مراتٍ عند من يرى أنها تُرجَم بلعان الزوج ونكولها؛ فإن المبيح للدم ليس هو الإقرارَ ولا الأيمان، وإنما المبيح فعل الزنا وفعل القتل، وإنما الإقرار والأيمان حجةٌ [وَ] دليلٌ على ثبوت ذلك.
ونحن لم ننازع في أن الحجج الشرعية لها نُصُبٌ محدودةٌ، وإنما قلنا: إن نفس القول أو العمل المبيح للدم لا نصاب له في الشرع، وإنما الحكم معلَّقٌ بجنسه (١).
الوجه الثامن: أن القتل عند كثرة هذه الأشياء إما أن يكون حدًّا يجب فعلُه، أو تعزيرًا يرجع إلى رأي الإمام، فإن كان الأول فلا بدَّ من تحديد موجِبه، ولا حدَّ له إلا تعليقه بالجنس، والقول بما سوى ذلك تحكُّمٌ.
وإن كان الثاني، فليس في الأصول تعزيرٌ بالقتل، فلا يجوز إثباته إلا بدليل يختصُّه (٢). والعمومات الواردة في ذلك مثل قوله: «لا يحل دم امرئٍ مسلم إلا بإحدى ثلاثٍ» تدل على ذلك أيضًا.
فصل
قال شيخنا (٣): وقد عرض لبعض السفهاء شبهةٌ في قتل ابن الأشرف
стр. 1157
فظنَّ أن دم مثل هذا معصومٌ بذمةٍ متقدمةٍ (١) أو بظاهر الأمان، وذلك نظير الشبهة التي عرضت لبعض الفقهاء حين ظنَّ أن العهد لا ينتقض بذاك.
فروى ابن وهبٍ: أخبرني سفيان بن عيينة، عن عمر بن سعيد أخي سفيان بن سعيد الثوري، عن أبيه، عن عباية قال: ذُكِر قتل ابن الأشرف عند معاوية، فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا، فقال محمد بن مسلمة: يا معاوية أيُغدَّرُ عندك رسولُ الله ﷺ ولا تنكر؟! والله لا يظلني وإياك سقف بيت أبدًا! ولا يخلو لي دمُ هذا إلا قتلتُه! (٢)
قال الواقدي (٣): حدثني إبراهيم بن جعفرٍ، عن أبيه قال: قال مروان بن الحكم ــ وهو على المدينة ــ وعنده ابن يامين النَّضَري (٤): كيف كان قتل ابن الأشرف؟ فقال ابن يامين: كان غدرًا، ومحمد بن مسلمة جالسٌ وهو شيخٌ كبيرٌ، فقال يا مروان: أيُغَدَّر رسول الله ﷺ عندك؟! والله ما قتلناه إلا بأمر رسول الله ﷺ ، والله لا يؤويني وإياك سقف بيت إلا المسجد. وأما أنت يا ابنَ يامين فللّهِ عليَّ إن أفلتَّ ولا قدرتُ (٥) عليك، وفي يدي سيفٌ إلا ضربتُ
стр. 1158
به رأسك. فكان ابن يامين لا ينزل من (١) بني قريظة حتى يبعث رسولًا ينظر محمد بن مسلمة، فإن كان في بعض ضياعه نزل فقضى حاجته، وإلا لم ينزل، فبينما محمد في جنازةٍ وابنُ يامين بالبقيع فرأى محمدٌّ نعشًا عليه جرائدُ رطبةٌ لامرأةٍ، جاء فحلَّه (٢)، فقام إليه الناس فقالوا: يا أبا عبد الرحمن ما تصنع؟ نحن نكفيك! فقام إليه فجعل يضربه بها جريدةً جريدةً حتى كسَّر ذلك الجريد على وجهه ورأسه، حتى لم يترك به مَصَحًّا (٣)،
ثم أرسله ولا طَباخَ به (٤)، ثم قال: والله لو قدرت على السيف لضربتُك به.
قلت: ونظير هذا ما حصل لبعض الجهال بالسُّنَّة من بنائه ﷺ بصفية عقيب سبائه لها، فقال: بنى بها قبل استبرائها. وهذا من جهله وكفره، أو من أحدهما، فإن في «الصحيح» (٥): فلما انقضت عدَّتُها بنى بها.
стр. 1159
فإن قيل: فإذا كان هو وبنو النضير قبيلته موادعين فما معنى ما ذكره ابن إسحاق (١)، قال: حدثني مولًى لزيد بن ثابتٍ قال: حدثتني ابنةُ محيِّصةَ عن أبيها مُحَيِّصة أن رسول الله ﷺ قال عقيب ذلك: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فوثب محيصةُ بن مسعودٍ على ابن سُنينة (٢) ــ رجل من تجار اليهود كان يلابسهم يبايعهم (٣) ــ فقتله، وكان حُوَيِّصة بن مسعودٍ إذ ذاك لم يسلم، وكان أسنَّ مِن مُحيِّصة، فلما قتله جعل حُويِّصة يضربه، ويقول: أي عدو الله! قتلتَه؟! أما والله لرُبَّ شحمٍ في بطنك مِن ماله! فقال: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لقتلتُك! فقال حُويِّصة: واللهِ إن دِينًا بلغ منك هذا لعجبٌ؛ فكان هذا أول إسلام حُوَيِّصة.
