي حدث في بلاد المرابطين هزائم متعددة من قبل النصارى؛ كموقعة قتندة سنة (٥١٤هـ)، و
стр. 105
ثورة محمد بن تومرت وقيام دولة الموحدين
تتجه البلاد إلى كارثة أو هاوية إن لم يقم المصلحون يعدلون المسار من جديد إلى الجادة، وإلى طريق الله وطريق رسوله الكريم ﷺ ، ولا بد في هذا الجو أن يظهر مصلحون يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فقام رجل اسمه: محمد بن تومرت من قبائل مصمودة البربرية، وقيل: إن نسبه عربي، بل إن بعض الناس قال: إن نسبه قرشي، لكن غالب الأمر أنه من قبائل البربر في هذه المنطقة.
قامت ثورة محمد بن تومرت الإصلاحية في دولة المرابطين سنة (٥١٢هـ) وكان منهج محمد بن تومرت في التغيير مختلفاً بالكلية عن منهج الشيخ عبد الله بن ياسين ﵀.
ولد محمد بن تومرت المصمودي في سنة (٤٧٣) من الهجرة، ونشأ في بيت متدين في قبيلة مصمودة، وظل في هذا البيت إلى سنة (٥٠٠)، وكان يبلغ من العمر (٢٧) سنة، وكان متشوقاً جداً إلى العلم، وكان من عادة العلماء في ذلك الزمن أنهم يتجولون ويسيحون في الأرض، يتعلمون من علماء المسلمين في مختلف الأقطار، ففي سنة (٥٠٠) سافر محمد بن تومرت إلى قرطبة وتلقى العلم هناك، ثم لم يكتف بذلك بل سافر إلى الإسكندرية، ثم إلى مكة فحج وأخذ يتعلم هناك على أيدي علماء مكة فترة، ثم ذهب إلى بغداد وقضى فيها عشر سنوات كاملة، وتعلم العلم على أيدي علماء بغداد جميعاً، وبغداد في ذلك الوقت كانت تموج بتيارات مختلفة، فقد كان فيها علماء للسنة وعلماء للشيعة وعلماء للمعتزلة، فتلقى على أيدي هؤلاء جميعاً، ثم ذهب إلى الشام وتلقى العلم على يد أبي حامد الغزالي ﵀ صاحب الإحياء، ثم عاد بعد ذلك إلى الإسكندرية، ثم عاد بعد ذلك إلى بلاد المغرب.
يقول ابن خلدون: لما عاد محمد بن تومرت سنة (٥١٢هـ) إلى بلاد المغرب العربي وعمره تقريباً ٣٩ سنة، أصبح بحراً متفجراً من العلم وشهاباً في الدين، يعني: أنه جمع علوماً كثيرة جداً من تيارات مختلفة، وجمع أفكاراً ضخمة جداً، وأصبح فعلاً من علماء المسلمين الكبار في هذه الآونة، وفي طريق عودته من بلاد العراق وبلاد الشام بقي في الإسكندرية فترة يكمل فيها تعليمه، وهناك في الإسكندرية بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقد كان عنده علم غزير جداً، وكان شديداً جداً في إنكار المنكر وفي الأمر بالمعروف، وكانت فيه شدة توصل إلى حد التنفير، فكان ينفر كثيراً من الناس عنه عندما يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، حتى إن أهل الإسكندرية طردوه من البلد من فظاظته، وألقوه في سفينة متجهة إلى بلاد المغرب العربي، فركب السفينة فأخذ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر أهل السفينة، فكان ينهاهم عن شرب الخمور على السفينة، ويأمرهم بقراءة القرآن، ومن شدته عليهم رموه في وسط البحر الأبيض المتوسط وانطلقوا إلى بلاد المغرب وهو يسبح بجانب السفينة، فأشفق عليه أهل السفينة فأخذوه معهم على أن يصمت حتى يصل إلى بلاد المغرب العربي.
