← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وإن يبعُد سماع الشعبي من عليٍّ فيكون الحديث مرسلًا. والشعبي عندهم صحيح المراسيل لا يعرفون له إلا مرسلًا صحيحًا (١)، وهو من أعلم الناس بحديث عليٍّ وأعلمهم بثقات أصحابه. وله شاهدٌ من حديث ابن عباس ﵄، وهو: الدليل الثاني: قال الإمام أحمد (٢): حدثنا رَوحٌ، حدثنا عثمان الشحَّام، حدثنا عكرمة مولى ابن عباس أن رجلًا كانت له أم ولدٍ تشتم النبي ﷺ فقتلها، فسأله النبي ﷺ عنها، فقال: يا رسول الله، إنَّها كانت تشتمك، فقال رسول الله ﷺ : «ألا إنَّ دم فلانة هدرٌ». رواه أبو داود والنسائي (٣) من حديث إسماعيل بن جعفرٍ، عن إسرائيل، عن عثمان الشحَّام، عن عكرمة، عن ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولدٍ تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، فلما كان ذات ليلةٍ جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المِغْوَل فوضعه في بطنها واتَّكأ عليها فقتلها، فلما أصبح ذُكِر ذلك للنبي ﷺ ، فجمع الناس فقال:

стр. 1122

«أنشد الله رجلًا فعل [ما فعل]، لي عليه حقٌّ إلا قام»، فقام الأعمى يتخطَّى الناس وهو يتدَلْدَل حتى قعد بين يدي النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك، فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين وكانت بي رفيقةً، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأتُ عليها حتى قتلتها، فقال النبي ﷺ : «ألا اشهدوا أنَّ دمها هدرٌ». و «المغول» بالغين المعجمة، قال الخطابي (١): هو شبيه المِشْمَل ونصله دقيقٌ ماضٍ. وكذلك قال غيره (٢): هو سيفٌ دقيقٌ يكون غِمْده كالسوط. والمِشْمَل: السيف القصير، سمي بذلك لأنه يشتمل عليه الرجل، أي: يغطيه بثوبه. واشتقاق المغول مِن: غاله الشيءُ واغتاله، إذا أخذه من حيث لا يدري. قال شيخنا (٣): فهذه القصة يمكن أن تكون هي الأولى، وعليه يدل كلام الإمام أحمد؛ لأنه قيل له في رواية ابنه عبد الله (٤): في قتل الذمي إذا سبَّ أحاديث؟ قال: نعم، منها حديث الأعمى الذي قتل المرأة قال: سمعتها تشتم النبي ﷺ . ثم روى عنه عبد الله كلا الحديثين. وعلى هذا فيكون قد خنقها وبعج بطنها، أو تكون كيفية القتل غير محفوظة في إحدى الروايتين.

стр. 1123

ويؤيِّد ذلك: أن وقوع قصتين مثل هذه لأعميين، كلٌّ منهما كانت المرأة تحسن إليه وتكرر الشتم، وكلاهما قتلها وحده، وكلاهما نشد رسول الله ﷺ فيها الناس= بعيدٌ في العادة. وعلى هذا التقدير فالمقتولة (١) يهوديةٌ كما جاء مفسرًا في تلك الرواية. ويمكن أن تكونا قصتين كما يدل عليه ظاهر الحديثين. فإن قيل: يجوز أن تكون هذه المرأة من أهل الحرب ليست من أهل الذمة، وحينئذ لا يدل على قتل الذمي المعاهَد وانتقاض عهده بالسب. قيل: هذا ظنَّه بعضُ الناس الذين ليس لهم بالسنة كثير علمٍ. وهو غلطٌ لأن هذه المرأة كانت من اليهود، وكانت (٢) موادِعةً مهادِنةً، لأن (٣) النبي ﷺ لما قدم المدينة وادع جميع اليهود الذين كانوا بها موادعةً مطلقةً، ولم يضرب عليهم جزيةً، وهذا مشهورٌ عند [أهل] العلم بمنزلة التواتر بينهم. قال الشافعي رحمه الله تعالى (٤): لم أعلم مخالفًا من أهل العلم بالسير أن رسول الله ﷺ لمَّا نزل المدينة وادع يهود كافةً على غير جزيةٍ. وهو كما قال الشافعي رحمه الله تعالى، وذلك أن المدينة كان فيما حولها ثلاثة أصنافٍ من اليهود: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة. وكان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج، وكانت قريظة حلفاء الأوس. فلما قدم النبي ﷺ

стр. 1124

هادنهم ووادعهم، مع إقراره لهم ولمن كان حول المدينة من المشركين من حلفاء الأنصار على حلفهم وعهدهم الذي كانوا عليه، حتى إنه عاهد اليهود أن يعينوه إذا حارب. ثم نقض العهد بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة. قال محمد بن إسحاق (١): وكتب رسول الله ﷺ ــ يعني في أول ما قدم المدينة ــ كتابًا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود وعاهدهم وأقرَّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم. قال ابن إسحاق (٢): حدثني عثمان بن محمد بن الأخنس بن شريقٍ قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب هذا الكتاب، كان مقرونًا (٣) بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال، كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمَّدٍ النبي ﷺ بين المسلمين والمؤمنين مِن قريشٍ ويثربَ ومَن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم: أنهم أمةٌ واحدةٌ دون الناس، المهاجرون من قريشٍ على رِبْعَتهم (٤) يتعاقلون بينهم مَعاقِلَهم (٥) الأولى، يفدون عانِيَهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوفٍ على رِبْعَتهم يتعاقلون معاقلهم (٦) الأولى،

стр. 1125

وكل طائفةٍ تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين»، ثم ذكر لبطون الأنصار: بني حارثٍ، وبني ساعدة، وبني جشم، وبني النجار، وبني عمرو بن عوفٍ، وبني النَّبِيت (١) مثل هذا الشرط. ثم قال: «وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا (٢) منهم أن يعطوه بالمعروف في فداءٍ أو عقلٍ، ولا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمنٍ دونه ... » إلى أن قال: «وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، فإن المؤمنين بعضهم مولى بعضٍ دون الناس، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصرَ والأسوةَ غير مظلومين ولا متناصرٍ عليهم، وإن سِلْم المؤمنين واحدةٌ ... » إلى أن قال: «وإن اليهود متفقون مع المؤمنين ما داموا محارَبين، وإن ليهود بني عوفٍ ذمةً من المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوقِعُ (٣) إلا نفسه وأهل بيته. وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن ليهود بني جُشَم مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن ليهود الأوس مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوفٍ، إلا من ظلم وأثم فإنه لا

