← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وقال بكر بن محمد، عن أبيه أنَّه سأل أبا عبد الله عن أهل الشرك يُسبَون وهم صغارٌ ومعهم الأب والأم؟ قال: هم مع آبائهم نصارى، وإن كانوا مع أحد الأبوين فهكذا هم نصارى، فإذا لم يكن مع أبويه ولا مع أحدهما فهو مسلم. قال: وعمر بن عبد العزيز فادى بصبي، ولا يعجبني أن يفادي بصبي، ولا إن كان معه أبواه ــ ولا يُجبَر أبواه ــ، لأنه إذا كان مع أبويه أو مع أحد أبويه يُطمع أن يموت أبواه وهو صغيرٌ فيكون مسلمًا، وأهل الثغر والأوزاعي يقولون: إذا كانوا صغارًا مع آبائهم فهم مسلمون. وقال الحسن بن ثواب (١): قلت لأبي عبد الله: سألت بعض أصحاب مالك عن قومٍ مشركين سُبُوا ومعهم أبناؤهم صغار ما يَصنع بهم الإمام إذا ماتوا؟ يأمر بالصلاة عليهم، أو يجبرهم على الإسلام؟ قال لي: إذا كان مع أبيه لم أُجبِره على الإسلام حتى يعرف الإسلام ويصفه، فإن أسلم وإلا أُجبِر عليه. قلت: لا يعقل (٢)؟ قال: اضرِبْه (٣) ما دون نفسه. وإذا أُخِذ أطفالٌ صغارٌ وليس معهم آباؤهم حتى يصيروا في حيِّز المسلمين إلى بلدهم، ثم ماتوا صُلِّي عليهم ودُفِنوا. قلت: وسألتُ بعض أصحاب مالك عن رجل سُبِي وامرأته ومعهما (٤)

стр. 737

صبيٌّ صغيرٌ ما يصنع به؟ قال: أدَعُه حتى يعقل الإسلام، فإذا عقله فإمَّا أن يسلم وإلا السيف. قال أبو عبد الله: إنَّ قومًا يقولون: إذا سُبي وهو بين أبويه أُجبِر على الإسلام، وإذا سُبِي وليس معه أبواه فمات كُفِن وصُلِّي عليه، وإذا كان معه أبواه لم يُصَلَّ عليه (١)، وتبسَّم ثم ضَحِك. وقال حنبل: قال عمِّي (٢) في السبي يُسبَى مع (٣) العدو فيموت، قال: إذا صلَّى وعرف الإسلام صُلِّي عليه ودُفِن مع المسلمين، وإذا لم يُسلِم ويُصلِّ لم يُصَلَّ عليه. وفي الصغير يُسلِم ثم يموت قال: يُصلَّى عليه. قال حنبل: وحدثنا إبراهيم بن نصرٍ، حدثنا الأشجعي، عن سفيان، عن الربيع، عن الحسن البصري في السبي يسبى مع أبويه فيموت: (٤) يُصلَّى عليه. وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: إني كنت بوَاسِط فسألوني عن [الذي] (٥) يموت هو وامرأته ويدَعا (٦) طفلَين، ولهما عمٌّ، ما تقول فيها؟

стр. 738

فإنَّهم كتبوا إلى البصرة (١) فيها، وقالوا: إنَّهم قد كتبوا إليك، فقال: أكره أن أقول فيها برأيي، دعْ حتى أنظر لعلَّ فيها عمَّن تقدَّم. فلما كان بعد شهر عاوَدته، فقال: قد نظرتُ فيها فإذا قول النبي ﷺ : «فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه»، وهذا ليس له أبوان، قلت: يُجبَر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون لقول النبي ﷺ . وقال أبو الحارث: قال أبو عبد الله: ولو أن صبيًّا له أبوان نصرانيان فماتا وهو صغيرٌ، فكفله المسلمون فهو مسلم. وقال يعقوب بن بختان: قال أبو عبد الله: الذمي إذا مات أبوه (٢) وهو صغيرٌ أُجبِر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه». وقال إسحاق بن منصور (٣): سألت أبا عبد الله عن نصرانيَّين يكون بينهما ولد فيموت الأب (٤)، الابن (٥) يُجبَر على الإسلام؟ قال: نعم، يُجبَر على الإسلام.

стр. 739

وقال أبو طالب: سألت أبا عبد الله عن ولد يهودي أو نصراني مات أبواه (١) وهو صغيرٌ؟ قال: هو مسلم إذا مات أبواه، قلت: يرث أبويه؟ قال: نعم يرثهما، ويُجبَر على الإسلام. قلت: فله عمٌَّ أو أخٌ، أرادوا أن يأخذوه؟ قال: لا يأخذوه، هو مسلم. قلت: فمات عمُّه أو أخوه يرثه؟ قال: لا. وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: اشترى رجل عبدًا يهوديًّا أو نصرانيًّا وليس معه أبواه، يُجبَر على الإسلام؟ قال: يُعجِبني ذلك إذا لم يكن معه أبواه. فصل قال الخلَّال في «الجامع» (٢): باب الصبي يخرج من دار الشرك إلى أبويه في دار الإسلام وهما نصرانيان في دار الإسلام. أخبرني محمد بن يحيى الكحَّال أنَّه قال لأبي عبد الله: الصبي يخرج إلى أبويه وهما نصرانيان؟ قال: هو مسلم، قلت: فإن مات يصلِّي عليه المسلمون؟ قال: نعم. فقد حكم بإسلامه مع وجود أبويه الكافرين من غير سباءٍ ولا رقٍّ حادثٍ عليه. ووجه هذا ــ والله أعلم ــ أنَّه لمَّا كان منفردًا عن أبويه، ولم يكن لهما عليه حكمٌ في الدار التي حُكمُ المسلمين فيها عليه دون أبوَيه= كان محكومًا بإسلامه بانقطاع تبعيَّته لهما، فإذا خرج إليهما وهما في دار الإسلام خرج إليهما (٣) وهو

