Полный текст (555 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
كانت العقود الأولى للقرن العشرين تتسم بالخواء الروحي للأجيال الأوروبية، أصبحت كل القيم الأخلاقية متداعية تحت وطأة التداعيات المرعبة للسنوات التي استغرقتها الحرب العالمية الأولى في الوقت الذي لم تبد فيه أي روحية جديدة في أي أفق، كانت مشاعر عدم الإحساس بالأمن متفشية بين الجميع، إحساس داخلي بالكارثة الاجتماعية والفكرية أصاب الجميع بالشك في استمرارية أفكار البشر وفي كل مساعيهم وأهدافهم، كان القلق الروحي لدى الشباب لا يجد مستقراً لإقدامه الوجلة، ومع غياب أي مقاييس يقينية أخلاقية لم يكن ممكناً لأي فرد إعطاء إجابات مقنعة عن أسئلة كثيرة كانت تؤرق وتحير كل جيل الشباب.
كانت علوم التحليل النفسي (وهي جانب من دراسات الشاب ليوبولدفايس) تشكل في ذلك الوقت ثورة فكرية عظمى، وقد أحس فعلاً أن تلك العلوم فتحت مزاليج أبواب معرفة الإنسان بذاته، كان اكتشاف الدوافع الكامنة في اللاوعي قد فتح أبواباً واسعة تتيح فهماً أوسع للذات، وما أكثر الليالي التي قضاها في مقاهي (فينا) يستمع إلى مناقشات ساخنة ومثيرة بين رواد التحليل النفسي المبكرين من أمثال (الفريد ادلر) و (هرمان سيتكل) .
إلا أن الحيرة والقلق والتشويش حلت عليه من جديد، بسبب عجرفة العلم الجديد وتعاليه ومحاولته أن يحل ألغاز الذات البشرية عن طريق تحويلها إلى سلاسل من ردود الأفعال العصبية.
لقد نما قلقه وتزايد وجعل إتمام دراسته الجامعية يبدو مستحيلاً؛ فقرر أن يترك الدراسة، ويجرب نفسه في الصحافة.
стр. 282
كان أول طريق النجاح في هذه التجربة تعيينه في وظيفة محرر في وكالة الأنباء (يونايتد تلجرام) ، وبفضل تمكنه من عدة لغات لم يكن صعباً عليه أن يصبح بعد وقت قصير نائباً لرئيس تحرير قطاع أخبار الصحافة الاسكندنافية بالرغم من أن سنه كانت دون الثانية والعشرين، فانفتح له الطريق في برلين إلى عالم أرحب (مقهى دين فيستن) و (رومانشية) ملتقى الكتاب والمفكرين البارزين ومشاهير الصحفيين والفنانين، فكانوا يمثلون له (البيت الفكري) وربطته بهم علاقات صداقة توافرت فيها الندية.
كان في ذلك الوقت سعيداً بما هو أكثر من النجاح في حياته العملية، ولكنه لم يكن يشعر بالرضا والإشباع ولم يكن يدري بالتحديد ما الذي يسعى إليه وما الذي يتوق إلى تحقيقه.
كان مثله مثل كثير من شباب جيله، فمع أن أياً منهم لم يكن تعساً إلا أن قليلاً منهم كان سعيداً بوعي وإدراك.
(١)
لو قال له أحد في ذلك الوقت: إن أول معرفة له مباشرة الإسلام ستصبح نقطة تحول عظمى في حياته؛ لعد ذلك القول مزحة، ليس بالطبع لأنه محصن ضد إغراءات الشرق التي تربط ذهن الأوربي برومانتيكية ألف ليلة وليلة، ولكنه كان أبعد ما يكون عن أن يتوقع أن تؤدي تلك الرحلة إلى أي مغامرات روحية.
стр. 283
كل ما كان يدور في ذهنه عن تلك الرحلة كان يتعامل معه برؤية غربية، فقد كان رهانه محصوراً في تحقيق أعمق في المشاعر والإدراك من خلال البيئة الثقافية الوحيدة التي نشأ فيها، وهي البيئة الأوروبية، لم يكن إلا شاباً أوربياً نشأ على الاعتقاد بأن الإسلام وكل رموزه ليس إلا محاولة التفافية حول التاريخ الإنساني، محاولة لا تحظى حتى بالاحترام من الناحية الروحية والأخلاقية، ومن ثم لا يستحق الذكر، فضلاً عن أن يوازن بالدينين الوحيدين اللذين يرى الغرب أنهما يستحقان الاهتمام والبحث (اليهودية والمسيحية) ، كان يلف تفكيره الفكر الضبابي القاتم والانحياز الغربي ضد كل ما هو إسلامي، أو كما يعبر عن نفسه:"لو تعاملت بعدل مع ذاتي لأقررت أني أيضاً كنت غارقاً حتى أذني في تلك الرؤية الذاتية الأوروبية والعقلية المتعالية التي اتسم بها الغرب على مدى تاريخه". [١٠٤] .
ولكن بعد أربع سنوات كان ينطق بشهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ويتسمى باسم (محمد أسد) .
بالرغم من أن حياته تفيض بالمغامرات والمفاجاءات والمصادفات فلم يكن إسلامه نتيجة لأي من ذلك بل كان نتيجة لسنوات عدة من التجول في العالم الإسلامي، والاختلاط بشعوبه، والتعمق في ثقافته، وإطلاعه الواسع على تراثه بعد إجادته للغة العربية والفارسية.
стр. 284
كان في الأعوام المبكرة من شبابه بعد ما أصابه الإحباط وخيبة الأمل في العقيدة اليهودية التي ينتمي إليها قد اتجه تفكيره إلى المسيحية بعد أن وجد أن المفهوم المسيحي للإله يتميز عن المفهوم التوراتي؛ لأنه لم يقصر اهتمام الإله على مجموعة معينة من البشر ترى أنها وحدها شعب الله المختار، وعلى الرغم من ذلك كان هناك جانب من الفكر المسيحي قلل في رأيه إمكانية تعميمه وصلاحيته لكل البشر، ألا وهو التمييز بين الروح والبدن. أي بين عالم الروح وعالم الشؤون الدنيوية، وبسبب تنائي المسيحية المبكر عن كل المحاولات التي تهدف إلى تأكيد أهمية المقاصد الدنيوية، كفت من قرون طويلة في أن تكون دافعاً أخلاقياً للحضارة الغربية، إن رسوخ الموقف التاريخي العتيق للكنيسة في التفريق بين ما للرب وما لقيصر؛ نتج عنه ترك الجانب الاجتماعي والاقتصادي يعاني فراغاً دينياً، وترتب على ذلك غياب الأخلاق في الممارسات الغربية السياسية والاقتصادية مع باقي دول العالم، ومثل ذلك إخفاقاً لتحقيق ما هدفت إليه رسالة المسيح أو أي دين آخر.
فالهدف الجوهري لأي دين هو تعليم البشر كيف يدركون ويشعرون، بل كيف يعيشون معيشة صحيحة وينظمون العلاقات المتبادلة بطريقة سوية عادلة، وإن إحساس الرجل الغربي أن الدين قد خذله جعله يفقد إيمانه الحقيقي بالمسيحية خلال قرون، وبفقدانه لإيمانه فَقَدَ اقتناعه بأن الكون والوجود تعبير عن قوة خلق واحدة، وبفقدان تلك القناعة عاش في خواء روحي وأخلاقي.
стр. 285
كان اقتناعه في شبابه المبكر أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده قد تبلور إلى اقتناع فكري بأن عبادة التقدم المادي ليست إلا بديلاً وهمياً للإيمان السابق بالقيم المجردة، وأن الإيمان الزائف بالمادة جعل الغربيين يعتقدون بأنهم سيقهرون المصاعب التي تواجههم حالياً، كانت جميع النظم الاقتصادية التي خرجت من معطف المادة علاجاً مزيفاً وخادعاً ولا تصلح لعلاج البؤس الروحي للغرب، كان التقدم المادي بإمكانه في أفضل الحالات شفاء بعض أعراض المرض إلا أن من المستحيل أن يعالج سبب المرض.
كانت أول علاقة له بفكرة الإسلام وهو يقضي أيام رحلته الأولى في القدس عندما رأى مجموعة من الناس يصلون صلاة الجماعة يقول: "أصابتني الحيرة حين شاهدت صلاة تتضمن حركات آلية، فسألت الإمام هل تعتقد حقاً أن الله ينتظر منك أن تظهر له إيمانك بتكرار الركوع والسجود؟ ألا يكون من الأفضل أن تنظر إلى داخلك وتصلي إلى ربك بقلبك وأنت ساكن؟ أجاب: بأي وسيلة أخرى تعتقد أننا يمكن أن نعبد الله؟ ألم يخلق الروح والجسد معاً؟ وبما أنه خلقنا جسداً وروحاً ألا يجب أن نصلي بالجسد والروح؟ ثم مضى يشرح المعنى من حركات الصلاة، أيقنت بعد ذلك بسنوات أن ذلك الشرح البسيط قد فتح لي أول باب للإسلام" [١٢٠] .
стр. 286
بعد هذه الحادثة بشهور كان يدخل الجامع الأموي في دمشق ويرى الناس يصلون، ويصف هذا المشهد "اصطف مئات المصلين في صفوف طويلة منتظمة خلف الإمام، ركعوا وسجدوا كلهم في توحد مثل الجنود، كان المكان يسوده الصمت يسمع المرء صوت الإمام من أعماق المسجد الجامع يتلو آيات القرآن الكريم، وحين يركع أو يسجد يتبعه كل المصلين كرجل واحد، أدركت في تلك اللحظة مدى قرب الله منهم وقربهم منه بدا لي أن صلاتهم لا تنفصل عن حياتهم اليومية بل كانت جزءاً منها، لا تعينهم صلاتهم على نسيان الحياة بل تعمقها أكثر بذكرهم لله، قلت لصديقي ومضيفي ونحن ننصرف من الجامع: ما أغرب ذلك وأعظمه! إنكم تشعرون أن الله قريب منكم، أتمنى أن يملأني أنا أيضاً ذلك الشعور، رد صاحبي: ما الذي يمكن أن نحسه غير ذلك والله يقول في كتابه العزيز: (ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) " [١٦٦] .
ويقول بعد ذلك:"تركت تلك الشهور الأولى التي عشتها في بلد عربي قطاراً طويلاً من الانعكاسات والانطباعات، لقد واجهت مغزى الحياة وجهاً لوجه وكان ذلك جديداً تماماً على حياتي، الأنفاس البشرية الدافئة تتدفق من مجرى دم أولئك الناس إلى أفكارهم بلا تمزقات روحية مؤلمة من عدم الاطمئنان والخوف والطمع والإحباط الذي جعل من الحياة الأوروبية حياة قبيحة وسيئة لا تعد بأي شيء " [١٣١] .
"أحسست بضرورة فهم روح تلك الشعوب المسلمة لأني وجدت لديهم تلاحماً عضوياً بين الفكر والحواس، ذلك التلاحم الذي فقدناه نحن الأوربيين، واعتقدت أنه من خلال فهم أقرب وأفضل لحياتهم يمكن أن أكتشف الحلقة المفقودة التي تسبب معاناة الغربيين وهي تأكل التكامل الداخلي للشخصية الأوروبية، لقد اكتشفت كنه ذلك الشيء الذي جعلنا نحن أهل الغرب ننأى عن الحرية الحقة بشروطها الموضوعية التي يتمتع بها المسلمون حتى في عصور انهيارهم الاجتماعي والسياسي" [١٣٢] .
