Полный текст (555 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
اجتمع إخوة الفتى وتشاوروا واتخذوا القرار ووضعوا طريقة التنفيذ.. لا بد أن يقتل لقد عصى الرب وأهان الكنيسة.. وجاء من يخبره ويشير عليه.. وهرب الفتى من قريته.. قلبه على إخوته.. يدعو لهم بالهداية..
ويدق باب شقته دقاً خفيفاً.. يفتح يجد أخته أمامه.. بكت وأخبرته بما أفرحه.. ستشهر إسلامها.. وبكى وأخبرها أنه طالما سهر الليالي يبتهل إلى الله أن يلحقها به.. ولأن الأم قد ماتت منذ أمد بعيد فقد ظلا يتوسلان إلى الله أن يهدي قلب أبيهما إلى الإيمان.
ولم يمض وقت طويل حتى جاء ذلك اليوم.. عاد من عمله.. وجد أخته خلف الباب.. أسرعت إليه.. قالت له: أبوك في انتظارك.. جاء ساعياً إلى نور الحق.. انكب على رأسه ويديه يقبلهما.. ويشهر الأب إسلامه ليموت على الإسلام بعد عام ونصف.
وفارس آخر يلحق بالركب.. عبد الله المهدي.. أسلم وجاء ليكمل نصف دينه.. ولم يجد أمامه سوى أخت (الفتى) ليقترن بها ويسافرا معاً حيث يعمل إماماً لأحد المساجد في الدوحة.
وهذا مقال نشرته عنه مجلة الفيصل في عددها الصادر في أكتوبر ١٩٩٢-بتصرف-:
كانت أمنية "فوزي صبحي سمعان" منذ صغره أن يصبح قساً يقَبِّل الناس يده ويعترفون له بخطاياهم لعله يمنحهم صك الغفران ويغسل ذنوبهم بسماعه الاعتراف ... ولذا كان يقف منذ طفولته المبكرة خلف قس كنيسة "ماري جرجس" بمدينة الزقازيق ـ عاصمة محافظة الشرقية بمصر ـ يتلقى منه العلم الكنسي، وقد أسعد والديه بأنه سيكون خادماً للكنيسة ليشب نصرانياً صالحاً طبقاً لاعتقادهما.
ولم يخالف الفتى رغبة والديه في أن يكون خادماً للكنيسة يسير وراء القس حاملاً كأس النبيذ الكبيرة أو دم المسيح كما يدعون ليسقي رواد الكنيسة وينال بركات القس.
لم يكن أحد يدري أن هذا الفتى الذي يعدونه ليصير قساً سوف يأتي يوم يكون له شأن آخر غير الذي أرادوه له، فيتغير مسار حياته ليصبح داعية إسلامياً.
стр. 107
يذكر فوزي أنه برغم إخلاصه في خدمة الكنيسة فإنه كانت تؤرقه ما يسمونها "أسرار الكنيسة السبعة" وهي: التعميد، والاعتراف، وشرب النبيذ، وأكل لحم المسيح، والأب، والابن، والروح القدس ... وأنه طالما أخذ يفكر ملياً في فكرة الفداء أو صلب المسيح ﵇ افتداءً لخطايا البشرية كما يزعم قسس النصارى وأحبارهم، وأنه برغم سنه الغضة فإن عقله كان قد نضج بدرجة تكفي لأن يتشكك في صحة حادثة الصلب المزعومة، وهي أحد الأركان الرئيسية في عقيدة النصارى المحرفة، ذلك أنه عجز عن أن يجد تبريراً واحداً منطقياً لفكرة فداء خطايا البشرية، فالعدل والمنطق السليم يقولان بأن لا تزر وازرة وزر أخرى، فليس من العدل أو المنطق أن يُعَذَّب شخص لذنوب ارتكبها غيره.. ثم لماذا يفعل المسيح ﵇ ذلك بنفسه إذا كان هو الله وابن الله كما يزعمون؟! .. ألم يكن بإمكانه أن يغفر تلك الخطايا بدلاً من القبول بوضعه معلقاً على الصليب؟!
ثم كيف يقبل إله ـ كما يزعمون ـ أن يصلبه عبد من عباده، أليس في هذا مجافاة للمنطق وتقليلاً بل وامتهاناً لقيمة ذلك افله الذي يعبدونه من دون الله الحق؟ .. وأيضاً كيف يمكن أن يكون المسيح ﵇ هو الله وابن الله في آن واحد كما يزعمون؟!
كانت تلك الأفكار تدور في ذهن الفتى وتتردد في صدره، لكنه لم يكن وقتها قادراً على أن يحلل معانيها أو يتخذ منها موقفاً حازماً، فلا السن تؤهله لأن يتخذ قراراً ولا قدراته العقلية تسمح له بأن يخوض في دراسة الأديان ليتبين الحقائق واضحة، فلم يكن أمامه إلا أن يواصل رحلته مع النصرانية ويسير وراء القسس مردداً ما يلقنونه له من عبارات مبهمة.
стр. 108
ومرت السنوات، وكبر فوزي وصار رجلاً، وبدأ في تحقيق أمنيته في أن يصير قساً يشار إليه بالبنان، وتنخني له رؤوس الصبية والكبار رجالاً ونساءً ليمنحهم بركاته المزعومة ويجلسون أمامه على كرسي الاعتراف لينصت إلى أدق أسرار حياتهم ويتكرم عليهم بمنحهم الغفران نيابةً عن الرب!!!
ولكن كم حسدهم على أنهم يقولون ما يريدون في حين أنه عاجز عن الاعتراف لأحد بحقيقة التساؤلات التي تدور بداخله والتي لو علم بها الآباء القسس الكبار لأرسلوا به إلى الدير أو قتلوه.
ويذكر فوزي أيضاً أنه كثيراً ما كان يتساءل:
" إذا كان البسطاء يعترفون للقس، والقس يعترف للبطريرك، والبطريرك يعترف للبابا، والبابا يعترف لله، فلماذا هذا التسلسل غير المنطقي؟ ... ولماذا لا يعترف الناس لله مباشرةً ويجنبون أنفسهم شر الوقوع في براثن بعض المنحرفين من القسس الذين يستغلون تلك الاعترافات في السيطرة على الخاطئين واستغلالهم في أمور غير محمودة؟! "
لقد كان القس الشاب يحيا صراعاً داخلياً عنيفاً، عاش معه لمدة تصل إلى تسعة أعوام، كان حائراً بين ما تربى عليه وتعلمه في البيت والكنيسة، وبين تلك التساؤلات العديدة التي لم يستطع أن يجد لها إجابة برغم دراسته لعلم اللاهوت وانخراطه في سلك الكهنوت ... وعبثاً حاول أن يقنع نفسه بتلك الإجابات الجاهزة التي ابتدعها الأحبار قبل قرون ولقنوها لخاصتهم ليردوا بها على استفسارات العامة برغم مجافاتها للحقيقة والمنطق والعقل.
стр. 109
لم يكن موقعه في الكنيسة يسمح له أن يسأل عن دين غير النصرانية حتى لا يفقد مورد رزقه وثقة رعايا الكنيسة، فضلاً عن أن هذا الموقع يجبره على إلقاء عظات دينية هو غير مقتنع بها أصلاً لإحساسه بأنها تقوم على غير أساس، ولم يكن أمامه إلا أن يحاول وأد نيران الشك التي ثارت في أعماقه ويكبتها، حيث إنه لم يملك الشجاعة للجهر بما يهمس به لنفسه سراً خيفة أن يناله الأذى من أهله والكنيسة، ولم يجد أمامه في حيرته هذه إلا أن ينكب بصدق وحماسة سراً على دراسة الأديان الأخرى.
وبالفعل أخذ يقرأ العديد من الكتب الإسلامية، فضلاً عن القرآن الكريم الذي أخذ يتفحصه في اطلاع الراغب في استكشاف ظواهره وخوافيه، وتوقف ودمعت عيناه وهو يقرأ قوله تعالى:
﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأميَ إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما نفسك إنك أنت علام الغيوب (١١٦) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئٍ شهيد﴾ [المائدة:١١٦، ١١٧]
قرأ فوزي تلك الكلمات وأحس بجسده يرتعش، فقد وجد فيها الإجابات للعديد من الأسئلة التي طالما عجز عن إيجاد إجابات لها، وجاء قوله تعالى:
﴿إن مَثَلَ عيسى عند الله كمَثَل آدم خلقه من ترابٍ ثم قال له كن فيكون﴾ [آل عمران:٥٩]
لقد وجد أن القرآن الكريم قدم إيضاحات لم يقرأها في الأناجيل المحرفة المعتمدة لدى النصارى. إن القرآن يؤكد بشرية عيسى ﵇ وأنه نبي مرسل لبني إسرائيل ومكلف برسالة محددة كغيره من الأنبياء.
стр. 110
كان فوزي خلال تلك الفترة قد تم تجنيده لأداء الخدمة العسكرية وأتاحت له هذه الفترة فرصة مراجعة النفس، وقادته قدماه ذات يوم لدخول كنيسة في مدينة الإسماعيلية، ووجد نفسه ـ بدون أن يشعر ـ يسجد فيها سجود المسلمين، واغرورقت عيناه بالدموع وهو يناجي ربه سائلاً إياه أن يلهمه السداد ويهديه إلى الدين الحق.. ولم يرفع رأسه من سجوده حتى عزم على اعتناقه الإسلام، وبالفعل أشهر إسلامه بعيداً عن قريته وأهله خشية بطشهم وإيذائهم، وتسمى باسم "فوزي صبحي عبد الرحمن المهدي".
وعندما علمت أسرته بخبر اعتناقه الإسلام وقفت تجاهه موقفاً شديداً ساندتهم فيه الكنيسة وبقية الرعايا النصارى الذين ساءهم أن يشهر إسلامه، في حين كان فوزي في الوقت نفسه يدعو ربه ويبتهل إليه أن ينقذ والده وإخوته ويهديهم للإسلام، وقد ضاعف من ألمه أن والدته قد ماتت على دين النصرانية.
ولأن الدعاء مخ العبادة فقد استجاب الله لدعاء القلب المؤمن، فاستيقظ ذات يوم على صوت طرقات على باب شقته، وحين فتح الباب وجد شقيقته أمامه تعلن رغبتها في اعتناق الإسلام.. ثم لم يلبث أن جاء والده بعد فترة ولحق بابنه وابنته على طريق الحق.
