← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ومن أهل الذمة من كل عشرين درهمًا درهمٌ، وممن لا ذمَّة له من كل عشرة دراهم درهمٌ، قلت: ومن لا ذمة له؟ قال: الروم، كانوا يقدمون الشام (١). حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم بن مهاجرٍ، عن زياد بن حُدَيرٍ قال: استعملني عمر على العُشر، وأمرني أن آخذ من تجّار أهل الحرب العشر، ومن تجار أهل الذمة نصف العشر، ومن تجار المسلمين ربع العشر (٢). وقال مالك عن ابن شهابٍ عن السائب بن يزيد قال: كنت عاملًا على سوق المدينة في زمن عمر، فكنا نأخذ من النَّبط العُشر (٣). وقال مالك عن ابن شهابٍ عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: كان عمر يأخذ من النَّبط من الزيت والحنطة نصف العشر؛ لكي يكثر الحمل إلى المدينة، ويأخذ من القُطْنية العُشرَ (٤). ولهذا ذهب مالك إليه اتباعًا لعمر.

стр. 282

وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمصر: من مرَّ بك من أهل الذمة فخُذْ مما يديرون في التجارات من أموالهم من كل عشرين دينارًا دينارًا، وما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت ثُلُثَ دينارٍ فلا تأخذ منها شيئًا، واكتبْ لهم بما تأخذ كتابًا إلى مثله من الحول (١). وقال عبد الله بن محمد بن زياد بن حُدَيرٍ: كنت مع جدي زياد بن حُدَيرٍ على العشور، فمرَّ نصراني بفرسٍ فقوَّموه عشرين ألفًا، فقال: إن شئتَ أعطيتنا أَلْفَين (٢) وأخذتَ الفرس، وإن شئت أعطيناك ثمانية عشر ألفًا (٣). قال أبو عبيد (٤): وإنما فعل عمر في العشر ما فعل لمصالحته إياهم عليه، ولم يكن ذلك بعهد النبي ﷺ ، لأن الذين صالحهم لم يكن شَرَطَ عليهم منه شيئًا، وكذلك دهر أبي بكرٍ، وإنما فُتِحت بلاد العجم في زمن عمر، فلذلك كان الذي كان.

стр. 283

قال الشعبي: أول من وضع العشر في الإسلام عمر ﵁ (١). قال أبو عبيد (٢): وكان ابن شهابٍ يتأوَّل على عمر فيه شيئًا غيرُه أحبُّ إلينا منه. حدثنا إسحاق بن عيسى، عن مالك بن أنسٍ رحمه الله تعالى قال: سألتُ ابن شهابٍ لِمَ أخذ عمر العشر من أهل الذمة؟ فقال: كان يؤخذ منهم في الجاهلية فأقرَّهم عمر على ذلك (٣). قال أبو عبيد (٤): والوجه الأول الذي ذكرناه من الصلح أشبهُ بعمر وأولى به، وبه كان يقول مالك بن أنسٍ نفسه. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن هشامٍ عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك على العشور، فقلت: تبعثني إلى العشور من بين عُمَّالك؟ فقال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁؟ أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر (٥).

стр. 284

فصل إذا عرف هذا فاختلف الأئمة في ذلك: هل يؤخذ من الذمي والحربي أم يختص الأخذ بالحربي؟ فقال الشافعي (١) رحمه الله تعالى: لا يؤخذ من الذمي شيء، وإن اضطرب في بلاد الإسلام كلها غير الحجاز، فإن الجزية أثبتتْ له الأمانَ العام على نفسه وأهله وماله في المقام والسفر. فإن دخل إلى أرض الحجاز فيُنظر في حاله: فإن كان دخوله لرسالةٍ أو نقل مِيْرةٍ (٢) أذن له [الإمام] بغير شيء، وإن كان لتجارةٍ لا حاجةَ بأهل الحجاز إليها لم يأذن له إلا أن يشترط عليه عوضًا بحسب ما يراه، والأولى أن يشترط عليه نصف العشر؛ لأن عمر ﵁ شرط نصف العشر على من دخل الحجاز من أهل الذمة. وأما الحربي فإن دخل إلينا لتجارةٍ لا يحتاج إليها المسلمون لم يأذن له الإمام إلا بعوضٍ يشرطه، ومهما شرط جاز، ويستحب أن يشرط العشر ليوافق فعل عمر. وإن أذن مطلقًا من غير شرطٍ لم يؤخذ منه شيء، لأنه أمانٌ من غير شرطٍ، فهو كالهدنة. قال: ويحتمل أن يجب عليه العشر؛ لأن عمر ﵁ أخذه، هذا نصه (٣).

стр. 285

وأما أصحابه فتصرفوا في مذهبه وقالوا (١): أما المعاهد فإذا دخل بلاد الإسلام تاجرًا أخذ منه عشر ماله، وإن دخل بلاد الإسلام من غير تجارةٍ بأن أمَّنه مسلم، فإن دخل غير الحجاز لم يطالب بشيء وإن دخل الحجاز بأمان مسلم فهل يطالب وإن لم يكن تاجرًا فيه وجهان لأصحاب الشافعي. قالوا: وهل يفتقر أخذ العشر إلى شرط الأمام أو يكفي فيه شرط عمر بن الخطاب ﵁ على وجهين. قالوا: وإذا رأى الإمام أن يحطَّ من العشر في صنفٍ تدعو الحاجة إليه جاز، وإن رأى حط العشر بالكلية لتتسع المكاسب، فهل له ذلك؟ على وجهين: أحدهما: يجوز مراعاةً للمصلحة. والثاني ــ وهو الأصح ــ: لا يجوز، بل لا بد من أخذ شيء وإن قل. وهل له أن يزيد على العشر إذا رأى فيه المصلحة؟ فيه وجهان. قالوا: وإذا أخذ منه العشر في مالٍ ثم عاد به في تلك السنة لم يكرر عليه الأخذ؛ لأن ذلك بمثابة الجزية على رقبته، فإن وافى بمالٍ آخر غيره في ذلك العام أخذنا عشره. قالوا: فإن كان المال المتردد به إلى الحجاز فهل يؤخذ منه كرَّةً ثانيةً في العام؟ فيه وجهان. فهذا تحصيل مذهب الإمام الشافعي ﵁.

