← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العرب وأهل دينهم وإن كانوا يهودَ تُضاعَفُ عليهم فيه الصدقة، انتهى. قالوا: ولأنهم أهل ذمةٍ، فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة، كغيرهم من أهل الذمة. قالوا: ولأنه مالٌ يؤخذ من أهل الكتاب لحَقْنِ دمائهم، فكان جزيةً كما لو أُخذ باسم الجزية (١). قالوا: ولأن الزكاة طُهرةٌ، وهؤلاء ليسوا من أهل الطهرة. قالوا: ولأن عمر ﵁ إنما سألهم الجزية لم يسألهم الصدقة، فالذي سألهم إياه عمر ﵁ هو الذي بذلوه بغير اسمه. قالوا: ولأن نساءهم وصبيانهم ومجانينهم ليسوا من أهل الزكاة ولا من أهل الجزية، فلا يجوز أن يُؤخذ منهم واحدٌ منهما. قالوا: ولأن المأخوذ منهم مصرف الفيء لا مصرف الصدقة، فيباح لمن يُباح له أخذُ الجزية. قال أصحاب أحمد (٢): المتَّبَع في ذلك فعل عمر ﵁، وهم سألوه أن يأخذ منهم ما يأخذ من المسلمين ويُضعِفه عليهم، فأجابهم إلى ذلك، وهو يأخذ من صبيان المسلمين ونسائهم ومجانينهم، وذلك هو الزكاة، وعلى هذا البذل والصلح دخلوا وبه أقرُّوا.

стр. 177

قالوا: ويدل عليه قوله: "من كل عشرين درهمًا درهم"، فهذا غير مذهب الجزية، بل مذهب الصدقة. قالوا: فشرط عمر ﵁ يقتضي أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم ما على أموال رجالهم. قالوا: ولفظ الصلح إنما وقع على الصدقة المضاعفة لا على الجزية، وهم الذين بذلوا ذلك فيؤخذ منهم ما التزموه. قالوا: ولأن نساءهم وصبيانهم صِيْنوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه، فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء. قال أبو عبيد (١): وهذا أشبهُ لأنه عمَّهم بالصلح، فلم يَستثنِ منهم صغيرًا دون كبيرٍ، والله أعلم. فصل وعلى هذا فمن كان منهم فقيرًا أو له مالٌ غير زكوي كالدُّور وثياب البذْلة وعَبيدِ الخدمة فلا شيء عليه، كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين، ولا يُؤخذ مِن أقلَّ مِن نصابٍ، وإن كان المأخوذ من أحدهم أقلَّ من جزيةٍ كفى. وقال في "الرعاية" (٢): يحتمل أن يكمل الجزية.

стр. 178

وفي مصرفه روايتان (١): إحداهما: أنه مصرف الفيء، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى (٢)، وهو الصحيح وهو مذهب الشافعي؛ لأنه مأخوذٌ من مشركٍ، وهو جزيةٌ باسم الصدقة. والثانية: أن مصرفه مصرف الصدقة، وهي اختيار أبي الخطاب، لأنه معدولٌ به عن الجزية في الاسم والحكم والقدر، فيُعدَل بمصرفه عن مصرفها. قال الشيخ أبو محمد المقدسي (٣): والأول أقيس وأصح؛ لأن معنى الشيء أخصُّ به من اسمه، ولهذا لو سُمِّي رجلٌ أسدًا أو نَمِرًا أو أسودَ أو أحمرَ لم يَصِرْ له حكم المسمَّى بذلك. قال: ولأنَّ هذا لو كان صدقةً على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراءِ من أُخِذتْ منهم، لقول النبي ﷺ : "أَعْلِمْهم أن عليهم صدقةً، تُؤخذ من أغنيائهم فَتُرَدُّ في فقرائهم" (٤).

стр. 179

فصل (١) فإن بذَلَ التغلبيُّ الجزية وتُحَطُّ عنه الصدقة فهل يقبل منه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقبل منه، لأن الصلح وقع على هذا، فلا يُغيَّر. والثاني: يُقبل منه، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وهذا قد أعطى الجزية، ولأن الجزية هي الأصل والصدقة بدلٌ، فإذا بذل الأصل حرم قتله وقتالُه (٢)، ولأن الجزية هي الصَّغار والذُّل الذي أَنِفُوا منه، فترك لمصلحةٍ، فإذا زالت المصلحة وأقرُّوا به والتزموه قُبِل منهم. وهذا أرجح، والله أعلم. وأما إن كان باذلُ الجزية منهم حربيًّا لم يدخل تحت الصلح فإنها تُقبل منه قولًا واحدًا، ولا يلزمه ما صالح عليه إخوانه. وإن أراد الإمام نقْضَ صلحهم وإلزامهم بالجزية لم يكن له ذلك؛ لأن عقد الذمة على التأبيد، وقد عقد معهم عمر بن الخطاب ﵁، فلم يكن لغيره نقضُه ما داموا على العهد. فصل وهذا الحكم يختصُّ ببني تغلب، نصَّ عليه أحمد.

стр. 180

وقال علي بن سعيد (١): سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقةٌ ولا في أموالهم، إنما تُؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صُولحوا على أن تؤخذ منهم، كما صنع عمر ﵁ بنصارى بني تغلب حين أضعفَ عليهم الصدقةَ في صلحه إياهم. وقال صالح بن أحمد (٢): قلت لأبي: هل على نساء أهل الذمة وصبيانهم ونخيلهم وكُرومِهم وزروعهم ومواشيهم صدقةٌ؟ قال: ليس عليهم فيها شيء إلا على نصارى بني تغلب. وكذلك قال في رواية ابن منصورٍ (٣). وقال حرب بن إسماعيل (٤): قلت لأحمد: فالذي (٥) تكون له الغنم أو الإبل هل تؤخذ منهم؟ قال: كيف تؤخذ منهم؟! إلا نصارى بني تغلب فإنها تُضاعَف عليهم. قال: وكذلك قال قومٌ في أرضهم: تُضاعَف عليهم، أُراه قال: إن اشتروا من المسلمين. وقال الميموني (٦): قرأت على أبي عبد الله هل على أهل الذمة صدقةٌ

стр. 181

في إبلهم وبقرهم وغنمهم؟ فأملى عليَّ (١): ليس عليهم. وقال الزهري: لا نعلم في مواشي أهل الذمة صدقةً إلا بني تغلب (٢). قال: وعمر ﵁ لمَّا أقرَّهم على النصرانية أضعفَ عليهم لأنهم عرب. قلت: وتذهب إلى أن تُؤخذ من مواشي بني تغلب خاصّةً؟ قال: نعم. قلتُ: وتُضعِف عليهم على ما فعل عمر ﵁؟ قال: نعم. وقال القاضي وأبو الخطّاب (٣): حكمُ من تنصَّر من تَنُوخَ وبَهْراء، أو تهوَّدَ من كِنانة وحِمْير، أو تمجَّس من تميمٍ (٤) = حكمُ بني تغلب سواءً. وهذا مخالفٌ لنص أحمد ولعموم الأدلة، فلا يُلتفَت إليه، وإنما أُخِذ ذلك قياسًا على نصارى بني تغلب، وقد حكينا كلام الشافعي أن هذا الحكم في نصارى بني تغلب وتنوخ وبهراء، والمحفوظ عن عمر ﵁ إنما هو في نصارى بني تغلب خاصةً. وقد ظنَّ القاضي وأبو الخطّاب أن ذلك لكونهم عربًا، فألحقوا بهم هذه القبائل، وهذا لا يصح، وقد نص أحمد على الفرق كما ذكرنا نصوصه. قال الشيخ في "المغني" (٥): ولنا عموم قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا

стр. 182

اُلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وأن النبي ﷺ بعث معاذًا إلى اليمن فقال: "خُذْ من كل حالمٍ دينارًا" وهم عرب، وقبِلَ الجزية من أهل نجران وهم من بني الحارث بن كعبٍ. قال الزهري: أول من أعطى الجزية أهلُ نجران، وكانوا نصارى (١). وأخذَ الجزيةَ من أُكيدِرِ دُومةَ وهو عربي. وحكم الجزية ثابتٌ بالكتاب والسنة في كل كتابيٍّ، عربيًّا كان أو غير عربي، إلا ما خُصَّ به بنو تغلب لمصالحة عمر ﵁ إياهم، ففي من عداهم يبقى الحكم على عموم الكتاب وشواهد السنة. ولم يكن بين [غير] بني تغلب وبين أحدٍ من الأئمة صلحٌ كصلحِ بني تغلب فيما بلغنا، ولا يصح قياسُ غير بني تغلب عليهم لوجوهٍ: أحدها: أن قياس سائر العرب عليهم مخالفٌ للنصوص التي ذكرناها، ولا يصح قياس المنصوص عليه على ما يلزم منه مخالفةُ النص. الثاني: أن العلة في بني تغلب الصلح، ولم يوجد الصلح مع غيرهم ولا يصح القياس مع تخلُّف العلة. الثالث: أن بني تغلب كانوا ذوي قوةٍ وشوكةٍ، لَحِقوا بالروم وخِيفَ منهم الضرر إن لم يُصالَحوا، ولم يوجد هذا لغيرهم. فإن وُجِد هذا لغيرهم فامتنعوا من أداء الجزية، وخِيفَ الضررُ بترك مصالحتهم، فرأى الإمام مصالحتهم على أداء الجزية باسم الصدقة= جاز ذلك إذا كان المأخوذ منهم بقدر ما يجب عليهم من الجزية أو زيادة. وقد ذكر ذلك الشيخ أبو إسحاق في

стр. 183

"المهذَّب" (١)، ونص عليه أحمد. والحجة في هذا قصةُ بني تغلب وقياسهم عليهم. قال علي بن سعيد (٢): سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقةٌ، ولا في أموالهم، إنما تُؤخذ منهم الجزية إلا أن يكونوا صُولِحوا على أن تُؤخذ منهم، كما صنع عمر ﵁ بنصارى بني تغلب حين أضعفَ عليهم الصدقةَ في صلحه إياهم، إذا كانوا في معناهم. أما قياس من لم يُصالَح عليهم في جعلِ جزيتهم صدقةً فلا يصح، والله أعلم، انتهى (٣). فصل (٤) وأما مناكحتهم وحلُّ ذبائحهم ففيها قولان للصحابة، وهما روايتان عن الإمام أحمد: إحداهما: لا تحلُّ، وهو قول علي بن أبي طالب ﵁ (٥) والشافعي رحمه الله تعالى. وطردَ الشافعي المنعَ في ذبائح العرب من أهل الكتاب

стр. 184

كلهم (١). واختُلِف في مأخذ هذا القول فقالت طائفةٌ: لم يتحقق دخولهم في الدين قبل التبديل، فلا يثبت لهم حكم أهل الكتاب (٢). وهذا المأخذ جارٍ على أصل الشافعي، وقد عرفتَ ما فيه. وقالت طائفةٌ أخرى: إنهم لم يدينوا بدين أهل الكتاب، بل انتسبوا إليه ولم يتمسكوا به عملًا. وهذا مأخذ علي بن أبي طالب ﵁ فإنه قال: إنهم لم يتمسكوا من دينهم إلا بشرب الخمر (٣). وهذا المأخذ أصح وأفقه. والقول الثاني: أنه تحلُّ مناكحتهم وذبائحهم، وهذا هو الصحيح عن أحمد، رواه عنه الجماعة، وهو آخر الروايتين عنه. قال إبراهيم بن الحارث: وكان آخر قوله أنه لا يرى بذبائحهم بأسًا (٤). وهذا قول ابن عباس ﵄ (٥)، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁ (٦)، وبه قال الحسن والنخعي والشعبي وعطاءٌ الخراساني والحكم

стр. 185

وحمادٌ وإسحاق وأبو حنيفة وأصحابه. قال الأثرم (١): وما علمتُ أحدًا كرهه من أصحاب النبي ﷺ إلا عليًّا ﵁. وذلك لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، ولأنهم أهل كتابٍ يُقَرُّون على دينهم ببذل المال، فتحل ذبائحهم ونساؤهم كبني إسرائيل. فصل وقعت مسألة: وهي هل يصح ضمان الجزية عمن هي عليه أم لا؟ فكان الجواب: لا يخلو إما أن يكون الضامن مسلمًا أو كافرًا: فإن كان مسلمًا لم يصح ضمانه؛ لأن الجزية صَغارٌ وإذلالٌ (٢)، فلا يجوز للمسلم أن يضمنه عن الكافر؛ لأنه يصير مطالَبًا بها، وهو فرعٌ على المضمون عنه، فلا يصح ذلك، كما لو ضمن ما عليه من العقوبة. وإن كان الضامن ذميًّا، فإن ضمِنَها بعد الحول صح ضمانه، لأنه ضمن دَينًا مستقرًّا على من هو في ذمته، وإن كان بعرض السقوط (٣) بالإسلام فهذا لا يمنع صحة الضمان، كما يصح ضمان الصداق قبل الدخول وإن كان

стр. 186

بعرض سقوطه كله أو نصفه، و [يصح] ضمان ثمن المبيع (١) قبل قبضه، وإن كان بصدد السقوط بتلفه. وإن ضمنها قبل الحول فهذا ينبني على ضمان ما لم يجب، والجمهور يصحِّحونه والشافعي يُبطِله، فإذا صححناه صحَّ ضمان الذمي للجزية، كما يصح ضمان ما يُدايِنه به أو ما يُتلِفه عليه، وغايته أنه ضمانٌ معلَّقٌ بشرطٍ، وذلك لا يُبطله، فإن الضمان يجري مجرى النذر، فإنه التزامٌ، فلا يُنافيه التعليق بالشرط. ولأصحاب الشافعي وجهان في صحة ضمان المسلم للجزية عن الذمي. قال بعضهم: وذلك مبنيٌّ على أنه هل يجب عند أداء الجزية الصَّغارُ من جَرِّ اليد والانتهار والإذلال أم لا؟ فإن أوجبناه لم يصح الضمان، وإن لم نُوجِبه صح. قال الجويني في "نهايته" (٢): والأصح عندي تصحيح الضمان، فإن ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه. قلت: وعلى هذا المأخذ فينبغي أن لا يصح ضمان الذمي أيضًا للجزية؛ لأنه يُفضي إلى سقوط الصَّغار عن المضمون عنه إذا أدَّى الضامن، كما أجْرَوا الخلافَ في توكيل الذميِّ الذميَّ في أداء الجزية عنه.