ثم وصل إلى بلد المهدية في تونس، فنزل فيها وبدأ كالعادة من جديد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بنفس الطريقة، وكرد فعل طبيعي للناس بدأت تنفر من طريقته وتبتعد، وكان محمد بن تومرت يريد تغيير كل شيء من المنكر تغييراً جذرياً مفاجئاً وسريعاً، والحق أن هذا أمر مخالف للسنن؛ فرسول الله ﷺ لما بدأ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في مكة ما أنكر على المنكرات فجأة، بل إن الأوامر كانت تنزل من عند الله بصورة متدرجة كالأمر باجتناب الربا والخمور، وكالأمر بالقتال في سبيل الله، يروى أن عمر بن عبد العزيز ﵀ لما تولى الخلافة كانت هناك منكرات في دمشق وما حولها من البلاد، فابن عمر بن عبد العزيز ﵀ كان شديداً جداً في الحق، فأراد أن يغير كل هذه الأمور فجأة، فوجد أن أباه عمر بن عبد العزيز ﵀ يغير الأمور بصورة متدرجة، فشق ذلك عليه وذهب إلى أبيه وقال: يا أبي! أنت تملك الأمور، ولك هيمنة على بلاد المسلمين فيجب أن تغير كل المنكرات وتقيم الإسلام كما ينبغي أن يقام، فقال له عمر بن عبد العزيز ﵀: يا بني! لو حملت الناس على الحق جملة واحدة تركوه جملة واحدة.
ومحمد بن تومرت لم يكن يفعل هذا الأمر، بل كان يريد أن يغير كل شيء تغييراً جذرياً وبأسلوب فظ شديد، قال الله وهو يخاطب نبيه الكريم: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فالرسول ﷺ المؤيد بالوحي أحكم البشر وأعلم البشر جميعاً، لو دعا إلى الله بفظاظة لانفض الناس من حوله، فما بالكم بعموم الناس؟!
стр. 106
التقاء محمد بن تومرت بعبد المؤمن بن علي وفكرة التغيير
قابل محمد بن تومرت في المهدية رجلاً اسمه: عبد المؤمن بن علي وكان له شأن فيما بعد في تاريخ المسلمين في بلاد المغرب والأندلس، وكان في مدينة المهدية في تونس يبغي ما بغاه محمد بن تومرت من قبل، فهو يبحث عن العلم والدين كما فعل محمد بن تومرت برحلته في بلاد المسلمين، فسأله محمد بن تومرت عن سبب تركه لبلاد المغرب العربي وسياحته في البلاد، فقال: أبحث عن العلم والدين فقال: عندي العلم والدين.
فالتقيا وأخذ محمد بن تومرت يعلم عبد المؤمن بن علي من علمه، فأعجب به جداً وتآخيا في الله، فتعلم عبد المؤمن بن علي من محمد بن تومرت العلم مع فظاظة الأسلوب في دعوة الناس إلى المعروف وفي نهيهم عن المنكر، وبدأ الاثنان يدعوان إلى الله في بلاد المغرب العربي، وانظم إليهما خمسة فصاروا سبعة.
كان يرى محمد بن تومرت أن المنكرات قد كثرت جداً في بلاد المرابطين، فوجد أن الخمور قد فشت في أماكن كثيرة، حتى في مراكش العاصمة التي أسسها يوسف بن تاشفين ﵀ من قبل، وكانت ثغراً من ثغور الإسلام، ووجد أن السفور والاختلاط قد انتشر، وأن الولاة يظلمون الناس ويفرضون عليهم الضرائب، ويأكلون أموال اليتامى، حتى إنه شاهد من ضمن المشاهدات أن امرأة سافرة تخرج في فوج كبير جداً وحرس وما إلى ذلك من الأمور، فسأل عن هذه المرأة السافرة فوجدها ابنة علي بن يوسف بن تاشفين ابنة أمير المسلمين في ذلك الزمان.
فجلس مع الستة الأفراد الذين معه وعرض عليهم فكرته في التغيير، وقال لهم: إن الأمور قد فشت والمعاصي قد انتشرت في بلاد المرابطين وأرى أن الحل لهذا الأمر هو أن نقصي الحكام عن الحكم، فنبدأ بـ علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الحكام أو الولاة والجيش، فنخرج عليهم ونقصيهم من الحكم، فنستطيع أن نغير البلاد ونحكمها بشرع الله بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
يعني: هو لا يريد أن يبدأ الطريق الطويل طريق التربية الذي بدأه عبد الله بن ياسين ﵀ من قبل، والذي سار فيه سنوات حتى تمكن من الأمور، إنما يريد أن يعزل علي بن يوسف بن تاشفين من حكم البلاد عليها، ثم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن المعلوم أن علي بن يوسف بن تاشفين كان يقيم شرع الله ، وكان يجاهد في سبيل الله، لكن كانت عنده تجاوزات ومخالفات في هذه الفترة ما كان يجوز لـ محمد بن تومرت ومن معه من الرجال -على صدق نواياهم فيما يبدو لنا وعلى تقشفهم وزهدهم وعلمهم الغزير- أن يخرجوا عليه، بل كان عليهم أن يساعدوه على العودة إلى طريق الإسلام الصحيح، وعلى تعليم الناس وتربيتهم.
