← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قلت: فلو خالفت عمائمُهم عمائم المسلمين في لون أو غيره، فهل يُمكَّنون من ذلك؟ يحتمل أن يقال بتمكينهم منها لحصول التمييز المقصود، ويحتمل أن لا يُمكَّنوا، إذ المقصود أنَّهم لا يلبسون هذا الجنس كما لا يركبون الخيل ولو تميَّزت عن خيول المسلمين، لأنَّ ركوبها عِزٌّ وليسوا من أهله، كما يُمنَعون من إرخاء الذوائب. ولم أجد عن أحمد نصًّا في لبسهم العمائم، ولكن قال المتأخِّرون من أتباعه: إنَّهم يَشُدُّون في أطراف عمائمهم وقلانسهم ما يخالف لونَها كخِرَقٍ صُفْرٍ (١) ونحوها. وحكَوا في جواز تمكينهم من الطيالسة وجهين، وإجراء (٢) الوجهين في العمائم أولى، [فهي أولى] (٣) وأحقُّ بالمنع لِما تقدَّم. وقال أبو الشيخ (٤): حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا الدَّورقي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا مَعمَر: أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب أن امْنَع مَن قِبَلكم، أن لا يَلبَس نصراني قَباءً ولا ثوبَ خزٍّ

стр. 1017

ولا عصبٍ، وتَقَدَّمْ في ذلك أشدَّ التقدُّم حتى لا يخفى على أحدٍ نهيٌ عنه. وقد ذُكِر لي أن كثيرًا ممَّن قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم واتَّخذوا الوَفْر (١) والجِمام (٢)، ولعَمْري إن كان يُصنع ذلك فيما قِبَلك إنَّ ذلك بك ضعفٌ وعجز، فانظر كلَّ شيء نهيتُ عنه وتقدَّمتُ فيه فلا تُرخِّص فيه ولا تغيِّر منه شيئًا. حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد، حدثنا سعيد بن سليمان (٣)، ثنا أبو مَعشَر، عن محمد بن قيس وسعيد بن عبد الرحمن بن حبَّان (٤) قالا: دخل ناس من بني تَغلِب على عمر بن عبد العزيز عليهم العمائم كهيئة العرب، قالوا: يا أمير المؤمنين، أَلحِقنا بالعرب. قال: فمَن أنتم؟ قالوا: نحن بنو تغلب. قال: أَوَلستم من أوسط العرب؟ قالوا: نحن نصارى. قال: عليَّ بجَلَمٍ، فأخذ من نواصيهم وألقى العمائم، وشقَّ من رداء (٥) كل واحدٍ منهم شبرًا يُحزِم به. وقال: لا تركبوا السُّرُوج، واركبوا الأُكُف (٦)، ودَلُّوا رِجلَيكم

стр. 1018

من شقٍّ واحدٍ (١). حدثنا خالي، حدثنا محمد بن عبد الوهاب بن موسى العَسقلاني، حدثنا يَسْرة (٢) بن صفوان، حدثنا الحَكَم بن عمرو الرُّعَيني قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمصار الشام: لا يمشي نصراني إلا مفروق الناصية، ولا يلبس قَباءً، ولا يمشي إلا بزنَّار من جِلد، ولا يلبس طيلسانًا، ولا يلبس سراويل ذات خَدَمةٍ (٣)، ولا يلبس نعلًا ذات عَذَبةٍ (٤)، ولا يركب على سَرْجٍ، ولا يوجد في بيته سِلاحٌ إلا انتُهِب، ولا يدخل الحمام يوم الجمعة يهودي ولا نصراني حتى تُصلَّى الجمعة (٥). حدثنا أبو يعلى، عن ابن مسهرٍ (٦)، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس، عن خالد بن عُرْفُطَة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم ــ يعني

стр. 1019

النصارى ــ ولا يلبسوا ألبسة المسلمين، حتى يُعرَفوا (١). حدثنا أحمد بن الحسين الحذَّاء، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّورقي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، حدثنا معمر أنَّ عمر بن عبد العزيز كتب: أمَّا بعد، فلا يَركبَنَّ يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ على سَرْج، وليَرْكبَنَّ على إكافٍ، ولا يركبْنَ نساؤهم على راحلةٍ، وليَكُن (٢) رُكُوبُهم على إكافٍ، وتقدَّم في ذلك تقدُّمًا بليغًا (٣). وقال الخلال في «الجامع» (٤): باب ما يؤخذ به النصارى من اتخاذ الزنانير، وعلى نسائهم من زيهم. أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفرٍ قالا: حدثنا أبو الحارث قال: قال أحمد: ينبغي أن يؤخذ أهل الذمة بالزنانير (٥) يُذَلُّون (٦) بذلك.

стр. 1020

حدثنا يحيى بن جعفر بن عبد الله (١) بن الزِّبرِقان، حدثنا يحيى بن السكن (٢)، حدثنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ (٣) قال: [أمر] عمر ﵁ بجَزِّ نواصي أهل الذمة، وأن يشُدُّوا المناطقَ، وأن يَركَبُوا الأُكُفَ بالعرض (٤). حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عبد الرزاق (٥)، ثنا معمر، عن عمرو بن ميمون بن مهران قال: كتب عمر بن عبد العزيز ــ رحمه الله تعالى ــ أن ينهوا النصارى أن يفرقوا رؤوسهم، ويجزُّوا (٦) نواصيهم، وأن تُشَدَّ مناطقهم، ولا يركبوا على سَرْج، ولا يلبسوا عَصْبًا (٧)

