← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

لك: "كيف بك إذا أُخرِجتَ من خيبر تَعدُو بك قَلُوصك ليلةً بعد ليلةٍ؟ " فقال: كانت هذه هُزَيلةً (١) من أبي القاسم، فقال: كذبتَ يا عدوَّ الله! قال: فأجلاهم عمر ﵁ وأعطاهم قيمةَ ما كان لهم من الثمر مالًا وإبلًا وعُروضًا من أقتابٍ وحبالٍ وغير ذلك. وفي "صحيحه" (٢) أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: أتى رسول الله ﷺ أهلَ خيبر، فقاتلهم حتى ألجأهم إلى قصرهم، وغلَبَهم على الأرض والزرع والنخل، فصالحوه على أن يُجْلَوا منها ولهم ما حملَتْ رِكابهم، ولرسول الله ﷺ الصفراء والبيضاء والحلقة ــ وهي السلاح ــ، ويخرجون منها، واشترط عليهم أن لا يكتموا ولا يُغيِّبوا شيئًا، فإن فعلوا فلا ذمة لهم ولا عهدَ، فغيَّبوا مَسْكًا فيه مالٌ وحُلِيٌّ لحُيَيِّ بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أُجلِيت النَّضير، فقال رسول الله ﷺ لعمِّ حُيَيٍّ ــ واسمه سَعْية ــ:

стр. 317

"ما فَعَل مَسْكُ حُيَيٍّ الذي جاؤوا (١) به من النضير؟ "، قال: أذهبَتْه النفقات والحروب، فقال: "العهد قريبٌ، والمال أكثر من ذلك". وقد كان حُيَيٌّ قُتِل قبل ذلك، فدفع رسول الله ﷺ سَعْية إلى الزبير فمسَّه بعذابٍ، فقال: قد رأيتُ حُيَيًّا يطوف في خرِبةٍ هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا المَسْك في الخربة، فقَتلَ رسول الله ﷺ ابنَي أبي الحُقَيق وأحدهما زوج صفية بنت حُيَيّ بن أخطب، وسبى رسول الله ﷺ نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكْث الذي نكثوا، وأراد أن يُجليهم منها، فقالوا: يا محمد، دَعْنا نكون في هذه الأرض نُصلِحها ونقومُ عليها. ولم يكن لرسول الله ﷺ ولا أصحابه غلمانٌ يقومون عليها ولا يفرغون أن يقوموا، فأعطاهم خيبر على أنَّ لهم الشطْرَ من كل زرعٍ وشيءٍ ما بدا لرسول الله ﷺ . وكان عبد الله بن رواحة يأتيهم في كل عامٍ يَخْرُصها عليهم، ثم يُضمِّنهم الشطْرَ، فشكَوا إلى رسول الله ﷺ شدةَ خرصه، وأرادوا أن يَرْشُوه، فقال عبد الله: أتُطعِمونني السُّحتَ؟ والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الناس إليَّ، ولأنتم أبغضُ الناس إليَّ مِن عِدِّتِكم (٢) من القردة والخنازير، ولا يَحملني بغضي إياكم وحبِّي إياه على أن لا أعدِلَ عليكم، فقالوا: بهذا قامت السماوات والأرض. فكان رسول الله ﷺ يُعطي كلَّ امرأةٍ من نسائه ثمانين وَسَقًا من تمرٍ كلَّ

стр. 318

عامٍ وعشرين وَسَقًا من شعيرٍ، فلمَّا كان زمان عمر ﵁ غشُّوا المسلمين، وألقَوا ابنَ عمر من فوقِ بيت ففَدَعوا يديه، فقال عمر: من كان له سهم بخيبر فليحضر حتى نقسمها بينهم، فقسمها عمر ﵁ بينهم. فقال رئيسهم: لا تُخرِجْنا، دَعْنا نكونُ فيها كما أقرَّنا رسول الله ﷺ وأبو بكرٍ، فقال عمر ﵁ لرئيسهم: أتراه سَقَط عليَّ قولُ رسول الله ﷺ : "كيف بك إذا رَقَصَتْ بك راحلتُك نحو الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا؟ ". وقسمها عمر ﵁ بين من كان شهد خيبر من أهل الحديبية (١). وأما رَهْن النبي ﷺ دِرعَه عند اليهودي فلعله من اليهود الذين كانوا يَقْدَمون المدينةَ بالمِيرة والتجارة من حولها، أو من أهل خيبر، وإلا فيهود المدينة كانوا ثلاث طوائف: بني قينقاع وبني النضير وقريظة. فأما بنو قينقاع فحاربهم أولًا، ثم منَّ عليهم. وأما بنو النضير فأجلاهم إلى خيبر وأجلى بني قينقاع أيضًا، وقتل بني قريظة (٢)، وأجلى كلَّ يهودي كان بالمدينة. فهذا اليهودي المرتهن: الظاهرُ أنه من أهل العهد قدِمَ المدينة بطعامٍ، أو كان ممن لم يحارب فبقي على أمانه، فالله أعلم. فهذا أصل إجلاء الكفّار من أرض الحجاز. ثم اختلف الفقهاء بعد ذلك، فقال مالك (٣): أرى أن يُجلَوا من أرض العرب كلها؛ لأن رسول الله

стр. 319

- ﷺ قال: "لا يجتمع دينانِ في جزيرة العرب" (١). وفي "صحيح مسلم" (٢) من حديث عمر ﵁ سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأُخرِجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أَدع فيها إلا مسلمًا". وقال الشافعي (٣): يُمنعون من الحجاز، وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها، وهي قراها. أما غير الحرم منه فيُمنَع الكتابي وغيره من الاستيطان والإقامة به، وله الدخول بإذن الإمام لمصلحةٍ، كأداء رسالةٍ أو حمل متاعٍ يحتاج إليه المسلمون، وإن دخل لتجارةٍ ليس فيها كبير حاجةٍ لم يأذن له إلا بشرط أن يأخذ من تجارته شيئًا، ولا يمكّن من الإقامة أكثر من ثلاثٍ. وقد أدخل بعض أصحاب الشافعي اليمن في جزيرة العرب (٤)، ومنعهم من الإقامة فيها. وهذا وهمٌ؛ فإن النبي ﷺ بعث معاذًا قبل موته إلى اليمن وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، وأقرَّهم فيها، وأقرَّهم أبو بكر بعده، وأقرَّهم عمر وعثمان وعلي ﵃، ولم يُجْلُوهم من اليمن مع أمر رسول الله ﷺ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، فلم يُعرَف عن إمامٍ أنه أجلاهم من اليمن.

