← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

به لغير الله عليهم أعظم من تحريم الخنزير. وسرُّ المسألة أن طعامهم ما أبيح لهم، لا ما يستحلُّونه مما حرِّم عليهم. الثامن: أن باب الذبائح على التحريم إلا ما أباحه الله ورسوله، فلو قُدِّر تعارضُ دليلَي الحظر والإباحة لكان العمل بدليل الحظر أولى، لثلاثة أوجهٍ. أحدها: تأيُّدُه بالأصل الحاظر. الثاني: أنه أحوط. الثالث: أن الدليلين إذا تعارضا تساقطا، ورجع إلى أصل التحريم. فصل المسألة الثالثة: إذا ذبحوا ما يعتقدون تحريمه كالإبل (١) والنَّعام والبطّ وكل ما ليس بمشقوق الأصابع، هل يحرم على المسلم؟ اختُلف فيه (٢): فأباحه الشافعي وأبو حنيفة وأحمد في ظاهر مذهبه، وهو قول جمهور أصحابه. وحكى ابن أبي موسى في "الإرشاد" (٣) أنه لا يباح ما ذكاه اليهود من الإبل. ووجهُ هذا: أنه ليس من طعام المذكِّي، ولأنه ذبحٌ لا يعتقد الذابح حلَّه

стр. 422

فهو كذبيحة المُحرِم. ولأن لاعتقاد الذابح أثرًا في حلِّ الذبيحة وتحريمها. ولهذا لو ذبح المسلم ما يعتقد أنه لا يَحلُّ له ذبحُه ــ كالمغصوب ــ كان حرامًا، فالقصد يؤثِّر في التذكية كما يؤثِّر في العبادة. وهذا مذهب مالك (١)، واحتج أصحابه على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اَلَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧]، ولما كانت حرامًا عليهم لم تكن تذكيتهم لها ذكاةً، كما لا يكون ذبح الخنزير لنا ذكاةً. وهذا الدليل مبني على ثلاث مقدماتٍ: إحداها: أن ذلك حرامٌ عليهم، وهذه المقدمة ثابتةٌ بنصّ القرآن. الثانية: أن ذلك التحريم باقٍ لم يزل. الثالثة: أنهم إذا ذبحوا ما يعتقدون تحريمه لم تؤثِّر الذكاة في حلِّه. فأما الأولى فهي ثابتةٌ بالنص. وأما الثانية فالدليل عليها أنَّ سبب التحريم باقٍ، وهو العدوان، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٧]، وبغيهم لم يزل بمبعث النبي ﷺ ، بل زاد البغي منهم، فالتحريم تغلَّظ بتغلُّظ البغي. يوضحه أن رفع ذلك التحريم إنما هو رحمةٌ في حقّ من اتبع الرسول، فإن الله وضع عن أتباعه الآصار والأغلال التي كانت عليهم قبل مبعثه، ولم يَضَعْها عمن كفر به، قال تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ اَلرَّسُولَ اَلنَّبِيَّ اَلْأُمِّيَّ اَلَّذِي يَجِدُونَهُ

стр. 423

مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وأما المقدمة الثالثة، وهو (١) أنهم إذا ذبحوا ما يعتقدون تحريمه لم يؤثِّر ذلك في الحلّ، فقد تقدَّم تقريرها. فصل المسألة الرابعة: إذا ذبحوا ما يعتقدون حلَّه، فهل تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم ؟ هذا مما اختُلِف فيه. قال عبد الله بن أحمد (٢): وسألت أبي عن الشحوم، تحرم على اليهود؟ فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٧]، قال: والقرآن يقول: ﴿حَرَّمْنَا﴾، وقال في آيةٍ أخرى بعد سورة المائدة: ﴿وَعَلَى اَلَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٧]، يعني نزل بعد: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، قلت: فيحلُّ لمسلم أن يطعم يهوديًّا شحمًا؟ قال: لا؛ لأنه محرَّمٌ عليه.

стр. 424

وقال مهنا (١): حدثني أحمد عن الزبيري عن مالك، في اليهودي يذبح الشاة، قال: لا يأكل من شحمها، قال أحمد: هذا مذهب دقيقٌ. فاختلف أصحابه في ذلك (٢): فذهب ابن حامدٍ وأبو الخطاب وجماعةٌ إلى الإباحة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة. وذهب القاضي وأبو الحسن التميمي إلى التحريم، وصنَّف فيه التميمي مصنَّفًا ردَّ فيه على من قال بالإباحة (٣)، واختاره أبو بكر أيضًا. وذهب مالك إلى الكراهة، وهي عنده مرتبةٌ بين الحظر والإباحة (٤). قال المبيحون (٥): القول بالتحريم خلاف القرآن والسنن والمعقول. أما القرآن فإن الله تعالى يقول: ﴿وَطَعَامُ اُلَّذِينَ أُوتُوا اُلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٦]. قالوا: وقد اتفقنا على أن المراد بذلك ما ذبحوه، لا ما أكلوه؛ لأنهم يأكلون الخنزير والميتة والدم. قالوا: وقد جاء القرآن وصح الإجماع بأن دين الإسلام نسخَ كل دينٍ كان قبله، وأن من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل ولم يتبع القرآن فإنه

стр. 425

كافرٌ، وقد أبطل الله كلَّ شريعةٍ كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل، وافترض على الجن والإنس شرائعَ الإسلام، فلا حرامَ إلا ما حرَّمه الإسلام، ولا فرضَ إلا ما أوجبه الإسلام. وأما السنة فحديث عبد الله بن مغفَّلٍ الذي رواه البخاري في "صحيحه" (١) أن جِرابًا من شحمٍ يوم خيبر دُلِّي من الحصن، فأخذه عبد الله بن مغفَّلٍ وقال: والله لا أعطي أحدًا منه شيئًا، فضحك رسول الله ﷺ ، وأقرَّه على ذلك. وثبت في "الصحيح" (٢) أن يهوديةً أهدَتْ لرسول الله ﷺ شاةً، فأكل منها، ولم يُحرِّم شحم بطنها ولا غيره. قالوا: وأما المعقول فمن المحال الباطل أن تقع الذكاة على بعض شحم الشاة دون بعضها. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾، وهذا محض طعامنا. قالوا: وقد قال لهم المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقد أحلَّ سبحانه لهم الطيبات على لسان رسوله، وهذا من الطيبات.

