← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

يزيد بن قتادة العَنبري (١) حدَّث أنَّ إنسانًا من أهله مات وهو على غير دين الإسلام، فورِثَتْه أختي وكانت على دينه، قال: ثم إنَّ جدِّي أسلم وشهِد مع رسول الله ﷺ حُنَينَ (٢)، فتُوُفِّي فلبثتْ سنةً، وكان ترك نخلًا، ثم إنَّ أختي أسلمت فخاصمتني في الميراث إلى عثمان، فحدَّثه عبد الله بن أرقم أنَّ عمر قضى أنَّه مَن أسلم على ميراث قبلَ أن يُقسَم فله نصيبه، فقضى به عثمان، فذهبت بذلك الأول، وشاركتني في هذا (٣). وروى ابن اللَّبَّان أيضًا عن ابن سِيرين عن ابن مسعودٍ أنه سئل عن رجل مات وترك أباه عبدًا، فأُعتق قبل أن يُقسَم ميراثه، فقال ابن مسعودٍ (٤): له ميراثه (٥).

стр. 667

فإن قيل: فقد روي عن علي أنه لم يورِّث من أسلم وأُعتِق على ميراث (١). قلنا: فقد روى ابن اللبان عن الحسن عن علي ﵁ قال: إذا أسلم النصراني قبل أن يقسم الميراث، فإنه يرث (٢). وإذا اختلفت الرواية عنه فإمَّا أن يتعارضا ويتساقطا، وإما أن يكون الأخذ برواية التوريث أولى لأنَّه يوافق قول غيره من الصحابة. فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله: «من أسلم على ميراث قبل أن يقسم» معناه: مَن أسلم عند حضرة الموت لمَورُوثه قبل أن يموت، ويقسمَ ميراثه. قيل: هذا فاسدٌ من وجوه: أحدها: أنَّ سياق الآثار التي ذكرناها صريحٌ في أنَّ إسلامه كان بعد

стр. 668

الموت لا قبله. الثاني: أنَّه علق الاستحقاق بالقسمة، فقال: «من أسلم على ميراث قبل أن يقسم»، ولم يقل: قبل أن يموت الموروث. ولا يصلح أن يكون معنى (قبل أن يقسم) هو معنى (قبل أن يموت موروثه). والتأويل إذا خرج إلى هذا الحد فَحُش جدًّا. الثالث: أنَّه ليس في هذا كبير فائدة أن يقال: من أسلم قبل موت موروثه وَرِثه، فهذا أمرٌ لا يخفى على أحد حتى يحتاج إلى بيان. ولا يمتنع أن يوجد الاستحقاق بعد الموت، ويكون في حكمه قبله (١)، كما قلتم فيمن حفر بئرًا ومات ثم وقع فيها إنسانٌ: فإن الضمان متعلقٌ بتركته كما لو وُجِد الوقوع في حال حياته؛ فالحفر ــ سبب الضمان ــ وُجِد في حال الحياة، والوقوع شرطٌ في الضمان وُجِد بعد الموت. والنسب ــ سبب الإرث ــ وُجِد قبل الموت، والإسلام شرطٌ في استحقاقه وُجِد بعد الموت، فلا فرقَ بينهما. ولأنَّ لِعدم القسمة تأثيرًا في الاستحقاق، بدليل أنَّ الكفار إذا ظهروا على أموال المسلمين، ثم ظهر عليها المسلمون قبل القسمة كان صاحبه أحقَّ به، وبعد القسمة لا حقَّ له فيه. يبيِّن هذا أنَّ المال قبل القسمة لا تتعين حقوق الورثة فيه حتى تستقر الوصية إن كانت، إما بقبولٍ أو ردٍّ، فتتعين بالقسمة.

стр. 669

وأيضًا، فقد قال المنازعون لنا: إنَّ ما ينتقل إلى بيت المال عن ميت لا وارثَ له ينتقل إرثًا، فلو أسلم رجل بعد انتقال المال عن ميت إلى بيت المال استحق جزءًا منه كما لو كان مسلمًا قبل الانتقال، كذلك هاهنا. وهذا من فقه الصحابة ﵃ الذي عَجَز عنه كثيرٌ ممن بعدهم، فإنَّهم أجرَوا حالة الموت قبل القسمة مجرى ما قبل الموت، فإنَّ التركة لم يقع عليها استيلاءُ الورثة وحوزُهم وتصرُّفُهم، فكأَنَّها في يد الميت حكمًا. فهي ما بين الموت والقسمة لها (١) حالةٌ وسطٌ، فأُلحِقت بما قبل الموت، وكان أولى استصحابًا لحال بقائها. وأيضًا، فإنَّ التركة قبل القِسمة على ملك الميت، فلو زادت ونمَت وُفيَتْ ديونه من الزيادة. ولو نصب مناجل (٢) وشبكةً قبل الموت، فوقع فيها صيدٌ بعده وقبل القسمة كان على ملكه، فتُوفَى منه ديونه وتُنفذ منه وصاياه. وأيضًا، فإنَّ توريث المسلم قبل القسمة مما يرغِّب في الإسلام ويزيد فيه ويدعو إليه، فلو لم يكن فيه إلا مجرد الاستحسان لكان ذلك من محاسن الشريعة وكمالها: أن لا يُحرَم ولدُ رجلٍ ميراثَه بمانعٍ قد زال [و] فَعَل (٣) المقتضي عمَلَه، فإنَّ النسب هو مقتضٍ للميراث، ولكن عاقبه الشارعُ بالحرمان على كفره، فإذا أسلم لم يبقَ محلًّا للعقوبة، بل صار بالثواب أولى

стр. 670

منه بالعقاب. يوضِّحه أنَّ زوال المانع قبل القِسمة يجعله في حكم ما لم يكن أصلًا، فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له، والنازع عن الكفر كمن لم يكفر، فلا معنى لحرمانه، وقد أكرمه الله بالإسلام، ومالُ موروثه لم يتعيَّن بعدُ لغيره، بل هو في حكم الباقي على ملكه من وجهٍ، وفي حكم الزائل من وجهٍ. يوضحِّه أنه إذا أسلم قبل القسمة، وقبل حيازة بيت المال التركة= ساوى المسلمين في الإسلام، وامتاز عنهم بقرابة الميت، فكان أحقَّ بماله. وهذه المسألة مما برَز بها الإمام أحمد ومن قال بقوله، وهي من محاسن الشريعة، وعند أحمد فيها من الآثار عن الصحابة ما لم يبلغ غيره. قال المانعون من التوريث: التركة تنتقل بالموت إلى ملك الورثة، ويستقر ملكهم عليها، فيجب أن لا يزول ملكهم عنها بالإسلام، كما لا يزول بحدوث وارثٍ آخر، وهو أن يموت ويُخلِف أمًّا وأختًا، فتَعْلَق (١) الأم بولدٍ آخر، فإنَّه لا يرث لحدوثه بعد الحكم بالميراث للموجود. قالوا: ولأنَّ مَن لم يكن وارثًا عند الموت لم يَصِر وارثًا بعده، لأنَّ فيه صيرورتَه وارثًا بعد موت مورِّثه، وهذا لا يعقل. قالوا: ولأنَّه لا يصير وارثًا بعد القسمة، فكذلك قبلها. قالوا: ولأنَّه لو عَتَق بعد الموت وقبل القسمة لم يرث، كذلك هاهنا،

