رسول الله ﷺ : "لا تَصلُح قِبلتانِ في أرضٍ، وليس على مسلم جزيةٌ".
وإن كان العبد لكافرٍ فالمنصوص عن أحمد أنه لا جزيةَ عليه أيضًا، وهو قول عامة أهل العلم.
قال ابن المنذر (١): أجمع كل من يُحفظ عنه من أهل العلم على أنه لا جزيةَ على العبد.
وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا جزيةَ على عبدٍ" (٢). وفي رفعه نظر، وهو ثابتٌ عن ابن عمر.
وإن العبد بحقون الدمِ أشبه (٣) النساء والصبيان. ولأنه لا مالَ له، فهو
стр. 142
أسوأ حالًا من الفقير العاجز. ولأنها لو وجبتْ عليه لوجبتْ على سيده، إذ هو المؤدِّي لها عنه، فيجب عليه أكثر من جزيةٍ. ولأنه تَبَعٌ، فلم تَجِبْ عليه الجزية كذرِّية الرجل وامرأته. ولأنه مملوكٌ، فلم تَجِبْ عليه كبهائمه ودوابِّه.
وعن أحمد رواية أخرى أنها تجب عليه، ونحن نذكر نصوص أحمد من الطرفين (١).
قال أبو طالب (٢): وسألت أبا عبد الله عن العبد النصراني عليه جزيةٌ؟ قال: ليس عليه جزيةٌ.
وقال في موضع آخر: قلت فالعبد؟ [قال:] ليس عليه جزيةٌ (٣)، لنصرانيٍّ كان أم لمسلمٍ، كما قال ابن عمر (٤) ﵄.
وقال عبد الله بن أحمد (٥): سألت أبي عن رجل مسلم كاتَبَ عبدًا نصرانيًّا هل تؤخذ من العبد الجزيةُ في مكاتبته؟ فقال: إن العبد ليس عليه جزية، والمكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم.
وقال أحمد (٦):
ثنا يزيد، ثنا سعيد، عن قتادة، عن سفيان العقيلي، عن
стр. 143
أبي عِياضٍ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تشتروا من رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم [شيئًا]، لأنهم أهل خراجٍ (١) يبيع بعضُهم بعضًا، ولا يُقرَّنَّ أحدُكم بالصَّغار بعد إذ أنقذه الله منه.
قال حنبلٌ (٢): سمعت أبا عبد الله قال: أراد عمر أن يوفِّر الجزية؛ لأن (٣) المسلم إذا اشتراه سقط عنه أداءُ ما يؤخذ منه، والذمي يؤدّي عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم، إذا كانوا عبيدًا أخذ منهم جميعًا الجزية.
وقال إسحاق بن منصورٍ (٤): قلت لأبي عبد الله: قول عمر لا تشتروا رقيق أهل الذمة؟ قال: لأنهم أهل خراجٍ يؤدي بعضهم عن بعضٍ، فإذا صار إلى المسلم انقطع عنه ذلك.
стр. 144
فصل (١)
ومَن بعضُه حرٌّ فقياس المذهب أن عليه الجزية بقدر ما فيه من الحرِّية.
فصل (٢)
فإنْ عَتَق العبدُ فهل تجب عليه الجزية؟ فيه روايتان عن أحمد:
إحداهما: أن الجزية واجبةٌ عليه سواءٌ كان المُعتِق مسلمًا أو كافرًا، وهذا ظاهر المذهب وقول أكثر أهل العلم، منهم الإمام الشافعي وأبو حنيفة والليث بن سعدٍ وسفيان الثوري وغيرهم.
والثانية: لا جزيةَ عليه، نصَّ عليها في رواية بكر بن محمد (٣) عن أبيه أنه قال لأبي عبد الله: النصراني الذي أُعتِق عليه جزية؟ قال: ليس عليه جزيةٌ، لأن ذمته ذمةُ مواليه، ليس عليه جزية.
ووهَّن الخلال (٤) هذه الرواية وقال: هذا قول قديمٌ رجع عنه أحمد، والعمل على ما رواه الجماعة.
وعن الإمام مالك روايتان أيضًا (٥)، إحداهما: أن عليه الجزية.
стр. 145
والثانية (١): إن كان المعتق له مسلمًا فلا جزيةَ عليه، لأن عليه الولاءَ لسيِّده، وهو شعبةٌ من الرقّ، وكأنه عبد المسلم.
قلت: وهي مسألة اختلف فيها التابعون، فعمر بن عبد العزيز أخذ منه الجزية، والشعبي لم ير عليه جزيةً وقال: ذمته ذمة مولاه. حكاه أحمد عنهما (٢).
فصل (٣)
ومن أسلم سقطت عنه الجزية، سواءٌ أسلم في أثناء الحول أو بعده، ولو اجتمعت عليه جزيةُ سنين ثم أسلم سقطتْ كلُّها. هذا قول فقهاء المدينة وفقهاء الرأي وفقهاء الحديث، إلا الشافعي وأصحابه فإنه قال: إن أسلم بعد الحول لم تسقط؛ لأنه دَينٌ استحقَّه صاحبه، واستحقَّ المطالبةَ به في حال الكفر، فلم تسقط بالإسلام، كالخراج وسائر الديون. وله ــ فيما إذا أسلم في أثناء الحول ــ قولان، أحدهما: أنها تسقط. والثاني: أنها تُؤخذ بقسطه.
والصحيح الذي لا ينبغي القول بغيره سقوطها، وعليه تدلُّ سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه، وذلك من محاسن الإسلام وترغيبِ الكفار فيه. وإذا كان رسول الله ﷺ يعطي الكفار على الإسلام حتى يسلموا يتألَّفُهم بذلك، فكيف يُنفَّر عن الدخول في الإسلام من أجل دينارٍ؟ فأين هذا من ترك
стр. 146
الأموال للدخول في الإسلام؟
قال سفيان الثوري عن قابوس (١) بن أبي ظَبيان، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس على مسلم جزيةٌ" (٢).
قال أبو عبيد: تأويل هذا الحديث: لو أن رجلًا أسلم في آخر السنة وقد وجبت الجزية عليه، أن إسلامه يُسقِطها عنه، فلا تؤخذ منه وإن كانت قد لزِمتْه قبل ذلك؛ لأن المسلم لا يؤدِّي الجزية، ولا تكون عليه دَينًا. وقد روي عن عمر وعلي وعمر بن عبد العزيز ما يحقِّق هذا المعنى.
حدثنا عبد الرحمن، عن حماد بن سلمة، عن عبيد الله بن رواحة قال: كنت مع مسروقٍ بالسِّلسلة فحدَّثني أن رجلًا من الشعوب ــ يعني الأعاجم ــ أسلم وكانت تؤخذ منه الجزية، فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين أسلمتُ والجزية تؤخذ منّي، فقال: لعلك أسلمتَ متعوِّذًا؟ فقال: أمَا في الإسلام ما يُعِيذني؟ قال: بلى (٣)! قال: فكتب أن لا تؤخذ منه الجزية (٤).
وحدثنا هُشيمٌ قال: أخبرنا سيَّارٌ، عن الزبير بن عدي قال: أسلم
стр. 147
دِهقانٌ (١) على عهد علي ﵁ فقال له علي ﵁: إن أقمتَ في أرضك رفعنا عنك جزيةَ رأسك وأخذناها من أرضك، وإن تحوَّلتَ عنها فنحن أحقُّ بها (٢).
