Полный текст (555 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أثناء وجوده في الهند، وفي ذات ليلة رأى ـ كما يرى النائم ـ كأنّ محمّداً رسول الله ﷺ يخاطبه بصوت عطوف: "لماذا الحيرة؟ إنّ الطريق المستقيم أمامك مأمون ممهّد مثل سطح الأرض. سرْ بخطى ثابتة وبقوّة الإيمان".. وفي يوم الجمعة التالية، وقع الحدث العظيم في مسجد الجمعة في دلهيّ.. حينما أشهر إسلامه على رؤوس الأشهاد..
وعن تلك اللّحظات المفعمة بالأحاسيس يتذكّر "الحاج عبد الكريم جرمانوس" فيقول: "كان التأثّر والحماس يعمّان المكان، ولا أستطيع أن أتذكّر ماذا كان في ذلك الحين.. وقف الناس أمامي يتلقّفونني بالأحضان. كم من مسكين مجهد نظر إليَّ في ضراعة، يسألني "الدعوات" ويريد تقبيل رأسي، فابتهلتُ إلى الله أن لا يدع هذه النفوس البريئة تنظر إليِّ وكأنِّي أرفع منها قدراً، فما أنا إلاّ حشرة من بين حشرات الأرض، أو تائه جادّ في البحث عن النور، لا حول لي ولا قوة، مثل غيري من المخلوقات التعيسة.. لقد خجلتُ أمام أنّات وآمال هؤلاء الناس الطيِّبين.. وفي اليوم التالي وما يليه كان الناس يفدون عليَّ في جماعات لتهنئتي، ونالني من محبّتهم وعواطفهم ما يكفيني زاداً مدى حياتي.
من آثاره:
إضافة إلى ما ورد في ثنايا البحث، من عناوين مؤلّفاته، فقد ترك تراثاً علميّاً زاخراً بالعمق والتنوّع: قواعد اللّغة التركيّة (١٩٢٥) ، والثورة التركيّة، والقوميّة العربيّة (١٩٢٨) ، والأدب التركيّ الحديث (١٩٣١) ، والتيّارات الحديثة في الإسلام (١٩٣٢) ، واكتشاف الجزيرة العربيّة وسوريا والعراق وغزوها (١٩٤٠) ، ونهضة الثقافة العربيّة (١٩٤٤) ، ودراسات في التركيبات اللّغويّة العربيّة (١٩٥٤) ، وابن الروميّ (١٩٥٦) ، وبين المفكِّرين (١٩٥٨) ، ونحو أنوار الشرق، ومنتخب الشعراء العرب (١٩٦١) ، وفي الثقافة الإسلامية، وأدب المغرب (١٩٦٤) ، وكان يعدّ ثلاثة كتب عن: أدب الهجرة، والرحّالة العرب وابن بطّوطة، وتاريخ الأدب العربيّ.
стр. 212
٣٣-عالم الإجتماع الإنجليزي حسين روف
يلاحظ المتتبع لحركة انتشار العقيدة الإسلامية، في الدول الأوربية والامريكية، أن نسبة كبيرة من الذين استجابوا لدعوتها في هذه الدول، من علماء الاجتماع، والعاملين في مجالات الإصلاح الاجتماعي وذلك لما تتطلبه الدراسات التي يتناولها أولئك العلماء والمصلحون الاجتماعيون من تعرض دائم للعقائد والمذاهب الاجتماعية، وخاصة من حيث تأثيرها في المجتمعات، وقدرتها على معالجة المشكلات التي تعرض للأفراد والجماعات والإسهم في تخفيف حدثها، والارتقاء بالقيم والسلوكيات الاجتماعية.
وفي معرض هذه الدراسات التي تستخدم فيها طريقة التحليل، وأسلوب الموازنة والمقارنة تتجلى أهداف الإسلام السامية، وفضائله الكبرى فتجتذب النفوس العاقلة، وتتفتح لها القلوب الواعية.
وكان “حسين روف” واحداً من الاجتماعيين الإنجليز، الذين درسوا الأديان والمذاهب الاجتماعية المختلفة، دراسة متأنية متعمقة فبهرته عظمة الإسلام، وسمو أهدافه ومبادئه، وقدرته الخارقة على مواجهة المتاعب والمشكلات التي يعانيها الأفراد والمجتمعات، وملاءمته العجيبة لمختلف البيئات والحضارات على تباينها واختلافها.
وكان طبيعيّاً أن يبادر إلى اعتناق هذا الدين الحنيف، والدعوة _بكل طاقته_ إليه، وتبصير مواطنيه بمبادئه وأهدافه، وتفنيد ما يوجهه إليه أعداؤه _كذباً وبهتاناً_ من تُهَم باطلة.
وقد بدأ “روف” بدراسة عقيدتي أبويه... وكان أحدهما مسيحياً والآخر يهوديّاً... ثم انتقل إلى دراسة العقيدة الهندوسية، وفلسفتها، وخاصة تعاليمها الحديثة عند “يوبانيشادو فيدانتا”... ثم درس العقيدة البوذية، مع مقارنتها ببعض المذاهب اليونانية القديمة. كما درس بعض النظريات والمذاهب الاجتماعية الحديثة، وخاصة أفكار الفيلسوف الروسي “ليوتولستوي”.
стр. 213
ومن العجيب حقاً أن اهتمامه بدراسة الإسلام جاءت متأخرة، بالنسبة للأديان والعقائد الأخرى، برغم إقامته في بعض البلاد العربية... وكان أول تعرّف له عليه خلال قراءاته لترجمة للقرآن الكريم وضعها “رودويل” إلا أنه لم يتأثر بها، لأنها لم تكن ترجمة أمينة صادقة، وكان شأنها في ذلك شأن كثير من الترجمات المماثلة التي يشوبها الجهل أو الأغراض العدائية والتي صدرت بعدة لغات أجنبية.
غير أنه _لحسن حظه _ التقى بأحد الدعاة المثقفين إلى الإسلام، الذين يتقدون حماساً له، وإخلاصاً في تبليغه للناس، فقام بتعريفه لبعض حقائق الإسلام، وأرشده إلى إحدى النسخ المترجمة لمعاني القرآن الكريم، ترجمها أحد العلماء المسلمين، وأضاف إليها تفسيراً واضحاً مقنعاً بُني على المنطق والعقل، فضلاً عن توضيح المعاني الحقيقية التي تعجز عن إبرازها اللغة الإنجليزية... كما أرشده إلى بعض الكتب الإسلامية الأخرى التي تتسم بالصدق والبرهان الساطع... فأتاح له كل ذلك أن يُكوّن فكرة مبدئية عن حقيقة الإسلام قد أثارت رغبته في الاستزادة من المعرفة به وبمبادئه وأهدافه عن طريق المصادر العلمية غير المغرضة.
وقد أكدت صلاته ببعض الجماعات الإسلامية، ودراسة لأحوالهم عن كثب، ومدى تأثير الإسلام في سلوكهم وروابطهم، فكرته المبدئية عن عظمة الإسلام، فآمن به كل الإيمان...
تعالوا معنا نستمتع بما قاله في وصفه لتلك التجربة التي شجعته على اعتناق هذا الدين الحنيف:
стр. 214
“ذات يوم من عام ١٩٤٥ دُعيت لمشاهدة صلاة العيد، وتناول الطعام بعد الصلاة، فكان في ذلك مناسبة طيبة لأرى عن كثب ذلك الحشد العالمي من مختلف بلاد العالم، ومختلف الطبقات الاجتماعية، ومن مختلف الألوان... هناك قابلت أميراً تركياً وإلى جواره كثير من المعدمين، جلسوا جميعاً لتناول الطعام معاً، لا تلمح في وجوه الأغنياء امتعاضاً أو تظاهراً كاذباً بالمساواة، كذلك الذي يبدو على الرجل الأبيض في حديثه إلى جاره الأسود، ولا ترى بينهم من يعتزل الجماعة أو ينتحي فيها ركناً قصياً، كما لا تلمح بينهم ذلك الشعور الطبقي السخيف الذي يمكن أن يتخفى وراء أستار مزيفة من المساواة”.
ثم استطرد يقول:
“ليس هناك مجال لشرح كل أمور الحياة التي وجدت في شرائع الإسلام من حلول، لم أجده في غيره، ويكفي أن أقول إنني _بعد تفكير وتدبر _ رأيتني أهتدي إلى الإيمان بهذا الدين، بعد دراستي لجميع الأديان الأخرى المعروفة في العالم، بدون أن أقتنع بأي واحد منها”.
ثم مضى في بيان سبب إسلامه، فقال:
“قد بينتُ فيما ذكرت، لماذا أصبحت مسلماً، ولكن ذلك لا يكفي مطلقاً لبيان دواعي فخري واعتزازي بذلك، فإن هذا الشعور نما وازداد مع مرور الزمن وازدياد تجاربي... فقد درست الحضارة الإسلامية في جامعة إنجليزية، وأدركت لأول مرة أنها _وبكل تأكيد _ هي التي أخرجت أوربا من العصور المظلمة واستقرأت التاريخ، فرأيت أن كثيراً من الإمبراطوريات العظيمة كانت إسلامية، وأن كثيراً من العلوم الحديثة، يعود الفضل فيها إلى الإسلام....
ولما جاء بعض الناس ليقول لي: إني باعتناقي للإسلام أكون قد سلكتُ طريق التخلف، ابتسمت سخرية لجهلهم، وخلطهم بين المقدمات والنتائج”.
ثم تساءل قائلاً:
стр. 215
“هل يجوز للعالم أن يحكم على الإسلام بمقتضى ما أصابه من انحلال لظروف خارجة عنه؟ ... وهل يجوز الحط من قيمة الفن العظيم الذي صاحب عصر النهضة الأوربية، بسبب اللوحات الممسوخة في أرجاء المعمورة في أيامنا هذه؟ ... حسبنا أن نعلم أن اعظم العقول وأكثرها تقدماً في جميع العصور كانت كلها تنظر بكل تقدير إلى الثقافة الإسلامية، التي لا تزال أكثر لآلئها مكنوزة لم يتوصل الغرب بعد إليها”.
ثم أشاد بأخلاق المسلمين الحقيقيين وكرمهم، وقدرة الإسلام على علاج مشكلة التفاوت الاجتماعي بقوله:
“لقد سافرت إلى أقطار كثيرة في أنحاء المعمورة، وأُتيحت لي الفرصة لأرى كيف يستقبل الغريب في كل مكان، وأن أعرف كيف يكون إكرامه أول ما يخطر على البال.. وكيف يكون التصرف معه؟ .. وعن الفائدة التي قد تأتي من مساعدته، فلم أجد من غير المسلمين من يدانيهم في إكرام الغريب والعطف عليه من غير مقابل...
٣٤- المفكر الإنجليزي مارتن لنجز
كان يدين بالمسيحية شأن أسرته التي لا تعرف عن الدين شيئاً إلا أنها مسيحية بالوراثة.. وهكذا نشأ هو خالي النفس من أية عقيدة يؤمن بها حق الإيمان.. ولكن بدأت سمات نضجه الفكري تتضح بعد حصوله على شهادة الـ "A-B" في الآداب الإنجليزية حيث كان يدرس الأدب الإنجليزي في جامعة "أكسفورد" إنجلترا.. فقد أخذ ينقب في كتب التراث عن الديانات المنتشرة في العالم ليقرأ عنها جميعاً، فاستوقفه دين الإسلام كشريعة لها منهاج يتفق مع المنطق والعقل، وآداب تستسيغها النفس والوجدان، فاستشعر حينئذ أنه قد وجد نفسه مع هذا الدين الذي يتفق مع فطرة الإنسان حيث يعبر عن ذلك بقوله:
"لقد وجَدتُ في الإسلام ذاتي التي افتقدتها طوال حياتي، وأحسست وقتها أني إنسان لأول مرة، فهو دين يرجع بالإنسان إلى طبيعته حيث يتفق مع فطرة الإنسان".