стр. 187

ولم أر لأصحابنا في هذه المسألة كلامًا إلا ما ذكره أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته" (١) فقال: وهل للمسلم أن يتوكَّل لذمي في أداء جزيته أو أن يضمنها عنه أو أن يحيل الذمي عليه بها؟ يحتمل وجهين أظهرهما المنع، انتهى. وعلى هذا يجري الخلاف فيما إذا تحمَّلَها عنه مسلم أو ذمي، والحَمالة أن يقول: أنا ملتزمٌ لما على فلانٍ بشرط براءة ذمته منه. وقد اختلف الفقهاء في أصل هذه الحمالة. فالشافعي وأحمد لا يصحِّحانها، هكذا ذكره أصحابه عنه، ولا نصَّ له في المنع، والصحيح الجواز، وهو مقتضى أصوله، وهو اختيار شيخنا، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة. قالت الحنفية (٢): المضمون له بالخيار، إن شاء طالب الأصل وإن شاء طالب الضامن، إلا إذا اشترط فيه براءة الأصل، فحينئذٍ تنعقد حوالةً اعتبارًا بالمعنى، كما أن الحوالة بشرط أن لا يبرأ المحيلُ تكون كفالةً. فعندهم تصح الحوالة بشرط أن لا يبقى الدَّين في ذمة المحيل، وينقلب ضمانًا، ويصح الضمان بشرط براءة المضمون عنه، وتنقلب حوالةً. وهذا صحيح لا يخالف نصًّا ولا قياسًا، ولا يتضمَّن غررًا، فالصواب القول به. والمقصود أن المسلم لو تحمَّل عن الذمي بالجزية لم يصح تحملُه،

стр. 188

وإن تحمَّل بها ذمي آخر عنه احتمل وجهين. والذي يظهر في هذا كله: التفصيل في مسألة الحوالة والحمالة والضمان والتوكيل في الدفع، أنه إن فعله لعذرٍ من مرضٍ أو غَيبةٍ أو حبسٍ ونحوه جاز، وإن فعله غيرةً وأنفةً وهربًا من الصَّغار لم يجز ذلك، والله أعلم. فصل في السَّامرة و اختلاف الفقهاء فيهم: هل يُقَرُّون بالجزية أم لا ؟ فذهب الجمهور إلى إقرارهم بالجزية، وتردَّد الشافعي فيهم، فمرةً قال: لا تؤخذ منهم الجزية، وقال في موضع آخر: تؤخذ منهم (١). وقال في "الأم" (٢): يُنظر في أمرهم فإن كانوا يوافقون اليهود في أصل الدين، ولكنهم يخالفونهم في الفروع لم تضرَّ مخالفتهم، فيُقَرُّون على دينهم فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يُقَرُّوا على دينهم ببذل الجزية. هذا نقل الربيع عنه. وأما المزني (٣) فنقل عنه أنهم صنفٌ من اليهود فتؤخذ منهم الجزية. واختلف أصحابه في حكمهم، فقال بعضهم: يقرون بالجزية، وقال بعضهم: لا يقرون بها. وقال أبو إسحاق المروزي: لم يكن الشافعي يعرف

стр. 189

حقيقة أمر دينهم، فتوقف في ذلك، ثم بان له أنهم من جملة أهل الكتاب، فرجع إلى ذلك وألحقهم بهم (١). وهذا الذي قاله المروزي هو الصواب المقطوع به، وغَلِط من قال: لا يقرون بالجزية ويقر المجوس بها لأن لهم شبهة كتابٍ. وهذا من العجب أن يُقَرَّ قومٌ يعبدون النار، ويعتقدون أن للعالم إلهينِ اثنين النور والظلمة، ولا يؤمنون ببعثٍ ولا نشورٍ، ولا أن الله يبعث من في القبور، ويرون نكاح الأمهات والبنات، ولا يؤمنون برسولٍ ولا يحرِّمون شيئًا مما يحرِّمه الأنبياء؛ ولا يُقَرُّ السامرة بالجزية مع أنهم يؤمنون بموسى والتوراة، ويَدينون بها، ويؤمنون بالمعاد والجنة والنار، ويصلُّون صلاة اليهود ويصومون صومهم، ويستنُّون بسنتهم، ويقرؤون التوراة، ويحرِّمون ما يحرِّمه اليهود، ولا يخالفون اليهود في التوراة ولا في موسى وإن خالفوهم في الإيمان بالرسل، فإن السامرة لا يؤمنون بنبي غير موسى وهارون ويوشع وإبراهيم فقط، ويخالفونهم في القبلة، فاليهود تصلِّي إلى بيت المقدس، والسامرة تصلِّي إلى جبل عزون (٢) ببلد نابلوس،

стр. 190

وتزعم أنها القبلة التي أمر الله موسى أن يستقبلها، وأنهم أصابوها وأخطأتها اليهود، وأن الله أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلوس، وهو عندهم الطور الذي كلَّم الله عليه موسى، فخالفه داود وبناه بإيليا، فتعدَّى وظلَمَ بذلك. ولغتهم قريبةٌ من لغة اليهود وليست بها. وهم فرقٌ كثيرةٌ تشعَّبت عن فرقتين: دوسانيةٍ وكوسانيةٍ (١). فالكوسانية تُقِرُّ بالمعاد وحشر الأجساد والجنة والنار، والدوسانية تزعم أن الثواب والعقاب في الدنيا. وبينهما اختلافٌ في كثيرٍ من الأحكام. وهذه الأمة من أقلِّ الأمم في الأرض وأحمقها، وأشدِّها مجانبةً للأمم، وأعظمِها آصارًا وأغلالًا. وإذا أردتَ معرفة نسبتهم إلى اليهود فهم فيهم كالرافضة في المسلمين. وهذه الأمة لم تحدث في الإسلام، بل هي أمةٌ موجودةٌ قبل الإسلام وقبل المسيح، وقد فتح الصحابة الأمصار، فأجمعوا على إقرارهم بالجزية، وكذلك الأئمة والخلفاء بعدهم، فعدمُ إقرارهم بالجزية تخطئةٌ لهم، وهذا مما لا سبيلَ إليه. فصل في الصابئة وقد اختلف الناس فيهم اختلافًا كثيرًا (٢)، وأشكل أمرهم على الأئمة

стр. 191

ل عدم الإحاطة بمذهبهم ودينهم . فقال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: هم صنفٌ من النصارى. وقال في موضع: يُنظر في أمرهم، فإن كانوا يوافقون النصارى في أصل الدين ولكنهم يخالفونهم في الفروع لم تضرَّ مخالفتهم (٢) فتؤخذ منهم الجزية، وإن كانوا يخالفونهم في أصل الدين لم يُقَرُّوا على دينهم ببذل الجزية. واختلف أصحابه (٣) فقال أبو سعيد (٤) الإصطخري: ليسوا من النصارى، ولا يجوز إقرارهم على دينهم، قال: لأنهم يقولون: إن الفلك حيٌّ ناطقٌ، وإن الكواكب السبعة آلهةٌ، فهم في حكم عبدة الأوثان. واستفتى القاهر بالله العباسي الفقهاء فيهم، فأفتاه أبو سعيد أنهم لا يُقَرُّون، فأمر بقتلهم، فبذلوا مالًا عظيمًا فتركهم. وأما أقوال السلف فيهم: فذكر سفيان عن ليثٍ عن مجاهدٍ قال: هم قومٌ بين اليهود والمجوس ليس لهم دينٌ (٥).