стр. 287
"ما كنت أشعر به في البداية لا يعدو أكثر من تعاطف مع شكل الحياة العربية والأمان المعنوي الذي أحسبه فيما بينهم تحوّل بطريقة لا أدركها إلى ما يشبه المسألة الذاتية، زاد وعيي برغبة طاغية في معرفة كنه ذلك الشيء الذي يكمن في أسس الأمن المعنوي، والنفسي وجعل حياة العرب تختلف كلياً عن حياة الأوربيين، ارتبطت تلك الرغبة بشكل غامض بمشكلاتي الشخصية الدفينة، بدأت أبحث عن مداخل تتيح لي فهماً أفضل للشخصية العربية والأفكار التي شكلتهم وصاغتهم وجعلتهم يختلفون روحياً عن الأوروبيين، بدأت أقرأ كثيراً بتركيز في تاريخهم وثقافتهم ودينهم، وفي غمرة اهتمامي أحسست بأني قد توصلت إلى اكتشاف ما يحرك قلوبهم ويشغل فكرهم ويحدد لهم اتجاههم، أحسست أيضاً بضرورة اكتشاف القوى الخفية التي تحركني أنا ذاتي وتشكل دوافعي وتشغل فكري وتعدني أن تهديني السبيل" [١٣٢] ".
"قضيت كل وقتي في دمشق أقرأ من الكتب كل ما له علاقة بالإسلام، كانت لغتي العربية تسعفني في تبادل الحديث؛ إلا أنها كانت أضعف من أن تمكنني من قراءة القرآن الكريم، لذا لجأت إلى ترجمة لمعاني القرآن الكريم، أما ما عدا القرآن الكريم فقد اعتمدت فيه على أعمال المستشرقين الأوروبيين.
стр. 288
ومهما كانت ضآلة ما عرفت إلا أنه كان أشبه برفع ستار، بدأت في معرفة عالم من الأفكار كنت غافلاً عنه وجاهلاً به حتى ذلك الوقت، لم يبدُ لي الإسلام ديناً بالمعنى المتعارف عليه بين الناس لكلمة دين؛ بل بدا لي أسلوباً للحياة، ليس نظاماً لاهوتياً بقدر ما هو سلوك فرد، ومجتمع يرتكز على الوعي بوجود إله واحد، لم أجد في أي آية من آيات القرآن الكريم أي إشارة إلى احتياج البشر إلى الخلاص الروحي ولا يوجد ذكر لخطيئة أولى موروثة تقف حائلاً بين المرء وقدره الذي قدره الله له، ولا يبقى لابن آدم إلا عمله الذي سعى إليه، ولا يوجد حاجة إلى الترهب والزهد لفتح أبواب خفية لتحقيق الخلاص، الخلاص حق مكفول للبشر بالولادة، والخطيئة لا تعني إلا ابتعاد الناس عن الفطرة التي خلقهم الله عليها، لم أجد أي أثر على الثنائية في الطبيعة البشرية فالبدن والروح يعملان في المنظور الإسلامي كوحدة واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
أدهشني في البداية اهتمام القرآن الكريم ليس بالجوانب الروحية فقط بل بجوانب أخرى غير مهمة من الأمور الدنيوية، ولكن مع مرور الوقت بدأت أدرك أن البشر وحدة متكاملة من بدن وروح، وقد أكد الإسلام ذلك، لا يوجد وجه من وجوه الحياة يمكن أن نعده مهمشاً؛ بل إن كل جوانب حياة البشر تأتي في صلب اهتمامات الدين، لم يدع القرآن الكريم المسلمين ينسون أن الحياة الدنيا ليست إلا مرحلة في طريق البشر نحو تحقيق وجود أسمى وأبقى وأن الهدف النهائي ذو سمة روحية، ويرى أن الرخاء المادي لا ضرر منه إلا أنه ليس غاية في حد ذاته، لذلك لا بد أن تُقنن شهية الإنسان وشهواته وتتم السيطرة عليها بوعي أخلاقي من الفرد، هذا الوعي لا يوجه إلى الله فقط؛ بل يوجه أيضاً إلى البشر فيما بينهم، لا من أجل الكمال الديني وحده بل من أجل خلق حالة اجتماعية تؤدي إلى تطور وعي للمجتمع بأكمله حتى يتمكن من أن يحيا حياة كاملة.
стр. 289
نظرت إلى كل تلك الجوانب الفكرية والأخلاقية بتقدير وإجلال، كان منهجه في تناول مشكلات الروح أعمق كثيراً من تلك التي وجدتها في التوراة، هذا عدا أنه لم يأت لبشر دون بشر ولا لأمة بذاتها دون غيرها، كما أن منهجه في مسألة البدن بعكس منهج الإنجيل منهج إيجابي لا يتجاهل البدن، البدن والروح معاً يكونان البشر كتوأمين متلازمين، سألت: ألا يمكن أن يكون ذلك المنهج هو السبب الكامن وراء الإحساس بالأمن والتوازن الفكري والنفسي الذي يميز العرب والمسلمين" [١٦٦-١٦٨] .
(٢)
بعد أن غادر سوريا بقي شهوراً في تركيا في طريق عودته إلى أوربا لتنتهي رحلته الأولى إلى العالم الإسلامي.
"بدأت انطباعاتي عن تركيا تفقد حيويتها وأنا في القطار المتوجه إلى فينا وما ظل راسخاً هو الثمانية عشر شهراً التي قضيتها في البلاد العربية، صدمني إدراكي أني أتطلع إلى المشاهد الأوروبية التي اعتدتها بعيني من هو غريب عنها، بدا الناس في نظري في غاية القبح وحركاتهم خالية من الرقة، ولا علاقة مباشرة بين حركاتهم وما يدرونه ويشعرون به، أدركت فجأة أنه على الرغم من المظاهر التي تنبئ بأنهم يعرفون ما يريدون إلا أنهم لا يعرفون أنهم يحيون في عالم الإدعاء والتظاهر، اتضح لي أن حياتي بين العرب غيرت منهجي ورؤيتي لما كنت أعده مهماً وضرورياً للحياة، تذكرت بشيء من الدهشة أن أوربيين آخرين قد مروا بتجارب حياتية مع العرب وعايشوهم أزماناً طويلة فكيف لم تعترهم دهشة الاكتشاف كما اعترتني، أم أن ذلك قد وقع لهم أيضاً؟ هل اهتز أحدهم من أعماقه كما حدث لي " [١٧٨-١٧٩] .
стр. 290
"توقفت بضعة أسابيع في فينا واحتفلت بتصالحي مع أبي الذي سامحني على ترك دراستي الجامعية ومغادرتي منزل الأسرة بتلك الطريقة الفجة، على أي حال كنت مراسلاً لجريدة (فرانكفوتر ذيتونج) وهو اسم يلقى التقدير والتبجيل في وسط أوربا في ذلك الوقت، وهكذا حققت في نظره مصداقية ما زعمت له قبل ذلك من أني سأحقق ما أصبو إليه وأصل إلى القمة" [١٧٩] .
"رحلت بعد ذلك من فينا مباشرة إلى فرانكفورت لأقدم نفسي شخصياً إلى الصحفية التي كنت أمثلها في الخارج على مدى عام، كنت في طريقي إليها وأنا أشد ثقة بنفسي فالرسائل التي كنت أتلقاها من فرانكفورت أظهرت لي أن مقالاتي كانت تلقى كل التقدير والترحيب" [١٨٠] .
"أن أكون عضواً عاملاً في مثل تلك الصحيفة كان مصدر فخر واعتزاز لشاب في مثل سني، وعلى الرغم من أن مقالاتي عن الشرق الأوسط قوبلت باهتمام شديد من قبل جميع المحررين إلا أن نصري الكامل تحقق في اليوم الذي كلفت فيه أن أكتب مقالاً افتتاحياً بالصحيفة عن مشكلة الشرق الأوسط" [١٨٢] .
"كان من نتائج عملي في جريدة (فرانكفوتر ذيتونج) النضج المبكر لتفكيري الواعي، كما نتجت عنه رؤية ذهنية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، فبدأت في مزج خبرتي بالشرق بعالم الغرب الذي أصبحت جزءاً منه من جديد، منذ عدة شهور مضت اكتشفت العلاقة بين الاطمئنان النفسي والعاطفي السائد في نفوس العرب وعقيدة الإسلام التي يؤمنون بها، كما بدأ يتبلور في ذهني أن نقص التكامل النفسي الداخلي للأوروبيين وحالة الفوضى اللاأخلاقية التي تسيطر عليهم قد تكون ناتجة من عدم وجود إيمان ديني قد تكونت الحضارة الغربية في غيابه، لم ينكر المجتمع الغربي الإله إلا أنه لم يترك له مكاناً في أنساقه الفكرية" [١٨٢] .
بعد عودته إلى أوروبا من رحلته كان يحس بالملل إحساس من أجبر على التوقف قبل التوصل إلى كشف عظيم سيميط عن نفسه الحجب لو أتيح له مزيد من الوقت.
стр. 291
كان يتوق إلى العودة إلى الشرق مرة أخرى، وقد تحقق له ما أراد إذ إن رئيس تحرير الجريدة الدكتور هنري سيمون –الذي كان في ذلك الوقت مشهوراً في أرجاء العالم- قد رأى فيه مراسلاً صحفياً واعداً فوافق بحماس على عودته إلى الشرق الأوسط بسرعة.