стр. 426

قال ابن حزمٍ (١): ويُسألون عن الشحم والجمل أحلالٌ هما اليوم لليهود أم هما حرامٌ إلى اليوم؟ فإن قالوا: بل هما حرامٌ عليهم إلى اليوم كفروا بلا مريةٍ، إذ قالوا: إن ذلك لم ينسخه الله تعالى. وإن قالوا: بل هما حلالٌ لهم صدقوا، ولزِمَهم تركُ قولهم الفاسد. قال: ونسألهم عن يهودي مستخفٍّ بدينه ذبح شاةً يعتقد حلَّ شحمها، هل يحرم علينا الشحم أم لا؟ فإن قلتم: يحرم علينا كان محالًا، فإنه ذكَّى ما يعتقد حلَّه ونحن نعتقد حلَّه، فمن أين جاء التحريم؟ وإن قلتم: لا يحرم علينا كانت ذبيحة هذا المستخفِّ بدينه أحسنَ حالًا من ذبيحة المتمسك بدينه، وهذا محالٌ. قال: ويلزمهم أن لا يستحلُّوا أكْلَ ما ذبحه يهودي يومَ سبتٍ، ولا أكْلَ حيتانٍ صادها يهودي يوم سبتٍ، وهذا مما تناقضوا فيه. قال: وقد روينا عن عمر بن الخطاب، وعلي، وابن مسعودٍ، وعائشة أم المؤمنين، وأبي الدرداء، وعبد الله بن يزيد، وابن عباس، والعرباض بن سارية، وأبي أمامة، وعبادة بن الصامت، وابن عمر ﵃ (٢) =

стр. 427

إباحةَ ما ذبحه أهل الكتاب دون اشتراطٍ لما يستحلُّونه. وكذلك عن جمهور التابعين، لم نجد عن أحدٍ هذا القول إلا عن قتادة، ثم عن مالك وعبيد الله بن الحسن، وهذا مما خالفوا فيه طائفةً من الصحابة لا مخالفَ لهم، وخالفوا فيه جمهورَ العلماء. قال المحرِّمون: إنما أباح الله سبحانه لنا طعام الذين أوتوا الكتاب، والشحوم المحرمة عليهم ليست من طعامهم، فلا تكون لنا مباحةً، والمقدمتان ظاهرتان غنيتان عن التقرير. قالوا: ولأنه شحمٌ محرَّمٌ على ذابحه، فكان محرَّمًا على غيره بطريق الأولى، فإن الذكاة إذا لم تعمل في حلِّه بالنسبة إلى المذكِّي لم تعمل في حلِّه بالنسبة إلى غيره، وهذا كذبح المُحرِم الصيد، فإنه لما كان حرامًا عليه، ولم تُفِدِ الذكاةُ الحلَّ بالنسبة إليه، لم تُفِده بالنسبة إلى الحلال. قالوا: وطردُ هذا تحريم الجمل إذا ذبحه اليهودي. قالوا: وأيضًا فللقصد تأثيرٌ في حلّ الذكاة كما تقدَّم، فإذا كان الذابح غير قاصدٍ للتذكية لم تحلَّ ذكاتُه، ولا ريبَ أنه غير قاصدٍ لتذكية الشحم، فإنه يعتقد تحريمه وأنه بمنزلة الميتة. قالوا: ولا محذورَ في تجزُّء الذكاة، فيحلُّ بها بعض المذكَّى دون بعضٍ، فيكون ذكاةً بالنسبة إلى ما يعتقد المذكِّي حلَّه وليس ذكاةً بالنسبة إلى ما يعتقد تحريمه، فإن ما يأكله يعتقد ذكاته ويقصدها، وما لا يأكله لا يعتقد ذكاته ولا يقصدها فصار كالميتة.

стр. 428

قالوا: والمعتمد في المسألة أن الله سبحانه حرَّم ذلك عليهم، والتحريم باقٍ لم يُنسَخ إلا عمن التزم الشريعة الإسلامية، ويدلُّ على بقاء التحريم وجوهٌ: أحدها: أن الله سبحانه أخبر بأنه حرَّمه ولم يُخبِر بأنه نسخَه بعد تحريمه، وإنما يزول التحريم عمن التزم الإسلام. الثاني: أنه علَّل التحريم بالبغي، وهو لم يزل بكفرهم بمحمد ﷺ . الثالث: ما في "الصحيح" (١) عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لعن الله اليهودَ حُرِّمتْ عليهم الشحومُ فجَمَلُوها، فباعوها وأكلوا أثمانَها". وفي "المسند" (٢) عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : "لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحومُ، فباعوها وأكلوا أثمانَها، وإنَّ الله لم يُحرِّم على قومٍ أكلَ شيءٍ إلا حرَّم عليهم ثمنَه". فلو كان التحريم قد زال عنهم لم يلعنهم على فعل المباح. قالوا: ولا يمتنع ورود الشرع بإقرارهم على آصارهم وأغلالهم تغليظًا عليهم، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ اَلسَّبْتُ عَلَى اَلَّذِينَ اَخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤]، فأخبر أنه جعل عليهم، ولم يخبر بأنه رفعه عنهم، وإنما يرفع عمن التزم أحكام الإسلام.

стр. 429

وفي بقاء تحريمه عليهم قولان للفقهاء، وهما وجهان في مذهب أحمد، وعلى أحد القولين نُلزمهم به، ولا نُمكِّنهم من كسره. وقد نصَّ أحمد على بقاء تحريم الشحوم عليهم (١)، فقال في رواية ابنه عبد الله (٢): لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُطعِم يهوديًّا شحمًا، لأنه محرَّمٌ عليه. قال أبو بكر عبد العزيز (٣): ويدلُّ على التحريم أن المسلم لما لم تعمل ذكاته فيما حرم عليه، فاليهودي أولى. قال: فذكاة اليهودي لا تعمل في الشحم، كما لا تعمل ذكاة المسلم في الغُدَّة وأُذنِ القلب (٤)، لنهي النبي ﷺ . قال: وقد نصَّ أحمد على ذلك، فقال ابن منصورٍ (٥): قلت لأحمد: آكل أذن القلب؟ فقال: لا تؤكل. وقال عبد الله (٦): قلت لأبي: الغدة؟ فقال: لا تؤكل، النبي ﷺ كرهها. وقد روى الدارقطني (٧) من حديث بقية بن الوليد، عن أبي المنذر، عن