ومن الطريف أن يعمل فوزي ـ الآن ـ مدرساً للدين الإسلامي في مدارس منارات جدة بالمملكة العربية السعودية.. أما والده فقد توفاه الله بعد إسلامه بعام ونصف.. وتزوجت شقيقته من شاب نصراني هداه الله للإسلام فاعتنقه وصار داعية له، وهو يعمل حالياً إماماً لأحد المساجد بمدينة الدوحة بدولة قطر حيث يعيش مع زوجته حياة أسرية سعيدة.
стр. 111
١٠-الشهيد القس السابق الأثيوبي ملقاه فقادو
مانشرته صحيفة المسلمين عنه عدد ٢ اكتوبر ١٩٩١-بتصرف:
القس الأثيوبي الذي أسلم على يديه الكثيرون نال ثقة الكنيسة فيما يقوم به من نشاط في حركات التبشير والتنصير حتى وصل إلى أعلى المراتب الكنسية، ولكن داخله الشك عندما وقع تحت يده كتاب يتضمن تفاسير قرآنية وكانت بداية خطواته على طريق الإيمان الذي يحكيه فيقول:
" عشت سنوات من التيه، ولم أكن أدري ما يخبئه القدر لي ... خدمت المسيحية بكل ما أستطيع، ومن ثم تدرجت في السلم الكنسي حتى وصلت إلى مراتب عليا في الكنيسة وأصبحت أحد القياديين فيها، ثقةً من كبار القساوسة في شخصي وفيما أقوم به من نشاط بكل إخلاص وهمة، مما دفعهم إلى تحميلي مسئوليات كبرى في التبشير والتنصير.
كنت محباً للقراءة والاطلاع، فلم أجد كتاباً عن الإنجيل إلا قرأته حتى فوجئت وأنا أقرأ بعض الكتب الإنجيلية المترجمة أنها تتناول الدين الإسلامي وتطرح سؤالاً مؤداه: أهو دين سماوي أم لا؟ .. وعندما وصلت إلى هذه النقطة بدأت أعيد طرح السؤال مرة أخرى ... ثم مرت الأيام وعثرت على كتاب للتفاسير القرآنية مكتوب باللغة الأمهرية، فبدأت أقارن بين ما وجدته في هذا الكتاب وما قرأته سابقاً في الترجمات، فبدأت أقارن بين ما وجدته في هذا الكتاب وما قرأته سابقاً في الترجمات الإنجيلية عن دين محمد، حتى بدأ يداخلني الشك وأشعر بالفرق الهائل وبالتحريف الذي حدث تجاه دين الإسلام، حتى أيقنت تماماً أن الإسلام هو الدين الحقيقي.. بعدها أشهرت إسلامي وتسميت باسم "محمد سعيد قفادو" ... بعدها عكفت على إعداد دراسة تبين أسباب إسلامي موضحاً فيها حقيقة المعلومات الخاطئة المنحرفة في الكتب الإنجيلية، ومن ثم أوردت الحقائق الثابتة ورفعتها إلى المجلس الإسلامي الأعلى في أديس أبابا ".
ثم يصمت برهةً يلتقط فيها أنفاسه ليعرض رد فعل الكنيسة فيقول:
стр. 112
" لم تقف الكنيسة موقف المتفرج بعد أن فضحها من عاش بداخلها ردحاً من الزمن، فتحركت بسرعة وحركت أذنابها في السلطة الشيوعية إبَّان عهد "منجستو" وسلطوا عليّ أجهزة الأمن التي قامت باعتقالي، ودخلت السجن لمدة ثلاثة أشهر بلا ذنب سوى أنني اعتنقت الإسلام وتخليت عن المسيحية ".
وكان لمحمد سعيد دور في الدعوة الإسلامية فيعبر عن ذلك بقوله:
" بعد خروجي من السجن استفدت من علاقاتي الشخصية ونجحت في إدخال أكثر من مائتي شخص جديد لدين الإسلام، ولكن الأسقف "كارلويوس" رئيس القساوسة لم يهنأ له بال حتى قام برشوة أجهزة القمع في نظام "منجستو" الديكتاتوري، ومرةً ثانية جرى اعتقالي وتأكد لي أنني لن أخرج هذه المرة من السجن، ولا سيما أن الكنسيين مستمرون في ملاحقتي، غير أنه بعد زيارة قام بها الدكتور "عبد الله عمر نصيف" الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي لأثيوبيا ولقائه مع الرئيس السابق "منجستو" طلب منه الإفراج عني، فاستجاب لطلبه "
وهكذا نجد أنفسنا أمام شخصية صارت تستميت من أجل عقيدتها لا يثنيها عنها المكائد المتلاحقة.
وهذا ماكتبته مجلة الفيصل عنه عدد أبريل ١٩٩٢-بتصرف-:
ولد ملقاه فقادو لأب يهودي وأم نصرانية في إحدى قرى أثيوبيا، ودرس في صباه المبكر التوراة والإنجيل، واختار أن يصير نصرانياً كأمه، ولم يكن اختياره نابعاً عن قناعة بالديانة النصرانية، ولكن للأفضلية التي يحظى بها أتباع هذه العقيدة في بلاده التي تعد أحد معاقل النصرانية في إفريقيا.
стр. 113
ولم يجد "ملقاه" ذاته في التوراة أو الإنجيل، إذ رأى في الأولى مجموعة من الأقاصيص والأساطير التي عمد الكهان والأحبار إلى حشوها بكل ما هو غريب بعد أن حرفوا الكلم عن مواضعه، فلم يتقبل عقل "ملقاه" ما في التوراة المحرفة من خرافات وأباطيل، فنبذها إلى دراسة الإنجيل الذي تؤمن به والدته، فوجد أن التناقض بين نصوص الأناجيل واضح، فضلاً عن كونها لا تقدم تفسيراً للحياة والكون ولا تحاول تنظيم أية علاقة في شئون الدنيا والآخرة، فأدرك أنها ليست الكتاب المنزل على عيسى ﵇، أما الإسلام فلم يحاول "ملقاه" أن يدرسه ولم يَسْعَ إليه لحظة، فالدعاية الكنسية القوية والمؤثرة تصور الإسلام على أنه دين المتخلفين وتنسب العديد من الافتراءات والأكاذيب عليه وعلى المسلمين، ومن ثم كبر "ملقاه" على بغض الإسلام، وبحث عن مهنة تليق بمستوى أسرته الاجتماعي وتتيح له أن يحيا حياته في بحبوحة ورغد من العيش، فلم يجد أفضل من السلك الكنسي، حيث سيحظى بالاحترام وبالمرتب الكبير وبالسيارة، وقد ساعده على الالتحاق بالعمل في الكنيسة حفظه التوراة، وصار الشاب "ملقاه" قساً يشار إليه بالبنان وتقبل العامة يديه وينادونه "أبانا"..
واستمر عمله في الكنيسة ست سنوات، اجتهد خلالها في الدعوة إلى النصرانية دونما كلل أو ملل ن ولاسيما أنه ينعم بمميزات عدة من راتب سخي وسكن أنيق وسيارة فاخرة في بلد تهدده المجاعة كل يوم وتفتك بالكثيرين من مواطنيه.
стр. 114
وظل هكذا يعمل بجد في خدمة الكنيسة والدعوة لمعتقداتها حتى كانت ليلة فاصلة إذ رأى فيها ـ فيما يرى النائم ـ رجلاً يقترب منه في المنام ويوقظه هاتفاً به أن يقرأ شهادتي: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وسورة الإخلاص: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كُفُواً أحد﴾ .. فقام من نومه فزعاً وقد روعته تلك الرؤيا التي لم يستوعبها، وإنما فسرها بفهمه القاصر على أنها من الشيطان.
وتكررت الرؤيا ليلتين أخريين، ورأى في الليلة الثالثة نوراً يضئ أمامه الطريق ورجلاً يقرئه الشهادتين وسورة الإخلاص، فأدرك من فوره أن هذه رؤيا حق وليست من عمل شيطان رجيم كما كان يتوهم، فالنور الذي أضاء سبيله في الرؤيا قد تسرب في وجدانه وأنار بصيرته فأصبح من يومه وفي قرارة نفسه إيمان عميق بأن عقيدة الإسلام هي الحق وما دونها باطل.. ولم يطُل به التفكير لأنه بحكم دراسته اللاهوتية كان مطلعاً على البشارات العديدة برسالة محمد ﷺ ، ولذا أشهر إسلامه عن اقتناع تام.
وعندما حدث زوجته في الأمر عارضاً عليها الدخول في الإسلام جاوبته بالإيجاب ودخلت معه في عقيدة التوحيد، وكذلك فعل أطفاله الثلاثة.
وكان أول ما فعله "ملقاه" بعد إشهار إسلامه أن قام بتغيير اسمه إلى "محمد سعيد" معتبراً ذلك اليوم يوم ميلاده الحقيقي شاكراً الله تعالى ما أنعم به عليه من نعمة الهداية إلى دين الحق.
أما بالنسبة للأوساط الكنسية الأثيوبية فقد استقبلت نبأ إسلام "محمد سعيد" بغضب شديد، ولم تكتفِ بحرمانه من الامتيازات التي كان ينعم بها من مسكن راقٍ وسيارة فاخرة وراتب ضخم وغير ذلك، بل سعت حتى أدخلته السجن ليلقى صنوفاً وألواناً من التعذيب في محاولة لرده عن إيمانه وليكون عبرة وعظة لكل من يفكر في ترك النصرانية والالتحاق بركب الإسلام.
стр. 115
وتحمل "محمد سعيد" كل ذلك صابراً محتسباً أجره عند الله، ولم يتزحزح إيمانه قيد أُنمُلة، ولسانه يلهج بالقول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله"..
وحين لم تُجدِ معه وسائل التعذيب ـ وما أكثرها! ـ اضطر القساوسة إلى تركه لكيلا يتحول إلى رمز وقدوة تنير الطريق لكثير من رعايا الكنيسة إلى درب دين الحق.
وخرج "محمد سعيد" من السجن أقوى إيماناً واشد تصميماً على إيصال دعوة الحق إلى غيره، إذ زادته محنة السجن ثباتاً وحرصاً على أن يصبح داعية للإسلام بعدما كان قساً يدعو إلى النصرانية، وجعله الله سبباً في هداية نحو ٢٨٠ شخصاً اعتنقوا الإسلام على يديه.