стр. 740

مسلم، فلم يَجرِ الحكم بكفره، فالدار فرَّقت بينهما حكمًا كما فرَّقت بينهما حِسًّا. فإن قيل: فيلزمكم هذا فيما إذا كان الطفل في دار الحرب وأبواه في دار أخرى من دور الحرب غيرها. قيل: ما دام في دار الحرب فنحن لا نحكم له بحكم الإسلام، ودار الحرب دارٌ واحدةٌ وإن تعدَّدت بلادها، فما دام في دار الحرب فليس لنا عليه حكمٌ، فإذا صار إلى دار الإسلام ظهر حكم الدار في الحال التي لم يكن لأبويه عليه فيها حكمٌ، وكان حكمه فيها حكم من انقطعت تبعيَّته لأبويه، فإنَّه لمَّا صار إلى دار الإسلام كان الحكم عليه، وولايته للمسلمين دون أبويه. وسِرُّ المسألة: أنَّه حُكِم بإسلامه لتبعيَّة (١) الدار في الحال التي لا ولاية لأبويه عليه فيها. فصل الجهة الرابعة: تبعيَّة الدار ، وذلك في صورٍ: إحداها: هذه الصورة التي نصَّ عليها أحمد. الثانية: اختلاط أولاد المسلمين بأولاد الكفار على وجهٍ لا يتميَّزون، قال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: ما تقول في رجلٍ مسلم ونصراني في دار

стр. 741

ولهما أولادٌ، فلم يُعرَف ولد النصراني من ولد المسلم؟ قال: يُجبَرون على الإسلام (١). الثالثة: الالتقاط: فكلُّ لقيط وُجِد في دار الإسلام فهو مسلم. وإن كان في دار الكفر ولا مسلمَ فيها فهو كافر. وإن كان فيها مسلم فهل يُحكَم بإسلامه أو يكون كافرًا؟ على وجهين. هذا تحصيل مذهب أحمد (٢). وقال أصحاب مالك (٣): كلُّ لقيط وُجِد في قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى الشرك وأهل الذمة ومواضعهم فهو مشركٌ. وقال أشهب: إن التقطه مسلم فهو مسلم. ولو وُجِد في قرية ليس فيها إلا الاثنان (٤) والثلاثة من المسلمين فهو مشركٌ، ولا يُعرَّض له إلا أن يلتقطه مسلم فيجعله على دينه. وقال أشهب: حكمه في هذه أيضًا الإسلامُ؛ التقطه ذميٌّ أو مسلم، لاحتمال أن يكون لِمَن فيها من المسلمين. قال: كما أجعله حرًّا، وإن كنت لم أعلم حرٌّ هو أم عبدٌ لاحتمال الحرية؛ لأنَّ الشرع رجَّح جانبَهما (٥). هذا تحصيل مذهبهم.

стр. 742

وقالت الشافعية (١): إمَّا أن يوجد في دار الإسلام أو دار الكفر، فإن وجد في دار الإسلام فهي ثلاثة أضربٍ: أحدها: دارٌ يسكنها المسلمون، فاللقيط الموجود فيها مسلم وإن كان فيها أهل الذمة، تغليبًا للإسلام. الضرب الثاني: دارٌ فتحها المسلمون وأقرُّوها في يد الكفار بجزية، أو ملكوها (٢)، أو صالحوهم ولم يملكوها= فاللقيط فيها مسلم إذا كان ثَمَّ مسلمٌ واحدٌ فأكثر، وإلا فكافرٌ على الصحيح. وقيل: مسلم لاحتمال أن يكون فيها من يكتم إسلامه. الثالث: دارٌ كان المسلمون يسكنونها ثم جُلُوا (٣) عنها وغلب عليها الكفار. فإن لم يكن فيها من يُعرَف بالإسلام فهو كافرٌ على الصحيح، وقال أبو إسحاق: هو مسلم لاحتمال أن يكون فيها من يكتُم إسلامه. وإن كان فيها

стр. 743

معروفٌ بالإسلام [فهو مسلم] (١)، وفيه احتمالٌ للجويني (٢). وإن وُجِد في دار الكفر فإن لم يكن فيها مسلم فاللقيط محكومٌ بكفره. وإن كان [فيها] (٣) تُجَّار مسلمون ساكنين (٤) فهل نحكم بكفره تبعًا للدار أو بإسلامه تغليبًا للإسلام؟ فيه وجهان، وكذا الوجهان لو كان فيها أسارى مسلمين (٥). فأمَّا المحبوسون في المطامير (٦) فلا أثرَ لهم، كما لا أثرَ للمجتازين المارِّين من المسلمين. هذا تحصيل مذهبهم. وقالت الحنفية (٧): إن التقطه في دار الإسلام فهو مسلم تبعًا للدار، إلَّا أن يلتقطه من بِيعةٍ أو كنيسةٍ أو قريةٍ من قُراهم فيكون ذمِّيًّا، لأنَّ الظاهر أنَّ أولاد المسلمين لا يكونون في مواضع أهل الذمة، وكذلك بالعكس.

стр. 744

قالوا: ففي ظاهر الرواية اعتبر المكان دون الواجد، كاللقيط إذا وجده مسلمٌ في دار الحرب. وروى أبو سليمان (١) عن محمد أنه اعتبر الواجد دون المكان، لأنَّ اليد أقوى. وفي رواية اعتبر الإسلامَ نظرًا للصغير (٢). فصل فإن قيل: فما تقولون في الذمي يجعل ولدَه الصغير مسلمًا، فهل يحكم بإسلامه بذلك أم لا؟ قيل: قد قال الخلال في «الجامع» (٣): بابٌ في الذميِّين يجعلون أولادهم مسلمين. أخبرني عبد الكريم بن الهَيثَم العاقولي قال: سمعت أبا عبد الله يقول في المجوسيين يولد لهما ولدٌ فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين، ثم يُتوفَّى، قال: ذاك يدفنه المسلمون. وقال عبد الكريم بن الهيثم: سألت أبا عبد الله، عن الصبي المجوسي يجعله أبوه وأمه مسلمًا، ثم يموت، أين يُدفَن؟ قال: «يهودانه وينصرانه»، إنَّ معناه أن يُدفَن في مقابر المسلمين. هذا لفظه، والمعنى أنَّه إنَّما حُكِم بكفره لأنَّ الأبوين يهوِّدانه وينصِّرانه، فإذا جعلاه مسلمًا صار مسلمًا. فصل فإن قيل: فما تقولون في المملوك الكافر يكون تحته جاريةٌ كافرةٌ، وهما