وحدثنا يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن محمد بن عبيد الثقفي أن دِهقانًا أسلم، فقام إلى علي، فقال له علي: أما أنت فلا جزية عليك، وأما أرضك فلنا (٣).
وحدثنا حجّاجٌ، عن حمّاد بن سلَمة، عن حُميدٍ قال: كتب عمر بن عبد العزيز: من شهد شهادتنا واستقبل قبلتنا واختتَن فلا تأخذوا منه جزيةً (٤).
стр. 148
قال أبو عبيد (١): أفلا ترى أن هذه الأحاديث قد تتابعتْ عن أئمة الهدى بإسقاط الجزية عمن أسلم، ولم ينظروا في أول السنة كان ذلك ولا في آخرها، فهو عندنا على أن الإسلام أهدر ما كان قبله، وإنما احتاج الناس إلى هذه الآثار في زمن بني أميَّة، لأنه يُروى عنهم ــ أو عن بعضهم ــ أنهم كانوا يأخذونها منهم وقد أسلموا؛ يذهبون إلى أن الجزية بمنزلة الضرائب على العبيد، يقولون: لا يُسقِط إسلامُ العبد عنه ضريبتَه. ولهذا اختار من اختار (٢) من القرَّاء الخروجَ عليهم.
وقد رُوي عن يزيد بن أبي حبيبٍ ما يُثبِت ما كان من أخْذِهم إياها.
حدثنا عبد الله بن صالحٍ، ثنا حرملة بن عمران، عن يزيد بن أبي حبيبٍ قال: أعظمُ ما أتتْ (٣) هذه الأمة بعد نبيِّها ثلاثُ خصالٍ: قتلُهم عثمان بن عفّان، وإحراقُهم الكعبة، وأخْذُهم الجزيةَ من المسلمين (٤).
والجزية وُضِعت في الأصل إذلالًا للكفّار وصَغارًا، فلا تُجامِعُ الإسلامَ بوجهٍ، ولأنها عقوبةٌ فتسقُط بالإسلام، وإذا كان الإسلام يَهدِم ما قبله من الشرك والكفر والمعاصي فكيف لا يهدم ذُلَّ الجزية وصَغارها؟ وإن
стр. 149
المقصود تألُّف الناس على الإسلام بأنواع الرغبة فكيف لا يُتألَّفون بإسقاط الجزية؟ وكان رسول الله ﷺ يعطي على الإسلام عطاءً لا يعطيه على غيره، وقد جعل الله سبحانه سهمًا في الزكاة للمؤلَّفة قلوبهم، فكيف لا يُسقِط عنهم الجزية بإسلامهم؟ وكيف يُسلِّط الكفار أن يتحدَّثوا بينهم بأن من أسلم منهم أُخِذ بالضرب والحبس ومُنِع ما يملكه حتى يعطي ما عليه من الجزية؟
فصل
فإن مات الكافر في أثناء الحول سقطتْ عنه، ولم تؤخذ بقدر ما أدرك منه. وإن مات بعد الحول فذهب الشافعي أنها لا تسقط وتُؤخذ من تَرِكته، وهو ظاهر كلام أحمد. وقال أبو حنيفة: تسقط بالموت، وحكاه أبو الخطَّاب عن شيخه القاضي (١).
قال أبو عبيد (٢): وأما موت الذمي في آخر السنة فقد اختُلف فيه.
فحدثنا سعيد بن عُفيرٍ، عن عبد الله بن لَهِيعة، عن عبد الرحمن بن جُنادة (٣) كاتبِ حيَّان بن سُرَيج (٤)، وكان حيَّان بن سُرَيج بعثه إلى عمر بن عبد العزيز وكتب إليه يستفتيه: أيجعلُ جزيةَ موتى القِبْط على أحيائهم؟
стр. 150
فسأل عمر عن ذلك عِراكَ بن مالكٍ ــ وعبدُ الرحمن يسمع ــ فقال: ما سمعتُ لهم بعَقْدٍ ولا عهدٍ، إنما أُخِذوا عَنوةً بمنزلة الصيد. فكتب عمر إلى حيَّان بن سُرَيج يأمره أن يجعل جزية الأموات على الأحياء. وكان حيَّان والِيَه على مصر (١).
قال (٢): وقد رُوي من وجهٍ آخر عن مَعقِل بن عبيد الله عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ليس على من مات ولا من أَبَقَ جزيةٌ. يقول: لا تؤخذ من ورثته بعد موته، ولا يجعلها بمنزلة الدَّين، ولا تؤخذ من أهله إذا هرب عنهم منها، لأنهم لم يكونوا ضامنين لذلك.
قال الآخذون لها (٣): هي دَينٌ وجب عليه في حياته فلم يسقط بموته، كديون الآدميين.
قال المُسقِطون: هي عقوبةٌ، فتسقط بالموت كالحدود؛ ولأنها صغارٌ وإذلالٌ فزال بزوال محلّه. وقولكم: "إنها دَينٌ فلا تسقط بالموت" إنما يتأتَّى على (٤) أصلِ من لا يُسقِطها بالإسلام، وأما من أسقطها بالإسلام فلا يصحُّ
стр. 151
منه هذا الاستدلال.
ولا ريبَ أن الجزية عقوبةٌ وحقٌّ عليه، ففيها الأمران، فمن غلَّب جانبَ العقوبة أسقطها بالموت كما تسقط العقوبات الدنيوية عن الميت، ومن غلَّب فيها جانبَ الدَّين لم يُسقِطها، والمسألة محتملة. والله أعلم.
فصل (١)
فإن اجتمعت عليه جزيةُ (٢) سنين استُوفِيَتْ كلُّها عند الجمهور. وقال أبو حنيفة: تتداخل، وتؤخذ منه جزية واحدة، وأجراها مجرى العقوبة، فتتداخل كالحدود. والجمهور جعلوها بمنزلة سائر الحقوق المالية كالدية والزكاة وغيرهما.
وقول الجمهور أصحُّ، لا يناسب التخفيفُ عنه بترك أداء ما وجب عليه للمسلمين، ولاسيَّما إذا [كان] ممن لا يُعذَر بالتأخير. ولو قيل بمضاعفته عليه عقوبةً له لكان أقوى من القول بسقوطها، والله أعلم.
فصل
وإذا بذلوا ما عليهم من الجزية أو الخراج أو الدية أو الدَّين أو غيره من عينِ (٣) ما نعتقده نحن محرَّمًا، ولا يعتقدون تحريمه، كالخمر والخنزير=
стр. 152
جاز قبوله منهم. هذا مذهب أحمد وغيره من السلف.
قال الميموني (١): قرأت على أبي عبد الله: هل على أهل الذمة إذا اتَّجروا في الخمر والخنزير العُشْرُ؟ أنأخذ منه؟ فأملى عليَّ: قال عمر: "ولُّوهم بيعَها" (٢)، لا يكون هذا إلا على الأخذ. قلت: كيف إسنادُه؟ قال: إسناده جيدٌ.
وقال يعقوب بن بختان (٣): سألت أبا عبد الله عن خنازير أهل الذمة وخمورهم، قال: لا تقتُلْ خنازيرهم فإن لهم عهدًا، ولا يؤخذ منهم خمر ولا خنزير؛ يَلُون هم (٤) بيعَها.
