← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وَهِم في الحديث وقال: نهى أن ينقش عربيًّا (١). وقد يقال: إنَّ ذلك من باب سدِّ الذَّرِيعة، حتى يُصَان ذلك النقش عن المُحاكاة، فنهى عن النقش بالعربية مطلقًا، ولهذا نظائر في الشريعة لمَن تأمَّلها. فصل قالوا: (ولا نتكنَّى بكناهم) . وهذا لأنَّ الكُنْيَة وُضِعت تعظيمًا وتكريمًا للمَكْنِيِّ بها كما قال (٢): أَكْنيه حين أُناديه لأكرمه ... ولا ألقِّبُه والسَّوأةَ اللَّقَبا وأيضًا ففي تكنِّيهم بكُنى المسلمين اشتباهٌ بالكنية، والمقصود التمييز حتى في الهيئة والمركب واللباس. فإن قيل: فما تقولون في جواز تسمِّيهم بأسماء المسلمين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله وعبد الرحمن وما أشبهها؟ قيل: هذا موضع فيه تفصيلٌ، فنقول: الأسماء ثلاثة أقسام: قسمٌ يختص المسلمين، قسمٌ يختص الكفار، قسمٌ مشتركٌ. فالأول: كمحمد وأحمد وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة

стр. 1052

والزبير، فهذا النوع لا يمكَّنون من التسمِّي به، والمنع منه أولى من المنع من التكنِّي بكُنى (١) المسلمين، فصيانة هذه الأسماء عن أخابث خلق الله أمرٌ جسيمٌ. والثاني: كجِرجِس وبُطرُس ويُوحَنَّا ومَتَّى ونحوها، فلا يُمنَعون منه ولا يجوز للمسلمين أن يتسمَّوا بذلك، لِما فيه من المشابهة فيما يختصون به. والنوع الثالث: كيحيى وعيسى وأيوب وداود وسليمان وزيد وعمرو (٢) وعبد الله وعطية وموهوب وسلام ونحوها، فهذا لا يمنع منه أهل الذمة ولا المسلمون. فإن قيل: فكيف تمنعونهم من التسمِّي بأسماء المسلمين وتمكِّنونهم من التسمية بأسماء الأنبياء كيحيى وعيسى وداود وسليمان وإبراهيم ويوسف ويعقوب؟ قيل: لأنَّ هذه الأسماء قد كثر اشتراكها بين المسلمين والكفار بخلاف أسماء الصحابة واسم نبيِّنا ﷺ فإنَّها مختصَّة، فلا يمكَّن أهل الذمة من التسمِّي بها. وقد قال الخلال في «الجامع» (٣): بابٌ في أهل الذمة يكنون. أخبرني حربٌ قال: قلت لأحمد: أهل الذمة يكنون؟ قال: نعم لا بأس، وذكر أنَّ عمر بن الخطاب قد كنى.

стр. 1053

أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدَّثهم قال: رأيت أبا عبد الله كنى نصرانيًّا طبيبًا، قال: يا أبا إسحاق. ثم أخرج إليَّ فيه بابًا. أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم، حدثنا إسحاق (١) بن منصور (٢) أنَّه قال لأبي عبد الله: يُكرَه أن يُكْنى المشرك (٣)؟ فقال: أليس النبي ﷺ حين دخل على (٤) سعد بن عبادة قال: «ما ترى ما يقول أبو الحُبَاب (٥)؟» (٦). أخبرني محمد بن أبي هارون أنَّ أبا الحارث حدَّثهم قال: سألت أبا عبد الله: أيكنى الذمي؟ قال: نعم، قد روي أنَّ النبي ﷺ قال لأُسقُف نجران: «أَسلِم يا أبا الحارث» (٧). أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، وزكريا بن يحيى، قالا: حدثنا أبو طالب أنَّه سأل أبا عبد الله: يَكْني الرجلُ أهل الذمة؟ قال: قد كَنَى النبي ﷺ أسقف نجران، وعمر ﵁ قال: يا أبا حسان؛ إن كنى أرجو أنه لا بأس به.

стр. 1054

أخبرني محمد (١) بن علي، حدثنا مُهَنَّا قال: سألت أحمد: هل يصلح تكنِّي (٢) اليهودي والنصراني؟ فحدثني أحمد، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لنصراني: أسلم يا أبا حسان، أَسلِم تَسْلَم (٣). قلت: ومدار هذا الباب وغيره ممَّا تقدَّم على المصلحة الراجحة، فإن كان في كنيته، [و] تمكينه من اللباس وترك الغيار، والسلام عليه أيضًا، ونحوِ ذلك تأليفًا (٤) له، ورجاءَ إسلامه وإسلام غيره= كان فعله أولى، كما يُعطِيه من مال الله لتألُّفه على الإسلام، فتألُّفه بذلك أولى. وقد ذكر وكيعٌ عن ابن عباس أنَّه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلامٌ عليك (٥). ومَن تأمَّل سيرة النبي ﷺ وأصحابه في تأليفهم الناسَ على الإسلام بكلِّ

стр. 1055

طريقٍ تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلم أنَّ كثيرًا من هذه الأحكام التي ذكرناها من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة. ولهذا لم يغيِّرهم النبي ﷺ ولا أبو بكر ﵁، وغيَّرهم عمر ﵁. والنبي ﷺ قال لأسقف نجران: «أَسلِم يا أبا الحارث» تأليفًا له واستدعاءً لإسلامه، لا تعظيمًا له وتوقيرًا. فصل وأمَّا أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحوِ ذلك فحرامٌ قطعًا. وفي الحديث المرفوع: «لا تقولوا للمنافق سيِّدنا، فإن يكنْ سيِّدَكم فقد أَغضَبتُم ربَّكم» (١). وأمَّا تلقيبهم بمُعِزِّ الدَّولة وعَضُد الدَّولة ونحو ذلك فلا يجوز، [كما أنَّه لا يجوز] (٢) أن يُسمَّى سديدًا ولا رشيدًا ولا مؤيَّدًا ولا صالحًا ونحو ذلك. ومن تَسمَّى بشيء من هذه الأسماء لم يَجُز للمسلم أن يدعوه به، بل إن