стр. 1126

يوقع إلا نفسه وأهل بيته. وإن لِجَفْنَةَ (١) ــ بطنٌ من بني ثعلبة ــ مثله، وإن لبني الشَّطْبة (٢) مثل ما ليهود بني عوفٍ، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم». ثم يقول فيها: «وإن الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثمٍ، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَثٍ واشتجارٍ (٣) يخشى فساده، فإن مردَّه إلى الله وإلى محمد ﷺ . وإن يهود الأوس ومواليهم وأنفسهم على مثل ما في هذه الصحيفة». [وفيها أشياء أُخر. هذه الصحيفة] (٤) معروفةٌ عند أهل العلم. روى مسلم في «صحيحه» (٥) عن جابر ﵁ قال: كتب رسول الله ﷺ على كل بطنٍ عُقُوله، ثم كتب: «أنه لا يحلُّ أن يُتَولَّى مولى رجلٍ مسلمٍ بغير إذنه». فقد بيَّن فيها أن كلَّ من تبع المسلمين من اليهود (٦) فإن له النصر. ومعنى الاتِّباع مسالمته وترك محاربته، لا الاتِّباع في الدين كما بيَّنه في أثناء

стр. 1127

الصحيفة، فكل من أقام بالمدينة ومَخاليفِها (١) غيرَ محاربٍ من يهود دخل في هذا. ثم بيَّن أن ليهود كل بطنٍ من الأنصار ذمةً من المؤمنين، ولم يكن بالمدينة أحدٌ من اليهود إلا وله حلفٌ، إما مع الأوس أو مع بعض بطون الخزرج، وكان بنو قينقاع ــ وهم المجاورون للمدينة، وهم رهط عبد الله بن سلامٍ ــ حلفاءَ بني عوف بن الخزرج رهطِ ابنِ أُبيٍّ، وهم (٢) البطن الذي بدئ بهم في هذه الصحيفة. قال ابن إسحاق (٣): حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن بني قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ ، وخانوا (٤) فيما بين بدرٍ وأحدٍ، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام عبدُ الله بن أُبَيٍّ [ابنُ] سَلولَ إلى رسول الله ﷺ ــ حين أمكنه الله منهم ــ فقال: يا محمد، أحسن في مواليَّ، فأعرَضَ عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «أرسلني»، وغضب حتى إنَّ لوجه رسول الله ﷺ ظِلالًا (٥)

стр. 1128

وقال: «ويحك أرسلني»، فقال: واللهِ لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسرٍ وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأسود والأحمر؛ تحصدهم في غداة واحدة؟! إني والله أخشى الدوائر، فقال رسول الله ﷺ : «هم لك». وأما النضير وقريظة فكانوا خارجًا من المدينة، وعهدهم مع رسول الله ﷺ أشهر من أن يخفى على عالمٍ. وهذه المرأة المقتولة ــ والله [أعلم] ــ كانت من بني قينقاع، لأن ظاهر القصة أنها كانت بالمدينة. وسواءٌ كانت منهم أو من غيرهم، فإنها كانت ذميةً لأنه لم يكن بالمدينة من اليهود إلا ذِميٌّ، فإن اليهود كانوا ثلاثة أصنافٍ وكلهم معاهدٌ. وقال الواقدي (١): حدثني عبد الله بن جعفر، عن الحارث بن الفُضَيل، عن محمد بن كعب القرظي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وادعَتْه يهود كلها، فكتب بينه وبينها كتابًا، وألحق رسول الله ﷺ كل قوم بحلفائهم، وجعل بينه وبينهم أمانًا، وشرط عليهم شروطًا، فكان فيما شرط: أن لا يظاهروا عليه عدوًّا. فلمَّا أصاب رسولُ الله ﷺ أصحابَ بدر وقدم المدينة بغَتْ يهود، وقطعَت ما كان بينها وبين رسول الله ﷺ من العهد، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ فجمعهم ثم قال: «يا معشر يهود، أَسلِموا، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله، قبلَ أن يُوقِع الله بكم مثلَ وقعة قريش»، فقالوا: يا محمد، لا يغُرَّنَّك مَن لقيتَ، إنَّك لقيت أقوامًا أغمارًا، وإنَّا واللهِ أصحاب الحرب، وإن قاتلتنا لتعلمَنَّ أنَّك لم تُقاتِل مِثلَنا. ثم ذكر حِصارهم وإجلاءهم

стр. 1129

إلى أذرعاتٍ، وهم بنو قينقاع الذين كانوا بالمدينة. فقد ذكر ابن كعب مثل ما في هذه الصحيفة، وبيَّن أنَّه عاهد جميع اليهود. وهذا ممَّا لا يُعلَم فيه نزاعٌ بين أهل العلم بسيرة النبي ﷺ . ومن تأمل الأحاديث المأثورة والسيرة كيف كانت معهم علم ذلك ضرورةً. ومما يوضح ذلك: أن النبي ﷺ لما ذُكر له (١) أنها قُتلت نشد الناس في أمرها، فلمَّا ذكر له ذنبها أبطل دمها. وهو ﷺ إذا حكم بأمرٍ عقيب حكاية حالٍ حُكيت له دلَّ ذلك على أن ذلك المحكيَّ هو الموجِب لذلك الحكم، لأنه حكمٌ حادثٌ فلا بد له من سبب حادثٍ، ولا سبب إلا ما حُكي وهو مناسبٌ فيجب الإضافة إليه. وأيضًا: فلما نشد النبي ﷺ الناس في أمرها ثم أبطل دمها دلَّ على أنها كانت معصومةً، وأنَّ دمها كان قد انعقد سببُ ضمانه، وكان مضمونًا لو لم يبطله النبي ﷺ ، لأنها [لو] (٢) كانت حربيةً لم ينشد الناس فيها ولم يحتَجْ أن يُبطِل دمَها ويُهدره، لأن الإبطال والإهدار لا يكون إلا لدمٍ قد انعقد له سبب الضمان. ولهذا لما رأى امرأةً مقتولةً في بعض مغازيه أنكر قتلها ونهى عن قتل النساء (٣)، ولم يبطله ولم يهدره، فإنه إذا كان في نفسه باطلًا هدرًا، والمسلمون يعلمون أن دم الحربية غير مضمونٍ، بل هو هدرٌ= لم يكن لإبطاله وإهداره وجهٌ. وهذا ــ ولله الحمد ــ ظاهرٌ.

стр. 1130

فإذا كان ﷺ قد عاهد اليهود عهدًا بغير ضرب جزيةٍ عليهم، ثم إنه أهدر دم يهوديةٍ منهم لأجل سبِّه، فأن يُهدَر دمُ يهوديةٍ من اليهود الذين ضُربت عليهم الجزية والتزموا أحكام الملة، لأجل السب= أولى وأحرى. ولو لم يكن قتلُها جائزًا لبيَّن لقاتلها قبح ما فعل، فإنه ﷺ لا يقرُّ على باطلٍ، كيف وقد قال ﷺ : «إن من قتل نفسًا معاهدةً بغير حقِّها لم يَرَحْ رائحة الجنة» (١)، ولأوجب ضمانها وكفارة قتل المعصوم؛ فلما أهدر دمها عُلم أنه كان مباحًا. وقد وهم الخطابي (٢) في أمر هذه المقتولة فقال: «فيه بيانُ أن ساب النبي ﷺ يقتل، وذلك أن السب منها لرسول الله ﷺ ارتدادٌ عن الدين»، فاعتقد أنها مسلمةٌ، وليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل الظاهر أنها كانت كافرةً كما صرح به في الحديث. ولو كانت مرتدةً منتقلةً إلى غير دين الإسلام لم يُقِرَّ [ها] سيدُها على ذلك أيامًا طويلةً، ولم يكتفِ بمجرد نهيها عن السب، بل كان [يطلب] (٣) منها العودَ إلى الإسلام، والرجل لم يقل: كفرَتْ ولا ارتدَّتْ، وإنما ذكر مجرَّد السب والشتم، فدلَّ على أنها لم يصدر منها زائدٌ عليه.

