← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 1051–1059 · переход к 1056.

стр. 1051

وَتَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالذَّاتِ فَهَذَا كَافِرٌ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ بِالْكُفْرِ لَيْسَ إلَّا، كَذَلِكَ هَذَا الدَّاعِي إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ هَذَا الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ رَبَّهُ لَا أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ وَيَقَعَ الْكُفْرُ تَبَعًا لِمَقْصُودِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ. نَعَمْ قَدْ لَا يَكُونُ الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَابَلَ عَلَيْهَا بِهَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ فَيَكُونُ عَاصِيًا بِجِنَايَتِهِ عَلَى الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ لَا كَافِرًا فَهَذَا تَفْصِيلُ حَالِ هَذَا الدُّعَاءِ، وَقَدْ غَلِطَ جَمَاعَةٌ فَأَفْتَوْا بِالتَّكْفِيرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (الْقِسْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مَا اسْتَفَادَ التَّحْرِيمُ مِنْ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ بِهِ لِكَوْنِهِ طَلَبًا لِوُقُوعِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْوُجُودِ أَمَّا الدَّاعِي فَكَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَمِتْهُ كَافِرًا أَوْ اسْقِهِ خَمْرًا أَوْ أَعْنِهِ عَلَى الْمَكْسِ الْفُلَانِيِّ أَوْ وَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوْ يَسِّرْ لَهُ الْوِلَايَةَ الْفُلَانِيَّةَ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ أَمَّا لِعَدُوِّهِ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْ فُلَانًا عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَأْخُذُ مَالَهُ، وَأَمَّا لِصَدِيقِهِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَهُ الْوِلَايَةَ الْفُلَانِيَّةَ أَوْ السَّفَرَ الْفُلَانِيَّ أَوْ صُحْبَةَ الْوَزِيرِ فُلَانٍ أَوْ الْمَلِكِ فُلَانٍ، وَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَجَمِيعُ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ التَّحْرِيمِ مَنْزِلَةُ مُتَعَلِّقِهِ، فَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ أَقْبَحُ الدُّعَاءِ وَيُرْوَى مَنْ دَعَا لِفَاسِقٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى وَمَحَبَّةُ مَعْصِيَتِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] رُبَّمَا أَدَّتْ إلَى أَنْ تَكُونَ قَاتِلًا. قَالَ (وَتَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالذَّاتِ فَهَذَا كَافِرٌ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْكُفْرِ لَيْسَ إلَّا) قُلْت لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ إذَا أَرَادَ كُفْرَ غَيْرِهِ بِقَصْدِ إضْرَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ إرَادَتُهُ كُفْرَ الْغَيْرِ بِقَصْدِ نَفْعِهِ لِرُجْحَانِ الْكُفْرِ عِنْدَهُ عَلَى الْإِيمَانِ فَهَذَا كُفْرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (كَذَلِكَ هَذَا الدَّاعِي إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ هَذَا الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ رَبُّهُ لَا أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ وَيَقَعَ الْكُفْرُ تَبَعًا لِمَقْصُودِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ. قَالَ (فَهَذَا تَفْصِيلُ حَالِ هَذَا الدُّعَاءِ، وَقَدْ غَلِطَ جَمَاعَةٌ فَأَفْتَوْا بِالتَّكْفِيرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَلَا إذَا دَعَا بِالْكُفْرِ وَلَا بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ [الْقِسْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مَا اسْتَفَادَ التَّحْرِيمُ مِنْ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ بِهِ] وَمَا قَالَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي عَشَرَ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالسَّبْعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ وَهُوَ فِي آخِرِ الْفُرُوقِ وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى كِتَابِ أَنْوَارِ الْبُرُوقِ بِمَا وَفَّقَ اللَّهُ إلَيْهِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ وَكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ بِهَا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. اهـ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كُفْرٌ وَلَا حُلُولَ وَلَا اتِّحَادَ، فَإِنْ وَقَعَ مِنْ أَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ مَا يُوهِمُ ذَلِكَ أُوِّلَ بِمَا يُنَاسِبُهُ كَمَا يَقَعُ مِنْهُمْ فِي وَحْدَةِ الْوُجُودِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ مَا فِي الْجُبَّةِ إلَّا اللَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَا فِي الْجُبَّةِ وَالْكَوْنِ كُلِّهِ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِاَللَّهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] وَذَلِكَ اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ شَرْعًا لِإِيهَامِهِ لَكِنَّ الْقَوْمَ تَارَةً تَغْلِبُهُمْ الْأَحْوَالُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ ضَعِيفٌ إلَّا مَنْ تَمَكَّنَ بِإِقَامَةِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ، وَرَأَيْت فِي مَفَاتِيحِ الْكُنُوزِ أَنَّ الْحَلَّاجَ قَالَ أَنَا وَفِيهِ بَقِيَّةٌ مَا مِنْ شُعُورِهِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ فَنِيَ بِشُهُودِهِ فَقَالَ اللَّهُ فَهُمَا كَلِمَتَانِ فِي مَقَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَكِنْ مِمَّنْ أَفْتَى بِقَتْلِهِ الْجُنَيْدُ كَمَا فِي شَرْحِ الْكُبْرَى عَمَلًا بِظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي هُوَ أَمْرُ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقَامُ الْعَظِيمُ لَا تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ وَالْوُجْدَانُ يَخْتَلِفَ بِحَسَبِ مَا يُرِيدُ الْحَقُّ وَرَأَيْت وَأَظُنُّهُ فِي كَلَامِ ابْنِ وَفَا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ إشَارَاتِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إلَخْ وَمِنْ أَلْطَفِ إشَارَاتِهِ قَوْلُ أَبِي مَدِينٍ التِّلْمِسَانِيِّ اللَّهَ قُلْ وَذْرِ الْوُجُودَ وَمَا حَوَى ... إنْ كُنْت مُرْتَادًا بُلُوغَ كَمَالِ فَالْكُلُّ دُونَ اللَّهِ إنْ حَقَّقْتَهُ ... عَدَمٌ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ وَاعْلَمْ بِأَنَّك وَالْعَوَالِمَ كُلَّهَا ... لَوْلَاهُ فِي مَحْوٍ وَفِي اضْمِحْلَالِ مَنْ لَا وُجُودَ لِذَاتِهِ مِنْ ذَاتِهِ ... فَوُجُودُهُ لَوْلَاهُ عَيْنُ مُحَالِ وَالْعَارِفُونَ فَنَوْا بِهِ لَمْ يَشْهَدُوا ... شَيْئًا سِوَى الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَعَالِي وَرَأَوْا سِوَاهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هَالِكًا ... فِي الْحَالِ وَالْمَاضِي وَالِاسْتِقْبَالِ اهـ بِلَفْظِهَا قُلْت وَمِمَّا هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمَذْكُورِ قَوْلُ صَاحِبِ التُّحْفَةِ الْمُرْسَلَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ الْوُجُودَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ إحَاطَةَ الْمَلْزُومِ بِاللَّوَازِمِ وَالْمَوْصُوفِ بِالصِّفَاتِ لَا كَإِحَاطَةِ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ وَلَا كَإِحَاطَةِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا اهـ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ وَمِمَّا هُوَ جَارٍ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ بَلْ أَقْبَحُ مِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ مَكَانَهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَاتِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ إذْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ذَاتَه تَعَالَى الَّتِي هِيَ مَكَانُهُ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ إحَاطَةَ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ أَوْ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي مُوهِمِ مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى ثَلَاثُ قَوَاعِدَ: (الْأُولَى) أَنْ كُلَّ مَا وَرَدَ الْإِذْنُ بِإِطْلَاقِهِ نَفْسِهِ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ كَاسْتِئْنَافِ الْقُدْرَةِ أَوْ الْإِرَادَةِ فِي الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ تَعَالَى مَعَ حَمْلِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى بِقَرِينَةِ اسْتِحَالَةِ مَعْنَاهُ. (وَالثَّانِيَةُ) أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ الْإِذْنُ بِنَظِيرِهِ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَمْ يُرِدْ