стр. 192

وفي تفسير شيبان عن قتادة قال: الصابئة قومٌ يعبدون الملائكة (١). قال محمد بن جريرٍ (٢): واختلف أهل التأويل فيمن يلزمه هذا الاسم من أهل الملل، فقال بعضهم: يلزم كلَّ من خرج من دينٍ إلى غير دينٍ. وقالوا: الذي عنى الله بهذا الاسم قومٌ لا دينَ لهم. ثم ذكر عن عبد الرزاق عن سفيان عن ليثٍ عن مجاهدٍ قال: الصابئون قومٌ ليسوا يهودَ ولا نصارى، ولا دينَ لهم. وحكى عن حجاجٍ عن مجاهدٍ قال: الصابئون بين المجوس واليهود، لا تُؤكل ذبائحهم ولا تُنكح نساؤهم. وقال ابن جريجٍ: قلت لعطاءٍ: الصابئون زعموا أنهم ليسوا بمجوسٍ ولا يهود ولا نصارى، قال: قد سمعنا ذلك. وقال ابن وهبٍ: قال ابن زيدٍ: الصابئون أهل دينٍ من الأديان كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتابٌ ولا نبي إلا قول "لا إله إلا الله"، قال: ولم يؤمنوا برسولٍ لله ، فمِن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يُشبِّهونهم بهم.

стр. 193

وقال سعيد عن قتادة: هم يعبدون الملائكة، ويُصلُّون إلى القبلة، ويقرؤون الزبور. وقال سفيان عن السدِّي: هم طائفةٌ من أهل الكتاب. وقال ابن جريرٍ (١): الصابئ المستحدِث سوى دينه دينًا، كالمرتدِّ من أهل الإسلام عن دينه، وكلُّ خارجٍ من دينٍ كان عليه إلى آخَر غيرِه تُسمِّيه العرب صابئًا، يقال منه: صبأ فلانٌ يصبأ صبأً، ويقال: صَبَأتِ النجوم إذا طلعت، وصَبَأ علينا فلانٌ إذا طلع. قلت: الصابئة أمةٌ كبيرةٌ فيهم السعيد والشقي، وهي إحدى الأمم المنقسمة إلى مؤمنٍ وكافرٍ، فإن الأمم قبل مبعث النبي ﷺ نوعان: نوع كفّارٌ أشقياء كلهم ليس فيهم سعيد، كعبدة الأوثان والمجوس. ونوع منقسمون إلى سعيد وشقي، وهم اليهود والنصارى والصابئة. وقد ذكر الله سبحانه النوعين في كتابه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. وكذلك قال في المائدة (٢).

стр. 194

وقال في سورة الحج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، فلم يقل هاهنا: (من آمن منهم بالله واليوم الآخر)؛ لأنه ذكر معهم المجوس والذين أشركوا، فذكر ستَّ أممٍ، منهم اثنتان شقيتان، وأربع أممٍ منقسمة إلى شقي وسعيد، وحيث وعد أهل الإيمان والعمل الصالح منهم بالأجر ذكرهم أربع أممٍ ليس إلا. ففي آية الفصل بين الأمم أدخل معهم الأمتين، وفي آية الوعد بالجزاء لم يدخلهما معهم، فعُلِم أن الصابئين فيهم المؤمن والكافر والشقي والسعيد. وهذه أمةٌ قديمةٌ قبل اليهود والنصارى، وهم أنواعٌ: صابئةٌ حنفاء وصابئةٌ مشركون. وكانت حرَّان دارَ مملكة هؤلاء قبل المسيح، ولهم كتبٌ وتآليف وعلومٌ، وكان في بغداد منهم طائفةٌ كبيرةٌ، منهم إبراهيم بن هلالٍ الصابئ (١) صاحب الرسائل، وكان على دينهم ويصوم رمضان مع المسلمين، وأكثرهم فلاسفةٌ، ولهم مقالاتٌ مشهورةٌ ذكرها أصحاب المقالات (٢). وجملة أمرهم أنهم لا يكذِّبون الأنبياء ولا يوجبون اتباعهم، وعندهم أن من اتبعهم فهو سعيد ناجٍ، وأن من أدرك بعقله ما دَعَوا إليه فوافقَهم فيه

стр. 195

وعمل بوصاياهم فهو سعيد وإن لم يتقيَّدْ بهم. فعندهم دعوةُ الأنبياء حقٌّ، ولا تتعيَّن طريقًا للنجاة. وهم يُقِرُّون أن للعالم صانعًا مدبرًا حكيمًا منزَّهًا عن مماثلة المصنوعات، ولكنْ كثير منهم أو أكثرهم قالوا: نحن عاجزون عن الوصول إلى جلاله بدون الوسائط، والواجب التقرب إليه بتوسط الروحانيين المقدَّسين، المطهَّرين عن المواد الجسمانية، المبرَّئين عن القوى الجسدية، المنزَّهين عن الحركات المكانية والتغييرات الزمانية، بل قد جُبِلوا على الطهارة وفُطِروا على التقديس. قالوا: وإنما أرشدنا إليهم معلِّمنا الأول هرمس، فنحن نتقرب إليهم وبهم، وهم آلهتنا وشفعاؤنا عند ربِّ الأرباب وإله الآلهة، فالواجب علينا أن نطهِّر نفوسنا عن الشبهات الطبيعية ونهذِّب أخلاقنا عن علائق القوة الغضبية (١)، حتى تحصل المناسبة بيننا وبين الروحانيات، فحينئذٍ نسأل حاجاتنا منهم، ونَعرِض أحوالنا عليهم، ونَصْبُو في جميع أمورنا إليهم، فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم. وهذا التطهر (٢) والتهذيب لا يحصل إلا برياضتنا وفطامِ أنفسنا عن دَنِيَّات الشهوات، وذلك إنما يتمُّ بالاستمداد من جهة الروحانيات، والاستمداد هو التضرُّع والابتهال بالدعوات، وإقامةِ الصلوات وإيتاء الزكوات، والصيام عن المطعومات والمشروبات، وتقريب القرابين والذبائح، وتبخير البخورات مع العزائم،