стр. 671

ولا فرق بين الصورتين. قال المورِّثون: إنَّما حكمنا بالملك للموجودينَ من الورثة في الظاهر ملكًا مراعًى، كما حكمنا بالملك لهم إذا كان الوارث (١) قد حفر بئرًا ونصب سكِّينًا، فإنا نحكم به في الظاهر، فلو وقع في البئر إنسانٌ بعد ذلك فإنه يرجع عليهم بالأرش، وتبيَّنَّا أنَّ ذلك الحكم لم يكن صحيحًا؛ كذلك هاهنا. ويفارق هذا إذا حدث له وارثٌ بعد ذلك، لأنَّ سبب الإرث لم يكن موجودًا حال الموت، والسبب هاهنا موجودٌ وهو النسب، فجاز أن يرث بعد الموت والإسلام. يبيِّن صحة هذا أنَّه لو حفر العبد بئرًا في حياة السيد ومات السيد، فوقع فيها إنسانٌ بعد موته، تعلَّق الضمان بتركته. ولو حفرها العبد بعد موت السيد ووقع فيها إنسانٌ لم يتعلق بتركته، وإن كان العبد مضافًا إليه في الحالين. وكان الفرق بينهما ما ذكرنا. ولأنَّهم قد قالوا: لو أعتق المسلم عبدًا نصرانيًّا كان ميراثه مراعًى، فإن أسلم قبل موته ورثه بالولاء، وإن مات قبل أن يسلم لم يرثه. وهذا إلزامٌ جيدٌ، لأنهم جعلوا الميراث مراعًى على ما يحدث بعد العتق. وأمَّا إلزامهم مسألةَ العبدِ إذا عتَقَ بعد الموت وقبل القسمة، فإلزامٌ قويٌّ جدًّا. وقد نصَّ أحمد على أنَّه لا يرث مفرِّقًا بينها وبين مسألة إسلام الكافر في جوابٍ واحدٍ. ولكن قد سوَّى بينهما في الميراث: الحسنُ وأبو الشعثاء،

стр. 672

حكاه ابن المنذر عنهما (١). فالمسألتان من مسائل النزاع، وفيهما ثلاثة أقوال: أحدها: عدم الميراث في المسألتين، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة ومالك. والثاني: ثبوت التوارث في المسألتين، وهو قول الحسن وجابر بن زيد. والثالث: ثبوت التوارث في مسألة الكافر إذا أسلم دون العبد إذا عَتَق، وهو مذهب الإمام أحمد ومَن وافقه. وفرَّق أصحاب هذا القول بين المسألتين بأنَّ الكافر أقوى سببًا من العبد، لأنَّ الكافر في حال كفره على صفة من يرث كافرًا مثله، ويَعقِل (٢) وينصُر، والعبد ليس على صفة من يرث، ولا يعقل ولا ينصر، فضَعُف في بابه. [بـ] ـهذا فرَّق القاضي وجمهور أصحابه. وفرَّق غيره بأنَّ الكافر حرٌّ فمعه مقتضي الميراث والكفر مانعٌ، بخلاف العبد فإنَّه ليس معه مقتضي الميراث وليس بأهلٍ، فبالعتق تجدَّد المقتضي، وبالإسلام زال المانع. وفرَّق آخرون بأنَّ الصحابة حكموا بتوريث الكافر يُسلم دون العبد يَعْتِق، ويكفي تفريقهم عن تكلُّف طلب الفرق!

стр. 673

وفرَّق آخرون بأنَّ الإسلام وُجِد من جهته، فهو ممدوحٌ عليه ومثابٌ عليه، والعِتق وُجِد من غير جهته، فلا منَّةَ له فيه ولا ثواب، وإنما هو لسيده، فجاز أن يستحق بما يُمدَح عليه عوضًا يكون ترغيبًا له في الإسلام. فإن قيل: فما تقولون في الزوجة تسلم قبل قسمة الميراث؟ قيل: قد ذكر أبو بكر في كتاب الطلاق هذه المسألة فقال: إذا أسلم على ميراث قبل أن يقسم كان داخلًا في الميراث في أحد القولين. والقول الآخر: لا يرث. وأما الزوجة فخارجة عن الميراث في القولين جميعًا. قال القاضي: وظاهر كلام أحمد والخرقي أنها ترث، وهو الصحيح عندي؛ لأن المانع من الميراث إذا كان لاختلاف الدين، فإذا زال قبل القسمة لم يمنع الإرث كالنسب. ووجه قول أبي بكر: أن إرث الزوجة بعقد النكاح على صفةٍ: وهو الاتفاق في الدين، وبالموت قد زال العقد، فإذا وُجد الاتفاق بعد ذلك لم يؤثر كعدم العقد. وليس كذلك النسب، لأنه يورَث به على صفة، وبالموت لم يَزُل النسب، فإذا وجد الاتفاق في الدين صادف نسبًا ثابتًا، فلهذا وَرِث. يبيِّن صحة هذا ما قلناه في المولى المناسب (١): إذا فسق سقطت ولايته، فإذا صار عدلًا عادت ولايته، لأن النسب باقٍ لم يزُل. ولو استفاد الولاية بالحكم، وفسق الحاكم سقطت ولايته، فإن صار عدلًا في الثاني لم تعد ولايته، لأنها إنما استفادها بالعقد، والعقد قد بطل، فلم يؤثر وجود العدالة في

стр. 674

الثاني. وأجاب آخرون بالجواب المركَّب وهو: إن لم يكن بين الصورتين فرقٌ في مسألة العبد والزوجة والكافر، فالصواب التسوية، وإن كان بينهما فرقٌ بطل الإلزام، والله أعلم. فصل وأمَّا توريث المسلم من الكافر فاختلف فيه السلف، فذهب كثيرٌ منهم إلى أنه لا يرث كما لا يرث الكافر المسلم، وهذا هو المعروف عند الأئمة الأربعة وأتباعهم. وقالت طائفةٌ منهم: بل يرث المسلم الكافر، دون العكس. وهذا قول معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي سفيان، ومحمد ابن الحنفية، ومحمد بن علي بن الحسين، وسعيد بن المسيب، ومسروق بن الأجدع، وعبد الله بن مغفل، ويحيى بن يَعمَر (١)، وإسحاق بن راهويه (٢). وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). قالوا: نرثهم ولا يرثونا (٤)، كما ننكح نساءهم، ولا

стр. 675

ينكحون نساءنا. والذين منعوا الميراث عمدتهم الحديث المتفق عليه: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (١)، وهو عمدةُ مَن منع ميراث المنافق الزنديق، وميراث المرتد. قال شيخنا (٢): وقد ثبت بالسنة المتواترة أنَّ النبي ﷺ كان يُجري الزنادقة المنافقين في الأحكام الظاهرة مجرى المسلمين فيرثون ويُورَثون. وقد مات عبد الله بن أُبَيٍّ وغيره ممن شهد القرآن بنفاقه، ونُهي الرسول ﷺ عن الصلاة عليه والاستغفار له، ووَرِثَهم ورثتُهم المؤمنون؛ كما ورث عبدَ الله بن أبيٍّ ابنُه. ولم يأخذ النبي ﷺ من تركة أحدٍ من المنافقين شيئًا، ولا جعل شيئًا من ذلك فيئًا، بل أعطاه لورثتهم. وهذا أمرٌ معلومٌ بيقينٍ، فعلم أنَّ الميراث مداره على النصرة الظاهرة لا على إيمان القلوب والموالاة الباطنة، والمنافقون في الظاهر ينصرون المسلمين على أعدائهم، وإن كانوا من وجهٍ آخر يفعلون خلاف ذلك، فالميراث مبناه على الأمور الظاهرة لا على ما في القلوب. وأما المرتد فالمعروف عن الصحابة مثل عليٍّ وابن مسعودٍ: أن ماله لورثته من المسلمين أيضًا، ولم يدخلوه في قوله ﷺ : «لا يرث المسلم

