← История

История · id 21877

الأندلس من الفتح إلى السقوط

راغب السرجاني

Полный текст (142 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

خطة عبد الرحمن بن معاوية لدخول الأندلس بدأ عبد الرحمن بن معاوية يخطط لدخول الأندلس في سنة (١٣٦هـ) بما يلي: أولاً: أرسل مولاه بدر إلى الأندلس لدراسة الموقف، ومعرفة القوى المؤثرة في الحكم في بلاد الأندلس. ثانياً: راسل كل محبي الدولة الأموية في أرض الأندلس عن طريق مولاه بدر. والحق أن كثيراً من الناس كانوا يحبون الدولة الأموية منذ عهد ولاية معاوية بن أبي سفيان على الشام في خلافة سيدنا عمر بن الخطاب، وخلافة عثمان بن عفان وخلافة علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين، فقد كان أهل الشام جميعاً، وكان المسلمون في أقطار العالم الإسلامي المختلفة يحبون بني أمية حباً شديداً على مر العصور، فقد اشتهر بنو أمية بالسخاء الشديد، والسياسة والحكمة واكتساب الناس، وحسن معاملتهم والجهاد في سبيل الله، ونشر الدين، وفتح البلاد وما إلى ذلك من الأمور، فكان لبني أمية في داخل بلاد الأندلس كثير من المريدين والمحبين من القبائل الأخرى المختلفة. ثالثاً: في ذكاء شديد راسل البربر يطلب معونتهم ومساعدتهم. وقد كان البربر على خلاف كبير جداً مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري؛ لأنه فرق بين العرب والبربر، فالبربر يريدون أن يتخلصوا من حكم يوسف بن عبد الرحمن الفهري الذي عاملهم بهذه العنصرية. رابعاً: بدأ يراسل كل الأمويين في الحجاز وفي مصر وفي السودان وفي أماكن كثيرة جداً من الأرض التي هربوا إليها، ويعرض عليهم فكرته، وأنه يعزم على دخول بلاد الأندلس، ويطلب معونتهم ومددهم وهكذا بدأ يجمع الناس ويجمع الأفكار معه لتنفيذ فكرة عجيبة جداً، وهي أن يدخل وهو وحيد بمفرده مستصحباً لعزمه فقط إلى أرض الأندلس، وهذا أمر في منتهى الغرابة جداً، وهذا كان في سنة (١٣٦هـ) وكان قد بلغ من العمر (٢٣) عاماً. وبالفعل بدأ في تجميع الأعوان حتى سنة (١٣٨هـ) أي: أن مدة التجميع استغرقت سنتين. وفي سنة (١٣٨هـ) يأتي له رسول من عند مولاه بدر من الأندلس يقول له: إن الوضع قد تجهز لاستقبالك هناك في بلاد الأندلس، فيقول له: ما اسمك؟ فيقول: اسمي غالب التميمي، فاستبشر باسمه فقال: الحمد لله! غلبنا وتم أمرنا. وبدأ يعد العدة ويجهز السفينة التي تأخذه منفرداً إلى بلاد الأندلس، فركب السفينة ونزل على ساحل الأندلس بمفرده، فاستقبله مولاه بدر، وانطلق معه إلى قرطبة، وكان يحكم هذه البلاد في هذه الآونة يوسف بن عبد الرحمن الفهري.

стр. 37

موقعة المسارة بين عبد الرحمن بن معاوية ويوسف بن عبد الرحمن الفهري لما دخل عبد الرحمن بن معاوية أخذ في تجميع الناس من حوله من محبي الدولة الأموية من البربر وكثير من القبائل المعارضة لـ يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقد جاءه بعض الأمويين من بقاع الأرض المختلفة، ومع ذلك لم يكن العدد كافياً يستطيع به أن يغير من الأوضاع، ففكر في اليمنيين؛ لأنهم كانوا على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري، فـ يوسف بن عبد الرحمن الفهري من مضر من الحجاز، وعبد الرحمن بن معاوية أيضاً من مضر من بني أمية، أي: أن كلاهما من الحجاز. فبدأ يراسل اليمنيين، فقبلوا أن يتحدوا مع عبد الرحمن بن معاوية، وكان على رئاسة اليمنيين في ذلك الوقت أبو الصباح اليحصبي، وكان المقر الرئيسي لهم إشبيلية، وكانت إشبيلية مدينة كبيرة جداً من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، فذهب عبد الرحمن بن معاوية بنفسه إلى إشبيلية، واجتمع طويلاً مع أبي الصباح اليحصبي، واتفقا على أن يقاتلا سوياً ضد يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وقبل القتال أرسل عبد الرحمن بن معاوية رسائل إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري يطلب وده، ويطلب منه أن يسلِّم له الإمارة؛ لأنه حفيد هشام بن عبد الملك أصل الخلافة الأموية، ويكون رجلاً من رجاله في بلاد الأندلس، ولكن يوسف بن عبد الرحمن الفهري رفض ذلك كلياً، وجمع جيشاً له، وجاء ليحارب عبد الرحمن بن معاوية، فاجتمع عبد الرحمن بن معاوية مع اليمنيين ومن معه من القبائل المختلفة في حرب يوسف بن عبد الرحمن الفهري وذلك في موقعة كبيرة عرفت في التاريخ باسم موقعة المسارة، وفي لفظ: موقعة المصارة، (بالسين أو بالصاد)، وقد كان هذا في ذي الحجة سنة (١٣٨هـ). وكان من المؤسف جداً أن يلتقي المسلمون بسيوفهم، لكن كثرة الثورات والفتن والانقلابات جعل الحل العسكري والحل بالسيف هو الحل الحتمي في ذلك الوقت. دارت موقعة كبيرة بين يوسف بن عبد الرحمن الفهري ومعه جيش كبير، وجيش عبد الرحمن بن معاوية ويعتمد في الأساس على اليمنيين، فسمع أبو الصباح اليحصبي بعض المقالات من اليمنيين أن عبد الرحمن بن معاوية غريب على البلاد، وهو على فرس أشهب وعظيم، وإن حدثت هزيمة هرب من ساحة القتال وتركنا للفهريين، فبلغ عبد الرحمن بن معاوية هذا الكلام، وكان عمره آنذاك (٢٥) عاماً، فذهب بنفسه إلى أبي الصباح اليحصبي وقال له: إن هذا الجواد سريع الحركة ولا يمكنني من الرمي، فإن أردت أن تأخذه وتعطيني بغلتك فعلت، فأعطى الجواد السريع إليه وأخذ البغلة يقاتل عليها، فقال اليمنيون: هذا ليس بمسلك رجل يريد الهرب، هذا رجل يريد أن يموت في ساحة المعركة، فبقي معه اليمنيون وقاتلوا قتالاً شديداً، ودارت موقعة عظيمة جداً، وانتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية ومن معه، وهزم يوسف بن عبد الرحمن الفهري من أرض المعركة بجيشه الكبير، وفر يوسف بن عبد الرحمن الفهري، وكعادة الناس في ذلك الزمن أن يتابع المنتصرون المنهزمين حتى يقتلوهم ويقضوا على الثورة، فبدأ اليمنيون يجهزون أنفسهم حتى يتتبعوا الجيش الفار، لكن عبد الرحمن بن معاوية يقف لهم ويمنعهم من تتبع الفارين ويقول قولة خالدة: لا تتبعوهم، اتركوهم، لا تستأصلوا شأفة أعداء ترجون صداقتهم، واستبقوهم لأشد عداوة منهم. يقصد أن يستبقوهم للنصارى، فإن الموقعة الرئيسية ستكون مع النصارى، فإن هؤلاء الذين قاتلوننا في يوم من الأيام سيصبحون من جنودنا، وسيصبحون أعواننا على غيرنا من النصارى في ليون وفي فرنسا وما إلى ذلك. كان عنده فكر واسع وجديد جداً، ونظرة متسعة تشمل كل بلاد الأندلس، وتشمل كل أوروبا، بل وفي نظري أنه ينوي إعادة بلاد الشام بعد ذلك إلى أملاك الأمويين، وقد امتاز في حربه ضد يوسف بن عبد الرحمن الفهري بما يلي: أولاً: ليس في قلبه غل ولا حقد على من كان حريصاً على قتله منذ دقائق معدودات. ثانياً: الفهم العميق للعدو الحقيقي وهم النصارى في الشمال. ثالثاً: إذا جاز له شرعاً أن يقاتلهم لتجميع الناس حول راية واحدة، فلا يجوز له شرعاً أن يتتبعهم وأن يقتل الفار منهم، أو يجهز على جريحهم، أو يقتل أسيرهم؛ لأن حكمهم حكم الباغين في الإسلام، وليس لهم حكم المشركين، والباغي في الإسلام لا يتتبع الفار منه، ولا يقتل أسيره، ولا يجهز على جريحه، بل ولا تؤخذ منه الغنائم وهكذا، فقد كان عنده فقه وعلم وسعة اطلاع وفهم عميق جداً، وهو لم يبلغ من العمر إلا خمسة وعشرين سنة. وبعد انتهاء موقعة المسارة، قام أبو الصباح اليحصبي في قومه من اليمنيين وقال: الآن قد انتصرنا على يوسف بن عبد الرحمن الف

стр. 38

موقف العباسيين من الإمارة الأموية بالأندلس لن نستفيض في شرح الثورات ضد عبد الرحمن الداخل وماذا حصل في كل ثورة؟ فالكتب فيها تفصيلات كثيرة، لكن أقف عند ثورة واحدة لأهميتها في فهم هذا الانفصال الذي حصل للأندلس عن الخلافة العباسية، هذه الثورة حدثت في سنة (١٤٦هـ)، أي: بعد حوالي ثمان سنوات من استلام عبد الرحمن بن معاوية للحكم في بلاد الأندلس، قام بها رجل اسمه العلاء بن مغيث الحضرمي، أرسله أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي كي يقتل عبد الرحمن بن معاوية ويضم الأندلس إلى أملاك الخلافة العباسية، وهذا بالنسبة لـ أبي جعفر المنصور أمر طبيعي، يريد أن يضم بلاد الأندلس؛ لأنها البلاد الوحيدة من بلاد المسلمين التي هي منشقة عن الخلافة العباسية الكبيرة. جاء العلاء بن المغيث الحضرمي من بلاد المغرب العربي، وعبر إلى الأندلس، وقام فيها بثورة ينادي بدعوة العباسيين، ويرفع الراية السوداء التي أرسلها الخليفة أبو جعفر المنصور الذي يعتبر الخليفة العباسي الثاني، أو المؤسس الحقيقي للخلافة العباسية بعد أبي العباس السفاح. دارت حرب كبيرة بين العلاء بن مغيث الحضرمي وبين عبد الرحمن بن معاوية، انتصر فيها عبد الرحمن بن معاوية، ووصلت الأنباء إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي أن العلاء بن المغيث الحضرمي قد قتل، وأن جيشه قد هزم هزيمة منكرة، فقال أبو جعفر المنصور: قتلنا هذا البائس، بتكليفه بحرب عبد الرحمن بن معاوية، ثم قال: ما لنا في هذا الفتى من مطمح، ويقصد به عبد الرحمن بن معاوية، وليس لنا أمل في حربه، والحمد لله الذي جعل بيننا وبينه البحر. ومنذ هذه اللحظة والدولة العباسية لم تفكر ولا مرة واحدة في استعادة بلاد الأندلس، بل إن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي هو الذي سمى عبد الرحمن بن معاوية بـ صقر قريش، وقد اشتهر في التاريخ بـ صقر قريش، كان أبو جعفر المنصور جالساً مع أصحابه فسألهم: أتدرون من هو صقر قريش؟ فقالوا له: أنت، فقال: لا. فعددوا له أسماء حتى ذكروا له معاوية وعبد الملك بن مروان وأسماء من بني أمية. فقال: لا، بل عبد الرحمن بن معاوية، دخل الأندلس منفرداً بنفسه مؤيداً برأيه مستصحباً لعزمه، يعبر القفر ويركب البحر حتى دخل بلداً أعجمياً، فجمع الأنصار وجند الأجناد، وأقام ملكاً بحسن تدبيره وشدة عزمه. هكذا كان أبو جعفر المنصور معجباً بـ عبد الرحمن بن معاوية، لكنه إعجاب اضطرار، لا بد أن في نفوسنا وفي نفوس جميع المسلمين أشياء وأشياء على هذا الانفصال الطويل بين دولة الأندلس وبين الخلافة العباسية على مر العصور، لماذا يحارب عبد الرحمن بن معاوية الرجل الورع التقي الزاهد الذي أقام دولة قوية جداً في بلاد الأندلس؟ ولماذا ينفصل عن الخلافة العباسية؟ والتحليل الصادق هو أن الدولة العباسية هي التي أخطأت خطأ فاحشاً في حق الأمويين بقتلهم، وتتبعهم في البلاد بهذه الصورة الوحشية، إذا كان الأمويون في آخر عهدهم قد فسدوا واستحقوا الاستبدال، فليكن هذا الاستبدال، ولكن على نهج رسول الله ﷺ ، كان من المفترض أن تحتوي الدولة العباسية هذه الطاقات الأموية وتوظفها لخدمة الإسلام والمسلمين، بدلاً من إجبارهم على خلق جيب من الجيوب في صقع بعيد من أصقاع البلاد الإسلامية في الأندلس أو غيرها من بلاد المسلمين، وكان من المفترض ألا تفرط في قتل المسلمين من بني أمية، وهي تعلم حديث رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) كما روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁. ما المانع أن تقيم الحد على من يستحق أن يقتل من بني أمية، ثم تترك وتستوعب الآخرين؟! ما المانع أن تعطي بني أمية بعضاً من الملك، كإمارة مدينة أو إمارة ولاية، فقد كانوا خلفاء وأبناء الخلفاء، حتى يستوعبوهم في داخل الصف؟ انظر إلى عبد الرحمن الداخل في موقعة المسارة وهو يقول للناس: اتركوهم لا تتبعوهم؛ لأنه كان يريد أن يضمهم إلى جيشه بعد ذلك، هكذا كان يجب على العباسيين أن يتركوا الأمويين تحت عباءتهم، حتى يستطيعوا أن يكونوا جنداً لهم، تخيل أن شخصاً مثل عبد الرحمن بن معاوية بهذا الفكر وهذا النضوج وهذا الجهاد يكون عوناً للخلافة العباسية، لكنه أصبح ضد الخلافة العباسية؛ بسبب هذا القتل المفرط من الدولة العباسية في بدء نشأتها، بل انظر إلى المثل الأعلى والقدوة ال

стр. 39

سلسلة الأندلس_ الإمارة الأموية أقام عبد الرحمن الداخل إمارة أموية في بلاد الأندلس إبان الخلافة العباسية، واهتم بها اهتماماً بالغاً دينياً وسياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وقد استمر حكم بني أمية لبلاد الأندلس برهة من الزمن، ومر بمراحل قوة وضعف، وكان لكل مرحلة أسبابها.

стр. 40

موقف عبد الرحمن الداخل من الثوار في الأندلس أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فمع صفحة جديدة من صفحات التاريخ الإسلامي والحلقة الخامسة من حلقات الأندلس: من الفتح إلى السقوط. ذكرنا فيما سبق كيف دخل عبد الرحمن الداخل ﵀ أرض الأندلس، وكيف سيطر على الموقف هناك، وضم إليه جميع القبائل، كذلك سيطر على جميع الثورات، وأقام ملكاً لبني أمية في أرض الأندلس، بعد قصة فرار طويلة من العباسيين، ومن الخوارج في المغرب. ما زالت هناك بعض التعليقات على موقف عبد الرحمن الداخل ﵀ من الثائرين، هل يجوز له أن يحارب الثائرين وإن كانوا من المسلمين؟ ف الجواب أن موقفه سليم جداً في حرب الثائرين داخل أرض الأندلس؛ لأن جميع أهل الأندلس قد أجمعوا على أن يكون أميراً للبلاد، ودليل ذلك حديث رسول الله ﷺ عن عرفجة ﵁ في صحيح مسلم يقول: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، فأراد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم، فاضربوا رأسه بالسيف كائناً من كان)، فلذلك كان موقف عبد الرحمن الداخل ﵀ صارماً مع من أراد الثورة؛ ليقمع هذه الانقلابات المتكررة في أرض الأندلس في ذلك الزمن، لكن من الإنصاف أن نذكر أنه كان ﵀ يبدأ دائماً بالصلح، وبالاستمالة إلى السلم، ويكره الحرب إلا إذا كان مضطراً ﵀، والثورات التي حدثت في بدء ولاية عبد الرحمن الداخل ﵀ كان ثمنها غالياً في بداية دخوله، وفي أول أربع سنوات من دخوله من سنة (١٣٨) إلى سنة (١٤٢) من الهجرة سقطت كل مدن المسلمين في فرنسا، بعد أن حكمت بالإسلام مدة (٤٧) سنة متصلة، منذ أيام موسى بن نصير وحتى هذه اللحظات، فإن من سنن الله الثوابت أنه إذا انشغل المسلمون بأنفسهم كانت الهزيمة أمراً حتمياً.

