← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

(الْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ السَّمْعِيُّ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ خَلِّدْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ عَدُوِّي فِي النَّارِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا قَاطِعًا بِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْجَنَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١] فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا. (الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي أَبَدًا حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَكَرْبِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَوْتِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ إبْلِيسَ مُحِبًّا نَاصِحًا لِي وَلِبَنِي آدَمَ أَبَدَ الدَّهْرِ حَتَّى يَقِلَّ الْفَسَادُ وَتَسْتَرِيحَ الْعِبَادُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ هَذَا الْخَبَرِ فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا . (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ عِلْمِهِ أَوْ عَالَمِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ حَتَّى يَسْتَتِرَ الْعَبْدُ فِي قَبَائِحِهِ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ اطِّلَاعِ رَبِّهِ عَلَى فَضَائِحِهِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا وَأَبَدًا فَيَكُونُ هَذَا الدَّاعِي طَالِبًا لِقِيَامِ الْجَهْلِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ. (الثَّانِي) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ قُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ الْمُؤَاخَذَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا أَبَدًا لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ عَلَى نَفْيِهِ) قُلْت الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْقِسْمِ كَالْكَلَامِ عَلَى الْقِسْمِ الْأَوَّلِ. قَالَ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سَلْبَ عِلْمِهِ أَوْ عَالَمِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ حَتَّى يَسْتَتِرَ الْعَبْدُ فِي قَبَائِحِهِ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ اطِّلَاعِ رَبِّهِ عَلَيْهِ إلَخْ. الثَّانِي أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ قُدْرَتِهِ الْقَدِيمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْمَنَ الْمُؤَاخَذَةَ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ طَلَبَ نَفْيَ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَيْسَ طَلَبًا لِضِدِّهِمَا وَهُمَا الْجَهْلُ وَالْعَجْزُ كَمَا قَالَ لِجَوَازِ غَفْلَةِ الدَّاعِي وَإِضْرَابِهِ عَنْهُمَا وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْغَفْلَةِ وَالْإِضْرَابِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِالتَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] هُوَ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا عَدْوَى» اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ الشُّؤْمُ الْوَارِدُ فِي الْأَحَادِيثِ فَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ ﵇ «إنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ الدَّارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْفَرَسُ، وَفِي بَعْضِهَا إنْ كَانَ الشُّؤْمُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ» قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنْ كَانَ النَّاسُ يَعْتَقِدُونَ الشُّؤْمَ فَإِنَّمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ أَوْ إنْ كَانَ الشُّؤْمُ وَاقِعًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَفِي هَذِهِ الثَّلَاثِ. وَقِيلَ: أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ وَاقِعًا فِي الثَّلَاثِ فَلِذَلِكَ أَجْمَلَ ثُمَّ فَصَّلَ وَجَزَمَ كَمَا أَنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ بِالدَّجَّالِ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا عَلَى حَسَبِ مَا وَرَدَ الْوَحْيُ بِهِ فَقَالَ ﵇ «إنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ فَالْمَرْءُ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ - خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ ﵇ إنَّ الدَّجَّالَ إنَّمَا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ» ، وَكَذَلِكَ «سُئِلَ ﵇ عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ فَقَالَ: إنَّهُ قَالَ: قَدْ مُسِخَتْ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ» أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَمْ يُعْقَبْ فَقَدْ أَخْبَرَ بِالْمَسْخِ أَوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أَخْبَرَ بِهِ مُفَصَّلًا، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي السُّنَّةِ فَنُنَبِّهُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَبِهَا يَحْصُلُ لَك الْجَمْعُ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَلَا مَانِعَ أَنْ يُجْرِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَادَتَهُ بِجَعْلِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَحْيَانَا سَبَبًا لِلضَّرَرِ فَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﵇ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَارٌ سَكَنَّاهَا، وَالْعَدَدُ كَثِيرٌ، وَالْمَالُ وَافِرٌ فَقَلَّ الْعَدَدُ، وَذَهَبَ الْمَالُ فَقَالَ ﷺ دَعُوهَا ذَمِيمَةً» وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ إنَّمَا تَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ أَقْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الثَّلَاثِ قَالَ الْبَاجِيَّ. وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَادَةً اهـ وَاخْتُلِفَ فِي الْهَامَةِ وَصَفَرٍ فِي قَوْلِهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ «لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ، وَلَا صَفَرَ» إلَخْ هَلْ هُمَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ أَمْ لَا قَالَ الْبَاجِيَّ: وَلَا هَامَةَ قَالَ مَالِكٌ: مَعْنَاهُ لَا تَطَيُّرَ بِالْهَامَةِ كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ: إذَا وَقَعَتْ هَامَةٌ عَلَى بَيْتٍ خَرَجَ مِنْهُ مَيِّتٌ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ إذَا قُتِلَ أَحَدٌ خَرَجَ مِنْ رَأْسِهِ طَائِرٌ لَا يَزَالُ يَقُولُ: اسْبِقْنِي حَتَّى يَقْتُلَ قَاتِلَهُ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ الْخَبَرُ نَهْيًا وَعَلَى الثَّانِي تَكْذِيبًا، وَلَا صَفَرَ هُوَ النَّسِيءُ الَّتِي كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُحَرِّمُ فِيهِ صَفَرَ لِتُبِيحَ بِهِ الْمُحَرَّمَ، وَقِيلَ: كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَقُولُ: هُوَ دَاءٌ فِي الْجَوْفِ يَقْتُلُ قَالَ ﵇ لَا يَمُوتُ إلَّا بِأَجْلِهِ اهـ هَذَا تَهْذِيبُ كَلَامِ الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ وَقَاعِدَةِ الْفَأْلِ الْحَلَالِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الطِّيَرَةِ وَقَاعِدَةِ الْفَأْلِ الْحَلَالِ الْمُبَاحِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ) وَهُوَ أَنَّ بَيْنَ الطِّيَرَةِ وَالْفَأْلِ التَّبَايُنَ الْكُلِّيَّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَةُ التَّطَيُّرِ وَالطِّيَرَةِ، وَأَحْكَامُهَا. وَأَمَّا الْفَأْلُ فَهُوَ مَا يُظَنُّ عِنْدَهُ

стр. 1017

وَلَا الْفَنَاءَ فَطَلَبُ عَدَمِهَا طَلَبٌ لِعَجْزِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ كُفْرٌ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الدَّاعِي بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى شُمُولِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِسَلْبِ ذَلِكَ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا . (الْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ ثُبُوتُهُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ مُثُلٌ: أَنْ يَعْظُمَ شَوْقُ الدَّاعِي إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَنْ يَحِلَّ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ أَوْ يَعْظُمَ خَوْفُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْأَلَ اللَّهَ ذَلِكَ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَسْتَبْدِلَ مِنْ وَحْشَتِهِ أُنْسًا، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ فَطَلَبُ ذَلِكَ كُفْرٌ. (الثَّانِي) أَنْ تَعْظُمَ حَمَاقَةُ الدَّاعِي وَتَجَرُّؤُهُ فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْعَالَمِ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ مِنْ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْقَضَاءِ النَّافِذِ الْمُحَتَّمِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ طَلَبُ ذَلِكَ طَلَبًا لِلشَّرِكَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُلْكِ وَهُوَ كُفْرٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الثَّالِثُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الدَّاعِي بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى شُمُولِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فَيَكُونُ الدَّاعِي طَالِبًا لِسَلْبِ ذَلِكَ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُ كُفْرًا وَأَلْحَقَ بِهَذِهِ الْمُثُلَ نَظَائِرَهَا) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرًا إنَّمَا هُوَ وَضْعٌ شَرْعِيٌّ، فَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ طَلَبَ ذَلِكَ كُفْرٌ فَهُوَ كَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا. هَذَا إذَا أَرَادَ أَنَّ عَيْنَ الطَّلَبِ هُوَ الْكُفْرُ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ وَهُوَ الْجَهْلُ يَكُونُ سَلْبُ الِاسْتِيلَاءِ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ أَوْ لَا تَتَعَلَّقُ فَهُوَ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ مُثُلٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَعْظُمَ شَوْقُ الدَّاعِي إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَنْ يَحِلَّ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاته حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ) قُلْت الْكَلَامُ فِي هَذَا الْقِسْمِ كَالْكَلَامِ فِي الَّذِي قَبْلَهُ وَقَوْلُهُ هُنَاكَ وَهُنَا مِمَّا يُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ صَوَابُهُ بِإِجْلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ أَمَّا جَلَالُ الرُّبُوبِيَّةِ فَلَا يُخِلُّ بِهِ شَيْءٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْخَيْرُ عَكْسُ الطِّيَرَةِ وَالتَّطَيُّرِ فَإِنَّ مَا يُتَطَيَّرُ وَيُتَشَاءَمُ بِهِ لِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعٍ هُوَ مَا يُظَنُّ عِنْدَهُ السُّوءُ وَالشَّرُّ فَفِي الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ «وَإِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا، وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا» أَيْ وَإِذَا خَرَجْتُمْ لِنَحْوِ سَفَرٍ، أَوْ عَزَمْتُمْ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَتَشَاءَمْتُمْ بِهِ لِرُؤْيَةٍ أَوْ سَمَاعِ مَا فِيهِ كَرَاهَةٌ فَلَا تَرْجِعُوا وَفَوِّضُوا أُمُورَكُمْ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لَا إلَى غَيْرِهِ، وَالْتَجِئُوا إلَيْهِ فِي دَفْعِ شَرِّ مَا تَطَيَّرْتُمْ بِهِ اهـ قُلْت: وَلَا يُنَافِيهِ مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا دَخَلَ خَيْبَرَ وَأَبْصَرَ مِسْحَاةً وَزِنْبِيلًا قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» لِمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فَلَا تَغْفُلْ مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ الْفَأْلِ وَالطِّيَرَةِ مُتَبَايِنٌ تَبَايُنًا كُلِّيًّا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ صَاحِبِ الْمُخْتَارِ: الْفَأْلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مَرِيضًا فَيَسْمَعَ آخَرَ يَقُولُ: يَا سَالِمُ، أَوْ يَكُونَ طَالِبًا فَيَسْمَعَ آخَرَ يَقُولُ: يَا وَاجِدُ يُقَالُ تَفَاءَلْ بِكَذَا بِالتَّشْدِيدِ وَفِي الْحَدِيثِ «كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ» اهـ بِلَفْظِهِ. لَكِنْ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ: إنَّهُ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ أَنَّ الْفَأْلَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الطِّيَرَةِ وَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا يُظَنُّ عِنْدَهُ الْخَيْرُ أَوْ الشَّرُّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَارَةً يَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ وَتَارَةً لِلشَّرِّ، وَتَارَةً يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا فَالْمُتَعَيِّنُ لِلْخَيْرِ مِثْلُ الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوُ يَا فَلَاحُ يَا مَسْعُودُ وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ حَتَّى مَتَى سَمِعَ اسْتَبْشَرَ الْقَلْبُ وَمِثْلُ الْمَنْظَرِ الْحَسَنِ يَرَاهُ الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ. وَمِنْهُ إرْسَالُ الرَّسُولِ الْحَسَنِ الْوَجْهِ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ وَطَلَبِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ كَانَ حَسَنَ الْوَجْهِ أَمَلًا فِي قَضَائِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ «اُطْلُبُوا الْحَوَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ» وَعَقَدَهُ الصَّرْصَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: أَلَا يَا رَسُولَ الْإِلَهِ الَّذِي ... هَدَانَا بِهِ اللَّهُ فِي كُلِّ تِيهٍ سَمِعْت حَدِيثًا مِنْ الْمُسْنَدَاتِ ... يَسُرُّ فُؤَادَ النَّبِيلِ النَّبِيهِ وَأَنَّكَ قَدْ قُلْت فِيهِ اُطْلُبُوا الْحَ ... وَائِجَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ وَلَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْ وَجْهِكَ الْ ... كَرِيمِ فَجُدْ لِي بِمَا أَرْتَجِيهِ فَهَذَا فَأْلٌ حَسَنٌ مَقْصُودٌ وَالْمُتَعَيِّنُ لِلشَّرِّ مِثْلُ الْكَلِمَةِ الْقَبِيحَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُلُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوُ يَا خَيْبَةُ يَا وَيْلُ وَمِنْهُ كَرَاهَةُ تَسْمِيَةِ الْوَلَدِ وَالْغُلَامِ بِالِاسْمِ الْقَبِيحِ فَمِنْ ثَمَّ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵇ «حَوَّلَ أَسْمَاءً مَكْرُوهَةً مِنْ أَقْوَامٍ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِأَسْمَاءٍ حَسَنَةٍ»

