← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وقال إسحاق بن منصورٍ (١): قلت لأبي عبد الله: قول عمر: "لا تشتروا رقيقَ أهل الذمة"؟ قال: لأنهم أهل خراجٍ يؤدِّي بعضهم عن بعضٍ، فإذا صار إلى المسلم انقطع عنه ذلك. وفي المسألة عن أحمد روايتان منصوصتان: إحداهما: لا جزية عليه. والثانية: عليه الجزية، وهو ظاهر كلام الخرقي (٢): فيؤدِّيها عنه سيده. وهي ظاهر المنقول عن عمر وعلي ﵄. قال أحمد (٣): ثنا يحيى، ثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة أن عليًّا ﵁ كان يكره ذلك، يعني: شراء رقيقهم، ويقول: من أجل أنَّ عليهم خراجًا للمسلمين. وظاهر الأحاديث وجوبها على الرقيق، فإنه لم يجئ في حديث واحدٍ منها اختصاصُ ذلك بالأحرار؛ وإن الجزية ذلٌّ وصَغارٌ وهو أهل لذلك؛ ولأنه قوي مكتسبٌ فلم يُقَرَّ في بلاد المسلمين بغير جزيةٍ. وهذا القول هو

стр. 247

الذي نختاره. وقال مهنَّا بن يحيى الشامي (١): أخبرنا إسماعيل ابن عُلَية، عن ابن أبي عَروبة، عن قتادة، عن سفيان العُقيلي، عن أبي عياضٍ قال: قال عمر ﵁: لا تبتاعوا رقيقَ أهل الذمة، فإنما هم أهل خراجٍ يبيع بعضهم بعضًا، وأرضهم فلا تتبايعوها، ولا يُقِرَّنَّ أحدكم بالصَّغار في عنقه بعد إذ أنقذه الله منه. قال مهنا: فسألته ــ يعني أحمد ــ عن سُفيان العقيلي، فقال: روى عنه قتادة وأيوب السختياني، قلت: أي شيءٍ روى أيوب عن سفيان؟ فقال: هذا الحديث مرسلٌ، لم يذكر فيه أبا عياضٍ. وسألته: لِمَ قال عمر: لا تتبايعوا (٢) رقيقَ أهل الذمة، قال: لأنهم يؤدُّون الخراج. وقال الميموني (٣): تذاكرنا قولَ عمر هذا، فقال أبو عبد الله: أظنه كرهه من أنهم كانوا جميعًا في الأصل حيث أُخِذوا مماليك، وإنما ملكوا هؤلاء بالقهر والغلبة منهم لهم، فكره شراءهم، واحتجَّ لقوله أنه نهاهم عن شراء ما في أيدينا، لأنهم إذا كان لهم أن يشتروا منا فلنا أن نشتري ما في أيديهم. قال: هذا معنى كلام أبي عبد الله.

стр. 248

وما أرى الميموني فهِمَ ما قال أحمد، وإلا فلا أدري ما معنى هذا الكلام؟ وعمر ﵁ إنما قال: لأنهم أهل خراجٍ يبيع بعضهم بعضًا. وفي لفظ: يؤدّي بعضهم عن بعضٍ. قال أحمد: فإذا صار إلى المسلم انقطع عنه. هكذا لفظه في رواية إسحاق بن منصورٍ، وقد صرَّح في رواية مهنأ بهذا، وقد سأله عن قول عمر ﵁ ما معناه؟ فقال: إنهم يؤدُّون الخراج ويستعبد بعضهم بعضًا، فإذا اشتراه مسلم لم يكن عليه خراجٌ. قلت: كأنه جعل استعباد بعضهم بعضًا غيرَ مؤثِّرٍ في إسقاط الجزية عنهم، وقد صرَّح به عمر ﵁ في قوله: إنهم أهل خراجٍ يبيع بعضهم بعضًا. وللصحابة ــ لاسيما الخلفاء منهم، لاسيما عمر ــ فقهٌ ونظر لا تبلغه أفهامُ مَن بعدهم، فكأن عمر ﵁ لم يُثبِت لرقيقهم أحكامَ الرقيق التي تثبت لرقيق المسلم، وعلم أنهم يبيع بعضهم بعضًا، وذلك لا يُثبِت الرقَّ في الحقيقة، فمنع المسلم من شرائه احتياطًا، ولم يُسقِط الجزية عن رقبته، وألزمها من ادَّعى أنه رقيقه. وهذا من أدقِّ النظر وألطفِ الفقه، وقد وافقه على ذلك علي بن أبي طالب ﵁، وكره للمسلم شراءهم. وقال: من أجل أنَّ عليهم خراجًا للمسلمين (١).

стр. 249

وقال سعيد: كان قتادة يكره أن يُشترى من رقيقهم شيء إلا ما كان من غير بلادهم زنجيًّا أو حبشيًّا أو خراسانيًّا، لأنه لا يبيع (١) بعضهم بعضًا (٢). قلت: وهذه مسألة قد عمَّ بها الإسلام، ووقع السؤال عنها مرارًا، وهي بيع الكفَّار أولادهم للمسلمين، هل يملكهم المسلمون بذلك ويحلُّ استخدامهم؟ فإن كانوا أهلَ حربٍ جاز الشراء منهم، وملكَ المشتري الأولادَ، لأنه يجوز ملكهم بالسِّباء والسرقة (٣)، فيجوز بالشراء. وإن كانوا ذمةً تحت الجزية لم يجز اشتراء أولادهم، ولا يملكهم المشتري، لأنهم ملتزمون لجريان أحكام الإسلام عليهم، وذلك ينافي حكم الإسلام. وإن كانوا أهل هُدنةٍ لم تجرِ عليهم أحكام الإسلام، فهل يجوز شراء أولادهم منهم (٤)؟ فيه وجهان، والجواز أظهر، فإنهم لم يلتزموا أحكام الإسلام. ومن منع الشراء منهم قال: قد أمنوا بالهدنة من السباء، وهذا في حكم السباء. والفرق بينهما ظاهرٌ، والله أعلم.