وقال عبد الله (٥): قلت لأبي: فإن كان مع النصراني خمرٌ وخنازير، كيف يُصنع بها؟ فقال: قال عمر: "ولُّوهم بيعَها"، [وقد قال بعض الناس: تُقوَّم عليهم]، وهو قولٌ شنيعٌ، ولا أراه يُعجِبني.
стр. 153
وكذلك نقل عنه صالحٌ سواءً (١).
وقال أبو عبيد (٢): باب أخذ الجزية من الخمر والخنازير. حُدِّثنا [عن] (٣) عبد الرحمن، عن سفيان بن سعيد، عن إبراهيم بن عبد الأعلى الجعفي، عن سُويد بن غَفَلة قال: بلغ عمرَ بن الخطاب ﵁ أن ناسًا يأخذون الجزية من الخنازير، وقام بلالٌ فقال: إنهم ليفعلون، فقال عمر ﵁: لا تفعلوا، وَلُّوهم بيعَها (٤).
وحدثنا الأنصاري، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سُويد بن غَفَلة أن بلالًا قال لعمر: إن عُمَّالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوها منهم، ولكن وَلُّوهم بيعَها، وخذوا أنتم من الثمن (٥).
قال أبو عبيد (٦): يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمةِ الخمرَ والخنازير من جزية رؤوسهم وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولَّى
стр. 154
المسلمون (١) بيعَها. فهذا الذي أنكره بلالٌ ونهى عنه عمر، ثم رخَّص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة المتولِّين لبيعها، لأن الخمر والخنازير مالٌ من أموال أهل الذمة، ولا يكون مالًا للمسلمين.
ومما يبيِّن ذلك ما حدَّثني عليُّ بن مَعبدٍ، عن عبيد الله بن عمرٍو، عن ليث بن أبي سُليمٍ، أن عمر كتب إلى العُمَّال يأمرهم بقتل الخنازير، وتُقتَصُّ (٢) أثمانُها لأهل الجزية من جزيتهم (٣).
قال أبو عبيد: فهو لم يجعلها قِصاصًا من الجزية إلا وهو يراها مالًا من أموالهم. فإذا مرَّ الذميُّ بالخمر والخنازير على العاشر فإنه لا يَطِيب له أن يَعشُرها، ولا يأخذَ ثمنَ العُشْر منها وإن كان الذميُّ هو المتولِّي لبيعها أيضًا. وهذا ليس من الباب الأول ولا يُشبِهه، لأن (٤) ذلك حقٌّ وجب على رقابهم وأرضهم. والعُشر هاهنا إنما هو شيء يوضع على الخمر والخنازير أنفُسِها، فلذلك ثمنُها لا يطيب، لقول رسول الله ﷺ : "إن الله إذا حرَّم شيئًا حرَّم ثمنَه" (٥).
стр. 155
قال أبو عبيد (١): وقد رُوِي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه أفتى في مثل هذا بغير ما أفتى به في ذلك، وكذلك عمر بن عبد العزيز.
ثنا أبو الأسود المصري، حدثنا عبد الله بن لَهِيعة، عن عبد الله بن هُبيرة السَّبائي (٢) أن عُتبة بن فَرْقَد بعث إلى عمر بن الخطاب ﵁ بأربعين ألفَ درهمٍ صدقة الخمر، فكتب إليه عمر: بعثتَ إليَّ بصدقة الخمر، وأنت أحقُّ بها من المهاجرين، وأخبرُ الناسِ بذلك، وقال: واللهِ لا أستعملك على شيءٍ بعدها، قال: فنزعه (٣).
قال (٤): وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن المثنَّى بن سعيد الضُّبَعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدِيّ بن أرطاة: أن ابعَثْ إليَّ بتفصيل الأموال التي قِبَلك من أين دخلَتْ؟ فكتب إليه بذلك وصنَّفه له، فكان فيما كتب إليه: مِن عُشْرِ الخمر أربعة آلاف درهمٍ. قال: فلبثنا ما شاء الله، ثم جاء جوابُ كتابه: إنك كتبتَ إليَّ تذكر من عشور الخمر أربعة آلاف درهمٍ. إن الخمر لا يَعْشُرها مسلم ولا يشتريها ولا يبيعها، فإذا أتاك كتابي هذا فاطلب الرجلَ فاردُدْها عليه، فهو أولى بما كان فيها. فطلب الرجل فرُدَّتْ عليه الأربعة الآلاف، وقال: أستغفر الله، إني لم أعلَمْ.
стр. 156
قال أبو عبيد: فهذا عندي الذي عليه العمل، وإن كان إبراهيم النخعي قد قال غير ذلك.
حدثنا يحيى بن سعيد القطّان وعبد الرحمن بن مهدي، كلاهما عن سفيان، عن حمادٍ، عن إبراهيم في الذمي يمرُّ بالخمر على العاشر، قال: يُضاعَف عليه العُشر (١).
قال أبو عبيد: وكان أبو حنيفة يقول: إذا مرَّ على العاشر بالخمر والخنازير، عَشَرَ الخمرَ ولم يَعْشُر الخنازير. سمعتُ محمد بن الحسن يحدِّث بذلك عنه.
قال أبو عبيد: وقول الخليفتين عمر بن الخطاب ﵁ وعمر بن عبد العزيز ﵀ أولى بالاتباع، أن لا يكون على الخمر عُشْرٌ أيضًا، انتهى (٢).
وهذا الفرق هو محضُ الفقه، فإنهم إذا تبايعوها فيما بينهم فقد تعاقدوا على ما يعتقدونه مالًا، فإذا أخذناه منهم أخذنا [ما] هو حلالٌ عندهم ــ وإن كنّا لا نعتقد أنه يحلُّ سببُه (٣) ــ كما اكتسبوه بعقودٍ ومواريثَ أو أسبابٍ من هباتٍ ووصايا وغيرها [ممَّا] لا يجوز في شرعنا؛ فعاملُونا به أو قَضَونا إياه مما لنا عليهم= ساغ لنا أخذُه، وإن لم يُسوَّغ في شرعنا تلك الأسباب التي
стр. 157
أخذوها (١)، كما تأخذ المرأة من مهرٍ في عقد نكاحٍ لا نجيزه نحن وهم يعتقدونه نكاحًا. وهذا بخلاف ما سرقوه أو غصبوه أو اكتسبوه بوجهٍ يعتقدون تحريمه كالربا، فإنه حرام عليهم بنصّ التوراة.
وأما ما منع الخليفتان فهو فرض العُشْر على نفس الخمر والخنازير إذا اتَّجروا فيها، فهذا غير أخذِ أثمانها منهم إذا كان لنا عليهم ذلك من وجهٍ آخر.
فالفرق بين أن يكون المأخوذ من جهة الخمر والخنازير وبين أن يكون من جهة الجزية والدَّين والدية وغيرها= ظاهرٌ، وبالله التوفيق.
فصل
وأخذُ الجزية من أهل الكتاب وحِلُّ ذبائحهم ومناكحتهم مرتَّبٌ على أديانهم لا على أنسابهم، فلا يُكْشَف عن آبائهم هل دخلوا في الدين قبل المبعث أو بعده، ولا قبلَ النسخ والتبديل ولا بعده، فإن الله سبحانه أقرَّهم بالجزية ولم يَشْرِط ذلك، وأباح لنا ذبائحهم وأطعمتهم ولم يَشْرِط ذلك في حِلِّها، مع العلم بأن كثيرًا منهم دخل في دينهم بعد تبديله ونسخه، وكانت المرأة من الأنصار تَنذُر إن عاش لها ولدٌ أن تُهوِّده، فلما جاء الإسلام أرادوا منْعَ أولادهم من المُقام على اليهودية وإلزامَهم بالإسلام، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، فأمسكوا عنهم (٢).