стр. 1052

تَعَالَى مُحَرَّمَةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ فَهَذِهِ كُلُّهَا أَدْعِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ إمَّا كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ، إنْ تَكَرَّرَتْ صَارَتْ كَبِيرَةً وَفِسْقًا وَالْعَاقِلُ الْحَرِيصُ عَلَى دِينِهِ أَوَّلُ مَا يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ السَّلَامَةِ وَالْخُلُوصِ مِنْ الْمَهَالِكِ وَحِينَئِذٍ يَطْلُبُ الْأَرْبَاحَ فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الْمُحَرَّمَةِ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَهَذَا الْفَرْقُ وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي الْكُتُبِ بَلْ كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ تُوجَدُ فِي بَعْضِهَا مُشِيرَةٌ إلَيْهَا أَمَّا التَّصْرِيحُ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَلِيلٌ أَوْ مَعْدُومٌ فَتَأَمَّلْهُ وَأَلْحِقْ مَا تَجِدُهُ بِنَظِيرِهِ فَيَنْضَبِطُ لَك الْمُبَاحُ مِنْ غَيْرِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهِ نَفْسَهُ كَاسْتِئْنَافِ الْعِلْمِ فِي الدُّعَاءِ الثَّالِثِ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ. (وَالثَّالِثُ) أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَرِدْ الْإِذْنُ بِهِ وَلَا بِنَظِيرِهِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ كَقَوْلِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَلَا وُجُودَ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْوُجُودِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ كُفْرٌ فَهَذِهِ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي فِي الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ كُلِّهَا أَدْعِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ إمَّا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً إنْ تَكَرَّرَتْ صَارَتْ كَبِيرَةً وَفِسْقًا بِاتِّفَاقِ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ وَالسِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَقْسَامِ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الَّتِي اسْتَقْرَأَهَا الْأَصْلُ لَمْ يُسَلِّمْ ابْنُ الشَّاطِّ مَا ادَّعَاهُ الْأَصْلُ فِي وَجْهِ تَحْرِيمِهَا، وَقَالَ وَالْعَاقِلُ الْحَرِيصُ عَلَى دِينِهِ أَوَّلُ مَا يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ السَّلَامِ وَالْخُلُوصِ مِنْ الْمَهَالِكِ وَحِينَئِذٍ يَطْلُبُ الْأَرْبَاحَ فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الْمُحَرَّمَةِ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَهَذَا الْفَرْقُ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي الْكُتُبِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَلْ الْمَوْجُودُ فِي بَعْضِهَا كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ مُشِيرَةٌ إلَيْهَا فَتَأَمَّلْهُ وَأَلْحِقْ مَا تَجِدُهُ بِنَظِيرِهِ فَيَنْضَبِطُ لَك الْمُبَاحُ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى. ٢ - (وَصْلٌ) فِي بَيَانِ وَجْهِ تَحْرِيمِ الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْأَصْلُ وَبَيَانِ مَا تَعَقَّبَهُ بِهِ ابْنُ الشَّاطِّ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ كَأَنْ يَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَى أَحْوَالِ الْإِقْلِيمَيْنِ أَوْ يَطْلُبَ مِنْهُ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ لِيَسْلَمَ طُولُ عُمْرِهِ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَالْأَنْكَادِ وَالْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَلَايَا فَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْمُسْتَحِيلِ عَقْلًا لَكِنْ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْعُرُوَّ عَنْ الْأَعْرَاضِ لَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ فَافْهَمْ ادَّعَى الْأَصْلُ تَحْرِيمَهُ مُطْلَقًا نَظَرًا لِكَوْنِهِ سُوءَ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُلُوكَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ إلَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي قُدْرَتِهِمْ وَإِلَّا فَقَدْ عَرَّضَهُمْ لِلْعَجْزِ لَا سِيَّمَا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَهَكِّمًا بِالرُّبُوبِيَّةِ اهـ، وَتَعَقَّبْهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ تَحْرِيمِ الدُّعَاءِ بِالْكَوْنِ فِي مَكَانَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ طَلَبِ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ التَّهَكُّمُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَا وَجْهَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْقِيَاسَ عَلَى الْمُلُوكِ وَهُوَ فَاسِدٌ لِجَوَازِ الْعَجْزِ عَلَيْهِمْ وَامْتِنَاعِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى. قَالَ وَمَا بَالُهُ يَقِيسُهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي قَصْدِ التَّعْجِيزِ وَالتَّهَكُّمِ وَلَا يَقِيسُهُ عَلَيْهِمْ فِي قَصْدِ الْمُبَالَغَةِ وَالْغُلُوِّ فِي التَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ فَقَدْ خُوطِبَ الْمُلُوكُ بِنِسْبَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ إلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الْغُلُوِّ فِي تَرْفِيقِهِمْ لَا عَلَى قَصْدِ تَعْجِيزِهِمْ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَنْ خَاطَبَ اللَّهَ تَعَالَى بِمِثْلِ ذَلِكَ تَعَيَّنَ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْظِيمِ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِ فَيَكُونَ مُطِيعًا مَأْجُورًا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلتَّعْجِيزِ فَيَكُونَ عَاصِيًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِهَذَا وَلَا لِهَذَا فَيَكُونَ مُطِيعًا بِصُورَةِ الدُّعَاءِ مُثَابًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُطِيعٍ وَلَا عَاصٍ بِالْقَصْدِ لِعُرُوِّهِ عَنْهُ اهـ. [الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَكُونُ كُفْرًا أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةَ] (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةَ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا كَمَا قَالَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ لِيَأْمَنَ الِاخْتِنَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْ الْمَرَضِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَنْتَفِعَ بِقُوَاهُ وَحَوَاسِّهِ وَأَعْضَائِهِ أَبَدَ الدَّهْرِ أَوْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ الثِّمَارَ مِنْ غَيْرِ أَشْجَارٍ وَغِرَاسٍ، أَوْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تَرْمِ بِنَا فِي شِدَّةٍ أَوْ أَعْطِنَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى عُمُومِهِ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَفُوتَهُ رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ وَمَرْتَبَةُ الْمَلَائِكَةِ وَدَرَجَاتُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ بَعْضُ الشُّرُورِ وَلَوْ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَوَحْشَةُ الْقَبْرِ، وَمِنْهَا كَمَالٌ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ دَوَامَ إصَابَةِ كَلَامِهِ مِنْ الْحِكَمِ الدَّقِيقَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَفْتَخِرَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْفُضَلَاءِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الْأَصْلُ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ نَظَائِرَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَفْهَمَ عَوَائِدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَرَبْطِهِ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ إمْكَانِ صُدُورِهَا عَنْ قُدْرَتِهِ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ رَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى مَمْلَكَتَهُ عَلَى نِظَامٍ دَبَّرَهُ وَوَضَعَهَا عَلَى قَانُونٍ قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَإِذَا سَأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَغْيِيرَ مَمْلَكَتِهِ وَنَقْضَ نِظَامِهِ وَسُلُوكَ غَيْرِ عَوَائِدِهِ فِي مُلْكِهِ كَانَ مُسِيئًا الْأَدَبَ عَلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى أَدْنَى الْمُلُوكِ بَلْ الْوُلَاةِ. قَالَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ لَهُ مِنْ الْإِجْلَالِ فَوْقَ مَا يَجِبُ لِخَلْقِهِ فَمَا نَافَى إجْلَالَ خَلْفِهِ أَوْلَى أَنْ يُنَافِيَ فِي جَلَالِهِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ بَلْ قَدْ عَابَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، وَقَالَ ﵊ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ

стр. 1053

(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ) اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الدُّعَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دُعَاءٌ النَّدْبُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَعْرِضُ لَهُ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلِّقِهِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ خَمْسَةٌ: (السَّبَب الْأَوَّلُ) الْأَمَاكِنُ كَالدُّعَاءِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْحَمَّامَاتِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَمَوَاضِعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ كَالْحَانَاتِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَلِكَ الْأَسْوَاقُ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا وُقُوعُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» أَيْ ثَنَاؤُك الْمُسْتَحَقُّ ثَنَاؤُك عَلَى نَفْسِك أَمَّا ثَنَاءُ الْخَلْقِ فَلَا لِأَنَّهُ دُونَ الْمُسْتَحَقِّ قَالَ وَلِذَلِكَ عَابَ الْعُلَمَاءُ وَغَلَّطُوا جَمَاعَةً مِنْ الْعُبَّادِ حَيْثُ تَوَسَّطُوا الْقِفَارَ مِنْ غَيْرِ زَادٍ وَلَجَّجُوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ أَوْ فِي غَيْرِ الزَّمَنِ الْمُعْتَادِ طَالِبِينَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَرْقَ عَوَائِدِهِ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إلَى اللَّهِ وَهُمْ ذَاهِبُونَ عَنْهُ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَأَنَّ مَا عَدَاهَا يُنَافِي الِاعْتِمَادَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ فَقَدْ دَخَلَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ مَخْفُوقًا بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَالَ أَوَّلَ أَمْرِهِ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَكَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مَعَ رَبِّهِ يَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَتَحْقِيقُ هَذَا الْبَابِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّوَكُّلَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَكْرَهُهُ مِنْ ضَيْرٍ لِأَجْلِ أَنَّهُ الْمُسْتَوْلِي بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَائِنَاتِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ عَوَائِدُ فِي مُلْكِهِ رَتَّبَهَا بِحِكْمَةٍ، فَمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ انْقِطَاعُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِهِ وَمُقْتَضَى سُلُوكِ أَدَبِهِ الْتِمَاسُ فَضْلِهِ مِنْ عَوَائِدِهِ، وَقَدْ انْقَسَمَ الْخَلْقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَحَصَلُوا عَلَى حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ فَفَاتَهُمْ الْأَدَبُ الْوَاجِبُ الِاتِّبَاعِ وَقِسْمٌ لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ وَاسْتَوْلَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَحَجَبَتْهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَهَؤُلَاءِ فَاتَهُمْ التَّوَكُّلُ وَالْأَدَبُ وَهَذَا هُوَ الْمَهْيَعُ الْعَامُّ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ، وَقِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ وَعَوَائِدِهِ فِي مَمْلَكَتِهِ فَهَؤُلَاءِ جَامِعُونَ بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ وَهَذَا مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ خَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا أَنَّ قَلِيلَ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ هَلَكَ إبْلِيسُ وَضَاعَ أَكْثَرُ عَمَلِهِ بِقِلَّةِ أَدَبِهِ فَنَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اجْعَلْ عَمَلَك مِلْحًا وَأَدَبَك دَقِيقًا، أَيْ لِيَكُنْ اسْتِكْثَارُك مِنْ الْأَدَبِ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِكْثَارِك مِنْ الْعَمَلِ لِكَثْرَةِ جَدْوَاهُ وَنَفَاسَةِ مَعْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ طَلَبِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أَيْ لَا تَرْكَبُوا الْأَخْطَارَ الَّتِي دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهَا مُهْلِكَةٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ الْوَاقِيَةُ لَكُمْ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى السُّؤَالِ وَالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ إلَى الْجِهَادِ وَالْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ فَرُبَّمَا وَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي إحْدَى الْمَفْسَدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ السُّؤَالِ وَالسَّرِقَةِ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالْتِزَامِ الْعَوَائِدِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهَا فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ ضِدِّهِ بَلْ إضْدَادِهِ، وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ إنْ كُنْت مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ وَمُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَوَاثِقًا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَأَلْقِ نَفْسَك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُك إلَّا مَا قُدِّرَ لَك فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ عِبَادَهُ لِيُجَرِّبَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ لَا لِيُجَرِّبُوهُ وَيَمْتَحِنُوهُ إشَارَةً إلَى سُلُوكِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ مَعَهُ وَمَعَ عِبَادِهِ حَتَّى نَلْقَاهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. نَعَمْ يَجُوزُ طَلَبُ خَرْقِ الْعَادَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرْقَهَا، وَكَذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى بِخِرَقِهَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِجَرَيَانِهِ عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قِلَّةُ أَدَبٍ، وَكَذَلِكَ لِمَنْ لَا يَكُونُ وَلِيًّا حَيْثُ أَرَادَ بِسُؤَالِهِ خَرْقَهَا أَنْ يَجْعَلَهُ وَلِيًّا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ خَرْقَ الْعَادَةِ. فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَتْ حَرَامًا انْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ طَلَبَ خَرْقِ الْعَوَائِدِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إسَاءَةُ أَدَبٍ عَرِيَّةٌ عَنْ الْحُجَّةِ إلَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُلُوكِ وَهُوَ قِيَاسٌ لَا شَكَّ فِي فَسَادِهِ وَالْعَيْبُ وَالذَّمُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ ﷺ لَا أُحْصِي ثَنَاءً الْحَدِيثَ لَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ إلَّا إنْ كَانَ الثَّنَاءُ اللَّائِقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ اكْتِسَابِهِمْ ثُمَّ قَصَّرُوا فِيهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فَلَا يَلْحَقُهُمْ ذَمٌّ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ وَتَغْلِيطُ مَنْ غَلَّطَ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَمَاعَةَ الْعُبَّادِ فِيمَا ذَكَرَهُ غَلَطٌ مِنْ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إسَاءَتِهِمْ الظَّنَّ بِأُولَئِكَ الْعُبَّادِ وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا فَكَيْفَ بِالْعُبَّادِ مِنْهُمْ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُبَّادَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَعَوَّدَ خَرْقَ الْعَادَةِ لَهُ فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِمْ أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَوَّدْ ذَلِكَ فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا إنْ كَانُوا مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَحْوَالٌ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهَا وَإِلَّا لَحِقَهُمْ الْعَيْبُ لِارْتِكَابِهِمْ حِينَئِذٍ لِمَمْنُوعٍ فَمَا بَالُ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ هَذَا الْأَخِيرِ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَلَيْسَ ذَلِكَ إسَاءَةَ ظَنٍّ فِي