стр. 250

فصل وأما شراء أرض الخراج، فقال أبو عبيد (١): حدثني أبو نعيمٍ، حدثنا بُكَير بن عامر، عن الشعبي قال: اشترى (٢) عُتبة بن فَرْقَدٍ أرضًا على شاطئ الفرات ليتخذ فيها قَضْبًا (٣)، فذكر ذلك لعمر فقال: ممن اشتريتَها؟ فقال: من أربابها. فلما اجتمع المهاجرون والأنصار عند عمر قال: هؤلاء أهلُها فهل اشتريتَ منهم شيئًا؟ قال: لا، قال: فاردُدْها على من اشتريتَها منه وخذْ مالَك. وحدثنا [أبو] نعيمٍ عن سعيد بن سِنانٍ عن عنترة قال: سمعت عليًّا يقول: إياي وهذا السواد (٤). وقال أحمد (٥): ثنا وكيع، عن شريكٍ، عن الشيباني، عن عكرمة، عن ابن

стр. 251

عباس ﵄ أنه كره شراء [أرض] أهل الذمة. وإنما كره الصحابة ذلك لأنه يدخل في التزامه الخراج، وهو نوع من الصَّغار، حتى كره ابن عباس قَبالتها. لذلك قال أبو عبيد (١): ثنا حجاجٌ، عن شعبة، عن حبيب بن أبي ثابتٍ قال: تَبِعْنا ابن عباس فسأله رجل فقال: إني أكون بهذا السواد فأتقبَّل، ولستُ أريد أن أزداد، ولكني أدفع عني الضَّيم (٢)، فقرأ عليه ابن عباس: ﴿قَاتِلُوا اُلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ اِلْأَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ اَلْحَقِّ مِنَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فقال: لا تَنزِعوه من أعناقهم وتجعلوه في أعناقكم! قال أبو عبيد (٣): وحدثنا أبو معاوية ويزيد، عن الحجَّاج، عن القاسم بن عبد الرحمن ــ قال يزيد: عن أبيه ــ: أن ابن مسعودٍ اشترى من دهقانٍ أرضًا

стр. 252

على أن يَكْفِيَه جزيتَها (١). قال أبو عبيد (٢): أُراه يعني بالشراء هاهنا الاكتراءَ، لأنه لا يكون مشتريًا والجزية على البائع، وقد خرجت الأرض من مِلْكه. قال: وقد جاء مثله في حديث آخر: حدثني ابن بُكَيرٍ، عن الليث بن سعدٍ، عن عبيد الله بن أبي جعفرٍ، عن القُرَظي قال: ليس بشراء أرض الجزية بأسٌ (٣). يريد كراءها. قال: وقال (٤) ذلك أبو الزناد. فابن مسعودٍ اكترى أرضَ الدهقان منه على أن يكفيه الدهقانُ جِزيتَها، فلا يكون ملتزمًا للصَّغار. وهذا قد يَستدلُّ به من يقول: الخراج على المستأجر، وإلا لم يكن للاشتراط على المُؤجِر معنى، وهو عليه بدون الشرط. ويُجاب عنه بأنه شرطٌ ليُقضى (٥) العقد، فهذا تأكيدٌ له وتقريرٌ. وقال قَبيصة بن ذُؤيبٍ: من أخذ أرضًا بجزيتها فقد باء بما باء [به] أهل الكتابين من الذلّ والصَّغار (٦).

стр. 253

وقال مسلم بن مِشْكَمٍ: من عقد الجزية في عنقه فقد برئ مما عليه رسول الله ﷺ (١). وقال عبد الله بن عمرٍو: ألا أُخبركم بالراجع على عقبيه؟ رجل أسلم فحسُنَ إسلامه، وهاجر فحسُنَتْ هجرته، وجاهد فحسن جهاده، فلما قَفَلَ حمل أرضًا بجزيتها، فذلك الراجع على عقبيه (٢). وسئل عبد الله بن عمرٍو فقيل له: [أحدنا] يأتي النَّبَطيَّ فيحمل أرضَه بجزيتها، فقال: أتبدؤون بالصَّغار وتُعطون أفضلَ مما تأخذون؟! (٣) وقال ميمون بن مِهران: ما يَسُرُّني أن لي ما بين الرُّها إلى حَرَّان بخراج خمسة دراهم (٤). قال أبو عبيد: فقد تتابعت الآثار بكراهة شراء أرض الخراج، وإنما كرهها الكارهون من جهتين: إحداهما: أنها فيءٌ للمسلمين. والأخرى: أن الخراج صَغارٌ. وكلاهما داخلٌ في حديثي عمر اللذين ذكرناهما؛ أحدهما قوله: "ولا يُقِرَّنَّ أحدكم بالصَّغار بعد إذ نجَّاه الله منه"، ووافقه على ذلك ابن مسعودٍ وابن عباس وعبد الله بن عمرٍو وقَبيصة بن ذُؤيبٍ وميمون بن مِهرانٍ ومسلم بن مِشْكمٍ في هذه الأحاديث التي ذكرناها. ومذهبه (٥) في الفيء قوله

стр. 254

لعتبة بن فَرقد حين اشترى الأرض: "هؤلاء أهلُها" يعني المهاجرين والأنصار، ووافقه على ذلك علي بن أبي طالب ﵁. حدثنا يزيد عن المسعودي عن أبي عون الثقفي قال: أسلم دهقان على عهد علي ﵁ (١)، فقال علي: أما أنت فلا جزيةَ عليك، وأما أرضُك فلنا (٢). قلت: قوله: "لا جزيةَ عليك" يريد قد سقط عنك خراج رأسك ــ وهو الجزية ــ بإسلامك، وهذا يدلُّ على أن الإسلام لا يُسقِط الخراج المضروب على الأرض، فإن شاء المسلم أن يقيم بها إقامته به (٣)، وإن شاء نزل عنها فسلمها إلى ذمي بالخراج، فإذا كانت الأرض خراجيةً ثم أسلم أُقِرَّت في يده بالخراج. وهو إجارةٌ حكمها حكم سائر الإجارات. [والخراج] (٤) وإن شارك الإجارة في شيء فبينهما فروقٌ عديدةٌ: منها: أن الإجارة موقَّتةٌ، والخراج غير موقَّتٍ. ومنها: أن الأجرة غير مقدَّرة، والخراج مقدَّر (٥).

стр. 255

ومنها: أنه لا يُكره استئجار المسلم لأرض الفيء، ويُكره دخوله فيها بالخراج، كما فعل ابن مسعودٍ. قال أبو عبيد (١): وأخبرني يحيى بن بكيرٍ أو غيره عن مالك أنه كان ينكر على الليث بن سعدٍ دخولَه فيما دخل فيه من أرض مصر. قال أبو عبيد (٢): وحدثني سعيد بن عُفيرٍ، عن ابن لَهِيعة ونافع بن يزيد ــ وأظنه قال: ــ ويحيى بن أيوب وشيوخِهم أنهم كانوا ينكرون ذلك على الليث أيضًا. قال أبو عبيد (٣): وإنما دخل فيها الليث لأن مصر كانت عنده صلحًا، فلذلك استجاز (٤) الدخول فيها. كذلك حدثني عنه عبد الله بن صالحٍ وابن أبي مريم وغيرهما (٥). وحرَّمها آخرون؛ لأنها كانت عندهم عنوةً. قال أبو عبيد (٦): وكان أبو إسحاق الفزاري يكره الدخول في بلاد الثَّغر لأنها عَنوة، ولم يتخذ بها زرعًا حتى مات.

