← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الثاني: أنَّهم يقولون: إنَّ معرفة الله لا تحصل إلا بالنظر المشروط بالعقل، فيستحيل أن تكون المعرفة عندهم ضرورية، أو تكون من فعل الله تعالى. وإن احتجت القدرية بقوله: «فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه» من جهة كونه أضاف التغيير إلى الأبوين، فيقال لهم: أنتم تقولون إنَّه لا يَقدِر اللهُ ولا أحدٌ من مخلوقاته على أن يجعلهما يهوديين ولا نصرانيين ولا مجوسيين، بل هما فعَلَا بأنفسهما ذلك بلا قدرة من غيرهما، ولا فعلٍ من غيرهما، فحينئذ لا حجةَ لكم (١) في قوله: «فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه». وأهل السنة متفقون على أنَّ غير الله لا يقدر على جعل الهدى والضلال في قلب أحد، فقد اتفقت الأمة على أنَّ المراد بذلك دعوة الأبوين إلى ذلك، وترغيبهما فيه، وتربية الولد عليه، كما يفعل المعلِّم بالصبي. وذِكْرُ الأبوين بناءً على الغالب المعتاد، وإلَّا فقد يقع ذلك من أحدهما ومن غيرهما حقيقةً وحكمًا (٢). قال محمد بن نصر (٣): واحتج ابن قتيبة بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فأجابوا بكلامٍ شاهدِين مُقرِّين على أنفسهم بأن الله ربهم، ثم وُلِدوا على ذلك (٤).

стр. 772

قال محمد بن نصر: فقوله: «ثم ولدوا على ذلك» زيادةٌ منه ليست في الكتاب، ولا جاء في شيء من الأخبار. وسنذكر الأخبار المروية في تأويل هذه الآية لنبيِّن للناظر فيها أنَّه لا حجةَ له فيها، وأنَّه لا دليلَ في شيء منها أنَّ الأطفال يُولَدون وهم عارفون بالله من وقت سُقُوطهم من بطون أمهاتهم. قلت: قوله: «ثم ولدوا على ذلك» إن أراد به أنَّهم وُلِدوا حال سقوطهم وخروجهم مِن بطون أمهاتهم عالِمين بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته، فقد أصاب في الرد عليه. وإن أراد أنَّهم وُلِدوا على حكم ذلك الأخذ، وأنَّهم لو تركوا لَما عدلوا عنه إذا عقلوا، فهو الصواب الذي لا يُرَدُّ. قال محمد: فمِن أجلِّ ما روي في تأويل هذه الآية حديث عمر بن الخطاب ﵁: حدثنا يحيى قال: قرأت على مالك (١)، عن زيد بن أبي أُنَيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد (٢) بن الخطاب، عن مسلم بن يَسَار الجُهَني أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ سئل عن هذه الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، فقال: سمعتُ رسول الله

стр. 773

- ﷺ سئل عنها؟ فقال: «إنَّ الله تعالى خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذريةً، فقال: خلقتُ هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريةً فقال: خلقتُ هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون»، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، ففيمَ العمل؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله إذا خلَقَ العبدَ للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عملٍ من عملِ أهل الجنة فيدخل به الجنة، وإذا خلَقَ العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عملٍ من أعمالِ أهل النار فيدخل به النار». حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن يزيد بن سنان الرُّهاوي، عن أبيه، أخبرنا زيد بن أبي أُنَيسة، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن، عن مسلم بن يسار، عن نُعَيم بن رَبيعة (١) الأَزْدي، قال مسلم: وسألت نعيمًا عن هذه الآية، فقال نعيمٌ: كنتُ عند عمر بن الخطاب ﵁ فجاء رجل فسأله عنها؟ فقال ــ الحديث (٢). وهذا يبيِّن عِلَّة الحديث الأول، وأنَّ مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر.

стр. 774

قال: وحدثنا إسحاق، أخبرنا حكام بن سلمٍ (١)، عن عنبسة، عن عمارة (٢) بن عميرٍ، عن أبي محمد رجلٍ من أهل المدينة قال: سألت عمر بن الخطاب عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾، فقال: سألت رسول الله ﷺ عنها كما سألتني، فقال: «خلق الله آدم بيده، ونفخ فيه من رُوحه، ثم أجلسه فمسح ظهرَه، فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتُهم للجنة، يعملون بما شئتُ من عملٍ، ثم أَختِم لهم بأحسن أعمالهم فأُدخِلهم الجنة. ثم مسح ظهرَه فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتُهم للنار، يعملون بما شئتُ من عملٍ، ثم أَختِم لهم بأسوأ أعمالهم فأُدخِلهم النار» (٣). قلت: هذا الحديث أدخله مالك في «موطئه» (٤) على ما فيه من العلة، ونحن نذكر عِلَّته. قال الترمذي (٥): هذا حديث حسن، مسلم بن يسار لم يسمعه من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا. وقال أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني (٦): لم يسمع مسلم بن يسار

стр. 775

هذا من عمر؛ رواه عن نعيم عن عمر. وقال ابن أبي خيثمة (١): قرأتُ على يحيى بن معين حديث مالك هذا (٢) عن زيد بن أبي أُنَيسة، فكتب بيده على مسلم بن يسار: لا يُعرَف. وقال أبو عمر (٣): هذا حديث منقطعٌ بهذا الإسناد؛ لأنَّ مسلم بن يسار هذا لم يلقَ عمرَ بن الخطاب ﵁، وبينهما في هذا الحديث نُعَيم بن ربيعة، وهذا أيضًا ــ مع هذا الإسناد ــ لا تقوم به حجةٌ، ومسلم بن يسار هذا مجهولٌ، قيل: إنه مدني، وليس بمسلم بن يسار البصري. قال (٤): وجملة القول في هذا الحديث أنه حديث ليس إسناده بالقائم؛ لأن مسلم بن يسارٍ ونعيم بن ربيعة جميعًا غير معروفين بحمل العلم. ولكن معنى هذا الحديث قد صحَّ عن النبي ﷺ من وجوهٍ ثابتةٍ كثيرةٍ يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره. انتهى. ونحن نذكر بعض تلك الأحاديث: قال إسحاق بن راهويه (٥): أخبرنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزُّبَيدي

стр. 776

محمد بن الوليد، عن راشد بن سعدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي قتادة النصري (١)، عن أبيه، عن هشام بن حكيم بن حِزام: أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، أتُبتَدَأ الأعمال أم قد قُضِي القضاء؟ فقال: «إن الله لمَّا أخرج ذريةَ آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم، ثم أفاض بهم في كَفَّيه فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار؛ فأهل الجنة مُيسَّرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار مُيسَّرون لعمل أهل النار». أخبرنا (٢) عبد الصمد، حدثنا حمادٌ، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نَضْرة أنَّ