стр. 41

أعمال عبد الرحمن الداخل في الأندلس بعد قمعه للثورات لما دخل عبد الرحمن الداخل ﵀ أرض الأندلس وقمع هذه الثورات بدأ يفكر فيما هو بعد ذلك. أولاً: اهتم بالأمور الداخلية في أرض الأندلس اهتماماً كبيراً جداً، فبدأ بإنشاء جيش قوي، واعتمد فيه على ما يلي: أولاً: اعتمد على أهل البلاد الملقبين بالمولدين؛ فإن عموم أهل الأندلس كانوا من أهل الأندلس الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام وأحبوا عقيدته، فـ عبد الرحمن الداخل لما رأى أن غالب الشعب من أهل الأندلس أنفسهم اعتمد في جيشه عليهم. ثانياً: اعتمد في جيشه على كل الفصائل والقبائل الموجودة في أرض الأندلس، وضم إليه كل الفصائل المضرية سواء من بني أمية أو من غير بني أمية، كما ضم إليه كل فصائل البربر، وهم قبائل كثيرة جداً، وكان يضم رءوس القوم حتى يؤثروا في أقوامهم، بل إنه ضم إليه اليمانية، مع علمه أن أبا الصباح اليحصبي يدبر له مكيدة، وصبر عليهم صبراً طويلاً حتى تمكن من الأمور تماماً، ثم تخلص منه بعد (١١) سنة كاملة من توليه الحكم في البلاد. وكان في جيش عبد الرحمن الداخل ﵀ الصقالبة، وهم أطفال نصارى اشتراهم عبد الرحمن الداخل من أوروبا ورباهم تربية إسلامية عسكرية صحيحة منذ أن اشتراهم، وليس في أفكارهم أي فكر أو اتجاه معين أو دين معين، فرباهم على الإسلام التربية الكاملة الشاملة، من حيث صحة العقيدة وصحة العبادات وصحة الفهم، والجهاد في سبيل الله، لذلك كان هؤلاء عماد الجيش عند عبد الرحمن الداخل ومن جاء بعده من خلفاء وأمراء بني أمية. وصل تعداد الجيش الإسلامي في أواخر عهد عبد الرحمن الداخل ﵀ إلى مائة ألف فارس غير الرجالة، فهذا جيش ضخم جداً، على الرغم من أنه دخل البلاد وحيداً. ثالثاً: اهتم عبد الرحمن الداخل ﵀ اهتماماً كبيراً بالجانب الديني ونشر العلم وتوقير العلماء، واهتم بالقضاء وبالحسبة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم أعماله أنه بنى مسجد قرطبة الكبير، وأنفق على بنائه ثمانين ألفاً من الدنانير الذهبية، وتنافس الخلفاء من بعده في زيادة حجمه حتى اكتمل بناؤه على مدى عهد ثمانية من خلفاء بني أمية. رابعاً: اهتم كثيراً بالإنشاء والتعمير وبناء الحصون والقلاع والقناطر، وربط أول الأندلس بآخرها؛ وأنشأ أول دار لسك النقود الإسلامية في الأندلس، وأنشأ الرصافة، وهي من أكبر الحدائق في الإسلام، وأنشأها على غرار الرصافة التي كانت موجودة في الشام، والتي أنشأها جده هشام بن عبد الملك ﵀، وأتى لها بالثمار العجيبة من كل بلاد العالم، فإن نجحت زراعتها فإنها ما تلبث أن تنتشر في بلاد الأندلس جميعاً. خامساً: كان عبد الرحمن الداخل ﵀ يعلم أن الخطر الحقيقي من قبل دولة ليون في الشمال الغربي من بلاد الأندلس، وفرنسا في الشمال الشرقي من بلاد الأندلس، فبدأ هذا الرجل العجيب في تنظيم الثغور في الشمال، ووضع جيوشاً ثابتة في هذه الثغور الملاقية لهذه البلاد النصرانية، وأنشأ ما يسمى بالثغر الأعلى، وهو ثغر سرقسطة في الشمال الشرقي مواجهاً لفرنسا، وأنشأ ما يسمى بالثغر الأوسط، ويشمل مدينة سالم ويمتد حتى طليطلة، وأنشأ ما يسمى بالثغر الأدنى، وهو في الشمال الغربي في مواجهة مملكة ليون النصرانية. وكانت له عادة عظيمة جداً تعلمها من أجداده وآبائه في بلاد الشام، وهي عادة الجهاد المستمر بصورة منتظمة ودائمة في كل عام، حيث كانوا يجاهدون في الصيف حين يذوب الجليد، وكانت الجيوش تسمى الصوائف، كانت تخرج إلى الشمال كل عام لهدف الإرباك الدائم للعدو، وهذا ما يسمونه الآن في العلوم العسكرية بالهجوم الإجهاضي المسبق. وقد جعل الصوائف أمراً ثابتاً يتناوب عليه كبار قواد الجيش كل عام. سادساً: كان ﵀ كبير الاهتمام بالجيش، فقد كان يقسم ميزانية الدولة السنوية إلى ثلاثة أقسام: قسم يعطيه بكامله للجيش، والقسم الثاني: لأمور الدولة العامة، من مؤن ومعمار ومرتبات ومشاريع وغير ذلك، والقسم الثالث: يدخره لنوائب الزمان غير المتوقعة. اهتم عبد الرحمن الداخل ﵀ أيضاً بإنشاء دور الأسلحة؛ فأنشأ مصانع للسيوف، وللمنجنيق، وأشهرها مصانع طليطلة وبرديل. سابعاً: اهتم أيضاً ﵀ بإنشاء أسطول بحري قوي، وإنشاء أكثر من ميناء، وفي عهده تم إنشاء ميناء طرطوشة وألمارية وإشبيلية وبرشلونة وغيرها من الموانئ. يقول المؤرخون: لولا عبد الرحمن الداخل لانتهى الإسلام من الأندلس بالكلية.

стр. 42

صفات عبد الرحمن الداخل ورجاحة عقله ذكر ابن حيان الأندلسي في وصف عبد الرحمن الداخل قال: كان عبد الرحمن الداخل راجح العقل، راسخ الحلم، واسع العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، بعيد الغور، شديد الحدة، قليل الطمأنينة، بليغاً مفوهاً، شاعراً محسناً، سمحاً سخياً، طلق اللسان، وكان قد أعطي هيبة من وليه وعدوه، وكان يحضر الجنائز ويصلي عليها، ويصلي بالناس إذا كان حاضراً الجمعة والأعياد، ويخطب على المنبر، ويعود المرضى، فهو مثال رائع للقائد المسلم، فإنه مع رجاحة عقله وسعة علمه كان لا ينفرد برأيه، فإذا اجتمعت الشورى على رأي كان نافذ العزم في تطبيقه ﵀. وهذه حياة المؤمنين الصادقين؛ فأعمال الخير دائماً أكثر من الأوقات، وقد يتعجب المرء أحياناً لما يجد شباباً في سن عبد الرحمن الداخل أو رجالاً أكبر من عبد الرحمن الداخل يقضون الساعات الطويلة أمام شاشات التلفاز وفي المقاهي والنوادي في غير مصلحة لا له ولا للمسلمين، وأتعجب أين وقت التعلم والتفكر في الدين والدنيا؟ أين وقت الصلاة والقيام والذكر والقرآن؟ أين وقت عيادة المرضى وشهود الجنائز وصلة الأرحام وبر الوالدين؟ أين وقت خدمة الناس والقيام على مصالحهم؟ أين وقت تتبع أخبار المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟ فـ عبد الرحمن الداخل كانت همومه عظيمة، ومع ذلك كان يقوم بكل هذا، ولو وكل أحداً ما لامه أحد، وكان مع شدته وحزمه وجهاده وقوته شاعراً محسناً رقيقاً مرهف المشاعر، ومع كونه ذا هيبة عظيمة عند أوليائه وأعدائه، فإنه يتبسط مع الرعية، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، ويصلي بهم ومعهم، ومع كونه قليل الطمأنينة، وشديد الحذر لا يمنعه ذلك من الاختلاط بالناس، ومن السير في وسطهم دون حراس يعزلونه عن الشعوب، وكيف يمتنع من شعبه وهو المحبوب بينهم المقرب إلى قلوبهم؟ حتى خاطبه مقربوه في ذلك، وأشاروا عليه ألا يخرج وسط الناس كثيراً حتى لا يتبسطوا معه، لكنه تذكر عمر بن الخطاب حينما قال فيه القائل: حكمت فعدلت، فأمنت فنمت يا عمر انظر إلى همته وقد أتى مطارداً مشرداً مطلوب الرأس تجري وراءه قوى الأرض جميعاً من عباسيين في المشرق وخوارج في المغرب، ونصارى في الشمال وثورات في الداخل، فإذا به يؤسس هذا البنيات القوي المتين، وهذه الدولة العظيمة ذات المجد التليد. وكان ﵀ يحافظ على شعور الناس جميعاً، يحكى أنه طلب منه أحد الناس أمراً أمام الناس، فقضاه له، ثم قال له: وإذا ألم بك خطب أو حزبك أمر فارفعه إلينا في رقعة لا تعدوك؛ كيما نستر عليك؛ وذلك بعد رفعك لها إلى مالكك ومالكنا عز وجهه بإخلاص الدعاء وصدق النية. فكان يربي الناس على أن يرفعوا حاجتهم في البداية لرب العالمين ، ويربيهم أن الله يملكهم جميعاً. وكان يأمرهم بأن ترفع الحاجة إليه في رقعة، حتى يستر عليه حاجته، ولا يشمت فيه أعداؤه. دخل عليه أحد الجنود في يوم انتصارهم على النصارى، فتحدث معه الجندي بأسلوب فيه إساءة أدب وفيه رفع صوت، فأخذ عبد الرحمن الداخل يعلمه، فقال له: يا هذا! إني أعلمك من جهل، إنه يشفع لك في هذا الموقف هذا النصر الذي نحن فيه، عليك بالسكينة والوقار، فإني أخاف أن تسيء الأدب في يوم ليس فيه نصر، فأغضب عليك، فإذا بالجندي يرد عليه رداً في منتهى الذكاء؛ فيقول له: أيها الأمير! عسى الله أن يجعل عند كل زلة مني نصراً لك فتغفر لي زلاتي، فقال الأمير عبد الرحمن الداخل ﵀: هذا ليس اعتذار جاهل، وقربه إليه ورفع من شأنه. فقد ألغى الضغينة تماماً من قلبه، واستفاد منه لما رأى من ذكائه وقدرته على التصرف في مثل هذه الأمور. وظل فترة طويلة يختبر أبناءه، أيهم يصلح للإمارة الابن الأكبر سليمان أم الأصغر هشام بن عبد الرحمن الداخل، وبعد اختبارات كثيرة واستشارات واستخارات استقر رأيه على الابن الأصغر هشام بن عبد الرحمن الداخل فولاه العهد مع كونه أصغر من أخيه، حيث كان هشام يشبه بـ عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه في علمه وعمله وتقواه. وظل عبد الرحمن الداخل يحكم البلاد من سنة (١٣٨) هجرية إلى سنة (١٧٢) هجرية، أي: أنه حكم قرابة (٣٤) عاماً. كانت بداية تأسيس ما يسمى بعهد الإمارة الأموية في بلاد الأندلس، والتي استمرت من سنة (١٣٨) هجرية إلى سنة (٣١٦) هجرية، وهذه الفترة تقسم إلى ثلاث فترات رئيسية: الفترة الأولى: فترة قوة ومجد وحضارة وعز وهيمنة على ما حولها من المناطق، واستمرت مائة عام أي: من سنة ١٣٨ إلى (٢٣٨) هجرية. الفترة الثانية: فترة ضعف، واستمرت (٦٢) سنة، أي: من سنة (٢٣٨) إلى سنة (٣٠٠). الفترة الأخيرة: وهي من سنة (٣٠٠) إلى ما بعدها، وسنتحدث عنها بعد ذلك

стр. 43

الفترة الممتدة من ولاية عبد الرحمن الداخل إلى آخر ولاية حفيده الحكم بدأ عهد القوة من سنة (١٣٨) إلى سنة (٢٣٨) للهجرة، بدأ هذا العهد بإمارة عبد الرحمن الداخل ﵀، ثم خلفه من بعده ثلاثة أمراء، الأمير الأول: هشام بن عبد الرحمن الداخل؛ والذي حكم من سنة (١٧٢) إلى (١٨٠) هجرية، وكان ﵀ عالماً محباً للعلم، أحاط نفسه ﵀ بالفقهاء، وكان له أثر عظيم في بلاد الأندلس؛ لأنه نشر اللغة العربية بمجهود وافر وعظيم، حتى أصبحت اللغة العربية تدرس في معاهد اليهود والنصارى في داخل أرض الأندلس؛ ونشر المذهب المالكي بدلاً من مذهب الأوزاعي، وكانت له صولات وجولات كثيرة جداً مع ممالك النصارى الشمالية. الأمير الثاني: الحكم بن هشام فإنه تولى الإمارة من بعد والده هشام بن عبد الرحمن الداخل من سنة (١٨٠) إلى سنة (٢٠٦)، لكنه لم يكن على شاكلة أبيه ولا على شاكلة جده، كان قاسياً جداً؛ فقد فرض الكثير من الضرائب، واهتم بالشعر، وبالصيد، وقاوم الثورات بأسلوب غير مسبوق في بلاد الأندلس في عهد الإمارة الأموية؛ وكان يحرق بيوت الثائرين، ويطردهم إلى خارج البلاد، ومن أشهر الثورات التي قمعها: ثورة قوم يسمون بالربض، والربض منطقة في جوار قرطبة، ثار أهلها ثورة كبيرة على الحكم بن هشام فأحرق ديارهم وطردهم خارج البلاد، ومن تدبير الله ؛ أنه لما طردهم إلى خارج البلاد، انتقلوا بسفنهم إلى جزيرة كريت في البحر الأبيض المتوسط، فأسسوا فيها مملكة إسلامية ظلت قائمة مائة سنة متصلة، لكنه مع كل هذه الأمور لم يوقف حركة الجهاد في الشمال؛ لأن الجهاد كان عادة عند الإمارة الأموية، سواء في بلاد الشام أو في بلاد الأندلس، فقد كانت له انتصارات وعليه هزائم، وكنتيجة طبيعية تماماً لهذا الظلم الذي كان من قبل الحكم بن هشام، فإن العلاقة ساءت بين الحاكم والمحكوم، سقطت بعض البلاد الإسلامية في يد النصارى؛ كبرشلونة، وأصبحت إمارة نصرانية صغيرة جداً في الشمال الشرقي، وعرفت في التاريخ باسم إمارة أراجون، وكانت متاخمة لحدود فرنسا، بجوار جبال البرينيه في الشمال الشرقي للبلاد، لكن من فضل الله ومنّه وجوده وكرمه على الحكم بن هشام أنه في آخر عهده تاب وأناب واستغفر، واعتذر للناس عن ذنوبه، واختار من أبنائه أصلحهم وإن لم يكن الأكبر ليكون ولياً لعهده، ومن حسن خاتمته أنه قام بهذا الاعتذار وهو في كامل قوته وبأسه، وظل عامين على هذه التوبة قبل أن يموت.