стр. 286

وأما مذهب الإمام مالك (١) ﵁ فيؤخذ العشر عنده من بضائع تجَّار [أهل] الحرب. وأما الذمي فإن اتجر في بلده لم يُطالَب بشيء، وإن اضطرب في بلاد الإسلام أُخذ منه العشر كلما دخل ولو مرارًا في السنة، من المال الصامت والرقيق والطعام والفاكهة وغيرها مما يتجر فيه. ثم اختلف قول ابن القاسم وقول عبد الملك بن حبيبٍ في المأخوذ: هل هو عُشْر ما يدخل به؟ وهو رأي ابن حبيبٍ، أو عشر ما يعوضه؟ وهو رأي ابن القاسم. قالوا: وسبب الاختلاف: هل المأخوذ منهم لحقِّ الوصول إلى البلد الثاني أو لحقِّ الانتفاع فيه؟ قالوا: ويتخرج على هذا فرعان: أحدهما: لو دخلوا ببضاعةٍ أو عينٍ ثم أرادوا الرجوع قبل أن يبيعوا ويشتروا، فابن حبيبٍ يوجب عليهم العشر كالحربيين، وابن القاسم لا يوجبه؛ لأنهم لم ينتفعوا فيه. الفرع الثاني: لو دخلوا بإماءٍ فابن حبيبٍ يمنعهم من وطئهن واستخدامهن، ويحول بينهم وبينهن، لأنه يرى المسلمين شركاءهم. وابن القاسم لا يرى المنع، ولا يحول بينهم وبينهن (٢)، إذ لا يرى الشركة.

стр. 287

ولو باعوا في بلدٍ ثم اشتروا فيه لم يؤخذ منهم إلا عشر واحدٌ، ولو باعوا في أفقٍ ثم اشتروا بالثمن في أفقٍ آخر أُخِذ منهم عُشرانِ. قالوا: ويُخفَّف عن أهل الذمة فيما حملوه إلى مكة والمدينة من الزيت والحنطة خاصةً، فيؤخذ منهم نصف العشر. هذا المشهور عن مالك. وروى ابن نافعٍ عنه أنه يؤخذ منهم العشر كاملًا، كما لو حملوا ذلك إلى غيرهما أو حملوا غيرهما إليهما. وإذا دخل الحربي بأمانٍ مطلقٍ أُخذ منه العشر، لا يزاد عليه، وتجوز مُشارطتُه على أكثر من ذلك عند عقد الأمان على الدخول. ولو تَجَر بالخمر والخنزير وما يحرم علينا، فروى ابن نافعٍ عن مالك: يتركونه حتى يبيعوه (١)، فيؤخذ منهم عُشر الثمن. فإن خِيفَ من خيانتهم في ذلك جُعل معهم أمينٌ. قال ابن نافعٍ: وذلك إذا جلبوه إلى أهل الذمة، لا إلى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها. وفي "الواضحة" لعبد الملك بن حبيبٍ: إذا نزل الحربي بخمرٍ أو خنزيرٍ أراق الإمام الخمرَ وقتل الخنزير، ولم يُنزِلهم مع بقائهما. قال سحنونٌ: وإذا اشترى الذمي فأُخِذ منه العشر، ثم استُحِقَّ ما بيده أو ردّه بعيبٍ= رجع بالعشر.

стр. 288

قال أشهب: ولو ثبت أن على الذمي دَينًا لمسلم لم يؤخذ منه عُشر، وإن ادَّعاه لم يُصدَّق بمجرد قوله، ولا يسقط بثبوته لذمي. هذا تفصيل مذهب مالك رحمه الله تعالى. فصل وأما تفصيل مذهب أحمد (١)، فقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: من أين أخذوا [من] أموال أهل الذمة ــ إذا تَجَروا فيها ــ الضِّعفَ؟ على أيِّ سنةٍ هو؟ قال: لا أدري، إلا أنه فِعْل عمر بن الخطاب ﵁. ثم قال: تُؤخذ منا زكاتنا ربع العشر، ويُضعَّف عليهم فيُؤخذ منهم نصف العشر. قال الميموني: وقرأت على أبي عبد الله: وإن اتَّجروا ــ يعني أهل الذمة ــ بأموالهم بين أظهرنا هل لنا فيها شيء؟ فأملى عليَّ: ليس فيها شيء، وإنما يؤخذ منهم إذا مرُّوا بتجارتهم علينا. قال صالح بن أحمد: قلت لأبي: تجب على اليهودي والنصراني الزكاة في أموالهم؟ قال: لا تجب عليهم، ولكن إذا مرُّوا بالعاشر فإن كان أهل الذمة أخذ منهم نصف العشر، من كل عشرين دينارًا دينارٌ، يعني: فإذا نقصت من العشرين فليس عليه فيها شيء، ولا تؤخذ منهم إلا مرةً واحدةً، ومن المسلم من كل أربعين دينارًا دينارٌ. قال الميموني: وقرأت على أبي عبد الله: وما عليهم ــ يعني أهل الذمة ــ

стр. 289

في أموالهم التي يتجرون فيها إذا مرُّوا بها علينا؟ فأملى عليَّ: السنة مرةً. كذا يروي إبراهيم النخعي عن عمر: أن لا يأخذ في السنة إلا مرةً. قال حنبلٌ: سمعت أبا عبد الله يقول: أهل الذمة إذا تَجَروا من بلدٍ إلى بلدٍ أُخِذ منهم الجزية ونصف العشر، فإذا كانوا في المدينة لم يؤخذ منهم إلا الجزية، وعلى المسلمين ربع العشر، من كل أربعين درهمًا درهمٌ. وقال أبو الحارث: كتبت إلى أبي عبد الله أسأله عن النصراني واليهودي إذا مرُّوا على العاشر كم يأخذ منهم (١)؟ قال: يؤخذ منهم نصف العشر من كل عشرين دينارًا دينارٌ، قلت: فإن كان مع الذمي عشرة دنانير؟ قال: يؤخذ منه نصف دينارٍ، قلت: فإن كان أقلَّ من عشرة دنانير؟ قال: إذا نقصتْ لم يؤخذ منه شيء؟ قال أبو الحارث: وقلت لأبي عبد الله: إذا مرَّ أهل الذمة بالعاشر مرتين يؤخذ منهم العشر كلَّما مرُّوا؟ قال: لا يُؤخذ منهم في السنة إلا مرةً واحدةً وإن مرُّوا بالعاشر مرارًا. قلت: فما أُخذ من أهل الذمة فهي زكاة أموالهم؟ قال: ليس على أهل الذمة زكاةٌ، ولكن إذا مرُّوا بالعاشر عشَرَهم في السنة مرةً واحدةً. وقال سندي: قال أبو عبد الله في الذمي يمرُّ بالعاشر: يأخذ منه نصف العشر، فقيل: في كم يؤخذ منه؟ قال: إذا كان معه نصف ما يجب على المسلمين فيه، قال: ولا يؤخذ منهم في السنة إلا مرةً، هكذا هو في الحديث.