فرسول الله ﷺ لما نزلت عليه الرسالة في أرض مكة ودعا إلى الله وخالفه المشركون، كان من الممكن أن يفعل الأمر الذي فكر فيه محمد بن تومرت فيأمر سيدنا علي بن أبي طالب، وسيدنا الزبير بن العوام، وسيدنا طلحة بن عبيد الله أن يقتل كل واحد منهم رجلاً من صناديد قريش ليتملك الرسول ﷺ الحكم في مكة، ثم بعد ذلك يقيم شرع الله ، لكن هذه ليست سنة الله في التغيير، ولذلك لم يتبعها رسوله الكريم ﷺ ، بل أخذ يربي الناس بالتدريج في مكة لمدة (١٣) سنة، ثم هاجر إلى المدينة المنورة فبدأ يربي الناس بالتدريج، ثم كانت موقعة بدر مع الكافرين، ثم كانت المواقع التي تتلو ذلك، حتى تمكن رسولنا ﷺ من السيطرة على الأمور في جزيرة العرب جميعاً.
إذاً: هذا هو النهج الذي سلكه رسول الله ﷺ والذي سلكه الشيخ عبد الله بن ياسين ﵀ في إقامة دولة المرابطين، لكن الذي فعله محمد بن تومرت كان مخالفاً للنهج في التغيير، وكانت عنده فظاظة وشدة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 107
موقف علي بن يوسف بن تاشفين من محمد بن تومرت
لما سمع علي بن يوسف بن تاشفين بـ محمد بن تومرت أنه يدعو الناس إلى الخروج عليه فكر في عقد مناظرة بين محمد بن تومرت وبين علماء دولة المرابطين في ذلك الزمن في قصر الإمارة، فأتى بـ محمد بن تومرت وبعلماء المرابطين وبدأ الفريقان في المناظرة، وكان على رأس علماء دولة المرابطين مالك بن وهيب ﵀ كبير علماء دولة المرابطين، وكان قاضي القضاة في ذلك الوقت.
وهذا يبين لنا أن دعوة علي بن يوسف بن تاشفين للمناظرة كان فيه خير كثير، فقد كان يمكنه أن يأخذ محمد بن تومرت ويضعه في السجن أو يقتله أو يعتقله أو يفعل به ما يشاء.
وفي تلك المناظرة تفوق محمد بن تومرت عليهم تفوقاً عظيماً؛ لأنه كان بحراً متفجراً من العلم وشهاباً في الدين كما ذكر ابن خلدون، فاستطاع محمد بن تومرت أن يحاجهم جميعاً في كل القضايا التي أثيرت بينه وبينهم، حتى إن علي بن يوسف بن تاشفين بكى في مجلسه لما رأى كثرة المعاصي في البلد وهو لا يدري عنها شيئاً، أو يدري عنها ولا يغيرها، لكن كانت الحدة واضحة جداً في كلام محمد بن تومرت، وكانوا يعلمون أنه يحرض الناس على الخروج على الحاكم، فأسر مالك بن وهيب قاضي القضاة في أذن علي بن يوسف بن تاشفين وقال له: عليك أن تعتقل هذا الرجل وتنفق عليه ديناراً في كل يوم في السجن، وإلا ستمر عليك الأيام فتنفق عليه كل خزائنك دون أن تقدر عليه، لكن الوزير نصحه بعدم اعتقال محمد بن تومرت، فقال له: لو اعتقلته ستكون متناقضاً مع نفسك، لأنك بكيت من خشية الله لما سمعت كلامه وحججه، وهذا يكون فيه بلبلة عند عموم الناس، وأيضاً هو رجل واحد ومعه ستة من البشر، وأنت حاكم دولة المرابطين، فكيف تخشى من هذا الرجل؟ فأطلق علي بن يوسف بن تاشفين سراح محمد بن تومرت، ولم يحبسه دون وجه حق.