стр. 1056

كان نصرانيًا قال: يا مسيحي (١) يا صليبي، ويقال لليهودي: يا إسرائيلي يا يهودي. وأمَّا اليوم فقد دُفِعنا (٢) إلى زمان يُصدَّرون في المجالس، ويقام لهم، وتُقبَّل أيديهم، ويتحكَّمون في أرزاق الجند والأموال السلطانية، ويُكْنَون بأبي العلاء وأبي الفضل وأبي الطيب، ويُسمَّون حَسَنًا وحُسينًا وعثمان وعليًّا. وقد كانت أسماؤهم من قبل يُوحَنَّا ومَتَّى وحنانيا (٣) وجرجس وبطرس ومارجرجس ومارقس ونحو ذلك، وأسماء اليهود: عزرا وأشعيا ويوشع وحزقيل وإسرائيل وسَعْية وحُيَيٌّ ومِشكمٌ ووَقْش (٤) وسموأل ونحو ذلك؛ ولكلِّ زمانٍ دولةٌ ورجالٌ. فصل وممَّا يتعلَّق بهذا ال فصل: كيف يُكتَب إليهم . قال الخلال (٥): بابٌ كيف عنوان الكتاب وصدره (٦) إليهم. أخبرنا

стр. 1057

أحمد بن محمد بن حازم أنَّ إسحاق بن منصور (١) حدَّثهم أنَّه قال لأبي عبد الله: كيف يكتب الرجل إلى أهل الكتاب؟ فقال: لا أدري كيف أقول الساعة، ثم عاوَدتُّه فسكت، فقلت: حديث النبي ﷺ حين كتب إلى قيصر؟ قال: عمَّن هو؟ قلت: حديث الزهري (٢). قال: نعم، يكتب: السلام على من اتبع الهدى. وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: كيف أكتب إلى اليهودي والنصراني، سلامٌ عليك أو سلامٌ على من اتبع الهدى؟ قال: سلامٌ على من اتبع الهدى، يُذِلُّه. وقال الأثرم: إنَّ أبا عبد الله قيل له يُكتَب إلى النصراني: أبقاك الله وحفظك ووفَّقك؟ قال: لا. وقال حربٌ (٣): قلت لإسحاق: الرجل يقول للمشرك: إنَّه رجل عاقلٌ، قال: لا ينبغي أن يقال لهم، لأنَّهم ليست لهم عقول. وذكر وكيعٌ، عن سفيان، عن منصور قال: سألت [إبراهيم و] مُجاهدًا: كيف يكتب إلى أهل الذمة؟ فقال مجاهدٌ: سلام على من اتبع الهدى. وقال إبراهيم: سلامٌ عليك (٤).

стр. 1058

وقال وكيعٌ، عن سفيان، عن عمَّارٍ الدُّهني، عن رجل، عن كُرَيب، عن ابن عباس أنَّه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلامٌ عليك (١). قلت: إن ثبت هذا عن ابن عباس، وهو راوي حديث أبي سفيان أنَّ النبي ﷺ كتب إلى قيصر: «سلامٌ على من اتبع الهدى» = فلعلَّه ظنَّ أنَّ ذلك مكاتبةُ أهل الحرب ومَن ليس له ذِمَّةٌ. وأما قول النبي ﷺ : «لا تَبدؤوهم بالسلام»، فهو في واقعةٍ معينة؛ قال: «إني ذاهب إلى يهود فلا تبدؤوهم بالسلام» (٢)، وهذا لمَّا ذهب إليهم ليُحارِبهم وهم يهود قريظة، فأمر أن لا يبدؤوا بالسلام لأنَّه أمانٌ وهو قد ذهب لحربهم، سمعت شيخنا يقول ذلك. ولكن في الحديث الصحيح: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسَّلام، وإذا سلَّم عليكم أحدُهم فقولوا: وعليكم» (٣). وقد تقدَّمت هذه المسألة (٤).

стр. 1059

وإذا كتب إلى الذمي بدأ بنفسه قبله، فيقول: من فلانٍ إلى فلانٍ. وله أن يعظِّمه بالنسبة إلى قومه فيقول: كبير قومه ورئيسهم، وله أن يدعو له بالهداية فقد كانت اليهود تتعاطس عند النبي ﷺ ليقول لأحدهم: «يرحمك الله»، فكان يقول: «يهديكم الله» (١). فصل قالوا: (ونُوقِّر المسلمين في مجالسهم ، ونقوم لهم عن المجالس، ولا نطَّلع عليهم في منازلهم، ونُرشِد الطريق). هذه أربعة أمور: أحدها: توقير المسلمين في مجالسهم، والتوقير: التعظيم والاحتشام لهم، ولا يمكرون عليهم بمكر، ولا يدخلون عليهم بغير استئذان، ولا يفعلون بين أيديهم ما يُخِلُّ بالوقار والأدب، ويُحيُّونهم بتحيَّة أمثالهم، ولا يمُدُّون أرجلَهم بحضرتهم، ولا يرفعون أصواتهم بين أيديهم، ونحو ذلك. الثاني: قولهم: (ونقوم لهم عن المجالس)، أي إذا دخلوا ونحن في مجلس قُمنا لهم عنه وأجلسناهم فيه، فيكون لهم صدره ولنا أدناه. وهذا يعُمُّ المجالس المشتركة والمختصة بهم، فإذا دخلوا عليهم دُورهم وكنائسهم قاموا لهم عن مجالسهم وأجلسوهم فيها.

стр. 1060

الثالث: قولهم: (ولا نطلع عليهم في منازلهم)، هذا صريحٌ في أنَّهم لا يَعلُون عليهم في المسكن سواءٌ كان مِن بنيانهم أو بنيان غيرهم، فلا يمكَّنون من سُكنى دارٍ عاليةٍ على المسلمين، لأنَّ ذلك ذريعةٌ إلى اطِّلاعهم عليهم. وهذا الذي ندين الله به ولا نعتقد غيره: أنَّهم لا يمكَّنون من السكنى على رؤوس المسلمين بحال. وقد تقدَّمت المسألة مستوفاةً (١)، وبيَّنَّا أنَّ المفسدة في نفس السكنى فوق رؤوسهم (٢) لا في نفس البناء. الرابع: قولهم: (ونرشدهم الطريق)، أي إذا استدلَّ مسلم على الطريق أرشدناه إلى النحو الذي يقصده ويريده. وهذا يتناول الإرشاد بنصب الأعلام وبالدلالة وبإرسال من يدلُّ المسلم على الطريق (٣) بحسب الحاجة إلى الإرشاد. فصل قالوا: (ولا نعلم أولادنا القرآن) صيانةً للقرآن أن يحفظه مَن ليس مِن أهله ولا يؤمن به، بل هو كافرٌ به، فهذا ليس أهلًا أن يحفظه ولا يمكَّن منه. وقد نهى النبي ﷺ أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله

стр. 1061

أيديهم (١)، فلهذا ينبغي أن يُصان عن تلقينهم إيَّاه. فإن طلب أحدٌ منهم أن يَسمعه منهم (٢)، فإنَّ له أن يُسمِعه إيَّاه إقامةً للحجة عليهم، ولعلَّه أن يُسلِم. * * *