стр. 256

قال أبو عبيد (١): ومع هذا كله إنه قد سهَّل في الدخول في أرض الخراج أئمةٌ يُقتدى بهم، منهم من الصحابة: عبد الله بن مسعودٍ، ومن التابعين: محمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز، وكان ذلك رأي سفيان الثوري فيما يُحكى عنه. فأما حديث ابن مسعودٍ فإن حجَّاجًا حدثني عن شعبة، عن أبي التيَّاح، عن رجل من طيِّئٍ، حسبته قال: عن أبيه، عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن التَبَقُّر (٢) في الأهل والمال. قال: ثم قال عبد الله: فكيف بمالٍ بِراذانَ (٣) وبكذا وبكذا؟! (٤) وذَكر عن ابن سيرين أنه كانت له أرضٌ من أرض الخراج، فكان يعطيها بالثلث والربع (٥). وذَكر عن عمر بن عبد العزيز أنه أعطى أرضًا بجزيتها من أرض السواد (٦).

стр. 257

قال أبو عبيد (١): وكان عمر بن عبد العزيز يتأوَّل بالرخصة في أرض الخراج أن الجزية التي قال الله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا اُلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، إنما هي على الرؤوس لا على الأرض. حدثنا عبد الله بن صالحٍ عن الليث بن سعدٍ عن عمر بن عبد العزيز قال: إنما الجزية على الرؤوس، وليس على الأرض جزيةٌ (٢). يقول (٣): فالداخل في أرض الخراج ليس بداخلٍ في هذه الآية، والذي يروى عن سفيان أنه قال: إذا أقرَّ الإمام أهل العَنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها (٤)، فهذا يبيِّن لك أن رأيه الرخصة فيها. قال (٥): فالعلماء قد اختلفوا في أرض الخراج قديمًا وحديثًا، إلا أن أهل الكراهة أكثر، والحجة في مذهبهم أبين. وقد احتجَّ قومٌ من أهل الرخصة بإقطاع عثمان مَن أقطعَ من أصحاب النبي ﷺ بالسواد.

стр. 258

قال (١): وإنما كان اختلافهم في الأرض المُغِلَّة التي يلزمها الخراج من ذوات المزارع والشجر، فأما المساكن والدور فما علمنا أحدًا كره شراءها (٢) وحيازتها وسكناها، وقد اقتسمت الكوفة خِطَطًا في زمن عمر بن الخطاب ﵁ وهو أذن في ذلك، ونزلها (٣) من أكابر أصحاب النبي ﷺ رجالٌ، منهم: سعد بن أبي وقاصٍ وعبد الله بن مسعودٍ وعمّارٌ وحذيفة وسلمان وخبَّابٌ وأبو مسعودٍ وغيرهم ﵃ أجمعين، ثم قدِمَها عليٌّ فيمن معه من الصحابة (٤)، فأقام بها خلافته كلها، ثم كان التابعون بعدُ بها، فما علمنا أحدًا منهم ارتاب بها، ولا كان في نفسه منها شيء، وكذلك سائر السواد. * * * *

стр. 259

ذكر أحكام أهل الذمة في أموالهم أما أموالهم التي يتَّجرون بها في المقام أو يتخذونها للقُنية، فليس عليهم فيها صدقةٌ، فإن الصدقة طُهرةٌ وليسوا من أهلها. وأما زروعهم وثمارهم التي يستغلُّونها من أرض الخراج فليس عليهم فيها شيء غير الخراج. وأما ما استغلُّوه من الأرض العُشْرية فهي مسألة اختلف فيها السلف والخلف، ونحن نذكر مذاهب الناس فيها وأدلة تلك المذاهب. قال أبو عبيد (١): أما أرض العشر تكون للذمي ففيها أربعة أقوالٍ. حدثنا محمد عن (٢) أبي حنيفة قال: إذا اشترى الذمي أرضَ عُشرٍ تحولتْ أرضَ خراجٍ (٣). قال: وقال أبو يوسف: يُضاعَف عليه العشر. قال أبو عبيد (٤): وكذلك كان إسماعيل بن إبراهيم ــ ولم أسمعه منه ــ يحدث به عن خالدٍ الحذّاء وإسماعيل بن مسلم ورجلٍ ثالث ذكره، أنهم

стр. 260

كانوا يأخذون من الذمي بأرض (١) البصرة العُشر مضاعفًا. قال (٢): وكان سفيان بن سعيد يقول: عليه العشر على حاله. وبه كان يقول محمد بن الحسن (٣). أما مالك بن أنسٍ فحدثني عنه يحيى بن بُكيرٍ أنه قال: لا شيء عليه فيها؛ لأن الصدقة إنما هي على المسلمين زكاةٌ لأموالهم وطهرةٌ لهم، ولا صدقةَ على المشركين في أرضهم ولا مواشيهم، إنما الجزية على رؤوسهم صَغارًا لهم، وفي أموالهم إذا مروا بها في تجاراتهم. وروى بعضهم عن مالك أنه قال: لا عُشرَ عليه ولكن يؤمر ببيعها، لأن في إقراره عليها إبطالًا للصدقة. وكذلك يروى عن الحسن بن صالحٍ أنه قال: لا عشر عليه ولا خراج إلا إذا اشتراها الذمي من مسلم، وهي أرض عشر، وهذا بمنزلته لو اشترى ماشيته، أولستَ ترى أن الصدقة قد سقطت عنه فيها؟ وقد حُكي عن شَرِيكٍ شيء شبيهٌ بهذا، أنه قال في ذمي استأجر من مسلم أرضَ عُشرٍ، قال: لا شيء على المسلم في أرضه؛ لأن الزرع لغيره، ولا شيء على الذمي [لا] عشرٌ ولا خراجٌ؛ لأن الأرض ليست له. هذا ما حكاه أبو عبيد (٤).

стр. 261

وقال الخلال في "الجامع" (١): باب الذمي يشتري أرض العشر أو أرض الخراج أو يستأجرها. أخبرني محمد بن [أبي] هارون ومحمد بن جعفرٍ قال (٢): حدثنا أبو الحارث أن أبا عبد الله سئل عن أرض أهل الذمة؟ قال: من الناس من يقول ليس عليهم فيها شيء، ومن الناس من يقول: يُضعَفُ عليهم الخراج، قلت له: فما ترى؟ قال: فيها اختلافٌ. ثم ذكر من رواية أبي الحارث وصالحٍ ــ واللفظ لصالحٍ ــ أنه قال لأبيه: كم يؤخذ من أهل الذمة مما أخرجت أرضوهم؟ فقال: من الناس من يقول: لا يكون عليهم إلا فيما تجروا، ومن الناس من يقول: يُضاعَف عليهم (٣). أخبرني حربٌ قال: وسألت أحمد عن الذمي يشتري أرض العشر؟ قال: لا أعلم عليه شيئًا، إنما الصدقة طهرة (٤) مال الرجل، وهذا المشرك ليس عليه. وأهل المدينة يقولون في هذا قولًا حسنًا، يقولون: لا يترك الذمي أن يشتري أرض العشر. قال: وأهل البصرة يقولون قولا عجبًا، يقولون: يُضاعَف عليهم. قال: ويُعجبني أن يُحال بينه وبين الشراء (٥).