ثم أردف قائلاً _ وقد أنارت الابتسامة وجهه:
стр. 216
"شاء الله لي أن أكون مسلماً، وعندما يشاء الله فلا رَادَّ لقضائه.. وهذا هو سبب إسلامي أولاً وقبل كل شيء".
ويذكر أنه قد أشهر إسلامه على يد شيخ جزائري اسمه الشيخ "أحمد العلوي"، التقى به في سويسرا التي كان يعمل بها مدرساً، بعدها قام بتغيير اسمه من "مارتن لنجز" الى اسم "أبي بكر سراج الدين".
ثم ماذا...؟ هل هناك أسباب أو دوافع أخرى وراء اعتناقه الإسلام؟.. يهز برأسه ويرد قائلاً: نعم.. إن ما أثر عليَّ وجعلني أهتم بالإسلام هو كتب مؤلف كبير كان مثلي اعتنق الإسلام وأصبح من قمم المتصوفة، إنه الشيخ "عبد الواحد يحيى".. لقد تأثرت بكتبه التي صنفها عن الإسلام، حتى أنني لم أقرأ كتباً من قبل في مثل عظمة كُتُبِه، مما دفعني لأن أسعى لمقابلة مَن كان سبباً في إسلامي، فجئت إلى مصر حيث كان يعيش فيها وقتئذ".
ثم يضيف فيقول: “لقد استفدت منه كثيراً.. فقد كان بحق عالماً عاملاً بعلمه.. وأكثر ما تعلمته منه الزهد في الدنيا وهو ما تسمونه أنتم "التصوف" ”.
هل أنت متصوف؟ سؤالا يُطرح عليه ليجيب عنه بقوله:
“نعم.. ولكن مفهومي للتصوف أنه ليس انعزالاً عن الدنيا، ولكنه أخذٌ بأسباب الحياة في الظاهر، والإعراض عنها بالقلب”.
ثم يصمت برهة ليوضح بعدها ما يعنيه فيقول: “إن الرسول محمد (ص) لخص معنى التصوف كله في حديثه الشريف: (كُن في الدُّنيا كأنَّك غَريبٌ أو كعابر سبيل) .. أو ما قاله في حديث شريف آخر: (.. إنَّما أنا والدنيا كَراكب استظل تحت شجرة ثمَّ راح وتركها) .. هذا هو مفهوم التصوف الذي تعلمته من الشيخ عبد الواحد يحيى”.
ولكن إلى أي شيء قَادَك التصوف؟.. سؤال آخر يُطرح عليه ليجيب عنه أيضاً على الفور في تحمس المتيقن بالإيمان:
“إلى العبودية الخالصة لله”.
стр. 217
هذا هو المفكر البريطاني المسلم الدكتور “أبو بكر سراج الدين” الذي كان يدين بغير الإسلام، ثم هداه الله للحنيفية السمحاء، فاعتنق الإسلام عن اقتناع تام.. ثم علا بإيمانه فزهد في الدنيا، وأصبح متصوفاً في مجتمعات تموج بالفتن وإغراء الملذات.. وتفرغ للدعوة إلى الله في بلاده، يحدوه الإيمان العميق بأن المستقبل للإسلام الذي هو الدين الحق المرسل لكل بقاع الأرض.
٣٥-الكاتب الأمريكي مايكل ولفي سيكتر
مايكل وُلفي: «أمضيت في مراكش فترة لتعلم مناسك الحج وكان المسلمون هناك كرماء معي» .
كانت الرحلة الايمانية التي قادت الكاتب الأميركي مايكل وُلفي سيكتر الى اعتناق الإسلام مختلفة عن الرحلات الايمانية التي اصطحبناها في ملف "المسلمون الجدد" اذ ان صاحبنا الذي نتابع رحلته الايمانية اليوم تمثلت فيه الديانات السماوية الثلاث، فأمه مسيحية ووالده يهودي وهو مسلم. فهكذا سنصطحب اليوم سيكتر في رحلته الايمانية لنتأمل تشعباتها وطرقها المختلفة.
وكان سيكتر الكاتب الاميركي يعلم انه مهما اوتي من قوة لا يستطيع الوصول الى الكعبة المشرفة بمكة المكرمة اذا لم يعتنق الإسلام لان المسجد الحرام يحرم دخوله لغير المسلمين. فكان قراره بعد اعتناقه الإسلام الذهاب الى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج وهي ركن من اركان الإسلام الخمسة، ومنها ايضا مشاهدة الكعبة المشرفة التي يتوجه اليها اكثر من مليار مسلم خمس مرات في اليوم لأداء فرض صلواتهم المكتوبة. ولما كان يعلم سيكتر باستحالة ذهابه الى زيارة الكعبة بمكة المكرمة قبل اسلامه، فإن اسلامه قد وفر له سانحة تحقيق حلمه القديم. من هنا كتب سيكتر كتابا عن رحلته الايمانية الى الحج سماه "الحج الى مكة" باللغة الانجليزية وصف فيه هذه الرحلة وصفا دقيقا. واستعرض فيه كافة الجوانب المهمة المتعلقة بشعائر الحج.
стр. 218
يصف مايكل وُلفي في كتابه "الحج الى مكة" تمثيل عملية دخول ريتشارد بيرتون خلسة داخل الكعبة في وسط المسجد الحرام بمكة المكرمة بأنه يظل عملا بطوليا وشجاعا، لانه عرض نفسه للخطر اذا اكتشف المسلمون خداعه لقتلوه. ولكن مايكل وُلفي ليس في حاجة الى ان يتنكر او يتخفى عند دخول المسجد الحرام والطواف حول الكعبة المشرفة لانه مسلم مخلص لاسلامه كغيره من المسلمين في هذه المدينة المقدسة.
التخلي عن المسيحية واليهودية:
وتخلى مايكل وُلفي عن دين امه المسيحي وعن دين والده اليهودي من اجل اعتناق الدين الإسلامي. فقد صده عن المسيحية الغموض والسرية التي يحيطها القساوسة بالمسيح ﵇ كما صده عن اليهودية خاصية الدين باليهود. فهكذا وجد ان الإسلام اكثر وضوحا وأرحب دين: فهو دين الله لكل الناس. لذا اختار مايكل وُلفي دينا له مرجعية محددة، هي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . وان كتاب الله ليس فيه تعارض مع المنهج العلمي في محاولة توضيح الخلق والكون.
الإرث الروحي:
وقال مايكل وُلفي انه عندما اخبر احد اصدقائه العرب بارثه الروحي، حيث انه ورث المسيحية من امه واليهودية من والده، ومن ثم اختار هو اعتناق الإسلام. فقال له صديقه العربي متعجبا "انت جمعت كل شيء، يقصد انه جمع الاديان السماوية الثلاث في شخصه، مما جعله يتظاهر بالاحتشام والتواضع".
وأضاف مايكل وُلفي: انني اوضحت لسنوات طويلة بأنني شخص عادي. وانني شخص ورث من امه ووالده ديانتين سماويتين، فوجد ان المشكلة ليست مع موسى او مع عيسى ﵉. وان حياتي ببساطة وصلت الى اقصى مداها مع هاتين الديانتين، وهناك صوت حقيقي ظل يناديني الى تغيير ديني وحريص على هدايتي.
رحلة الحج:
стр. 219
ويذهب مايكل وُلفي الى انه بعد اعتناقه الإسلام بدأ يفكر جديا في تأدية الركن الخامس من اركان الإسلام، وهو حج البيت لمن استطاع اليه سبيلا. وهذا الركن يأتي بعد شهادة ان لا إله الا الله وان محمداً رسول الله وايقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان. لذا قررت الحج الى بيت الله الحرام في مكة المكرمة. وبدأت استعد للسفر الى مكة المكرمة وأغادر منزلي في كاليفورنيا.
ولم يسافر مايكل وُلفي مباشرة من كاليفورنيا الى المملكة العربية السعودية، فكان الجزء الاول من كتابه "رحلة الى الحج" وصفا لابتهاجه وتهليله وسط المغاربة قبل الانضمام الى فوج الحج المغربي. وفي مراكش بدأ اجراءات الاستعداد للحج وفقا لتعاليم دينه الجديد.
وقال مايكل وُلفي: امضيت في مراكش فترة اتعلم مناسك الحج. وكانت معاملة المسلمين لي طيبة للغاية وعطوفة. كما انهم كانوا كرماء معي.
دخول المسجد الحرام:
وعندما دخل مايكل وُلفي المسجد الحرام لأول مرة مع حوالي ٣٠٠ ألف مسلم حاج في وقت واحد لأداء طواف القدوم لم يشعر بشيء سوى رهبة الموقف. وقال: رغم وجود هذا العدد الكبير فإن هدوءاً ساد المكان ولم اشعر بتدافع او ازدحام. كما انه قدم في كتابه وصفا لهذا المشهد الرائع. وكان منتشيا بهذه الاجواء الروحانية العالية اثناء الحج.
كما ان مايكل وُلفي تطرق في كتابه هذا الى وصف العمران والتوسعة التي شهدها المسجد الحرام لاستقبال هذه الاعداد المتزايدة من ضيوف الرحمن.
وحرص مايكل وُلفي على تقديم وصف دقيق للكعبة المشرفة والمسجد الحرام والمشاعر المقدسة ليعطي صورة متكاملة عن البيت العتيق لغير المسلمين، فلذلك اكثر من الوصف والرسم لشرح تفصيلي لبيت الله الحرام وبتركيز على الكعبة المشرفة وطواف الاشواط السبعة حولها. ولكنه كان يتمنى لو اتيح له رؤية الكعبة من الداخل.
стр. 220
كانت هذه الرحلة الايمانية الى الحج بمثابة امنية لمايكل وُلفي طال انتظارها وتحققت بعد اسلامه، الذي يرى انه جاء بعد دراسة عميقة، خاصة انه لم يكن يعاني من خواء روحي، بل انه كان يعاني من زخم ارث روحي قاده الى التفكير الجدي الذي في نهاية المطاف ادى الى اعتناقه الدين الإسلامي بعد دراسة ومقارنة بين الدين الإسلامي والديانات الاخرى، فاطمأن قلبه للايمان وتحققت تشوقاته لزيارة بيت الله الحرام.