стр. 430

عبد الله بن زيدٍ، عن أم سلمة أن النبي ﷺ سألها عن أذن القلب، فقالت: ألقيتُها، فقال: "طابت قِدْرُكِ وحلَّ أكلُه". وقال أبو طالب (١): قلت لأحمد: حدَّثوني عن عبد الله بن يحيى بن أبي كثيرٍ، فقال: ثقةٌ، ثم قال: من حدَّثك عنه؟ قلت: مسددٌ (٢)، قال: سمع منه باليمامة، قلت: رواه عن أبيه عن رجل من الأنصار أن النبي ﷺ نهى عن أذن القلب. فقال: نعم هكذا، قلت: ما هذا الحديث؟ قال: نهى عن أكل أذن القلب (٣). قالوا: وقد ثبت أن القصد في الذكاة معتبرٌ، ولهذا اختلفت باختلاف

стр. 431

المذكِّين، وعكسه إزالة النجاسة، لما لم يكن القصد فيها معتبرًا لم يعتبر باختلاف المُزِيلين. قالوا: وأما حديث عبد الله بن مغفَّلٍ فجوابه من وجوهٍ: أحدها: أنه لم يقل: "فأخذتُه فأكلتُه"، فلعله أخذه لغير الأكل. الثاني: أنه لعله كانت رغبته في الظرف لا في المظروف. الثالث: لعله كان مضطرًّا إلى أكله فلم ينهَه عنه. الرابع: أنه لعله من ذبيحة مسلم، ولا يتعيَّن أن يكون من ذبيحة كتابي. وهذا من أفسد الأجوبة، فإنه دُلِّي من الحصن والمسلمون محاصروه. الخامس ــ وهو أصح الأجوبة ــ: أنه لا يتعيَّن كونه من الشحم المحرَّم عليهم، بل الظاهر أنهم إنما كانوا يأكلون الشحوم المباحة لهم، فيجوز لنا أكلُه كما يجوز لنا أكلُ ذبائحهم وأطعمتهم، والظاهر أنه من شحم الظهر والحوايا وما اختلط بعظمٍ، فإنه هو الشحم الذي كانوا يأكلونه. وأما أكل النبي ﷺ من الشاة التي ذبحتها اليهودية فإنها كانت شاةً مشويَّةً، والشاة إنما تُشوى بعد نزْعِ شحمها، وهو إنما أكل من الذراع وليس بحرامٍ. وأما قولكم: إنه من المحال أن تقع التذكية على بعض الشاة دون بعضٍ، فهذا ليس بمحالٍ عقلًا ولا شرعًا أن تعمل الذكاة فيما يباح من الشاة دون ما يحرم منها أو يُكره، والشريعة طافحةٌ من تبعُّض الأحكام، وهو محض الفقه.

стр. 432

وقد جعل الله سبحانه البنتَ من الرضاعة بنتًا في الحرمة والمَحْرمة، وأجنبيةً في الميراث والإنفاق. وكذلك بنت الزنا عند جمهور الأمة بنتٌ في تحريم النكاح، وليست بنتًا في الميراث. وكذلك جعل النبي ﷺ ابنَ وليدة زَمْعة (١) أخًا لـ [سودة بنت] زَمْعة في الفراش، وأجنبيًّا في النظر لأجل الشَّبه بعتبة (٢). فلا يستحيل أن تكون الشاة مذكَّاةً بالنسبة إلى اللحم والشحم المباح، غيرَ مذكَّاةٍ بالنسبة إلى الشحم المحرَّم. وأما استدلالكم بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وأن هذه الشحوم من طعامنا، فلَعمرُ الله إنها من طعامنا إذا ذكّاها المسلم ومن تَحِلُّ له، فأما إذا ذكَّاها من يعتقد تحريمها فليست في هذه الحال من طعامه ولا من طعامنا. وأما استدلالكم بقول المسيح: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ اَلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وبقوله تعالى عن محمد ﷺ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ اُلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمِ اِلْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، فهذا الإحلال إنما هو لمن آمن بالمسيح وبمحمد نعمةً من الله عليه وكرامةً له، لا لمن أصرَّ على كفره وتكذيبه، وإنما هو لمن التزم الشريعةَ التي جاءت بالحلِّ.

стр. 433

وأما سؤال ابن حزمٍ (١): هل الجمل والشحم اليوم حرامٌ عليهم أم حلالٌ لهم؟ فإن قالوا: حرامٌ عليهم كفروا، وإن قالوا: حلالٌ تركوا قولهم= فكلامُ متهوِّرٍ مُقْدِمٍ على تكفير من لم يكفِّره الله ورسوله، وعلى التكفير بظنّه الفاسد، ولا يستحقُّ هذا الكلام جوابًا لخلوِّه عن الحجة. وهم يَقلِبُون عليه هذا السؤال فيقولون له: نحن نسألك هل أحلَّ الله لهم هذه الشحوم مع إقامتهم على كفرهم بمحمد ﷺ فأباحها لهم وطيَّبها في هذه الحال، أم بقَّاهم (٢) على ما هم عليه من الآصار والأغلال؟ فإن قلت: بل أباحها لهم وطيَّبها وأحلَّها مع بقائهم على اليهودية وتكذيبِ رسوله، فهذا كفرٌ وكذبٌ على الله وعلى كتابه. وإن قلت: بقَّاهم على ما هم عليه تركتَ قولك وصرتَ إلى قولنا. فلا بدَّ لك من واحدٍ من هذين الأمرين، وأحسنُ أحوالك أن تتناقض، لِتسلَم بتناقضِك من الكفر. وأما سؤالك عن ذبيحة المستخفِّ بدينه الذي يعتقد حلَّ الشحوم، فهذا السؤال جوابه فيه، فإنه متى اعتقد حلَّ الشحوم خرج عن اليهودية: إما إلى الإسلام، وإما إلى الزندقة، فإن تحريم الشحوم ثابتٌ بنصِّ التوراة، فإن كذَّب التوراة وأقام على يهوديته فليس بيهودي ولا تحلُّ ذبيحته. وإن آمن بالتوراة واعتقد حلَّ الشحوم؛ لأن شريعة الإسلام أبطلتْ ما سواها من الشرائع، والواجب اتباعها= فهذا الاعتقاد حقٌّ، ولكن لا يُبيح له الشحومَ المحرَّمة إلا

