стр. 351
← Фикховые вопросы следующие страницы →
Фикховые вопросы · id 218
أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم
ابن القيم
Полный текст (1 163 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 352
فصل
في تعزيتهم
قال حمدان الوراق (١): سئل أبو عبد الله: يُعزَّى أهل الذمة؟ فقال: ما أدري، أُخبِرك، ما سمعتُ في هذا.
وقال الأثرم (٢): سئل أبو عبد الله: أيعزَّى أهل الذمة؟، فقال: ما أدري. ثم قال الأثرم: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا إسحاق بن منصورٍ السلولي، ثنا هُريمٌ قال: سمعت الأجلح (٣) عزَّى نصرانيًّا، فقال: عليك بتقوى الله والصبر.
وذكر الأثرم (٤): حدثنا مِنجاب بن الحارث، ثنا شريك، عن منصورٍ، عن إبراهيم قال: إذا أردتَ أن تُعزِّي رجلًا من أهل الكتاب فقل: أكثر الله مالَك وولدَك وأطال حياتك أو عمرك.
وقال الفضل بن زيادٍ (٥): سألت أبا عبد الله كيف يُعزَّى النصراني؟ قال: لا أدري، ولِمَ يُعزِّيه؟
стр. 353
وقال حربٌ (١): ثنا إسحاق، ثنا مسلم بن قتيبة، ثنا كثير بن أبانٍ، عن غالبٍ قال: قال الحسن: إذا عزَّيتَ الذمي فقل: لا يصيبك إلا خيرٌ (٢).
وقال عباس بن محمد الدوري (٣): سألت أحمد بن حنبلٍ، قلت له: اليهودي والنصراني يُعزِّيني، أيّ شيء أردُّ عليه؟ فأطرقَ ساعةً ثم قال: ما أحفظ فيه شيئًا.
وقال حربٌ (٤): قلت لإسحاق: كيف يعزى المشرك؟ قال: يقول: أكثر الله مالك وولدك.
* * * *
стр. 354
فصل
في تهنئتهم بزوجةٍ أو ولدٍ أو قدومِ غائبٍ
أو عافيةٍ أو سلامةٍ من مكروهٍ ونحو ذلك
وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرةً ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا (١) فرقَ بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهَّال من الألفاظ التي تدلُّ على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم: متَّعك الله بدينك أو نيَّحَك (٢) فيه، أو يقول له: أعزَّك الله أو أكرمك، إلا أن يقول: أكرمَك الله بالإسلام وأعزَّك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة.
وأما التهنئة بشعائر (٣) الكفر المختصة به فحرامٌ بالاتفاق، مثل أن يهنِّئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مباركٌ عليك، أو تَهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سَلِم قائلُه من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يُهنِّئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشدُّ مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثيرٌ ممن لا قدْرَ للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قُبحَ ما فعل.
стр. 355
فمن هنَّأ عبدًا بمعصيةٍ أو بدعةٍ أو كفرٍ فقد تعرَّض لمقتِ الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنَّبون تهنئةَ الظَّلمَة بالولايات، وتهنئةَ الجهَّال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنبًا لمقت الله وسقوطهم من عينه. وإن بُلِي الرجل بذلك فتعاطاه دفعًا لشرٍّ يتوقَّعه منهم، فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرًا، ودعا لهم بالتوفيق والتسديد= فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق.
* * * *
стр. 356
فصل
في المرأة الكافرة تموت وفي بطنها ولد مسلم
قال حنبلٌ (١): سمعت أبا عبد الله يقول في امرأةٍ نصرانيةٍ حملَتْ من مسلم، فماتت وفي بطنها حملٌ من مسلم، فقال: يُروى عن واثلة: تُدفن بين مقابر المسلمين والنصارى (٢).
وقال حنبلٌ في موضع آخر (٣): قلت: فإن ماتت وفي بطنها ولدٌ منه، أين ترى أن تُدفن؟ قال: قد قالوا: تُدفن [في] حجرةٍ من قبور المسلمين. وقال: أرى أن تُدفن ناحيةً من قبور المسلمين (٤).
قال أبو داود (٥): سألت أحمد عن النصرانية تموت حبلى من مسلم، قال: فيها ثلاثة أقاويل، لو كانت مقبرةً على حدةٍ، قلت: ما الذي تختار؟ فذكر قوله هذا.
стр. 357
وقال إسحاق بن منصورٍ (١): قلت لأبي عبد الله: المرأة النصرانية إذا حملت من المسلم فماتت حاملًا؟ قال: حديث واثلة.
وقال الفضل بن زيادٍ: سمعت أحمد وسئل عن المرأة النصرانية تموت وفي بطنها ولد مسلم؟ قال: فيها ثلاثة أقاويل، يقال: تُدفن في مقبرة المسلمين، ويقال: في مقابر النصارى. قال الفضل بن زياد (٢): وقال سمرة: تُدفن ما بين مقابر المسلمين والنصارى. قيل له: فما ترى؟ قال: لو كان لهؤلاء مقابر على حدةٍ ما كان أحسنَه!
قال الخلال: أخطأ أبو الحارث في قوله: سمرة، إنما هو واثلة.
وقال أبو طالب (٣): سألت أحمد عن أم ولدٍ نصرانيةٍ في بطنها ولد مسلم، قال: تدفن في ناحيةٍ، ولا تكون مع النصارى لمكان ولدها، ولا مع المسلمين فتؤذيهم.
وقال المروذي (٤): سألت أبا عبد الله عن النصرانية يكون في بطنها المسلم، فتبسم وقال: ما أحسنَ أن تُدفن بين مقبرتين! يعني مقابر المسلمين والنصارى. قال المروذي: وكان كلام أبي عبد الله أنه لا يرى بأسًا أن تُدفن
стр. 358
في مقابر المسلمين للذي في بطنها.
وسئل أيضًا (١): ما تقول في النصرانية تموت وفي بطنها ولد مسلم أين تُدفن؟ قال: فيها ثلاثة أقاويل، عن عمر: تُدفن مع المسلمين، وعن واثلة: تُدفن بين مقابر المسلمين والنصارى (٢)، وذكر آخر: أنها تُدفن مع النصارى. قال: أعجبُ إليَّ أن تُدفن بينهما، قلت: فإن لم يوجد إلا مقابر المسلمين؟ فتبسم ولم يكرهه.
