← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 218

أحكام أهل الذمة - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 163 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

- ﷺ : «تحاجَّتِ الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرتُ بالمتكبِّرين والمتجبِّرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاءُ (١) الناس وسَقَطُهم؟ قال الله للجنة: أنتِ رحمتي أرحم بكِ من أشاء من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي أعذِّب بك مَن أشاء من عبادي، ولكلِّ واحدة منكما ملؤها. فأمَّا النار فلا تمتلئ حتى يضع رِجلَه فتقول: قَطْ قَطْ، فهنالك تمتلئ ويُزوى بعضُها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا. وأمَّا الجنة فإنَّ الله يُنشِئ لها خلقًا». هذا هو الذي قاله رسول الله ﷺ بلا ريبٍ، وهو الذي ذكره في التفسير. وقال في باب ما جاء في قول الله : ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اَللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] (٢): حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن صالح بن كَيْسان، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «اختصمت الجنة والنار إلى ربِّهما، فقالت الجنة: يا ربِّ ما لها لا يَدخُلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم؟ وقالت النار ... (٣)، فقال للجنة: أنت

стр. 877

رحمتي، وقال للنار: أنت عذابي أصيب بك مَن أشاء، ولكلِّ واحدة منكما مِلؤها»، قال: «فأمَّا الجنة فإنَّ الله لا يظلم مِن خلقه أحدًا، وإنَّه ينشئ للنار من يشاء، فيُلقَون فيها فتقول: هل من مزيدٍ؟ ويُلقَون فيها وتقول: هل من مزيدٍ؟ ــ ثلاثًا ــ حتى يضعَ قدمه فيها فتمتلئ ويُزوى بعضها إلى بعضٍ، وتقول: قَطْ قَطْ». فهذا غير محفوظٍ، وهو مما انقلب لفظه على بعض الرواة قطعًا، كما انقلب على بعضهم: «إنَّ بلالًا يؤذِّن بليلٍ، فكُلُوا واشرَبُوا حتى يؤذِّن ابن أم مكتوم» (١) فقال: «ابنُ أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال» (٢)، وله نظائر من الأحاديث المقلوبة في (٣) المتن. وحديث الأعرج عن أبي هريرة هذا لم يُحفَظ كما ينبغي (٤)، وسياقه يدلُّ على أنَّ راويَه لم يُقِم متنَه، بخلاف حديث همَّام عن أبي هريرة.

стр. 878

واحتجُّوا بما في «الصحيح» (١) من حديث الصَّعْب بن جَثَّامَة أنَّه سأل النبي ﷺ عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيُصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال رسول الله ﷺ : «هم منهم». وفي لفظ (٢): «هم من آبائهم»، قال الزهري: ثم نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والولدان. ولا حجةَ لهم في هذا، فإنَّه إنَّما سُئِل عن أحكام الدنيا وبذلك أجاب، والمعنى: أنَّهم إن أُصِيبوا في التَّبْيِيت والغَارة فلا قوَدَ ولا دِيَةَ على مَن أصابهم لكونهم أولادَ مَن لا قوَدَ ولا ديةَ لهم. وعلى ذلك مخرج الحديث سؤالًا وجوابًا. واحتجَّوا أيضًا بقول الله تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الطور: ١٩]. وهذا يدلُّ على أنَّ ذرية الكافرين تُلحَق بهم ولا يُلحَقون بالمؤمنين وذريَّاتهم، فإنَّ الله تعالى شرَطَ في الإلحاق إيمان الآباء. وهذا لا حجةَ فيه، لأنَّ الله تعالى إنَّما أخبر عن إلحاق ذريَّة المؤمنين بآبائهم، ولم يُخبِر عن ذريَّة الكفار بشيء. بل الآية حجةٌ على نقيض ما ادَّعوه من وجهين: أحدهما: إخباره أنَّه لم ينقص الآباءَ بهذا الإلحاق من أعمالهم شيئًا، فكيف يعذِّب هذه الذرية بلا ذنب؟!

стр. 879

الثاني: أنَّه سبحانه نبَّه على أنَّ هذا الإلحاق مختصٌّ بأهل الإيمان. وأمَّا الكفار فلا يُؤَاخَذون إلا بكسبهم، فقال تعالى: ﴿كُلُّ اُمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِين﴾ [الطور: ١٩]. واحتجَّوا أيضًا بقوله تعالى إخبارًا عن نوح أنَّه قال: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٩]، والفاجر والكَفَّار من أهل النار. وهذا لا حجةَ فيه، لأنَّه إنَّما أراد به كُفَّار أهل زمانه قطعًا، وإلَّا فمَن بعدهم من الكفار قد وَلَد بعضُهم الأنبياءَ، كما وَلَد آزرُ إبراهيمَ الخليل. وأيضًا فقوله: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ حالٌ مقدرةٌ، أي مَن إذا عاش كان فاجرًا كفارًا، ولم يُرِد به أنَّ أطفالهم حال سقوطهم يكونون فجرةً كفرةً، كما تقدَّم بيانُه. فصل المذهب الثالث: أنَّهم في الجنة . وهذا قول طائفة من المفسرين والفقهاء والمتكلمين والصوفية. وهو اختيار أبي محمد بن حزم (١) وغيره. واحتجَّ هؤلاء بما رواه البخاري في «صحيحه» (٢) عن سمرة بن جندب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ مما يُكثِر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحدٌ منكم رؤيا»، قال: فيقصُّ عليه مَن شاء الله أن يقصَّ، وإنَّه قال لنا ذات غَدَاة: «إنَّه أتاني الليلة آتيان ... » وذكر الحديث، وفيه: «فأتينا على روضة مُعْتَمَّة، فيها

стр. 880

مِن كلِّ لون الرَّبيع، وإذا بين ظهري الرَّوضةَ رجلٌ طويلٌ لا أكاد أرى رأسه طولًا، وإذا حول الرجل مِن أكثر ولدانٍ رأيتُهم قطُّ»، ثم قال: «وأمَّا الوِلدان حولَه فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة»، فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله ﷺ : «وأولاد المشركين». قالوا: فهذا الحديث الصحيح الصريح هو فصل الخطاب. وفي «مستخرج البَرقاني» (١) من حديث عوف الأعرابي، عن أبي رَجَاء العُطارِدي، عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ : «كل مولود يولد على الفطرة»، فناداه الناس: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين». وقال أبو بكر بن حمدان القَطِيعي: حدثنا بِشْر بن موسى، حدثنا هَوْذَة بن خَليفة، حدثنا عَوف، عن خَنْسَاء بنت معاوية قالت: حدثتني عمَّتي: قلت: يا رسول الله، مَن في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والمَوءُودة في الجنة» (٢). وكذلك رواه بُنْدار، عن غُنْدَر

стр. 881

عن عوف (١). واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. واحتجُّوا بقوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ اِلَّتِي فَطَرَ اَلنَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٢٩]. واحتجُّوا بقوله ﷺ حاكيًا عن ربِّه تعالى أنَّه قال: «إنِّي خلقتُ عبادي حُنَفاء كلَّهم، وإنَّهم أتتْهم الشياطينُ فاجتالتْهم عن دينهم، وحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمَرَتْهم أن يشركوا بيْ ما لم أُنزِل به سُلطانًا» (٢). واحتجَّوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا﴾ الآية [الليل: ١٤ - ١٥]، وبقوله في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣]، وبقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ الآية [الإسراء: ١٥]، وبقوله: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ الآية [النساء: ١٦٤]، وبقوله لإبليس: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآية [الأعراف: ١٧].