(٣)
عاد إلى الشرق ليقضي عامين آخرين بين مصر وبلاد الشام والعراق وإيران وأفغانستان، عاد من أوروبا وفي ذهنه صورة عن عالم الغرب ظلت تزداد في ذهنه مع الأيام رسوخاً وثباتاً، عبّر عن هذه الصورة فيما يأتي: "لاحقاً إن الإنسان الغربي قد أسلم نفسه لعبادة الدجال، لقد فقد منذ وقت طويل براءته، وفقد كل تماسك داخلي مع الطبيعة، لقد أصبحت الحياة في نظره لغزاً، إنه مرتاب شكوك ولذا فهو منفصل عن أخيه، ينفرد بنفسه، ولكي لا يهلك في وحدته هذه فإن عليه أن يسيطر على الحياة بالوسائل الخارجية، وحقيقة كونه على قيد الحياة لم تعد وحدها قادرة على أن تشعره بالأمن الداخلي، ولذا فإن عليه أن يكافح دائماً وبألم في سبيل هذا الأمن من لحظة إلى أخرى، وبسبب من أنه فقد كل توجيه ديني وقرر الاستغناء عنه فإن عليه أن يخترع لنفسه باستمرار حلفاء ميكانيكيين، من هنا نما عنده الميل المحموم إلى التقنية والتمكن من قوانينها ووسائلها، إنه يخترع كل يوم آلات جديدة ويعطي كلاً منها بعض روحه كيما تنافح في سبيل وجوده، وهي تفعل ذلك حقاً، ولكنها في الوقت نفسه تخلق له حاجات جديدة، ومخاوف جديدة وظمأ لا يُروى إلى حلفاء جدد آخرين أكثر اصطناعية، وتضيع روحه في ضوضاء الآلة الخانقة التي تزداد مع الأيام قوة وغرابة، وتفقد الآلة غرضها الأصلي – أي أن تصون وتغني الحياة الإنسانية- وتتطور إلى صنم بذاته، صنم فولاذ، ويبدو أن كهنة هذا المعبود والمبشرين به غير مدركين أن سرعة التقدم التقني الحديث ليست نتيجة لنمو المعرفة الإيجابي فحسب؛ بل لليأس الروحي أيضاً. وأن الانتصارات المادية العظمى التي يعلن الإنسان الغربي أنه بها يستحق
стр. 292
السيادة على الطبيعة هي في صميمها ذات صفة دفاعية؛ فخلف واجهتها البراقة يكمن الخوف من الغيب، إن الحضارة الغربية لم تستطع حتى الآن أن تقيم توازناً بين حاجات الإنسان الجسيمة والاجتماعية وبين أشواقه الروحية، لقد تخلت عن آداب دياناتها السابقة دون أن تتمكن أن تخرج من نفسها أي نظام أخلاقي آخر – مهما كان نظرياً- يخضع نفسه للعقل، بالرغم من كل ما حققته من تقدم ثقافي؛ فإنها لم تستطع حتى الآن التغلب على استعداد الإنسان الأحمق للسقوط فريسة لأي هتاف عدائي أو نداء للحرب مهما كان سخيفاً باطلاً يخترعه الحاذقون من الزعماء.. الأمم الغربية وصلت إلى درجة أصبحت معها الإمكانات العلمية غير المحدودة تصاحب الفوضى العملية، وإذا كان الغربي يفتقر إلى توجيه ديني حاذق فإنه لا يستطيع أن يفيد أخلاقياً من ضياء المعرفة الذي تسكبه علومه وهي لا شك عظيمة، إن الغربيين – في عمى وعجرفة- يعتقدون عن اقتناع أن حضارتهم هي التي ستنير العالم وتحقق السعادة، وأن كل المشاكل البشرية يمكن حلها في المصانع والمعامل وعلى مكاتب المحللين الاقتصاديين والإحصائيين، إنهم بحق يعبدون الدجال" [٣٧٣] .
في هذه الرحلة الثانية أمكنة أن يتقن اللغة العربية ولذلك فبدل أن ينظر إلى الإسلام بعين غيره من المستشرقين ومترجمي القرآن غير المسلمين صار في إمكانه أن ينظر إلى الإسلام في تراثه الثقافي كما هو، لم يعد على اعتقاده السابق استحالة أن يتفهم الأوروبي بوعي العقلية الإسلامية، أيقن أنه لو تحرر المرء تماماً من عاداته التي نشأ عليها ومناهجها الفكرية وتقبل مفهوم أنها ليست بالضرورة الأساليب الصحيحة في الحياة لأمكن أن يفهم ما يبدو غريباً في نظرة عن الإسلام، كانت فكرته عن الإسلام تتطور وتنمو طوال هذه الرحلة الثانية التي أمكنه فيها أن يختلط بالشعوب ويناقش العلماء، يتصل بالزعماء.
стр. 293
"كان التفكير في الإسلام يشغل ذهني إن الأمر بدا لي في ذلك الوقت رحلة لاستكشاف ما أجهله من تلك المناطق، كان كل يوم يمر يضيف إلى معارف جديدة، ويطرح أسئلة جديدة لأجد إجاباتها تأتي من الخارج جميعها أيقظت شيئاً ما كان نائماً في أعماقي، وكلما نمت معارفي عن الإسلام كنت أشعر مرة بعد أخرى أن الحقائق الجوهرية التي كانت كامنة في أعماقي من دون أن أعي وجودها بدأت تنكشف تدريجياً ويتأكد تطابقها مع الإسلام" [٢٥٥] .
كان اليقين ينمو في داخلة بأنه يقترب من إجابة نهائية عن أسئلته، بتفهمه لحياة المسلمين كان يقترب يومياً من فهم أفضل للإسلام؛ وكان الإسلام دائماً مسيطراً على ذهنه " لا يوجد في العالم بأجمعه ما يبعث في نفسي مثل تلك الراحة التي شعرت بها والتي أصبحت غير موجودة في الغرب ومهددة الآن بالضياع والاختفاء من الشرق، تلك الراحة وذلك الرضا اللذان يعبران عن التوافق الساحر بين الذات الإنسانية والعالم الذي يحيط بها" [٢٣٨] .
بهذه الروح من التسامح تجاه الآخر استطاع بسهولة أن يتخلص من انخداع الرجل الغربي وإساءته فهم الإسلام بسبب ما يراه من تخلف وانحطاط في العالم الإسلامي.
"الآراء الشائعة في الغرب عن الإسلام [تتلخص] فيما يأتي: (انحطاط المسلمين ناتج عن الإسلام، وأنه بمجرد تحررهم من العقيدة الإسلامية وتبني مفاهيم الغرب وأساليب حياتهم وفكرهم؛ فإن ذلك سيكون أفضل لهم وللعالم) ، إلا أن ما وجدته من مفاهيم وما توصلت إلى فهمه من مبادئ الإسلام وقيمه أقنعني أن ما يردده الغرب ليس إلا مفهوماً مشوهاً للإسلام ... اتضح لي أن تخلف المسلمين لم يكن ناتجاً عن الإسلام، ولكن لإخفاقهم في أن يحيوا كما أمرهم الإسلام.. لقد كان الإسلام هو ما حمل المسلمين الأوائل إلى ذراً فكرية وثقافية سامية" [٢٤٣-٢٤٤] .
стр. 294
"وفر الإسلام باختصار حافزاً قوياً إلى التقدم المعرفي والثقافي والحضاري الذي أبدع واحدة من أروع صفحات التاريخ الإنساني، وقد وفر ذلك الحافز مواقف إيجابية عندما حدد في وضوح: "نعم للعقل ولا لظلام الجهل، نعم للعمل والسعي ولا للتقاعد والنكوص. نعم للحياة ولا للزهد والرهبنة". ولذلك لم يكن عجباً أن يكتسب الإسلام أتباعاً في طفرات هائلة بمجرد أن جاوز حدود بلاد العرب، فقد وجدت الشعوب التي نشأت في أحضان مسيحية القديس بولس والقديس أوجستين ... ديناً لا يقر عقيدة ومفهوم الخطيئة الأولى.. ويؤكد كرامة الحياة البشرية، ولذلك دخلوا في دين الله أفواجاً، جميع ذلك يفسر كيفية انتصار الإسلام وانتشاره الواسع والسريع في بداياته التاريخية ويفند مزاعم من روجوا أنه انتشر بحد السيف [٢٤٦] .
وكان ذكاؤه الحاد ونفاذ بصيرته، ونهمه إلى الاطلاع على التراث الفكري للمسلمين، يعمق معرفته بالإسلام فيبصره على حقيقته " كانت صرة نهائية متكاملة عن الإسلام تتبلور في ذهني، كان يدهشني في أوقات كثيرة أنها تتكون داخلي بما يشبه الارتشاح العقلي والفكري، أي أنها تتم من دون وعي وإرادة مني، كانت الأفكار تتجمع ويضمها ذهني بعضها إلى بعض في عملية تنظيم ومنهجة لكل الشذرات من المعلومات التي عرفتها عن الإسلام. رأيت في ذهني عملاً عمرانياً متكاملاً تتضح معالمه رويداً رويداً بكل ما تحتويه من عناصر الاكتمال، وتناغم الأجزاء والمكونات مع الكل المتكامل في توازن لا يخل جزء من بآخر، توازن مقتصد بلا خلل، ويشعر المرء أن منظور الإسلام ومسلماته كلها في موضعها الملائم الصحيح من الوجود" [٣٨١] .
стр. 295
"كانت أهم صفة بارزة لحضارة الإسلام وهي الصفة التي انفردت بها عن الحضارات البشرية السابقة أو اللاحقة أنها منبثقة من إرادة حرة لشعوبها، لم تكن مثل حضارات سابقة وليدة قهر وضغط وإكراه وتصارع إرادات وصراع مصالح، ولكنها كانت جزءاً وكلاً من رغبة حقيقية أصيلة لدى جميع المسلمين مستمدة من إيمانهم بالله وما حثهم عليه من إعمال فكر وعمل، لقد كانت تعاقداً اجتماعياً أصيلاً لا مجرد كلام أجوف يدافع به جيل تالٍ عن امتيازات خاصة بهم ... لقد تحققت أن ذلك العقد الاجتماعي الوحيد المسجل تاريخياً تحقق فقط على مدى زمني قصير جداً، أو على الأصح أنه على مدى زمني قصير تحقق العقد على نطاق واسع، ولكن بعد أقل من مائة سنة من وفاة الرسول – ﷺ بدأ الشكل النقي الأصيل للإسلام يدب فيه الفساد، وفي القرون التالية بدأ المنهج القويم يزاح إلى الخلفية.. لقد حاول المفكرون الإسلاميون أن يحفظوا نقاء العقيدة؛ إلا أن من أتوا بعدهم كانوا أقل قدرة من سابقيهم، وتقاعسوا عن الاجتهاد ... وتوقفوا عن التفكير المبدع والاجتهاد الخلاق ... كانت القوة الدافعة الأولى للإسلام كافية لوضعه في قمة سامية من الرقي الحضاري والفكري.. وهذا ما دفع المؤرخين إلى وصف تلك المرحلة بالعصر الذهبي للإسلام، إلا أن القوة الدافعة قد ماتت لنقص الغذاء الروحي الدافع لها وركدت الحضارة الإسلامية عصراً بعد عصر لافتقاد القوة الخلاقة المبدعة، لم يكن لدي أوهام عن الحالة المعاصرة للعالم الإسلامي، بينتْ الأعوام الأربعة التي قضيتها في مجتمعات إسلامية أن الإسلام مازال حياً وأن الأمة الإسلامية متمسكة به بقبول صامت لمنهجه وتعاليمه؛ إلا أن المسلمين كانوا مشلولين غير قادرين على تحويل إيمانهم إلى أفعال مثمرة، إلا أن ما شغلني أكثر من إخفاق المسلمين المعاصرين في تحقيق منهج الإسلام الإمكانيات المتضمنة في المنهج ذاته، كان يكفيني أن أعرف أنه خلال مدى زمني قصير..