стр. 676

الكافر». وهذا هو الصحيح. وأما أهل الذمة فمن قال بقول معاذ ومعاوية ومن وافقهما يقول: قول النبي ﷺ : «لا يرث المسلم الكافر»، المراد به الحربي لا المنافق، ولا المرتد، ولا الذمي، فإنَّ لفظ «الكافر»، وإن كان قد يعُمُّ كل كافر، فقد يأتي لفظه والمراد به بعض أنواع الكفار، كقوله: ﴿إِنَّ اَللَّهَ جَامِعُ اُلْمُنَافِقِينَ وَاَلْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، فهنا لم يدخل المنافقون في لفظ الكافرين. وكذلك المرتد، فالفقهاء لا يدخلونه في لفظ الكافر عند الإطلاق، ولهذا يقولون: إذا أسلم الكافر لم يقضِ ما فاته من الصلاة، وإذا أسلم المرتد ففيه قولان. وقد حمل طائفةٌ من العلماء قول النبي ﷺ : «لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ» (١) على الحربي دون الذمي (٢)، ولا ريب أن حمل قوله: «لا يرث المسلم الكافر» على الحربي أولى وأقرب محملًا، فإنَّ في توريث المسلمين منهم ترغيبًا في الإسلام لمن أراد الدخول فيه من أهل الذمة، فإنَّ كثيرًا منهم يمنعهم من الدخول [في] الإسلام خوفُ أن يموت أقاربهم، ولهم أموالٌ فلا

стр. 677

يرثون منهم شيئًا. وقد سمعنا ذلك (١) من غير واحدٍ منهم شِفاهًا. فإذا علم أنَّ إسلامه لا يُسقط ميراثه ضَعُف المانع من الإسلام و [صارت] (٢) رغبتُه فيه قويةً. وهذا وحده كافٍ في التخصيص، وهم يخصُّون العموم بما هو دون ذلك بكثيرٍ، فإنَّ هذه مصلحةٌ ظاهرةٌ يشهد لها الشرع بالاعتبار في كثيرٍ من تصرفاته، وقد تكون مصلحتها أعظم من مصلحة نكاح نسائهم. وليس في هذا ما يخالف الأصول، فإنَّ أهل الذمة إنَّما ينصرهم ويقاتل عنهم المسلمون، ويفتكُّون (٣) أسراهم، والميراثُ يستحق بالنصرة فيرثهم المسلمون، وهم لا ينصرون المسلمين فلا يرثونهم؛ فإن أصل الميراث ليس هو بموالاة القلوب، ولو كان هذا معتبرًا فيه كان المنافقون لا يرثون ولا يورثون، وقد مضت السنة بأنهم يرثون ويورثون. وأمَّا المرتد فيرثه المسلمون، وأمَّا هو فإن مات له ميتٌ مسلم في زمن الرِّدَّة ومات مرتدًّا لم يرثه لأنَّه لم يكن ناصرًا له، وإن عاد إلى الإسلام قبل قِسمة الميراث فهذا فيه نزاعٌ بين الناس. وظاهر مذهب أحمد: أنَّ الكافر الأصلي والمرتد إذا أسلما قبل قسمة الميراث ورثا، كما هو مذهب جماعة من الصحابة والتابعين. وهذا يؤيِّد هذا الأصل، فإنَّ هذا فيه ترغيبٌ في

стр. 678

الإسلام، وقد نُقِل عن عليٍّ في الرقيق إذا كان ابنًا للميت: أنه يُشترى من التركة ويرث (١). قال شيخنا: ومما يؤيد القول بأنَّ المسلم يرث الذمي ولا يرثه الذمي: أنَّ الاعتبار في الإرث بالمناصرة، والمانع (٢) هو المحاربة. ولهذا قال أكثر الفقهاء: إن الذمي لا يرث الحربي، وقد قال تعالى في الدية: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهْوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩١]، فالمقتول ــ إن كان مسلمًا ــ فدِيَتُه لأهله، وإن كان من أهل الميثاق فدِيَتُه لأهله، وإن كان من قوم عدوٍّ للمسلمين فلا ديةَ له؛ لأنَّ أهله عدو للمسلمين وليسوا بمعاهدين، فلا يُعطَون ديته، ولو كانوا معاهدين لأُعطُوا الدية. ولهذا لا يرث هؤلاء المسلمين، فإنَّهم ليس بينهم وبينهم أيمانٌ ولا أمانٌ. ولهذا لما مات أبو طالب ورثه عقيل دون علي وجعفرٍ، مع أن هذا كان في أول الإسلام. وقد ثبت في «الصحيح» (٣) أنه قيل له ﷺ في حجة الوداع: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من رباعٍ؟»، وذلك لاستيلاء عقيل على رباع بني هاشم لمَّا هاجر النبي ﷺ ؛ ليس هو لأجل ميراثه، فإنه أخذ دار النبي ﷺ التي كانت له التي ورثها من أبيه، وداره التي كانت

стр. 679

لخديجة، وغير ذلك مما لم يكن لأبي طالب، فاستولى على رباع بني هاشم بغير طريق الإرث، بل كما استولى سائر المشركين على ديار المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، كما استولى أبو سفيان بن حرب على دار أبي أحمد بن جحش (١) وكانت دارًا عظيمةً. فكان المشركون ــ لمَّا هاجر المسلمون ــ مَن كان له قريبٌ أو حليفٌ استولى على ماله، ثم لمَّا أسلموا عامَ الفتح أقرَّهم النبي ﷺ على ما أسلموا عليه (٢)، وقال: «مَن أسلم على شيء فهو له» (٣)، ولم يرُدَّ إلى المهاجرين دُورَهم التي أُخِذت منهم، بل قال: «هذه أخذت في الله، أجورهم فيها على الله» (٤). وقال لابن جحشٍ: «ألا ترضى أن يكون لك (٥) مثلها في الجنة؟» (٦). وكان المسلمون ينتظرون ما يأمر به في دار ابن جحش، فإن ردَّها عليه طلبوا هم أن يرُدَّ عليهم، فأرسل إليه مع عثمان (٧) هذه الرسالة، فسكت

стр. 680

وسكت المسلمون. وهذا كان عام الفتح، فلما دخل مكة في حجة الوداع قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من دارٍ؟!». قال الشيخ (١): وهذا الحديث قد استدل به طوائف على مسائل: فالشافعي احتج به على جواز بيع رباع مكة، وليس في الحديث أنه باعها. قلت: الشافعي إنما احتج بإضافة الدار إليه بقوله «في دارك» وأردفه بقوله تعالى: ﴿وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]. والمنازعون له يقولون: الإضافة قد تصح بأدنى ملابسةٍ، فهي إضافة اختصاصٍ لا إضافة ملكٍ، لأن الله سبحانه جعل الناس في الحرم سواءً العاكفُ فيه والباد. المسألة الثانية: المنع من توريث المسلم من الكافر، فإنه قد روي أنه قاله عقيب هذا القول (٢)، وكان قد استولى على بعضها بطريق الإرث من أبي طالب، وعلى بعضها بطريق القهر والغلبة. والظاهر أنه استولى على نفس ملك النبي ﷺ وداره التي هي له، فإنه قيل له: ألا تنزل في دارك؟ فقال: «وهل ترك لنا عقيل من دارٍ؟» يقول: هو أخذ داري ودار غيري من بني هاشم. وكان عقيل لم يُسلم بعد، بل كان على دين قومه، وكان حمزة وعبيدة بن الحارث وعلي وغيرهم قد هاجروا إلى المدينة مع النبي ﷺ ، وجعفر هاجر إلى الحبشة، فاستولى عقيل على رباع النبي ﷺ وعلى رباع آل أبي طالب.