стр. 777

رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابُه يعودونه وهو يبكي، فقالوا (١) له: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله قبَض قبضةً بيمينه، وأخرى بيده الأخرى، فقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أُبالي». فلا أدري في أيِّ القبضتَين أنا (٢). أخبرنا عمرو بن محمد، حدثنا إسماعيل بن رافع، عن المَقبُري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله خلق آدم من تراب، ثم جعله طينًا، ثم تركه حتى إذا كان حَمَأً مسنونًا، ثم خلقه وصوَّره، ثم تركه، حتى إذا كان صلصالًا كالفخَّار كان إبليس يمُرُّ به فيقول: خُلِقتَ لأمرٍ عظيمٍ، ثم نفخ الله فيه من رُوحه، قال: يا رب ما ذُرِّيتي؟ قال: اخْتَر يا آدم. قال: أختار يمين ربي وكلتا يدي ربي يمينٌ، ثم بسط الله كفَّه فإذا كلُّ من هو كائنٌ من ذريته في كفِّ الرحمن» (٣).

стр. 778

أخبرنا النضر، أخبرنا أبو مَعشَر، عن سعيد المَقبُري، ونافع مولى الزبير، عن أبي هريرة ﵁ قال: «لمَّا أراد الله أن يخلق آدم ــ فذكر خلق آدم ــ فقال له: يا آدم، أيُّ يدي أحبُّ إليك أن أُرِيَك ذريتَك فيها؟ فقال: يمين ربي وكلتا يدي ربي يمين، فبسط يمينه فإذا فيها ذرِّيتُه كلُّهم: ما هو خالقٌ إلى يوم القيامة، الصحيح على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء على هيئتهم (١)، فقال: ألا أغنيتَهم كلَّهم؟ فقال: إني أحببتُ أن أُشكَر ... » وذكر الحديث (٢). وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا الليث بن سعد، حدثني ابن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المَقبُري، عن أبيه، عن عبد الله بن سلام قال: خلق الله آدم، ثم قال بيديه فقبضهما، فقال: اخْتَر يا آدم، فقال: اخْتَرتُ يمين ربي وكلتا يديك يمين، فبسطها فإذا فيها ذريته، فقال مَن هؤلاء يا رب؟ قال: مَن قضيتُ أن أخلقَ من

стр. 779

ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة (١). حدثنا إسحاق، حدثنا جعفر بن عون المخزومي (٢)، أخبرنا هشام بن سعد (٣)، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لمَّا خلَقَ الله آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمةٍ هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة ... » وذكر الحديث (٤). حدثنا إسحاق، وعمرو بن زُرَارة قالا: أخبرنا إسماعيل، عن كُلثُوم بن جبر (٥)، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ الآية، قال: مسح ربك ظهر آدم فخرجت منه كلُّ نسمةٍ هو خالقها إلى يوم القيامة، بِنَعمانَ هذا الذي وراء

стр. 780

عرفة، فأخذ ميثاقهم: ألستُ بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا (١). حدثنا إسحاق، حدثنا وكيع، حدثنا ربيعة بن كلثوم بن جبر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ الآية، قال: مسح الله ظهر آدم وهو ببطن نَعمان وادٍ إلى جنب عرفة، فأخرج من ظهر آدم ذريته، فأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا (٢). ثم ساقه إسحاق من طرقٍ متعددةٍ عن ابن عباس ﵄ ثم قال (٣): أخبرنا المخزومي ــ وهو المغيرة بن سلمة ــ، حدثنا أبو هلالٍ، عن أبي جمرة الضُّبَعي، عن ابن عباس ﵄ قال: مسح الله ظهر آدم، فأخرج

стр. 781

ذريته في آذيٍّ (١) من الماء (٢). أخبرنا جريرٌ، عن الأعمش، عن مسلم البَطِين، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس ﵄ قال: مسح الله ظهر آدم، فخرجت منه كلُّ ذريةٍ بَدَدًا إلى يوم القيامة فعُرِضوا عليه (٣). حدثنا المُلائي، حدثنا المسعودي، عن علي بن بَذِيمة، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية، قال: إنَّ الله أخذ على آدم ميثاقه أنَّه ربُّه، وكتب أجلَه ورِزقَه ومصيباتِه، ثم أخرج من ظهره ولدَه كهيئة الذرِّ، فأخذ عليهم الميثاق أنَّه ربُّهم، فكتب أجلَهم ورِزقَهم ومصيباتِهم (٤). حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس ﵄ قال: مسح الله ظهر آدم، فأخرج كلَّ طيِّبٍ في يمينه، وفي يدِه الأخرى

стр. 782

كل خبيثٍ (١). حدثنا يحيى، حدثنا المسعودي، أخبرني علي بن بذيمة، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية قال: خلق الله آدم، فأخذ ميثاقه أنَّه ربُّه، وكتب أجله ورزقه ومصيبته، ثم أخرج ولده من ظهره كهيئة الذرِّ، فأخذ مواثيقهم أنَّه ربُّهم، فكتب آجالهم وأرزاقهم ومصيباتهم (٢). وقال عبد الرزاق (٣): حدثنا مَعمَر، عن أبي النضر، عن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄ في هذه الآية، قال: مسح الله على صلب آدم، فأخرج من صلبه ما يكون من ذريته إلى يوم القيامة، وأخذ ميثاقهم أنَّه ربُّهم فأعطوه ذلك، فلا تسألُ أحدًا ــ كافرًا أو غيره ــ مَن ربك؟ إلا قال: الله. قال معمرٌ: وكان الحسن يقول مثل ذلك. قال إسحاق: وأخبرنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، عن عبد الله بن

стр. 783

عمرٍو في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية، قال: أخذهم كما يؤخذ بالمشط من الرأس (١). قال محمد بن نصر: وحدثنا الحسن بن محمد الزَّعفراني، حدثنا حجَّاج، عن ابن جريج، عن الزُّبير بن موسى، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس ﵄ قال: إنَّ الله تعالى ضرب مَنكِب آدم الأيمن، فخرجت كل نفسٍ مخلوقةٍ للجنة بيضاء نقيةً، فقال: هؤلاء أهل الجنة. ثم ضرب منكبه الأيسر، فخرجت كل نفسٍ مخلوقةٍ للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار. ثم أخذ عهدهم على الإيمان به، والمعرفة له وبأمره، والتصديق له وبأمره، من بني آدم كلهم، وأشهَدَهُم على أنفسهم، فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقرُّوا (٢). قال إسحاق: وحدثنا رَوح بن عُبادة، حدثنا محمد بن عبد الملك، عن أبيه، عن الزبير بن موسى، عن سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباس ﵄ بهذا الحديث، وزاد: قال ابن جريج: وبلغني أنَّه أخرجهم على كفِّه أمثال الخردل (٣).