стр. 1131

فصل الدليل الثالث: ما احتجَّ به الشافعي على أن الذميَّ إذا سبَّ قُتِل وبرئت منه الذمة، وهو قصة كعب بن الأشرف. قال الخطابي (١): قال الشافعي: يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ وتبرأ منه الذمة. واحتج في ذلك بخبر كعب بن الأشرف. قال الشافعي في «الأم» (٢): «لم يكن بحضرة النبي ﷺ ولا قربه رجل من أهل الكتاب إلا يهود المدينة، وكانوا حلفاء الأنصار، ولم يكن الأنصار أجمعت أوَّلَ ما قدم رسول الله ﷺ إسلامًا، فوادعت اليهودُ رسول الله ﷺ ولم تخرج إلى شيء من عداوته بقول يظهر ولا فعلٍ، حتى كانت وقعة بدرٍ، فتكلَّم بعضُهم بعداوته والتحريض عليه، فقتل رسول الله ﷺ فيهم». ومعلومٌ أنه إنما أراد بهذا الكلام كعبَ بن الأشرف، وقصته مشهورةٌ مستفيضةٌ. وقد رواها عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : «من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله؟»، فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا يا رسول الله، أتحب أن أقتله؟ قال: «نعم». قال: فائذن لي أن أقول شيئًا، قال: «قل»، فأتاه وذكَّره ما بينهم، قال: إن هذا الرجل قد أراد الصدقة وعنَّانا، فلما سمعه قال: وأيضًا والله لتملُّنَّه، قال: إنَّا قد اتبعناه الآن، ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيءٍ يصير أمرُه. قال: وقد أردت أن

стр. 1132

تسلفني سلفًا، قال: فما ترهنني؟ نساءكم (١)؟ قال: أنت أجمل العرب، نرهنك نساءنا؟! قال: ترهنوني (٢) أولادكم؟ قال: يُسَبُّ ابنُ أحدنا فيقال: رُهِنتَ في وَسقَين من تمرٍ! ولكن نرهنك اللَّأمة ــ يعني السلاح ــ، قال: نعم. وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عَبْس بن جَبْرٍ (٣) وعبَّاد بن بِشرٍ، فجاؤوا فدعوه ليلًا فنزل إليهم ــ قال سفيان: قال غير عمرو (٤): قالت له امرأته: إني لأسمع صوتًا كأنَّه صوتُ دمٍ، قال: إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة، إن الكريم لو دُعِي إلى طعنةٍ ليلًا لأجاب ــ فقال محمد: إني إذا جاء سوف أمدُّ يدي إلى رأسه، فإذا استمكنتُ [منه] فدونكم، فنزل وهو متوشِّحٌ، فقالوا (٥): نجد منك ريح الطيب؟ قال: نعم، تحتي فلانة أعطر نساء العرب. قال: أفتأذن لي أن أَشَمَّ منه؟ قال: نعم، فشمَّ ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم، فقتلوه. متفق عليه (٦). وروى ابن أبي أويسٍ، عن إبراهيم بن جعفر بن محمود بن محمد بن مسلمة، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله أنَّ كعب بن الأشرف عاهد رسول الله

стр. 1133

- ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله، ولحق بمكة ثم قدم المدينة معلنًا بمعاداة رسول الله ﷺ ، فكان أولُ ما خَزَع عنه قولَه: أذاهبٌ أنت لم تَحْلُلْ (١) بمرقبةٍ ... وتاركٌ أنت أم الفضل بالحرم في أبياتٍ يهجوه فيها، فعند ذلك ندب رسول الله ﷺ إلى قتله. وهذا محفوظٌ عن ابن أبي أويسٍ، رواه الخطابي (٢) وغيره. وقال: قوله: «خزع» معناه قطع عهده. وفي رواية غيره (٣): فخزع منه هجاؤه له فأمر بقتله. والخَزْع: القطع، يقال: خَزَع فلانٌ عن أصحابه يخزَع خزعًا؛ أي: انقطع وتخلَّف، ومنه سميت «خُزاعة»، لأنهم انخزعوا عن أصحابهم وأقاموا بمكة. فعلى اللفظ الأول التقدير: وهذا أولُ خَزْعِه عن النبي ﷺ ؛ أي: أول انقطاعه عنه بنقض العهد. وعلى الثاني قيل (٤): المعنى: قطع هجاؤُه للنبي ﷺ منه ــ أي: نقض ــ عهدَه وذمَّته. وقيل (٥): معناه: خَزَع من النبي ﷺ هجاؤه: أي: نال منه وشعَّث منه.

стр. 1134

وقد ذكر أهل المغازي والتفسير مثلُ محمد بن إسحاق (١): أن كعب بن الأشرف كان موادعًا للنبي ﷺ في جملة من وادعه من يهود المدينة، وكان عربيًّا من بني طيِّئ، وكانت أمه من بني النضير. قالوا: فلمَّا قتل أهل بدر شقَّ ذلك عليه، وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش، وفضَّل دين الجاهلية على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَاَلطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ اَهْدَى مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥٠) أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اِللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٠ - ٥١]. ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار [يهجو بها النبي ﷺ ] (٢) ويشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم، حتى قال النبي ﷺ : «من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله»، وذكروا قصة قتله مبسوطةً. وقال الواقدي (٣): حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان ومعمر، عن الزهري، عن [ابن] كعب بن مالك؛ وإبراهيم بن جعفر، عن أبيه، عن جابرٍ ... وذكر القصة، قال: ففزعت يهود ومن معها من المشركين، فجاؤوا إلى النبي ﷺ حين أصبحوا فقالوا: قد طُرِق صاحبُنا الليلة وهو سيِّدٌ من ساداتنا، [قُتِل غِيلةً] بلا جرم ولا حدث علمناه، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّه

стр. 1135

لو قرَّ كما قرَّ غيرُه ممَّن هو على مثل رأيه ما اغْتِيل، ولكنَّه نال (١) منَّا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحدٌ منكم إلا كان السيفُ». ودعاهم رسول الله ﷺ إلى أن يكتب بينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتبوا بينه وبينهم كتابًا تحت العذق (٢) في دار رَمْلة بنت الحارث، فحَذِرَتْ يهود وخافت وذلَّت من يوم قُتِل ابن الأشرف. فإن قيل: لا نُسلِّم أنَّ كعبًا كان من أهل العهد بل كان حربيًّا، وعلى تقدير كونه من أهل العهد فإنه لم يبح دمه بالسبِّ بل بلحوقه بدار الحرب، فإنه لحق بمكة وهي دار حربٍ إذ ذاك، فهذا الذي أباح دمه. وقد قال الإمام أحمد (٣): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريشٌ: ألا ترى إلى هذا الصُّنْبُر (٤) المُنْبَتِر من (٥) قومه، يزعم أنه خيرٌ منا ونحن أهل