стр. 745

ملك مسلمٍ، إذا ولد بينهما ولدٌ هل يكون تبعًا لأبويه، أو لسيد الأبوين؟ قيل: سئل أحمد عن هذه المسألة، وترجم عليها الخلال فقال في «الجامع» (١): باب الرجل والمرأة يُسبَون فيكونوا (٢) عند المسلم فيولد لهما، أو يزوِّجهما المسلم، فيولد لهما في ملك سيدهما أولادٌ، ما الحكم فيه؟ أخبرنا أبو بكر المرُّوذي أنَّ أبا عبد الله قال: إذا وُلد لهما وهما في دار الإسلام في ملك مولاهما، لا أقول في ولدهما شيئًا. قلت: هذه هي المسألة المتقدمة، وهي تَبَعُ الولدِ لمالكه. وقد تقدَّم نصُّ أحمد على أنه يتبع مالكه في الإسلام، وإنَّما توقَّف في هذه المسألة ــ وإن كان مالكه مسلمًا ــ لأنَّ أبوي الطفل معه وهما كافران، لكن لمَّا لم يكن لهما عليه ولايةٌ وكانت الولايةُ لسيده ومالكه تبعه في الإسلام. وهذا أوجَهُ وأَطرَدُ على أصوله. فإن قيل: فهو لو سُبي مع أبويه كان مملوكًا لسابيه، وكان على دينهما، فما الفرق بين المسألتين؟ قيل: قد بيَّنَّا أنَّ الصحيح كونه مسلمًا وإن كان مع أبويه (٣). وعلى هذا، فلا فرقَ بينهما. وإن قلنا بالرواية الثانية وأنه يكون على دينهما، فالفرق بينها وبين ما لو وُلد بين مملوكين لمسلمٍ: أنَّه قد ثبت له حكم تبعية الأبوين

стр. 746

بطريق الأصالة قبل السِّباء، وهنا ثبت (١) له حكمُ تبعية المالك. وقد نَصَّ على أنَّه يكون الولد في هذه الصورة مسلمًا إذا ماتت أُمُّه وكفله المسلمون، فقال أبو الحارث (٢): سئل أبو عبد الله عن جاريةٍ نصرانيةٍ لرجل مسلم لها زوجٌ نصراني، فولدت عنده وماتت عند المسلم، وبقي ولدها عنده ما يكون حكم هذا الصبي؟ فقال: إذا كفله المسلمون فهو مسلم. فهذا يحتمل أن يكون حكم بإسلامه لموت أمِّه، ويحتمل أن يكون حكم بإسلامه لكفالة المسلمين له ولا أثرَ لوجود أمِّه (٣). وقد صرَّح بهذا المأخذ، وهو كفالة المسلمين، في رواية يعقوبَ بنِ بختان (٤) فإنَّه قال: سئل أبو عبد الله عن جاريةٍ نصرانيةٍ لقومٍ، فولدت عندهم ثم ماتَت ما يكون الولد؟ قال: إذا كفله المسلمون ولم يكن له من يكفله إلا هم، فهو مسلم (٥). قيل له: فإن مات بعد الأم بقليل؟ قال: يدفنه المسلمون. وهذا تقييدُ مطلقِ أجوبته في الحكم بإسلامه بمجرد موت الأبوين وإن كفله أهل دينه. وهذا التفصيل هو الصواب في المسألة، وهو الذي نختاره. وهو وسطٌ

стр. 747

بين القولين المتقابلين، وبه يجتمع (١) شملُ الأدلة من الجانبين. فإنَّ القائلين ببقائه على الكفر قالوا: لا يُعرَف أنَّه عمل في الإسلام بقول من قال: يصير أطفال أهل الذمة مسلمين بموت آبائهم، مع العلم القطعي بأنَّه لم يزل في أهل الذمة الأيتامُ في الأعصار والأمصار من عهد الصحابة إلى وقتنا، وهم يرون أيتام أهل الذمة بين المسلمين ويشاهدونهم عيانًا ويتصدَّقون عليهم، فلو كانوا مسلمين عندهم لَمَا ساغ لهم إقرارهم على الكفر وأن لا يحولوا بينهم وبين الكفار. قالوا: ويدلُّ عليه أنَّ هذا لو كان حكمَ أولادهم لكان من أهم الأمور، وكان ذكره فيما شرط عليهم آكد وأولى من تغيير لباسهم، وهيئة ركوبهم، وخفض أصواتهم بكنائسهم (٢) وبالناقوس، ونحو ذلك من الشروط؛ فأين هذا من بقاء أطفالهم على [دينهم] (٣) كفارًا، وقد صاروا مسلمين بمجرَّد موت الآباء؟ قالوا: وهذا يقرب من القطع. والذين حكموا بإسلامهم قالوا: من الممتنع أن يُجعل من فطره الله على الإسلام كافرًا بعد موت أبويه اللذين جعله الله تابعًا لهما شرعًا وقدرًا، فإذا زال الأبوان كان من الممتنع نقل الولد عن حكم الفطرة بلا موجِب، وقد قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اُلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

стр. 748

[الروم: ٣٠]، فما الموجب لتبديل الفطرة، وقد زال من كان يبدِّلها ممن هو أولى الناس به وبكفالته وتربيته وحضانته؟ فإذا كفله المسلمون، وقاموا بتربيته وحضانته، ومعه الفطرة الأصلية، والمغيِّر لها قد زال، فكيف نحكم بكفره؟ وهذا أيضًا قريبٌ من القطعي. ونحن نجمع بين الأمرين، ونقول بموجب الدليلين، والله أعلم. فصل فإن قيل: فهذا كله بناءً منكم على أنَّ الفطرة الأولى هي فطرة الإسلام، وأحمد قد نصَّ على أنَّ الفطرة هي ما فُطِر عليه من الشقاوة والسعادة، فقال في رواية الحسن بن ثواب (١): كلُّ مولود من أطفال المشركين على الفطرة؛ يولد على الفطرة التي خلقه الله عليها من الشقاوة والسعادة التي سبقت في الكتاب، أرجِع في ذلك إلى الأصل، هذا معناه. وقال في رواية حنبل وأبي الحارث والفضل بن زياد (٢): الفطرة التي فطر الله (٣) العباد عليها من الشِّقْوة والسعادة. وقال في رواية علي بن سعيد، وقد سأله عن الحديث: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» (٤)، قال: على السعادة والشقاوة، وإليه (٥) يَرجع على ما خُلق.