стр. 196

ليحصل لنفوسنا استعدادٌ إلى الاستمداد العالي من غير واسطةٍ، فيكون حكمنا وحكم الأنبياء في ذلك واحدًا. قالوا: والأنبياء أَتَوا بتزكية النفوس وتهذيبها وتطهير الأخلاق من الرذائل، فمن أطاعهم فهو سعيد. قالوا: والروحانيات هي الأسباب المتوسطة في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حالٍ إلى حالٍ، وهي تستمدُّ القوة من الحضرة القدسية، وتُفِيض الفيضَ على الموجودات السُّفلية، فمنها مدبِّرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها، وهي هياكلها، فلكل روحاني هيكلٌ وهو فلكٌ، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختصَّ به نسبة الروح إلى الجسد، فهو ربُّه ومُدِيره (١) ومدبِّره. ويقولون: الهياكل آباءٌ، والعناصر أمهاتٌ، فتفعل الروحانياتُ تحريكَها على قدرٍ مخصوصٍ، ليحصل من حركتها انفعالاتٌ في الطبائع والعناصر، فيحصل من ذلك تركيباتٌ وامتزاجاتٌ في المركبات، فتتبعها قُوًى نفسانية (٢)، وتركبت عليها نفوسٌ روحانيةٌ مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان (٣)، ثم قد تكون التأثيرات كليةً صادرةً عن روحاني كلي، وقد تكون جزئيةً صادرةً عن روحاني جزئي. ومنها مدبِّرات الآثار العُلْوية الظاهرة في

стр. 197

الجوّ كالمطر والثلوج والبرد والرياح والصواعق والشُّهب والرعد والبرق والسحاب، والآثار السُفْلِية كالزلازل والمياه وغيرها. قالوا: ومدبّراتٌ هاديةٌ شائعة (١) في جميع الكائنات حتى لا يُرى موجودٌ (٢) ما خالٍ عن قوةٍ وهدايةٍ بحسب قبوله واستعداده. وأما أحوال الروحانيات من الرَّوح والريحان والنعمة واللذة والراحة والبهجة والفرح والسرور في جِوار ربِّ الأرباب فمما لا يخطر على قلب بشرٍ، طعامهم وشرابهم: التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد، وأنسهم بذكر الله تعالى وطاعته، فهم بين قائمٍ وراكعٍ وساجدٍ وقاعدٍ لا يريد تبديل حالته التي هو فيها بغيرها، إذ لذته وبهجته وسروره فيما هو فيه. قالوا (٣): والروحانيات مبادئ الموجودات وموادُّ الأرواح (٤)، والمبادئ أشرف ذاتًا وأسبق وجودًا وأعلى رتبةً من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها، فعالَمها عالَمُ الكمال، والمبدأ منها والمعاد إليها، والمصدر عنها والمرجع إليها، والأرواح إنما (٥) نزلت من عالمها، حتى

стр. 198

اتصلت بالأبدان، وتوسَّخت بأوضار الأجسام، ثم طهرتْ عنها بالأخلاق الزكية والأعمال المرضية، حتى انفصلت عنها فصعدت إلى عالمها الأول، فالنزول هو النشأة الأولى، والصعود هو النشأة الأخرى. قالوا (١): وطريقنا في التوسل إلى حضرة (٢) القدس ظاهرٌ وشرعنا معقول، فإن قُدماءنا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصًا في مقابلة الهياكل العلوية على نِسَبٍ وإضافاتٍ وهيآتٍ (٣) وأحوالٍ وأوقاتٍ مخصوصةٍ، وأوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العُلويات لباسًا وبخورًا وأدعيةً مخصوصةً وعزائم، تقرَّبوا بها (٤) إلى رب الأرباب ومسبِّب الأسباب، وتلقينا ذلك عن عاذيمون (٥) وهرمس. فهذا بعض ما نقله أرباب المقالات من دين الصابئة، وهو بحسب ما وصل إليهم، وإلا فهذه الأمة فيهم المؤمن بالله وأسمائه وصفاته وملائكته ورسله واليوم الآخر، وفيهم الكافر، وفيهم الآخذ من دين الرسل بما وافق عقولهم واستحسنوه، فدانوا به ورَضُوه لأنفسهم، وعقْدُ أمرِهم أنهم يأخذون بمحاسنِ ما عند أهل الشرائع بزعمهم، ولا يوالون أهلَ ملةٍ ويعادون أخرى، ولا يتعصَّبون لملّةٍ على ملّةٍ، والملل عندهم نواميسُ لمصالح العالَم، فلا

стр. 199

معنى لمحاربة بعضها بعضًا، بل يُؤخذ بمحاسنها وما تكمل به النفوس وتتهذَّب به الأخلاق، ولذلك سُمُّوا صابئين، كأنهم صَبَأوا عن التعبد بكل ملّةٍ من الملل والانتساب إليها. ولهذا قال غير واحدٍ من السلف: ليسوا يهودَ ولا نصارى ولا مجوس (١)، وهم نوعان: صابئةٌ حنفاء، وصابئةٌ مشركون؛ فالحنفاء هم الناجون منهم، وبينهم مناظراتٌ وردٌّ من بعضهم على بعضٍ (٢)، وهم قوم إبراهيم، كما أن اليهود قوم موسى، والحنفاء منهم أتباعه. وبالجملة، فالصابئة أحسن حالًا من المجوس، فأخذ الجزية من المجوس تنبيهٌ على أخذها من الصابئة بطريق الأَولى، فإن المجوس من أخبث الأمم دينًا ومذهبًا، ولا يتمسكون بكتابٍ، ولا ينتمون إلى ملّةٍ، ولا يثبت لهم كتابٌ ولا شبهة كتابٍ أصلًا. ولهذا لما ظهرت فارسُ على الروم فرح المشركون بذلك؛ لأنهم مثلهم ليسوا أهل كتابٍ، وساء ذلك المسلمين، فلما ظهرت الروم على فارس فرح المسلمون (٣)، لأن النصارى أقرب إليهم من المجوس من أجل كتابهم. وكل ما عليه المجوس من الشرك، فشركُ الصابئة إن لم يكن أخفَّ منه فليس بأعظم منه. وقد تردَّد الشافعي رحمه الله تعالى في أخذ الجزية منهم في

стр. 200

موضع، وقطع بأخذها منهم في موضع، وعلَّق القول في موضعٍ، كما حكينا لفظه (١). فصل فإن قيل: فهل للإمام أن يستسلف منهم الجزية؟ قلنا: ليس له ذلك إلا برضاهم، كما ليس له أن يستسلف الزكاة إلا برضا ربِّ المال، بل الجزية أولى بالمنع، فإنها تسقط بالإسلام وبالموت في أثناء السنة، وتتداخل عند أبي حنيفة، فهي بعرض السقوط قبلَ الحول وبعده. فإن قيل: فهل له أن يأخذ منهم في أثناء السنة بقسطِ ما مضى منها؟ قيل: هذا فيه نزاعٌ؛ فأبو حنيفة يجوِّز أن يأخذ في كل شهرٍ بقسطه، ولأصحاب الشافعي في ذلك وجهان. قال أبو المعالي الجويني (٢): أظهرهما أنه ليس له ذلك، فإن الطلبة في آخر السنة عند استمرار الأحوال، بذلك جرتْ سننُ الماضين وسنن المتقدمين، والجزية موضوعها على الإمهال كالزكاة. فإن قيل: فما تقولون لو سقط عنه الوجوب في أثناء السنة بموتٍ أو عمًى أو زمانةٍ أو إسلامٍ، هل تؤخذ منه بقسط ما مضى؟ قيل: الصحيح من المذهب أنها تسقط عنه وأن لا يطالب بقسط ما مضى، ومن الأصحاب من لم يحكِ في ذلك نزاعًا، ولكن أبا عبد الله بن حمدان