стр. 108
الانحرافات العقدية والسلوكية التي وقع فيها محمد بن تومرت
خرج محمد بن تومرت من مراكش ونزل على صديق له في بلد مجاور، ونصحه أن يذهب معه إلى قرية في عمق الجبل اسمها: قرية تينملل، هذه القرية ستكون عاصمة للدولة التي أسسها محمد بن تومرت بعد ذلك، وكان محمد بن تومرت زاهداً، وكان لا يحمل معه إلا عصا، ولا يأكل إلا البسيط من الطعام، وكان صاحب علم غزير فبدأ الناس في هذه القرية الصغيرة يلتفون حوله ويسمعون كلامه، وبدأ يؤثر فيهم ويخبرهم بكثرة المعاصي في بلاد المرابطين، فكون حوله جماعة صغيرة سماها: جماعة الموحدين، وكانت هذه التسمية خطيرة، فقويت شوكة محمد بن تومرت، وظهرت عليه انحرافات عقائدية خطيرة جداً، والسبب في ذلك أنه تعلم على يد أناس كثيرين وتيارات مختلفة من سنة وشيعة ومعتزلة وغيرها في الشام والعراق ومكة ومصر وغيرها من البلاد، حتى ظهر عليه خليط من العقائد المختلفة، فادعى العصمة، وهذه خاصة بأئمة الشيعة، فقد أخذ منهم هذه الجزئية، فادعى أنه معصوم لا يخطئ، وادعى أمراً خطيراً آخر وهو أن المرابطين من المجسمة؛ وذلك لأنهم يثبتون لله صفاته، فقد أخذ فكر المعتزلة في نفي الصفات عن الله ، ولهذا الادعاء كفر المرابطين، فقال: إن علي بن يوسف بن تاشفين ومن معه من الولاة والعلماء كافرون، ومن يعمل تحت حكمهم ويرضى بحكمهم من الكافرين.
ونتيجة لهذا التكفير استحل دماء المرابطين وأمر بقتلهم والخروج عليهم، وأفتى أصحابه أن من قتلهم إن استطاع ليس آثماً، بل هو محرز لثواب عظيم، وكان متساهلاً جداً في الدماء، وقد أخذ ذلك عن الخوارج، فإنهم كانوا متساهلين جداً في الدماء، فقد كان يقتل العشرات من المخالفين له، حتى ولو كانوا من جماعة الموحدين.
وادعى لنفسه بعض الخوارق، وأنه هو المهدي المنتظر، وبدأ الناس يصدقون ذلك؛ لأن علماء دولة المرابطين انشغلوا بالأمور الفرعية عن تعليم الناس أصول العقائد وأصول العبادات وأصول الدين، وصنعوا جداراً كبيراً بينهم وبين العامة.
فالعامة ما تعرف الحق من الباطل، لما رأت رجلاً مثل محمد بن تومرت عالماً كبيراً يروي عن هذا ويروي عن هذا، ويحفظ كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ ، ويعلم سير الصالحين والسابقين، ويعلم فقه كذا وكذا، فما كان للعامة إلا أن تسمع وتطيع لما يقوله محمد بن تومرت فاعتقدوا جميعاً بعصمته وبحل قتل المرابطين، بل والثواب الجزيل على من يقتل المرابطين الذين فتحوا البلاد وأقاموا صرح الإسلام في بلاد المغرب والأندلس سنوات طويلة، فبعد أن انتشرت بعض المنكرات في بلادهم، وبعد أن انشغلوا بالجهاد عن التعليم صاروا يكفرون ويقاتلون من قبل جماعة الموحدين!! وعبارة جماعة الموحدين فيها إشارة واضحة جداً من محمد بن تومرت أن غير الجماعة ليسوا بموحدين، بل هم كفار ليسوا بمسلمين.
стр. 109
بدء المعارك بين المرابطين والموحدين
بدأ محمد بن تومرت وجماعته يقاتلون المرابطين والتقوا مع المرابطين في تسعة مواقع ضخمة جداً في تاريخ المسلمين، انتصر محمد بن تومرت في سبعة مواقع منها، وهزم في موقعتين، فعلى سبيل المثال: الموقعة الأولى في سنة (٥١٨هـ) قتل فيها من المرابطين خمسة عشر ألفاً من المسلمين على يد جماعة الموحدين، أهذا هو نهج الله ونهج رسوله الكريم؟ يقتل خمسة عشر ألف مسلم من المرابطين الذين كانوا شوكة كبيرة في حلوق النصارى سنوات طويلة.