стр. 158
ومعلومٌ قطعًا أن دخولهم في دين اليهودية كان بعدَ تبديله وبعدَ مجيء المسيح، ولم يسأل النبي ﷺ أحدًا ممن أقرَّه بالجزية متى دخل آباؤه في الدين، ولا من كان يأكل هو وأصحابه من ذبائحهم من اليهود، ولا أحدٌ من خلفائه بعده (١) البتةَ.
وكيف يمكن العلم بهذا أو يكون شرطًا في حِلِّ المناكحة والذبيحة والإقرار بالجزية، ولا سبيل إلى العلم به إلا لمن أحاط بكلِّ شيء علمًا؟! وأيُّ شيء يتعلَّق به من آبائه إذا كان هو على دينٍ باطلٍ لا يقبله الله؟ فسواءٌ كان آباؤه كذلك أو لم يكونوا.
والنبي ﷺ أخذ الجزية من يهود اليمن، وإنما دخلوا في اليهودية بعد المسيح في زمن تُبَّعٍ، وأخذها رسول الله ﷺ وخلفاؤه من بعده من نصارى العرب، ولم يسألوا أحدًا منهم عن مبدأ دخوله في النصرانية هل كان قبل المبعث أو بعده، وهل كان بعد النسخ والتبديل أم لا؟
وقد اختلف كلام الشافعي رحمه الله تعالى في الجزية والمناكحة فقال في "المختصر" (٢): وأصلُ ما أَبني عليه أن الجزية لا تُقبَل من أحدٍ دان دينَ كتابٍ، إلا أن يكون آباؤه دانوا به قبلَ نزول الفرقان، فلا تُقبل ممن بدَّل يهوديةً بنصرانيةٍ أو نصرانيةً بمجوسيةٍ أو مجوسيةً بنصرانيةٍ أو بغير الإسلام. وإنما أذن الله بأخذ الجزية منهم على ما دانوا به قبل محمد، وذلك
стр. 159
خلاف ما أحدثوا من الدين بعده، فإن أقام على ما كان عليه وإلا نُبِذ إليه عهدُه وأُخرِج من بلاد الإسلام بماله، وصار حربًا، ومن بدَّل دينَه من كتابيةٍ لم يحلَّ نكاحُها.
قال المزني (١): قد قال في كتاب النكاح: "إذا بدَّلت بدينٍ يحلُّ نكاح أهله فهي حلالٌ". وهذا عندي أشبه، وقال ابن عباس ﵄: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] (٢). فمن دان منهم دينَ أهل الكتاب قبلَ نزول الفرقان وبعده سواءٌ عندي في القياس. وبالله التوفيق.
قال المنازعون له: الكلام على هذا من وجوهٍ:
أحدها: أن يقال: الأصل الذي تبني عليه لا بدَّ أن يكون معلومًا ثبوتُه بكتاب الله أو سنة رسوله ﷺ نصًّا أو استنباطًا، فأين في كتاب الله أو سنة رسوله أن الجزية لا تُقبل ممن دان بدينٍ إلا أن يكون آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان؟ وأين يُستنبط ذلك منهما أو من أحدهما فيكون أصلًا منصوصًا أو مستنبطًا؟
الثاني: أن سكوت القرآن والسنة عن اعتبار ذلك في جميع المواضع، وعن الإيماء إليه والدلالة عليه= دليل على عدم اعتباره.
стр. 160
الثالث: أن إطلاقهما وعمومهما المطَّردينِ في جميع المواضع متناولٌ (١) لكل من اتَّصف بتلك الصفة، ولم يَرِد فيهما موضع واحدٌ مخصّصٌ ولا مقيّدٌ، فيجب التمسك بالعام حتى يقوم دليلُ (٢) تخصيصِه.
الرابع: أن عمل النبي ﷺ وسيرته في أهل الكتاب بعد نزول الآية مبيِّنٌ أنه المراد منها، وقد عُلِم أنه ﷺ لم يَبْنِ (٣) في أخذ الجزية وحلِّ الذبائح والنكاح إلا على مجرد دينهم لا على اعتبار (٤) آبائهم وأنسابهم.
الخامس: أنه سبحانه قد حكم ــ ولا أحسن من حكمه ــ أنه من تولَّى اليهود والنصارى فهو منهم، فقال (٥): ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم، وهذا عامٌّ خُصَّ منه من يتولَّاهم ودخل في دينهم بعد التزام الإسلام، فإنه لا يُقَرُّ ولا تُقبل منه الجزية، بل إما الإسلام أو السيف، فإنه مرتدٌّ بالنص والإجماع، ولا يصح إلحاق من دخل في دينهم من الكفار قبل التزام الإسلام بمن دخل فيه من المسلمين.
يوضحه الوجه السادس: أن من دان بدينهم من الكفار بعد نزول الفرقان
стр. 161
فقد انتقل من دينه إلى دينٍ خيرٍ منه وإن كانا جميعًا باطلينِ. وأما المسلم فإنه قد انتقل من دين الحق إلى الدين الباطل بعد إقراره بصحة ما كان عليه وبطلانِ ما انتقل إليه، فلا يُقَرُّ.
السابع: أن دين أهل الكتاب قد صار باطلًا بمبعث رسول الله ﷺ ، فلا فرقَ بين من اختاره بنفسه ممن لم يتقدم دخول آبائه فيه قبل ذلك وبين من دخل فيه ممن تقدم دخول آبائه فيه، فإن كلَّ واحدٍ منهما اختار دينًا باطلًا، وما على الرجل من أبيه؟ وأي شيء يتعلق به منه؟
الثامن: أن تبعيته لأبيه منقطعةٌ ببلوغه، بحيث صار مستقلًّا بنفسه في جميع الأحكام، فما بالُ تبعية الأب بعد البلوغ أثَّرتْ في إقراره على دينٍ باطلٍ قد قطع الإسلامُ تبعيتَه فيه؟
التاسع: أن ذلك الدين قد عُلم بطلانه ونسْخُه قطعًا بمجيء المسيح، فقد أُقِرَّ على دينٍ دخل فيه آباؤه بعد نسخه وتبديله.
العاشر: أن نسبة من دخل في اليهودية بعد بعث المسيح وتركَ دين المسيح، كنسبة من دخل في النصرانية بعد مبعث رسول الله ﷺ ، إذ كلاهما دخل في دينٍ باطلٍ منسوخٍ.
الحادي عشر: أن آباء هذا الكتابي لو أدركوا دين الإسلام فدخلوا فيه، وأقام هو على دينه بعد بلوغه= لأقررناه ولم نتعرَّض له، مع اعتراف آبائه ببطلان دينهم الذي كانوا عليه. فإذا أُقِرَّ على دينٍ قد اعترف آباؤه ببطلانه فكيف لا يُقَرُّ على دينٍ دخل آباؤه فيه وهم معتقدون صحته؟
стр. 162
الثاني عشر: أن النبي ﷺ قبل أن يؤمر بالجهاد كان يُقِرُّ الناس على ما هم عليه، ويدعوهم إلى الإسلام، بل كانت المرأة تُسلِم وزوجها كافرٌ فلا يفرِّق الإسلام بينهما، ولم يَنزِل تحريم المسلمة على الكافر إلا بعد صلح الحديبية.
