مقدمات الدليل؟ وقياسه على المقبوض عوضًا عن الخمر والميتة لا يصح كما عرف الفرق بينهما.
على أنا لا نسلِّم أن مشتري الخمر إذا قبض ثمنها وشربها ثم طلب أن يعاد إليه المال أن يُقضَى له به، بل الأوجه أن لا يردّ إليه الثمن، ولا يباح للبائع أيضًا، لاسيما ونحن نعاقب الخمَّار ــ بيَّاعَ الخمر ــ بأن يحرق الحانوت التي يباع فيها، نصَّ عليه أحمد وغيره من العلماء. فإن عمر بن الخطاب ﵁ حرَّق حانوتًا يباع فيها الخمر (١)، وعلي بن أبي طالب حرَّق قريةً يباع فيها الخمر (٢).
وهذا على أصل من يرى جواز العقوبات المالية أطردُ، فإنه إذا جاز عقوبته بمالٍ ينزع منه يفسده عليه ويحول بينه وبينه، فأن لا يقضى له بمالٍ أخرجه في المعصية ويُمنع من استرجاعه أولى وأحرى، وبالله التوفيق.
فصل (٣)
فهذا حكم إجارة نفسه لهم، وأما إجارة داره لأهل الذمة فقال
стр. 457
الخلال (١): باب الرجل يؤاجر داره للذمي أو يبيعها منه، ثم ذكر عن المرُّوذي (٢) أن أبا عبد الله سئل عن رجل باع داره من ذمي وفيها محاريب (٣)؟ فاستعظم ذلك، وقال نصراني؟! لا تباع، يضرب فيها الناقوس وينصب فيها الصُّلبان! وقال: لا تباع من الكافر، وشدَّد في ذلك.
وعن أبي الحارث (٤) أن أبا عبد الله سُئل عن الرجل يبيع داره، وقد جاءه نصراني فأرغبه وزاده في ثمن الدار، ترى أن يبيع منه وهو نصراني أو يهودي أو مجوسي؟ قال: لا أرى له ذلك، يبيع داره من كافرٍ يكفر فيها؟ يبيعها من مسلم أحبُّ إليَّ. فهذا نصٌّ على المنع.
ونقل عنه إبراهيم بن الحارث (٥): قيل لأبي عبد الله: الرجل يُكرِي منزلَه من الذمي ينزل فيه وهو يعلم أنه يشرب فيه الخمر ويشرك فيه؟ فقال: ابن عونٍ كان لا يُكري إلا من أهل الذمة، يقول: يُرعِبهم. قيل له: كأنه أراد إذلال أهل الذمة بهذا؟ قال: لا، ولكنه أراد أنه كره أن يُرعِب المسلمين، يقول: إذا جئتُه أطلب الكراء من المسلم أرعبته، فإذا كان ذميًّا كان أهونَ عنده. وجعل أبو عبد الله يعجب من ابن عونٍ فيما رأيت.
стр. 458
وهكذا نقل الأثرم سواءً، ولفظه: "قلت لأبي عبد الله" (١). ومسائل الأثرم وإبراهيم بن الحارث يشتركان فيها غالبًا (٢).
ونقل عنه مهنا (٣): سألت أحمد عن الرجل يكري المجوسيَّ داره أو دكَّانه وهو يعلم أنهم يُرْبُون (٤)؟ فقال: كان ابن عونٍ لا يرى أن يكري المسلم، ويقول: أُرعِبهم في أخذ الغلّة، وكان يرى أن يكري غير المسلمين.
قال الخلال (٥): كل من حكى عن أبي عبد الله في الرجل يُكرِي داره من ذمي فإنما أجابه أبو عبد الله على فعل ابن عونٍ، ولم يُنقَل لأبي عبد الله فيه قول، وقد حكى عنه إبراهيم أنه رآه معجبًا بقول ابن عونٍ. والذين رووا عن أبي عبد الله في المسلم يبيع داره من الذمي أنه كره ذلك كراهيةً شديدةً. فلو نُقِل لأبي عبد الله قول في السكنى كان السكنى والبيع عندي واحدًا. والأمر في ظاهر قول أبي عبد الله أنه لا يباع منه؛ لأنه يكفر فيها وينصِب الصُّلبان وغير ذلك. والأمر عندي أن لا يباع منه ولا يُكرى لأنه معنى واحدٌ.
قال (٦): وقد أخبرني أحمد بن الحسين بن حسان قال: سئل أبو عبد الله
стр. 459
عن حُصَين بن عبد الرحمن (١)، فقال: روى عنه حفصٌ (٢)، لا أعرفه. قال له أبو بكرٍ: هذا من النسَّاك. حدثني أبو سعيد الأشجّ، سمعت أبا خالدٍ الأحمر يقول: حفصٌ هذا العُدَيُّ (٣) نفسِه باع دار حصين بن عبد الرحمن عابدِ أهل الكوفة من عونٍ البصري! فقال له أحمد: حفصٌ؟ قال: نعم، فعجب أحمد من حفص بن غياثٍ.
قال الخلال: وهذا أيضًا تقويةٌ لمذهب أبي عبد الله.
قال شيخنا (٤): وعونٌ هذا كان من أهل البدع أو من الفُسَّاق بالعمل، فأنكر أبو خالدٍ الأحمر على حفص بن غياثٍ قاضي الكوفة أنه باع دار الرجل الصالح من مبتدعٍ، وعجب أحمد من فعل القاضي.
قال الخلال (٥): وإذا كان يكره بيعها من فاسقٍ فكذلك من كافرٍ، وإن كان الذمي يُقَرُّ والفاسق لا يقرُّ، لكن ما يفعله الكافر فيها أعظم.
стр. 460
وهكذا ذكر القاضي (١) عن أبي بكر عبد العزيز (٢)، وقد ذكر قول أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافرٍ يكفر بالله فيها، يبيعها من مسلمٍ أحبُّ إلي. فقال أبو بكرٍ: لا فرقَ بين الإجارة والبيع عنده، فإذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع البيع منع الإجارة. ووافقه القاضي وأصحابه على ذلك.
قال شيخنا (٣): وتلخيص الكلام في ذلك: أما بيع داره من كافرٍ فقد ذكرنا منع أحمد منه، ثم اختلف أصحابه في ذلك هل هذا تنزيهٌ أو تحريمٌ؟ فقال الشريف أبو علي بن أبي موسى: كره أحمد أن يبيع مسلم داره من ذمي يكفر فيها بالله تعالى، ويستبيح المحظورات، فإن فعل أساء ولم يبطل البيع. وكذلك أبو الحسن الآمدي أطلق الكراهة مقتصرًا عليها.
وأما الخلال وصاحبه (٤) والقاضي فمقتضى كلامهم تحريم ذلك، وصرَّح به القاضي فقال (٥): لا يجوز أن يؤاجر داره أو بيته ممن يتخذه كنيسةً أو بيت نارٍ، أو يبيع فيه الخمر، سواءٌ شرط أنه يبيع فيه الخمر أم لم يشرط، لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر. وقد قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا أرى أن يبيع داره من كافرٍ يكفر فيها بالله، إلى آخر كلامه.
стр. 461
قال القاضي: وقال أحمد أيضًا في نصارى وقفوا ضيعةً لهم للبِيْعة: لا يستأجرها الرجل المسلم منهم يُعينهم على ما هم فيه، قال: وبهذا قال الشافعي.
ثم قال القاضي: فإن قيل: أليس قد أجاز أحمد إجارتها من أهل الذمة مع علمه بأنهم يفعلون فيها ذلك؟
قيل: المنقول عن أحمد أنه حكى قول ابن عونٍ وعجب منه، وذكر القاضي رواية الأثرم. وهذا يقتضي أن القاضي لا يجوِّز إجارتها من ذمي، وقد قال أبو بكرٍ: إذا أجاز البيع أجاز الإجارة، وإذا منع منع.