стр. 1021

ولا خزًّا، وأن يُمنَع نساؤهم أن يركبوا (١) الرحائل، فإن قدر على أحد منهم فعل ذلك بعد التقدُّم إليه فإنَّ سَلَبَه (٢) لمن وجده. فصل ويمنعون من التلحِّي، صرَّح بذلك أصحاب الشافعي في كتبهم. وقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري في شرح كتاب عمر بن الخطاب بعد أن ذكر المنع من لبس العمامة: وكذلك لا يتلحَّى لما روي عن النبي ﷺ أنَّه أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط (٣)، وإنَّما أمر به المسلمين ومَن آمن به واقتدى بأفعاله، فمَن فعله من أمَّته فإنَّما يفعله اتباعًا لأمره واستعمالًا لسنَّته. وهو زيُّ العرب من آباد الدهر وليس هو زيَّ بني إسرائيل، فلا يُمكَّن الذمي منه، لأنَّه ليس زيَّ قومه فيما مضى، فيجب أن لا يكون زيًّا له الآن. قال أبو عبيد في هذا الحديث: أصل التلحِّي في لبس العمائم، وذلك لأنَّ العمائم يقال لها المِقْعَطة (٤)، فإذا لاثها المعتَمُّ على رأسه ولم يجعلها تحت حنكه (٥)

стр. 1022

قيل: اقتعطها (١)، فهي المنهي عنها (٢)، فإذا أدارها تحت الحنك قيل: تلحَّاها، وكان طاوس يقول: تلك عِمَّة الشيطان (٣)، يعني التي لا يُتلحَّى بها. قال أبو القاسم: وعمَّة الشيطان أهل الذمة بها أولى! قال: وكذلك إذا تعمَّموا لا يرسلون أطراف العمامة خلف ظهورهم، لأنَّ هذا هو السنة في التعمُّم بفعل رسول الله ﷺ (٤) [و] بفعل عبد الرحمن بن عوف فيما روى الهَيثَم بن حميدٍ، عن حفص (٥) بن غيلان، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر ﵄ أنَّ رسول الله ﷺ أمر عبد الرحمن بن عوف أن يتجهَّز لسَرِيَّةٍ بعثه عليها، فأصبح قد اعتمَّ بعمامة سوداء (٦). وقال أبو أسامة: [حدثنا] عبيد الله، عن نافع: كان ابن عمر يعتمُّ ويُرخِيها بين كتفيه. قال عبيد الله: وأخبرني أشياخنا أنَّهم رأوا أصحاب رسول الله ﷺ يعتمُّون ويُرخُونها بين أكتافهم (٧).

стр. 1023

فإرخاء الذؤابة من زيِّ أهل العلم والفضل والشرف، فلا يجوز أن يمكَّن الكفار من التشبُّه بهم فيه. فصل قولهم: (ولا في نعلين، ولا فَرْق شعر) . أي: لا نتشبَّه بهم في نعالهم، بل تكون نعالهم مخالفةً لنعال المسلمين ليحصل كمال التمييز وعدم المشابهة في الزيِّ الظاهر، ليكون ذلك أبعد من المشابهة في الزي الباطن، فإنَّ المشابهة في أحدهما تدعو إلى المشابهة في الآخر بحسبها. وهذا أمرٌ معلومٌ بالمشاهدة، فليس المقصود من الغيار والتمييز في اللباس وغيره مجرَّدَ تمييز الكافر عن المسلم، بل هو من جملة المقاصد، والمقصود الأعظم ترك الأسباب التي تدعو إلى موافقتهم ومشابهتهم باطنًا. والنبيُّ ﷺ سَنَّ لأمته ترك التشبُّه بهم بكلِّ طريقٍ وقال: «خَالَف هديُنا هديَ المشركين» (١).

стр. 1024

وعلى هذا الأصل أكثر من مائة دليل حتى شَرَع لها (١) في العبادات التي يحبها الله ورسوله تجنُّبَ مشابهتهم في مجرَّد الصورة، كالصلاة والتطوُّع عند طلوع الشمس وغروبها، فعوَّضَنا بالتنفُّل في وقتٍ لا تقع الشُّبهة بهم فيه. ولمَّا كان صوم يوم عاشوراء لا يمكن التعويضُ عنه بغيره لفوات غير ذلك اليوم أَمَرنا أن نضُمَّ إليه يومًا قبله ويومًا بعده لتزول صورة المشابهة. ثم لمَّا قهر المسلمون أهل الذمة وصاروا تحت قهرهم وحكمهم ألزمهم أمير المؤمنين عمر ﵁ بترك التشبُّه (٢) بالمسلمين، كما أمر النبي ﷺ بترك التشبُّه بهم، فتضمَّن هذان الأصلان العظيمان مجانبتهم في الهدي الظاهر والباطن حتى في النعال، فأمر النبي ﷺ الأمة بالصلاة في نعالهم مخالفةً لأهل الكتاب (٣)، ونهاهم عمر ﵁ أن يلبسوا نعال المسلمين.

стр. 1025

فصل وكذلك قولهم: (ولا بفرق شعر) . الأصل في هذا الباب ما ثبت في «الصحيح» (١) من حديث الزهري (٢)، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس ﵄ قال: كان أهل الكتاب يَسدُلون أشعارهم، وكان المشركون يَفرِقون رؤوسهم. قال: وكان رسول الله ﷺ يُعجِبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمَر به، فسَدَل رسول الله ﷺ ناصيتَه، ثم أُمِر بالفَرق، فكان الفرق آخر الأمرين. والسدل في اللغة الإرسال، ومعناه في الشعر أنَّ رسول الله ﷺ كان يُرسِل شعره، وكان أولًا يعجبه موافقةُ أهل الكتاب فيما لم يُؤمَر فيه لمصلحة التأليف وغيرها، فكان يُحِب أن يفرق شعره، فأمسك عنه حتى يأتيه الأمر من الله فجاءه الأمر بالفرق فصار هو السُّنَّة. والفرق هو أن يقسم شعر الرأس نصفين بالسوية، ويجعل ذؤابتين على زيِّ الأشراف الذي لم يزل عليه العَلَويُّون والعبَّاسيُّون. وهذا آخر الأمرين من فعله ﷺ ، وهو الذي استقرَّت عليه السنَّة، فلا يمكَّن منه أهل الذمة، بل يُؤمَرون بأن يُرسلوا شعورهم ويسدلونها، ويجمعون شعورهم حتى تكون كالكبَّة (٣) من