стр. 296
كانت هناك محاولة ناجحة لتطبيق هذا المنهج، وما أمكن تحقيقه في وقت ما؛ يمكن تحقيقه لاحقاً، ما كان يهمني- كما فكرت في داخلي- أن المسلمين شردوا عن التعليمات الأصلية للدين ... ما الذي حدث وجعلهم يبتعدون عن المثاليات التي علمهم إياها الرسول – ﷺ منذ ثلاثة عشر قرناً مضت ما دامت تلك التعليمات لا تزال متاحة لهم إن أرادوا الاستماع إلى ما تحمله من رسالة سامية؟ بدا لي كلما فكرت أننا نحن في عصرنا الحالي نحتاج إلى تعاليم تلك الرسالة أكثر من هؤلاء الذين عاشوا في عصر محمد – ﷺ ، لقد عاشوا في بيئات وظروف أبسط كثيراً مما نعيش فيه الآن، ولذلك كانت مشكلاتهم أقل بكثير من مشكلاتنا ... العالم الذي كنت أحيا فيه – كله- كان يتخبط لغياب أي رؤية عامة لما هو خير وما هو شر ... لقد أحسست بيقين تام.. أن مجتمعنا المعاصر يحتاج إلى أسس فكرية عقائدية توفر شكلاً من أشكال التعاقد بين أفراده، وأنه يحتاج إلى إيمان يجعله يدرك خواء التقدم المادي من أجل التقدم ذاته، وفي الوقت نفسه يعطي للحياة نصيبها. إن ذلك سيدلنا ويرشدنا إلى كيفية تحقيق التوازن بين احتياجاتنا الروحية والبدنية، وإن ذلك سينقذنا من كارثة محققة نتجه إليها بأقصى سرعة ... في تلك الفترة من حياتي شغلت فكري مشكلة الإسلام كما لم يشغل ذهني شيء آخر من قبل، قد تجاوزت مرحلة الاستغراق الفكري والاهتمام العقلي بدين وثقافة غربيين، لقد تحول اهتمامي إلى بحث محموم عن الحقيقة" [٣٨٠-٣٨٦] .
стр. 297
لقد صار في إمكانه أن يميز بين ما هو الإسلام وما هو غريب عنه في تصورات المسلمين وسلوكهم في رحلته الأولى رأى حلقة ذكر يقيمها الصوفية في أحد مساجد " سكوتاري" في تركيا ويصفها بهذه العبارات " كانوا يقفون في محيط واحد فاستداروا في نصف دورة ليقابل كل واحد منهم الآخر أزواجاً، كانوا يعقدون أذرعهم على صدورهم وينحنون انحناءة شديدة وهم يستديرون بجذوعهم في نصف دائرة.. في اللحظة التالية [كانوا] يقذفون أذرعهم في الاتجاه المعاكس الكف اليمنى ترتفع والكف اليسرى تنزل إلى الجانب، وتخرج من حلوقهم مع كل نصف انحناءه واستدارة أصوات مثل غناء هامس "هو" ثم يطرحون رؤوسهم للخلف مغمضين أعينهم ويجتاح ملامحهم تقلص ناعم، ثم تتصاعد وتتسارع إيقاعات الحركة وترتفع الجلاليب لتكون دائرة متسعة حول كل درويش مثل دوامات البحار ... تحولت الدائرة إلى دوامات، اجتاحهم الانهماك، وشفاههم تكرز بلا نهاية (هو، هو) " [٢٥١] .
стр. 298
وفي الرحلة الثانية يتذكر حلقة الذكر هذه ويعلق عليها "اتضحت في ذهني معاني لم تبد لي عندما شاهدت حلقة الذكر [في سكوتاري] ، كان ذلك الطقس الديني لتلك الجماعة- وهي واحدة من جماعات كثيرة شاهدتها في مختلف البلاد الإسلامية – لا يتفق مع صورة الإسلام التي كانت تتبلور في ذهني.. تبين لي أن تلك الممارسات والطقوس دخيلة على الإسلام من جهات ومصادر غير إسلامية، لقد شابت تأملات المتصوفة وأفكارهم أفكار روحية هندية ومسيحية، مما أضفى على بعض ذلك التصوف مفاهيم غربية عن الرسالة التي جاء بها النبي – ﷺ ، أكدت رسالة النبي – ﷺ أن السببية العقلية هي السبيل للإيمان الصحيح بينما تبتعد التأملات الصوفية وما يترتب عليها [من سلوك] عن ذلك المضمون، والإسلام قبل أي شيء مفهوم عقلاني لا عاطفي ولا انفعالي، الانفعالات مهما تكن جياشة معرضة للاختلاف والتباين باختلاف رغبات الأفراد وتباين مخاوفهم بعكس السببية العقلية، كما أن الانفعالية غير معصومة بأي حال" [٢٥٣] .
стр. 299
كتب بعد ذلك بسنوات " (لقد بدا لي الإسلام مثل تكوين هندسي محكم البناء) كل أجزائه قد صيغت ليكمل بعضها البعض وليدعم بعضها بعضاً، ليس فيها شيء زائد عن الحاجة وليس فيها ما ينقص عنها، وناتج ذلك كله توازن مطلق وبناء محكم، ربما كان شعوري بأن كل ما في الإسلام من تعاليم وضع موضعه الصحيح هو ما كان له أعظم الأثر علي، لقد سعيت بجد إلى أن أتعلم عن الإسلام كل ما أستطيع أن أتعلمه، درست القرآن وأحاديث النبي، درست لغة الإسلام وتاريخه وقدراً كبيراً مما كتب عن الإسلام، وما كتب ضده، أقمت ست سنوات تقريباً في نجد والحجاز ومعظمها في مكة والمدينة بغرض أن اتصل مباشرة بيئة الإسلام الأصلية، وبما أن المدينتين كانتا مكان اجتماع المسلمين من مختلف الأقطار فقد تمكنت من الاطلاع على مختلف الآراء الدينية والاجتماعية السائدة حالياً في العالم الإسلامي، وكل هذه الدراسات والمقارنات خلقت لدي اعتقاداً راسخاً أن الإسلام كظاهرة روحية واجتماعية لا يزال أقوى قوة دافعة عرفها البشر رغم كل مظاهر التخلف التي خلفها ابتعاد السلمين عن الإسلام.
Islam At The Crossroads ED.١٩٨٢-١٢
(٤)
طوال العامين اللذين قضاهما في رحلته الثانية في العالم الإسلامي كان بعقله ومعلوماته يتقدم بسرعة في الطريق إلى الإسلام، لقد وعى ذلك وهو يعدو بجواده فوق جبال إيرانية مغطاة بالثلج الأبيض"بدا العالم كله مبسوطاً أمامي في رحابية لا تنتهي، بدا شفافاً في عيني كما لم يبد من قبل، رأيت نمطه الداخلي الخفي، وأحسست بنبضه الدفين في تلك الأصقاع البيضاء الخالية، واندهشت من خفاء ذلك عليّ منذ دقيقة مضت، وأيقنت أن كل الأسئلة التي تبدو بلا إجابة ماثلة أمامنا في انتظار أن ندركها، بينما نحن – الحمقى المساكين- نطرح الأسئلة وننتظر أن تفتح الأسرار الإلهية نفسها لنا بينما تنتظر تلك الأسرار أن نفتح نحن أنفسنا لها.
стр. 300
مر أكثر من عام بين انطلاقي المجنون على جوادي فوق الجليد والبرد قبل أن اعتنق الإسلام، ولكن حتى في ذلك الوقت قبل إسلامي كنت أنطلق- دون أن أعي ذلك- في خط مستقيم كمسار السهم المنطلق باتجاه مكة المكرمة" [٢٧٤-٢٧٥] .
"كنت في طريقي من مدينة هراة إلى مدينة كابل ... توجهنا إلى قرية ده زانجي، جلسنا في اليوم التالي حول غداء وافر كالمعتاد [في بيت الحاكم] بعد الغداء قام رجل من القرية بالترفيه عنا ...
غنى على ما أذكر عن معركة داود وجالوت، عن الإيمان عندما يواجه قوة غاشمة ... علق الحاكم في نهاية الأغنية قائلاً: " كان داود صغيراً إلا أن كان إيمانه كان كبيراً" فلم أتمالك نفسي وقلت باندفاع: " وأنتم كثيرون وإيمانكم قليل"، نظر إليّ مضيفي متعجبًا؛ فخجلت مما قلت من دون أن أتمالك نفسي، وبدأت بسرعة في توضيح ما قلت واتخذ تفسيري شكل أسئلة متعاقبة كسيل جارف، قلت:" كيف حدث أنكم معشر المسلمين فقدتم الثقة بأنفسكم تلك الثقة التي مكنتكم من نشر عقيدتكم في أقل من مئة عام حتى المحيط الأطلسي.. وحتى أعماق الصين، والآن تستسلمون بسهولة وضعف إلى أفكار الغرب وعاداته؟ لماذا لا تستجمعون قوتكم وشجاعتكم لاستعادة إيمانكم الفعلي، كيف يصبح أتاتورك ذلك المتنكر التافه الذي ينكر كل قيمة للإسلام، رمزاً لكم في الإحياء والنهوض والإصلاح؟ ".
ظل مضيفي صامتاً.. كان الثلج قد بدأ في التساقط خارجاً، وشعرت مرة أخرى بموجة من الأسى مختلطة مع تلك السعادة الداخلية التي شعرت بها ونحن نقترب من ده زانجي أحسست بالعظمة التي كانت عليها تلك الأمة، وبالخزي الذي يغلف ورثتها المعاصرين.
أردفت مكملاً أسئلتي " قل لي كيف دفن علماؤكم الإيمان الذي أتي به نبيكم بصفائه ونقائه؟ كيف حدث أن نبلاءكم وكبار ملاك أراضيكم يغرقون في ملذات بينما يغرق أغلب المسلمين في الفقر.. مع أن نبيكم علمكم أنه لا يؤمن أحدكم أن يشبع وجاره جائع؟.
стр. 301
هل يمكن أن تفسر لي كيف دفعتم النساء إلى هامش الحياة مع أن النساء في حياة الرسول – ﷺ والصحابة ساهمن في شؤون حياة أزواجهن؟ كان مضيفي مازال يحملق فيّ دون كلمة، وبدأت أعتقد أن انفجاري ربما سبب له ضيقاً، في النهاية جذب الحاكم ثوبه الأصفر الواسع وأحكمه حول جسمه.. ثم همس " ولكن أنت مسلم" ضحكت وأجبته" كلا لست مسلماً ولكني رأيت الجوانب العظيمة في رسالة الإسلام مما يجعلني أشعر بالغضب وأنا أراكم تضيعونه، سامحني إن تحدثت بحدة، أنا لست عدواً على أي حال " إلا أن مضيفي هز رأسه قائلاً: " كلا أنت كما قلت لك مسلم إلا أنك لا تعلم ذلك، لماذا لا تعلن الآن هنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وتصبح مسلماً بالفعل بدلاً من أن تكون مسلماً بقلبك فقط " قلت له: " لو قلتها في أي وقت فسأقولها عندما يستقر فكري عليها ويستريح لها " استمر إصرار الحاكم: ولكنك تعرف عن الإسلام أكثر مما يعرفه أي واحد منا، ما الذي لم تعرفه أو تفهمه بعد؟ " قلت له: " الأمر ليس مسألة فهم بل أن أكون مقتنعاً، أن أقتنع أن القرآن الكريم هو كلمة الله، وليس ابتداعاً ذكياً لعقلية بشرية عظيمة" ولم تمح كلمات صديقي الأفغاني من ذهني على مدى شهور طويلة" [٣٧٥-٣٧٦] .