قلت (٣): أما أثر واثلة، فقال ابن أبي شيبة (٤): حدثنا جعفر بن عونٍ عن ابن جريجٍ عن سليمان بن موسى عن واثلة بن الأسقع في امرأةٍ نصرانيةٍ في بطنها ولدٌ من مسلم، قال: تُدفن في مقبرةٍ بين (٥) مقبرة المسلمين والنصارى.
وأما أثر عمر فقال (٦): حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرٍو، قال: ماتت امرأةٌ بالشام وفي بطنها ولدٌ من مسلم وهي نصرانيةٌ، فأمر عمر أن تُدفن مع المسلمين من أجل ولدها.
стр. 359
قالوا (١): ويكون ظهرها إلى القبلة على يسارها؛ لأن وجه الجنين إلى ظهر أمه فيكون حينئذٍ وجهه إلى القبلة على جنبه الأيمن.
قال أبو عبد الله ابن حمدان في "رعايته" (٢): دُفِنتْ منفردةً كالمرتد.
قلت: ووجه هذا أنه لم يثبت له حكمُ الدين الذي انتقل إليه من التوارث والموالاة ودفْعُه إلى الكفَّار يتولَّونه، وقد زال حكم الدين الذي كان عليه، فيُدفن وحدَه.
ولأصحاب الشافعي في الذمية تموت وفي بطنها ولد مسلم أربعة أوجهٍ (٣):
أصحها: ما ذكرناه.
والثاني: تُدفن في مقابر المسلمين. قال أصحاب هذا الوجه: وتكون للولد بمنزلة صندوقٍ مُودَعٍ فيه.
والثالث: تُدفن في مقابر أهل دينها؛ لأن الحمل لا حكمَ له يُثبِت أحكام الدنيا من غسله والصلاة عليه وغيرها، فلم يثبت له شيء من أحكام أموات المسلمين، فتفرد بهذا الحكم وحده.
والرابع: أنها تُدفن في طرف مقابر المسلمين.
стр. 360
فصل
في المنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم
قال أبو طالب (١): سألت أبا عبد الله: يُستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ قال: لا يُستعان بهم في شيء.
وقال أحمد (٢): حدثنا وكيعٌ، ثنا مالك بن أنسٍ، عن عبد الله بن زيد (٣)، عن ابن نِيار (٤)، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إنا لا نستعين بمشركٍ".
قال عبد الله (٥): قال أبي: هذا خطأ، أخطأ فيه وكيع (٦)؛ إنما هو عن الفُضَيل (٧) بن أبي عبد الله، عن عبد الله بن نِيارٍ، عن عروة، عن عائشة أن رسول الله ﷺ خرج إلى بدرٍ، فتبعَه رجل من المشركين فلحقه عند الحَرَّة،
стр. 361
فقال: إني أردتُ أن أتبعك وأصيبَ معك، قال: "تؤمن بالله ورسوله؟ "، قال: لا، قال: "ارجعْ، فلن أستعينَ بمشركٍ". ثم لحقه عند الشجرة، ففرح بذلك أصحاب رسول الله ﷺ وكان له قوةٌ وجَلَدٌ، قال: جئتُ لأتبعك وأُصيبَ معك، قال: "تؤمن بالله ورسوله؟ "، قال: لا، قال: "ارجعْ فلن أستعينَ بمشركٍ". ثم لحقه حتى ظهر على البيداء، فقال له مثل ذلك، قال: "أتؤمن بالله ورسوله؟ "، قال: نعم، فخرج معه. رواه مسلم في "صحيحه" (١) بنحوه.
وفي "مسند الإمام أحمد" (٢) من حديث خُبيب بن عبد الرحمن، عن أبيه عن جده قال: أتيتُ رسول الله ﷺ وهو يريد غزوًا أنا ورجلٌ من قومي ولم نُسلِمْ، فقلنا: إنَّا نستحيي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، فقال: "أسلمتما؟ "، فقلنا: لا، قال: "فإنا لا نستعينُ بالمشركين على المشركين"، قال: فأسلمنا وشهدنا معه.
وفي "السنن" و"المسند" (٣) من حديث أنس بن مالك ﵁ أن
стр. 362
رسول الله ﷺ قال: "لا تَستضيئوا بنار المشركين، ولا تَنقُشوا على خواتيمكم عربيًّا".
وفُسِّر (١) قوله: "لا تستضيئوا بنار المشركين"، يعني: لا تَستنصحوهم ولا تَستضيئوا برأيهم (٢). والصحيح أن معناه: مباعدتهم وعدم مساكنتهم، كما في الحديث الآخر: "أنا بريءٌ من كل مسلمٍ بين ظهرانَيِ المشركين لا تَراءى نارهما" (٣).
стр. 363
وأما النهي عن نقش الخاتم بالعربي فهذا قد جاء مفسَّرًا في الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" (١) من حديث ابن عمر ﵄ قال: اتخذ رسول الله ﷺ خاتمًا من ذهبٍ، ثم ألقاه، ثم اتخذ خاتمًا من ورِقٍ، ونقش فيه "محمد رسول الله"، وقال: "لا ينقُشْ أحدٌ على نقشِ خاتمي". فإن كان الراوي حفظ اللفظ الآخر فيكون النهي عنه من باب حماية الذريعة، لئلا يتطرَّقَ بنقش العربي إلى نقش "محمد رسول الله"، فتذهبَ فائدة الاختصاص بالنقش المذكور، والله أعلم.
وقال عبد الله بن أحمد (٢): حدثنا أبي، ثنا وكيعٌ، ثنا إسرائيل، عن سِماك بن حربٍ، عن عياضٍ الأشعري، عن أبي موسى ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: إنَّ لي كاتبًا نصرانيًّا، قال: ما لَك؟ قاتلك الله! أما سمعتَ الله
стр. 364
تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ المائدة: ٥٣]، ألا اتخذتَ (١) حنيفًا؟ قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين لي كتابتُه وله دِينه، قال: لا أُكرِمهم إذ أهانَهم الله، ولا أُعِزُّهم إذ أَذلَّهم الله، ولا أُدْنِيهم إذ أَقصاهم الله.
وكتب إليه بعض عُمَّاله يستشيره في استعمال الكفار، فقال: إن المال قد كثر، وليس يُحصيه إلا هم، فاكتبْ إلينا بما ترى. فكتب إليه: لا تُدخِلوهم في دينكم، ولا تُسلِّموهم ما منعهم الله منه، ولا تأمنوهم على أموالكم، وتعلَّموا [الكتابة] فإنما هي [حلية] الرجال (٢).