стр. 262

أخبرني عِصمة بن عصامٍ قال: حدثنا أبو بكر الصاغاني قال: سمعت أبا عبد الله قال: يُمنع أهل الذمة أن يشتروا من أرض المسلمين. قال أبو عبد الله: وليس في أرض أهل الذمة صدقةٌ، إنما قال الله تعالى: ﴿صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٤]، فأي طُهرةٍ للمشركين! (١). وقال في رواية محمد بن موسى (٢): وأما ما كان للتجارة فمَرُّوا فنصف العشر، وأما أرضوهم فمن الناس من يقول: يُضاعف عليهم العشر، [ومنهم من يقول: على أرضهم الصدقة]، وما أدري ما هو، إنما الصدقة طهرةٌ. قال: وقد روى حماد بن زيدٍ عن أبيه عن عمر ﵁ أنه ضاعف عليهم الخراج، وهذا ضعيف (٣). وأما أهل الحجاز فحُكي عنهم أنهم كانوا لا يَدَعونهم يشترون أرضهم، ويقولون: في شرائهم ضررٌ على المسلمين. وقال إبراهيم بن الحارث (٤): سئل أبو عبد الله عن أرضٍ يُؤدَّى عنها الخراج أيؤدَّى عنها العشر بعد الخراج؟ قال: نعم، كل مسلم فعليه أن يؤدي العشر بعد الخراج، فأما غير المسلم فلا عشر عليه. وقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه (٥) [عن أبي عبد الله] وسأله عن

стр. 263

الذمي يشتري أرض المسلم، قال: لا أرى (١) عليه زكاةً. قال: وحكوا عن إسماعيل ابن عُلَيَّة أنه ما كان يعرف هذا حتى ولي خالدٌ الحذَّاء، فكان يأخذ من أهل الذمة الخمس، كأنه أضعفَ عليهم. وحكوا عن سفيان: ليس عليهم شيء. وحكى لي رجل من أهل المدينة أن أهل المدينة لا يدعون ذميًّا يشتري من أموال المسلمين، يقولون: تذهب الزكاة. قال أبو عبد الله: لا أرى بأسًا أن يشتري وليس عليه زكاة ماله، ألا ترى أن أموالهم ليس عليها شيء إلا أن يختلفوا بها في بلاد المسلمين، فأما لو كانت في منازلهم لم يكن عليهم فيها شيء؟ وكذلك قال في رواية ابن القاسم (٢): إذا اشترى الذمي أرض العشر سقط عنه العشر. قال: وينبغي أن يُمنعوا من شرائها. وقال: أليس يُحكى أن مالكًا يقول: يُمنَعون من ذلك، لأنهم إذا اشتروا ما حولنا ذهبت الزكاة وذهب العشر؟ قال: وهذا في أرض العشر، فأما الخراج فلا. وقال ابن مُشَيشٍ (٣): وسألت أبا عبد الله قلت: المسلم يؤاجر أرض الخراج من الذمي، قال: لا يؤاجر الذمي، وهذا ضررٌ، وأهل المدينة

стр. 264

ــ وذكر مالكًا ــ يقولون: لا نَدَعُ ذميًّا يزرع لأنه يُبطِل العشر، إنما يكون عليه الخراج. وقال جعفر بن محمد (١): سمعت أبا عبد الله يقول: لا تُكرى أرضُ الخراج من أهل الكتاب؛ لأنهم لا يؤدُّون الزكاة. قال أحمد (٢): وحدثنا عفَّان قال: حدثني سهيلٌ، ثنا الأشعث، عن الحسن أنه قال في أهل الذمة إذا اشتروا شيئًا من أرض العشر، قال: فيه الخمس. قال أحمد: أَضعفَه عليهم، وهذا مذهب البصريين. وقال أحمد (٣): ثنا هُشيمٌ، أخبرنا يونس بن عبيد، عن عمرو بن ميمونٍ، عن أبيه أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز في مسلمٍ زارعَ ذميًّا، فكتب إليه عمر ﵀ أن: خُذْ من المسلم ما عليه من الحق في نصيبه، وخُذْ من النصراني ما عليه. قال الخلال (٤): والذي عليه العمل في قول أبي عبد الله أنه ما كان في

стр. 265

أيديهم من صلحٍ أو خراجٍ فهم على ما صولحوا عليه أو جُعِل على أرضهم من الخراج. وما كان من أرض العشر فيُمنَعون من شرائها؛ لأنهم لا يؤدون العشر، وإنما عليهم الجزية والخراج. وذكر أبو عبد الله في قول أهل المدينة وأهل البصرة: فأما أهل المدينة فيقولون: لا يُترك الذّمي يشتري أرضَ العشر. وأهل البصرة يقولون: يُضاعَف عليهم. قال (١): ثم رأيت أبا عبد الله بعد ذكره لذلك والاحتجاج لقولهم مال إلى قول أهل البصرة، أنه إذا اشترى الذمي أرضَ العشر يُضاعَف عليه، وهو أحسنَ القولَ أن لا يُمكَّنوا أن يشتروا، فإن اشتروا ضُوعِف عليهم كما تُضاعَف عليهم الزكاة إذا مرُّوا على العاشر، وهي في الأصل ليست عليهم لو لم يمرُّوا (٢) بها على العاشر واتَّجروا في منازلهم، لم يكن عليهم شيء، فلما مرُّوا جُعِلت عليهم وأُضعِفَ عليهم، وهو بمعنى واحدٍ. وإلَّا فأرض المسلمين هم أحقُّ بها من أهل الذمة. وكذلك ما كان في أيديهم مما صُولحوا عليه فإنما يُضاعَف عليهم العشر؛ لأن في أرضهم العشر، وإنما يُنظر ما يخرج من الأرض، يؤخذ منهم العشر مرتين. هذا معنى ما كان في أيديهم وما اشتروه أيضًا من أرض العشر على هذا النحو مُضاعَفٌ عليهم. قال (٣): وأنا أفسِّر ذلك من قول أبي عبد الله رحمه الله تعالى.