стр. 44

ولاية عبد الرحمن الأوسط تولى من بعد الحكم بن هشام ابنه عبد الرحمن الثاني المعروف في التاريخ باسم عبد الرحمن الأوسط، فإن عندنا الأول هو عبد الرحمن الداخل ﵀، وهذا هو الثاني، والثالث هو المعروف في التاريخ بـ عبد الرحمن الناصر، حكم عبد الرحمن الأوسط بن الحكم من سنة (٢٠٦) إلى سنة (٢٣٨) من الهجرة، أي: استمر حكمه إلى آخر عهد القوة في عهد الإمارة الأموية، وكانت فترة حكم عبد الرحمن الأوسط فترة جيدة جداً في تاريخ الأندلس؛ فقد استأنف الجهاد من جديد ضد النصارى في الشمال، وألحق بهم هزائم عدة، وكان حسن السيرة، هادئ الطباع، ومحباً للناس ﵀. فقد تحققت في حياته ثلاثة أمور: الأمر الأول: ازدهار الحضارة العلمية في بلاد الأندلس؛ فقد انتشر العلماء في كل مجال، وكان أشهر هؤلاء العلماء عباس بن فرناس ﵀ الذي يعتبر أول من حاول الطيران في العالم، وسبحان الله! فإنه صار ضحية هذه المحاولة، وقد كانت له اختراعات كثيرة؛ فقد اخترع آلة لتحديد الوقت، واخترع آلة تشبه قلم الحبر، ونحن قد نستصغر مثل هذا الاختراع، لكن كانت له أهمية كبيرة جداً في ذلك الزمن؛ أما هذا الزمن الذي انتشر فيه العلم والتعليم، فإن الجميع يحتاجون إلى مثل هذا الذي ينسخ لهم بسرعة مثل القلم الحبر، وهو أول من اخترع الزجاج من الحجارة. واستقدم عبد الرحمن الأوسط العلماء من كل بلاد العالم الإسلامي، حتى استقدمهم من بغداد، وجاءوا إلى بلاد الأندلس وعظمهم وكبرهم، ورفع من قيمتهم، وأسس في سنوات مكتبة قرطبة العظمية، وشاع التعليم في كل بلاد الأندلس. الأمر الثاني: اهتمامه الشديد بالحضارة العمرانية والاقتصادية، فقد ازدهرت التجارة في عهده جداً وكثرت الأموال، حتى إن جميع المؤرخين يذكرون أنه لم يكن هناك في الأندلس عادة التسول، فقد كانت عادة التسول منتشرة في بعض البلاد الإسلامية الأخرى، أما في الأندلس فلم تعرف أصلاً هذه العادة لكثرة الأموال. وتقدمت وسائل الري في عهد عبد الرحمن الأوسط بشكل رائع، وتم رصف الشوارع، في هذا العمق القديم في التاريخ، وكانت أوروبا في جهل وظلام عميق، فأقام عبد الرحمن الأوسط القصور المختلفة والحدائق الغناء، ووسع في المعمار حتى أصبحت المباني الأندلسية آية في المعمار في عهد عبد الرحمن الثاني ﵀. الأمر الثالث: هو ما يسمى بغزوات الفايكنج أو غزوات النورمن، وهم أهل إسكندنافيا في ذلك الوقت، وهذه بلاد تضم الدنمارك والنرويج وفنلندا والسويد، فقد كانت تعيش في همجية مطلقة، وكانوا يعيشون على حرب العصابات؛ وفعلت ما يسمى بغزوات الفايكنج، وهي غزوات إغارة على بلاد العالم في أماكن مختلفة متفرقة، ليس لها هم إلا جمع المال وهدم الديار وما إلى ذلك، فهجمت على أشبيلية في سنة (٢٣٠) من الهجرة؛ في عهد عبد الرحمن الثاني وكان قوام الجيش الإسكندنافي في هذه الموقعة (٥٤) سفينة؛ فدخلوا إشبيلية، فأفسدوا فيها فساداً كبيراً، وهذه هي طبيعة الحروب المادية بصفة عامة، كل الجيوش المادية تدخل أي بلاد فتفسد فيها إفساداً عظيماً، وشتان بين المسلمين في فتحهم للبلاد وبين غيرهم في معاركهم؛ فقد دخل هؤلاء فدمروا إشبيلية تماماً، ونهبوا ثرواتها، وهتكوا أعراض نسائها، وهكذا في غيرها من البلاد؛ كشذونة وألمارية ومرسية، حتى أشاعوا الرعب فيها. فجهز عبد الرحمن الثاني ﵀ جيوشه، ودارت بينه وبينهم معارك ضارية استمرت أكثر من مائة يوم كاملة، ومنّ الله على المسلمين بالنصر، وغرقت (٢٣) سفينة كاملة للفايكنج، وعادوا إلى بلادهم خائبين. فقد استفاد من الأخطاء التي كانت سبباً في دخول الفايكنج إلى هذه البلاد، فكان رد فعله لهذا الحدث الكبير ما يلي: أولاً: أنشأ سوراً ضخماً جداً حول أشبيلية، وأشبيلية تقع على نهر الوادي الكبير، ونهر الوادي الكبير يصب في المحيط الأطلنطي، ومن السهولة جداً أن تدخل سفن الفايكنج أو غيرها من السفن من المحيط الأطلنطي إلى أشبيلية، لذلك حصنها تحصيناً ظلت بعده من أحفظ حصون الأندلس بصفة عامة. ثانياً: أنشأ أسطولين قويين جداً، فجعل أحدهما في الأطلسي، والآخر في البحر الأبيض المتوسط، حتى يدافع عن سواحل الأندلس، فكانت هذه الأساطيل تجوب البحار؛ حتى تصل إلى أعلى حدود الأندلس في الشمال عند مملكة ليون، وتصل في البحر الأبيض المتوسط إلى إيطاليا، وكان من نتيجة ذلك أنه فتح جزر البليار للمرة الثانية، والذي فتحها للمرة الأولى هو موسى بن نصير ﵀؛ وكان ذلك قبل فتح بلاد الأندلس في سنة (٩١) من الهجرة، ثم سقطت جزر البليار في يد النصارى في عهد الوالي الثاني الحكم بن هشام لما انحدر حال المسلمين هناك، ثم أعاد من جديد عبد الرحمن الأوسط ﵀ فتح جزر البليار في سنة (٢٣٤) من الهجرة،

стр. 45

أسباب ضعف الدولة الأموية في الأندلس

стр. 46

انفتاح الدنيا على المسلمين في الأندلس أولاً: انفتاح الدنيا على المسلمين وكثرة الأموال في آخر عهد القوة من الإمارة الأموية، فقد زادت الأموال بشدة وازدهرت التجارة، ولم يوجد هناك في البلاد فقير، وفتن الناس بالمال، وقد قال رسول الله ﷺ : (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم)، فرسول الله ﷺ كان يخشى على المؤمنين من هذه الفتنة؛ كان يقول ﷺ : (إن لكل أمة فتنة وفتنة أمتي المال)، وكان يقلل ﷺ كثيراً من قيمة الدنيا؛ كان يقول: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يضع أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع).

стр. 47

ظهور نجم زرياب وما صاحبه من ترف وحب للملاهي في المجتمع الأندلسي ثانياً: السبب الثاني لضعف الإمارة الأموية في الفترة الثانية: هو زرياب، مطرب من مطربي بغداد، تربى في بيت الخلفاء في بغداد، وكان يغني لهم، وكان معلمه هو إبراهيم الموصلي، وهو كبير مطربي بغداد في ذلك الوقت، ومع مرور الوقت لمع نجم زرياب هناك في بغداد، فغار منه إبراهيم الموصلي فدبر له مكيدة، فطرد من البلاد، فخرج من بغداد متجهاً صوب المغرب، حتى وجد ضالته في الأندلس؛ أرض غنية جداً، فيها أموال كثيرة، وقصور، وحدائق، هذه البلاد هي التي تستقبل المطربين في ذلك الزمن، مع أن الأندلس إلى هذه الفترة لم يكن فيها غناء. فلما وصل زرياب أرض الأندلس استقبلوه وعظموه وأكرموه، وأدخلوه على الخلفاء، وفي بيوت عامة، ونواديهم؛ فأخذ يغني للناس، ويعلمهم ما قد تعلمه هناك في بغداد، ولم يكتف زرياب بتعليمهم الغناء، وتكوين ما يسمى بالموشحات الأندلسية المشهورة، لكنه بدأ يعلمهم فنون الموضة؛ فقال للناس: هناك لبس خاص بالصيف، ولبس خاص بالشتاء، ولبس خاص بالربيع، ولبس خاص بالخريف، ولبس خاص بالمناسبات العامة، كما هو الحال في أرض بغداد، ولم يكن الناس في الأندلس على هذه الشاكلة، فأخذوا يتعلمون من زرياب، وأخذ يعلمهم فنون الطعام، كل يوم أكلة جديدة، وصنف جديد وهكذا تعلم الناس ألواناً كثيرة من الطعام، ثم أخذ يحكي لهم حكايات الأمراء والخلفاء، وحكايات الأساطير والروايات وما إلى ذلك، حتى تعلق الناس به بشدة، وتعلق الناس بالغناء، وكثر المطربون في بلاد الأندلس، ثم بعد ذلك انتشر الرقص، وكان في البداية بين الرجال، ثم انتقل إلى غيرهم وهكذا. في هذا الوقت الذي دخل فيه زرياب إلى أرض الأندلس، كان في عهد عبد الرحمن الأوسط ﵀، الذي اهتم بالعلم والحضارة والعمران والاقتصاد وما إلى ذلك، لكنه للأسف ترك زرياب يفعل كل هذه الأمور؛ مع أن النهضة العلمية كانت موجودة وكان العلماء كثيرين، إلا أن كلام زرياب صرف الناس عن سماع العلماء إلى سماع زرياب، وصرف الناس عن سماع حديث رسول الله ﷺ ، وقصص السلف الصالح إلى سماع حكايات زرياب العجيبة وأساطيره الغريبة، بل صرف الناس عن سماع القرآن إلى سماع أغانيه، وهذا ليس عجيباً وليس جديداً، فإنه لما ظهرت دعوة رسول الله ﷺ كان هناك رجل اسمه النضر بن الحارث، وكان من رءوس الكفر في مكة، ولما رأى أن رسول الله ﷺ يخاطب الناس بالقرآن فيتأثرون ويبكون ويؤمنون بهذا الدين، ذهب إلى بلاد فارس؛ وقطع أميالاً كثيرة، وقضى هناك فترة طويلة؛ ليتعلم هناك حكايات رستم وإسفنديار، ويتعلم الأساطير التاريخية، واشترى مغنيتين وعاد إلى بلاد مكة، فإذا وجد في قلب رجل ميلاً إلى الإسلام أرسل له المغنيتين تغنيان له مما عرفه في بلاد فارس من حكايات رستم وإسفنديار حتى تلهياه عن هذا الدين، وهكذا ظل يفعل كحرب مضادة للدعوة الإسلامية في بلاد مكة، فأنزل الله فيه قرآناً: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦]، ويقسم عبد الله بن مسعود ﵀ أنها ما نزلت إلا في الغناء. فالشيطان لا ينام ولا يهدأ، حتى في وجود هذه النهضة العلمية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، وكلما زاد الاهتمام بالدين كلما نشط الشيطان؛ عن طريق زرياب ومن سار على نهج زرياب إلى يومنا هذا، ونحن ننظر في رمضان كلما ارتقى مستوى الإيمان عند الناس، وكلما تعلقت قلوبهم بالمساجد زاد الشيطان في أثره وفي مفعوله، فيضع الناس على طريق غير التي أرادها الله لهم. فلو أخذنا عينة عشوائية من الناس وسألناهم إن كانوا يحفظون من الأغاني أكثر أم القرآن، أو يحفظون قصص الأفلام والمسلسلات أكثر أم قصص الأنبياء والصحابة والفتوح الإسلامية وما إلى ذلك؟ فالأمر خطير جد خطير. كنت أعطي هذه المحاضرة في مكان يحضر فيه كثير من المغاربة التونسيين والجزائريين، وفي أثناء إلقاء المحاضرة ذكرت قصة زرياب هذه، لكن الحقيقة أنني لم أكن أعرف اسمه معرفة جيدة، فذكرته زرياد بالدال وليس بالباء، وبعد المحاضرة جاء إلي أخ من تونس، فقال لي: إن الرجل اسمه زرياب ليس زرياد، فقلت: جزاك الله خيراً، ولكنني تعجبت أنه يعرف رجلاً مغنياً ميتاً من أكثر من (١٢٠٠) سنة في بلاد الأندلس، فقلت في نفسي: إن هذا الرجل واسع الاطلاع، وبعد ذلك بقليل جاء إلي جزائري وقال لي:

стр. 48

ظهور شخصيات تحارب الإسلام السبب الثالث: سبب متكرر في التاريخ وهو عمر بن حفصون الأندلسي شبيه جون قرنق، ولا أظن أنكم لا تعرفون جون قرنق! عمر بن حفصون هذا هو رجل من المولدين، أي: من أهل الأندلس الأصليين، ونحن عندما نلاحظ في الأسماء، ونجد في آخر الاسم واو ونون، نعرف أن هذا الرجل أندلسي من أهل الأندلس الأصليين؛ كانوا يضيفون واو ونون في آخر الكلمة؛ نحو: حفصون، سعدون، زيدون وما إلى ذلك، أو يضيفون واو وسين بدل واو ونون، نحو: عمروس أو ما إلى ذلك. فـ عمر بن حفصون كان رجلاً قاطع طريق من أهل الأندلس الأصليين، وكانت له عصابة كبيرة نسبياً، فقد كان معه أربعون من الرجال، واشتد خطره لما بدأ الناس يركنون إلى الدنيا ويتركون الجهاد في سبيل الله، وزاد حجمه جداً وبدأ يثور في منطقة الجنوب، والناس في هذه المنطقة كانت ترهبه بشدة، فأخذ يجمع حوله الأنصار، فزاد في الحجم جداً حتى سيطر على كل جنوب الأندلس، فقد كان مسلماً من أرض الأندلس، ولكي يؤيد قوته في آخر عهده عمل شيئاً لن يتكرر في تاريخ الأندلس إلا قليلاً؛ فقد تحول من الإسلام إلى النصرانية سنة (٢٨٦) من الهجرة، أي: بعد حوالي (٢٢) سنة من ثورته مسلماً انقلب إلى نصراني، وسمى نفسه صمويل، وبدأ يستعين ببلاد النصارى في الشمال، وسبب هذا الانقلاب كأنه يريد أن يأخذ التأييد من مملكة ليون الشمالية، فانقلب على عقبيه وأصبح نصرانياً، فتركه بعض المسلمين، لكن نال من تأييد مملكة ليون، وتزامن مع هذا الموقف توقف الجهاد في ممالك النصارى، فبدأت مملكة ليون تتجرأ على حدود الدولة الإسلامية؛ فبدأت تهاجمها من الشمال، وعمر بن حفصون أو صمويل من الجنوب، وهذا ما تفعله أمريكا واليهود الآن مع جون قرنق المتمرد في جنوب السودان، فإن هدفهم واضح جداً، وهو أنهم يمدون جون قرنق بالسلاح والخطط والخرائط والأغذية والأموال والمؤن وما إلى ذلك، وكل هذا يهدف إلى ضرب السودان من الداخل، من أجل أن تنشغل بنفسها فتضعف القوة التي في داخلها، ثم يوقفون المد الإسلامي من بلاد السودان إلى بلاد وسط إفريقيا. هذه خطة قديمة كما ذكرنا، فقد حدثت في بلاد الأندلس مع عمر بن حفصون ورغبوه في الانقلاب إلى النصرانية، فتحول إلى صمويل ليضرب الأندلس من الداخل، وحدثت من قبل ذلك بكثير في عهد رسول الله ﷺ ، عندما راسلت قريش عبد الله بن أبي ابن سلول في المدينة المنورة، وشجعته كثيراً على أن يحارب رسول الله ﷺ ، وأن يطرده من بلاده وما إلى ذلك.