стр. 882

قالوا: والقرآن مملوءٌ من الأخبار بأنَّ دخول النار إنَّما يكون بالأعمال، كقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٢]، وقوله: ﴿وَاَتَّقُوا يَوْمًا تَرْجِعُونَ فِيهِ إِلَى اَللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ اُلظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]، وقوله: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (٧٧) لَقَدْ جِّئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧ - ٧٨]، وقوله: ﴿وَقَالَ اَلَّذِينَ فِي اِلنّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اَدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ اَلْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسْلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَاَدْعُوا وَمَا دُعَاءُ اُلْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩ - ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَهَلْ يُجَازَى إِلَّا اَلْكَفُورُ﴾ [سبأ: ١٧]، وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، ونظير ذلك في القرآن كثيرٌ. وأيضًا: فالنار (١) دارُ جزاءٍ فلا يَدخُلها مَن لا ذنبَ له، وما ثَمَّ إلا دارُ الثواب أو دارُ العقاب، فإذا لم يدخلوا النار دخلوا الجنة. قالوا: وإذا كان اللهُ يُنشِئ للجنة خلقًا آخرين يُدخِلهم إيَّاها بلا عمل، فالأطفال الذين وُلِدوا في الدُّنيا أولى بها. قالوا: وإذا كان كلُّ مولود يُولَد على الفطرة إلى أن يغيِّر أبواه فطرتَه، فإذا مات قبل التغيير مات على الفطرة، فكان من أهل الجنة. قالوا: وقد أخبر تعالى أنَّه خلق عباده حُنَفاء مسلمين وأنَّ الشياطين اجتالَتْهم عن دينهم، فمَن مات قبل اجتيال الشياطين مات على الحنيفيَّة،

стр. 883

فيكون من أهل الجنة. ودليل ذلك ما روى مسلم في «صحيحه» (١) من حديث عِياض بن حِمار عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه : «إني خلقت عبادي حنفاء .. » الحديث. وزاد فيه محمد بن إسحاق، عن ثَور بن يزيد، عن يحيى بن جابر، عن عبد الرحمن بن عائذ، عن عِياض بن حِمار عن النبي ﷺ قال: «إنَّ الله خلق آدم وبَنِيه حُنَفاء مسلمين، وأعطاهم المال حلالًا لا حرامًا» (٢). قالوا: وأيضًا، فالنار دارُ عدله تعالى، لا يدخلها إلا مَن يستحِقُّها. وأمَّا الجنَّة فدارُ فضله فيُدخِلها مَن أراد، بعملٍ وغير عمل. وإذا كانت النار دار عدله فمَن لم يعصِ الله طرفةَ عينٍ كيف يُجازَى بالنار خالدًا مخلَّدًا أبدَ الآباد؟! قالوا: وأيضًا، فلو عذَّب الأطفال لكان تعذيبهم إمَّا مع تكليفهم بالإيمان، أو بدون التكليف. والقسمان ممتنعان. أمَّا الأول، فلاستحالة تكليفِ مَن لا تمييزَ له، ولا عقلَ أصلًا. وأمَّا الثاني، فممتنعٌ أيضًا بالنصوص التي ذكرناها وأمثالِها مِن أنَّ الله تعالى لا يعذِّب أحدًا إلا بعدَ قيام الحجة عليه. قالوا: وأيضًا، فتعذيبهم إمَّا أن يكون لعدم وقوع الإيمان منهم، وإمَّا لوجود الكفر منهم، والقسمان باطلان. أمَّا الثاني فظاهرٌ، لأنَّ مَن لا عقلَ له ولا تمييزَ لا يَعرِف الكفر حتى يختاره. وأمَّا الأول، فلو عُذِّبوا لعدم وجود

стр. 884

الإيمان الفعلي منهم لَاشتَركوا هم وأطفال المسلمين في ذلك لِاشتِراكِهم في سببه. فإن قلتم: أطفال المسلمين منعهم تَبَعُهم لآبائهم من العذاب، بخلاف أطفال المشركين فإنَّهم يُعذَّبون تبعًا لآبائهم وإهانةً لهم وغَيظًا. قيل: هذا خطأٌ، فإنَّ الله لا يعذِّب أحدًا بذنب غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٦]، وقال: ﴿فَاَلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية [يس: ٥٣]. قالوا: وقد صحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَن همَّ بسيِّئةٍ فلم يَعمَلْها لم تُكتَب عليه حتى يَعمَلَها» (١)، فإذا لم يعاقب المكلَّف بما يهُمُّ به من السيئات، كيف يعاقب الطفل بما لم يعمله ولم يهُمَّ به ولم يَخطُر بباله؟! قالوا: ولا خلافَ بين الناس أنَّ الطفل الذي لم يميِّز إذا مات طفلًا وقد عَلِم الله منه أنَّه لو عاش لقتل النفوس وسفَكَ الدِّماء وغصَبَ الأموال، فإنَّ الله لا يعذِّبه على ذلك. قالوا: وأمَّا قوله ﷺ في أطفال المشركين: «هم من آبائهم»، فإنَّما أراد أنهم منهم في أحكام الدنيا. وأمَّا قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، فإنَّه لم يُرِد به أنَّه يَجزِيهم بعلمه فيهم، وإن لم يقع معلومه (٢) في الخارج.

стр. 885

قالوا: وأيضًا فإنَّما قال هذا قبل أن يوحى إليه في أمرهم، فلمَّا أوحي إليه أنَّهم في الجنة أخبر به أصحابه. قلت: وهذا الجواب لا يصِحُّ، فإنَّه أخبر بهذا في حديث الأسود بن سريع وحديث أبي هريرة، وهما ممَّن تأخر إسلامه إلى بعد خيبر. وإنَّما الجواب الصحيح أن يقال: إنَّه ﷺ لم يخبر بأنَّ الله يعذِّبهم على علمه فيهم، وإنَّما أخبر بأنَّه أعلم بما هم عاملون ممَّا يستحقُّون به العقاب، فإذا امتُحِنوا في الآخرة وعملوا بمعصيته ظهر معلومُه فيهم، فعاقبهم بما هم عاملون، لا بمجرَّد علمه. قالوا: وأمَّا حديث خديجة ﵂ أنَّهم في النار فلا يصِحُّ، وقد تقدَّم كلامُ الناس فيه (١). وأمَّا حديث: «الوائدة والموءودة في النار» (٢)، فليس في الحديث أنَّ الموءودة لم تكن بالغةً، فلعلَّها وُئدت بعد بلوغها. فإن قلتم: فلفظ الحديث: «يا رسول الله، إنَّ أُمَّنا وَأَدَتْ أختًا لنا في الجاهلية لم تبلُغ الحِنثَ، فقال رسول الله ﷺ : الوائدة والموءودة في النار»، فقد قال أبو محمد بن حزم (٣): هذه اللفظة وهي قوله: «لم تبلغ الحنث»، ليست من كلام رسول الله ﷺ بلا شكٍّ، ولكنَّها من كلام سَلَمة بن يزيد الجُعفِي وأخيه اللَّذَين سألا رسول الله ﷺ . فلمَّا أخبر ﷺ أنَّ الموءودة في