(٥)
بعد شهور من هذه الحادثة كان ينطق بالشهادة أمام رئيس رابطة المسلمين في برلين كان قد رجع إلى أوروبا من رحلته الثانية التي استغرقت عامين من التجوال في العالم الإسلامي فعرف أن اسمه أصبح من الأسماء المعروفة.. وأنه أصبح واحداً من أشهر مراسلي الصحف وسط أوروبا، بعض مقالاته لقيت ما يفوق الاعتراف بأهميتها، وتلقى دعوة لإلقاء سلسلة من المحاضرات في أكاديمية الجغرافيا السياسية في برلين، ولم يحدث كما قيل أن رجلاً في مثل سنه (السادسة والعشرين) قد حقق ذلك التميز، وأعيد نشر مقالاته الأخرى في صحف كثيرة حتى إن واحدة من تلك المقالات نشرت في ثلاثين مطبوعة مختلفة.
стр. 302
ولكن بعد عودته واتصاله من جديد بأصدقاء الفكر والثقافة في برلين، ومناقشته معهم قضية الإسلام، أحس أنه وإياهم لم يعودوا يتحدثون من المنطلقات الفكرية نفسها، شعر بأن من يرون منهم أن الأديان القديمة أصبحت شيئاً من الماضي وهم الأغلبية ومن كانوا لا يرفضون الأديان رفضاً كلياً، كانوا كلهم يميلون بلا سبب إلى تبني المفهوم الغربي الشائع الذي يرى أن الإسلام يهتم بالشؤون الدينية وتنقصه الروحانيات التي يتوقع المرء أن يجدها في أي دين "ما أدهشني بالفعل أن اكتشف أن ذلك الجانب من الإسلام هو ما جذبني إليه من أول لحظة وهو عدم الفصل بين الوجود المادي والوجود الروحي للبشر، وتأكيد السببية العقلية سبيلاً للإيمان، وهو الجانب ذاته الذي يعترض عليه مفكروا أوروبا الذين يتبنون السببية العقلية منهجاً للحياة، ولا يتخلون عن ذلك المنهج العقلاني إلا عندما يرد ذكر الإسلام، لم أجد أي فرق بين الأقلية المهتمة بالأديان والأغلبية التي ترى أن الدين أصبح من المفاهيم البالية التي عفا عليها الزمن، أدركت مع الوقت مكمن الخطأ في منهج كل منهما، أدركت أن مفاهيم من تربوا في أحضان الأفكار المسيحية في أوروبا ... تبنوا مفهوماً يسود بينهم جميعاً، فمع طول تعود أوروبا نسق التفكير المسيحي تعلّم حتى اللادينيين أن ينظروا إلى أي دين آخر من خلال عدسات مسيحية فيرون أي فكر ديني صالحاً لأن يكون ديناً إذا غلفته مسحة غامضة خارقة للطبيعة تبدو خافية وفوق قدرة العقل البشري على استيعابها، ومن منظورهم لم يف الإسلام بتلك المتطلبات.. كنت أوقن بأني في طريقي إلى الإسلام وجعلني تردد اللحظة الأخيرة أؤجل الخطوة النهائية التي لا مفر منها، كانت فكرة اعتناق الإسلام تمثل لي عبور قنطرة فوق هاوية تفصل بين عالمين مختلفين تماماً قنطرة طويلة حتى إن المرء عليه أن يصل إلى نقطة اللاعودة أولاً قبل أن يتبين الطرف الآخر للقنطرة، كنت أعي أني لو اعتنقت الإسلام لاضطررت
стр. 303
إلى خلع نفسي نهائياً من العالم الذي ولدت ونشأت فيه، لم تكن هناك حلول أخرى، فلم يكن ممكناً لامرئ مثلي أن يتبع دعوة محمد – ﷺ ويظل بعدها محتفظاً بروابطه مع مجتمع يتصف بثنائية المفاهيم المتعارضة والمتناقضة، كان سؤالي الأخير الذي كنت متردداً أمامه هو: هل الإسلام رسالة من عند الله أم أنه حصيلة حكمة رجل عظيم؟ " [٢٨٧-٢٨٩] .
ولم يمكث غير بعيد حتى جاءت الإجابة، لقد اتصل من جديد بحياة الغرب مباشرة، ورأى مبلغ التعاسة والشقاء الذي يعانيه الغربيون ولكنهم لا يعونه أو لا يعون سببه، كان في القطار مع زوجته، وشغل نفسه بالتطلع إلى وجوه الناس "بدأت أتطلع حولي إلى الوجوه.. كانت جميعاً وجوهاً تنتمي إلى طبقة تنعم بلبس ومأكل جيدين ولكنها كانت تشي بتعاسة داخلية عميقة ومعاناة واضحة على الملامح تعاسة عميقة حتى إن أصحابها لم يدركوا ذلك.. كنت أوقن بأنهم غير واعين وإلا لما استمروا في إهدار حياتهم على هذا المنوال من دون أي تماسك داخلي ومن دون هدف أسمى من مجرد تحسين معيشتهم ومن دون أمل يزيد على الاستحواذ المادي الذي من الممكن أن يحقق لهم مزيداً من السيطرة" [٢٩٠] .
جاءت الإجابة حين قرأ القرآن فور عودته إلى بيته – وكانت تلك التجربة التي مر بها في القطار لا تزال حية في تفكيره.
"وقفت لحظات مشدوها وأنا أحبس أنفاسي، وأحسست أن يدي ترتجفان، فقد كان القرآن يتضمن الإجابة.. إجابة حاسمة قضت على شكوكي كلها وأطاحت بها بلا رجعة، أيقنت يقيناً تاماً أن القرآن.. من عند الله" [٢٩١] .
(٦)
بعد إسلامه بست سنوات كان يقطع الصحراء الكبرى قادماً من " قصر عثيمين" على الحدود السعودية العراقية وقاصداً مكة، كانت رحلة مليئة بالمفاجأة والمغامرة لقد أشرف فيها على الموت.
وكتب كتابه " الطريق إلى مكة " يقص فيه التفاصيل المثيرة لهذه الرحلة، ويقص معها تفاصيل رحلة أخرى رحلة روحه إلى مكة، رحلتها إلى الإسلام.
стр. 304
كل ما سبق من معلومات واقتباسات أخذ من هذه القصة الرائعة.
المصدر: الإسلام اليوم
٤٧-الأستاذة الجامعية الدكتورة الروسية آلا أولينيكوفا
أنا روسية، ولدت في مدينة (لينين غراد) – ميناء لينين – ذلك الشيوعي الذي قتل آلاف المسلمين في الجمهوريات المسلمة في الاتحاد السوفييتي السابق.
تعلمت وواصلت الدراسة في أسرة فقيرة لم يكن لها من زاد سوى صيد الأسماك التي عمل بها والدي من قديم.
درست الطب في موسكو وتخرجت، ثم حصلت على الماجستير فالدكتوراه، ودرست بعدها في جامعات موسكو وكييف ولينين غراد.
حياتي في ظل الشيوعية كانت سيئة جدا، لا تتفق وفطرة الإنسان في العيش بحرية وأمان ورفاه.
كنت في داخلي ثائرة على الوضع، لكنني لم أكن أستطيع الكلام، مثل سائر الناس، وإلا كان المصير هو القتل، أو النفي لسيبيريا، أو السجن أو التعذيب.
كانت حياتنا جحيما مستعرا، ظلما واستعبادا وقهرا، وإجبارا على حياة لا توافق فطرة البشر، ومنعا من العبادة، وإجبارا على الكفر والإلحاد.
نحن نعلم عن الإسلام أكثر مما يعرفه الغربيون لأسباب أهمها قربنا من المجتمعات المسلمة، ولأن الاتحاد السوفييتي كان يضم قرابة ٦٠ مليون مسلم، وهؤلاء يعملون معنا في مختلف مراكز الدولة.
عرفت الإسلام من بعض المسلمين العاملين معنا، ولاحظته في تصرفات الطلبة الوافدين من الدول الإسلامية مثل: سورية والكويت وليبيا واليمن والعراق.
تعرفت على الإسلام أكثر من خلال طالب سوري من حمص كان يدرس الطب في جامعة كييف، إذ لم يكن يشرب الخمر، ولا يأكل لحم الخنزير، ولا يقيم علاقات مع النساء، وكانت أخلاقه عالية جدا، فقد كان أمينا وصادقا، وكان يسكن منزلا متواضعا يقول عنه: هذا منزلي ومسجدي.
شدني هذا الطالب المسلم بأخلاقه، وتعامله المهذب، ليؤكد أن هذه هي أخلاق الإسلام، ولقد أهداني كتبا عن الإسلام قرأتها جيدا فزادت معرفتي به.
стр. 305
في عام ١٩٩٢ م تركت العمل مؤقتا وسافرت إلى سورية حيث التحقت بكلية الدعوة، ودرست الإسلام فيها، وتخرجت عام ١٩٩٥ لأعلن إسلامي.
الإسلام دين عظيم، وهو في بلادنا من قبل ألف عام، بينما لم تعش الشيوعية أكثر من سبعين عاما.
لاحظت الأخوة والمحبة بين المسلمين وتبادل النصح.
يزداد تجلي الإسلام في رمضان حيث النظام والصبر والمودة التي تفتقدها المجتمعات غير المسلمة على إطلاقها.
الإسلام يراعي الدنيا والآخرة.. وهذا يلائم الطبيعة البشرية.
بعد ارتدائي الحجاب أحاول عدم الاختلاط بالرجال قدر المستطاع.
أنا الآن بصدد وضع كتاب عن الإسلام بالروسية، وسوف أحاول تعريف الجميع بهذا الدين العظيم، الذي رأيت من خلاله النور.
لو عرف مجتمعنا الإسلام جيدا وطبقه لأنقذه من الجريمة والفساد والمافيا والمخدرات والدعارة والبطالة.. لأن الإسلام يحرم ويحارب كل ما يضر بالنفس وبالآخرين.
الإسلام هو الخلاص للبشرية، والشافي لها من أمراض العصر، وفيه الحل لمشكلات المجتمعات المختلفة.
لقد سقطت الشيوعية في مزبلة التاريخ على الرغم من كل ما أحاطوها به من دعايات.
بقي الإسلام الذي حاول الشيوعيون طمسه، بل تعاظم دوره واتسعت رقعته اليوم في روسيا وغير روسيا، وفي هذا درس وعبرة لمن أراد أن يعتبر.
أستاذة جامعية درست الطب في ثلاث جامعات
стр. 306
٤٨-الشهيدة المفكرة الأسبانية ماريا ألاسترا
ولدت في الأندلس عام ١٩٤٩م، حصلت على إجازة في الفلسفة وعلم النفس من جامعة مدريد، واعتنقت الإسلام عام ١٩٧٨م، وكانت تدير مركز التوثيق والنشر في المجلس الإسلامي، استشهدت في غرناطة عام ١٩٩٨م على يد حاقد إسباني بعد لحظات من إنجاز مقالها (مسلمة في القرية العالمية) . ومما كتبت في هذا المقال الأخير: "إنني أؤمن بالله الواحد، وأؤمن بمحمد نبياً ورسولاً، وبنهجه نهج السلام والخير ... وفي الإسلام يولد الإنسان نقياً وحراً دون خطيئة موروثة ليقبل موقعه وقَدره ودوره في العالم". "إن الأمة العربية ينتمي بعض الناس إليها، أما اللغة العربية فننتمي إليها جميعاً، وتحتل لدينا مكاناً خاصاً، فالقرآن قد نزل بحروفها، وهي أداة التبليغ التي استخدمها الرسول محمد صلي الله عليه وسلم". "تُعد التربية اليوم أكثر من أي وقت آخر، شرطاً ضرورياً ضد الغرق في المحيط الإعلامي، فصحافتنا موبوئة بأخبار رهيبة، لأن المواطن المذعور سيكون أسلس قياداً، وسيعتقد خاشعاً بما يُمليه العَقَديّون! - عن مقال (مسلمة في القرية العالمية) ترجمة صلاح يحياوي، مجلة (الفيصل) العدد (٢٩١) عام ٢٠٠٠م - رحمها الله وأدخلها في عباده الصالحين.