ويذكر "محمد سعيد" أنه قد استفاد من دراسته العميقة للتوراة والإنجيل في استكشاف الكثير من أوجه الإعجاز القرآني، وأنه بحكم عمله السابق كقس يدرك الأساليب غير السوية التي يلجأ إليها المنصرون من أجل جذب الفقراء والمحتاجين إلى الديانة النصرانية، حيث يستغلون فقر الناس وعَوَزهم بالتظاهر بمواساتهم مادياً ومعنوياً والاهتمام بهم صحياً وتعليمياً في محاولة لاكتساب ودهم ومحبتهم، ومن ثم السيطرة على عقولهم وإقناعهم بأن في النصرانية خلاصهم من عذاب الآخرة وفقر الدنيا!!
هذا ويقضي "محمد سعيد" أوقاته في حفظ القرآن الكريم، مع ما في ذلك من مشقة لكونه من غير الناطقين باللغة العربية ليتمكن من الدعوة الإسلامية. وعن أسلوبه في الدعوة يقول:
" أعتمد على معرفة عقيدة من أدعوه من غير المسلمين، ومن ثم مناقشته في عقيدته وإظهار بطلانها ومخالفتها للفطرة والعقل، ثم بعد ذلك أقوم بشرح ما في الإسلام من نواحٍ خيِّرة عديدة مبيناً أنه الدين الحق الذي اختاره الله للبشرية منذ بدء الخليقة، فالإسلام يعني التسليم لله بالربوبية والطاعة والانقياد لأوامره واجتناب نواهيه "
وعن أمنية "محمد سعيد" يقول:
стр. 116
" أمنيتي الخاصة أن أتمكن من هداية والدي ووالدتي إلى دين الحق.. أما أمنيتي العامة فهي أن أستطيع أن أكون أحد فرسان الدعوة الإسلامية وأن يوفقني الله لما فيه خير أمة الإسلام وأن ينصرها ويعلي شأن دينه "
أجل.. أمنيات تدل على صدق إيمان القس السابق "ملقاه" بدين محمد ﷺ الذي صار سعيداً باعتناقه له فتسمى باسم نبي الإسلام ويقرنه بكونه سعيداً.
أما آخر اخباره فكان الخبر التالي من موقع مفكرة الإسلام:
(فقادو) من أشهر قساوسة أثيوبيا، ذاع صيته وانتشر اسمه لنشاطه في تنصير أعداد كبيرة من أبناء جلدته، تعمق في دراسة النصرانية واطلع على أدق تفاصيلها وخفاياها، وأصبح علماً بارزاً من أعلامها، وقد أكسبته هذه الشهرة الجاه والمال وأصبح ذا شأن عظيم في أوساط نصارى القرن الأفريقي.
رأى في منامه كأنه يقرأ سورة الإخلاص بكاملها ﴿قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفواً أحد﴾ ونظراً لما يمتاز به من ذكاء حاد وفطنة وحس يقظ لم تمر عليه هذه الرؤيا مرور الكرام بل ظل يدور حولها ويمعن النظر في تفسيرها ويفكر في فحواها ومغزاها. ولما لم يصل إلى نتيجة مقنعة حول تعبير هذه الرؤيا ذهب إلى مكتب رابطة العالم الإسلامي بأثيوبيا علّه يجد ما يطفىء ظمأه، ويجد تعليلاً وتوضيحاً وتفسيراً لرؤيته التي لم يهدأ له بال بعدها لادراكه بأن هذه السورة من سور القرآن. وقد وجد في مكتب الرابطة ضالته إذ أوضح له مدير المكتب مغزى هذه الرؤيا وأن الله أراد له الهداية وإخراجه من الظلمات إلى النور وكعادة مكاتب الرابطة، المنتشرة في مختلف أنحاء العالم، في نشر الدعوة الإسلامية وإرشاد الناس إلى دين الله اقتنع السيد (فقادو) بعد عدة زيارات للمكتب بالإسلام وأشهر إسلامه بحمد الله وأصبح اسمه (محمد سعيد) .
стр. 117
ونظراً لما يمثله هذا الرجل من ثقل في النصرانية فقد أزعج إسلامه الكنيسة واعتبروه مارقاً عن ديانتهم ولا مناص من عودته إلى النصرانية أو تصفيته جسدياً. وفي الجانب الآخر يعتبر إسلام هذا الرجل مكسباً كبيراً للمسلمين نظراً لكثرة أتباعه وتأثيره عليهم وتأثرهم به مما سيؤدي إلى إسلام قرى بأكملها وهذا ما تم بالفعل.
ولما أحس رجال الكنيسة بما يمثله (فقادو) من خطورة وأدركوا تمسكه بالإسلام واستحالة عودته إلى ديانتهم قرروا الانتقام منه وقد فطن إلى ذلك. وقام مكتب الرابطة بأثيوبيا بالتنسيق مع الأمانة العامة للرابطة بمكة المكرمة بمنحه تأشيرة دخول إلى المملكة العربية السعودية لإبعاده عن مضايقات رجال الكنيسة من جهة ولتعليمه مبادىء الإسلام في مهبط الوحي من جهة أخرى. ونظراً لعدم إلمامه باللغة العربية فقد تم إلحاقه بمعهد اللغة العربية التابع لجامعة أم القرى بمنحة من الرابطة وتم تأمين سكن مناسب له ولأسرته بمكة المكرمة وتخصيص راتب شهري يليق بمكانته. ونظراً لحدة ذكائه كما أسلفت فقد تعلم أساسيات اللغة العربية في وقت قياسي وتعمق في دراسة الإسلام وحسن إسلامه وظهرت سمات الصلاح في وجهه وحفظ بعض أجزاء القرآن الكريم وترقق قلبه وأصبح دائم البكاء من شدة فرحه بما أنعم الله عليه من نور الهداية.
وفي هذه الأثناء جاءته ابنة راعي الكنيسة قادمة من إثيوبيا وهى شابة حسناء، أتته باكية مستنجدة مدعية بأن أباها طردها عندما أدرك أنها سوف تعتنق الدين الإسلامي وهى جاءت إلى فقادو لكي ينقذها من أسرتها التي تريد قتلها وطلبت منه أن يتزوجها ويعلمها الإسلام وتم لها ما أرادت فتزوجها وأسكنها في جدة لأن زوجته الأولى أسلمت معه وسكنت في مكة المكرمة.
ولم يكن يعلم بما حيك له من سوء وما دبر له من مكائد فقد يئس رجال الكنيسة من عودته إلى ديانتهم فخططوا لقتله حتى وإن كان خارج أثيوبيا.
стр. 118
وأرسلوا له هذه الحسناء المصابة بمرض الإيدز وبالتالي انتقلت إليه العدوى ونقلها دون أن يعلم إلى زوجته الأولى. ولما أدركت هذه الشابة نجاح مهمتها ولّت هاربة إلى إثيوبيا تاركة هذا المرض يسري في جسد محمد سعيد وزوجته. ولم يمهلهما المرض كثيراً حيث توفيت زوجته بعد عدة أشهر أما هو فقد هزل جسمه وضعفت قوته ثم قضى نحبه ودفن بمكة المكرمة. نسأل الله أن يتغمده برحمته ويسكنه فسيح جناته.
وصدق الله العظيم: ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملّتهم....﴾ [البقرة:١٢٠] .
رحمك الله يا فقادو وتقبلك شهيداً في جنة الخلد.
стр. 119
١١-القس السابق الإندونيسي من أصل هولندي رحمة بورنومو
إنه رجل ينتسب إلى أب هولندي وأم إندنوسية من مدينة (أمبون) الواقعة في جزيرة صغيرة في أقصى الشرق من جزر إندونيسيا، والنصرانية هي الدين الموروث لأسرته أباً عن جد.
كان جده قسيساً ينتمي إلى مذهب البروتستانت، وكان أبوه أيضاً قسيساً على مذهب بانتي كوستا، وكانت والدته معلمة الإنجيل للنساء، أما هو نفسه فقد كان قساً، ورئيساً للتبشير في كنيسة (بيتل إنجيل سبينوا) ، وقد قال وهو يحكي سبب إسلامه:
(لم يخطر ببالي ولو للحظة واحدة أن أكون من المسلمين، إذ أنني منذ نعومة أظفاري تلقيت التعليم من والدي الذي كان يقول لي دائماً: (إن محمداًً رجل بدوي صحراوي ليس له علم ولا دراية، ولا يقرأ وأنه أمي) ، هكذا علمني أبي، بل أكثر من ذلك فقد قرأت للبروفسور الدكتور ريكولدي النصراني الفرنسي قوله في كتاب له: (بأن محمداً رجل دجال يسكن في الدرك التاسع من النار) ، هكذا كانت تساق المفتريات الكثيرة لتشويه شخصية الرسول ﷺ ، ومنذ ذلك الحين تكونت لدي فكرة مغلوطة راسخة تدفعني إلى رفض الإسلام، وعدم اتخاذه ديناً لي.
стр. 120
ثم يقول: الواقع أنه لم يكن من أهدافي بحال من الأحوال أن أبحث عن دين الإسلام، ولكني كان يحدوني دائماً دافع لأن أهتدي إلى الحق، ولكن لماذا كنت أبحث عن الحق المجهول؟ ولماذا تركت ديني رغم أنني كنت أتمتع فيه بمكانة مرموقة بين قومي، وحيث كنت رئيس التبشير المسيحي في الكنيسة، وكنت أحيا بناء على ذلك حياةً كلها رفاهية ويسر، إذن لماذا اخترت الإسلام؟
لقد بدأت القصة على النحو التالي:
في يوم من الأيام أرسلتني قيادة الكنيسة للقيام بأعمال تبشيرية لمدة ثلاثة أيام ولياليها في منطقة (دايري) التي تبعد عن عاصمة (ميدان) الواقعة في شمال جزيرة (سومطرة) بضع مئات من الكيلومترات، ولما انتهيت من أعمال التبشير والدعوة أويت إلى دار مسئول الكنيسة في تلك المنطقة، وكنت في انتظار وصول سيارة تقلني إلى موقع عملي، وإذا برجل يطلع علينا فجأة، لقد كان معلماً للقرآن، وهو ما يسمى في إندونيسيا مطوع في الكُتَّاب، وهو المدرسة البسيطة التي تعلم القرآن، لقد كان الرجل ملفتاً للأنظار، كان نحيف الجسم، دقيق العود يرتدي كوفية بيضاء بالية خلقة، ولباساً قد تبدل لونه من كثرة الاستعمال، حتى أن نعله كان مربوطاً بأسلاك لشدة قدمه، اقترب الرجل مني، وبعد أن بادلني التحية بادرني بالسؤال التالي، وكان سؤالاً غريباً من نوعه، قال: (لقد ذكرت في حديثك أن عيسى المسيح إله، فأين دليلك على ألوهيته؟) ، فقلت له: (سواء أكان هناك دليل أم لا فالأمر لا يهمك: إن شئت فلتؤمن، وإن شئت فلتكفر) وهنا أدار الرجل ظهره لي، وانصرف، ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، فقد أخذت أفكر في قرارة نفسي، وأقول: هيهات هيهات أن يدخل هذا الرجل الجنة، لأنها مخصصة فقط لمن يؤمن بألوهية المسيح فحسب، هكذا كنت أعتقد جازماً آنذاك.