стр. 1018

وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ جُهَّالِ الصُّوفِيَّةِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ أُعْطِيَ كَلِمَةَ كُنْ وَيَسْأَلُونَ أَنْ يُعْطَوْا كَلِمَةَ كُنْ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وَمَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَعْلَمُونَ مَا مَعْنَى إعْطَائِهَا إنْ صَحَّ أَنَّهَا أُعْطِيت، وَهَذِهِ أَغْوَارٌ بَعِيدَةُ الرَّوْمِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَخَرِّصِينَ فَيَهْلَكُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبُونَ وَهُمْ عَنْهُ مُتَبَاعِدُونَ عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ وَأَسْبَابِهَا وَالْجَهَالَاتِ وَشَبَهِهَا. (الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسَبِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِيلَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَنْسَابِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ طَلَبًا لِصُدُورِ الِاسْتِيلَادِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ كُفْرًا وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا فَهَذِهِ كُلُّهَا وُجُوهٌ مُخِلَّةٌ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ تَقَعُ لِلْعِبَادِ الْجُهَّالِ وَمَنْ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ جُهَّالِ الصُّوفِيَّةِ فَيَقُولُونَ فُلَانٌ أُعْطِيَ كَلِمَةَ كُنْ وَيَسْأَلُونَ أَنْ يُعْطَوْا كَلِمَةَ كُنْ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وَمَا يَعْلَمُونَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَعْلَمُونَ مَا مَعْنَى إعْطَائِهَا إنْ صَحَّ أَنَّهَا أُعْطِيت وَهَذِهِ أَغْوَارٌ بَعِيدَةُ الرَّوْمِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَخَرِّصِينَ، فَيَهْلَكُونَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مُتَقَرِّبُونَ وَهُمْ عَنْهُ مُتَبَاعِدُونَ عَصَمَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الْفِتَنِ وَأَسْبَابِهَا وَالْجَهَالَاتِ وَشَبَهِهَا) قُلْت إنْ كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْمُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي غَيْرَهُ كَلِمَةَ كُنْ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعْطِيهِ الِاقْتِدَارَ فَذَلِكَ جَهْلٌ شَنِيعٌ إنْ أَرَادُوا أَنَّهُ يُعْطِيهِ الِاسْتِقْلَالَ وَإِلَّا فَهُوَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ وَكِلَاهُمَا كُفْرٌ بِالْمَآلِ. وَإِنْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي كُنْ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الشَّخْصِ الْكَائِنَاتُ الَّتِي يُرِيدُهَا مَقْرُونَةً بِإِرَادَتِهِ فَعَبَّرُوا عَنْ ذَلِكَ بِإِعْطَائِهِ كَلِمَةَ كُنْ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إذَا اقْتَرَنَ بِقَوْلِهِمْ قَرِينَةٌ تُفْهِمُ الْمَقْصُودَ قَالَ (الثَّانِي أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسَبِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِيلَادِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَنْسَابِ) قُلْت الْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِيمَا قَبْلَهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَخَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرَجُلٍ مَا اسْمُك فَقَالَ جَمْرَةُ فَقَالَ: ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ قَالَ: مِمَّنْ قَالَ الْحَرَّةُ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ قَالَ بِحَرَّةِ النَّارِ قَالَ بِأَيِّهَا قَالَ بِذَاتِ لَظَى قَالَ عُمَرُ أَدْرِك أَهْلَك فَقَدْ احْتَرَقُوا قَالَ فَكَانَ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَمِثْلُ الْمَنْظَرِ الْقَبِيحِ يَرَاهُ الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَيَتَشَاءَمُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ «لَمَّا دَخَلَ خَيْبَرَ وَرَأَى زِنْبِيلًا وَمِسْحَاةً قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ» وَمِنْهُ كَرَاهَةُ إرْسَالِ الرَّسُولِ الْوَخْشَ لِقَضَاءِ الْحَوَائِجِ أَوْ كَرَاهَةُ طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ كَانَ قَبِيحَ الْوَجْهِ حَذَرًا مِنْ عَدَمِ قَضَائِهَا فَهَذَا قَالَ قَبِيحٌ مُبَاحٌ، وَالْمُتَرَدِّدُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْفَأْلُ الْحَرَامُ الَّذِي بَيَّنَهُ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ فَقَالَ: إنَّ أَخْذَ الْفَأْلِ مِنْ الْمُصْحَفِ. وَضَرْبَ الرَّمْلِ وَالْقُرْعَةِ، وَالضَّرْبَ بِالشَّعِيرِ، وَجَمِيعَ هَذَا النَّوْعِ حَرَامٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ لِأَزْلَامِ أَعْوَادٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَكْتُوبٌ عَلَى أَحَدِهَا افْعَلْ، وَعَلَى الْآخَرِ لَا تَفْعَلْ، وَعَلَى الْآخَرِ غُفْلٌ فَيَخْرُجُ أَحَدُهَا، فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْهِ افْعَلْ أَقْدَمَ عَلَى حَاجَتِهِ الَّتِي يَقْصِدُهَا أَوْ لَا تَفْعَلْ أَعْرَضَ عَنْهَا، وَاعْتَقَدَ أَنَّهَا ذَمِيمَةٌ أَوْ خَرَجَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْهَا غُفْلٌ أَعَادَ الضَّرْبَ فَهُوَ يَطْلُبُ قِسْمَهُ مِنْ الْغَيْبِ بِتِلْكَ الْأَعْوَادِ فَهُوَ اسْتِقْسَامٌ أَيْ طَلَبُ الْقَسْمِ، الْجَيِّدُ يَتْبَعُهُ وَالرَّدِيء يَتْرُكُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَ الْفَأْلَ مِنْ الْمُصْحَفِ أَوْ غَيْرِهِ إنَّمَا يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَقْصِدَ إنْ خَرَجَ جَيِّدًا اتَّبَعَهُ أَوْ رَدِيئًا اجْتَنَبَهُ فَهُوَ عَيْنُ الِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الَّذِي وَرَدَ الْقُرْآنُ بِتَحْرِيمِهِ فَيَحْرُمُ اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَمَا رَأَيْتُهُ يَعْنِي الطُّرْطُوشِيَّ حَكَى فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا هُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلْخَيْرِ أَوْ لِلشَّرِّ هُوَ أَنَّ تَحْرِيمَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - بِغَيْرِ سَبَبٍ تَقْتَضِيهِ عَادَةٌ رَبَّانِيَّةٌ فَالْحَقُّ بِالطِّيَرَةِ وَإِبَاحَةِ الْمُتَعَيِّنِ لِلْخَيْرِ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلْخَيْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَإِبَاحَةِ الْمُتَعَيِّنِ لِلشَّرِّ؛ لِأَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ وَسِيلَةً لِلشَّرِّ وَسُوءِ ظَنٍّ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - إلَّا أَنَّهُ بِسَبَبٍ تَقْتَضِيهِ عَادَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عَوَائِدَ اللَّهِ إذَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّطَيُّرِ وَالْفَأْلِ الْمُبَاحِ وَالْفَأْلِ الْحَرَامِ هَذَا تَوْضِيحُ وَتَنْقِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي تَجُوزُ تَعْبِيرُهَا وَقَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي لَا يَجُوزُ تَعْبِيرُهَا] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ] (الْفَرْقُ السَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي يَجُوزُ تَعْبِيرُهَا وَقَاعِدَةِ الرُّؤْيَا الَّتِي لَا يَجُوزُ تَعْبِيرُهَا) ، وَهُوَ الرُّؤْيَا الْمَنَامِيَّةُ كَمَا قَالَ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ سَبْعَةٌ مِنْهَا لَا تُعَبِّرُ وَوَاحِدَةٌ مِنْهَا تُعَبِّرُ فَأَمَّا السَّبْعَةُ فَأَحَدُهَا وَثَانِيهَا وَثَالِثُهَا وَرَابِعُهَا مَا نَشَأَتْ عَنْ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ الْغَالِبَةِ عَلَى مِزَاجِ الرَّائِي الْمَعْرُوفِ غَلَبَةُ خَلْطٍ مِنْهَا عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ

стр. 1019

وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ إذَا بَنَاهَا مُسْلِمٌ وَيَكُونُ رِدَّةً فِي حَقِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إرَادَةَ الْكُفْرِ وَكَذَلِكَ أَفْتَى بِأَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ نَبِيًّا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ كَانَ كَافِرًا لِإِرَادَتِهِ إمَاتَةَ شَرِيعَتِهِ وَإِرَادَةُ إمَاتَةِ الشَّرَائِعِ كُفْرٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةُ لَيْسَ عُذْرًا لِلدَّاعِي عِنْدَ اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَهْلٍ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ دَفْعُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِلْجَاهِلِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ رُسُلَهُ إلَى خَلْقِهِ بِرَسَائِلِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ كَافَّةً أَنْ يُعَلِّمُوهَا ثُمَّ يَعْمَلُوا بِهَا فَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبَانِ فَمَنْ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَالْعَمَلَ وَبَقِيَ جَاهِلًا فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَتَيْنِ لِتَرْكِهِ وَاجِبَيْنِ وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَةً وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْعَمَلِ وَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ فَقَدْ نَجَا وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «النَّاسُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَالِمُونَ وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ» فَحَكَمَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ بِالْهَلَاكِ إلَّا الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ. ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطًا أُخَرَ مَعَ الْعِلْمِ فِي النَّجَاةِ مِنْ الْهَلَاكِ نَعَمْ الْجَهْلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ لِلْمُكَلَّفِ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ يَكُونُ عُذْرًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً أَوْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ خَلًّا أَوْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا يَظُنُّهُ طَاهِرًا مُبَاحًا فَهَذِهِ الْجَهَالَاتُ يُعْذَرُ بِهَا إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَشَبَهِهَا لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَيُعْذَرُونَ بِذَلِكَ، وَأَمَّا الْجَهْلُ الَّذِي يُمْكِنُ رَفْعُهُ لَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ الزَّمَانِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ إذَا بَنَاهَا مُسْلِمٌ أَوْ يَكُونُ رِدَّةً فِي حَقِّهِ لِاسْتِلْزَامِهِ إرَادَةَ الْكُفْرِ) قُلْت مَعْنَى قَوْلِ الْأَشْعَرِيِّ إنَّ بِنَاءَ الْكَنَائِسِ كُفْرٌ أَيْ فِي الْحُكْمِ الدُّنْيَوِيِّ، وَأَمَّا الْأُخْرَوِيُّ فَبِحَسَبِ النِّيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَكَذَلِكَ أَفْتَى فِي الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ نَبِيًّا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ كَانَ كَافِرًا لِإِرَادَتِهِ إمَاتَةَ شَرِيعَتِهِ وَإِرَادَةُ إمَاتَةِ الشَّرَائِعِ كُفْرٌ) قُلْت مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَهْلَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةُ لَيْسَ عُذْرًا إلَى آخِرِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلُّهُ صَحِيحٌ إلَّا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ التَّحْرِيمُ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَإِلَّا ظَهَرَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ النَّدْبُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الدَّالَّةِ عَلَى تِلْكَ الْغَلَبَةِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ السَّوْدَاءُ رَأَى الْأَلْوَانَ السُّودَ وَالْأَشْيَاءَ الْمُحَرَّقَةَ وَالطُّعُومَ الْحَامِضَةَ؛ لِأَنَّهُ طَعِمَ السَّوْدَاءَ، وَمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الصَّفْرَاءُ رَأَى الْأَلْوَانَ الصُّفْرَ لِطُعُومِ الْمِرَّةِ وَالسَّمُومِ وَالْحَرُورِ وَالصَّوَاعِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّفْرَاءَ مُسَخِّنَةٌ مِرَّةٌ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ يَرَى الْأَلْوَانَ الْحُمْرَ وَالطُّعُومَ الْحُلْوَةَ وَأَنْوَاعَ الطَّرَبِ؛ لِأَنَّ الدَّمَ مُفْرِحٌ حُلْوٌ، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ رَأَى الْأَلْوَانَ الْبِيضَ وَالْأَمْطَارَ وَالْمِيَاهَ وَالثَّلْجَ (وَخَامِسُهَا) مَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِجَوَلَانِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَكَثْرَةِ الْفِكْرِ فِيهِ فَيَسْتَوْلِي عَلَى النَّفْسِ فَتُكَيَّفُ بِهِ فَيَرَاهُ فِي النَّوْمِ وَسَادِسُهَا مَا هُوَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَيُعْرَفُ بِكَوْنِهِ فِيهِ حَثٌّ عَلَى أَمْرٍ تُنْكِرُهُ الشَّرِيعَةُ أَوْ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ جَائِزٍ يُؤَدِّي إلَى أَمْرٍ مُنْكَرٍ كَمَا إذَا أَمَرَهُ بِالتَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ فَتَضِيعُ عَائِلَتُهُ أَوْ يُعْتِقُ بِذَلِكَ أَبَوَيْهِ وَسَابِعُهَا: مَا كَانَ فِيهِ احْتِلَامٌ (وَالْقِسْمُ الثَّامِنُ) : الَّذِي يَجُوزُ تَعْبِيرُهُ هُوَ مَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ السَّبْعَةِ وَهُوَ مَا يَنْقُلُهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ فَإِنَّ اللَّهَ ، وَكَّلَ مَلَكًا بِاللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ يَنْقُلُ لِكُلِّ أَحَدٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ لَا يَتْرُكُ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ اهـ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ تَقُولُ الْعَرَبُ: رَأَيْت رُؤْيَةً إذَا عَايَنْت بِبَصَرِك وَرَأَيْت رَأْيًا إذَا اعْتَقَدْت بِقَلْبِك، وَرَأَيْت رُؤْيَا بِالْقَصْرِ إذَا عَايَنْت فِي مَنَامِك، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْيَقَظَةِ اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] فِي الْيَقَظَةِ اهـ قُلْت: قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] عِيَانًا لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ أَهْلِ مَكَّةَ إذْ كَذَّبُوا بِهَا وَارْتَدَّ بَعْضُهُمْ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ بِهَا اهـ وَفِي الْجَمَلِ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَعَلَى الْيَقَظَةِ فَهِيَ بِمَعْنَى الرُّؤْيَةِ فَتَسْمِيَتُهَا رُؤْيَا لِوُقُوعِهَا بِاللَّيْلِ وَسُرْعَةِ تَقَضِّيهَا كَأَنَّهَا مَنَامٌ اهـ قَالَ الْمَحَلِّيُّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَاخْتُلِفَ فِي وُقُوعِ رُؤْيَتِهِ - تَعَالَى - فِي الْيَقَظَةِ لَهُ ﷺ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَالصَّحِيحُ نَعَمْ اهـ قَالَ الْعَطَّارُ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَأُجِيبَ عَمَّا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ رَأَيْت رَبَّك قَالَ رَأَيْت نُورًا» وَفِي رِوَايَةٍ «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» بِرَفْعِ " نُورٌ " عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ بِمَحْذُوفٍ وَفَتْحِ هَمْزَةِ أَنَّى وَتَشْدِيدِ نُونِهَا بِمَعْنَى كَيْفَ أَيْ حَجَبَنِي نُورٌ كَيْفَ أَرَاهُ أَيْ اللَّهَ - تَعَالَى - بِأَنَّهَا لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ صَرَاحَتِهَا فَأَبُو ذَرٍّ نَافٍ، وَغَيْرُهُ مُثْبِتٌ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي اهـ الْمُرَادُ

стр. 1020

وَاسْتِمْرَارِ الْأَيَّامِ وَاَلَّذِي لَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ يُعْلَمُ فِي غَدٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ فَسَادٌ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا لِأَحَدٍ وَلِذَلِكَ أَلْحَقَ مَالِكٌ الْجَاهِلَ فِي الْعِبَادَاتِ بِالْعَامِدِ دُونَ النَّاسِي؛ لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] أَيْ بِجَوَازِ سُؤَالِهِ فَاشْتَرَطَ الْعِلْمَ بِالْجَوَازِ قَبْلَ الْإِقْدَامِ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ التَّحْرِيمُ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي الْفُرُوقِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَحْذَرَ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا حَذَرًا شَدِيدًا لِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ مِنْ سَخَطِ الدَّيَّانِ وَالْخُلُودِ فِي النِّيرَانِ وَحُبُوطِ الْأَعْمَالِ وَانْفِسَاخِ الْأَنْكِحَةِ وَاسْتِبَاحَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْأَمْوَالِ وَهَذَا فَسَادٌ كُلُّهُ يَتَحَصَّلُ بِدُعَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ وَلَا تَرْتَفِعُ أَكْثَرُ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ إلَّا بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ وَالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَإِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ أَمْرُهُ كَمَا ذَكَرْنَاهُ نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ مِنْ مُوجِبَاتِ عِقَابِهِ، وَأَصْلُ كُلِّ فَسَادٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْجَهْلُ فَاجْتَهِدْ فِي إزَالَتِهِ عَنْك مَا اسْتَطَعْت كَمَا أَنَّ أَصْلَ كُلِّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ فَاجْتَهِدْ فِي تَحْصِيلِهِ مَا اسْتَطَعْت وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَقْسَامُ بِتَمَيُّزِهَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا) . وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا ثَبَتَ الْحَصْرُ فِيهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ فَتَكُونُ هِيَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَنْبَغِي لِلسَّائِلِ أَنْ يَحْذَرَ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا حَذَرًا شَدِيدًا. ثُمَّ قَالَ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ الْأَقْسَامُ بِتَمَيُّزِهَا حَصَلَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ الدُّعَاءِ، وَمَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ) قُلْت لَمْ يَحْصُلْ الْمَطْلُوبُ بِمَا قَرَّرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ فِي هَذَا الْفَرْقِ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى أَنَّهُ بِعَيْنِهِ كُفْرٌ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ. قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ اثْنَا عَشَرَ قِسْمًا ثَبَتَ الْحَصْرُ فِيهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ فَتَكُونُ هِيَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] التَّنْبِيهُ الثَّانِي) خَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ الَّذِي يَكْرَهُهُ فَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إذَا اسْتَيْقَظَ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -» قَالَ الْبَاجِيَّ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَقُولُ فِي الِاسْتِعَاذَةِ - إذَا نَفَثَ عَنْ يَسَارِهِ: أَعُوذُ بِمَنْ اسْتَعَاذَتْ بِهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ مِنْ شَرِّ مَا رَأَيْت فِي مَنَامِي هَذَا أَنْ يُصِيبَنِي مِنْهُ شَيْءٌ أَكْرَهُهُ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ عَلَى جَانِبِهِ الْآخَرِ اهـ وَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا الْمُبَشِّرَةَ أَوْ الصَّالِحَةَ، وَالْحُلْمُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يُحْزِنُ، أَوْ الْكَاذِبَةُ يُخَيَّلُ بِهَا لِيَفْرَحَ أَوْ يَحْزَنَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: الْفَرْقُ بَيْنَ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ رُؤْيَا غَيْرِهِمْ إذَا أَخْطَأَ فِي تَأْوِيلِهَا لَا تَخْرُجُ كَمَا أُوِّلَتْ وَرُؤْيَا غَيْرِ الصَّالِحِ لَا يُقَالُ فِيهَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ، وَإِنَّمَا يُلْهِمُ اللَّهُ - تَعَالَى - الرَّائِيَ التَّعَوُّذَ إذَا كَانَتْ مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ قَدَّرَ أَنَّهَا لَا تُصِيبُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ شَرَّ الْقَدَرِ قَدْ يَكُونُ وُقُوعُهُ مَوْقُوفًا عَلَى عَدَمِ الدُّعَاءِ اهـ (وَصْلٌ فِي ثَمَانِ مَسَائِلَ) تَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَا (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) خَرَّجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الرُّؤْيَا الْحَسَنَةُ مِنْ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ» قَالَ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ أَنَّ مُدَّةَ نُبُوَّتِهِ ﷺ كَانَتْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ نُبُوَّةٌ بِالرُّؤْيَا فَأَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ ﵇ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وَنِسْبَةُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا، وَقِيلَ: أَجْزَاءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا أَحَدٌ، وَرُوِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَرُوِيَ مِنْ سَبْعِينَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا فِي الرُّؤْيَا فَيُحْمَلَ الْأَوَّلُ عَلَى الْجَلِيَّةِ وَالْأَكْثَرِ مِنْ الْعَدَدِ عَلَى الرُّؤْيَا الْخَفِيَّةِ، أَوْ تَكُونَ السِّتَّةُ وَالْأَرْبَعُونَ هِيَ الْمُبَشِّرَةَ، وَالسَّبْعُونَ هِيَ الْمُحْزِنَةَ وَالْمَخُوفَةَ لِقِلَّةِ تَكَرُّرِهِ، وَلِمَا يَكُونُ جِنْسُهُ مِنْ الشَّيْطَانِ اهـ قَالَ الزَّرْقَانِيُّ: وَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مُدَّةَ نُبُوَّتِهِ إلَخْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: بَعِيدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَعْدَ الْبَعْثَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَبْقَى حَدِيثُ سَبْعِينَ جُزْءًا لَا مَعْنَى لَهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ. هَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا تَحْمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ فَأَوَّلُ مَا يَجِبُ عَلَى قَائِلِهِ أَنْ يُثْبِتَ مَا ادَّعَاهُ خَبَرًا، وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ أَثَرًا وَلَا ذَكَرَ مُدَّعِيهِ فِيهِ خَبَرًا، فَكَأَنَّهُ قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا خَفِيَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ يَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ كَأَعْدَادِ الرَّكَعَاتِ وَأَيَّامِ الصِّيَامِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ فَإِنَّا لَا نَصِلُ مِنْ عِلْمِهَا إلَى أَمْرٍ يُوجِبُ حَصْرَهَا تَحْتَ أَعْدَادِهَا. وَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِي مُوجِبِ اعْتِقَادِنَا