стр. 49

الفترة الثانية في الدولة الأموية في الأندلس وأسباب ضعفها بوفاة عبد الرحمن الأوسط ﵀ بدأ عهد جديد في بلاد الأندلس، وهو عهد الضعف في الإمارة الأموية، من سنة (٢٣٨) إلى سنة (٣٠٠) من الهجرة، أي: حوالي (٦٢) سنة، تولى من بعد عبد الرحمن الأوسط ابنه محمد بن عبد الرحمن الأوسط ثم اثنين من أولاده: المنذر ثم عبد الله، لكن الإنسان في الحقيقة يتعجب كثيراً، كيف بعد هذه القوة العظيمة والبأس الشديد والهيمنة على أرض الأندلس وما حولها يحدث هذا الضعف وهذا السقوط وهذا الانحدار؟! إنه ليس من سنن الله أن تسقط الأمم فجأة، إن الأمر يكون متدرجاً على فترات طويلة، ففي العهد الثاني للولاة حصلت الثورات والمكائد والتي بدأت بوفاة عبد الرحمن الأوسط؛ والسبب وراء ضعف الولاة كان فيما يلي: أولاً: انفتاح الدنيا وكثرة الغنائم، ثانياً: القبلية والقومية، ثالثاً: ظلم الولاة، رابعاً: ترك الجهاد، لكن كل هذا كانت له بذور في أواخر عهد القوة من عهد الولاة، بدأت هذه البذور أثناء وبعد موقعة بلاط الشهداء. ولكي نفهم سبب ضعف الإمارة الأموية علينا أن ندرس الفترة الأخيرة من عهد القوة، ونبحث فيها عن بذور الضعف والأمراض التي أدت إلى هلكة أو ضعف الدولة الأموية في عهد الإمارة الثاني فبعد هذا الضعف الشديد، وهذه العوامل المتفاعلة، وهذه الفترة الطويلة نسبياً؛ (٦٢) سنة من الضعف، نحلل الوضع في بلاد الأندلس في سنة (٣٠٠)، أي: زمن انتهاء عهد الضعف أو أواخر عهد الضعف في بلاد الأندلس، فيما يلي: أولاً: وجود ثورات لا حصر لها في الأندلس؛ بل واستقلالات في كثير من المناطق، وأشهر هذه الاستقلالات استقلال صمويل أو عمر بن حفصون بجنوب الأندلس، حيث كون ما يشبه الدويلة في هذه الرقعة من بلاد الأندلس، وضم إليه الكثير من الحصون، حتى ضم إليه كل حصون إستجّة وجيان، التي كانت من أحصن المناطق الأندلسية على الإطلاق، وصارت غرناطة في حوزة عمر بن حفصون، واتخذ له عاصمة سماها ببشتر في الجنوب بجوار ألمارية على ساحل البحر الأبيض المتوسط. ثانياً: الثورة الثانية الكبيرة في أشبيلية أثارها رجل اسمه ابن حجاج، وهذه الثورة كانت تمد وتساعد عمر بن حفصون أو صمويل في ثورته ضد قرطبة. ثالثاً: ثورة في شرق الأندلس في منطقة بلنسية. رابعاً: ثورة في منطقة سراقسطة في الشمال الشرقي، أدت إلى استقلال إمارة سراقسطة عن الإمارة الأموية في قرطبة، وثورة في غرب الأندلس يقودها رجل اسمه عبد الرحمن الزليقي، وثورة في طليطلة وهكذا. وكل هذه الثورات أدت إلى أن الحكومة المركزية للإمارة الأموية لا تسيطر في كل بلاد الأندلس إلا على مدينة قرطبة وما حولها من بعض القرى، وهكذا انفرط العقد تماماً في سنة ٣٠٠ من الهجرة، وتوزعت البلاد بين كثير من القواد، كل يحارب الآخر، وكل يبغي ملكاً ومالاً ودنيا. خامساً: أنه في الشمال تكونت مملكة نصرانية ثالثة بالإضافة إلى مملكة ليون التي تكونت لما ضعف المسلمون في عهد الولاة الثاني، وكانت نواتها هي منطقة الصخرة التي لم تفتح لـ موسى بن نصير ومن معه في بدء الفتح، كانت مملكة ليون في الشمال الغربي من البلاد، وتكونت مملكة صغيرة اسمها مملكة أراجون في عهد الحكم بن هشام الذي تميز بالظلم فحدثت له هزائم، وكانت مملكة أراجون في الشمال الشرقي للبلاد، وعاصمتها برشلونة. وتكونت إمارة ثالثة انفصلت عن مملكة ليون وهي: إمارة نافار، وفي بعض الكتب العربية تكتب نبارة، وهي الآن ما يعرف في أسبانيا بإقليم الباسك الذي فيه خلافات كثيرة، ومحاولة الانشقاق عن أسبانيا الآن. هذه الثلاث الممالك النصرانية اجترأت كثيراً على البلاد الإسلامية، فقد كانت تخاف المسلمين في عهد الإمارة الأموية الأول، أما بعد ذلك فقد بدأت تهاجم شمال الأندلس، وبدأت تسيطر على بعض البلاد الإسلامية، بل وبدأت تقتل من المسلمين المدنيين في هذه المدن الشمالية في بلاد الأندلس. سادساً: أن ولي العهد للأمير الذي كان يحكم البلاد في ذلك الوقت قد قتل؛ واسم الأمير عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط، واسم ولي العهد المقتول هو محمد بن عبد الله قتله أخوه المطرف بن عبد الله، فعندما يتفرق المسلمون وينشغلون بدنياهم، وبالأغاني والطرب، وبأنفسهم هكذا تكون العاقبة، فقد قتل ولي العهد، وأصبح الوضع في منتهى الخطورة؛ ثورات في الداخل، وحكومات نصرانية في الشمال تهجم على المسلمين، وليس للبلاد ولي عهد، وزاد الأمور خطورة بظهور دولة جديدة في بلاد المغرب كانت من أشد الدول خطورة على بلاد الأندلس، وهي الدولة الفاطمية أو المسماة بالدولة العبيدية؛ التي ظهرت في سنة (٢٩٦) من الهجرة، يعني: قبل سنة (٣٠٠) بأربع سنوات فقط، ظهرت هذه الدولة في بلاد المغرب العربي وكانت دولة شيعية خبيثة جداً، وكان

стр. 50

سلسلة الأندلس_ الخلافة الأموية تولى عبد الرحمن الناصر إمارة الأندلس بعد وفاة جده، فرفع من شأن الأندلس من الضعف إلى القوة ومن الذل إلى العزة ومن الهوان إلى المجد والسيادة، واستطاع أن يقضي على جميع الثورات الداخلية، واستطاع القضاء على الممالك النصرانية واسترداد الأراضي الإسلامية الأندلسية من تحت سيطرتها، وأعاد المجد والعز للإسلام والمسلمين.

стр. 51

الرد على من يقول: إن أمر الدولة الأموية بالجهاد كان تجنباً للثورات والانقلابات الداخلية أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فمع الحلقة السادسة من حلقات الأندلس من الفتح إلى السقوط. نفتح سوياً صفحة جديدة في هذا التاريخ الطويل، وقبل أن ندخل في هذه الحلقة فإن بعض الإخوة اشتكوا من كثرة المعلومات في الدروس السابقة، وتلاحق الأسماء والتواريخ، فهذه دراسة لثمانمائة سنة من تاريخ الأمة الإسلامية، والحق أنك تحتاج إلى سماع الحلقة أكثر من مرة لاستنباط الدروس، وقد لا نقف أحياناً على بعض الدروس في بعض المواقف، ويترك للأفراد الاستفادة منها بقدر حاجتهم، فعلى سبيل المثال: صفات عبد الرحمن الداخل؛ فلو جلست مع نفسك أياماً ما استطعت أن تكفيه حقه، ولا أن تدرس صفاته دراسة كافية وافية. فبعض الأسئلة جاءت بخصوص الحلقات السابقة. فمنها هذا السؤال وهو: ما زال يعتقد أن الصوائف -وهي خروج الدولة الأموية للجهاد في سبيل الله كل صيف، كانت سواء في فترة الشام أو في فترة حكمهم لبلاد الأندلس، لم تكن إلا لإخراج الشباب من البلاد إلى الثغور وذلك لإفراغ الشحنات، وبذلك يتجنبون الثورات والانقلابات والتمرد في داخل البلاد، فهل هذا حقيقي وصحيح؟ أولاً: الرد على هذا السؤال هو أنني حزنت حزناً شديداً، أن أرى هذا الفهم لفتوحات الدولة الأموية الكثيرة، بأن يقلب كل حسن إلى قبيح، وكل خير إلى شر، فلماذا الطعن في فتوحات بني أمية، وأياديهم البيضاء على المسلمين لا تنقطع؟ ماذا كان سيقع لو أن بني أمية لم يدخلوا إلى ليبيا أو تونس أو الجزائر أو المغرب أو جمهوريات الاتحاد السوفييتي الإسلامية جميعاً؛ أوزباكستان وكازاخستان والشيشان وأذربيجان وأفغانستان والهند وغيرها من البلاد التي ظلت تحكم بالإسلام قروناً طويلة بفضل هذا الدخول؟ ولماذا الطعن في الأمثلة الجميلة والصور الرائعة، كـ موسى بن نصير، والقول بأنه ما ذهب إلى بلاد الأندلس بجيشه إلا غيرة من طارق بن زياد ﵀؟ ولماذا الطعن في عبد الرحمن الداخل، والقول بأنه لم يذهب إلى الأندلس إلا طلباً للملك وللسيادة والسلطان؟ ولماذا تشويه هذه الصور للشباب، وهي صور قلما تتكرر في تاريخ الأمم؟ ثانياً: أن المستشرقين ومن على شاكلتهم من أبناء المسلمين يقيسون التاريخ الماضي بأفكار الحاضر، فقد رأوا في هذه الآونة أن السياسة لا تستغني عن الغش والخداع والغدر والرشوة والمؤامرة والمكيدة، والعلمانيون لا يتخيلون أبداً أن يبذل الإنسان نفسه وماله وجهده ووقته من أجل الآخرين، أو من أجل شيء غير منظور، كالجنة مثلاً، لذلك من المستحيل عليهم أن يفهموا هذه النماذج الطاهرة، التي ما تكررت إلا في التاريخ الإسلامي فقط. ثالثاً: هناك سنة من سنن الله الثوابت، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، فلو كان سعي بني أمية كله في هذه الفتوح لمجرد إلهاء الشعوب عن الملك، وإلهاء الشباب عن الثورات والمؤامرات، وليس في نواياهم الجهاد والدعوة وحب الإسلام، أكان يصلحه الله؟ يقول النبي ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)؛ فقد علمنا انهزام المسلمين عند الأخطاء القلبية، فقد هزم المسلمون في أحد لخطأ قلبي، قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢]، وهزم المسلمون في حنين لخطأ قلبي أيضاً، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]، وهذا على كرامة هذا الجيش من وجود رسول الله ﷺ والصحابة، فإذا حقق الأمويون هذا النصر الراسخ لقرون خلت، أليس هذا دليلاً على خيريتهم؟ هل اطلع هؤلاء الطاعنون على قلوبهم، فوجدوا فيها خبثاً، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام:١٤٨]. رابعاً: ليس معنى هذا أنه لا توجد في بني أمية أخطاء أبداً، بل يجب أن نشير إلى أخطائهم، ولكن في حجمها، وقد أشرنا في الدروس السابقة إلى أخطاء ملموسة في عهد الإمارة الأموية، أدت إلى ظهور عهد الضعف في الإمارة الأموية، وستظهر أخطاء أخرى، وقد تكون جسيمة وتؤدي إلى هلكة، وإلا لاستمر بنو أمية إلى هذه الآونة، لكن من سنن الله أنه من أفسد يهلك، فمن عدم الإنصاف أن ننظر بعين واحدة إلى الأخطاء ولو قلت، ونهمل الحسنات ولو تعاظمت.

стр. 52

موقف الشرع من الفن الغنائي هذا سؤال بخصوص قصة زرياب وأثره على المجتمع الأندلسي؟ إن الفن ليس حراماً مطلقاً كما أنه ليس حلالاً مطلقاً، بل هناك شروط إن لم تتوافر في الفن أصبح حراماً، فالله ذكر في أواخر سورة الشعراء وهو يستثني الشعر الحلال من الحرام، يقول : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٦]. ثم يستثني فيقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء:٢٢٧]. فالاستثناء ألا يتعارض العمل الأدبي شعراً كان أو غيره مع الإيمان والعمل الصالح، حتى لو وصل هذا الأدب أو هذا العلم أو هذا الشعر إلى أرقى جوائز الأدب في العالم، فإن كان يعارض الشرع والإيمان والعمل الصالح فإن الله سيحبطه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]. أما الاستثناء الثاني: فإن الله يقول في نفس الآية أيضاً: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء:٢٢٧]، فلا يلهي هذا العمل الأدبي صاحبه أبداً عن ذكر الله في كل أحواله؛ لأن الأصل هو ذكر الله، والفرع هو قول الشعر أو ما شابهه من أعمال الفن الجائز. ثم يكمل فيقول: ﴿وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٧]، أي: أن يستخدم شعره وأدبه في الدفاع عن الإسلام والنفس والوطن، وتحسين الصورة للشرق والغرب، ودفع الشبهات وغيرها.

стр. 53

حال الحكام في فترة ضعف الإمارة الأموية في الأندلس هذا سؤال أخير عن طبيعة الحكام في فترة الضعف في عهد الإمارة الأموية في الأندلس والتي استمرت من (٢٣٨هـ - ٣٠٠هـ)؟ الجواب أن الأمراء الذين حكموا في هذه الفترة ثلاثة وهم: محمد بن عبد الرحمن الأوسط، والمنذر بن محمد وعبد الله بن محمد، فقد كان محمد بن عبد الرحمن الأوسط عاقلاً رزيناً مجاهداً، خفف الأعباء المالية عن الناس واهتم بالعلماء، أما المنذر بن محمد فقد كان فارساً شجاعاً وقائداً متميزاً، ولم يحكم إلا سنتين فقط، ثم مات وهو في حصار إحدى حركات التمرد، أما عبد الله بن محمد فإنه كان متقشفاً عادلاً رحيماً محباً للناس ينظر في المظالم بنفسه. إذاً: كان الأمراء على درجة عالية جداً من التقوى والعدل والرحمة والجهاد، ومع ذلك ضعفت الأمة، والملحوظة الغريبة أنه يسأل: لم لم تسقط الأمة في عهد الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الذي تميز في معظم فترات حياته بالظلم والقسوة، ولكنها سقطت في عهد هؤلاء الذين تميزوا بالتقوى والعدل والرحمة والجهاد؟ ولتبرير هذا التباين أرى بعض الأمور، وقد يكون هناك تبريرات كثيرة جداً، لكن أكتفي باستنتاجين: الأول: أن هؤلاء الأمراء كانوا يتصفون بضعف القيادة، وسوء الإدارة باستثناء المنذر بن محمد، بينما تميز الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل -على الرغم من ظلمه- بحسن الإدارة وقوة الشخصية. إذاً: القائد لا بد أن تجتمع له مع التقوى الكفاءة، فقد كان رسول الله ﷺ يوزع المهام على أصحابه، كان يعطي هذا قيادة الجيوش، وهذا قراءة القرآن، وهذا الأذان، وهذا إمامة الصلاة، وهكذا كان يوزع عليهم الأمور بحسب كفاءتهم وقدرتهم على العمل، مع أن الجميع من الأتقياء. إذاً: الكفاءة مطلوبة مع التقوى. الثاني وهو هام جداً: أن الشعب في عهد الحكم بن هشام كان قد ربي على أعلى درجات التربية، وذلك في عهد عبد الرحمن الداخل ﵀، وفي عهد ابنه هشام بن عبد الرحمن الداخل الذي شبهوه بـ عمر بن عبد العزيز ﵁ وأرضاه، فلم تسقط الإمارة في عهد الحكم بن هشام، بل إنه قد تاب من ظلمه في آخر عامين من حياته تأثراً بشعبه الذي كان غالبه على التقوى. بينما الشعب في عهد الضعف كان شعباً متراخياً، ربي على الدعة والخنوع والطرب والمال وحب الدنيا وكثرة الغنائم وما إلى ذلك، فحتى إن تولى الصالحون فإن الأمة ستسقط، فقد سئل رسول الله ﷺ عن ذلك، (يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث). والخبث كثر في عهد الإمارة الأموية الثاني، حتى أصبح عموم الشعب من الخبثاء، ومن محبي الدنيا والدعة والخنوع، وهذا يبين دور تربية الشعوب على حب الله ، وحب رسوله الكريم ﷺ .

стр. 54

ما كانت عليه الإمارة الأموية سنة ٣٠٠ه ـ أما ما كانت عليه الإمارة الأموية في فترة الضعف سنة (٣٠٠هـ)، فكان كما يلي: أولاً: وجود حركات تمرد في معظم مناطق الأندلس؛ كان من أشهرها حركة عمر بن حفصون أو صمويل بن حفصون الذي تنصر في سنة (٢٨٦هـ). ثانياً: الحكومة الأموية المركزية لا تملك إلا قرطبة فقط، وما حولها من القرى، وهذا يمثل تقريباً أقل من عشر مساحة الأندلس في ذلك الوقت. ثالثاً: شمال الأندلس كانت به ثلاث ممالك نصرانية: أراجون، ونافار، وليون، وأكبرها مملكة ليون، وكانت هذه الممالك قد بدأت تجترئ على الحدود الشمالية الأندلسية وتهجم عليها، بل واحتلت بعض المدن الإسلامية في الشمال، مثل: مدينة سالم. رابعاً: أن الأمير عبد الله بن محمد وهو آخر الأمراء كان قد مات في سنة ثلاثمائة من الهجرة، وابنه الأكبر محمد الذي كان مرشحاً للخلافة كان قد قتل، وخلف وراءه طفلاً عمره ثلاثة أسابيع فقط. خامساً: الدولة العبيدية الشيعية المسماة بالفاطمية ظهرت وبقوة في المغرب، فقد بدأ ظهورها في عام (٢٩٦هـ) وهي تؤيد عمر بن حفصون وتدعمه بالسلاح عن طريق مضيق جبل طارق. سادساً: روح سلبية رهيبة تستولي على الناس في كل ربوع الأندلس، أنه لا أمل في الإصلاح. سابعاً: الأمر في بلاد العالم الإسلامي لا يختلف كثيراً عن الأحوال في بلاد الأندلس، فقد تمزق العالم الإسلامي إلى دويلات كثيرة متفرقة. في هذا الجو المليء بالفتن، وهذه التركة المثقلة بالهموم حدث أمر غريب ولكنه متوقع، فقد زهد جميع أبناء عبد الله بن محمد المرشحين للخلافة عن الحكم، لأن الحكم تركة مثقلة بالهموم، ولا يصلح فيهم أحد لهذا الأمر، فقدموا حفيد عبد الله بن محمد، حفيد الأمير الأخير عبد الله بن محمد، وهو ابن القتيل محمد بن عبد الله، الذي قتل منذ اثنتين وعشرين سنة، وهذا الحفيد هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الأوسط ﵀، وكان يبلغ من العمر في ذلك الوقت اثنين وعشرين عاماً فقط، وهو الذي عرف في التاريخ باسم عبد الرحمن الناصر. يقوم عبد الرحمن الناصر بأمر الإمارة، فإذا به يغير الضعف إلى قوة، والذل إلى عزة، والفرقة إلى وحدة، والهوان إلى مجد وسيادة وسلطان، وهي خطوات بحق لا بد أن تدرس بعناية. فهذا الرجل لو كان في زماننا لكان في السنة الرابعة في الجامعة على أقصى تقدير، فقد كانت طاقة الشباب لديهم كبيرة جداً، وأحياناً قد يبخس الشباب نفسه، أو يبخس المجتمع، وسبحان الله! فإن الإسلام دين عجيب، وهذه الأمة أمة ولادة، فإن موسى بن نصير فتح الأندلس وهو في الخامسة والسبعين من عمره، ومع ذلك كانت له روح الشباب في هذا السن المتقدم. أما الشاب عبد الرحمن الناصر ﵀، فقد ضم إلى فورة الشباب حكمة الشيوخ، ﵀ وأكثر من أمثاله.