إعداد: إمام محمد إمام، بتصرف يسير
٣٦-العالم والصحفي والمؤلف الألماني الدكتورحامد ماركوس
منذ طفولتي وأنا أشعر بدافع في داخل نفسي لدراسة الإسلام ما وجدت الى ذلك سبيلا، وعنيت بقراءة نسخة مترجمة للقرآن في مكتبة المدينة التي نشأت فيها، وكانت هي الطبعة التي حصل منها " جوته" على معلوماته عن الإسلام
أخذ مني الاعجاب كل مأخذ لما رأيته في هذا القرآن من أسلوب عقلي رائع في نفس الوقت الذي يفرض فيه التعاليم الإسلامية، كما أدهشني تلك الروح الثابرة الوثابة العظيمة التي أثارتها وأذكتها هذه التعاليم في قلوب المسلمين الأوائل
ثم أتيحت لي في برلين فرصة العمل مع المسلمين والاستمتاع الى الأحاديث الحماسية المثيرة التي كان يقدمها مؤسس أول جمعية اسلامية في برلين ومنشئ مسجد برلين، عن القرآن الكريم، وبعد سنوات من التعاون العملي مع هذه الشخصية الفذة لمست فيها ما يبذله من ذات نفسه وروحه، آمنت بالإسلام، اذ رأيت في مبادئه السامية والتي تعتبر القمة في تاريخ الفكر البشري، مايكمل آرائي شخصيا
والايمان بالله عقيدة أصيلة في دين الإسلام، ولكنه لا يدعوا الى مبادئ أو عقائد تتنافى مع العلم الحديث، وعلى هذا فليس ثمت تناقض ما بين العقيدة من جانب وبين العلم من الجانب الآخر، وهذه ولا شك ميزة عظيمة فريدة في نظر رجل أسهم بكل طاقته في البحث العلمي
стр. 221
وميزة أخرى يمتاز بها الدين الإسلامي، تلك أنه ليس مجرد تعاليم نظرية صماء تسير على غير بصيرة وعلى هامش الحياة، انما هو يدعو الى نظام تطبيقي يصبغ حياة البشر، وقوانين الإسلام ليست بالتعاليم الجبرية التي تحتجز الحريات الشخصية، ولكنها توجيهات وارشادات تؤدي الى حرية فردية منظمة
ومع توالي السنين كنت أزداد اقتناعا بما يتبين لي من الأدلة على أن الإسلام يسلك أقوم سبيل في الملائمة بين شخصية الفرد وشخصية الجماعة ويربط بينهما برباط قوي متين
انه دين الاستقامة والتسامح، انه دائم الدعوة الى الخير، يحض عليه ويرفع من شأنه في جميع الأحوال والمناسبات.
٣٧-المؤلف والروائي والشاعرالبريطاني ويليام بيكارد
[ويليام بيكارد حاصل على شهادة البكالوريوس في الفنون والآداب (كانتاب) ، والدكتوراه في الأدب (لندن) ، وهو مؤلِّفٌ واسع الشهرة. من ضمن أعماله: ليلى والمجنون، ومغامرات القاسم، والعالم الجديد، ومؤلَّفاتٌ أخرى.] "قَالَ رسول الله ﷺ : كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ."
لم أُدرك حقيقةأنِّي وُلِدت على فطرة الإسلام إلَّا بعد مضيِّ العديد من السنين. ففي المدرسة والجامعة كنت مشغولاً -وربما بقوَّة- بقضايا اللحظة الآنيَّة وشؤونها. لم أكن أعتبر مهنتي في تلك الأيام مهنةً لامعة، ولكنَّها كانت في تطوُّر. ووسط محيطٍ مسيحيٍّ تعلَّمت عن الحياة الطيِّبة، وكان الإيمان بالله تعالى والعبادة والحق من الأمور الَّتي تسرُّني. وإن كنت أُقدِّس أيَّ شيءٍ فإنَّ ذلك كان هو النُبل والشَّجاعة.
стр. 222
أنا القادم من كامبريدج، ذهبت إلى أواسط أفريقيا، حيث حصلت على تعيينٍ في إدارة الوصاية على أوغندا. كان وجودي هناك ممتعاً ومثيراً أكثر مما كنت أحلم به في بريطانيا، وكنت مجبراً -تبعاً للظروف المحيطة- أن أعيش وسط الأخوَّة السوداء من الإنسانيَّة، ويمكنني القول بأنِّي تعلَّقت بهم بمحبةٍ بسبب بساطة نظرتهم السعيدة للحياة. لقد شدَّني الشَّرق دائماً. ففي كامبريدج قرأت "الليالي العربيَّة"؛ ووحيداً في أفريقيا قرأت "الليالي العربيَّة"؛ ووجودي في تجوالٍ موحشٍ في أوغندا لم يقلل من عزة الشرق في نفسي.
ثم -وبعد تحطُّم حياتي الهادئة في الحرب العالمية الأولى- عدت أدراجي مسرعاً تجاه الوطن في أوروبا؛ وساءت صحَّتي. ومع استعادة صحَّتي تطوَّعت للجيش، لكنَّ طلبي رُفض على أُسسٍ صحيَّة. لذلك عملت على تقليل الخسائر وسجَّلت في "الجندرمة" -بعد أن عملت بطريقةٍ ما على اجتياز الفحص الطبِّي- وشعرت بالرَّاحة حين تسلَّمت بدلتي العسكريَّة كجنديٍّ في فرقةٍ للمشاة. خدمت حينئذٍ في الجبهة الغربيَّة في فرنسا، واشتركت في معركة "السوم" سنة ١٩١٧، حيث جُرحت وأُسرت. نُقلت عبر بلجيكا إلى ألمانيا حيث كنت في المشفى. وفي ألمانيا رأيت الكثير من المعاناة الإنسانيَّة، وخاصَّةً الرُّوس المصابين بالديزنطاريا. ووصلت إلى حافَّة الموت جوعاً. جُرحي –وهو كسرٌ في ساعدي الأيمن- لم يُشف بسرعة، فكنت عديم النَّفع للألمان. فأُرسلت إلى سويسرا من أجل عمليَّةٍ جراحيَّة.
أذكر جيِّداً كم كان عزيزاً عليَّ حتى في تلك الأيام حين كنت أفكِّر بالقرآن الكريم. في ألمانيا كنت قد كتبت رسالةً للأهل ليرسلوا لي نسخةً من القرآن الكريم. وعلمت في السنوات اللاحقة أنَّهم أرسلوا لي نسخةً ولكنَّها لم تصلني أبداً.
стр. 223
في سويسرا -وبعد عمليَّةٍ في ساعدي ورجلي- تحسَّنت صحَّتي، فكان بإمكاني الخروج بين الحين والآخر، فاشتريت نسخةً من الترجمة الفرنسيَّة لمعاني القرآن الكريم -وهي اليوم من أعز ممتلكاتي- وعندئذٍ شعرت بسعادةٍ عظيمة. كان ذلك وكأنَّ شعاعاً من الحقيقة الخالدة قد أشرق عليَّ بالبركة. كانت يدي اليمنى ما تزال غير ذات نفع، فتمرَّنت على كتابة القرآن الكريم بيدي اليسرى. وارتباطي بالقرآن الكريم يظهر بوضوح أكبر عندما أقول بأنَّ واحدةً من أشدِّ الذكريات وضوحاً وعزَّة لديّ من كتاب "الليالي العربية" كانت عن فتىً وُجد وحيداً في المدينة البائدة، جالساً يقرأ القرآن الكريم، غافلاً عمَّا يحيط به.
في تلك الأيام في سويسرا، أعدت تسجيل نفسي رسمياًّ كمسلم. وبعد توقيع الهدنة عدت إلى لندن، وذلك في شهر كانون الأول من سنة ١٩١٨، وبعد ذلك -في عام ١٩٢١- سجَّلت لدراسة الأدب في جامعة لندن. وكان أحد المواضيع الَّتي اخترتها هي اللغة العربيَّة، وكنت أحضر محاضراتها في الكلية الملكيَّة. وكان في يومٍ أن ذكر أستاذي في اللغة العربيَّة -السيِّد بلشا من العراق رحمه الله تعالى- القرآن الكريم وقال: "إن كنت تؤمن به أم لا، فإنَّك ستجد أنَّه أكثر الكتب إثارةً وأنَّه يستحقُّ الدِّراسة." فأجبت: "أُوه، ولكنِّي أُومن به". فاجأ هذا الجواب أستاذي بشدَّة وأثار اهتمامه، وبعد حديثٍ قصيرٍ دعاني لأُرافقه إلى مسجد لندن في "نوتينغ هيل جيت". وبعد ذلك كنت أحضر للصلاة باستمرار في هذا المسجد لكي أتعلَّم أكثرعن تطبيق الإسلام، إلى أن أعلنت ارتباطي بالأمَّة الإسلاميَّة في رأس السنة الجديدة لعام ١٩٢٢.
стр. 224
كان هذا قبل ما يقارب الربع قرن. ومنذئذٍ وأنا أعيش حياةً إسلاميَّةً قولاً وعملاً بكلِّ ما في استطاعتي. فقوَّة الله تعالى وحكمته ورحمته ليس لها حدود. وحقول المعرفة تمتدُّ أمامنا إلى ما وراء الأفق. وفي حجِّنا خلال هذه الحياة أشعر بيقينٍ أقوى بأنَّ اللباس الوحيد المناسب الَّذي نستطيع لبسه هو الخضوع لله تعالى، وأن نعتمر على رؤوسنا عمامةً من الحمد، وأن نملأ قلوبنا حباًّ للخالق الواحد . والحمد لله ربِّ العالمين.
٣٨-الرسام والمفكر الفرنسي المعروف اتييان دينيه
نبذة عنه:
الفونس إيتان دينيه، من كبار الفنانين والرسامين العالميين، دُوّنت أعماله في معجم (لاروس) ، وتزدان جدران المعارض الفنية في فرنسة بلوحاته الثمينة، وفيها لوحته الشهيرة (غادة رمضان) .. وقد أبدع في رسم الصحراء.
كما ألّف بعد إسلامه العديد من الكتب القيمة، منها كتابه الفذ: (أشعة خاصة بنور الإسلام) وله كتاب (ربيع القلوب) و (الشرق كما يراه الغرب) و (محمد رسول الله) و (الحج إلى بيت الله الحرام) ..
وقد أحدثت كتبه دويّا في دوائر المستشرقين. يقول دينيه:
" لقد أكد الإسلام من الساعة الأولى لظهوره أنه دينٌ صالحٌ لكل زمان ومكان، إذ هو دين الفطرة، والفطرة لا تختلف في إنسان عن آخر، وهو لهذا صالح لكل درجة من درجة الحضارة...- من كتاب (محمد رسول الله) بقلم ناصر الدين دينيه ص (٣٤٥) -
وبما أن دينيه كان فنانا موهوبا،فقد لفت نظره الجانب الجمالي والذوق الرفيع للحياة النبوية، يقول:
لقد كان النبي يُعنى بنفسه عناية تامة، وقد عُرف له نمط من التأنق على غاية من البساطة، ولكن على جانب كبير من الذوق والجمال".
"إن حركات الصلاة منتظمة تفيد الجسم والروح معاً، وذات بساطة ولطافة وغير مسبوقة في صلاة غيرها".
تعدد الزوجات مابين الإسلام والنصرانية:
стр. 225
"إن تعدد الزوجات عند المسلمين أقل انتشاراً منه عند الغربيين الذين يجدون لذة الثمرة المحرمة عند خروجهم عن مبدأ الزوجة الواحدة!
وهل حقاً إن المسيحية قد منعت تعدد الزوجات؟!
وهل يستطيع شخص أن يقول ذلك دون أن يأخذ منه الضحك مأخذه؟!
إن تعدد الزوجات قانون طبيعي، وسيبقى ما بقي العالم، إن نظرية الزوجة الواحدة أظهرت ثلاث نتائج خطيرة: العوانس، والبغايا، والأبناء غير الشرعيين".
مقالة عنه من كتاب "الجانب الخفي وراء اسلام هؤلاء" بقلم محمد كامل عبد الصمد:
وُلد في "باريس" عام ١٨٦١.. وتوفى وقد بلغ من العمر سبعين عاماً وقد احتشد حوله لتوديعه الوداع الأخير عدد كبير من الناس، ومن كبار المسئولين وعارفي فضله من أهله ومن غير أهله من ممثلي الشعوب.. وقد دفن في مدينة "بوسعادة" بالجزائر بناء على وصيته..