وكتب إلى عماله: أما بعد، فإنه من كان قِبَلَه كاتبٌ من المشركين فلا يُعاشره ولا يُؤازِره ولا يجالسه ولا يعتضد برأيه، فإن رسول الله ﷺ لم يأمر باستعمالهم، ولا خليفته من بعده (٣).
وورد عليه كتاب معاوية بن أبي سفيان: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإن في عملي كاتبًا نصرانيًّا لا يَتمُّ أمرُ الخراج إلا به، فكرهتُ أن أقلِّده دونَ أمرك، فكتب إليه: عافانا الله وإياك، قرأتُ كتابك في أمر النصراني، أما بعد، فإن
стр. 365
النصراني قد مات، والسلام (١).
وكان لعمر ﵁ عبد نصراني فقال له: أسلِمْ حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين، فإنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمورهم بمن ليس منهم، فأبى، فأعتقه وقال: اذهَبْ حيث شئتَ (٢).
وكتب إلى أبي هريرة (٣) ﵁: أما بعدُ، فإن للناس نفرةً عن سلطانهم، فأعوذ بالله أن تُدركني وإياك. أَقِمِ الحدود ولو ساعةً من النهار. وإذا حضرك أمرانِ أحدهما لله والآخر للدنيا فآثِرْ نصيبَك من الله، فإن الدنيا تنفَدُ والآخرة تبقى. عُدْ مرضى المسلمين واشْهَدْ جنائزهم، وافتحْ بابَك وباشِرْهم. وأبعِدْ أهلَ الشرك (٤) وأنكِرْ أفعالهم، ولا تَستعِنْ في أمرٍ من أمور المسلمين بمشركٍ. وساعِدْ على مصالح المسلمين بنفسك، فإنما أنت رجل منهم غير أن الله تعالى جعلك حاملًا لأثقالهم (٥).
стр. 366
فصل (١)
ودرجَ على ذلك الخلفاء الذين لهم ثناءٌ حسن في الأمة، كعمر بن عبد العزيز والمنصور والرشيد والمهدي والمأمون والمتوكل والمقتدر، ونحن نذكر بعض ما جرى.
فأما عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فإنه كتب إلى جميع عمَّاله في الآفاق: أما بعد، فإن عمر بن عبد العزيز يقرأ عليكم من كتاب الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، جعلهم الله حزب الشيطان، وجعلهم الأخسرين أعمالًا ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]. واعلموا أنه لم يَهلِكْ من هلك من قبلكم إلا بمنْعِه الحقَّ وبسْطِه يدَ الظلم، وقد بلغني عن قومٍ من المسلمين فيما مضى أنهم إذا قدِموا بلدًا أتاهم أهلُ الشرك فاستعانوا بهم في أعمالهم وكتابتهم لعلمهم بالكتابة والجباية والتدبير، ولا خِيَرةَ ولا تدبيرَ فيما يغضب الله ورسوله، وقد كان لهم في ذلك مدةٌ وقد قضاها الله تعالى. فلا أعلَمَنَّ أن أحدًا من العمَّال أبقى في عمله رجلًا متصرفًا على غير دين الإسلام إلا نكَّلتُ به، فإنَّ مَحْوَ أعمالهم كمحو دينهم، وأنزِلوهم منزلتهم التي خصَّهم الله بها من الذلِّ والصَّغار. وآمرُ بمنع اليهود والنصارى من الركوب على
стр. 367
السُّروج (١) إلا على الأُكُف (٢). وليكتبْ كلٌّ منكم بما فعله من عمله (٣).
وكتب إلى حيَّان عاملِه على مصر باعتماد ذلك، فكتب إليه: أما بعد، يا أمير المؤمنين، فإنه إن دام هذا الأمر في مصر أسلمت الذمة، وبطل ما يؤخذ منهم. فأرسل إليه رسولًا وقال له: اضرِبْ حيَّانَ على رأسه ثلاثين سوطًا أدبًا على قوله، وقل له: من دخل في دين الإسلام فضَعْ عنه الجزية، فودِدتُ لو أسلموا كلُّهم، فإن الله بعث محمدًا ﷺ داعيًا لا جابيًا (٤).
وأمر أن تُهدَم بِيَعُ النصارى المستجدّة. فيقال: إنهم توصَّلوا إلى بعض ملوك الروم وسألوه في مكاتبة عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: أما بعد، يا عمر، فإن هؤلاء الشعب سألوا في مكاتبتك لتجري أمورهم على ما وجدتَها عليه، وتُبقِي كنائسهم، وتُمَكِّنهم من عمارة ما خرِبَ منها، فإنهم زعموا أن من تقدَّمك فعلَ في أمر كنائسهم ما منعتَهم منه، فإن كانوا مصيبين في اجتهادهم فاسلُكْ سنتَهم، وإن يكونوا مخالفين لها فافعلْ ما أردتَ.
стр. 368
فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنَّ مَثلي ومَثل من تقدَّمني كما قال الله تعالى في قصة داود وسليمان: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٧) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٧ - ٧٨] (١).
وكتب إلى بعض عُمَّاله: أما بعد، فإنه بلغني أن في عملك كاتبًا نصرانيًّا يتصرف في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٩]، فإذا أتاك كتابي هذا فادعُ حسان بن زيدٍ ــ يعني ذلك الكاتبَ ــ إلى الإسلام، فإن أسلم فهو منّا ونحن منه، وإن أبى فلا تَستعِنْ به، ولا تتخذْ أحدًا على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين. فأسلم حسانُ، وحسن إسلامه (٢).