стр. 749

وقال محمد بن يحيى الكحال: قلت لأبي عبد الله: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها: شَقِيٌّ أو سعيد. وإذا كان هذا نصَّه في الفطرة، فكيف يلتئم (١) مع مذهبه في الأطفال أنهم على الإسلام بموت آبائهم؟ قيل: هذا موضع قد اضطربت فيه الأقدام، وطال فيه النزاع والخصام، ونحن نذكر فيه بعض ما انتهى إلينا من كلام أئمة الإسلام: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «غريب الحديث» (٢) الذي هو لِما بعده من كتب الغريب إمامٌ: سألت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث، فقال: كان هذا في أوَّل الإسلام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن يُؤمَر المسلمون بالجهاد (٣). قال أبو عبيد: فأمَّا عبد الله بن المبارك فإنَّه سُئل عن تأويل هذا الحديث، فقال: تأويله: الحديث (٤) الآخر أنَّ النبي ﷺ سئل عن أطفال

стр. 750

المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (١). قال أبو عبيد: يذهب (٢) إلى أنَّهم يُولَدون على ما يصيرون إليه من كفرٍ أو إسلام. قال ابن قتيبة (٣): حكى أبو عبيد هذين القولين، ولم يَحكِ عن نفسه (٤) في هذا قولًا ولا اختيارًا. قال محمد بن نصر المروزي في كتاب «الرد على ابن قتيبة» (٥): فيقال له: وما على رجلٍ حكى اختلافًا في شيء، ولم يتبيَّن له الصواب، فأَمسَك عن التقدُّم على ما لم يتبيَّن له صوابه= ما على هذا من سبيل، بل هو محمود على التوقُّف عمَّا لم يتبيَّن له [عسى] (٦) أن يتبيَّن له، بل المعيب (٧) المذموم مَن اجترى على القول فيما لا عِلم له، ففسَّر حديث النبي ﷺ تفسيرًا خالَف فيه حكم الكتاب، وخرج من قول أهل العلم، وترك القياس والنظر، فقال قولًا

стр. 751

لا يصحُّ (١) في خبر، ولا يقوم على نظر. وهو هذا العائب على أبي عبيد زعم أنَّ الفطرة التي أخبر النبي ﷺ بأنَّ كلَّ مولودٍ يولد عليها= هي خلقه في كل مولودٍ معرفةً بربه - زعم - على معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢] (٢). قال محمد بن نصر: قال الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]، فزعم هذا أنَّهم يعرفون أعظم الأشياء، وهو الله تعالى؛ فمَن أعظمُ جرمًا، وأشدُّ مخالفةً للكتاب ممن سمع الله يقول: ﴿وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾، فزعم أنَّهم يعلمون أعظم الأشياء، وهذا هو المُعانَدة (٣) لرب العالمين والجهل بالكتاب. قلت: إن أراد أبو محمد بالمعرفةِ المعرفةَ الثابتةَ (٤) بالفعل (٥) التي هي

стр. 752

للكبار، فإنكارُ أبي عبد الله عليه متوجِّهٌ، وإن أراد أنَّه مُهيَّأٌ للمعرفة، وأنَّ المعرفة فيه بالقوة كما هو مُهيَّأٌ للعقل (١) والنطق لم يلزمه ما ذكره أبو عبد الله، كما إذا قيل: يُولَد ناطقًا عاقلًا، بحيث إذا عَقَل عرف ربَّه بتلك القوة التي أودَعَها اللهُ فيه دون الجمادات، بحيث لو خُلِّي وما فُطِر عليه ولم تُغيَّر فطرتُه لكان عارفًا بربَّه موحِّدًا له محِبًّا له. فإن قيل: أبو عبد الله لم يُنكر هذا، وإنما أنكر أن يكون المراد بالفطرة الميثاق الأول الذي أخذه الله سبحانه من بني آدم من ظهورهم حين أشهدهم على أنفسهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فأقرُّوا بذلك، ولا ريبَ أنَّ هذه المعرفة والإقرار غير حاصلٍ (٢) من الطفل، فصحَّ إنكار أبي عبد الله. قيل: ابن قتيبة إنَّما قال: الفطرة هي خلقه في كل مولودٍ معرفةً بربه على معنى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ الآية. وهذا لا يلزم منه أن تكون المعرفة حاصلةً في المولود بالفعل (٣)، وتشبيهه (٤) الحديثَ بالآية في هذا المعنى لا يدلُّ على أنَّ الميثاق الذي ذُكر في الآية هو المعرفة الفعلية قبل خروجهم إلى الدنيا أحياءً ناطقين، وإن كان هذا قد قاله غير واحدٍ من السلف والخلف، فلا يلزم ابن قتيبة أن يختار هذا القول، بل هذا من حسن فهمه في القرآن والسنة أنْ حمَلَ الحديث على الآية، وفسَّر كلًّا

стр. 753

منهما بالآخر. وقد قال هذا غير واحدٍ من أهل العلم قبله وبعده (١). وأحسن ما فسِّرت به الآية قولُه ﷺ : «كلُّ مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه»، فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم، والإقرار الذي أقرُّوا به= هو الفطرة التي فطروا عليها، لأنَّه سبحانه احتجَّ عليهم بذلك، وهو لا يحتجُّ عليهم بما لا يعرفه أحدٌ منهم ولا يذكره، بل بما يشتركون (٢) في معرفته والإقرار به. وأيضًا، فإنَّه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ولم يقل: من آدم. ثم قال: ﴿ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل: من ظهرهم. ثم قال: ﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ ولم يقل: ذريته. ثم قال: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، وهذا يقتضي إقرارَهم بربوبيته إقرارًا تقوم عليهم به الحجة. وهذا إنَّما هو الإقرار الذي احتجَّ به عليهم على ألسنة رسله كقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رُسْلُهُمْ أَفِي اِللَّهِ شَكّ﴾ [إبراهيم: ١٣]، وقولِه (٣): ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اَللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]،: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ اَلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اَللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٤]،: ﴿قُل لِّمَنِ اِلْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٥) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥ - ٨٦]، ونظائرُ ذلك كثيرةٌ؛ يحتج عليهم بما فُطِروا عليه من

стр. 754

الإقرار بربهم وفاطرهم، ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده، وأن لا يشركوا به شيئًا. هذه طريقة القرآن. ومن ذلك هذه الآية التي في الأعراف وهي قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية، ولهذا قال في آخرها: ﴿أَن يَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. فاحتج عليهم بما أقرُّوا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره، وأن لا يعتذروا، إمَّا بالغفلة عن الحق، وإمَّا بالتقليد في الباطل، فإنَّ الضلال له سببان: إمَّا غفلةٌ عن الحق، وإمَّا تقليد أهل الضلال. فتطابق الحديثُ مع الآية وتبيَّن معنى كلٍّ منهما بالآخر. فلم يقع ابن قتيبة في مُعانَدة ربِّ العالمين ولا جهل الكتاب، ولا خرج عن المعقول. ولكن لمَّا ظنَّ أبو عبد الله أنَّ معنى الآية أنَّ الله سبحانه أخرجهم أحياءً ناطقين من صلب آدم في آنٍ واحدٍ، ثم خاطبهم وكلَّمهم وأخَذَ عليهم الميثاقَ وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته، ثم ردَّهم في ظهره، وأنَّ أبا محمد فسَّر الفطرة بهذا المعنى بعينه ألزمه ما ألزمه. ثم قال أبو عبد الله (١): واحتج ــ يعني ابن قتيبة ــ بقوله تعالى: ﴿اِلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ اِلسَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ١] يعني: خالقها، وبقوله تعالى عن مؤمن آل