стр. 121
ولكن عندما عدت إلى بيتي وجدت أن صوت الرجل يجلجل في روعي، ويدق بقوة في أسماعي، مما دفعني إلى الرجوع إلى كتب الإنجيل بحثاً عن الجواب الصحيح على سؤاله، ومعلوم أن هناك أربعة أناجيل مختلفة أحدها بقلم متَّى، والأخر مارك، والثالث لوقا، والرابع إنجيل يوحنا، هذه التسميات أُخذت لمؤلف كل منها، أي أن الأناجيل الأربعة المشهورة هي من صنع البشر، وهذا غريب جداً، ثم سألت نفسي: (هل هناك قرآن بنسخ مختلفة من صنع البشر؟) وجاءني الجواب الذي لا مفر منه، وهو: (بالطبع لا يوجد) ، فهذه الكتب وبعض الرسائل الأخرى هي فقط مصدر تعاليم الديانة المسيحية المعتمدة!
وأخذت أدرس الأناجيل الأربعة فماذا وجدت؟ هذا إنجيل متَّى ماذا يقول عن المسيح عيسى ﵇؟ إننا نقرأ فيه ما يلي: (إن عيسى المسيح ينتسب إلى إبراهيم وإلى داود ... إلخ) (١-١) إذن من هو عيسى؟ أليس من بني البشر؟ نعم إذن فهو إنسان، وهذا إنجيل لوقا يقول: (ويملك علي بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية) (١-٣٣) ، وهذا إنجيل مارك يقول: (هذه سلسلة من نسب عيسى المسيح ابن الله) (:١) وأخيراً ماذا يقول إنجيل يوحنا عن عيسى المسيح ﵇؟ إنه يقول: (في البدء كان الكلمة، وكان الكلمة عند الله، وكان الكلمة الله) (١:١) ، ومعنى هذا النص هو في البدء كان المسيح، والمسيح عند الله، والمسيح هو الله.
стр. 122
قلت لنفسي: إذن هناك خلاف بارز بين هذه الكتب الأربعة حول ذات المسيح عيسى ﵇ أهو إنسان أم ابن الله أم ملك أم هو الله؟ لقد أشكل عليَّ ذلك، ولم أعثر على جواب، وهنا أحب أن أسأل إخواني النصارى: (هل يوجد في القرآن الكريم تناقض بين آية وأخرى؟) بالطبع لا – لماذا؟ لأن القرآن من عند الله ، أما هذه الأناجيل فهي من تأليف البشر، إنكم تعرفون ولا شك أن عيسى ﵇ كان طيلة حياته يقوم بأعمال الدعوة إلى الله هنا وهناك، ولنا أن نتساءل:- ترى ما هو المبدأ الأساسي الذي كان يدعو إليه عيسى ﵇؟
ثم واصلت البحث، فوجدت في إنجيل يوحنا نصوصاً تشير إلى دعاء المسيح ﵇ وتضرعه إلى الله . فقلت في نفسي: لو كان عيسى هو الله القادر على كل شيء فهل يحتاج إلى هذا التضرع والدعاء الذي ورد في إنجيل يوحنا، هذا هو نص الدعاء: (هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته، أنا مجدتك على الأرض، العمل الذي أعطيتني لأعمل قد أكملته) (١٧-٣-٤) وهو دعاء طويل يقول في نهايته: (أيها الرب البار، إن العالم لم يعرفك، أما أنا فعرفتك وهؤلاء عرفوا أنك أنت أرسلتني وعرفتهم اسمك، وسأعرفهم ليكون فيهم الحب الذي أحببتني به) (١٧-٢٥-٢٦) .
стр. 123
هذا الدعاء يمثل اعترافاً من عيسى ﵇ بأن الله هو الواحد الأحد، وأن عيسى هو رسول الله المبعوث إلى قوم معينين، وليس إلى جميع الناس، فأي قوم هم هؤلاء يا ترى؟ نقرأ جواب ذلك في إنجيل متَّى (١٥-٢٤) حيث يقول: (لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة) ، إذن لو ضممنا هذه الاعترافات إلى بعضها لأمكننا أن نقول: (إن الله الواحد الأحد، وإن عيسى ﵇ هو رسول الله إلى بني إسرائيل) . ثم واصلت البحث، فتذكرت أنني حين أكون في صلاتي أقرأ دائماً العبارات التالية: (الله الأب، الله الابن، الله الروح القدس، ثلاثة في أقنوم واحد) ، قلت لنفسي: أمر غريب حقاً، فلو سألنا طالباً في الصف الأول الابتدائي (١+١+١=٣؟) ، لقال: (نعم) ، ثم إذا قلنا له: (ولكن أيضاً ٣=١) ، لما وافق على ذلك، إذ إن هناك تناقضاً صريحاً فيما نقول، لأن عيسى ﵇ يقول في الإنجيل كما رأينا بأن الله واحد، لا شريك له.
لقد حدث تناقض صريح بين العقيدة التي كانت راسخة في نفسي منذ أن كنت طفلاً صغيراً، وهي: ثلاثة في واحد، وبين ما يعترف به المسيح عيسى نفسه في كتب الإنجيل الموجودة الآن بين أيدينا وهي أن الله واحد أحد لا شريك له، فأيهما هو أحق؟ لم يكن بوسعي أن أقرر آنذاك، والحق يقال، بأن الله واحد أحد، فأخذت أبحث في الإنجيل من جديد لعلي أقع على ما أريد، لقد وجدت في سفر أشعياء النص التالي: (اذكروا الأوليات منذ القديم، لأني أنا الله وليس آخر الإله، وليس مثلي) (٤٦:٩) ولشد ما كانت دهشتي عظيمة حين اعتنقت الإسلام فوجدت في سورة الإخلاص قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم: (قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) نعم، مادام الكلام كلام الله فهو لا يختلف حيثما وجد، هذا هو التعليم الأول أو البديهية الأولى في ديانة المسيحية السابقة، إذن (ثلاثة في واحد) لم يعد لها وجود في نفسي.
стр. 124
ثم ينتقل الأخ رحمة بورنومو الإندونيسي إلى نقطة جوهرية أخرى جعلته يختار الإسلام ديناً فهو يقول:
أما البديهية الثانية في الديانة المسيحية فتقول بأن هناك ما يسمى بالذنب الوراثي أو الخطيئة الأولى، ويُقصد بها أن الذنب الذي اقترفه آدم ﵇ عندما أكل الثمرة المحرمة عليه من الشجرة في الجنة، هذا الذنب سوف يرثه جميع بني البشر حتى الجنين في رحم أمه يتحمل هذا الإثم يولد آثماً، فهل هذا صحيح أم لا؟ لقد أخذت أبحث عن حقيقة ذلك، فلجأت إلى العهد القديم فوجدت في سفر حزقيال ما يلي: (الابن لا يحمل من إثم الأب، والأب لا يحمل من إثم الابن، بر البار عليه يكون، وشر الشرير عليه يكون، فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي، وفعل حقاً وعدلاً، فحياة يحيا ولا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه) (حزقيال ١٨:٢٠-٢١) .
لعل من المناسب هنا أن نذكر ما يقوله القرآن الكريم في هذا المقام: (ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى) ويقول الرسول ﷺ : (يُولد ابن آدم على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) ، هذه هي القاعدة في الإسلام، ويوافقها ما جاء في الإنجيل، فكيف يقال: (إن خطيئة آدم تنتقل من جيل إلى جيل، وأن الإنسان يولد آثماً؟) .
يقول الأخ (رحمة بورنومو) الإندونيسي:
إذن هذه التعاليم المسيحية قد اتضح بطلانها وافتراؤها بنص صريح من الكتاب الموصوف بـ (المقدس) نفسه.
стр. 125
وهناك البديهية الثالثة في التعاليم النصرانية التي تقول: إن ذنوب بني البشر لا تغفر حتى يصلب عيسى ﵇، لقد أخذت أفكر في هذه البديهية، وأتساءل: (هل هذا صحيح؟) وكان الجواب الذي لا مفر منه: بالطبع لا، لأن النص الآنف الذكر من العهد القديم ينفي مثل هذا الاعتقاد بقوله: (فإذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها، وحفظ كل فرائضي، وفعل حقاً وعدلاً، فحياة يحيا ولا يموت، كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه) ، أي أن الله يغفر ذنوبه دون حاجة إلى أية وساطة من أحد.
ويمضي الأخ الأندونيسي الذي كان قساً في يوم من الأيام يحدثنا عما فعل بعد ذلك ضمن رحلته الطويلة من الكفر إلى الإسلام، فيقول:
لقد واصلت البحث في عدد من القضايا الاعتقادية الأخرى، لقد وضعت يوماً من الأيام كُلاًّ من الإنجيل والقرآن أمامي على المنضدة، ووجهت السؤال التالي إلى الإنجيل قلت له: (ماذا تعرف عن محمد؟) فقال: (لا شيء، لأن اسم محمد غير مذكور في الإنجيل) ، ثم وجهت السؤال التالي إلى عيسى كما تحدث القرآن فقلت: (يا عيسى ابن مريم ماذا تعرف عن محمد؟) فقال: (لقد ذكر القرآن بما لا يدع مجالاً للشك أن رسولاً لا بد أن يأتي بعدي اسمه أحمد) ، يقول تعالى على لسان عيسى ﵇: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) (الصف: ٦) فأي ذلك حق يا ترى؟
стр. 126
ثم يقول: هناك إنجيل واحد هو إنجيل برنابا وهو غير الأناجيل الأربعة التي ذكرناها من قبل، وهذا الإنجيل للأسف حَرَّم رجالُ الدين النصارى على أتباعهم الاطلاع عليه، أتدرون لماذا؟ الأرجح أنه لأن هذا الإنجيل هو الوحيد الذي يتضمن البشرى بسيدنا محمد ﷺ ، وتقل فيه الإضافات والتحريفات إلى حد أدنى، كما أن فيه حقائق تطابق ما جاء في القرآن الكريم، جاء في إنجيل برنابا (إصحاح ١٦٣) : وقتئذٍ يسأل التلاميذ المسيح: يا معلم من يأتي بعدك؟ فقال المسيح بكل سرور وفرح: محمد رسول الله سوف يأتي من بعدي كالسحاب الأبيض يُظل المؤمنين جميعاً.