стр. 1021

الْمُحَرَّمَةَ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي الْقِسْمَيْنِ، فَإِنْ ظَفِرَ أَحَدٌ بِقِسْمٍ آخَرَ مُحَرَّمٍ أَضَافَهُ لِهَذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَهَا أَنَا أُمَثِّلُ كُلَّ قِسْمٍ بِمُثُلِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ لِيُقَاسَ عَلَيْهَا نَظَائِرُهَا : الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَى أَحْوَالِ الْإِقْلِيمَيْنِ فَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُلُوكِ إلَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي قُدْرَتِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَّضَهُمْ لِلْعَجْزِ لَا سِيَّمَا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَهَكِّمًا بِالرُّبُوبِيَّةِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْمُحَرَّمَةُ، وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي الْقِسْمَيْنِ، فَإِنْ ظَفِرَ أَحَدٌ بِقِسْمٍ آخَرَ أَضَافَهُ لِهَذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَهَا أَنَا أُمَثِّلُ كُلَّ قِسْمٍ بِمُثُلِهِ اللَّائِقَةِ بِهِ لِيُقَاسَ عَلَيْهَا نَظَائِرُهَا: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّة وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَى أَحْوَالِ الْإِقْلِيمَيْنِ فَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُطْلَبُ مِنْ الْمُلُوكِ إلَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي قُدْرَتِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ عَرَّضَهُمْ لِلْعَجْزِ لَا سِيَّمَا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَهَكِّمًا بِالرُّبُوبِيَّةِ) . قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْكَوْنِ فِي مَكَانَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ حَرَامٌ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ بِحُجَّةٍ غَيْرَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُلُوكِ وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لِجَوَازِ الْعَجْزِ عَلَيْهِمْ وَامْتِنَاعِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى. وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ هُوَ عَيْنُ الدَّعْوَى، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُتَهَكِّمًا بِالرُّبُوبِيَّةِ مَمْنُوعٌ وَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ إلَّا الْقِيَاسَ عَلَى الْمُلُوكِ، وَمَا بَالُهُ يَقِيسُهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي قَصْدِ التَّعْجِيزِ وَالتَّهَكُّمِ وَلَا يَقِيسُهُ عَلَيْهِمْ فِي قَصْدِ الْمُبَالَغَةِ وَالْغُلُوِّ فِي التَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ فَقَدْ خُوطِبَ الْمُلُوكُ بِنِسْبَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ إلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الْغُلُوِّ فِي تَرْفِيعِهِمْ لَا عَلَى قَصْدِ تَعْجِيزِهِمْ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَنْ خَاطَبَ اللَّهَ تَعَالَى بِمِثْلِ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْظِيمِ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِ أَوْ قَاصِدًا لِلتَّعْجِيزِ أَوْ غَيْرَ قَاصِدٍ لِهَذَا وَلَا لِهَذَا، فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا حَرَجَ بَلْ يَكُونُ مُطِيعًا مَأْجُورًا، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يَكُونُ عَاصِيًا وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّالِثِ يَكُونُ مُطِيعًا بِصُورَةِ الدُّعَاءِ مُثَابًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُطِيعٍ وَلَا عَاصٍ بِالْقَصْدِ لِعُرُوِّهِ عَنْهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِلُزُومِهَا قَالَ: وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ هَذِهِ الْمُدَّةَ مَحْسُوبَةٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ لَكِنَّهُ يَلْحَقُ بِهَا سَائِرُ الْأَوْقَاتِ الَّتِي أُوحِيَ إلَيْهِ فِيهَا مَنَامًا فِي طُولِ الْمُدَّةِ كَرُؤْيَا أَحَدٍ دُخُولَ مَكَّةَ فَتَلَفَّقَ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةٌ أُخْرَى تُزَادُ فِي الْحِسَابِ فَتَبْطُلُ الْقِسْمَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ عَلَى تَقْرِيرِ الصِّحَّةِ وَحْيُ الْمَنَامِ الْمُتَتَابِعِ فَمَا وَقَعَ فِي غُضُونِ وَحْيِ الْيَقَظَةِ يَسِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَحْيِ الْيَقَظَةِ فَهُوَ مَغْمُورٌ فِي جَانِبِ وَحْيِهَا فَلَمْ تُعْتَبَرْ بِهِ وَقَدْ ذَكَرُوا مُنَاسَبَاتٍ غَيْرَ ذَلِكَ يَطُولُ ذِكْرُهَا اهـ وَقَوْلُ الْبَاجِيَّ: وَرُوِيَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ إلَخْ قَالَ الزَّرْقَانِيُّ جُمْلَةُ الرِّوَايَاتِ عَشْرٌ الْمَشْهُورُ، وَهُوَ مَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ، وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ» وَلَهُ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا وَلِلطَّبَرَانِيِّ عَنْهُ مِنْ سِتَّةٍ وَسَبْعِينَ وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَعِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ» وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي رَزِينٍ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ وَلِابْنِ جَرِيرٍ عَنْ عُبَادَةَ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَابْنُ النَّجَّارِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَوَقَعَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ وَفِي رِوَايَةِ عُبَادَةَ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ قَالَ الْحَافِظُ: وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ اخْتِلَافِ الْأَعْدَادِ بِأَنَّهُ بِحَسَبِ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّثَ فِيهِ ﷺ بِذَلِكَ كَانَ يَكُونُ لَمَّا أَكْمَلَ ثَلَاثَ عَشَرَةَ سَنَةً بَعْدَ مَجِيءِ الْوَحْيِ إلَيْهِ حَدَّثَ بِأَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ إنْ ثَبَتَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ وَقْتُ الْهِجْرَةِ. وَلَمَّا أَكْمَلَ عِشْرِينَ حَدَّثَ بِأَرْبَعِينَ، وَلَمَّا أَكْمَلَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ حَدَّثَ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ، ثُمَّ بَعْدَهَا بِخَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ ثُمَّ حَدَّثَ بِسِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَاتِ فَضَعِيفٌ، وَرِوَايَةُ خَمْسِينَ يَحْتَمِلُ جَبْرَ الْكَسْرِ وَالسَّبْعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَعَبَّرَ بِالنُّبُوَّةِ دُونَ الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ بِالتَّبْلِيغِ بِخِلَافِ النُّبُوَّةِ فَاطِّلَاعٌ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ، وَكَذَلِكَ الرُّؤْيَا قَالَ قَائِلٌ: فَإِذَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ فَكَيْفَ يَكُونُ لِلْكَافِرِ مِنْهَا نَصِيبٌ كَرُؤْيَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ وَرُؤْيَا مَلِكِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ جَالِينُوسَ عَرَضَ لَهُ وَرَمٌ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَتَّصِلُ مِنْهُ بِالْحِجَابِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ فِي الْمَنَامِ بِفَصْدِ الْعِرْقِ الضَّارِبِ مِنْ كَفِّهِ الْيُسْرَى فَبَرَأَ أُجِيبَ بِأَنَّ الْكَافِرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لَهَا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَرَى مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ فِي دُنْيَاهُ كَمَا أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَيْسَ مَحَلًّا لَهَا ثُمَّ لَا يَمْتَنِعُ رُؤْيَتُهُ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَإِنَّ النَّاسَ فِي الرُّؤَى ثَلَاثُ دَرَجَاتِ: الْأَنْبِيَاءُ رُؤْيَاهُمْ كُلُّهَا صِدْقٌ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْبِيرٍ، وَالصَّالِحُونَ وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمْ الصِّدْقُ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْبِيرٍ، وَقَدْ يَقَعُ فِيهَا مَا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْبِيرٍ وَمَا عَدَاهُمْ يَقَعُ فِي رُؤْيَاهُمْ الصِّدْقُ وَالْأَضْغَاثُ، وَهُمْ ثَلَاثَةٌ: مَسْتُورُونَ فَالْغَالِبُ اسْتِوَاءُ الْحَالِ فِي حَقِّهِمْ