стр. 886

النار كان ذلك إنكارًا وإبطالًا لقولهما: «لم تبلغ الحنث» وتصحيحًا، لأنَّها كانت قد بلغت الحنث بوحيٍ من الله إليه بخلاف ظنِّهما. لا يجوز إلَّا هذا القول، لأنَّ كلامه ﷺ لا يتناقض ولا يتكاذب ولا يخالف كلام ربه، بل كلامه يصدِّق بعضه بعضًا، ويُوافِق ما أخبر به ربُّه ، ومعاذ الله من غير ذلك! وقد صحَّ إخبار النبي ﷺ بأنَّ أطفال المشركين في الجنة. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا اَلْمَوْءُ دَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ ــ ٩]، فنصَّ تعالى على أنَّه لا ذنبَ للمَوءُودة. فكان هذا مبينًا لأنَّ إخبار النبي ﷺ بأنَّ تلك الموءودة في النار إخبارٌ عن أنَّها كانت قد بلغت الحِنثَ بخلاف ظنِّ إخوتها. وقد روى هذا الحديث عن داود بن أبي هند: محمدُ بنُ أبي عَدِي، وليس هو دون المُعتَمِر، ولم يذكر فيه: «لم تبلغ الحنث». ورواه أيضًا عن داود: عُبيدة بن حميد، فلم يذكر هذه اللفظة التي ذكرها المعتمر (١) ــ ثم ساق الحديثين ــ (٢).

стр. 887

ثم روى من طريق أبي داود (١) عن الشعبي، عن علقمة، عن ابن مسعودٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الوائدة والموءودة في النار». ثم قال: هذا مختصر، وهو على ما ذكرنا أنَّه ﷺ إنَّما عَنى بذلك التي (٢) بلَغَت، لا يجوز غير هذا. قال (٣): وقد يُمكِن أن يَهِمَ فيه الشعبي، فإنَّه مرةً أرسله، ومرةً أسنده. ولا يخلو ضرورةً هذا الخبرُ من أنَّه وهمٌ أو أنَّ أصله مرسلٌ، كما رواه أبو داود (٤): حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي قال: قال رسول الله ﷺ . أو أنَّه إن صحَّ عنه ﷺ فإنَّما أراد به التي بلغت، لا يجوز غير ذلك. قلت: وهذا الجواب في غاية الضعف، ولا يجوز أن ينسب إلى رسول الله ﷺ أنَّه سُئِل عن موءودة لم تبلغ الحنث، فأجاب (٥) عمَّن بلغت الحنث، بل إنَّما خرج جوابُه ﷺ لنفس ما سئل عنه. فكيف ينسب إليه أنَّه ترك الجواب عمَّا سُئِل عنه، وأجاب عمَّا لم يُسأَل عنه مُوهِمًا أنَّه المسؤول عنه، ولم يُبيِّنه للسائل؟! هذا لا يُظَنُّ برسول الله ﷺ أصلًا.

стр. 888

وأمَّا قوله: «إنَّ هذا الحديث قد روي بدون هذه اللفظة»، فلا يضُرُّه ذلك، لأنَّ الذي زادها ثقةٌ ثبتٌ لا مطعنَ فيه، وهو المعتمر بن سليمان، كيف وقد صرَّح بالسماع من داود بن أبي هند. واختصار ابن أبي عدي وعبيدة بن حميد لها لا يكون قادحًا في رواية مَن زادها (١). وأيضًا: لو لم يُذكر في السؤال لكان جواب النبي ﷺ شاملًا لها بعمومه، كيف وإنَّما كانت عادتُهم وَأْدَ الصِّغار لا الكبار! ولا يضرُّه إرسالُ الشعبي له. وإنَّما الجواب الصحيح عن هذا الحديث أنَّ قوله ﷺ : «إنَّ الوائدة والموءودة في النار» جوابٌ عن تلك (٢) الوائدة والموءودة اللَّتَين سُئِل عنهما، لا إخبارٌ عن كل وائدةٍ وموءودةٍ، فبعض هذا الجنس في النار، وقد يكون هذا الشخص من الجنس الذي في النار. ويدلُّ عليه حديث بشر بن موسى، عن هوذة بن خليفة، عن عوفٍ، عن خنساء بنت معاوية قالت: حدثتني عمتي: قلت: يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: «النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والموءودة في الجنة» (٣). رواه جماعة عن عوف. وأخباره ﷺ لا تتعارض، فيكون كلامه دالًّا على أنَّ بعض هذا الجنس

стр. 889

في الجنة وبعضه في النار، وهذا هو الحقُّ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا اَلْمَوْءُ دَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾، فهذا السؤال إنَّما هو إقامةٌ لحُجَّته سبحانه على تعذيب مَن وَأَدَها، إذ قتل نفسًا بغير حقِّها. وأمَّا حكمه سبحانه فيها هي، فإنَّه يحكم فيها بغير حكمه في الأبوين، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. فصل واحتجوا أيضًا على أنَّهم في الجنة بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ، عن أبي حازم المديني، عن يزيد الرَّقَاشِي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «سألتُ ربِّي اللَّاهين من ذرية البشر أن لا يُعذِّبَهم، فأعطانيهم، فهم خَدَمُ أهل الجنة» (١). وبحديث عائشة ﵂ قالت: سألَتْ خديجةُ ﵂ النبي ﷺ عن أولاد المشركين، فقال: «هم مع آبائهم»، ثم سألَتْه بعد ذلك، فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، ثم سألَتْه بعد ذلك، فنزلت: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٦]، فقال: «هم على الفطرة» أو قال: «هم في الجنة». ذكره أبو عمر في «الاستذكار» (٢)، ولم يذكر له إسنادًا، فيُنظَر في إسناده.

стр. 890

ثم قال (١): وآثار هذا الباب معارِضةٌ لحديث «الوائدة والموءودة في النار» وما كان مثلَه. وإذا تعارضت الآثار وجب سقوطُ الحكم بها، ورجعنا إلى الأصل: وهو أنَّه لا يعذِّب أحدًا إلا بذنبٍ، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣١]، وآيُ القرآنِ كثيرٌ في هذا المعنى. على أنَّي أقول: إنَّ الله ليس بظلَّام للعبيد، ولو عذَّبهم لم يكن ظالمًا لهم، ولكن (٢) جَلَّ مَن تسمَّى بالغفور الرحيم الرؤوف الحليم أن يكون من صفته إلا حقيقة «لا إله إلا هو، لا يُسأَل عما يفعل». قلت: وآثار هذا الباب الصحيحة ليس فيها بحمد الله تعارضٌ، وحديث «الوائدة والموءودة في النار» قد تقدَّم الجواب عنه. ومعارضة الأحاديث الباطلة للأحاديث الصحيحة لا تُوجِب سقوطَ الحكم بالصحيحة، والأحاديثُ الصحيحة يصدِّق بعضُها بعضًا. فصل المذهب الرابع: أنَّهم في منزلة بين الجنة والنار . فإنَّهم ليس لهم إيمانٌ يدخلون به الجنة، ولا لآبائهم إيمانٌ يَتبَعُهم أطفالُهم فيه تكميلًا لثوابٍ وزيادةً في نعيم. وليس لهم من الأعمال ما يستحِقُّون به دخول النار، ولا من الإيمان ما يدخلون به الجنة، والجنة لا يدخلها إلا نفسٌ مؤمنةٌ، والنار لا يدخلها إلا نفسٌ كافرةٌ.