стр. 1026

خلفهم. وقد وَسَم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مَن على رأسه شعرٌ من أهل الذمة بوسم ينبغي اتباعه، وهو أن تُجَزَّ نواصيهم. والناصية مقدار ربع الرأس، فإذا كان ربعه محلوقًا كان علمًا ظاهرًا وأمرًا مشهورًا أنَّه ذمي. وهذا معنى ما في كتاب أمير المؤمنين في الشروط: (وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا). قال أبو القاسم: أخبرنا علي بن عمر، أخبرنا إسماعيل بن محمد، حدثنا عباس الدوري، ثنا خالد بن مخلدٍ، عن عبيد الله بن عمر، عن نافعٍ، عن ابن عمر، وعن عمر ﵁: أنه كان يكتب إلى عماله يأمرهم بجزِّ نواصيهم، يعني: أهل الكتاب. قال أبو القاسم: كذا قال خالدٌ: عن نافعٍ، عن ابن عمر. وإنَّما هو عن أسلم، عن عمر؛ كذلك رواه عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عمر العمري، وهو الصواب (١). فصل في هدي رسول الله ﷺ في حلق الرأس وتركه وكيفية جعل شعره لم يكن هديه ﷺ حلق رأسه في غير نسكٍ، بل لم يُحفَظ عنه أنَّه حلق رأسه إلا في حجٍّ أو عمرةٍ.

стр. 1027

وحلقُ الرأس أربعة أقسام: شرعي، وشركي، وبدعي، ورخصة (١). فالشرعي: الحلق في الحج والعمرة. والشركي: حلق الرأس للشيوخ، فإنَّهم يحلقون رؤوس المريدين للشيخ، ويقولون (٢): احلق رأسك للشيخ فلان. وهذا من جنس السجود له، فإنَّ حلق الرأس عبوديةٌ وذلٌّ (٣). وكثيرٌ منهم يعمل المشيخة الوثنية، فيرغم (٤) المريد على السجود له ويسمِّيه وضْعَ رأسٍ وأدبًا. وعلى التوبة له، والتوبةُ لا ينبغي أن تكون لأحد إلا لله وحده. وعلى حلق الرأس له، وحلقُ الرأس عبوديةٌ لا تَصلُح إلا لله وحده، وكانت العرب إذا مَنُّوا (٥) على الأسير جَزُّوا نواصيَه وأطلقوه عبوديةً وإذلالًا له، ولهذا كان من تمام النسك وضع النواصي لله عبوديةً وخضوعًا وذُلًّا. ويُربُّونه على الحلف باسم الشيخ والنذر له (٦)، وقد صحَّ عنه ﷺ أنه

стр. 1028

قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (١). فكيف من نذر لغير الله؟! وأما الحلق البدعي فهو كحلق كثيرٍ من المُطوِّعة والفقراء يجعلونه شرطًا في الفقر وزيًّا يتميَّزون به عن أهل الشعور من الجند والفقهاء والقضاة (٢) وغيرهم. وقد صحَّ عن النبي ﷺ في الخوارج أنَّه قال: «سِيمَاهم التحليق» (٣). وقال عمر بن الخطاب ﵁ لصَبِيغ بن عِسْل وقد سأله عن مسائل فأمر بكشف رأسه وقال: لو رأيتُك محلوقًا لأخذت الذي فيه عيناك (٤)؛ خشي (٥) أن يكون من الخوارج.

стр. 1029

ومِن حلق البدعة الحلقُ عند المصائب بموت القريب ونحوه. فأمَّا المرأة فيحرم عليها ذلك، وقد برئ رسول الله ﷺ من الحالقة والصالقة والشاقَّة (١)؛ فالحالقة: التي تحلق شعرها عند المصيبة، والصالقة: التي ترفع صوتها بالوَيل والثُّبور ونحوه، والشاقة: التي تشُقُّ ثيابها. وأمَّا الرجل فحلقه لذلك بدعةٌ قبيحةٌ يكرهها الله ورسوله. وأمَّا حلق الحاجة والرخصة فهو كالحلق لوَجَعٍ أو قمل أو أذًى في رأسه من بُثُورٍ ونحوها، فهذا لا بأس به. وأمَّا حلق بعضه وترك بعضه فهو مراتب: أشدُّها أن يحلق وسطه ويترك جوانبه كما تفعل شمامسة النصارى. ويليه أن يحلق جوانبه ويدع وسطه كما يفعل كثيرٌ من السِّفْلة وأسقاط الناس. ويليه أن يحلق مقدم رأسه ويترك مؤخَّره. وهذه الصور الثلاثة داخلةٌ في القَزَع الذي نهى عنه رسول الله ﷺ (٢)، وبعضها أقبح من بعضٍ. فإن دعت الحاجة إلى ذلك لضررٍ برأسه أو لاستخراج أبخرةٍ (٣) تؤذي عينيه جاز حلقُ بعضه. وهل (٤) الأولى في هذه الحال: أن يقتصر على ما تندفع به الحاجة أو حَلْقُ جميعه؟ هذا فيه نظر.

стр. 1030

فصل وأمَّا إرخاؤه (١)، فإن طال فالأفضل أن يجعل ذؤابتين عن اليمين والشمال، ولا يرسل، ولا يضفر (٢) ذؤابةً واحدةً، ولا يجمع كلَّه في مؤخر الرأس، ولا يرُدُّ بعضَه فوق بعض على الرأس، فكلُّ هذا مكروهٌ. وإن قصر إلى شحمة الأذن أو فوقها بحيث لا يتأتَّى فرقُه وجعلُه ذؤابتين جاز سدلُه من غير كراهةٍ. وهكذا كان هدي رسول الله ﷺ في شعره: إن طال فَرَقه وإلا تركه. والمقصود أنَّ أهل الذمة يؤخذون بتميُّزهم عن المسلمين في شعورهم: إمَّا بجزِّ مقادم رؤوسهم، وإمَّا بسدلها. ولو حلقوا رؤوسهم لم يعرض لهم. فصل وأمَّا الأَرْدِية فهل يمكَّنون من لباسها لكون ترك لبسها غيرَ داخلٍ في الشروط، أو (٣) لا يمكَّنون منه لأنَّها زيُّ العرب وعادتهم فهي كالعمائم؟ فقال أبو القاسم الطبري الفقيه الشافعي: ولا يلبسون الأَردية، فإنَّ الأَردية من لباس العرب قديمًا، وكان رسول الله ﷺ يرتدي والصحابة من بعده، وهو زيُّ المسلمين وفِعْلُ رسول الله ﷺ وأصحابه. ثم ساق الأحاديث في لبس رسول الله ﷺ الرداء، ثم قال: فلا يُمكَّن ذمي