стр. 1062

فصل (١) قالوا: (ولا يشارك أحدٌ منَّا مسلمًا في تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمرُ التجارة). وهذا لأنَّ الذمي لا يتوقَّى ممَّا يتوقَّى منه المسلم من العقود المحرَّمة (٢) والباطلة، ولا يتوقى من (٣) بيع الخمر والخنزير. وقد قال إسحاق بن إبراهيم (٤): سمعت أبا عبد الله، وسُئل عن الرجل يشارك اليهودي والنصراني، قال: يشاركهم، ولكن هو يلي البيع والشراء، وذلك أنَّهم يأكلون الرِّبا ويستحلُّون الأموال. ثم قال أبو عبد الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي اِلْأُمِّيِّينَ سَبِيل﴾ [آل عمران: ٧٤]. وقال إبراهيم بن هانئ: سمعت أبا عبد الله قال في شركة اليهودي والنصراني: أكرهه، لا يعجبني إلا أن يكون المسلم الذي يلي البيع والشراء. وقال أبو طالب والأثرم ــ واللفظ له ــ: سألت أبا عبد الله عن شركة اليهودي والنصراني؟ فقال: شاركهم، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه، ويكون هو يليه؛ لأنَّهم يعملون بالربا.

стр. 1063

وقال إسحاق بن منصور (١): قلت لأبي عبد الله: قيل لسفيان: ما ترى (٢) في مشاركة اليهودي والنصراني؟ قال: أمَّا ما يغيب عنك فما يعجبني. قال أحمد: حسن. وذكر عبد الله بن أحمد حديثَ [عبد] الأعلى، حدثنا حماد بن سلمة قال: قال إياس بن معاوية: إذا شارك المسلم اليهودي أو النصراني فكانت الدراهم مع المسلم فهو الذي يتصرف فيها في الشراء والبيع فلا بأس، ولا يدفعها إلى اليهودي والنصراني يعملان فيها، لأنَّهما يُربيان (٣). قال: فسألت أبي عن ذلك فقال مثل قول إياس. وقال في رواية العباس بن محمد بن موسى الخلال في المسلم يدفع إلى الذمي مالًا يشاركه، قال: أمَّا إذا كان هو يلي ذلك فلا، إلا أن يكون المسلم يليه. وقال في رواية حنبل: ما أحب مخالطته بسبب من الأسباب في الشراء والبيع. يعني: المجوسي. وقال عبد الله قلت لأبي: ترى للرجل أن يشارك اليهودي والنصراني؟ قال: لا بأس، إلا أنه لا يجعل المعاملة في البيع والشراء [إليه]، يشرف علاه ولا يدعه، حتى [يعلم] معاملته وبيعه. فأمَّا المجوسي فلا أحب مخالطته ولا معاملته؛ لأنه يستحِلُّ ما لا يستحلُّ هذا.

стр. 1064

وكذلك قال في رواية حرب: لا يشاركه إلا أن يكون المسلم هو الذي يلي البيع والشراء. وروى حرب (١) عن عطاء مرسلًا قال: نهى رسول الله ﷺ عن مشاركة اليهودي والنصراني، إلا أن يكون البيع والشراء بيد المسلم. وقد تقدَّمت هذه المسألة مستوفاةً (٢)، وإنَّما ذكرناها ليتمَّ الكلام على شرح كتاب عمر ﵁، لمَن أراد أن يُفرِده من جملة الكتاب. وبالله التوفيق. * * *

стр. 1065

فصل (١) قالوا: (وأن نضيف كلَّ مسلم عابر سبيل ثلاثةَ أيام ، ونُطعِمه من أوسط ما نجد). هكذا في كتاب الشروط: (ثلاثة أيام). وقال يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافعٍ، عن أسلم: كتب [عمر] إلى أمراء الجزيرة أن لا تضربوا جزيةً على النساء والصبيان، وجزية أهل الشام وأهل الجزيرة أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الورق، وأن يضيفوا من نزل بهم من المسلمين ثلاثًا (٢). والأصل في ذلك من السُّنَّة ما رواه أبو عبيد في «كتاب الأموال» (٣):

стр. 1066

حدثني أبو أيوب الدمشقي قال: حدثني سعدان بن يحيى (١)، عن عبيد الله بن أبي حميد (٢)، عن أبي المَلِيح الهُذَلي أنَّ رسول الله ﷺ صَالَح أهل نجران فكتب لهم كتابًا نسختُه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد رسول الله لأهل (٣) نجران؛ أن (٤) كان له حكمُه عليهم: أنَّ في كل سوداء وبيضاء وصفراء وحمراء وثمرة (٥) ورقيقٍ، وأفضَلَ عليهم وترك ذلك لهم: ألفَي حُلَّةٍ: في كل صفرٍ ألف حلةٍ، وفي كل رجبٍ ألف حلة؛ كلُّ حلة أوقيةٌ، ما زاد الخراجُ أو نقص فعلى الأواقي فلتُحسَبْ (٦)، وعلى أهل نجران مَقْرى (٧) رُسُلي عشرين ليلةً». قال أبو عبيد (٨): قوله: «كلُّ حلَّة أوقيةٌ» يقول: ثمنها أوقيةٌ. «فما زاد الخراج أو نقص فعلى الأواقي»، يقول: إن نقص من الألفين أو زادت في

стр. 1067

العدد أُخِذ بقيمة الألفي أوقيةٍ، فكأن الخراج وقع على الأواقي، وجعَلَها حُلَلًا لأنَّه أسهل عليهم. فهذا هو الأصل في وجوب الضِّيافة على أهل الذمة: سنَّةُ رسول الله ﷺ ، وسنَّة الخليفة الراشد عمر ﵁. وفي ذلك مصلحةٌ لأغنياء المسلمين وفقرائهم. أمَّا الأغنياء، فإنَّه إذا لم يكن على أهل الذمة ضيافتهم فربَّما إذا دخلوا بلادهم لا يبيعونهم الطعام، ويقصدون الإضرار (١) بهم، فإذا كانت عليهم ضيافتهم تسارعوا إلى منافعهم خوفًا من أن ينزلوا عليهم للضيافة فيأكلون بلا عوض. وأمَّا مصلحة الفقراء فهو ما يحصل لهم من الارتفاق. فلمَّا كان في ذلك مصلحةٌ لعموم المسلمين جاز اشتراطه على أهل الذمة. قال الخلال في «الجامع» (٢): بابٌ في الضيافة التي شرطت عليهم. أخبرني محمد بن علي، حدثنا مهنَّا أنه سأل أبا عبد الله عن حديث ابن أبي ليلى: جعل عمر ﵁ على أهل السواد وعلى أهل الجزية يومًا وليلةً (٣)، قال: قلت لأحمد: ما يومٌ وليلةٌ؟ قال: يضيفونهم. وقال حمدان (٤) بن علي: قلت لأحمد: عمر بن الخطاب ﵁