стр. 320

وإنما قال الشافعي وأحمد: يُخْرَجون من مكة والمدينة واليمامة وخيبر ويَنْبُع ومخاليفها، ولم يذكرا اليمن، ولم يُجلَوا من تَيماء أيضًا. وكيف يكون اليمن من جزيرة العرب وهي وراء البحر، فالبحر بينها وبين الجزيرة؟ (١) فهذا القول غلطٌ محضٌ. وأما الحرم فإن كان حرم مكة فإنهم يمنعون من دخوله بالكلية، فلو قدِمَ رسولٌ لم يَجُزْ أن يأذن له الإمام في دخوله، ويَخرج الوالي أو من يثق به إليه، ولا يختصُّ المنع بخِطَّة مكة بل بالحرم كله. وأما حرم المدينة فلا يُمنع من دخوله لرسالةٍ أو تجارةٍ أو حَمْل متاعٍ. فصل فهذا تفصيل مذهب الشافعي رحمه الله تعالى. وأما مذهب أحمد (٢) رحمه الله تعالى فعنده يجوز لهم دخول الحجاز للتجارة؛ لأن النصارى كانوا يتَّجرون إلى المدينة في زمن عمر ﵁ كما تقدم. وحكى أبو عبد الله بن حمدان (٣) عنه رواية: أن حرم المدينة كحرم مكة

стр. 321

في امتناع دخوله. والظاهر أنها غلطٌ على أحمد، فإنه لم يَخْفَ عليه دخولُهم بالتجارة في زمن عمر ﵁ وبعده وتمكينُهم من ذلك. ولا يأذن (١) لهم في الإقامة أكثر من ثلاثة أيامٍ. وقال القاضي: أربعةٌ، وهي حدُّ ما يُتِمُّ المسافر الصلاة (٢). وإذا مرِض بالحجاز جازت له الإقامة، لمشقَّةِ الانتقال على المريض. ويجوز أن يقيم معه من يُمرِّضه. وإن كان له دَينٌ على أحدٍ وكان حالًّا أُجبِر غريمُه على وفائه، فإن تعذَّر وفاؤه لمطْلٍ أو غيبةٍ مُكِّن من الإقامة لِيَستوفيَ دينَه، وفي إخراجه ذهاب ماله. وإن كان الدَّين مؤجَّلًا لم يُمكَّن من الإقامة، ويُوكِّل من يستوفيه؛ لأن التفريط منه. فإن أراد أن يضع ويتعجَّل فهل يجوز ذلك؟ على روايتين منصوصتين، أشهرهما المنع، وأصحهما عند شيخنا الجواز (٣). والمنع قول ابن عمر (٤)

стр. 322

- ﵄، والجواز قول ابن عباس (١) ﵄. وروى ابن عباس ﵄ في ذلك حديثًا رواه الدارقطني (٢) أن رسول الله ﷺ لما أجلى يهود بني النضير قالوا: إن لنا ديونًا لم تَحُلَّ، فقال: "ضَعُوا وتعجَّلوا". وإسناده حسن، ليس فيه إلا مسلم بن خالدٍ الزنجي، وحديثه لا ينحطُّ عن رتبة الحسن. فإن دعت الحاجة إلى الإقامة لبيع بضاعته فوقَ ثلاثٍ، ففيه وجهان (٣): أحدهما: يجوز له ذلك؛ لأن في تكليفه ترْكَها أو حمْلَها معه ضياعَ ماله، وذلك يمنع الدخول بالبضائع، ويضرُّ بأهل الحجاز، ويقطع الجلب عنهم، وهذا هو الصحيح. والثاني: يُمنع من الإقامة؛ لأن له منها بُدًّا.

стр. 323

فإن أراد الانتقال إلى مكان آخر من الحجاز جاز، ويقيم فيه ثلاثة أيامٍ أو أربعةً، ولا يدخلون إلا بإذنٍ من الإمام أو نائبه. وقيل: يكفي إذنُ آحاد المسلمين. هذا حكم غير الحرم. قال أصحاب الإمام أحمد رحمهم الله تعالى (١): ولا يُمنعون من تَيماء وفَيْدَ ونجرانَ ونحوهن. وقد تقدم الحديث المصرِّح بأن نجران من جزيرة العرب. قالوا: فإن دخلوا غير الحرم لم يجز إلا بإذن مسلم. وأما الحرم فيُمنعون دخولَه بكل حالٍ، ولا يجوز للإمام أن يأذن في دخوله، فإن دخل أحدهم فمرض أو مات أُخرِج، وإن دُفِن نُبِش (٢). وهل يُمنَعون من حرم المدينة؟ حكي عن أحمد رحمه الله تعالى فيه روايتان (٣) كما تقدم. وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه أنزل وفدَ نصارى نجران في مسجده، وحانتْ صلاتهم فصلَّوا فيه (٤)، وذلك عام الوفود بعد نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ

стр. 324

هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، فلم تتناول الآية حرمَ المدينة ولا مسجدَها. فصل وأما تفصيل مذهب مالك (١) رحمه الله تعالى، فإنهم يُقَرُّون عنده في جميع البلاد إلا جزيرة العرب: وهي مكة والمدينة وما والاهما. وروى عيسى بن دينارٍ عنه دخول اليمن فيها. وروى ابن حبيبٍ أنها من أقصى عدنٍ وما والاها من أرض اليمن كلها إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ومصر في المغرب والمشرق، وما بين المدينة (٢) إلى مُنقطَع السماوة. ولا يُمنَعون من الاجتياز بها مسافرين ولكن لا يقيمون. فصل وأما أبو حنيفة رحمه الله تعالى فعنده: لهم دخول الحرم كله حتى الكعبة نفسها، ولكن لا يستوطنون به. وأما الحجاز فلهم الدخول إليه والتصرف فيه والإقامة بقدر قضاء حوائجهم. وكأنَّ أبا حنيفة رحمه الله تعالى قاس دخولهم مكة على دخولهم مسجد رسول الله ﷺ ، ولا يصح هذا القياس، فإن لحرم مكة أحكامًا يخالف بها

стр. 325

المدينة، على أنها ليست عنده حرمًا. فإن قيل: الله سبحانه إنما منع المشركين من قربان المسجد الحرام، ولم يمنع أهل الكتاب منه، ولهذا أذن مؤذن النبي ﷺ يوم الحج الأكبر: "أن لا يحج بعد العام مشركٌ" (١). والمشركون الذين كانوا يحجون هم عبدة الأوثان لا أهل الكتاب، فلم يتناولهم المنع. قيل: للناس قولان في دخول أهل الكتاب في لفظ المشركين. فابن عمر وغيره كانوا يقولون: هم من المشركين. قال عبد الله بن عمر ﵄: لا أعلم شركًا أعظم من أن يقول: المسيح ابن الله وعُزير ابن الله (٢). وقد قال تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. والثاني: لا يدخلون في لفظ المشركين؛ لأن الله سبحانه جعلهم غيرهم في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧]. قال شيخنا (٣): والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد فليسوا من

стр. 326

المشركين في الأصل، والشرك طارٍ عليهم، فهم منهم باعتبار ما عرضَ لهم لا باعتبار أصل الدين، فلو قُدِّر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي وهو كونهم نجسًا، والحكم يعمُّ بعموم علّته. فإن قيل: فالآية نبَّهت على دخولهم الحرم عوضًا عن دخول عبَّاد الأصنام (١)، فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨]، فإنها لما نزلت انقطع عنهم ما كان المشركون يَجلبون إليهم من المِيرة، فأعاضهم الله بالجزية. قيل: ليس في هذا ما يدلُّ على دخول أهل الجزية المسجدَ الحرام بوجهٍ ما، بل تؤخذ منهم الجزية وتُحمل إلى من بالمسجد الحرام وغيره، على أن الإغناء من فضل الله وقع بالفتوح والفيء والتجارات التي حملها المسلمون إلى مكة. فإن قيل: فالآية إنما منعت قُربانَهم المسجدَ الحرام خاصةً، فمن أين لكم تعميم الحكم للحرم كله؟ قيل: المسجد الحرام يُراد به في كتاب الله تعالى ثلاثة أشياء: نفس البيت، والمسجد الذي حوله، والحرم كله. فالأول كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اِللَّهِ

стр. 327

﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٣]، على أنه قد قيل: إن المراد به هاهنا الحرم كله، والناس سواءٌ فيه. والثالث كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وإنما أُسرِي به من داره من بيت أم هانئٍ (١)، وجميع الصحابة والأئمة فهموا من قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] مكة كلّها والحرم، لم يخصَّ ذلك أحدٌ منهم بنفس المسجد الذي يُطاف فيه. ولما نزلت هذه الآية كانت اليهود بخيبر وما حولها، ولم يكونوا يُمنَعون من المدينة، كما في "الصحيح" (٢) أن رسول الله ﷺ مات ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهودي على طعامٍ أخذه لأهله، فلم يُجْلِهم رسول الله ﷺ عند نزولها من الحجاز، وأمر مؤذِّنَه أن يؤذِّن بأن لا يحجَّ بعد العام مشركٌ. فإن قيل: فما تقولون في دخولهم مساجدَ الحلّ (٣)؟

стр. 328

قيل: إن دخلوها بغير إذنٍ مُنِعوا من ذلك ولم يُمكَّنوا منه لأنهم نجسٌ، والجنب والحائض أحسنُ حالًا منهم وقد مُنِعا من دخول المساجد. وإن دخلوها بإذن مسلم ففيه قولان للفقهاء هما روايتان عن أحمد. ووجه الجواز: أن رسول الله ﷺ أنزل الوفود من الكفّار في مسجده، فأنزل فيه وفدَ نجران ووفدَ ثقيفٍ (١) وغيرهم. وقال سعيد بن المسيب: كان أبو سفيان يدخل مسجدَ المدينة وهو على شِركه (٢). وقدم عُمير بن وَهْبٍ ــ وهو مشركٌ ــ فدخل المسجد والنبي ﷺ فيه ليَفْتِك به، فرزقَه الله تعالى الإسلام (٣). ووجه المنع: أنهم أسوأ حالًا من الحائض والجنب، فإنهم نجسٌ بنص