стр. 755

ياسين (١): ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ اُلَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢١] أي: خلقني، وبقوله: ﴿رَبُّ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ اِلَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ [الأنبياء: ٥٦] يعني: خلقهن (٢)، وبقوله: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] (٣). قال: وكان أبو هريرة ﵁ ينزع (٤) بهذه الآية عند روايته لهذا الحديث (٥) ليدل على أن الفطرة خِلْقة. قال محمد بن نصر: فيقال له: لسنا نخالفك في أنَّ الفطرة خِلقةٌ في اللغة وأنَّ فاطر السماوات والأرض: خالقهما، ولكن ما الدليل على أنَّ هذه الخلقة هي معرفة؟ هل عندك من دليل من كتاب الله أو سنةٍ أنَّ الخلقة هي المعرفة؟ فإن أتيت بحجة من كتاب الله أو سنةٍ أنَّ الخلقة هي المعرفة، وإلا فأنت مُبطِلٌ في دعواك، وقائلٌ ما لا عِلمَ لك به. قلت: لم يُرِد ابن قتيبة ولا مَن قال بقوله: إنَّ الفطرة خلقة= أنَّها معرفة حاصلةٌ بالفعل مع المولود حين يُولَد، فهذا لم يقله أحدٌ. وقد قال أحمد في رواية الميموني (٦): الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها، فقال له الميموني:

стр. 756

الفطرة الدين؟ قال: نعم. وقد نصَّ في غير موضع (١) أنَّ الكافر إذا مات أبواه أو أحدهما حكم بإسلامه، واستدل بالحديث: «كلُّ مولود يولد على الفطرة»، ففسَّر الحديث بأنَّه يُولَد على فطرة الإسلام، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في الحديث. ولو لم يكن ذلك معناه عنده لَمَا صحَّ استدلاله به. وفي بعض ألفاظه: «ما من مولود إلا يولد على هذه الملة» (٢). وأمَّا قول أحمد في مواضع أُخَر: يولد على ما فُطر عليه من شقاوة أو سعادة، فلا تنافي بينه وبين قوله: إنَّها الدين، فإنَّ الله سبحانه قدَّر الشقاوة والسعادة وكتبهما، وإنها تكون بالأسباب التي تحصُل بها كفعل الأبوين، فتهويدهما وتنصيرهما وتمجيسهما هو مما (٣) قدَّره الله تعالى. والمولود يولد على الفطرة مسلمًا، ووُلِد (٤) على أنَّ هذه الفطرة السليمة قد يغيِّرها الأبوان كما قدَّر الله ذلك وكَتَبه، كما مثَّل النبي ﷺ ذلك بقوله: «كما تُنتَج البهيمةُ جمعاءَ، هل تُحِسُّون فيها من جدعاء؟» (٥). فبيَّن أنَّ البهيمة تولد

стр. 757

سليمةً، ثم يَجْدَعها الناس، وذلك أيضًا بقضاء الله وقَدَره. فكذلك المولود يُولَد على الفطرة مسلمًا، ثم يُفسِده أبواه. وإنَّما قال أحمد وغيره: وُلِد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة؛ لأنَّ القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أنَّ الكفر والمعاصي ليس (١) بقدر الله، بل بما فعله الناس، لأنَّ كل مولود يولد على الفطرة، وكُفْره بعد ذلك من الناس. ولهذا لما قيل لمالك: إنَّ القدرية يحتجُّون علينا بأول الحديث، قال: احتجوا عليهم بآخره، وهو قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٢). فبيَّن الأئمة أنَّه لا حُجَّةَ فيه للقدرية، فإنَّه لم يقل: إنَّ الأبوين خلَقَا تهويدَه وتنصيرَه، والقدرية لا تقول ذلك بل عندهم أنَّه تهوَّد وتنصَّر باختياره، ولكن كان الأبوان سببًا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين. وهذا حقٌّ لا يقتضي نفي القدَر السابق من العلم والكتاب والمشيئة، بل ذلك مضافٌ إلى الله تعالى علمًا وكتابةً ومشيئةً، وإلى الأبوين تسبُّبًا وتعليمًا وتلقينًا، وإلى الشيطان تزيينًا ووسوسةً، وإلى العبد رِضًا واختيارًا ومحبةً. ولا ينافي هذا قوله في حديث ابن عباس ﵄: «إنَّ الغلام الذي قتَلَه الخضر طُبِع يومَ طبع كافرًا، ولو عاش لأَرهَق أبويه طغيانًا وكفرًا» (٣)، فإنَّ معناه أنَّه قضي عليه وقدِّر في أمِّ الكتاب أنَّه يكون كافرًا، فهي حالٌ مقدرةٌ

стр. 758

كقوله: ﴿اَدْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر: ٦٩]، وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ [الصافات: ١١٢]، ونظائر ذلك. وليس المراد: أنَّ كفره كان موجودًا بالفعل معه حين (١) طبع، كما يقال: وُلِد مَلِكًا، ووُلِد عالمًا، ووُلِد جبَّارًا. ومَن ظنَّ أنَّ الطبع المذكور في الحديث هو الطبع في قوله: ﴿طَبَعَ اَللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، فقد غَلِط غلَطًا ظاهرًا، فإنَّ ذلك لا يقال فيه: «طُبِع يومَ طُبِع» فإنَّ الطبع على القلب إنَّما يُوجَد بعدَ كفره. فصل ويدلُّ على صحة ما فسَّر به الأئمةُ الفطرةَ أنَّها الدين ما رواه مسلم في «صحيحه» (٢) من حديث عِيَاض بن حِمَار المُجاشِعي عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: «إني خلقتُ عبادي حنفاءَ كلَّهم، وإنَّهم أتَتْهم الشياطينُ فاجتالتْهم عن دينهم وحرَّمَتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا». وهذا صريحٌ في أنَّهم خُلِقوا على الحنيفية، وأنَّ الشياطين اقتطعتهم بعد ذلك عنها، وأخرجوهم منها. قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ اُلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة:٢٥٦]. وهذا يتناول إخراج الشياطين لهم من نور الفطرة إلى ظلمة الكفر والشرك، ومن النور الذي جاءت به الرسل من الهدى والعلم إلى ظلمات الجهل والضلال.