стр. 266

أخبرني عبد الملك بن عبد الحميد قال (١): قال لي أبو عبد الله في أرض أهل الذمة: من الناس من يتأول يأخذ من أرضهم الضعف، قلت: فإذا لم تكن أرضَ خراجٍ فكيف نأخذ منهم الضعف؟ قال: ننظر إلى ما يخرج. قلت: فهذا إذن في الحبّ إذا أخرجت ننظر إلى قدر ما أخرجت، فيؤخذ منه العشر، ونُضعف عليهم مرةً أخرى؟ قال: نعم. ثم قال: ويؤخذ من أموال أهل الذمة إذا اتَّجروا فيها، قُوِّمت ثم أخذ منهم زكاتها مرتين، يُضعف عليهم، فمن الناس من يشبِّه الزرعَ بهذا. قال عبد الملك: والذي لا أشك فيه من قول أبي عبد الله غير مرةٍ= أن أرض أهل الذمة التي في الصلح ليس عليها خراجٌ، إنما يُنظَر ما أخرجت، يؤخذ منهم العشر مرتين. قال عبد الملك: قلت لأبي عبد الله: فالذي يشتري أرض العشر ما عليه؟ قال لي: الناس كلهم يختلفون في هذا، منهم من لا يرى عليه شيئًا، ويُشبِّهه بماله ليس عليه فيه زكاةٌ إذا كان مقيمًا بين أظهُرِنا وبماشِيته (٢)، فيقول: هذه أموالٌ وليس عليه فيها صدقةٌ. ومنهم من يقول: هذه حقوقٌ لقومٍ، ولا يكون شراؤه الأرضَ يذهب بحقوق هؤلاء. والحسن يقول: إذا (٣) اشتراها ضوعف عليه. قلت: فكيف يُضعف عليه؟ قال: لأن عليه العشر،

стр. 267

فيؤخذ منه الخمس. قلت: تذهب إلى أن يُضعف عليه فيؤخذ منه الخمس؟ فالتفت إليَّ فقال: نعم، يُضعف عليهم. ثم قال لنا: ويدخل (١) على الذي قال: لا نرى بأن يؤخذ= لو أن رجلًا موسرًا منهم عَمَدَ إلى أرضٍ من أرض العشر فاشتراها فلم يؤخذ منه شيء أضرَّ هذا بحقوق هؤلاء. وقال أبو طالب (٢): وسألت أبا عبد الله عن الرجل من أهل الذمة يشتري أرض العشر يكون عليه فيها العشر أو الخراج؟ قال: عمر بن عبد العزيز يضاعف عليه، وقال بعض الناس: إنما الخراج على ما كان في أيديهم، وفي المال العشرُ أو نصفُ العشرِ، قلت: ما تقول أنت؟ قال: قول عمر والحسن، يُضعَّف عليهم، فقلت: فهو أحبُّ إليك، قال: نعم. قال الخلال (٣): فقد بيَّن أبو عبد الله هاهنا مذهبَه، وحسَّن مذهبَ من جعل عليهم الضعف. قال الخلال (٤): وأقوى من قول عمر بن عبد العزيز والحسن في الزيادة عليهم ما روي عن عائذ (٥) بن عمرٍو، وإن كان أبو عبد الله لم يذكره في هذه الأبواب، فإنه قد رواه وهو صحيح، والعمل عليه مع ما تقدم من قول أبي

стр. 268

عبد الله الاختيار له. أخبرنا عبد الله قال (١): حدثني أبي، حدثنا وهب بن جريرٍ، حدثنا شعبة عن أبي عمران الجَوني، قال: وسألت عائذ بن عمرٍو المُزَني عن الزيادة على أهل فارس، فلم يرَ به بأسًا وقال: إنما هم خَوَلُكم. قال الخلال (٢): وأخبرنا يعقوب بن سفيان أبو يوسف قال: حدثني محمد بن فُضيلٍ، قال: ثنا سُويدٌ الكلبي، حدثنا حماد بن سلمة، عن شعبة، عن أبي عمران الجَوني عن عائذ بن عمرٍو فيما أُخِذ عنوةً، قال: زِيدوا عليهم فإنهم خَوَلُكم، انتهى (٣). فهذا مذهب أحمد كما تراه: أنه يجب عليهم عُشرانِ، وعليه أكثر نصوصه واحتجاجه. وكثيرٌ من أصحابه يحكي مذهبه أنه لا عُشرَ عليه، ومنهم من يقول: وعنه عليهم عشرانِ، وإذا كانوا إذا اتجروا في غير بلادهم أُخذ منهم ضِعفُ ما يؤخذ من المسلمين مع جواز التجارة لهم، وأنهم لا يُسقِطون بها حقًّا لمسلم، فإذا دخلوا في الأرض العشرية بشراءٍ أو كراءٍ وهم ممنوعون من ذلك، فلَأَن يؤخذ منهم ضِعفُ ما يؤخذ من المسلم بطريق الأولى، إذ لو لم يُؤخَذ منهم لتعطَّلتْ حقوقُ أربابِ العُشْر وما عليه من المنقطعين من الجند والفقراء وغيرهم، وفي ذلك فسادٌ عظيمٌ، فإنا لو مكَّناهم

стр. 269

من الدخول في أرض العشر وهم يعلمون أنه لا عُشْرَ عليهم لتهافتوا وتهالكوا عليها، لكثرة المُغَلِّ وقلَّة المؤونة، فتذهب حقوق المسلمين، وهذا باطلٌ. وقياس الأرض على المواشي والعُروض قياسٌ فاسدٌ، فإن المواشي والعروض لا تُراد للتأبيد، بل تتناقلها الأيدي، وتختلف عليها المُلَّاك. والأرض إذا صارت لواحدٍ منهم ولا عُشرَ عليه فيها ولا خراج= عَضَّ عليها بالنواجذ، وأمسكَها بكلتا يديه، وعطَّل مصلحتها على أهل العشر. ولهذا لما علم أبو حنيفة فساد هذا قال: إذا اشترى أرض العشر تحولت خراجيةً (١). ومذهب الشافعي في هذا: أنهم لا يُمكَّنون من شراء أرض العشر واكترائها، وأنه لا شيء عليهم في زروعهم وثمارهم، كما لا زكاةَ عليهم في مواشيهم وعروضهم ونقودهم. وهو اختيار أبي عبيد وطائفةٍ من أصحاب أحمد، وهو المشهور عند أصحاب مالك، ومذهبه الذي نصَّ عليه منعُهم من شراء أرض العشر (٢). فإن قيل: فما مصرفُ ما يؤخذ من أرضهم؟ قيل: مصرفه مصرف ما يؤخذ من التغلبي، وفيه روايتان كما تقدم، أصحهما أنه مصرف الفيء، فكذا هذا. فإن قيل: فلو باعها لمسلم أو أسلم، فقال الأصحاب: يسقط عنه أحدُ