стр. 290

وقال الميموني: قال أبو عبد الله: يؤخذ من أموال أهل الذمة إذا تَجَروا فيها قُوِّمَتْ عليهم، ثم أُخِذ منهم زكاتها مرتين، يُضعف عليهم لقول عمر ﵁: أَضْعِفْها عليهم، فمن الناس من شبَّه الزرع بهذا. وقال إسحاق بن منصورٍ: قلت لأبي عبد الله: قول ابن عباس ﵄: في أموال أهل الذمة العفو، فقال: عمر ﵁ جعل عليهم ما بلغك، كأنه لم يَرَ ما قال ابن عباس. وروى الإمام أحمد (١) بإسناده قال: جاء شيخٌ نصراني إلى عمر ﵁ فقال: إن عاملك عشَرَني في السنة مرتين، قال: ومن أنت؟ قال: هو (٢) الشيخ النصراني، قال عمر ﵁: أنا الشيخ الحنيفي (٣). ثم كتب إلى عامله: أن لا تعشروا في السنة إلا مرةً. وأن (٤) الجزية والزكاة إنما تؤخذ في العام مرةً.

стр. 291

فصل (١) ومتى أُخذ منهم ذلك مرةً كُتِب لهم حجةٌ بأدائهم، لتكون وثيقةً لهم، وحجةً على من يمرُّون به فلا يَعْشِرهم مرةً ثانيةً، وإن مرَّ ثانيةً (٢) بأكثر من المال الذي أخذ منه أخذ من الزيادة وحدها؛ لأنها لم تُعشر. ولا يؤخذ منهم من غير مال التجارة شيء، فلو مرَّ بالعاشر منهم منتقلٌ ومعه أموالُه أو سائمةٌ لم يؤخذ منه شيء، نص عليه أحمد (٣). وإن كانت ماشيته للتجارة أخذ منه نصف عشرها. واختلفت الرواية (٤) في القدر الذي يؤخذ منه نصف العشر، فروى عنه صالحٌ: من كل عشرين دينارًا دينارٌ، يعني: فإذا نقص من العشرين فليس عليه شيء؛ لأن ما دون النصاب لا يجب فيه زكاةٌ على المسلم ولا على التغلبي، فلا يجب فيه شيء على الذمي، كما فيما دون العشرة. وروي عنه: أنَّ في العشرة نصفَ مثقالٍ، وليس فيما دونها شيء كما تقدم لفظه في رواية أبي الحارث؛ لأن العشرة مالٌ يبلغ واجبه نصف دينارٍ، فوجب فيه كالعشرين في حق المسلم، ولأنه مالٌ يُعْشَر فوجب في العشرة منه كمالِ الحربي، هذا مذهبه المنصوص عنه.

стр. 292

وخالف ابن حامدٍ نصَّه فقال (١): يؤخذ عُشر الحربي ونصف عُشر الذمي مما قلَّ أو كثر. لأنّ عمر قال (٢): "خذ من كل عشرين درهمًا درهمًا"، ولأنه حقٌّ عليه، فواجبٌ في قليل المال وكثيره، كنصيب المالك في أرضه التي عامله عليها. وهذا ضعيفٌ جدًّا، والمراد بقول عمر بيان القدر المأخوذ، لا عموم المأخوذ (٣) منه في كل قليلٍ وكثيرٍ، كقول النبي ﷺ : "في الرِّقَةِ (٤) ربعُ العُشْر" (٥)، وقوله: "فيما سَقَتِ السماء العُشْرُ" (٦). فصل (٧) واختلفت الرواية عن أحمد في الذمي يمرُّ على العاشر بخمرٍ أو خنزيرٍ، فقال في موضع: قال عمر: وَلُّوهم بيعَها، لا يكون إلا على الآخذ منه. يعني: من ثمنه، وقد ذكرنا نصَّه في الجزية وقول عمر. ووافقه على ذلك مسروقٌ والنخعي ومالك وأبو حنيفة ومحمد في الخمر خاصةً.

стр. 293

وذكر القاضي (١) أن أحمد نصَّ على أنه لا يؤخذ منها شيء. وقد ذكرنا ذلك وأن المسألة رواية واحدةٌ، وأن أحمد إنما منع الأخذ من أعيانها لا من أثمانها، وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز: الخمر لا يعشرها مسلم. وهو الذي أنكره عمر بن الخطاب على عتبة بن فرقد حين بعث إليه بأربعين ألفَ درهم صدقةَ الخمر، فكتب إليه عمر: بعثتَ إليَّ بصدقةَ الخمر، وأنت أحقُّ بها من المهاجرين، والله لا استعملتُك على شيء بعدها، فنزعَه. قال أبو عبيد (٢): ومعنى قول عمر: "ولُّوهم بيعَها، وخذوا أنتم من الثمن" أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولَّى المسلمون بيعَها، فأنكره عمر، ثم رخَّص لهم أن يأخذوا من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولِّين بيعَها. وذكرنا حديث سُويد بن غَفَلة أن بلالًا قال لعمر: إنَّ عُمَّالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج، فقال: لا تأخذوها منهم، ولكن ولُّوهم بيعَها وخُذوا أنتم من الثمن (٣). قال أصحابنا (٤): ويجوز أخذ ثمن الخمر والخنزير منهم عن جزية

стр. 294

رؤوسهم وخراج أرضهم، احتجاجًا بقول عمر هذا؛ ولأنها من أموالهم التي نُقِرُّهم على اقتنائها والتصرُّف فيها، فجاز أخذُ أثمانها منهم كأثمان ثيابهم. قلت: ولو بذلوها في ثمنِ مَبيعٍ أو إجارةٍ أو قرضٍ أو ضمانٍ أو بدلِ مُتلَفٍ جاز للمسلم أخذها، وطابتْ له. قالوا (١): وإذا مرَّ الذمي بالعاشر وعليه دينٌ بقدر ما معه أو ينقص (٢) عن النصاب، فظاهر كلام أحمد أن ذلك يمنع أخذَ نصف العُشر منه؛ لأنه حقٌّ يُعتبر (٣) له مال النصاب والحول، فيمنعه الدين كالزكاة. ولا يُقبل قوله إلا ببينةٍ من المسلمين. وإن مرَّ بجاريةٍ فادعى أنها ابنته أو أخته ففيه روايتان (٤): إحداهما: يقبل قوله؛ لأن الأصل عدم ملكه فيها. والثانية: لا يُقبل [إلا ببينةٍ]، لأنها في يده فأشبهتْ بهيمتَه. قال أبو الحارث (٥): كتبتُ إلى أبي عبد الله وسألته، فقلت: نصراني مرَّ

стр. 295

بعشّارٍ ومعه جاريةٌ، فقال: ابنتي أو أهلي؟ قال: يصدِّقه، ولا يصدِّقه في أن يقول: عليَّ دينٌ. وقال يعقوب بن بختان (١): قال أبو عبد الله في الذمي يمرُّ بالعشَّار فيقول: عليَّ دينٌ، قال: لا يُقبل منه. قيل: فإن كان معه جاريةٌ فقال: هي أهلي أو أختي؟ قال: هو واحدٌ. قال الخلال (٢): أشبه القولين لأبي عبد الله ما قال أبو الحارث: يصدِّقه في الجارية ولا يصدِّقه في الدين، وعلى هذا العمل من قوله. قلت: والفرق بينهما أن الأصل عدم الدَّين، والأصل عدم المِلْك في الجارية، وبالله التوفيق. فصل فهذا مذهبه في الذمي. وأما الحربي المُعاهَد فإنه يؤخذ منه العشر. قال حنبلٌ (٣): سمعت أبا عبد الله يقول: من كان من أهل الحرب فعليهم العشرُ، ومن كان من [أهل] العهد فعليهم نصف العشر، في السنة مرةً واحدةً. ومراده بأهل العهد أهل الذمة.