стр. 891

وهذا قول طائفة من المفسرين. قالوا: وهم أهل الأعراف. قال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم الذين ماتوا في الفترة وأطفال المشركين (١). وأرباب هذا القول إن أرادوا أنَّ هذا المنزل مُستقَرُّهم أبدًا فباطل، فإنَّه لا مُستقَرَّ إلا الجنة أو النار. وإن أرادوا أنَّهم يكونون فيه مُدَّةً، ثم يصيرون إلى دار القرار، فهذا ليس بممتنع. والصحيح في أهل الأعراف أنَّهم قوم تساوت حسناتُهم وسيِّئاتُهم، فقصُرَت بهم حسناتُهم عن النار، وقصُرَت بهم سيِّئاتُهم عن الجنة، فبَقُوا بين الجنة والنار. كذا قال غير واحد من الصحابة منهم: حذيفة، وأبو هريرة، وغيرهما (٢). فصل المذهب الخامس: أنَّهم مردودون إلى محض مشيئة الله فيهم بلا سبب ولا عمل ، فيجوز أن يعُمَّهم جميعَهم بعذابه، وأن يعُمَّهم جميعَهم (٣)

стр. 892

برحمته، وأن يدخل بعضهم الجنة وبعضهم النار. ولا سبيل لنا إلى إثبات شيء من هذه الأقسام إلَّا بخبر يَجِب المصير إليه، وكلُّها جائزةٌ بالنسبة إلى الله، وإنَّما يترجَّح بعضُها على بعض بمجرَّد المشيئة. وهذا قول الجَبْريَّة نُفاةِ الحكمة والتعليل. وقد ظنَّ كثيرٌ من هؤلاء أنَّ هذا جواب النبي ﷺ حيث سُئِل عنهم فقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وهذا الفهم غلطٌ على رسول الله ﷺ ، وجوابُه لا يدُلُّ على ذلك أصلًا، بل هو حجةٌ عليهم، فإنَّه لم يقُلْ: هم في مشيئة الله يفعل فيهم ما يشاء بلا سبب ولا عمل، بل أخبر أنَّ الله يعلم أعمالهم التي يستحقُّون بها الثواب أو العقاب لو عاشوا. وقد دلَّت الآثار التي سنذكرها على ظهور معلومه فيهم في الدار الآخرة، الذي يقع عليه الثواب والعقاب. وهذا المذهب مَبنِيٌّ على أصول الجبريَّة المنكرين للأسباب والحِكَم والتعليل. وهو مذهب مخالف للعقل والفطرة، والقرآن والسنة، وجميع ما جاءت به الرسل. فصل المذهب السادس: أنَّهم خدَمُ أهل الجنة ومماليكُهم . وهم معهم بمنزلة أرقائهم ومماليكهم في الدنيا. وهذا مذهب سلمان. واحتج هؤلاء بما رواه يعقوب بن عبد الرحمن القاريّ عن أبي حازم المديني، عن يزيد الرقاشي، عن أنسٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سألتُ ربي اللَّاهين من ذريَّة البشر أن لا يعذِّبَهم، فأعطانيهم، فهم خَدَمُ أهل

стр. 893

الجنة» (١) يعني الصبيان. قال الدارقطني (٢): ورواه عبد العزيز الماجشون، عن ابن المنكدر، عن يزيد الرقاشي، عن أنس. فهذه طريقان، وله طريقٌ ثالث عن فضيل بن سليمان، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن أنس (٣). قال ابن قتيبة (٤): اللَّاهون مِن: (لَهِيتُ عن الشيء)، إذا غَفَلتَ عنه، وليس هو مِن (لَهَوتُ).

стр. 894

وهذا الحديث ضعيف، فإنَّ يزيد الرقاشي واهٍ، وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف. وفضيل بن سليمان فيُنظَر فيه (١). وقال محمد بن نصر المروزي (٢): حدثنا سعد بن مسعود، ثنا الحجَّاج بن نصير (٣)، حدثنا مبارك بن فَضَالة، عن علي بن زيد، عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ في أولاد المشركين، قال: «خدم أهل الجنة». حدثنا عيسى بن مُساوِر، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن حسَّان الكِنَاني (٤)، أخبرنا محمد بن المُنكَدِر، عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «سألتُ ربِّي اللَّاهين من ذرية البشر أن لا يعذِّبَهم، فأعطانيهم» (٥). وهذه طريقٌ رابع لحديث أنسٍ، فيُنظَر في عبد الرحمن بن حسان هذا (٦).

стр. 895

وقال محمد بن نصر: حدثنا أبو كامل، حدثنا أبو عَوَانة، عن قتادة (١)، عن أبي مُراية، عن سلمان قال: أطفال المشركين خدم أهل الجنة (٢). حدثنا عمرو بن زُرارة، ثنا إسماعيل، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي مُراية العِجْلي قال: قال سلمان: ذراري المشركين خدم أهل الجنة (٣).

стр. 896

فصل المذهب السابع: أنَّ حكمهم حكم آبائهم في الدنيا والآخرة . فلا يُفرَدون عنهم بحكم في الدارين؛ فكما أنَّهم منهم في الدنيا، فهم منهم في الآخرة. والفرق بين هذا المذهب وبين مذهب من يقول: هم في النار= أنَّ صاحب هذا المذهب يجعلهم معهم تبعًا لهم، حتى لو أسلم الأبوان بعد موت أطفالهما لم يحكم لأفراطهما بالنار. وصاحب القول الآخر يقول: هم في النار، لكونهم ليسوا بمسلمين، ولم يدخلوا النار تبعًا. وهؤلاء يحتجون بحديث عائشة ﵂ الذي تقدم ذكره أنهم في النار (١). وبما في «الصحيحين» (٢) من حديث الصَّعب بن جَثَّامة: سُئِل رسول الله ﷺ عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيُصِيبون من نسائهم وذراريهم، فقال: «هم منهم». ومثله حديث الأسود بن سريع، وقد تقدم (٣). واحتجُّوا بحديث ابن مسعود: «الوائدة والموءودة في النار»، فدخلت الوائدة النار بكفرها، والمَوءُودة تبعًا لها. قالوا: وكما أنَّ إتباع ذرية المؤمنين بآبائهم كان إكرامًا لهم وزيادةً في

стр. 897

ثوابهم، وأنَّ الإتباع إنَّما استُحِقَّ بإيمان الآباء، فإذا انتفى إيمان الآباء انتفى الإتباع الذي تحصل به النجاة. ولا حجةَ لهم في شيء من ذلك. أمَّا حديث عائشة فالصحيح فيه ما تقدَّم ذكره وجوابُ النبي ﷺ لها بقوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين». وأما حديثها الآخر وهو قوله: «هم في النار» فلا يصح، وقد تقدم الكلام عليه (١). وأما قوله: «هم من آبائهم» فليس فيه تعرُّضٌ للعذاب، وإنَّما فيه أنَّهم منهم في الحكم، وأنَّهم إذا أصيبوا في البَيَات لم يضمنوا، وهذا مصرَّحٌ به في حديث الصعب والأسود بن سريع أنه في الجهاد. وأيضًا فالنبي ﷺ إنما قال: «هم من آبائهم»، ولم يقل: هم مع آبائهم، وفرقٌ بين اللفظين. وكونهم «منهم» لا يقتضي أن يكونوا معهم في الآخرة، بخلاف كونهم «منهم»، فإنَّه يقتضي أن تثبت لهم أحكامُ الآباء في الدنيا من التوارث والحضانة والولاية وغير ذلك من أحكام الإيلاد، والله تعالى يخرج الطيب من الخبيث، والمؤمن من الكافر. والحديث إنَّما دلَّ على أنَّهم «من آبائهم». وهذا لا شكَّ فيه أنَّهم يُولَدوا (٢) منهم، ولم يُرِد النبي ﷺ الإخبار بمجرَّد ذلك، وإنَّما أراد أنَّهم منهم في الحكم. وهو لم يقُلْ: على دين آبائهم. فإن قيل: لو لم يكونوا على دينهم، وكانوا على الحنيفيَّة كما ذكرتم