стр. 270

العشرين، ويبقى الآخر وهو عشر الزكاة، ولم يفصِّلوا. وقياس المذهب التفصيل، وأنه إن باعها أو أسلم قبل اشتداد الحبّ فكذلك، وإن باعها بعد اشتداده ووجوب العشرين لم يسقط أحدهما، وإن أسلم بعد اشتداد الحبّ وصلاح الثمر سقط عنه العشران. أما عُشر الزكاة فلأنه وقتَ الوجوب لم يكن من أهله، وأما العُشر المضاعَف فإنما وجب بسبب الكفر، فإذا أسلم سقط عنه، كما تسقط الجزية بإسلامه. فإن قيل: فلو اشترى ذمي أرضًا خراجيةً من تغلبي فما حكمها؟ قيل: قد اختلف في ذلك الأصحابُ على ثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنه لا شيء عليه في نَبْتها كما لو اشتراها من مسلم. والثاني: عليه فيها عشر واحدٌ. والثالث: عليها فيها عشران كما كان على التغلبي، وهو الأقيس والأصح (١). فإن قيل: فما تقولون لو اشترى ذمي أرضًا من مسلم لا عُشْرَ فيها، مثل أن كانت دورًا أو خانًا ونحو ذلك، فزرعَها فهل يجب عليه (٢) في زرعها شيء؟ قيل: لا يجب عليه شيء في هذه الصورة، ولا يُمنع من شرائها، فإنه لم

стр. 271

يسقط بذلك حق مسلم من الأرض. وكذلك الحكم لو اشترى أرضًا خراجيةً من ذمي فزرعها لم يكن عليه غير الخراج، كما كانت في يد البائع وكما لو ورثها. وقال أبو عبد الله بن حمدان في "رعايته": وإن اشترى ذميٌّ أرضًا خراجيةً أو أرضَ تغلبيًّ جاز، ولا شيء عليه في نَبْتها. وقيل: بل عُشرانِ، وقيل: بل عشر في نبت الخراجية، لا فيما اشتراه من تغلبي. قلت: أما شراؤه أرضَ التغلبي فإنه يتوجه أن يجب عليه عشران، كما كان يجب على التغلبي، ولا يسقط بشرائه حق المسلمين الذي كان على أرض التغلبي، بل إذا ضُوعِف عليه العشر بشرائها من مسلم حيث لم يكن واجبًا، فَلَأن يؤخذ منه ما كان واجبًا على التغلبي أولى وأحرى. وأما شراؤه للأرض الخراجية التي لا عشر عليها فهذا لا يتوجه فيه نزاعٌ، ولا نقبل ما ذكره من الأقوال، ولاسيما إذا اشتراها من ذمي، كما يدخل في عموم كلامه، فهذا لم يقل أحدٌ: إنّ عليه فيها عشرين ولا عشرًا (١). فإن قيل: يُحمل كلامه على ما إذا اشتراها من مسلم. قيل: إن كانت عُشريةً ــ مع كونها خراجيةً ــ فقد تقدم حكمها، وإن لم تكن عشريةً بأن كانت دارًا أو خانًا جاز له شراؤها، ولا عُشرَ عليه في زرعها اتفاقًا كما تقدم، بل هذا من سوء التفريع والتصرف، والله أعلم.

стр. 272

فإن قيل: فما تقولون في إجارة الأرض العشرية للذمي؟ قيل: قد نصَّ أحمد رحمه الله تعالى على صحة الإجارة مع الكراهة (١). والفرق بينها وبين البيع أن البيع يُراد للدوام بخلاف الإجارة، والحكم في زرعه كالحكم في زرع ما اشتراه. وقيل: لا شيء عليه هاهنا وإن أوجبنا عليه العُشرينِ في صورة الشراء، ويكون كما لو اشترى الزرع وحده. وهذا ليس بصحيح، فإن الموجب لمضاعفة العشر عليه في صورة الشراء هو بعينه موجودٌ في صورة الإجارة. وأما شراؤه الزرعَ، فإن اشتراه قبل اشتداد حبِّه لم يصح البيع، وإن اشتراه بعد اشتداد حبِّه فزكاته على البائع. فإن قيل: فلو اشتراه مع الأرض قبل اشتداد الحبّ. قيل: حكمه حكم ما زرعه بنفسه. فصل وأما أموالهم التي يتَّجرون بها من بلدٍ إلى بلدٍ فإنه يؤخذ منهم نصفُ عُشرِها إن كانوا ذمةً، وعُشرها إن كانوا أهلَ هدنةٍ. وهذه مسألة تلقَّاها الناس عن عمر بن الخطاب ﵁، ونحن نذكر أصلها وتفاصيلها (٢)، وكيف كان ابتداء أمرها، واختلاف الفقهاء في ما

стр. 273

اختلفوا فيه من أحكامها، بحول الله وقوته وتأييده، بعدَ أن نذكر مقدمةً في المُكوس وتحريمها والتغليظ في أمرها، وتحريمِ الجنة على صاحبها، وأمْرِ رسول الله ﷺ بقتله، وأن قياسها على ما وضعه عمر ﵁ على أهل الذمة من الخراج أو العشر كقياس أهل الشرك الذين قاسوا الربا على البيع، والميتةَ على المذكِّى. قال الإمام أحمد (١): حدثنا يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن عبد الرحمن بن شِماسة التُّجيبي، عن عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يدخلُ الجنةَ صاحبُ مَكْسٍ". وقال أبو عبيد (٢): حدثنا يحيى بن بُكَيرٍ، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخير (٣) قال: سمعت رُوَيفع بن ثابتٍ يقول: سمعت رسول

стр. 274

الله ﷺ يقول: "إنّ صاحبَ المَكْس في النار". قال: يعني العاشر. حدثنا الهيثم بن جَميلٍ، عن محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن مَيْسرة، عن طاوسٍ، عن عبد الله بن عمرٍو ﵄ قال: إن صاحب المكس لا يُسأل عن شيء، يُؤخذ كما هو فيُرمى به في النار (١). حدثنا حسان بن عبد الله، عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري، عن أبيه قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن: ضَعْ عن الناس الفديةَ، وضَعْ عن الناس المائدة، وضَعْ عن الناس المكْسَ، وليس بالمكس ولكنه البَخْس الذي قال الله تعالى فيه (٢): ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [هود: ٨٤]، فمن جاءك بصدقةٍ فاقبلْها منه، ومن لم يأتِك بها فالله حسيبُه (٣). حدثنا نعيمٌ، عن ضَمْرة، عن كُريز (٤) بن سليمان، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الله بن عوفٍ (٥) القاري أن: اركَبْ إلى البيت الذي برَفَحٍ الذي يقال له بيت المَكْس، فاهدِمْه، ثم احمِلْه إلى البحر، فانسِفْه فيه