قال شيخنا (١): وكلام أحمد يحتمل الأمرين، فإن قوله في رواية أبي الحارث: "يبيعها من مسلم أحبُّ إليَّ" يقتضي أنه منع تنزيهٍ. واستعظامُه لذلك في رواية المروذي، وقولُه: لا يباع من الكافر، وتشديدُه في ذلك= يقتضي التحريم.
وأما الإجارة فقد سوَّى الأصحاب بينها وبين البيع، وما حكاه عن ابن عونٍ فليس بقول أحمد، وإعجابه بفعله إنما هو لحسن مقصد ابن عونٍ ونيته الصالحة. ويمكن أن يقال: ظاهر الرواية أنه أجاز ذلك، فإن إعجابه بالفعل دليلُ جوازه عنده، واقتصاره على الجواب بفعل رجل يقتضي أنه مذهبه في أحد الوجهين.
стр. 462
والفرق بين الإجارة والبيع أن ما في الإجارة من مفسدة الإعانة قد عارضَه مصلحةٌ أخرى، وهي صرف إرعاب المطالبة بالكراء عن المسلم، وإنزال ذلك بالكافر، وصار ذلك بمنزلة إقرارهم بالجزية، فإنه وإن كان إقرارًا لكافرٍ لكن لما تضمنه من المصلحة جاز، ولذلك جازت مهادنة الكفار في الجملة.
فأما البيع فهذه المصلحة منتفيةٌ فيه، وهذا ظاهرٌ على قول ابن أبي موسى وغيره إن البيع مكروهٌ غير محرمٍ، فإن الكراهة في الإجارة تزول بهذه المصلحة الراجحة، كما في نظائرها. فيصير في المسألة أربعة أقوالٍ.
قال شيخنا (١): وهذا الخلاف عندنا والتردد في الكراهة هو إذا لم يعقد الإجارة على المنفعة المحرَّمة، فأما إن آجره إياها لأجل بيع الخمر أو اتخاذها كنيسةً أو بِيْعةً لم يجز، قولًا واحدًا. وبه قال الشافعي وغيره. كما لا يجوز أن يُكري أَمتَه أو عبدَه للفجور.
وقال أبو حنيفة: يجوز أن يؤاجرها لذلك (٢).
قال أبو بكر الرازي (٣): لا فرقَ عند أبي حنيفة بين أن يشترط أن يبيع فيه الخمر وبين أن لا يشترط، لكنه يعلم أنه يبيع فيه الخمر، أن الإجارة تصح.
стр. 463
ومأخذه في ذلك أنه لا يستحق عليه بعقد الإجارة فعل هذه الأشياء (١)، وإن شرط له أن لا يبيع فيها الخمر ولا يتخذها كنيسةً، ويستحق عليه الأجرة بالتسليم في المدة. فإذا لم يستحق عليه فعل هذه الأشياء كان ذكرها وترك ذكرها سواءً. كما لو اكترى دارًا لينام فيها أو يسكنها، فإن الأجرة تستحق عليه وإن لم يفعل ذلك، وكذلك يقول فيما إذا استأجر رجلًا لحمل خمرٍ أو خنزيرٍ أنه يصح؛ لأنه لا يتعين حمل الخمر، بل لو حمل عليه بدلَه عصيرًا استحق الأجرة، فهذا التقييد عنده لغوٌ، فهو بمنزلة الإجارة المطلقة، والمطلقة عنده جائزةٌ، وإن غلب على ظنه أن المستأجر يعصي فيها، كما يجوِّز بيع العصير لمن يتخذه خمرًا. ثم إنه كره بيع السلاح في الفتنة، قال: لأن السلاح معمولٌ للقتال لا يصلح لغيره.
وعامة الفقهاء خالفوه في المقدمة الأولى، وقالوا: ليس المقيَّد كالمطلق، بل المنفعة المعقود عليها هي المستحقة، فتكون هي المقابلة بالعوض وهي منفعةٌ محرمةٌ، وإن جاز للمستأجر أن يقيم مثله مقامه. وألزموه ما لو اكترى دارًا ليتخذها مسجدًا، فإنه لا يستحق عليه فعل المعقود عليه، ومع هذا فإنه أبطل هذه الإجارة بناءً على أنها اقتضت فعل الصلاة، وهي لا تستحق بعقد إجارةٍ.
ونازعه أصحابنا وكثيرٌ من الفقهاء في المقدمة الثانية، وقالوا: إذا غلب على ظنِّه أن المستأجر ينتفع بها في محرَّمٍ حرمت الإجارة له؛ لأن النبي ﷺ
стр. 464
لعن عاصرَ الخمر ومعتصرها (١)، والعاصر إنما يعصر عصيرًا، لكن إذا رأى أن المعتصر يريد أن يتخذه خمرًا أو عصيرًا استحقَّ اللعنة، وهذا أصلٌ مقرَّرٌ في غير هذا الموضع، لكن معاصي الذمي قسمان:
أحدهما: ما اقتضى عقدُ الذمة إقرارَه عليها.
والثاني: ما اقتضى عقدُ الذمة منْعَه منها أو من إظهارها.
فأما القسم الثاني فلا ريبَ أنه لا يجوز على أصل أحمد أن يؤاجر أو يبايع إذا غلب على الظنّ أنه يفعل ذلك كالمسلم وأولى.
وأما القسم الأول فعلى ما قاله ابن أبي موسى: يُكره ولا يحرم؛ لأنا قد أقررناه على ذلك، وإعانته على سكنى هذه الدار كإعانته على سكنى دار الإسلام، فلو كان هذا من الإعانة المحرمة لما جاز إقرارهم بالجزية. وإنما كُرِه ذلك؛ لأنه إعانةٌ من غير مصلحةٍ لإمكان بيعها من مسلم، بخلاف الإقرار بالجزية فإنه جاز لأجل المصلحة. وعلى ما قاله القاضي: لا يجوز؛ لأنه إعانةٌ على ما يستعين به على المعصية من غير مصلحةٍ تقابل هذه المفسدة، فلم يجز، بخلاف إسكانهم دار الإسلام، فإن فيه من المصالح ما هو مذكورٌ في فوائد إقرارهم بالجزية.
فصل
وحقيقة الأمر أن الكفار ممنوعون من الاستيلاء على ما ثبت للمسلمين
стр. 465
فيه حقٌّ من عقارٍ أو رقيقٍ أو زوجةٍ مسلمةٍ أو إحياء مواتٍ أو تملُّكٍ بشفعةٍ من مسلم؛ لأن مقصود الدعوة أن تكون كلمة الله هي العليا (١)، وإنما أُقِرُّوا بالجزية للضرورة العارضة، والحكم المقيد بالضرورة مقدَّرٌ بقدرها، ولهذا لم يثبت عن واحدٍ من السلف لهم حقُّ شفعةٍ على مسلم، وأخذ بذلك الإمام أحمد، وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة؛ لأن الشِّقص يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعةً لذمي كنّا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى كافرٍ بطريق القهر للمسلم، وهذا خلاف الأصول.
والشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر، بمنزلة الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم، كإجابة الدعوة وعيادة المريض، وكمنعه أن يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته.
قال عبد الله بن أحمد (٢): سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعةٌ؟ قال: لا، قلت: المجوسي؟ قال: ذاك أشدُّ.
وقال حربٌ (٣): سألت أحمد قلت: أهل الذمة لهم شفعةٌ؟ قال: لا.
وقال أبو داود (٤): سمعت أبا عبد الله يُسأل: للذمي شفعةٌ؟ قال: لا.
وكذلك نقل أبو طالب وصالحٌ وأبو الحارث والأثرم، كلهم قالوا
стр. 466
عنه (١): ليس للذمي شفعةٌ.
زاد أبو الحارث: مع المسلم.