стр. 759

وفي «المسند» (١) وغيره من حديث الأسود بن سريع قال: بعث رسول الله ﷺ سريَّةً فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فقال لهم النبي ﷺ : «ما حملكم على قتل الذرية؟»، قالوا: يا رسول الله، [أَ] ليسوا (٢) أولاد المشركين؟ قال: «أَوَليس خياركم أولاد المشركين؟»، ثم قام النبي ﷺ خطيبًا، فقال: «ألا إنَّ كلَّ مولود يُولَد على الفطرة حتى يُعرِب عنه لسانه». فخُطبته لهم بهذا الحديث عقيب نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين، وقوله لهم: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟» نصٌّ أنَّه أراد أنهم وُلدوا غيرَ كفارٍ، ثمَّ الكفر طرأ بعد ذلك، ولو أراد أنَّ المولود حين يُولَد يكون إمَّا كافرًا وإمَّا مسلمًا على ما سبق به القدر، لم يكن فيما ذكره حجةٌ على ما قصده من نهيه لهم عن قتل أولاد المشركين. وقد ظنَّ بعضهم أنَّ معنى قوله: «أو ليس خياركم أولاد المشركين» معناه: لعلَّه أن يكون قد سبق في علم الله أنَّهم لو بقُوا لآمنوا، فيكون النهي

стр. 760

راجعًا إلى هذا المعنى من التجويز. وليس هذا معنى الحديث، ولكن معناه: أنَّ خياركم هم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وهؤلاء من أولاد المشركين، فإنَّ آباءهم كانوا كفارًا، ثم إنَّ البنين أسلموا بعد ذلك، فلا يضر الطفل أن يكون من أولاد المشركين إذا كان مؤمنًا، فإن الله إنما يجزيه بعمله لا بعمل أبويه، وهو سبحانه يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، والمؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وهذا الحديث ــ وهو حديث الفطرة ــ ألفاظه يفسِّر بعضُها بعضًا، ففي «الصحيحين» (١) ــ واللفظ للبخاري ــ عن ابن شهابٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مولود يُولَد إلا على الفطرة فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اُلْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٢٩] (٢)، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيرًا؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٣).

стр. 761

وفي «الصحيح» (١) قال الزهري: يُصلَّى على كلِّ مولود يُتَوفَّى، وإن كان لِغيَّةٍ، من أجل أنَّه وُلِد على فطرة الإسلام إذا استهلَّ خارجًا، ولا يُصلَّى على مَن لم يستهِلَّ من أجل أنَّه سقط، وأنَّ أبا هريرة كان يحدِّث أنَّ النبي ﷺ قال: «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه كما تُنتَج البهيمة بهيمةً جمعاءَ، هل تُحسُّون فيها من جدعاء؟»، ثم يقول أبو هريرة: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٢٩]. وفي «الصحيح» (٢) من رواية الأعمش: «ما من مولود إلا وهو على الملة». وفي رواية أبي معاوية عنه: «إلا على هذه الملة، حتى يُبِين عنه لسانه» (٣). فهذا صريحٌ في أنَّه يُولَد على ملة الإسلام كما فسَّره ابن شهاب راوي الحديث، واستشهاد أبي هريرة بالآية يدلُّ على ذلك. قال ابن عبد البر (٤): وسئل ابن شهاب عن رجل عليه رقبةٌ مؤمنةٌ: أيجزئ عنه الصبي أن يعتقه، وهو رضيعٌ؟ قال: نعم؛ لأنه ولد على الفطرة. قال ابن عبد البر ــ وقد ذكر أقوال الناس في هذا الحديث ــ (٥): وقال

стр. 762

آخرون: الفطرة هاهنا هي الإسلام. قالوا: وهو المعروف عند عامة السلف، وأهل التأويل قد أجمعوا في تأويل قوله : ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٢٩]، على أن قالوا: فطرة الله دين الإسلام. واحتجوا بقول أبي هريرة في هذا الحديث: اقرؤوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١). قال: وذكروا عن عكرمة ومجاهد والحسن وإبراهيم والضحاك وقتادة في قوله : ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾، قالوا: فطرة الله: دين الله (٢) الإسلام. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩]، قالوا: لدين الله (٣). واحتجوا بحديث محمد بن إسحاق، عن ثَور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ الأَزْدي، عن عِياض بن حِمار المُجاشِعي أنَّ رسول الله ﷺ قال للناس يومًا: «ألا أُحدِّثكم بما حدَّثني الله في الكتاب؟ إنَّ الله خلق آدم وبَنِيه حنفاءَ مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا لا حرامَ فيه، فجعلوا ما أعطاهم الله حرامًا وحلالًا» الحديث (٤).

стр. 763

قال (١): وكذلك روى بكر بن مهاجرٍ عن ثور بن يزيد بإسناده مثلَه في هذا الحديث: «حنفاء مسلمين». قال أبو عمر: روي هذا الحديث عن قتادة، عن مُطرِّف بن عبد الله، عن عِياض بن حمار (٢). ولم يسمعه قتادة من مُطرِّف (٣)، ولكن قال: حدَّثني ثلاثةٌ: عقبة بن عبد الغافر، ويزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، والعَلاء بن زِيادٍ، كلُّهم يقول: حدَّثني مُطرِّف عن عِياض عن النبي ﷺ (٤)، فقال فيه: «وإنِّي خلقت عبادي حنفاء كلَّهم» لم يقل: «مسلمين». وكذلك رواه الحسن، عن مطرفٍ، عن عياض (٥). ورواه ابن إسحاق عمَّن لا يتَّهم، عن قتادة بإسناده قال فيه: «وإنِّي خلقتُ عبادي حنفاء كلَّهم» (٦)، ولم يقل: «مسلمين».

стр. 764

قال: فدلَّ هذا على حفظ محمد بن إسحاق وإتقانه وضبطه، لأنَّه ذكر «مسلمين» في روايته عن ثور بن يزيد لهذا الحديث، وأسقطه من رواية قتادة، وكذلك رواه الناس عن قتادة قصر فيه عن قوله «مسلمين»، وزاده ثورٌ بإسناده، فالله أعلم. قال أبو عمر (١): والحنيف في كلام العرب: المستقيم المخلص، ولا استقامة أكبر من الإسلام. قال (٢): وقد روي عن الحسن قال: الحنيفية حج البيت، وهذا يدل أنه أراد الإسلام، وكذلك روي عن الضحاك والسُّدِّي: حنفاء: حجاجًا، وعن مجاهدٍ: حنفاء: متبعين (٣)، قال: وهذا كله يدل على أن الحنيفية: الإسلام. قال (٤): وقال أكثر العلماء: الحنيف المخلص، وقال الله : ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٦]، وقال تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ اُلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٦]، قال الراعي (٥):