стр. 434

بالتزام شريعة الإسلام التي رفع الله بها عنهم الآصار والأغلال، فإذا لم يلتزم شريعة الإسلام وأقام على اليهودية لم ينفعه اعتقاده دون انقياده شيئًا. كما لو اعتقد أن محمدًا رسول الله ﷺ ولم ينقَدْ للإسلام ومتابعته. وأما قوله: ويلزمهم أن لا يأكلوا ما ذبحه يهودي يوم سبتٍ، فهذا لا يمنع أن يلتزموه، فإنهم إن اعتقدوا تحريمَ ما ذبحوه يومَ السبت كان بمنزلة ما ذبحوه من دوابِّ الظُّفُر، وإن لم يعتقدوا تحريمه كان من طعامهم، فكان حلالًا. ولأصحاب هذا القول في بقاء تحريم السبت عليهم قولان. وأما صيدُهم الحيتانَ يوم السبت فخفي على أبي محمد (١) أن غايتها أن تكون ميتةً، وميتة السمك حلالٌ، ولهذا لا يحرم ما صاده منه المجوسي والوثني في أصحِّ قولي العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد في السمك والجراد (٢)، فلم يتناقضوا فيه كما زعمتَ. وأما فتاوى من ذكرتَ من الصحابة بحلِّ ذبائح أهل الكتاب فنعم، لعَمْر الله لا يُعرف عنهم فيها خلافٌ، وليس الكلام فيها، والصحابة إنما أفتَوا بحلِّ جنس ذبائحهم، وأنها تخالف ذبائح المجوس، ولم يريدوا بذلك حلَّ ما لا يعتقدونه من ذبائحهم وأطعمتهم، فلا يُحفظ عن الصحابة التصريحُ بهذا ولا هذا، وبالله التوفيق. المسألة الخامسة: في الطَّرِيفا، وهو ما لصِقَتْ رئتُه بالجَنْب، هل يحرم

стр. 435

علينا لكونهم لا يعتقدون حلَّه أم لا؟ فالجمهور لا يحرمونه، وهذا هو الصواب قطعًا؛ لأن تحريم هذا إنما عُلِم من جهتهم لا بنصّ التوراة، فلا يُقبل قولهم فيه، بخلاف تحريم ذي الظُّفر والشحوم المحرمة. وقد ذكرنا في كتاب "الهداية" (١) سبب هذا التحريم، ومن أين نشأ، وأن التوراة لم تُحرِّمه، وأنهم غلطوا على التوراة في تحريمه، وذكرنا نصَّ التوراة وأنهم حملوه على غير محمله. وذهب أصحاب مالك إلى تحريمه طردًا لهذا الأصل، وأنه ليس من طعامهم (٢). وهذا ليس بمنصوصٍ عن مالك ولا هو مقتضى أصوله، والذابح في هذه الصورة اعتقد حلَّ المذبوح وأنه من طعامه، بخلاف ذابحِ ذي الظفر، وتحريم هذا غير ثابتٍ بالنص، بخلاف تحريم ذي الظفر، فلا يصح إلحاق أحدهما بالآخر، والله أعلم. * * * *

стр. 436

ذكر أحكام معاملتهم فصل في البيع والشراء منهم ثبت عن النبي ﷺ أنه اشترى من يهودي سِلعةً إلى الميسرة (١). وثبت عنه أنه أخذ من يهودي ثلاثين وَسَقًا من شعيرٍ، ورَهَنَه دِرْعَه (٢). وفيه دليل على جواز معاملتهم، ورهْنهم السلاح، وعلى الرهن في الحضر. وثبت عنه أنه زارَعَهم وساقاهم (٣). وثبت عنه أنه أكل من طعامهم. وفي ذلك كلِّه قبولُ قولهم: إن ذلك الشيء مِلْكُهم. قال حنبلٌ (٤): سمعت أبا عبد الله في الرجل يجيئه الذمي يشتري منه المتاع، فيُماكِسُه مِكاسًا شديدًا، فيبيعه المتاع، ثم يجيء بعد ذلك المسلم

стр. 437

فيستقصي أيضًا في شدة المكاس، فيبيعه أغلى مما يبيع الذمي، وربما باع الذمي أغلى. قال: أرجو أن لا يكون به بأسٌ. * * * *

стр. 438

فصل في شركتهم ومضاربتهم قد تقدم أن رسول الله ﷺ شاركهم في زرع خيبر وثمرها. قال إسحاق بن إبراهيم (١): سمعت أبا عبد الله، وسئل عن الرجل يشارك اليهودي والنصراني، قال: يشاركهم، ولكن يلي هو البيع والشراء، وذلك أنهم يأكلون الربا ويستحلُّون الأموال. ثم قال أبو عبد الله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٤]. وقال إبراهيم بن هانئ (٢): سمعت أبا عبد الله قال في شركة اليهودي والنصراني: أكرهه، لا يعجبني إلا أن يكون المسلم الذي يلي البيع والشراء. وقال الأثرم (٣): سألت أبا عبد الله عن مشاركة اليهودي والنصراني؟ قال: شارَكَهم، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه، يكون هو يليه؛ لأنه يعمل بالربا. وقال إسحاق بن منصور (٤): قيل لأبي عبد الله: قيل لسفيان: ما ترى في مشاركة النصراني؟ قال: أمَّا ما يغيب عنك فما يُعجبني. قال أحمد: حسن.

стр. 439

وقال عبد الله بن أحمد (١): حدثني عبد الأعلى، ثنا حماد بن سلمة قال: قال إياس بن معاوية: إذا شارك المسلم اليهودي أو النصراني، وكانت الدراهم مع المسلم فهو الذي يتصرف بها في الشراء والبيع، فلا بأس، ولا يدفعها إلى اليهودي والنصراني يعملان فيها لأنهما يُرْبِيان. قال عبد الله: سألت أبي عن ذلك، فقال مثل قول إياسٍ. وقال العباس بن محمد الخلال (٢): قال أبو عبد الله في المسلم يدفع إلى الذمي مالًا يشاركه، قال: أما إذا كان هو يلي ذلك فلا، إلا أن يكون المسلم يليه. وقال حنبلٌ (٣): قال أبو عبد الله: ما أُحِبُّ مخالطته بسببٍ من الأسباب في الشراء والبيع، هذا لفظه. قال الخلال في "الجامع" (٤): يعني المجوسي؛ لأن عصمة بيَّن ذلك. أخبرنا عِصمة بن عِصامٍ، حدثنا حنبلٌ أن أبا عبد الله قال: أما المجوسي فما أُحِبُّ مخالطتَه ولا معاملتَه.