وكان النبي ﷺ مع الناس في الدعوة مراتب: فإنه أُمِر أولًا أن يقرأ باسم ربه، ثم أُمر ثانيًا أن يقوم نذيرًا، فأُمِر بإنذار عشيرته وقومه ودعوتهم إلى الله تعالى، ثم أُمِر بإنذار الناس والصبر والعفو والهجر لمن آذاه، ثم أُمر بالهجرة، ثم أُمر بقتال من قاتله، ثم أُمر بالجهاد العام، ثم بضرب الجزية على أهل الكتاب، فضَربها عليهم وأَلحق بهم المجوس، وكانت العرب من عبّاد الأوثان قد دخلوا كلهم في الدين، وكان ﷺ يُقِرُّ الناس على ما هم عليه حتى يأتيه الأمر من الله بما يأخذهم به ويفعله معهم. فلما جاءه أمره بالهجرة بادر إلى امتثاله، ثم جاءه الأمر بالجهاد فقام به حقَّ القيام، ثم جاءه الأمر بالتفريق بين المؤمنات والكفَّار في النكاح، ثم جاءه الأمر بصلح الكفار بتوادعهم، ثم جاءه الأمر بأخذ الجزية منهم وإقرارهم على دينهم ولا يتعرَّض لهم ما لم ينقُصوه شيئًا مما شرط عليهم، فلم يكن قبل الهجرة والجهاد يمنع من أراد التهوُّد أو التنصُّر من أهل الأوثان، فلما علَتْ كلمة الإسلام وصار للمسلمين الغلبةُ والقهر منع من أراد منهم التهوُّد أو التنصُّر بعد أن أقرَّ بالإسلام، وأمر بقتله إن لم يراجع دينَ الإسلام، ولم يمنع يهوديًّا من نصرانيةٍ، ولا نصرانيًّا من يهوديةٍ كما منع المسلم منهما.
стр. 163
وقد علم ﷺ أن من أبناء الأنصار من دخل في اليهودية بعد النسخ والتبديل، كما روى أبو داود في "سننه" (١) عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تكون مِقلاتًا فتجعل على نفسها إن عاش لها ولدٌ أن تُهوِّده، فلما أُجلِيتْ بنو النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا نَدَعُ أبناءنا، فأنزل الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
قال أبو داود: المِقْلات التي لا يعيش لها ولدٌ.
وهو يدلُّ على أن من تهوَّد وإن كان أصله غيرَ يهودي فإنه مثلهم، والنبي ﷺ لم يمنع قبل فرض الجهاد ولا بعده وثنيًّا دخل في دين أهل الكتاب، بل ولا يهوديًّا تنصَّر أو نصرانيًّا تهوَّد أو مجوسيًّا دخل في التهوُّد والتنصُّر. بل جمهور الفقهاء اليوم يُقِرُّونه على ذلك (٢) كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايات عنه، وعنه رواية ثانيةٌ: لا يُقبل منه إلا الإسلام، وعنه رواية ثالثةٌ: لا يُقبل منه إلا الإسلام أو دينه الأول إن كان دينًا يقرّ أهله عليه.
الثالث عشر: أنه لو لم يعرف له أبٌ لكونه لقيطًا، أو انقطع نسبه من أبيه
стр. 164
بكونه ولد زنًا، فإن ذلك لا يمنع اعتباره في دينه بنفسه. ولو كان من شرط ذلك دخول آبائه في الدين قبل النسخ والتبديل لم يثبت لهذا حكم دينه، ولم يُقرَّ عليه، لعدم أبيه حسًّا وشرعًا، إذ تبعيته هنا منتفيةٌ، وإنما له حكمُ نفسِه.
ولهذا قال الإمام أحمد ومن تبعه: أنه يحكم بإسلامه في هذه المواضع وفيما إذا مات أبواه أو أحدهما، وهو دون البلوغ؛ لأنه إنما كان كافرًا تبعًا لهما، وإلّا فهو على الفطرة الأصلية، فإذا لم يكن له من يتبعه على دينه كان مسلمًا؛ لأن مقتضى الفطرة موجودٌ والمغيِّر لها مفقودٌ. فأحمد اعتبر في بقائه على دينه وجودَ أبويه لتتحقق التبعية، والشافعي لم يعتبر بقاء الأبوين ولا وجودهما في كونه تبعًا لهما، فإذا كان قد أقرَّه على الدين الباطل حيث لا تتحقق تبعية الأبوين عُلِم أن إقراره لم يكن لأجل آبائه، وهو ظاهرٌ.
الرابع عشر: قوله (١): "وإنما أذن الله تعالى بأخذ الجزية منهم على ما دانوا به قبل محمد ﷺ ، وذلك خلاف ما أحدثوا من الدين بعده".
فيقال: إن أُريد بما دانوا به قبل محمد ﷺ فذلك إنما هو قبل مبعث المسيح، فلا تُقبل من يهودي جزيةٌ إلا أن يُعلَم أن آباءه توارثوا اليهودية قبل مبعث المسيح، فإنها بطلتْ بمبعثه، كما بطلتْ هي والنصرانية وسائر الأديان بمبعث رسول الله ﷺ .
وإن أريد به ما دانوا به قبلَ مبعثه وإن كان باطلًا منسوخًا، فما الفرق بين ذلك وبين ما دانوا به بعد المبعث قبل أن تبلغهم الدعوة وتقوم عليهم
стр. 165
الحجة؟ فإنك إنما اعتبرتَ وقتَ مبعثه خاصةً.
وإن أريد به ما دانوا به قبل قيام الحجة عليهم انتقض ذلك من وجهين:
أحدهما: أنك لم تعتبر ذلك، وإنما اعتبرتَ نفس المبعث.
الثاني: أن الدين إذا كان باطلًا قبل المبعث لم يكن لتمسك الآباء به أثرٌ في إقرار الأبناء.
الخامس عشر: أنهم إذا دانوا بدينٍ قد أُقِرَّ أهله عليه بعد المبعث مع بطلانه قطعًا، فقد أُقِرُّوا على دينٍ مبدَّلٍ منسوخٍ وأُخِذَت منهم الجزية عليه.
السادس عشر: أن قوله: "بخلاف ما أحدثوا من الدين بعده" يُشْعِر بأنه كان صحيحًا إلى زمن المبعث، فأحدثوا بعد المبعث دينًا آخر غيره، فلذلك لا يُقَرُّون عليه. وهذا خلاف الواقع، فإنهم كانوا قد أحدثوا وبدَّلوا قبل مبعث رسول الله ﷺ فلما بُعث ﷺ استمرُّوا على ذلك الإحداث والتبديل، وانضاف إليه إحداثٌ آخر وتبديلٌ آخر، فلم يكن دينهم قبل المبعث سالمًا من الإحداث والتبديل، بل كان كله قد انتقض إلا الشيء القليل منه.
السابع عشر: قوله: "فإن أقام على ما كان عليه، وإلا نُبذ إليه عهدُه". فيقال: متى سار رسول الله ﷺ وخلفاؤه في أهل الذمة هذه السيرة؟ ومتى قال هو أو أحدٌ من خلفائه ليهودي أو نصراني: متى دخل آباؤك في الدين؟ فإن كانوا دخلوا فيه قبل مبعثي وإلا نَبذتُ إليك العهد! وأيضًا فإن الذي كان عليه باطلٌ قطعًا، سواءٌ أدرك آباؤه حقَّه أو لم يُدركوه، فهو مقيمٌ على ما كان عليه آباؤه من الباطل.