стр. 1068

جعل على أهل السواد وأهل الجزية يومًا وليلةً، فكنَّا إذا نزلنا (١) عليهم قالوا: شَبا شَبا. قلت لأحمد: ما يومٌ وليلةٌ؟ قال: يضيفونهم، قلت: ما قولهم: شَبا شَبا؟ قال: هو بالفارسية: ليلةً ليلةً. وقال عبد الله بن أحمد (٢): حدثني أبي قال: حدثني وكيعٌ، حدثنا هشامٌ، عن قتادة، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس أنَّ عمر ﵁ شرط على أهل الذمة ضيافة يومٍ وليلةٍ، وأن يصلحوا القناطر (٣)، وإن قُتِل رجلٌ من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته. قال (٤): وحدثنا أبي، حدثنا وكيعٌ، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرِّب أنَّ عمر ﵁ اشترط على أهل الذمة ضيافة يومٍ وليلةٍ، فإن حبسهم مطرٌ أو مرضٌ فيومين، فإن مكثوا أكثر من ذلك أنفقوا من أموالهم، ويكلَّفون ما يطيقون. قال القاضي في «الأحكام السلطانية» (٥): وإذا صولحوا على ضيافة

стр. 1069

ثلاثةٍ (١) مَن يمُرُّ بهم من المسلمين، قدِّرت عليهم وأخذوا بها، ثلاثة أيام لا يُزادون عليها، كما صالح عمر نصارى الشام على ضيافة مَن يمُرُّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام (٢) ممَّا يأكلون ــ لا يكلّفونهم ذبحَ شاةٍ ولا دجاجة ــ وتبن دوابِّهم من غير شعير، وجعل ذلك على أهل السَّوَاد دون المُدُن. قال: وقد روي عن أحمد كلامٌ يدلُّ على أنَّ الذي شرط عليهم يومٌ وليلةٌ. ثم ذكر قول حمدان بن علي لأحمد، وقد تقدَّم آنفًا، ثم ذكر حديث الأحنف بن قيس عن عمر، وقد ذكرناه. قال القاضي: وكذلك الضيافة في حقِّ المسلمين، الواجب يومٌ وليلةٌ. قال في رواية حنبل: قد أمر النبي ﷺ بذلك، وهو دَينٌ له. قلت له: كم مقدار ما يُقدَّر له؟ قال: ما يمونه في الثلاثة أيام التي قال رسول الله ﷺ ، واليوم والليلة هو حقٌّ واجبٌ. فقد بيَّن (٣) أنَّ المستحب ثلاثة أيام، والواجب يومٌ وليلةٌ. وقال في رواية حنبلٍ وصالحٍ: الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته (٤) يومٌ وليلةٌ (٥) فكانت جائزته أوكد من الثلاثة.

стр. 1070

قال: وقد روى الخلال ما دلَّ على الاستحباب والإيجاب، فروى بإسناده عن المِقدام أبي كريمة قال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة الضيف حقٌّ واجبٌ، فإذا أصبح في [فنائه فهو] دَينٌ عليه، إن شاء اقتضى الدَّين وإن شاء ترك» (١). يعني: إذا لم يضف. وبإسناده عن أبي شريح الخُزَاعي قال: قال رسول الله ﷺ : «الضيافة ثلاثة أيامٍ، وجائزته يومٌ وليلةٌ، ولا يَحِلُّ لمسلم أن [يُقِيم] عند أخيه حتى يؤثمه». قال: يا رسول الله، كيف يؤثمه؟ قال: «يُقيم عنده وليس عنده ما يَقرِيه» (٢). فحديث أبي كريمة يدل على وجوب اليوم والليلة، وحديث أبي شريح يدل على استحباب الثلاث. فالضيافة في حقِّ الكفار والمسلمين؛ [يتفقان] (٣) في قدر الوجوب والاستحباب، ويختلفان في حكمين آخرين: أحدهما: أنَّها في حق المسلمين تجب ابتداءً بالشرع، وفي حقَّ الكفار تجب بالشرط.

стр. 1071

والثاني: في حقَّ المسلمين تعُمُّ أهل القرى والأمصار، وفي حقَّ الكفار تختصُّ بأهل القرى. قال في رواية أبي الحارث: الضيافة تجب على كل مسلم، من كان من أهل الأمصار وغيرهم من المسلمين. وقال في موضع آخر: تجب الضيافة على المسلمين كلهم، من نزل به ضيفٌ عليه أن يضيفه. والفرق بينهما أنَّ عمر ﵁ شرط ذلك على أهل القرى، والأخبار الواردة في حقِّ المسلمين عامَّةٌ لقوله: «ليلة الضيف حقٌ واجبٌ»، وفي لفظ آخر: «الضيافة ثلاثة أيام» (١). وتجب الضيافة على المسلم للمسلمين والكفار لعموم الخبر، وقد نصَّ عليه أحمد في رواية حنبل وقد سأل: إن أضاف الرجل ضيفٌ من أهل الكفر يضيفه؟ فقال: قال رسول الله ﷺ : «ليلة الضيف حقٌ واجبٌ على كل مسلم»، دلَّ على أنَّ المسلم والمشرك يُضاف، والضيافة معناها معنى الصدقة: التطوُّع على المسلم والكافر. وهذا لفظ أحمد، فقد احتجَّ بعموم الخبر، وأنَّه يعُمُّ المسلم والكافر. وإذا نزل به الضيف ولم يضفه كان دينًا على المضاف، نصَّ عليه في رواية حنبلٍ فقال: إذا نزل القوم فلم يضافوا، فإن شاء طلبه وإن شاء ترك. قال له: فكم مقدار ما يُقدَّر له؟ قال: ما يمونه في الثلاثة الأيام، واليوم والليلة حقٌّ واجبٌ. قال له: فإن لم يضيفوه ترى له أن يأخذ من أموالهم بمقدار ما