стр. 329

القرآن، والحائض والجنب ليسا بنجسٍ بنصّ السنة (١). ولما دخل أبو موسى على عمر بن الخطاب وهو في المسجد أعطاه كتابًا فيه حسابُ عمله، فقال له عمر: ادعُ الذي كتبه ليقرأه، فقال: إنه لا يدخل المسجد، قال: ولِمَ؟ قال: إنه نصراني (٢). وهذا يدل على شهرة ذلك بين الصحابة. ولأنه قد انضمَّ إلى حدث جنابته حدثُ شركِه، فيتغلَّظ المنع. وأما دخول الكفار مسجد النبي ﷺ فكان ذلك لما كان بالمسلمين حاجةٌ إلى ذلك، ولأنهم كانوا يخاطبون النبي ﷺ في عهودهم، ويؤدُّون إليه الرسائل، ويحملون منه الأجوبةَ، ويسمعون منه الدعوة. ولم يكن النبي ﷺ ليخرج من المسجد لكل من قصدَه من الكفار، فكانت المصلحة في دخولهم ــ إذ ذاك ــ أعظمَ من المفسدة التي فيه، بخلاف الجنب والحائض فإنه كان يُمكِنهما التطهرُ والدخول إلى المسجد. وأما الآن فلا مصلحةَ للمسلمين في دخولهم مساجدَهم والجلوس فيها، فإن دعت إلى ذلك مصلحةٌ راجحةٌ جاز دخولها بالإذن (٣)، والله أعلم. * * * *

стр. 330

ذكر معاملتهم عند اللقاء وكراهة أن يُبدَؤوا بالسلام، وكيف يُرَدُّ عليهم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تبدؤوا اليهودَ والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدَهم في طريقٍ فاضطرُّوه إلى أضيقهِ"، رواه مسلم في "صحيحه" (١). وفي "الصحيحين" (٢) عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلَّم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السَّامُ عليك، فقل: وعليك". هكذا بالواو، وفي لفظ (٣): "عليك" بلا واوٍ. وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا سلَّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". رواه أحمد (٤) هكذا. وفي لفظٍ للإمام أحمد (٥): "فقولوا: عليكم" بلا واوٍ. وعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهطٌ من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك، ففهمتُها فقلت: عليكم السَّامُ واللعنة، فقال رسول الله

стр. 331

- ﷺ : "مهلًا يا عائشة، فإن الله يحبُّ الرفقَ في الأمر كله"، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله ﷺ : "قد قلت: وعليكم". متفق عليه (١)، واللفظ للبخاري. وفي لفظ آخر: "قد قلت: عليكم"، ولم يذكر مسلم (٢) الواو. وفي لفظ للبخاري (٣): فقالت عائشة ﵂: عليكم! ولعنكم الله وغضب عليكم! قال: "مهلًا يا عائشة، عليكِ بالرفق، وإياكِ والعنف والفحش"، قالت: أولم تسمع ما قالوا؟ قال: "أولم تسمعي ما [قلتُ]؟ رددتُ عليهم، فيُستجاب لي فيهم، ولا يُستجاب لهم فيَّ". وعند مسلم (٤): "قلت: بل عليكم السَّام والذَّامُ". وعنده أيضًا (٥) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سلَّم ناسٌ من يهودَ على رسول الله ﷺ ، قالوا: السام عليك يا أبا القاسم، قال: "عليكم"، فقالت عائشة ﵂ وغضبتْ: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: "بلى قد سمعتُ فرددتُ: عليكم، إنا نُجاب عليهم ولا يُجابون علينا".

стр. 332

وعن أبي بَصْرة (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّا غَادُون على يهودَ، فلا تبدأوهم بالسلام، فإن سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم". رواه الإمام أحمد (٢). وله أيضًا (٣) عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني راكبٌ غدًا إلى يهودَ فلا تبدأوهم بالسلام، وإذا سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم". لما كان السلام اسمًا من أسماء الرب ﵎، وهو اسم مصدرٍ في الأصل ــ كالكلام والعطاء ــ بمعنى السلامة= كان الرب تعالى أحقَّ به من كل

стр. 333

ما سواه؛ لأنه السالم من كل آفةٍ وعيبٍ ونقصٍ وذمٍّ، فإن له الكمال المطلق من جميع الوجوه، وكمالُه من لوازم ذاته، فلا يكون إلا كذلك. والسلام يتضمن سلامةَ أفعاله من العبث والظلم وخلافِ الحكمة، وسلامةَ صفاته من مشابهة صفات المخلوقين، وسلامةَ ذاته من كل نقصٍ وعيبٍ، وسلامةَ أسمائه من كل ذمّ. فاسم السلام يتضمن إثبات جميع الكمالات له وسلْبَ جميع النقائص عنه، وهذا معنى "سبحان الله والحمد لله". ويتضمن إفراده بالألوهية وإفراده بالتعظيم، وهذا معنى "لا إله إلا الله والله أكبر". فانتظم اسم "السلام" الباقياتِ الصالحاتِ التي يُثنى بها على الرب ﷻ . ومن بعض تفاصيل ذلك أنه الحيّ الذي سَلِمتْ حياته من الموت والسِّنَة والنوم والتغير، القادر الذي سلمتْ قدرته من اللغوب والتعب والإعياء والعجز عما يريد، العليم الذي سلِمَ علمُه أن يعزُبَ عنه مثقالُ ذرةٍ أو يغيبَ عنه معلومٌ من المعلومات، وكذلك سائر صفاته على هذا. فرضاه سبحانه سلامٌ أن ينازعه الغضب، وحلمه سلامٌ أن تُنازعه العَجلةُ، ورحمته سلام أن تنازعها العقوبة، وعفوه سلام أن (١) ينازعه الانتقام، وإرادته سلامٌ أن ينازعها الإكراه، وقدرته سلامٌ أن ينازعها العجز، ومشيئته سلامٌ أن ينازعها خلاف مقتضاها، وكلامه سلامٌ أن يَعرِض له كذِبٌ أو ظلمٌ، بل تمَّت كلماته صدقًا وعدلًا، ووعده سلامٌ أن يلحقه خُلْفٌ، وهو سلامٌ أن يكون قبله شيء أو بعده شيء أو فوقه شيء أو دونه شيء، بل هو