أحب حياة العرب، وهو ذلك الفنان الكبير، الذي يعد واحداً من كبار رجال الفن والتصوير، فهو صاحب اللوحات الكبيرة النفسية التي تحتفظ بها المتاحف الفرنسية الكبيرة، وغيرها من متاحف العالم ومن تلك اللوحات الشهيرة لوحة باسم "غداة رمضان" في متحف باريس كذلك لوحاته الأخرى التي في "لوكسمبرج" و"سدني" وغير ذلك كثير ... وجميع صورة تدل على المقدرة الفنية الكبيرة في دقة التعبير عن الحالات النفسية المختلفة كما يذكر النقاد.
كان فناناً يتملكه شعور ديني، فامتزج فيه الفن بالدين، فكان مثالاً واضحاً للإنسان الملْهَم، غير أنه كان يستولي عليه شعور بالقلق والحيرة من الناحية الدينية.
стр. 226
وكما كان "دينيه" يفكر في لوحاته، كان يفكر في مصيره ... بحث عن علاج لطبيعته الدينية القلقة في النصوص المقدسة، وفي العقائد التي يدين بها الوسط المحيط به ... فكر في المسيحية والكنيسة.. وفي البابا المعصوم.. وفي عقيدة التثليث والصلب، والفداء، والغفران.. أخذ يفكر: هل صحيح أن المسيح ابن الله؟.. وهل صُلب ليطهر بني البشر من اللعنة التي حلت بهم بسبب خطيئة آدم؟.. كيف صُلب ليفتدي البشر وهو ابن الله؟ ّ".
أعاد قراءة الأناجيل من جديد محاولاً جهده أن يراها تتسم بسمة الحق، فيؤمن بابن الله، ولكنه رأى فيها ما يتنافى مع الصورة المثلى للإنسان الكامل، فضلاً عن الصورة التي تريد المسيحية أن توحي بها ... قرأ أقوالاً غريبة في الأناجيل نُسِبتْ للمسيح، من ذلك:
"في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل، كانت أم يسوع هناك، ودع يسوع تلاميذه إلى العرس ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر.. .. قال يسوع: مالي ومالك يا امرأة! " (إنجيل يوحنا ـ الإصحاح الثاني عشر) .
ومن أقواله التي توجب كراهية الأقرباء:
"إن كان أحد يأتي إليَّ ولا يبغض أباه وأمه، وامرأته وأولاده، واخوته وأخواته، حتى نفسه أيضاً، فلا يقدر أن يكون تلميذاً لي" (إنجيل لوقا ـ الإصحاح الرابع عشر) .
كذلك من الأقوال الغريبة التي نسبت للمسيح وقرأها "دينيه".
"وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد، ولا الملائكة الذين في السماء، ولا الابن إلا الأب" (إنجيل مرقص ـ الإصحاح الثالث عشر) .
وغير ذلك من نصوص بعثت في نفسه شكوكاً في صحة الأناجيل التي اطلع عليها.. الأمر الوحيد الذي لم يشك فيه أن الله قد أنزل الإنجيل على عيسى بلغته ولغة قومه، ولكن هذا الإنجيل ضاع واندثر، ووجد مكانه "توليفات" أربعة مشكوك في أمرها، يكفي أنها مكتوبة باللغة اليونانية، وهي لغة غريبة عن لغة عيسى الأصلية التي هي لغة سامية..
стр. 227
وثار شعوره الديني على أوضاع مبهمة، وألفاظ غامضة لا يستطيع فهمها، وانتهى به المطاف بعد بحث وجدل ومناظرات طويلة إلى رفض المسيحية، بعد أن تيقن أن المسيحية الحالية ليست هي مسيحية عيسى، بل لا تمت إليه بصلة، اللهم إلا اسماً.
ورأى "دينيه" أن يتجه إلى العقل يستمد منه الهداية إلى الطريق المستقيم ولكنه انتهى إلى أن العقل عاجز عن إشباع غريزته الدينية.. والتفت حوله: ماذا فعل أمثاله ممن شكّوا في المسيحية؟!.. لقد رأى أن كثيراً منهم قد اتجه إلى الإسلام، فاتجه إليه يستكشفه، فلم يجد ـ بعد دراسة عميقة ـ سوى القرآن، ذلك الكتاب الوحيد الذي لم ينله التحريف ولا التبديل، وحاول الاستزادة، فعرف عن الكثير عن الإسلام بحكم معايشته للبيئة الإسلامية، وقد تمخضت هذه المعرفة عن اعتناقه للإسلام باقتناع تام.. بل تمخض عنه أكثر، قيامه بالدعوة الإسلامية، ووضعه لعدة مؤلفات قيمة مثل "محمد رسول الله" بالاشتراك مع سليمان الجزائري وقام بترجمته إلى العربية الدكتور عبد الحليم محمود، ومحمد عبد الحليم محمود..، وأشعة خاصة بنور الإسلام" ترجمة راشد رستم إلى العربية.. "والحج إلى بيت الله الحرام".. و"الشرق في نظر الغرب" ... وغيرها.
٣٩-المفكر السويسري روجيه دوباكييه
نشأ في بيئة مسيحية بروتستانتية، غير أنه تأثر بالفلسفة الحديثة، ولا سيما الفلسفة الوجودية، فقد كان يعتقد أن الأديان معتقدات خرافية.
стр. 228
وعندما اشتغل بالصحافة بدأ يسافر إلى أكثر من بلد ... فسافر إلى السويد، وعمل بها مراسلاً صحفيّاً في نهاية الحرب العالمية الثانية لأكثر من خمس سنوات، لكنه اكتشف أن الناس تعساء، برغم التقدم والرخاء الذي يعيشون فيه، على حين اكتشف عكس ذلك عندما سافر إلى بعض الدول الإسلامية في الشرق، فقد وجد المسلمين _برغم فقرهم الشديد _ يشعرون بسعادة أكثر، وأن حياتهم لها معنى ... هذه الملاحظة جعلته يفكر مليّاً في معنى الحياة ويتأملها من خلال هذين النموذجين ... فيقول في ذلك (١) :
"كنت أسأل نفسي: لماذا يشعر المسلمون بسعادة تغمر حياتهم برغم فقرهم وتخلفهم؟!.. ولماذا يشعر السويديون بالتعاسة والضيق برغم سعة العيش والرفاهية والتقدم الذي يعيشون فيه؟! حتى بلدي (سويسرا) كنت أشعر فيه بنفس ما شعرت به في السويد، برغم أنه بلد ذو رخاء، ومستوى المعيشة فيه مرتفع!
وأمام هذا كله وجدت نفسي في حاجة لأن أدرس ديانات الشرق ... وبدأت بدراسة الديانة الهندوكية فلم أقتنع كثيراً بها، حتى بدأت أدرس الدين الإسلامي فشدني إليه أنه لا يتعارض مع الديانات الأخرى، بل إنه يتسع لها جميعاً ... فهو خاتم الأديان ... وهذه حقيقة كانت تزداد يقيناً عندي باتساع قراءاتي، حتى رسخت في ذهني تماماً بعد ما اطلعت على مؤلفات الفيلسوف الفرنسي المعاصر "رينيه جينو" الذي اعتنق الإسلام. لقد اكتشفت كما اكتشف الكثيرون ممن تأثروا بكتابات الفيلسوف الفرنسي الذي أسلم وتحولوا إلى الإسلام ... اكتشفت أن الإسلام يعطي معنى للحياة، على عكس الحضارة الغربية التي تسيطر عليها المادية، ولا تؤمن بالآخرة، وإنما تؤمن بهذه الدنيا فقط".
стр. 229
وهكذا فقد تأثر "روجيه دوباكييه" بفكر الفيلسوف الفرنسي "رينيه جينو" الذي أسلم، مثلما تأثر سابقاً بزياراته للدول الإسلامية، فبرغم الظروف المادية السيئة في تلك الدول فإن أهلها يتمتعون بقدر كبير من الإيمان الراسخ في نفوسهم، ولا توجد عندهم أزمات أخلاقية كالتي توجد بالغرب، وجعلت كثيراً من الشباب ينتحر أو يهرب من الحياة بتعاطي المخدرات، مما يعني في نظرهم أن الحياة ليس لها معنى أو قيمة ... ويصل إلى نتيجة يعبر عنها بقوله:
"لقد تبينت أن الإسلام بمبادئه يَبسُط السكينة في النفس ... أما الحضارة المادية فتقود أصحابها إلى اليأس، لأنهم لا يؤمنون بأي شيء ... كما تبينت أن الأوربيين لم يدركوا حقيقة الإسلام، لأنهم يحكمون عليه بمقاييسهم المادية".
ولذلك كان من المنطقي والتسلسل الطبيعي أن يجيب على الفور عندما سُئل: ما الذي جذبك نحو الإسلام؟.
"في البداية، إن الذي جذبني إلى الإسلام هو شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله ... فقد اكتشفت أن الإسلام دين متكامل، وكل شيء فيه مرتبط بالقرآن والسنة.. وفي اعتقادي أن الإنسان يمكن أن يتأمل في هذه الشهادة طيلة الحياة.
الشهادة تقول لا إله إلا الله.. وهذا يعني أنه ليس هناك حقيقة نهائية ودائمة سوى الله ... أما الفلسفة الحديثة فتقول إنه ليس هناك حقيقة سوى هذه الدنيا، ذلك ما تقوله الفلسفة الوجودية وغيرها ...
وقد دهشت لأن الإسلام يعبر عن الحقيقة التي تناساها العلم والفلسفة الحديثة".
ثم يستطرد حديثه بعد لحظة تأمل إلى بعيد ليقول:
"لقد تأثرتُ بالقرآن الكريم كثيراً عندما بدأت أدرسه، وتعلمتُ وحفظتُ بعض آياته.. والحمد لله فأنا أستطيع أن أقرأ فيه (٢) : وتستوقفني كثيراً الآية الكريمة: (وَمَن يبتَغِ غيرَ الإسلام ديناً فَلَن يُقبلَ منهُ وَهُوَ في الآخرةِ مِنَ الخاسرين) (٣) ... وقوله تعالى: (لا إكراهَ في الدين قَد تبيَّنَ الرُّشد منَ الغيّ) (٤) .
ثم يضيف في سعادة غامرة قائلاً:
стр. 230
"والسنة النبوية الشريفة قرأتها أيضاً، وتأثرت بما فيها من حِكَم وبيان دقيق".
ولم يجد "روجيه دوباكييه" مناصاً من أن يُعلن إسلامه أمام الملأ، فيقول:
"لمّا عُدتُ إلى سويسرا لم يكن هناك مبرر لأن أخفي إسلامي، لذلك فقد نشرتُ مقالات كثيرة عن الإسلام في "جورنال دى جنيف".. وصحيفة "جازيت دي لوزان"، وهي صحف غير إسلامية.. كما ترجمت بعض الكتب التي تتناول موضوعات إسلامية.. ودافعتُ في كتاباتي كلها عن قضايا الإسلام كمسلم وَجَدَ طريقه في دين الإسلام.
وأنا أحاول _الآن _ أن أكثف كتاباتي عن الإسلام، وأشرح للقراء الغربيين ما يدور في العالم الإسلامي ... وأنا أركز على مسألة أن الإسلام يُقدم حُلولاً لمشاكل كثيرة وصلوا معها إلى طريق مسدود، في حين فتح الإسلام لها أبواباً كثيرة".
وعن نظرته للمسلمين كأشخاص يؤمنون بالإسلام باعتباره قومية أو أيديولوجية، يقول في غضب:
"أنا أختلف مع بعض الأشخاص الذين ينظرون إلى الإسلام باعتباره قومية _وهذا اعتقاد خاطىء لدى كثير من المسلمين ... إنهم يعتبرون الإسلام أيديولوجية وهو خطأ ... إنّما الإسلام طريق إلى الله، وأفضل طريقة للوصول إلى معرفة الله والتصالح والوئام بين الخالق والخلق".