قال الأثرم: قيل له: لم؟ قال: لأنه ليس له مثل حق المسلم، واحتجَّ فيه.
قال الأثرم: ثنا الطباع، ثنا هُشيمٌ، أخبرنا الشيباني عن الشعبي أنه كان يقول: ليس لذمي شفعةٌ.
وقال سفيان عن حميدٍ عن أبيه: إنما الشفعة لمسلم، ولا شفعة لذمي.
وقال أحمد (٢): حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيدٍ عن ليثٍ عن مجاهدٍ أنه قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعةٌ.
وقال الخلال (٣): أخبرني محمد بن الحسن بن هارون قال: سئل أبو عبد الله وأنا أسمع عن الشفعة للذمي، قال: ليس للذمي شفعةٌ، ليس له حق المسلم.
أخبرني عِصمة بن عصامٍ (٤)، حدثنا حنبلٌ قال: سمعت أبا عبد الله قال: ليس ليهودي ولا لنصراني شفعةٌ، إنما ذلك للمسلمين بينهم.
стр. 467
وقال في رواية إسحاق بن منصورٍ (١): ليس لليهودي والنصراني شفعةٌ، قيل: ولم؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" (٢).
وهذا مذهب شريحٍ والحسن والشعبي (٣).
واحتج الإمام أحمد بثلاث حججٍ:
إحداها: أن الشفعة من حقوق المسلمين بعضهم على بعضٍ، فلا حقَّ للذمي فيها. ونكتة هذا الاستدلال أن الشفعة من حق المالك، لا من حق المِلْك.
الحجة الثانية: قول النبي ﷺ : "لا تبدؤوا اليهودَ والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريقٍ فاضطَرُّوهم إلى أضيقِه" (٤). وتقرير الاستدلال من هذا أنه لم يجعل له حقًّا في الطريق المشترك عند تزاحمهم مع المسلمين، فكيف يجعل لهم حقًّا إلى انتزاع ملك المسلم منه قهرًا؟ بل هذا تنبيهٌ على المنع من انتزاع الأرض من يد المسلم وإخراجه منها لحقِّ الكافر، لنفي ضرر الشركة عنه، وضررُ الشركة على الكافر أهونُ عند الله من تسليطه على إزالة مِلْك المسلم عنه قهرًا.
стр. 468
الدليل [الثالث]: قوله ﷺ : "لا يجتمع دينانِ في جزيرة العرب" (١). ووجه الاستدلال من هذا أن النبي ﷺ حكم بإخراجهم من أرضهم ونقلها إلى المسلمين، لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، فكيف نسلِّطهم على انتزاع أراضي المسلمين منهم قهرًا وإخراجهم منها؟
وأيضًا، فالشفعة حقٌّ يختصُّ بالعقار، فلا يساوي الذمي فيه المسلم، كالاستعلاء في البنيان. يوضحه أن الاستعلاء تصرفٌ في هواء ملَكَه المختصُّ به، فإذا مُنع منه فكيف يسلَّط على انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، وهو ممنوع من التصرف في هوائه تصرفًا يستعلي فيه على المسلم؟ فأين هذا الاستعلاء من استعلائه عليه بإخراجه من ملكه قهرًا؟
وأيضًا، فالشفعة وجبت لإزالة الضرر عن الشفيع وإن كان فيها ضررٌ بالمشتري، فإذا كان المشتري مسلمًا فسلِّط الذمي على انتزاع ملكه منه قهرًا كان فيه تقديم حقّ الذمي على حق المسلم، وهذا ممتنعٌ.
وأيضًا، فإنه يتضمن مع إضراره بالمسلم إضرارًا بالدين، وتملُّكَ دار المسلمين منهم قهرًا، وشغْلَها بما يُسخِط الله بدلَ ما يرضيه. وهذا خلاف قواعد الشرع. ولذلك حرِّم عليهم نكاح المسلمات إذ كان فيه نوع استعلاءٍ عليهن، ولذلك لم يَجز القصاصُ بينهم وبين المسلمين ولا حدُّ القذف، ولا يُمكَّنون من تملُّك رقيقٍ مسلم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَافِرِينَ
стр. 469
عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٠]، ومن أعظم السبيل تسليط الكافر على انتزاع أملاك المسلمين منهم وإخراجهم منها قهرًا، وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]، وهذا يقتضي مطلق المساواة بين المسلم والكافر، لا نفي المساواة المطلقة، فإنها منتفيةٌ عن كل شيئين وإن تماثلا. وبهذه الآية احتجَّ من نفى القصاص بينهم وبين المسلمين.
وأيضًا، فالذمي تَبَعٌ لنا في الدار، وليس بأصلٍ من أهل الدار، ولهذا عند الشافعي يؤدِّي الجزية أجرةً لمكان السكنى والتبسط في دار الإسلام، ولهذا متى نقض العهد أُلحق بمأمنه، وأُخرج من دارنا وأُلحق بداره، فهو في دار الإسلام أُجرِي مُجرى الساكن المنتفع، لا مُجرى الساكن الحقيقي. وحقُّ السكنى لا يقوى على انتزاع الشِّقص من يد مالكه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال النبي ﷺ لليهود: "اعلموا أن الأرض لله ورسوله" (١). فعباده الصالحون هم وارثوها، وهم المُلَّاك لها على الحقيقة، والكفار فيها تَبَعٌ ينتفعون بها لضرورة إبقائهم بالجزية، فلا يساوون المالكين حقيقةً، ولهذا منعهم كثيرٌ من الأئمة من شراء الأرض العشرية، لما في ذلك من إسقاط حقّ المسلم من العُشْر الذي يجب، فكيف يسلَّطون على انتزاع نفس أرض المسلم وعقاره منه قهرًا؟
стр. 470
وأيضًا، فلو كانوا مالكين حقيقةً لما أوصى النبي ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب وقال: "لئن عِشْتُ لأُخرِجنَّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب" (١). هذا مع بقائهم على عهدهم وعدم نقضهم له، فلو كانوا مالكين لدورهم حقيقةً لما أخرجهم منها ولم ينقضوا عهدًا.
ولهذا احتج الإمام أحمد بذلك على أنه لا شفعةَ لهم على مسلم، وهذا من ألطفِ ما يكون من الفهم، وأدقِّ ما يكون من الفقة.
وأيضًا، فالشفعة تقف على مِلْكٍ ومالك، فإذا اختصَّت الشفعة بملكٍ دون مالك، وهو العقار دون غيره، فأولى أن تختصَّ بمالك دون مالك، وهو المسلم دون غيره. وهذا على أصل من يقول: "الشفعة تَثْبُت على خلاف القياس" ظاهرٌ جدًا، فإنها تسليطٌ على انتزاع ملك الغير منه قهرًا، لمصلحة الشفيع، فيجب أن يقتصر بها على ما قام عليه الدليل، وثبت به الإجماع دون غيره.
وأما نحن فليست الشفعة عندنا على خلاف القياس، ولكن حكمة الشارع وقياس أصوله أوجبتها، دفعًا لضرر الشركة بحسب الإمكان (٢)، وإذا كان البائع قد رغب عن الشِّقص ورضي بالثمن، فرغبته عنه لشريكه ليدفع عنه ضرر الشريك الدخيل أولى، وهو يأخذ منه الثمن الذي يأخذه من الشريك، ولا يفوت عليه شيء.
стр. 471
فهذا محض قياس الأصول، ولكن هذا حقٌّ للمسلم على المسلم، فلا حقَّ للذمي فيه كسائر الحقوق التي لأهل الإسلام بعضهم على بعضٍ، وإذا كان كثيرٌ من الفقهاء يمنعون الذمي من التمليك بالإحياء، كعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد في رواية وكثيرٍ من المالكية (١)، مع أن الإحياء لا يتضمن انتزاع ملك مسلم منه، فلأن يُمنع من انتزاع أرض المسلم وعقاره منه قهرًا أولى وأحرى.