стр. 1031

من لبس (١) هذه الأردية. وعن أحمد بن حنبل وأبي حنيفة أنَّ أهل الذمة لا يُمكَّنون من الأردية. قال: وأمَّا الطيلسان فهو المُقوَّر (٢) الطرفين، المكفوفُ الجانبين، الملفَّف بعضُه إلى بعض، فإنَّ العرب لم تكن تعرفه ولا تلبسه، وهو لباس اليهود والعجم، والعرب تسمِّيه ساجًا. ويقال: أوَّل مَن لبسه جُبَير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد منافٍ فيما ذكره الزبير بن بكَّارٍ (٣): حدثني سعيد بن هاشم البكري، عن يحيى بن سعيد بن سالم القدَّاح قال: أوَّل قرشي لبس ساجًا جُبَير بن مُطعِم، اشتُري له بألفَي درهمٍ، وقال: لا أحسبه إلا قال: مِن حُلْوان أو جَلُولاء (٤). وروي أنَّ عبد الله بن عباس ﵄ أحرم في ساجةٍ (٥). فهو لباسٌ

стр. 1032

مُحدَث عند العرب، وهو من لباس بني إسرائيل. ثم ذكر أنس عن رسول الله ﷺ أنَّه ذكر الدجال فقال: «يَتْبَعه سبعون ألفًا مِن يهودِ أصبهان عليهم الطيالسة» (١). وقال أبو عمران الجَوني: نظر أنسٌ إلى الناس يوم الجمعة عليهم الطيالسة فقال: كأنَّهم الساعةَ يهودُ خيبر! (٢). وكان ابن سيرين يكره الطيلسان وقال: هو من زيِّ العجم (٣). قال: وقد عابَ أنس بن مالك في الصدر الأول على مَن لبس الطيلسان من المسلمين وشبَّههم بأهل الكتاب. وقد رُوِي عن النبي ﷺ : «مَن تشبَّه بقوم فهو منهم» (٤). قال: ولا يترك أهل الذمة يلبسون طيالسهم فوق عمائمهم، لأنَّ هذا يفعله أشراف المسلمين وعلماؤهم للتمييز عمَّن (٥) دونهم في العلم والشرف، وليس أهل الذمة أهلًا لذلك، فيُمنعون منه.

стр. 1033

قال: وفي كتاب عمر: (ولا يلبسون النعلين). قال: فيمنع أهل الذمة عن لبس جميع الأجناس من النِّعال. والنَّعلان هي (١) من زيِّ العرب من آباد الدهر إلى يومنا هذا. ثم رسول الله ﷺ كان يلبسها ويستعملها، وكذلك الصحابة من بعده. وقد روي عن أنس عن النبي ﷺ : «أُمِرتُ بالنَّعل والخاتَم» (٢). ثم ساق من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ في غزوةٍ غزاها: «استكثِروا من النِّعال، فإنَّ أحدَكم لا يزال راكبًا ما كان منتعلًا» (٣). وقال أنسٌ: كان رسول الله ﷺ يصلِّي في نعليه (٤). وكان لنعليه

стр. 1034

قِبالان (١). وقال عمر بن الخطاب ﵁: عليكم بالنِّعال فإنَّها خلاخيل الرجال (٢). ولم تكن النعال من زيِّ العجم، وإنَّما كان لباسهم رأس الخُفِّ الذي يسمُّونه التَّمْشَك (٣)، فيَجِب أن يُحمَلوا على عادة لباسهم. قال: ولأنَّها مِن زيِّ العلماء والأشراف والأكابر، فلا يمكَّنون من لباسها. انتهى. فإن قيل: فقد كان اليهود يلبسونها على عهد رسول الله ﷺ في المدينة وحولها ويرتدون ويَفرِقون رؤوسهم ويلبسون العمائم، ولم يمنعهم من شيء من ذلك، ولهذا قال: «إنَّ اليهود لا يُصلُّون في نِعالهم فخَالِفوهم» (٤)، وسُنَّة رسول الله ﷺ أحقُّ ما اتُّبِع، ولم يُلزِمهم بالغيار ولا خليفتُه من بعده أبو بكر الصديق ﵁.

стр. 1035

قيل: إنَّما اعتمد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ومَن بعده في الغيار سُنَّتَه ﷺ ، فإنَّه أرشد إلى مخالفتهم والتميُّزِ (١) عنهم، حيث لم يكن إلزامهم بالغيار إذ ذاك مُمكِنًا، لأنَّ المسلمين لم يكونوا قد استولَوا على أهل الكتاب وقهروهم وأذلُّوهم وملكوا بلادهم، بل كانت أكثر بلادهم لهم، وهم فيها أهل صلح وهُدنة، فكان المقدور عليه إذ ذاك أمرَ المسلمين [بـ] مخالفتهم بحسب الإمكان. فلمَّا فتح الله على المسلمين أمصار الكفار وملَّكهم ديارَهم وأموالَهم، وصاروا تحت القهر والذل، وجرت عليهم أحكامُ الإسلام= ألزمهم الخليفةُ الراشدُ والإمامُ العدلُ الذي ضرب اللهُ الحقَّ على لسانه وقلبه وأمر رسولُ الله ﷺ باتباع سُنَّته عمرُ بن الخطاب بالغيار، ووافقه عليه جميع الصحابة واتبعه الأئمة والخلفاء بعده. وإنَّما قصَّر في هذا مِن الملوك من قَلَّت رغبتُه في نَصر الإسلام وإعزاز أهله وإذلال الكفر وأهله. وقد اتفق علماء المسلمين على وجوب إلزامهم بالغيار، وأنَّهم يُمنَعون من التشبُّه بالمسلمين في زيِّهم. فصل قالوا: (ولا نتشبَّه بالمسلمين في مراكبهم ، ولا نركب السروج، ولا نتقلَّد السيوف، ولا نتَّخذ شيئًا من السلاح ولا نحمله معنا). فأهل الذمة ممنوعون من ركوبهم السروج، وإنَّما يركبون الأُكُف ــ وهي