стр. 440

قال الخلال (١): وأخبرني عبد الله (٢) بن حنبلٍ قال: حدثني أبي ــ في موضع آخر ــ قال: سألت عمِّي قلت له: ترى للرجل أن يشارك اليهودي والنصراني؟ قال: لا بأس، إلا أنه لا تكون المعاملة في البيع والشراء إليه، يشرف على ذلك، ولا يدعه حتى يعلم معاملته وبيعه. فأما المجوسي فلا أُحِبُّ مخالطته ولا معاملته؛ لأنه يستحلُّ ما لا يستحلُّ هذا. قال حنبلٌ (٣): وحدثنا أبو سلمة، حدثنا جرير بن حازمٍ قال: سئل حمادٌ عن مشاركة المجوسي، قال: لا بأس بذلك، قيل له: فيدفع إليه مالًا مضاربةً؟ قال: لا. قال حنبلٍ: قال عمي: لا يشاركه ولا يضاربه. وقال حربٌ (٤): سألت أحمد بن حنبلٍ قلت: ما قولك في شركة اليهودي والنصراني؟ فكرهه وقال: لا يُعجِبني إلا أن يكون المسلم هو الذي يلي الشراء والبيع. قال حربٌ (٥): وحدثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم، حدثنا أبو صالحٍ،

стр. 441

حدثنا بكير بن عمرٍو قال: قال عطاءٌ: نهى رسول الله ﷺ عن مشاركة اليهودي والنصراني، إلا أن يكون الشراء والبيع بيد المسلم. وهذا الحديث ــ على إرساله ــ ضعيف السند. وقال وكيعٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ وعطاءٍ وطاوسٍ أنهم كرهوا شركة النصراني (١). وقال وكيعٌ، عن الفضل بن دَلْهَم، عن الحسن: لا تُشارِكْ يهوديًّا ولا نصرانيًّا في شراءٍ ولا بيعٍ (٢). وقال حنبل (٣): سمعت أبا عبد الله قال: لا أحبُّ الرجل أن يشارك المجوسي، ولا يعطيه ماله مضاربةً، ولا يهودي ولا نصراني، ويأخذ منهما. وقال حربٌ (٤): قلت لأحمد: رجل يدفع ماله مضاربةً إلى الذمي؟ فكرهه (٥) قال: لا.

стр. 442

وقال وكيعٌ (١) عن سفيان عن معمر عن رجل عن الحسن: خذ من اليهودي والنصراني مضاربة، ولا تُعْطِهم (٢). قال الخلال (٣): استقرت الروايات عن أبي عبد الله بكراهة شركة اليهودي والنصراني إلا أن يكون هو يلي. وتفرَّد حنبلٌ في المجوس خاصةً، فذكر عن أبي عبد الله الكراهة له البتة، قال: وهم أهل ذلك؛ لأنهم ــ كما قال أبو عبد الله ــ يستحلُّون ما لا يستحلُّ هؤلاء. قال (٤): وعلى هذا العملُ من قوله، وبالله التوفيق. قلت (٥): الذين كرهوا مشاركتهم لهم مأخذان: أحدهما: استحلالهم ما لا يستحلُّه المسلم من الربا والعقود الفاسدة وغيرها، وعلى هذا تزول الكراهة بتولِّي المسلم البيعَ والشراء. والثاني: أن مشاركتهم سببٌ لمخالطتهم، وذلك يجرُّ إلى موادَّتهم. وكره الشافعي مشاركتهم مطلقًا. ورُوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: أكره أن يشارك المسلم اليهودي (٦).

стр. 443

وابن عباس إنما كره مشاركتهم لمعاملتهم بالربا، كذلك رواه الأثرم (١) وغيره عنه من طريق أبي جمرة عنه: لا تُشارِكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا مجوسيًّا؛ لأنهم يُرْبُون، والربا لا يحلُّ. وقد علَّلت طائفةٌ (٢) كراهة مشاركتهم بأن كسبهم غير طيبٍ، فإنهم يبيعون الخمر والخنزير. وهذه العلُّة لا توجب الكراهة، فإن عمر بن الخطاب ﵁ قال: وَلُّوهم بيعَها، وخُذوا أثمانَها (٣). وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنه حلالٌ لاعتقادهم حِلَّه، وما باعوه واشتروه بمال الشركة فالعقد فيه فاسدٌ، فإن الشريك وكيلٌ والعقد يقع للموكِّل، والمسلم لا يَثبتُ مِلْكه على الخمر والخنزير. فرع قال مهنا (٤): سألت أحمد عن مسلم ونصراني لهما على رجل نصراني مائة درهمٍ، فصالحه النصراني من حصته على خنزيرٍ أو على دَنِّ خمرٍ بالذي له عليه؟ قال: يكون للمسلم على النصراني خمسون درهمًا.

стр. 444

فتأملْ هذا الفقه، كيف جعل ما قبضه النصراني من الخمر أو الخنزير من حصته وحده، حيث لم يُجِز للمسلم مشاركته فيه، وجعل الخمسين الباقية كلها للمسلم؛ لأن المعاوضة صحَّت بالنسبة إلى النصراني ولم تصح بالنسبة إلى المسلم، وهي معاوضةٌ من أحد الشريكين، فصحَّحها في حقه دون شريكه. * * * *

стр. 445

فصل في استئجارهم واستئجار المسلم نفسه منهم أما استئجارهم فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه استأجر دليلًا يدلُّه على طريق الهجرة، وكان مشركًا، فأَمِنَه ودفع إليه راحلته هو والصديق (١). وأما إيجارهم نفسه فهي مسألة تفصيلٍ، ونحن نذكر نصوص أحمد. قال إسحاق بن إبراهيم (٢): سمعت أبا عبد الله وسأله رجل بنَّاءٌ: أبني للمجوس (٣) ناووسًا (٤)؟ قال: لا تبنِ لهم، ولا تُعِنْهم على ما هم فيه. وقال محمد بن عبد الحكم (٥): سألت أبا عبد الله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرًا بكراءٍ، قال: لا بأس به. وليس هذا باختلاف رواية. قال شيخنا (٦): والفرق بينهما أن الناووس

стр. 446

من خصائص دينهم الباطل فهو كالكنيسة، بخلاف القبر المطلق؛ فإنه ليس في نفسه معصيةً ولا من خصائص دينهم. وقال إسحاق بن منصورٍ (١): قيل لأبي عبد الله: يؤاجر الرجل نفسه [من اليهودي والنصراني؟ قال: لا بأس، نعم]. [وقال مهنا (٢): قلت لأحمد: هل تكره للمسلم يؤاجر نفسه] للمجوسي؟ قال: لا. قال (٣): وسألت أحمد قلت: يُكرِي الرجل نفسَه لمجوسي، يخدمه ويذهب في حوائجه؟ قال: لا بأس، قلت له: فيقول له: لبيك إذا دعاه؟ قال: لا. وقد قال في رواية الأثرم (٤): إن آجر نفسه من الذمي في خدمته لم يجز، وإن كان في عملِ شيء جاز. وقال في رواية أحمد بن سعيد (٥): لا بأس أن يؤاجر نفسه من الذمي. فهذه ثلاث رواياتٍ عنه: رواية مطلقةٌ بالجواز، ورواية مصرحةٌ بالمنع