ويمضي الأخ رحمة بورنومو فيقول: ثم قرأت آية أخرى في إنجيل برنابا وهي قوله في (الإصحاح ٧٢) : وقتئذ إندرياس (التلميذ) يسال المسيح: (يا معلم! حين يأتي محمد، ما هي علاماته حتى نعرفه؟) فقال المسيح: (محمد لا يأتي في عصرنا هذا، وإنما يأتي بعد مئات السنين حين يُحرَّف الإنجيل، والمؤمنون حينئذ لا يبلغ عددهم ثلاثين نفراً، فحينئذ يرسل الله خاتم الأنبياء والمرسلين محمداً ﷺ ، لقد تردد ذكر ذلك في إنجيل برنابا عدة مرات أحصيتها فوجدت أن فيه خمسة وأربعين آية تذكر محمداً ﷺ ، وقد اكتفيت بالآيتين السابقتين على سبيل الاستشهاد.
بعد ذلك يتحدث الأخ المهتدي الجديد من إندونيسيا عن جانب آخر من دراسته المقارنة فيقول:
стр. 127
ومن التعاليم البديهية في الديانة المسيحية أن عيسى ﵇ هو المنقذ المخلِّص للعالم، أي أنك إذا آمنت بألوهية عيسى فسوف تنجو، وهذا يعني أنك يمكنك أن تفعل ما تشاء غيرَ آبهٍ بالذنوب والمعاصي ما دمت تؤمن بعيسى كمنقذ لك، شريطة أن تكون علي يقين بأنك من التابعين، قلت لنفسي: لا بد أن أبحث في الإنجيل وأعرف الحق من الباطل في ذلك، في سفر أعمال الرسل رسالة بولس الأولى إلى أهل كورينثوس يقول: الله قد أقام الرب وسيُقيمنا نحن أيضاً بقوته (٦:١٤) ، والقصة كما وردت في التعاليم المسيحية فيه كالآتي: أنه لما قبضوا على السيد المسيح عرضوه أمام العدالة فحكم عليه بالصلب، ثم دُفن فهنا تأتي الآية مناسبة لتلك القصة.
وهنا يعلق الأخ رحمة بورنومو فيقول: لقد تأملت هذه الآية طويلاً ثم قلت: إذا لم يتدخل الله في إقامة المسيح من القبر لبقي مدفوناً تحت التراب إلى يوم القيامة، إذن ما دام المسيح لم يستطع إنقاذ نفسه فكيف يكون بوسعه إنقاذ الآخرين؟ هل يليق بإله –كما يزعمون- أن يكون عاجزاً عن ذلك؟ لا أشك لحظة أن كل ذي عقل سيوافقني فيما ذهبت إليه. أليس كذلك؟
ثم يقول:
عند ذلك عزمت على الخروج من الكنيسة وعدم الذهاب إليها، كان ذلك في عام ١٩٦٩ حيث خرجت فعلاً ولم أعد أتردد على الكنيسة، وليس معنى ذلك أنني خرجت ذلك الحين من الديانة النصرانية نفسها، لأنه كما هو معلوم هناك كنائس ومذاهب شتى في الديانة النصرانية، فهناك الكاثوليك، والبروتستانت، والميثوديست، والبلاي كسلامتن، واليونيتاريان، وغيرها كثير، حتى أنني أستطيع أن أقول بأن هناك أكثر من ٣٦٠ مذهباً في الديانة النصرانية، وصدق الله العظيم (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) .
قد يقول قائل: وفي الإسلام أيضاً توجد مذاهب وطوائف عدة، فهناك المذاهب الأربعة المعروفة، وهي الحنفي والشافعي والحنبلي والمالكي وغيرها ...
стр. 128
والجواب هو أن أتباع المذاهب.. لا يختلفون في أصول الدين بل يتفقون جميعاً أن الله واحد، لا شريك له، وأن محمداً رسول الله، كما يتفقون في أركان الإسلام الخمسة، وجوانب الخلاف بينهم في الفروع الفقهية فقط لا في الأصول، أما في الديانة المسيحية فالأمر مختلف تماماً إذ الخلاف في صُلب العقيدة، وهذا هو الفارق بين الإسلام والمسيحية.
ومهما اختلفت المذاهب في الإسلام فإنك لا تجد مسجداً يخص مذهباً معيناً دون سائر المساجد، بل على العكس من ذلك، فإذا نادى المنادي للصلاة تجد كل مسلم يدخل أقرب مسجد ليصلي فيه. ولكن الأمر مختلف تماماً في الديانة النصرانية: فكل كنيسة تتبع مذهباً معيناً، ولا يدخلها إلا أتباع ذلك المذهب فحسب، فالكاثوليكي لا يصلي في كنيسة بروتستانتية، والبروتستانتي لا يصلي هو الآخر في كنيسة كاثوليكية، وهكذا.
ثم يمضي الأخ رحمة بورنومو في قصته الشائقة، فيقول:
وذات يوم لقيت صديقاً لي فدعاني إلى الكاثوليكية، وأخذ يعدد مميزات لهذا المذهب لم أجد مثلها في مذهبي البروتستانتي، قال صديقي: (في هذا المذهب توجد حجرة الغفران، وهي عبارة عن غرفة في الكنيسة يجلس فيها قس ذو لحية كثيفة يرتدي لباساً أسود، ويقعد على كرسي عال، ومن طلب العفو والغفران ذهب إليه، ورددَ بعض الألفاظ الغير المفهومة، وما أن يكاد يفرغُ من قراءتها حتى يقال له بأنه برئ من ذنوبه، ويرجع كيوم ولدته أمه، وهكذا قال لي صديقي، وأضاف قائلاً: كل ما تقترف يداك من الذنوب خلال أيام الأسبوع كفيل بأن يُغفر لك عند ذهابك إلى الكنيسة يوم الأحد، وحصولك على الغفران. فأنت لا تحتاج إلى الصلاة، ولا إلى العبادة، ولكن إذا تركت ذلك كله وذهبت إلى القس، واعترفت أمامه، غُفرت ذنوبك)
стр. 129
يقول الأخ رحمة بورنومو: لقد تذكرت ما يقرره الإسلام في ذلك، وهو أن البشر مهما علت رتبة أحدهم لا يمكن أن يُوكَلَ إليه غفران ذنوب العباد، كما أن التوبة والمغفرة لا تُسقط التكاليف والفرائض، بل لا بد للتائب من أن يؤدي الصلوات الخمس اليومية في أوقاتها، فإذا تركها فلا قيمة لتوبته وعليه إثم كبير لا يمكن أن يتحمله عنه غيره من الناس (ولا تزر وازرة وزر أخرى) صدق الله العظيم.
ثم يقول: لقد رأيت الداخلين إلى حجرة الغفران في الكنيسة عليهم أمارات الحزن والكآبة لثقل الذنوب، بينما رأيت من يخرج منها وقد علت وجهه ابتسامة الفرح لاعتقاده بأن ذنوبه قد غفرت له، أما أنا فحين جربت تلك الغرفة دخلتها حزيناً وخرجت منها حزيناً، لماذا يا ترى؟ لأنني كنت أفكر وأتسائل: (هذه ذنوبنا يتحملها القس، ولكن من يتحمل ذنوبه هو؟) وهكذا لم أقتنع بالكاثوليكية فتركتها، وبحثت عن دين آخر.
ثم يحدثنا الأخ رحمة بورنومو عن المرحلة التالية من رحلته من الشك إلى اليقين فيقول:
بعد ذلك تعرفت على طائفة نصرانية أخرى تسمى (شهود يهوه) وهي مذهب آخر من مذاهب النصرانية، لقيت رئيسهم، وسألته عن تعاليم مذهبه، وقلت له: (من تعبدون؟) ، قال: (الله) ، قلت: (ومن هو المسيح؟) فقال: (عيسى هو رسول الله) ، فصادف ذلك موافقة لما كنت أومن به، وأميل إليه، ودخلت كنيستهم فلم أجد فيها صليباً واحداً، فسألته عن سر ذلك، فقال: (الصليب علامة الكفر، لذلك لا نعلقه في كنائسنا)
وهكذا رضي الأخ رحمة بورنومو أن يعرف المزيد عن شهود يهوه، وهو يصف هذه الفترة من حياته فيقول: لقد أمضيت ثلاثة أشهر كاملة أتلقى تعاليم ذلك المذهب، وفي نهايتها كان لي الحوار التالي مع رئيس الكنيسة، وكان هولنديا. قلت له: (يا سيدي، إذا توفيت على هذا المذهب، فإلى أين مصيري؟) قال: (كالدخان الذي يزول في الهواء) ، فقلت متعجباً: (ولكني لست سيجارة، بل أنا إنسان ذو عقل وضمير) .
стр. 130
ثم سألته: (وأين أتجه بعد الممات؟) ، فقال: (تُوضع في ميدان واسع) ، قلت له: (وأين ذلك الميدان؟) قال: (لا أعلم) ، قلت: (سيدي إذا كنت عبداً مطيعاً ملتزماً بهذا المذهب، فهل أدخل الجنة؟) قال: (لا) ، قلت: (فإلى أين إذن؟) قال: (الذين يدخلون الجنة عددهم ١٤٤ ألف شخص فقط، أما أنت فسوف تسكن الأرض مرة أخرى) ، وهنا قاطعته قائلاً: (ولكن يا سيدي قد وقعت الواقعة، فالدنيا خربت) ، قال: (أنت لا تفهم حقيقة القيامة، لو كان لديك كرسي وفوقه حشرات مؤذية، هل تحرق الكرسي لتخلص من الحشرات؟) قلت: (لا) ، قال: (بل تقتل الحشرات ويبقى الكرسي سليماً، وهكذا تبقى الأرض سليمة بعد تطهيرها من الدنس والخطايا، وعندها ينتقل إليها الناس من ذلك الميدان، فليس هناك ما يسمى بالنار) .