وموقعة ثانية: موقعة البحيرة أو البستان في سنة (٥٢٤هـ) انتصر فيها المرابطون على الموحدين، وقتل فيها من الموحدين أربعون ألفاً، وهكذا فإن عدد القتلى من المسلمين في جميع المواقع بين الموحدين والمرابطين يزيد على ثمانين ألف مسلم، من سنة (٥١٢هـ -٥٤١هـ) أي: في غضون (٢٨) سنة، إلى أن قامت دولة الموحدين على دماء أكثر من ثمانين ألف مسلم، أهذا هو النهج الصحيح للتغيير الذي سار عليه رسول الله ﷺ ؟ فالطريق الذي سار فيه محمد بن تومرت ومن معه مخالف للطريق الذي سار فيه الشيخ عبد الله بن ياسين ومن معه من قبل، مع أن كليهما وصل في الأخير للحكم! وأتعجب كثيراً كيف يسير محمد بن تومرت هذا الطريق، وقد رسم له السابقون الطريق الصحيح الذي ليس فيه دماء المسلمين، وليس فيه تشريد وقتل وذبح لأمة كبيرة من المجاهدين مثل أمة المرابطين؟ وفي سنة (٥٢٤هـ) يموت محمد بن تومرت، وقبل آخر لحظة من حياته كان يأمر الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والزهد في الدنيا واتباع سنة رسول الله ﷺ واتباع نهج الخلفاء الراشدين، وعدم المكوث أبداً عن الجهاد في سبيل الله، لكن على فهمه وطريقته التي ذكرناها، وأمر الناس أن يسمعوا ويطيعوا لـ عبد المؤمن بن علي ما أطاع الله فيهم.
ويدل كلام محمد بن تومرت على أنه من أكبر علماء المسلمين ومن أكبر المجاهدين، وكان بحق من العلماء كما ذكرنا، لكن كانت عنده أشياء عجيبة في أسلوب التغيير من العنف الشديد في التغيير، والمخالفات العقائدية، والخروج عن الحكام وتكفير المسلمين وقتلهم، مع أن الحكام قد أقاموا شرع الله ، مع وجود بعض المخالفات في بعض الجزئيات، فكان الواجب عليه أن يقومهم بالتي هي أصلح، وكانت النتيجة أن قامت للمسلمين دولة على دماء ثمانين ألف مسلم، فتولى عبد المؤمن بن علي الأمور في جماعة الموحدين من بعد محمد بن تومرت في سنة (٥٢٤هـ)، واستمر يقود الجماعة إلى أن سقطت دولة المرابطين السنية المجاهدة في سنة (٥٤١هـ) على إثر مجزرة شديدة جداً داخل مراكش، قتل فيها معظم المرابطين الذين كانوا في مدينة مراكش، وتملك الموحدون الحكم في البلاد سنة ٥٤١هـ.
نحن ندرس التاريخ لكي نتعلم، ولكي لا نكرر أخطاء السابقين، بل نكرر ما فعله الصالحون من المسلمين في سنوات الإسلام السابقة التي فيها الكثير من الصلاح، وعلينا أن نستفيد الاستفادة الكاملة من هذه الخطوات.
فماذا حدث مع دولة الموحدين بعد أن قامت على هذه الدماء؟ وماذا فعل عبد المؤمن بن علي في قيادته لدولة الموحدين من سنة (٥٤١هـ) إلى ما بعدها من السنوات؟ وهل صلحت الأفكار التي كانت في ذهن الموحدين عن عصمة محمد بن تومرت ومهديته، وعن كونهم يفسقون غيرهم من المسلمين؟ هذا ما سوف نتدارسه في الحلقة القادمة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.
стр. 110
سلسلة الأندلس_ دولة الموحدين
قامت دولة الموحدين بعد سقوط دولة المرابطين، وكان المؤسس الفعلي لها هو محمد بن تومرت، وأول حكامها هو عبد المؤمن بن علي الذي أقام دولة قوية في بلاد المغرب العربي والأندلس، ثم تولى الحكم من بعده يوسف بن عبد المؤمن بن علي، ولم يكن على شاكلة والده، ثم تولى من بعده ابنه أبو يوسف يعقوب الملقب بالمنصور، ويعد عصره العصر الذهبي، ثم تولى من بعده ابنه الناصر لدين الله الذي حدثت في عصره هزيمة المسلمين المنكرة في موقعة العقاب، والتي كانت السبب في سقوط الأندلس، ثم تولى من بعده ابنه المستنصر بالله، فكان عهده عهد سقوط الأندلس.
следующие страницы →