стр. 1136

الحجيج وأهل السدانة وأهل السقاية، قال: أنتم خيرٌ. قال: فنزل فيهم: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ اَلْأَبْتَرُ﴾، قال: وأنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَاَلطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ اَهْدَى مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١]. وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق (١) قال: قال معمرٌ: أخبرني أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن كعب بن الأشرف انطلق إلى المشركين من كفار قريشٍ فاستجاشهم على النبي ﷺ ، وأمرهم أن يغزوه، وقال لهم: أنا معكم، فقالوا: إنكم أهل كتابٍ وهو صاحب كتابٍ، ولا نأمن أن يكون مكرًا منكم، فإن أردتَ أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمِن بهما، ففعل. ثم قالوا له: نحن أهدى أم محمد؟ نحن نصل الرحم، ونقري الضيف، ونطوف بالبيت، وننحر الكُوم، ونسقي اللبن على الماء؛ ومحمدٌ قطع رحمه وخرج من بلده. فقال: بل أنتم خيرٌ وأهدى، قال: فنزلت فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَاَلطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ اَهْدَى مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]. وقال: حدثنا عبد العزيز (٢)، حدثنا إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك قال: إن أهل مكة قالوا لكعب بن الأشرف لما قدم عليهم: ديننا خيرٌ أم دين محمد؟ قالوا: اعرضوا عليَّ دينكم، قالوا: نَعْمُر بيت ربنا، وننحر الكَوماء،

стр. 1137

ونسقي الحاج الماء، ونصل الرحم، ونقري الضيف. قال: دينكم خيرٌ من دين محمد، فأنزل الله هذه الآية (١). قال موسى بن عقبة عن الزهري (٢): كان كعب بن الأشرف اليهودي ــ وهو أحد بني النضير أو هو فيهم ــ قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وركب إلى قريشٍ فقدم عليهم، فاستعان بهم على رسول الله ﷺ ، فقال أبو سفيان: أناشدك الله، أديننا أحبُّ إلى الله أم دين محمد وأصحابه؟ وأيُّنا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق؟ فإنَّا نطعم الجزور الكوماء، ونسقي اللبن على الماء، ونطعم ما هبَّت الشَّمأل. قال ابن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلًا، ثم خرج مقبلًا حين أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ ، معلنًا (٣) بعداوة رسول الله ﷺ وهجائه. فقال رسول الله ﷺ : «من لنا من ابن الأشرف؟ قد استعلن بعداوتنا وهجائنا، وقد خرج إلى قريشٍ فجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبثِ ما كان، ينظر قريشًا أن تَقْدَم فيقاتلنا معهم»، ثم قرأ رسول الله ﷺ على المسلمين ما أُنزل فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] وآياتٍ معها فيه وفي قريشٍ.

стр. 1138

وذُكِر لنا أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم اكفني (١) ابن الأشرف بما شئت»، فقال له محمد بن مسلمة: أنا يا رسول الله أقتله ــ وذكر القصة في قتله. قال: فقتل اللهُ ابنَ الأشرف بعداوته لله ورسوله، وهجائه إياه، وتأليبه عليه قريشًا، وإعلانه بذلك. قال ابن إسحاق (٢): كان من حديث كعب بن الأشرف: أنه لمَّا أصيب أصحاب بدر، وقَدِم زيدُ بن حارثة إلى أهل السافلة (٣)، وعبدُ الله بن رواحة إلى أهل العالية بشيرَين، بعثهما رسول الله ﷺ إلى من بالمدينة من المسلمين بفتح الله عليه وقَتْلِ مَن قُتِل من المشركين، كما حدثني عبد الله بن المغيث بن أبي بردة الظَّفَري، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عمر بن قتادة، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، كلُّ واحدٍ قد حدثني بعض حديثه؛ قالوا: كان كعب بن الأشرف من طيِّئ ثم أحد بني نبهان، وكانت أمه من بني النضير. = فقال (٤) حين بلغه الخبر: أحقٌّ هذا؟ ترون أن محمدًا قتل هؤلاء الذين سمَّى هذان الرجلان ــ يعني زيدًا وعبد الله بن رواحة ــ؟ هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، واللهِ إن كان محمدٌ أصاب هؤلاء القوم لَبطنُ الأرض خيرٌ من ظهرها! فلما تيقَّن عدوُّ الله الخبرَ خرج حتى قدم مكة، نزل (٥) على المطلب بن

стр. 1139

أبي وداعة السَّهمي وعنده عاتكة بنت أبي العيص بن أمية، فأنزلَتْه وأكرمَتْه، وجعل يحرِّض على رسول الله ﷺ ويُنشد الأشعار، ويبكي (١) أصحاب القليب من قريشٍ الذين أصيبوا ببدرٍ ــ وذكر شعرَه وما رد عليه حسَّان وغيره. ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة يشبِّب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال رسول الله ﷺ ــ كما حدثني عبد الله بن أبي المغيث (٢) ــ: «من لي مِن (٣) ابن الأشرف؟»، فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله ــ وذكر القصة. وقال الواقدي (٤): حدثني عبدُ الحميد بن جعفر، عن يزيد بن رومان؛ ومعمرٌ، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالكٍ؛ وإبراهيمُ بن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله ﵁؛ فكلٌّ قد حدثني منه بطائفةٍ، وكان الذي اجتمعوا لنا عليه قالوا: كان كعب بن الأشرف شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ وأصحابه، ويحرض عليهم كفارَ قريش في شعره، وكان رسولُ الله ﷺ قدم المدينة وأهلُها أخلاطٌ، منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة الإسلام، فيهم

стр. 1140

أهل الحلقة والحصون، ومنهم (١) حلفاء للحيَّين جميعًا الأوسِ والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشركًا، فكان المشركون واليهود من أهل المدينة يؤذون رسول الله ﷺ وأصحابه أذًى شديدًا، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اِلْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦]، وفيهم أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ اِلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ الآية [البقرة: ١٠٨]. فلما أبى ابنُ الأشرف أن ينزع (٢) عن أذى رسول الله ﷺ وأذى المسلمين، وقد بلغ منهم، فلما قدم زيد بن حارثة بالبشارة من بدرٍ بقتل المشركين وأَسْرِ من أُسِر منهم، فرأى الأسارى مقرَّنين كُبِت وذلَّ، ثم قال لقومه: ويلكم! واللهِ لَبطن الأرض خيرٌ لكم من ظهرها اليوم، هؤلاء سَراة الناس قد قُتِلوا وأُسروا، فما عندكم؟ قالوا: عداوته ما حيينا. فقال: وما أنتم وقد وطئ قومَه وأصابهم؟ ولكني أخرج إلى قريشٍ فأحضها وأبكي قتلاها، لعلهم ينتدبون فأخرج معهم، [فخرج] حتى قدم مكة ووضع رحله عند أبي وداعة بن صُبَيرة السهمي (٣) وتحته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص، فجعل يرثي قريشًا ــ وذكر ما رثاهم به من الشعر، وما أجابه حسانٌ. [قال: ودعا