стр. 1036

البَراذع ــ عرضًا، وتكون رِجلاهم (١) جميعًا إلى جانب واحد كما أمرهم (٢) أمير المؤمنين عمر فيما رواه عبد الرحمن بن مهدي عن عُبيد الله (٣)، عن نافع، عن أسلم أنَّ عمر أمر أهل الذمة أن يركبوا على الأكف عرضًا وأن يركبوا عرضًا ولا يركبوا كما يركب المسلمون. وذكر عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر أنَّه كان يكتب إلى عماله يأمرهم أن يركب أهل الذمة في شقٍّ شقٍّ (٤). وقال زُهَير بن حرب: حدثنا وَهْب بن جرير قال: زعم أبي قال: نهى عمر بن عبد العزيز أن يَركب السروج من خالف الإسلام (٥). وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن خالد بن [أبي] عثمان الأُمَوي قال: أمر عمر بن عبد العزيز في أهل الذمة أن يُحمَلوا على الأكف وأن تُجَزَّ نواصيهم (٦). وإنَّ السروج من آلات الخيل، وأهل الذمة ممنوعون من ركوبها، فإنَّها عِزٌّ لأهلها وليسوا من أهل العِزِّ، وعلى هذا جميع الفقهاء.

стр. 1037

قال الجويني في «النهاية» (١): اتفق الأصحاب على أنَّا نأمر الكفار بالتميُّز عن المسلمين بالغيار، وتفصيل ذلك إلى رأي الأمام. وقال الأصحاب: يُمنَعون من ركوب الجياد، ويكلَّفون ركوب الحمير والبِغال، إلا النفيسة (٢) التي يُتزيَّن بركوبها فإنَّها في معنى الخيل، وينبغي أن تتميَّز مراكبهم عن المراكب التي يتميَّز بها الأماثل والأعيان من أهل الإيمان. وقيل: ينبغي أن يكون رِكابهم: الغَرْز (٣)، وهو ركاب الخشب، ثم يُضطَرُّون إلى أضيق الطريق، ولا يمكَّنون من ركوب وسط الجَوادِّ إذا كان يطرقها المسلمون. وإن خَلَت عن زحمة الطارقين من المسلمين فلا حرج. ثم تكليفهم التميُّزَ بالغيار واجبٌ حتى لا يختلطوا في زيِّهم وملابسهم بالمسلمين. قال: وما ذكرناه من تمييزهم في الدواب والمراكب مختلَفٌ فيه، فقال قائلون: التميُّز بها حتمٌ كما ذكرناه في الغيار. ومنهم مَن جعل ما عدا الغيار إذنًا (٤)، ثم إذا رأى الإمام ومَن إليه الأمر ذلك فلا مُعترَض عليه، وليس

стр. 1038

يسوغ إلا الاتباع. وهل يجب على المرأة منهم أن تتميَّز بالغيار إذا بَرَزت؟ على وجهين: أحدهما: يجب كالرجل. والثاني: لا يجب، لأن بُرُوز النساء نادرٌ، وذلك لا يقتضي تمييزًا في الغيار. وإذا دخل الكافر حمَّامًا فيه مسلمون، وكان لا يتميَّز عمَّن فيه بغيارٍ وعلامةٍ، فالذي رأيتُه للأصحاب (١) منعُ ذلك، وإيجاب التمييز في هذا المقام أولى، لأن الكافر (٢) ربما يفسد الماء على حكم دينه بحيث لا يشعر به. ودخول الكافرة الحمَّامَ الذي فيه المسلمات من غير (٣) غِيارٍ يُخرَّج على الخلاف الذي ذكرناه. وكان شيخي رحمه الله تعالى (٤) يقول: لا يُمنع أهل الذمة من ركوب جنس (٥) الخيل، فلو ركبوا البراذين التي (٦) لا زينة فيها والبغال على هذه الصفة فلا منع. والحمار الذي تبلغ قيمته مبلغًا إذا ركبه واحدٌ منهم لم أرَ

стр. 1039

للأصحاب فيه منعًا، ولعلَّهم نظروا إلى الجنس، ومن الكلام الشائع: ركوب الحمار ذُلٌّ وركوب الخيل عِزٌّ. انتهى. وقد قال الشافعي (١): ولا يركبوا أصلًا فرسًا، وإنما يركبون البغال والحمير. قال أصحابه: فيُمنع أهل الذمة من ركوب الفرس، لأن في ركوبها الفضيلة العظيمة والعِزَّ، وهي مراكب المجاهدين في سبيل الله الذين يَحمُون حَوزَة الإسلام ويَذُبُّون عن دين الله. قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اِلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اَللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦١]، فجعل رِبَاط الخيل لأجل إرهاب الكفار، فلا يجوز أن يمكَّنوا من ركوبها، لأن فيه إرهابَ المسلمين. وقد قال رسول الله ﷺ : «الخَيلُ معقودٌ في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجرُ والمَغْنَم» (٢). وأهل الجهاد هم أهل الخيل والخير لاستعمالهم الخيل في الجهاد، فهم أحقُّ بركوب ما عُقِد الخيرُ بنواصيها من المراكب. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنَّ الخيل كانت وحشًا في البراري وأوَّلُ مَن أنَّسها وركبها إسماعيل بن إبراهيم (٣)، فهي من مراكب بني إسماعيل، وبها أقاموا دين الحنيفية، وعليها قاتل رسولُ الله ﷺ أعداء الله،