صَبورة أُوريبة (ماريا ألاسترا)
стр. 307
٤٩-الكاتبة الأمريكية مارجريت ماركوس
أمريكية من أصل يهودي، وضعت كتباً منها (الإسلام في مواجهة الغرب) ، و (رحلتي من الكفر إلى الإيمان) و (الإسلام والتجدد) و (الإسلام في النظرية والتطبيق) . تقول: "لقد وضع الإسلام حلولاً لكل مشكلاتي وتساؤلاتي الحائرة حول الموت والحياة وأعتقد أن الإسلام هو السبيل الوحيد للصدق، وهو أنجع علاج للنفس الإنسانية". "منذ بدأت أقرأ القرآن عرفت أن الدين ليس ضرورياً للحياة فحسب، بل هو الحياة بعينها، وكنت كلما تعمقت في دراسته ازددت يقيناً أن الإسلام وحده هو الذي جعل من العرب أمة عظيمة متحضرة قد سادت العالم". "كيف يمكن الدخول إلى القرآن الكريم إلا من خلال السنة النبوية؟! فمن يكفر بالسنة لا بد أنه سيكفر بالقرآن". "على النساء المسلمات أن يعرفن نعمة الله عليهن بهذا الدين الذي جاءت أحكامه صائنة لحرماتهن، راعية لكرامتهن، محافظة على عفافهن وحياتهن من الانتهاك ومن ضياع الأسرة"-عن (مقدمات العلوم والمناهج) للعلامة أنور الجندي (مجلد٦/ ص١٩٩) -.
مريم جميلة (مارجريت ماركوس)
٥٠-الكاتبة البريطانية ايفلين كوبلد
شاعرة وكاتبة، من كتبها (البحث عن الله) و (الأخلاق) . تقول: "يصعب عليَّ تحديد الوقت الذي سطعت فيه حقيقة الإسلام أمامي فارتضيته ديناً، ويغلب على ظني أني مسلمة منذ نشأتي الأولى، فالإسلام دين الطبيعة الذي يتقبله المرء فيما لو تُرك لنفسه"."لما دخلت المسجد النبوي تولّتني رعدة عظيمة، وخلعت نعلي، ثم أخذت لنفسي مكاناً قصّياً صليت فيه صلاة الفجر، وأنا غارقة في عالم هو أقرب إلى الأحلام ... رحمتك اللهم، أي إنسان بعثت به أمة كاملة، وأرسلت على يديه ألوان الخير إلى الإنسانية! ".
وقلت أسارعُ ألقى النبيّ
تعطّرت، لكن بعطرِ المدينهْ
وغامت رؤايَ وعدتُ سوايَ
وأطلقتُ روحاً بجسمي سجينهْ
سجدتُ، سموتُ، عبرتُ السماء
وغادرتُ جسمي الكثيف وطينهْ
مدينةُ حِبّي مراحٌ لقلبي
سناءٌ، صفاءٌ، نقاءٌ، سكينهْ
стр. 308
(ديوان (أحبك ربي) د. عبد المعطي الدالاتي ص (٤٥))
"لم نُخلق خاطئين، ولسنا في حاجة إلى أي خلاص من المسيح ﵇، ولسنا بحاجة إلى أحد ليتوسط بيننا وبين الله الذي نستطيع أن نُقبل عليه بأي وقت وحال"
*المصدر: "من كتاب " ربحت محمدا ولم أخسر المسيح" د. عبد المعطي الدالاتي
من مقولاتها في كتابها البحث عن الله:
".. وذكرتُ أيضًا ما جاء في القرآن عن خلق العالم وكيف أن الله قد خلق من كل نوع زوجين، وكيف أن العلم الحديث قد ذهب يؤيد هذه النظرية بعد بحوث مستطيلة ودراسات امتدت أجيالاً عديدة" (البحث عن الله، ص ٤٥) .
"إن أثر القرآن في كل هذا التقدم [الحضاري الإسلامي] لا ينكر، فالقرآن هو الذي دفع العرب إلى فتح العالم، ومكّنهم من إنشاء إمبراطورية فاقت إمبراطورية الإسكندر الكبير، والإمبراطورية الرومانية سعة وقوة وعمرانًا وحضارة.." (البحث عن الله، ص ٥١) .
"الواقع أن جمل القرآن، وبديع أسلوبه أمر لا يستطيع له القلم وصفًا ولا تعريفًا، ومن المقرر أن تذهب الترجمة بجماله وروعته وما ينعم به من موسيقى لفظية لست تجدها في غيره من الكتب. ولعل ما كتبه المستشرق جوهونسن بهذا الشأن يعبر كل التعبير عن رأي مثقفي الفرنجة وكبار مفكريهم قال: (إذا لم يكن شعرًا، وهو أمر مشكوك به، ومن الصعب أن يقول المرء بأنه من الشعر أو غيره، فإنه في الواقع أعظم من الشعر، وهو إلى ذلك ليس تاريخًا ولا وصفًا، ثم هو ليس موعظة كموعظة الجبل ولا هو يشابه كتاب البوذيين في شيء قليل أو كثير، ولا خطبًا فلسفية كمحاورات أفلاطون، ولكنه صوت النبوة يخرج من القلوب السامية، وإن كان عالميًا في جملته، بعيد المعنى في مختلف سوره وآياته، حتى إنه يردد في كل الأصقاع، ويرتل في كل بلد تشرق عليه الشمس"
(البحث عن الله، ص ١١١ – ١١٢) .
стр. 309
"أشار الدكتور مارديل المستشرق الفرنسي الذي كلفته الحكومة الفرنسية بترجمة بعض سور القرآن، إلى ما للقرآن الكريم من مزايا ليست توجد في كتاب غيره وسواه فقال: (أما أسلوب القرآن فإنه أسلوب الخالق وعلا، ذلك أن الأسلوب الذي ينطوي عليه كنه الكائن الذي يصدر عنه هذا الأسلوب لا يكون إلا إلهيًا. والحق والواقع أن أكثر الكتاب ارتيابًا وشكًا قد خضعوا لتأثير سلطانه وسحره، وأن سلطانه على ملايين المسلمين المنتشرين على سطح المعمور لبالغ الحدّ الذي جعل أجانب المبشرين يعترفون بالإجماع بعدم إمكان إثبات حادثة واحدة محققة ارتد فيها أحد المسلمين عن دينه إلى الآن. ذلك أن هذا الأسلوب.. الذي يفيض جزالة في اتساق منسق متجانس. كان له الأثر العميق في نفس كل سامع يفقه اللغة العربية، لذلك كان من الجهد الضائع الذي لا يثمر أن يحاول المرء [نقل] تأثير هذا النثر البديع الذي لم يسمع بمثله بلغة أخرى.." (البحث عن الله، ص ١١٢ – ١١٣) .
"الواقع أن للقرآن أسلوبًا عجيبًا يخالف ما كانت تنهجه العرب من نظم ونثر، فَحُسنُ تأليفه، والتئام كلماته، ووجوه إيجازه، وجودة مقاطعه، وحسن تدليله، وانسجام قصصه، وبديع أمثاله، كل هذا وغيره جعله في أعلى درجات البلاغة، وجعل لأسلوبه من القوة ما يملأ القلب روعة، لا يمل قارئه ولا يخلق بترديده.. قد امتاز بسهولة ألفاظه حتى قلّ أن تجد فيها غريبًا، وهي مع سهولتها جزلة عذبة، وألفاظه بعضها مع بعض متشاكلة منسجمة لا تُحِسُّ فيها لفظًا نابيًا عن أخيه، فإذا أضفت إلى ذلك سموّ معانيه أدركت بلاغته وإعجازه" (البحث عن الله، ص ١١٣) .
٥١-العالمة الكندية صوفي بوافير
ماجستير في تعليم الفرنسية والرياضيات.
стр. 310
تمثل قصة إسلام السيدة (سلمى بوافير) نموذجاً للرحلة الفكرية الشاقة التي مر بها سائر الذين اعتنقوا الإسلام، وتمثل نموذجاً للإرادة القوية، والشجاعة الفكرية وشجاعة الفكر أعظم شجاعة. تروي السيدة سلمى قصة اهتدائها إلى الإسلام فتقول باعتزاز: "ولدت في مونتريال بكندا عام ١٩٧١ في عائلة كاثوليكية متدينة، فاعتدت الذهاب إلى الكنيسة، إلى أن بلغت الرابعة عشرة من عمري، حيث بدأت تراودني تساؤلات كثيرة حول الخالق وحول الأديان، كانت هذه التساؤلات منطقية ولكنها سهلة، ومن عجبٍ أن تصعب على الذين كنت أسألهم! من هذه الأسئلة: إذا كان الله هو الذي يضر وينفع، وهو الذي يعطي ويمنع، فلماذا لا نسأله مباشرة؟! ولماذا يتحتم علينا الذهاب إلى الكاهن كي يتوسط بيننا وبين من خلقنا؟! أليس القادر على كل شيء هو الأولى بالسؤال؟ أسئلة كثيرة كهذه كانت تُلحُّ علي، فلمّا لم أتلق الأجوبة المقنعة عنها توقفت عن الذهاب إلى الكنيسة، ولم أعد للاستماع لقصص الرهبان غير المقنعة، والتي لا طائل منها. لقد كنت أؤمن بالله وبعظمته وبقدرته، لذلك رحت أدرس أدياناً أخرى، دون أن أجد فيها أجوبة تشفي تساؤلاتي في الحياة، وبقيت أعيش الحيرة الفكرية حتى بدأت دراستي الجامعية، فتعرفت على شاب مسلم تعرفت من خلاله على الإسلام، فأدهشني ما وجدت فيه من أجوبة مقنعة عن تساؤلاتي الكبرى! وبقيت سنة كاملة وأنا غارقة في دراسة هذا الدين الفذ، حتى استولى حبه على قلبي، والمنظر الأجمل الذي جذبني إلى الإسلام هو منظر خشوع المسلم بين يدي الله في الصلاة، كانت تبهرني تلك الحركات المعبرة عن السكينة والأدب وكمال العبودية لله تعالى. فبدأت أرتاد المسجد، فوجدت بعض الأخوات الكنديات اللواتي سبقنني إلى الإسلام الأمر الذي شجعني على المضي في الطريق إلى الإسلام، فارتديت الحجاب أولاً لأختبر إرادتي، وبقيت أسبوعين حتى كانت لحظة الانعطاف الكبير في حياتي
стр. 311
، حين شهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إن الإسلام الذي جمعني مع هذا الصديق المسلم، هو نفسه الذي جمعنا من بعد لنكون زوجين مسلمين، لقد شاء الله أن يكون رفيقي في رحلة الإيمان هو رفيقي في رحلة الحياة".