стр. 1054

وَالْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ فِي أَحْسَنِ الْبِقَاعِ وَالْأَزْمَانِ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ» ، فَإِنْ أَعْجَزَهُ الْخُلُوصُ مِنْ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الدُّعَاءُ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ الدُّعَاءِ كَالصَّلَاةِ فِي الْبِقَاعِ الْمَكْرُوهَةِ. (السَّبَبُ الثَّانِي) لِلْكَرَاهَةِ الْهَيْئَاتُ كَالدُّعَاءِ مَعَ النُّعَاسِ وَفَرْطِ الشِّبَعِ وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْهَيْئَاتِ الَّتِي لَا تُنَاسَبُ التَّقَرُّبَ إلَى ذِي الْجَلَالِ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَوْطِنٍ يُمْكِنُ فِيهِ تَحْسِينُهُ وَعَدَمُ إسَاءَتِهِ فَيُظَنُّ أَنَّهُمْ ظَانُّونَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ بَلْ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ وَأَنَّهُ كَمَا لَا يُنَافِي التَّسَبُّبَ كَذَلِكَ لَا يُنَافِي عَدَمَ التَّسَبُّبِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّسَبُّبِ إذْ مَسَاقُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّوَكُّلَ يَصِحُّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَمَعَ عَدَمِهِ، وَمَا عَدَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى التَّوَكُّلِ مَعَ التَّسَبُّبِ إلَّا لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ الْمُقْتَدَى بِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْخَوَاصِّ بَلْ يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَالْجُمْهُورُ قَلَّمَا تَطْمَئِنُّ نُفُوسُهُمْ إلَّا مَعَ التَّسَبُّبِ. اهـ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَقَدْ سَمِعْت أَبَا الْمَعَالِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ فِي كِفَايَةِ الْمُؤْنَةِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ جِدًّا وَفِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا اهـ بِلَفْظِهِ قُلْت يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَةَ الْمُؤْنَةِ بِالسَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِالسَّبَبِ وَمَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَتَهَا بِدُونِ السَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِدُونِ السَّبَبِ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْغَالِبِ لَا عَلَى النَّادِرِ مَعَ أَنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ التَّوَكُّلَ، وَإِنْ صَحَّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَعَدَمِهِ فَالتَّوَكُّلُ مَعَ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّهِ ﷺ لِلْحَاجَةِ لِتَعْلِيمِ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَلَا مِنْهُ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعِصْمَتِهِ ﷺ وَالتَّوَكُّلُ مَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ اهـ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ مِنْهَاجُ الْعَابِدِينَ إنَّ أَخْذَ الزَّادِ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ لِمُقْتَدًى بِهِ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مُبَاحٌ أَوْ يَنْوِيَ بِهِ عَوْنَ مُسْلِمٍ أَوْ إغَاثَةَ مَلْهُوفٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِهِ لِمَنْ كَانَ مُنْفَرِدًا قَوِيَّ الْقَلْبِ بِاَللَّهِ لِشَغْلِهِ بِالزَّادِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَالشَّأْنُ إذًا فِي الْقَلْبِ لَا فِي حَمْلِ الزَّادِ وَتَرْكِهِ، فَكَمْ مِنْ حَامِلٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الزَّادِ يَقُولُ الرِّزْقُ مَقْسُومٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى إنْ شَاءَ أَقَامَ بِنْيَتِي بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ يَنْوِيَ بِحَمْلِهِ أَنْ يُعِينَ بِهِ مُسْلِمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَكَمْ مِنْ تَارِكٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ الزَّادِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَحَمْلُ الزَّادِ مُبَاحٌ غَيْرُ حَرَامٍ لِوُقُوعِهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِالزَّادِ وَتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَافْهَمْ ذَلِكَ ثُمَّ مَا ظَنُّك بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] أَعَصَاهُ فِي ذَلِكَ وَعَلَّقَ قَلْبَهُ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ؟ كَلًّا وَحَاشَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَكُّلُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ فَإِنَّهُ الَّذِي لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى مَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ أَخْذُ الزَّادِ مِنْهُ وَمِنْ السَّلَفِ الصَّالِح بِنِيَّاتِ الْخَيْرِ لَا لِمَيْلِ قُلُوبِهِمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الزَّادِ وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ عَلَى مَا أَعْلَمْنَاك فَافْهَمْ وَانْتَبِهْ اهـ بِتَصَرُّفٍ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ الْمُعَامَلَةُ بِمُقْتَضَى شُمُولِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ وَهُوَ عَيْنُ مَا عَابَ عَلَى الْعُبَّادِ حَيْثُ قَالَ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ فَقَوْلُهُ هُنَا مُنَاقِضٌ لِظَاهِرِهِ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ إنَّ قِلَّةَ الْأَدَبِ مَمْنُوعَةٌ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ مِنْ جُمْلَةِ قِلَّةِ الْأَدَبِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] لَيْسَ فِيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ الْمُسْتَحِيلِ، وَإِنَّمَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ارْتِكَابِ الْعَمَلِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ مُغَايِرٌ لِطَلَبِ خَرْقِهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعُ مِنْ الْآخَرِ اهـ قُلْت عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ إنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧] إلَخْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ زَادُ الْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﴿خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] وَلَمْ يَقُلْ حُطَامَ الدُّنْيَا وَأَسْبَابَهَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ قَوْمٌ لَا يَأْخُذُونَ زَادًا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لِأَنْفُسِهِمْ اتِّكَالًا عَلَى النَّاسِ وَيَسْأَلُونَ النَّاسَ وَيَشْكُونَ وَيُلِحُّونَ وَيُؤْذُونَ النَّاسَ فَأُمِرُوا بِالزَّادِ أَمْرَ تَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مِنْ مَالِكٍ خَيْرٌ مِنْ أَخْذِ مَالِ النَّاسِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ اهـ، وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَعَلَى أَنَّ إجَازَةَ الْأَصْلِ دُعَاءُ مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ بِخِرَقِ الْعَادَةِ إجَازَةٌ لِلدُّعَاءِ بِخَرْقِ الْعَادَةِ فَكُلُّ مَا أَنْكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِذَا أَجَازَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَقَدْ أَجَازَ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ مَنْعُهُ بَعْدَ

стр. 1055

الْكَمَالِ. (السَّبَبُ الثَّالِثُ) الْكَرَامَةُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِتَوَقُّعِ فَسَادِ الْقُلُوبِ وَحُصُولِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ﵏ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الدُّعَاءَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فَيَجْتَمِعُ لِهَذَا الْإِمَامِ التَّقَدُّمُ فِي الصَّلَاةِ وَشَرَفُ كَوْنِهِ نَصَّبَ نَفْسَهُ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدِهِ بِالدُّعَاءِ، وَيُوشِكُ أَنْ تَعْظُمَ نَفْسُهُ عِنْدَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ وَيَعْصِيَ رَبَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُطِيعُهُ وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فِي أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمِهِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِدَعَوَاتٍ فَقَالَ لَا إنِّي أَخْشَى أَنْ تَشْمَخَ حَتَّى تَصِلَ إلَى الثُّرَيَّا إشَارَةً ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْثِيرِهِ الْأَمْثِلَةَ اهـ، وَقَدْ أَطَالَ الْغَزَالِيُّ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ فِي مِنْهَاجِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَلَعَلَّك تَقُولُ أَطْنَبْت فِي هَذَا الْفَصْلِ خِلَافَ شَرْطِ الْكِتَابِ فَأَقُولُ لَعَمْرُ اللَّهِ إنَّهُ لَقَلِيلٌ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى إذْ هُوَ أَهَمُّ شَأْنًا فِي الْعِبَادَةِ بَلْ عَلَيْهِ مَدَارُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْعُبُودِيَّةِ فَمَنْ لَهُ هِمَّةٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ فَلْيَسْتَمْسِكْ بِذَلِكَ وَلْيُرَاعِهِ حَقَّهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَنْ الْمَقْصُودِ بِمَعْزُولٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى بَصِيرَةِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ أَنَّهُمْ بَنَوْا أَمْرَهُمْ عَلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَقَطْعِ الْعَلَائِقِ كُلِّهَا فَكَمْ صَنَّفُوا مِنْ كِتَابٍ وَكَمْ أَوْصَوْا بِوَصِيَّةٍ وَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ أَعْوَانًا مِنْ السَّادَةِ وَأَصْحَابًا حَتَّى يَتَمَشَّى لَهُمْ مِنْ الْخَيْرِ الْمَحْضِ مَا لَمْ يَتَمَشَّ لِطَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْأَئِمَّةِ الْأَزْهَادِ الْكَرَامِيَّةِ فَإِنَّهُمْ بَنَوْا مَذَاهِبَهُمْ عَلَى أُصُولٍ غَيْرِ مُسْتَقِيَةٍ وَمَا زِلْنَا أَعِزَّةً مَا دُمْنَا عَلَى مِنْهَاجِ أَئِمَّتِنَا اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى نَفْيِهِ] (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ رَبَّنَا لَا تُهْلِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ بِالْخَسْفِ الْعَامِّ وَالرِّيحِ الْعَاصِفَةِ كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَنَا، وَمِنْهَا أَنْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَسْتَأْصِلُهَا، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ لِمَرِيضٍ أَوْ مُصَابٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ هَذِهِ الْمِرْضَةَ أَوْ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِفُلَانٍ الْكَافِرِ قَالَ الْأَصْلُ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الْخَمْسَةِ حَرَامٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ طَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. (أَمَّا الْأَوَّلُ) فَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَرْفُوعَةٌ عَنْ الْعِبَادِ. (أَمَّا الثَّانِي) فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ ﷺ سَأَلَ رَبَّهُ فِي إعْفَاءِ أُمَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ. (أَمَّا الثَّالِثُ) فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. (وَأَمَّا الرَّابِعُ) فَلِأَنَّ النُّصُوصَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمَصَائِبَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ السُّخْطِ لَا يُخِلُّ بِذَلِكَ التَّكْفِيرِ بَلْ يُجَدِّدُ ذَنْبًا آخَرَ كَمَنْ قَضَى دَيْنَهُ ثُمَّ اسْتَدَانَ فَكَمَا لَا يُقَالُ إنَّهُ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ الْمُصَاب لَا يُقَالُ أَنَّهُ بِسُخْطِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا بَلْ يُقَالُ بَرِئَ مِنْ عُهْدَةِ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَدَّدَ ذَنْبًا آخَرَ بِسُخْطِهِ. (وَأَمَّا الْخَامِسُ) فَلِأَنَّ السَّمْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قَالَ وَطَلَبُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ عَرِيَ عَنْ الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ تَعَالَى إذْ لَوْ أَنَّ أَحَدَنَا سَأَلَ بَعْضَ الْمُلُوكِ أَمْرًا فَقَضَاهُ لَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَالِمًا بِقَضَائِهِ لَهُ لَعُدَّ هَذَا الطَّلَبُ الثَّانِي اسْتِهْزَاءً بِالْمَلِكِ وَتَلَاعُبًا بِهِ وَلَحَسُنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكِ تَأْدِيبُهُ فَأَوْلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ التَّأْدِيبَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ رَأَيْنَا رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُمَّ افْرِضْ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ وَأَوْجِبْ عَلَيْنَا الزَّكَاةَ وَاجْعَلْ السَّمَاءَ فَوْقَنَا وَالْأَرْضَ تَحْتَنَا لَبَادَرْنَا إلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ لِقُبْحِ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ التَّلَاعُبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فِي دُعَائِهِ. نَعَمْ مَحِلُّ حُرْمَةِ قَوْلِ الدَّاعِي ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَقَوْلِهِ ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إنْ أَرَادَ النِّسْيَانَ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ مَعَ الْغَفْلَةِ الَّذِي هُوَ مُشْتَهِرٌ فِي الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْعَفْوِ فِيهِ وَعَنْهُ قَدْ عُلِمَ بِالنَّصْرِ وَالْإِجْمَاعِ وَأَرَادَ بِمَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ التَّكَالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ فَإِنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أَمَّا إنْ أَرَادَ النِّسْيَانَ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ مَعَ التَّعَمُّدِ وقَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أَيْ تَرَكُوا طَاعَتَهُ فَتَرَكَ اللَّهُ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ فَهَذَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْعَفْوِ عَمَّا لَمْ يُعْلَمْ الْعَفْوُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ مِنْ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَالْمَكْرُوهَاتِ جَازَ لِأَنَّهُ لَمْ تَدُلَّ النُّصُوصُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْعُمُومَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لَا بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالْعَادَةِ عَصَى لِاشْتِمَالِ الْعُمُومِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ فِيهِ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمٍ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وَإِنْ كَانَ طَلَبَ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ. وَقَدْ مَدَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّ سُؤَالَ مَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ بِهِ إنَّمَا جَازَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ لَهُمْ مَشْرُوطٌ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ وَهَذَا شَرْطٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ فَمَا طَلَبُوا إلَّا مَشْكُوكًا فِي حُصُولِهِ لَا مَعْلُومَ