стр. 296

وقال الميموني (١): وسألت أبا عبد الله فأملى عليَّ: على أهل الحرب العشرُ، حديث أنس بن مالك (٢). وقال صالحٌ (٣): قال أبي: أهل الحرب إذا مرُّوا بالعشَّار أخذ منهم العُشر، من العشرة واحدًا. وفي موضع آخر قال: قلت لأبي: كم يُؤخذ من أهل الحرب؟ قال: العُشر؛ من كل عشرة دنانير دينارٌ. قلت (٤): حديث عمر: "كم يأخذون منكم إذا قدمتم [عليهم؟ قالوا: العُشر" (٥). قال: خذ منهم العُشر على حديث أنس]. حدثنا محمد بن جعفرٍ، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنسٍ أن عمر بعثه أميرًا أو مصدِّقًا، وأمره أن يأخذ من المسلمين: من كل أربعين درهمًا درهمًا، ومن أهل الذمة: من كل عشرين درهمًا درهمًا، ومن أهل الحرب: من كل عشرةٍ واحدًا (٦).

стр. 297

فصل (١) ويؤخذ منهم العشر في جميع أموال التجارة. وقال القاضي (٢): إذا دخلوا بمِيْرةٍ بالناس إليها حاجةٌ أُذِن لهم في الدخول بغير عُشرٍ، ليكثر على المسلمين. وهذا مذهب الشافعي، ومنصوصُ أحمد وعمر بخلافه. وقد روى مالك عن الزهري عن سالمٍ عن أبيه عن عمر أنه كان يأخذ من النَّبَط من القُطْنِيّة (٣) العُشرَ، ومن الحِنطة والزيت (٤) نصف العشر، ليكثر الحملُ إلى المدينة (٥). ولكن إذا رأى الإمام التخفيفَ عنهم لهذه المصلحة أو التركَ بالكلية فله ذلك. وهذا عارضٌ، لا أنه ترك تعشير المِيْرة بالكلية. فصل (٦) ويؤخذ العشر من كل تاجرٍ (٧) صغيرٍ أو كبيرٍ ذكرًا أو أنثى.

стр. 298

وقال القاضي (١): ليس على المرأة عشر ولا نصفُ عشرٍ (٢)، سواءٌ كانت حربيةً أو ذمِّيةً، لكن إن دخلتِ الحجازَ عُشِرتْ؛ لأنها ممنوعةٌ من الإقامة به. وهذا التفصيل لا يوجد في شيء من نصوص أحمد البتةَ، ولا تقتضيه أصوله؛ لأنه يأخذ الصدقة من نساء بني تغلب وصبيانهم. والأحاديث في هذا الباب عن الصحابة ليس فيها تفريقٌ بين ذكر أو أنثى ولا بين صغيرٍ وكبيرٍ، وليس هذا بجزيةٍ، وإنما هو حقٌّ يختصُّ بمال التجارة، فيستوي فيه الرجل والمرأة كالزكاة. فصل (٣) ولا يُعشَرون في السنة إلا مرةً واحدةً، ولا يؤخذ من أقلَّ من عشرة دنانير، نصَّ عليهما أحمد. وحُكي عن ابن حامدٍ (٤): نأخذ من الحربي كلما دخل إلينا من قليل المال أو كثيره. وهذا قول بعض الشافعية، وهو مخالفٌ لنصِّ عمر ونصِّ أحمد كما تقدم.

стр. 299

فصل وإن جاء الحربي منتقلًا إلينا بأهله وماله لم نأخذ منه شيئًا إلا من تجارةٍ معه، نص على ذلك أحمد (١). فصل ويؤخذ منهم العشر، سواءٌ أخذوه منّا إذا دخلنا إليهم أو لم يأخذوه، في ظاهر المذهب (٢). وعن أحمد رواية أخرى: أنهم إن كانوا يأخذون منّا إذا دخلنا إليهم، وإلا فلا. فصل وأما تفصيل مذهب أبي حنيفة وأهل العراق رحمهم الله تعالى، فقال أبو حنيفة (٣): لا نأخذ منهم شيئًا إلا أن يكونوا يأخذون منا فنأخذ منهم مثله، فنأخذ منهم ذلك على وجه القصاص. وحجة هذا القول حديث أبي مِجلَزٍ أنه قال: قيل لعمر: كيف نأخذ من أهل الحرب إذا قدموا علينا؟ قال: كيف يأخذون منكم إذا دخلتم إليهم؟

стр. 300

قالوا: العشر، قال: فكذلك خذوا منهم (١). وقال زياد بن حُديرٍ: كنا لا نَعْشِر مسلمًا ولا معاهدًا. قيل: من كنتم تَعْشِرون؟ قال: كفار (٢) أهل الحرب، نأخذ منهم كما يأخذون منا (٣). ولا يؤخذ منهم شيء حتى يبلغ مائتي درهمٍ (٤). قالوا: فإن [قال:] عليَّ دَينٌ، أو ليس هذا المال لي، وحلف عليه= صُدِّق على ذلك ولم يؤخذ منه شيء. قالوا: وإنما يؤخذ من الصامت والمتاع والرقيق، وما أشبهه (٥) من الأموال التي تبقى في أيدي الناس، فإذا مرَّ بالفواكه وأشباهها التي لا بقاء لها فإنه لا يؤخذ [فيها] منه شيء. قالوا: ولا يؤخذ من المال الواحد أكثر من مرةٍ واحدةٍ في السنة، وإن مرَّ