стр. 681

وأمَّا رباع العباس فالعباس كان مستوليًا عليها، وكذلك الحارث بن عبد المطلب كان بمكة ابنه أبو سفيان وابنه ربيعة. وأمَّا أبو طالب فلم يبقَ له بمكة إلا عقيل، والنبي ﷺ لم يكن له أخٌ فاستولى عقيل على هذا وهذا. فلهذا قال: «وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟»، وإلا فبأيِّ طريقٍ يأخذ ملك النبي ﷺ وهو حيٌّ، ولم يكن هو وارثَه لو كان يُورَث؟ فتبيَّن بهذا أنَّ الكفار المحاربين إذا استولَوا على أموال المسلمين ثم أسلموا كانت لهم، ولم تُرَدَّ إلى المسلمين، لأنها أخذت في الله وأجورهم فيها على الله، كما أتلفه الكفار من دمائهم وأموالهم، فالشهداء لا يُضمَنون، ولو أسلم قاتِلُ الشهيد لم يجب عليه دية ولا كفارةٌ بالسنة المتواترة واتفاق المسلمين. وقد أسلم جماعةٌ على عهد النبي ﷺ وقد عرف مَن قتلوه، مثل وحشي بن حربٍ قاتل حمزة، ومثل قاتل النعمان بن قَوقَل (١) وغيرهما، فلم يطلب النبي ﷺ أحدًا بشيء عملًا بقوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَر لَّهُم مَّا قَد سَّلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]. وكذلك المرتدون: قد أسلم طُليحة الأسدي بعد رِدَّته وقد قتل عُكَاشَة بن مِحصَن، فلم يُضَمِّنه أبو بكر وعمر وسائر الصحابة لا ديةً ولا كفارةً. وكذلك سائر من قتله المرتدون والمحاربون لمَّا عادوا إلى الإسلام لم يُضمِّنهم المسلمون شيئًا من ذلك.

стр. 682

وهذا فيه نزاعٌ في مذهب الشافعي وأحمد، وطائفةٌ من أصحابهما ينصرون الضمان. وكثيرٌ من متأخري أصحاب أحمد يظن أن هذا هو ظاهر مذهبه، وأن عدم الضمان هو قول أبي بكر عبد العزيز (١)، ولم يعلم أن أحمد نصَّ على قول أبي بكر (٢)، وأن أهل الردة والمحاربين لا يضمنون ما أتلفوه من النفوس والأموال كأهل الحرب الكفار الأصليين، فإنَّ هؤلاء ليس فيهم خلاف، وإنما النزاع في المرتدين والبُغاة المتأولين فإن فيهم نزاعًا في مذهب الشافعي وأحمد. والصواب فيهم الذي عليه الجمهور، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما. وكذلك البُغاة المتأوِّلون من أهل القبلة كالمقتتلين بالجَمَل وصِفِّين لا يضمنون ما أتلفه بعضهم على بعض في القتال، وهذا هو المنصور عند أصحاب أحمد. قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا أنَّ كلَّ دمٍ أو فرج (٣) أصيب بتأويل القرآن فإنَّه هدرٌ، أنزَلُوهم منزلة الجاهلية (٤).

стр. 683

يعني: لمَّا كانوا متأوِّلين أنزلوهم منزلة أهل الجاهلية، وإن كانوا مخطئين في التأويل كالكفار والمرتدين. وإنما يضمن من كان يعلم أنه لا يحلُّ له أن يقتل ويأخذ (١)، كالطائفتين المقتتلتَين على عصبيةٍ وكلٌّ منهما يعلم أنه يقاتل عصبيةً لا على حقٍ؛ فهؤلاء تضمن كل طائفةٍ ما أتلفته على الأخرى. وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ اُلْقِصَاصُ فِي اِلْقَتْلَى اَلْحُرُّ بِالْحُرِّ وَاَلْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَاَلْأُنثى بِالْأُنثى﴾ [البقرة: ١٧٧]. و المحاربون قطَّاع الطريق العالمون بأن ما فعلوه محرمٌ يضمنون . وإذا تابوا قبل القدرة عليهم سقطت عنهم حدودُ الله كما تسقط عن الكفار الممتنعين إذا أسلموا قبل القدرة عليهم. وهل يعاقبون بحدود الآدميين مثل أن يقتل أحدهم قصاصًا؟ فيه قولان للعلماء، قيل: يؤخذون بحقوق الآدميين كالقَوَد، وقيل: لا يؤخذون. وما كان معهم من أموال الناس يؤخَذ بلا نزاعٍ. وما أتلفوه هل يضمنونه مع العقوبات البدنية؟ فيه نزاعٌ، كالسارق فإنه إذا وجد معه المال أُخِذ سواءٌ قطعت يده أو لم تقطع. وإن كان قد أتلفه، فهل يغرم مع القطع؟ على ثلاثة أقوالٍ، قيل: يُغرَم كقول الشافعي وأحمد، وقيل: لا يُغرَم كقول أبي حنيفة، وقيل: يُغرَم مع اليَسَار دون الإعسار كقول مالك.

стр. 684

والمقصود هنا أن قوله تعالى: ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهْوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩١] دلَّ به على أنَّ المحاربين لا يرثون المسلمين ولا يُعطَون ديتهم، فإنَّهم كفار والكفار لا يرثون المسلمين. وقد قيل: إنَّ هذا فيمن أسلم ولم يهاجر، فتثبت في حقه العصمة المُؤثِّمة (١) دون المُضَمِّنة كما يقول ذلك أبو حنيفة وغيره. وقيل: بل فيمن ظنَّه القاتلُ كافرًا وكان مأمورًا بقتله، فسقطت عنه الدية لذلك، كما يقوله الشافعي، وأحمد في أحد القولين. وهؤلاء يخصون الآية بمن ظاهره الإسلام، وأولئك يخصونها بمن أسلم ولم يهاجر. والآية في المؤمن إذا قتل، وهو من قومٍ عدوٍّ لنا، وهو سبحانه قال: ﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾، ولم يقل: (من عدوكم)، فدلَّ على أنَّ القتل إذا كان خطأً كمن رمى غَرضًا فأصاب مسلمًا، فإنه لا دية فيه وإن عُلِم أنه مسلم، لأن أهله لا يستحقون الدية، ولا يستحقها المسلمون، ولا بيت المال، فهؤلاء الكفار لا يرثون مثل هذا المسلم كما قال ﷺ : «لا يرث الكافر المسلم»، لأنه حربي والمناصرة بينهم منقطعةٌ، فإنهم عدو للمسلمين، والميراث لا يكون مع العداوة الظاهرة، بل مع المناصرة الظاهرة.

стр. 685

وأهل الذمة ليسوا عدوًّا محاربًا، وقتيلهم مضمونٌ، فإذا ورث المسلم منهم كان هذا موافقًا للأصول، وقوله: «الكافر» أريد به الكافر المطلق، وهو المعادي المحارب، لم يدخل فيه المنافق، ولا المرتد، ولا الذمي. فإذا كان المؤمن يرث المنافق لكونه مسالمًا له مناصرًا له في الظاهر، فكذلك الذمي، وبعض المنافقين شرٌّ من بعض أهل الذمة. وقد ذهب بعضهم إلى أنه يرث المسلمُ الكافر بالموالاة ، وهو أحد القولين في مذهب أحمد، نصَّ عليه في رواية الجماعة: حنبل، وأبي طالب، والمروذي، والفضل بن زيادٍ؛ في المسلم يُعتق العبدَ النصراني، ثم يموت العتيق: يرثه بالولاء (١)، واحتجَّ بقوله ﷺ : «الولاء لمن أعتق» (٢). قال المانعون من التوريث: له عليه الولاء، ولكن لا يرث به. قال المورِّثون: ثبوت الولاء يقتضي ثبوت حكمه، والميراث من حكمه. وقال عبد الله بن وهبٍ: حدثنا محمد بن عمرٍو، عن ابن جريجٍ، عن أبي الزبير، عن جابرٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلمُ النصرانيَّ إلا أن يكون عبدَه أو أمتَه» (٣).