стр. 1072

يضيفه؟ قال: لا يأخذ إلا بعلم أهله، وله أن يطالبهم بحقه. فقد نصَّ على أنَّ له المطالبة بذلك. وهذا يدلُّ على ثبوته في ذمَّته لقوله ﷺ في حديث أبي كريمة: «فإن أصبح بفنائه فهو دَينٌ عليه إن شاء اقتضى وإن شاء يترك» (١). ومَنَع من أن يأخذ من مال مَن تجب عليه الضيافة بغير إذنه بناء على أصله (٢)، لأن مَن كان له على رجل حقٌّ وامتنع من أدائه، وقَدَر له على حقٍّ= لم يجُزْ له أن يأخذ بغير إذنه. انتهى (٣). فأمَّا قوله: «إن اليوم والليلة حقٌ واجبٌ، والثلاثة مستحبةٌ»، فهذا صحيح في حقِّ المسلمين. وأمَّا في حقِّ أهل الذمَّة فلا يمكن أن يقال ذلك، فإنَّ الثلاثة إن كانت مشروطةً عليهم فهي حقٌّ لازمٌ عليهم القيامُ به للمسلمين، وإن لم تكن مشروطةً عليهم لم يجُزْ للمسلمين تناوُلُ ما زاد على اليوم والليلة إلا برضاهم. وحينئذ لا فرقَ بين الثلاثة وما زاد عليها. وعمر ﵁ لم يشرط على طائفة معيَّنة (٤)، بل شرط على نصارى الشام والجزيرة وغيرها. ففي شرطه على نصارى الشام والجزيرة: ضيافةُ ثلاثة أيام ليسارهم وإطاقتهم ذلك. وأمَّا نصارى السَّوَاد فشرط عليهم يومًا وليلةً،

стр. 1073

لأنَّ حالهم كان دون حال نصارى الشام والجزيرة. فكان عمر ﵁ يراعي في ذلك حال أهل الكتاب، كما كان يراعي حالهم في الجزية وفي الخراج، فبعضهم شرطها عليهم يومًا وليلةً وبعضهم شرطها عليهم ثلاثًا. وأمَّا قوله: «إنهم إذا لم يقوموا بما عليهم وقَدَر لهم على مال لم يأخذه بناءً على مسألة الظفر»، فليس كذلك. والسُّنَّة قد فرَّقت بين هذا وبين مسألة الظفر التي (١) لا يجوز الأخذ بها، لأنَّ (٢) سبب الحقِّ هاهنا ظاهرٌ فلا ينسب الآخذ إلى خيانةٍ (٣) لظهور حقِّه بخلاف ما إذا لم يكن ظاهرًا (٤). ولهذا أفتى النبي ﷺ هِندًا بأن تأخذ من مال زوجها ما يكفيها وولدها بالمعروف (٥)، كما جوَّز للضيف أن يأخذ مثل قِرَاه إذا لم يُضيَّف (٦). فجاءت السنة بالأخذ في هذين الموضعين، وجاءت بالمنع لمَن سأله: أنَّ لنا جيرانًا لا يدعون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً (٧) إلا أخذوها، أفنأخذ من أموالهم؟ الحديث (٨).

стр. 1074

وقال (١): «أدِّ الأمانة إلى مَن ائْتَمَنك ولا تخُنْ مَن خَانَك» (٢). فمنع هاهنا وأطلق هناك، وكان الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: ما ذكرناه من ظهور سبب الحق فيُعذَر الآخِذ (٣)، وخفائه فيُنسَب إلى الخيانة (٤). الثاني: أنَّ سبب الحقِّ يتجدَّد في مسألة النفقة والضيافة، فيشقُّ (٥) أو

стр. 1075

يمتنع الدعوى فيه كلَّ وقتٍ، والرفعُ إلى الحاكم، وإقامةُ البينة؛ بخلاف ما لا يتكرَّر (١) سببه. إذا عُرف هذا، فعمر ﵁ لم يشترط قدر الطعام والإدام والعلف، فلا يُشتَرط ذلك، وإنَّما يُرجَع فيه إلى عادة كلِّ قوم وعرفهم وما لا يشقُّ عليهم، فلا يجوز للضيف أن يكلِّفهم اللحم والدجاج وليس ذلك غالبَ قوتهم، بل يجب عليه أن يقبل ما يبذلونه من طعامهم المعتاد كما أوجب الله سبحانه الإطعام في الكفارة من أوسط ما يُطعِم المكفِّر أهلَه من غير تقدير، وكما أوجب النبي ﷺ النفقة على الزوجة والمملوك بالعرف من غير تقدير. فهذه سنته وسنة خلفائه في هذا الباب، وبالله التوفيق. وهذه الضيافة قدرٌ زائدٌ على الجزية، ولا تلزمهم إلا بالشرط، ويكفي شرط عمر ﵁ على مَمَرِّ الأزمان سواءٌ شرطه عليهم مَن بعده من الأئمة أو لم يشرطه، لأنَّ شرطه سنَّةٌ مستمِرَّةٌ. ولهذا عمل به الأئمة بعده، واحتج الفقهاء بالشروط العمرية وأوجبوا اتباعها. هذا هو الصحيح، كما أنَّ شرطه عليهم في الجزية مستَمِرٌّ وإن لم يجدِّده عليهم إمامُ الوقت، وكذلك عقد الذمة لمَن (٢) بلغ من أولادهم وإن لم يعقد لهم الإمام الذمة. قال الشافعي (٣): ويقسم الضيافةَ على عدد أهل الذمة، وعلى حسب

стр. 1076

الجزية التي شرطها، فيقسم ذلك بينهم على السواء. وإن كان فيهم المُوسِر والمتوسط والمُقِلُّ قسط الضيافة على ذلك. قال الشافعي: ويَذكر ما يعلف به الدواب من التِّبن والشعير وغير ذلك. قال: ويشترط عليهم أن ينزلوا في فضول منازلهم وكنائسهم ما يكنون فيه من الحَرِّ والبرد (١) منها، لأن الضيف محتاجٌ إلى موضع يسكن فيه ويأوي إليه كما يحتاج إلى طعام يأكله. فصل ومن نزل بهم لم يخلُ من ثلاثة أحوال: إما أن ينزل بهم وهو مريضٌ، أو ينزل بهم وهو صحيح، أو ينزل بهم وهو صحيح فيمرض. فإن نزل بهم وهو مريضٌ فبرئ فيما دون الثلاث، فهذا يجري مجرى الضيف. وكما يجب عليهم إطعام الضيف وخدمتُه، يجب عليهم القيام على المريض ومصالحه، فإنَّه أحوج إلى الخدمة والتعاهد من الصحيح. فإن زاد مرضه على ثلاثة أيام، وله ما ينفق على نفسه، لم يلزمهم القيام بنفقته، ولكن تلزمهم معونته وخدمته وشِرى ما يحتاج إليه من ماله. وإن لم يكن له ما ينفق على نفسه لزمهم القيامُ عليه إلى أن يبرأ أو يموت. فإن أهملوه وضيَّعوه حتى مات ضمنوه. هذا مذهب عمر وإليه ذهب الإمام أحمد، فإنه رُوي عن عمر أنَّ رجلًا مرَّ بقومٍ فاستسقاهم فلم يسقوه حتى