وعن رأيه في النقد الموَجَّه للإسلام بأنه دين تخلّف لا يقود إلى التقدم، قال ساخراً:
"الحمد لله أن الإسلام ليس متقدماً بمعنى التقدم الذي يعيشون فيه ويقودهم إلى الهاوية.. والحمد لله أن الإسلام لم يتجه إلى هذا التقدم المادي الذي يقصدونه ... ولو كان كذلك لما أثار انتباهي ولا انتباه هؤلاء المفكرين الذين وجدوا فيه الخير والسعادة للبشرية، أمثال "رجاء غارودى" وغيره..
стр. 231
إن الإسلام يعبر عن شيء خالد، ومن السخف أن نقول إنه متخلف، ولذلك يجب تغييره أو استبداله.. إن التقدم الذي ينادون به قادهم إلى اليأس والضياع ... الحضارة والمدنية الحديثة تعبر عن صراع الإنسان مع المادة والحياة ... في حين يعبر الإسلام عن الحقيقة، ولذلك فلا داعي لأن يتجه الإسلام نحو التقدم بالمعنى الذي يريدونه، وهو الفوضى والدمار واليأس".
وعن رأيه فيما يُثار من أن هناك فرقاً بين الإسلام كدين، والمسلمين كأشخاص ... هزَّ رأسه في ابتسامه مقتضبة قائلاً:
هناك قصة فيها رد على ذلك ... فأنا أعرف صديقاً منذ فترة اعتنق الإسلام في السادسة والعشرين من عمره اسمه "محمد أسعد" كان يهوديّاً واعتنق الإسلام عام ١٩٢٦، وألف كتاباً بعنوان "الطريق إلى مكة" وأصبح من علماء الإسلام، وله مؤلفات أخرى كثيرة ... قابلته منذ فترة في باكستان حيث يعيش هناك.. وسألته نفس هذا السؤال: هل هناك فرق بين الإسلام كدين والمسلمين كأشخاص؟
فقال لي: إذا كنا قد اعتنقنا الإسلام فليس هذا بسبب المسلمين.. ولكن السبب أن الإسلام حقيقة لا ينكرها أحد.
صحيح هناك تدهور في حال المسلمين.. ولكني أصارحك القول بأن التدهور في حال أصحاب الأديان الأخرى أكثر مما هو في المسلمين ... إن الإسلام آخر تعبير عن الرحمة الإلهية ... وما زال قادراً على العطاء.. عطاء كل ما يُخَلّص الإنسان من شقاء الحياة وآلامها ومتاعبها.. إن الإسلام يجدد الصلة بين المرء وربه التي قطعها إنسان اليوم.
حتى إذا كان المسلمون في حالة تدهور أو انهيار، فإن دينهم قادر على منحهم الحياة السعيدة المطمئنة التي تعينهم على التغلب على تلك الأزمات الأخلاقية التي يعيشها الغرب".
وعن تفسيره لظاهرة الإقبال على اعتناق الإسلام من جانب الأوربيين أجاب قائلاً:
стр. 232
"السبب كما قلت الأزمة التي قادتهم إليها الحضارة والمدنية الحديثة.. لقد أصبح الأوربيون يعيشون في حالة يأس لأنهم لا يؤمنون بشيء، ولذلك فهم يبحثون عن معنى لحياتهم، وقد وجدوا هذا المعنى في الإسلام فأقبلوا عليه".
ــ
١_ اللواء الإسلامي: من حديث أجراه محمد صبره ورضا عكاشه في إحدى أعدادها الأسبوعية.
٢_ برغم أن لديه ترجمات بالإنجليزية والفرنسية للقرآن، فإنه يحرص على قراءة القرآن باللغة العربية التي يحرص على تعلمها وحذقها كما يذكر.
٣_ سورة آل عمران _ الآية ٨٥.
٤_ سورة البقرة _ من الآية ٢٥٦.
стр. 233
٤٠-الكاتب الأمريكي الكولونيل دونالدس روكويل
كانت هناك دوافع قوية وراء اعتناق "الكولونيل دونالدس روكويل" للإسلام يقول عنها:
"إن بساطة الإسلام، ومساجد المسلمين بجاذبيتها، وبما في أجوائها من روعة وجلال ووقار، وما يتميز به المسلمون المؤمنون من ثقة باعثة على اليقين تجعلهم يستجيبون لنداء الصلاة خمس مرات في اليوم، كل هذه الأمور ملكت علىَّ مشاعري منذ البداية.. .. على أنني بعد أن قررت أن أنضم إلى ركب المسلمين، وجدت أن هناك أسباباً كثيرة أخرى أهم وأعمق من هذه الدوافع، قد زادتني يقيناً وتصميماً، وهي:
* هذا الإدراك الناضج للحياة، والذي هو من ثمار السنة المحمدية التي تجمع بين الرأي السديد، والقدوة العملية، في أسلوب من التوجيه الحكيم في أمور كثيرة تدلل على واقعية هذا الدين، وحكمة أخَّاذة سديدة في أقوال محمد (ص) ، ... خُذْ مثلاً قوله "إعقلها وتوكل" ... لقد قرر في هاتين الكلمتين نظاماً دينيّاً في أعمالنا المعتادة، فلم يطلب إلينا التصديق الأعمى بوجود قوى غيبية تحفظنا برغم تقصيرنا وإهمالنا، بل يدعونا إلى الثقة في الله، والرضا بإرادته في عاقبة أمرنا، إذا نحن طرقنا الأمور من أبوابها الصحيحة، وبذلنا في ذلك قصارى جهدنا.
стр. 234
*سماحة الإسلام مع الأديان الأخرى ـ والذي هو نابع من اتساع الأفق الفكري ـ تجعله قريباً إلى قلوب أولئك الذين يتعشقون الحرية، فقد دعا محمد (ص) أتباعه إلى أن يحسنوا معاملة المؤمنين بالتوراة والإنجيل، وإلى الإيمان بأن إبراهيم وموسى وعيسى عليهم رُسُلٌ من عند الله الواحد الأحد ... هذه سماحة يمتاز بها الإسلام عن الأديان الأخرى.
* التحرر الكامل من عبادة الأوثان، دليل على سلامة دعائم العقيدة الإسلامية، وعلى نقائها، فالتعاليم الأصلية التي جاء بها محمد ﷺ لم يغيرها المشرعون بتعديلات أو إضافات، فها هو ذا القرآن الكريم على الحالة التي أنزل بها على محمد ﷺ لهداية المشركين والكفار في بداية دعوته ظل ثابتاً راسخاً حتى الآن.
* الاعتدال والتوسط في كل شئ هما دعامتان أساسيتان في الإسلام، قد استحوذتا على كل إعجابي وتقديري.
لقد أمنت أن الرسول محمد (ص) كان حريصاً على صحة قومه، فأمرهم بالتزام النظافة إلى أبعد الحدود، كما أمرهم بالصوم والسيطرة على الشهوات الجنسية ... وأذكر أنني كنت ـ عندما أقف في مساجد أسطنبول ودمشق وبيت المقدس والقاهرة وغيرها من المدن ـ أحس شعوراً عميقاً بقدرة الإسلام في بساطته، على الارتفاع بروح البشر إلى الآفاق العليا، بدون حاجة إلى زخارف أنيقة، أو تماثيل، أو صور، أو موسيقى، أو طقوس رسمية.. فالمسجد مكان للتأمل الهادئ، ونسيان الذات وفنائها، واندماجها في الحقيقة الكبرى، في ذكر الله الأحد:
* تتجلى ديمقراطية الإسلام التي أثارت إعجابي في تساوي الحقوق بين الملك صاحب السلطان، وبين الفقير المتسول داخل جدران المسجد، فهم يسجدون جميعاً لله، ليست هناك مقاعد تستأجر، ولا أماكن تحجز لفئة دون أخرى.
* لا يؤمن المسلم بوسيط بينه وبين ربه، بل يتجه رأساً إلى الله، خالق الخلق، وواهب الحياة، وهو لا يراه دون التجاء إلى صكوك غفران، أو إلى أحد لمنحه منحة الخلاص.
стр. 235
* الاخوة العالمية الشاملة في الإسلام، بغض النظر عن اختلاف العنصر أو المذهب السياسي أو اللون أو الإقليم فقد ثبت ذلك عندي بكل يقين واقتناع مرات ومرات ... وهذه ظاهرة أخرى كانت ضمن الدوافع التي قادتني إلى الإيمان بالإسلام.
٤١- العالم البريطاني آرثر أليسون
عندما حضر البروفيسور "آرثر أليسون" رئيس قسم الهندسة الكهربائية والإلكترونية بجامعة لندن إلى القاهرة عام ١٩٨٥ ليشارك في أعمال المؤتمر الطبي الإسلامي الدولي حول الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، كان يحمل معه بحثه الذي ألقاه، وتناول فيه أساليب العلاج النفسي والروحاني في ضوء القرآن الكريم، بالإضافة الى بحث آخر حول النوم والموت والعلاقة بينهما في ضوء الآية القرآنية الكريمة: (اللهُ يتوفّى الأنفُسَ حينَ مَوتِها والتي لَم تَمُت في مَنامِها فيُمسكُ التي قضى عليها الموتَ ويُرسِلُ الأُخرى إلى أجلٍ مسمى إن في ذلك لأياتٍ لقومٍ يتفكرون) .
الغريب في الامر أنه لم يكن _وقتئذ _ قد اعتنق الإسلام، وإنما كانت مشاعره تجاهه لا تتعدى الإعجاب به كدين.
وبعد أن ألقى بحثه جلس يشارك في أعمال المؤتمر، ويستمع إلى باقي البحوث التي تناولت الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فتملكه الانبهار وقد ازداد يقينه بأن هذا هو الدين الحق.. فكل ما يسمعه عن الإسلام يدلل بأنه دين العلم ودين العقل.
فلقد رأى هذا الحشد الهائل من الحقائق القرآنية والنبوية، والتي تتكلم عن المخلوقات والكائنات، والتي جاء العلم فأيدها، فأدرك أن هذا لا يمكن أن يكون من عند بشر.. وما جاء به رسوله محمد (ص) من أربعة عشر قرناً يؤكد أنه رسول الله حَقّاً..
وأخذ "أليسون" يستفسر ويستوضح من كل مَن جلس معه عن كل ما يهمه أن يعرفه عن الإسلام كعقيدة ومنهج للحياة في الدنيا ... حتى لم يجد بُداً من أن يعلن عن إيمانه بالإسلام ...
стр. 236
وفي الليلة الختامية للمؤتمر، وأمام مراسلي وكالات الأنباء العالمية، وعلى شاشات التليفزيون، وقف البروفيسور "آرثر أليسون" ليعلن أمام الجميع أن الإسلام هو دين الحق ... ودين الفطرة التي فطر الناس عليها ... ثم نطق بالشهادتين أمام الجميع بصوت قوي مؤمن:
"أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله".
وفي تلك اللحظات كانت كبيرات المسلمين من حوله ترتفع، ودموع البعض قد انهمرت خشوعاً ورهبة أمام هذا الموقف الجليل.
ثم أعلن البروفيسور البريطاني عن اسمه الجديد "عبد الله أليسون" ... وأخذ يحكي قصته مع الإسلام فقال:
إنه من خلال اهتماماتي بعلم النفس، وعلم ما وراء النفس، حيث كنت رئيساً لجمعية الدراسات النفسية والروحية البريطانية لسنوات طويلة ... أردت أن أتعرف على الأديان، فدرستها كعقائد، ومن تلك العقائد عقيدة الإسلام، الذي وجدته أكثر العقائد تمشياً مع الفطرة التي ينشأ عليها الإنسان ... وأكثر العقائد تمشياً مع العقل، من أن هناك إلهاً واحداً مهيمناً ومسيطراً على هذا الوجود ... ثم إن الحقائق العلمية التي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية من قبل أربعة عشر قرناً قد أثبتها العلم الحديث الآن، وبالتالي نؤكد أن ذلك لم يكن من عند بشر على الإطلاق، وأن النبي محمد (ص) هو رسول الله.