стр. 898

لوجب أن يُصلَّى عليهم إذا ماتوا، وأن يُدفَنوا في مقابر المسلمين، وأن يرثهم أقاربُهم المسلمون، وأن لا يمكَّن أبواهم من تهويدهم وتنصيرهم، إذ لا يجوز تمكين الكافر من تهويد المسلم وتنصيره. فدلَّ انتفاء هذا كلِّه على أنَّهم منهم في الدين وأنَّهم تبعٌ لهم فيه، كما أنَّ أطفال المسلمين منهم في الدين وأنَّهم تبعٌ لهم فيه. قيل: هكذا نقول سواءً إذا لم يكن الطفل مع أبويه أو كافله مِن أقاربه، عملًا بمقتضى الفطرة والحنيفية التي خُلِقوا عليها. وأمَّا إذا كان الطفل بين أبويه، فإنَّ الذي خلقه على الفطرة والحنيفية أقرَّ أبويه على تربيته وتهويده وتنصيره. وذلك لضرورة بقاء نوع الكفار في الأرض، إذ لو مُنِع من ذلك ــ فالآباء يموتون والأطفال يحكم لهم بحكم الإسلام ــ لانْقَطَع الكفرُ من الأرض، وكان الدين كلُّه دينَ الإسلام وبطل الجهاد. والحكمة الإلهية اقتضت أن يكون في الأرض الكفار والمسلمون، والأبرار والفجار، إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها. وليس ترك الصلاة عليهم ما يوجب أن يكونوا كفارًا مخلَّدين، فالشهداء ــ وهم من أفاضل المسلمين ــ لا يصلى عليهم. وأمَّا انقطاع التَّوَارُث بينهم وبين أقاربهم المسلمين فلا يقتضي أيضًا أن يكونوا كفارًا في أحكام الآخرة، فالعبد المسلم لا يرث ولا يورث. وكثيرٌ من العلماء يُورِّث المسلمَ مالَ المرتد إذا مات على رِدَّته، وهذا القول هو الصحيح، وهو اختيار شيخنا (١). وهذا معاذ بن جبل، ومعاوية بن أبي

стр. 899

سفيان، ومسروق بن الأجدع، وخلقٌ من الصحابة والتابعين، وإسحاق بن راهويه وغيره من الأئمة يُورِثون المسلمين مِن أقاربهم الكفار إذا ماتوا. وأما حديث ابن مسعود: «الوائدة والموءودة في النار» (١)، فقد تقدم أنَّ هذا الحديث إنَّما يدلُّ على أنَّ بعض الأطفال في النار، ولا يدلُّ على أنَّ كلَّ موءودة في النار، وقد تقدَّم جوابُ أبي محمد بن حزم وما فيه. وأحسنُ من هذين الجوابَين أن يقال: هي في النار ما لم يوجَد سببٌ يمنع دخولها النار. ففرقٌ بين كون الوَأْد مانعًا من دخول النار وكونه غيرَ مانعٍ، فالنبي ﷺ أخبر أنَّ الموءودة في النار، أي كونها موءودةً غيرُ مانعٍ لها من دخول النار بسببٍ يقتضي الدخول. فصل المذهب الثامن: أنَّهم يكونون يوم القيامة ترابًا . حكاه أرباب المقالات عن ثُمَامة بن أَشْرَس (٢). وهذا قولٌ لعلَّه اخترعه من تِلقاء نفسه، فلا يُعرَف عن أحدٍ من السلف. وكأنَّ قائله رأى أنَّهم لا ثواب لهم ولا عقاب، فألحقهم بالبهائم. والأحاديث الصحاح والحسان وآثار الصحابة تكذِّب هذا القول، وترُدُّ عليه قولَه.

стр. 900

فصل المذهب التاسع: مذهب الإمساك. وهو ترك الكلام في المسألة نفيًا وإثباتًا بالكليَّة، وجعْلُها ممَّا استأثر الله بعلمه وطوى معرفتَه عن الخلق. قال إسحاق بن راهويه (١): حدثنا يحيى بن آدم، ثنا جرير بن حازم، عن أبي رَجَاء العُطارِدي: سمعتُ ابنَ عباس ﵄ يقول: لا يزال أمرُ هذه الأمة مُؤامًّا (٢) ــ أو مُقارِبًا ــ حتى يتكلَّموا أو ينظروا في الوِلدان والقدر. وفي لفظ (٣): في الأطفال والقدر. قال يحيى بن آدم: فذكرته لابن المبارك، فقال: أيسكت الإنسان على الجهل؟ قلت: فتأمر بالكلام؟ فسكت. وقال محمد بن نصر (٤): ثنا عمرو بن زُرارة، أخبرنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن ابن عون (٥) قال: كنتُ عند القاسم بن محمد إذ جاءه رجل فقال: ما كان بين قتادة وبين حفص بن عمر (٦) في أولاد المشركين؟ قال: وتكلَّم ربيعة

стр. 901

الرأي في ذلك، فقال القاسم: إذا (١) اللهُ انتهى عند شيءٍ فانتهوا وقِفُوا عندَه، قال: فكأنَّما كانت نارٌ فأُطفِئَت! فصل المذهب العاشر: أنَّهم يُمتحَنون في الآخرة ، ويُرسِل إليهم اللهُ ﵎ رسولًا، وإلى كلِّ مَن لم تبلُغه الدعوة، فمَن أطاع الرسولَ دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار. وعلى هذا، فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار. وهذا قول جميع أهل السنة والحديث، حكاه الأشعري عنهم في كتاب «الإبانة» الذي اتفق أصحابه على أنه تأليفه، وذكره ابن فُورَك، وذكره أبو القاسم بن عساكر في تصانيفه، وذَكَر لفظه في حكايته قول أهل السنة والحديث وطعن بذلك على مَن بدَّع الأشعري وضلَّله (٢). قال فيه (٣): «وجملة قولنا أن نقر بالله ﵎، وملائكته، وكتبه ورسله، وما جاء من عنده، وما روى لنا الثقات عن رسول الله ﷺ لا نرُدُّ مِن ذلك شيئًا ... » إلى أن قال (٤): «وقولنا في الأطفال ــ أطفال المشركين ــ: إنَّ

стр. 902

الله يؤجِّج لهم نارًا في الآخرة، ثم يقول: «اقْتحِموها» (١)، كما جاءت الرواية بذلك». هذا قوله في «الإبانة» وهي من آخر كتبه. وقال في كتاب «المقالات» (٢): وإنَّ الأطفال أمرُهم إلى الله، إن شاء عذَّبهم، وإن شاء غفر لهم كما يريد. وهذا المذهب حكاه محمد بن نصر المروزي في كتابه في «الرد على ابن قتيبة»، واحتج له فقال: «ذِكرُ الأخبار التي احتجَّ بها مَن أوجب امتحانهم واختبارهم في الآخرة». فقال: حدثنا إسحاق (٣)، أخبرنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن الأحنف بن قيس، عن الأسود بن سريع أنَّ نبي الله ﷺ قال: «أربعةٌ يُمتحنون (٤) يوم القيامة: رجلٌ أصمُّ لا يَسمع، ورجل أحمق، ورجل هَرِمٌ، ورجل مات في الفترة. أمَّا الأصم فيقول: يا ربِّ، قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا. وأمَّا الأحمق فيقول: يا ربِّ، قد جاء الإسلام والصِّبيان يرمونني بالبعر.