стр. 1077

مات، فغرَّمهم عمر دِيَتَه (١). قال إسحاق بن منصور (٢): قلت لأحمد: أتذهب إليه؟ فقال: إي والله! وإن نزل بهم صحيحًا ورحل كذلك فضيافته يومٌ، حقٌّ واجبٌ، وما زاد على الثلاث لا يلزمهم القيام به. وما بين اليوم والليلة والثلاثة فهو الذي اختلفت فيه الشروط العمرية، كما تقدَّم. والصحيح أنَّه بحسب حال القوم في اليسار وعدمه وكثرة المارَّة وقلَّتهم، والله أعلم. وحكم المحظور والمقطوعِ عليه الطريقُ حكم المريض فيما ذكرناه. * * *

стр. 1078

فصل (١) قولهم: (وأن من ضرب مسلمًا فقد خلع عهدَه) . وهذا لأنَّ عقد الذمة اقتضى أن يكونوا تحت الذِّلَّة والقهر، وأن يكون المسلمون هم الغالبين (٢) عليهم، فإذا ضربوا المسلمين كان هذا الفعل مناقضًا لعهد الذمة الذي عاهدناهم عليه. وهذا أحد الشرطين اللَّذَين زادهما عمر بن الخطاب ﵁ وألحقهما بالشروط، فإنَّ عبد الرحمن بن غَنْم لمَّا كتب إلى عمر بن الخطاب بكتاب الشروط قال: أَمضِ لهم ما سألوه، وأَلحِق فيه حرفين أشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم: أن لا يشتروا من سبايانا شيئًا، ومَن ضرب مسلمًا عَمدًا فقد خلع عهده. فأقرَّ بذلك من أقام من الروم في مدائن الشام على هذا الشرط. فصل وإذا شرط عليهم أمير المؤمنين أنَّه مَن ضرب مسلمًا فقد خلع عهده، فمَن زنى بمسلمة فهو أولى بنقض العهد. وقد نصَّ عليه الإمام أحمد. قال الخلال (٣): باب ذمي فجر بمسلمة. أخبرني حرب قال: سمعت

стр. 1079

أحمد يقول: إذا زنى الذِّمِّي بمسلمة قُتِل الذِّمِّي، ويُقام عليها الحدُّ. قال حرب: هكذا وجدته في كتابي. أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا أبو الحارث أنه سأل أبا عبد الله: قلت: نصراني استكره مسلمة على نفسها؟ قال: ليس على هذا صولحوا، يُقتَل. قلت: فإن طاوَعَتْه على الفجور؟ قال: يُقتَل ويُقام عليها الحدُّ، وإذا استكرهها فليس عليها شيء. أخبرنا عصمة بن عصام، حدثنا حنبل قال: سمعتُ أبا عبد الله قال في ذمِّيٍّ فَجَر بامرأة مسلمة؟ قال: يُقتَل، ليس على هذا صُولِحوا. قيل له: فالمرأة؟ قال: إن كانت طاوَعَتْه أُقِيم عليها الحدُّ، وإن كان استكرهها فلا شيء عليها. وكذلك قال في رواية الفضل بن زياد ويعقوب بن بختان سواءً. قال الخلال: وأخبرني أحمد بن محمد بن مطر، حدثنا أبو طالب أنَّ أبا عبد الله (١) قيل له: فإن زنى اليهودي بمسلمة؟ قال: يُقتل. عمر ﵁ أُتي بيهودي نخس (٢) بمسلمةٍ ثم غشيها فقتله (٣). فالزنا أشدُّ من نقض العهد. وسألته عن عبدٍ نصراني زنى بمسلمة؟ قال: يُقتَل أيضًا. قلت: وإن كان عبدًا؟ قال: نعم.

стр. 1080

أخبرني محمد بن الحسن أنَّ الفضل بن عبد الصمد حدَّثهم قال: سمعت أبا عبد الله، وسئل عن مجوسي (١) فَجَر بمسلمة، قال: يُقتَل، هذا قد نقض العهد. قلت: فإن كان من أهل الكتاب؟ قال: يُقتَل أيضًا، قد صَلَب عمر رجلًا من اليهود فَجَر بمسلمة. أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا أبو الحارث أن أبا عبد الله قال: قد صلب عمر رجلًا من اليهود فجر بمسلمة، هذا نقض العهد. قيل له: ترى عليه الصلب مع القتل؟ قال: إن ذهب رجل إلى حديث عمر ــ كأنَّه لم يَعِب عليه. أخبرنا محمد بن علي، حدثنا مُهنَّا قال: سألت أحمد عن يهودي أو نصراني فجر بامرأة مسلمة ما يصنع به؟ قال: يُقتَل. فأَعَدتُّ عليه قال: يُقتَل. قلت: إنَّ الناس يقولون غير هذا. قال: كيف يقولون؟ قلت: يقولون: عليه الحدُّ. قال: لا، ولكن يُقتَل. قلت له: في هذا شيء؟ قال: نعم، عن عمر أنَّه أمر بقتله. قلت: مَن يرويه؟ قال: خالدٌ الحذاء، عن ابن أشوع، عن الشعبي، عن عوف بن مالك أنَّ رجلًا نخس (٢) بامرأةٍ فتجلَّلها (٣)، فأمر به عمر فقُتِل وصلب. قلت: من ذكره؟ قال: إسماعيل بن علية (٤).

стр. 1081

حدثنا أبو بكر المرُّوذي، حدثنا سليمان بن داود، حدثنا حمَّاد بن زيد، حدثنا مجالدٌ، عن الشعبي، عن سُوَيد بن غَفَلة أنَّ رجلًا من أهل الذمة نخس (١) بامرأة من المسلمين من الشام وهي على حمار [فصرعها]، فألقى نفسه عليها، فرآه عوف بن مالك فضربه فشجَّه، فانطلق إلى عمر يشكو عوفًا، فأتى عوفٌ عمر فحدَّثه، فأرسل إلى المرأة فسألها فصدَّقَت عوفًا، فقال إخوتها: قد شهدت أختُنا، فأمر به عمر ﵁ فصُلِب. قال: وكان أوَّل مصلوب في الإسلام (٢). ثمَّ قال عمر ﵁: أيها الناس اتقوا الله في ذمَّة محمد ﷺ ولا تظلموهم، فمَن فعل فلا ذمة له (٣). فصل إذا ثبت هذا فإنَّه يُقتَل وإن أسلم، نصَّ عليه أحمد في رواية جماعة. قال الخلال (٤): أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل، وأخبرني