وأيضًا، فإذا مُنع من مشاركة المسلم في تجديد الملك فيما هو مشتركٌ ــ وفيه عِمارةُ دار الإسلام ــ فأحرى أن يُمنع من انتزاع عقارٍ ثبت عليه مِلْك المسلم واختصَّ به، فإن إزالة الملك الخاص وانتزاعه من المسلم قهرًا أشدُّ ضررًا من المشاركة فيما هو مشتركٌ بين العموم.
وليس مع الموجبين للشفعة نصٌّ من كتاب الله ولا سنةٌ من رسول الله ﷺ ولا إجماعٌ من الأمة (٢)، وغاية ما معهم إطلاقاتٌ وعموماتٌ، كقوله: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يُقْسَم (٣)، وقوله: "من كان له شريكٌ في ربعةٍ أو حائطٍ فلا يحلُّ أن يبيعَ حتى يُؤذِنَ شريكَه" (٤)، ونحو ذلك مما لا يُعرَض فيه للمستحق، وإنما سِيقت لأحكام الأملاك لا لعموم الأملاك من
стр. 472
أهل الملة وغيرها.
وليس معهم قياسٌ استوى فيه الأصل والفرع في المقتضي للحكم، فإن قياس الكافر على المسلم من أفسد القياس، وكذلك قياس بعضهم من تجب له الشفعة بمن تجب عليه من أفسد القياس أيضًا، فإن الذمي يُستحقّ عليه القصاص، ولا يَستحَقُّه هو على المسلم، ويُستحقّ عليه حدُّ القذف ولا يَستحقُّه، وكذلك المطلِّق في مرض الموت يستحقّ عليه الميراث ولا يستحقّه، وكذلك المسلم يَستحقّ تعلية البنيان على الذمي ولا يَستحقّه الذمي عليه، والمسلم يَستحقّ نكاح الكافرة وشراء الرقيق الكافر، ولا يَستحقّ الذمي نكاحَ المسلمة ولا شراء الرقيق المسلم، والمسلم يستأجر الكافر للخدمة دون العكس.
وكذلك قياس بعضهم الأخذَ بالشفعة على الرد بالعيب من هذا النمط، فإن الرد بالعيب من باب استدراك الظُّلامة وأخذ الجزء الفائت الذي يترك على الثمن في مقابلته، فأين ذلك من تسليطه على انتزاع ملك المسلم منه قهرًا، واستيلائه عليه؟
وكذلك قياس بعضهم ذلك على ثبوت الخيار في البيع هو من هذا الضرب، فإن الخيار إن كان خيار شرطٍ فهو شرطه له على نفسه، وإن كان خيار مجلسٍ فمن لا يثبته كيف يحتجُّ به؟ وإن ألزم به من يثبته فهو يُفرِّق بأن خيار المجلس هو موجب العقد شرعًا فلا يتخلَّف عن العقد، كالحلول والتقابض والسلامة.
стр. 473
وكذلك قياس بعضهم الأخذ بالشفعة على التملك بالإحياء، مع أنه تملُّكٌ بغير عوضٍ يرجع إلى المسلمين، فيقال: من الذي سلَّم الحكم في هذه المسألة؟ وقد تنازع فيها الفقهاء قديمًا وحديثًا على أقوال أربعةٍ (١):
أحدها: أنه لا يملك بالإحياء في دار الإسلام، وهذا اختيار أبي عبد الله بن حامدٍ، وهو منصوص الشافعي، وقول طائفةٍ من المالكية وأهل الظاهر.
الثاني: أنه يملك به كالمسلم، وهو المنصوص عن أحمد في رواية حرب وإبراهيم بن هانئ ويعقوب بن بختان ومحمد بن [أبي] حرب (٢)، وهي (٣) قول الحنفية وأكثر المالكية، واختيار أكثر الأصحاب.
واستثنى المالكية ما أحياه بجزيرة العرب، فإنه لا يملكه فإن فعل أعطي قيمة ما عَمَرَ ونزع منه.
والقول الثالث: أنه إن أذن له الإمام ملك به وإلا لم يملك، وهذا مذهب ابن المبارك.
القول الرابع: أنه إن أحيا فيما بَعُدَ من العمران ملَكَه، وإن أحيا فيما قرب من العمران لم يملكه وإن أذن فيه الإمام، فإن فعل أُعطِي قيمةَ ما عمرَ ونزع
стр. 474
منه، وهذا قول مطرِّفٍ وابن الماجشون (١).
والذين يملِّكونه بالإحياء اختلفوا فيما أحياه، هل يلزمه عنه خراجٌ أو عشر، أو لا يلزمه شيء من ذلك؟
فقال صاحب "المحرر" (٢): والذمي كالمسلم في الملك بالإحياء، نص عليه، لكن إن أحيا مواتَ عنوةٍ لزمه عنه الخراج، وإن أحيا غيره فلا شيء عليه فيه. ونقل عنه حربٌ: عليه عشْرُ ثمرِه وزرعه.
والمقصود أنا إن قلنا: لا يملك الذمي بالإحياء بطل الاستدلال به، وإن قلنا: يملك به فالفرق بينه وبين تملكه بالشفعة من وجوهٍ ثلاثةٍ:
أحدها: أنه بالإحياء لا ينتزع ملك مسلم منه، بل يُحيي مواتًا لا حقَّ فيه لأحدٍ ينتفع به، فهو كتملُّك المباحات من الحطب والحشيش والمعادن وغيرها.
الثاني: أنه ليس في إحيائه ضررٌ على المسلم ولا قهرٌ وإذلالٌ له، بخلاف تسليطه على إخراجه من داره وأرضه، واستيلائه هو عليها.
الثالث: أنه بالإحياء عامرٌ للأرض الموات، وفي ذلك نفعٌ له وللإسلام، بخلاف قهره للمسلم وأخذ أرضه وداره منه، وإخراجه منها، فقياس الأخذ بالشفعة على الإحياء قياس باطلٌ.
стр. 475
وعلى هذا فيجاب عن هذا القياس بالجواب المركب: أنه إن لم يكن بين الإحياء والأخذ بالشفعة فرقٌ، فالحكم فيهما واحدٌ وهو عدم الملك بهما، وإن كان بينهما فرقٌ بطل الالتزام به، والله أعلم.
* * * *
стр. 476
فصل
في حكم أوقافهم ووقف المسلم عليهم
أما ما وقفوه هم فينظر فيه، فإن أوقفوه على معيَّنٍ أو جهةٍ يجوز للمسلم الوقف عليها، كالصدقة على المساكين والفقراء وإصلاح الطرق والمصالح العامة، أو على أولادهم وأنسالهم وأعقابهم= فهذا الوقف صحيح، حكمه حكم وقف المسلمين على هذه الجهات، لكن إن شرط في استحقاق الأولاد والأقارب بقاءهم على الكفر، فإن أسلموا لم يستحقُّوا شيئًا= لم يصح هذا الشرط، ولم يجز للحاكم أن يحكم بموجبه باتفاق الأمة، فإنه مناقضٌ لدين الإسلام، مضادٌّ لما بعث الله به رسوله ﷺ ، وهو أبلغ في ذلك من أن يقف على أولاده ما داموا ساعين في الأرض بالفساد مرتكبين لمعاصي الله، فمن تاب منهم أخرج من الوقف ولم يستحق منه شيئًا، وهذا لا يجيزه مسلم.