стр. 55

خطوات عبد الرحمن الناصر في الإصلاح كانت خطوات عبد الرحمن الناصر في الإصلاح، فهي كما يلي:

стр. 56

تربية الناصر التربية الصحيحة من قبل جده عبد الله بن محمد أولاً: يخطئ من يظن أن تاريخ عبد الرحمن الناصر ﵀ بدأ منذ ولايته على البلاد، فقد ربي تربية جيدة لم تتكرر كثيراً في التاريخ؛ ليكون عبد الرحمن الناصر، قال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). إن لم نكن نحن عبد الرحمن الناصر، فليكن أبناؤنا عبد الرحمن الناصر، فهل نحن نعلم أبناءنا الصلاة لسبع سنين، ونضربهم عليها لعشر؟! فإياك أن تضرب ابنك على الصلاة لعشر وأنت لم تأمره بها لسبع. وهل نحفظ أبناءنا القرآن؟ أم أن أبناءنا يحفظون أغاني فلان وعلان من المطربين والمطربات، الأحياء منهم والأموات؟ وهل نعلم أبناءنا السباحة، وألعاب القوى، والدفاع عن النفس، أو أنهم مشغولون بأفلام الكرتون والتلفزيون والكوتشينة؟! وهل يريد أبناؤنا أن يكونوا مثل خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي، وعبد الرحمن الناصر، وعبد الرحمن الداخل، أم أنهم يريدون أن يكونوا مثل مارادونا ومايكل جاكسون ومن على شاكلتهم؟ الحقيقة أن المسئولية ضخمة جداً، قال النبي ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته). وعبد الرحمن الناصر ﵀ قتل أبوه وعمره ثلاثة أسابيع فقط، فرباه جده الأمير عبد الله بن محمد ليفعل ما لم يستطع هو أن يفعله، رباه على سعة العلم وقوة القيادة والجهاد وحسن الإدارة، والتقوى والورع، والصبر والحلم، والعزة والكرامة، والعدل مع القريب والبعيد، والانتصار للمظلوم، رباه ليكون عبد الرحمن الناصر.

стр. 57

ثقة الناصر بربه ثم بنفسه في الإصلاح ثانياً أمسك: عبد الرحمن الناصر ﵀ زمام الإمارة وعنده ثقة شديدة بالله ، ثم بنفسه أنه يستطيع أن يغير، فهو يثق بأن الله قادر على كل شيء، ويثق في قوله : ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]، ثم يثق في نفسه أنه من الممكن أن يغير، فلو كان في قلبه إحباط من التغيير، وأنه لا أمل له في الإصلاح ما استطاع أن يتحرك خطوة واحدة، فهو مع صغر سنه أخذ على عاتقه مهمة تعتبر من أثقل المهام في تاريخ الإسلام، فبهذه المؤهلات، وبهذه التربية من جده عبد الله بن محمد التربية الشاملة لكل فروع كمال الشخصية، وبهذه الثقة الشديدة بالله ثم بالنفس غير عبد الرحمن الناصر من التاريخ، وأول شيء فعله عندما تملك الأمور في الأندلس بدأ ينظف المراكز المرموقة الموجودة في البلد من وزراء وقواد للجيش من رموز الفساد التي عمت، وبدأ ينتقي من يتصف بالتقوى والورع ونظافة اليد وسعة العلم، ويعطيه المراكز القيادية في قرطبة، وهو لا يملك من كل بلاد الأندلس إلا قرطبة وما حولها من القرى، وقرطبة كانت من أكبر بلاد الأندلس على الإطلاق؛ لأنها كانت العاصمة لسنوات طويلة، فكانت مركزاً ثقيلاً وكبيراً، لكنها لم تكن تمثل أكثر من عشر الأندلس، فبدأ يصلح في هذه المنطقة الصغيرة، ثم أعلى من شأن العلماء جداً، ورضخ لهم رضوخاً كاملاً، وطبق الشرع الإسلامي بحذافيره على نفسه قبل أن يطبقه على شعبه، ولم يتنازل أبداً عن مسألة واحدة من مسائل الشارع الكريم، سواء في كتابه أو في سنة رسوله الكريم ﷺ ، وكان هو أول من طبق عليهم ذلك. لما بنى عبد الرحمن الناصر قصراً من القصور، وحضر خطبة الجمعة، وكان الخطيب المنذر بن سعيد ﵀ أكبر علماء قرطبة في ذلك الوقت، وكان شديداً في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، حتى على الأمير عبد الرحمن الناصر ﵀، فأسرف المنذر بن سعيد في الكلام وأفرط في التقريع على عبد الرحمن الناصر؛ لأنه بنى قصراً كبيراً، فقال عبد الرحمن الناصر عندما عاد إلى بيته: لقد تعمدني منذر بخطبته وما عنى بها غيري، فأسرف علي وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسية في وعظي، فزعزع قلبي، وكاد بعصاه يقرعني. وأشار عليه رجل أن يخلع المنذر بن سعيد عن خطبة الجمعة، فقال الأمير عبد الرحمن الناصر: أمثل المنذر بن سعيد في فضله وخيره وعلمه يعزل لإرضاء نفس ناكبة عن الرشد، سالكة غير القصد؟ هذا والله لا يكون، وإني لأستحيي من الله ألا أجعل بيني وبينه في صلاة الجمعة شفيعاً مثل منذر في ورعه وصدقه، وأبقاه على مكانته، وأكثر منذر بن سعيد ﵀ من تقريع عبد الرحمن الناصر، وما عزله حتى مات. فكان عبد الرحمن الناصر يربي أهل قرطبة على هذه المعاني، وكان في انصياعه للحق أفضل قدوة للناس جميعاً.

стр. 58

استعداد الناصر وتخطيطه للقضاء على ابن حفصون المرتد ثالثاً: فكر عبد الرحمن الناصر ﵀ أن يبدأ أولاً بالقضاء على ثورة عمر بن حفصون أو صمويل بن حفصون؛ لأن عمر بن حفصون ارتد عن الإسلام فأصبح قتاله فرضاً على المسلمين، فهذا الرجل لا يختلف عليه اثنان في أنه يستحق القتل؛ لأنه ارتد عن دين الله . الأمر الثاني: أن المعركة في منتهى الوضوح، فهي معركة بين المسلمين والمرتدين، فاستطاع أن يحفز أهل قرطبة الذين قد ألفوا الثورات لقتال المرتدين، فقاد حملة بعد شهرين فقط من توليه الإمارة، واسترد مدينة إستجة التي كانت من أحصن مدن الأندلس، ثم قاد حملة كبيرة جداً بنفسه على صمويل بن حفصون، استمرت ثلاثة شهور كاملة: شهر شعبان، ورمضان، وشوال في سنة (٣٠٠) من الهجرة، أي: في نفس العام الذي تولى فيه عبد الرحمن الناصر ﵀، فاسترد جيان، وهي من المدن الحصينة جداً، واسترد فيها سبعين حصناً من حصون عمر بن حفصون، ثم ما زالت قوة عمر بن حفصون أو صمويل بن حفصون كبيرة جداً، حيث يأتيه المدد من ممالك النصارى في الشمال، ومن الدولة الفاطمية في الجنوب، ومن إشبيلية؛ لأن حاكمها من أولاد حجاج، وهو حاكم مسلم، لكنه متمرد على سلطة قرطبة، ومعه جيش إشبيلية المسلم وهو جيش كبير، فأراد عبد الرحمن الناصر ﵀ أن يقطع عليه المدد القادم من هذه الأماكن الثلاثة، ولكن بمن يبدأ؟ هل يبدأ بالنصارى أو بالدولة الفاطمية أو بإشبيلية؟! فكر عبد الرحمن الناصر ﵀ في أن يهجم على إشبيلية أكبر مدن الجنوب بعد قرطبة؛ لأن عبد الرحمن الناصر ﵀ له نزعة إسلامية واضحة جداً، والتأثير الإسلامي للدعوة الإسلامية على القلوب كبير، فهو يؤمل أن يرغم حاكمها على الانضمام أو الانصياع له بالقوة، وأن ينضم إليه جيش إشبيلية المسلم، فبذلك تقوى جيوش الدولة الأموية في هذه الفترة، وهذا ما فعله بالفعل، فذهب إلى إشبيلية سنة (٣٠١هـ) أي: بعد أقل من سنة من ولايته، واستطاع بفضل الله سبحانه تعالى وكرمه ومنه وجوده على المسلمين أن يضم إشبيلية، فقويت شوكته جداً ﵀، ثم عاد إلى عمر بن حفصون بعد ذلك وقد قطع المدد الغربي عنه والذي كان يأتيه من إشبيلية، فاسترد منه جبال رندة، ثم شذونة، ثم قرمونة، وهذه جميعاً من مدن الجنوب، ثم تعمق في الجنوب أكثر حتى وصل إلى مضيق جبل طارق؛ فاستولى عليه، وبذلك قطع المساعدات الفاطمية التي تقدم عن طريق جبل طارق، والمساعدات التي تأتي من الدول النصرانية؛ إذ إنها تأتي من الشمال عن طريق المحيط الأطلسي، ثم مضيق جبل طارق، ثم البحر الأبيض المتوسط، ثم تدخل على عمر بن حفصون، وبذلك قطع الإمداد على عمر بن حفصون من جميع النواحي. ونتيجة لهذه الأمور فإن صمويل بن حفصون طلب من عبد الرحمن الناصر ﵀ المعاهدة وصلح الأمان على أن يعطيه (١٦٢) حصناً، فوافق عبد الرحمن الناصر ﵀؛ لأن البلاد عنده متقلبة شديدة التقلب، وهو يريد أن يتفرغ لغيره، فلما أمن جانبه وضمن في يده (١٦٢) حصناً كاملة وافقه على المعاهدة، فعند وقت الحرب كان يحارب وعند وقت المعاهدة تجده ﵀ من أفضل الساسة.

стр. 59

سياسة الناصر في القضاء على المتمردين حوله وممالك النصارى كان الموقف في عهد عبد الرحمن الناصر كما يلي: أولاً: أصبحت قوة عبد الرحمن الناصر ﵀ تضم قرطبة وإشبيلية وجيان وإستجة وهي جميعاً مدن الجنوب، بالإضافة إلى حصون مجاورة كثيرة، وهذا يمثل حوالي سدس الأندلس الإسلامية في ذلك الوقت. ثانياً: أن صمويل بن حفصون ما زال يملك حصوناً كثيرة، ويسيطر سيطرة كبيرة على الجنوب الشرقي من البلاد، لكن قطعت عنه الإمدادات الخارجية سواء من النصارى أو الدولة الفاطمية أو إشبيلية. ثالثاً: هناك تمرد في طليطلة وهي توجد في شمال قرطبة. رابعاً: هناك تمرد في سرقسطة في الشمال الشرقي. خامساً: هناك تمرد في شرق الأندلس ومقره بلنسية. سادساً: هناك تمرد في غرب الأندلس يقوده عبد الرحمن الجليقي. إذاً: الأندلس في سنة (٣٠٢هـ) كانت مقسمة إلى ستة أقسام: قسم واحد في يد عبد الرحمن الناصر ويشمل قرطبة وإشبيلية وما حولها، وخمسة أقسام موزعة على خمسة من المتمردين. إذاً: المتوقع من عبد الرحمن الناصر ﵀ أن يقاوم من جديد إحدى هذه التمردات من حوله، لكنه يفاجئنا ويفاجئ الجميع بأمر يجعل الواحد منا يقف فاغراً فاه لهذا الرجل المعجزة عبد الرحمن الناصر ﵀. يترك عبد الرحمن الناصر كل هذه المؤامرات، ويتجه إلى الشمال الغربي، ليقاتل قوات النصارى في مملكة ليون التي هجمت على منطقة من مناطق المتمردين في غرب الأندلس، فيحاربهم لمدة سنتين كاملتين في أرض المتمردين. ثم بعد أن ينتصر عليهم انتصارات كبيرة ويعود محملاً بالغنائم يترك البلاد ويعود إلى قرطبة وإشبيلية، وكأنه يعلم الناس أمراً في منتهى الوضوح، لكنه كان قد خفي عنهم، وهو أن العدو الحقيقي هم النصارى في الشمال وليست الأعداء من داخل المسلمين، وبهذا الفعل أحرج عبد الرحمن الناصر المتمردين إحراجاً كبيراً أمام شعوبهم، وحرك العاطفة في قلوب الشعوب نحوه، وكذلك تتحرك عواطف الشعوب تجاه من يدافع عن قضاياها الخارجية، ومن يقاتل أعداءها الحقيقيين. هي نصيحة لكل المسلمين أن يوجهوا الشعوب إلى الأعداء الحقيقيين، بدلاً من تصارع كل قطرين مسلمين على الحدود بينهما، فنركز على قضية فلسطين، أو الشيشان، أو كشمير أو البوسنة أو كوسوفا أو غيرها من قضايا المسلمين الحقيقية. وقد أتم عبد الرحمن الناصر ﵀ في هاتين السنتين انتصارات عديدة بجيشه القليل نسبياً، فقد كان معه العلماء والمجاهدون يرغبون الناس في الجنة، والموت في سبيل الله. وانتهت هذه الحملات بحملة في سنة (٣٠٤هـ)، وهي من أكبر الحملات التي قادها ﵀ على النصارى، وعاد محملاً بغنائم كثيرة. وحدث بعد عودته إلى قرطبة وإشبيلية أن انضمت سرقسطة بدون قتال إلى عبد الرحمن الناصر، وهذه هدية من الله لمن جاهد وثبت على دينه، ثم هدية أخرى من رب العالمين في سنة (٣٠٦هـ) وهي موت صمويل بن حفصون على نصرانيته مرتداً وقد بلغ من العمر ستاً وستين سنة، فيستغل عبد الرحمن الناصر الموقف ويضم إليه كل مناطق الجنوب الشرقي، واستتاب النصارى الذين انقلبوا من الإسلام إلى النصرانية لمدة ثلاثة أيام، فمن قبل منهم الإسلام قبله في جيشه، ومن أبى إلا أن يبقى على نصرانيته قتله ردة، وكان من بين هؤلاء ابنة عمر بن حفصون والتي كانت تحفز الناس على ألا يتركوا دين النصرانية، فقتلها ردة. وفي سنة (٣٠٨هـ) تحرك عبد الرحمن الناصر إلى طليطلة، وما استطاع التمرد الذي كان فيها أن يقف أمام هذه القوة الإسلامية الجارفة فضمها إليه بسهولة، وكان عمره آنذاك ثلاثين سنة فقط. وأصبح الطريق آمناً للشمال الشرقي والذي به سرقسطة، فضم طليطلة للمسلمين، ثم وجه حملة ضخمة جداً للنصارى، تعرف بغزوة موبش الكبرى في سنة (٣٠٨هـ)، ضد جيوش ليون ونافار المجتمعة، واستمرت الغزوة ثلاثة شهور كاملة وعبد الرحمن الناصر ﵀ على رأس الجيوش، فتحققت انتصارات ضخمة وغنائم عظيمة، وضم إليه مدينة سالم والتي كان قد سيطر عليها النصارى من قبل. وفي سنة (٣١٢هـ) قاد عبد الرحمن الناصر حملة ضخمة أخرى بنفسه على مملكة نافار، واستطاع في أيام معدودات أن يكتسحها اكتساحاً، وضم إلى أملاك المسلمين مدينة دندلونة عاصمة نافار، وبدأ ﵀ يحرر الأراضي التي أخذها النصارى في عهد ضعف الإمارة الأموية. وفي سنة (٣١٦هـ) قاد حملة على شرق الأندلس، وقمع التمرد الذي كان هناك، وضمها إلى أملاكه. ثم في نفس العام قاد حملة على غرب الأندلس فهزم عبد الرحمن الجليقي، وضمها إلى أملاكه من جديد، وبذلك وحد الأندلس كلها تحت راية واحدة بعد ست عشرة سنة من الكفاح المضني، ولم يبلغ من العمر إلا ثمانية وثلاثين سنة فقط. نظر إلى العالم الإسلامي من حوله، فوجد الخلافة العباسية قد ضعفت