стр. 301

به مرارًا. وكان سفيان الثوري يقول: لا يؤخذ منه شيء حتى يبلغ مائة درهمٍ، فإذا بلغ مائة درهم أُخذ منه نصف العشر فيه، وبمقدار النصاب، وبقدر الواجب. قال أبو عبيد (١) بعد أن حكى بعض هذه الأقوال: وكل هذه الأقوال لها وجوهٌ: فأما الذين قالوا من أهل العراق: إنه لا يؤخذ من الذمي شيء حتى يبلغ ماله مائتي درهم، فإنهم شبَّهوه بالصدقة، ذهبوا إلى أن عمر ﵁ حين سمَّى ما يجب في أموال الناس التي تُدار للتجارات، إنما قال: يُؤخذ من المسلمين كذا، ومن أهل الذمة كذا، ومن أهل الحرب كذا، ولم يوقِّت في أدنى مبلغ المال وقتًا. ثم قالوا: رأيناه قد ضمَّ أموالَ أهل الذمة إلى أموال المسلمين في حقٍّ واحدٍ، فحملنا وقتَ أموالهم على الزكاة، إذ كان لأداء الزكاة حدٌّ محدودٌ، وهو المائتان فأخذنا أهل الذمة بها وألقينا (٢) ما دون ذلك. وأما مالك وأهل الحجاز فقالوا (٣): الذي يؤخذ من أهل الذمة ليس بزكاةٍ فيُنظَر فيه إلى مبلغها وإلى حدِّها، إنما هو بمنزلة الجزية التي تؤخذ من رؤوسهم، ألا ترى أنها تجب على الغني والفقير [على] قدر طاقتهم، من غير

стр. 302

أن يكون لأداء ما يملك أحدهم وقتٌ يُوقَّت، وعلى ذلك صولحوا؟ قالوا: فكذلك ما مرُّوا به من التجارات يؤخذ من قليلها وكثيرها. وأما سفيان في توقيته بالمائة، فإنه لمَّا رأى أن الموظَّف (١) على أهل الذمة هو الضِّعف مما على المسلمين، في كل مائتين عشرةٌ، جعل فرع المال على حسب أصله، فأوجب عليهم في المائة خمسةً كما يجب عليهم في المائتين عشرةٌ، ليوافق الحكم بعضه بعضًا، وأسقط ما دون المائة كما عُفِي للمسلمين عما دون المائتين، فصارت المائة للذمي كالمائتين للمسلمين. فهذا رأيه (٢) في أهل الذمة. ولستُ أدري ما وقَّت في أهل الحرب، غير أنه ينبغي أن يكون في قوله: إذا مرَّ أحدهم بخمسين درهمًا وجب عليه فيها العُشر. قال أبو عبيد (٣): وقول سفيان هو عندي أعدلُ هذه الأقوال وأشبهها بالذي أراد عمر بن الخطاب ﵁، مع أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قد فسَّر ذلك في كتابه إلى زُريق بن حيَّان (٤) الذي ذكرناه أنه كتب إليه: "من مرَّ بك من أهل الذمة فخُذْ مما يديرون في التجارات من كل عشرين دينارًا دينارًا، فما نقصَ فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرة دنانير، فإن نقصت

стр. 303

ثلث دينارٍ فلا تأخذْ منه شيئًا". قال أبو عبيد: فعشرة دنانير إنما هي معدولةٌ بمائة درهم في الزكاة، وهي عندنا تأويل حديث عمر بن الخطاب ﵁ مع تفسير عمر بن عبد العزيز، ولا يوجد في هذا مفسِّرٌ هو أعلم منه، وهو قول سفيان. قال: فهذا ما جاء في توقيت أداء ما تجب فيه الحقوق من أموال أهل الذمة والحرب. وأما قولهم في الذمي إذا ادعى أن عليه دَيْنًا، واختيارُ أهل العراق أن يقبل منه، وقول مالك وأهل الحجاز إنه لا يُقبل منه وإن أقام البينة على دعواه= فإن الذي أختار من ذلك قولًا (١) بين القولين، فأقول: إن كان له شهودٌ من المسلمين على دَيْنه قُبِل ذلك منه، ولم يكن على ماله سبيلٌ؛ لأن الدَّين حقٌّ قد وجب لربه عليه، وهو أولى به من الجزية؛ لأنها وإن كانت حقًّا للمسلمين في عنقه فإنه ليس يُحصَى (٢) أهل هذا الحق، فيُقْدَرَ على قَسْم مال الذمي بينهم وبين هذا الغريم بالحِصَص ولا يُعلَم كم يؤخذ منه، وقد عُلِم حقُّ هذا الغريم، فلهذا جعلناه أولى بالدَّين من غيره. وإن لم يُعلَم دَيْنُ هذا الذمي إلا بقوله كان مردودًا غير مقبولٍ منه؛ لأنه حقٌّ قد لزِمه للمسلمين، فهو يريد إبطاله بالدعوى، وليس بمؤتَمنٍ في ذلك كما يؤتَمن المسلمون على زكواتهم في الصامت، إنما هذا فيءٌ، وحكمه غير حكم الصدقة.

стр. 304

وأما اختلافهم في ممرِّه على العاشر مرارًا في السنة، وقول أهل العراق وسفيان: إنه لا يؤخذ إلا مرةً واحدةً، وقول مالك وأهل الحجاز: إنه يؤخذ منه في السنة (١) كلّما مر= فإن الرواية في هذا للإمامين عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فقد كُفِينا النظَرَ فيه. حدثنا محمد بن كثيرٍ، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن ابن زياد بن حُدَيرٍ: أن أباه كان يأخذ من نصراني في كل سنةٍ مرتين، فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا أمير المؤمنين إن عاملك يأخذ مني العُشْرَ في السنة مرتين، فقال عمر ﵁: ليس ذلك له، إنما له في كل سنةٍ مرةً. ثم أتاه فقال: هو الشيخ النصراني، فقال عمر ﵁: وأنا الشيخ الحنيف، قد كتبتُ لك في حاجتك (٢). حدثنا يزيد عن جرير بن حازمٍ قال: قرأتُ كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة أن يأخذ العشور ثم يكتب بما يأخذ منهم البراءةَ، فلا يأخذ منهم من ذلك المال ولا من ربحه زكاة سنةٍ، ويأخذ من غير ذلك المال إن مرَّ به (٣). قال أبو عبيد (٤): فحديث عمر هذا هو عدلٌ بين قول أهل الحجاز وقول