стр. 903

وأمَّا الهَرِم فيقول: يا ربِّ، قد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا. وأمَّا الذي مات في الفترة فيقول: ما أتاني لك رسولٌ. فيأخذ مواثيقهم لَيُطيعُنَّه، فيُرسِل إليهم رسولًا: أن ادخلوا النار، فوالذي نفسي بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا». حدثنا إسحاق (١)، أخبرنا معاذ بن هشامٍ، أخبرني أبي، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي رافعٍ، عن أبي هريرة ﵁ بمثل هذا الحديث، غير أنَّه قال في آخره: «فمَن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومَن لم يدخلها سُحِب إليها». حدثنا أبو بكر بن زَنجَويه، ثنا عبد الرحمن، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ قال: «ثلاثةٌ يُمتحَنون يوم القيامة: المَعتُوه، والذي هَلَك في الفترة، والأصمُّ ... » فذكر الحديث (٢). حدثنا محمد بن يحيى، ثنا أبو نصر التَّمَّار، ثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد (٣)، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعةٌ كلُّهم يومَ القيامة يُدلِي على الله بحجة وعذر: رجلٌ هَلَك في

стр. 904

الفترة، ورجلٌ أَدرَك الإسلام هَرِمًا، ورجل أصمُّ أبكمُ، ورجل مَعتُوهٌ، فيبعث الله إليهم رسولًا، فيقول: أَطِيعوه، فيأتيهم الرسول، فيُؤجِّج لهم نارًا، فيقول: اقتحِموها، فمَنِ اقتحمها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومَن لا حَقَّتْ عليه كلمة العذاب» (١). حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سعيد بن سليمان، عن فُضَيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الهالك في الفترة، والمعتوه، والمولود»، قال: «يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتابٌ ولا رسولٌ»، ثم تلا: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزى﴾ [طه: ١٣٣]، «ويقول المَعتُوه: ربِّ لم تجعل لي عقلًا أَعقِل به خيرًا ولا شرًّا»، قال: «ويقول المولود: ربِّ لم أُدرِك العقل»، قال: «فتُرفَع لهم نارٌ، فيقال لهم: رِدُوها» أو: «ادخلوها»، قال: «فيَرِدها ــ أو: يدخلها ــ مَن كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل، ويُمسِك عنها مَن كان في علم الله شقيًّا لو أدرك العمل، فيقول: إيَّاي عصيتم فكيف رُسُلي؟!» (٢).

стр. 905

قال محمد بن نصر: ورواه أبو نُعيم المُلَائي، عن فُضيل، عن عطية، عن أبي سعيد موقوفًا (١). حدثنا أبو بكر بن زنجويه، ثنا محمد بن المبارك الصوري (٢)، ثنا عَمْرو بن واقد، عن يونس بن حَلْبَس، عن أبي إدريس، عن معاذ بن جبلٍ ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يؤتى بالممسوخ ــ أو: الممسوخ عقلًا ــ والهالك في الفترة، والهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ عقلًا: يا ربِّ، لو آتيتَني عقلًا ما كان مَن آتيتَه عقلًا بأسعدَ منِّي بعقله، ويقول الهالك في الفترة: يا ربِّ لو أتاني منك عهدٌ ما كان مَن أتاه منك عهد بأسعدَ بعهدك مني، ويقول الهالك صغيرًا: يا ربِّ لو (٣) آتيتَني عُمُرًا ما كان مَن آتيته عُمُرًا بأسعدَ بعُمُره منِّي. فيقول الرب سبحانه: لئن آمركم بأمرٍ أفتطيعونني؟ فيقولون: نعم، وعِزَّتك يا رب. فيقول: اذهبوا فادخلوا النار». قال: «لو دخلوها ما ضرَّتْهم». قال: «فيخرج عليهم قَوانِصُ (٤) يظُنُّون أنَّها قد أهلكت ما خلق الله من شيء،

стр. 906

فيرجعون سِراعًا فيقولون: خرجنا ــ وعِزَّتك ــ نريد دخولها، فخرجت علينا قوانصُ ظننَّا أنَّها قد أهلكَتْ ما خلق الله من شيء. ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك ويقولون مثل قولهم، فيقول الرب سبحانه: قبل أن أخلقَكم علمتُ ما أنتم عاملون، وعلى علمي خَلقتُكم، وإلى علمي تصيرون؛ ضُمِّيهم (١)! فتأخذهم النار» (٢). حدثنا أحمد بن عمرو، أخبرنا جرير، عن ليث، عن عبد الوارث، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يُؤتَى بالمولود، والمَعتُوه، ومَن مات في الفترة، وبالمُعمَّر الفاني»، قال: «كلُّهم يتكلَّم بحُجَّته، فيقول الربُّ تعالى لعنقٍ من النار: ابْرُز، فيقول لهم: إنِّي كنتُ أبعث إلى عبادي رُسُلًا من أنفسهم، وإنِّي رسول نفسي إليكم، فيقول لهم: ادخلوا هذه، فيقول مَن كتب عليهم الشقاء: يا ربِّ، أنَّى ندخلها ومنها كنَّا نَفِرُّ!»، قال: «ومَن كتب عليه السعادة (٣) يمضي فيقتحم فيها مُسرِعًا. فيقول الرَّبُّ تعالى: قد عاندتموني وقد عصيتموني، فأنتم لرسلي أشدُّ تكذيبًا ومعصيةً، فيدخل هؤلاء

стр. 907

الجنة وهؤلاء النار» (١). حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا محمد بن الصَّبَّاح، ثنا ريحان بن سعيد الناجي، عن عبَّاد بن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرَّحَبي، عن ثَوبان مولى رسول الله ﷺ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يومُ القيامة جاء أهل الجاهلية يَحمِلون أوثانَهم على ظهورهم، فيسألهم ربُّهم: ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: ربَّنا لم تُرسِلْ إلينا رسولًا، ولم يأتِنا لك أمرٌ، ولو أرسلتَ إلينا رسولًا لكُنَّا أطوَعَ عبادِك لك. فيقول لهم ربُّهم: أرأيتم إن أمرتُكم بأمرٍ تطيعونني؟ فيقولون: نعم، فيُؤمَرون (٢) أن يَعمِدوا إلى جهنَّم فيدخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فإذا لها تغيُّظٌ وزفيرٌ، فيهابونها، فيرجعون إلى ربهم، فيقولون: يا ربَّنا، فَرِقْنا منها، فيقول ربُّهم ﵎: تزعمون أنَّكم إن أمرتُكم بأمرٍ أطعتموني، فيأخذ مواثيقهم، فيقول: اعمِدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فَرِقوا ورجعوا إلى ربهم، فقالوا: ربَّنا، فَرِقْنا منها، فيقول: ألم تعطوني مواثيقكم لتطيعوني؟ اعمِدوا إليها فادخلوها، فينطلقون حتى إذا رأوها فَزِعوا ورجعوا، فقالوا: فَرِقْنا يا ربِّ، ولا