فصل
وأما أبو جعفرٍ المنصور، فإنه لما حج اجتمع جماعةٌ من المسلمين إلى شَبِيب بن شيبة، وسألوه مخاطبة المنصور أن يرفع عنهم المظالم ولا يمكّن النصارى من ظلمهم وعَسْفهم في ضياعهم، ويمنعهم من انتهاك حرماتهم
стр. 369
وتحرّيهم لكونه أمرهم أن يقبضوا ما وجدوه لبني أمية. قال شبيبٌ: فطفتُ معه، فشبَّك أصابعه على أصابعي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي أن أكلِّمك بما في نفسي؟ فقال: أنت وذاك، فقلت: إن الله لما قسم أقسامه بين خلقه لم يرضَ لك إلا بأعلاها وأسناها، ولم يجعل فوقك في الدنيا أحدًا، فلا ترضَ لنفسك أن يكون فوقك في الآخرة أحدٌ. يا أمير المؤمنين، اتّقِ الله، فإنها وصية الله إليكم جاءت، وعنكم قبلت، وإليكم تؤدّى، وما دعاني إلى قولي إلا محضُ النصيحة لك، والإشفاق عليك وعلى نعم الله عندك. اخفِضْ جناحَك إذا علا كعبك، وابسُطْ معروفك إذا أغنى الله يدك. يا أمير المؤمنين، إنَّ دون أبوابك نيرانًا تأجَّج من الظلم والجور، لا يُعمل فيها بكتاب الله ولا سنة نبيِّه محمد ﷺ . يا أمير المؤمنين، سلَّطتَ الذمة على المسلمين، ظلموهم وعسفوهم وأخذوا ضياعهم وغصبوهم أموالهم وجاروا عليهم، واتخذوك سُلَّمًا لشهواتهم، وإنهم لن يُغْنوا عنك من الله شيئًا يوم القيامة.
فقال المنصور: خذْ خاتمي فابعثْ به إلى من تعرفه من المسلمين، وقال: يا ربيعُ اكتبْ إلى الأعمال واصرِفْ مَن بها من الذمة، ومن أتاك به شَبِيبٌ فأعلِمْنا بمكانه لنُوقِّع باستخدامه.
فقال شبيبٌ: يا أمير المؤمنين، إن المسلمين لا يأتونك وهؤلاء الكفرة في جُمْلتك (١)، إن أطاعوهم أغضبوا الله، وإن أغضبوهم أغرَوك بهم، ولكن
стр. 370
تُولِّي في (١) اليوم الواحد عدةً، فكلما ولَّيتَ رجلًا عزلْتَ آخر (٢).
فصل
وأما المهدي، فإن أهل الذمة في زمانه قويتْ شوكتهم، فاجتمع المسلمون إلى بعض الصالحين، وسألوه أن يُعرِّفه بذلك وينصحه، وكان له عادةٌ في حضور مجلسه، فاستُدْعِي للحضور عند المهدي فامتنع، فجاء المهدي إلى منزله وسأله السبب في تأخره، فقصَّ عليه القصة، وذكر اجتماع الناس إلى بابه متظلِّمين من ظلم الذمة، ثم أنشده (٣):
بأبي وأمي ضاعت الأحلام ... أم ضاعت الأذهانُ والأفهام؟
من صدَّ عن دين النبي محمدٍ ... ألهُ بأمر المسلمين قيام؟
إن لا تكنْ أسيافُهم مشهورةً ... فينا، فتلك سيوفُهم أقلام
ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنك تحمَّلت أمانةَ هذه الأمة وقد عُرِضت على السماوات والأرض والجبال فأبينَ أن يحملنها، ثم سلَّمتَ الأمانةَ التي خصَّك الله بها إلى أهل الذمة دون المسلمين! يا أمير المؤمنين، أما سمعت تفسير جدِّك لقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٨]، إن الصغيرة التبسم، والكبيرة
стр. 371
القهقهة (١)، فما ظنك بأموال المسلمين وأماناتهم وأسرارهم؟! وقد نصحتُك، وهذه النصيحة حجةٌ عليَّ ما لم تصل إليك.
فولَّى عُمارة بن حمزة (٢) أعمال الأهواز وكُوَرَ دجلة وكُورَ فارس، وقلَّد حمَّادًا أعمالَ السواد، وأمره أن ينزل إلى الأنبار وإلى جميع الأعمال، ولا يترك أحدًا من الذمة يكتب لأحدٍ من العمَّال، وإن علم أن أحدًا من المسلمين استكتب أحدًا من النصارى قطعت يده، فقطعت يد شاهويه (٣) وجماعةٍ من الكتَّاب (٤).
وكان للمهدي على بعض ضياعه كاتبٌ نصراني بالبصرة، فظلم الناس في معاملته، فتظلَّم المتظلمون إلى سوَّار بن عبد الله القاضي، فأحضر وكلاء النصراني واستدعي بالبينة، فشهدت على النصراني بظلم الناس وتعدِّي مناهج الحق، ومضى النصراني فأخذ كتاب المهدي إلى القاضي سوَّارٍ بالتثبت في أمره، فجاء البصرةَ ومعه الكتاب وجماعةٌ من حمقى النصارى،
стр. 372
وجاؤوا إلى المسجد فوجدوا سوَّارًا جالسًا للحكم بين المسلمين، فدخل المسجد وتجاوز الموضع الذي كان يجب الوقوف عنده (١)، فمنعه الخَدَمُ فلم يعبأ بهم وسبَّهم، ودنا حتى جلس عن يمين سوَّارٍ ودفع له الكتاب، فوضعه بين يديه، ولم يقرأه وقال: ألستَ نصرانيًّا؟ فقال: بلى أصلح الله القاضي، فرفع رأسه وقال: جُرُّوا برجله، فسُحِبَ إلى باب المسجد وأدَّبه تأديبًا بالغًا، وحلفَ أن لا يبرحَ واقفًا إلى أن يوفّي المسلمين حقوقهم، فقال له كاتبه: قد فعلتَ اليوم أمرًا يُخاف أن تكون له عاقبةٌ، فقال: أعِزَّ أمرَ الله يُعِزَّك الله (٢).
فصل
وأما هارون الرشيد، فإنه لما قلَّد الفضل بن يحيى أعمال خراسان، وجعفرًا أخاه ديوانَ الخراج، وأمرهما بالنظر في مصالح المسلمين، فعمرت المساجد والجوامع والصهاريج (٣) والسِّقايات (٤)، وجَعلَ في المكاتب مكاتبًا لليتامى، وصَرفَ الذمة عن أعمالهم، واستعمل المسلمين عوضًا منهم، وغيَّر زيَّهم ولباسهم، وخرَّب الكنائس، وأفتاه بذلك علماء الإسلام (٥).