стр. 1022

الثَّانِي) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى دَوَامَ إصَابَةِ كَلَامِهِ مِنْ الْحِكَمِ الدَّقِيقَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَفْتَخِرَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْفُضَلَاءِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ لِيَسْلَمَ طُولَ عُمْرِهِ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَالْأَنْكَادِ وَالْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَلَايَا، وَقَدْ دَلَّتْ الْعُقُولُ عَلَى اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مُسْتَحِيلَةً فِي حَقِّهِ عَقْلًا كَانَ طَلَبُهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سُوءَ أَدَبٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا يُعَدُّ فِي الْعَادَةِ تَلَاعُبًا وَضَحِكًا مِنْ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ لَهُ مِنْ الْإِجْلَالِ فَوْقَ مَا يَجِبُ لِخَلْقِهِ فَمَا نَافَى إجْلَالَ خَلْقِهِ أَوْلَى أَنْ يُنَافِيَ جَلَالَهُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ بَلْ قَدْ عَابَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، وَقَالَ ﵊ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» أَيْ ثَنَاؤُك ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الثَّانِي أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى دَوَامَ إصَابَة كَلَامِهِ مِنْ الْحِكَمِ الدَّقِيقَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَفْتَخِرَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْفُضَلَاءِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ) قُلْت لَيْسَ هَذَا الْمِثَالُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ بَلْ هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةِ. قَالَ (الثَّالِثُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ لِيَسْلَمَ طُولَ عُمْرِهِ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَالْأَنْكَادِ وَالْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَلَايَا، وَقَدْ دَلَّتْ الْعُقُولُ عَلَى اسْتِحَالَةِ جَمِيعِ ذَلِكَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مُسْتَحِيلَةً فِي حَقِّهِ عَقْلًا كَانَ طَلَبُهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سُوءَ أَدَبٍ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا يُعَدُّ فِي الْعَادَةِ تَلَاعُبًا وَضَحِكًا مِنْ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ لَهُ مِنْ الْإِجْلَالِ فَوْقَ مَا يَجِبُ لِخَلْقِهِ فَمَا نَافَى إجْلَالَ خَلْقِهِ أَوْلَى أَنْ يُنَافِيَ جَلَالَهُ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا خَطَأٌ بَلْ هِيَ مُسْتَحِيلَةٌ عَادَةً إلَّا الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ الْأَعْرَاضِ فَهُوَ مِنْ الْمُسْتَحِيلِ عَقْلًا خَاصَّةً عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْعَرَضَ لَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ طَلَبَ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ قَدْ مَرَجُوا بِهِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ الْإِجْلَالِ إلَى آخِرِهِ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ فِي كَلَامِهِ إيهَامَ الْمُشَارَكَةِ فِي مُوجَبِ الْإِجْلَالِ مِنْ جِهَةِ اقْتِضَاءِ أَفْعَلْ الَّتِي لِلْمُفَاضَلَةِ. قَالَ (بَلْ قَدْ عَابَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، وَقَالَ ﵊ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» أَيْ ثَنَاؤُك ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفَسَقَةٌ وَالْغَالِبُ عَلَى رُؤْيَاهُمْ الْأَضْغَاثُ، وَيَقِلُّ فِيهَا الصِّدْقُ، وَكُفَّارٌ وَيَنْدُرُ فِيهَا الصِّدْقُ جِدًّا، وَيَرْشُدُ لِذَلِكَ خَبَرُ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا» اهـ وَفِي الْقَبَسِ رُوِيَ أَيْضًا خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ وَخَمْسَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَاخْتَلَفَتْ الْأَعْدَادُ؛ لِأَنَّهَا رُؤْيَا النُّبُوَّةِ لَا نَفْسُ النُّبُوَّةِ وَجُعِلَتْ بِشَارَاتٍ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ جُزْءًا مِنْ سَبْعِينَ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمَّ زَادَ حَتَّى بَلَغَ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ قَالَ: وَتَفْسِيرُهَا بِمُدَّةٍ ﷺ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مُفْتَقِرٌ لِنَقْلٍ صَحِيحٍ، وَلَمْ يُوجَدْ قَالَ: وَالْأَحْسَنُ قَوْلُ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ عَالِمُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ: إنَّ نِسْبَةَ هَذِهِ الْأَعْدَادِ إلَى النُّبُوَّةِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الرَّائِي فَرُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ عَلَى نِسْبَتِهِ، وَاَلَّذِي دُونَ دَرَجَتِهِ دُونَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﵇ «لَمْ يَبْقَ بَعْدِي مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ» حَضٌّ عَلَى نَقْلِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِهَا لِيَبْقَى لَهُمْ بَعْدَهُ ﵇ جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ فَبَشَّرَ بِذَلِكَ أُمَّتَهُ، وَلَا يُعَبِّرُ الرُّؤْيَا إلَّا مَنْ يَعْلَمُهَا وَيُحْسِنُهَا، وَإِلَّا فَلْيَتْرُكْ، وَسُئِلَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَيُفَسِّرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ قَالَ أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ؟ ، قِيلَ: لَهُ أَيُفَسِّرُهَا عَلَى الْخَيْرِ، وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الشَّرِّ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: الرُّؤْيَا عَلَى مَا أُوِّلَتْ؟ فَقَالَ: الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ أَفَيُتَلَاعَبُ بِأَمْرِ النُّبُوَّةِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ رُؤْيَا الْمَنَامِ هِيَ رُؤْيَةُ الْعَيْنِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ لِأَصْحَابِنَا أَهْلِ السُّنَّةِ فِي رُؤْيَا الْمَنَامِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ خَوَاطِرُ وَاعْتِقَادَاتٌ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هِيَ إدْرَاكٌ بِأَجْزَاءٍ لَمْ تُحِلْهَا آفَةُ النَّوْمِ فَإِذَا رَأَى الرَّائِي أَنَّهُ بِالْمَشْرِقِ. وَهُوَ بِالْمَغْرِبِ أَوْ نَحْوَهُ فَهِيَ أَمْثِلَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - دَلِيلًا عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي كَمَا جُعِلَتْ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ وَالرُّقُومُ لِلْكِتَابَةِ دَلِيلًا عَلَى الْمَعَانِي فَإِذَا رَأَى اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْ النَّبِيَّ ﷺ فَهِيَ أَمْثِلَةٌ تُضْرَبُ لَهُ بِقَدْرِ حَالِهِ فَإِنْ كَانَ مُوَحِّدًا رَآهُ حَسَنًا أَوْ مُلْحِدًا رَآهُ قَبِيحًا، وَهُوَ أَحَدُ التَّأْوِيلَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «رَأَيْت رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ» قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَالَ لِي بَعْضُ الْأُمَرَاءِ: رَأَيْت الْبَارِحَةَ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنْ السَّوَادِ فَقُلْت لَهُ: ظَلَمْت الْخَلْقَ وَغَيَّرْت الدِّينَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَالتَّغْيِيرُ فِيهِ لَا شَكَّ فِيهِ وَكَانَ مُتَغَيِّرًا عَلَيَّ، وَعِنْدَهُ كَاتِبُهُ وَصِهْرُهُ وَوَلَدُهُ فَأَمَّا الْكَاتِبُ فَمَاتَ، وَأَمَّا الْآخَرَانِ فَتَنَصَّرَا، وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ مُسْتَنِدًا فَجَلَسَ عَلَى نَفْسِهِ وَجَعَلَ يَتَعَذَّرُ وَكَانَ آخِرُ كَلَامِهِ وَدِدْت أَنْ أَكُونَ حَمِيًّا لِنَخَلَاتٍ أَعِيشُ بِهَا بِالثَّغْرِ قُلْت لَهُ: وَمَا يَنْفَعُك أَنْ أَقْبَلَ أَنَا عُذْرَك فَخَرَجْت فَوَاَللَّهِ مَا تَوَقَّفَتْ لِي عِنْدَهُ بَعْدُ حَاجَةٌ، وَأَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا: هِيَ تَخَايِيلُ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، وَلَا دَلِيلَ فِيهَا وَجَرَتْ الْمُعْتَزِلَةُ عَلَى أُصُولِهَا فِي تَخْيِيلِهَا عَلَى الْعَادَةِ فِي إنْكَارِ أُصُولِ الشَّرْعِ فِي الْجِنِّ وَأَحَادِيثِهَا وَالْمَلَائِكَةِ وَكَلَامِهَا