стр. 237
ثم تناول "عبد الله أليسون" جزئية من بحثه الذي شارك به في أعمال المؤتمر، والتي دارت حول حالة النوم والموت من خلال الآية الكريمة (اللهُ يَتَوفّى الأنفسَ حينَ مَوتِها والتي لم تَمُت في مَنامِها فَيُمسِكُ التي قضى عليها المَوتَ وَيُرسِلُ الأخرى إلى أجلٍ مسمىً ... ) . فأثبت "أليسون" أن الآية الكريمة تذكر أن الوفاة تعني الموت، وتعني النوم وأن الموت وفاة غير راجعة في حين أن النوم وفاة راجعة ... وقد ثبت ذلك من خلال الدراسات الباراسيكولوجية والفحوص الإكلنيكية من خلال رسم المخ، ورسم القلب، فضلاً عن توقف التنفس الذي يجعل الطبيب يعلن عن موت هذا الشخص، أم عدم موته في حالة غيبوبته أو نومه.
وبذلك أثبت العلم أن النوم والموت عملية متشابهة، تخرج فيها النّفسُ وتعود في حالة النوم ولا تعود في حالة الموت.
ثم قرر العالم البريطاني المسلم البروفيسور "عبد الله أليسون" أن الحقائق العلمية في الإسلام هي أمثل وأفضل أسلوب للدعوة الإسلامية، ولا سيما للذين يحتجون بالعلم والعقل.
ولذلك أعلن البروفيسور "عبد الله" ... أنه سيقوم بإنشاء معهد للدراسات النفسية الإسلامية في لندن على ضوء القرآن المجيد والسنة النبوية ... والاهتمام بدراسات الإعجاز الطبي في الإسلام، وذلك لكي يوصل تلك الحقائق إلى العالم الغربي الذي لا يعرف شيئاً عن الإسلام.
كما وعد بإنشاء مكتبة إسلامية ضخمة باللغتين العربية والإنجليزية للمساعدة في اجراء البحوث العلمية على ضوء الإسلام.
٤٢-اللورد جلال الدين برانتون
[أتمَّ السِّير جلال الدِّين دراسته في جامعة أكسفورد. وقد كان باروناً إنجليزيًّا، ورجلاً ذا شعبيَّةٍ كبيرةٍ وسمعةٍ عريضة.]
стр. 238
أشعر بعميق الامتنان على إتاحة هذه الفرصة لي لأُعبِّر فيها ببعض الكلمات عمَّا دفعني لإعلان إسلامي. لقد تربَّيْت تحت تأثير أبويْن مسيحيَّيْن. وأصبحت في سنوات عمري المبكِّرة مهتمًّا بعلم اللاهوت. فشاركت بنفسي في الكنيسة الإنجليزيَّة، واهتممت بالعمل التبشيريِّ دون أن يكون لي فيه مشاركةً فعليَّة.
قبل بضع سنواتٍ مضت انصبَّ اهتمامي على عقيدة "العذاب الأبدي" لكلِّ البشريَّة عدا بعض المختارين. وأصبح الأمر بالنِّسبة لي مقيتاً جداًّ بحيث صار يغلب عَلَيَّ الشكُّ. فقد فكَّرت منطقيّاً بأنَّ ذاك الإله الَّذي يمكن أن يستخدم قدرته لخلق الكائنات البشريَّة الَّتي يجب أن تكون -في سابق علمه وتقديره- مُعذَّبةً للأبد، لابدَّ أنَّه ليس حكيماً، أو مُحِبّاً - سبحانه وتعالى عمَّا يصفون علوّاً كبيراً - فمستواه لابدَّ وأن يكون أقلَّ من الكثير من البَشَر. ومع ذلك واصلت الاعتقاد بوجود الله تعالى، ولكنِّي لم أكن راغباً بقبول الفهم السائد للتعاليم الَّتي تقول بالوحي الإلهيِّ للرِّجال. فحوَّلت اهتمامي للتَّحقيق في الأديان الأخرى، ممَّا أشعرني بالحيرة فقط.
وكَبُرَت في داخلي رغبةٌ جديَّةٌ للخضوع للإله الحق وعبادته. ومع أنَّ المذاهب المسيحيَّة تدَّعي أنَّها أُسِّسْت على الإنجيل إلَّا أنَّني وجدتها متناقضة. فهل من الممكن أنَّ الإنجيل وتعليم السيِّد المسيح ﵊ كانا مُحرَّفيْن؟! لذلك صببت اهتمامي –وللمرَّة الثانية- على الإنجيل، وصمَّمت أن تكون الدِّراسة عميقة، وشعرت بأنَّه كان هناك شيئٌ ناقص وصمَّمت على فعل ذلك لنفسي، بغضِّ النظر عن مذاهب البشر. فبدأت أتعلَّم بأنَّ النَّاس يمتلكون "الرُّوح"، و "قوَّةً ما غير مرئيَّةٍ" وهي خالدة، وأنَّ الآثام سيُعاقَب عليها في هذا العالم وفي العالم الآخر، وأنَّ الله تعالى برحمته وإحسانه يمكنه دوماً أن يغفر ذنوبنا إذا ما تبنا إليه حقّاً.
стр. 239
ولإدراكي أهميَّة البحث العميق والعيش على مستوى الحق، ولكي أجد "الجوهرة الثمينة"، كرَّست وقتي مرَّهً أخرى لدراسة الإسلام. كان هناك شيئٌ في الإسلام شدَّني في ذلك الوقت. وفي زاويةٍ مغمورةٍ -بالكاد معروفة- من قرية "إتشرا" كنت مكرِّساً وقتي وعبادتي لله العظيم بين أدنى طبقات المجتمع مع رغبةٍ صادقةٍ لرفعهم إلى مستوى معرفة الإله الحقِّ والواحد، ولغرس الشعور بالأخوَّة والطَّهارة.
ليس في نيَّتي أن أحدِّثكم كيف عملت بين هؤلاء الناس، ولا ما هي التضحيات الَّتي قدَّمتها، ولا المصاعب الجمَّة الَّتي مررت بها، فقد واصلت العمل ببساطةٍ من أجل هدفٍ واحدٍ، وهو أن أخدم هذه الطبقات ماديّاً ومعنويّاً.
وأخيراً بدأت بدراسة حياة النبيِّ محمَّد ﷺ . كنت أعرف القليل عمَّا فعله، ولكنِّي كنت أعرف وأشعر بأنَّ المسيحيِّين -وبصوتٍ واحدٍ- أدانوا مجد النبيِّ العربيِّ ﷺ . وأردت حينها أن أنظر في المسألة دون تعصُّبٍ وحقد. وبعد القليل من الوقت وجدت أنَّه من غير الممكن وجود شكٍّ في جديَّة بحثه ﵊ عن الحقِّ وعن الله تعالى.
стр. 240
فأدركت بأنَّه من الخطأ -في نهاية الأمر- إدانة هذا الرجل المقدَّس بعد قراءتي عن الإنجازات الَّتي حقَّقها للبشريَّة. فالنَّاس الَّذين كانوا في الجاهليَّة يعبدون الأصنام، ويعيشون على الجريمة، وفي القذارة والعُري، علَّمهم ﵊ كيف يلبسون، واستُبدلت القذارة بالطهارة، واكتسبوا كرامةً شخصيّةً واحتراماً ذاتيّاً، وأصبح كرم الضِّيافة واجباً دينيّاً، وحُطِّمت أصنامهم، وبدأوا يعبدون الله تعالى الإله الحق. وأصبحت الأمَّة الإسلاميَّة هي المجتمع الشَّامل القويُّ والأكثر منعةً في العالم. وأُنجزت الكثير من الأعمال الخيِّرة والَّتي هي من الكثرة بحيث لا يمكننا ذكرها هنا. فكم من المحزن -أمام كلِّ هذا، وأمام صفاء عقله ﷺ - حين نفكِّر كيف استطاع المسيحيُّون أن يحطُّوا من شخصه الكريم. واستحوذني تفكيرٌ عميق، وخلال لحظات تأمُّلاتي زارني سيِّدٌ هنديٌّ اسمه "معن أمير الدِّين"، وكان من الغريب حقّاً أنَّه هو الَّذي أعطى النار الَّتي في حياتي الهواء لتزداد اشتعالاً. فتأمَّلت في المسألة بشكلٍ عميق؛ وقدَّمت الحجَّة تلو الأخرى مُتحاملاً على الدِّين المسيحيِّ المعاصر، ومستنتجاً كلَّ شيءٍ لصالح الإسلام، وشاعراً بالاقتناع أنَّه دين الحقِّ، واليُسْرِ، والتَّسامحِ، والإخلاص، والأُخوَّة.
لم يعد لي الآن سوى القليل من الزَّمن لأعيش على هذه الأرض، وأريد أن أكرِّس كلَّ ما بقي لي في خدمة الإسلام.
وهذه قصة اسلامه من كتاب "لجانب الخفي وراء إسلام هؤلاء"بقلم محمد كامل عبد الصمد:
ولد ونشأ بين أبوين مسيحيين ... وولع بدراسة اللاهوت وهو في سن مبكرة، وارتبط بالكنيسة الإنجليزية وأعطى أعمال التبشير كل اهتمامه.
стр. 241
وحدث ذات يوم أن زاره صديق هندي مسلم تحدث معه في موضوع العقائد المسيحية ومقارنتها بالعقيدة الإسلامية، وانتهت الزيارة، إلا أنها لم تنته في نفسه، فقد أثارت إنفعالاً شديداً في ضميره وعقله، وصار يتدبر كل ما قيل فيها من جدال، مما دفعه إلى إعادة النظر في العقائد المسيحية ... ويعبر عن ذلك فيقول:
"عندئذ قررت أن أبحث بنفسي، متجاهلاً عقائد الناس، بعد أن أيقنت بضرورة البحث عن الحقيقة مهما طال المدى في هذا السبيل، ومهما كان الجهد، حتى أصل لمزيد من المعرفة بعد أن قيل إن الإنجيل وتعاليم المسيح قد أصابها التحريف.. فعدت ثانياً إلى الإنجيل أوليه دراسة دقيقة، فشعرت أن هناك نقصاً لم أستطع تحديده.. عندئذ ملك عليّ نفسي رغبة أن أُفرغ كل وقتي لدراسة الإسلام ... وبالفعل كرست كل وقتي وجهدي له، ومن ذلك دراسة سيرة النبي محمد (ص) ، ولم أكن أعلم إلا القليل النادر عنه، برغم أن المسيحيين أجمعوا على إنكار هذا النبي العظيم الذي ظهر في الجزيرة العربية ... ولم يمض بي وقت طويل حتى أدركت أنه من المستحيل أن يتطرق الشك إلى جدية وصدق دعوته إلى الحق وإلى الله".
ثم أخذ يكرر هذا المعنى وهو يقول:
"نعم شعرت أنه لا خطيئة أكبر من إنكار هذا "الرجل الرباني" بعد أن درست ما قدمه للإنسانية، وجعل من المسلمين أقوى مجتمع رفيع يعاف الدنايا ... إني غير مستطيع أن أحصي ما قدمه هذا الرسول من جليل الأعمال ... ".