стр. 1056

إلَى مَا ذَكَرْنَا وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْكِبْرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ لَهُ التَّرْكُ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ السَّلَامَةُ. (السَّبَبُ الرَّابِعُ) كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ مَكْرُوهًا فَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ الْوَسَائِلِ لَا كَرَاهَةَ الْمَقَاصِدِ كَالدُّعَاءِ بِالْإِعَانَةِ عَلَى اكْتِسَابِ الرِّزْقِ بِالْحِجَامَةِ وَنُزُوِّ الدَّوَابِّ وَالْعَمَلِ فِي الْحَمَّامَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِرَفِ الدَّنِيَّاتِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاكْتِسَابِ بِغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الدُّعَاءِ بِكُلِّ مَا نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَتِهِ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ الْوَسَائِلِ. (السَّبَبُ الْخَامِسُ) لِلْكَرَاهَةِ عَدَمُ تَعْيِينِهِ قُرْبَةً بَلْ يُطْلَقُ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ فِي الْكَلَامِ وَتَحْسِينِ اللَّفْظِ مِنْ الَّذِي يُلَابِسُهُ كَمَا يَجْرِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْحُصُولِ وَمَا نَحْنُ فِيهِ بِالْعَكْسِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ بِالضَّرُورَةِ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ مُطْلَقًا. وَكَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِالرَّفْعِ عَنْ أُمَّتِهِ، وَأَمَّا مَا يُقَالُ إنَّ كَوْنَ الدَّاعِي يَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أُمَّتِهِ مَجْهُولٌ فَمَا طَلَبَ إلَّا مَجْهُولًا بِنَاءً عَلَى التَّقْرِيرِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَا يُرَدُّ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ مِنْ الْأُمَّةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي هَذَا الرَّفْعِ وَدَلَالَةُ الْخَبَرِ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ وَنَحْنُ نَمْنَعُ كَوْنَ الْمَفْهُومِ حُجَّةً لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَكِنَّهُ مَتْرُوكٌ هَاهُنَا إجْمَاعًا، وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ الْكَفَّارَةُ إمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِهَا فَالرَّفْعُ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي جَمِيعِ الْفُرُوعِ النِّسْيَانِ وَغَيْرِهِ فَيَبْطُلُ الْمَفْهُومُ وَاسْتَوَتْ الْخَلَائِقُ فِي الرَّفْعِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ فَلَا يَكُونُ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا فِي حَقِّنَا بَلْ كُلُّ مَا هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ أَوْ التَّرْخِيصِ أَوْ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّنَا لَهُوَ سَبَبُ مَا ذُكِرَ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ خُصُوصُ الْأُمَّةِ شَرْطًا فِي الرَّفْعِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْكُفَّارَ فِي الْفُرُوعِ أَشَدُّ حَالًا مِنْ الْأُمَّةِ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا فَلَيْسَ هُنَالِكَ فِي النِّسْيَانِ وَالْخَطَإِ شَرْطٌ مَجْهُولٌ فَيَكُونُ الشَّارِعُ قَدْ أَخْبَرَ بِالرَّفْعِ فِي الْأُمُورِ مُطْلَقًا فَيَحْرُمُ الدُّعَاءُ بِهِ. وَأَمَّا إخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُمْ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ بِأَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوْ يَكُونُ فِي الْأَعْرَافِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَلَمْ يُعْلَمْ فِي هَذَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهُمْ قَدْ سَمِعُوا تِلْكَ النُّصُوصَ فِي الدُّنْيَا وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ سَلِمَ مِنْ النَّارِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ لَا يَدْخُلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الذَّمِّ لَهُمْ، فَلَا يَرِدُ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لِقَوْلِ الْمُفَسَّرَيْنِ إنَّ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ وَهُمْ عَلَى خَوْفٍ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ وَأَهْوَالُ الْقِيَامَةِ تُوجِبُ الدَّهَشَ عَنْ الْمَعْلُومَاتِ أَلَا تَرَى أَنَّ الرُّسُلَ ﵈ لَمَّا قِيلَ لَهُمْ ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] لِاسْتِيلَاءِ الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ جِهَةِ هَوْلِ الْمَنْظَرِ، عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ وَلَا ذَمَّ إلَّا مَعَ التَّكْلِيفِ. اهـ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مَعْصِيَةٌ إلَّا مَا عَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُلُوكِ وَهُوَ قِيَاسٌ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْجَامِعِ، وَكَيْفَ يُقَاسُ الْخَالِقُ بِالْمَخْلُوقِ وَالرَّبُّ بِالْمَرْبُوبِ وَالْخَالِقُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ النَّقْصُ وَالْمَخْلُوقُ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّقْصُ، ثُمَّ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ عَرِيٌّ عَنْ الْحَاجَةِ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ حَمْلِهِ عَلَى طَلَبِ مِثْلِهِ أَوْ الْإِجَابَةِ بِإِعْطَاءِ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ وَلِمَ لَا يَكُونُ الدُّعَاءُ بِمَا ذَكَرَهُ وَبِمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَمْتَنِعُ وَيَتَعَذَّرُ عَقْلًا وَعَادَةً مُتَنَوِّعًا بِحَسَبِ الدَّاعِي بِهِ فَإِنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ تَعَذُّرِهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ الْغَافِلِ وَإِذَا كَانَ غَيْرَ غَافِلٍ فَإِنْ كَانَ قَاصِدُ الطَّلَبِ ذَلِكَ الْمُتَعَذِّرَ بِعَيْنِهِ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُعَوِّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْعِوَضَ كَمَا إذَا طَلَبَ غَيْرَ الْمُتَعَذِّرِ وَكَانَ مِمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ جَزَاءً لَهُ عَلَى لَجْئِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَابْتِهَالِهِ إلَى عَظِيمِ كَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَاصِدًا التَّلَاعُبَ وَالِاسْتِهْزَاءَ أَوْ أَوْ التَّعْجِيزَ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَاهُنَا يَكُونُ عَاصِيًا بِسَبَبِ قَصْدِهِ ذَلِكَ وَبِمُجَرَّدِ دُعَائِهِ بِالْمُتَعَذِّرِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشِّهَابِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ. وَإِنْكَارُ السَّامِعِ لِقَوْلِ الدَّاعِي اللَّهُمَّ افْرِضْ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ إلَخْ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْعَادَةِ جَارِيَةً بِسَبَقِ الظَّنِّ السَّيْءِ بِذَلِكَ الدَّاعِي إلَى نَفْسِ السَّامِعِ لِذَلِكَ الدُّعَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ أَنْ تَكُونَ حَالُ الدَّاعِي فِي دُعَائِهِ ذَلِكَ مُوَافِقَةً لِذَلِكَ الظَّنِّ بَلْ إنْ كَانَتْ مُوَافِقَةً لِذَلِكَ الظَّنِّ كَانَ عَاصِيًا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّسْيَانَ الْعُرْفِيَّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ عُلِمَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ طَلَبُ الْعَفْوِ فِيهِ وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ طَلَبُ الْعَفْوِ فِيهِ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا تَسَبُّبَ لَهُ فِيهِ أَوْ مِمَّا لَهُ فِيهِ تَسَبُّبٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى دَلِيلٍ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ الْعَفْوِ عَنْهُ وَأَنَّ ذَلِكَ قِلَّةُ أَدَبٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّانِي فَلَا شَكَّ أَنَّ طَلَبَ الْعَفْوِ حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ عَنْ التَّسَبُّبِ، وَطَلَبُ الْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ طَلَبٌ لِلْعَفْوِ عَمَّا لَمْ يُعْلَمْ عَنْهُ اهـ قُلْت عَلَى أَنَّ الْجَلَالَ السُّيُوطِيّ فِي تَكْمِلَتِهِ لِتَفْسِيرِ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ قَالَ مَا تَوْضِيحُهُ مِنْ حَاشِيَةِ الْجَمَلِ عَلَيْهِ إنَّ طَلَبَ رَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ. وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ طَلَبٌ لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سُؤَالُهُ اعْتِرَافًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ قَالَ الْجَمَلُ أَيْ فَالْقَصْدُ مِنْ سُؤَالِ هَذَا الرَّفْعُ وَطَلَبُهُ الْإِقْرَارَ وَالِاعْتِرَافَ