стр. 686

قالوا: وهو إجماع الصحابة أفتى به عليٌّ، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله. فروى أبو بكر بإسناده عن الحارث عن علي ﵁: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم، إلا أن يكون عبدًا له أو أمته (١). وكذلك عن ابن عمر ﵄ (٢). قال المانعون: المراد بهذا العبدُ القِنُّ، إذا كان له مالٌ ومات فإن سيده يأخذ ماله. قال المورثون: لا يصح هذا، لأن العبد القن لا مال له فيورث عنه، فعلم أنه أراد من كان عبده فأعتقه كما حملتم عليه قوله ﷺ : «من قتل عبدَه قتلناه» (٣)، وقلتم: معناه الذي كان عبده.

стр. 687

وكذلك قوله في بلالٍ: «ألا إنَّ العبد قد نام» (١). قالوا: ولأنَّ الميراث بالولاء من حقوق الملك، فلم يمنع منه اختلاف الدين، كولاية (٢) الكافر على أمته. ولأنَّ الشارع لم يجعله أحقَّ بميراثه لنسبٍ بينَه وبينَه، وإنما ذلك جزاء على نعمة المُعتِق. وهذا من محاسن الشريعة وكمالها، فأحق الناس بهذا الميراث أحقهم بالإنعام عليه بالعتق. يؤكِّده: أنَّ الميراث بالولاء يجري مجرى المُعاوَضة، ولهذا يرِث به المولى المعتق دون العتيق عوضًا عن إحسانه إليه بالعتق.

стр. 688

قال المانعون: الكفر يمنع التوارث، فلم يرث به المعتق، كالقتل. قال المورثون: القاتل يُحرَم الميراث لأجل التُّهمة، ومعاقبةً له بنقيض قصده. وهاهنا علة الميراث الإنعام، واختلاف الدين لا يكون مُزيلًا له (١). وهذه المسائل الثلاث من محاسن الشريعة، وهي: توريث من أسلم على ميراث قبل قسمته، وتوريث المعتق عبدَه الكافر بالولاء، وتوريث المسلم قريبه الذمي، وهي مسألة نزاع بين الصحابة والتابعين. وأما المسألتان الأُخرَيان (٢) فلم يُعلَم عن الصحابة فيهما نزاعٌ، بل المنقول عنهم التوريث. قال شيخنا: والتوريث في هذه المسائل على وفق أصول الشرع، فإنَّ المسلمين لهم إنعامٌ وحقٌّ على أهل الذمة بحقن دمائهم، والقتال عنهم، وحفظ دمائهم وأموالهم، وفداء أسراهم، فالمسلمون ينفعونهم (٣) وينصرونهم ويدفعون عنهم، فهم أولى بميراثهم من الكفار. والذين منعوا الميراث قالوا: مبناه على الموالاة، وهي منقطعةٌ بين المسلم والكافر. فأجابهم الآخرون بأنه ليس مبناه على الموالاة الباطنة التي توجب الثواب في الآخرة، فإنه (٤) ثابتٌ بين المسلمين وبين أعظم أعدائهم،

стр. 689

وهم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿هُمُ اُلْعَدُوُّ فَاَحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]. فولاية القلوب ليست هي المشروطة في الميراث، وإنَّما هو بالتناصر، والمسلمون ينصرون أهل الذمة فيرثونهم، ولا ينصرهم أهل الذمة فلا يرثونهم، والله أعلم. فصل الكفار إمَّا أهل حرب وإمَّا أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصنافٍ: أهل ذمة، وأهل هُدْنَة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنفٍ بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة. ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلَّهم في الأصل، وكذلك لفظ الصلح، فإن الذِّمَّة من جنس لفظ العهد والعقد. وقولهم: هذا في ذمة فلان، أصله من هذا: أي في عهده وعقده، أي: فأُلزِمَه بالعقد والميثاق. ثم صار يستعمل في كل ما يمكن أخذ الحق من جهته، سواءٌ وجب بعقده أو بغير عقده، كبدل المتلف فإنه يقال: هو في ذمته. وسواءٌ وجب بفعله، أو بفعل وليه أو وكيله، كولي الصبي والمجنون، وولي بيت المال والوقف، فإن بيت المال والوقف يثبت له حقٌّ وعليه حقٌّ، كما يثبت للصبي والمجنون، ويطالب ولِيُّه الذي له أن يَقبض له ويُقبض ما عليه. وهكذا لفظ الصلح عام في كل صلح، وهو يتناول صلح المسلمين بعضهم مع بعض، وصلحهم مع الكفار. لكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء أهلُ الذمة عبارةً عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمةٌ مؤبَّدةٌ، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله، إذ هم مقيمون

стр. 690

في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهُدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواءٌ كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكفُّ عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمَّون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة. وأمَّا المستأمَن فهو الذي يَقْدَم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسلٌ، وتجارٌ، ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن ــ فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم ــ، وطالبُ حاجةٍ مِن زيارةٍ أو غيرها. وحكم هؤلاء: أن لا يُهاجوا (١)، ولا يُقتَلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يُعرَض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه أُلحِق به، ولم يُعرَّض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيًّا كما كان. فصل إذا عُرف هذا، فهل يجوز لولي الأمر أن يعقد الهُدنة مع الكفار عقدًا مطلقًا لا يقدره بمدةٍ، بل يقول: نكون على العهد ما شئنا، ومن (٢) أراد فسخ العقد فله ذلك إذا أعلم الآخر، ولم يغدر به؛ أو يقول: نعاهدكم ما شئنا، ونقركم ما شئنا؟

стр. 691

فهذا فيه للعلماء قولان في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: لا يجوز، قاله الشافعي في موضع (١)، ووافقه طائفةٌ من أصحاب أحمد كالقاضي في «المجرد» والشيخ في «المغني» (٢)، ولم يذكروا غيره. والثاني: يجوز ذلك، وهو الذي نصَّ عليه الشافعي في «المختصر» (٣)، وقد ذكر الوجهين في مذهب أحمد طائفةٌ آخرهم ابنُ حمدان (٤). والمذكور عن أبي حنيفة أنها لا تكون لازمةً بل جائزةً، فإنه جوَّز للإمام فَسْخها متى شاء. وهذا القول في الطرف المقابل (٥) لقول الشافعي الأول. والقول الثالث: وسطٌ بين هذين القولين. وأجاب الشافعي عن قول النبي ﷺ لأهل خيبر: «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله» (٦) بأنَّ المراد: نُقِرُّكم ما أذن الله في إقراركم بحكم الشرع. قال (٧): وهذا