стр. 1040

وعليها فتح الصحابةُ الفتوح ونصروا الإسلام، فما لأعداء الله الذين ضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ ولِركوبها؟! وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تُعِزُّوهم وقد أَذلَّهم الله، ولا تُقرِّبوهم وقد أقصاهم (١). فصل قالوا: (ولا نتقلد السيوف) . يمنع أهل الذمة من تقلُّد السيوف لما بين كونهم أهلَ ذمةٍ وكونهم يتقلَّدون السيوف من التضادِّ، فإنَّ السُّيوف عِزٌّ لأهلها وسلطان، وقد قال رسول الله ﷺ : «بُعِثْتُ بالسيف بين يدي الساعة حتى يُعبَد اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وجُعِل رِزقِي تحت ظِلِّ رُمحي، وجُعِل الذلُّ والصَّغارُ على مَن خَالَف أمري، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم» (٢)، فبالسيف الناصر والكتاب الهادي عَزُّ الإسلامُ وظهر في مشارق الأرض ومغاربها. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسْلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ اُلْكِتَابَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ اَلنَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيد﴾ [الحديد: ٢٤]. وهو قضيب الأدب، وفي صفة رسول الله ﷺ في الكتب المتقدمة: «بيده قضيب الأدب» (٣)، فبعث الله رسوله ليَقهَرَ به أعداءه ومَن خالف أمره، فالسيف من أعظم ما يُعتمَد في الحرب عليه ويُرهَّب به العدو، وبه ينصر

стр. 1041

الدين ويُذِلُّ الله الكافرين، والذِّمِّي ليس من أهل حمله والعِزِّ به. وكذلك يمنع من اتخاذ أنواع السلاح وحملها على اختلاف أجناسها كالقوس والنشَّاب والرُّمح، وما يُتقَّى (١) بأسُه. ولو مُكِّنوا من هذا لأفضى إلى اجتماعهم على قتال المسلمين وحِرابهم. قال أبو القاسم الطبري: ومن جرَت عادته بالركوب منهم مِن دَهاقينهم (٢) ونحوهم، فإنَّه يجوز له الركوب إذا أَذِن له الإمام فيركب البغلة والحمار على إكافٍ من غير لجامٍ ولا حَكَمةٍ ولا سُفْرٍ (٣) ولا مركبٍ محلًّى بذهب [أو] فضةً (٤)، كما سنَّ أمير المؤمنين ﵁ لهم حيث قالوا: (ولا نتشبه بالمسلمين في مراكبهم). فصل قال [علي بن] عبد العزيز (٥): حدثنا القاسم، حدثنا النَّضْر بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن خليفة بن قيس قال: قال عمر:

стр. 1042

اكتب يا يَرْفأُ (١) إلى أهل الأمصار في أهل الكتاب أن تُجَزَّ نواصيهم، وأن يربطوا الكُسْتِيجات (٢) في أوساطهم ليُعرفَ زيُّهم من زيِّ أهل الإسلام. وذكر يحيى بن سعيد، عن عُبيد الله، عن نافع، عن أسلم أنَّ عمر كتب إلى أمراء الأمصار أن يأمروا أهل الذمة أن يُختَم على أعناقهم (٣). وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الشام أن يشُدَّ النصارى مناطقهم ويجُزُّوا نواصيهم (٤). قال أبو القاسم: ويجب على الإمام أن يأمر أهل الذمة بالغيار في دار الإسلام، ويلزمهم أن يُغيِّروا في الملبس والمركب. فأمَّا في الملبس فهو أنَّهم لا يلبسون الفاخر من اللباس الذي يلبسه أشراف الناس وكبارهم من الشُّروب المرتفعة (٥) ولا الخزِّ.

стр. 1043

إنَّ (١) عمر بن عبد العزيز كتب إلى النصارى من أهل الشام أن لا يلبسوا عَصْبًا ولا خزًّا، فمن قدر على أحدٍ منهم فعل من ذلك شيئًا بعد التقدُّم إليه فإنَّ سلبه لمَن وجده (٢). قال: العصب هو البُرد الذي يُصبَغ غَزلُه، وهو اليماني. وقد كان على النبي ﷺ بردٌ نجراني (٣). وقد كان خلع على كعب بن زهير بُردَه عند إسلامه، فباعه من معاوية (٤)، وهو الذي لم يزل الخلفاء يتوارثونه ويُتبرَّك (٥) به. وأمَّا الخزُّ، فإنَّه لباس الأشراف ومَن له عِزٌّ، فمَن لا عِزَّ له في الإسلام يُمنَع (٦) من الثياب المرتفعة اقتداءً بالخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز. فصل وأمَّا لون ما يلبسون من الغيار، فإنَّهم يلبسون الرَّمادي الأَدْكن (٧). وهذا

стр. 1044

غيار الطوائف كلِّها. والنصارى يختصُّون بالزنانير (١) لقولهم في الكتاب: (ونَشُدُّ الزنانير على أوساطنا)، وهو المِنطقة المذكورة في اللفظ الآخر، فإنَّ الزنانير مناطق النصارى. ولا يكفي شدُّها تحت ثيابهم بل لا تكون إلا ظاهرةً باديةً فوق الثياب. قال الشافعي (٢): ويكفيهم أن يغيروا ثوبًا واحدًا من جملة ما يلبسون. وقال الشيخ أبو إسحاق المروزي (٣): إذا دخلوا الحمَّام علَّقوا في رقابهم الأجراس ليُعرَف أنَّهم من أهل الذمة. قال أبو القاسم: فأمَّا الأصفر من اللون فإنَّهم يُمنَعون من لباسه، لأن (٤) رسول الله ﷺ كان يلبسه (٥) وكذلك الخلفاء بعدَه عثمانُ وغيره (٦). وكان زيَّ الأنصار، وبه كانوا يشهدون المجالس والمحافل، وهو زيُّهم إلى اليوم إذا دخلوا على الخلفاء. فلا يتشبَّهوا برسول الله ﷺ وخلفائه وصحابته،

стр. 1045

فيُمنعون من لبسه ولا يمكَّنون. قلت: هذا موضع يحتاج إلى بيان وتفصيل، وهو أنَّ لباس أهل الذمة الذي يتميَّزون به عن المسلمين نوعان: نوع مُنعوا منه لشرفه وعلوه، فهذا لا يختلف باختلاف العوائد. ونوع منعوا منه ليتميزوا به عن المسلمين، فإذا هجره المسلمون وصار من شعار الكفار لم يُمنَعوا منه. فمن ذلك لباس الأصفر والأزرق لمَّا صار من شعارهم فوق الرؤوس والمسلمون لا يلبسونه= لم يمنع منه أهل الذمة. فإنَّ المقصود بالغيار ما يميِّزهم به عن المسلمين بحيث يُعرَفون أنَّهم من أهل الذِّمَّة والذِّلَّة. وقد تقدَّم (١) حديث خالد بن عُرفُطة قال: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى الأمصار أن تُجَزَّ نواصيهم ــ يعني النصارى ــ ولا يَلبَسوا لبسة المسلمين حتى يُعرَفوا. فصل قال أبو القاسم الطبري: وأمَّا المرأة إذا خرجت فيكون أحد خُفَّيْها أحمر حتى يُعرَف بأنَّها ذِمِّيَّةٌ. وقد روى هشام بن الغاز عن مكحول وسليمان بن موسى أنَّ عمر كتب إلى أهل الشام: امنعوا نساءهم أن يدخلن مع نسائكم الحمَّامات (٢).