стр. 447

في الخدمة خاصةً، ورواية مصرحةٌ بالجواز في الخدمة (١). وللشافعي قولان في إجارة نفسه له للخدمة. وقد اختلف أصحاب أحمد في ذلك (٢)، فمنهم من منع إجارة نفسه منه إجارة العين مطلقًا للخدمة وغيرها، وجوَّز إجارة نفسه منه على عمل في الذمة. ومنهم من منع إجارة الخدمة خاصةً، وجوَّز إجارة العمل، وهذه طريقة أكثر أصحابنا. وفرَّقوا بينهما بأن إجارة الخدمة تتضمن حبْسَ نفسه على خدمته مدة الإجارة، وذلك فيه نوعُ إذلالٍ للمسلم وإهانةٍ له تحت يد الكافر فلم يجز، كبيع العبد المسلم له. قالوا: ويحقِّقه أن عقد الإجارة للخدمة يتعين فيه حبسه مدة الإجارة واستخدامه، والبيع لا يتحقق فيه ذلك، فإذا منع منه فالمنع من الإجارة أولى. قالوا: ولأنها بيعُ منافعه، والمنافع تجري مجرى الأعيان، فلا يجوز بيع رقبته ولا بعضِها ولا منافعِه من الذمي. قالوا: وهذا بخلاف الإجارة على الذمة، فإنها لم تتضمن ذلك، وإنما هي التزامٌ لعملٍ مضمونٍ في الذمة. وتلخيص مذهبه: أن إجارة المسلم نفسه للذمي ثلاثة أنواعٍ:

стр. 448

أحدها: إجارةٌ على عمل في الذمة، فهذه جائزةٌ. الثانية: إجارةٌ للخدمة، فهذه فيها روايتان منصوصتان عنه أصحُّهما المنع منها. الثالثة: إجارة عينه منه لغير الخدمة، فهذه جائزةٌ، وقد آجر علي ﵁ نفسه من يهودي يستقي له كلَّ دلوٍ بتمرةٍ، وأكل النبي ﷺ من ذلك التمر (١). هذا كله إذا كان الإيجار لعملٍ لا يتضمن تعظيم دينهم وشعائره، فإن كانت الإجارة على عمل يتضمن ذلك لم يجز، كما نصَّ عليه في رواية إسحاق بن إبراهيم (٢)، وقد سأله رجل بنَّاءٌ: أبني ناووسًا للمجوس؟ فقال: لا تَبْنِ لهم. وقال الشافعي في كتاب الجزية من "الأم" (٣): وأكره للمسلم أن يعمل بناءً أو نجارةً أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم. وقال أبو الحسن الآمدي (٤): لا يجوز أن يُؤجِر نفسه لعمل ناووسٍ ونحوه، رواية واحدةً.

стр. 449

فإن قيل: فقد قال الخلال (١): أخبرني أبو نصرٍ إسماعيل بن عبد الله بن ميمونٍ العجلي قال: قال أبو عبد الله فيمن حمل خمرًا أو خنزيرًا أو ميتةً لنصارى: يكره أكل كرائه، ولكنه يقضي للحمَّال بالكراء، وإذا كان للمسلم فهو أشد كراهيةً. قيل: اختلف الأصحاب في هذا النص على ثلاثة طرقٍ (٢): إحداها: إجراؤه على ظاهره، وأن المسألة رواية واحدةٌ. قال ابن أبي موسى في "الإرشاد" (٣): وكره أحمد أن يؤجر المسلم نفسه لحمل ميتةٍ أو خنزيرٍ لنصراني، فإن فعل قُضِي له بالكراء. وإن آجر نفسَه لحمل محرَّمٍ لمسلم كانت الكراهية أشدَّ، ويأخذ الكراء، وهل يطيب له؟ على وجهين: أوجهُهما أنه لا يطيب له، وليتصدقْ به. وهكذا ذكر أبو الحسن الآمدي قال (٤): إذا آجر نفسَه من رجل في حمل خمرٍ أو خنزيرٍ أو ميتةٍ كره؛ نص عليه، وهذه كراهة تحريمٍ؛ لأن النبي ﷺ لعن حاملها (٥). إذا ثبت هذا فيُقْضى له بالكراء، وغير ممتنعٍ أن يُقضى بالكراء وإن كان

стр. 450

محرَّمًا، كإجارة الحجام، فقد صرَّح هؤلاء بأنه يستحق الأجرة مع كونها محرمةً عليه على الصحيح. الطريقة الثانية: تأويل هذه الرواية بما يخالف ظاهرها، وجعْلُ المسألة رواية واحدةً: أن هذه الإجارة لا تصح. وهي طريقةٌ ضعيفةٌ، فإنه صنَّف "المجرَّد" (١) قديمًا، ورجع عن كثيرٍ منه في كتبه المتأخرة. الطريقة الثالثة: تُخرَّج هذه المسألة على روايتين: إحداهما: أن هذه الإجارة صحيحةٌ يستحقّ بها الأجرة مع الكراهة للفعل والأجرة. والثانية: لا تصح الإجارة، ولا يستحق بها أجرةً وإن حملها. وقد قال إسحاق بن منصورٍ (٢): قلت لأبي عبد الله: سئل الأوزاعي عن الرجل يُؤجِرُ [نفسَه] لنظارة كَرْم النصراني، فكره ذلك. فقال أحمد: ما أحسن ما قال؛ لأن أصل ذلك يرجع إلى الخمر، إلا أن يعلم أنه يباع لغير الخمر فلا بأس. هذا لفظه. فقد منع مرةً (٣) إجارة نفسه لحفظ الكرم الذي يتخذ للخمر، فأولى أن يمنع من إجارة نفسه على حمل الخمر.