فإن قيل: فما تقولون لو وقفوا على مساكين أهل الذمة، هل يستحقُّونه دون مساكين المسلمين، أو يستحقُّه مساكين المسلمين دونهم، أو يشتركون فيه؟
قيل: لا ريب أن الصدقة جائزةٌ على مساكين أهل الذمة، والوقف صدقةٌ، فهاهنا وصفان: وصفٌ يعتبر وهو المسكنة، ووصفٌ ملغًى في الصدقة والوقف، وهو الكفر، فيجوز الدفع إليهم من الوقف بوصف المسكنة لا بوصف الكفر، فوصف الكفر ليس بمانعٍ من الدفع إليهم، ولا هو شرطٌ في الدفع كما يظنُّه الغالط أقبحَ الغلط وأفحشَه، وحينئذٍ فيجوز الدفع إليه بمسكنته، وإن أسلم فهو أولى بالاستحقاق.
стр. 477
فالفرق بين أن يكون الكفر جهةً وموجبًا، وبين أن لا يكون مانعًا، فجعْلُ الكفر جهةً وموجبًا للاستحقاق مضادٌّ لدين الله تعالى وحكمه، وكونه غيرَ مانعٍ موافقٌ لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩].
فإن الله سبحانه لما نهى في أول السورة عن اتخاذ المسلمين الكفار أولياء وقطعَ المودةَ بينهم وبينهم، توهَّم بعضهم أن برَّهم والإحسان إليهم من الموالاة والمودة، فبيَّن الله سبحانه أن ذلك ليس من الموالاة المنهيّ عنها، وأنه لم يُنْهَ عن ذلك، بل هو من الإحسان الذي يحبُّه ويرضاه وكتبَه على كل شيء، وإنما المنهيّ عنه تولّي الكفار والإلقاء إليهم بالمودة. ولا ريبَ أن جعْلَ الكفر بالله وتكذيب رسوله موجبًا وشرطًا في الاستحقاق من أعظم موالاة الكفار المنهيّ عنها، فلا يصح من المسلم، ولا يجوز للحاكم تنفيذه من أوقاف الكفار. فأما إذا وقفوا ذلك فيما بينهم ولم يتحاكموا إلينا ولا استفتونا عن حكمه لم يُتعرَّض لهم فيه، وحكمه حكم عقودهم وأنكحتهم الفاسدة.
وكذلك وقف المسلم عليهم؛ فإنه إنما (١) يصح منه ما وافق حكم الله
стр. 478
ورسوله، فيجوز أن يقف على معيَّنٍ منهم أو على أقاربه وبني فلانٍ ونحوه، ولا يكون الكفر موجبًا وشرطًا في الاستحقاق ولا مانعًا منه، فلو وقف على ولده أو أبيه أو قرابته استحقوا ذلك وإن بَقُوا على كفرهم، فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق. وكذلك إن وقف على مساكينهم وفقرائهم وزَمْناهم ونحو ذلك استحقوا وإن بَقُوا على كفرهم، فإن أسلموا فأولى بالاستحقاق.
وأما الوقف على كنائسهم وبِيَعِهم ومواضع كفرهم التي يقيمون فيها شعار الكفر فلا يصح من كافرٍ ولا مسلم، فإن في ذلك أعظم الإعانة لهم على الكفر والمساعدة والتقوية عليه، وذلك منافٍ لدين الله.
وللإمام أن يستولي على كل وقفٍ وُقِف على كنيسةٍ أو بيت نارٍ أو بِيعةٍ، كما له أن يستولي على ما وقف على الحانات والخمَّارات وبيوت الفسق، بل أولى؛ فإن بيوت الكفر أبغض إلى الله ورسوله من بيوت الفسق، وشعار الكفر أعظم من شعار (١) الفسق، وأضرُّ على الدين.
وإن كنا نُقِرُّ بيوت الكفر الجائز إقرارها ولا نقرُّ بيوت الفسق، فما ذاك لأنها أسهلُ منها وأهونُ، بل لأن عقد الذمة اقتضى إقرارَهم عليها، كما نقرُّ الكافر على كفره ولا نقرُّ الفاسق على فسقه. فللإمام أن ينتزع تلك الأوقاف ويجعلها على القربات، ونحن لم نقرَّ أهل الذمة في بلاد الإسلام على أن يتملَّكوا أرض المسلمين ودورهم، ويستعينوا بها على شعار الكفر.
стр. 479
وقد بيَّنا أنهم في دار الإسلام تبعٌ، ولهذا قال الشافعي ومن وافقه (١): إن الجزية تؤخذ منهم عوضَ سكناهم بين أظهر المسلمين، وانتفاعِهم بدار الإسلام، وإلا فالأرض لله ولرسوله وعباده المسلمين الذين كتب الله في الزبور من بعد الذكر أنه يورثها عباده الصالحين (٢).
وقد صرَّح بذلك المالكية في كتبهم، فقال القاضي أبو الوليد (٣): والظاهر عندي أنه لا يجوز الوقف على الكنيسة؛ لأنه صرف صدقته إلى وجه معصيةٍ محضةٍ، كما لو صرفها في شراء خمرٍ وعطائه لأهل الفسق.
ونصَّ الإمام أحمد على ما هو أبلغ من ذلك. قال الخلال في "جامعه" (٤): باب النصارى يوقفون على البِيَع، فيموت النصراني، ويُخلف أولادًا فيسلمون. أخبرني محمد بن أبي هارون الوراق أن إسحاق بن إبراهيم بن هانئ حدثهم، وأخبرنا محمد بن علي، ثنا يعقوب بن بختان قال: سئل أبو عبد الله عن أقوامٍ نصارى أوقفوا على البِيعة ضياعًا كثيرةً، فمات النصارى ولهم أبناءٌ نصارى، ثم أسلم بعد ذلك الأبناء، والضياع بيد النصارى، ألهم أن يأخذوها من أيدي النصارى؟ قال أبو عبد الله: نعم يأخذونها، وللمسلمين أن يُعِينوهم حتى يستخرجوها من أيديهم.
стр. 480
وهذا مذهب الشافعي أيضًا. قال الشيخ في "المغني" (١): ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأنّ ما لا يصح من المسلم الوقفُ عليه لا يصح من الذمي، كالوقف على غير معيَّنٍ.
قال (٢): فإن قيل: فقد قلتم: إن أهل الكتاب إذا عقدوا عقودًا فاسدةً وتقابضوا، ثم أسلموا وترافعوا إلينا، لم ننقُضْ ما فعلوه، فكيف أجزتم الرجوعَ فيما وقفوه على كنائسهم؟
قلنا: الوقف ليس بعقد معاوضةٍ، وإنما هو إزالةٌ للمِلْك في الموقوف على وجه القربة، فإذا لم يقع صحيحًا لم يَزُلِ المِلْك، فبقي بحاله كالعتق.
قال: وقد روي عن أحمد (٣) في نصراني أشهدَ في وصيته أن غلامه فلانًا يخدم البِيْعة خمس سنين ثم هو حرٌّ، ثم مات مولاه وخدم سنةً ثم أسلم، ما عليه؟ قال: هو حرٌّ، ويرجع على الغلام بأجرة خدمة مبلغ أربع سنين. وروي عنه (٤) أنه حرٌّ ساعةَ مات مولاه؛ لأن هذه معصيةٌ.
قال: وهذه الرواية أصح وأوفق لأصوله. ويحتمل أن قوله: "يرجع عليه بخدمة أربع سنين" لم يكن لصحة الوصية، بل لأنه إنما أعتقه بعوضٍ
стр. 481
يعتقدانِ صحته، فإذا تعذر العوض (١) بإسلامه كان عليه ما يقوم مقامه، كما لو تزوج الذمي ذميةً على ذلك ثم أسلم، فإنه يجب عليه المهر، كذا هاهنا يجب عليه العوض، والأول أولى. انتهى كلامه (٢).
فقد صرَّح في مسألة الوقف أنه يُنْزَع ويُدفع إلى أيدي أولاده الذين أسلموا، وهذا تصريحٌ منه ببطلان الوقف، وأنه لما مات انتقل ميراثًا عنه إلى أولاده، ثم أسلموا بعد أن ورثوه.