بعدها تساءل في ألم ووجوم قائلاً:
"أمام كل هذا الفضل وهذا الصفاء.. أليس من المحزن الأليم حقاً أن يقدح في شأنه المسيحيون وغيرهم؟! ".
٤٣-أستاذ الرياضيات الجامعي الأمريكي جفري لانج
حتى الملائكة تسأل ... البروفسور جفري لانج
стр. 242
يروي البروفسور جفري لانج، أستاذ الرياضيات في الجامعات الأميركية كيفية اعتناقه للدين الإسلامي، وذلك في كتاب صدر له بعنوان «حتى الملائكة تسأل» . فالكتاب يسطر قصة إسلام لانج، ويتراوح بين لحظات روحانية غامرة وبين أفكار فلسفية عميقة.
يقول المؤلف: في اليوم الذي اعتنقت فيه الإسلام، قدم إليَّ إمام المسجد كتيباً يشرح كيفية أداء الصلاة. غير أني فوجئت بما رأيته من قلق الطلاب المسلمين، فقد ألحوا عليَّ بعبارات مثل: (خذ راحتك) (لا تضغط على نفسك كثيراً) (من الأفضل أن تأخذ وقتك) (ببطء.. شيئاً، فشيئاً) . وتساءلت في نفسي (هل الصلاة صعبة إلى هذا الحد؟) . لكني تجاهلت نصائح الطلاب، فقررت أن أبدأ فوراً بأداء الصلوات الخمس في أوقاتها. وفي تلك الليلة، أمضيت وقتاً طويلاً جالساً على الأريكة في غرفتي الصغيرة بإضاءتها الخافتة، حيث كنت أدرس حركات الصلاة وأكررها، وكذلك الآيات القرآنية التي سأتلوها، والأدعية الواجب قراءتها في الصلاة. وبما أن معظم ما كنت سأتلوه كان باللغة العربية، فقد لزمني حفظ النصوص بلفظها العربي، وبمعانيها باللغة الإنجليزية. وتفحصت الكتيب ساعات عدة، قبل أن أجد في نفسي الثقة الكافية لتجربة الصلاة الأولى. وكان الوقت قد قارب منتصف الليل، لذلك قررت أن أصلي صلاة العشاء. ودخلت الحمام ووضعت الكتيب على طرف المغسلة مفتوحاً على الصفحة التي تشرح الوضوء. وتتبعت التعليمات الواردة فيه خطوة خطوة، بتأن ودقة، مثل طاهٍ يجرب وصفة لأول مرة في المطبخ. وعندما انتهيت من الوضوء، أغلقت الصنبور وعدت إلى الغرفة والماء يقطر من أطرافي. إذ تقول تعليمات الكتيب بأنه من المستحب ألا يجفف المتوضئ نفسه بعد الوضوء. (١) ووقفت في منتصف الغرفة، متوجهاً إلى ما كنت أحسبه اتجاه القبلة. نظرت إلى الخلف لأتأكد من أنني أغلقت باب شقتي، ثم توجهت إلى الأمام، واعتدلت في وقفتي، وأخذت نفساً عميقاً، ثم رفعت يدي
стр. 243
، وبراحتين مفتوحتين ملامساً شحمتي الأذنين بإبهامي. (٢) ثم بعد ذلك، قلت بصوت خافت (الله أكبر) . كنت آمل ألا يسمعني أحد. فقد كنت أشعر بشيء من الانفعال. إذ لم أستطع التخلص من قلقي من كون أحد يتجسس علي. وفجأة أدركت أنني تركت الستائر مفتوحة. وتساءلت: ماذا لو رآني أحد الجيران؟ تركت ما كنت فيه، وتوجهت إلى النافذة، ثم جلت بنظري في الخارج لأتأكد من عدم وجود أحد. وعندما رأيت الباحة الخلفية خالية، أحسست بالارتياح. فأغلقت الستائر، وعدت إلى منتصف الغرفة. ومرة أخرى، توجهت إلى القبلة، واعتدلت في وقفتي، ورفعت يدي إلى أن لامس الإبهامان شحمتي أذني، ثم همست (الله أكبر) .... وبصوت خافت لا يكاد يسمع، قرأت فاتحة الكتاب ببطء وتلعثم، ثم أتبعتها بسورة قصيرة باللغة العربية، وإن كنت أظن أن أي عربي لم يكن ليفهم شيئاً لو سمع تلاوتي تلك الليلة. ثم بعد ذلك تلفظت بالتكبير مرة أخرى بصوت خافت وانحنيت راكعاً حتى صار ظهري متعامداً مع ساقي واضعاً كفي على ركبتي وشعرت بالإحراج، إذ لم أنحن لأحد في حياتي. ولذلك فقد سررت لأنني وحدي في الغرفة. وبينما كنت ما أزال راكعاً، كررت عبارة (سبحان ربي العظيم) عدة مرات. ثم اعتدلت واقفاً وأنا أقرأ (سمع الله لمن حمده) ثم (ربنا ولك الحمد) ...... أحسست بقلبي يخفق بشدة، وتزايد انفعالي عندما كبرت مرة أخرى بخضوع فقد حان وقت السجود ... وتجمدت في مكاني، بينما كنت أحدق في البقعة التي أمامي، حيث كان علي أن أهوي إليها على أطرافي الأربعة وأضع وجهي على الأرض. لم أستطع أن أفعل ذلك، لم أستطع أن أنزل بنفسي إلى الأرض، لم أستطع أن أذل نفسي بوضع أنفي على الأرض، شأن العبد الذي يتذلل أمام سيده ... لقد خيل لي أن ساقي مقيدتان لا تقدران على الانثناء.... لقد أحسست بكثير من العار والخزي. وتخيلت ضحكات أصدقائي ومعارفي وقهقهاتهم، وهم يراقبونني وأنا أجعل من نفسي مغفلاً أمامهم، وتخيلت كم
стр. 244
سأكون مثيراً للشفقة والسخرية بينهم، وكدت أسمعهم يقولون (مسكين جفري فقد أصابه العرب بمس في سان فرانسيسكو، أليس كذلك؟) . وأخذت أدعو (أرجوك، أرجوك، أعني على هذا) . أخذت نفساً عميقاً، وأرغمت نفسي على النزول ... الآن صرت على أربعتي، ثم ترددت لحظات قليلة، وبعد ذلك ضغط وجهي على السجادة ... أفرغت ذهني من كل الأفكار، وتلفظت ثلاث مرات بعبارة (سبحان ربي الأعلى) ، (الله أكبر) قلتها ورفعت من السجود جالساً على عقبي وأبقيت ذهني فارغاً رافضاً السماح لأي شيء أن يصرف انتباهي. (الله أكبر) ووضعت وجهي على الأرض مرة أخرى. وبينما كان أنفي يلامس الأرض، رحت أكرر عبارة (سبحان ربي الأعلى) بصورة آلية. فقد كنت مصمماً على إنهاء هذا الأمر مهما كلفني ذلك. (الله أكبر) وانتصبت واقفاً، فيما قلت لنفسي: لا تزال هناك ثلاث جولات أمامي. وصارعت عواطفي وكبريائي في ما تبقى لي من الصلاة. لكن الأمر صار أهون في كل شوط. حتى إنني كنت في سكينة شبه كاملة في آخر سجدة. ثم قرأت التشهد في الجلوس الأخير، وأخيراً سلمت عن يميني وشمالي.... وبينما بلغ بي الإعياء مبلغه، بقيت جالسا على الأرض، وأخذت أراجع المعركة التي مررت بها، لقد أحسست بالإحراج لأنني عاركت نفسي كل ذلك العراك في سبيل أداء الصلاة إلى آخرها. ودعوت برأس منخفض خجلاً: (اغفر لي تكبري وغبائي، فقد أتيت من مكان بعيد ولا يزال أمامي سبيل طويل لأقطعه) . وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء لم أجربه من قبل، ولذلك يصعب عليّ وصفه بالكلمات.... فقد اجتاحتني موجة لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها كالبرودة، وبدا لي أنها تشع من نقطة ما في صدري. وكانت موجة عارمة فوجئت بها في البداية حتى إنني أذكر أنني كنت أرتعش. غير أنها كانت أكثر من مجرد شعور جسدي، فقد أثرت في عواطفي بطريقة غريبة أيضا. لقد بدا كأن الرحمة قد تجسدت في صورة محسوسة وأخذت تغلفني وتتغلغل فيّ ... ثم بدأت بالبكاء من غير أن
стр. 245
أعرف السبب، فقد أخذت الدموع تنهمر على وجهي، ووجدت نفسي أنتحب بشدة.... وكلما ازداد بكائي، ازداد إحساسي بأن قوة خارقة من اللطف والرحمة تحتضنني. ولم أكن أبكي بدافع من الشعور بالذنب، رغم أنه يجدر بي ذلك، ولا بدافع من الخزي أو السرور ... لقد بدا كأن سداً قد انفتح مطلقاً عنان مخزون عظيم من الخوف والغضب بداخلي. وبينما أنا أكتب هذه السطور، لا يسعني إلا أن أتساءل عما لو كانت مغفرة الله لا تتضمن مجرد العفو عن الذنوب، بل وكذلك الشفاء والسكينة أيضا ... ظللت لبعض الوقت جالساً على ركبتي، منحنياً إلى الأرض، منتحباً ورأسي بين كفي. وعندما توقفت عن البكاء أخيراً، كنت قد بلغت الغاية في الإرهاق. فقد كانت تلك التجربة جارفة وغير مألوفة إلى حد لم يسمح لي حينئذ أن أبحث عن تفسيرات عقلانية لها ... وقد رأيت حينها أن هذه التجربة أغرب من أن أستطيع إخبار أحد بها. أما أهم ما أدركته في ذلك الوقت فهو أنني في حاجة ماسة إلى الله وإلى الصلاة، وقبل أن أقوم من مكاني، دعوت بهذا الدعاء الأخير: «اللهم، إذا تجرأت على الكفر بك مرة أخرى، فاقتلني قبل ذلك، خلصني من هذه الحياة ... ومن الصعب جداً أن أحيا بكل ما عندي من النواقص والعيوب لكنني لا أستطيع أن أعيش يوماً واحداً آخر وأنا أنكر وجودك» .
........................................
(١) الصحيح أن النبي ﷺ كان يمسح أثر ماء الوضوء، تارة، ويدعه تارة، وقال بعض العلماء أن تركه محمول على قصد التبرد وليس قصد التقرب، وبعضهم ذهب إلى أن السنة ترك المسح أحيانا، وفعله أحيانا والله أعلم ...
(٢) الصحيح أن النبي ﷺ لم يكن يلمس بإبهاميه شحمة أذنيه، وإنما كان يرفع يديه عند التكبير حذو منكبيه أو حذو إذنيه مضمومة الأصابع مستقبلا بكفيه القبلة.. والله أعلم..