стр. 692

لا يعلم إلا بالوحي، فليس هذا لغير النبي ﷺ . وأصحاب هذا القول كأنَّهم ظنُّوا أنَّها إذا كانت مطلقةً تكون لازمةً مؤبَّدةً كالذمة، فلا تجوز بالاتفاق. وأن (١) تكون الهُدنة لازمةً مؤبَّدةً فلا بُدَّ من تَوفيتها، وذلك أنَّ الله أمر بالوفاء ونهى عن الغدر، والوفاء لا يكون إلا إذا كان العقد لازمًا. والقول الثاني ــ وهو الصواب ــ أنَّه يجوز عقدُها مطلقةً وموقتةً، فإذا كانت موقَّتةً جاز أن تجعل لازمةً، ولو جعلت جائزةً بحيث يجوز لكل منهما فسخُها متى شاء كالشركة والوكالة والمضاربة ونحوها جاز ذلك، لكن بشرط أن يُنبَذ إليهم على سواء. ويجوز عقدها مطلقةً، وإذا كانت مطلقةً لم يمكن أن تكون لازمة التأبيد، بل متى شاء نقضها. وذلك أنَّ الأصل في العقود أن تُعقَد على أي صفةٍ كانت فيها المصلحة، والمصلحة قد تكون في هذا وهذا. وللعاقد أن يعقد العقد لازمًا من الطرفين، وله أن يعقده جائزًا يمكن فسخه إذا لم يمنع من ذلك مانعٌ شرعي. وليس هنا مانعٌ، بل هذا قد يكون هو المصلحة، فإنه إذا عقد عقدًا إلى مدةٍ طويلةٍ فقد تكون مصلحة المسلمين في محاربتهم قبل تلك المدة. فكيف إذا كان ذلك قد دل عليه الكتاب والسنة؟

стр. 693

وعامة عهود النبي ﷺ مع المشركين كانت كذلك مطلقةً غير موقَّتةٍ، جائزةً غير لازمةٍ، منها عهده مع أهل خيبر، مع أن خيبر فُتحت وصارت للمسلمين، لكن سُكَّانها كانوا هم اليهود، ولم يكن عندهم مُسلِم، ولم تكن بعد نزلت آية الجزية، إنما نزلت في (براءة) عام تبوك سنة تسعٍ من الهجرة، وخيبر فتحت قبل مكة بعد الحديبية سنة سبعٍ. ومع هذا، فاليهود كانوا تحت حكم النبي ﷺ فإنَّ العقار ملك للمسلمين دونهم. وقد ثبت في «الصحيحين» (١) أنَّه قال لهم: «نُقِرُّكم ما شئنا» أو «ما أقرَّكم الله». وقوله: «ما أقرَّكم الله» يفسِّره اللفظ الآخر، وأنَّ المراد: أنَّا متى شئنا أخرجناكم منها. ولهذا أمر عند موته بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأنفذ ذلك عمر ﵁ في خلافته (٢). وقد ذكر طائفةٌ منهم محمد بن جرير: أنَّ كلَّ ذمةٍ عقدت للكفار في دار الإسلام فهي على هذا الحكم، يُقرِّهم المسلمون ما احتاجوا إليهم، فإذا استغنَوا عنهم أخرجوهم من ديار المسلمين. وهذا قول قويٌّ، له حظٌّ من الفقه. وقوله ﷺ : «نُقِرُّكم ما أقرَّكم الله» أراد به ما شاء اللهُ إقراركم وقدَّر ذلك وقضى به. أي: فإذا قدَّر (٣) إخراجكم بأن يريد إخراجكم فنخرجَكم لم نكن

стр. 694

ظالمين لكم، كما يقول القائل: أنا أقيم في هذا المكان ما شاء الله وما أقامني. ولم يُرِد بقوله: «ما أقرَّكم الله»: أنَّا نُقِرُّكم ما أباح الله ذلك بوحي، وإن كان أراد ذلك فهذا معنًى صحيح، وهذا لا يمكن من غير النبي ﷺ ، لكنه لم يُرِد إلا الإقرار المقضي كما قال: «ما شئنا». وأيضًا فقد ثبت بالقرآن والتواترِ أنَّ النبي ﷺ نبذ إلى المشركين عهودهم بعد فتح مكة لمَّا حجَّ أبو بكر الصديق ﵁ عام تسعٍ، فنبذ إلى المشركين عهودهم ذلك العام. ولذلك أردف أبا بكر بعلي ﵄ (١)، لأنَّ عادتَهم كانت أنَّه لا يعقد العقود ويحلُّها إلا المُطاع أو رجل من أهل بيته. وقد أنزلت في ذلك سورة براءة، فقال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي اِلْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اِللَّهِ وَأَنَّ اَللَّهَ مُخْزِي اِلْكافِرِينَ (٢)﴾ الآيات [التوبة: ١ - ٧]، فهو سبحانه أنزل البراءة إلى المشركين، وجعل لهم سياحة أربعة أشهرٍ وهي الحرم المذكورة في قوله: ﴿فَإِذَا اَنسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اُلْحُرُمُ فَاَقْتُلُوا اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وليست هذه الحُرُم هي الحُرُم المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِندَ اَللَّهِ اِثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اِللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]. قال شيخنا (٢): ومن جعل هذه هي تلك فقوله خطأٌ، وذلك أن هذه قد

стр. 695

بيَّنها رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح بأنها ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجبُ مضر الذي بين جمادى وشعبان (١)، وهذه ليست متواليةً فلا يقال فيها: فإذا انسلخت، فإنَّ الثلاثة إذا انسلخت بقي رجبٌ، فإذا انسلخ رجبٌ بقي ثلاثة أشهرٍ ثم تأتي الحُرُم، فليس جعْلُ هذا انسلاخًا بأولى من ذلك، ولا يقال لمثل هذا: (انسلخ)، إنما يستعمل هذا في الزمن المتصل. ثم إنَّ جمهور الفقهاء على أنَّ القتال في تلك الحُرُم مباحٌ، فكيف يقول: فإذا انسلخ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجبٌ فاقتلوا المشركين، وهو قد أباح فيها قتال المشركين؟ وأيضًا فهذه البراءة (٢) نزلت عام حجة الصديق ﵁، وكان حجُّه في ذي القعدة على العادة لأجل النسيء الذي كانوا يَنْسَؤُون فيه الأشهرٍ، وإنما استدار الزمان كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض لمَّا حجَّ النبي ﷺ حجةَ الوداع في العام المُقبِل سنة عشر. والله تعالى سيَّر المشركين أربعة أشهر يأمنون فيها، وتلك لا تنقضي إلا عاشر ربيع الأول. وقد اختلف المفسرون في هذه الأشهر الحرم ــ وهي أشهر التسيير (٣) ــ على أقوالٍ: أحدها: أنها هي الحُرُم المذكورة في قوله: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾. وهذا

стр. 696

يُحكى عن ابن عباس (١)، ولا يصح عنه. الثاني: أنَّ أولها يومُ الحج الأكبر، كما نُقل عن مجاهد والسُّدِّي وغيرهما (٢)، وهذا هو الصحيح. وعلى هذا فيكون آخرها العاشر من شهر ربيع الآخر. القول الثالث: أنَّ آخرها عاشر ربيع الأول. قال شيخنا: ولا منافاة بين القولين، فإنَّه باتفاق الناس أنَّ الصدِّيق ﵁ نادى بذلك في الموسم في المشركين: أنَّ لكم أربعة أشهر تسيحون فيها، ويوم النحر كان ذلك العام بالاتفاق عاشر ذي القعدة، فانقضاء الأربعة عاشر ربيع الأول، فإنَّهم كانوا يَنسَؤُون الأشهر، فذو القعدة يجعلونه موضع ذي الحجة، وصفر موضع المحرم، وربيع الأول موضع صفر، وربيع الآخر موضع الأول، فالذي (٣) كانوا يجعلونه ذا الحجة هو ذو القعدة، والذي جعلوه ربيعَ الآخرِ هو ربيع الأول. فمن المفسرين من تكلَّم بعبارتهم إذ ذاك، ومنهم من غيَّر العبارة إلى ما استقرَّ الأمر عليه. والمقصود: أنَّ الله سبحانه قسَّم المشركين في هذه السورة إلى ثلاثة أقسام: - أهل عهد موقَّتٍ لهم مدةٌ، وهم مقيمون على الوفاء بعهدهم لم ينقصوا المسلمين شيئًا مما شرطوا لهم، ولم يُظاهِروا عليهم أحدًا، فأمرهم