стр. 305

أهل العراق: أنه إن كان المال التالي هو الذي مر به بعينه في المرة الأولى لم يُؤخذ منه تلك السنةَ ولا من ربحه أكثرَ من مرةٍ؛ لأن الحق الذي قد لزِمَه فيه قد قضاه، فلا يُقضى حقٌّ واحدٌ من مالٍ مرتين. وإن مرَّ بمالٍ سواه أُخذ منه وإن جدَّد ذلك في كل عامٍ مرارًا، إذا كان قد عاد إلى بلاده ثم أقبل بمالٍ سوى المال الأول؛ لأن المال الأول لا يُجزئ عن الآخر، ولا يكون في هذا أحسنَ حالًا من المسلم. ألا ترى أنه لو مرَّ بمالٍ لم يُؤدِّ زكاته أُخذت منه الصدقة، ثم إن مرَّ بمالٍ آخر في عامه ذلك لم يكن أخذت منه الزكاة أنها تؤخذ منه من ماله هذا أيضًا؛ لأن الصدقة لا تكون قاضيةً عن المال الآخر؟ فهذا قدرُ ما في أهل الذمة. فأما أهل الحرب، فكلهم يقول: إذا انصرف إلى بلاده ثم عاد بماله ذلك أو بمالٍ سواه، إنَّ عليه العُشْرَ كلَّما مرَّ به؛ لأنه إذا دخل دار الحرب بطلتْ عنه أحكام المسلمين، فإذا عاد إلى دار الإسلام كان مستأنفًا للحكم كالذي لم يدخلها قطُّ، لا فرقَ بينهما. وكلهم يقول: لا يُصدَّق الحربي في شيء مما يدَّعي من دَينٍ عليه، أو قولِه: إن هذا المال ليس لي، ولكن يؤخذ منه على كل حالٍ. إلا أن أهل العراق يقولون: يُصدَّق الحربي في خصلةٍ واحدةٍ، إذا مرَّ بجوارٍ فقال: هؤلاء أمهاتُ أولادي، قُبِل منه، ولم يؤخذ منه عُشر قيمتهن. قلت: فقد حكى أبو عبيد الاتفاق على أن الحربي يُعشَر كلما دخل إلينا، وفرَّق بينه وبين الذمي. والذي نصَّ عليه الإمام أحمد والشافعي أنه لا يؤخذ منه في السنة إلا مرةً، وبعض أصحاب أحمد والشافعي قال: يؤخذ كلما دخل

стр. 306

إلينا (١)، وقد تقدم (٢) نص أحمد في رواية حنبلٍ وابنه صالحٍ: أنه لا يؤخذ منهم في السنة إلا مرةً، واحتجَّ بحديث عمر. وأعدل الأقوال في ذلك قول عمر بن عبد العزيز، وهو الذي اختاره أبو عبيد، فإن المال الثاني له حكم نفسه لا يتعلق به حكم المال الأول، كما لو أخذت الزكاة من مسلم لم ينسحبْ حكمُها على ما لم يؤخذ من سائر أمواله، ولا يؤخذ منه في السنة مرارًا، فهكذا مال المعاهد، والله أعلم. * * * *

стр. 307

فصل في الأمكنة التي يُمنع أهل الذمة من دخولها والإقامة بها قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: بينما نحن في المسجد خرج علينا النبي ﷺ فقال: "انطلِقُوا إلى يهودَ"، فخرجنا معه حتى جئنا بيتَ المِدْراس (١)، فقام النبي ﷺ فناداهم فقال: "يا معشرَ اليهود، أَسْلِموا تَسْلَموا"، فقالوا: قد بلَّغتَ يا أبا القاسم. فقال: "ذلك أريد"، فقال: "أَسلِموا تَسلموا"، فقالوا: قد بلَّغتَ يا أبا القاسم، فقال لهم رسول الله ﷺ : "ذلك أريد"، ثم قالها الثالثة فقال: "اعلموا أنما الأرض لله ورسوله، وإني أريد [أن] أُجْلِيَكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليَبِعْه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله". متفق عليه (٢)، ولفظه للبخاري. وعن ابن عباس ﵄ قال: يوم الخميس، وما يوم الخميس! قال: اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعُه، فقال: "ائتوني بكتفٍ أكتبْ لكم كتابًا لا تَضِلُّوا (٣) بعده

стр. 308

أبدًا"، فتنازعوا ــ ولا ينبغي عند نبيٍّ تنازعٌ ــ فقالوا: ما له؟ أَهَجَرَ؟ استفهِمُوه. فقال: "ذَروني، الذي أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه"، فأمرهم بثلاثٍ فقال: "أَخرِجوا المشركين من جزيرة العرب، وأَجيزوا الوفدَ بنحوٍ مما كنت أُجيزهم"، والثالثة إما سكتَ عنها، وإما قالها فنسيتُها. متفق عليه (١)، ولفظه للبخاري. وعن ابن عمر ﵄: أن يهودَ بني النضير وقُريظة حاربوا رسول الله ﷺ ، فأجلى رسول الله ﷺ بني النضير وأقرَّ قريظةَ ومنَّ عليهم، حتى حاربت قريظة (٢) بعد ذلك، فقتل رجالهم وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لحِقُوا برسول الله ﷺ فأسلموا فأَمَّنهم. وأجلى رسول الله ﷺ يهود المدينة كلهم: بني قَينُقاع وهم قوم عبد الله بن سلامٍ، ويهود بني حارثة، وكل يهودي كان بالمدينة. متفق عليه (٣)، واللفظ لمسلم. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأُخرِجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أَدَع فيها إلا مسلمًا". رواه مسلم (٤). وعن عائشة ﵂ قالت: آخرُ ما عهِد رسول الله ﷺ : "لا يُترك

стр. 309

بجزيرة العرب دينانِ". رواه أحمد (١). وفي "مسنده" (٢) أيضًا عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يا علي، إن أنتَ وُلِّيتَ الأمرَ بعدي فأَخرِجْ أهلَ نجران من جزيرة العرب". وفي "المسند" (٣) أيضًا عن أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: آخرُ ما تكلَّم به رسول الله ﷺ يقول: "أَخرِجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب". قال بكر بن محمد عن أبيه (٤): وسألت أبا عبد الله عن قول النبي ﷺ

стр. 310

"أَخرِجوا المشركين من جزيرة العرب"، قال: إنما الجزيرة موضع العرب، وأما موضع يكون فيه أهل السواد والفرس فليس هو جزيرة العرب. موضع العرب: الذي يكونون فيه. وقال المرُّوذي (١): سئل أبو عبد الله عن قول النبي ﷺ : "أَخرِجوا المشركين من جزيرة العرب"، قال: هم الذين قاتلوا النبي ﷺ ، ليست لهم ذمةٌ، ليس هم مثل اليهود والنصارى، أي يُخرَجون من مكة والمدينة دون الشام. يريد أن اليهود والنصارى يُخرَجون من مكة والمدينة (٢). قال إسحاق بن منصورٍ (٣): قال أحمد: ليس لليهود والنصارى أن يدخلوا الحرم. وقال حنبلٍ: قال عمي (٤): جزيرة العرب يعني المدينة وما والاها؛ لأن النبي ﷺ أجلى يهودَ، فليس لهم أن يقيموا بها. وقال عبد الله بن أحمد (٥): سمعت أبي يقول: حديث النبي ﷺ : "لا