وأما مسألة الوصية فلا تُناقِض ذلك؛ لأن العتق فيها بعوضٍ، فإذا لم يصح رجع الوارث في مقابله، وهو القيمة كما ذكره الشيخ.
فصل
وقد قال أحمد في رواية حربٍ (٣)، وقد سأله: الرجل يوصي لقرابته وله قرابةٌ مشركون هل يُعطَون شيئًا؟ قال: لا، إلا أن يسمِّيهم.
وقال أبو طالب (٤): سألت أبا عبد الله عن الرجل يوصي لقرابته وفيهم يهودي أو نصراني ومسلمون؟ قال: سمَّاهم؟ قلت: لا، قال: فلا يُعطى اليهودي والنصراني، يُعطى المسلمون، قلت: فإن سمى اليهودي والنصراني؟ قال: إذا سمَّاهم نعم.
стр. 482
وقد استشكل هذا من لم يدرك دقة فقه أبي عبد الله، فقال بعض الأصحاب: كأنه رأى أن وصيته لأقاربه وصِلَتَه لهم قرينةٌ تدل على أنه أراد أهلَ الإسلام منهم، والكفار وإن دخلوا في القرابة فيجوز تخصيصهم بقرينةٍ تُخرِجهم، فإذا سمّاهم فقد نصَّ عليهم، فيستحقون. وقد تضمن جواب أحمد أمورًا ثلاثةً:
أحدها: صحة الوصية للذمي المعيَّن، وكذلك يصح الوقف عليه، وفعلت صفية بنت حُيَيّ أم المؤمنين هذا وهذا.
قال سعيد بن منصورٍ (١): حدثنا سفيان، عن أيوب، عن عكرمة أن صفية بنت حُييٍّ باعت حجرتها من معاوية بمائة ألفٍ، وكان لها أخٌ يهودي فعرضت عليه أن يُسلِم فأبى، فأوصتْ له بثلث المائة.
وقال الشيخ في "المغني" (٢): وروي أن صفية بنت حُييٍ وقفتْ على أخٍ لها يهودي.
الأمر الثاني: أن الوصية لا تصح للكفار، وإن صحت للمعيَّن الكافر، فالفرق بين أن يكون الكفر جهةً أو تكون الجهة غيره، والكفر ليس بمانعٍ، كما أوصت صفية لأخيها وهو يهودي، فلو جعل الكفر جهةً لم تصح الوصية اتفاقًا، كما لو قال: أوصيتُ بثلثي لمن يكفر بالله ورسوله ويعبد الصليب
стр. 483
ويكذِّب محمدًا ﷺ ، بخلاف ما لو قال: أوصيتُ به لفلانٍ وهو كذلك، فإن الوصية لا تصح على جهة معصيةٍ وفعل محرمٍ، مسلمًا كان الموصي أو ذميًّا، فلو وصى ببناء كنيسةٍ أو بيت نارٍ أو عمارتهما أو الإنفاق عليهما كان باطلًا.
قال في "المغني" (١): وبهذا قال الشافعي وأبو ثورٍ. وقال أصحاب الرأي: يصح. وأجاز أبو حنيفة الوصية بأرضٍ تبنى كنيسةً، وخالفه صاحباه. وأجاز أصحاب الرأي أن يوصي بشراء (٢) خمرٍ أو خنازير ويتصدَّق به على أهل الذمة.
قال: وهذه وصايا باطلةٌ وأفعالٌ محرمةٌ؛ لأنها معصيةٌ، فلم تصح الوصية بها، كما لو وصَّى بعبده أو أمته للفجور.
قال: وذكر القاضي أنه لو وصى بحُصُرٍ للبِيَع أو قناديلَ لها وما شاكل ذلك، ولم يقصدْ إعظامَها بذلك= صحت الوصية؛ لأن الوصية لأهل الذمة، فإن النفع يعود إليهم، والوصية لهم صحيحةٌ.
قال: والصحيح أن هذا مما لا تصح الوصية به؛ لأن ذلك إنما هو إعانةٌ لهم على معصيتهم وتعظيمٌ لكنائسهم.
قلتُ (٣): هذا ذكره القاضي في "المجرد"، وهو من أوائل كتبه، وقد رجع عن كثيرٍ منه، وهذا مخالفٌ لنص أحمد وقواعده وأصوله، فإنه قد صرَّح
стр. 484
ببطلان الوقف على البِيعة وعَوْد الوقف مِلكًا للورثة. وقد منع أحمد المسلم من كراء منزله من الكافر، فكيف يجوِّز الوصية بما يزيّن به الكنيسة وعملها؟
وكذلك من ذكر جوازَ مثل هذه الوصية من أصحاب الشافعي فقد خالف نصوصه وأصوله، فإنه قال في كتاب الجزية من "الأم" (١): لو أوصى ــ يعني الذمي ــ بثلث ماله أو بشيء منه يُبنى به كنيسةٌ لصلاة النصارى، أو يستأجر به خَدَمَ الكنيسة، أو يعمر به، أو ما في هذا المعنى= كانت الوصية باطلةً (٢). ولو أوصى أن يبنى بها كنيسةٌ ينزِلُها مارُّ الطريق، أو وقفَها على قومٍ يسكنونها= جازت الوصية، وليس في بنيان الكنيسة معصيةٌ إلا أن تُتَّخذ لمصلى النصارى الذين اجتماعهم فيها على الشرك. قال (٣): وأكره للمسلم أن يعمل بناءً أو نجارةً أو غير ذلك في كنائسهم التي لصلاتهم. هذا لفظه.
قال في "المغني" (٤): والوقف على قناديل البِيعة وفَرْشها ومن يَخدِمها ويَعمُرها كالوقف عليها؛ لأنه يراد لتعظيمها، وسواءٌ كان الواقف مسلمًا أو ذميًّا. قال أحمد (٥) في نصارى وقفوا على البِيعة ضِياعًا كثيرةً، وماتوا ولهم أبناءٌ نصارى، فأسلموا والضِّياع بيد النصارى: فلهم أخذُها، وللمسلمين عونُهم يستخرجونها من أيديهم.
стр. 485
قال: وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافًا.
الأمر الثالث الذي تضمَّنه جوابه: جواز التخصيص بقصد المتكلم وبالقرائن، وهذا هو الواجب في كلام الواقفين والموصين والمقرِّين، كما هو أصله في أيمان الحالفين.
والواجب طَرْد هذا الأصل في كلامٍ للمكلَّف يترتب عليه أمرٌ شرعي، فإن الكلام إنما يترتب عليه موجبه لدلالته على قصد صاحبه، فإذا ظهر قصده لم يجز أن يُعدَل عنه إلى عموم كلامه وإطلاقه، فإن ذلك غلطٌ وتغليطٌ، وجميع الأمم على اختلاف لغاتها تُراعي مقاصدَ المتكلمين وإراداتِهم وقرائنَ كلامهم. ولو سُئل أحدهم عن جاريته وقيل له: إنها فاجرةٌ، فقال: كلا، بل هي عفيفةٌ حرةٌ= لم يشكُّوا أنه لم يُرِد عتقَها ولا خطر بباله، فإلزامه بعتقها بمجرد ذلك خطأٌ.
واللفظ إنما يكون صريحًا إذا تجرد عن القرائن الصارفة له عن موضوعه عند الإطلاق، ولهذا لو وصل قوله: (أنت طالقٌ) بقوله: (من وَثاقٍ) لم يكن صريحًا. وكذا لو دُعي إلى غداءٍ فقال: والله لا أتغدى، لم يشك هو ولا عاقلٌ أنه لم يُرِد تركَ الغداء أبدًا إلى آخر العمر، فإلزامه بما لم يُرِده قطعًا بناءً على إطلاقِ لفظٍ لم يُرِد إطلاقَه وتعميمِ ما لم يُرِد عمومَه= إلزامٌ بما لم يُلْزِمه ولا ألزمه الله ورسوله به، وبالله التوفيق.