стр. 1082

جعفر بن محمد أنَّ يعقوب بن بختان حدَّثهم؛ وأخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أنَّ أبا الحارث حدَّثهم؛ وأخبرني الحسن بن عبد الوهاب، حدثنا إبراهيم بن هانئ؛ كلُّ هؤلاء سمع أحمد بن حنبل، وسُئِل عن ذمِّي فَجَر بمسلمة، قال: يُقتَل. قيل: فإن أسلم؟ قال: يُقتَل، هذا قد وجب عليه. والمعنى واحدٌ في كلامهم كلِّه. انتهى. وهذا هو القياس، لأنَّ قتله حدٌّ، وهو قد وجب عليه وتعيَّن (١) إقامته، فلا يسقط بالإسلام، لا سيما إذا أسلم بعد أخذه والقدرة عليه. وسنعود إلى هذه المسألة عن قرب إن شاء الله تعالى. فصل قالوا: (ضمنَّا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا. وإن نحن غيَّرنا أو خالفنا عمَّا شرطنا على أنفسنا وقَبِلنا الأمان عليه، فلا ذمَّة لنا، وقد حلَّ لك منَّا ما يحِلُّ لأهل المُعانَدة والشِّقاق). هذا اللفظ صريحٌ في أنَّهم متى خالفوا شيئًا ممَّا عُوهِدوا عليه انتقض عهدهم، كما ذهب إليه جماعة من الفقهاء. قال شيخنا (٢): وهذا هو القياس الجلي، فإنَّ الدم مباحٌ بدون العهد، والعهد عقد من العقود، فإذا لم يَفِ أحد المتعاقدين بما عاقد عليه، فإمَّا أن ينفسخ العقد بذلك أو يتمكن العاقد الآخر من فسخه. هذا أصلٌ مقرَّرٌ في عقد البيع والنكاح وغيرهما من العقود.

стр. 1083

والحكمة فيه ظاهرةٌ، فإنَّه إنَّما التزمه بشرط أن يلتزم الآخر بما التزمه، فإذا لم يلتزمه له الآخرُ صار (١) هذا غير ملتزمٍ، فإنَّ الحكم المعلَّق بالشرط لا يَثبُت بعينه عند عدمه باتفاق العقلاء، وإنَّما اختلفوا في ثبوت مثله. إذا تبيَّن هذا، فإن كان المعقود عليه حقًّا للعاقد بحيث له أن يبذله بدون الشرط لم ينفسخ العقد بفوات الشرط، بل له أن يفسخه، كما إذا شرط رهنًا أو كفيلًا أو (٢) صفةً في البيع. وإن كان حقًّا لله (٣) أو لغيره ممَّن يتصرَّف له بالولاية ونحوها= لم يَجُز له إمضاء (٤) العقد، بل ينفسخ العقد بفوات الشرط، أو يجب عليه فسخه، كما إذا شرط أن تكون الزوجة حُرَّةً فظهرت أَمَةً وهو ممَّن لا يحلُّ له نكاح الإماء، أو شرطت أن يكون الزوج مسلمًا فبان كافرًا، أو شرط أن تكون الزوجة مسلمةً فبانت وثنيَّةً. وعقد الذمة ليس هو حقًّا للإمام، بل هو حقٌّ لله ولعامَّة المسلمين، فإذا

стр. 1084

خالفوا شيئًا ممَّا شرط عليهم، فقد قيل: يجب على الإمام أن يفسخ العقد، وفسخه أن يُلحِقه بمَأمَنه ويُخرِجه من دار الإسلام؛ ظنًّا أنَّ العقد لا ينفسخ بمجرَّد المخالفة بل يجب فسخه. قال: وهذا ضعيفٌ، لأنَّ الشروط إذا كانت حقًّا لله ــ لا للعاقد ــ انفسخ العقدُ بفواته من غير فسخ. وهنا المشروط على أهل الذمة حقٌّ لله، لا يجوز للسلطان ولا لغيره أن يأخذ منهم الجزية ويمكِّنهم من المقام بدار الإسلام إلا إذا التزموها، وإلا وجب عليه قتالهم بنص القرآن. قلت: واختلف العلماء فيما ينتقض به العهد وما لا ينتقض، وفي هذه الشروط هل يجري حكمها عليهم وإن لم يشترطها إمام الوقت اكتفاءً بشرط عمر ﵁، أو لا بد من اشتراط الإمام لها في حكمهم إذا انتقض عهدهم (١)؟ فهذه ثلاث مسائل: المسألة الأولى فيما ينقض العهد وما لا ينقضه ونحن نذكر مذاهب الأئمة وما قاله أتباعهم في ذلك. ذكر قول الإمام أحمد وأصحابه: قد ذكرنا نصوصه في انتقاض العهد بالزنا بالمسلمة. * ذكر قوله في انتقاض العهد بسب النبي ﷺ : قال الخلال (٢): بابٌ فيمن شَتَم النبي ﷺ . أخبرني عصمة بن عصام

стр. 1085

قال: حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله يقول: كلُّ مَن شتَمَ النبي ﷺ أو انتقصه ــ مسلمًا كان أو كافرًا ــ فعليه القتل. أخبرني زكريا بن يحيى، حدثنا أبو طالب: أنَّ أبا عبد الله سُئِل عن شتم النبي ﷺ قال: يُقتَل، قد نقض العهد. ثم ذكر من طريق حنبل وعبد الله: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا هُشَيم، أخبرنا حصين عمَّن حدَّثه عن ابن عمر أنَّه مرَّ به راهبٌ فقيل له: هذا يسُبُّ النبيَّ ﷺ ، فقال ابن عمر: لو سمعتُه لقتلتُه أنا، لم نُعطِهم الذِّمة على أن يسُبُّوا نبيَّنا ﷺ (١). قال حنبل: وسمعت أبا (٢) عبد الله يقول: كلُّ مَن نقض العهد وأحدث في الإسلام حدثًا مثل هذا رأيتُ (٣) عليه القتل، ليس على هذا أعطوا العهد والذمة. ثم ذكر الخلال الآثار عن الصحابة في قتله. ثم قال: أخبرني محمد بن علي (٤) أنَّ أبا الصقر حدَّثهم قال: سألت أبا عبد الله عن رجل من أهل الذمة شتم النبي ﷺ ماذا عليه؟ قال: إذا قامت البينة عليه يُقتَل من شتم النبي ﷺ ، مسلمًا كان أو كافرًا.