стр. 334

العالي على كل شيء وفوق كل شيء وقبل كل شيء وبعد كل شيء، والمحيط بكل شيء، وعطاؤه ومنعُه سلامٌ أن يقع في غير موقعه، ومغفرتُه سلامٌ أن يبالي بها أو تضيق بذنوب (١) عباده أو تصدر عن عجزٍ عن أخذِ حقِّه كما تكون مغفرة الناس. ورحمتُه وإحسانه ورأفته وبرُّه وجوده وموالاته لأوليائه وتحببُه إليهم وحَنانه عليهم وذكره لهم وصلاته عليهم= سلامٌ أن تكون لحاجةٍ منه إليهم أو تعزُّزٍ بهم أو تكثُّرٍ بهم. وبالجملة فهو السلام من كل ما ينافي كمالَه (٢) المقدس بوجهٍ من الوجوه. وأخطأ كلَّ الخطأ من زعم أنه من أسماء السلوب، فإن السلب المحض لا يتضمن كمالًا، بل اسم السلام متضمنٌ للكمال السالم من كل ما يضادُّه، وإذا لم تَظلم هذا الاسمَ ووفَّيتَه (٣) معناه وجدتَه مستلزمًا لإرسال الرسل، وإنزالِ الكتب، وشَرْعِ الشرائع، وثبوتِ المعاد، وحدوث العالم، وثبوتِ القضاء والقدر، وعلوِّ الرب تعالى على خلقه ورؤيته لأفعالهم وسَمْعِه لأصواتهم واطلاعِه على سرائرهم وعلانياتهم، وتفرُّدِه بتدبيرهم، وتوحُّدِه في كماله المقدس عن شريكٍ بوجهٍ من الوجوه. فهو السلام الحق من كل وجهٍ، كما هو النزيه البريء عن نقائص البشر من كل وجهٍ. ولما كان سبحانه موصوفًا بأن له يدينِ لم يكن فيهما شمالٌ، بل كلتا يديه

стр. 335

يمينٌ (١) مباركةٌ، كذلك أسماؤه كلها حسنى، وأفعاله كلها خيرٌ، وصفاته كلها كمالٌ. وقد جعل سبحانه السلام تحيةَ أوليائه في الدنيا وتحيتَهم يوم لقائه، ولمَّا خلق آدم وكمل خلقه فاستوى قال الله له: "اذهَبْ إلى أولئك النفر من الملائكة فاستمعْ ما يُحيُّونك به، فإنها تحيتُك وتحيةُ ذريتك مِن بعدك" (٢). وقال تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ اُلسَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وقال: ﴿وَاَللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ اِلسَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥]. وقد اختلف في تسمية الجنة بدار السلام، فقيل: السلام هو الله، والجنة داره. وقيل: السلام هو السلامة، والجنة دار السلامة من كل آفةٍ وعيبٍ ونقصٍ. وقيل: سميت دار السلام؛ لأن تحيتهم فيها سلامٌ. ولا تَنافِيَ بين هذه المعاني كلها (٣). وأما قول (٤) المسلم: السلام عليكم، فهو إخبارٌ للمسلَّم عليه بسلامته من غيلة المسلِّم وغِشِّه ومكرِه ومكروهٍ يناله منه، فيردُّ الرادُّ عليه مثل ذلك، أي: فعلَ الله ذلك بك وأحلَّه عليك. والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأول: أنه في الأول خبرٌ، وفي الثاني طلبٌ.

стр. 336

ووجهٌ ثالث: وهو أن يكون المعنى: أَذكُر الله الذي عافاك من المكروه، وآمنَك من المحذور، وسلَّمك مما تخاف، وعاملَنا من السلامة والأمان بمثل ما عاملك به. فيردُّ الرادُّ عليه مثلَ ذلك، ويُستحب له أن يزيده، كما أن من أهدى لك هديةً يُستحب لك أن تُكافئه بزيادةٍ عليها، ومن دعا لك ينبغي أن تدعو له بأكثر من ذلك. ووجهٌ رابع: وهو أن يكون معنى سلام المسلم وردِّ الراد بشارةً من الله سبحانه، جعلها على ألسنة المسلمين لبعضهم بعضًا بالسلامة من الشر، وحصول الرحمة والبركة، وهي دوام ذلك وثباته. وهذه البشارة أُعطُوها لدخولهم في دين الإسلام، فأعظمهم أجرًا أحسنهم تحيةً، وأسبقهم في هذه البشارة كما في الحديث: "وخيرُهما الذي يبدأ صاحبَه بالسلام" (١). واشتقَّ الله سبحانه لأوليائه من تحية بينهم اسمًا من أسمائه، واسم دينه الإسلام الذي هو دين أنبيائه ورسله وملائكته. قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢]. ووجهٌ خامس: وهو أن كل أمةٍ من الأمم لهم تحيةٌ بينهم من أقوالٍ

стр. 337

وأعمالٍ، كالسجود وتقبيل الأيدي وضرْب الجُوك (١)، وقول بعضهم: انعمْ صباحًا، وقول بعضهم: عِشْ ألفَ عامٍ ونحو ذلك. فشرعَ الله ﵎ لأهل الإسلام "سلامٌ عليكم"، وكانت أحسنَ من جميع تحيات الأمم بينها، لتضمُّنِها السلامة التي لا حياة ولا فلاح إلا بها، فهي الأصل المقدَّم على كل شيء. وانتفاع العبد بحياته إنما يحصل بشيئين: بسلامته من الشر وحصول الخير، والسلامة من الشر مقدَّمةٌ على حصول الخير وهي الأصل، فإن الإنسان ــ بل وكل حيوانٍ ــ إنما يهتمُّ بسلامته أولًا وغنيمته ثانيًا. على أن السلامة المطلقة تتضمن حصول الخير، فإنه لو فاته حصل له الهلاك والعطب أو النقص، ففوات الخير يمنع حصول السلامة المطلقة، فتضمنت السلامةُ نجاةَ العبد من الشر وفوزَه بالخير، مع اشتقاقها من اسم الله. والمقصود أن السلام اسمه ووصفه وفعله، والتلفظ به ذكرٌ له، كما في "السنن" (٢) أن رجلًا سلَّم على النبي ﷺ فلم يردَّ عليه، حتى تيمَّم وردَّ عليه،