стр. 1141

رسول الله ﷺ حسَّانَ] (١) فأخبره بنزول كعبٍ على من نزل، فقال حسان ــ فذكر شعرًا هجا به أهلَ البيت الذين نزل فيهم. قال: فلما بلغها شعرُه نبذَتْ رحله وقالت: ما لنا ولهذا اليهودي؟! ألا ترى ما يصنع بنا حسَّان؟ فتحوَّل، فكلَّما تحوَّل عند قوم دعا رسول الله ﷺ حسَّانًا، فقال: «ابن الأشرف نزل على فلانٍ»، فلا يزال يهجوهم حتى ينبذوا رحله، فلمَّا لم يجد مأوًى قدم المدينة. فـ [لمَّا] بلغ النبي ﷺ قدومُه، قال: «اللهم اكفني ابن الأشرف بما شئت في إعلانه الشرَّ وقوله الأشعار»، وقال رسول الله ﷺ : «من لي مِن (٢) ابن الأشرف؟ فقد آذاني»، فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله، أنا أقتله. قال: «فافعل» ــ وذكر الحديث. فقد اجتمع لابن الأشرف ذنوبٌ منها: أنه رثى قتلى قريش، وحضَّهم على محاربة النبي ﷺ ، وواطأهم على ذلك، وأعانهم على محاربته بإخباره أنَّ دينهم خيرٌ من دينه، وهجا النبي ﷺ والمسلمين (٣).

стр. 1142

قلنا: الجواب من وجوهٍ: أحدها: أن كعبًا كان له عهدٌ من النبي ﷺ وأمان، وقد ذكرنا الرواية الخاصة أن كعب بن الأشرف كان معاهدًا للنبي ﷺ (١)، ثم إن النبي ﷺ جعله ناقضًا للعهد بهجائه وأذاه بلسانه. الثاني: أنَّا قد قدمنا في حديث جابرٍ أن أول ما نقض به العهدَ قصيدتُه التي أنشأها يهجو بها رسول الله ﷺ ، وأن رسول الله ﷺ لما هجاه بهذه القصيدة ندب إلى قتله. الثالث: أن النبي ﷺ قال لليهود لما جاؤوا إليه في شأن قتله: «إنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحدٌ منكم إلا كان السيفُ» (٢). وهذا نصٌّ في أن من فعل هذا فقد استحق السيف. الرابع: أن النبي ﷺ لم يندب إلى قتله لكونه ذهب إلى مكة وفعل ما فعل هناك، وإنما ندب إلى قتله لما قدم وهجاه، كما جاء ذلك مفسَّرًا في حديث جابرٍ المتقدم في قوله: «ثم قدم المدينة معلنًا بعداوة النبي ﷺ ». ثم بين أن أول ما قطع به العهد تلك الأبيات التي قالها بعد الرجوع، وأن النبي ﷺ حينئذ ندب إلى قتله. وكذلك في حديث موسى بن عقبة: «من لنا من ابن الأشرف؟ فقد

стр. 1143

استعلن بعداوتنا وهجائنا». ويؤيد ذلك شيئان (١): أحدهما: أن سفيان بن عُيَينة روى عن عمرو بن دينارٍ، عن عكرمة قال: جاء حُيَي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم فأخبرونا عنَّا وعن محمد. فقالوا: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفكُّ العُناة، ونسقي الحجيج؛ ومحمد صُنْبُورٌ، قطع أرحامنا، واتَّبعه سُرَّاق الحجيج بنو غفارٍ؛ فنحن خيرٌ أم هو؟ فقالوا: بل أنتم خيرٌ وأهدى سبيلًا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اِللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥٠ - ٥١] (٢). وكذلك قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف وحُيَي بن أخطب، رجلين من اليهود من بني النضير أتيا (٣) قريشًا في الموسم، فقال لهما المشركون: نحن أهدى من محمد وأصحابه، فإنَّا أهل

стр. 1144

السدانة والسقاية وأهل الحرم، فقالا: أنتم أهدى من محمد وأصحابه، وهما يعلمان أنهما كاذبان. إنما حملهما على ذلك حسد محمد وأصحابه، فأنزل الله فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اُللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اِللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥١]، فلما رجعا إلى قومهما قال قومهما (١): إن محمدًا يزعم أنه قد نزل فيكما (٢) كذا وكذا، قالا: صدق واللهِ، ما حملَنا على ذلك إلا حسدُه وبغضُه (٣). وهذان مرسلان من وجهين مختلفين، فيهما أن كلا الرجلين ذهب إلى مكة وقال ما قال، ثم إنهما قدما فندب النبي ﷺ إلى قتل ابن الأشرف وأمسك عن ابن أخطب، حتى نقض بنو النضير العهد فأجلاهم النبي ﷺ فلحق بخيبر، ثم جمع عليه الأحزاب، فلما انهزموا دخل مع بني قريظة حصنهم حتى قتله الله معهم. فعُلِم أن الأمر الذي أتياه بمكة لم يكن هو الموجِب للندب إلى قتل ابن الأشرف. وإنما هو ما اختصَّ به ابنُ الأشرف من الهجاء ونحوه، وإن كان ما فعله بمكة مقويًّا لذلك (٤)، لكن مجرد الأذى لله ورسوله يوجب الندب إلى قتله كما نصَّ عليه النبي ﷺ بقوله: «فإنه قد آذى الله ورسوله»، وكما بينه جابرٌ في حديثه.

стр. 1145

الوجه الخامس: أن ابن أبي أويسٍ قال: حدثني إبراهيم بن جعفرٍ الحارثي (١)، عن أبيه، عن جابرٍ قال: لمَّا (٢) كان من أمر النبي ﷺ وبني قريظة ــ كذا فيه، قال شيخنا (٣): وأحسبه (٤): وبني قينقاع ــ ما كان، اعتزل (٥) ابن الأشرف ولحق بمكة، وكان فيها، وقال: لا أُعِين عليه ولا أقاتله، فقيل له بمكة: ديننا خيرٌ أم دين محمد وأصحابه؟ قال: دينكم خيرٌ وأقدمُ من دين محمد، ودين محمد حديث (٦). فهذا دليل على أنه لم يظهر محاربة. الوجه السادس: أن جميع ما أتاه ابن الأشرف إنما هو أذًى باللسان، فإنَّ رثاءه لقتلى المشركين، وتحضيضه على قتال النبي ﷺ ، وسبَّه وطعنَه في دين الإسلام، وتفضيلَه دين الكفار عليه= كلُّه قولٌ (٧) باللسان ولم يعمل عملًا فيه محاربةٌ. ومن نازعنا في سب النبي ﷺ ونحوه فهو فيما فعل كعب بن الأشرف