стр. 1023

الْمُسْتَحَقُّ ثَنَاؤُك عَلَى نَفْسِك أَمَّا ثَنَاءُ الْخَلْقِ فَلَا؛ لِأَنَّهُ دُونَ الْمُسْتَحَقِّ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرَهَا وَاقْضِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَلَا تَصِلْ إلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ قِلَّةِ الْأَدَبِ فِي الْمُعَامَلَةِ دُونَ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ (الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَكُونُ كُفْرًا أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا فَإِنَّ عَادَةَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرْقُ الْعَادَةِ فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا سَأَلُوا نُزُولَ الْمَائِدَةِ مِنْ السَّمَاءِ وَخُرُوجَ النَّاقَةِ مِنْ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ أَوْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَادَةً بِذَلِكَ فَهُوَ جَارٍ عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قِلَّةُ أَدَبٍ أَوْ لَا يَكُونَ وَلِيًّا وَيَسْأَلَ خَرْقَ الْعَادَةِ وَيَكُونَ مَعْنَى سُؤَالِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ وَلِيًّا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ خَرْقَ الْعَادَةِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَتْ حَرَامًا، وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْمُسْتَحَقُّ ثَنَاؤُك عَلَى نَفْسِك أَمَّا ثَنَاءُ الْخَلْقِ فَلَا لِأَنَّهُ دُونَ الْمُسْتَحَقِّ) قُلْت إنْ كَانَ الثَّنَاءُ اللَّائِقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ اكْتِسَابِ الْبَشَرِ. ثُمَّ قَصَّرُوا فِيهِ لَحِقَهُمْ الذَّمُّ وَالْعَيْبُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فَلَا يَلْحَقُهُمْ ذَمٌّ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا. قَالَ (وَقِسْ عَلَى هَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرَهَا وَاقْضِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ وَلَا تَصِلُ إلَى الْكُفْرِ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ قِلَّةِ الْأَدَبِ فِي الْمُعَامَلَةِ دُونَ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ ذِي الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قِلَّةُ أَدَبٍ فَلَا قِيَاسَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَكُون كُفْرًا أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا فَإِنَّ عَادَةَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرْقُ الْعَادَةِ فَيَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ كَمَا سَأَلُوا نُزُولَ الْمَائِدَةِ مِنْ السَّمَاءِ وَخُرُوجَ النَّاقَةِ مِنْ الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ أَوْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَادَةً بِذَلِكَ فَهُوَ جَارٍ عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قِلَّةُ أَدَبٍ أَوْ لَا يَكُونُ وَلِيًّا وَيَسْأَلُ خَرْقَ الْعَادَةِ وَيَكُونُ مَعْنَى سُؤَالِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ وَلِيًّا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ خَرْقَ الْعَادَةِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَتْ حَرَامًا) قُلْت إجَازَةُ دُعَاءِ مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ بِخَرْقِ الْعَادَةِ إجَازَةٌ لِلدُّعَاءِ بِخَرْقِ الْعَادَةِ فَكُلُّ مَا أَنْكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِذَا أَجَازَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَقَدْ أَجَازَهُ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ مَنْعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ. قَالَ (وَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَلَهُ أَمْثِلَةٌ الْأَوَّلُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَإِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ لَوْ كَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ بِصَوْتٍ لَسَمِعَهُ الْحَاضِرُونَ وَقَالَ صَالِحٌ الْمُعْتَزِلِيّ رُؤْيَا الْمَنَامِ هِيَ رُؤْيَةُ الْعَيْنِ، وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ رُؤْيَةٌ بِعَيْنَيْنِ فِي الْقَلْبِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَأُذُنَيْنِ فِي الْقَلْبِ يَسْمَعُ بِهِمَا اهـ بِتَصَرُّفٍ [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: الْإِدْرَاكُ يُضَادُّهُ النَّوْمُ اتِّفَاقًا، وَالرُّؤْيَا إدْرَاكُ الْمِثْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فَكَيْفَ تَجْتَمِعُ مَعَ النَّوْمِ وَأَجَابَ بِأَنَّ النَّفْسَ ذَاتُ جَوَاهِرَ فَإِنْ عَمَّهَا النَّوْمُ فَلَا إدْرَاكَ، وَإِنْ عَمَّهَا الْإِدْرَاكُ فَلَا مَنَامَ، وَإِنْ قَامَ عَرَضُ النَّوْمِ بِبَعْضِهَا أَمْكَنَ قِيَامُ إدْرَاكِ الْمَنَامِ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ؛ وَلِذَلِكَ إنَّ أَكْثَرَ الْمَنَامَاتِ آخِرَ اللَّيْلِ عِنْدَ خِفَّةِ النَّوْمِ اهـ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) : قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَضْنُونِ بِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ لَعَلَّ الْعَالِمَ الَّذِي طَبْعُهُ قَرِيبٌ مِنْ طَبْعِ الْعَوَامّ يَفْهَمُ أَنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَأَى حَقِيقَةً شَخْصَهُ الْمُودَعَ فِي رَوْضَةِ الْمَدِينَةِ بِأَنْ شَقَّ الْقَبْرَ وَخَرَجَ مُرْتَحِلًا إلَى مَوْضِعِ الرُّؤْيَةِ، وَلَا شَكَّ فِي جَهْلِ مَنْ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَدْ يُرَى أَلْفَ مَرَّةٍ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي أَلْفِ مَوْضِعٍ بِأَشْخَاصٍ مُخْتَلِفَةٍ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي مَكَانَيْنِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ شَخْصٌ وَاحِدٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ شَيْخٌ وَشَابٌّ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ إلَخْ وَيُرَى عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَمَنْ انْتَهَى حُمْقُهُ إلَى هَذَا الْحَالِ فَقَدْ انْخَلَعَ عَنْ رِبْقَةِ الْعَقْلِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَاطَبَ ثُمَّ حُقِّقَ أَنَّ الْمَرْئِيَّ مِثَالٌ صَارَ وَاسِطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَذَلِكَ أَنَّ جَوْهَرَ النُّبُوَّةِ أَعْنِي الرُّوحَ الْمُقَدَّسَةَ الْبَاقِيَةَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ مُنَزَّهَةٌ عَنْ اللَّوْنِ وَالشَّكْلِ وَالصُّوَرِ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ ذَاتَهُ بِوَاسِطَةِ مِثَالٍ مَحْسُوسٍ مِنْ نُورٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصُّوَرِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي تَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مِثَالًا لِلْجَمَالِ الْحَقِيقِيِّ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي لَا صُورَةَ لَهُ، وَلَا لَوْنَ، وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمِثَالُ صَادِقًا حَقًّا وَوَاسِطَةً فِي التَّعْرِيفِ فَقَوْلُ الرَّائِي: رَأَيْت النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ لَا بِمَعْنَى أَنِّي رَأَيْت ذَاتَ رُوحِهِ أَوْ ذَاتَ شَخْصِهِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ لَا مِثْلَهُ؛ إذْ الْمِثْلُ الْمُسَاوِي فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَالْمِثَالُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُسَاوَاةِ؛ إذْ الْعَقْلُ مَعْنًى لَا يُمَاثِلُهُ غَيْرُهُ مُمَاثَلَةً حَقِيقِيَّةً وَلَنَا أَنْ نَضْرِبَ الشَّمْسَ لَهُ مِثَالًا لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. وَهُوَ أَنَّ الْمَحْسُوسَاتِ تَنْكَشِفُ بِنُورِ الشَّمْسِ كَمَا تَنْكَشِفُ الْمَعْقُولَاتُ بِالْعَقْلِ فَهَذَا الْقَدْرُ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ كَافٍ فِي الْمِثَالِ وَيُمَثَّلُ فِي النَّوْمِ السُّلْطَانُ بِالشَّمْسِ، وَالْوَزِيرُ بِالْقَمَرِ وَالسُّلْطَانُ لَا يُمَاثِلُ الشَّمْسَ بِصُورَتِهِ وَلَا بِمَعْنَاهُ، وَلَا الْوَزِيرُ يُمَاثِلُ الْقَمَرَ إلَّا أَنَّ السُّلْطَانَ لَهُ اسْتِعْلَاءٌ عَلَى الْكُلِّ، وَيَعُمُّ أَمْرُهُ الْجَمِيعَ، وَالشَّمْسُ تُنَاسِبُهُ فِي هَذَا الْقَدْرِ، وَالْقَمَرُ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْأَرْضِ فِي إفَاضَةِ

стр. 1024

لِيَأْمَنَ الِاخْتِنَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ. (الثَّانِي) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةِ مِنْ الْمَرَضِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَنْتَفِعَ بِقُوَاهُ وَحَوَاسِّهِ وَأَعْضَائِهِ أَبَدَ الدَّهْرِ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ الثِّمَارَ مِنْ غَيْرِ أَشْجَارٍ وَغِرَاسٍ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فَطَالِبُ ذَلِكَ مُسِيءُ الْأَدَبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الدَّاعِي اللَّهُمَّ لَا تَرْمِ بِنَا فِي شِدَّةٍ فَإِنَّ عَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى جَارِيَةٌ قَطْعًا بِوُقُوعِ بَعْضِ الْأَنْفُسِ فِي الشَّدَائِدِ بَلْ لَا تَكَادُ نَفْسٌ تَسْلَمُ مِنْ شِدَّةٍ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الدَّاعِي خَرَقَ اللَّهُ الْعَادَةَ فِي بَقَائِك وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ أَعْطِنَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الْمَدْعُوُّ بِهِ لِهَذَا الدَّاعِي فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْخُصُوصَ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَفُوتَ هَذَا الدَّاعِي رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ وَمَرْتَبَةُ الْمَلَائِكَةِ وَدَرَجَاتُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ بَعْضُ الشُّرُورِ وَلَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَوَحْشَةَ الْقَبْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْخُصُوصَ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ نَظَائِرَهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لِيَأْمَنَ الِاخْتِنَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ) قُلْت قَدْ أَجَازَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْقَصْدِ لِطَلَبِ الْوِلَايَةِ وَحُكْمُهُ بِأَنَّهُ إسَاءَةُ أَدَبٍ دَعْوًى عَرِيَّةٌ عَنْ الْحُجَّةِ وَتَكْثِيرُهُ الْأَمْثِلَةَ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. قَالَ (وَكَذَلِكَ قَوْلُ الدَّاعِي اللَّهُمَّ لَا تَرْمِ بِنَا فِي شِدَّةٍ فَإِنَّ عَادَةَ اللَّهِ جَارِيَةٌ قَطْعًا بِوُقُوعِ بَعْضِ الْأَنْفُسِ فِي الشَّدَائِدِ بَلْ لَا تَكَادُ نَفْسٌ تَسْلَمُ مِنْ شِدَّةٍ فِي مُدَّةِ حَيَاتِهَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الدَّاعِي خَرَقَ اللَّهُ الْعَادَةَ فِي بَقَائِك وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْعُرْفِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهُمَّ أَعْطِنَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مِنْ الْمُحَالِ أَنْ يَحْصُلَ هَذَا الْمَدْعُوُّ بِهِ لِهَذَا الدَّاعِي، فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْخُصُوصَ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَفُوتَ هَذَا الدَّاعِيَ رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ وَمَرْتَبَةُ الْمَلَائِكَةِ وَدَرَجَاتُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ بَعْضُ الشُّرُورِ وَلَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَوَحْشَةَ الْقَبْرِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهَذَا الْعُمُومِ الْخُصُوصَ وَقِسْ عَلَى هَذَا نَظَائِرَهَا) قُلْت لَيْسَ كَوْنُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَاقِعَةً عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ بِمُوجِبٍ أَنْ لَا تُطْلَبَ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْخُصُوصِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُطْلَبَ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ وَغَايَتُهُ أَنْ نَقُولَ طَلَبُ مِثْلِ ذَلِكَ طَلَبٌ لِلْمُمْتَنِعِ عَادَةً عَلَى مَعْنَى أَنْ يَقْصِدَ الطَّالِبُ بِطَلَبِهِ أَنْ يَصِيرَ وَلِيًّا فَتُخْرَقَ لَهُ الْعَادَةُ فَقَدْ جَوَّزَ مَا مُنِعَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] النُّورِ كَمَا أَنَّ الْوَزِيرَ وَالسُّلْطَانُ وَالرَّعِيَّةَ فِي نُورِ الْعَدْلِ فَهَذَا مِثَالٌ، وَلَيْسَ بِمَثَلٍ، وَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥] الْآيَةَ، وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ نُورِهِ وَبَيْنَ الزُّجَاجَةِ وَالْمِشْكَاةِ وَعَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ اللَّبَنِ فِي الْمَنَامِ بِالْإِسْلَامِ وَالْحَبْلِ بِالْقُرْآنِ، وَأَيُّ مُمَاثَلَةٍ بَيْنَ اللَّبَنِ وَالْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الْحَبْلِ وَالْقُرْآنِ إلَّا فِي مُنَاسَبَةٍ، وَهُوَ أَنَّ الْحَبْلَ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي النَّجَاةِ، وَاللَّبَنُ غِذَاءُ الْحَيَاةِ الظَّاهِرَةِ، وَالْإِسْلَامُ غِذَاءُ الْحَيَاةِ الْبَاطِنَةِ فَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ مِثَالٌ، وَلَيْسَتْ بِمَثَلٍ اهـ الْمُرَادُ فَمِنْ هُنَا قَالَ الْأَصْلُ: إنَّ جَوَابَ الصُّوفِيَّةِ عَنْ اسْتِشْكَالِ كَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ يُرَى فِي مَكَانَيْنِ فِي الْآنِ الْوَاحِدِ بِأَنَّهُ ﵇ كَالشَّمْسِ تُرَى فِي أَمَاكِنَ عِدَّةٍ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ بَاطِلٌ فَإِنَّ الْإِشْكَالَ لَمْ يَرِدْ فِي رُؤْيَتِهِ ﵇ مِنْ مَوَاضِعَ عِدَّةٍ، وَهُوَ فِي مَكَان وَاحِدٍ حَتَّى يُصْبِحَ الْجَوَابُ عَنْهُ بِذَلِكَ بَلْ إنَّمَا وَرَدَ فِيهِ كَيْفَ يُرَى فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ بِجُمْلَةِ ذَاتِهِ ﵇ مَعَ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ حُلُولَ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ مُحَالٌ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَلَا يُتَّجَهُ الْجَوَابُ إلَّا بِأَنَّ الْمَرْئِيَّ مِثَالُهُ ﵇ لَا ذَاتُهُ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَرْئِيٍّ مِنْ بَحْرٍ أَوْ جَبَلٍ أَوْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إنَّمَا يُرَى مِثَالُهُ لَا هُوَ بِذَاتِهِ وَبِهِ يَظْهَرُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي» وَأَنَّ التَّقْدِيرَ مَنْ رَأَى مِثَالِي فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِمِثَالِي، وَأَنَّ الْخَبَرَ إنَّمَا يَشْهَدُ بِعِصْمَةِ الْمِثَالِ عَنْ الشَّيْطَانِ، وَنَصَّ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ فِي تَأْوِيلِ الرُّؤْيَا أَنَّ الرُّسُلَ وَالْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ وَالْمَلَائِكَةَ كَذَلِكَ مَعْصُومَةٌ عَنْ تَمَثُّلِ الشَّيْطَانِ بِمِثْلِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْمِثْلِ يُمْكِنُ حَقًّا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهُ تَمَثَّلَ بِذَلِكَ الْمِثَالِ اهـ. [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ تَصِحُّ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﵇ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ] (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: إنَّمَا تَصِحُّ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﵇ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ (أَحَدُهُمَا) صَحَابِيٌّ رَآهُ فَعَلِمَ صِفَتَهُ فَالطَّبْعُ فِي نَفْسِهِ مِثَالُهُ، فَإِذَا رَآهُ جَزَمَ بِأَنَّهُ رَأَى مِثَالَهُ الْمَعْصُومَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَيَنْتَفِي عَنْهُ اللُّبْسُ، وَالشَّكُّ فِي رُؤْيَتِهِ ﵇، وَثَانِيهِمَا: رَجُلٌ تَكَرَّرَ عَلَيْهِ سَمَاعُ صِفَاتِهِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْكُتُبِ حَتَّى انْطَبَعَتْ فِي نَفْسِهِ صِفَتُهُ ﵇ وَمِثَالُهُ الْمَعْصُومُ كَمَا حَصَلَ ذَلِكَ لِمَنْ رَآهُ فَإِذَا رَآهُ جَزَمَ بِرُؤْيَتِهِ مِثَالَهُ ﵇ كَمَا يَجْزِمُ بِهِ مَنْ رَآهُ فَيَنْتَفِي عَنْهُ اللُّبْسُ وَالشَّكُّ فِي رُؤْيَتِهِ ﵇ وَأَمَّا غَيْرُ هَذَيْنِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْجَزْمُ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَآهُ ﵇ بِمِثَالِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَخْيِيلِ الشَّيْطَانِ، وَلَا يُفِيدُ قَوْلُ الْمَرْئِيِّ لِمَنْ رَآهُ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ، وَلَا قَوْلُ مَنْ يَحْضُرُ مَعَهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَكْذِبُ لِنَفْسِهِ وَيَكْذِبُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَحْصُلُ الْجَزْمُ