стр. 166
الثامن عشر: أن إقراره بين أظهُرِ المسلمين على باطل دينه بالجزية والذُّلِّ والصَّغار والتزام أحكام الملة وكفّ شرِّه عن المسلمين= خيرٌ وأنفع للمسلمين من أن يخرج بماله إلى بلاد الكفار المحاربين، فيكون قوةً للكفار محاربًا للإسلام ممتنعًا من أداء الجزية وجريان أحكام الملة عليه مع إقامته على الدين الباطل.
التاسع عشر: قوله: "ومن بدَّل دينه من كتابيةٍ لم يحلَّ نكاحها". فيقال: إذا كان العلم بكون الكتابية دخل آباؤها في الدين قبل النسخ والتبديل شرطًا في حلِّ نكاحها لم يحلَّ نكاح امرأةٍ من أهل الكتاب حتى يعرف أن آباءها كانوا كذلك. وهذا لا سبيلَ إلى العلم به إلا من جهتهم، وخبرُهم لا يُقبل في ذلك، والمسلمون لا علم لهم بذلك، فلا يحلُّ نكاح امرأةٍ كتابيةٍ أصلًا، وهذا خلاف نص القرآن!
ولا يقال: من لم يُعلَم حال أبويها جاز نكاحها، فإن شرط الحلِّ إذا لم يُعلَم ثبوته امتنع ثبوت الحلِّ، والصحابة ﵃ تزوَّجوا منهم، ولم يسألوا عن ذلك.
وقد ألزم المزني الشافعيَّ بالنكاح، فقال الشافعي في كتاب النكاح (١): إذا بدَّلت بدينٍ يحلُّ نكاح أهله فهو حلالٌ. قال المزني: وهذا عندي أشبهُ، ثم احتج بقول ابن عباس ﵄ في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، وهذا من أحسن الاحتجاج.
стр. 167
ثم قال المزني (١): فمن دان منهم دينَ أهل الكتاب قبل نزول الفرقان وبعده سواءٌ عندي في القياس.
الوجه العشرون: أنه لو صح اشتراط ذلك الشرط لم يُبَحْ لنا ذبيحةُ أحدٍ من أهل الكتاب؛ لأنا لا نعلم متى دخل آباؤه في الدين، والجهل بوجود الشرط كالعلم بانتفائه في امتناع ثبوت الحكم قبل تحقُّقه.
وقد قال الشافعي (٢) ﵀: تنصَّرت (٣) قبائل من العرب قبل أن يبعث الله محمدًا ﷺ ويُنزِل عليه الفرقان فدانتْ بدين أهل الكتاب، فأخذ ﵊ الجزية من أُكيدِر دُومةَ، وهو رجل يقال من غسَّان أو كِندةَ، ومن أهل ذمة اليمن، وعامتهم عرب، ومن أهل نجران وفيهم عرب، فدلَّ ما وصفتُ أن الجزية ليست على الأحساب وإنما هي على الأديان.
فقد صرَّح رحمه الله تعالى بعدم اعتبار الأنساب في الجزية، وأخبر أنها على الأديان، ومعلومٌ أن هذا لا فرقَ فيه بين (٤) أن يكون الآباء دانوا بالدين قبل تبديله أو لم يكونوا كذلك، وكونُ الآباء قد دخلوا في الدين قبل نزول القرآن بعد بطلانه وتبديله لا أثرَ له، فإنهم بين المبعث وضرب الجزية كانوا قد دخلوا في دينٍ يُقَرُّون عليه.
стр. 168
ونكتة المسألة أنهم بعد المبعث وإن دخلوا في دينٍ باطلٍ فدخلوا (١) في دينٍ يُقَرُّون عليه، وذلك قبل الأمر بالجهاد.
فهذه الوجوه ونحوها وإن كانت مُبطِلةً لهذا الأصل فإنها من أصول الشافعي رحمه الله تعالى وقواعده، فمن كلامه وكلام أمثاله من الأئمة استفدناها، ومنه ومنهم تعلَّمناها، ولم نخرج فيها عن أصوله وقواعده.
وليس المعتنون بالوجوه والطرق واختلافِ المنتسبين إليه والاعتناء بعباراتهم أقربَ إليه منا ولا أولى (٢) به، بل هذه طريقته وأصوله التي أوصى بها أصحابه، فمن وافقه في نفس أصوله أحقُّ به ممن أعرض عنها، والله المستعان.
وقد قال أبو المعالي الجويني في "نهايته" (٣) بعد أن حكى كلام بعض أصحاب الشافعي: أنَّ من تنصَّر أو تهوَّد بعد تبديل الدينين وتغيير الكتابين قبلَ مبعث نبينا ﷺ نُظِر: فإن تمسَّك بالدين غير مبدَّلٍ، وحدثَ (٤) التبديلُ، ثم أدركه الإسلام= قُبِلت الجزية منه، وإن دخل في الدين المبدَّل ثم أدركه الإسلام لم تُقبل منه وإن كان ذلك قبل المبعث. وهل تُقبل من أولاده؟ فيه وجهان مبنيان على أن الجزية هل تؤخذ من أولاد المرتدّين؟ = قال: وهذا
стр. 169
كلامٌ مختلطٌ لا تعويلَ عليه، والمذهب: القطعُ بأخذ الجزية ممن تمسَّك بالدين المبدَّل قبل المبعث وأدركه الإسلام نظرًا إلى تغليب الحَقْن. وإذا تعلَّق بالكتاب فليس كله مبدلًا، وغير المبدل منه ينتصب شبهةً في جواز حَقْن دمه بالجزية، إذ ذاك لا ينحطُّ عن الشبهة التي تمسَّك (١) بها المجوس، فلا ينبغي أن يُعتدَّ بهذا، بل الوجه القطع بقبول الجزية كما قدمنا. انتهى.
وهذا الذي ذكره في غاية القوة، وما ذكره من حكى كلامه مخالفٌ للمعلوم المقطوع به من سنة رسول الله ﷺ . وبقي عليه درجةٌ واحدةٌ، وهي القطع بأخذها ممن تهوَّد بعد المبعث قبل الأمر بالقتال، إذ كانوا مُقَرِّين على دينهم، فقد دخل في دينٍ باطلٍ يقرّ أهله عليه، كما تقدم.
فصل
في بني تغلب وأحكامهم
بنو تغلب بن وائل بن ربيعة بن نِزارٍ من صميم العرب، انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، وكانوا قبيلةً عظيمةً لهم شوكةٌ قويةٌ، واستمرُّوا على ذلك حتى جاء الإسلام، فصُولحوا على مضاعفة الصدقة عليهم عوضًا من الجزية. واختلفت الرواية متى صُولحوا.
ففي "سنن أبي داود" (٢) من حديث إبراهيم بن مهاجرٍ، عن زياد بن
стр. 170
حُدَيرٍ قال: قال عليٌّ: لئن بقيتُ لنصارى بني تغلب لأقتُلَنَّ المُقاتِلة، ولأَسبِينَّ الذرّيةَ، فإني كتبتُ الكتاب بينهم وبين النبي ﷺ أن لا يُنصِّرُوا أبناءهم.