стр. 1146

من تفضيل دين الكفار وحضِّهم باللسان على قتل المسلمين أشدُّ منازعةً، فإن الذمي إذا تجسَّس (١) لأهل الحرب، وأخبرهم بعورات المسلمين، ودعا الكفار إلى قتالهم= انتقض عهده أيضًا كما ينتقض عهد الساب. ومن قال: إن الساب لا ينتقض عهده فإنه يقول: لا ينتقض العهد بشيء من ذلك. وهذا ابن الأشرف لم يوجد منه إلا أذًى باللسان فقط، فهو حجةٌ على من نازع في هذه المسائل، ونحن نقول: إن ذلك كلَّه نقضٌ للعهد. الوجه السابع: أن تفضيل دين الكفار على دين المؤمنين هو دون سبِّ النبي ﷺ بلا ريبٍ، فإن كون الشيء مفضولًا أحسنُ حالًا من كونه مسبوبًا مشتومًا؛ فإن كان ذلك ناقضًا للعهد فالسب بطريق الأولى. وأما مرثيته للقتلى وحضُّهم على أخذ ثأرهم، فأكثر ما فيه تهييج قريشٍ على المحاربة، وقريشٌ كانوا قد أجمعوا على محاربة النبي ﷺ عقيب بدرٍ، وأرصدوا العير التي كان فيها أبو سفيان للنفقة على حربه، فلم يحتاجوا في ذلك إلى كلام ابن الأشرف. نعم، مرثيته وتفضيله ربما زادهم غيظًا (٢) ومحاربةً، لكن (٣) سبُّه للنبي وهجاؤه له ولدينه أيضًا مما يهيجهم على المحاربة ويُغريهم به (٤)، فعُلِم (٥)

стр. 1147

أن الهجاء فيه من الفساد ما في غيره من الكلام (١) وأبلغ، فإذا كان غيره من الكلام نقضًا فهو أن يكون نقضًا أولى. ولهذا قتل النبي ﷺ جماعةً من النسوة اللاتي كنَّ يشتمنه ويَهْجونه (٢)، مع عفوه عمَّن كانت تعين عليه وتحض على قتاله. الوجه الثامن: أن كعب بن الأشرف لم يلحق بدار الحرب مستوطنًا، ولهذا قدم المدينة وهي وطنه. والذمي إذا سافر إلى دار الحرب ثم رجع إلى وطنه لم ينتقض عهده. ولهذا لم يأمر النبي ﷺ بقتل حُيَي بن أخطب وكان قد سافر معه إلى مكة. الوجه التاسع: أن ما ذكروه حجةٌ لنا، وذلك أنه قد اشتهر عند أهل العلم من وجوهٍ كثيرةٍ: أن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ اَلْكِتَابِ﴾ نزلت في كعب بن الأشرف لِما قاله لقريشٍ. وقد أخبر الله سبحانه أنه لعنه ومن لعنه فلن تجد له نصيرًا. وذلك دليل على أنه لا عهد له، فلو كان له عهدٌ لكان يجب نصره على المسلمين، فعلم أن مثل هذا الكلام يوجب انتقاض عهده وعدم ناصره، فكيف بما هو أغلظ منه من شتمٍ وسبٍّ؟ وإنما لم يجعله النبي ﷺ ــ والله أعلم ــ بمجرد ذلك ناقضًا للعهد لأنه لم

стр. 1148

يعلن بهذا الكلام ولم يجهر به، وإنما أعلم اللهُ به رسوله وَحْيًا كما تقدم في الأحاديث، ولم يكن النبي ﷺ يأخذ أحدًا من المسلمين والمعاهدين إلا بذنبٍ ظاهرٍ. فلما رجع إلى المدينة وأعلن الهجاء والعداوة استحق أن يُقتَل لظهور أذاه وشهرته عند الناس. نعم، من خيف منه الخيانة فإنه ينبذ إليه العهد، أما إجراء حكم المحاربة عليه فلا يكون حتى تظهر المحاربة وتثبت عليه. الوجه العاشر: أن النفر الخمسة الذين قتلوه ــ وهم: محمد بن مسلمة، وأبو نائلة، وعباد بن بشرٍ، والحارث بن أوسٍ، وأبو عبس بن جبرٍ ــ قد أذن لهم النبي ﷺ أن يخدعوه بكلامٍ يُظهرون به أنهم قد آمنوه ووافقوه، ثم يقتلونه. ومن المعلوم أن من أظهر لكافرٍ أمانًا لم يجُزْ قتله بعد ذلك لأجل الكفر، بل لو اعتقد الكافر الحربي أن المسلم آمنه صار مستأمَنًا، فإن النبي ﷺ قال: «من آمن رجلًا على دمه وماله ثم قتله فأنا منه بريءٌ، وإن كان المقتول كافرًا». رواه أحمد (١).

стр. 1149

وقال ﷺ : «إذا أَمِنَك الرجل على دمه فلا تقتُلْه». رواه ابن ماجه (١). وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الإيمان قيد الفتك، لا يفتك (٢) مؤمنٌ». رواه أهل «السنن» (٣). وقد زعم الخطابي (٤) أنهم إنما فتكوا به لأنه كان قد خلع الأمان ونقض العهد قبل هذا. وزعم أن مثل هذا جائزٌ من الكافر الذي لا عهدَ له، كما جاز البيات والإغارة عليهم في أوقات الغِرَّة. لكن يقال: فهذا الكلام الذي كلَّموه به صار مستأمنًا، وأدنى أحواله (٥)

стр. 1150

أن تكون له شبهةُ أمانٍ. ومثل ذلك لا يجوز قتله لمجرد الكفر، فإن الأمان يعصم دم الحربي، ويصير مستأمنًا بأقل من هذا كما هو معروفٌ في مواضعه. وإنما قتلوه لأجل هجائه وأذى الله ورسوله. ومن حلَّ قتله بهذا الوجه لم يعصم دمه بأمانٍ ولا بعهدٍ، كما لو آمن (١) المسلمُ من وجب قتلُه لأجل قطع الطريق ومحاربة الله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد المُوجِبِ للقتل، أو من وجب قتله لأجل زناه، أو آمن من وجب قتله لأجل الردة، أو لأجل ترك أركان الإسلام، ونحو ذلك. ولا يجوز أن يعقد [له] عهدٌ، سواءٌ كان عقدَ أمانٍ أو عقد هدنةٍ أو عقد ذمةٍ، لأن قتله حدٌّ من الحدود، ليس قتله لمجرد كونه كافرًا حربيًّا كما سنذكره. أما الإغارة والبيات فليس هناك قول ولا فعلٌ (٢) صاروا به آمنين، ولا اعتقدوا أنهم قد أُومِنوا، بخلاف قصة كعب بن الأشرف، فثبت أن أذى الله ورسوله بالهجاء ونحوه لا يُحقَن معه الدم بالأمان، فلأن لا يحقن معه بالذمة المؤبدة والهدنة الموقتة بطريق الأولى، فإن الأمان يجوز عقده لكل كافرٍ ويعقده كلُّ مسلم، ولا يشترط على المستأمن شيء من الشروط، والذمةُ لا يعقدها إلا الإمام أو نائبه، ولا يعقد إلا بشروطٍ كثيرةٍ تُشترط على أهل الذمة من التزام الصغار ونحوه. فإن قيل: كعب بن الأشرف سبَّ النبي ﷺ بالهجاء والشعر، وهو كلامٌ موزونٌ يُحفَظ ويروى، ويُنشد بالأصوات والألحان، ويشتهر بين الناس،