стр. 201

حكى في ذلك وجهين فقال (١): وفيمن (٢) أسلم في الحول أو مات أو جُنَّ جنونًا مُطْبقًا أو أُقعِد أو عَمِي وجهان. فإن قيل: فإن اتفق اجتماع ديون الآدميين والجزية فهل تُقدَّم الجزية أو الديون؟ قيل: أما أصحاب الشافعي فبنَوا ذلك على الأصل وقالوا (٣): يُنحَى (٤) بالجزية نحوَ (٥) حقوق الله كالزكاة، أو يُنْحَى (٦) بها نحو حقوق الآدميين وليست من القُرَب، فعلى هذا تقع المحاصَّة بينها وبين غيرها من الديون. ومنهم من قال: هي من حقوق الله، فإنه لا مستحقَّ لها معيَّنًا ولا تسقط بإسقاط الآدمي، وهي عقوبةٌ على الكفر وصَغارٌ لأهله. وعلى هذا فيخرج على الأقوال الثلاثة في تقديم حقّ الله أو حقّ الآدمي أو وقوع المحاصَّة. ولأصحاب أحمد أيضًا ثلاثةُ أوجهٍ مثل هذه (٧).

стр. 202

فصل في الجزية والخراج وما بينهما من اتفاقٍ وافتراقٍ الخراج هو جزية الأرض، كما أن الجزية خراج الرقاب، وهما حقّان على رقاب الكفار وأرضِهم للمسلمين، ويتفقان في وجوهٍ ويفترقان في وجوهٍ (١). فيتفقان في: أن كلًّا منهما مأخوذٌ من الكفار على وجه الصَّغار والذلة، وأن مصرفهما مصرف الفيء، وأنهما يَجِبان في كل حولٍ مرةً، وأنهما يسقطان بالإسلام، على تفصيلٍ نذكره إن شاء الله تعالى. ويفترقان في: أن الجزية ثبتت بالنص، والخراج بالاجتهاد. وأن الجزية إذا قُدِّرت على الغني لم تزد بزيادة غناه، والخراج يُقدَّر بقدر كثرة الأرض وقلَّتها. والخراج يجامع الإسلام حيث نذكره إن شاء الله تعالى، والجزية لا تجامعه بوجهٍ؛ ولذلك يجتمعان تارةً في رقبة الكافر وأرضِه ويسقطان تارةً، وتجب الجزية حيث لا خراجَ، والخراج حيث لا جزيةَ. ونحن نذكر كيف أصل الخراج وابتداء وضْعِه وأحكامه، فنقول: الأرض ستة أنواعٍ: أحدها: أرضٌ استأنف المسلمون إحياءها، فهذه أرضُ عُشْرٍ، ولا يجوز أن يوضع عليها خراجٌ بغير خلافٍ بين الأئمة.

стр. 203

قال أبو الصقر (١): سألت أحمد عن أرضٍ مَواتٍ في دار الإسلام لا يُعرف لها أربابٌ، ولا للسلطان عليها خراجٌ، أحياها رجل من المسلمين؟ فقال: من أحيا أرضًا مَواتًا في غير السواد كان للسلطان عليه فيها العشر، ليس عليه غير ذلك. وقال في رواية ابن منصورٍ (٢): والأرضون التي يملكها ربُّها ليس فيها خراجٌ، مثل هذه القطائع التي أقطعها عثمان في السواد (٣) لسعدٍ وابن مسعودٍ [وخبَّابٍ]. وقد استشكل القاضي (٤) هذا النص، وتأوله على أنَّ عثمان أقطعَهم منافعَها، وأسقط الخراج على وجه المصلحة؛ لأن أرض السواد فُتِحتْ عَنْوةً فهي خراجيةٌ، وظاهر النص أن هذه الأرض قد صارت ملكًا لهم بإقطاع الإمام، وإذا ملكوها ملكوها (٥) بمنافعها، والخراج من جملة منافعها، فإنه جارٍ مجرى الأجرة، فيملكونه بمِلْك منافعها، إذ لا يجب للإنسان على نفسه خراجٌ، فكأنه ملَّكهم الأرضَ وخراجَها.

стр. 204

فصل النوع الثاني: أرضٌ أسلم عليها طوعًا من غير قتالٍ، فهي لهم (١)، لا خراجَ عليها، وليس فيها سوى العشر. وهذا كأرض (٢) المدينة وأرض اليمن وأرض الطائف وغيرها. نصَّ على ذلك أحمد في رواية حربٍ (٣) فقال: أرض العشر (٤): الرجل يسلم بنفسه من غير قتالٍ وفي يده أرضٌ، فهو عُشْر. وقال في موضع آخر: أرض العشر: الرجل يسلم وفي يده أرضٌ فهو عُشْر، مثل مكة والمدينة. وأما قوله في رواية حنبلٍ (٥): "من أسلم على شيء فهو له، ويؤخذ منه خراج الأرض"، فليس مراده أن يسلم على أرضه التي كانت بيده قبل الإسلام بغير خراجٍ؛ لأنه قد صرح أنه ليس في هذه الأرض غير العشر، وإنما مراده أنه يسلم وفي يده أرضٌ خراجيةٌ فتحها الإمام عَنْوةً، فهذه لا يسقط الخراج بإسلام من هي في يده كما سنذكره.

стр. 205

فصل النوع الثالث: ما ملك عن الكفار عَنْوةً وقهرًا ، فهذه فيها روايتان (١): إحداهما: أنها تكون غنيمةً تُقسم بين الغانمين كالمنقول، وتكون أرضَ عُشرٍ لا خراجَ عليها كما أحياه المسلمون. الثانية: أن الإمام بالخيار، إن شاء قسمَها وكانت كذلك عُشْريةً غيرَ خراجيةٍ، وإن شاء وقفَها على المسلمين ويضرب عليه خراجًا يكون كالأجرة لها، غيرَ مقدَّرِ المدة بل إلى الأبد، فهذه عُشْريةٌ خراجيةٌ. فإن استمرت في يد الكفار ففيها الخراج، زرعوها أو لم يزرعوها، ولا عُشْرَ عليهم، وإن أسلموا لم يُسقِط الإسلام خراجَها، ويجب عليهم فيها العُشْرُ، فيجتمع العشر والخراج بسببين مختلفين، العُشْر على المُغَلّ والخراج على رقبة الأرض، هذا قول الجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجتمع العُشر والخراج في أرضٍ (٢)، بل إن أُخِذ ممن هي في يده الخراجُ لم يؤخذ منه العشر، وإن أُخِذ منه العشرُ لم يؤخذ منه الخراج. ورُوي في ذلك حديث باطلٌ لا أصلَ له، وليس من كلام رسول الله ﷺ : "لا يجتمع العُشْر والخراج" (٣).