стр. 1057

ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ السَّمَاسِرَةِ فِي الْأَسْوَاقِ عِنْدَ افْتِتَاحِ النِّدَاءِ عَلَى السِّلَعِ كَقَوْلِهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ. قَالَ مَالِكٌ كَمْ يَقُولُونَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ وَكَمَا يَقُولُ الْمُتَحَدِّثُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ مَا أَقْوَى فَرَسِ فُلَانٍ أَبْلَاهَا اللَّهُ بَدَنِيَّة أَوْ سُبْع وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى وَلَا يُرِيدُونَ شَيْئًا مِنْ حَقِيقَتِهِ فَهَذَا كُلُّهُ مَكْرُوهٌ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى تَحْرِيمِهِ، وَقَالَ كُلُّ مَا يُشْرَعُ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّلَاعُبِ، فَإِنْ قُلْت قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ نَحْوًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهَذِهِ النِّعْمَةِ أَيْ إظْهَارُهَا وَالتَّحَدُّثَ بِهَا عَلَى حَدِّ ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] اهـ وَهَذَا مُنَافٍ جَمِيعَ مَوَاطِنِ طَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَافْهَمْ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَسَاقُ قَوْلِهِ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي» الْحَدِيثَ أَيْ الَّذِي رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مُشْعِرٌ بِالْمَدْحِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَيَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ اخْتِصَاصُهَا بِذَلِكَ الرَّفْعِ وَيَلْزَمُ الْقَوْلُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ لِقَرِينَةِ الْمَدْحِ وَيَكُونُ هُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ شَرْطٌ مَجْهُولٌ كَمَا قَالَهُ الْمَوْرِدُ كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمٍ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ مِنْ قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا﴾ [آل عمران: ١٩٤] إلَخْ عَلَى دَعْوَى الشِّهَابِ أَنَّ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مَعْصِيَةٌ وَيَكُونُ مَا أَطَالَ بِهِ الشِّهَابُ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِيرَادِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ بَاطِلٌ وَعَلَى تَسْلِيمِ جَوَابِهِ عَمَّا أَوْرَدَ عَلَى دَعْوَاهُ الْمَذْكُورَةِ مِنْ إخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْأَعْرَافِ فِي سِيَاقِ مَدْحِهِمْ لَا ذَمِّهِمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] إلَخْ يَبْقَى هُوَ مُطَالَبًا بِدَلِيلِ الْمَنْعِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الدُّعَاءِ وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ وَلَا شُبْهَةٍ اهـ كَلَامَ ابْنِ الشَّاطِّ بِتَصَرُّفٍ. [الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ] (وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ جَعَلَ اللَّهُ مَوْتَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَوْلَادِك حِجَابًا مِنْ النَّارِ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَوْمَ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ لِي سَنَةً، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِي كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهُنَّ. قَالَ الْأَصْلُ: فَالدُّعَاءُ بِهَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الثَّلَاثَةِ وَنَظَائِرِهَا مَعْصِيَةٌ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ طَلَبٌ لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ قَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ «مَنْ مَاتَ لَهُ اثْنَانِ مِنْ الْوَلَدِ كَانَا حِجَابًا لَهُ مِنْ النَّارِ» ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ «صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ وَصَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً» ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الصَّلَاةُ إلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» قَالَ وَأَمَّا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ لَنَا بِأَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِقَوْلِنَا اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته إنَّك لَا تُخْلِفْ الْمِيعَادَ مَعَ إنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ «الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لِعَبْدٍ صَالِحٍ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ إيَّاهُ وَأَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ الشَّفَاعَةُ» ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أُعْطِيهَا فَيَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا إبَاحَةُ الدُّعَاءِ بِمَا هُوَ ثَابِتٌ وَإِمَّا الْإِشْكَالُ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِهِ أُعْطِيهَا ﵇ فَيَدْفَعُهُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَ أَنَّهُ أُعْطِيَ هَذِهِ الْأُمُورَ مَرْتَبَةً عَلَى دُعَائِنَا وَأَعْلَمَ أَنَّ دُعَاءَنَا يُحَصِّلُ لَهُ ذَلِكَ فَحَسُنَ أَمْرُنَا بِالدُّعَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَحَسُنَ الْإِخْبَارُ بِحُصُولِهَا؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمَ بِوُقُوعِ سَبَبِ حُصُولِهَا وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ بِحُصُولِ شَيْءٍ قَدْ عُلِمَ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ دُعَائِنَا. اهـ. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ جَوَابَهُ هَذَا عَمَّا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّه ﷺ لَنَا بِأَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِمَا ذَكَرَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَعْلُومِ الْحُصُولَ مَمْنُوعٌ وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ دَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ أَتَى بِهَا عَلَى أَنَّهُ يَتَّجِهُ فِي الْمِثَالِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ أَنْ يَكُونَ دُعَاءُ الدَّاعِي بِهَا بِتَحْسِينِ عَاقِبَتِهِ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ اهـ. قُلْت بَلْ يَتَّجِهُ فِي جَمِيعِ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجَلَالِ السُّيُوطِيّ أَنَّ مِنْ الدُّعَاءِ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مِنْ قَبِيلِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ أَيْ أَوْ الْحَمْلِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ. [الْقِسْمُ الْخَامِسُ فِي الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى ثُبُوتِهِ] (وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اكْفِنِي أَمْرَ الْعُرْيِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَسْتَتِرَ عَوْرَتِي عَنْ الْأَبْصَارِ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إذَا قَبَضْتنِي إلَيْك وَأَمَتَّنِي فَلَا تُحْيِنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى أَسْتَرِيحَ مِنْ وَحْشَةِ الْقَبْرِ. قَالَ الْأَصْلُ: فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الثَّلَاثَةِ وَأَمْثَالِهَا مُسْتَلْزِمٌ لِتَكْذِيبِ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصَّحِيحَةِ وَالْوَارِدَةِ بِطَرِيقِ الْآحَادِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً لَا كُفْرًا؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ إنَّمَا يَكُونُ بِجَحْدِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ قَدْ دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ وَدُخُولُهُمْ النَّارَ إنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ فَلَوْ غُفِرَ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ذُنُوبُهُمْ كُلُّهَا لَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ النَّارَ وَمَا عُدَّ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَنْ يَقُولَ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ فِيهِ رَدٌّ عَلَى النُّبُوَّةِ حَيْثُ أَرَادَ الدَّاعِي بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَشَرَكَ مَعَهُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا طَلَبَهُ. وَكَذَا إنْ أَرَادَ مَغْفِرَةَ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ وَشَرَكَ مَعَهُ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ مُرِيدًا فِي حَقِّهِمْ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَصَحَّ التَّعْمِيمُ فِي