وهنا أعملت فكري جيداً، ودرست الأمر وقلبته، حتى اتخذت القرار الأخير بترك النصرانية بجميع مذاهبها رسمياً، كان ذلك في عام ١٩٧٠، وفي أحد الأيام بينما كنت أسير في طريقي بحثاً عن الحق، رأيت معبداً بوذياً جميلاً ضخماً فاقتربت منه فوجدت فيه عدة تماثيل وصور وفي السقف تمثال لتنين، وعلى الجدران مثل ذلك، كما شاهدت أمام البوابة تمثالين على شكل أسد صامت، وما أن دخلت من البوابة حتى جاءني رجل فأوقفني، وسأل: (إلى أين؟) قلت: (أريد أن أدخل) ، قال: (اخلع نعليك قبل أن تدخل، هذا معبد لنا فاحترم مكان عبادتنا) ، قلت في نفسي: (حتى البوذية تعرف النظافة، أما ديانتي السابقة فلا نظافة فيها، أذكر أنني عندما كنت أدخل الكنيسة لم أكن أخلع نعليَّ عند الدخول)
стр. 131
ثم يقول: (لقد جربت الديانة البوذية فترة من الزمن، ولكن سرعان ما تركتها لإحساسي بأنني لم أجد الحق الذي أنشده، ثم اتصلت بالديانة الهندوسية التي بدأت ونشأت في الهند، والتي انتشرت تعاليمها حتى وصلت إلى بعض الجزر الإندونيسية، فأخذت أتنقل بين تلك الجزر التي يوجد فيها نشاط لأتباع هذا الدين، ومكثت معهم فترة من الزمن تعلمت فيها الكثير، وقد نجحت في المرحلة الأولى إلى درجة أنني أخذت أجرى الخوارق كالعبور في النار، والمشي على المسامير الحادة، وإدخال المسامير في أعضاء الجسم إلى غير ذلك، ولكن أيضاً ليس هذا هو ما كنت أبحث عنه)
ثم يضيف الأخ رحمة بورنومو: وذات يوم سألت رئيس المعبد الهندوسي: (ماذا تعبدون؟) ، قال: نعبد (برهما، ويشنو، وشيوا) ، برهما: إله الخلق، ويشنو: إله الخير، وشيوا: إله الشر، ثلاثة آلهة تجلت في جسد إنسان واحد اسمه كريشنا الذي يعتبر المنقذ للعالم عند الهندوس، قلت لنفسي: (إذن فلا فرق في أمر الألوهية بين الهندوسية والنصرانية، ولو اختلفت الأسماء فهما يناديان ثلاثة في واحد) .
стр. 132
قلت للكاهن الهندوسي: (اشرح لي نشأة كريشنا) ، فقال: كان في الهند سنة ألفين قبل الميلاد ملك جبار ظالم لا يرحم حتى أبناءه، فيقتل مولده الذكر خوفاً من أن يحتل عرشه غصباً، وفي إحدى الليالي الظلماء كان الملك جالساً أمام قصره، وإذا بكوكب مضئ يطلع في السماء فوق رأسه، وكان يسير بسرعة مذهلة، ثم توقف في الفضاء وأرسل نوره الباهر على حظيرة الأبقار، فلما سأل الملك رجال العلم والدين، راجعوا كتبهم المقدسة، فقالوا: إن ذلك دليل على تجلي الآلهة في جسم إنسان اسمه سري كريشنا، فقلت في نفسي: هذه القصة بحذافيرها مع تغيير الأشخاص موجودة في الديانة المسيحية، وكنت أحدث بها الناس وأنا قس، والفرق أن القرية المشار إليها هي بيت لحم، والإنسان عندنا هو المسيح، فلا فرق إذن بين القصتين ولا بين العقيدتين في قضية أساسية هي قضية الألوهية، وقضية هوية المنقذ للعالم.
لقد واصلت حواري مع الكاهن الهندوسي فقلت له: (يا سيدي إذا توفيت وأنا على دينكم، فإلى أين مصيري؟) قال: (لا أعلم، ولكن عليك أن تمتنع عن قتل الحشرات من أمثال النمل والبعوض وغيرها) ، وقال: (قد تكون هذه الحشرات آباءك وأجدادك الموتى) .
ثم يقول: (وفي النهاية قررت أن أترك كل تلك الديانات، ولم يكن أمامي إلا الإسلام الذي لم أكن أريد اعتناقه لما غُرس في نفسي منذ طفولتي من نفور وكراهية لهذا الدين الذي لم أكن أعرف عنه إلا الشبهات، كنت أريد البحث عن الحق المجهول وهذا البحث يلزم الجهد والصبر، وذات يوم قلت لزوجتي: اعتباراً من هذه الليلة لا أريد أن يزعجني أحد، أريد أن أصلي وأتضرع إلى الله، وهكذا أقفلت باب حجرتي ورفعت يدي إلى الله خاشعاً متضرعاً قائلاً: (يا رب: إذا كنت موجوداً حقاً فخذ بناصيتي إلى الهدى والنور، واهدني إلى دينك الحق الذي ارتضيته للناس) .
ويمضي الأخ رحمة بونومو في حديثه قائلاً:
стр. 133
والدعاء إلى الله ليس كأي طلب من الطلبات كما أن دعائي إلى الله سبحانه وتعال لم يكن خلال فترة وجيزة فحسب، بل استمر ذلك زمناً طويلاً، حوالي ثمانية أشهر، وفي ليلة الحادي والثلاثين من شهر أكتوبر عام ١٩٧١م الموافقة للعاشر من رمضان من نفس العام، وبعد أن فرغت من دعائي المعتاد رحت في نوم عميق، وعندها جاءني نور الهدى من الله ، إذ رأيت العالم حولي في ظلام دامس، ولم يكن بوسعي أن أرى شيئاً، وإذا بجسم شخص يظهر أمامي، فأمنعت النظر فيه فإذا بنور حبيب يشع منه يبدد الظلمة من حولي، لقد تقدم الرجل المبارك نحوي، فرأيته يلبس ثوباً أبيض وعمامة بيضاء، له لحية جعدة الشعر، ووجه باسم لم أر قط مثله من قبل جمالاً وإشراقاً، لقد خاطبني الرجل بصوت حبيب قائلاً: (ردد الشهادتين) ، وما كنت حينئذٍ أعلم شيئاً اسمه الشهادتين، فقلت مستفسراً: (وما الشهادتان؟) فقال: (قل: أشهد أن لا إله إلا الله , وأشهد أن محمداً رسول الله) فكررتهما وراءه ثلاث مرات، ثم ذهب الرجل عني.
يقول الأخ الإندونيسي بعد ذلك: ولما استيقظت من نومي وجدت جسمي مبللاً بالعرق، وسألت أول مسلم قابلته: (ما هي الشهادتين، وما قيمتهما في الإسلام؟) ، فقال: (الشهادتان هما الركن الأول في الإسلام، ما أن ينطقهما الرجل حتى يصبح مسلماً) ، فاستفسرت منه عن معناهما فشرح لي المعنى، وفكرت ملياً، وتساءلت من يكون الرجل الذي رأيته في منامي، وكانت ملامحه واضحة المعالم لي؟ فلما وصفتها لصديقي المسلم هتف على الفور قائلاً: (لقد رأيت الرسول محمداً ﷺ .
стр. 134
ثم يختم الأخ رحمة بورنومو قصته بقوله: وبعد عشرين يوماً من ذلك الحادث وكانت ليلة عيد الفطر سمعت صيحات التكبير يرددها المسلمون من المساجد القريبة من دارنا، فاقشعر بدني واهتز قلبي، ودمعت عيناي لا حزناً على شيء، بل شكراً لله على هذه النعمة فالحمد لله الذي هداني أخيراً إلى ما كنت أبحث عنه منذ سنين، لقد تم ذلك في عام ١٩٧١م وقد خَيَّرتُ زوجتي بين الإسلام والمسيحية، فاختارت الإسلام، والجدير بالذكر أنها كانت في طفولتها مسلمة ومن عائلة مسلمة تنصرت بسبب إغراءات المبشرين، وتبعاً لجهلها بأمور دينها الحنيف، كما تبعنا أبناؤنا فاعتنقوا الإسلام، ومنذ الثاني من شهر فبراير عام ١٩٧٢م ونحن مسلمون والحمد لله.
نقلاً من كتاب (علو الهمة) للشيخ محمد بن إسماعيل ص (٢٣٩-٢٥٤) بتصرف يسير
стр. 135
١٢- القمص السابق المصري عزت اسحاق معوض
كان أحد الدعاة للالتزام بالنصرانية، لا يهدأ ولا يسكن عن مهمته التي يستعين بكل الوسائل من كتب وشرائط وغيرها في الدعوة إليها، وتدرج في المناصب الكنسية حتى أصبح "قُمُّصاً".. ولكن بعد أن تعمق في دراسة النصرانية بدأت مشاعر الشك تراوده في العقيدة التي يدعو إليها في الوقت الذي كان يشعر بارتياح عند سماعه للقرآن الكريم ... ومن ثم كانت رحلة إيمانه التي يتحدث عنها قائلاً:
" نشأت في أسرة مسيحية مترابطة والتحقت بقداس الأحد وعمري أربع سنوات ... وفي سن الثامنة كنت أحد شمامسة الكنيسة، وتميزت على أقراني بإلمامي بالقبطية وقدرتي على القراءة من الكتاب المقدس على النصارى.
стр. 136
ثم تمت إجراءات إعدادي للالتحاق بالكلية الأكليريكية لأصبح بعدها كاهناً ثم قُمُّصاً، ولكنني عندما بلغت سن الشباب بدأت أرى ما يحدث من مهازل بين الشباب والشابات داخل الكنيسة وبعلم القساوسة، وبدأت أشعر بسخط داخلي على الكنيسة، وتلفت حولي فوجدت النساء يدخلن الكنيسة متبرجات ويجاورن الرجال، والجميع يصلي بلا طهارة ويرددون ما يقوله القس بدون أن يفهموا شيئاً على الإطلاق، وإنما هو مجرد تعود على سماع هذا الكلام.