стр. 206

وشبهة هذا القول أن الخراج في الأصل إنما هو جزية الأرض، فهو بمنزلة خراج الرؤوس، فهو على الكفار بمنزلة الجزية على رؤوسهم، وهو عوضٌ عن العُشر الذي يجب بالإسلام وبدلٌ عنه، فلو لم يوضع على الأرض لتعطَّلتْ إذا كانت مع كافرٍ عن العشر والخراج، فكان في ذلك نقصٌ على المسلمين فقام خراجُها مقام العُشْر، فإذا أسلموا أخذوا بالعشر، ولم يُجمع عليهم بين العشر والخراج في حال الإسلام، كما لم يُجمع عليهم بينهما في حال الكفر، بل إذا سقطت الجزية بالإسلام ــ وهي خراج الرؤوس ــ فكذلك الخراج الذي هو جزية الأرض. ولهذا كره الصحابة ﵃ للمسلم الدخول في أرض الخراج؛ لأنه يسقط ما عليها من الخراج بدخوله فيها. وأما الجمهور فنازعوه في ذلك وقالوا: الخراج على رقبة الأرض زُرِعتْ أو لم تُزرع، والعُشْر في مُغَلِّها سواءٌ كانت مِلكًا أو عاريةً أو إجارةً، ولم يوضع الخراج بدلًا عن العشر، بل وُضِع حقًّا للمسلمين في رقبة الأرض. وإنما لم يجتمع على الكافر العشر والخراج لأن العُشر زكاةٌ وليس من أهلها، فلا تُؤخذ منه كما لم تؤخذ من مواشيه وأمواله. قالوا: وإنما كره الصحابة ﵃ الدخولَ في أرض الخراج؛ لأن

стр. 207

المسلم إذا دخل فيها التزم ما عليها من الخراج وهو صَغارٌ في الأصل، فلا ينبغي أن يلتزمه ويُقِرَّ به، ولما كان تابعًا للأرض كان باقيًا ببقائها تابعًا لها، ويزول بزوالها وتعطَّل نفعها، كما تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء. ولا تَنافِيَ بين اجتماع الحقَّين في العين الواحدة بسببين مختلفين، كما يجب عليه في الصيد المملوك إذا أتلفه في الإحرام قيمتُه لمالكه والجزاءُ لحقِّ الله، وكما لو قتل أمةً بالزنا غُرِّم قيمتها لسيدها ولزِمه الحدُّ لحقِّ الله سبحانه، وكذلك لو قتل عبدًا خطأً لزِمتْه قيمته لسيده والكفَّارة للمساكين، ونظائر ذلك كثيرةٌ. وهذا النوع من الأرض هو المعروف بوضع الخراج. فصل ويجوز بيع هذه الأرض وهبتها ورَهْنها وإجارتها، ونص الإمام أحمد في رواية ابنه صالحٍ (١) على جواز جعلها صداقًا. وهذا صريحٌ في جواز بيعها وهبتها. وقال بعض المتأخرين من أصحابه: لا يجوز نقل الملك فيها، لأنها وقفٌ فلا يجوز بيعها. وهذا ليس بشيء، فإنها تُورَث بالاتفاق والوقف لا يُورَث، وتُجعل صداقًا بالنص والوقف لا يجوز فيه ذلك. ومنشأ الشبهة أنهم ظنوا أن وقفها بمنزلة سائر الأوقاف التي تجري مجرى إعتاق العبد وتحريره لله. وهذا غلطٌ، بل معنى وقفها تركُها على حالها لم يقسمها بين الغانمين، لا أنه أنشأ تحبيسها وتسبيلها على المسلمين،

стр. 208

هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ولا عمر ولا أحدٌ من الأئمة بعده، بل وقفُها هو ترك قسمتها وإبقاؤها على حالها، وضربُ الخراج عليها يؤخذ ممن تكون في يده، والوقف إنما امتنع بيعه لما في بيعه من إبطال وقفيته، وأما هذه فإذا بيعت أو انتقل الملك فيها فإنها تنتقل خراجيةً كما كانت عند الأول. وحق المسلمين في الخراج، وهو لا يسقط بنقل الملك، فإنها تكون عند المشتري كما كانت عند البائع، كما تكون عند الوارث كما كانت عند موروثه (١). ولهذا جاز بيع المكاتب ولم يكن بيعه مُسقِطًا لسبب حريته بالأداء، فإنه ينتقل (٢) إلى المشتري كما كان عند البائع. فصل النوع الرابع (٣): ما صُولح عليه المشركون من أرضهم على أن يُقِرَّها في أيديهم بخراجٍ يضرب عليها، وتكون الأرض لهم، فهذا الخراج جزيةٌ تؤخذ منهم ما أقاموا على شركهم، وتسقط عنهم بإسلامهم، ولهم بيعُ هذه الأرض والتصرف فيها كيف شاؤوا، فإن تبايعوها بينهم كانت على حكمها في الخراج، وإن بيعت على مسلم سقط عنه خراجها. وإن بيعت من ذمي فهل

стр. 209

يسقط عنه خراجها؟ ذكر القاضي (١) فيه احتمالين: أحدهما: لا يسقط خراجها لبقاء كفره. والثاني: يسقط لخروجه بالذمة من عقد من صُولح عليها (٢). وقد قال أحمد في رواية ابن منصورٍ (٣)، وذُكِر له قول سفيان: ما كان من أرضٍ صولح عليها ثم أسلم أهلها فقد وُضِع الخراج منها (٤)، وما كان من أرضٍ أُخِذت عنوةً ثم أسلم صاحبها وُضِعت عنه الجزية وأُقِرَّ على أرضه بالخراج. فقال أحمد: جيدٌ. قال (٥): فقد نصَّ على أن الخراج يسقط عن أرض الصلح بالإسلام. قال القاضي: وهذا محمولٌ على أن تلك الأرضين لهم، ولم يُسقِطها عن أرض العنوة؛ لأنها وقفٌ لجماعة المسلمين فهي أجرةٌ عنها. فصل النوع الخامس: أرضٌ جلا عنها أهلُها فخلَّصها المسلمون بغير قتالٍ، فهذه حكمها حكم العنوة، تُترك (٦) وقفًا ويُضرب عليها خراجٌ يكون أجرةً

стр. 210

لمن تقرُّ في يده من مسلم وكافرٍ، ولا تتغير بإسلام ولا ذمةٍ. قال أحمد في رواية ابنه صالحٍ وأبي الحارث (١): كلُّ أرضٍ جلا (٢) عنها أهلها بغير قتالٍ فهي فيءٌ. فصل النوع السادس: أرضٌ صالحناهم على نزولهم عنها، وتكون ملكًا لنا وتقرُّ (٣) في أيديهم بالخراج، فحكم هذه الأرض أيضًا حكم أرض العنوة: أنها تصير وقفًا للمسلمين وتقرُّ في أيديهم بالخراج، ولا يسقط هذا الخراج بالإسلام، ولا يُمنعون من المناقلة فيها، ويكون ذلك مناقلةً عن حق الاختصاص، لا بيعٌ (٤) لرقبة الأرض إذ ليست ملكًا لهم، وإنما يُعاوَضون على منفعة الاختصاص. وليس في ذلك إبطال حق المسلمين من رقبة الأرض ولا نفعها، فلا يُمنعون منه، ويكونون أحقَّ بهذه الأرض ما أقاموا على صلحهم، ولا تنتقل من أيديهم سواءٌ أسلموا أو أقاموا على كفرهم، كما لا تُنتزع الأرض من مستأجرها. وإن صاروا ذمةً وضُربت عليهم الجزية لم يسقط عنهم الخراج، بل يُجمع عليهم الخراج والجزية.