стр. 1058

مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ، وَمَنْصِبُهُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكْرُوهَاتِ بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَقَلُّ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا فَمِنْ ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ تَرِبَتْ يَدَاك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» لَمَّا تَعَجَّبَتْ مِمَّا لَمْ تَعْلَمْ مِنْ كَوْنِ الْمَرْأَةِ تُنْزِلُ الْمَنِيَّ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﵇ مَا أَرَادَ إذَايَتَهَا بِالدُّعَاءِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «عَلَيْك بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك» لَيْسَ مِنْ الْإِرْشَادِ مَا يَقْتَضِي قَصْدَ الْإِضْرَارِ بِالدُّعَاءِ فَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الدُّعَاءُ لَا عَلَى وَجْهِ الطَّلَبِ وَالتَّقَرُّبِ وَهُوَ عَيْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ. قُلْت لَفْظُ الدُّعَاءِ إذَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعُرْفِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الدَّاخِلِينَ النَّارَ الْخَارِجِينَ بِالشَّفَاعَةِ أَمَّا إنْ شَرَكَهُمْ مَعَهُ فِي جُمْلَةِ مَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَغْفِرَةِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُ يَكُونُ فِيهِ حِينَئِذٍ رَدٌّ عَلَى النُّبُوَّةِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ. وَإِنْ أَطْلَقَ الدَّاعِي قَوْلَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ جَازَ لِأَنَّ لَفْظَةَ افْعَلْ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَلَا تَعُمُّ، وَكَذَلِكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ بِهَا الْمَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] أَيْ تَابُوا مِنْ الْكُفْرِ وَاتَّبَعُوا الْإِسْلَامَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] لَا عُمُومَ فِيهَا لِكَوْنِهَا أَفْعَالًا فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَلَا تَعُمُّ إجْمَاعًا، وَلَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَا الْخُصُوصَ وَهُوَ الْمَغْفِرَةُ مِنْ الْجُمْلَةِ لِلْقَوَاعِدِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمِثَالُ الثَّانِي فَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «الْخَلَائِقَ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ رُجُوعُ الْأَرْوَاحِ إلَى الْأَجْسَادِ «إنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ أَنْعِلَةِ الْمُنْصَرِفِينَ» ، وَقَدْ قَالَ ﵊ فِي قَتْلَى بَدْرٍ «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ» وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ إجْمَاعًا اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ مِنْ الدُّعَاءِ بِهَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَنَحْوِهَا مَعْصِيَةٌ مُجَرَّدُ دَعْوَى، وَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يُدْعَى إلَّا بِمَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ؟ لَا أَعْرِفُ لِذَلِكَ وَجْهًا وَلَا دَلِيلًا. وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُ الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَضَى بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُغْفَرُ لَهُ وَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ بَيْنَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَوُجُوبِ نَقِيضِهَا؟ هَذَا أَمْرٌ لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا إلَّا مُجَرَّدَ التَّحَكُّمِ بِمَحْضِ التَّوَهُّمِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] لِكَوْنِهَا أَفْعَالًا فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّهُ الْتَفَتَ إلَى الْأَفْعَالِ دُونَ مَا بَعْدَهَا مِنْ مَعْمُولَاتِهَا وَالْمَعْمُولَاتُ فِي الْآيَتَيْنِ لَفْظًا عُمُومٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَلَّفَ هَذَا الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ شَطَطًا وَادَّعَى دَعْوًى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا وَهْمًا مِنْهُ وَغَلَطًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّ طَلَبَ نَفْيِ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ عَلَى ثُبُوتِهِ لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُكَفِّرُ بِالْمَآلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ اهـ. [الْقِسْمُ السَّادِسُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى نَفْيِهِ] (الْقِسْمُ السَّادِسُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَسْتَرِيحَ مِنْ غَمِّهَا وَوَحْشَتِهَا مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ قَبْلَ غَيْرِي، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَوَّلَ دَاخِلٍ الْجَنَّةَ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَغْنِيَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ. قَالَ الْأَصْلُ: فَكُلُّ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الثَّلَاثَةِ مُضَادٌّ لِخَبَرٍ مِنْ أَخْبَارِ النُّبُوَّةِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً لَا كُفْرًا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ هُنَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﵊ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ دَاخِلِ الْجَنَّةِ» ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» اهـ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا مُضَادَّةَ بَيْنَ التَّكْلِيفِ بِطَلَبِ أَمْرٍ مَا وَنُفُوذِ الْقَضَاءِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ وَمُدَّعِي ذَلِكَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ إلَّا مُجَرَّدَ دَعْوَى الْمُضَادَّةِ اهـ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْقِسْمُ السَّابِعُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دُعَاءٌ النَّدْبُ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلِّقِهِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَهُوَ أَحَدُ خَمْسَةِ أَسْبَابٍ: (السَّبَبُ الْأَوَّلُ) الْأَمَاكِنُ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِالْقُرْبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَالْحَمَّامَاتِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَالْكَنَائِسِ وَمَوَاضِعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ كَنَحْوِ الْخَانَاتِ وَالْأَسْوَاقِ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا وُقُوعُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَالْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ» . (وَالسَّبَبُ الثَّانِي) الْهَيْئَاتُ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِالْقُرْبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَحَالَةِ النُّعَاسِ وَفَرْطِ الشِّبَعِ وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَمُلَابَسَةِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَقَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَإِنْ فَعَلَ الدُّعَاءَ فِي الْأَمَاكِنِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ عَلَى حَالَةٍ مِنْ تِلْكَ الْأَحْوَالِ صَحَّ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ الْكَمَالِ. (وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ) كَوْنُهُ سَبَبًا