стр. 373
فصل
وأما المأمون، فقال عمرو بن عبد الله الشيباني: استحضرني المأمون في بعض لياليه ونحن بمصر، فقال لي: قد كثرتْ سعايات النصارى، وتظلَّم المسلمون منهم، وخانوا السلطان في ماله. ثم قال: يا عمرو، تعرف من أين أصل هؤلاء القبط؟ فقلت: هم بقية الفراعنة الذين كانوا بمصر، وقد نهى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن استخدامهم، فقال: صِفْ لي كيف كان تناسلُهم في مصر، فقلت: يا أمير المؤمنين، لما أخذت الفرس المُلْكَ من أيدي الفراعنة قتلوا القبط، فلم يبق منهم إلا من اصطنعته يد الهرب واختفى بأَنْصِنا (١) وغيرها، فتعلَّموا طبًّا وكتابًا، فلما ملكت الروم مُلْكَ الفرس كانوا سببًا في إخراج الفرس عن ملكهم، وأقاموا في مملكة الروم إلى أن ظهرت دعوة المسيح (٢).
وفيهم يقول خالد بن صفوان من قصيدةٍ له يمدح بها عمرو بن العاص ﵁ ويحثُّه على قتلهم ويُغرِيه بهم (٣):
يا عمرو قد ملكتْ يمينُك مِصْرَنا ... وبسطتَ فيها العدلَ والإقساطا
стр. 374
فاقتلْ بسيفك مَن تعدَّى طَوْرَه ... واجعلْ فتوحَ سيوفك الأقباطا
فبهم أُقيمَ الجورُ في جَنَباتِها ... ورأى الأنامُ البغْيَ والإفراطا
عبدوا الصليبَ وثلَّثوا معبودَهم ... وتوازروا وتعدَّوُا الأشراطا
وبقي في نفس المأمون منهم، فلما عاد إلى بغداد اتفق لهم مجاهرةٌ في بغداد بالبغي والفساد على معلمه علي بن حمزة الكسائي، فلما قرأ عليه المأمون ووصل إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣]، قال الكسائي: يا أمير المؤمنين، أتقرأ كتاب الله ولا تعمل به؟ فأمر المأمون بإحضار الذمة، فكان عدةُ من صُرِف وسُجِن ألفين وثمان مائةٍ، وبقي جماعةٌ من اليهود منحازين إلى حماية بعض جهاته، فخرج توقيعه بما نسختُه: أخبث الأمم اليهود، وأخبث اليهود السامرة، وأخبث السامرة بنو فلانٍ، فليقطَعْ ما بأسمائهم من ديوان الجيش والخراج إن شاء الله تعالى (١).
ودخل بعض الشعراء على المأمون وفي مجلسه يهودي جالسٌ، فأنشده:
يا ابنَ الذي طاعتُه في الورى ... وحكمه مفترضٌ واجب
إن الذي عُظِّمتَ من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب
فقال له المأمون: أصحيح ما يقول؟ قال: نعم، فأمر بقتله (٢).
стр. 375
فصل
وأما المتوكل، فإنه صرفَ أهل الذمة من الأعمال، وغيَّر زِيَّهم في مراكبهم وملابسهم، وذلك أن المباشرين منهم للأعمال كثروا في زمانه وزادوا على الحد، وغلبوا على المسلمين لخدمة أمه وأهله وأقاربه، وذلك في سنة خمسٍ وثلاثين ومائتين، فكانت الأعمال الكبار كلها أو عامتها إليهم في جميع النواحي، وكانوا قد أوقعوا في نفس المتوكل من مباشري المسلمين شيئًا وأنهم بين مفرطٍ وخائنٍ، وعملوا عملًا بأسماء المسلمين وأسماء بعض الذمة لينفوا التهمة، وأوجبوا باسم كل واحدٍ منهم مالًا كثيرًا، وعُرِض على المتوكل، فأُغرِي وظنَّ ما أوجبوا من ذلك حقًّا، وأن المال في جهاتهم كما أوجبوه. ودخل سلمة بن سعيد النصراني على المتوكل وكان يأنس به ويحاضره، فقال: يا أمير المؤمنين أنت في الصحاري والصيد، وخلفك معادنُ الذهب والفضة، ومن يشرب في آنية الذهب والفضة، ويملؤها ذهبًا عوضًا عن الفاكهة. فقال له المتوكل: عند مَن؟ فقال: عند الحسين بن مَخلدٍ، وأحمد بن إسرائيل، وموسى بن عبد الملك، وميمون بن هارون، ومحمد بن موسى، وكل واحدٍ من هؤلاء اسمه ثابتٌ في العمل المقدَّمِ ذكرُه المرفوعِ للمتوكل. فقال له المتوكل: ما تقول في عبيد الله بن يحيى؟ فسكت،
стр. 376
فقال: بحياتي عليك قل لي ما عندك، فقال: قد حلَّفتني بحياتك ولا بدَّ لي من صدقك على كل حالٍ، والله يا أمير المؤمنين لقد صاغ له صوالجة (١) وأُكَرًا (٢) من ثلاثين ألف دينارٍ، فقلت له: أمير المؤمنين يضرب كرةً من جُلودٍ بصولجانٍ من خشبٍ وأنت تضرب كرةً من فضةٍ بصولجانٍ من فضةٍ! فالتفت المتوكل إلى الفتح بن خاقان وقال: ابعثْ فأحضِرْ هؤلاء، وضيِّقْ عليهم، فحضرتْ جماعةُ الكتاب وعلموا ما وقعوا فيه من الكافر.
فاجتمعوا إلى عبيد الله بن يحيى فأنفذ معهم كاتبه إلى سلمة، وعاتبه فيما جرى منه، فحلف أنني لم أفعلْ ما فعلتُه إلا على سُكْرٍ، ولم أقلْ ما قلتُه عن حقيقةٍ، فأخذ خطَّه بذلك، فدخل عبيد الله بن يحيى على المتوكل وعرَّفه مأثمةَ أهل الذمة على المسلمين وغيرهم، وأوقفه على خط سلمة، وقال: هذا قصدُه أن يخلو أركان دولة أمير المؤمنين من الكتّاب المسلمين، ويتمكَّن هو ورهطُه منها (٣).
وكان المتوكل قد جعل في موكبه من يأخذ المتظلِّمين ويُحضِرهم بين يديه على خلوةٍ، فأُحضِر بين يديه شيخٌ كبيرٌ، فذكر أنه من أهل دمشق، وأن سعيد بن عونٍ النصراني غصَبَه دارَه، فلما وقف المتوكل على قصة الشيخ اشتدَّ غضبه إلى أن كادت تطير أزراره، وأمره أن يكتب إلى صالحٍ عامله بردِّ داره. قال الفتح بن خاقان: فقمت ناحيةً لأكتبَ له بما أمرني فأتبعني رسولًا
стр. 377
يَستحِثُّني، فبادرتُ إليه، فلما وقف على الكتاب زاد فيه بخطه: "نفيتُ عن العباس؛ لئن خالفتَ فيما أمرتُ به لأوجِّهن من يجيئني برأسك". ووصل الشيخَ بألف دينارٍ، وبعث معه حاجبًا، وكثر تظلُّم الناس من كتَّاب أهل الذمة وتتابعت الإغاثات (١).