المصدر: إحدى الصحف السعودية
стр. 246
٤٤-الأستاذ الجامعي الأمريكي محمد أكويا
كان السبب الأول لإسلامه حجاب طالبة أميركية مسلمة, معتزة بدينها, ومعتزة بحجابها, بل لقد اسلم معه ثلاثة دكاترة من أستذة الجامعة وأربعة من الطلبة. لقد كان السبب المباشر لإسلام هؤلاء السبعة, الذين صاروا دعاة إلى الإسلام. هو هذا الحجاب. لن أطيل عليكم في التقديم. وفي التشويق لهذه القصة الرائعة التي سأنقلها لكم على لسان الدكتور الأميركي الذي تسمى باسم النبي محمد ﷺ وصار اسمه (محمد أكويا) . يحكي الدكتور محمد أكويا قصته فيقول: قبل أربع سنوات, ثارت عندنا بالجامعة زوبعة كبيرة, حيث التحقت للدراسة طالبة أميركية مسلمة, وكانت محجبة, وقد كان من بين مدرسيها رجل متعصب يبغض الإسلام ويتصدى لكل من لا يهاجمه. فكيف بمن يعتنقه ويظهر شعائره للعيان؟ كان يحاول استثارتها كلما وجد فرصة سانحة للنيل من الإسلام. وشن حربا شعواء عليها, ولما قابلت هي الموضوع بهدوء ازداد غيظه منها, فبدأ يحاربها عبر طريق آخر, حيث الترصد لها بالدرجات, وإلقاء المهام الصعبة في الأبحاث, والتشديد عليها بالنتائج, ولما عجزت المسكينة أن تجد لها مخرجا تقدمت بشكوى لمدير الجامعة مطالبة فيها النظر إلى موضوعها. وكان قرار الإدارة أن يتم عقد بين الطرفين المذكورين الدكتور والطالبة لسماع وجهتي نظرهما والبت في الشكوى. ولما جاء الموعد المحدد. حضر أغلب أعضاء هيئة التدريس, وكنا متحمسين جدا لحضور هذه الجولة التي تعتبر الأولى من نوعها عندنا بالجامعة. بدأت الجلسة التي ذكرت فيها الطالبة أن المدرس يبغض ديانتها. ولأجل هذا يهضم حقوقها العلمية, وذكرت أمثلة عديدة لهذا, وطلبت الاستماع لرأي بعض الطلبة الذين يدرسون معها, وكان من بينهم من تعاطف معها وشهد لها, ولم يمنعهم اختلاف الديانة أن يدلوا بشهادة طيبة بحقها. حاول الدكتور على أثر هذا أن يدافع عن نفسه, واستمر بالحديث فخاض بسب دينها. فقامت تدافع عن الإسلام. أدلت بمعلومات
стр. 247
كثيرة عنه, وكان لحديثها قدرة على جذبنا, حتى أننا كنا نقاطعها فنسألها عما يعترضنا من استفسارات. فتجيب فلما رآنا الدكتور المعني مشغولين بالاستماع والنقاش خرج من القاعة. فقد تضايق من اهتمامنا وتفاعلنا. فذهب هو ومن لا يرون أهمية للموضوع. بقينا نحن مجموعة من المهتمين نتجاذب أطراف الحديث, في نهايته قامت الطالبة بتوزيع ورقتين علينا كتب فيها تحت عنوان " ماذا يعني لي الإسلام؟ " الدوافع التي دعتها لاعتناق هذا الدين العظيم, ثم بينت ما للحجاب من أهمية وأثر. وشرحت مشاعرها الفياضة صوب هذا الجلباب وغطاء الرأس الذي ترتديه. الذي تسبب يكل هذه الزوبعة. لقد كان موقفها عظيما, ولأن الجلسة لم تنته بقرار لأي طرف, فقد قالت أنها تدافع عن حقها, وتناضل من أجله, ووعدت أن لم تظفر بنتيجة لصالحها أن تبذل المزيد حتى لو اضطرت لمتابعة القضية وتأخير الدراسة نوعا ما, لقد كان موقفا قويا, ولم نكن أعضاء هيئة التدريس نتوقع أن تكون الطالبة بهذا المستوى من الثبات ومن أجل المحافظة على مبدئها. وكم أذهلنا صمودها أمام هذا العدد من المدرسين والطلبة, وبقيت هذه القضية يدور حولها النقاش داخل أروقة الجامعة. أما أنا فقد بدأ الصراع يدور في نفسي من أحل تغيير الديانة ,فما عرفته عن الإسلام حببني فيه كثيرا, ورغبني في اعتناقه, وبعد عدة أشهر أعلنت إسلامي, وتبعني دكتور ثان وثالث في نفس العام, كما أن هناك أربعة طلاب أسلموا. وهكذا في غضون فترة بسيطة أصبحنا مجموعة لنا جهود دعوية في التعريف بالإسلام والدعوة إليه, وهناك الآن عدد من الأشخاص في طور التفكير الجاد, وعما قريب إن شاء الله ينشر خبر إسلامهم داخل أروقة الجامعة. والحمد لله وحده.
стр. 248
٤٥-الأديب الفرنسي فانسان مونتييه
كان يشغل منصب أستاذ اللغة العربية والتاريخ الإسلامي بجامعة باريس ... والآن يشغل منصب رئيس "مؤسسة الدراسات الإسلامية في "داكار".. .. وله عدة مؤلفات منها: كتاب "الإرهاب الصهيوني".. "والمسلمون في الاتحاد السوفيتي" ... وكتاب "الإسلام في إفريقيا السوداء" ... وكتاب "مفاتيح الفكر العربي".. كما قد قام بترجمة ابن خلدون إلى الفرنسية. اختار الإسلام ديناً بكل اقتناع ورضا، واتخذ من العرب المسلمين اخوة له في الإسلام، بدون أن يتخلى عن جنسيته الفرنسية، إذ كان مؤمناً بأنه لا تناقض بين عقيدته الإسلامية وجنسيته الفرنسية.
وعن اختياره للإسلام ديناً أوضح قائلاً:
"لقد اخترت الإسلام ديناً، ألقى به وجه ربي لأسباب شتى، منها الأسباب الدينية، والأسباب الأخلاقية، والاجتماعية، والثقافية والعاطفية".
ثم استطرد في تفصيل ما أجمله.. فقال:
"لقد اخترتُ دين الفطرة.. وهو الإسلام، وكنت فيما مضى كاثوليكيّاً.. وفي الكاثوليكية أمور كثيرة لم أقتنع بها، ولم أفهمها، "مثل كرسي الاعتراف". والوسيط لدى الإله، فضلاً عن اعتمادها على أسرارٍ، وقربان، وغير ذلك من أمور لم أستطع الإيمان بها.. .. في حين أن دين الإسلام برئ من هذا كله، فيكفي المسلم أن يتوجه إلى ربه مباشرة بدون وسيط، وبدون كرسي اعتراف، فيستجيب الله دعاءه.
لقد كانوا يُعلمونني كما يُعلمون غيري أن عيسى إله ابن إله، وكانوا يزعمون أن محمداً ليس نبيّاً، وبالتالي ينكرون الإسلام (١) ... ثم حدث أن وقع بين يدي ـ لأول مرة في حياتي ـ ترجمة لمعاني القرآن الكريم، واستوقفتني معاني كلماته، مثل:
(قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ)
واسَتَوقَفَه كما يذكر ترجمة قول الله تعالى:
(فِطرتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَليْهَا لاَ تَبْديلَ لِخَلقِ اللهِ ذَلكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثرَ النَّاسِ لاَ يَعْلمُونَ) (٢) .
стр. 249
كما يذكر أيضاً أنه قرأ حديثاً لرسول الله ﷺ ، شعر تجاهه بأن الإسلام دين الفطرة بحق.
"كل مولود يُولَدُ على الفِطْرة، فأبواه يُهَوّدِانه أو يُنَصّرِانه، أو يُمَجّسَانِهِ".
ولذلك يقول "فانسان مونتيه" أو "المنصور بالله الشافعي" كما يعتز باسمه الجديد بعد أن أشهر إسلامه: "لقد آمنت برسالة محمد ومصداقيتها، مثلما آمنتُ تماماً بوحدانية الله.. إن محمداً رسول الله حقاً.. والقرآن الكريم مُوحىً به من عند الله وليس من إنشاء محمد أو صُنعه.. .. ورسالته السماوية السمحاء ليست مقصورة على العرب.. وإنما هي للناس كافة.
وعمَّا استلفت نظره في الإسلام أيضاً يقول:
"رأيت في الإسلام تسامحاً مدهشاً، والأخلاق الرفيعة هدف كل مسلم.. كما رأيت رفضاً للرهبنة التي تجافي طبيعة الإنسان البشرية، فالإسلام يحفظ للإنسان إنسانيته، فيمنع عليه الرهبنة، ويدفعه إلى التمتع بالحياة وطيباتها، ما لم تتعارض المتعة مع تعاليم الله تعالى.. ثم أخذ يُطَأطِئُ رأسه، ووجهه شرق بابتسامة عريضة تالياً قوله تعالى:
(وَمَا جَعَلَ عَليْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٣) .
ثم غابت ابتسامته فجأة وهو يتذكر المتحاملين على الإسلام، وما يرمونه به من تهم باطلة لا صحة لها على الإطلاق، فيستعرضها مفنداً:
أعداء الإسلام يَدَّعُون أن المسلمين لا يرضون من غيرهم إلا أن يكونوا مسلمين، فإذا لم يكونوا مسلمين أشهروا عليهم سيف الجهاد ... في حين أنهم لو عقلوا ذلك جيداً لعلموا أن الجهاد الإسلامي مفروض، ولكن من أجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل.
ثم يواصل المفكر الإسلامي "المنصور بالله الشافعي" تفنيده لادعاءات الحاقدين على الإسلام فيقول:
стр. 250
"أنهم يتهمون الإسلام بالقسوة المفرطة، مع أن الإسلام دين السلام، والتسامح، والعفو، والمغفرة.. .. لقد تناسى هؤلاء كل العقوبات النصرانية فيما مضى، والتي أفرطت في القسوة، والتعذيب الذي وصل إلى حد الإحراق، وفصل أجزاء الجسد، فضلاً عن كثرة حالات الإعدام، وهو ما لم يشهده الإسلام في تاريخه.
كما أنهم يتهمون الإسلام بظاهرة الرَقّ التي وُجِدَتْ قبل الإسلام وليس بعده، بل حين انتشر الإسلام وطُبقت تعاليمه كان يسعى لإلغاء الرّق، بل إن كثيراً من الكفَّارات للذنوب التي يقدم عليها المرء هو تحرير الرقاب الذي عَدَّه الإسلام تقرباً وطاعة لله.
ثم يحاولون الإساءة إلى الإسلام من زاوية تعدد الزوجات، ولو عقلوا لوَجَدُوا أنه وأن سمح حقّاً بذلك فإنه في الوقت ذاته وضع شروطاً دقيقة أساسها العدل المطلق، والمعاملة الطيبة، كما نظر إلى النساء التي حالت ظروفهن دون الزواج، أو لمرض الزوجة، أو لأسباب أخرى.
ثم يصمت برهة ليجزم بالقول:
"أن الإسلام بعظمته وعمقه، وبنقائه ورقُيه، وبتسامحه ودعوته لكرامة الإنسان في كل زمان ومكان ـ لن يستطيع أحدٌ أن ينال منه.. لأن الإسلام في ذاته قوي.. وتعاليمه تدعو إلى القوة بعدم ارتكاب المعاصي والذنوب التي تضعف القوة، مثل الزّنَى، وشُرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وغير ذلك مما يحرمه الدين الحنيف".
ويختم كلامه وقد غمرته سعادة إيمانية وهو يقول:
"لهذا اخترت الإسلام.. من أجل أن أشعر بالراحة في رحابه وظلاله ... نعم، اعتنقتُ الإسلام لأشعر وأدرك أنني اعتنقت ديناً لا يفصل بين البدن والروح، بين النفس والجسد ... يكفيني أن الإسلام دين نقي، يدفع إلى الأخلاق والتحلي بها، وإلى الكرامة الإنسانية والتمسك بها، من أجل ذلك شهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله ... وعلى ذلك ألقى ربي".
-----------
(١) صحيفة الاتحاد التي تصدر في "الإمارات العربية المتحدة"، الصادرة في العاشر من نوفمبر ١٩٨٩ (بتصرف) .
следующие страницы →