وقال الواقدي (٤) بالأسانيد المتقدمة: قالوا: فلما أصبح رسول الله ﷺ من الليلة التي قُتل فيها ابن الأشرف قال رسول الله ﷺ : «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه»، فخافت يهود فلم يَطلُع عظيم (٥) من عظمائهم، وخافوا أن يُبيَّتوا كما بُيِّت ابنُ الأشرف. وذكر قتل ابن سنينة إلى أن قال: وفزعت
стр. 1160
يهود ومن معها من المشركين ــ وساق القصة كما تقدم.
فإن هذا يدل على أنهم لم يكونوا موادعين، وإلا لما أمر بقتل من وُجد منهم، ويدل على أن العهد الذي كتبه ﷺ بينه وبين اليهود كان بعد قتل ابن الأشرف، وحينئذ فلا يكون ابن الأشرف معاهدًا.
فالجواب: أن النبي ﷺ إنما أمر بقتل من ظُفر به من اليهود لأن كعب بن الأشرف كان من ساداتهم، وقد تقدم أنه قال: ما عندكم في أمر محمد؟ قالوا: عداوته ما حَيِينا، وكانوا مقيمين خارج المدينة، فعَظُم عليهم قتلُه، وكان مما هيَّجهم على المحاربة وإظهار نقض العهد (١)، فأمر النبي ﷺ بقتل من جاء منهم لأن مجيئه دليلٌ على نقض العهد وانتصاره للمقتول. وأما مَن قرَّ فهو مقيمٌ على عهده المتقدم، لأنه لم (٢) يظهر العداوة. ولهذا لم يحاصرهم النبي ﷺ ولم يحاربهم حتى أظهروا عداوته بعد ذلك.
وأما هذا الكتاب فهو شيء ذكره الواقدي وحدَه. وقد ذكر هو أيضًا (٣) أن قتل ابن الأشرف كان في شهر ربيعٍ الأول سنة ثلاثٍ، وأن غزوة بني قينقاع كانت قبل ذلك في سنة اثنتين بعد بدرٍ بنحو شهرٍ. وذكر أن الكتاب الذي
стр. 1161
وادع فيه النبي ﷺ [اليهود] كلَّها كان لمَّا قدم المدينة قبل (١) بدرٍ. وعلى هذا فيكون هذا كتابًا ثانيا خاصًّا لبني النضير يجدد فيه العهد الذي بينه وبينهم، غير الكتاب الأول الذي كتبه بينه وبين جميع اليهود؛ لأجل ما كانوا قد أرادوا من إظهار العداوة.
وقد تقدَّم أن ابن الأشرف كان معاهدًا. وتقدم أيضًا أن النبي ﷺ كتب الكتاب لما قدم المدينة في أول الأمر، والقصة تدل على ذلك، وإلا لما جاء اليهود إلى النبي ﷺ وشكوا إليه قتلَ صاحبهم، وإلا فلو كانوا محاربين له لم يستنكروا قتله. وكلُّهم ذكروا أن قتل ابن الأشرف كان بعد بدرٍ، فإن معاهدة النبي ﷺ كانت قبل بدرٍ كما ذكره الواقدي.
قال ابن إسحاق (٢): «وكان فيما بين ذلك من غزو رسول الله ﷺ أمرُ بني قينقاع»، يعني: فيما بين بدرٍ وغزوة الفرع من العام المقبل في جمادى الأولى. وقد ذكر أن بني قينقاع هم أول من حارب ونقض العهد.
قلت: اليهود الذين حاربهم رسول الله ﷺ أربع طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وقريظة، ويهود خيبر. وكانت غزوة كل طائفةٍ [منها] (٣) عقيب غزوةٍ من غزواته للمشركين، فكانت بنو قينقاع بعد بدرٍ، وبنو النضير بعد أحدٍ، وبنو قريظة بعد الخندق، وأهل خيبر بعد الحديبية، فكان الظفر بكل واحدةٍ من هؤلاء الطوائف كالشكران للغَزاة التي قبلها، والله أعلم.
стр. 1162
فصل
الدليل الرابع: ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَن سبَّ نبيًّا قُتِل، ومَن سبَّ أصحابه جُلِد». رواه أبو محمد الخلال وأبو القاسم الأزجي (١).
ورواه أبو ذر الهروي (٢)، ولفظه: «مَن سبَّ نبيًّا فاقتلوه، ومَن سبَّ أصحابي فاجْلِدوه».
وهذا الحديث رواه عبد العزيز بن الحسن بن زَبالة: حدثنا عبد الله بن موسى بن جعفرٍ، عن علي بن موسى، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه (٣).
стр. 1163
وفي القلب منه شيء، فإن هذا الإسناد قد ركب عليه متونٌ كثيرةٌ (١)، والمُحدِّث به عن (٢) أهل البيت ضعيفٌ. فإن كان محفوظًا فهو دليل على وجوب قتل من سب نبيًّا من الأنبياء، فظاهره يدل على أنه يقتل من غير استتابةٍ، وأن القتل حدٌّ له (٣).
* * *