стр. 60

التطور في شتى المجالات في عهد عبد الرحمن الناصر كان هذا هو التاريخ السياسي والعسكري لـ عبد الرحمن الناصر ﵀، لكن لم يكن كل جهد عبد الرحمن الناصر موجهاً إلى السياسة وإلى هذه الجيوش والحروب فقط، بل كان متكاملاً متوازناً في كل أموره ﵀. فقد أنشأ الحضارة العظيمة في بلاد الأندلس، وأنشأ هياكل إدارية على أعلى مستوى، أكثر مما عليه الآن الوزارات والهيئات، وجعل لكل أمر مسئولاً، ولكل مسئول وزارة كبيرة تضم عمالاً وكتبة وأفراداً كثيرين. وقام بالحضارة المعمارية، فأنشأ مدينة ضخمة جداً تسمى مدينة الزهراء في الشمال الغربي لقرطبة، واضطر لإنشاء هذه المدينة لاستقبال الوفود الكثيرة التي تأتي من كل بلاد العالم تطلب وده ﵀، فأنشأ مدينة الزهراء على طراز رفيع جداً، وعلى درجات مختلفة، فالدرجة السفلى للحراس والكتبة والعمال، ثم درجة أعلى منها للوزراء وكبار رجال الدولة، ثم أعلى الدرجات في منتصف المدينة وفيها قصر الخلافة الكبير، واستجلب لهذه المدينة المواد من القسطنطينية وبغداد وتونس وأوروبا، وأنشأ قصر الزهراء، ولم يكن في الإسلام قصر مثل قصر الزهراء، وبالغ في إنشائه حتى أصبح من معجزات زمانه، وكان الناس يأتون من أوروبا والعالم الإسلامي ليشاهدوا قصر الزهراء في مدينة الزهراء. أما مدينة قرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر، فقد اتسعت جداً، وبلغ سكان قرطبة في عهد عبد الرحمن الناصر نصف مليون مسلم، وهي بذلك تعتبر ثاني أكبر مدينة في تعداد السكان في العالم بأسره، والمدينة الأولى هي مدينة بغداد إذ كان عدد سكانها مليونين. وفي مدينة قرطبة كان هناك ثلاثة عشر ألف دار، والدار بلغة ذلك الزمان عبارة عن بيت واسع فسيح ومن حوله حديقة، وكان فيها ثمان وعشرون ضاحية، وثلاثة آلاف مسجد، حتى أطلق عليها بحق جوهرة العالم، ووسع في مسجد قرطبة حتى أصبح من آيات الفن المعماري في زمانه، وكان المحراب عبارة عن قطعة رخام واحدة على شكل محارة أتى بها من إيطاليا. وأنشأ حدائق للحيوان في كل بلاد الأندلس، وكذا مسارح للطيور. ومن الناحية العسكرية فقد أنشأ أسطولاً بلغ أكثر من مائتي سفينة في زمانه، وبلغ الجيش أكثر من مائة ألف فارس، وزاد في مصانع الأسلحة حتى كثرت في كل مدينة. ومن الناحية الاقتصادية فقد اهتم جداً بالزراعة، حتى كثرت الفواكه، واهتم بزراعة القطن والكتان والقمح، واهتم جداً بقوانين الزراعة. وأيضاً في مجال الصناعة والمناجم، فقد اهتم باستخراج الذهب والفضة والنحاس، واهتم بصناعة الجلود والسفن وآلات الحرب والأدوية، وأنشأ كثيراً من الأسواق، وجعل هناك الأسواق التخصصية، فهناك مثلاً: سوق للنحاسين، وسوق للحوم، وسوق حتى للزهور. وكانت البلاد في عهده تعيش في رخاء منقطع النظير، وكثرت الأموال حتى بلغت ميزانية الدولة في عهده ستة ملايين دينار ذهبي، كان يقسمها كجده عبد الرحمن الداخل ﵀ ثلاثة أقسام: ثلث للجيش، وثلث للبناء والمعمار والمرتبات وما إلى ذلك، والثلث الأخير للادخار لنوائب الزمن. أما من الناحية الأمنية فقد قويت الشرطة جداً في عهد عبد الرحمن الناصر، كانت هناك الشرطة التخصصية، شرطة للنهار، وشرطة لليل، وشرطة للتجارة، وشرطة للبحر، وهكذا وزع أقسامها حتى عم الأمن والأمان، ولم تقم ثورات أبداً في النصف الثاني من خلافته ﵀، وأنشأ ما يعرف بمحاكم المظالم، وهي شبيهة جداً بمحاكم الاستئناف في هذه الآونة، وطور المحاكم وأقام الشرع إقامة محكمة دقيقة، ما فرط قدر استطاعته في كلمة من كلمات الله، أو في كلمة من كلمات رسوله الكريم ﷺ . أما البريد فقد ازدهر في عهده ﵀. أما من الناحية العلمية فقد شاع التعليم في عهده، واهتم بمكتبة قرطبة التي كانت قد أسست قبل ذلك الزمن، وزاد في حجمها حتى بلغ عدد الكتب فيها أربعمائة ألف كتاب، في زمن ليس فيه طباعة، وإنما فيه النسخ فقط، فقد جمعها من كل بلاد المسلمين. وظهرت للمسلمين وظائف عجيبة جداً في ذلك الزمن، وهي: وظيفة النساخين، فقد كان الكتاب الواحد من الصعب جداً طباعته أكثر من نسخة، فظهرت هذه الوظيفة، فمن أراد ينسخ كتاباً ليمتلكه في بيته يذهب إلى نساخ، فيذهب النساخ إلى مكتبة قرطبة فينسخ له ذلك، ولم يكن هناك حقوق طبع مثل الآن، فالكاتب أو المؤلف كان يكتب الكتاب ويتمنى أن ينتشر وينسخه كل العالمين؛ لأنه ما كان يكتب ذلك إلا لابتغاء وجهه . وظهرت أيضاً وظيفة الباحثين، فكان من الصعب على الواحد أن يبحث في أربعمائة ألف كتاب، فكان يذهب إلى الباحثين الخبراء ليبحثوا له عن مسألته، سواء كانت في الفقه أو العقيدة أو السيرة أو غيرها. وذاع صيت عبد الرحمن الناصر في الدنيا جميعاً، ورضيت عنه ممالك الشمال بالعهد والجزية، وجاءت السفارات من كل أوروبا تطلب وده، فقد جاءت من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا وإنجلترا وبيزنطة في أقصى بلاد شرق أوروبا، وأهدت له الهدايا، ومن أشهرها جوهر

стр. 61

استخلاف الحكم بن عبد الرحمن الناصر بعد أبيه استخلف عبد الرحمن على الحكم ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، والذي تولى من سنة (٣٥٠هـ - ٣٦٦هـ)، وفي عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر حدثت في الأندلس نهضة علمية غير مسبوقة، فقد كان الحكم بن عبد الرحمن الناصر عالماً من العلماء، ولا غرو فهو ابن عبد الرحمن الناصر ﵀، تولى الحكم وهو يبلغ من العمر (٤٧) سنة، وكانوا يلقبونه بعاشق الكتب، وهو الذي أنشأ المكتبة الأموية، أعظم مكتبات القرون الوسطى على الإطلاق، وكانت تنافس مكتبة قرطبة ومكتبة بغداد، واستجلب لها أعظم الكتب من كل مكان في العالم، وكان يدفع فيها الآلاف من الدنانير، وكان له عمال وظيفتهم فقط أن يجمعوا الكتب من مشارق الأرض ومغاربها، ومن بلاد المسلمين ومن غير بلاد المسلمين، فإن أتوا بكتاب في الطب، أو الفلك، أو الهندسة أو غيرها من أي بلد من بلاد غير المسلمين ترجم فوراً، وضم إلى المكتبة الأموية، وكان يشتري الكتب مهما بالغ الناس في أسعارها، حتى إنه أحضر النسخة الأولى من كتاب الأغاني للأصفهاني، وهو كتاب في الأدب، وأصفهان تقع الآن في إيران، وكثر النسخ في عصره ﵀، وكان النسخ في عصره وظيفة النساء في البيوت، واشتهرت نساء الأندلس بحسن خط اليد، أما الرجال فهم مشغولون في الجهاد، وفي نشر العلم، وفي البناء والمعمار، وكثرت صناعة الورق والكتب والتجليد والأحبار في الأندلس، حتى كان باباوات إيطاليات يشترون الورق من الأندلس؛ ليكتبوا عليها أناجيلهم، وكذلك كل دول أوروبا كانت تستورد أشياء كثيرة جداً من بلاد الأندلس، وقد وسع الحكم بن عبد الرحمن الناصر ﵀ المكتبة، وجعل لها أروقة عظيمة لتستوعب كثرة الحضور من المسلمين، وزاد التعليم للناس بشدة، حتى أصبح في ذلك الزمان، أي: قبل ألف عام كان كل أهل الأندلس يتعلمون القراءة والكتابة حتى اختفت الأمية تماماً في هذا العهد السحيق في تاريخ الإسلام، وأنشأ داراً لتعليم الفقراء بالمجان، وخصص المعونات والمكافآت للطلاب، وأنشأ جامعة قرطبة، وكان العلماء قبل إنشاء جامعة قرطبة يباشرون أعمالاً أخرى كالتجارة والزراعة والصناعة، ثم يتعلمون ويعلِّمون، لكن الحكم بن عبد الرحمن الناصر جعل وظيفة التدريس وظيفة خاصة، فجعلهم يتفرغون للتدريس وللتعليم حتى يبدعوا فيه، وظنت ممالك أوروبا الشمالية وممالك الأندلس النصرانية الشمالية أن هذا الرجل يهتم بالعلم فقط على حساب الجهاد، فهاجموا مناطق الشمال، وخالفوا عهدهم الذي كانوا قد أبرموه مع أبيه عبد الرحمن الناصر، فرد عليهم كيدهم في نحورهم، وهاجمهم بغزوات كغزوات أبيه ﵀، وانتصر عليهم في مواقع عدة حتى رضوا منه بالجزية من جديد. ومن منطلق إسلامي بحت، بدأ الحكم بن عبد الرحمن الناصر ﵀ في حرب الدولة الفاطمية ولم يكن يملك الأندلسيون إلا ميناء سبتة وطنجة فقط في عهد عبد الرحمن الناصر، لكن الحكم بن عبد الرحمن الناصر ﵀ ضم كل بلاد المغرب جميعاً إلى الأندلس تحت حكم الخلافة الأموية، وظل الحكم بن عبد الرحمن الناصر ﵀ يحكم من سنة (٣٥٠هـ) - (٣٦٦هـ) وهي أقوى فترات الأندلس على الإطلاق، وأعظم عهودها. فماذا حدث في آخر عهده ﵀؟! وكيف كانت الأمور من بعده؟! وكيف انتقلنا من هذا العهد إلى عهد جديد؟! هذا ما نتداوله بإذن الله من سنة (٣٦٦هـ) بوفاة الحكم بن عبد الرحمن الناصر. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.

стр. 62

سلسلة الأندلس_ عهد الدولة العامرية والفتنة كانت زلة الحكم بن عبد الرحمن الناصر باستخلاف ابنه هشام للحكم وهو في الثانية عشرة النواة الأولى لضعف الإمارة الأموية في الأندلس، ونشوء الفتن بين المسلمين واستعانة بعضهم بالنصارى ضد بعض، وتقسيم بلاد الأندلس إلى دويلات ضعيفة مكنت الأعداء من القضاء على الإسلام والمسلمين آنذاك.

стр. 63

استخلاف هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر بعد موت والده إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد: فنبدأ بعون الله في الحلقة السابعة من حلقات الأندلس: من الفتح إلى السقوط. في الحلقة السابقة توقفنا عند آخر عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر ﵀، وذكرنا الفترة العظيمة التي مرت في تاريخ الأندلس من سنة (٣٠٠هـ) منذ ولاية عبد الرحمن الناصر ﵀ إلى سنة (٣٦٦هـ). في آخر عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر، مع أنه كان من أفضل حكام المسلمين في هذه البلاد، إلا أنه أخطأ خطأً كبيراً جداً، فقد أصيب في آخر أيامه بالفالج، يعني: الشلل، فاستخلف ابنه هشام بن الحكم على حكم هذه البلاد العظيمة وعمره اثنتا عشرة سنة فقط، وقد كان أكبر أولاده، فاستخلفه على حكم الأندلس ومن فوقها بلاد النصارى في الشمال، ومن تحتها بلاد الدولة الفاطمية، وكل ممالك أوروبا تتشوق إلى هزيمة هذه البلاد وإلى الكيد لها. فهذه زلة خطيرة جداً من الحكم بن عبد الرحمن الناصر وكان عليه أن ينتقي خليفة مناسباً ولو من غير بني أمية، يستطيع أن يقوم بالأعباء الثقيلة لمهمة حكم دولة قوية مثل دولة الأندلس، دولة متسعة الأطراف ولها أعداء كثر. لكن الذي حدث هو أنه استخلف ابنه، ثم مات في سنة (٣٦٦هـ) ليتولى هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الحكم، وهو طفل صغير لا يستطيع أن يحكم البلاد، ولذلك جعل عليه مجلس وصاية. فمجلس الوصاية هذا كان مكوناً من ثلاثة: الأول: الحاجب جعفر بن عثمان المصحفي، والحاجب يعني: رئيس الوزراء، فهذا كان أحد الأوصياء على هشام بن الحكم. الثاني: قائد الشرطة: محمد بن أبي عامر، وقائد الشرطة في هذا الوقت مثل وزير الداخلية، ومحمد بن أبي عامر كان من اليمن ليس من بني أمية. الثالث: أم هشام بن الحكم وكان اسمها صبح. والمثل يقول: المركب الذي فيه سائقان يغرق، فقد كان محمد بن أبي عامر طموحاً في أن يكون والياً على هذه البلاد. فدبر مكيدة لسجن الحاجب جعفر بن عثمان ثم قتله بعد ذلك. فهذا الرجل الذي قام بمكائد عدة ومؤامرات عظيمة، حتى تظن أنه من أكثر الناس مجوناً وفساداً، ثم إذا به يقوم بحسنات عظيمة حتى تظنه أنه من أعظم المجاهدين، فأمره عجيب جداً وسنرى، فصلاً من حياته مع سيرة هشام بن الحكم. أما أم هشام بن الحكم فقد كانت ضعيفة بالنسبة لقائد الشرطة فلم تؤثر عليه في شيء فتركها في قصرها، لكنه تقلد الأمور وحده وبدأ يحكم في بلاد الأندلس باسم الخليفة الصغير هشام بن الحكم. وأراد أن يقوي منصبه أكثر من ذلك، فتزوج ابنة غالب بن عبد الرحمن أمير الجيش، وبذلك ضمن ولاء الجيش الأندلسي له، ثم دبر محمد بن أبي عامر مكيدة أخرى لـ غالب ثم قتله؛ لأنه اكتشف نواياه وعلم خطته. ثم بعد ذلك استدعى جعفر بن علي بن حمدون، قائد الجيش الأندلسي في المغرب في عهد الحكم بن عبد الرحمن الناصر، فاستدعاه وقربه إليه واستفاد من قوته، ثم بعد ذلك دبر له مكيدة أخرى ثم قتله، وبذلك تمكن من كل الأمور، كان كلما قتل واحداً عين آخر برأيه هو، وهو الوصي الأساسي على هشام بن الحكم الذي هو صورة خليفة في قصر السلاح. الأمر الذي بعد هذا أنه بدأ يقنع الخليفة هشام بن الحكم بالاختفاء عن العيون في قصره خوفاً عليه من المؤامرات، وقال: إن الخلفاء يجب أن يتفرغوا للعبادة، ويتركوا أمور الناس لرئاسة الوزراء أو لقوة الشرطة أو ما إلى ذلك، فقام هو بإدارة كل شيء، وربي هشام بن الحكم الطفل الصغير على ترك الأمور لـ محمد بن أبي عامر، ومرت السنوات ومحمد بن أبي عامر يتولى كل شيء في بلاد الأندلس وهشام بن الحكم يكبر في السن ولكنه ربي على عدم تحمل المسئولية. وفي سنة (٣٧١هـ) أي: بعد حوالي خمس سنوات من تولي هشام بن الحكم الأمور ووصاية محمد بن أبي عامر عليه سمى محمد بن أبي عامر نفسه بـ الحاجب المنصور، ولأول مرة نسمع أن رئيس الوزراء أو الوصي يسمي نفسه باسم المنصور، وأصبح يدعى له على المنابر مع الخليفة هشام بن الحكم، وبدأ محمد بن أبي عامر ينقش اسمه على النقود والكتب، وأصبح هو كل شيء في بلاد الأندلس. نحن نعرف أن عبد الرحمن الناصر ﵀ كان قد أسس مدينة الزهراء في الشمال الغربي من مدينة قرطبة، أما