стр. 1059

فِي غَيْرِ الدُّعَاءِ انْتَسَخَ مِنْهُ حُكْمُ الدُّعَاءِ وَلَا يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الدُّعَاءِ إلَّا بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ مُسْتَعْمِلٌ فِي غَيْرِ الدُّعَاءِ فَقَدْ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ عُرْفًا وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْصَرِفُ بِصَرَاحَتِهَا لِلدُّعَاءِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ فَلَيْسَ مَا فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهَاهُنَا انْتَهَى مَا جُمِعَ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالْفُرُوقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِحُصُولِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ لِلدَّاعِي كَدُعَاءِ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فَقَدْ كَرِهَهُ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَجْتَمِعُ لِهَذَا الْإِمَامِ التَّقَدُّمُ فِي الصَّلَاةِ وَشَرَفُ كَوْنِهِ نَصَّبَ نَفْسَهُ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدِهِ بِالدُّعَاءِ فَيُوشِكُ أَنْ تَعْظُمَ نَفْسُهُ عِنْدَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ وَيَعْصِيَ رَبَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُطِيعُهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فِي أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ بِدَعَوَاتٍ فَقَالَ لَا إنِّي أَخْشَى أَنْ تَشْمَخَ حَتَّى تَصِلَ إلَى الثُّرَيَّا إشَارَةً إلَى مَا ذُكِرَ وَيَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى كُلُّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ وَخَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ الْكِبْرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَالْأَحْسَنُ لَهُ التَّرْكُ حَتَّى تَحْصُلَ لَهُ السَّلَامَةُ. (وَالسَّبَبُ الرَّابِعُ) كَوْنُ مُتَعَلِّقِهِ مَكْرُوهًا فَيُكْرَهُ كَرَاهَةَ الْوَسَائِلِ لَا كَرَاهَةَ الْمَقَاصِدِ كَالدُّعَاءِ عَلَى اكْتِسَابِ الرِّزْقِ بِنَحْوِ الْحِجَامَةِ وَنَزْوِ الدَّوَابِّ وَالْعَمَلِ فِي الْحَمَّامَاتِ مِنْ الْحِرَفِ الدَّنِيئَاتِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الِاكْتِسَابِ بِغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ كُلُّ دُعَاءٍ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَتِهِ يُكْرَهُ كَرَاهَةَ الْوَسَائِلِ. (وَالسَّبَبُ الْخَامِسُ) مَا جَرَى عَلَى أَلْسِنَةِ نَحْوُ الْمُتَحَدِّثِينَ فِي مَجَالِسِهِمْ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ مَا أَقْوَى فَرَسَ فُلَانٍ أَبْلَاهَا اللَّهُ بَدَنِيَّة أَوْ سَبُع وَعَلَى أَلْسِنَةِ السَّمَاسِرَةِ فِي الْأَسْوَاقِ عِنْدَ افْتِتَاحِ النِّدَاءِ عَلَى السِّلَعِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ ﵊ عَلَى خَيْرِ الْأَنَامِ مِمَّا هُوَ خَبَرٌ فِي الْأَصْلِ أُرِيدَ بِهِ الدُّعَاءُ عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ كَمْ يَقُولُونَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ الدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ خَيْرٌ وَمَعْنَاهُ الدُّعَاءُ، وَكُلُّ مَا يَجْرِي أَيْ عَلَى لِسَانِ الْعَامَّةِ وَغَيْرِهِمْ هَذَا الْمَجْرَى وَلَا يُرِيدُونَ شَيْئًا مِنْ حَقِيقَتِهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ بَلْ قَدْ أَشَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى تَحْرِيمِهِ فَقَالَ كُلُّ مَا يُشْرَعُ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ إلَّا قُرْبَةً لَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّلَاعُبِ اهـ. قَالَ الْأَصْلُ وَكَلَامُنَا هُنَا إنَّمَا هُوَ فِي الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَنْصَرِفُ بِصَرَاحَتِهَا لِلدُّعَاءِ وَتُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعُرْفِ فِي غَيْرِ الدُّعَاءِ حَتَّى انْتَسَخَ مِنْهُ حُكْمُ الدُّعَاءِ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الدُّعَاءِ إلَّا بِالْقَصْدِ وَالسُّنَّةِ فَلَا حَرَجَ عَلَى مُسْتَعْمِلِهِ فِي غَيْرِ الدُّعَاءِ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَعْمَلَهُ فِيمَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ عُرْفًا وَمِنْ ذَلِكَ «قَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ ﵂ تَرِبَتْ يَدَاك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» لَمَّا تَعَجَّبَتْ مِمَّا لَمْ تَعْلَمْ مِنْ كَوْنِ الْمَرْأَةِ تُنْزِلُ الْمَنِيَّ كَمَا يُنْزِلُ الرَّجُلُ وَقَوْلُهُ ﷺ «عَلَيْكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ ﵊ مَا أَرَادَ أَذِيَّةَ عَائِشَةَ وَلَا غَيْرَهَا بِالدُّعَاءِ إذْ لَيْسَ مِنْ الْإِرْشَادِ مَا يَقْتَضِي الْإِضْرَابَ بِالدُّعَاءِ، وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ ذَلِكَ فِيمَا غَلَبَ بِالْعُرْفِ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ الدُّعَاءِ فَيَكُونُ مُبَاحًا لَا مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ مَنْصِبَهُ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكْرُوهَاتِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ بَلْ أَقَلُّ الْأَحْوَالِ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُبَاحًا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ ﷺ فِيهَا. اهـ. قُلْت وَيُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ عَنْ الْأَصْلِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ أَنَّ لِكَرَاهَةِ الدُّعَاءِ سَبَبًا سَادِسًا مِمَّا يَعْرِضُ لَهُ فَيَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ وَهُوَ كَوْنُهُ بِالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ الصَّادِرَةِ مِمَّنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَجَمِ الضَّلَالُ وَالْفَسَادُ فَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ وَالرَّقْيُ بِهَا قَبْلَ مَعْرِفَةِ مَعْنَاهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ فَتَنَبَّهْ لِذَلِكَ. هَذَا تَهْذِيبُ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَبِهِ يَتِمُّ مَا قَصَدْته مِنْ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السُّنِّيَّةِ بِمَا وَفَّقَ اللَّهُ إلَيْهِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالْفَوَائِدِ الْعَلِيَّةِ وَأَسْتَغْفِرُهُ تَعَالَى مِنْ كُلِّ قَوْلٍ لَا يُوَافِقُ الْعَمَلَ، وَمِنْ كُلِّ مَا ادَّعَيْته وَأَظْهَرْته مِنْ الْعِلْمِ بِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ التَّقْصِيرِ فِيهِ وَالزَّلَلِ، وَمِنْ كُلِّ خَطْرَةٍ دَعَتْنِي إلَى تَزَيُّنٍ وَتَصَنُّعٍ، فِي كِتَابٍ سَطَرْته أَوْ كَلَامٍ نَظَمْته أَوْ عِلْمٍ أَفَدْته حَتَّى أَدَّى إلَى التَّرَفُّعِ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَجْعَلَنِي وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ لِمَا عِلْمنَا عَامِلِينَ وَلِوَجْهِهِ بِهِ مُرِيدِينَ، وَأَنْ لَا يَجْعَلَهُ وَبَالًا عَلَيْنَا، وَأَنْ يَضَعَهُ فِي مِيزَانِ الصَّالِحَاتِ إذَا رُدَّتْ أَعْمَالُنَا إلَيْنَا، إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ رَءُوفٌ بِعِبَادِهِ رَحِيمٌ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يَوْمَ الدِّينِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تَنْزِلُ الْبَرَكَاتُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَيْرِ مَوْلُودٍ، دَعَا إلَى أَفْضَلِ مَعْبُودٍ، مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْمُنْقِذِ مِنْ حَالِكِ الضَّلَالِ وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَكَانَ تَحْرِيرُ خَاتِمَتِهِ فِي بَلَدِ جمبن سمطرا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الرَّابِعِ مِنْ ثَانِي الثَّانِي مِنْ الرَّابِعِ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ هِجْرَةِ سَيِّدِ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْبَشَرِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَمَنْ انْتَمَى إلَيْهِ.