وعندما بدأت أقرأ أكثر في النصرانية وجدت أن ما يسمى "القداس الإلهي" الذي يتردد في الصلوات ليس به دليل من الكتاب المقدس، والخلافات كثيرة بين الطوائف المختلفة بل وداخل كل طائفة على حدة، وذلك حول تفسير "الثالوث" ... وكنت أيضاً أشعر بنفور شديد من مسألة تناول النبيذ وقطعة القربان من يد القسيس والتي ترمز إلى دم المسيح وجسده!!! "
ويستمر القُمُّص عزت إسحاق معوض ـ الذي تبرأ من صفته واسمه ليتحول إلى الداعية المسلم محمد أحمد الرفاعي ـ يستمر في حديثه قائلاً:
" بينما كان الشك يراودني في النصرانية كان يجذبني شكل المسلمين في الصلاة والخشوع والسكينة التي تحيط بالمكان برغم أنني كنت لا أفهم ما يرددون ... وكنت عندما يُقرأ القرآن كان يلفت انتباهي لسماعه وأحس بشئ غريب داخلي برغم أنني نشأت على كراهية المسلمين ... وكنت معجباً بصيام شهر رمضان وأجده أفضل من صيام الزيت الذي لم يرد ذكره في الكتاب المقدس، وبالفعل صمت أياماً من شهر رمضان قبل إسلامي ".
ويمضي الداعية محمد أحمد الرفاعي في كلامه مستطرداً:
стр. 137
"بدأت أشعر بأن النصرانية دين غير كامل ومشوه، غير أنني ظللت متأرجحاً بين النصرانية والإسلام ثلاث سنوات انقطعت خلالها عن الكنيسة تماماً، وبدأت أقرأ كثيراً وأقارن بين الأديان، وكانت لي حوارات مع إخوة مسلمين كان لها الدور الكبير في إحداث حركة فكرية لديّ ... وكنت أرى أن المسلم غير المتبحر في دينه يحمل من العلم والثقة بصدق دينه ما يفوق مل لدى أي نصراني، حيث إن زاد الإسلام من القرآن والسنة النبوية في متناول الجميع رجالاً ونساءً وأطفالاً، في حين أن هناك أحد الأسفار بالكتاب المقدس ممنوع أن يقرأها النصراني قبل بلوغ سن الخامسة والثلاثين، ويفضل أن يكون متزوجاً!! "
ثم يصمت محمد رفاعي برهةً ليستكمل حديثه بقوله:
" كانت نقطة التحول في حياتي في أول شهر سبتمبر عام ١٩٨٨ عندما جلست إلى شيخي وأستاذي "رفاعي سرور" لأول مرة وناقشني وحاورني لأكثر من ساعة، وطلبت منه في آخر الجلسة أن يقرئني الشهادتين ويعلمني الصلاة، فطلب مني الاغتسال فاغتسلت ونطقت بالشهادتين وأشهرت إسلامي وتسميت باسم "محمد أحمد الرفاعي" بعد أن تبرأت من اسمي القديم "عزت إسحاق معوض" وألغيته من جميع الوثائق الرسمية. كما أزلت الصليب المرسوم على يدي بعملية جراحية.. وكان أول بلاء لي في الإسلام هو مقاطعة أهلي ورفض أبي أن أحصل على حقوقي المادية عن نصيبي في شركة كانت بيننا، ولكنني لم أكترث، ودخلت الإسلام صفر اليدين، ولكن الله عوضني عن ذلك بأخوة الإسلام، وبعمل يدر عليّ دخلاً طيباً ".
ويلتقط أنفاسه وهو يختتم كلامه قائلاً:
" كل ما آمله الآن ألا أكون مسلماً إسلاماً يعود بالنفع عليّ وحدي فقط، ولكن أن أكون نافعاً لغيري وأساهم بما لديّ من علم بالنصرانية والإسلام في الدعوة لدين الله تعالى ".
صحيفة المسلمين ـ الصادرة في ٤ / ١٠ / ١٩٩١ (بتصرف)
стр. 138
١٣-القس السابق الفليبيني عيسي بياجو
حاوره: علي ياسين
اسمه عيسى عبد الله بياجو، عمره أربعون سنة، بلده الفلبين، متزوج وله ابن, كان قساً كاثوليكياً ثم اهتدى إلى النور، وشرح الله صدره للإسلام، كان ذلك من أربع عشرة سنة، وهو الآن قد جاء للعمل بالدوحة.. فسعينا إلى الالتقاء به.
سألناه عن حياته قبل الإسلام فقال: اسمي الإصلى هو كريسانتو بياجو، درست في المعهد اللاهوتي، وحصلت على درجة الليسانس في اللاهوت وعملت كقس كاثوليكي سمعت عن المسلمين كمجموعة من الناس، ولم تكن عندي فكرة عما يدينون به. وفي ذلك الحين كنت لا أطيق حتى مجرد سماع اسمهم نظراً للدعاية العالمية التي توجه ضدهم. وحتى المسلمون المنتمون إلى جبهة تحرير مورو في الفلبين كان يُعطى الإيحاء بأنهم قراصنة وهمجيون، يسهل عليهم العدوان وسفك الدماء، هذا الشعور يشاركني فيه معظم نصارى الفلبين الذين يمثلون ٩٠% من السكان. جاء يوم حضرت فيه محاضرة ألقاها منصّر أمريكي اسمه بيتر جوينج عن الإسلام، فأخذتني الرغبة في التعرف على هذا الدين، وانطلقت لأقرأ بعض الرسائل عن أركان الإيمان، وأركان الإسلام، وعن قصص الأنبياء، فدهشت من أن الإسلام يؤمن بالإنبياء الذين من أهمهم المسيح ﵇. كانت مشكلتي نقص الكتب التي تتكلم عن الإسلام وعن القرآن ولكني لم أيأس، لأنني كنت أستحضر من كلام المبشر الأمريكي قوله: إن التوراة فيها أخطاء، مما أدخل الشك في نفسي، فبدأت أكوّن فكرتي عن الدين الحق الذي أومن به. ولم أجد الإجابات عن الأسئلة التي جالت آنئذٍ في صدري حول الإنجيل وكلما حللت مشكلة أو أجبت عن سؤال، ظهرت مشاكل كثيرة وأسئلة أكثر. لجأت إلى تفريغ ذهني من كل فكرة مسبقة، ودعوت الله أن يهديني إلى الحق وكان من المفارقات العجيبة أنني كقسيس كنت أعلّم الناس ما لا أعتقده، فمثلاً لم أكن على الإطلاق مقتنعاً بفكرة الخطيئة الأصلية، والصّلب، إذ كيف يحمّل الله إنساناً ذنوب الآخرين؟ هذا ظلم،
стр. 139
ولماذا لا يغفرها الله ابتداءً؟ وكيف يفعل الأب هذا بابنه؟ أليس هذا إيذاءً للأبناء بغير حق؟ وما الفرق بين هذا وبين ما يفعله الناس من إساءة معاملة الأطفال؟ . بدأت أبحث عن الوحي الحقيقي فتأملت نص التوراة فلم أجد إلا كلاماً مليئاً بالأخطاء والتناقضات لا ندري من كتبه ولا من جمعه، فأصل التوراة مفقود، وهناك أكثر من توراة. اهتزت عقيدتي تماماً. ولكني كنت أمارس عملي، لئلا أفقد مصدر دخلي وكل امتيازاتي. ومرت سنتان وأنا على هذا الحال حتى جاء يوم لقيت فيه جماعة من المسلمين يوزعون كتيبات عن الإسلام، فأخذت منهم واحداً قرأته بشغف، ثم سعيت إلى مناقشة تلك الجماعة التي كانت توزع تلك الكتيبات فقد كنت أحب الجدال والمناظرة، وهذا ليس غريباً، ففي الفلبين جماعات نصرانية متصارعة يقارب عددها ٢٠ ألف جماعة وكثيراً ما كنت أمارس الجدال والمناظرة مع بعض تلك الجماعات. فلما جلست مع ذلك الفريق المسلم في إحدى الحدائق فوجئت بأن الذي يحاورني كان قسيساً كبيراً دخل الإسلام. أخذت أنصت لكلامه: عن النظام السياسي في الإسلام، فأعجبني لأنني كنت أحب المساواة التي لم أجدها في النظم البشرية ولكني حينئذٍ وجدتها في دين مبني على كلام الله ووحيه إلى خلقه. سألت المتحدث عن سبب اعتناقه للإسلام، ثم عن الفرق بين القرآن والإنجيل فأعطاني كتاباً لرجل اسمه أحمد ديدات. قرأت الكتاب فوجدت فيه الإجابة عن كل تساؤلاتي حول الإنجيل واقتنعت تماماً. ثم أخذت أقابل ذلك الرجل كل يوم جمعة بعد الظهر لأسأله عن كل شيء، وكان من فضولي أن سألته عن محمد ﷺ ، وهل هو من نسل إسماعيل؟ فقال إن في التوراة الموجودة حالياً ذكر محمد ﷺ ، وأعطاني مقاطع كثيرة من التوراة في هذا الصدد. أخذت أبحث لأقتنع، وكان من دواعي اطمئناني أن إيماني بعيسى ﵇ يجعلني أقبل الإيمان بمحمد ﷺ ، واستمر بحثي
стр. 140
شهرين، شعرت بعدهما ببعض التردد، لخوفي على مستقبلي لأنني أعلم يقيناً أنني لو أسلمت فسأخسر كل شيء: المال، ودرجتي العلمية، والكنيسة، وسأخسر والديّ وإخوتي، كان الشيء الذي هزني هو عجزي عن تدريس الناس العقيدة النصرانية إذ أصبحت بارداً جداً وغير مقتنع بما أقول. تركت قراءة التوراة حتى لاحظ والداي ذلك. ثم لقيت صديقي المسلم، وسألته عن الصلاة، فقال لى: الشهادة أولاً، فرفعت أصبعي بتلقائية وقلت خلفه: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولم أكن أعرف معنى هذا القول حتى شرحه هو لي بعد ذلك. وقلت: وأشهد أن عيسى رسول الله. كان في المجلس مسلمون كثيرون من جنسيات مختلفة فقام الجميع وعانقوني وهنأوني، فقلت في نفسي: كل هؤلاء مسلمون رغم اختلاف جنسياتهم وألوانهم، لقد جمعهم الإسلام بلا تمييز، فلماذا التمييز في النصرانية حتى تجد جماعات نصرانية للبيض وجماعات نصرانية للسود؟ فرجعت إلى بيتي ونطقت بالشهادة باللغة الانجليزية بيني وبين الله تعالى فليس يهمني الناس. بقيت على إسلامي من غير أن يعلم أحد من معارفي، وكنت أدخل الكنيسة لمدة ستة أسابيع، لأنزع بعد ذلك فتيل القنبلة وأعلن إسلامي، فغضب والداي أشد الغضب. وجاء الكاهن الأكبر إلى المنزل ليناقشني فعرضت عليه ما عندي من تناقضات الإنجيل، فكلمني عن بعض الشبهات التي تثار حول الإسلام فقلت له: أقنعني اولاً أن محمداً ليس رسولاً من عند الله، فوعدني ولكن لم يرجع، وسمعت بعد ذلك أن الكنيسة كلها تصلي من أجلي لأرجع إلى عقلي، وكأنني صرت مجنوناً. بدأت بعد ذلك أثبّت قدمي في الإسلام - دراسة وتعلماً - وكنت ألقي بعد ذلك برامج إسلامية في التلفزيون والإذاعة المحلية التي تمولها الجهات الإسلامية، ثم تزوجت امرأة مسلمة رزقني الله منها عبد الصمد ابني الوحيد (١١سنة) . واعتنق الإسلام بعد ذلك أبي وأمي وأختي وزوجها وابن أخي وبنت أختي. وأحمد الله