стр. 338

وقال: "إني كرِهتُ أن أذكر الله إلا على طهارةٍ". فحقيقٌ بتحيةٍ هذا شأنها أن تُصان عن بذْلِها لغير أهل الإسلام، وأن لا يُحيَّا بها أعداءُ القدوس السلام. ولهذا كانت كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار: "سلامٌ على من اتبع الهدى" (١)، ولم يكتب لكافرٍ "سلامٌ عليكم" أصلًا، فلهذا قال في أهل الكتاب: "ولا تَبدؤوهم بالسلام". فصل وأما الرد عليهم فأمر أن يقتصر به على "عليكم"، واختلفت الرواية في إثبات الواو وحذفها، وصحَّ هذا وهذا. فاستشكلت طائفةٌ (٢) دخولَ هذه الواو هاهنا إذ هي للتقرير وإثبات الأول، كما إذا قيل لك: فعلتَ كذا وكذا وكذا، فقلتَ: وأنتَ فعلتَه، أو قال: فلانٌ يصلِّي الخمس، فتقول: ويزكِّي ماله.

стр. 339

قالوا: فالموضع موضع إضرابٍ، لا موضع تقريرٍ ومشاركةٍ، فهو موضع (بل عليكم)، لا موضع (وعليكم)، فإذا دخلت (١) الواو كان إعادةً لمثل قوله من غير إشعارٍ بأنك علمت مراده، وإذا أتيت بلفظة "بل" أشعرتَه أنك فهمت مراده ورددتَه عليه قصاصًا، والأول أليق بالكرم والفضل. ولهذا السر ــ والله أعلم ــ دخلت الواو، على أنه ليس في دخولها إشكالٌ، فإن الموت لا ينجو منه أحدٌ، وكأن الرادّ يقول: الذي أخبرتَ بوقوعه علينا نحن وأنت فيه سواءٌ، فهو علينا وعليك. وهذا أولى من تغليط الراوي في إثباتها إذ لا سبيلَ إليه. فإن قيل: بل إليه سبيلٌ، قال الخطابي (٢): يرويه عامَّة المحدثين بالواو، وابن عيينة يرويه بحذفها، وهو الصواب. قيل: قد ضبط الواوَ عبدُ الله بن عمر، وضبطها عنه عبد الله بن دينارٍ، وضبطها عنه مالك. قال أبو داود في "سننه" (٣): كذلك رواه مالك عن عبد الله بن دينارٍ، ورواه الثوري أيضًا عن عبد الله بن دينارٍ فقال: وعليكم، انتهى. وهذا الحديث قد أخرجه البخاري في "صحيحه" (٤) كما تقدم. وحديث

стр. 340

سفيان الثوري رواه البخاري ومسلم، وهو بالواو عندهما (١). وأما قول الخطابي: وابن عيينة رواه بحذفها= فقد اختُلِف على ابن عيينة أيضًا (٢). وجوابٌ آخر ولعله أحسن من الجواب الأول: أنه ليس في دخول الواو تقريرٌ لمضمون تحيتهم، بل فيه ردُّها وتقريرها لهم، أي: ونحن أيضًا ندعو لكم بما دعوتم به علينا، فإن دعاءهم قد حصل ووقع منهم، فإذا ردّ عليهم المجيب بقوله: "وعليكم" كان في ذكر الواو سرٌّ لطيفٌ، وهو أن هذا الذي طلبتموه لنا ودعوتم به هو بعينه مردودٌ عليكم، لا تحيةَ لكم غيرُه. والمعنى: ونحن نقول لكم ما قلتم بعينه.

стр. 341

كما إذا قال رجل لمن يسبُّه: عليك كذا وكذا، فقال: وعليك، أي وأنا أيضًا قائل لك ذلك، وليس معناه أن هذا قد حصل لي وهو حصل لك معي، فتأمَّلْه. وكذلك إذا قال: غفر الله لك، فقلت: ولك، وليس المعنى أن المغفرة قد حصلت لي ولك، فإن هذا علم غيبٍ، وإنما معناه أن الدعوة قد اشتركتُ فيها أنا وأنت. ولو قال: غفر الله لك، فقلت: لك، لم يكن فيه إشعارٌ بذلك. وعلى هذا فالصواب إثبات الواو، وبه جاءت أكثر الروايات، وذكرها الثقات الأثبات، والله أعلم. فصل هذا كله إذا تحقق أنه قال: السام عليكم، أو شكَّ فيما قال. فلو تحقق السامع أن الذمي قال له: "سلامٌ عليكم" لا شكَّ فيه، فهل له أن يقول: وعليك السلام، أو يقتصر على قوله: وعليك؟ فالذي تقتضيه الأدلة الشرعية وقواعد الشريعة أن يقال له: وعليك السلام، فإن هذا من باب العدل، والله يأمر بالعدل والإحسان. وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٥]، فندب إلى الفضل، وأوجب العدل. ولا ينافي هذا شيئًا من أحاديث الباب بوجهٍ ما، فإنه ﷺ إنما أمر بالاقتصار على قول الراد "وعليكم" بناءً على السبب المذكور الذي كانوا يعتمدونه في تحيتهم، وأشار إليه في حديث عائشة ﵂ فقال: "ألا تَرَيْنَنِي قلتُ: وعليكم" لما قالوا: السام عليكم، ثم قال: "إذا سلَّم عليكم أهل

стр. 342

الكتاب فقولوا: وعليكم". والاعتبار وإن كان بعموم اللفظ فإنما يعتبر عمومه في نظير المذكور لا فيما يخالفه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]. فإذا زال هذا السبب وقال الكتابي: سلامٌ عليكم ورحمة الله، فالعدل في التحية يقتضي أن يردَّ عليه نظير سلامه، وبالله التوفيق. * * * *