стр. 765

أخليفةَ الرحمن إنَّا معشرٌ ... حنفاءُ نسجد بكرةً وأصيلا عرب نرى للهِ في أموالنا ... حقَّ الزكاة منزَّلًا تنزيلا قال: فوصف الحنيفية بالإسلام، وهو أمرٌ واضحٌ لا خفاء به. قال (١): ومما احتج به مَن ذهب إلى أنَّ الفطرة في هذا الحديث: الإسلام قوله ﷺ : «خمسٌ من الفطرة» (٢) ــ ويُروى: «عشرٌ من الفطرة» (٣) ــ يعني: فطرة الإسلام. انتهى. قال شيخنا (٤): فالأدلة الدالة على أنَّه أراد فطرة الإسلام كثيرةٌ، كألفاظ الحديث الصحيح المتقدمة، كقوله: «على الملة»، و «على هذه الملة»، وقوله: «خلقت عبادي حنفاء»، وفي الرواية الأخرى: «حنفاء مسلمين» (٥)، ومثل تفسير أبي هريرة وهو أعلم بما سمع. ولو لم يكن المراد بالفطرة الإسلام لما سألوا عقيب ذلك: «أرأيت من يموت من أطفال المشركين وهو صغيرٌ؟» (٦)، لأنَّه لو لم يكن هناك ما يغيِّر

стр. 766

تلك الفطرة لمَا سألوه، والعلم القديم والكتاب السابق لا يتغيَّر. وقوله: «فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه» (١) بيَّن فيه أنَّهم يغيِّرون الفطرة المخلوق عليها بذلك. وأيضًا: فإنَّه شبَّه ذلك بالبهيمة التي تُولَد مجتمعةَ الخلق لا نقصَ فيه (٢)، ثم تُجدَع بعد ذلك، فعُلِم أنَّ التغيُّر واردٌ على الفطرة السليمة التي وُلِد العبد عليها. وأيضًا: فالحديث مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٢٩]. وهذا يعُمُّ جميعَ الناس، فعُلِم أنَّ الله فطَرَ الناس كلَّهم على فطرته المذكورة، و ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ﴾ أضافها إليه إضافة مدحٍ لا إضافة ذمٍّ، فعُلِم أنَّها فطرةٌ محمودةٌ لا مذمومةٌ. يبيِّن ذلك: أنَّه قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وهذا نَصْبٌ على المصدر الذي دلَّ عليه الفعل الأوَّل عند سيبويه وأصحابه، فدلَّ على أنَّ إقامة الوجه للدِّين حنيفًا هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، كما في نظائره مثل قوله: ﴿كِتَابَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿سُنَّةَ اَللَّهِ [اِلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ] وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اِللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ (٣) [الفتح: ٢٣]. فهذا عندهم مصدرٌ منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ لازمٍ إضمارُه، دلَّ عليه الفعل المتقدم، كأنَّه قال: كتبَ الله ذلك عليكم، وكذلك

стр. 767

هنا: فطر الله الناس على ذلك= على إقامة الدين حنيفًا. وكذلك فسَّره السلف، قال ابن جرير (١) في هذه الآية: يقول: فسدِّد وجهَك نحوَ الوجه الذي وجَّهك الله يا محمد لطاعته وهو الدين حنيفًا، يقول: مستقيمًا لدينه وطاعته. ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾، يقول: صنعة الله التي خلق الناس عليها. ونصب ﴿فِطْرَتَ﴾ على المصدر من معنى قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، وذلك أنَّ معنى [ذلك] (٢): فَطَر اللهُ الناس على ذلك فطرةً. قال: وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ثم روى عن ابن زيدٍ قال: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾، قال: هي الإسلام، منذ خلقهم الله من آدم جميعًا يقرون بذلك، وقرأ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن يَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فهذا قول الله: ﴿كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اُلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١١]. ثم ذكر بإسناد صحيح عن مجاهد قال: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٢٩]، قال: الدين الإسلام. [وقال:] حدثنا ابن حميدٍ، حدثنا يحيى بن واضحٍ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن يزيد بن أبي مريم قال: مرَّ عمر بمعاذ بن جبل، فقال: ما قِوام

стр. 768

هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاثٌ وهُنَّ المُنجِيات: الإخلاص وهو الفطرة ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾، والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة. فقال عمر: صدقت (١). ثم قال: حدثني يعقوب الدورقي، حدثنا ابن عُليَّة، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة أنَّ عمر قال لمعاذ: ما قِوام هذه الأمة؟ فذكر نحوه. قال: وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾، يقول: لا تغيير لدين الله، أي: لا يصلح ذلك، ولا ينبغي أن يفعل. وروى [عن] (٢) عبد الله بن إدريس عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلًا يقال له: قاسم إلى عكرمة يسأله عن قوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾، فقال: [هو الخصاء، فقال مجاهد: أخطأ، ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ (٣) إنما هو الدين، ثم قرأ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ ذَلِكَ اَلدِّينُ اُلْقَيِّمُ﴾.

стр. 769

وروى عن عكرمة ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ قال:] (١) لدين الله. ثم ذكر عن عكرمة: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ﴾ قال: الإسلام (٢). وكذلك روى عن قتادة، وسعيد بن جبيرٍ، ومجاهد، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وروى عن ابن عباس أنَّه سُئِل عن خِصاء البهائم، فكَرِهه وقال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ (٣). وكذلك قال عكرمة، ومجاهد في رواية ليث عنه (٤). قال شيخنا (٥): ولا منافاة بين القولين عنهما، كما قال تعالى عن الشيطان: ﴿وَلَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ اَلْأَنْعَامِ وَلَأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩]، فتغيير ما خلقَ اللهُ عبادَه عليه من الدين تغييرٌ لدينه، والخصاء وقطع الأذن تغييرٌ لخلقه (٦). ولهذا شبَّه النبي ﷺ أحدهما بالآخر في قوله: «كلُّ مولود يُولَد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تُنتَج البهيمة جمعاءَ، هل تحسُّون فيها من جدعاء؟» (٧)، فأولئك يغيِّرون