وحجَّ المتوكل (٢) تلك السنة، فرُئِي رجل يطوف بالبيت ويدعو على المتوكل، فأخذه الحرس وجاؤوا به سريعًا، فأمر بمعاقبته، فقال له: والله يا أمير المؤمنين، ما قلتُ ما قلتُه إلا وقد أيقنتُ بالقتل، فاسمعْ كلامي ومُرْ بقتلي، فقال: قل، فقال: سأُطلِق لساني بما يُرضي الله ورسوله ويُغضِبك يا أمير المؤمنين، قد اكتنفتْ دولتَك كُتَّابٌ من الذمة أحسنوا الاختيار لأنفسهم، وأساؤوا الاختيار للمسلمين، وابتاعوا دنياهم بآخرة أمير المؤمنين، خِفْتَهم ولم تَخَفِ الله، وأنت مسؤولٌ عما اجترحوا وليسوا مسؤولين عما اجترحتَ، فلا تُصلِحْ دنياهم بفساد آخرتك، فإن أخسر الناس صفقةً يوم القيامة من أصلح دنيا غيره بفسادِ آخرته، واذكر ليلةً تتمخَّضُ صبيحتها عن يوم القيامة، وأول ليلةٍ يخلو المرء في قبره بعمله. فبكى المتوكل إلى أن غُشِي عليه، وطُلِب الرجل فلم يوجد، فخرج أمره بلُبْسِ النصارى واليهود الثيابَ العسلي (٣)،
стр. 378
وأن لا يُمكَّنوا من لُبس البياض (١) لئلا يتشبهوا بالمسلمين، ولتكنْ رُكُبُهم (٢) خشبًا، وأن تُهدَم بِيَعُهم المستجدّة، وأن تُطبَّق عليهم الجزية، ولا يُفسَحَ لهم في دخول حمامات المسلمين، وأن تُفرَد لهم حماماتٌ خَدَمُها ذمةٌ، ولا يَستخدموا مسلمًا في حوائجهم لنفوسهم، وأَفردَ لهم من يحتسب عليهم، وكتب كتابًا نسخته (٣):
أما بعد، فإن الله اصطفى الإسلام دينًا، فشرَّفه وكرَّمه وأناره ونصره (٤) وأظهره وفضَّله وأكملَه، فهو الدين لا يُقبل غيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٤]، بعث به صفيَّه وخِيَرتَه من خلقه محمدًا ﷺ ، فجعله خاتم النبيين وإمام المتقين وسيد المرسلين: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩]، وأنزل كتابًا عزيزًا: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١]، أسعدَ به أمتَه وجعلَهم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
стр. 379
وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وأهان الشرك وأهله، ووضَعهم وصغَّرهم، وقمَعَهم وخذلَهم، وتبرأ منهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، وقال: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وطبعَ (١) على قلوبهم وخُبْث سرائرهم وضمائرهم، فنهى عن ائتمانهم (٢) والثقة بهم، لعداوتهم للمسلمين وغِشّهم وبغضائهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٤٤] . وقال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨]. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٣].
стр. 380
وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أن أناسًا لا رأيَ لهم ولا رويَّة، يستعينون بأهل الذمة في أفعالهم، ويتخذونهم بطانةً من دون المسلمين، ويُسلِّطونهم على الرعية فيَعْسِفونهم، ويبسطون أيديهم إلى ظلمهم وغَشْمهم والعدوان عليهم، فأعظَمَ أمير المؤمنين ذلك وأنكره وأكبرَه وتبرَّأ إلى الله منه، وأحبَّ التقربَ إلى الله تعالى بحَسْمه والنهي عنه، ورأى أن يكتب إلى عمَّاله على الكُوَر والأمصار وولاة الثغور والأجناد في ترك استعمالهم للذمة في شيء من أعمالهم وأمورهم، والإشراكِ لهم في أماناتهم وما قلَّدهم أمير المؤمنين واستحفظهم إياه، إذ جعل في المؤمنين الثقةَ في الدين والأمانةَ على إخوانهم المؤمنين، وحسنَ الرعاية لما استرعاهم، والكفاية لما استكفوا، والقيام بما حُمِّلوا، ما أغنى عن الاستعانة بالمشركين بالله المكذِّبين برسله الجاحدين لآياته الجاعلين معه إلهًا آخر، لا إله إلا هو وحده لا شريك له.
ورجاء أمير المؤمنين ــ بما ألهمه الله من ذلك وقذَفَ في قلبه ــ جزيلُ الثواب وكريمُ المآب، والله يُعين أمير المؤمنين على نيته في تعزيز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وحزبه.
فلْيُعلَم هذا من رأي أمير المؤمنين، ولا يُستعان (١) بأحدٍ من المشركين، وإنزال (٢) أهل الذمة منازلهم التي أنزلهم الله تعالى بها، فاقرأ كتاب أمير المؤمنين على أهل أعمالك وأَشِعْه فيهم. ولا يعلمنَّ أمير المؤمنين أنك استعنتَ ولا أحدٌ من عمَّالك وأعوانك بأحدٍ من أهل الذمة في عملٍ. والسلام.
стр. 381
فصل
وأما المقتدر بالله، فإنه سنة خمسٍ وتسعين ومائتين عَزلَ كُتَّاب النصارى وعمَّالهم، وأمر أن لا يُستعان بأحدٍ من أهل الذمة، حتى أمر بقتل أبي ياسرٍ النصراني عامل مؤنسٍ الحاجب. وكتب إلى نُوَّابه بما نسختُه: عوائدُ الله عند أمير المؤمنين تُوفي على عادة (١) رضاه ونهاية أمانيه، وليس أحدٌ يُظهِر عصيانه إلا جعله الله عِظةً للأنام، وبادرَه بعاجل الاصطلام، والله عزيز ذو انتقامٍ. فمن نكث وطغى وبغى، وخالف أمير المؤمنين وخالف محمدًا ﷺ ، وسعى في إفساد دولة أمير المؤمنين= عاجله أمير المؤمنين بسَطْوته، وطهَّر من رجسِه دولتَه، والعاقبة للمتقين. وقد أمرَ أمير المؤمنين بترك (٢) الاستعانة بأحدٍ من أهل الذمة في عملٍ من الأعمال، فليحذرِ العمَّال تجاوزَ [أوامر] أمير المؤمنين ونواهيه (٣).