стр. 1151

وذلك له من التأثير والأذى والصد عن سبيل الله ما ليس للكلام المنثور. ولذلك (١) كان النبي ﷺ يأمر حسَّانَ (٢) أن يهجوهم ويقول: «إنه أنكى فيهم من النبل» (٣)، فيؤثر هجاؤه فيهم أثرًا عظيمًا يمتنعون به من أشياء لا يمتنعون عنها لو سُبُّوا بكلامٍ منثورٍ أضعاف الشعر. وأيضًا: فإن كعب بن الأشرف وأم الولد المتقدمة تكرر منهما سب النبي ﷺ وأذاه، والشيء إذا كثُر واستمرَّ صار له حالٌ أخرى ليست له إذا انفرد. وقد ذكرتم أن الحنفية يجيزون قتل من كثر منه مثلُ هذه الجريمة، وإن لم يجيزوا قتل من لم يتكرر منه. فإذًا ما دل عليه الحديث يمكن المخالف أن يقول به. فالجواب من وجوهٍ (٤): أحدها: أن هذا يفيدنا (٥) أن السب في الجملة من الذمي يقتضي إهدار دمه وانتقاض عهده. ويبقى الكلام في الناقض للعهد: هل هو نوع خاصٌّ من السب وهو ما كثُر وغلظ، أو هو مطلق السب؟ هذا نظر آخر، فما كان مثل هذا السبِّ وجب أن يقال: إنه مُهدِرٌ لدم الذمي حتى لا يسوغ لأحدٍ أن يخالف نصَّ السنة، فلو زعم زاعمٌ أن شيئًا من سب الذمي وأذاه لا يبيح دمه

стр. 1152

كان مخالفًا للسنة الصحيحة الصريحة خلافًا لا عذر فيه لأحدٍ. الوجه الثاني: لا ريب أن الجنس الموجِب للعقوبة قد يتغلَّظ بعضُ أنواعه صفةً أو قدرًا، أو صفةً وقدرًا، فإنه ليس قتلُ واحدٍ من الناس مثلَ قتل والدٍ وعالمٍ وصالحٍ، ولا ظلمُ بعض الناس مثلَ ظلم يتيمٍ فقيرٍ بين أبوين صالحين، وليست الجناية في الأوقات والأماكن والأحوال المُشرَّفة كالحرم والإحرام والشهر الحرام كالجناية في غير ذلك. وكذلك مضت سنة الخلفاء الراشدين بتغليظ الدية إذا تغلَّظ القتل بأحد هذه الأسباب (١). وقال النبي ﷺ ، وقد قيل له: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك». قيل له: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خيفة أن يطعم معك». قيل له: ثم أي؟ قال: «أن تُزاني حليلة جارك» (٢). ولا شك أن من قطع الطريق مراتٍ متعددةً، وسفك دم خلقٍ من المسلمين، وكثُر منه أخذ الأموال= كان جرمه أعظم من جرم من لم يتكرر منه ذلك. ولا ريب أن مَن أكثر مِن سبِّ النبي ﷺ أو نظم القصائد في سبِّه، فإن جرمه أعظمُ من جرم من سبَّه بالكلمة الواحدة المنثورة، بحيث يجب أن

стр. 1153

تكون إقامة الحد عليه أوكد، والانتصار منه لرسول الله ﷺ أوجب، ولو كان المُقِلُّ أهلًا أن يُعفى عنه لم يكن هذا أهلًا لذلك. لكن هذه الأدلة تدل على أن جنسَ الأذى لله ورسوله ومطلقَ السب الظاهرِ مُهدِرٌ لدم الذميِّ ناقضٌ لعهده من وجوهٍ: أحدها: أن النبي ﷺ قال: «مَن لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله» (١). وذلك (٢) اسمٌ مطلقٌ ليس مقيدًا بنوع ولا قدرٍ ولا تكرارٍ، ومعلومٌ أن قليلَ السبِّ وكثيرَه ومنظومَه ومنثورَه أذًى لله بلا ريبٍ. الوجه الثاني: أنه لو أراد التكرار والمبالغة لأتى بالاسم المفهم لذلك فقال: فإنه قد بالغ في أذى الله ورسوله، أو تكرَّر منه، ونحو ذلك، وقد أوتي جوامع الكلم، وهو المعصوم في غضبه ورضاه. الوجه الثالث: قوله في الحديث الآخر: «إنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولا يفعل هذا أحدٌ منكم إلا كان السيف» (٣)، ولم يقيد ذلك بتكرارٍ بل علَّقه بمجرد الفعل. الوجه الرابع: أن كعبًا آذاه بكلامه المنظوم، واليهودية بكلامها المنثور، وكلاهما أهدر دمه، فعلم أن النظم ليس له تأثيرٌ في هذا الحكم، والحكم إذا ثبت بدون الوصف كان عديم التأثير، فلا يجوز أن يجعل جزءًا (٤) من العلة.

стр. 1154

الوجه الخامس: أن الجنس المبيح للدم لا فرق بين قليله وكثيره، وغليظه وخفيفه في كونه مبيحًا، سواءٌ كان قولًا (١) كالردَّة أو فعلًا كالزنا والمحاربة، وهذا قياس (٢) الأصول. فمن زعم أن من الأقوال والأفعال ما يبيح الدم إذا كثُر ولا يبيحه مع القلة، فقوله مخالفٌ لأصول الشرع. وأما ما ذهب إليه المنازع من جواز قتل من كثر منه [القتل] بالمثقل (٣) والفاحشة في الدبر (٤) دون من قلَّ منه ذلك، فالكلام معه فيه، والباب واحدٌ في الشريعة. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنَّه رضخ رأس يهوديٍّ رضخ رأس جارية (٥)، لم يتكرَّر (٦) منه ذلك الفعل. وصحَّ عنه في اللوطي: «اقتلوا الفاعل والمفعول به» (٧)، ولم يعلِّق ذلك

стр. 1155

بتكرارٍ. وأصحابه من بعده أجمعوا [على] قتله ولم يعتبروا تكرارًا (١). وإذا كانت الأصول المنصوصة والمُجمَع عليها قد سوَّت في إباحة الدم بين قليل الموجب وكثيره، كان الفرق تحكُّمًا بلا أصلٍ ولا نظيرٍ. يوضحه: الوجه السادس: أن ما ينقض [الإيمان] (٢) من الأقوال والأعمال يستوي فيه الواحد والكثير، فكذلك ما ينقض العهد. الوجه السابع: أنه إذا أكثر من هذه الأقوال والأفعال، فإما أن يُقتَل لأنَّ جنسها مبيحٌ للدم أو أن المبيح قدرٌ مخصوصٌ. فإن كان الأول فهو المطلوب. وإن كان الثاني فما حدُّ ذلك المقدار المبيح للدم؟ وليس لأحدٍ أن يحدَّ في ذلك حدًّا إلا بنصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ عند من يرى القياس في المقدرات. والكل منتفٍ في ذلك، فإنه ليس في الأصول قول أو فعلٌ يبيح الدم منه عددٌ مخصوصٌ ولا يبيحه أقلُّ منه. ولا ينتقض هذا بالقتل بالزنا وأنه لا يثبت إلا بإقرار أربع مراتٍ عند من يقول به، ولا بالقتل بالقسامة حيث لا يثبت إلا بعد خمسين يمينًا عند من يرى القَوَد (٣) بها، ولا رجمِ الملاعنة حيث لا يثبت إلا بعد شهادة الزوج أربع