стр. 141
على أن كنت سبب هدايتهم إلى الصراط المستقيم. بعد هذه القصة المثيرة لإسلام عيسى بياجو سألناه عن حال الدعوة في الفلبين فقال: يدخل في الإسلام كل شهر أكثر من أربعمائة من نصارى الفلبين حسب السجلات الرسمية، أما العدد الحقيقي فالمرجح أنه أكثر من ذلك. ومعظم أهل الفلبين مسيحيون بالاسم فقط ولايجدون من يدعوهم إلى الإسلام. ومنهم من يقتنع بالإسلام، ولكن يعوقه عن اعتناقه عامل الخوف من المستقبل لأنه سيفقد الأسرة وسيفقد العمل، فالناس هناك لا تقبل توظيف من ترك النصرانية. سألناه عن خير وسيلة للدعوة إلى الإسلام، فقال: إنها المعاملة الطيبة بخلق الإسلام، فكثير ممن أسلموا كان دافعهم إلى الاقتراب من عقيدة التوحيد معاملة المسلمين الحسنة لهم، كأن يكون صاحب العمل مسلماً حسن المعاملة، أو زميلاً لمسلم حسن الصحبة ودمث الأخلاق. وكثير ممن أسلموا في الفلبين لم يسلموا إلا بعد أن عادوا إلى بلادهم بعد العمل في بلد إسلامي، إذ أحسوا بالفرق عندما فقدوا المناخ الإسلامي، فتبخرت كل أوهامهم وشكوكهم حول الإسلام فأعلنوا إسلامهم بعيداً عن كل ضغط أو تأثير، ولذا أوصى بالدعوة الحسنة، وبعدم استعجال النتيجة، فالبذرة لا تنمو ما بين يوم وليلة. وقال الأخ عيسى: إن بعض من أسلموا كان سبب إسلامهم تأثرهم برؤية منظر المسلمين وهم يصلّون، لأنه منظر عجيب حقاً. سألناه: ماذا عن دعوة المسيحي المثقف ثقافة دينية؟ هل يكفي معه هذا وحده؟ فقال مثل هذا نأخذ بيده، وندعوه إلى مقارنة أسفار الكتاب المقدس، ودراسة مقارنة الأديان، فتلك الوسائل أفضل لإقناعه. ثم كان السؤال الأخير عن العقبات التي تحول دون دخول الناس في الإسلام فقال: أول ما يصد الناس هو الفكرة الخاطئة التي تعشش في أذهانهم عن الإسلام ثم هناك سلوكيات كثير من المسلمين، الذين - بأقوالهم وأفعالهم - يعطون صورة سيئة عن الإسلام، ثم فتوى بعض المسلمين من غير علم.
стр. 142
وتأتي أخيراً الشبهات التي تثار حول الإسلام من كونه يدعو إلى الإرهاب ويسيء معاملة المرأة، فيدعو الرجل إلى طلاقها، وإلى الزواج بغيرها، وأنه يحرمها من حقوقها ويقهرها ولا يعطيها حريتها. ولا شك أن هذه الشبهات كلها منحازة وخاطئة، ولكن - للأسف - تؤلف فيها كتب، وتروّج بين غير المسلمين لتصدهم عن الإسلام وهنا يأتي دورنا نحن الدعاة المسلمين لتقديم الصورة المشرقة الحقيقية، ونفض الغبار وهدم السور العالي الذي أقامه الإعلام الهدام، ليحول بين الناس وبين التعرف الحر على دين الله رب العالمين.
стр. 143
١٤-القس السابق الفرنسي جان ماري دوشمان
في السادس من أيلول (سبتمبر) ١٩٨٨م، توفّي بالدار البيضاء في المغرب الأب "عبد المجيد جان ماري دوشمان" في الثمانين من عمره. وقد دُفن بمقبرة المدينة المغربيّة تلبة لرغبته أن يُدفن في أرض اسلاميّة. وكانت هذه الرغبة هي سبب مغادرته مدينة لومانس بغرب فرنسا، للإقامة في المغرب سنة ١٩٨٧م.
قرّر القسيس المسيحي السابق هذا الانتقال، بعد اعتناقه الدّين الإسلاميّ في السنوات الأخيرة، ولقصّة اسلامه أهميّة بالغة تجعل هذا المسلم الفرنسيّ يُقارن بالدكتور "غرونين" الذي دخل البرلمان الفرنسيّ بلباس عربي، بعد اعلانه التمسّك بالدّين الإسلاميّ سنة ١٨٩٤م بمدينة البلدية بالجزائر. كما أنّ الأسباب التي جعلت الأب "دوشمان" يفضّل الإسلام تذكّر بالموقف الذي شرحه "عبد الله الترجمان" ذلك القسيس الأسباني الذي غادر كليّة اللاهوت ببولونيا في ايطاليا في أواخر القرن الرابع عشر للميلاد الى تونس، حيث أعلن اسلامه أمام السلطان أبو العبّاس الحفصيّ.
стр. 144
وتأثّرت الجالية الإسلاميّة في غرب فرنسا بوفاة هذا الرجل الذي خصّص جزءاً كبيراً من ماله ووقته من أجل مساعدة العمّال المسلمين من أفريقيا الشمالية وأفريقيا السوداء ومن تركيا، منذ ربع قرن. فكان يطرق بابه كلّ من واجه صعوبات في ميادين الشغل والسّكن وتربية الأطفال.. وتمكّن الأب دوشمان من تخفيف المشاق التي يعانيها العمّال المغتربون..
وقبل هذا المنعطف من حياته، كان قد اعتنى بمعرفة الإسلام عندما أراد أن يصير مبشّراً في المغرب أو في أفريقيا، وهو مُعجب في بداية شبابه بالأب دوفوكو الذي كوّن مجموعة دينية لتختصّ بتنصير المسلمين، ولم يستطع تنفيذ هذا المشروع نظراً لحالته الصحيّة، وعوض السفر خارج فرنسا دخل دوشمان معهد اعداد القسيسين، حيث تخرّج عام ١٩٣٢م، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وعُين على رأس كنائس عديدة في المدن والقرى المجاورة لمدينته لومانس، والتي كان يقطن أحد أحيائها الشعبيّة.
كان حلم دوشمان وثقافته، زيادة على ذوقه كرسّام يرسم لوحات زيتيّة تحت امضاء "دوتو"، وهو اسم مُستعار، يجعلانه مطلوباً من طرف أغنياء وأشراف المقاطعة الذين كانوا ينتظرون من القسيس ثقافة عليا زيادة على معرفته بعلم اللاهوت وتاريخ الكنيسة.. إلاّ أنّه كان لا يحتمل جوانب من النفسيّة السائدة داخل الكنيسة لأنّها تتناقض في نظره والصّراحة الناتجة عن الايمان الحقيقي. وسبق له أن حرّر كتاباً يتهكّم فيه على تصرّف بعض المسؤولين في الكنيسة، إلاّ أنّه لم يرد نشر هذا الكتاب القيّم الذي كان يقرأ صفحات منه للقسيسين الذين كانوا يدعوهم الى مائدته من أجل تسليتهم. في هذه الفترة كان الأب دوشمان قسيساً مثاليّاً متمسّكاً بقيم الانجيل أكثر ممّا كان متفقاً مع الكنيسة ولا يتحمّل ما يقترب من النفاق، ومع هذا كان منضبطاً يمتثل للأوامر الآتية من القمّة.
стр. 145
في سنة ١٩٤٧م عثر الأب دوشمان على ترجمة لسورة الفاتحة وانكبّ على قراءتها وصار يقرأ هذه الترجمة وسط الأدعية المسيحيّة، الى أن زار مسجد باريس سنة ١٩٥٧م بمناسبة معرض فنّي. فاشترى هناك ترجمة كاملة للقرآن للأستاذ مونتي. وتعوّد منذ تلك الفترة على قراءة القرآن عدّة مرّات في كلّ سنة.
وبعد انتهاء حرب الجزائر تعرّف على بعض الجزائريين الذين هاجروا مع الجيش الفرنسيّ، وبعد انتهاء تعاقدهم خرجوا من الثكنات الواقعة قرب مدينة لامانس، واتّصلوا به كي يساعدهم في بحثهم على العمل. وهكذا تمّ الاتصال بين الأب دوشمان والجالية الإسلامية بمدينة لامانس وضواحيها.. وممّا لاحظه التأثير الدينيّ على سلوكهم وثقافتهم، وكان يحسن الحوار معهم، رغم جهلهم للّغة الفرنسية وعدم معرفته اللغة العربيّة الى أن فكّر يوماً بفتح مسجد كي يتجمّع فيه العمّال الذين كانوا يصلّون في بيته. وجّه الطلب الأوّل الى ادارة الكنيسة كي تقبل بيع قطعة من الأرض لجمعيّة مسلمي السارت التي أسّسها عدد من المهاجرين ذوي الأقدميّة بفرنسا بوحي من القسيس الذي حرّر النصوص الأساسيّة، وقام ببقيّة الاجراءات الاداريّة سنة ١٩٧٠م. لم تقبل الكنيسة تنفيذ هذا المشروع نظراً للأفكار المسبقة عن الإسلام السائدة آنذاك في الأوساط المسيحيّة، إلا أنّ الحاح الأب دوشمان جعل الأسقف شوفالييه يوافق على بيع القطعة من الأرض الواقعة بحي "فلونسار" على الطريق المؤديّ الى مدينة تور.
следующие страницы →