стр. 697

بأن يُوفُوا لهم بعهدهم ما داموا كذلك. - قومٌ لهم عهودٌ مطلقةٌ غير موقَّتةٍ، فأمرهم أن يَنبِذوا إليهم عهدهم وأن يُؤجِّلوهم أربعة أشهر، فإذا انقضت الأشهر المذكورة حلَّت لهم دماؤهم وأموالهم. - القسم الثالث: قومٌ لا عهودَ لهم، فمن استأمن منهم حتى يسمع كلام الله أَمَّنه، ثم ردَّه إلى مأمنه، فهؤلاء يُقاتَلون من غير تأجيل. ومن لم يعرف (١) هذا وظنَّ أنَّ العهود كلَّها كانت مؤجَّلةً، فهو بين أمرين: أحدهما: أن يقول: يجوز للإمام أن يَنْبِذ إلى كل ذي عهدٍ (٢) وإن كان موقَّتًا، فهذا مخالفٌ لنص القرآن بقوله: ﴿إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]. وقد احتجوا بقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَاَنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٩]. والآية حجةٌ عليهم، لأنه إنما أباح نبذ عهدهم إليهم إذا خاف منهم خيانةً، فإذا لم يخَفْ منهم خيانةً لم يَجُز النبذ إليهم، بل مفهوم هذه الآية مطابقٌ لمنطوق تلك. الأمر الثاني: أن يقول: بل العهد الموقت لازمٌ كما دل عليه الكتاب والسنة، وهو قول جماهير العلماء. فيقال له: فإذا كان كذلك فلِمَ نبذ النبي

стр. 698

- ﷺ العهد إلى جميع المعاهدين من المشركين، وقد قال تعالى: ﴿إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾؟ فقد حرَّم نبذ عهد هؤلاء وأوجب إتمام عهدهم إلى مدتهم، فكيف يقال: إن الله سبحانه أمر بنبذ العهود الموقَّتة؟ فقول من لا يجوِّز العهد المطلق قولٌ في غاية الضعف (١)، كقول من يجوِّز نبذَ كل عهدٍ وإن كان مؤجَّلًا بلا سببٍ، فقوله سبحانه بعد هذا: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اَللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ اَلْمَسْجِدِ اِلْحَرَامِ فَمَا اَسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاَسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ اُلْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، فهؤلاء ــ والله أعلم ــ هم المُستثْنَون في تلك الآية، وهم الذين لهم عهدٌ إلى مدةٍ، فإنَّ هؤلاء لو كان عهدهم مطلقًا لنبذ إليهم كما نبذ إلى غيرهم وإن كانوا مستقيمين كافِّين عن قتاله، فإنه نبذ إلى جميع المشركين لأنه لم يكن لهم عهدٌ مؤجَّلٌ يستحقون به الوفاء، وإنما كانت عهودهم مطلقةً غير لازمةٍ، كالمشاركة والوكالة. وكان عهدهم لأجل المصلحة، فلما فتح الله مكة وأعزَّ الإسلام وأذلَّ أهل الكفر لم يبقَ في الإمساك عن جهادهم مصلحةٌ، فأمر الله به (٢)، ولم يأمر به حتى نبذ إليهم على سواءٍ لئلا يكون قتالهم قبل إعلامهم غدرًا. وهذا قد يستدل به على أنَّ العقد الجائز كالشركة والوكالة لا يَثبُت حكمُ فسخه في حق الآخر حتى يعلم بالفسخ. ويحتج به من يقول: إنَّ الوكيل لا

стр. 699

ينعزل حتى يعلم بعزله. قال غير واحد من السلف: الأشهر الأربعة أمانٌ لمن لم يكن له أمانٌ ولا عهدٌ، فأمَّا أرباب العهود فهم على عهودهم إلى انقضاء مدتهم. وهذا لا يخالف قول من قال منهم: إنها للمشركين كافةً: مَن له عهدٌ ومَن ليس له عهدٌ، كما قاله مجاهد والسدي ومحمد بن كعبٍ (١)، فإنَّ أرباب العهد الموقَّت يصير لهم عهدٌ من وجهين. وقد قال ابن إسحاق: هذه الأربعة أجل لمن كان رسول الله ﷺ قد أمَّنه أقلَّ من أربعة أشهر، أو (٢) كان أمانه غير محدودٍ، فأمَّا من لا أمان له فهو حربٌ (٣). فبيَّن ابن إسحاق أنها لأصحاب الأمان المطلق، وإنما خالف من قبله: هل دخل فيها من لم يكن له عهدٌ أصلًا؟ وأمَّا ما يروى عن الضحاك وقتادة أنَّها أمانٌ لأصحاب العهد، فمن كان عهده أكثر منها حُطَّ إليها، ومن كان عهده أقل منها رفع إليها، ومن لم يكن له عهدٌ فأجلُه انسلاخُ المحرَّم خمسون ليلةً (٤) = فهذا قول ضعيفٌ، وهو مبني على فهمين ضعيفين (٥): أحدهما: أن الحُرُم آخرها المحرم، وقد تقدم فساده. والثاني: أنه يجوز نقض العهد المؤجَّل المحدود، وقد تقدَّم بطلانه.

стр. 700

والذين ظنُّوا أنَّ العهد لا يكون إلا موقَّتًا، والوفاء واجب (١)، حاروا في جواز البراءة إلى المشركين، فصاروا إلى ما يظهر فساده، فقالت طائفةٌ: إنما يبرأ من نقض العهد. وهذا باطلٌ من وجوه كثيرة، فإنَّ مَن نقض العهد فلا عهدَ له، ولا يحتاج هذا إلى براءةٍ ولا أذانٍ، فإنَّ أهل مكة الذين صالحهم يومَ الحديبية لما نقضوا العهد سار إليهم وكتم مسيره، ودعا الله أن يكتم خبره عنهم، ولمَّا كتب إليهم حاطب بن أبي بَلْتَعة بخبره أنزل الله فيه ما أنزل (٢)، ولم يفجأ أهل مكة إلا ورسولُ الله ﷺ وجنود الله قد نزلوا بساحتهم، وهذا كان عام ثمانٍ قبل نزول (براءة). وأيضًا: فالنبي ﷺ أرسل أبا بكرٍ، وأردفه بعلي ﵄ يؤذن بسورة براءة (٣)، فنبَذَ العهود إلى جميع المشركين مطلقًا، لم ينبذها إلى من نقض دون من لم ينقض. وأيضًا: فالقرآن نبذها إلى المشركين، وإنَّما استثنى من كان له مدةٌ ووفاءٌ، فمن كان فيه هذان الشرطان لم ينبذ إليه. وأيضًا: فإنه سبحانه قال: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اَللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا اَلَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ اَلْمَسْجِدِ اِلْحَرَامِ فَمَا اَسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاَسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، فجعل نفس الشرك مانعًا من العهد، إلا الذين