*المصدر: "من كتاب " ربحت محمدا ولم أخسر المسيح" د. عبد المعطي الدالاتي
٥٢-الفيلسوف الفرنسي رينيه جينو
عبد الواحد يحيي (رينيه جينو) عالم وفيلسوف وحكيم، درس الأديان عامة، ثم اعتنق الإسلام، فأحدث إسلامه ضجة كبرى في أوربة وأمريكا، وكان سبباً في دخول الكثيرين إلى الإسلام.
ألف الكثير من الكتب منها (أزمة العالم الحديث) و (الشرق والغرب) و (الثقافة الإسلامية وأثرها في الغرب) ، كما أصدر مجلة سماها (المعرفة) .
وقد ترجمت كتبه إلى كثير من اللغات الحية، وبسبب قدرة أفكاره على الاكتساح فقد حرَّمت الكنيسة قراءة كتبه! ولكنها كتبه انتشرت في جميع أرجاء العالم.
وممن تأثر بكتاباته الكاتب الفرنسي المشهور أندريه جيد الذي كتب يقول:
" لقد علمتني كتب جينو الكثير، وإن آراءه لا تُنقَض".
يقول عبد الواحد يحيى:
"أردت أن أعتصم بنص لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلم أجد بعد دراسة عميقة، سوى القرآن".
"لقد ابتعدت أوربة عن طريق الله فغرقت في الانحلال والدمار الخلقي والإلحاد، ولولا علماء الإسلام لظل الغربيون يتخبطون في دياجير الجهل والظلام".
٥٣-الباحثة الأمريكية بربارا براون
كانت الكاتبة الأمريكية "بربارا براون" من بين المنضمين الى رحاب الإسلام، في التسعينات. وبهذا تكون قد توصّلت الى السلام الداخليّ مع نفسها، وطوت صفحة من حياتها دامت مدة سبع وثلاثين سنة كانت تائهة في ضباب الارتياب بخصوص الله والطريقة الصحيحة لعبادته، حتّى استطاعت في عام ١٩٩١م أن تكتشف الإسلام، على حسب تعبيرها.
стр. 312
وعن نشأتها كمسيحيّة وخلفيّات تحوّلها الى الإسلام تقول براون: "لقد نشأتُ كمسيحيّة وترعرعتُ في كنف طائفة بروتستانتيّة تُعرف بـ "عقيدة المسيحية الاصلاحية CHRISTIAN REFORMED FAITH، ورغم الخلفية الدينيّة الشاملة:
صلاة في الكنيسة مرتين كلّ يوم أحد وفي العطلات، وتعليم مسيحي خاص يوم الأحد، ومدارس صيفيّة لدراسة الكتاب المقدّس، ومعسكرات دينيّة، ودروس عقائديّة كنسيّة ومجموعات شباب مسيحيّة، فقد وجدتُ نفسي أواجه أسئلة عديدة، بخصوص اُسس عقيدتي، لم يستطيع أي شخص ولا أيّة طريقة من التعليم الدينيّ أن تجيب عليها. ولمدّة سبع وثلاثين سنة، كنتُ تائهة في ضباب هذا الارتياب بخصوص الله والطريقة الصحيحة لعبادته حتّى استطعت في عام ١٩٩١م أن أكتشف الإسلام".
وتواصل الكاتبة الأمريكية كلامها:
"لقد كان نزاع (عاصفة الصحراء) في الشرق الأوسط على أشدّه. وبجوار كتب استراتيجيّة الحروب والأسلحة في مكتبة محليّة، كان هناك كتاب صغير عنوانه (فَهمُ الإسلام) (UNDERSTANDING ISLAM) ، وتصفّحت الكتاب بنفس فضول البعض، في ذلك الوقت، حول هذا الدّين (الغامض) من الشرق الأوسط، وتحوّل الفضول بسرعة الى اندهاش، عندما عرفتُ من خلال صفحات ذلك الكتاب أنّ الإسلام أعطاني الأجوبة لتلك الأسئلة التي كانت تنتابني طيلة تلك السنين _ولم أضيّع كثيراً في الوقت _ لقد أصبحتُ مسلمة. وأخيراً فلقد توصّلتُ الى ذلك الهدف، وهو أن أكون في سلام داخلي نفسي بخصوص علاقتي مع الله".
بما أنّ الله قد وهبها الامكانيّة لأن تُعبّر عن نفسها وأفكارها ببلاغة على صفحات الورق، فانّها حاولت أن تُخاطب الآخرين الذين يعانون من نفس تلك الشكوك التي تطوف في مخيّلاتهم بخصوص الدِّين؛ وكان الأمل الذي يحدوها هو كما تقول:
стр. 313
"انّني ربّما أستطيع أن أوجّههم نحو بعض الأجوبة. أنّ المادّة التي أقدّمها هنا يمكن أن تفاجىء البعض وربما تصدمهم عندما يقرؤونها، ولكن البحث عن الحقيقة ليس سهلاً، وخصوصاً في مواجهة العقائد والمبادىء التي اعتنقناها لآماد طويلة".
وفي هذا الاتجاه، بدأت عملها بكتابة بعض المقالات، وأبرزها:
١_ ثلاثة في واحد: نظرة الى العقيدة المسيحيّة في التثليث، وقد طُبعت في بداية عام ١٩٩٣، من قِبَل مدرسة شيكاغو المفتوحة.THE OPEN SCHOOL OF CHIAGO
٢_ مقالة عنوانها: نظرة عن قرب نحو الدّيانة المسيحيّة، وهي دراسة عن العقائد المسيحيّة.
٣_ مقالة عنوانها: حالة في الفساد، وهي دراسة في تحريف النص في الكتاب المقدّس.
وفي آذار (مارس) ١٩٩٣م، أقدمت الكاتبة "بربارا براون" على تجميع المقالات الآنفة الذكر مع بحوث اضافية (لأنّها واظبت على الاكثار من القراءة) وطبعتها في كتاب صدر بالانجليزيّة عام ١٩٩٣م تحت عنوان: (A CLOSER LOOK AT CHRISTLANITY) . وتُرجم الى العربية عام ١٩٩٥م، بعنوان "نظرة عن قرب في المسيحيّة".
"أن نكون في سلام مع أنفسنا بخصوص الله: هذه ببساطة، هي الفكرة وراء هذا البحث كلّه".
بهذه العبارة صدّرت "بربارا براون" مقدّمة كتابها المذكور، ومضت بالقول: "أنّ الكثير منّا يعيش حياته راضياً بقبول الأشياء (كما هي) ، فنضرب صفحاً عن الأسئلة الصغيرة المنكّدة والشكوك التي تتوارد على أذهاننا وخصوصاً في القضايا المتعلّقة بالدّين. نعم انّنا نستطيع أن نمضي هكذا في رحلة الحياة، ولكنّنا لا نستطيع أبداً أن نصل الى تلك الحالة من السّلام داخل نفوسنا.
стр. 314
والبعض منّا، مع ذلك لا يكتفون أن يأخذوا الأشياء بسطحيّة، فيبحثون بجدّ عن أجوبة تلك الأسئلة التي تعترضنا في طريق الحياة. فنحن نضع موضع التساؤل عقائد آبائنا ولسنا مستعدّين لأن نقنع بالقبول الأعمى. وهذا الطريق ليس من السّهل أن نسير عليه بأي حال، ولكن المكافأة هي التي تستأهل منّا هذا الجهد".
وتختتم الكاتبة المهتدية مقدّمة كتابها بالقول:
"انّي لآمل في الصفحات التالية أن تُتاح الفرصة للقرّاء ليُبصروا وجهة النظر حول المسيحيّة كما تيسّر لي أن أفهمها".
وبهذه الثقة الكبيرة والأمل المشرق خاضت "بربارا" العديد من القضايا المهمّة والاثارات الحسّاسة، على صعيد المعتقدات المسيحيّة. ففي البداية تطالعنا بعنوان "ميثاق يصيبه الانحراف" تُسلّط فيه الأضواء السريعة، ولكنّها كاشفة، على مرحلة ارهاصات ظهور المسيح، مؤكّدة:
لأجل أن نفهم الرسالة الحقيقية للمسيح، يجب علينا أن نعود الى التاريخ قبل ظهور المسيح لنجد لماذا اُرسل المسيح أصلاً، لتخلص الى أنّ اليهود قد انحرفوا، مرّة أخرى، عن التوحيد، ولكنّ انحرافهم عن التوحيد في هذه المرّة قد تمّ تحت غطاء كثيف من الطقوس والشعائر المعقّدة. انّ هذا كان هو الموقف السائد في العالم عندما تلقّى عيسى دعوته من الله.
وعن "رسالة المسيح" السماويّة، وكيف طرأ عليها التغيير أو التحريف فجأة عندما ظهر على المسرح واعظ ادّعى بأنّه يتكلّم باسم المسيح، بعد سنوات قليلة فقط من (رحيل) المسيح. ذلك هو الشاب اليهوديّ "شاؤول" المولود في طرطوس، والعضو في طائفة يهوديّة تسمّى الفريسيين التي تتميّز بتمسّكها الأعمى بالمظاهر والطقوس..
стр. 315
وبالرغم من أنّ الديانة المسيحيّة تأخذ اسمها من عيسى المسيح، فانّ شاؤول الذي غيّر اسمه الى بولص يجب أن يُعتبر هو مؤسّسها الحقيقيّ.. والمسيحيّون لا ينكرون ذلك أيضاً.. ولكن هناك مشكلة كبيرة.. وهي أنّ تعاليم بولص _المؤسس الحقيقي للمسيحيّة _ لا يمكن العثور عليها في أيّ مكان من تعاليم عيسى أو في تعاليم الأنبياء الذين سبقوه. ليس هذا فقط ولكنّ بولص لم يكن له إلاّ اتصال قليل مع الحواريين الحقيقيين لعيسى والذين كان من الممكن أن يوجّهوه الى الطريق الصحيح. فهؤلاء لم يكونوا على وفاق مع تعاليم بولص المبتكرة وأخبروه بذلك كلّما كان ذلك ممكناً.
وفي النهاية، على أيّ حال، فانّ نوع المسيحيّة التي نادى بها بولص انّما أحرز فيها النجاح بفضل شخصيّته السّاحرة، إضافة الى حقيقة أنّه وأصحابه غلبوا الحواريين الحقيقيين لعيسى في أمور مهمّة كالوجاهة الاجتماعيّة والثروة والتعليم، ولذلك حصل على أتباع كثيرين من بين السكّان غير اليهود. فالمسيحيّة _ اليهوديّة، أي عقيدة حواريي عيسى لم تكن لها أيّة فرصة للنهوض.
بعد ذلك، تمضي بربارا براون في إلقاء نظرة من قرب على كلّ البدع التي أدخلها بولص في "ديانته" المسيحيّة كالتثليث، والخطيئة، وإلوهيّة عيسى وموته، والخلاص.. الخ لتنتهي الى أنّ الإسلام هو الدين الحق، فهو دين بسيط ليس مدفوناً تحت تعقيدات غامضة وغير منطقيّة من العقائد، وليس في الإسلام كهنوت ولا قدّيسون ولا مراتب دينيّة ولا قرابين مقدّسة. أنّ اللاهوت لا مكان له في الإسلام، لأنّ الإسلام طريقة حياة وليس حفنة من الكلمات.