стр. 1025

بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَفْهَمَ عَوَائِدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَصَرُّفَاتِهِ فِي خَلْقِهِ وَرَبْطِهِ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ إمْكَانِ صُدُورِهَا عَنْ قُدْرَتِهِ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ رَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى مَمْلَكَتَهُ عَلَى نِظَامٍ وَوَضَعَهَا عَلَى قَانُونٍ قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . فَإِذَا سَأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَغْيِيرَ مَمْلَكَتِهِ وَنَقْضَ نِظَامِهِ وَسُلُوكَ غَيْرِ عَوَائِدِهِ فِي مُلْكِهِ كَانَ مُسِيئًا الْأَدَبَ عَلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى أَدْنَى الْمُلُوكِ بَلْ الْوُلَاةِ، وَلِذَلِكَ عَابَ الْعُلَمَاءُ وَغَلَّطُوا جَمَاعَةً مِنْ الْعُبَّادِ حَيْثُ تَوَسَّطُوا الْقِفَارَ مِنْ غَيْرِ زَادٍ وَلَجَّجُوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ فِي غَيْرِ الزَّمَنِ الْمُعْتَادِ طَالِبِينَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَرْقَ عَوَائِدِهِ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ ذَاهِبُونَ عَنْهُ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَأَنَّ مَا عَدَاهَا يُنَافِي الِاعْتِمَادَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ فَقَدْ دَخَلَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ مَحْفُوفًا بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَفْهَمَ عَوَائِدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَصَرُّفَاتِهِ فِي خَلْقِهِ وَرَبْطِهِ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ إمْكَانِ صُدُورِهَا عَنْ قُدْرَتِهِ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ رَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى مَمْلَكَتَهُ عَلَى نِظَامٍ دَبَّرَهُ وَوَضَعَهَا عَلَى قَانُونٍ قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ فَإِذَا سَأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَغْيِيرَ مَمْلَكَتِهِ وَنَقْضَ نِظَامِهِ وَسُلُوكَ غَيْرِ عَوَائِدِهِ فِي مُلْكِهِ كَانَ مُسِيئًا الْأَدَبَ عَلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى أَدْنَى الْمُلُوكِ بَلْ الْوُلَاةِ) قُلْت لَمْ يَأْتِ عَلَى دَعْوَاهُ بِحُجَّةٍ، وَمَا قَالَ إنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ طَلَبُ خَرْقِ الْعَادَةِ هُوَ عَيْنُ مَا جَوَّزَهُ لِلدَّاعِي عَلَى قَصْدِ أَنْ يَصِيرَ وَلِيًّا وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ مَا مَنَعَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ لَمْ يَأْتِ عَلَى مَنْعِهِ بِحُجَّةٍ أَصْلًا إلَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُلُوكِ وَهُوَ قِيَاسٌ فَاسِدٌ لَا شَكَّ فِي فَسَادِهِ. قَالَ (وَلِذَلِكَ عَابَ الْعُلَمَاءُ وَغَلَّطُوا جَمَاعَةً مِنْ الْعُبَّادِ حَيْثُ تَوَسَّطُوا الْقِفَارَ بِغَيْرِ زَادٍ وَلَجَّجُوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ فِي غَيْرِ الزَّمَنِ الْمُعْتَادِ طَالِبِينَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَرْقَ عَوَائِدِهِ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ ذَاهِبِينَ عَنْهُ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَأَنَّ مَا عَدَاهَا يُنَافِي الِاعْتِمَادَ عَلَى الرَّبِّ، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ فَقَدْ دَخَلَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ مُحَمَّدٌ ﷺ مَكَّةَ مَحْفُوفًا بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَهَذَا، وَإِنْ كَانَ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ مِثَالِهِ الْمَخْصُوصِ لَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ فِي التَّعْبِيرِ أَنَّ الرَّائِيَ يَرَاهُ ﵇ شَيْخًا وَشَابًّا وَأَسْوَدَ وَذَاهِبَ الْعَيْنَيْنِ وَذَاهِبَ الْيَدَيْنِ وَعَلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى مِنْ الْمُثُلِ الَّتِي لَيْسَتْ مِثَالَهُ ﵇؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ صِفَاتُ الرَّائِينَ وَأَحْوَالُهُمْ تَظْهَرُ فِيهِ ﵇، وَهُوَ كَالْمِرْآةِ لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ قَالَ الْأَصْلُ قُلْت: لِبَعْضِ مَشَايِخِي فَكَيْفَ يَبْقَى الْمِثَالُ مَعَ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْمُضَادَّةِ لَهُ فَقَالَ لِي: لَوْ كَانَ لَك أَبٌ شَابٌّ تَغَيَّبْتَ عَنْهُ ثُمَّ جِئْته فَوَجَدْته شَيْخًا أَوْ أَصَابَهُ يَرَقَانُ أَصْفَرُ أَوْ يَرَقَانُ أَسْوَدُ أَوْ أَصَابَهُ بَرَصٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ قُطِعَتْ أَعْضَاؤُهُ أَكُنْت تَشُكُّ فِيهِ أَنَّهُ أَبُوك فَقُلْت: لَا فَقَالَ لِي مَا ذَاكَ إلَّا لِمَا ثَبَتَ فِي نَفْسِك مِنْ مِثَالِهِ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَك الَّذِي لَا تَجْهَلُهُ بِعُرُوضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ فَكَذَلِكَ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ فِي نَفْسِهِ مِثَالُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَذَا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَعَ عُرُوضِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يَثِقُ بِأَنَّهُ رَآهُ ﵇ وَإِذَا صَحَّ لَهُ الْمِثَالُ وَانْضَبَطَ فَالسَّوَادُ يَدُلُّ عَلَى ظُلْمِ الرَّائِي وَالْعَمَى يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إيمَانِهِ؛ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ ذَاهِبٍ، وَقَطْعُ الْيَدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ ظُهُورِ الشَّرِيعَةِ وَنُفُوذِ أَوَامِرِهَا، فَإِنَّ الْيَدَ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْقُدْرَةِ، وَكَوْنُهُ أَمْرَدَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِهْزَاءِ بِهِ فَإِنَّ الشَّابَّ يُحْتَقَرُ، وَكَوْنُهُ شَيْخًا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ يُعَظَّمُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُخْتَلِفَةِ اهـ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْعَطَّارِ أَنَّهُ قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الرُّؤْيَا التَّعْوِيلُ عَلَيْهَا فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لِاحْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي التَّحَمُّلِ وَعَدَمِ ضَبْطِ الرَّائِي عَلَى أَنَّ الْعِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ لَمَّا رَأَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لَهُ: إنَّ فِي الْمَحَلِّ الْفُلَانِيِّ رِكَازًا اذْهَبْ فَخُذْهُ، وَلَا خُمُسَ عَلَيْك فَذَهَبَ وَوَجَدَهُ وَاسْتَفْتَى الْعُلَمَاءَ قَالَ لِذَلِكَ الرَّائِي أَخْرِجْ الْخُمُسَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ، وَقُصَارَى رُؤْيَتِك الْآحَادُ اهـ فَلِذَا لَمَّا اضْطَرَبَتْ أَرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِيمَنْ رَآهُ ﵇ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ إنَّ امْرَأَتَك طَالِقٌ ثَلَاثًا، وَهُوَ يَجْزِمُ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا بِالتَّحْرِيمِ وَعَدَمِهِ لِتَعَارُضِ خَبَرِهِ ﵇ عَنْ تَحْرِيمِهَا فِي النَّوْمِ، وَإِخْبَارُهُ فِي الْيَقَظَةِ فِي شَرِيعَتِهِ الْمُعَظَّمَةِ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ لَهُ اسْتَظْهَرَ الْأَصْلُ أَنَّ إخْبَارَهُ ﵇ فِي الْيَقَظَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْخَبَرِ فِي النَّوْمِ لِتَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ لِلرَّائِي بِالْغَلَطِ فِي ضَبْطِهِ الْمِثَالَ قَالَ فَإِذَا عَرَضْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا احْتِمَالَ طُرُوءِ الطَّلَاقِ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ وَاحْتِمَالَ طُرُوءِ الْغَلَطِ فِي الْمِثَالِ فِي النَّوْمِ وَجَدْنَا الْغَلَطَ فِي الْمِثَالِ أَيْسَرَ وَأَرْجَحَ، وَمَنْ هُوَ مِنْ النَّاسِ يَضْبِطُ الْمِثَالَ عَلَى النَّحْوِ الْمُتَقَدِّمِ إلَّا أَفْرَادٌ قَلِيلَةٌ مِنْ الْحُفَّاظِ لِصِفَتِهِ ﵇ وَأَمَّا ضَبْطُ عَدَمِ الطَّلَاقِ فَلَا يَخْتَلُّ إلَّا عَلَى النَّادِرِ مِنْ النَّاسِ