стр. 784

قال إسحاق (١): وحدثنا حكَّام بن سَلْم (٢) الرازي، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبَيِّ بن كعب في قوله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية، قال: جمعهم يومئذٍ جمعًا ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة، فجعلهم أرواحًا، ثم صوَّرهم، ثم استنطقهم وتكلَّموا، وأخذ عليهم العهد والميثاق، وأشهدهم على أنفسهم، قال: فإنِّي أُشهِد عليكم السماواتِ والأرضين السبعَ، وأُشهِد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة: لم نعلم هذا. اعلموا أنَّه لا إلهَ غيري، ولا ربَّ غيري، ولا تشركوا بي شيئًا، فإنِّي سأرسل إليكم رُسُلًا يذكِّرونكم عهدي وميثاقي، وأُنزِل عليكم كتبي. قالوا: نشهد أنَّك ربُّنا وإلهنا، لا ربَّ غيرُك، ولا إلهَ لنا غيرُك. فأقرُّوا يومئذٍ بالطاعة، ورُفِع لهم أبوهم آدم، فنظر فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: يا رب، لو سوَّيت بين عبادك!

стр. 785

فقال: إنِّي أحببتُ أن أُشكَر. ورأى فيهم الأنبياء مثل السُّرُج عليهم النور، وخُصُّوا بميثاق آخر في الرسالة والنبوة، فهو الذي يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ اَلنَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧]، وهو الذي يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩]، فلذلك قال: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ اَلنُّذُرِ اِلْأُولى﴾ [النجم: ٥٥]، وفي ذلك قال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠١]، وفي ذلك قال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِن قَبْلُ﴾ [يونس: ٧٤]، كان في علمه يومَ أقرُّوا بما أقرُّوا به ومَن (١) يكذِّب به ومَن يصدِّق. قال: وكان رُوح عيسى من تلك الأرواح التي أُخذ عليها العهد والميثاق في زمن آدم، فأرسل ذلك إلى مريم حتى ﴿اِنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ إلى قوله: ﴿حَمَلَتْهُ﴾ [مريم: ١٥ - ٢١]، حملت الذي خاطبها، وهو روح عيسى (٢). وفي تفسير أسباط بن نصر (٣)، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي

стр. 786

صالح عن ابن عباس، وعن مُرَّة الهَمْداني عن ابن مسعودٍ، وعن أناس من أصحاب النبي ﷺ في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ الآية، قال: لما أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحةَ ظهر آدم اليمنى، فأخرج منه ذريةً بيضاء (١) مثل اللؤلؤ، وكهيئة الذر، فقال لهم: ادخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذريةً سوداء (٢) كهيئة الذر، فقال: ادخلوا النار ولا أبالي، فذلك حين يقول (٣): ﴿وَأَصْحَابُ اُلْيَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٨]، ﴿وَأَصْحَابُ اُلشِّمَالِ﴾ [الواقعة: ٤٣]. ثم أخذ منهم الميثاق فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، فأعطاه طائفةٌ طائعين وطائفةٌ كارهين، فقالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَن يَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ﴾، فلذلك ليس أحدٌ من ولد آدم إلا وهو يعرف أنَّ ربَّه الله، ولا مُشرِكٌ إلا وهو يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢١]. فذلك قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ الآية، وذلك حين يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٢]، وذلك حين يقول: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ اِلْحُجَّةُ اُلْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق. قال إسحاق: وأخبرنا رَوح بن عُبادة، حدثنا موسى بن عُبَيدة الرَّبَذي قال:

стр. 787

سمعت محمد بن كعب القُرَظي يقول في هذه الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾: فأقرُّوا (١) له بالإيمان والمعرفة الأرواحُ قبل أن يخلق أجسادها (٢). قال إسحاق: وحدثنا الفضل بن موسى، عن عبد الملك، عن عطاء قال: أُخرِجوا من صلب آدم حين أخذ منهم الميثاق، ثم رُدُّوا في صلبه (٣). قال إسحاق: وأخبرنا علي بن الأَجْلَح (٤)، عن الضَّحَّاك قال: إنَّ الله أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة، فأخرجهم مثل الذرِّ، فقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنَا أَن يَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، ثم قبض قبضةً بيمينه، فقال: هؤلاء في الجنة، وقبض أخرى، فقال: هؤلاء في النار (٥). قال محمد بن نصر: وحدثنا بُندار، ثنا أبو أحمد، ثنا سفيان، عن

стр. 788

الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي اِلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٢] قال: أخذه الميثاق (١). قال محمد: فقد ذكرنا ما حضَرَنا من الأخبار المروية عن السلف في تأويل قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية، وليس في شيء منها أنَّ الطفل يسقط من بطن أمِّه وهو عارفٌ بالله، ولا في شيء منها دليل على ذلك. قلت: أبو محمد لم يُرِد أنَّهم وُلِدوا عارفين بالله معرفةً حاصلةً معهم بالفعل، وإنَّما أراد أنَّهم وُلِدوا على حُكم تلك الفطرة والميثاقِ الذي أخذ عليهم، بحيث لو خُلُّوا وفِطَرَهم لَمَا عَدَلوا عن مُوجَب ذلك. قال محمد: فيقال له: هل عندك من دليل يدلُّ على أنَّ الفطرة التي أخبر النبي ﷺ أنَّ كلَّ مولود يولد عليها هي المعرفة بالله؟ أو هل يُحكى عن أحد من السلف أنَّه قال ذلك؟ أو هل يُدَلُّ على ذلك بقياس؟ فإن أتى بشيء من هذه الدلائل، وإلا بان باطلُ دعواه. فإن هو رجع إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ الآية، فقال: استشهادُ الله ذريةَ آدم على أنَّه ربُّهم دليل على أنَّ معرفة ذلك متقدِّمةٌ عندهم كما (٢) استشهدهم عليه، فهذه غاية حُجَّته عند نفسه. قال: لأنَّ كل مستشهَدٍ على شيءٍ لم تتقدَّم المعرفةُ عنده بما استُشهِد عليه قبلَ الاستشهاد، فإنَّ المستشهِد دعاه إلى أن شَهِد بقول الزُّور، والله لا يأمر أحدًا بذلك.

стр. 789

فيقال له: إنَّ إجابتك عن غير ما تُسأل عنه، واحتجاجك له هو الدليل على عجْزك، وعلى أنَّه لا حجةَ لك. إنَّا لم نسألك عن الوقت الذي استشهدهم الله فيه وقال لهم (١): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فأجابوه بأن ﴿قَالُوا بَلَى﴾، هل كانوا عارفين في ذلك الوقت أم لا؟ إنَّما سألناك عن وقت سقوطهم من بطون أمَّهاتهم، هل عندك حجةٌ تُثبِت أنَّهم في ذلك الوقت عارفون؟ فإن قال: إنَّ ثبوت المعرفة لهم في ذلك الوقت دليل على أنَّهم وُلِدوا على ذلك، فهم في وقت الولادة على ما كانوا عليه قبل ذلك. قيل له: فقد كانوا في ذلك الوقت مُقِرِّين أيضًا، وذلك أنَّ الله أخبر أنَّه قال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، والله لا يخاطب إلا من يفهم عند المخاطبة، ولا يُجيب إلا مَن فهم السؤال، فإجابتهم إيَّاه بقولهم دليل على أنَّهم قد فهموا عن الله وعقلوا عنه استشهادَه إياهم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾، فأجابوه مِن بعد عقلهم للمخاطبة وفهمهم لها (٢) بأن ﴿قَالُوا بَلَى﴾، فأقرُّوا له بالربوبية. فيقال له: فهكذا نقول: إنَّ الطفل إذا سقَطَ من بطن أمِّه فهو من ساعته يَفهَم المخاطبةَ إن خُوطِب ويُجيب عنها، ويُقرُّ له بالربوبية كإقرار الذين أقرُّوا له بالربوبية في الوقت الذي أخذ عليهم الميثاق! فإن قال: نعم، كابَرَ عقلَه وأَكذَبه العيان. وإن قال: لا أقول ذلك، [و] فرَّقَ بين الوقتين، فجعل حالهم في وقت الولادة خلافَ حالهم في الوقت الأول عند أخذ

стр. 790

الميثاق منهم= فيقال له: فكذلك جائزٌ أن يكونوا كانوا (١) في الوقت الأول عارفين، وهم في وقت الولادة غيرُ عارفين كما كانوا في الوقت الأول؛ فقد فهموا المخاطبة وعقلوها وأجابوا مُقرِّين لله بالربوبية، وهم في وقت الولادة على خلاف ذلك. قلت: كلُّ مَن قال بأنَّ العهد الذي أُخِذ عليهم هو أنَّهم أُخرِجوا من صُلب آدم وخُوطِبوا، وأقرُّوا له بالربوبية، ثمَّ رُدُّوا في صلبه= فإنَّه يفرق بين حالهم ذلك الوقتَ وحالهم وقتَ الولادة قطعًا. ولا يقول ابن قتيبة ولا غيره: إنَّهم وُلِدوا عارفين فاهمين يفهمون السؤال ويرُدُّون الجواب. فالأقسام أربعةٌ: أحدها: استواء حالتهم وقت أخذ العهد ووقت سقوطهم في العلم والمعرفة. الثاني: استواء الوقتين في عدم ذلك. الثالث: حصول المعرفة عند السقوط، وعدمها عند أخذ العهد. وهذه الأقسام الثلاثة باطلةٌ لا يقول بواحدٍ منها أحد (٢). الرابع: معرفتهم وفهمهم وقتَ أخذِ العهد دون وقت السقوط. وهذا يقوله كلُّ مَن يقول: إنَّه أخرجهم من صُلب أبيهم آدم وكلَّمهم وخاطبهم، وأشهَدَ عليهم ملائكته، وأشهدهم على أنفسهم، ثم ردَّهم في صُلبه. وهذا

стр. 791

قول جماهير من السلف والخلف، واعتمدوا على ما ذكرنا من هذه الآثار مرفوعها وموقوفها. وأحسن شيء فيها حديث مسلم بن يسار عن عمر بن الخطاب ﵁ (١)، وقد ذكرنا كلام الأئمة فيه. على أنَّ إسحاق قد رواه عن حكَّام بن سَلْم، عن [عنبسة، عن] عُمَارة (٢) بن عُمَير، عن أبي محمد رجلٍ من أهل المدينة قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁ عن هذه الآية، فقال: سألت رسول الله ﷺ عنها، فقال: «خلق الله آدمَ بيده ونفخ فيه من رُوحه، ثم أجلسه فمسح ظهرَه، فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتُهم للجنة، يعملون بما شئتُ من عمل، ثم أختم لهم بأحسن (٣) أعمالهم فأُدخِلهم الجنة. ثم مسح ظهره، فأخرج ذرًّا، فقال: ذرٌّ ذرأتهم للنار، يعملون بما شئت من عملٍ، ثم أختم لهم بأسوأ أعمالهم، فأُدخلهم النار» (٤). فهذا لا ذِكر فيه لمخاطبتهم وسؤالهم واستنطاقهم، وهو موافقٌ لسائر الأحاديث، ويُشبِه أن يكون هو المحفوظ عن عمر ﵁. وأمَّا سائر الأحاديث فالمرفوع الصحيح منها إنَّما فيه إثبات القبضتين، وتمييز أهل السعادة من أهل الشقاوة قبل إخراجهم إلى دار التكليف؛ مثل

стр. 792

الحديث الذي رواه أحمد (١) عن عبد الصمد، حدثنا حمادٌ، حدثنا الجُرَيري، عن أبي نضرة أنَّ رجلًا من أصحاب النبي ﷺ يقال له أبو عبد الله دخل عليه أصحابه يعودونه وهو يبكي، فقالوا له: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله قبض قبضةً بيمينه، وأخرى بيده الأخرى، فقال: هذه لهذه، وهذه لهذه، ولا أبالي» فلا أدري في أي القبضتين أنا. وكذلك حديث المَقبُري عن أبي هريرة ﵁ يرفعه الذي تقدَّم (٢) هو وغيرُه من الأحاديث التي فيها: أنَّ الله أخرج ذرية آدم من ظهره وأراه إياهم، وجعل أهل السعادة في قبضته اليمنى، وأهل الشقاوة في القبضة الأخرى. وأمَّا الآثار التي فيها أنَّه استنطقهم وأشهدهم وخاطبهم فهي بين موقوفةٍ ومرفوعةٍ لا يصح إسنادها؛ كحديث مسلم بن يسار، وحديث هشام بن حكيم بن حزام، فإنَّ في إسناده بقيةَ بن الوليد وراشدَ بن سعدٍ وفيهما مقال (٣)، وأبو (٤) قتادة النصري وهو مجهولٌ. وبالجملة: فالآثار في إخراج الذرية من ظهر آدم وحصولهم في القبضتَين كثيرةٌ لا سبيل إلى ردِّها وإنكارها، ويكفي وصولها إلى التابعين، فكيف

стр. 793

بالصحابة؟ ومثلها لا يقال بالرأي والتخمين، ولكن الذي دلَّ عليه الصحيح من هذه الآثار: إثباتُ القدر وأنَّ الله عَلِم ما سيكون قبل أن يكون، وعَلِم الشقي والسعيد من ذرية آدم. وسواءٌ كان ما استخرجه فرآه آدم هو أمثالَهم أو أعيانَهم. فأمَّا نطقهم فليس في شيء من الأحاديث التي تقوم بها الحجة (١)، ولا يدل عليه القرآن، فإن القرآن يقول فيه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ فذكر الأخذ من ظهور بني آدم لا من نفس ظهر آدم، وذرياتُهم يتناول كلَّ من وَلَدُوه وإن كان كبيرًا (٢)، كما قال في تمام الآية: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اَللَّهَ اَصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى اَلْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]، وقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]، وقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأنعام: ٨٥]، فاسم الذرية يتناول الكبار. وقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾، فشهادة المرء على نفسه في القرآن يراد بها إقراره، فمن أقرَّ بحقٍّ عليه فقد شهد به على

стр. 794

نفسه، قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ اِلْوَالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٤]، كما احتج الفقهاء بذلك على صحة الإقرار. وفي حديث ماعز بن مالك (١): «فلما شهد على نفسه أربع مرَّاتٍ»، أي: أقرَّ أربع مرَّاتٍ. وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسْجِدَ اَللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، فإنَّهم كانوا مُقرِّين بما هو كفرٌ، فكان ذلك شهادتهم على أنفسهم. ومنه قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ اُلْحَيَاةُ اُلدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣١]، فشهادتهم على أنفسهم هو إقرارهم، وهو أداء الشهادة على أنفسهم. ولفظ «شَهِد فلانٌ» و «أَشْهَدَ به» يراد به تحمُّل الشهادة ويراد به أداؤها، فالأول كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والثاني كقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥]. وقولُه: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ من هذا الثاني، ليس المراد أنَّه جعلهم يتحمَّلون الشهادة على أنفسهم ويؤدُّونها في وقتٍ آخر، فإنَّه سبحانه في مثل ذلك إنَّما يُشهِد على الرجل غيرَه، كما في قصة آدم لمَّا أشهد عليه الملائكة، وكما في شهادة الملائكة وشهادة الجوارح على أصحابها. ولهذا قال بعض المفسرين: المعنى: أشهَدَ بعضَهم على بعضٍ (٢)، لكن هذا اللفظ حيث جاء

стр. 795

في القرآن إنَّما يُراد به شهادة الرجل على نفسه، بمعنى أداء الشهادة على نفسه. وقولهم: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ هو إقرارهم بأنَّه ربُّهم، ومن أخبر بأمر عن نفسه فقد شَهِد به على نفسه، فإنَّ قولهم: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ معناه: أنت ربُّنا. وهذا إقرارٌ منهم بربوبيته لهم، وجعلهم شهداء على أنفسهم بما أقرُّوا به. وقوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ﴾ يقتضي أنَّه هو الذي جعلهم شاهدين على أنفسهم بأنَّه ربُّهم. وهذا الإشهاد مقرون بأخذهم من ظهور آبائهم. وهذا الأخذ المعلوم المشهود الذي لا ريبَ فيه هو أخذ المني من أصلاب الآباء ونزولُه في أرحام الأمهات، لكن لم يذكر هنا الأمهات، كقوله: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ﴾، وهم كانوا مُتَّبِعين لدين آبائهم لا لدين الأمهات، كما قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. ولهذا قال: ﴿قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٣]. فهو سبحانه يقول: اذكر حين أُخِذُوا من أصلاب الآباء فخُلِقوا حين وُلِدوا على الفطرة مقرِّين بالخالق، شاهدين على أنفسهم بأنَّ الله ربُّهم. فهذا الإقرار حجةٌ لله عليهم يوم القيامة، فهو يذكر أخذه لهم، وإشهاده إياهم على أنفسهم، فإنَّه سبحانه خلق فسوَّى، وقدَّر فهدى، فأخْذُهم يتضمَّن خلْقَهم، والإشهاد يتضمَّن هُداه لهم إلى هذا الإقرار، فإنَّه قال: ﴿أَشْهَدَهُمْ﴾ أي: جعلهم شاهدين، فهذا الإشهاد من لوازم الإنسان، وكل إنسان جعله الله مُقِرًّا بربوبيَّته شاهدًا على نفسه بأنَّه مخلوقٌ واللهُ خالقه. وهذا أمرٌ ضروري لبني آدم لا ينفكُّ منه مخلوقٌ، وهو مما جُبِلوا عليه، فهو علمٌ ضروري لهم لا يمكن أحدًا جحدُه.

стр. 796

ثم قال بعد ذلك: ﴿أَن يَقُولُوا﴾ أي: كراهية أن يقولوا، أو (١): لئلا يقولوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، أي: عن هذا الإقرار لله بالربوبية، وعلى نفوسنا بالعبودية، فإنَّهم ما كانوا غافلين عن هذا، بل كان هذا من العلوم الضرورية اللازمة لهم التي لم يخلُ منها بشرٌ قط، بخلاف كثير من العلوم التي قد تكون ضروريةً ولكن قد يغفُل عنها كثيرٌ من بني آدم، من علوم العدد والحساب وغير ذلك، فإنَّها إذا تُصوِّرت كانت علومًا ضروريةً، لكن كثيرٌ من الناس غافلٌ عنها. وأمَّا الاعتراف بالخالق فإنَّه علمٌ ضروري لازمٌ للإنسان لا يغفُل عنه أحدٌ بحيث لا يعرفه، بل لا بدَّ أن يكون قد عرفه، وإن قُدِّر أنَّه نسيه. ولهذا يُسمَّى التعريف بذلك تذكيرًا، فإنَّه تذكيرٌ بعلومٍ فِطريةٍ ضروريةٍ، وقد ينساها العبد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ نَسُوا اُللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وفي الحديث الصحيح: «يقول الله للكافر: فاليوم أنساك كما نسيتَني» (٢). ثم قال: ﴿أَوْ يَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]، فذكر سبحانه لهم حُجَّتين يدفعهما هذا الإشهاد: إحداهما: أن يقولوا: ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾، فبيَّن أنَّ هذا علمٌ فطري ضروري لا بدَّ لكلِّ بشرٍ من معرفته. وذلك يتضمَّن حجة الله في إبطال

стр. 797

التعطيل، وأنَّ القول بإثبات الصانع علمٌ فطري ضروري، وهو حجةٌ على نفي التعطيل. والثاني: أن يقولوا: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ﴾، وهم آباؤنا المشركون. أي: أفتعاقبنا بذنوب غيرنا؟ فإنَّه لو قُدِّر أنَّهم لم يكونوا عارفين بأنَّ الله ربُّهم ووجدوا آباءَهم مشركين وهم ذريةٌ مِن بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أنَّ يحتذي الرجلُ حذوَ أبيه حتى في الصناعات والمساكن والملابس والمطاعم، إذ كان هو الذي ربَّاه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه؛ فإذا كان هذا مقتضى العادة والطبيعة، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك= قالوا (١): نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن كنَّا ذريةً لهم بعدهم، ولم يكن عندنا ما يبيِّن خطأهم. فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به مِن أنَّ الله وحدَه هو ربُّهم، كان معهم ما يبيِّن بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم. فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء كانت الحجةَ عليهم الفطرةُ الطبيعيَّة الفعلية (٢) السابقة لهذه العادة الطارئة، وكانت الفطرةُ الموجِبةُ للإسلام سابقةً للتربية التي يحتجُّون بها. وهذا يقتضي أنَّ نفس العقل الذي به يعرفون التوحيد حجةٌ في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسولٍ، فإنَّه جعل ما تقدَّم حُجَّةً عليهم بدون هذا.

стр. 798

وهذا لا يناقض قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإنَّ الرسول يدعو إلى التوحيد، لكن إن لم يكن في (١) الفطرة دليلٌ عقليٌّ يعلم به إثبات الصانع= لم يكن في مجرَّد الرسالة حجةٌ عليهم. فهذه الشهادة على أنفسهم التي تتضمَّن إقرارَهم بأنَّ الله ربُّهم ومعرفتَهم بذلك= أمرٌ لازمٌ لكل بني آدم، به تقوم حجة الله تعالى في تصديق رسله. فلا يمكن أحدًا أن يقول يوم القيامة إنِّي كنتُ عن هذا غافلًا، ولا أنَّ الذنب كان لأبي المشرك دوني، لأنَّه عارفٌ بأنَّ الله ربُّه لا شريكَ له، فلم يكن معذورًا في التعطيل والإشراك، بل قام به ما يستحق به العذاب. ثم إنَّ الله سبحانه لكمال رحمته وإحسانه لا يعذِّب أحدًا إلا بعد إرسال الرسول إليه، وإن كان فاعلًا لِما يستحق به الذمَّ والعقاب، فلِلّه على عبده حُجَّتان قد أعدَّهما عليه لا يعذبه إلا بعد قيامهما: إحداهما: ما فَطَره عليه وخلقه عليه من الإقرار بأنَّه ربُّه ومليكه وفاطره، وحقُّه عليه لازمٌ. والثانية: إرسال رسله إليه بتفصيل ذلك وتقريره وتكميله. فيقوم عليه شاهد الفطرة والشرعة، ويُقِرُّ على نفسه بأنَّه كان كافرًا كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، فلم ينفِّذ عليهم الحكم إلا بعد إقرارٍ وشاهدَين، وهذا غاية العدل.

стр. 799

فصل (١) قال أبو عمر (٢): وقد اختلف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، وكذلك اختلفوا في الأطفال وحكمهم في الدنيا والآخرة. فقال ابن المبارك: تفسيره آخر الحديث: «الله أعلم بما كانوا عاملين». هكذا ذكر أبو عبيد (٣) عن ابن المبارك لم يَزِد شيئًا. وذكر عن محمد بن الحسن أنَّه سأله عن تأويل هذا الحديث فقال: كان هذا القول من النبي ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد. قال أبو عمر: أما [ما] (٤) ذكره عن ابن المبارك فقد روي عن مالك نحوه، وليس فيه مقنعٌ من التأويل، ولا شرحٌ موعبٌ (٥) في أمر الأطفال، ولكنها جملةٌ تؤدِّي إلى الوقوف عن القطع فيهم بكفرٍ أو إيمانٍ، أو جنةٍ أو نارٍ، ما لم يبلغوا العمل. قال: وأما ما ذكره عن محمد بن الحسن فأظن محمد بن الحسن حاد عن الجواب فيه، إمَّا لإشكاله عليه، وإمَّا لجهله به، أو لما شاء الله.

стр. 800

وأمَّا قوله: إنَّ ذلك كان من النبي ﷺ قبل أن يؤمر الناس بالجهاد، فلا أدري ما هذا! فإن كان أراد أنَّ ذلك منسوخٌ، فغير جائزٍ عند العلماء دخول النسخ في أخبار الله وأخبار رسوله؛ لأنَّ المُخبِر بشيءٍ كان أو يكون إذا رجع عن ذلك لم يخلُ رجوعه عن تكذيبه لنفسه، أو غلطه فيما أخبر به، أو نسيانه؛ وقد عصم اللهُ رسولَه في الشريعة والرسالة منه. وهذا لا يخالف فيه أحدٌ له أدنى فَهْم، فقِفْ عليه، فإنَّه أمرٌ حتمٌ في أصول الدين. وقول محمد: «إنَّ ذلك كان قبل أن يؤمر الناس بالجهاد» (١) ليس كما قال، لأنَّ في حديث الأسود بن سريع (٢) ما يبيِّن أنَّ ذلك كان منه بعد الأمر بالجهاد. وروى بإسناده عن الحسن، عن الأسود بن سريعٍ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما بال أقوامٍ بلغوا في القتل حتى قتلوا الولدان؟»، فقال رجلٌ: أَوَليس إنما هم (٣) أولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «أوليس خيارُكم أولادَ المشركين؟ إنَّه ليس من مولود يُولَد إلا على الفطرة حتى يبلغَ فيُعبِّر عنه لسانُه، ويهوِّدُه أبواه أو ينصِّرانه». قال: وروى هذا الحديث عن الحسن جماعةٌ، منهم: بكرٌ المزني، والعلاء بن زيادٍ، والسري بن يحيى (٤). وقد روي عن الأحنف عن

стр. 801

الأسود بن سريعٍ (١)، وهو حديث بصري صحيح. وروى عوفٌ الأعرابي، [عن أبي رجاءٍ العُطاردي] (٢)، عن سمرة بن جندب عن النبي ﷺ قال: «كل مولود يُولَد على الفطرة»، فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين» (٣). انتهى.

стр. 802

قال شيخنا (١): أمَّا ما ذكره عن ابن المبارك ومالك فيمكن أن يقال: إنَّ المقصود أنَّ آخر الحديث يبيِّن أنَّ الأولاد قد سبق في علم الله ما يعملون إذا بلغوا، وأنَّ منهم مَن يؤمن فيدخل الجنة، ومنهم مَن يكفر فيدخل النار، فلا يُحتجُّ بقوله: «كل مولود يُولَد على الفطرة» على نفي القدر كما احتجت القدرية به، ولا على أنَّ أطفال الكفار كلَّهم في الجنة لكونهم وُلِدوا على الفطرة، فيكون مقصود الأئمة أنَّ الأطفال على ما في آخر الحديث. وأمَّا قول محمد، فإنَّه رأى الشريعة قد استقرَّت على أنَّ ولد الكافر يَتْبَع أبوَيْه في الدين في أحكام الدنيا، فيُحكَم له بحكم الكفر في أنَّه لا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا يرِثه المسلمون، ويجوز استرقاقُه، وغير ذلك، فلم يَجُز لأحدٍ أن يحتجَّ بهذا الحديث على أنَّ حكم الأطفال في الدنيا حكم المؤمنين. وهذا حقٌّ، ولكنَّه ظنَّ أنَّ الحديث اقتضى الحكمَ لهم في الدنيا بأحكام أطفال المؤمنين، فقال: هذا منسوخٌ كان قبل الجهاد، لأنَّه بالجهاد أُبِيح استرقاق النساء والأطفال، والمؤمن لا يُسترَقُّ. ولكن كون الطفل يَتبَع أباه في الدين في الأحكام الدنيوية أمرٌ ما زال مشروعًا، وما زال الأطفال تبعًا لآبائهم في الأمور الدنيوية، فالحديث لم يَقصِد بيانَ هذه الأحكام، وإنما قصَدَ ما وُلِدوا عليه من الفطرة. وإذا قيل: إنَّه وُلِد على فطرة الإسلام أو خُلِق حنيفًا ونحو ذلك، فليس

стр. 803

المراد به أنَّه حين خرج من بطن أمِّه يعلم هذا الدين ويريده، فالله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا. ولكن فطرته سبحانه موجِبةٌ مقتضيةٌ لمعرفة دين الإسلام ومحبته، ففُطِروا على فطرةٍ مستلزمةٍ للإقرار بالخالق ومحبته وإخلاص الدين له، وموجَباتُ الفطرة ومقتضَياتُها تحصل شيئًا بعد شيءٍ بحسب كمال الفطرة إذا سَلِمت عن المعارض، كما أنَّ كلَّ مولودٍ يُولَد فإنَّه يُولَد على محبَّةِ ما يلائم بدنه من الأغذية والأشربة، فيشتهي اللبن الذي يناسبه. وهذا من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٤٩]، وقوله: ﴿اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى (٢) وَاَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢ ــ ٣]، فهو سبحانه خلق الحيوان مهتديًا إلى طلب ما ينفعه ودفع ما يضُرُّه. ثم هذا الحُبُّ والبُغض يحصل فيه شيئًا بعد شيء، ثم قد يَعرِض لكثير من الأبدان ما يفسد ما وُلد عليه من الطبيعة السليمة. فصل (١) قال أبو عمر (٢): وأمَّا اختلاف العلماء في الفطرة المذكورة في هذا الحديث وما كان مثله، فقالت فرقةٌ: الفطرة في هذا الموضع أريد بها الخِلقة التي خُلِق عليها المولود من المعرفة بربه، فكأنَّه قال: كل مولود يولد على خِلقةٍ يَعرِف بها ربَّه إذا بلغ مَبلَغ المعرفة، يريد أنَّ خَلْقه مخالفٌ لخِلقة البهائم التي لا تصِل بخِلقتها إلى معرفته (٣). قالوا: لأنَّ الفاطر هو الخالق.

стр. 804

قال: وأنكرَتْ أن يكون المولود يُفطَر على إيمانٍ أو كفرٍ، أو معرفة أو إنكارٍ. قال شيخنا: صاحب هذا القول إن أراد بالفطرة التمكُّن من المعرفة والقدرة عليها، فهذا ضعيفٌ؛ فإنَّ مجرد القدرة على ذلك لا يقتضي أن يكون حنيفًا، ولا أن يكون على الملة. ولا يحتاج أن يذكر تغيير أبويه لفطرته حتى يُسأل عمَّن مات صغيرًا. ولأنَّ القدرة في الكبير أكمل منها في الصغير. وهو لمَّا نهاهم عن قتل الصبيان فقالوا: إنَّهم أولاد المشركين قال: «أوليس خياركم أولاد المشركين؟ ما من مولود إلا يولد على الفطرة» (١). ولو أريد القدرة لكان البالغون كذلك مع كونهم مشركين مستوجبين للقتل. وإن أراد بالفطرة القدرةَ على المعرفة مع إرادتها، فالقدرة الكاملة مع الإرادة التامة تستلزم وجود المراد المقدور، فإذا فطروا على القدرة على المعرفة وإرادتها كان ذلك مستلزمًا للإيمان ولم يتخلَّف موجَبُه ومقتضاه. فصل (٢) قال أبو عمر (٣): وقال آخرون معنى قوله: «كل مولود يولد على الفطرة» يعني: البَدْأة (٤) التي ابتدأهم عليها، يريد أنه مولودٌ على ما فطر الله عليه خلقه

стр. 805

من أنَّه ابتدأهم للحياة والموت، والسعادة والشقاوة، إلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم عن آبائهم واعتقادهم. قالوا: والفطرة في كلام العرب البداءة، والفاطر: المبتدئ. فكأنَّه قال: يُولَد على ما ابتدأه عليه من الشقاء والسعادة، وغير ذلك ممَّا يصير إليه. واحتجوا بقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ اِلضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٨]. وروى بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: لم أَدرِ ما فاطر السماوات والأرض حتى أتى أعرابيان يختصمان في بئرٍ، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها (١). وذكروا ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ في دعائه: اللهم جبَّار القلوب على فِطراتها شقيها وسعيدها (٢). قال شيخنا: حقيقة هذا القول أنَّ كل مولود يُولَد على ما سبق في علم الله

стр. 806

أنه صائرٌ إليه، ومعلومٌ أنَّ جميع المخلوقات بهذه المثابة، فجميع البهائم هي مولودةٌ على ما سَبَق في علم الله لها، والأشجار مخلوقةٌ على ما سبق في علم الله، وحينئذ فيكون كلُّ مخلوقٍ قد خلق على الفطرة. وأيضًا: فلو كان المراد ذلك لم يكن لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه» (١) معنًى، فإنَّهما فَعَلا به ما هو الفطرة التي وُلِد عليها. وعلى هذا القول فلا فرق في الفطرة بين التهويد والتنصير وبين تلقين الإسلام، فإنَّ ذلك كلَّه داخلٌ (٢) فيما سبق به العلم. وأيضًا: فتمثيله ذلك بالبهيمة قد وُلدت جمعاء ثم جدعت يبيِّن أن أبويه غيَّرا ما وُلِد عليه. وأيضًا: فقوله: «على هذه الملة» وقوله: «إني خلقت عبادي حنفاء» (٣) مخالفٌ لهذا. وأيضًا: فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان، فإنَّه مِن حين كان جنينًا إلى ما لا نهاية له من أحواله على ما سبق في عِلم الله، فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيصٌ بغير مخصصٍ. وقد ثبت في «الصحيح» (٤) أنَّه قبل نفخ الروح فيه يُكتَب رزقه، وأجله

стр. 807

وعمله، وشقي أو سعيد. فلو قيل: كل مولود يُنفَخ فيه الرُّوح على الفطرة لكان أشبه بهذا القول، مع أنَّ النفخ هو بعدَ الكتابة. فصل (١) قال أبو عمر (٢): قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: وهذا المذهب شبيهٌ بما حكاه أبو عبيد عن ابن المبارك. قال محمد: وقد كان أحمد بن حنبل يذهب إلى هذا القول، ثم تركه. قال أبو عمر: ما رسمه مالك في «موطئه» وذكره في أبواب القدر، فيه من الآثار ما يدلُّ على أنَّ مذهبه في ذلك نحو هذا. قال شيخنا: أئمة السنة مقصودهم أنَّ الخلق كلَّهم صائرون إلى ما سبق في علم الله من إيمانٍ وكفرٍ، كما في الحديث الآخر: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طُبع يوم طُبع كافرًا» (٣)، والطبع: الكتاب، أي: كُتِب كافرًا، كما قال: «فيكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد» (٤). وليس إذا كان الله قد كتبه كافرًا يقتضي أنَّه حين الولادة كافر، بل يقتضي أنَّه لا بدَّ أن يكفر، وذلك الكفر هو التغيير. كما أنَّ البهيمة التي وُلدت جمعاء وقد سبق في علمه أنَّها تُجدَع= كَتَب أنها مجدوعةٌ بجدعٍ يَحدُث لها بعد الولادة، ولا يجب أن تكون عند الولادة مجدوعةً.

стр. 808

فصل وكلام أحمد في أجوبة متعدِّدة يدلُّ على أنَّ الفطرة عنده: الإسلام، كما ذكر محمد بن نصر عنه أنَّه آخر قوليه، فإنَّه كان يقول: إنَّ صبيان أهل الحرب إذا سُبُوا بدون الأبوين كانوا مسلمين، وإذا كانوا مع الأبوين فهم على دينهما، وإن سُبُوا مع أحدهما ففيه روايتان، وكان يحتج بالحديث. ثم ذكر (١) نصَّ أحمد في رواية المروذي في سبي أهل الحرب أنَّهم مسلمون إذا كانوا صغارًا، وإن كانوا (٢) مع أحد الأبوين، واحتج بقوله: «كل مولود يُولَد على الفطرة» الحديث. وذكر نصَّه في رواية إسحاق بن منصور (٣): إذا لم يكن معه أبواه فهو مسلم. وكذلك نقل يعقوب بن بختان (٤)، قال أبو عبد الله: إذا مات أبواه، وهو صغيرٌ أُجبِر على الإسلام، وذكر الحديث: «فأبواه يهودانه وينصرانه». وقال في رواية عبد الكريم بن الهَيثَم العاقولي (٥) في المجوسيين يُولَد لهما ولدٌ فيقولان: هذا مسلم، فيمكث خمس سنين ثم يُتوفَّى، قال: يدفنه المسلمون، قال النبي ﷺ : «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه».

стр. 809

وقال في رواية المَرُّوذي (١) في الأبوين الكافرين يموتان ويدعان طفلًا: يكون مسلمًا لقول النبي ﷺ : «فأبواه يهودانه وينصرانه»، وهذا ليس له أبوان. قلت: يجبر على الإسلام؟ قال: نعم، هؤلاء مسلمون لقول النبي ﷺ . وهذا كثيرٌ في أجوبته، يحتج بالحديث على أنَّ الطفل إنَّما يصير كافرًا بأبويه، فإذا لم يكن مع أبوين كافرين فهو مسلم، فلو لم تكن الفطرةُ الإسلامَ لم يكن بعدم أبويه يصير مسلمًا، فإنَّ الحديث إنَّما دلَّ على أنَّه يُولَد على الفطرة. ونقل عنه الميموني (٢): أنَّ الفطرة هي الدين، وهي الفطرة الأولى. فهذا آخر قولَي أبي عبد الله في الفطرة، وقد كان يقول أولًا: إنها ما فطروا عليه من الشقاوة والسعادة. قال محمد بن يحيى الكحَّال: قلت لأبي عبد الله: «كل مولود يولد على الفطرة» ما تفسيرها؟ قال: هي الفطرة التي [فطر] (٣) الله الناس عليها: شقي أو سعيد. وكذلك نقل الفضل بن زياد وحنبل وأبو الحارث أنَّهم سَمِعوا أبا عبد الله في هذه المسألة قال: الفطرة التي فطر الله العباد عليها من الشقوة والسعادة. وكذلك نقل عنه علي بن سعيد أنَّه سأله عن قوله: «كل مولود يولد على

стр. 810

الفطرة»، قال: على الشقاء والسعادة، وإليه يرجع كل ما خلق (١). وكذلك قال في رواية الحسن بن ثواب (٢): كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة، يُولَد على الفطرة التي خُلِقوا عليها من الشقاوة والسعادة التي سبقت في أم الكتاب؛ أَرفَعُ (٣) ذلك إلى الأصل (٤). قلتُ: أصحاب هذا القول يحتجون بقوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وبقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمِ اِلضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٢٩ - ٣٠]، وبقوله ﷺ في خلق الجنين: «ثم يُبعَث إليه الملك فيُؤمَر بكَتْب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد» (٥)، وبقوله: «إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طُبِع يومَ طُبِع كافرًا» (٦)، وبالآثار المعروفة: الشقي من شقي في بطن أمه (٧)، وغير ذلك من الآثار الدالة على القدر السابق، وأن الشقاوة والسعادة بقضاءٍ سابقٍ وقدرٍ
следующие страницы →