стр. 770

الدين، وهؤلاء يغيِّرون الصورة بالجدع والخصاء؛ هذا يغيِّر ما خُلِق عليه قلبُه، وهذا يغيِّر ما خُلق عليه بدنُه. فصل قال شيخنا (١): واعلم أنَّ هذا الحديث لمَّا صارت القدرية يحتجُّون به على قولهم الفاسد، صار الناس يتأوَّلونه تأويلاتٍ يُخرِجونه بها عن مقتضاه، فالقدرية من المعتزلة وغيرهم يقولون: كل مولود يولد على الإسلام، والله لا يُضِلُّ أحدًا، ولكن أبواه يُضِلَّانه. والحديث حجةٌ عليهم من وجهين: أحدهما: أنَّه عند المعتزلة وغيرهم من المتكلمين لم يُولَد أحدٌ منهم على الإسلام أصلًا، ولا جعل الله أحدًا مسلمًا ولا كافرًا، ولكن هذا أَحدَث لنفسه الكفرَ، وهذا أَحدَث لنفسه الإسلامَ، والله لم يفعل واحدًا منهما عندهم بلا نزاع عند القدرية، ولكن هو دعاهما إلى الإسلام، وأزاح عللهما، وأعطاهما قدرةً متماثلةً (٢) فيهما تَصلُح للإيمان والكفر، ولم يختصَّ المؤمنَ بسبب يقتضي حُصول الإيمان، فإنَّ ذلك عندهم غير مقدورٍ، ولو كان مقدورًا لكان ظلمًا. وهذا قول عامَّة المعتزلة، وإن كان بعض متأخِّريهم كأبي الحُسَين يقول: إنَّه خصَّ المؤمن بداعي الإيمان، ويقول: عند الداعي والقدرة يجب وجود الإيمان، فهذا في الحقيقة موافقٌ لأهل السنة. فهذا أحد الوجهين.

стр. 771

الثاني: أنَّهم يقولون: إنَّ معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل، فيستحيل أن تكون المعرفة عندهم ضرورية، أو تكون من فعل الله تعالى. وإن احتجت القدرية بقوله: «فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه» من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين، فيقال لهم: أنتم تقولون إنَّه لا يَقدِر اللهُ ولا أحدٌ من مخلوقاته على أن يجعلهما يهوديين ولا نصرانيين ولا مجوسيين، بل هما فعَلَا بأنفسهما ذلك بلا قدرة من غيرهما، ولا فعلٍ من غيرهما، فحينئذ لا حجةَ لكم (١) في قوله: «فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه». وأهل السنة متفقون على أنَّ غير الله لا يقدر على جعل الهدى والضلال في قلب أحد، فقد اتفقت الأمة على أنَّ المراد بذلك دعوة الأبوين إلى ذلك، وترغيبهما فيه، وتربية الولد عليه، كما يفعل المعلِّم بالصبي. وذِكْرُ الأبوين بناءً على الغالب المعتاد، وإلَّا فقد يقع ذلك من أحدهما ومن غيرهما حقيقةً وحكمًا (٢). قال محمد بن نصر (٣): واحتج ابن قتيبة بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فأجابوا بكلامٍ شاهدِين مُقرِّين على أنفسهم بأن الله ربهم، ثم وُلِدوا على ذلك (٤).

стр. 772

قال محمد بن نصر: فقوله: «ثم ولدوا على ذلك» زيادةٌ منه ليست في الكتاب، ولا جاء في شيء من الأخبار. وسنذكر الأخبار المروية في تأويل هذه الآية لنبيِّن للناظر فيها أنَّه لا حجةَ له فيها، وأنَّه لا دليلَ في شيء منها أنَّ الأطفال يُولَدون وهم عارفون بالله من وقت سُقُوطهم من بطون أمهاتهم. قلت: قوله: «ثم ولدوا على ذلك» إن أراد به أنَّهم وُلِدوا حال سقوطهم وخروجهم مِن بطون أمهاتهم عالِمين بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته، فقد أصاب في الرد عليه. وإن أراد أنَّهم وُلِدوا على حكم ذلك الأخذ، وأنَّهم لو تركوا لَما عدلوا عنه إذا عقلوا، فهو الصواب الذي لا يُرَدُّ. قال محمد: فمِن أجلِّ ما روي في تأويل هذه الآية حديث عمر بن الخطاب ﵁: حدثنا يحيى قال: قرأت على مالك (١)، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد (٢) بن الخطاب، عن مسلم بن يَسَار الجُهَني أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، فقال: سمعتُ رسول الله

стр. 773

- ﷺ سئل عنها؟ فقال: «إنَّ الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون»، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، ففيمَ العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله إذا خلَقَ العبدَ للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من عملِ أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلَقَ العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عملٍ من أعمالِ أهل النار فيدخل به النار». حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرُّهاوي، عن أبيه، أخبرنا زيد بن أبي أُنَيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نُعَيم بن رَبيعة (١) الأَزْدي، قال مسلم: وسألت نعيمًا عن هذه الآية، فقال نعيمٌ: كنتُ عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاء رجل فسأله عنها؟ فقال ــ الحديث (٢). وهذا يبيِّن عِلَّة الحديث الأول، وأنَّ مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر.

стр. 774

قال: وحدثنا إسحاق، أخبرنا حكام بن سلمٍ (١)، عن عنبسة، عن عمارة (٢) بن عميرٍ، عن أبي محمد رجلٍ من أهل المدينة قال: سألت عمر بن الخطاب عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، فقال: سألت رسول الله ﷺ عنها كما سألتني، فقال: «خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من رُوحه، ثم أجلسه فمسح ظهرَه، فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتُهم للجنة، يعملون بما شئتُ من عملٍ، ثم أَختِم لهم بأحسن أعمالهم فأُدخِلهم الجنة. ثم مسح ظهرَه فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتُهم للنار، يعملون بما شئتُ من عملٍ، ثم أَختِم لهم بأسوأ أعمالهم فأُدخِلهم النار» (٣). قلت: هذا الحديث أدخله مالك في «موطئه» (٤) على ما فيه من العلة، ونحن نذكر عِلَّته. قال الترمذي (٥): هذا حديث حسن، مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا. وقال أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني (٦): لم يسمع مسلم بن يسار

стр. 775

هذا من عمر؛ رواه عن نعيم عن عمر. وقال ابن أبي خيثمة (١): قرأتُ على يحيى بن معين حديث مالك هذا (٢) عن زيد بن أبي أُنَيسة، فكتب بيده على مسلم بن يسار: لا يُعرَف. وقال أبو عمر (٣): هذا حديث منقطعٌ بهذا الإسناد؛ لأنَّ مسلم بن يسار هذا لم يلقَ عمرَ بن الخطاب ﵁، وبينهما في هذا الحديث نُعَيم بن ربيعة، وهذا أيضًا ــ مع هذا الإسناد ــ لا تقوم به حجةٌ، ومسلم بن يسار هذا مجهولٌ، قيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار البصري. قال (٤): وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسارٍ ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحمل العلم. ولكن معنى هذا الحديث قد صحَّ عن النبي ﷺ من وجوهٍ ثابتةٍ كثيرةٍ يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره. انتهى. ونحن نذكر بعض تلك الأحاديث: قال إسحاق بن راهويه (٥): أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزُّبَيدي
следующие страницы →