стр. 1086

أخبرني حرب قال: سألت أحمد عن رجل من أهل الذِّمَّة شَتَم النبي ﷺ فقال: يُقتَل. * ذكرُ قوله فيمن يتكلم في الرب تعالى من أهل الذمة: قال الخلال (١): بابٌ فيمن تكلَّم في شيء من ذكر الرب ﵎ يريد تكذيبًا أو غيره. أخبرني عصمة بن عصام، حدثنا حنبل قال: سمعت أبا عبد الله قال: كلُّ مَن ذكر شيئًا يُعرِّض به الربَّ ﵎ فعليه القتلُ مسلمًا كان أو كافرًا. قال: وهذا مذهب أهل المدينة. أخبرني منصور بن الوليد أن جعفر بن محمد حدَّثهم قال: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن يهودي مرَّ بمؤذِّن وهو يُؤذِّن فقال له: كذبتَ، فقال: يُقتَل لأنَّه شتم النبي ﷺ . قال شيخنا (٢): وأقوال أحمد كلها نصٌّ في وجوب قتله، وفي أنَّه قد نقض العهد، وليس عنه في هذا اختلاف. وكذلك ذكر عامَّة أصحابه متقدمُهم ومتأخرُهم، لم يختلفوا في ذلك، إلا أنَّ القاضي في «المجرد» ذكر الأشياء التي يجب على أهل الذمة تركُها وفيها ضررٌ على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال، وهي: الإعانة على قتال المسلمين، وقتل المسلم والمسلمة، وقطع الطريق عليهم، وأن يؤوي للمشركين (٣) جاسوسًا، وأن يعين عليهم بدلالةٍ مثل أن يكاتب المشركين

стр. 1087

بأخبار المسلمين، وأن يزني بمسلمة أو يُصيبها باسم نكاح، وأن يفتن مسلمًا عن دينه. قال: فعليه الكفُّ عن هذا، شُرط أو لم يُشرَط، فإن خالف انتقض عهده. وذكر نصوص أحمد في نقضها مثل نصِّه في الزنا بمسلمةٍ، وفي التجسس للمشركين، وقتل المسلم وإن كان عبدًا (١) كما ذكر الخرقي (٢). ثم ذكر نصَّه في قذف المسلم: على أنَّه لا ينتقض عهده بل يُحَدُّ حدَّ القذف. قال: فتُخرَّج المسألة على روايتين. ثمَّ قال: وفي معنى هذه الأشياء ذكره اللهَ وكتابَه ودينَه ورسولَه بما لا ينبغي. قال: فهذه أربعة أشياء، الحكم فيها كالحكم في الثمانية التي قبلها، ليس ذكرها شرطًا في صحة العقد فإن [أتوا] واحدةً منها نقضوا الأمان، سواءٌ كان مشروطًا في العهد أو لم يكن. وكذلك قال في «التعليق» (٣) بعد أن ذكر أنَّ المنصوص انتقاض العهد بهذه الأفعال والأقوال. قال: وفيه رواية أخرى: لا ينتقض عهده إلا بالامتناع من بذل الجزية وجَرْيِ أحكامنا عليهم. ثم ذكر نصَّ أحمد على أنَّ الذمي إذا قذف المسلم يُضرَب، قال: فلم يجعله ناقضًا للعهد بقذف المسلم مع ما فيه من الضرر عليه بهَتْكِ عِرضه.

стр. 1088

وتبع القاضي جماعةٌ من أصحابه ومن بعدهم (١) كالشريف وأبي الخطاب وابن عقيل والحلواني، فذكروا أنَّه لا خلافَ أنَّهم إذا امتنعوا من أداء الجزية والتزام أحكام الملة انتقض عهدهم. وذكروا في جميع هذه الأفعال والأقوال التي فيها الضرر على المسلمين وآحادهم في نفس أو مال، أو فيها غضاضةٌ على المسلمين في دينهم مثل سبِّ رسول الله ﷺ وما معه= روايتين: إحداهما: ينتقض العهد، والأخرى: لا ينتقض عهده ويقام فيه الحدُّ، مع أنَّهم كلُّهم متفقون على أنَّ المذهب انتقاض العهد بذلك (٢). ثم إنَّ القاضي والأكثرين لم يعُدُّوا (٣) قذف المسلم من الأمور المُضِرَّة الناقضة، مع أنَّ الرواية المُخرَّجة إنَّما خُرِّجَت (٤) مِن نصِّه في القذف (٥). وأمَّا أبو الخطاب ومَن تبعه فإنَّهم نقلوا حكم تلك الخصال إلى القذف، كما نقلوا حكم القذف إليها، حتى حكوا في انتقاض العهد بالقذف روايتين (٦).

стр. 1089

ثم إنَّ هؤلاء كلَّهم وسائر الأصحاب ذكروا مسألة سبِّ النبي ﷺ في موضع آخر، وذكروا أنَّ سابَّه يُقتَل وإن كان ذِمِّيًّا (١)، وأنَّ عهده ينتقض، وذكروا نصوص أحمد من غير خلاف في المذهب، إلا أنَّ الحلواني قال: ويحتمل أن لا يُقتَل مَن سبَّ الله ورسوله إذا كان ذميًّا. فصل وسلك القاضي أبو الحسين طريقةً ثانيةً (٢) في نواقض العهد فقال: أمَّا الثمانية التي فيها ضررٌ على المسلمين وآحادهم في مال أو نفس، فإنَّها تنقض العهد في أصحِّ الروايتين. وأمَّا ما فيه إدخال غضاضة ونقص على الإسلام ــ وهو ذكر الله وكتابه ودينه ورسوله بما لا ينبغي ــ فإنَّه ينقض العهد، نصَّ عليه. ولم يُخرِّج في هذا رواية أخرى كما ذكر أولئك. وهذا أقرب من تلك الطريقة. وعلى الرواية التي تقول: لا ينتقض العهد بذلك، فإنَّما ذلك إذا لم يكن مشروطًا عليهم في العهد. فأمَّا إن كان مشروطًا ففيه وجهان:

стр. 1090

أحدهما: ينتقض، قاله الخرقي (١). قال أبو الحسن الآمدي: وهو الصحيح في كل ما شُرِط عليهم تركه، فصحَّح قول الخرقي بانتقاض العهد إذا خالفوا شيئًا ممَّا شرط عليهم. والثاني: لا ينتقض، قاله القاضي وغيره. قال شيخنا (٢): وهاتان الطريقتان ضعيفتان، والذي عليه عامَّة المتقدمين ومَن تبعهم من المتأخرين إقرارُ نصوص أحمد على حالها، وهو قد نصَّ في مسائل سبِّ الله ورسوله على انتقاض العهد في غير موضع وعلى أنَّه يُقتَل، وكذلك فيمن جسَّ على المسلمين أو زنى بمسلمة على انتقاض عهده وقتله في غير موضع. وكذلك نقله الخرقي فيمَن قتل مسلمًا أو قطع الطريق (٣). وقد نصَّ أحمد على أنَّ قذف المسلم وسِحره لا يكون نقضًا للعهد في غير موضع، وهذا هو الواجب، وهو تقرير المذهب (٤)؛ لا يُخرَّج حكمُ إحدى المسألتين (٥) إلى الأخرى بجَعْل (٦) الروايتين في الموضعين، لوجود
следующие страницы →