стр. 211

فصل وأما أصل وضع الخراج، فقال أبو عبيد (١): حدثنا الأنصاري ــ ولا أعلم إسماعيل إلا وقد حدَّثَناه أيضًا ــ عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أبي مِجْلَزٍ لاحق بن حميدٍ: أن عمر بن الخطاب ﵁ بعث عمار بن ياسرٍ إلى أهل الكوفة على صلاتهم وجيوشهم، وعبد الله بن مسعودٍ على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حُنيفٍ على مساحة الأرض، ثم فرض لهم في كل يومٍ شاةً بينهم: شطرها وسواقطها لعمّارٍ، والشطر الآخر بين هذين. ثم قال: ما أرى قريةً يؤخَذ منها كل يومٍ شاةٌ إلا سريعًا خرابها. قال: فمسحَ عثمان الأرضَ، فجعل على جَرِيب (٢) الكَرْم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة دراهم، وعلى جريب القَصَب (٣) ستة دراهم، وعلى جريب البُرّ أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين، وعلى أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون بها في كل عشرين درهمًا درهمًا، وجعل على رؤوسهم ــ وعطَّل النساء والصبيان من ذلك ــ أربعةً وعشرين كل سنةٍ، ثم كتب بذلك إلى عمر ﵁ فأجازه ورضي به. فقيل لعمر: تجار الحرب كم نأخذ منهم

стр. 212

إذا قدموا علينا؟ قال: فكم يأخذون منكم إذا قدمتم عليهم؟ قالوا: العشر، قال: فخذوا منهم العشر. حدثنا أبو معاوية عن الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي قال: وضع عمر ﵁ على أهل السواد على كل جريبٍ عامرٍ درهمًا وقفيزًا، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم وخمسة أَقفِزةٍ، وعلى جريب الشجر عشرة دراهم وعشرة أقفزةٍ، وعلى رؤوس الرجال ثمانيةً وأربعين، وأربعةً وعشرين، واثني عشر (١). حدثنا إسماعيل بن مجالدٍ عن أبيه مجالد بن سعيد عن الشعبي أن عمر ﵁ بعث عثمان بن حُنيفٍ، فمسح السواد فوجده ستةً وثلاثين ألف ألف جريبٍ، فوضع على كل جريبٍ درهمًا وقفيزًا (٢). قال أبو عبيد (٣): فأرى حديث الشعبي هذا غير تلك الأحاديث، ألا ترى أن عمر ﵁ إنما كان أوجب الخراج على الأرض خاصةً بأجرةٍ مسماةٍ في حديث مجالدٍ، وإنما يذهب (٤) الخراج مذهب الكراء، وكأنه أكرى كلَّ جريبٍ بدرهم وقفيزٍ في السنة، وألغى من ذلك النخلَ والشجرَ فلم يجعل لها أجرةً.

стр. 213

قال (١): وهذا حجةٌ لمن قال: السواد فيءٌ للمسلمين، وإنما أهلها عمَّالٌ لهم فيها بكراءٍ معلومٍ يؤدونه، ويكون باقي ما تُخرِج الأرض لهم. وهذا لا يجوز إلا في الأرض البيضاء، ولا يكون في النخل والشجر؛ لأن قَبالتهما لا تطيب بشيء مسمًّى، فيكون بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يُخلق. وهذا الذي كرهه الفقهاء من القَبالة. حدثنا شريكٌ، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن زيادٍ الإفريقي قال: قلت لابن عمر: إنَّا نتقبل الأرضَ فنصيب من ثمارها ــ قال أبو عبيد: يعني الفضل ــ قال: ذلك الربا العَجْلان (٢). حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن حميدٍ، عن الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس ﵄ فقال: أتقبَّل منك الأُبُلَّةَ (٣) بمائة ألفٍ، فضربه ابن عباس مئةً وصلبه حيًّا (٤). حدثنا عبد الرحمن عن شعبة عن جَبَلة بن سُحيمٍ قال: سمعت ابن عمر يقول: القَبالات ربًا (٥). حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي هلال عن ابن

стр. 214

عباس ﵄ قال: القبالات حرام (١). قال أبو عبيد (٢): معنى هذه القَبالة المنهي عنها أن يتقبَّل الرجل النخل والشجر والزرع النابت قبل أن يستحصد ويُدرك، وهو مفسَّرٌ في حديث يروى عن سعيد بن جبيرٍ. ثنا عبَّاد بن العوّام، عن الشيباني قال: سألت سعيد بن جبيرٍ عن الرجل يأتي القريةَ فيتقبلها وفيها النخل والشجر والزرع والعلوج، فقال: لا يتقبلها (٣) فإنه لا خير فيها (٤). قال أبو عبيد (٥): وإنما أصل كراهة هذا أنه بيعُ ثمرٍ لم يبدُ صلاحه ولم يُخلَق بشيء معلومٍ. فأما المعاملة على الثلث والربع وكراء (٦) الأرض البيضاء فليسا من القَبالات ولا يدخلان فيها، وقد رُخِّص في هذين، ولا نعلم المسلمين اختلفوا في كراهة القبالات. انتهى. وهذا الذي ذهب إليه أبو عبيد هو المعروف عند الأئمة الأربعة، وجعلوا كراء الشجر بمنزلة بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه.

стр. 215

ونازعهم في ذلك آخرون وقالوا: ليست إجارة الشجر من بيع الثمر في شيء، وإنما هي بمنزلة إجارة الأرض لمن يقوم عليها ويزرعها ليستغلَّها. وهذا مذهب الليث بن سعدٍ، وأحد الوجهين في مذهب أحمد اختاره شيخنا (١) وأبو الوفاء بن عقيل، وهو الذي نختاره. وقد فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فيما حكاه عنه الإمام أحمد في مسائل ابنه صالحٍ (٢) أنه قبَّل حديقة أُسيد بن حُضيرٍ ثلاث سنين، وقضى به دينًا كان عليه. ولم ينكره على عمر أحدٌ من الصحابة مع شهرة هذه القصة، وهذا إن لم يكن إجماعًا إقراريًّا فهو قول عمر بن الخطاب ﵁، ولا نعلم له مخالفًا (٣). ومن العجب أخذُ أبي عبيد بحديث مجالدٍ ــ وهو ضعيفٌ ــ عن الشعبي عن عمر وهو منقطعٌ، وإنما فيه السكوت عن جريب الشجر، لم يذكره بنفيٍ ولا إثباتٍ، وتركُه حديثَ أبي معاوية عن الشيباني عن محمد بن عبيد الله
следующие страницы →