لكن قال أبو داود: هذا حديث منكرٌ، بلغني عن أحمد بن حنبل أنه كان ينكر هذا الحديث إنكارًا شديدًا (١). وقال أبو علي (٢): لم يقرأه أبو داود في العرضة الثانية. انتهى.
وإبراهيم بن مهاجرٍ ضعَّفه غير واحدٍ (٣). والمشهور أن عمر هو الذي صالحهم.
قال أبو عبيد (٤): ثنا أبو معاوية، ثنا أبو إسحاق الشيباني، عن السفَّاح، عن داود بن كُردوسٍ قال: صالحتُ عمر بن الخطاب ﵁ عن بني تغلب ــ بعدما قطعوا الفُرات وأرادوا أن يلحقوا بالروم ــ على أن لا يَصْبُغوا صبيًّا،
стр. 171
ولا يُكرهوا على دينٍ غير دينهم، وعلى أن عليهم العُشر مضاعفًا، من كل عشرين درهمًا درهمٌ. فكان داود يقول: ليس لبني تغلب ذمَّةٌ؛ قد صَبَغوا في دينهم.
قال أبو عبيد: قوله "لا يَصبُغوا في دينهم" يعني: لا يُنصِّروا أولادهم.
قال أبو عبيد: وكان عبد السلام بن حربٍ يزيد في إسناد هذا الحديث: عن داود عن عُبادة بن النعمان عن عمر (١).
وحدثني سعيد بن سليمان عن هُشيمٍ (٢) قال: أبنا مغيرة، عن السفَّاح بن المثنى، عن زرعة بن النعمان ــ أو النعمان بن زرعة ــ أنه سأل عمر بن الخطاب ﵁ وكلَّمه في نصارى بني تغلب، وكان عمر ﵁ قد همَّ أن يأخذ منهم الجزية، فتفرَّقوا في البلاد، فقال النعمان لعُمر: يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قومٌ عرب يَأْنَفون من الجزية، وليست لهم أموالٌ، إنما هم أصحاب حروثٍ ومَواشي (٣)، ولهم نكايةٌ في العدو، فلا تُعِنْ عدوَّك عليك بهم. فصالحَهم عمر ﵁ [على] أن أَضعفَ عليهم الصدقة، واشترط
стр. 172
عليهم أن لا يُنصِّروا أولادهم (١).
قال مغيرة: فحُدِّثتُ أن عليًّا قال: إن تفرَّغتُ لبني تغلب ليكونَنَّ لي فيهم رأيٌ، لأقتلنَّ مقاتِلَتَهم ولأَسبِينَّ ذراريَّهم، فقد نقضوا العهد، وبرئتْ منهم الذمة حين نصَّروا أولادهم (٢).
وحدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن الحَكَم، عن إبراهيم، عن زياد بن حُدَيرٍ: أن عمر ﵁ أمره أن يأخذ من نصارى بني تغلب العُشر، ومن نصارى أهل الكتاب نصف العشر (٣).
قال أبو عبيد: والحديث الأول ــ حديث داود بن كُردوسٍ وزُرعة ــ هو الذي عليه العمل: أن يكون عليهم الضِّعف مما على المسلمين، أَلَا تسمعه يقول: من كل عشرين درهمًا درهمٌ؟ وإنما يؤخذ من المسلمين إذا مرُّوا بأموالهم على العاشر: مِن كل أربعين درهمًا درهمٌ، فذلك ضِعف هذا، وهو المضاعف الذي اشترط عمر عليهم. وكذلك سائر أموالهم من المواشي
стр. 173
والأرضين يكون عليها في تأويل هذا الحديث الضِّعفُ أيضًا، فيكون في خمسٍ من الإبل شاتان، وفي العشر أربعُ شياهٍ، وكذلك الغنم والبقر. وعلى هذا الحَبُّ والثمار، فيكون ما سَقَتْه السماء فيه عُشرانِ وفيما سُقِي بالغَرْب عُشر. وفي حديث عمر ﵁: وشرطه عليهم أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم مثلُ ما على أموال رجالهم، وكذلك يقول أهل الحجاز. انتهى.
فهذا الذي فعله عمر ﵁ وافقه عليه جميع الصحابة والفقهاء بعدهم.
ويُروى عن عمر بن عبد العزيز أنه أبى عليهم إلا الجزية، وقال: لا والله إلا الجزية، وإلا فقد آذنتم بالحرب (١).
ولعله رأى أن شوكتهم ضعفتْ، ولم يخَفْ منهم ما خاف عمر بن الخطاب ﵁، فإن عمر ﵁ كان بعدُ مشغولًا بقتال الكفار وفتح البلاد، فلم يأمن أن يلحقوا بعدوّه فيقوونهم عليه، وعمر (٢) أمِنَ ذلك.
وأما علي بن أبي طالب ﵁ فقال: لئن بقيتُ لهم لأقتلنَّ مقاتِلتَهم
стр. 174
ولأَسْبِيَنَّ ذريتَهم، فإنهم نقضوا العهد ونصَّروا أولادهم (١).
وعلى هذا فلا تجري هذه الأحكام التي ذكرها الفقهاء فيهم، فإنهم ناقضون للعهد، ولكن العمل على جريانها عليهم، فلعل بعض الأئمة جدَّد لهم صلحًا على أن حكم أولادهم حكمهم كسائر أهل الذمة، والله أعلم.
فصل (٢)
فتؤخذ الصدقة منهم مضاعفةً من مالِ مَن تؤخذ منه الزكاة لو كان مسلمًا، من ذكرٍ وأنثى وصغيرٍ وكبيرٍ وزَمِنٍ وصحيح وأعمى وبصيرٍ. هذا قول أهل الحجاز وأهل العراق وفقهاء الحديث منهم الإمام أحمد وأبو عبيد، إلا أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى استثنى الصبيان والمجانين بناءً على أصله في أنه لا زكاة عليهم (٣)، ولا تُؤخَذ الصدقة مضاعفةً من أرضهم كما تُؤخذ من أرض الصبي والمجنون المسلم الزكاة.
وأما الشافعي رحمه الله تعالى فإنه قال: المأخوذ منهم جزيةٌ وإن كان باسم الصدقة، فلا تُؤخذ إلا ممن تؤخذ منه الجزية، فلا تُؤخذ من امرأةٍ ولا صبي ولا مجنونٍ، وحكمها عنده حكم الجزية وإن خالفتْها في الاسم.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال:
стр. 175
هؤلاء حمقى رَضُوا بالمعنى وأَبَوا الاسم (١).
وقال النعمان بن زرعة: خذ منهم الجزية باسم الصدقة (٢).