стр. 451

وهذه طريقة القاضي في "التعليق"، وطريقة أصحابه. وهذا قياس مذهب أحمد ونصوصه في الخمر: أنه لا يجوز إمساكها، ويجب إراقتها. وقد قال في رواية أبي طالب (١): إذا أسلم وله خمرٌ أو خنزيرٌ يصبُّ الخمر ويسرح الخنازير، قد حرما عليه، وإن قتلها فلا بأس. فقد نص على أنه لا يجوز إمساكها، وفي حملها إمساكٌ لها. وقد لعن رسول الله ﷺ حاملها، فكيف تصح الإجارة على حملها؟ وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد. هذا كله فيما إذا استأجر [على حمل] (٢) الخمر والميتة، حيث لا يجوز إقرارها. فأما إن استأجره لحملها للإراقة أو الإلقاء في الصحراء، فإنه تجوز الإجارة على ذلك؛ لأنه عمل مباحٌ، لكن إن كانت الأجرة لجِلد (٣) الميتة لم تصح، واستحق أجرة المثل، وإن كان قد سلخ الجلد وأخذه ردَّه على صاحبه. وهذا مذهب مالك والشافعي. قال شيخنا (٤): والأشبه طريقة ابن أبي موسى، فإنها أقرب إلى مقصود أحمد، وأقرب إلى القياس، وذلك أن النبي ﷺ لعن عاصر الخمر ومعتصرها

стр. 452

وحاملها والمحمولة إليه (١). فالعاصر والحامل قد عاوضا على منفعةٍ تستحق العوض، وليست محرَّمةً في نفسها، وإنما حرِّمت بقصد المعتصر والمستحيل (٢)، فهو كما لو باع عنبًا أو عصيرًا لمن يتخذه خمرًا، وفات العصير والعنب في يد المشتري، فإن مال البائع لا يذهب مجانًا، بل يُقضى له بعوضه، كذلك هاهنا، المنفعة التي وفاها المؤجر لا تذهب مجانًا، بل يُعطى بدلَها، فإن تحريم الانتفاع بها إنما كان من جهة المستأجر، لا من جهته. ثم نحن نحرم الإجارة عليه لحق الله سبحانه، لا لحق المستأجر والمشتري، بخلاف من استؤجر للزنا أو التلوُّط أو السرقة ونحو ذلك، فإن نفس هذا الفعل محرمٌ في نفسه، فهو كما لو باعه ميتةً أو خمرًا أو خنزيرًا، فإنه لا يقضى له بثمنها؛ لأن نفس هذه العين محرمةٌ. ومثل هذه الإجارة والجعالة لا توصف بالصحة مطلقًا، ولا بالفساد مطلقًا، بل يقال: هي صحيحةٌ بالنسبة إلى المستأجر، بمعنى أنه تجب عليه الأجرة والجُعْل، فاسدةٌ بالنسبة إلى الآجر، يعني أنه يحرم عليه الانتفاع بالمال، ولهذا في الشريعة نظائر.

стр. 453

ونصُّ أحمد على كراهة نظارة كَرْم النصراني لا ينافي هذا، فإنا ننهاه عن هذا الفعل وعن ثمنه، ثم نقضي له بكرائه، ولو لم يفعل هذا لكان فيه منفعةٌ عظيمةٌ، وإعانةٌ للعصاة، فإن من استأجروه على عمل يستعينون به على المعصية قد حصَّلوا غرضَهم منه، ثم لا يعطونه شيئًا، وإذا أخذ منهم العوض ينزع منه ثم يرد إليهم هنيئًا موفرًا. فإن قيل: فما تقولون فيمن سلَّم إليهم المنفعة المحرَّمة التي استأجروه عليها كالغناء والنوح والزنا واللواط؟ قيل: إن كان لم يقبض منهم العوض لم يقض له به، باتفاق الأمة، وإن كان قد قبض له لم يطب له أكله ولم يملكه بذلك. والجمهور يقولون: يردُّه عليهم لأنه قبضه قبضًا فاسدًا، وهذا فيه روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد: إحداهما: أنه يردُّه عليهم. والثانية: لا يأكله ولا يرده، بل يتصدق به. قال شيخنا (١): وأصح الروايتين أنه لا يرده عليه، ولا يباح للآخذ، ويُصرَف في مصالح المسلمين، كما نصّ عليه أحمد في أجرة حمّال الخمر. ومن ظنّ أنها تُردُّ على الباذل المستأجر؛ لأنها مقبوضةٌ بعقد فاسدٍ، فيجب ردُّها عليه كالمقبوض بعقد الربا ونحوه من العقود الفاسدة= قيل له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه الترادُّ من الجانبين، فيردُّ كلٌّ منهما على الآخر ما قبضه منه، كما في عقود الربا، وهذا عند من يقول: المقبوض بالعقد

стр. 454

الفاسد لا يُملَك. فأما إذا تلف المعوض (١) عند القابض وتعذَّر ردُّه فلا يقضى له بالعوض الذي بذله، ويجمع له بين العوض والمعوض، فإن الزاني واللائط ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا عوضه المحرم، وليس التحريم الذي فيه لحقهم، وإنما هو لحق الله، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذَّر على المستأجر ردُّ المنفعة لم يردَّ عليه المال الذي بذله في استيفائها. وأيضًا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضررٌ في أخذ منفعته وعوضها جميعًا، بخلاف ما كان العوض خنزيرًا أو ميتةً فإن ذلك لا ضرر عليه في فواته، فإنه لو كان باقيًا أتلفناه عليه، ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث يتمكن من صرفها في أمرٍ آخر، أعني القوة التي عمل بها. فإن قيل: فيلزمكم على هذا أن تقضوا له بها إذا طالب بقبضها: قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردّها، كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا قبل القبض [لم نحكم بالقبض، ولو أسلموا بعد القبض] (٢) لم نحكم بالرد، لكن المسلم تحرم عليه هذه الأجرة؛ لأنه كان معتقدًا لتحريمها بخلاف الكافر. فإذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرَّطتَ حيث صرفتَ قوتك

стр. 455

في عمل محرمٍ، فلا يقضى له بالأجرة. فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضُوا لي بردِّه، فإنه قبض مني باطلًا، قلنا له: أنت دفعته بمعاوضةٍ رضيتَ بها، فإذا طلبتَ استرجاع ما أخذ منك فاردُدْ إليه ما أخذته منه، فإن في بقائه معه منفعةً له. فإن قال: قد تعذَّر ردُّ المنفعة التي استوفيتُها منه. قيل له: فلا يجمع لك بين ما استمتعتَ به من منفعته وبين العوض الذي بذلتَه فيها. فإن قال: أنا بذلتُ ما لا يجوز بذله، وهو أخَذَ ما لا يجوز أخذُه. قيل: وهو بذل لك من منفعته ما لا يجوز له بذله، واستوفيتَ أنت ما لا يجوز استيفاؤه، فكلاكما سواءٌ، فما الموجب لرجوعك عليه، ولا يفوت عليك شيء، وتفوت (١) المنفعة عليه، وكلاكما راضٍ بما بذل مستوفٍ لعوضه؟ فإن قال: ما بذلتُه أنا عينٌ يمكن الرجوع فيها فيجب، وما بذلَه منفعةٌ لا يمكن الرجوع فيها. [قيل:] (٢) إذا أمكن الرجوع في معوَّضها الذي بذلت في مقابلته، أو إذا لم يمكن: الأول مسلَّم، والثاني هو محل النزاع، فكيف يُجعل مقدمةً من