* * * *
стр. 486
فصل
في أحكام نكاحهم ومناكحاتهم
قال الله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ إلى آخر السورة [المسد: ١ - ٥] فسماها "امرأته" بعقد النكاح الواقع في الشرك. وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١]، فسماها "امرأته".
والصحابة ﵃ غالبهم إنما وُلدوا من نكاحٍ كان قبل الإسلام في حال الشرك، وهم يُنسبون إلى آبائهم انتسابًا لا ريبَ فيه عند أحدٍ من أهل الإسلام، وقد أسلم الجمُّ الغفير في عهد النبي ﷺ فلم يأمر أحدًا منهم أن يجدِّد عقده على امرأته. فلو كانت أنكحة الكفار باطلةً لَأَمَرهم بتجديد أنكحتهم.
وقد كان رسول الله ﷺ يدعو أصحابه لآبائهم، وهذا معلومٌ بالاضطرار من دين الإسلام، وقد رجم رسول الله ﷺ يهوديين زنيا (١)، فلو كانت أنكحتهم فاسدةً لم يرجمهما، لأن النكاح الفاسد لا يحصن الزوج، وسيأتي الكلام في هذه المسألة.
وأيضًا، فإن النبي ﷺ أمر من أسلم وتحته عشر نسوةٍ أن يختار منهن أربعًا ويفارق البواقي، وأمر من أسلم وتحته أختان أن يمسك إحداهما
стр. 487
ويفارق الأخرى (١). ولو كانت أنكحتهم فاسدةً لم يأمر بالإمساك في النكاح الفاسد، ولا رتَّب عليه شيئًا من أحكام النكاح. ولم ينصَّ أحدٌ من أئمة الإسلام على بطلان أنكحة الكفار، ولا يمكن أحدًا أن يقول ذلك.
وإنما اختلف الناس في مسألتين:
إحداهما: في الكافر يطلِّق امرأته ثلاثًا، هل يصح طلاقه أم لا؟
الثانية: في المسلم يطلِّق الذمية ثلاثًا، فتنكح ذميًّا، ثم يفارقها الثاني، فهل تحلُّ للأول؟
فأما المسألة الأولى: وهي وقوع الطلاق، فلا يخلو إما أن يعتقد الكافر نفوذ الطلاق أو لا يعتقده (٢)، فإن اعتقده نفذَ طلاقُه، ولم يكن الإسلام شرطًا في نفوذه. هذا مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك: الإسلام شرطٌ (٣) في وقوع الطلاق.
واحتج الجمهور بأن أنكحتهم صحيحةٌ كما تقدم، فإذا صح النكاح نفذ فيه الطلاق، فإنه حكمٌ من أحكام النكاح، فترتب عليه كسائر أحكامه، من التوارث والحلّ وثبوت النسب وتحريم المصاهرة وسائر أحكامه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُم مِّنَ اَلنِّسَا﴾ [النساء: ٢٢] فسماه نكاحًا وأثبت به تحريم المصاهرة، وكان الظهار يعدُّه أهل الجاهلية طلاقًا،
стр. 488
وقام الإسلام حتى أبطل الله ما كان عليه أهل الجاهلية، وشرع فيه الكفارة.
وكيف يحكم ببطلان نكاحٍ وُلد فيه سيد ولد آدم ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه؟ وقد صرَّح بأنه ﷺ وُلِد من نكاحٍ، لا من سِفاحٍ (١).
قال الإمام أحمد في رواية مهنا (٢) في يهودي أو نصراني طلق امرأته طلقتين، ثم أسلم وطلق أخرى: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره. وإذا ظاهر من امرأته، ثم أسلم، أخبرناه أن عليه ظهارًا. وإذا تزوج بلا شهودٍ، ثم أسلما، هما على نكاحهما.
وقال في رواية ابن منصورٍ (٣) في نصراني آلى من امرأته ثم أسلم: يوقف مثل المسلم سواءً.
وقال في رواية حنبلٍ (٤) في مسلم تحته نصرانيةٌ طلقها ثلاثًا فتزوجت بنصراني: تحلُّ للأول لأنه زوجٌ.
стр. 489
قال المبطلون لأنكحتهم: هذا قول عبد الرحمن بن عوفٍ، ولا مخالفَ له من الصحابة، وقد أقره عمر على هذا القول، فقال أبو محمد بن حزمٍ (١): روينا من طريق قتادة أن رجلًا طلق امرأته تطليقتين في الجاهلية، وطلقةً في الإسلام، فسأل عمر، فقال: لا آمرك ولا أنهاك، فقال له عبد الرحمن بن عوفٍ: لكني آمرك، ليس طلاقك في الشرك بشيء (٢).
قال: وبهذا كان يفتي قتادة. وصحَّ عن الحسن وربيعة، وهو قول مالك وأبي سليمان (٣)، وأصحابهما.
قالوا: وقد قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه" (٤): "أُوصيكم بالنساء خيرًا، فإنكم أَخذتموهنَّ بأمانة الله، واستحللتم فُروجَهن بكلمة الله".
قالوا: ووجه الدليل أن كلمة الله هي قوله: ﴿فَاَنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ اَلنِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، فأخبر أن الحلّ كان بهذه الكلمة، فكلمة الله هي إباحته للنكاح، أو أراد بكلمة الله الإسلام، وما يقتضيه من شرائط النكاح، فدل على أن الفروج لا تُستباح بغير كلمة الإسلام.
قالوا: وأيضًا فكل آيةٍ أباحت النكاح في كتاب الله سبحانه فالخطاب بها
стр. 490
للمؤمنين، فدلَّ على أن المراد بكلمة الله الإسلام.
قالوا: والمسألة إجماعٌ من الصحابة، وذكروا أثر عبد الرحمن المتقدم.
قالوا: وكيف يُحكم بصحة نكاحٍ عَرِي عن ولي ورضًا وشاهدين؟
قالوا: وقد قال النبي ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نكحتْ نفسَها بغير [إذن] وليها فنكاحها باطلٌ" (١)، وأنتم تصححون أنكحتهم ولو وقعت بغير ولي، فالحديث نصٌّ في بطلان مذهبكم.
قالوا: وقد قال النبي ﷺ : "كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ".
قالوا: وهم يستبيحون النكاح بالخمر والخنزير، وفي العدة، بغير ولي ولا شهودٍ، وغير ذلك مما لا يستباح به في الإسلام، فوجب الحكم ببطلانه.
قالوا: ولو مات الحربي عن زوجته، أو قُتل ثم سُبِيت فإنها تُستبرأ بحيضةٍ، ولا تعتد، ولو كان نكاحها صحيحًا لوجب أن تعتد، وقد [أخبر] تعالى أنهم لا يُحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله، ولا يدينون دينَ الحق (٢)، وهذا يقتضي أنهم لا يدينون دينَ الحق في نكاحٍ ولا غيره، ومن لم يَدِنْ دينَ الحق في نكاحه فهو مردودٌ.
стр. 491
قال المصححون: لا حجة لكم في شيء مما ذكرتم.
أما أثر عبد الرحمن بن عوفٍ، فإن الإمام أحمد قال في رواية مهنا (١): حديث يُروى أن عبد الرحمن بن عوفٍ قال لعمر بن الخطاب ﵄: "ليس طلاق أهل الشرك بشيء" ليس له إسناد (٢). فهذا جواب أحمد.