стр. 311

يبقى دينانِ بجزيرة العرب"، تفسيره: ما لم يكن في يد فارس والروم. وقال الأصمعي: كل ما كان دون أطراف الشام. وقال إبراهيم بن هانئٍ (١): سئل أبو عبد الله عن جزيرة العرب، فقال: ما لم يكن في يد فارس والروم. قيل له: ما كان خلف العرب؟ قال: نعم. وفي "المغني" (٢): جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن، قاله سعيد بن عبد العزيز. وقال الأصمعي وأبو عبيد: هي من ريف العراق إلى عَدَنٍ طولًا، ومن تِهامة وما وراءها إلى أطراف الشام عرضًا. وقال أبو عبيدة: هي من حَفَرِ أبي موسى (٣) إلى اليمن طولًا، ومن رَمْل يَبْرِين (٤) إلى منقطَع السَّماوة (٥) عرضًا. قال الخليل: إنما قيل لها: جزيرة العرب لأن بحرَ الحبش وبحرَ فارس والفراتَ قد أحاطت بها، ونُسِبت إلى العرب لأنها أرضها ومسكنها ومعدِنها.

стр. 312

وقول الإمام أحمد: جزيرة العرب المدينة وما والاها، يريد مكة واليمامة وخيبر واليَنْبُع وفَدَك ومخاليفها وما والاها. وهذا قول الشافعي، لأنهم لم يُجْلَوا من تَيْماء ولا من اليمن (١). قلت: وهذا يردُّ قول سعيد بن عبد العزيز: إنها ما بين الوادي إلى أقصى اليمن، إلا أن يريد أوَّلَه. وحديث أبي عبيدة صريحٌ في أن أرض نجران من جزيرة العرب، فإنه قال: "أخرِجوا أهلَ نجران ويهودَ أهل الحجاز من جزيرة العرب"، وكذا قوله لعلي ﵁: "أخرِجْ أهلَ نجران من جزيرة العرب". قال أبو عبيد (٢): حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجَعْد قال: جاء أهلُ نجران إلى علي ﵁ فقالوا: شفاعتُك بلسانك، وكتابك بيدك، أخرَجَنا عمرُ من أرضنا فرُدَّها إلينا، فقال: ويلكم، إن عمر كان رشيدَ الأمر، ولا أغيِّر شيئًا صنعه عمر. قال أبو معاوية: قال الأعمش: فكانوا يقولون: لو كان في نفسه عليه شيء لاغتنم هذا. قلت: وهذا يدلُّ على أن حديث علي ﵁ الذي ذكرناه قبلُ غير محفوظٍ، فإنه لو كان عنده عن النبي ﷺ أمْرُه بإخراج أهل نجران من جزيرة

стр. 313

العرب لم يعتذر بأن عمر قد فعلَ ذلك وكان رشيدَ الأمر، أو لعله نسي الحديث أو أحال على عمر ﵁ قطعًا لمنازعتهم وطلبهم. فإن قيل: فأهلُ نجران كان النبي ﷺ قد صالحهم، وكتب لهم كتابَ أمْنٍ على أرضهم وأنفسهم وأموالهم، فكيف استجاز عمر ﵁ إخراجهم؟ قيل: قد قال أبو عبيد (١): إنما نرى عمر قد استجاز إخراج أهل نجران ــ وهم أهل صلحٍ ــ لحديث يُروى عن النبي ﷺ فيهم خاصةً، يحدِّثونه عن إبراهيم بن ميمونٍ مولى آل سَمُرة عن ابن سمرة عن أبيه (٢) عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي ﷺ أنه كان آخر ما تكلَّم به أن قال: "أخرِجوا اليهودَ من الحجاز وأخرِجوا أهلَ نجران من جزيرة العرب". فإن قيل: زدتم الأمر إشكالًا، فكيف أمر بإخراجهم وقد عقد معهم الصلح؟ قيل: الصلح كان معهم بشروطٍ فلم يَفُوا بها، فأمر بإخراجهم. قال أبو عبيد (٣): وإنما نراه قال ذلك لنكْثٍ كان منهم، أو لأمرٍ أحدثوه بعد الصلح.

стр. 314

قال (١): وذلك بيِّنٌ في كتابٍ كتبه عمر ﵁ إليهم قبل إجلائه إياهم منها. حدثنا ابن أبي زائدة، عن ابن عونٍ قال: قال لي محمد بن سيرين: انظُرْ كتابًا قرأته عند فلان بن جبيرٍ، فكلِّمْ فيه زيادَ بن جُبيرٍ، قال: فكلَّمتُه فأعطاني، فإذا في الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم. من عمر أمير المؤمنين إلى أهل رُعاشَ (٢) كلهم، سلامٌ عليكم، فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنكم زعمتم أنكم مسلمون ثم ارتددتم بعدُ، وإنه من يَتُبْ منكم ويُصلِح لا يضرُّه ارتداده ونُصاحبه صحبةً حسنةً، فادَّكِروا ولا تَهلِكوا، وليُبشِرْ من أسلم منكم. فإن أبى إلا النصرانية فإنَّ ذمتي بريئةٌ ممن وجدناه ــ بعد عشرٍ تبقى من شهر الصوم ــ من النصارى بنجران. أما بعد، فإنَّ يعلى كتب يعتذر أن يكون أَكره أحدًا منكم على الإسلام أو عذَّبه عليه، إلا أن يكون وعيدٌ لم ينفُذْ إليه منه شيء. أما بعد، فقد أمرتُ يعلى أن يأخذ منكم نصفَ ما عملتم من الأرض، وإني لن أريد نزْعَها منكم ما أصلحتم" (٣). وقال الشيخ في "المغني" (٤): فأما إخراج أهل نجران منها فلأن النبي ﷺ صالحَهم على ترك الربا، فنقَضُوا عهدَه.