стр. 1046

وقال أحمد بن حنبل: أكره أن يطَّلع أهلُ الذمة على عورات المسلمين (١). قال أبو القاسم: وهذا صحيح، إنَّ نساء أهل الذمة لَسْنَ بثقاتٍ على شيء من أمور المسلمين، فلا يُؤمَن الفساد. وقد نهى رسول الله ﷺ أن تباشر [المرأة] المرأة فتَنعَتَها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها (٢). يعني: فيفضي ذلك إلى وصف الذمِّيَّة المسلمةَ لزوجها الذميِّ حتى كأنَّه يشاهدها، فكره أحمد لهذا المعنى. قال: وقد رُوِي كراهتُه عن عبد الله بن بُسْر (٣)، وهو من أعلى (٤)

стр. 1047

التابعين من أهل الشام. ثم ساق من طريق عيسى بن يونس، عن أبي إسحاق، عن هشام بن الغاز: أن عبد الله بن بُسْر كَرِه أن تَقْبَل النصرانيةُ وأن تَرى عورتها (١). قلت: أحمد احتجَّ بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى أن قال: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، فخصَّ نساء المسلمات بجواز إبداء الزينة لهن دون الكوافر (٢). ثم ذكر أحمد هذا الأثر، فعنده في إحدى الروايتين أنَّ المسلمة مع الكافرة كالأجنبي (٣) الذي ينظر إلى [ما] تدعو إليه الحاجة، والله أعلم. فصل قالوا: (ولا نتكلم بكلامهم) . هذا الشرط في أهل الكتاب الذين لغتهم غير لغة [العرب]، كنصارى الشام والجزيرة إذ ذاك وغيرهما من البلاد، دون نصارى العرب الذين لم تكن لغتهم غير العربية.

стр. 1048

فمنَعهم عمرُ من التكلُّم بكلام العرب لئلَّا يتشبَّهوا بهم في كلامهم كما مُنِعوا من التشبُّه بهم في زيِّهم ولباسهم ومراكبهم وهيئات شعورهم، فألزمهم التكلُّم بلسانهم ليُعرَفوا حين التكلُّم أنَّهم كفارٌ. فيكون هذا من كمال التميُّز، مع ما في ذلك من تعظيم كلام العرب ولغتهم، حيث لم يسلَّط عليها الأنجاس والأخابث يبتذلونها ويتكلَّمون بها، كيف وقد أنزل الله بها أشرف كتبه، ومدحه بلسان عربي؟! وقد روي عن النبي ﷺ أنَّ لسان أهل الجنة عربي (١). فصان أمير المؤمنين هذا اللسانَ عن أهل الجحيم وغار عليه أن يتكلَّموا به. وهذا من كمال تعظيمه للإسلام والقرآن والعرب الذين (٢) نزل القرآن بلغتهم، وبعث الله رسوله من أنفسهم.

стр. 1049

مع ما في تمكينهم من التكلُّم بها من المفاسد التي منها جَدَلُهم (١) فيها واستطالتهم على المسلمين، كما سبق [أنْ] وقع لابن المقفَّع (٢) لمَّا حذق في العربية وكان مجوسيًّا، فطفق يَغْمِص الإسلامَ وأهله، ثم لما خاف المسلمين (٣) أظهر الإسلام. [و] كالصابئ الكاتب (٤) الذي علا المسلمين في كتابته وترسُّله، ثم هجا العرب في قصيدة له مشهورة ومَدَح عبَّاد الكواكب من الصابئة والمجوس. ونظائرهما كثيرٌ، فلو لم يكن في تعلُّم الكفار العربيةَ إلا هذه المفسدة وحدَها لكان ينبغي أن يُمنَعوا منها لأجلها. فصل قالوا: (ولا ننقش خواتيمنا بالعربية) . وهذا يحتمل أمورًا: أحدها: أن يريد منعهم السبيل إلى الكتابة بالعربية بحالٍ حتى في نقش الخواتيم، فلا يستعلون (٥) على المسلمين.

стр. 1050

وثالثها (١): أنَّهم ربما توسلوا بذلك إلى مفاسدَ يعود ضررُها على المسلمين. ورابعها: أنَّ في ذلك تشبُّهًا بالمسلمين في نقش خواتيمهم. وقد روى أبو داود (٢) وغيره أنَّ النبي ﷺ نهى أن ينقش الرجل على خاتمه عربيًّا. وحُمل هذا النهي على نقش [مثل نقشه] (٣)، يعني: وهو الذي نُقش على خاتم النبي ﷺ ، وهو: «محمد رسول الله»؛ نهى أن ينقش أحدٌ مثل ذلك على خاتمه لما في الاشتراك في ذلك النقش من المفسدة. ويدلُّ عليه الحديث الآخر أنَّ رسول الله ﷺ اتخذ خاتمًا من فضةٍ ونقش عليه «محمد رسول الله»، ونهى أن ينقش أحدٌ مثل نقشه (٤)، فلعلَّ الراوي