وأجاب القاضي بأن هذا محمولٌ على جواز أنكحتهم لذوات المحارم، فإن الطلاق لا يقع فيه. وهذا من أفسد الأجوبة، وكيف يقول له عمر في نكاح أمه وابنته: لا آمرك ولا أنهاك؟ وكيف يقول له عبد الرحمن: لكني آمرك، ليس طلاقك بشيء، ولم يكن في العرب من يستحلُّ نكاحَ ذوات المحارم كالمجوس؟
وعندي جوابٌ آخر، وهو أن الطلاق كان في الجاهلية بغير عددٍ كما قالت عائشة: كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلِّقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة، وإن طلقها مائة مرةٍ أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته، والله لا أطلِّقك فتبيني منّي، ولا آوِيكِ أبدًا، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلِّقك، فكلما همَّت عدَّتُك أن تنقضيَ راجعتُكِ. فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة ﵂ فأخبرتْها، فسكتتْ عائشة حتى جاء النبي ﷺ فأخبرته فسكت، حتى نزل القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، قالت: فاستأنف الناس الطلاق مستقبلًا، من
стр. 492
كان طلَّق ومن لم يكن طلَّق. رواه الترمذي (١) متصلًا، ثم رواه عن عروة، لم يذكر فيه عائشة، وقال: هذا أصح.
وأما قوله ﷺ : "واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (٢) فما أصحَّه من حديث! وما أضعفَ الاستدلالَ به على بطلان أنكحة الكفار! وقد أجاب عنه أصحاب الشافعي وأحمد بأن كلمة الله هي لفظ الإنكاح والتزويج اللذين لا ينعقد النكاح إلا بهما.
وهذا جوابٌ في غاية الوهن، فإن "كلمة الله" هي التي تكلَّم بها، ولهذا أضيفت إليه. وأما الإيجاب والقبول فكلمة المخلوق، فلا تُضاف إلى الله، وإلا كان كل كلامٍ تكلَّم به العبد يضاف إلى الرب، وهذا باطلٌ قطعًا، فإن كلمة الله كسمع الله وبصره وقدرته وحياته وعلمه وإرادته ومشيئته، كل ذلك للصفات القائمة به، لا للمخلوق المنفصل عنه.
والجواب الصحيح أن هذا خطاب للمسلمين، ولا ريبَ أنهم إنما استحلُّوا فروج نسائهم بكلمة الله وإباحته. أما المبتدأ نكاحُها في الإسلام فظاهرٌ، وأما المستدام نكاحُها فإنما استُدِيم بكلمة الله أيضًا، فلا يمس الحديثُ محلَّ النزاع بوجهٍ.
وأما قولكم: كل آيةٍ أباحت النكاح في القرآن فالخطاب بها للمسلمين،
стр. 493
فهذا الاستدلال من أعجب الأشياء، فإن الأمة بعد نزول القرآن مأخوذةٌ بأحكامه وأوامره ونواهيه، وأما قبل ذلك فما أقرَّه القرآن فهو على ما أقرَّه، وما غيَّره وأبطله فهو كما غيَّره وأبطله، فأين أبطل القرآن نكاح الكفار ولم يُقِرَّهم عليه في موضع واحدٍ؟ على أن البيع والرهن والمداينة والقرض وغيرها من العقود إنما خُوطب بها المؤمنون، فهل يقول أحدٌ: إنها باطلةٌ من الكفار؟ وهل النكاح إلا عقدٌ من عقودهم، كبياعاتهم وإجاراتهم ورهونهم وسائر عقودهم؟ وليس النكاح من قبيل العبادات المحضة التي يُشترط في صحتها الإسلام، كالصلاة والصوم والحج، بل هو من عقود المعاوضات التي تصح من المسلم والكافر.
وأما قولهم: المسألة إجماعٌ من الصحابة، فهو ذلك الأثر الذي لا يصحُّ عن عبد الرحمن، ولو صحَّ لم يكن فيه حجةٌ، فأين قول رجل واحدٍ من الصحابة فضلًا عن جميعهم؟
وأما قولكم: كيف يُحكم بصحة نكاحٍ عَرِي عن الولي والشهود وشروط النكاح= فمن أضعف الاستدلال، فإن هذه إنما صارت شروطًا بالإسلام، ولم تكن شروطًا قبله حتى نحكم ببطلان كل نكاحٍ وقع قبلها، وإنما اشترطت في الإسلام في حق من التزم الإسلام، وأما من لم يلتزمه فإن حكم النكاح بدونها كحكم ما يعتقدون صحته من العقود الفاسدة التي لا مساغ لها في الإسلام، فإنها تصح منهم، ولو أسلموا وقد تعاملوا بها وتقايضوا لم تنقضِ وأُمضِيتْ.
فإن قيل: الإسلام صحّحها لهم، وهكذا صحّح النكاح.
стр. 494
قلنا: لكن الإسلام لم يُبطِل ترتُّبَ آثارها عليها قبله، فيجب أن لا يبطل ترتبُ آثار النكاح عليه من الطلاق والظهار والإيلاء.
وأما استدلالكم بقوله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ نكحتْ نفسها بدون إذن وليها فنكاحها باطلٌ" فهذا عجبٌ منكم، فإنها لو زوَّجها الولي كان النكاح فاسدًا عندكم. فإن قلتم: الولي الكافر كلا ولي، قيل: نعم، هذا في نكاح المسلمة، فأما الكافرة فقد قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وأما قوله ﷺ : "كلُّ عملٍ ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ" ففي غاية الصحة، والاستدلال به ضعيفٌ من وجوهٍ:
أحدها: أن هذا في حق المسلمين، وأما الكفار فإنا لا نردُّ عليهم كل ما خرج عن أمره ﷺ ، فإنا نُقِرُّهم على عقودهم التي يعتقدون صحتها، وإن لم تكن على أمر النبي ﷺ .
الثاني: أن إقرار الله تعالى ورسوله ﷺ لهم على أحكام هذه الأنكحة هو من أمر الشارع، ولا جَرمَ ما كان منها على غير أمره فهو ردٌّ، كنكاح المحارم وما لا يعتقدون صحته، فأما ما اعتقدوا صحته فإقرارهم عليه من أمره.
الثالث: أن هذا لا يمكن أن يُستدلَّ به على بطلان أنكحتهم، كما لم يُستدل به على بطلان عقود معاوضاتهم التي يعتقدون صحتها وإن وقعت على غير أمره.
وأما استبراء الحربية بحيضةٍ إذا سُبيت، وحكمُنا بزوال النكاح، فليس
стр. 495
ذلك لكون أنكحتهم كانت باطلةً، ولكن لتجديد الملك على زوجته، وكونها صارت أمةً للثاني، واستولى على محلِّ حق الكافر وأزاله، وانتقلت من كونها زوجةً إلى كونها أمةً رقيقةً تُباع وتشترى.
وأما قوله تعالى إنهم لا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دينَ الحق من الذين أوتوا الكتاب، فلم يزيدوا بذلك على كونهم كفارًا. ومن نازع في كفرهم حتى يحتج عليه بذلك؟ وهل وقع النزاع إلا في نكاح من هو كذلك؟ ولا ريبَ أن هذا القدر كما لم يؤثِّر في بطلان عقود معاوضاته من البيع والشراء والإجارة والقرض والسلم والجعالة وغيرها لم يؤثر في بطلان نكاحه.
فصل
وأما إن كان الكافر لا يعتقد وقوعَ الطلاق ولا نفوذَه فطلَّق، فهل يصح طلاقه؟ فيه روايتان منصوصتان عن أحمد، أصحهما أنه لا يصح طلاقه، وهذا هو مقتضى أصوله، فإنا نُقِرُّهم على ما يعتقدون صحته من العقود، فإذا لم يعتقد نفوذ الطلاق فهو يعتقد بقاء نكاحه، فيُقَرَّ عليه وإن أسلم.
وأيضًا، فإن وجود هذا الطلاق وعدمه في حقه واحدٌ، فإنه لم يلتزم حكم الطلاق ولا اعتقد نفوذه، فلم يلزمه حكمه.
وهذا التفصيل في طلاقه هو فصل الخطاب.
فصل
وأما المسألة الثانية: وهي إذا تزوجها الذمي، فإنه يُحِلُّها للأول عند