стр. 315

فإن قيل: فرسول الله ﷺ قد أقرَّ أهل خيبر بها إلى أن قبضه الله وهي من جزيرة العرب. وأصرحُ من هذا أنه مات ودِرعُه مرهونةٌ عند يهودي بالمدينة على ثلاثين صاعًا من شعيرٍ أخذه لأهله. قيل: أما إقرار أهل خيبر فإنه لم يُقِرَّهم إقرارًا لازمًا، بل قال: "نُقِرُّكم ما شِئنا". وهذا صريحٌ في أنه يجوز للإمام أن يجعل عقد الصلح جائزًا من جهته متى شاء نقضه بعد أن يَنْبِذ إليهم على سواءٍ، فلما أحدثوا ونكثوا أجلاهم عمر ﵁. فروى البخاري في "صحيحه" (١) عن ابن عمر ﵄ أنه لما فَدَّعَ (٢) أهلُ خيبر عبدَ الله بن عمر قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله ﷺ كان عامَلَ يهودَ خيبر على أموالهم، وقال: "نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله تعالى"، وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك فعُدِي عليه من الليل، ففُدِّعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدوٌّ غيرهم، هم عدوُّنا وتُهمتُنا، وقد رأيتُ إجلاءهم. فلما أجمع عمر ﵁ على ذلك أتاه أحد بني [أبي] الحُقَيق فقال: يا أمير المؤمنين، أتُخرِجنا وقد أقرَّنا محمد وعامَلَنا على الأموال وشرط ذلك لنا؟ فقال عمر ﵁: أظننتَ أني نسيتُ قولَ رسول الله ﷺ

стр. 316

لك: "كيف بك إذا أُخرِجتَ من خيبر تَعدُو بك قَلُوصك ليلةً بعد ليلةٍ؟ " فقال: كانت هذه هُزَيلةً (١) من أبي القاسم، فقال: كذبتَ يا عدوَّ الله! قال: فأجلاهم عمر ﵁ وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُروضًا من أقتابٍ وحبالٍ وغير ذلك. وفي "صحيحه" (٢) أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: أتى رسول الله ﷺ أهلَ خيبر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم، وغلَبَهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يُجْلَوا منها ولهم ما حملَتْ رِكابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة ــ وهي السلاح ــ، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهدَ، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مالٌ وحُلِيٌّ لحُيَيِّ بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجلِيت النَّضير، فقال رسول الله ﷺ لعمِّ حُيَيٍّ ــ واسمه سَعْية ــ:

стр. 317

"ما فَعَل مَسْكُ حُيَيٍّ الذي جاؤوا (١) به من النضير؟ "، قال: أذهبَتْه النفقات والحروب، فقال: "العهد قريبٌ، والمال أكثر من ذلك". وقد كان حُيَيٌّ قُتِل قبل ذلك، فدفع رسول الله ﷺ سَعْية إلى الزبير فمسَّه بعذابٍ، فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خرِبةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المَسْك في الخربة، فقَتلَ رسول الله ﷺ ابنَي أبي الحُقَيق وأحدهما زوج صفية بنت حُيَيّ بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكْث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دَعْنا نكون في هذه الأرض نُصلِحها ونقومُ عليها. ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا أصحابه غلمانٌ يقومون عليها ولا يفرغون أن يقوموا، فأعطاهم خيبر على أنَّ لهم الشطْرَ من كل زرعٍ وشيءٍ ما بدا لرسول الله ﷺ . وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عامٍ يَخْرُصها عليهم، ثم يُضمِّنهم الشطْرَ، فشكَوا إلى رسول الله ﷺ شدةَ خرصه، وأرادوا أن يَرْشُوه، فقال عبد الله: أتُطعِمونني السُّحتَ؟ والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتم أبغضُ الناس إليَّ مِن عِدِّتِكم (٢) من القردة والخنازير، ولا يَحملني بغضي إياكم وحبِّي إياه على أن لا أعدِلَ عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. فكان رسول الله ﷺ يُعطي كلَّ امرأةٍ من نسائه ثمانين وَسَقًا من تمرٍ كلَّ

стр. 318

عامٍ وعشرين وَسَقًا من شعيرٍ، فلمَّا كان زمان عمر ﵁ غشُّوا المسلمين، وألقَوا ابنَ عمر من فوقِ بيت ففَدَعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم، فقسمها عمر ﵁ بينهم. فقال رئيسهم: لا تُخرِجْنا، دَعْنا نكونُ فيها كما أقرَّنا رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ، فقال عمر ﵁ لرئيسهم: أتراه سَقَط عليَّ قولُ رسول الله ﷺ : "كيف بك إذا رَقَصَتْ بك راحلتُك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا؟ ". وقسمها عمر ﵁ بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية (١). وأما رَهْن النبي ﷺ دِرعَه عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يَقْدَمون المدينةَ بالمِيرة والتجارة من حولها، أو من أهل خيبر، وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف: بني قينقاع وبني النضير وقريظة. فأما بنو قينقاع فحاربهم أولًا، ثم منَّ عليهم. وأما بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر وأجلى بني قينقاع أيضًا، وقتل بني قريظة (٢)، وأجلى كلَّ يهودي كان بالمدينة. فهذا اليهودي المرتهن: الظاهرُ أنه من أهل العهد قدِمَ المدينة بطعامٍ، أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه، فالله أعلم. فهذا أصل إجلاء الكفّار من أرض الحجاز. ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك، فقال مالك (٣): أرى أن يُجلَوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله

стр. 319

- ﷺ قال: "لا يجتمع دينانِ في جزيرة العرب" (١). وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث عمر ﵁ سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأُخرِجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أَدع فيها إلا مسلمًا". وقال الشافعي (٣): يُمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، وهي قراها. أما غير الحرم منه فيُمنَع الكتابي وغيره من الاستيطان والإقامة به، وله الدخول بإذن الإمام لمصلحةٍ، كأداء رسالةٍ أو حمل متاعٍ يحتاج إليه المسلمون، وإن دخل لتجارةٍ ليس فيها كبير حاجةٍ لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئًا، ولا يمكّن من الإقامة أكثر من ثلاثٍ. وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب (٤)، ومنعهم من الإقامة فيها. وهذا وهمٌ؛ فإن النبي ﷺ بعث معاذًا قبل موته إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، وأقرَّهم فيها، وأقرَّهم أبو بكر بعده، وأقرَّهم عمر وعثمان وعلي ﵃، ولم يُجْلُوهم من اليمن مع أمر رسول الله ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلم يُعرَف عن إمامٍ أنه أجلاهم من اليمن.

стр. 320

وإنما قال الشافعي وأحمد: يُخْرَجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر ويَنْبُع ومخاليفها، ولم يذكرا اليمن، ولم يُجلَوا من تَيماء أيضًا. وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر، فالبحر بينها وبين الجزيرة؟ (١) فهذا القول غلطٌ محضٌ. وأما الحرم فإن كان حرم مكة فإنهم يمنعون من دخوله بالكلية، فلو قدِمَ رسولٌ لم يَجُزْ أن يأذن له الإمام في دخوله، ويَخرج الوالي أو من يثق به إليه، ولا يختصُّ المنع بخِطَّة مكة بل بالحرم كله. وأما حرم المدينة فلا يُمنع من دخوله لرسالةٍ أو تجارةٍ أو حَمْل متاعٍ. فصل فهذا تفصيل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وأما مذهب أحمد (٢) رحمه الله تعالى فعنده يجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى كانوا يتَّجرون إلى المدينة في زمن عمر ﵁ كما تقدم. وحكى أبو عبد الله بن حمدان (٣) عنه رواية: أن حرم المدينة كحرم مكة
следующие страницы →