стр. 64

الجوانب المشرقة من حياة الحاجب المنصور مع كل المكائد والمؤامرات والقتل من محمد بن أبي عامر، إلا أنه كانت له جوانب مضيئة في حياته، جعلت جميع المؤرخين يتعجبون جداً من سيرته، ومن ذلك ما يلي: أولاً: كان محمد بن أبي عامر مجاهداً من الطراز الأول، غزا في حياته أربعاً وخمسين غزوة لم يهزم في واحدة، فقد وصل في فتوحاته إلى أماكن لم يصل إليها أحد من قبل في بلاد النصارى في مملكة ليون، فاستطاع أن يغزو النصارى في عمق دارهم، ووصل إلى خليج بسكاي والمحيط الأطلنطي في الشمال. كان الحاجب المنصور يقاتل في سبيل الله في كل عام مرتين، عرفت بالصوائف والشواتي، أي: مرة في الصيف، ومرة في الشتاء، أو مرة في الربيع، ومرة في الخريف. ومما يذكر عنه أنه سير جيشاً كاملاً لإنقاذ ثلاث من نساء المسلمين أسيرات في مملكة نافار، ذلك أنه كان بينه وبين مملكة نافار عهد، وكانوا يدفعون له الجزية، وكان من ضمن هذه العهود: ألا يأسروا أحداً من المسلمين أو يستبقوهم في بلادهم. فذات مرة ذهب رسول من رسل محمد بن أبي عامر إلى مملكة نافار، فتجول فيها بعد أن أدى الرسالة إلى ملك نافار، ففي أثناء هذه الجولة وجد ثلاثاً من نساء المسلمين في كنيسة من الكنائس، فتعجب لوجودهن، فلما سألهن عن ذلك قلن: نحن أسيرات في هذا المكان، فغضب الرسول غضباً شديداً وعاد إلى الحاجب المنصور وأبلغه بذلك، فما كان منه إلا أن سير جيشاً كاملاً لإنقاذ هؤلاء النسوة، فلما ذهب الجيش إلى بلاد نافار، استغرب ملك نافار وقال: نحن لا نعلم لماذا جئتم وقد كان بيننا وبينكم معاهدة على ألا نتقاتل ونحن ندفع الجزية، قالوا: عندكم أسيرات مسلمات، فقال: لا نعلم بهن، فذهب الرسول إلى الكنيسة وأخرج النساء، فقال ملك نافار: إن هؤلاء النسوة لا نعرف بهن، وقد أسرهن جندي من الجنود، وقد تم عقاب هذا الجندي، وأرسل رسالة إلى الحاجب المنصور يعتذر فيها اعتذاراً كبيراً، فعاد الحاجب المنصور ومعه النساء الثلاث. وهذه عزة كبيرة جداً لجيش المسلمين ولدولة المسلمين أن يسير قائد المسلمين جيشاً كبيراً جباراً لمجرد إنقاذ ثلاث من نساء المسلمين. يذكر عنه أيضاً أنه عبر بجيشه مضيقاً في الشمال بين جبلين لفتح بلاد النصارى، فنصب له النصارى كميناً كبيراً وتركوه حتى دخل بكل جيشه، ثم قطعوا عليه طريق العودة. فلما رجع الحاجب المنصور ووجد المضيق مغلقاً بالجنود عاد مرة أخرى إلى الشمال واحتل مدينة من مدن النصارى في الشمال وأخرج أهلها وعسكر فيها، ووزع ديارها على جنده، وتحصن فيها وعاش فيها فترة واتخذها مركزاً له، وأخذ يرسل منها السرايا إلى أطراف ممالك النصارى ويأخذ الغنائم، ويقتل المقاتلين من الرجال، ثم يأتي بهؤلاء المقاتلين ويرمي بجثثهم على المضيق الذي احتله النصارى ومنعوه من العودة منه، فضج النصارى وذهبوا إلى قوادهم، وقالوا: لا نجد لنا حلاً في هذا الرجل إلا أن تفتحوا له الباب حتى يعود إلى بلاده مرة ثانية، فعرضوا عليه أن يخلوا بينه وبين طريق العودة فرفض، وقال لهم: سأمكث فيها ستة شهور وأقوم بالصوائف والشواتي من مركزي في هذه البلاد، فقال النصارى: ارجع إلى بلدك ولك ما تريد، فاشترط عليهم شروطاً وهي ما يلي: الشرط الأول: أن يفتحوا المضيق ولا يبقوا فيه نصرانياً واحداً. الشرط الثاني: أن ترفعوا جثثكم التي ألقيناها في المضيق. الشرط الثالث: أن تحملوا الغنائم من بلاد ليون في الشمال إلى قرطبة في الجنوب. وكان من عادته أن ينفض ثيابه بعد كل موقعة، ويرفع ما خرج منها من غبار ويضعه في قارورة ويجمعه معه، ثم أمر في نهاية حياته أن تدفن هذه القارورة معه حتى تشهد له يوم القيامة بجهاده ضد النصارى، وذلك متشبثاً بحديث رسول الله ﷺ : (لا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنم)، هذا حديث رواه الترمذي وهو حديث حسن صحيح. ومع كل هذه الحروب ومع كل هذا الجهاد، ومع أنه غزا (٥٤) غزوة لم يهزم في واحدة منها، إلا أن سمت الحروب للحاجب المنصور لم يكن سمتاً إسلامياً، مثل: سمت الحروب في عهد عبد الرحمن الناصر أو الحكم بن عبد الرحمن الناصر، فكان الحاجب المنصور يخترق بلاد النصارى ويصل إلى العمق ويقتل منهم ويعود محملاً بالغنائم، لكن لم يكن من همه أبداً أن يضم هذه البلاد إلى بلاد المسلمين، أو أن يعلم أهلها الإسلام أو ينشر الدعوة في هذه البلاد، فبقي الحال كما هو عليه، بل إن النصارى ازداد في قلوبهم الحمية لدينهم والحقد على المسلمين. هذا جانب من جوانب حياة محمد بن أبي عامر الجانب الجهادي أو الجانب العسكري من حياته. وقد اهتم بالجانب المادي والحضاري في البلاد، فأسس مدينة الزهراء على أحدث طراز وزاد في مساحة مسجد قرطبة حتى أضاف إليه ضعف مساحته الأصلية، وكان يضيف هذه المساحات الزائدة إلى مسجد قرطبة بعد أن يشتر

стр. 65

وفاة الحاجب المنصور وتولية ابنه عبد الملك بن المنصور من بعده ظل الحاجب المنصور يحكم من وراء الستار من سنة (٣٦٦هـ - ٣٩٢هـ) ثم مات في هذه السنة، واستخلف على الحجابة ابنه عبد الملك بن المنصور فتولى الحجابة من سنة (٣٩٢هـ - ٣٩٩هـ) أي: سبع سنوات متصلة، وكان كأبيه في الجهاد، فقد كان يجاهد في كل عام مرة أو مرتين في بلاد النصارى، وظل عبد الملك بن المنصور يحكم من وراء الستار، وهشام بن الحكم كان عند بداية ولاية عبد الملك بن المنصور يبلغ من العمر (٣٨) عاماً، ومع ذلك لم يطلب الحكم، ولم يحاول أن ينفذ أموره في بلاد الأندلس، فقد تعود على حياة الدعة واستماع الأوامر من الحاجب المنصور وهكذا من تلاه من أولاده. وقد كان بخلاف عبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر الذي كان عمر كل واحد منهما (٢٥) سنة أو (٢٢) سنة، وكان كل واحد منهما يدير الأمة كأحسن ما تدار، لكن هشام بن الحكم تولى الحكم وعمره (١٢) سنة وربي على استماع الأوامر من غيره.

стр. 66

وفاة عبد الملك بن المنصور وتولية أخيه عبد الرحمن للحجابة في سنة (٣٩٩هـ) توفي عبد الملك بن المنصور في حملة من الحملات في الشمال، وتولى أخوه عبد الرحمن بن المنصور الحجابة، وفي هذه الفترة بدأت الدولة العامرية تسيطر على الأمور، فبعد وفاة عبد الملك المنصور تولى عبد الرحمن بن المنصور الحجابة، وأخذ يدير الأمور من وراء الستار، لكن عبد الرحمن بن المنصور كان مختلفاً عن أبيه وعن أخيه. فقد كان شاباً ماجناً فاسقاً شارباً للخمر مكثراً من الزنا، وكان يفعل من المنكرات الكثير، وكان الشعب يكرهه بشدة، بالإضافة إلى أن أمه كانت بنت ملك نافار وكانت نصرانية، وكان الشعب يكره أن يتولى عليهم الحكم رجل تجري في عروقه دماء النصارى. فقام عبد الرحمن بن المنصور بإقناع الخليفة هشام بن الحكم بأن يجعله ولياً للعهد من بعده، بمعنى: أنه لو مات هشام بن الحكم سيصبح خليفة المسلمين في هذه البلاد عبد الرحمن بن المنصور، فضج بنو أمية لهذا الأمر وغضبوا وغضب الناس أجمعون، لكن لم تكن لهم قدرة على عبد الرحمن بن المنصور وقد جعل جميع الولايات في يد العامريين وفي يد البربر أتباع العامريين منذ أيام الحاجب المنصور. ومع كل هذا الفسق والمجون الذي كان فيه عبد الرحمن بن المنصور إلا أن الشعب كان قد تعود على أمور الجهاد والخروج كل عام إلى بلاد النصارى، فخرج عبد الرحمن بن المنصور على رأس جيش من الجيوش ليحارب في الشمال، فانتهز الناس فرصة وبدءوا يحاولون أن يغيروا من الأمر فذهبوا إلى هشام بن الحكم في قصره وخلعوه بالقوة وعينوا رجلاً آخر من بني أمية اسمه محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، من أحفاد عبد الرحمن الناصر، ودبروا مكيدة لـ عبد الرحمن بن المنصور وقتلوه وانتهى بذلك عهد الدولة العامرية. منذ مقتل عبد الرحمن بن المنصور. وبعد ذلك انفرط العقد تماماً في بلاد الأندلس، سبحان الله! كنا نتكلم منذ قليل على قوة ومجد وعز وسلطان بلاد الأندلس، وكيف كانت بلاد النصارى في الشمال تدفع الجزية للمسلمين، وكيف كانت السفارات تأتي من كل بلاد العالم تطلب ود عبد الرحمن الناصر وتطلب ود ابنه الحكم بن عبد الرحمن الناصر، ثم بعد ذلك انفرط العقد تماماً، وبدأت البلاد تقسم والثورات تكثر، والمكائد تتوالى، وأمور عجيبة جداً تحدث في بلاد الأندلس. لا بد لنا من وقفة مع هذا الحدث، وكما ذكر بعض أساتذتي في التاريخ أن عبد الرحمن بن المنصور كان رجلاً ماجناً فاسقاً فأساء للإسلام والمسلمين، وبسببه سقطت الخلافة الأموية والدولة العامرية، وحدثت الهزة الكبيرة في بلاد الأندلس. ليس من سنن الله أن تهلك الأمم لمجرد ولاية رجل فاسق لفترة شهور معدودات، فـ عبد الرحمن بن المنصور لم يمكث في الحكم إلا شهور، فمهما كان من الفاسقين والظالمين لا يمكن أبداً أن تسقط البلاد هذا السقوط السريع، وتفشل هذا الفشل الذريع، إلا إذا كانت هناك بذور كبيرة جداً للضعف نمت من قبل، وبدأت تتزايد مع مرور الزمان، عندما حللنا عهد الإمارة الأموية، ورأينا كيف ضعفت الإمارة بعد عهد القوة، وجدنا أن هناك بذوراً للضعف في عهد الإمارة الأموية، وهكذا كانت بذور الضعف سبباً في هلاك الدولة الأموية أو الخلافة الأموية، بعد سنوات من نمو هذه البذور في حياة الأمويين في بلاد الأندلس.

стр. 67

أسباب ضعف الدولة الأموية وهلاكها في الأندلس السبب الأول لضعف الدولة الأموية بدأ منذ أيام عبد الرحمن الناصر ذاته، هذا الخليفة القوي الذي أقام ملكاً لم يتكرر مثله في التاريخ، بدأت بعض بذور الضعف تنشأ في عهده. وأول هذه البذور: الترف الشديد والبذخ الشديد، وكثرة إنفاق الأموال في زخرفة الدنيا، وقد علم أن الدنيا مهلكة، وانشغال الناس بكثرة الأموال من الأمور المهلكة. فقد أنشأ عبد الرحمن الناصر قصر الزهراء، والذي أصبح أعجوبة من أعاجيب الزمان في ذلك الوقت، فقد كان على رغم اتساعه وكبر حجمه مبطناً من داخله بالذهب، بل وكان السقف لهذا القصر مبطناً أيضاً بخليط من الذهب والفضة بأشكال تخطف الأبصار وتذهل العقول، وهذا تجاوز خطير في أموال الدولة، رغم أنه كان يصرف على كل شيء حق الصرف، كان لا يقصر في نواحي التعليم والجيش، لكن هذا الترف الشديد وهذا البذخ الشديد جعلت القلوب تتعلق بهذه الدنيا. حتى إن القاضي المنذر بن سعيد ﵀ دخل على عبد الرحمن الناصر في قصره لما بناه بهذه الفخامة وبهذا الترف الشديد، فقال له عبد الرحمن الناصر: ما تقول يا منذر! في هذا؟ فقال القاضي المنذر بن سعيد ﵀ ودموعه تقطر على لحيته: ما ظننت الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ مع ما آتاك الله من النعمة، وفضلك به على كثير من عباده تفضيلاً، حتى ينزلك منازل الكافرين، فقال عبد الرحمن الناصر: انظر ما تقول؟ كيف أنزلني الشيطان منازل الكافرين؟ قال: أليس الله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف:٣٣]، أي: لجعلنا هذا الأمر، لكنا لم نجعله، أما عبد الرحمن الناصر فقد فعله وجعل سقف قصره من فضة، فوجم عبد الرحمن الناصر وسقطت عليه الكلمات كالصخر، ثم بدأت دموعه تنسال ﵀ ثم قام ونقض السقف وأزال الذهب والفضة وبنى السقف كما كانت تبنى السقوف في ذلك الزمن، لكن مع مرور الوقت يعود من جديد ويبرز مظهر من مظاهر الترف بسبب كثرة الأموال، لدرجة أنه ينفق على أشياء لا ينفق فيها. والإسراف والترف مهلكان، يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:١٦]، وكأن الآية أنزلت في ذلك الزمن. ولما أسرف هؤلاء في الترف وعاشوا فيه أياماً وشهوراً وسنوات طويلة، بعد ذلك كتب الله عليهم الهلكة والتدمير الذي حل في بلاد الأندلس، بعد هذا الملك الكبير والعز العظيم الذي دام سنوات وسنوات، فسنن الله لا تتبدل ولا تتغير، قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]. السبب الثاني: توسيد الأمر لغير أهله، فـ الحكم بن عبد الرحمن الناصر كانت حياته الطويلة في الجهاد والعلم ونشر الدين في البلاد، ثم قبل أن يموت يوسد الأمر لغير أهله، ويكل الأمور إلى طفل لم يبلغ إلا اثنتي عشرة سنة من عمره، فيتحكم فيه الأوصياء وتحدث المكائد والمؤامرات، وقد سأل رجل النبي ﷺ عن أمارات الساعة فقال: (أن تضيع الأمانة، فقال الرجل: وكيف إضاعتها؟ قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة). هكذا إذا تولى من لا يستحق منصباً من المناصب حدثت الهزة في البلاد وحدث الانهيار، فما بالك لو كان هذا المنصب منصب الخليفة. ذكرت حادثة في الجرائد عن الإمساك برجل روسي جاسوس للأمريكان في بلاد الروس، فلما سألوه: ماذا كنت تفعل للأمريكان؟ قال: ما كنت أفعل شيئاً، إلا أنه إذا عرض علي خمسة من الرجال لمنصب من المناصب أختار أسوأهم، هذا الرجل كان له منصب كبير في الحكومة الروسية، فمع مرور الزمان كان يختار أسوأ الناس، فضيع الأمر وضيعت الأمانة وبالتالي سقطت البلاد بعد ذلك، فهذا أحد العوامل الذي أسقط البلاد بعد ذلك، فتوسيد الأمر إلى غير أهله علامة من علامات ضياع الأمم، هكذا تعلمنا من سيرة الأندلس في هذا الموقف. السبب الثالث المثير للانتباه: أن الفترة العامرية اعتمدت عليها الدولة في جهازها على القوة المادية من جند وعدد ومال ومعمار، ولم يصرفوا نواياهم إلى رب العالمين ، ولم يربوا الشعب على الجهاد في سبيله ، وعلى طلب الجنة والموت في سبيل الله، لذلك حدث هذا الخلل على ممر ثلاث وثلاثين سنة في الدولة العامرية، أدى في النهاية إلى أن الشعب أصبح يفتقد روح الجهاد الحقيقي، ولا يبغي إلا جمع المال وجمع الغنائم، وسبحان الله! فإن للتاريخ دورات، كنا نتحدث عن عهد القوة، والآن سنبدأ عهداً جديداً من عهود الأندل

стр. 68

عهد محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر في الأندلس انفرط العقد تماماً بعد خلع هشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر وولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار بن عبد الرحمن الناصر، الملقب بـ المهدي، وكان فتىً لا يدرك الأمور، وليس له في الإدارة شيء، وأول شيء عمله لما تولى الحكم أنه ألقى القبض على كثير من العامريين، الذين كانوا يحكمون البلد من وراء هشام بن الحكم، فبدأ يقتل في العامريين في منتهى الرعونة. الأمر الثاني: بدأ ينتقم أيضاً من البربر، الذين كانوا العون الرئيسي لـ محمد بن أبي عامر ولمن خلفه من أولاده في ولاية الحكم في بلاد الأندلس، فبدأ يقتل في البربر ويقيم عليهم الأحكام حبساً وتشريداً، فأثار غضب البربر والعامريين بل والأمويين؛ لأن بني أمية الموجودين في أرض الأندلس ما كانوا يبتغون أبداً هذا القتل الشديد وهذه الرعونة في التصرف، فبدأ يحدث سخط كبير جداً من كل الطوائف على المهدي.