стр. 456

مقدمات الدليل؟ وقياسه على المقبوض عوضًا عن الخمر والميتة لا يصح كما عرف الفرق بينهما. على أنا لا نسلِّم أن مشتري الخمر إذا قبض ثمنها وشربها ثم طلب أن يعاد إليه المال أن يُقضَى له به، بل الأوجه أن لا يردّ إليه الثمن، ولا يباح للبائع أيضًا، لاسيما ونحن نعاقب الخمَّار ــ بيَّاعَ الخمر ــ بأن يحرق الحانوت التي يباع فيها، نصَّ عليه أحمد وغيره من العلماء. فإن عمر بن الخطاب ﵁ حرَّق حانوتًا يباع فيها الخمر (١)، وعلي بن أبي طالب حرَّق قريةً يباع فيها الخمر (٢). وهذا على أصل من يرى جواز العقوبات المالية أطردُ، فإنه إذا جاز عقوبته بمالٍ ينزع منه يفسده عليه ويحول بينه وبينه، فأن لا يقضى له بمالٍ أخرجه في المعصية ويُمنع من استرجاعه أولى وأحرى، وبالله التوفيق. فصل (٣) فهذا حكم إجارة نفسه لهم، وأما إجارة داره لأهل الذمة فقال

стр. 457

الخلال (١): باب الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه، ثم ذكر عن المرُّوذي (٢) أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي وفيها محاريب (٣)؟ فاستعظم ذلك، وقال نصراني؟! لا تباع، يضرب فيها الناقوس وينصب فيها الصُّلبان! وقال: لا تباع من الكافر، وشدَّد في ذلك. وعن أبي الحارث (٤) أن أبا عبد الله سُئل عن الرجل يبيع داره، وقد جاءه نصراني فأرغبه وزاده في ثمن الدار، ترى أن يبيع منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي؟ قال: لا أرى له ذلك، يبيع داره من كافرٍ يكفر فيها؟ يبيعها من مسلم أحبُّ إليَّ. فهذا نصٌّ على المنع. ونقل عنه إبراهيم بن الحارث (٥): قيل لأبي عبد الله: الرجل يُكرِي منزلَه من الذمي ينزل فيه وهو يعلم أنه يشرب فيه الخمر ويشرك فيه؟ فقال: ابن عونٍ كان لا يُكري إلا من أهل الذمة، يقول: يُرعِبهم. قيل له: كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا؟ قال: لا، ولكنه أراد أنه كره أن يُرعِب المسلمين، يقول: إذا جئتُه أطلب الكراء من المسلم أرعبته، فإذا كان ذميًّا كان أهونَ عنده. وجعل أبو عبد الله يعجب من ابن عونٍ فيما رأيت.

стр. 458

وهكذا نقل الأثرم سواءً، ولفظه: "قلت لأبي عبد الله" (١). ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها غالبًا (٢). ونقل عنه مهنا (٣): سألت أحمد عن الرجل يكري المجوسيَّ داره أو دكَّانه وهو يعلم أنهم يُرْبُون (٤)؟ فقال: كان ابن عونٍ لا يرى أن يكري المسلم، ويقول: أُرعِبهم في أخذ الغلّة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين. قال الخلال (٥): كل من حكى عن أبي عبد الله في الرجل يُكرِي داره من ذمي فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عونٍ، ولم يُنقَل لأبي عبد الله فيه قول، وقد حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبًا بقول ابن عونٍ. والذين رووا عن أبي عبد الله في المسلم يبيع داره من الذمي أنه كره ذلك كراهيةً شديدةً. فلو نُقِل لأبي عبد الله قول في السكنى كان السكنى والبيع عندي واحدًا. والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه؛ لأنه يكفر فيها وينصِب الصُّلبان وغير ذلك. والأمر عندي أن لا يباع منه ولا يُكرى لأنه معنى واحدٌ. قال (٦): وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: سئل أبو عبد الله

стр. 459

عن حُصَين بن عبد الرحمن (١)، فقال: روى عنه حفصٌ (٢)، لا أعرفه. قال له أبو بكرٍ: هذا من النسَّاك. حدثني أبو سعيد الأشجّ، سمعت أبا خالدٍ الأحمر يقول: حفصٌ هذا العُدَيُّ (٣) نفسِه باع دار حصين بن عبد الرحمن عابدِ أهل الكوفة من عونٍ البصري! فقال له أحمد: حفصٌ؟ قال: نعم، فعجب أحمد من حفص بن غياثٍ. قال الخلال: وهذا أيضًا تقويةٌ لمذهب أبي عبد الله. قال شيخنا (٤): وعونٌ هذا كان من أهل البدع أو من الفُسَّاق بالعمل، فأنكر أبو خالدٍ الأحمر على حفص بن غياثٍ قاضي الكوفة أنه باع دار الرجل الصالح من مبتدعٍ، وعجب أحمد من فعل القاضي. قال الخلال (٥): وإذا كان يكره بيعها من فاسقٍ فكذلك من كافرٍ، وإن كان الذمي يُقَرُّ والفاسق لا يقرُّ، لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم.

стр. 460

وهكذا ذكر القاضي (١) عن أبي بكر عبد العزيز (٢)، وقد ذكر قول أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافرٍ يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلمٍ أحبُّ إلي. فقال أبو بكرٍ: لا فرقَ بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة. ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك. قال شيخنا (٣): وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافرٍ فقد ذكرنا منع أحمد منه، ثم اختلف أصحابه في ذلك هل هذا تنزيهٌ أو تحريمٌ؟ فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح المحظورات، فإن فعل أساء ولم يبطل البيع. وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرًا عليها. وأما الخلال وصاحبه (٤) والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وصرَّح به القاضي فقال (٥): لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه كنيسةً أو بيت نارٍ، أو يبيع فيه الخمر، سواءٌ شرط أنه يبيع فيه الخمر أم لم يشرط، لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر. وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافرٍ يكفر فيها بالله، إلى آخر كلامه.
следующие страницы →