وهكذا يتضح أن الإسلام هو الحل الناجع الوحيد الذي لا مناص للبشريّة المعذّبة أن تأوي _ذات يوم _ الى كنفه، طال الوقت أم قصر.
٥٤-أستاذ الفلسفة الجامعي الفرنسي روبرت بيرجوزيف
стр. 316
أستاذ سابق للفلسفة بالجامعات الفرنسية، وله العديد من الكتب في مجال الفلسفة والتوحيد ... اعتنق الإسلام بعد دراسة جادة مضنية أوصلته إلى اقتناع كامل به كدين قائم على التوحيد _على عبادة الله الاحد ...
وعلى حد تعبيره كان من فضل الله عليه أن مَنَّ الله عليه بالإسلام مكافأة من الله له على ما بذله في سبيل تحصيل العلوم المختلفة، وخاصة اجتهاده في الفلسفة والتوحيد، فضلاً عن إلمامه الكبير في مختلف فروع المعرفة.
ويسترسل الدكتور في حديثه فيقول:
"إنه بلا شك أن الإسلام _وهو دين العلم والمعرفة _ يدعو معتنقيه إلى التزود بالعلم به، ولا غَروَ في ذلك، فإن أول آية من القرآن الكريم هي قوله تعالى لرسوله الكريم: (اقرأ بِاسمِ رَبّكَ الّذي خَلَق) . والنبي الكريم يقول: "اطلبوا العِلمَ ولو كان في الصين"، فمن تجاربي الشخصية فإني أؤمن إيماناً لا يتزعزع بأن الفرد الذي يخلص في أبحاثه للحصول على العلم في أي فرع من فروعه لخدمة المجتمع، ولخير البشرية جمعاء، فإن الله سيجازيه خير الجزاء على كل ما يقدمه من خير لمجتمعه، فالله يقول في سورة الزلزلة:
(فَمن يعمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ خيراً يَرَه ... ) .
وبالنسبة لي فإنني لم أكتف بدراستي الخاصة في الفلسفة، بل إنني حاولت في شتى فروع المعرفة، وخاصة في إثبات وحدانية الله خالق كل شيء، ومدبر كل شيء في هذا الكون، الذي تهدده الحضارة المادية الإلحادية التي تكاد تقضي على كل ما توارثته الأجيال الماضية والحاضرة من تقدم وازدهار. فسلاح العلم وحده لا يُستخدم إلا في الخير والبناء، لا في الدمار والخراب، وذلك هو الأمل لأبناء البشرية جمعاء للوصول إلى الحقيقة الكبرى، وإلى خلاص العالم من مشاكله.
стр. 317
فالعلم والبحث كانا سبباً في انبثاق إشراقة الأمل ونور الحق، وإنارة الطريق أمامي.. ويهدني ربي إلى الصراط المستقيم، ويرشدني إلى بر الامان، وينقذني من العذاب الشديد الذي كنت أعانيه نتيجة الصراع العنيف الذي كان يدور في نفسي، ولا ريب في هذا الكلام، فإنني أعتقد بأن الإسلام _وهو شريعة الله والحق _ معناه السلام، بكل ما تحتويه هذه الكلمة من معانٍ كبيرة، وأولها السلام بين الشخص ونفسه.
فالنفس _وهي الأمارة بالسوء _ لا تستطيع أن تسيطر عليها وتوجهها إلى خير الفرد والمجتمع، إلا الشريعة الإسلامية ومبادئها السمحاء.
فالشهادة تعني أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. تعني أن الناس جميعاً متساوون، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ...
واتصال العبد مباشرة بخالقه خمس مرات يوميّاً _في صلاته _ زادٌ يومي يُذَكّرَهُ بوجود الخالق، ويدعوه إلى إتباع ما دَعَا إليه، واجتناب ما نَهى عنه ... (كُنتم خَيرَ أُمَّةٍ أخرجَت للنَّاسِ تأمُرُونَ بالمعروفِ وتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ ... ) .
والزكاة تُوحدُ بين القلوب، وتقضي على الحقد والبغض والحسد، فتقرب بين المسلمين وتجعلهم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
وصيام رمضان يعتبر تدريباً للنفس لكبح جماحها ...
وخروج الفرد من زينة الدنيا في الحج يذكره بيوم الحشر والحساب ...
فهذه المباديء تستطيع إقامة المجتمع المثالي الذي ظل يبحث عنه منذ نشأته ... ولذا فإنني أدعو كل إنسان أن يبحث عن حقيقة الإسلام ومبادئه المختلفة، ولا يتأثر بالادعاءات الكاذبة التي يرددها المغرضون وأصحاب الأغراض الشخصية، فالطريق مفتوح أمام كل إنسان للنظر في كتاب الله وسنة رسوله، وليحكم بعد ذلك بما يمليه عليه ضميره.
стр. 318
ثم يقول الدكتور الجامعي الذي أسلم: إن شيئاً فعلته بعد اعتناقي للإسلام، هو محاولة زيارة الدول الإسلامية لدراسة أحوال معيشتهم، والتعرف عليهم، ولقد سعدت كثيراً بزيارة المملكة العربية السعودية، والكويت، ومصر وغيرها، وكنت دائماً أحس بالبيئة الإسلامية التي أفتقدها ويفتقدها كل مسلم يعيش في بلاد الغرب.
ثم يستطرد قائلاً: إنني الآن أقوم بمحاولة إعداد كتاب باللغة الفرنسية عن الشريعة الإسلامية، وتاريخ الإسلام والمسلمين، ودور علماء المسلمين الاوائل في العلوم والفنون المختلفة.
ثم اختتم حديثه وهو في حالة من النشوة والزهو وهو يقول:
أود أن أطلب من المسلمين أن يفتخروا بأنهم مسلمون، وأن يكونوا خير مثل لهذه الشريعة الخالدة، وأن يكونوا جديرين بأن يحملوا هذه العقيدة.
وأحب أن أذكر هنا مثلاً يبين لهم أهمية تمسكهم بدينهم دون التأثر بما يجري من حولهم، وهو أن أصحاب الأعمال هنا يفضلون المسلمين المتمسكين بدينهم، نظراً لأنهم يكونون على خُلُق طَيّبٍ، وإخلاص تام للأعمال التي يقومون بها، فضلاً عن أن سلوكهم الاجتماعي يجبر الجميع على احترامهم وتقديرهم، واحترام وتقدير عقيدتهم.
كما أطلب من الدول الإسلامية _وخاصة مصر _ أن تتحمل المسئولية الكبرى لخدمة الإسلام والمسلمين في العالم أجمع، كأن تهتم مثلاً بتوزيع المطبوعات الإسلامية التي تتناول الأسس والمبادىء الإسلامية بالأسلوب العلمي المبسط، وباللغات المختلفة ... وأن تهتم بالقرآن الكريم وترجمته للشعوب غير الناطقة بالعربية، والاهتمام أيضاً بأسطوانات وتسجيلات تعليم الصلاة للمسلمين في الدول الغربية بصفة عامة، وفي فرنسا بصفة خاصة، حتى يمكننا _نحن الأوربيين دراسة ومعرفة هذا الدين الحنيف.. كما يمكننا نحن الذين أسلمنا أن نُعَرّف إخواننا غير المسلمين به، ولكل طالب علم ومعرفة، والله يهدي من يشاء من عباده.
٥٥-عالم النفس الألماني فيلي بوتولو
стр. 319
هو أستاذ علم النفس بجامعة "ميونيخ" بألمانيا الغربية ... درس القرآن وتعمق في دراسة التصوف الإسلامي بحكم تخصصه كباحث في الظواهر المختلفة في الأديان.. جذبه الإسلام الذي شعر تجاهه براحة نفسية، ويعبر عن ذلك بقوله:
"إنني وجدتُ في الإسلام راحة نفسية، لم تفتقدها ألمانيا الغربية فحسب، وإنما تفتقدها أوربا كلها".
ثم يسرد قصة إسلامه فيقول:
"إن شعوري بانجذاب للإسلام كان منذ فترة طويلة.. ولكن أراد الله تعالى أن يكون عملي كأستاذ لعلم النفس بجامعة "ميونيخ" مدخلاً لاعتناقي دين الإسلام ... فمن خلال عملي بدأت مرحلة البحث والدراسة حول الأديان كافة لمختلف دول العالم، والظواهر الغربية في كل الأديان.
وعند دراسة الإسلام شد انتباهي ما وجدته في القرآن أولاً، وفي التصوف ثانياً، من شرح لأصول العقيدة ومناهج الإسلام، فعكفت على دراسة التصوف فترة غير قصيرة، حتى انتهيت إلى حقيقة مهمة وهي أن الإسلام يهتم بعلاج الإنسان ظاهراً وباطناً.. فهو دين يدعو إلى نظافة الظاهر وطهارة الباطن، ويربي في الإنسان حب الأخوة والترابط والتآلف، بعكس ما نجده في المجتمعات الغربية، حيث يعيش كل إنسان في عالمه الخاص، لا تربطه بالمجتمع روابط روحية أو علاقات دينية، كما يحدث عند المسلمين.
وعرفت من خلال دراستي للتصوف أن المتصوفة يجتمعون لذكر الله، ويلتقون على حُبّه، ويسيرون في طريق النقاء الروحي والوجداني، ويتلون أوراداً معينة بعد كل صلاة، مما يجعلهم مشدودين دائماً إلى تعاليم السماء.
ثم يصمت برهة ليتأمل ما حوله ليقول بعدها:
стр. 320
"من الصعب أن تجد في أوربا مجتمعاً يتسم بهذه الصفات، ولهذا وجدتُ نفسي مدفوعاً الى اعتناق الإسلام ... ولكنني رأيت من الضروري والضروري جداً _أن أظل مسلماً في السر لمدة عام كامل، لأنك إن أردت أن تدخل الإسلام في بلد كل وسائل الإعلام فيه موجهة ضد هذا الدين الحنيف، لكان ذلك صعباً جداً ولكن بعد أن رسخت العقيدة في نفسي أعلنت إسلامي بصراحة، ولم أخش الذين يُحاربون الإسلام.
ثم اختتم قوله بحماس _وهو يشير بأصبعه إلى بعيد:
"إنني أؤكد أنه بدون القرآن، وبدون التصوف (١) الذي يُعَدُّ فرعاً من علم النفس الذي أدرسه في الجامعة لم يكن بمستطاعي أن أُغيرَ ديني ولذا فلقد غيرت ديني عن ثقة واقتناع تام..".
ثم إبتسم ابتسامة عريضة وهو يقول:
"لقد تغيرت حياتي اليومية بعد الإسلام تماماً، وانتظمت انتظاماً عجيباً، فقد كانت في الماضي بلا هدف، أما الآن فقد أصبح لها معنى، ولها هدف ولها حلاوة ... لقد أصبحتُ أخاف الله في كل تصرفاتي، وأعرف أن لي ربّاً سوف يحاسبني فيما أفعله في أي وقت".
____
١_ يلاحظ أن اختياره لاسم "أبي الحسن" بالذات لأنه أحبَّ القطب الصوفي الكبير أبا الحسن الشاذلي، كما أوضح في ثنايا حديثه.
следующие страницы →