стр. 1156

مراتٍ عند من يرى أنها تُرجَم بلعان الزوج ونكولها؛ فإن المبيح للدم ليس هو الإقرارَ ولا الأيمان، وإنما المبيح فعل الزنا وفعل القتل، وإنما الإقرار والأيمان حجةٌ [وَ] دليلٌ على ثبوت ذلك. ونحن لم ننازع في أن الحجج الشرعية لها نُصُبٌ محدودةٌ، وإنما قلنا: إن نفس القول أو العمل المبيح للدم لا نصاب له في الشرع، وإنما الحكم معلَّقٌ بجنسه (١). الوجه الثامن: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدًّا يجب فعلُه، أو تعزيرًا يرجع إلى رأي الإمام، فإن كان الأول فلا بدَّ من تحديد موجِبه، ولا حدَّ له إلا تعليقه بالجنس، والقول بما سوى ذلك تحكُّمٌ. وإن كان الثاني، فليس في الأصول تعزيرٌ بالقتل، فلا يجوز إثباته إلا بدليل يختصُّه (٢). والعمومات الواردة في ذلك مثل قوله: «لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ» تدل على ذلك أيضًا. فصل قال شيخنا (٣): وقد عرض لبعض السفهاء شبهةٌ في قتل ابن الأشرف

стр. 1157

فظنَّ أن دم مثل هذا معصومٌ بذمةٍ متقدمةٍ (١) أو بظاهر الأمان، وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء حين ظنَّ أن العهد لا ينتقض بذاك. فروى ابن وهبٍ: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد أخي سفيان بن سعيد الثوري، عن أبيه، عن عباية قال: ذُكِر قتل ابن الأشرف عند معاوية، فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا، فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيُغدَّرُ عندك رسولُ الله ﷺ ولا تنكر؟! والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدًا! ولا يخلو لي دمُ هذا إلا قتلتُه! (٢) قال الواقدي (٣): حدثني إبراهيم بن جعفرٍ، عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم ــ وهو على المدينة ــ وعنده ابن يامين النَّضَري (٤): كيف كان قتل ابن الأشرف؟ فقال ابن يامين: كان غدرًا، ومحمد بن مسلمة جالسٌ وهو شيخٌ كبيرٌ، فقال يا مروان: أيُغَدَّر رسول الله ﷺ عندك؟! والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ﷺ ، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد. وأما أنت يا ابنَ يامين فللّهِ عليَّ إن أفلتَّ ولا قدرتُ (٥) عليك، وفي يدي سيفٌ إلا ضربتُ

стр. 1158

به رأسك. فكان ابن يامين لا ينزل من (١) بني قريظة حتى يبعث رسولًا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته، وإلا لم ينزل، فبينما محمد في جنازةٍ وابنُ يامين بالبقيع فرأى محمدٌّ نعشًا عليه جرائدُ رطبةٌ لامرأةٍ، جاء فحلَّه (٢)، فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك! فقام إليه فجعل يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كسَّر ذلك الجريد على وجهه ورأسه، حتى لم يترك به مَصَحًّا (٣)، ثم أرسله ولا طَباخَ به (٤)، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتُك به. قلت: ونظير هذا ما حصل لبعض الجهال بالسُّنَّة من بنائه ﷺ بصفية عقيب سبائه لها، فقال: بنى بها قبل استبرائها. وهذا من جهله وكفره، أو من أحدهما، فإن في «الصحيح» (٥): فلما انقضت عدَّتُها بنى بها.

стр. 1159

فإن قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين فما معنى ما ذكره ابن إسحاق (١)، قال: حدثني مولًى لزيد بن ثابتٍ قال: حدثتني ابنةُ محيِّصةَ عن أبيها مُحَيِّصة أن رسول الله ﷺ قال عقيب ذلك: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فوثب محيصةُ بن مسعودٍ على ابن سُنينة (٢) ــ رجل من تجار اليهود كان يلابسهم يبايعهم (٣) ــ فقتله، وكان حُوَيِّصة بن مسعودٍ إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنَّ مِن مُحيِّصة، فلما قتله جعل حُويِّصة يضربه، ويقول: أي عدو الله! قتلتَه؟! أما والله لرُبَّ شحمٍ في بطنك مِن ماله! فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتُك! فقال حُويِّصة: واللهِ إن دِينًا بلغ منك هذا لعجبٌ؛ فكان هذا أول إسلام حُوَيِّصة. وقال الواقدي (٤) بالأسانيد المتقدمة: قالوا: فلما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي قُتل فيها ابن الأشرف قال رسول الله ﷺ : «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فخافت يهود فلم يَطلُع عظيم (٥) من عظمائهم، وخافوا أن يُبيَّتوا كما بُيِّت ابنُ الأشرف. وذكر قتل ابن سنينة إلى أن قال: وفزعت

стр. 1160

يهود ومن معها من المشركين ــ وساق القصة كما تقدم. فإن هذا يدل على أنهم لم يكونوا موادعين، وإلا لما أمر بقتل من وُجد منهم، ويدل على أن العهد الذي كتبه ﷺ بينه وبين اليهود كان بعد قتل ابن الأشرف، وحينئذ فلا يكون ابن الأشرف معاهدًا. فالجواب: أن النبي ﷺ إنما أمر بقتل من ظُفر به من اليهود لأن كعب بن الأشرف كان من ساداتهم، وقد تقدم أنه قال: ما عندكم في أمر محمد؟ قالوا: عداوته ما حَيِينا، وكانوا مقيمين خارج المدينة، فعَظُم عليهم قتلُه، وكان مما هيَّجهم على المحاربة وإظهار نقض العهد (١)، فأمر النبي ﷺ بقتل من جاء منهم لأن مجيئه دليلٌ على نقض العهد وانتصاره للمقتول. وأما مَن قرَّ فهو مقيمٌ على عهده المتقدم، لأنه لم (٢) يظهر العداوة. ولهذا لم يحاصرهم النبي ﷺ ولم يحاربهم حتى أظهروا عداوته بعد ذلك. وأما هذا الكتاب فهو شيء ذكره الواقدي وحدَه. وقد ذكر هو أيضًا (٣) أن قتل ابن الأشرف كان في شهر ربيعٍ الأول سنة ثلاثٍ، وأن غزوة بني قينقاع كانت قبل ذلك في سنة اثنتين بعد بدرٍ بنحو شهرٍ. وذكر أن الكتاب الذي
следующие страницы →