فصل
وكذلك الراضي بالله (٤)، كثرت الشكايةُ من أهل الذمة في زمانه، فكتب إليه
стр. 382
الشعراء في ذلك، فممن كتب إليه مسعود بن الحسين الشريف البياضي (١):
يا ابنَ الخلائفِ من قريشٍ والأُلى ... طَهُرتْ أصولُهمُ من الأدناس
قلَّدتَ أمرَ المسلمين عدوَّهم ... ما هكذا فعلَتْ بنو العباس
حاشاكَ من قولِ الرعية: إنه ... ناسٍ لقاءَ الله أو مُتناسِ
ما العذرُ إن قالوا غدًا: هذا الذي ... ولَّى اليهود على رقاب الناس؟
أتقول: كانوا وفَّروا الأموالَ إذ ... خانوا بكفرِهمُ إلهَ الناس؟
لا تذكرنْ إحصاءَهم ما وفَّروا ... ظلمًا وتنسى مُحصِيَ الأنفاس
وخَفِ الإلهَ غدًا إذا وُفِّيتَ ما ... كَسبتْ يداك اليومَ بالقسطاس
في موقفٍ ما فيه إلا شاخصٌ ... أو مُهطِعٌ أو مُقنِعٌ للراسِ
أعضاؤهم فيه الشهود، وسجنُهم ... نارٌ، وحارِسُهم شديدُ الباس
إن تَمطُلِ اليوم الديونَ مع الغنى ... فغدًا تُؤدِّيها مع الإفلاس
لا تعتذِرْ عن صَرْفهم بتعذُّرِ الـ ... متصرفين الحُذَّقِ الأكياس
ما كنتَ تفعلُ بعدهم لو أُهلِكوا ... فافعلْ، وعُدَّ القومَ في الأرماس
وكتب إليه وقد صرف ابنَ فَضْلان اليهودي بابن مالك النصراني (٢):
أبعدَ ابنِ فضلانٍ تُولِّي ابنَ مالك ... بماذا غدًا تحتجُّ عند سؤالكا؟
خَفِ الله وانظُرْ في صحيفتِك التي ... حَوَتْ كلَّ ما قدَّمتَه من فعالكا!
стр. 383
وقد خَطَّ فيها الكاتبون فأكثروا ... ولم يبقَ إلا أن يقولوا: فذلكا (١)
فواللهِ ما تدري إذا ما لقيتَها ... أتُوضَع في يُمناك أم في شمالكا
فصل (٢)
وكذلك في أيام الآمر بأمر الله امتدَّتْ أيدي النصارى، وبسطوا أيديهم بالجناية، وتفنَّنوا في أذى المسلمين وإيصال المضرَّة إليهم، واستُعمل منهم كاتبٌ يُعرف بالراهب، ولُقِّب بالأب القدِّيس الروحاني النفيس أب (٣) الآباء وسيد الرؤساء، مقدَّمِ دينِ النصرانية وسيد البَتْركية، صفيِّ الرب ومختاره، ثالث عشر الحواريِّين. فصادَرَ اللعينُ عامةَ من بالديار المصرية من كاتبٍ وحاكمٍ وجندي وعاملٍ وتاجرٍ، وامتدَّتْ يده إلى الناس على اختلاف طبقاتهم، فخوَّفه بعضُ مشايخ الكتاب من خالقه وباعثه ومحاسبه، وحذَّره من سوء عواقب أفعاله، وأشار عليه بترك ما يكون سببًا لهلاكه. وكان جماعةٌ من كتَّاب مصر وقِبْطِها في مجلسه، فقال مخاطبًا له ومُسمِعًا للجماعة: نحن مُلَّاك هذه الديار حربًا وخراجًا، ملَكَها المسلمون منا، وتغلَّبُوا عليها وغَصَبوها، واستملكوها من أيدينا، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قُبالة ما فعلوا بنا، ولا يكون له نسبةٌ إلى مَن قُتِل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح، فجميع ما نأخذه من أموال
стр. 384
المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حِلٌّ لنا، وبعضُ ما نستحقُّه عليهم، فإذا حملنا لهم مالًا كانت المنة لنا عليهم، وأنشد (١):
بنتُ كرمٍ غَصَبوها أمَّها ... وأهانوها فدِيْسَتْ بالقَدَمْ
ثم عادوا حكَّموها فيهمُ ... ولَناهيكَ بخصمٍ يُحتكَمْ
فاستحسن الحاضرون من النصارى والمنافقين ما سمعوه منه، واستعادوه وعضُّوا عليه بالنواجذ، حتى قيل: إن الذي احتاط عليه قلم اللعين من أملاك المسلمين مائتا ألفٍ واثنان وسبعون ألفًا ما بين دارٍ وحانوتٍ وأرضٍ بأعمال (٢) الدولة إلى أن أعادها إلى أصحابها أبو علي بن الأفضل، ومِن الأموال ما لا يحصيه إلا الله.
ثم انتبه الآمِر من رقدته، وأفاق من سكرته، وأدركته الحمية الإسلامية والغيرة المحمدية، فغضِبَ لله غضَبَ ناصرٍ للدين وثائرٍ (٣) للمسلمين، وألبس الذمَّةَ الغِيار، وأنزلَهم بالمنزلة التي أمر الله تعالى أن يُنزَلوا بها من الذلّ والصَّغار، وأمر أن لا يُوَلَّوا شيئًا من أعمال الإسلام، وأن يُنشِئ في ذلك كتابًا يقف عليه الخاص والعام، فكتب عنه ما نسخته:
стр. 385
الحمد لله المعبود في أرضه وسمائه، والمجيب دعاءَ من يدعوه بأسمائه، المنفرد بالقدرة القاهرة، المتوحِّد بالقوة الظاهرة، وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة، هدى العبادَ بالإيمان إلى سبيل الرشاد، ووفَّقهم في الطاعات لما هو أنفع زادٍ في المعاد، وتفرَّد بعلم الغيوب فعلِمَ من كل عبدٍ إضمارَه كما علم تصريحَه: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١]، الذي شرَّف دينَ الإسلام وعظَّمه، وقضى بالسعادة الأبدية لمن انتحاه وتيمَّمه، وفضَّله على كل شرعٍ سبقَه وعلى كل دينٍ تقدمه، فنصره وخذلَها، وأشاد به وأخملَها، ورفعه ووضعَها، ووطَّده وضعضعَها، وأبى أن يقبل دينًا سواه من الأولين والآخرين. فقال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
وشهد به لنفسه وأشهد به ملائكته وأولي (١) العلم الذين هم خلاصةُ الأنام، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨، ١٩] [آل عمران: ١٨ ــ ١٩].