стр. 1051

وَهِم في الحديث وقال: نهى أن ينقش عربيًّا (١). وقد يقال: إنَّ ذلك من باب سدِّ الذَّرِيعة، حتى يُصَان ذلك النقش عن المُحاكاة، فنهى عن النقش بالعربية مطلقًا، ولهذا نظائر في الشريعة لمَن تأمَّلها. فصل قالوا: (ولا نتكنَّى بكناهم) . وهذا لأنَّ الكُنْيَة وُضِعت تعظيمًا وتكريمًا للمَكْنِيِّ بها كما قال (٢): أَكْنيه حين أُناديه لأكرمه ... ولا ألقِّبُه والسَّوأةَ اللَّقَبا وأيضًا ففي تكنِّيهم بكُنى المسلمين اشتباهٌ بالكنية، والمقصود التمييز حتى في الهيئة والمركب واللباس. فإن قيل: فما تقولون في جواز تسمِّيهم بأسماء المسلمين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله وعبد الرحمن وما أشبهها؟ قيل: هذا موضع فيه تفصيلٌ، فنقول: الأسماء ثلاثة أقسام: قسمٌ يختص المسلمين، قسمٌ يختص الكفار، قسمٌ مشتركٌ. فالأول: كمحمد وأحمد وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة

стр. 1052

والزبير، فهذا النوع لا يمكَّنون من التسمِّي به، والمنع منه أولى من المنع من التكنِّي بكُنى (١) المسلمين، فصيانة هذه الأسماء عن أخابث خلق الله أمرٌ جسيمٌ. والثاني: كجِرجِس وبُطرُس ويُوحَنَّا ومَتَّى ونحوها، فلا يُمنَعون منه ولا يجوز للمسلمين أن يتسمَّوا بذلك، لِما فيه من المشابهة فيما يختصون به. والنوع الثالث: كيحيى وعيسى وأيوب وداود وسليمان وزيد وعمرو (٢) وعبد الله وعطية وموهوب وسلام ونحوها، فهذا لا يمنع منه أهل الذمة ولا المسلمون. فإن قيل: فكيف تمنعونهم من التسمِّي بأسماء المسلمين وتمكِّنونهم من التسمية بأسماء الأنبياء كيحيى وعيسى وداود وسليمان وإبراهيم ويوسف ويعقوب؟ قيل: لأنَّ هذه الأسماء قد كثر اشتراكها بين المسلمين والكفار بخلاف أسماء الصحابة واسم نبيِّنا ﷺ فإنَّها مختصَّة، فلا يمكَّن أهل الذمة من التسمِّي بها. وقد قال الخلال في «الجامع» (٣): بابٌ في أهل الذمة يكنون. أخبرني حربٌ قال: قلت لأحمد: أهل الذمة يكنون؟ قال: نعم لا بأس، وذكر أنَّ عمر بن الخطاب قد كنى.

стр. 1053

أخبرني محمد بن أبي هارون أن إسحاق بن إبراهيم حدَّثهم قال: رأيت أبا عبد الله كنى نصرانيًّا طبيبًا، قال: يا أبا إسحاق. ثم أخرج إليَّ فيه بابًا. أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم، حدثنا إسحاق (١) بن منصور (٢) أنَّه قال لأبي عبد الله: يُكرَه أن يُكْنى المشرك (٣)؟ فقال: أليس النبي ﷺ حين دخل على (٤) سعد بن عبادة قال: «ما ترى ما يقول أبو الحُبَاب (٥)؟» (٦). أخبرني محمد بن أبي هارون أنَّ أبا الحارث حدَّثهم قال: سألت أبا عبد الله: أيكنى الذمي؟ قال: نعم، قد روي أنَّ النبي ﷺ قال لأُسقُف نجران: «أَسلِم يا أبا الحارث» (٧). أخبرني أحمد بن محمد بن مطر، وزكريا بن يحيى، قالا: حدثنا أبو طالب أنَّه سأل أبا عبد الله: يَكْني الرجلُ أهل الذمة؟ قال: قد كَنَى النبي ﷺ أسقف نجران، وعمر ﵁ قال: يا أبا حسان؛ إن كنى أرجو أنه لا بأس به.

стр. 1054

أخبرني محمد (١) بن علي، حدثنا مُهَنَّا قال: سألت أحمد: هل يصلح تكنِّي (٢) اليهودي والنصراني؟ فحدثني أحمد، عن ابن عيينة، عن أيوب، عن يحيى بن أبي كثير أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ قال لنصراني: أسلم يا أبا حسان، أَسلِم تَسْلَم (٣). قلت: ومدار هذا الباب وغيره ممَّا تقدَّم على المصلحة الراجحة، فإن كان في كنيته، [و] تمكينه من اللباس وترك الغيار، والسلام عليه أيضًا، ونحوِ ذلك تأليفًا (٤) له، ورجاءَ إسلامه وإسلام غيره= كان فعله أولى، كما يُعطِيه من مال الله لتألُّفه على الإسلام، فتألُّفه بذلك أولى. وقد ذكر وكيعٌ عن ابن عباس أنَّه كتب إلى رجل من أهل الكتاب: سلامٌ عليك (٥). ومَن تأمَّل سيرة النبي ﷺ وأصحابه في تأليفهم الناسَ على الإسلام بكلِّ

стр. 1055

طريقٍ تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلم أنَّ كثيرًا من هذه الأحكام التي ذكرناها من الغيار وغيره تختلف باختلاف الزمان والمكان والعجز والقدرة والمصلحة والمفسدة. ولهذا لم يغيِّرهم النبي ﷺ ولا أبو بكر ﵁، وغيَّرهم عمر ﵁. والنبي ﷺ قال لأسقف نجران: «أَسلِم يا أبا الحارث» تأليفًا له واستدعاءً لإسلامه، لا تعظيمًا له وتوقيرًا. فصل وأمَّا أن يخاطب بسيدنا ومولانا ونحوِ ذلك فحرامٌ قطعًا. وفي الحديث المرفوع: «لا تقولوا للمنافق سيِّدنا، فإن يكنْ سيِّدَكم فقد أَغضَبتُم ربَّكم» (١). وأمَّا تلقيبهم بمُعِزِّ الدَّولة وعَضُد الدَّولة ونحو ذلك فلا يجوز، [كما أنَّه لا يجوز] (٢) أن يُسمَّى سديدًا ولا رشيدًا ولا مؤيَّدًا ولا صالحًا ونحو ذلك. ومن تَسمَّى بشيء من هذه الأسماء لم يَجُز للمسلم أن يدعوه به، بل إن
следующие страницы →