стр. 343

فصل في عيادة أهل الكتاب قال المرُّوذي (١): بلغني أن أبا عبد الله سئل عن رجل له قرابة نصراني: يعوده؟ قال: نعم. قال الأثرم (٢): وسمعت أبا عبد الله يُسأل عن الرجل له قرابة نصراني يعوده؟ قال: نعم. قيل له: نصراني، قال: أرجو أن لا تضيق العيادة. قال الأثرم (٣): وقلت له مرةً أخرى: يعود الرجل اليهودي والنصراني (٤)؟ قال: أليس عاد النبي ﷺ اليهودي ودعاه إلى الإسلام؟ وقال أبو مسعودٍ الأصبهاني (٥): سألت أحمد بن حنبلٍ عن عيادة القرابة والجار النصراني، قال: نعم. وقال الفضل بن زيادٍ (٦): سمعت أحمد سُئل عن الرجل المسلم يعود أحدًا من المشركين؟ قال: إن كان يرى أنه إذا عاده يعرض عليه الإسلام يقبل

стр. 344

منه فليعُدْه، كما عاد النبي ﷺ الغلام اليهودي، فعرض عليه الإسلام. وقال إسحاق بن إبراهيم (١): سألت أبا عبد الله عن الرجل يكون له الجار النصراني، فإذا مرض يعوده؟ قال: يجيء فيقوم على الباب ويعذر إليه. وقال مهنأ (٢): سألت أبا عبد الله عن الرجل يعود الكافر؟ فقال: إذا كان يرتجيه فلا بأس به، ويعرض عليه الإسلام، قلت له: وترى إذا عاده يدعوه إلى الإسلام؟ قال: نعم. وقال أبو داود (٣): سمعت أحمد يُسأل عن عيادة اليهودي والنصراني، فقال: إذا كان يريد أن يدعوه إلى الإسلام، نعم. وقال جعفر بن محمد (٤): سئل أبو عبد الله عن الرجل يعود شريكًا له يهوديًّا أو نصرانيًّا، قال: لا، ولا كرامة. فهذه ثلاث رواياتٍ منصوصاتٍ عن أحمد: المنع، والإذن، والتفصيل، فإن أمكنه أن يدعوه إلى الإسلام ويرجو ذلك منه عاده. وقد ثبت في "صحيح البخاري" (٥) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: كان غلامٌ يهودي يخدم النبي ﷺ فمرِض، فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقعد

стр. 345

عند رأسه، فقال له: "أسلِمْ"، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أَطِعْ أبا القاسم، فخرج النبي ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذَه من النار". وفي "الصحيحين" (١) عن سعيد بن المسيب أن أباه أخبره قال: لما حضرتْ أبا طالب الوفاةُ جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل بن هشامٍ وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، قال رسول الله ﷺ لأبي طالب: "أيْ عمِّ، قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهد لك بها عند الله"، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يَعرِضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال آخرَ ما كلَّمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ : "أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك"، فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٤]. وثبت عن النبي ﷺ أنه عاد عبد الله بنَ أُبيٍّ ابنَ سلول رأس المنافقين (٢).

стр. 346

وقال الأثرم (١): حدثني مصرِّف بن عمرٍو الهمداني، ثنا يونس ــ يعني ابن بُكيرٍ ــ ثنا سعيد بن مَيْسرة قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: كان رسول الله ﷺ إذا عاد رجلًا على غير دين الإسلام لم يجلس عنده، وقال: "كيف أنت يا يهودي يا نصراني؟ ". * * * *

стр. 347

فصل في شهود جنائزهم قال محمد بن موسى (١): قلت لأبي عبد الله: يُشيِّع المسلم جنازةَ (٢) المشرك؟ قال: نعم. وقال محمد بن الحسن بن هارون (٣): قيل لأبي عبد الله: ويشهد جنازته؟ قال: نعم، نحو ما صنع الحارث بن أبي ربيعة؛ كان شهد جنازة أمِّه، وكان يقوم ناحيةً، ولا يحضر (٤) لأنه ملعون (٥). وقال أبو طالب (٦): سألت أبا عبد الله عن الرجل يموت وهو يهودي

стр. 348

وله ولدٌ مسلم، كيف يصنع؟ قال: يركب دابته ويسير أمام الجنازة، ولا يكون خلفه، فإذا أرادوا (١) أن يدفنوه رجع، مثل قول عمر. قلت: أراد ما رواه سعيد بن منصورٍ (٢) قال: حدثني عيسى بن يونس عن محمد بن إسماعيل، عن عامر بن شقيقٍ، عن أبي وائلٍ قال: ماتت أمي نصرانيةً، فأتيتُ عمر فسألته فقال: اركبْ في جنازتها وسِرْ أمامها. قال الخلال (٣): حدثنا علي بن سهل بن المغيرة قال: حدثني أبي سهل بن المغيرة، حدثنا أبو معشرٍ، عن محمد بن كعبٍ القُرظي، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه قال: جاء قيس بن شمَّاسٍ إلى النبي ﷺ فقال: إن أمَّه توفيتْ وهي نصرانيةٌ، وهو يحبُّ أن يحضرها، فقال له النبي ﷺ : "اركَبْ دابتَك وسِرْ أمامها، فإذا ركبتَ وكنتَ أمامَها فلستَ معها". قال