стр. 275

نَسْفًا (١). قال أبو عبيد (٢): قد رأيته بين مصر والرملة. حدثنا عثمان بن صالحٍ، عن ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن مُخيِّس بن ظَبيان، حدَّثه عن عبد الرحمن بن حسَّان، عن رجل من جُذامٍ، عن مالك بن عَتاهية قال: قال رسول الله ﷺ : "من لقي صاحبَ عُشُورٍ فليضرِبْ عُنقَه" (٣). حدثنا ابن أبي مريم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، عن مُخيِّس بن ظَبيان عن عبد الرحمن بن حسان قال: أخبرني رجل من جُذامٍ [قال] سمع فلانَ بن عَتاهية يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا لقيتم عاشرًا فاقتلوه"، يعني بذلك الصدقةَ يأخذها على غير حقِّها (٤). حدثنا حجاجٌ عن ابن جريجٍ (٥) قال: أخبرني عمرو بن دينارٍ، قال:

стр. 276

أخبرني مسلم بن شَكَرَة أنه سأل ابن عمر: أعَلِمتَ أن عمر أخذ من المسلمين العُشر؟ قال: لا أعلمه (١). حدثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن عبد الله بن خالدٍ العَبْسي، عن عبد الرحمن بن مَعْقِلٍ (٢) قال: وسألتُ زياد بن حُدَيرٍ مَن كنتم تعشرون؟ قال: ما كنا نعشر مسلمًا ولا معاهدًا. قلت: فمن (٣) كنتم تعشرون؟ قال: تجار الحرب، كما كانوا يعشروننا إذا أتيناهم (٤). حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شقيقٍ، عن مسروقٍ أنه قال: والله ما علمتُ عملًا أخوفَ عندي أن يُدخِلني الله النارَ من عملكم هذا، وما تراني (٥) أن أكون ظلمتُ فيه مسلمًا أو معاهدًا دينارًا ولا درهمًا، ولكني لا أدري ما هذا الحبل الذي لم يَسُنَّه رسول الله ﷺ ولا أبو بكر ولا عمر. قالوا: فما حملك على أن دخلتَ فيه؟ قال: لم يَدَعْني زيادٌ ولا شُريحٌ ولا الشيطان (٦)

стр. 277

حتى دخلتُ فيه (١). قلت: هو (٢) سلسلةٌ كان يُعتَرض بها على النهر تَمنع السُّفُنَ من المضي حتى تُؤخَذ منهم الصدقة، وكان مكانها يُسمَّى "السلسلة". وأقام بها مسروقٌ زمانًا يقصر الصلاة، كان عاملًا لزيادٍ، وكان أبو وائلٍ معه، قال: فما رأيتُ أميرًا قطُّ كان أعفَّ منه، ما كان يصيب شيئًا إلا ماء دجلة (٣). وقيل للشعبي: كيف خرج مسروقٌ من عمله؟ قال: ألم تروا إلى الثوب يُبعث به إلى القصَّار فيُجِيد غَسْلَه؟ فكذلك خرج من عمله (٤). قال أبو عبيد (٥): وكان المكس له أصلٌ في الجاهلية، يفعله ملوك العرب والعجم جميعًا، فكانت سنتهم أن يأخذوا من التجار عُشر أموالهم إذا مرُّوا بها عليهم. يبيِّن ذلك ما في كتب النبي ﷺ لمن كتب من أهل الأمصار، مثل ثقيفٍ والبحرين ودُومة الجندل وغيرهم ممن أسلم: أنهم لا يُحشَرون ولا

стр. 278

يُعْشَرون، فعلمنا بهذا أنه كان من سنة الجاهلية مع أحاديث فيه كثيرةٍ، فأبطل الله تعالى ذلك برسوله ﷺ وبالإسلام، وجاءت فريضة الزكاة (١)، فمن أخذها منهم على وجهها فليس بعاشرٍ، لأنه لم يأخذ العُشر، إنما أخذ رُبعه. وهو مفسَّرٌ في الحديث الذي يحدِّثونه عن عطاء بن السائب، عن حرب بن عبيد الله الثقفي عن جدِّه ــ أبي أمية (٢) ــ أن رسول الله ﷺ قال: "ليس على المسلمين عُشورٌ، إنما العُشور على اليهود والنصارى" (٣). قلت: وفي "المسند" و"سنن أبي داود" (٤) عن رجل من بني تغلب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس على المسلمين عُشورٌ، إنما العُشور على اليهود والنصارى".

стр. 279

قال أبو عبيد (١): فالعاشر الذي يأخذ الصدقة بغير حقّها، كما جاء في الحديث مرفوعًا وقد تقدم. وكذلك وجه حديث ابن عمر: أن عمر لم يأخذ العشور، إنما أراد هذا ولم يُرِد الزكاة. وقد كان عمر وغيره من الخلفاء يأخذونها عند الأعطية. وكذلك حديث زياد بن حُدَيرٍ: ما كنا نعشر مسلمًا ولا معاهدًا، أراد: أنا كنا نأخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر. قال (٢): وكان مذهب عمر فيما وضع من ذلك: أنه كان يأخذ من المسلمين الزكاة، ومن أهل الحرب العشر تامًّا؛ لأنهم كانوا يأخذون من تجار المسلمين مثله إذا قدموا بلادهم، فكان سبيله في هذين الصنفين بيِّنًا واضحًا. قال (٣): وكان الذي يُشكِل عليَّ وجهُه أخْذَه من أهل الذمة، فجعلتُ أقول: ليسوا بمسلمين فتؤخذ منهم الصدقة، ولا من أهل الحرب فيؤخذ منهم مثل ما أخذوا منا، فلم أدْرِ ما هو، حتى تدبَّرتُ فوجدتُه إنما صالح على ذلك صلحًا سوى جزية الرؤوس وخراج الأرضين. حدثنا الأنصاري، عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أبي مِجْلَزٍ قال: بعث عُمَرعمَّارًا وابن مسعودٍ وعثمان بن حُنَيفٍ إلى الكوفة، ثم ذكر

стр. 280

حديثًا فيه طولٌ قال: فمسح عثمان الأرض، فوضع عليها الخراج، وجعل في أموال أهل الذمة التي يختلفون بها: من كل عشرين درهمًا درهمٌ، وجعل على رؤوسهم ــ وعطَّل من ذلك النساء والصبيان ــ أربعةً وعشرين، وكتب بذلك إلى عمر ﵁ فأجازه (١). قال أبو عبيد (٢): فأرى الأخذ من تجّارهم في أصل الصلح، فهو الآن حق المسلمين عليهم. وكذلك كان مالك بن أنسٍ يقول، حدثنيه عنه يحيى بن بُكَيرٍ، قال (٣): إنما صولحوا على أن يَقَرُّوا ببلادهم، فإذا مرُّوا بها للتجارات أُخِذ منهم كلما مرُّوا. حدثنا معاذ بن معاذٍ، عن ابن عونٍ، عن أنس بن سيرين قال: بعث إليَّ أنس بن مالك ﵁ فأبطأتُ عليه، ثم بعث إليَّ فأتيته، فقال: إن كنتُ لأرى أني لو أمرتُك أن تَعَضَّ على حجر كذا وكذا ابتغاءَ مرضاتي لفعلتَ؛ اخترتُ لك عين عملي (٤) فكرهتَه؟ إني أكتب لك سنة عمر ﵁. قلت: اكتب لي سنة عمر، فكتب: يؤخذ من المسلمين من كل أربعين درهمًا درهم،

стр. 281

ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهمٌ، وممن لا ذمَّة له من كل عشرة دراهم درهمٌ، قلت: ومن لا ذمة له؟ قال: الروم، كانوا يقدمون الشام (١). حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن زياد بن حُدَيرٍ قال: استعملني عمر على العُشر، وأمرني أن آخذ من تجّار أهل الحرب العشر، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر، ومن تجار المسلمين ربع العشر (٢). وقال مالك عن ابن شهابٍ عن السائب بن يزيد قال: كنت عاملًا على سوق المدينة في زمن عمر، فكنا نأخذ من النَّبط العُشر (٣). وقال مالك عن ابن شهابٍ عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان عمر يأخذ من النَّبط من الزيت والحنطة نصف العشر؛ لكي يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القُطْنية العُشرَ (٤). ولهذا ذهب مالك إليه اتباعًا لعمر.

стр. 282

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمصر: من مرَّ بك من أهل الذمة فخُذْ مما يديرون في التجارات من أموالهم من كل عشرين دينارًا دينارًا، وما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت ثُلُثَ دينارٍ فلا تأخذ منها شيئًا، واكتبْ لهم بما تأخذ كتابًا إلى مثله من الحول (١). وقال عبد الله بن محمد بن زياد بن حُدَيرٍ: كنت مع جدي زياد بن حُدَيرٍ على العشور، فمرَّ نصراني بفرسٍ فقوَّموه عشرين ألفًا، فقال: إن شئتَ أعطيتنا أَلْفَين (٢) وأخذتَ الفرس، وإن شئت أعطيناك ثمانية عشر ألفًا (٣). قال أبو عبيد (٤): وإنما فعل عمر في العشر ما فعل لمصالحته إياهم عليه، ولم يكن ذلك بعهد النبي ﷺ ، لأن الذين صالحهم لم يكن شَرَطَ عليهم منه شيئًا، وكذلك دهر أبي بكرٍ، وإنما فُتِحت بلاد العجم في زمن عمر، فلذلك كان الذي كان.

стр. 283

قال الشعبي: أول من وضع العشر في الإسلام عمر ﵁ (١). قال أبو عبيد (٢): وكان ابن شهابٍ يتأوَّل على عمر فيه شيئًا غيرُه أحبُّ إلينا منه. حدثنا إسحاق بن عيسى، عن مالك بن أنسٍ رحمه الله تعالى قال: سألتُ ابن شهابٍ لِمَ أخذ عمر العشر من أهل الذمة؟ فقال: كان يؤخذ منهم في الجاهلية فأقرَّهم عمر على ذلك (٣). قال أبو عبيد (٤): والوجه الأول الذي ذكرناه من الصلح أشبهُ بعمر وأولى به، وبه كان يقول مالك بن أنسٍ نفسه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن هشامٍ عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك على العشور، فقلت: تبعثني إلى العشور من بين عُمَّالك؟ فقال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁؟ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر (٥).

стр. 284

فصل إذا عرف هذا فاختلف الأئمة في ذلك: هل يؤخذ من الذمي والحربي أم يختص الأخذ بالحربي؟ فقال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: لا يؤخذ من الذمي شيء، وإن اضطرب في بلاد الإسلام كلها غير الحجاز، فإن الجزية أثبتتْ له الأمانَ العام على نفسه وأهله وماله في المقام والسفر. فإن دخل إلى أرض الحجاز فيُنظر في حاله: فإن كان دخوله لرسالةٍ أو نقل مِيْرةٍ (٢) أذن له [الإمام] بغير شيء، وإن كان لتجارةٍ لا حاجةَ بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضًا بحسب ما يراه، والأولى أن يشترط عليه نصف العشر؛ لأن عمر ﵁ شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من أهل الذمة. وأما الحربي فإن دخل إلينا لتجارةٍ لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له الإمام إلا بعوضٍ يشرطه، ومهما شرط جاز، ويستحب أن يشرط العشر ليوافق فعل عمر. وإن أذن مطلقًا من غير شرطٍ لم يؤخذ منه شيء، لأنه أمانٌ من غير شرطٍ، فهو كالهدنة. قال: ويحتمل أن يجب عليه العشر؛ لأن عمر ﵁ أخذه، هذا نصه (٣).

стр. 285

وأما أصحابه فتصرفوا في مذهبه وقالوا (١): أما المعاهد فإذا دخل بلاد الإسلام تاجرًا أخذ منه عشر ماله، وإن دخل بلاد الإسلام من غير تجارةٍ بأن أمَّنه مسلم، فإن دخل غير الحجاز لم يطالب بشيء وإن دخل الحجاز بأمان مسلم فهل يطالب وإن لم يكن تاجرًا فيه وجهان لأصحاب الشافعي. قالوا: وهل يفتقر أخذ العشر إلى شرط الأمام أو يكفي فيه شرط عمر بن الخطاب ﵁ على وجهين. قالوا: وإذا رأى الإمام أن يحطَّ من العشر في صنفٍ تدعو الحاجة إليه جاز، وإن رأى حط العشر بالكلية لتتسع المكاسب، فهل له ذلك؟ على وجهين: أحدهما: يجوز مراعاةً للمصلحة. والثاني ــ وهو الأصح ــ: لا يجوز، بل لا بد من أخذ شيء وإن قل. وهل له أن يزيد على العشر إذا رأى فيه المصلحة؟ فيه وجهان. قالوا: وإذا أخذ منه العشر في مالٍ ثم عاد به في تلك السنة لم يكرر عليه الأخذ؛ لأن ذلك بمثابة الجزية على رقبته، فإن وافى بمالٍ آخر غيره في ذلك العام أخذنا عشره. قالوا: فإن كان المال المتردد به إلى الحجاز فهل يؤخذ منه كرَّةً ثانيةً في العام؟ فيه وجهان. فهذا تحصيل مذهب الإمام الشافعي ﵁.
следующие страницы →