стр. 69

عهد سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر في الأندلس لم يسكت البربر، إنما اجتمعوا وانطلقوا إلى الشمال وأتوا برجل اسمه سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر يعني: أخو هشام بن الحكم المخلوع، ونصبوا سليمان بن الحكم عليهم وأسموه بخليفة المؤمنين، وبدأ يحدث صراع بين سليمان بن الحكم ومن ورائه البربر وبين المهدي في قرطبة. لكن سليمان بن الحكم والبربر لما وجدوا أن قوتهم ضعيفة استعانوا بملك مملكة قشتالة، أحد أجزاء مملكة ليون في الشمال الغربي، فقد حدث في سنة (٣٥٩هـ) حرب أهلية داخل مملكة ليون فانقسمت إلى قسمين: قسم غربي الذي هو مملكة ليون، وقسم شرقي وهو مملكة قشتالة، وقشتالة تحريف لكلمة كاستلا، والتي تعني: قلعة باللغة الأسبانية، فحرفت في العربية إلى قشتالة، فهذا كان أول ظهور لمملكة قشتالة، ثم بدأت مملكة قشتالة تكبر نسبياً في أول عهد ملوك الطوائف، فاستعان بها سليمان بن الحكم والبربر على حرب المهدي ودارت موقعة بين المهدي من ناحية وبين سليمان بن الحكم والبربر وملك قشتالة من ناحية أخرى، وهزم المهدي في الموقعة، وتولى سليمان بن الحكم الحكم في بلاد الأندلس. كانت مملكة قشتالة تتحين الفرصة لتضرب الأندلسيين بعضهم في بعض، وتضع جيوشها وجنودها في البلاد التي كثيراً ما دفعت الجزية لملوكها من قبل. تولى سليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر الحكم ولقب نفسه بـ المستعين بالله، وهو ما كان مستعيناً بالله، بل كان مستعيناً بملك قشتالة، وتولى الحكم في سنة (٤٠٠هـ)، وفي الفترة القادمة ما يقارب من اثنين وعشرين سنة سيتولى أمور المسلمين ثلاثة عشر خليفة، من سنة (٣٩٩هـ) بداية بـ هشام بن الحكم ثم المهدي ثم سليمان بن الحكم إلى سنة (٤٢٢هـ) يعني: في (٢٢) سنة أو (٢٣) سنة سينفرط العقد بصورة مؤسفة جداً.

стр. 70

استعانة المهدي بأمير برشلونة على سليمان بن الحكم فر المهدي من سليمان بن الحكم إلى طرطوشة في الشمال، وهناك قابل رجلاً من بني عامر اسمه الفتى واضح، أقنع المهدي بأن يتعاون معه ليعيده إلى الملك من جديد، ويكون الفتى واضح على الوزارة، لكن الفتى واضح قال له: إنه ليس لنا طاقة بـ سليمان بن الحكم مع البربر ومعه أيضاً ملك قشتالة، ففكر الفتى واضح والمهدي بالاستعانة بأمير برشلونة في مملكة أراجون في الشمال الشرقي، والتي كانت تدفع الجزية لـ عبد الرحمن الناصر ولابنه وللحاجب المنصور، فوافق أمير برشلونة على أن يساعدهم في حربهم ضد سليمان بن الحكم الموجود في قرطبة، واشترط عليهم شروطاً وهي: أولاً: أن يدفعوا لأمير برشلونة مائة دينار ذهبية عن كل يوم في القتال. ثانياً: أن يدفعوا ديناراً ذهبياً لكل جندي عن كل يوم في القتال، فتطوع أناس كثيرون لحرب المسلمين. ثالثاً: أخذ كل الغنائم من السلاح وغيرها من قبل أمير برشلونة. رابعاً: أخذ مدينة سالم، وهي التي حررها عبد الرحمن الناصر منذ عهد الخلافة الأموية. فهذه شروط مخزية وقبيحة وفضيعة جداً، وافق عليها المسلمون، وبدأت بالفعل موقعة كبيرة في شمال قرطبة بين المهدي محمد بن هشام بن عبد الجبار ومعه الفتى واضح العامري وأمير برشلونة، وبين الأمير سليمان بن الحكم الملقب بـ المستعين بالله ومعه البربر، فانتصر المهدي ومن معه وهزم سليمان بن الحكم وفر ومن معه ومن بقي من البربر، وسلمت مدينة سالم والغنائم كلها لأمير برشلونة، وتولى المهدي الحكم من جديد في قرطبة. لكن الذي حصل أن الفتى واضح انقلب على المهدي، فقد كان المهدي أحمق في أنه يتفق مع الفتى واضح العامري، ومنذ شهور بسيطة كان المهدي يذبح العامريين في كل مكان، فكيف يأمن أن يعقد معاهدة مع الفتى واضح على أن يعاونه في تملك الحكم في بلاد قرطبة؟

стр. 71

استرداد هشام بن الحكم بن الناصر للحكم بعد الانقلاب على المهدي انقلب الفتى واضح على المهدي، وبدأ يتولى الأمور؛ لكن الفتى واضح كان أذكى من عبد الرحمن بن المنصور الذي طلب ولاية العهد من هشام بن الحكم قبل ذلك. فقد رفض أن يكون خليفة البلاد؛ لأنه سيحدث انقلاب من كل القبائل الموجودة، ولأن الناس غير متعودين أن يكون الخليفة عامرياً، فبحث عن رجل من بني أمية يكون هو الخليفة في الظاهر، فوجد الرجل الذي يناسبه ألا وهو هشام بن الحكم المخلوع من قبل، الذي ظل ألعوبة لمدة (٣٣) سنة في يد محمد بن أبي عامر وعبد الملك بن المنصور ثم في يد عبد الرحمن بن المنصور، فعرض على هشام بن الحكم الخلافة من جديد بشرط أن يكون الفتى واضح هو الذي يدير الأمور في البلاد، فوافق هشام بن الحكم فوراً، وعاد من جديد هشام بن الحكم الذي كان ملقباً بـ المؤيد بالله للحكم ومن ورائه الفتى واضح. وسليمان بن الحكم كان موجوداً في البلاد وكان يدبر المكائد ويريد أن يعود للحكم من جديد، فاستعان بملك قشتالة من جديد، لكن ملك قشتالة أرسل إلى هشام بن الحكم أن سليمان بن الحكم يريد مساعدتي في قتالك وحربك، فماذا تعطيني حتى لا أساعده؟ فعرض عليه أموراً فاختار كل الحصون الشمالية للمسلمين في بلاد الأندلس، فتوسعت قشتالة جداً حتى أصبحت حدود قشتالة أكبر من حدود مملكة ليون، مع أن مملكة قشتالة كانت جزءاً صغيراً منفصلاً عن مملكة ليون، وتوحدت البلاد النصرانية في الشمال، فهذه كارثة كبيرة جداً تحل على الأمة الإسلامية، وكل هذه الأحداث والصراعات والاستعانة بالنصارى ودخولهم في بلاد المسلمين والقتل والسلب والنهب في ثلاث سنوات فقط.

стр. 72

استرداد سليمان بن الحكم بن الناصر للحكم من هشام في سنة (٤٠٣هـ) هجم سليمان بن الحكم ومن معه من البربر على قرطبة فعاثوا فيها فساداً، قتلاً واغتصاباً للنساء، وهذا أمر في منتهى الغرابة جداً، وهذه من بذور الضعف، والقشة التي قصمت ظهر البعير كانت في وفاة عبد الرحمن بن المنصور وخلع هشام بن الحكم، لكن لم يكن هذا هو السبب، وإنما هو تملك الترف في الناس وتوسع الدنيا، ووسد الأمر إلى غير أهله، وكل هذه الأمور أدت إلى هذه الهلكة العجيبة في البلاد، ومن جديد يتولى سليمان بن الحكم الحكم في بلاد الأندلس، ومقر الحكم قرطبة، لكن البلاد تفككت، كان في قرطبة هشام بن الحكم والعامريون، ففر العامريون إلى شرق الأندلس في منطقة بلنسية وما حولها، وطرد هشام بن الحكم من البلاد ثم قتل بعد ذلك. والمفاجأة الأخرى أن كل هذه المؤمرات والمكائد، وهشام بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر وسليمان بن الحكم بن عبد الرحمن الناصر أخوان، فهما من أولاد الحكم بن عبد الرحمن الناصر القائد المظفر الذي استخلف على الحكم من لا يملك مؤهلات الحكم، ووسد الأمر إلى غير أهله.

стр. 73

تولية علي بن حمود البربري للحكم من بعد سليمان بن الحكم ثم القاسم بن حمود تولى سليمان بن الحكم الحكم من سنة (٤٠٣هـ - ٤٠٧هـ) وكان الجيش الرئيسي له من البربر، وكانوا يريدون أن يستولوا على الحكم، فكونوا قوة أساسية كبيرة، واستعانوا بالبربر من بلاد المغرب وهجموا على سليمان بن الحكم وأخرجوه من الحكم وقتلوه، وتولى خلافة المسلمين في الأندلس في سنة (٤٠٧هـ) رجل من البربر اسمه علي بن حمود الذي تسمى بـ الناصر بالله، استقر الأمر لـ علي بن حمود في قرطبة وعين أخاه القاسم بن حمود على إشبيلية في سنة (٤٠٧هـ)، وبذا أصبح الذين يتملكون الأمور في قرطبة وما حولها هم البربر في ذلك الوقت سنة (٤٠٧هـ). والعامريون الذين فروا إلى شرق الأندلس لم يسكتوا، بل بحثوا عن أموي آخر هو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله من أحفاد عبد الرحمن الناصر، وبايعوه على الخلافة، وسمى نفسه المرتضي بالله، فأخذوه وذهبوا به إلى قرطبة لحرب علي بن حمود البربري، وبالفعل دارت حرب بين العامريين ومعهم المرتضي بالله وبين البربر وعلى رأسهم علي بن حمود كانت النتيجة بين الفريقين أن قتل في الموقعة علي بن حمود والمرتضي بالله. لكن تمكن البربر من الانتصار في الموقعة النهائية وتولى الحكم القاسم بن حمود حاكم إشبيلية سابقاً. ثم قامت بعد ذلك صراعات كثيرة وأتوا برجل آخر من بني أمية وهكذا استمر هذا الوضع إلى سنة (٤٢٢) أي: أن (١٣) خليفة تولوا الحكم من سنة (٣٩٩هـ - ٤٢٢هـ) ثم يجتمع العقلاء من أهل الأندلس، والعلماء وكبار القوم، واتفقوا على عزل بني أمية تماماً عن الحكم؛ لأنه لم يعد هناك من بني أمية من يصلح لإدارة الأمور، فقد انتهى عهد الخلفاء والأمراء ومن تبعهم أبداً ليسوا على شاكلتهم، فاجتمعوا على خلعهم. وعملوا بالفعل مجلس شورى في قرطبة في سنة (٤٢٢)، وولوا عليه رجلاً اسمه أبو الحزم بن جهور، وهذا الرجل كان من علماء القوم، وكان يشتهر بالتقوى والورع ورجاحة العقل، وظل الحال هكذا سنة أو سنتين أو ثلاث، لكن واقع الأمر أن أبا الحزم بن جهور لم يكن يسيطر هو ومجلس الشورى الذي معه إلا على قرطبة فقط، أما البلاد والأقاليم الأخرى في الأندلس فقد ضاع السيطرة عليها، وبالفعل بعد ثلاث أو أربع سنوات من هذا التاريخ بدأت الأندلس تقسم بحسب العنصر إلى دويلات مختلفة، ليبدأ ما يسمى بعهد دويلات الطوائف أو عهد ملوك الطوائف.

стр. 74

تقسيم بلاد الأندلس في عهد ملوك الطوائف قسمت بلاد الأندلس إلى سبع مناطق رئيسية في عهد ملوك الطوائف. فبنوا عباد أخذوا منطقة إشبيلية، وهم من أهل الأندلس الأصليين. وبنو زيري من البربر أخذوا منطقة غرناطة في جنوب الأندلس. وبنو جهور أخذوا منطقة قرطبة، والذي كان منهم أبو الحزم بن جهور زعيم مجلس الشورى، فصاروا حكاماً على منطقة قرطبة. وبنو الأفطس من البربر أخذوا غرب الأندلس وأسسوا إمارة اسمها: بطليوس، وقد تكاثروا فيها ووضعوا أنفسهم في هذه المنطقة. وبنو ذي النون من البربر أخذوا المنطقة الشمالية التي فيها طليطلة وما فوقها. وبنو عامر وهم العامريون وأصلهم من اليمن أخذوا شرق الأندلس، وكانت عاصمتهم في تلك المنطقة بلنسية. وأخيراً بنو هود أخذوا سرقسطة في الشمال الشرقي من البلاد، فقسمت البلاد إلى سبعة أقسام متساوية، كل قسم فيه عنصر من العناصر، إما قبيلة من البربر أو من العرب أو من الأندلس الأصليين. بل إن داخل كل منطقة من المناطق أكثر من دويلة، فبنو عامر كانوا مسيطرين على شرق الأندلس، وكانت شرق الأندلس مقسمة إلى أكثر من دويلة، وعلى كل دويلة رئيس من رؤساء بني عامر. وكذا بنو جهور قسموا قرطبة إلى أكثر من منطقة. وبنو الأفطس قسموا بطليوس إلى أكثر من منطقة وهكذا، حتى وصل تعداد الدويلات الإسلامية في الأندلس بلا مبالغة إلى (٢٢) دويلة، بالرغم من أن (٢٥%) من أرض الأندلس تحت سيطرة النصارى، و (٧٥%) من أرض الأندلس يقسم إلى (٢٢) دويلة، وأن مساحة الأندلس بكاملها ستمائة ألف كيلو متر مربع، أما المساحة التي يحكمها المسلمون فهي حوالي (٤٥٠. ٠٠٠ كيلو متر مربع) يعني: أقل من مساحة نصف مصر وهي مقسمة إلى (٢٢) دولة كاملة، كل دولة لها رئيس ولها جيش ولها أمة ولها سفراء ولها وزارات، ولها كل مقومات الدولة أو الإمارة. فتفتت المسلمون تفتتاً لم يسبق في عهد الأندلس، وكان الهبوط على أشد ما يكون، ولو نقارن ما كان عليه الأندلس في عهد عبد الرحمن الناصر والحكم بن عبد الرحمن الناصر من العزة والقوة والوحدة، وما صار إليه من التفرق والتشتت وفقدان عنصر من أهم عناصر القوة عند المسلمين وهو عنصر الوحدة، لقلنا: ما أشبه اليوم بالبارحة. لقد كان هذا التفرق بعد حوالي (٥٠ أو ٦٠) سنة فقط من العزة والقوة والوحدة أيام الناصر وولده الحكم. ترى ماذا حدث بين هذه الدول المتصارعة في بلاد الأندلس؟ هل من قيام بعد هذا التفتت الشديد وهذا الانهيار المروع في بلاد الأندلس؟ هذا ما نتداوله إن شاء الله في الحلقة القادمة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً كثيراً.

стр. 75

سلسلة الأندلس_ عهد ملوك الطوائف تجزأت بلاد الأندلس إلى دويلات ضعيفة لا تمتلك أسباب ومقومات النصر على الأعداء المحيطين بها؛ وذلك بسبب حب الدنيا والركون إليها، وحب الجاه والسيادة، وأدى ذلك إلى التناحر والتباغض فيما بين أمراء هذه الدويلات، وتفاقم الأمر حتى بلغ إلى الاستعانة بالنصارى، فسقطت بسبب ذلك بعض الإمارات الإسلامية كطليطلة، والبعض الآخر فرض عليه الحصار كإشبيلية، فصارت هذه الدويلات تحت سلطة النصارى وحكمهم، وأصبح المسلمون يدفعون الجزية للنصارى وهم صاغرون.
следующие страницы →