стр. 349

علي بن سهلٍ: رأيت أحمد بن حنبلٍ يسأل أبي عن هذا الحديث، فحدَّثه به. وقال حنبلٌ (١): سألت أبا عبد الله عن المسلم تكون له أمٌّ نصرانيةٌ أو أبوه أو أخوه أو ذو قرابته، ترى أن يلي شيئًا من أمره حتى يواريه؟ قال: إن كان أبًا أو أمًّا أو أخًا أو قرابةً قريبةً وحضره فلا بأس، قد أمر النبي ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ أن يواري أبا طالب (٢). قلت: فترى أن يفعل هو ذلك؟ قال: أهل دينه يَلُونه وهو حاضرٌ يكون معهم، حتى إذا ذهبوا به تركه معهم، وهم يَلُونه. قال حنبلٌ (٣): حدثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيدٍ، عن يوسف بن مهران، أن عبد الله بن ربيعة قال لعبد الله بن عمر ﵄: إن أمِّي ماتت، وقد علمتَ الذي كانت عليه من النصرانية، قال: أحسِنْ ولايتَها وكَفْنها، ولا تَقُمْ على قبرها. قال يوسف: كنا معه في ناحيةٍ،

стр. 350

والنصارى يَعُجُّون (١) مع أمه. وقال إسحاق بن منصورٍ (٢): قلت لأبي عبد الله: الرجل يكون له جارٌ مسلم ماتت أمه نصرانيةً، يتبع هذا جنازتَها؟ قال: لا يتبعُها، يكون ناحيةً منها. وقال الأثرم (٣): سمعت أبا عبد الله يُسأل عن شهود جنازة النصراني الجار، قال: على نحو ما صنع الحارث بن أبي ربيعة، كان شهد جنازة أمه، فكان يقوم ناحيةً ولا يحضر، لأنه ملعونٌ. وقال صالح بن أحمد (٤): قلت لأبي: رجل مسلم ماتت له أمٌّ نصرانيةٌ، يتبع جنازتها؟ قال: يكون ناحيةً منها. وقال سعيد بن منصورٍ (٥): ثنا سفيان، عن أبي سنانٍ، عن سعيد بن جبيرٍ، قال: سألت ابن عباس ﵄ عن رجل مات أبوه نصرانيًّا، قال: يشهده ويدفنه.

стр. 351

قال الخلال (١): كان أبو عبد الله لم يعجبه (٢) ذلك، ثم روى عنه (٣) هؤلاء الجماعة أنه لا بأس به، واحتجَّ بالأحاديث. يعني أنه رجع إلى هذا القول، والله أعلم. * * * *

стр. 352

فصل في تعزيتهم قال حمدان الوراق (١): سئل أبو عبد الله: يُعزَّى أهل الذمة؟ فقال: ما أدري، أُخبِرك، ما سمعتُ في هذا. وقال الأثرم (٢): سئل أبو عبد الله: أيعزَّى أهل الذمة؟، فقال: ما أدري. ثم قال الأثرم: حدثنا أبو سعيد الأشج، ثنا إسحاق بن منصورٍ السلولي، ثنا هُريمٌ قال: سمعت الأجلح (٣) عزَّى نصرانيًّا، فقال: عليك بتقوى الله والصبر. وذكر الأثرم (٤): حدثنا مِنجاب بن الحارث، ثنا شريك، عن منصورٍ، عن إبراهيم قال: إذا أردتَ أن تُعزِّي رجلًا من أهل الكتاب فقل: أكثر الله مالَك وولدَك وأطال حياتك أو عمرك. وقال الفضل بن زيادٍ (٥): سألت أبا عبد الله كيف يُعزَّى النصراني؟ قال: لا أدري، ولِمَ يُعزِّيه؟

стр. 353

وقال حربٌ (١): ثنا إسحاق، ثنا مسلم بن قتيبة، ثنا كثير بن أبانٍ، عن غالبٍ قال: قال الحسن: إذا عزَّيتَ الذمي فقل: لا يصيبك إلا خيرٌ (٢). وقال عباس بن محمد الدوري (٣): سألت أحمد بن حنبلٍ، قلت له: اليهودي والنصراني يُعزِّيني، أيّ شيء أردُّ عليه؟ فأطرقَ ساعةً ثم قال: ما أحفظ فيه شيئًا. وقال حربٌ (٤): قلت لإسحاق: كيف يعزى المشرك؟ قال: يقول: أكثر الله مالك وولدك. * * * *

стр. 354

فصل في تهنئتهم بزوجةٍ أو ولدٍ أو قدومِ غائبٍ أو عافيةٍ أو سلامةٍ من مكروهٍ ونحو ذلك وقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فأباحها مرةً ومنعها أخرى، والكلام فيها كالكلام في التعزية والعيادة ولا (١) فرقَ بينهما، ولكن ليحذر الوقوع فيما يقع فيه الجهَّال من الألفاظ التي تدلُّ على رضاه بدينه، كما يقول أحدهم: متَّعك الله بدينك أو نيَّحَك (٢) فيه، أو يقول له: أعزَّك الله أو أكرمك، إلا أن يقول: أكرمَك الله بالإسلام وأعزَّك به ونحو ذلك، فهذا في التهنئة بالأمور المشتركة. وأما التهنئة بشعائر (٣) الكفر المختصة به فحرامٌ بالاتفاق، مثل أن يهنِّئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيدٌ مباركٌ عليك، أو تَهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سَلِم قائلُه من الكفر فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يُهنِّئه بسجوده للصليب، بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشدُّ مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه. وكثيرٌ ممن لا قدْرَ للدين عنده يقع في ذلك، ولا يدري قُبحَ ما فعل.

стр. 355

فمن هنَّأ عبدًا بمعصيةٍ أو بدعةٍ أو كفرٍ فقد تعرَّض لمقتِ الله وسخطه، وقد كان أهل الورع من أهل العلم يتجنَّبون تهنئةَ الظَّلمَة بالولايات، وتهنئةَ الجهَّال بمنصب القضاء والتدريس والإفتاء، تجنبًا لمقت الله وسقوطهم من عينه. وإن بُلِي الرجل بذلك فتعاطاه دفعًا لشرٍّ يتوقَّعه منهم، فمشى إليهم ولم يقل إلا خيرًا، ودعا لهم بالتوفيق والتسديد= فلا بأس بذلك، وبالله التوفيق. * * * *
следующие страницы →