стр. 908

نستطيع أن ندخلها، فيقول ادخلوها داخرين». قال نبي الله ﷺ : «لو دخلوها أوَّلَ مرَّة كانت عليهم بردًا وسلامًا» (١). فإن قيل: هذه الأحاديث مع ضعفها مخالفةٌ لكتاب الله، ولقواعد الشريعة، فإنَّ الآخرة ليست دار تكليف، وإنَّما هي دار جزاء، ودار التكليف هي دار الدنيا، فلو كانت الآخرة دار تكليف لكان ثَمَّ دارُ جزاء غيرها. قال أبو عمر في «الاستذكار» (٢) وقد ذكر بعض هذه الأحاديث: وهذه الأحاديث كلها ليست بالقوية، ولا تقوم بها حجةٌ، وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب؛ لأنَّ الآخرة دار جزاء، وليست دار عمل ولا ابتلاء. وكيف يُكلَّفون دخولَ النار، وليس ذلك في وسع المخلوقين، والله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها؟ ولا يخلو من مات في الفترة من أن [يموت] كافرًا أو غير كافرٍ، فإن مات كافرًا جاحدًا فإنَّ الله حرَّم الجنَّة على الكافرين فكيف يُمتحَنون؟ وإن كان معذورًا بأنَّه لم يأتهِ نذيرٌ ولا رسولٌ، فكيف يُؤمَر أن

стр. 909

يَقتحِم النَّار وهي أشدُّ العذاب؟ والطفل ومَن لا يعقل أحرى بأن لا يُمتحَن بذلك. فالجواب من وجوه: أحدها: أنَّ أحاديث هذا الباب قد تَضَافرَت، وكثُرَت بحيث يشدُّ بعضُها بعضًا، وقد صحَّح الحفَّاظ بعضَها كما صحَّح البيهقيُّ وعبدُ الحق (١) وغيرهما حديث الأسود بن سريع. وحديث أبي هريرة إسناده صحيح متصلٌ. ورواية معمر له عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا لا تضُرُّه، فإنَّا إن سلكنا طريق الفقهاء والأصوليين في الأخذ بالزيادة من الثقة فظاهرٌ، وإن سلكنا طريق الترجيح ــ وهي طريقة المحدثين ــ فليس مَن رَفَعه بدون من وَقَفه في الحفظ والإتقان. الوجه الثاني: أنَّ غاية ما يُقدَّر فيه أنَّه موقوف على الصحابي. ومثل هذا لا يُقدِم عليه الصحابيُّ بالرأي والاجتهاد، بل نجزم بأنَّ ذلك توقيفٌ لا عن رأي. الوجه الثالث: أنَّ هذه الأحاديث يشُدُّ بعضُها بعضًا، فإنَّها قد تعدَّدت طرقُها، واختلفتْ مخارجها، فيَبعُد كلَّ البعد أن تكون باطلةً على رسول الله ﷺ لم يتكلَّم بها، وقد رواها أئمة الإسلام ودوَّنوها ولم يطعنوا فيها.

стр. 910

الوجه الرابع: أنَّها هي المُوافِقة للقرآن وقواعد الشرع، فهي تفصيلٌ لِما أخبَرَ به القرآنُ أنَّه لا يعذَّب أحدٌ إلَّا بعد قيام الحُجَّة عليه. وهؤلاء لم تقُمْ عليهم حُجَّةُ الله في الدُّنيا، فلا بُدَّ أن يقيم حجَّته عليهم. وأحَقُّ المواطن أن تُقامَ فيه الحُجَّة يومَ يقوم الأشهاد، وتُسمَع الدعاوى، وتقام البينات، ويختصم الناس بين يدي الرب، وينطق كلُّ أحد بحُجَّته ومعذرته، فلا تنفع الظالمين معذرتهم وتنفع غيرهم. الوجه الخامس: أنَّ القول بموجبها هو قول أهل السنة والحديث كما حكاه الأشعري عنهم في «المقالات» (١) وحكى اتفاقهم عليه، وإن كان قد اختار هو فيها أنَّهم مردودون إلى المشيئة، وهذا لا يُنافي القولَ بامتحانهم، فإنَّ ذلك هو مُوجَب المشيئة. الوجه السادس: أنَّه قد صحَّ بذلك القولُ بها (٢) عن جماعة من الصحابة، ولم يصِحَّ عنهم إلا هذا القول. والقول بأنَّهم خَدَمُ أهل الجنة صحَّ عن سلمان، وفيه حديث مرفوعٌ قد تقدَّم، وأحاديث الامتحان أكثر وأصحُّ وأشهر. الوجه السابع: قوله: «وأهل العلم ينكرون أحاديث هذا الباب»، جوابه أنَّه وإن أنكرها بعضهم فقد قَبِلها الأكثرون، والذين قَبِلوها أكثر من الذين

стр. 911

أنكروها وأعلم بالسنة والحديث، وقد حكاه (١) الأشعريُّ اتفاقَ أهل السنة والحديث، وقد بيَّنَّا أنَّه مقتضى قواعد الشرع. الوجه الثامن: أنَّه قد نصَّ جماعةٌ من الأئمة على وقوع الامتحان في الدار الآخرة، وقالوا: لا ينقطع التكليف إلا بدخول دار القرار. ذكره البيهقي (٢) عن غير واحد من السلف. الوجه التاسع: ما ثبت في «الصحيحين» (٣) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ في الرجل الذي هو آخر أهل الجنة دخولًا إليها: أنَّ الله تعالى يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأله غيرَ الذي يعطيه، وأنه يخالفه ويسأله غيرَه، فيقول الله له: «ما أغدرك!». وهذا الغدر (٤) منه لمخالفته العهد الذي عاهده ربَّه عليه، وهذه معصيةٌ منه. الوجه العاشر: قد ثبت أنَّه سبحانه يأمرهم في القيامة بالسجود ويحول بين المخالفين وبينه (٥). وهذا تكليفٌ بما ليس في الوسع قطعًا، فكيف يُنكَر التكليف بدخول النار اختبارًا (٦) وامتحانًا؟