стр. 701

لهم عهدٌ موقَّتٌ وهم به موفون. وقالت طائفةٌ من أصحاب الشافعي وأحمد: بل العهد الذي أمر بنبذه إنما هو مَنْعهم من البيت وقتالهم في الشهر الحرام. قالوا ــ وهذا لفظ القاضي أبي يعلى ــ: «وفصل الخطاب في هذا الباب: أنه قد كان بين رسول الله ﷺ وبين جميع المشركين عهدٌ، وهو أن لا يُصَدَّ أحدٌ عن البيت، ولا يُخاف أحدٌ في الشهر الحرام، فجعل الله عهدهم أربعة أشهرٍ، وكان بينه وبين أقوامٍ منهم عهودٌ إلى أجلٍ مسمًّى، فأمر بالوفاء لهم وإتمام عهدهم إذا لم يخشَ غدرَهم». وهذا أيضًا ضعيفٌ جدًّا، وذلك أنَّ منعهم من البيت حكمٌ أُنزل في غير هذه الآية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا اُلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، وهذا المعنى غير معنى قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ (١)﴾. وأيضًا: فمنعهم عن المسجد الحرام عامٌّ فيمن كان له عهدٌ ومن لم يكن له عهدٌ، والبراءة خاصةٌ بالمعاهدين كما قال تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى اَلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ اَلْمُشْرِكِينَ (١)﴾، ولم يقل: (إلى جميع المشركين) كما قال هناك: ﴿إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا اُلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ﴾. وأيضًا: فمن له أجلٌ يُوفَى له إلى أجله، وهم الذين عاهدوه، فما استقاموا لهم يستقيم لهم، ومع هذا فهم ممنوعون من المسجد الحرام. وأيضًا: فالمنع من المسجد الحرام كان ينادي به أبو بكر وأعوانه علي وغيره ﵃ أجمعين، فينادون يوم النحر: «لا يَحُجَّنَّ بعد العام

стр. 702

مشركٌ، ولا يطوفَنَّ بالبيت عريانٌ» (١). وأما نبذ العهود، فإنَّما تولَّاه علي ﵁ (٢)، لأجل العادة التي كانت في العرب. وأيضًا: فالأمان الذي كان لحُجَّاج البيت لم يكن بعهدٍ من النبي ﷺ وأمانٍ منه، بل كان هذا دينَهم في الجاهلية، وقام الإسلام عليه حتى أنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا اُلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. فبهذه الآية منعوا، لا بالبراءة من المعاهَدين. وقد كان أنزل الله فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اَللَّهِ وَلَا اَلشَّهْرَ اَلْحَرَامَ وَلَا اَلْهَدْيَ وَلَا اَلْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ اَلْبَيْتَ اَلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، فنُهُوا عن التعرُّض لقاصديه مطلقًا، ثم لمَّا مُنِع منه المشركون، وعَلِموا أنَّهم ممنوعون من جهة الله تعالى، كان من أمَّنهم بعد ذلك ظالمًا لنفسه محاربًا لله ورسوله. وأمَّا القتل في الشهر الحرام فقد كان محرمًا بقوله: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ اِلشَّهْرِ اِلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وفي نَسْخه قولان للسلف، فإن كان لم يُنسَخ لم يكن في الآية إذن فيه، وإن كان منسوخًا فليس في البراءة ما يدل على نسخه، ولا قال أحدٌ من السلف: إن هذه الآية أباحت القتال في الشهر الحرام، وإنها الناسخة لتحريمه. فإن هذه الآية إنما فيها البراءة من المعاهَدين، والشهرُ الحرام كان تحريمه عامًّا، فلم يكن يجوز أن

стр. 703

يقاتل فيه المحاربون، وآية تحريم القتال فيه إنما نزلت بسبب ابن الحضرمي قبلُ (١)، ولم يكونوا معاهدين، وإنما عاهدهم بعد بدر بأربع سنين. وأيضًا: فإنه استثنى من الذين تبرَّأ إليهم مَن عاهده عند المسجد الحرام، وأولئك لا يباح قتالهم لا في الشهر الحرام ولا غيره، فكيف يكون الذي أباحه إنما هو القتال في الشهر الحرام؟ وأيضًا: فالأشهر الحرم في قوله: ﴿فَإِذَا اَنسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اُلْحُرُمُ﴾ [التوبة: ٥] إن كانت الثلاثة ورجبَ (٢) فهذا يدل على بقاء التحريم فيها، فبطل هذا القول. وإن كانت الأربعة التي أوَّلُها يومُ الحج الأكبر عامَ حَجَّ أبو بكر ﵁ وآخرها ربيعٌ، فقد حَرُم فيها قتال من ليس له عهدٌ، وأباح قتالهم إذا انقضت، فلو كان إنَّما أباح قِتال مَن كان يُباح قِتالُه في الأشهر الحرم ولا عهدَ له، فهذا محاربٌ محضٌ لا حاجةَ إلى تأجيله أربعة أشهر، فإنَّ قِتالَه كان مباحًا عند هؤلاء في غير الأربعة. وأيضًا: فعلى هذا التقدير إنَّما أباح الله قتل من نبذ إليه العهد إذا انقضت هذه الأربعة، كما قال: ﴿فَإِذَا اَنسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اُلْحُرُمُ فَاَقْتُلُوا اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. فلو كان قتال هؤلاء الذين نبذ إليهم العهود مباحًا في

стр. 704

غيرها لم يشترط في حِلِّه انقضاء الأربعة أشهرٍ، فإن ذلك يقتضي أنَّ قتالهم مباحٌ إذا انقضت الأربعة، فإنَّ المعلَّق بالشرط عَدَمٌ عند عدمه، فكيف يقال: إن قتالهم كان مباحًا سواءٌ انقضت هذه أو لم تنقض، وإنما كان يحرم قتالهم في تلك الأربعة لا مطلقًا؟ فهذه التكلُّفات التي يظهر فيها من تحريف القرآن ما يبيِّن فسادها بَناها أصحابُها على أصل فاسد، وهو أنَّ المعاهدين لا يكون عهدهم إلا إلى أجلٍ مسمًّى! وهو خلاف الكتاب والسنة، وخلاف الأصول، وخلاف مصلحة العالمين. فإذا عُلم أنَّ المعاهدين يتناول النوعين، وأنَّ الله أمر بنبذ العهد الذي ليس بعقد لازم، وأمر بالوفاء بالعهد اللازم، كان في هذا إقرارٌ للقرآن على ما دل عليه، ووافقته عليه السنة وأصول الشرع ومصالح الإسلام، والله المستعان. * * * *

стр. 705

ذكر حكم أطفالهم (١) وفيه بابان: الباب الأول: في ذكر أحكامهم في الدنيا . والباب الثاني: في ذكر أحكامهم في الآخرة (٢). الباب الأول لمَّا كان الطفل غير مستقِلٍّ بنفسه لم يكن له بدٌّ من ولي يقوم بمصالحه، ويكون تابعًا له؛ وأحقُّ من نصب لذلك الأبوان، إذ هما السبب في وجوده، وهو جزءٌ منهما، ولهذا كان لهما من الحق عليه ما لم يكن لأحدٍ سواهما، فكانا أخص به وأحقَّ بكفالته وتربيته من كل أحدٍ. وكان من ضرورة ذلك أن ينشأ على دينهما كما ينشأ على لغتهما، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه. فإن كانا موحِّدَين مسلمَين ربَّياه على التوحيد= اجتمع له الفِطرة الخِلقية وتربية الأبوين. وإن كانا كافرين أخرجاه عن الفطرة التي فطره الله عليها بتعليم (٣) الشرك وتربيته عليه، لِما سبق له في أم الكتاب. فإذا نشأ الطفل بين أبويه كان على دينهما شرعًا وقدرًا. فإن تعذَّر تبعيَّتُه للأبوين بموتٍ أو انقطاعِ نسبٍ كولد الزنا، والمنفي باللعان، واللقيط، والمسبيِّ، والمملوك= فاختلف الفقهاء في حكم الطفل في هذه الحال، ونحن
следующие страницы →