قال الشافعي (٣) رحمه الله تعالى: واختلفت الأخبار عن عمر بن الخطاب ﵁ في نصارى العرب من تَنوخَ وبَهراء وبني تغلب، فرُوي عنه أنه صالحهم على أن يُضْعِف عليهم الجزية، ولا يُكرَهوا على غير دينهم. وهكذا حفظ أهل المغازي فقالوا: رَامَهم عمر ﵁ على الجزية فقالوا: نحن عربٌ لا نؤدّي كما يؤدِّي العجم، ولكن خُذ منّا كما يأخذ بعضكم من بعضكم، يعنون الصدقة، فقال عمر: هذا فرض على المسلمين (٤)، فقالوا: ازدَدْ (٥) ما شئتَ بهذا الاسم لا اسم الجزية. فراضَاهم على أن أَضْعفَ عليهم الصدقة، [وقال للمُعشّر]: فإذا أضعفتَها عليهم فانظر إلى مواشيهم وذهبهم وورِقهم وأطعمتهم وما أصابوا من معادنِ بلادهم وركازِها، وكل أمرٍ أُخِذَ فيه من مسلمٍ خُمسٌ فخذْ خُمسينِ، وعُشْرٌ فخُذْ عُشْرينِ، ونصفُ عُشرٍ فخُذْ عُشرًا، ورُبع عُشرٍ فخُذْ نصفَ عُشرِ، وكذلك مواشيهم فخُذِ الضِّعفَ منهم. وكلّ ما أُخِذ من عُشرِ ذمي فمسلكُه مسلكُ الفيء، وما اتَّجر به نصارى
стр. 176
العرب وأهل دينهم وإن كانوا يهودَ تُضاعَفُ عليهم فيه الصدقة، انتهى.
قالوا: ولأنهم أهل ذمةٍ، فكان الواجب عليهم جزية لا صدقة، كغيرهم من أهل الذمة.
قالوا: ولأنه مالٌ يؤخذ من أهل الكتاب لحَقْنِ دمائهم، فكان جزيةً كما لو أُخذ باسم الجزية (١).
قالوا: ولأن الزكاة طُهرةٌ، وهؤلاء ليسوا من أهل الطهرة.
قالوا: ولأن عمر ﵁ إنما سألهم الجزية لم يسألهم الصدقة، فالذي سألهم إياه عمر ﵁ هو الذي بذلوه بغير اسمه.
قالوا: ولأن نساءهم وصبيانهم ومجانينهم ليسوا من أهل الزكاة ولا من أهل الجزية، فلا يجوز أن يُؤخذ منهم واحدٌ منهما.
قالوا: ولأن المأخوذ منهم مصرف الفيء لا مصرف الصدقة، فيباح لمن يُباح له أخذُ الجزية.
قال أصحاب أحمد (٢): المتَّبَع في ذلك فعل عمر ﵁، وهم سألوه أن يأخذ منهم ما يأخذ من المسلمين ويُضعِفه عليهم، فأجابهم إلى ذلك، وهو يأخذ من صبيان المسلمين ونسائهم ومجانينهم، وذلك هو الزكاة، وعلى هذا البذل والصلح دخلوا وبه أقرُّوا.
стр. 177
قالوا: ويدل عليه قوله: "من كل عشرين درهمًا درهم"، فهذا غير مذهب الجزية، بل مذهب الصدقة.
قالوا: فشرط عمر ﵁ يقتضي أن يكون على أموال نسائهم وصبيانهم ما على أموال رجالهم.
قالوا: ولفظ الصلح إنما وقع على الصدقة المضاعفة لا على الجزية، وهم الذين بذلوا ذلك فيؤخذ منهم ما التزموه.
قالوا: ولأن نساءهم وصبيانهم صِيْنوا عن السبي بهذا الصلح ودخلوا في حكمه، فجاز أن يدخلوا في الواجب به كالرجال العقلاء.
قال أبو عبيد (١): وهذا أشبهُ لأنه عمَّهم بالصلح، فلم يَستثنِ منهم صغيرًا دون كبيرٍ، والله أعلم.
فصل
وعلى هذا فمن كان منهم فقيرًا أو له مالٌ غير زكوي كالدُّور وثياب البذْلة وعَبيدِ الخدمة فلا شيء عليه، كما لا يجب ذلك على أهل الزكاة من المسلمين، ولا يُؤخذ مِن أقلَّ مِن نصابٍ، وإن كان المأخوذ من أحدهم أقلَّ من جزيةٍ كفى. وقال في "الرعاية" (٢): يحتمل أن يكمل الجزية.
стр. 178
وفي مصرفه روايتان (١):
إحداهما: أنه مصرف الفيء، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى (٢)، وهو الصحيح وهو مذهب الشافعي؛ لأنه مأخوذٌ من مشركٍ، وهو جزيةٌ باسم الصدقة.
والثانية: أن مصرفه مصرف الصدقة، وهي اختيار أبي الخطاب، لأنه معدولٌ به عن الجزية في الاسم والحكم والقدر، فيُعدَل بمصرفه عن مصرفها.
قال الشيخ أبو محمد المقدسي (٣): والأول أقيس وأصح؛ لأن معنى الشيء أخصُّ به من اسمه، ولهذا لو سُمِّي رجلٌ أسدًا أو نَمِرًا أو أسودَ أو أحمرَ لم يَصِرْ له حكم المسمَّى بذلك.
قال: ولأنَّ هذا لو كان صدقةً على الحقيقة لجاز دفعها إلى فقراءِ من أُخِذتْ منهم، لقول النبي ﷺ : "أَعْلِمْهم أن عليهم صدقةً، تُؤخذ من أغنيائهم فَتُرَدُّ في فقرائهم" (٤).
стр. 179
فصل (١)
فإن بذَلَ التغلبيُّ الجزية وتُحَطُّ عنه الصدقة فهل يقبل منه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يقبل منه، لأن الصلح وقع على هذا، فلا يُغيَّر.
والثاني: يُقبل منه، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، وهذا قد أعطى الجزية، ولأن الجزية هي الأصل والصدقة بدلٌ، فإذا بذل الأصل حرم قتله وقتالُه (٢)، ولأن الجزية هي الصَّغار والذُّل الذي أَنِفُوا منه، فترك لمصلحةٍ، فإذا زالت المصلحة وأقرُّوا به والتزموه قُبِل منهم. وهذا أرجح، والله أعلم.
وأما إن كان باذلُ الجزية منهم حربيًّا لم يدخل تحت الصلح فإنها تُقبل منه قولًا واحدًا، ولا يلزمه ما صالح عليه إخوانه. وإن أراد الإمام نقْضَ صلحهم وإلزامهم بالجزية لم يكن له ذلك؛ لأن عقد الذمة على التأبيد، وقد عقد معهم عمر بن الخطاب ﵁، فلم يكن لغيره نقضُه ما داموا على العهد.
فصل
وهذا الحكم يختصُّ ببني تغلب، نصَّ عليه أحمد.
стр. 180
وقال علي بن سعيد (١): سمعت أحمد يقول: أهل الكتاب ليس عليهم في مواشيهم صدقةٌ ولا في أموالهم، إنما تُؤخذ منهم الجزية، إلا أن يكونوا صُولحوا على أن تؤخذ منهم، كما صنع عمر ﵁ بنصارى بني تغلب حين أضعفَ عليهم الصدقةَ في صلحه إياهم.
وقال صالح بن أحمد (٢): قلت لأبي: هل على نساء أهل الذمة وصبيانهم ونخيلهم وكُرومِهم وزروعهم ومواشيهم صدقةٌ؟ قال: ليس عليهم فيها شيء إلا على نصارى بني تغلب.
وكذلك قال في رواية ابن منصورٍ (٣).
وقال حرب بن إسماعيل (٤): قلت لأحمد: فالذي (٥) تكون له الغنم أو الإبل هل تؤخذ منهم؟ قال: كيف تؤخذ منهم؟! إلا نصارى بني تغلب فإنها تُضاعَف عليهم. قال: وكذلك قال قومٌ في أرضهم: تُضاعَف عليهم، أُراه قال: إن اشتروا من المسلمين.
وقال الميموني (٦): قرأت على أبي عبد الله هل على أهل الذمة صدقةٌ