стр. 912

الوجه الحادي عشر: أنَّه قد ثبت امتحانهم في القبور، وسؤالُهم وتكليفُهم الجوابَ. وهذا تكليفٌ بعد الموت برَدِّ الجواب. الوجه الثاني عشر: أنَّ أمرهم بدخول النار ليس عقوبةً لهم، وكيف يعاقبهم على غير ذنب؟ وإنَّما هو امتحان واختبار لهم: هل يطيعونه أو يعصونه؟ فلو أطاعوه ودخلوها لم تضُرَّهم، وكانت عليهم بردًا وسلامًا، فلمَّا عصوه وامتنعوا من دخولها استَوجَبُوا عقوبته بمخالفة (١) أمره. والملوك قد تَمتحِن مَن يُظهِر طاعتَهم هل هو منطوٍ عليها بباطنه؟ فيأمرونه بأمرٍ شاقٍّ عليه في الظاهر هل يوطِّن نفسَه عليه أم لا؟ فإن أَقدَم عليه ووطَّن نفسه على فعله أعفوه منه، وإن امتنع وعصى ألزموه به أو عاقبوه بما هو أشدُّ منه. وقد أمر الله سبحانه الخليل بذبح ولده، ولم يكن مرادُه سوى توطين نفسه على الامتثال والتسليم وتقديم محبة الله على محبة الولد، فلمَّا فعل ذلك رَفَع عنه الأمر بالذبح. وقد ثبت أنَّ الدجال يأتي معه بمثال الجنة والنار، وهي نارٌ في رأي العين ولكنها لا تحرق، فمن دخلها لم تضره (٢). فلو أنَّ هؤلاء يُوطِّنون أنفسهم على دخول النار التي أُمِروا بدخولها طاعةً لله ومحبةً له وإيثارًا لمرضاته وتقرُّبًا إليه بتحمُّل ما يُؤلِمهم= لكان هذا الإقدام والقصد منهم لمرضاته

стр. 913

ومحابِّه يقلب تلك النار بردًا وسلامًا؛ كما قلب قصدُ الخليل التقرُّبَ إلى ربِّه، وإيثار محبته ومرضاته، وبذل نفسه، وإيثاره إياه على نفسه= تلك النار بأمر الله بردًا وسلامًا. فليس أمره سبحانه إيَّاهم بدخول النار عقوبةً ولا تكليفًا بالممتنع، وإنما هو امتحانٌ واختبارٌ لهم: هل يوطِّنون أنفسهم على طاعته أم ينطوون على معصيته ومخالفته؟ وقد عَلِم سبحانه ما يقع منهم، ولكنَّه (١) لا يُجازِيهم على مجرَّد علمِه فيهم ما لم يحصل معلومُه الذي يترتَّب عليهم به الحجة. فلا أحسن من هذا يفعله بهم، وهو محض العدل والحكمة. الوجه الثالث عشر (٢): أنَّ هذا مطابقٌ لتكليفه عبادَه في الدنيا، فإنَّه سبحانه لم يستفِدْ بتكليفهم منفعةً تعود إليه، ولا محتاجٌ إليه. وإنَّما امتحنهم وابتلاهم ليتبيَّن مَن يُؤثِر رضاه ومحبته ويشكره ممن يكفر به ويُؤثِر سخطه. قد علم منهم من يفعل هذا وهذا، ولكنَّه بالابتلاء ظهر معلومه الذي يترتَّب عليه الثواب والعقاب، وتقوم عليهم به الحجة. وكثيرٌ من الأوامر التي أمرهم بها في الدنيا نظيرُ الأمر بدخول النار، فإنَّ الأمر بإلقاء نفوسهم بين سيوف أعدائهم ورماحهم، وتعريضِهم لأَسْرهم لهم وتعذيبهم واسترقاقهم= لعلَّه أعظم من الأمر بدخول النار. وقد كلَّف بني

стр. 914

إسرائيل قتل أنفسهم وأولادهم وأزواجهم (١) وإخوانهم لمَّا عَبَدوا العِجل لِمَا لهم في ذلك من المصلحة، وهذا قريبٌ من التكليف بدخول النار. وكلَّف على لسان رسوله المؤمنين إذا رأوا نارَ الدَّجَّال أن يقعوا فيها لِمَا لهم في ذلك من المصلحة، وليست في الحقيقة نارًا وإن كانت في رأي العين نارًا، وكذلك النار التي أُمِروا بدخولها في الآخرة إنَّما هي بردٌ وسلامٌ على مَن دخلها. فلو لم يَأتِ بذلك أثرٌ لكان هذا هو مقتضى حكمتِه وعدلِه، ومُوجَب أسمائه وصفاته. الوجه الرابع عشر: أنَّ القائل قائلان: قائل بأنَّه سبحانه يفعل بمحض المشيئة والإرادة من غير تعليلٍ ولا غاية مطلوبة بالفعل، وقائل بمراعاة الحِكَم والغايات المحمودة والمصالح. وعلى المذهبَين فلا يمتنع الامتحان في عرصات القيامة، بل على القول الأول هو ممكنٌ جائزٌ لا يتوقَّف العلمُ به على أمرٍ غير إخبار الصادق. وعلى المذهب الثاني هو الذي لا يليق بالرب سواه، ولا تقتضي أسماؤه وصفاته غيرَه، فهو متعيِّنٌ. الوجه الخامس عشر: قوله: «وليس ذلك في وسع المخلوقين» جوابه من وجهين: أحدهما: أنَّه في وسعهم، وإن كان يشقُّ عليهم، وهؤلاء عُبَّاد النار يتهافتون فيها، ويُلقُون أنفسَهم فيها طاعةً للشيطان، ولم يقولوا: ليس في وُسْعنا، مع تألُّمهم بها غاية الألم، فعِباد الرحمن إذا أمرهم أرحم الراحمين بطاعته باقتحامهم النار كيف لا يكون في وسُعهم وهو إنَّما يأمرهم بذلك

стр. 915

لمصلحتهم ومنفعتهم؟ الثاني: أنَّهم لو وطَّنوا أنفسهم على اتباع طاعته ومرضاته لكانت عين نعيمهم ولم تضرَّهم شيئًا. الوجه السادس عشر: أنَّ أمرَهم باقتحام النار المُفضِية بهم إلى النَّجاة منها بمنزلة الكيِّ الذي يَحسِمُ الدَّاء، وبمنزلة تناوُل الداء الكريه الذي يَعقُب العافية. وليس من باب العقوبة في شيء، فإنَّ الله سبحانه اقتضت حكمتُه وحمدُه وغناه ورحمتُه أن لا يعذِّب مَن لا ذنبَ له، بل يتعالى ويتقدَّس عن ذلك كما يتعالى عمَّا يُناقِض صفاتِ كماله. فالأمر باقتحام النار للخلاص منها هو عين الحكمة والرحمة والمصلحة، حتى لو أنَّهم بادروا إليها طوعًا واختيارًا ورضًا حيث علموا أنَّ مرضاته في ذلك قبل أن يأمرهم به لكان ذلك عينَ صلاحهم وسببَ نجاتهم. فلم يفعلوا ذلك ولم يمتثلوا أمره، وقد تيقَّنوا وعَلِموا أنَّ فيه رضاه وصلاحهم، بل هان عليهم أمرُه وعزَّت عليهم أنفسُهم أن يَبذُلوا له منها هذا القدر الذي أمرهم به رحمةً وإحسانًا لا عقوبةً. الوجه السابع عشر: أنَّ أمرهم باقتحام النار كأمر المؤمنين برُكوب الصراط الذي هو أدقُّ من الشعرة وأحدُّ من السيف، ولا ريبَ أنَّ ركوبه من أشقِّ الأمور وأصعبِها حتى إنَّ الرسل لتُشفِق منه، وكلٌّ منهم يسأل الله السلامة، فركوب هذا الجسر الذي هو في غاية المشقَّة كاقتحام النار، وكلاهما طريقٌ إلى النجاة. الوجه الثامن عشر: قوله: «ولا يخلو مَن مات في الفترة من أن يكون
следующие страницы →