ولمّا ارتضاه لعباده وأتمَّ عليهم به نعمته= أكمله لهم، وأظهره على الدين كله، وأوضحه إيضاحًا مبينًا، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٤].
стр. 386
وفَرقَ به بين أوليائه وأعدائه، وبين أهل الهدى والضلال، وأهل البغي والرشاد، فقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
وأمر تعالى بالثبات عليه إلى الممات، فقال ــ وبقوله يهتدي المؤمنون ــ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
وهو وصية إمامِ الحنفاء لبنيه، وإسرائيلَ من بعده كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣١) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١ ــ ١٣٢].
وأشهد عليه الحواريون عبدَ الله ورسولَه وكلمتَه عيسى بن مريم، وهو الشاهد الأمين، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥١].
وأمر تعالى رسوله أن يدعو أهل الكتاب إليه، ويشهد من تولَّى منهم بأنه عليه، فقال تعالى ــ وقوله الحق المبين ــ: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ
стр. 387
بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
وصلى الله على الذي رفعه باصطفائه إلى محلِّه المنيف، وبعثه إلى الناس كافةً بالدين القيم الحنيف، وجعله أفضلَ من كان وأفضلَ من يكون، وأرسله ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، فكانت نبوته لظهر الكفرِ قاصمةً، وشريعتُه لمن لاذَ بها ولجأ إليها من كل شرٍّ عاصمةً، وحججُه لمن عاند وكفر خاصمةً، حتى أذعنَ المعاندون واعترف الجاحدون وذلَّ المشركون، و ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٤٨]، وأشرقَ وجهُ الدهر برسالته ضياءً وابتهاجًا، ودخل الناس بدعوته في دين الله أفواجًا، وأشرقت على الوجود شمسُ الإسلام، واتسقَ قمرُ الإيمان، وولَّت على أدبارها مهزومةً عساكر الشيطان.
ورضي الله عن أصحابه وخلفائه الذين اتبعوا سنتَه، وابتغَوا في القيام بها رضوانَه، ووقفوا عند شرعه، فأعزُّوا من أعزَّه وأهانوا من أهانَه.
أما بعد، فإن الله سبحانه ببالغِ حكمته وسابغِ نعمته شرَّفَ دين الإسلام وطهَّره من الأدناس، وجعل أهله خير أمةٍ أخرجت للناس. فالإسلام الدين القويم الذي اصطفاه الله من الأديان لنفسه، وجعله دين أنبيائه ورسله وملائكة قُدْسِه، فارتضاه واختاره. وجعل خيرَ عباده وخاصَّتَه هم أولياءَه وأنصارَه، يحافظون على حدوده ويثابرون، ويدعون إليه ويذكرون، ويخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون، فهم بآيات ربهم يؤمنون،
стр. 388
وإلى مرضاته يسارعون، ولمن خرج عن دينه يجاهدون، ولعباده بجهدهم ينصحون، وعلى طاعته يثابرون، وعلى صلواتهم يحافظون، وعلى ربهم يتوكَّلون، وبالآخرة هم يوقنون، ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٤].
هذا، وإن أمةً هداها الله إلى دينه القويم، وجعلها ــ دون الأمم الجاحدة ــ على صراطٍ مستقيمٍ، تُوفِي من الأمم سبعين، هم خيرها وأكرمها على رب العالمين= حقيقةٌ بأن لا تُوالي من الأمم سواها، ولا تستعين بمن خان (١) الله خالقَه ورازقَه وعبدَ من دونه إلهًا، فكذَّب رسلَه وعصى أمره، واتبع غير سبيله، واتخذ الشيطان وليًّا من دونه.
ومعلومٌ أن اليهود والنصارى موسومون بغضب الله ولعنته، والشرك به والجحد لوحدانيته، وقد فرض الله على عباده في جميع صلواتهم أن يسألوه هدايةَ سبيل الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وتجنُّبَهم سبيلَ الذين أبعدهم من رحمته وطردَهم عن جنته، فباؤوا بغضبه ولعنته، من المغضوب عليهم والضالين. فالأمة الغضبية هم اليهود بنصّ القرآن، وأمة الضلال هم النصارى المثلِّثة عُبَّاد الصلبان.
وقد أخبر تعالى عن اليهود بأنهم بالذلة والمسكنة والغضب موسومون، فقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
стр. 389
كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢].
وأخبر بأنهم باؤوا بغضبٍ على غضبٍ، وذلك جزاء المفترين، فقال: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠].
وأخبر سبحانه أنه لعنهم، ولا أصدقَ من الله قيلًا، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٦].
وحكم سبحانه بينهم وبين المسلمين حكمًا ترتضيه العقول، ويتلقاه كلُّ منصفٍ بالإذعان والقبول، فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٢].
وأخبر عمّا أحلَّ بهم من العقوبة التي صاروا بها مثلًا في العالمين، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٥ ــ ١٦٦].
ثم حكم عليهم حكمًا مستمرًّا عليهم في الذراري والأعقاب، على ممرِّ
стр. 390
السنين والأحقاب، فقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧]، فكان هذا العذاب في الدنيا ببعض الاستحقاق، ولعذاب الآخرة أشقُّ، ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اَللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [الرعد: ٣٥].
فهم أنجس الأمم قلوبًا، وأخبثهم طويَّةً، وأردؤهم سجيَّةً، وأولاهم بالعذاب الأليم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤٣].
فهم أمة الخيانة لله ورسوله ودينه وكتابه وعباده المؤمنين: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ١٤].
وأخبر عن سوء ما يستمعون ويقبلون، وخُبْث ما يأكلون ويجمعون، فقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٤].
وأخبر تعالى أنه لعنهم على ألسنة أنبيائه ورسله بما كانوا يكسبون، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٨٠) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٨١) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨٢].