← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الولدان عليها، وذلك أنَّ الفطرة: السلامةُ والاستقامةُ، بدليل قوله في حديث عياض بن حمارٍ: «إنَّي خلقت عبادي حنفاء» (١) يعني على استقامةٍ وسلامةٍ، وكأنَّه ــ والله أعلم ــ أراد الذين خَلَصُوا من الآفات كلِّها والمعاصي والطاعات، فلا طاعة منهم ولا معصية، إذ لم يعملوا بواحدةٍ منهما. ومن الحجة أيضًا في هذا: قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٤]، و ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، ومن لم يبلغ وقت العمل لم يرتهن بشيء. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قال شيخ الإسلام (٢): هذا القائل إن أراد بهذا أنَّهم خُلِقوا خَالِين من المعرفة والإنكار من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدًا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام= فهذا قول فاسد، لأنَّه حينئذ لا فرقَ بالنسبة إلى الفطرة بين المعرفة والإنكار، والتهويد والتنصير والإسلام، وإنما ذلك بحسب الأسباب. فكان ينبغي أن يقال: فأبواه يجعلانه مسلمًا ويهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه. فلمَّا ذكر أنَّ أبويه يكفِّرانه دون الإسلام عُلِم أنَّ حكمه في حصول ذلك بسبب منفصل غير حكم الكفر. وأيضًا: فإنَّه على هذا التقدير لا يكون في القلب سلامةٌ ولا عطبٌ، ولا استقامةٌ ولا زيغٌ، إذ نسبتُه إلى كلٍّ منهما نسبةٌ واحدةٌ، وليس هو بأحدهما

стр. 842

أولى منه بالآخر، كما أنَّ الورق قبل الكتابة لا يثبت له حكمُ مدحٍ ولا حكم ذمٍّ، والتراب قبل أن يبنى مسجدًا أو كنيسةً لا يثبت له حكمُ واحدٍ منهما. وبالجملة: فكلُّ ما كان قابلًا للممدوح والمذموم على السواء لم يستحِقَّ مدحًا ولا ذمًّا، والله تعالى يقول: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اِللَّهِ﴾ [الروم: ٢٩]، فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها، فكيف لا تكون ممدوحةً؟! وأيضًا: فإنَّ النبي ﷺ شبَّهها بالبهيمة المجتمعة الخَلْق، وشبَّه ما يَطرَأ عليها من الكفر بجَدْعِ الأنف والأذن، ومعلومٌ أنَّ كمال الخِلقة ممدوحٌ ونقصَها مذمومٌ، فكيف تكون قبل النقص لا ممدوحةً ولا مذمومةً؟! فصل (١) وإن كان المراد بهذا القول ما قاله طائفةٌ من الناس أنَّ المعنى أنَّهم وُلِدوا على الفطرة السليمة التي لو تُرِكت على صحتها لاختارت المعرفة على الإنكار، والإيمان على الكفر، ولكن بما عرض لها من الفساد خرجت عن هذه الصحة= فهذا القول قد يقال: إنه لا يَرِد عليه ما يرد على الذي قبله، فإنَّ صاحبه يقول: في الفطرة قوةٌ تميل بها إلى المعرفة والإيمان، كما في البدن الصحيح قوةٌ يحبُّ بها (٢) الأغذيةَ النافعة. وبهذا كانت محمودةً، وذُمَّ من أفسدها. لكن يقال: فهذه الفطرة التي فيها هذه القوة والقبول والاستعداد والصلاحية، هل هي كافيةٌ في حصول المعرفة، أو تقف المعرفة على أدلةٍ

стр. 843

تتعلَّمها من خارج؟ فإن كانت المعرفة تَقِف على أدلةٍ تتعلَّمها من خارج أمكن أن توجد تارةً، وتعدم أخرى. ثم ذلك السبب الخارج امتنع أن يكون مُوجِبًا للمعرفة بنفسه، بل غايته أن يكون مُعرِّفًا ومُذكِّرًا، فعند ذلك إن وجب حصولُ المعرفة كانت المعرفة واجبةَ الحصول عند وجود تلك الأسباب، وإلَّا فلا. وحينئذٍ فلا يكون فيها إلا قبولُ المعرفة والإيمان إذا وَجَدتْ مَن يعلِّمها أسبابَ ذلك، و [معلوم أن فيها قبولَ الإنكار والكفر إذا وجدت من يعلِّمها] (١) أسبابَ ضدِّه من التهويد والتنصير والتمجيس. وحينئذٍ فلا فرقَ فيها بين الإيمان والكفر، والمعرفة والإنكار، إنَّما فيها قوةٌ قابلةٌ لكلٍّ منهما واستعدادٌ له، لكن يتوقَّف على المؤثِّر الفاعل من خارج. وهذا هو القسم الأول الذي أبطلناه، وبيَّنَّا أنَّه ليس في ذلك مدحٌ للفطرة. وإن كان فيها قوةٌ تقتضي المعرفة بنفسها ــ وإن لم يوجد من يعلِّمها أدلَّة المعرفة ــ لَزِم حصول المعرفة فيها بدون ما تسمعه (٢) من أدلَّة المعرفة، سواءٌ قيل: إن المعرفة ضروريةٌ فيها، أو تحصل بأسبابٍ كالأدلة التي تنتظم في النفس من غير أن تسمع كلامَ مستدلٍّ، فإنَّ النَّفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا تحتاج معه إلى كلام أحدٍ. فإن كان كلُّ مولود يُولَد على هذه الفطرة، لزم أن يكون المقتضي للمعرفة حاصلًا لكلِّ مولود، وهو المطلوب، والمقتضي التام يستلزم مقتضاه.

стр. 844

فتبيَّن أنَّ أحد الأمرين لازمٌ: إمَّا كون الفطرة مستلزمةً للمعرفة، وإمَّا استواء الكفر والإيمان بالنسبة إليها، وذلك ينفي مدحها. وتلخيص النكتة أن يقال: المعرفة والإيمان بالنسبة إليها ممكنٌ بلا ريبٍ؛ فإمَّا أن تكون هي مُوجِبةً مُستلزِمةً له، وإمَّا أن يكون مُمكِنًا (١) بالنسبة إليها ليس بواجبٍ لازمٍ لها. فإن كان الثاني لم يكن فرقٌ بين الكفر والإيمان، إذ كلاهما ممكنٌ بالنسبة إليها. فتبيَّن أنَّ المعرفة لازمةٌ لها واجبةٌ، إلا أن يُعارِضها مُعارِضٌ. فإن قيل: ليست موجِبةً مستلزمةً للمعرفة، ولكنَّها إليها أميل مع قبولها للنكرة. قيل: فحينئذٍ إذا لم تستلزم المعرفةَ، وُجِدت تارةً وعدمت أخرى، وهي وحدَها لا تُحصِّلها، فلا تحصل إلا بشخص آخر كالأبوين، فيكون الإسلام في ذلك كالتهويد والتنصير والتمجيس. ومعلومٌ أنَّ هذه الأنواع بعضها أبعد عن الفطرة من بعض، لكن مع ذلك لمَّا لم تكن الفطرة مقتضيةً لشيء منها أضيفت إلى السبب. فإن لم تكن الفطرة مقتضيةً للإسلام صارت نسبتها إلى ذلك كنسبة التهويد والتنصير إلى التمجيس، فوجب أن يُذكَر كما ذُكِر ذلك. وهذا كما لو كانت لم تقتضِ الأكل (٢) إلا بسببٍ منفصل (٣). والنبي ﷺ

стр. 845

شبَّه اللَّبَن بالفطرة لمَّا عُرِض عليه اللَّبَن والخمْر، واختار اللَّبَن، فقال له جبريل: «أصبتَ الفِطرةَ، ولو أخذتَ الخمرَ لَغَوَتْ أمَّتُك» (١). والطفل مفطورٌ على أنَّه يختار شُربَ اللبن بنفسه، فإذا تمكَّن من الثدي لزم أن يرتضع لا مَحالة، فارتضاعه ضَروري إذ لم يوجَد معارض، وهو مولود على أن يرتضع. فكذلك هو مولود على أن يعرف الله، والمعرفة ضرورية لا محالة إذا لم يوجَد معارض. وأيضًا: فإنَّ حُبَّ النَّفس وخضوعَها لله تعالى وإخلاصَ الدين له، والكفرَ والشركَ والنفورَ والإعراضَ عنه= إمَّا أن تكون نسبتهما إلى الفطرة سواءً، أو (٢) الفطرة مقتضية للأول دون الثاني. فإن كانا سواءً لزم انتفاء المدح، ولم يكن فرقٌ بين اقتضائها للكفر واقتضائها للإيمان، ويكون تمجيسها كتحنيفها، وهذا باطلٌ قطعًا. وإن كان فيها مقتضٍ للأول دون الثاني، فإمَّا أن يكون المقتضي مستلزمًا لمقتضاه عند عدم المعارض، وإمَّا أن يكون متوقِّفًا على شخصٍ خارجًا (٣)

стр. 846

عنها. فإن كان الأوَّل ثبت أنَّ ذلك من لوازمها، وأنَّها مفطورةٌ عليه (١) لا يُفقَد إلا إذا أفسدت الفطرة. وإن قيل: إنَّه متوقِّفٌ على شخص، فذلك الشخص هو الذي يجعلها حنيفيةً كما يجعلها مجوسيةً، وحينئذٍ فلا فرقَ بين هذا وهذا. وإذا قيل: هي إلى الحنيفية أميَل كان كما يقال: هي إلى النصرانية أميل. فتبيَّن أنَّ فيها قوةً مُوجِبةً للحبِّ لله والذلِّ له وإخلاص الدين له، وأنَّها موجِبةٌ لمقتضاها إذا سَلِمت من المعارض، كما فيها قوة تقتضي شُرب اللَّبن الذي فُطِرت على محبَّته وطلبه. فصل (٢) وممَّا يبيِّن هذا أنَّ كلَّ حركةٍ إراديةٍ فإنَّ المُوجِب لها قوةٌ في المريد، فإذا أمكن الإنسانَ أن يحبَّ اللهَ ويعبدَه ويُخلِصَ له الدين كان فيه قوةٌ تقتضي ذلك، إذ الأفعال الإرادية لا يكون سببها إلا من نفس الحيِّ المريد الفاعل. ولا يشترط في إرادته إلا مجرَّد الشعور بالمراد، فما في النفوس من قوة المحبَّة لله إذا شعرت به يقتضي حبَّه إذا لم يحصل معارضٌ. وهذا موجودٌ في محبَّة الأطعمة والأشربة والنكاح، ومحبة العلم، وغير ذلك. وإذا كان كذلك، وقد ثبت في النفس قوة المحبَّة لله والذلِّ له وإخلاص الدين له، وأنَّ فيها قوةَ الشعور به= لَزِم قطعًا وجود المحبَّة فيها والذلِّ في

стр. 847

الفعل (١)، لوجود المقتضي الموجِب إذا سَلِم عن المعارض. وعُلِم أنَّ المعرفة والمحبة لا يُشترط فيهما وجودُ شخصٍ منفصل وإن كان وجودُه قد يذكِّر ويحرِّك، كما إذا خُوطِب الجائع بوصف الطعام، والمغتلم بوصف النساء، فإنَّ هذا مما يذكر ويحرك، لكن لا يشترط ذلك لوجود الشهوة. فكذلك الأسباب الخارجة لا يتوقَّف عليها وجود ما في الفطرة من الشعور بالخالق والذلِّ له ومحبته، وإن كان ذلك مذكرًا ومحركًا ومزيلًا للمعارض المانع. وأيضًا: فالإقرار بالصانع بدون عبادته والمحبة له وإخلاصِ الدين له لا يكون نافعًا، بل الإقرار مع البغض أعظم استحقاقًا للعذاب. فلا بد أن يكون في الفطرة مقتضٍ للعلم ومقتضٍ للمحبة، والمحبةُ مشروطةٌ بالعلم، فإنَّ ما لا يَشعُر به الإنسان لا يحبُّه، ومحبَّة الأشياء المحبوبة لا تكون بسبب من خارج، بل هي أمرٌ جبليٌّ فطريٌّ. وإذا كانت المحبَّة فطريَّةً فالشعور فطريٌّ. ولو لم تكن المحبَّة فطريَّةً لكانت النفس قابلةً لها ولضِدِّها على السواء، وهذا ممتنع. فعُلِم أن الحنيفية من موجَبات الفطرة ومقتضَياتها. والحب لله والخضوع له والإخلاص هو أصل أعمال (٢) الحنيفية، وذلك مستلزمٌ للإقرار والمعرفة، ولازم اللازم لازم، وملزوم الملزوم ملزوم؛ فعُلِم أنَّ الفطرة ملزومةٌ لهذه الأحوال، وهذه الأحوال لازمةٌ لها، وهو المطلوب.

стр. 848

فصل في تلخيص هذه الأقوال التي حكيناها * فمنها قولان من جنسٍ واحدٍ وهما: قول من يقول: وُلِدوا على ما سبق به القدر. وقول من يقول: وُلِدوا على وجود المقدَّر، وكانوا مفطورين عليه من حين الميثاق الأول طوعًا وكرهًا. * وقولان من جنسٍ، وهما: قول من يقول: وُلِدوا قادرين على المعرفة. وقول من يقول: وُلِدوا قابلين لها وللتهوُّد والتنصُّر: إما مع التساوي، أو مع رجحان القبول للإسلام. * وقولان من جنسٍ، وهما: قول من يقول: وُلِدوا على فطرة الإسلام. وقول من يقول: وُلِدوا على الإقرار بالصانع، أو على المعرفة الأولى يوم أخذ الميثاق. * وقولان من جنسٍ، وهما: قول من يقول: وُلِدوا على سلامة القلب وخلوِّه من الكفر والإيمان. وقول من يقول: وُلِدوا مُهيَّئين لذلك قابلين له. * وقولان من جنسٍ، وهما:

стр. 849

قول من يقول: الحديث منسوخٌ. وقول من يَقِف في معناه. والصحيح من هذه الأقوال: ما دل عليه القرآن والسنَّة أنَّهم وُلِدوا حُنَفاء على فطرة الإسلام، بحيث لو تُركوا وفِطَرَهم لكانوا حُنفاء مسلمين، كما وُلِدوا أصِحَّاء كاملي الخِلقة، فلو تُركوا وخَلقهم لم يكن فيهم مجدوع ولا مشقوق الأذن. ولهذا لم يذكر النبي ﷺ لذلك شرطًا مقتضيًا غير الفطرة، وجعل خلاف مقتضاها من فعل الأبوين. وقال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه : «إني خلقتُ عبادي حنفاء، وإنَّهم أتتهم الشياطينُ فاجتالتهم عن دينهم» (١)، فأخبر أنَّ تغيير الحنيفية التي خُلِقوا عليها بأمرٍ طارئ من جهة الشيطان. ولو كان الكفار منهم مفطورين على الكفر لقال: خلقتُ عبادي مشركين، فأتتهم الرسل فاقتطعتهم عن ذلك! كيف وقد قال: «خلقتُ عبادي حنفاء كلَّهم»؟! فهذا القول أصح الأقوال، والله أعلم. * * * *

стр. 850

ذكر أحكام أطفالهم في الآخرة واختلاف الناس في ذلك، وحجَّة كلِّ طائفةٍ على ما ذهبت إليه وبيان الراجح من أقوالهم (١) فذهبت طائفةٌ من أهل العلم إلى التوقُّف في جميع الأطفال، سواءٌ كان آباؤهم مسلمين أو كفارًا، وجعلوهم بجملتهم في المشيئة. وخالفهم في ذلك آخرون، فحكموا لهم بالجنة، وحكوا الإجماع على ذلك. قال الإمام أحمد: لا يختلف فيهم أحدٌ أنَّهم في الجنة (٢). واحتجَّ أرباب التوقف بما ثبت عن النبي ﷺ من حديث عبد الله بن مسعودٍ وأنس بن مالك وغيرهما: «إنَّ الله وكَّل بالرحم مَلَكًا، فإذا أراد الله أن يقضيَ خَلْقه قال الملَك: يا ربِّ، أذكر أم أنثى؟ شقيٌّ أم سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك، وهو في بطن أمِّه» (٣). وكذلك قوله في حديث ابن مسعودٍ: «ثم يُرسَل إليه الملك، فيُؤمَر بأربع كلماتٍ: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أم سعيد». متفقٌ على صحته.

стр. 851

ووجه الدلالة من ذلك أنَّ جميع من يُولَد من بني آدم إذا كُتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يُخلَقوا وجب علينا التوقُّف في جميعهم، لأنَّا لا نعلم هذا الذي تُوفِّي منهم: هل هو ممن كُتِب سعيدًا في بطن أمِّه أو كُتِب شقيًّا. واحتجت هذه الطائفة بما رواه مسلم في «صحيحه» (١) عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: دُعي رسول الله ﷺ إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا! عصفورٌ من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: «أَوْ (٢) غيرُ ذلك يا عائشة؛ إنَّ الله خلق للجنَّة أهلًا: خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا: خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم». وفي لفظ آخر: «وما يُدريكِ يا عائشة؟» (٣). قالوا: فهذا الحديث صحيح صريح في التوقُّف فيهم، فإنَّ الصبِيَّ كان من أولاد المسلمين، ودُعِي النبي ﷺ ليصلِّيَ عليه كما جاء ذلك منصوصًا عليه. قال الآخرون: لا حجة لكم في شيء ممَّا ذكرتم. أمَّا حديث ابن مسعود وأنس، فإنَّما يدلُّ على أنَّ الله سبحانه كتب سعادة الأطفال وشقاوتهم وهم في بطون أمهاتهم، ولا ينفي أن تكون الشقاوة

стр. 852

والسعادة بأشياءَ علمها سبحانه منهم، وأنَّهم عامِلوها لا محالة، تفضي بهم إلى ما كتبه وقدَّره، إذ من الجائز أن يكتب سبحانه شقاوة مَن يُشقيه منهم بأنَّه يُدرِك ويعقل ويكفر باختياره. فمن يقول: أطفال المؤمنين في الجنة، يقول: إنَّهم لم يُكتَبوا في بطون أمهاتهم أشقياء، إذ لو كُتِبوا أشقياء لعاشوا حتى يدركوا زمنَ التكليف، ويفعلوا الأسباب التي قُدِّرت وُصلةً إلى الشَّقاوة التي تُفضي بصاحبها إلى النار، فإنَّ النار لا تُدخَل إلا جزاءً على الكفر والتكذيب الذي لا يُمكِن إلا من العاقل المُدرِك. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا اَلْأَشْقَى (١٥) اَلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ [الليل: ١٤ - ١٦]، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَد جَّاءَنَا نَذِيرٌ (٩) فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اَللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ - ١٠]، وقوله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٣]، إلى غير ذلك من النصوص التي هي صريحةٌ في أنَّ النار جزاء الكافرين المكذِّبين. وأمَّا حديث عائشة ﵂، وإن كان مسلم رواه في «صحيحه» (١) فقد ضعَّفه الإمام أحمد وغيره (٢).

стр. 853

وذكر ابن عبد البر (١) عِلَّتَه بأنَّ طلحة بن يحيى انفرد به عن عمَّته عائشة بنت طلحة، عن عائشة أم المؤمنين، وطلحة ضعيفٌ. وقد قيل: إنَّ فُضَيل بن عمرو رواه عن عائشة بنت طلحة كما رواه طلحة بن يحيى سواءً (٢). هذا كلامه. قال الخلال (٣): أخبرني منصور بن الوليد أنَّ جعفر بن محمد حدَّثهم قال: سمعت أبا عبد الله يُسأل عن أطفال المسلمين؟ فقال: ليس فيه اختلاف أنَّهم في الجنة. أخبرنا أحمد بن محمد بن حازم، أنَّ إسحاق بن منصورٍ حدثهم قال: قال إسحاق بن راهويه: أمَّا أولاد المسلمين فإنَّهم أهل الجنة. أخبرني عبد الملك المَيموني: أنَّهم ذاكروا أبا عبد الله أطفالَ المؤمنين، وذكروا له حديثَ عائشة ﵂ في قصة الأنصاري، وقولَ النبي ﷺ فيه، فسمعت أبا عبد الله يقول غير مرةٍ: «وهذا حديث ... » وذكر فيه رجلًا

стр. 854

ضعَّفه (١)، وهو طلحة. وسَمِعتُه يقول غير مرةٍ: وأحدٌ يشك أنهم في الجنة؟ ثمَّ أملى علينا الأحاديث فيه. وسمعتُه غير مرةٍ يقول: هو يُرجى لأبويه، كيف يُشَكُّ فيه؟! وقال أبو عبد الله: واختلفوا في أطفال المشركين، فابن عباس يقول (٢): كنت أقول: [هم] (٣) مع آبائهم حتى لقيت رجلًا من أصحاب النبي ﷺ فحدَّثني عن رجل آخر من أصحاب النبي ﷺ أنه سُئِل عنهم (٤) فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٥). وقال الحسن بن محمد بن (٦) الحارث: سمعتُ أبا عبد الله يسأل عن

стр. 855

السقط إذا لم تُنفَخ فيه الروح، فقال: الحديث: «يجيء السقطُ مُحْبَنطِئًا» (١). قال الخلال: سألت ثَعلبًا عن «السقط محبنطئًا»، فقال: غضبان (٢)، ويقال: قد ألقى نفسه. وقد أُجِيب عنه بعد التزامِ صحَّتِه (٣) بأنَّ هذا القول كان من النبي ﷺ قبل أن يعلِّمه الله بأنَّ أطفال المؤمنين في الجنَّة. وهذا جواب ابن حزم (٤) وغيره. وأجابت طائفةٌ أخرى عنه بأنَّ النبي ﷺ إنَّما ردَّ على عائشة ﵂ لكونها حكمَتْ على غيبٍ لم تعلمه، كما فعل بأمِّ العلاء إذ قالت حين مات عثمان بن مظعون (٥): شهادتي عليك أنَّ الله أكرمك، فأنكر عليها وقال لها:

стр. 856

«وما يدريكِ أن الله أكرمه؟»، ثم قال: «أما هو فقد جاءه اليقين، وأنا أرجو له الخير، واللهِ ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به» (١)، فأنكر عليها جزمَها وشهادتها على غيبٍ لا تعلمه، وأخبر عن نفسه ﷺ أنه يرجو له الخير. ومن هذا قوله ﷺ : «إن كان أحدكم مادحًا أخاه فليقل: أحسب فلانًا ــ إن كان يرى أنه كذلك ــ ولا أزكي على الله أحدًا» (٢). وقد يقال: إنَّ من ذلك قولَه في حديثٍ لسعد بن أبي وقاصٍ ﵁ حين قال له: أعطيتَ فلانًا وتركتَ فلانًا وهو مؤمنٌ، فقال: «أَوْ مسلم» (٣)، فأنكر عليه الشهادة له بالإيمان لأنَّه غيبٌ، دون الإسلام، فإنَّه ظاهرٌ. وإذا كان الأمر هكذا، فيُحمَل قوله لعائشة ﵂: «وما يدريك يا عائشة؟» على هذا المعنى، كأنَّه يقول لها: إذا خلق الله للجنة أهلًا وخلق للنار أهلًا، فما يدريكِ أنَّ ذلك الصبي من هؤلاء أو من هؤلاء؟ وقد يقال: إنَّ أطفال المؤمنين (٤) إنَّما حُكِم لهم بالجنة تبعًا لآبائهم لا بطريق الاستقلال، فإذا لم يُقطع للمتبوع بالجنة كيف يقطع لتَبَعه بها؟

стр. 857

يوضِّحه: أنَّ الطفل غير مستقلٍّ بنفسه بل تابعٌ لأبويه، فإذا لم يُقطع لأبويه بالجنة لم يجُزْ أن يقطع له بالجنة. وهذا في حق المُعيَّن، فإنَّا نقطع للمؤمنين بالجنة عمومًا، ولا نقطع للواحد منهم بكونه في الجنة إلا بنصٍّ. فهكذا أطفال المؤمنين نقطع بأنهم في الجنة، ولا نقطع للمعيَّن منهم بأنه في الجنة (١). فلهذا ــ والله أعلم ــ أَنكر على أمِّ العلاء حكمَها على عثمان بن مظعون بذلك. واحتجوا أيضًا (٢) بقوله ﷺ : «كلُّ مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه ويمجِّسانه، كما تُنتَج البهيمةُ بهيمةً جَمعاء، هل تُحسُّون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تَجدَعونها؟»، قالوا: يا رسول الله، أرأيت من يموت وهو صغيرٌ؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٣). فلم يخُصُّوا بالسؤال طفلًا من طفل، ولم يَخُصَّ بالجواب، بل أطلق الجواب كما أطلقوا السؤال، ولو افترق الحال في الأطفال لفصَّل وفرَّق بينهم في الجواب. وهؤلاء لو تأملوا ألفاظه وطُرَقه لأمسكوا عن هذا الاحتجاج، فإنَّ هذا الحديث روي من طرقٍ متعددةٍ: فمنها حديث أبِي بِشْر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس ﵄: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين ــ أو أطفال المشركين ــ فقال: «الله

стр. 858

أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم»، رواه عن أبي بِشْر جماعةٌ منهم: شُعبة وأبو عَوَانة (١). ومنها حديث الزهري، عن عطاء بن يزيد اللَّيثي، عن أبي هريرة ﵁: سئل رسول الله ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم إذ خلقهم ما كانوا عاملين» (٢). ومنها حديث الوليد بن مسلم، عن عُتبة (٣) بن ضَمْرة، أنَّه سمع عبد الله بن قيسٍ (٤) مولى مدرك بن عُفَيف قال: سألت عائشة ﵂ عن أولاد المشركين، فقالت: سألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» (٥).

стр. 859

وهذه كلها صحاحٌ تُبيِّن أنَّ السؤال إنَّما وقع عن أولاد المشركين، وقد جاء مطلقًا في الحديث الآخر: «أرأيت مَن يموت وهو صغيرٌ؟» (١). على أنَّه لو كان السؤال عن حكم الأطفال مطلقًا لكان هذا الجواب غير ذلك على استواء أطفال المسلمين والمشركين، بل أجاب عنهم جملةً من جملة بقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فإذا كان سبحانه يعلم أنَّ أطفال المسلمين لو عاشوا عملوا بطاعته، وأطفال المشركين ــ أو بعضهم ــ لو عاشوا لكانوا كفارًا= كان الجواب مطابِقًا لهذا المعنى. فصل في أدلة من ذهب إلى أن أطفال المسلمين في الجنة فمنها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النَّبي ﷺ : «ما مِن المسلمين مَن يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يبلُغوا الحِنْثَ إلَّا أدخلهم الله الجنةَ بفضل رحمته. يُجاءُ بهم (٢) يوم القيامة فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فيقولون: لا حتى يدخل آباؤنا، فيقال: لهم ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم بفضل رحمتي» (٣).

стр. 860

وفي لفظ (١): «مَن مات له ثلاثةٌ من الولد لم يبلُغوا الحِنْثَ (٢) إلا (٣) كانوا له حِجابًا من النار». ومنها حديثه أيضًا، وقد قيل له: حدِّثْنا عن رسول الله ﷺ بحديث يُطيِّب أنفُسَنا عن موتانا، فقال: سمعتُه يقول: «صِغارُهم دَعَامِيص الجنة، يتلقَّى أحدُهم أباه فيأخذ بثوبه ــ كما آخذ أنا بصَنِفة ثوبِك هذا ــ، فلا ينتهي حتى يُدخِله الله وأبوَيه الجنةَ» (٤). ومنها حديث معاوية بن قُرَّة عن أبيه أنَّ رجلًا جاء بابنه إلى النبي ﷺ فقال: «أتحبه؟»، فقال: أحبَّكَ اللهُ يا رسولَ الله كما أُحِبُّه، فتُوفِّي الصبيُّ ففقَدَه النبي ﷺ فقال: «أين فلان بن فلان؟»، قالوا: يا رسول الله، تُوفِّي ابنُه. ثم دخل الرجل، فقال له رسول الله ﷺ : «أَمَا ترضى أن لا تأتيَ بابًا من أبواب الجنة إلا جاء يسعى يفتحه لك؟»، فقالوا: يا رسول الله، أله وحدَه أم لنا كلِّنا؟ فقال: «بل لكم كلِّكم» (٥).

стр. 861

ومنها حديث أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يُتوَفَّى له ثلاثةٌ لم يبلُغوا الحِنث إلا أَدخَله الله الجنة بفضل رحمتِه إيَّاهم» (١). وهذه الأحاديث أكثرها في «الصحيح» وكلُّها صحيحةٌ. وهذا القول في أطفال المسلمين هو المعروف من قواعد الشرع حتى إنَّ الإمام أحمد أنكر الخلاف فيه، وأثبت بعضُهم الخلاف، وقال: إنَّما الإجماع على أولاد الأنبياء خاصةً. وأبو عمر اضطرب في النقل في هذا الباب، فقال عند كلامه على تأويل الفطرة (٢): قد أجمع المسلمون من أهل السنة وغيرهم إلا المُجبِرة على أنَّ أولاد المؤمنين في الجنة. ثمَّ لمَّا ذكر الأخبار التي احتجَّ بها من قال: إنَّ الأطفال جميعَهم في المشيئة، قال (٣): فهذه الآثار وما كان مثلها احتجَّ بها مَن ذهب إلى الوقوف عن الشهادة لأطفال المسلمين أو المشركين بجنة أو نار، وإليها ذهبت جماعةٌ كبيرةٌ من أهل الفقه والحديث: منهم حماد بن زيد، وحماد بن

стр. 862

سلمة، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه (١)، وغيرهم. وهو يُشبِه ما رسمه مالك في أبواب القدر وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه. وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلَّا أنَّ المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال المشركين خاصةً في المشيئة، لآثار رُوِيت في ذلك. هذا ما ذكره في باب أبي الزناد في «التمهيد» (٢). وقال (٣) في باب ابن شهابٍ عن سعيد بن المسيب: «لا يموت لأحدٍ من المسلمين ثلاثةٌ من الولد ... » (٤) الحديث: قد أجمع العلماء على أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافًا إلا فِرقةً شذَّت من المُجبِرة فجعلَتْهم في المشيئة. وهو قول شاذٌّ مهجورٌ مردودٌ بإجماع أهل

стр. 863

الحُجَّة الذين لا يجوز مخالفتُهم، ولا يجوز على مثلهم الغلَطُ في مثل هذا، إلى ما روي عن النبي ﷺ من أخبار الآحاد الثقات (١). فتأمَّل كيف ذكر الإجماعَ على أنَّ أطفال المسلمين في الجنة، وأنَّه لا يعلم في ذلك نزاعًا، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولًا شاذًّا مهجورًا، ونسبه في الباب الآخر إلى الحمَّادَين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وأكثر أصحاب مالك. وهذا من السهو الذي هو عرضةُ الإنسان، وربُّ العالمين هو الذي لا يَضِلُّ ولا يَنسى. فصل وأمَّا أولاد المشركين، فاختلف أهل العلم فيهم على عشرة مذاهب (٢)، ونحن نذكرها (٣) ونذكر أدِلَّتها، ونبيِّن راجحَها من مرجوحها بحول الله وقدرته وتوفيقه. المذهب الأول: الوقف في أمرهم . ولا نحكم لهم بجنة ولا نار، ونَكِل علمهم إلى الله. وهذا قد يُعبَّر عنه بمذهب الوقف، وقد يُعبَّر عنه بمذهب المشيئة، وأنَّهم تحت مشيئة الله يحكم فيهم بما يشاء، ولا يُدرى حكمُه فيهم ما هو. واحتجَّ أرباب هذا القول بحُجَج منها: ما خرَّجا في «الصحيحين» (٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول

стр. 864

الله ﷺ قال: «ما من مولود إلا يُولَد على الفِطرة، فأبواه يهوِّدانه وينصِّرانه، كما تُنتَج البهيمةُ من بهيمةٍ جمعاء، هل تُحسُّ (١) فيها من جدعاء؟»، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت مَن يموت وهو صغيرٌ؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». ومنها ما في «الصحيحين» (٢) أيضًا عن ابن عباس (٣) ﵄ أنَّ النبي ﷺ سُئِل عن أولاد المشركين، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، وقد تقدَّمت هذه الأحاديث آنفًا. وفي «صحيح أبي حاتم بن حبان» (٤) من حديث جَرير بن حازم: قال سمعت أبا رجاء العُطارِدي قال: سمعتُ ابن عباس ﵄ يقول وهو على المنبر: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال أمر هذه الأمة مُؤامًّا (٥) ــ أو: مقاربًا ــ ما لم

стр. 865

يتكلَّموا في الولدان والقدر». قال أبو حاتم: الولدان أراد بهم أطفال المشركين. وفي استدلال هذه الفرقة على ما ذهبت إليه من الوقف بهذه النصوص نظرٌ، فإنَّ النبي ﷺ لم يُجِب فيهم بالوقف، وإنَّما وكَّل عِلمَ ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله، والمعنى: الله أعلم بما كانوا يعملون لو عاشوا. فهو سبحانه يعلم القابل منهم للهدى العاملَ به لو عاش، والقابلَ منهم للكفر المؤثرَ له لو عاش. ولكن لا يدلُّ هذا على أنَّه سبحانه يَجزِيهم بمجرَّد علمِه فيهم بلا عمل يعملونه. وإنَّما يدلُّ هذا على أنَّه يعلم مَن يؤمن ومَن يكفر بتقدير الحياة. وأمَّا المُجازاة على العلم فلم يتضمَّنها جوابُه ﷺ . وفي «صحيح أبي عوانة الإسفراييني» (١) عن هِلال بن خَبَّاب، عن

стр. 866

عِكرمة، عن ابن عباس ﵄: كان النبي ﷺ في بعض مَغازيه، فسأله رجلٌ: ما تقول في اللَّاهين؟ فسكت عنه، فلمَّا فرغ من غزوة الطائف (١) إذا هو بصبيٍّ يبحث في الأرض، فأمر مُناديه فنادى: «أين السائل عن اللاهين؟»، فأقبل الرجل، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل الأطفال وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». فقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» عقيبَ نهيه عن قتلهم يكشف لك المعنى ويوضِّحه، ويبيِّن أن الله سبحانه يعلم لو أدركوا ما كانوا يعملون، وأنتم لا تعلمون ذلك، فلعلَّ أحدهم إذا أدرك يعمل بطاعة الله ويكون مسلمًا، فهذا أحد الوجهين في جوابه ﷺ . والوجه الثاني: أنَّه خرج جوابًا لهم حين أخبرهم أنَّهم من آبائهم، فقالوا: بلا عمل؟ فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، كما في «السنن» (٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ فقال: «من آبائهم»، فقلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ قال: «من آبائهم»، قلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». ففي هذا الحديث ما يدلُّ على أنَّ الذين يُلحَقون بآبائهم منهم هم الذين

стр. 867

علم الله أنهم لو عاشوا لاختاروا الكفر وعملوا به، فهؤلاء مع آبائهم. ولا يقتضي (١) أن كلَّ واحدٍ من الذرية مع أبيه في النار، فإنَّ الكلام في هذا الجنس سؤالا وجوابًا إنَّما يدلُّ على التفصيل، فإنَّ قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» يدلُّ على أنَّهم متبايِنون في التبعيَّة بحسب تبايُنهم في معلوم الله تعالى فيهم. يبقى أن يقال: فالحديث يدلُّ على أنَّهم يُلحَقون بآبائهم من غير عمل، ولهذا فَهِمت منه عائشة ﵂ ذلك، فقالت: بلا عمل؟ فأقرَّها عليه وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». ويُجَاب عن هذا بأنَّ الحديث إنَّما دلَّ على أنَّهم يُلحَقون بهم بلا عمل في أحكام الدنيا، وهو الذي فهمَتْه عائشة ﵂، ولكن لا ينفي هذا أن يُلحَقوا بهم في الآخرة بأسبابٍ أُخَر كامتحانهم في عَرَصات القيامة، كما سنذكره إن شاء الله تعالى، فحينئذ يُلحَقون بآبائهم، ويكونون معهم بلا عمل عملوه في الدنيا. وأُمُّ المؤمنين ﵂ إنَّما استشكلت لَحاقَهم بهم بلا عملٍ عملوه مع الآباء، وأجابها النبي ﷺ بأنَّ الله يعلم منهم ما هم عامِلُوه، ولم يقُلْ لها: إنَّه يُعذِّب بمجرَّد علمِه فيهم، وهذا ظاهرٌ بحمد الله. وأمَّا حديث أبي رَجَاء العُطارِدي عن ابن عباس، ففي رفعه نظر، والناس إنما رووه موقوفًا عليه، وهو الأشبه. وابن حبان كثيرًا مَّا يرفع في كتابه ما يعلم أئمةُ الحديث أنَّه موقوف، كما رفع قول أبيِّ بن كعب: «كلُّ حرف في القرآن في القُنوت فهو الطاعة» (٢). وهذا لا يُشبِه كلامَ رسول الله ﷺ ، وغايتُه أن

стр. 868

يكون كلامَ أُبَيٍّ. والحديث ولو صحَّ إنَّما يدلُّ على ذمِّ مَن تكلَّم فيهم بغير علم، أو ضَرَب النصوص بعضَها ببعض، كما يفعله أهل الجدل والمُباحَثة الذين لا تحقيقَ عندهم، ولم يصلوا في العلم إلى غايته، بل هم في أطراف أذياله. وبلاءُ الأمة من هذا الضرب، وهم الغالب على الناس، وبالله التوفيق. فصل المذهب الثاني: أنَّهم في النار . وهذا قول جماعة من المتكلمين وأهل التفسير، وأحد الوجهين لأصحاب أحمد (١). وحكاه القاضي نصًّا عن أحمد، وغلَّطه شيخُنا كما سيأتي بيان ذلك. واحتجَّ هؤلاء بحُجَج: منها: حديث أبي عَقِيل يحيى بن المتوكِّل، عن بُهَيَّة، عن عائشة ﵂: سألت رسول الله ﷺ عن أولاد المسلمين: أين هم؟ قال: «في الجنة»، وسألته عن أولاد المشركين: أين هم يوم القيامة؟ قال: «في النار»، فقلت: لم يدركوا الأعمال ولم تجرِ عليهم الأقلام، قال: «ربُّكِ أعلم بما

стр. 869

كانوا عاملين، والذي نفسي بيده لئن شئتِ أسمعتُكِ تَضَاغِيَهم في النار» (١). ولكن هذا الحديث قد ضعَّفه جماعةٌ من الحفاظ (٢). قال أبو عمر (٣): أبو عقيل هذا لا يُحتَجُّ بمثله عند أهل النقل. وهذا الحديث لو صحَّ لاحتمل من الخصوص ما احتمل غيره. قال: وممَّا يدلُّ على أنَّه خصوصٌ لقومٍ من المشركين قوله: «لو شئت أسمعتك تضاغيهم في النار»، وهذا لا يكون إلا فيمَن قد مات، وصار في النار. قال: وقد عارض هذا الحديث ما هو أقوى منه من الآثار. قلت: مراد أبي عمر أنَّ هذا خاصٌّ ببعض أطفال المشركين الذين ماتوا ودخلوا النار، ولا يلزم منه أن يكون هذا حكمًا عامًّا لجميع الأطفال. وهذا جواب (٤) صحيح يتعيَّن المصير إليه جمعًا بينه وبين حديث سَمُرَة الذي رواه البخاري في «صحيحه» (٥)، وهو صريحٌ بأنَّهم في الجنَّة كما سيأتي.

стр. 870

واحتجُّوا بحديث عمر بن ذَرٍّ، عن يزيد بن أبي أُميَّة: أنَّ البَرَاء بن عَازِب (١) ﵁ أرسل إلى عائشة ﵂ يسألها عن الأطفال، فقالت: سألت رسول الله ﷺ قلتُ: يا رسول الله، ذراري المؤمنين؟ قال: «مِن آبائهم»، قلت: بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، قلت: يا رسول الله، فذراري المشركين؟ قال: «هم من آبائهم»، قلت: يا رسول الله، بلا عمل؟ قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». هكذا قال مسلم بن قتيبة (٢). وقد رواه غيره عن عمر بن ذر، عن يزيد، عن رجل، عن البراء (٣). ورواه أحمد (٤) من حديث عُتبَة بن ضَمْرة بن حَبِيب، حدثني عبد الله بن قَيس مولى غُطَيفٍ أنه سأل عائشة ﵂. وعبد الله هذا ينظر في حاله، وليس بالمشهور (٥).

стр. 871

وبالجملة، فلا حُجَّةَ في الحديث على أنَّهم في النار، لأنَّه إنَّما أخبر بأنَّهم مِن آبائهم في أحكام الدنيا، كما تقدم. واحتجُّوا بما رواه عبد الله بن أحمد في «مسند أبيه» (١): حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن محمد بن فُضَيل بن غَزْوَان، عن محمد بن عثمان، عن زاذان، عن علي قال: سألتْ خَدِيجةُ ﵂ رسولَ الله ﷺ عن ولدَين لها ماتا في الجاهلية، فقال: «هما في النار»، فلمَّا رأى الكراهية في وجهها قال: «لو رأيتِ مكانَهما لأبغضتِهما»، قالت: يا رسول الله، فولدي منك! قال: «إنَّ المؤمنين وأولادَهم في الجنة، وإنَّ المشركين وأولادَهم في النار» ثمَّ قرأ: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الطور: ١٩]. وهذا الحديث معلولٌ من وجهين، أحدهما: أنَّ محمد بن عثمان هذا مجهولٌ، والثانية: أنَّ زاذان لم يُدرِك عليًّا. وقال الخلال (٢): أخبرنا حفص بن عَمرو الرَّبالي (٣)، ثنا أبو زِياد

стр. 872

سَهْل بن زِياد، ثنا الأَزْرق بن قيس، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن خديجة بنت خُوَيلد ﵂ أنَّها سألَتِ النبيَّ ﷺ قالت: يا رسول الله، أين أطفالي من أزواجي من المشركين؟ قال: «في النار»، قالت: بغير عمل؟ قال: «قد علم الله ما كانوا عاملين». قال شيخنا (١): وهذا حديث موضوعٌ، لا يصِحُّ عن رسول الله ﷺ . وهو الذي غرَّ القاضيَ أبا يعلى حتى حكى عن أحمد أنَّهم في النار، لأنَّ أحمد نصَّ في رواية بكر بن محمد (٢) عن أبيه أنَّه سأله عن أولاد المشركين، فقال: أذهب إلى قول النبي ﷺ : «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فتوهَّم القاضي أنَّ أحمد أراد هذا الحديث، وأحمد أعلم بالسنة من أن يحتجَّ بمثل هذا الحديث، وإنَّما أراد أحمد حديث عائشة وابن عباس وأبي هريرة ﵃. واحتجُّوا أيضًا بحديث داود بن أبي هِند، عن الشَّعبي، عن عَلقَمة بن قَيس، عن سَلَمة بن يزيد الأشجعي (٣) قال: أتيتُ أنا وأخي رسولَ الله ﷺ فقلنا: إنَّ أُمَّنا ماتَت في الجاهلية، وكانت تَقرِي الضَّيفَ، وتَصِل الرَّحِمَ، فهل ينفعُها مِن عملها ذلك شيء؟ قال: «لا»، قلنا له: فإنَّ أُمَّنا وَأَدَتْ أختًا لنا في الجاهلية لم تبلُغ الحِنْثَ، فقال: «المَوءُودة والوائدة في النار، إلَّا أن تُدرِك

стр. 873

الوائدة الإسلام فتسلم». رواه جماعة كثيرة عن داود (١). وقال محمد بن نصر (٢): ثنا أبو كريب، حدثنا معاوية بن هشام (٣)، عن شَيْبان، عن جابر، عن عامر (٤)، عن علقمة بن قيس، عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: قلنا يا رسول الله، إنَّ أُمَّنا كانت تَصِل الرحم، وتَقرِي الضَّيف، وتُطعِم الطعام، وإنَّها كانت وَأَدَتْ في الجاهلية فماتَتْ قبلَ الإسلام، فهل ينفعها عملٌ إنْ عَمِلنا عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : «لا ينفع الإسلام إلا مَن أدرك، أُمُّكم وما وَأَدَتْ في النار». وروى أبو إسحاق، عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ

стр. 874

قال: «الوائدة والمَوءُودة في النار» (١). وهذا لا يدلُّ على أنَّهم كلَّهم في النار، بل يدلُّ على أنَّ بعض هذا الجنس في النار، وهذا حقٌّ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقد ردَّ بعضهم على الحديث بأنَّه مخالفٌ لنص القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِذَا اَلْمَوْءُ دَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩]، سواءٌ كان المعنى أنَّها تُسأَل سؤالَ توبيخٍ لمَن وَأَدَها، أو تُطلَب ممن (٢) وَأَدَها كما تُطلَب الأمانة ممن اؤتمن عليها. وعلى التقديرين، فقد أخبر سبحانه أنَّه لا ذنبَ لها تُقتَل به في الدنيا قتلةً واحدةً، فكيف تُقتَل في النار قتلاتٍ دائمةً، ولا ذنبَ لها؟ فالله أعدل وأرحم

стр. 875

من ذلك، لأنَّه إذا كان قد أنكر على من قتلها بلا ذنبٍ، فكيف يعذِّبها ﵎ بلا ذنبٍ؟ وهذا المعنى حقٌّ لا يُعارِض نصَّ القرآن، فإنَّه لم يخبر أن المَوءُودة في النار بلا ذنب، فهذا لا يفعله الله قطعًا، وإنَّما يُدخِلها النار بحجته التي يقيمها يومَ القيامة إذا ركَّب في الأطفال العقل وامتحنهم، وأخرجت المحنةُ منهم ما يستحقون به النار. واحتجوا بما روى البخاري في «صحيحه» (١) في احتجاج الجنة والنار عن النبي ﷺ قال: «وأمَّا النار فيُنشِئ الله لها خلقًا يُسكِنهم إيَّاها»، قالوا: فهؤلاء ينشؤون للنار بغير عمل، فلأن يدخلها من وُلد في الدنيا بين كافرَين أولى. قال شيخنا (٢): وهذه حجةٌ باطلةٌ، فإنَّ هذه اللفظة وقعتْ غلَطًا من بعض الرواة، وبيَّنها البخاري رحمه الله تعالى في الحديث الآخر الذي هو الصواب، فقال في «صحيحه» (٣): حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي

стр. 876

- ﷺ : «تحاجَّتِ الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرتُ بالمتكبِّرين والمتجبِّرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاءُ (١) الناس وسَقَطُهم؟ قال الله للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذِّب بك مَن أشاء من عبادي، ولكلِّ واحدة منكما ملؤها. فأمَّا النار فلا تمتلئ حتى يضع رِجلَه فتقول: قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضُها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا. وأمَّا الجنة فإنَّ الله يُنشِئ لها خلقًا». هذا هو الذي قاله رسول الله ﷺ بلا ريبٍ، وهو الذي ذكره في التفسير. وقال في باب ما جاء في قول الله : ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (٢): حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كَيْسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اختصمت الجنة والنار إلى ربِّهما، فقالت الجنة: يا ربِّ ما لها لا يَدخُلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار ... (٣)، فقال للجنة: أنت

стр. 877

رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك مَن أشاء، ولكلِّ واحدة منكما مِلؤها»، قال: «فأمَّا الجنة فإنَّ الله لا يظلم مِن خلقه أحدًا، وإنَّه ينشئ للنار من يشاء، فيُلقَون فيها فتقول: هل من مزيدٍ؟ ويُلقَون فيها وتقول: هل من مزيدٍ؟ ــ ثلاثًا ــ حتى يضعَ قدمه فيها فتمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعضٍ، وتقول: قَطْ قَطْ». فهذا غير محفوظٍ، وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعًا، كما انقلب على بعضهم: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكُلُوا واشرَبُوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» (١) فقال: «ابنُ أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال» (٢)، وله نظائر من الأحاديث المقلوبة في (٣) المتن. وحديث الأعرج عن أبي هريرة هذا لم يُحفَظ كما ينبغي (٤)، وسياقه يدلُّ على أنَّ راويَه لم يُقِم متنَه، بخلاف حديث همَّام عن أبي هريرة.

стр. 878

واحتجُّوا بما في «الصحيح» (١) من حديث الصَّعْب بن جَثَّامَة أنَّه سأل النبي ﷺ عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيُصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال رسول الله ﷺ : «هم منهم». وفي لفظ (٢): «هم من آبائهم»، قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان. ولا حجةَ لهم في هذا، فإنَّه إنَّما سُئِل عن أحكام الدنيا وبذلك أجاب، والمعنى: أنَّهم إن أُصِيبوا في التَّبْيِيت والغَارة فلا قوَدَ ولا دِيَةَ على مَن أصابهم لكونهم أولادَ مَن لا قوَدَ ولا ديةَ لهم. وعلى ذلك مخرج الحديث سؤالًا وجوابًا. واحتجَّوا أيضًا بقول الله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الطور: ١٩]. وهذا يدلُّ على أنَّ ذرية الكافرين تُلحَق بهم ولا يُلحَقون بالمؤمنين وذريَّاتهم، فإنَّ الله تعالى شرَطَ في الإلحاق إيمان الآباء. وهذا لا حجةَ فيه، لأنَّ الله تعالى إنَّما أخبر عن إلحاق ذريَّة المؤمنين بآبائهم، ولم يُخبِر عن ذريَّة الكفار بشيء. بل الآية حجةٌ على نقيض ما ادَّعوه من وجهين: أحدهما: إخباره أنَّه لم ينقص الآباءَ بهذا الإلحاق من أعمالهم شيئًا، فكيف يعذِّب هذه الذرية بلا ذنب؟!

стр. 879

الثاني: أنَّه سبحانه نبَّه على أنَّ هذا الإلحاق مختصٌّ بأهل الإيمان. وأمَّا الكفار فلا يُؤَاخَذون إلا بكسبهم، فقال تعالى: ﴿كُلُّ اُمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين﴾ [الطور: ١٩]. واحتجَّوا أيضًا بقوله تعالى إخبارًا عن نوح أنَّه قال: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٩]، والفاجر والكَفَّار من أهل النار. وهذا لا حجةَ فيه، لأنَّه إنَّما أراد به كُفَّار أهل زمانه قطعًا، وإلَّا فمَن بعدهم من الكفار قد وَلَد بعضُهم الأنبياءَ، كما وَلَد آزرُ إبراهيمَ الخليل. وأيضًا فقوله: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ حالٌ مقدرةٌ، أي مَن إذا عاش كان فاجرًا كفارًا، ولم يُرِد به أنَّ أطفالهم حال سقوطهم يكونون فجرةً كفرةً، كما تقدَّم بيانُه. فصل المذهب الثالث: أنَّهم في الجنة . وهذا قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية. وهو اختيار أبي محمد بن حزم (١) وغيره. واحتجَّ هؤلاء بما رواه البخاري في «صحيحه» (٢) عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يُكثِر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحدٌ منكم رؤيا»، قال: فيقصُّ عليه مَن شاء الله أن يقصَّ، وإنَّه قال لنا ذات غَدَاة: «إنَّه أتاني الليلة آتيان ... » وذكر الحديث، وفيه: «فأتينا على روضة مُعْتَمَّة، فيها

стр. 880

مِن كلِّ لون الرَّبيع، وإذا بين ظهري الرَّوضةَ رجلٌ طويلٌ لا أكاد أرى رأسه طولًا، وإذا حول الرجل مِن أكثر ولدانٍ رأيتُهم قطُّ»، ثم قال: «وأمَّا الوِلدان حولَه فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة»، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين». قالوا: فهذا الحديث الصحيح الصريح هو فصل الخطاب. وفي «مستخرج البَرقاني» (١) من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رَجَاء العُطارِدي، عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة»، فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين». وقال أبو بكر بن حمدان القَطِيعي: حدثنا بِشْر بن موسى، حدثنا هَوْذَة بن خَليفة، حدثنا عَوف، عن خَنْسَاء بنت معاوية قالت: حدثتني عمَّتي: قلت: يا رسول الله، مَن في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والمَوءُودة في الجنة» (٢). وكذلك رواه بُنْدار، عن غُنْدَر
следующие страницы →