стр. 1026

عَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَكَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مَعَ رَبِّهِ يَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ وَتَحْقِيقُ هَذَا الْبَابِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّوَكُّلَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَكْرَهُهُ مِنْ ضَيْرٍ لِأَجْلِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] عَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَالَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَكَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ غَايَةِ كَمَالِهِ مَعَ رَبِّهِ مُدَّخِرًا لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ) قُلْت تَغْلِيطُ مَنْ غَلَّطَ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَمَاعَةَ الْعُبَّادِ فِيمَا ذَكَرَهُ غَلَطٌ مِنْ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إسَاءَتِهِمْ الظَّنَّ بِأُولَئِكَ الْعُبَّادِ، وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا فَكَيْفَ بِالْعُبَّادِ مِنْهُمْ وَالْعُبَّادُ وَاَلَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَعَوَّدَ خَرْقَ الْعَادَةِ لَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَوَّدْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَحْوَالٌ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهَا أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِمْ أَحْوَالٌ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانُوا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ اسْتِطَاعَتِهِمْ دَفْعَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي يَكُونُونَ مُرْتَكِبِينَ لِمَمْنُوعٍ فَيَلْحَقُهُمْ الْعَيْبُ فَمَا بَالُ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ هَذَا الْأَخِيرِ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِي أَلَيْسَ ذَلِكَ إسَاءَةَ ظَنٍّ فِي مَوْطِنٍ يُمْكِنُ فِيهِ تَحْسِينُهُ وَلَمْ يُسَأْ بِهِمْ الظَّنُّ فَيُظَنُّ أَنَّهُمْ ظَانُّونَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ بَلْ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ وَأَنَّهُ كَمَا لَا يُنَافِي التَّسَبُّبَ لَا يُنَافِي أَيْضًا عَدَمَ التَّسَبُّبِ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّسَبُّبِ إذْ مَسَاقُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّوَكُّلَ مَعَ التَّسَبُّبِ يَصِحُّ وَمَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ يَصِحُّ، وَمَا عَدَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى التَّوَكُّلِ إلَّا لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ الْمُقْتَدَى بِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْخَوَاصِّ وَالْجُمْهُورِ فَلَمَّا تَطْمَئِنُّ نُفُوسُهُمْ إلَّا مَعَ التَّسَبُّبِ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْغَالِبِ لَا عَلَى النَّادِرِ. مَعَ أَنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ التَّوَكُّلَ وَإِنْ صَحَّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَعَدَمِهِ فَالتَّوَكُّلُ مَعَ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّهِ لِلْحَاجَةِ لِتَعْلِيمِ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ، وَلِأَمْنِهِ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعِصْمَتِهِ ﷺ ، وَالتَّوَكُّلُ مَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَتَحْقِيقُ هَذَا الْبَابِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّوَكُّلَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَكْرَهُهُ مِنْ ضَيْرٍ لِأَجْلِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مُتَعَيِّنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ عَنْ حَلَالٍ: إنَّهُ حَرَامٌ أَوْ عَنْ حَرَامٍ: إنَّهُ حَلَالٌ أَوْ عَنْ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ قَدَّمْنَا مَا ثَبَتَ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَا رَأَى فِي النَّوْمِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ كَمَا لَوْ تَعَارَضَ خَبَرَانِ مِنْ أَخْبَارِ الْيَقَظَةِ صَحِيحَانِ فَإِنَّا نُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ بِالسَّنَدِ أَوْ بِاللَّفْظِ أَوْ بِفَصَاحَتِهِ أَوْ قِلَّةِ الِاحْتِمَالِ فِي الْمَجَازِ أَوْ غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ خَبَرُ الْيَقَظَةِ، وَخَبَرُ النَّوْمِ يُخَرَّجَانِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ اهـ. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَمُحِلِّيهِ اُخْتُلِفَ هَلْ يَجُوزُ الرُّؤْيَةُ لَهُ - تَعَالَى - فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَا؛ لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ فِيهِ خَيَالٌ وَمِثَالٌ، وَذَلِكَ عَلَى الْقَدِيمِ مُحَالٌ وَقِيلَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ لِذَلِكَ فِي الْمَنَامِ اهـ قَالَ الْمَحَلِّيُّ وَالْعَطَّارُ عَلَيْهِ وَقَدْ ذُكِرَ وُقُوعُهَا فِي الْمَنَامِ لِكَثِيرٍ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت رَبَّ الْعِزَّةِ فِي الْمَنَامِ فَقُلْت: يَا رَبِّ مَا أَفْضَلُ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْمُتَقَرِّبُونَ قَالَ كَلَامِي يَا أَحْمَدُ فَقُلْت: بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ قَالَ بِفَهْمٍ وَبِغَيْرِ فَهْمٍ وَرَآهُ أَحْمَدُ بْنُ حَضْرَوَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَحْمَدُ كُلُّ الْخَلْقِ يَطْلُبُونَ مِنِّي إلَّا أَبَا يَزِيدَ فَإِنَّهُ يُطَالِبنِي، وَعَلَى ذَلِكَ الْمُعَبِّرُونَ لِلرُّؤْيَا فَإِنَّهُمْ يَعْقِدُونَ فِي كُتُبِهِمْ بَابًا لِرُؤْيَةِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا وَبَالَغَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي إنْكَارِهِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَنْعِ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْمَضْمُونِ بِهِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ: الْحَقُّ أَنَّا نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُرَى فِي الْمَنَامِ كَمَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُرَى نَعَمْ ذَاتُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَذَاتُهُ ﷺ لَا يُرَيَانِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُرَى مِثَالٌ يَعْتَقِدُهُ النَّائِمُ ذَاتَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَذَاتَ النَّبِيِّ ﷺ وَكَيْفَ يُنْكَرُ ذَاكَ مَعَ وُجُودِهِ فِي الْمَنَامَاتِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَرَهُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ تَوَاتَرَ إلَيْهِ مِنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ قَالَ، وَلَا يَرِدُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا مِثْلَ لَهُ بِخِلَافِ النَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّ لَهُ مَثَلًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمِثْلِ وَالْمِثَالِ بِأَنَّ الْمِثْلَ الْمُسَاوِيَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ، وَالْمِثَالُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُسَاوَاةِ إلَخْ اهـ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْأَصْلُ رُؤْيَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي النَّوْمِ تَصِحُّ وَلِذَلِكَ أَحْوَالٌ ثَلَاثَةٌ (أَحَدُهَا) : أَنْ يَرَاهُ فِي النَّوْمِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْقُولُ وَالْمَنْقُولُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ لَهُ وَالسَّلَامَةِ مِنْ الصِّفَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْحُدُوثِ مِنْ الْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ فَهَذَا كَمَا نُجَوِّزُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَنَجْزِمُ بِوُقُوعِهِ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِ كَذَلِكَ نُجَوِّزُهُ فِي الدُّنْيَا لَكِنْ مَنْ ادَّعَى هَذِهِ الْحَالَةَ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِنْ الْعُصَاةِ، أَوْ مِنْ الْمُقَصِّرِينَ كَذَّبْنَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْمُتَّقِينَ لَا نُكَذِّبُهُ وَنُسَلِّمُ لَهُ حَالَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فِيهِ تَأْوِيلَاتٌ، وَهُوَ عُمُومٌ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَإِخْبَارُ الْوَلِيِّ الْمَوْثُوقِ بِدِينِهِ الْمُبَرَّزِ فِي عَدَالَتِهِ يَصْلُحُ لِتَقْوِيَةِ بَعْضِ التَّأْوِيلَاتِ وَلِتَخْصِيصِ هَذَا الْعَامِّ وَخَبَرُ الْعَدْلِ مَقْبُولٌ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ وَنَحْنُ نَقْبَلُ خَبَرَ الْأَوْلِيَاءِ فِي وُقُوعِ الْكَرَامَاتِ الَّتِي هِيَ

стр. 1027

أَنَّهُ الْمُسْتَوْلِي بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَائِنَاتِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ عَوَائِدُ فِي مُلْكِهِ رَتَّبَهَا بِحِكْمَتِهِ فَمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ انْقِطَاعُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِهِ وَمُقْتَضَى سُلُوكُ أَدَبِهِ الْتِمَاسُ فَضْلِهِ مِنْ عَوَائِدِهِ. وَقَدْ انْقَسَمَ الْخَلْقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَحَصَلُوا عَلَى حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ فَفَاتَهُمْ الْأَدَبُ الْوَاجِبُ الِاتِّبَاعِ. وَقِسْمٌ لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ وَاسْتَوْلَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَحَجَبَتْهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَهَؤُلَاءِ فَاتَهُمْ التَّوَكُّلُ وَالْأَدَبُ وَهَذَا هُوَ الْمَهْيَعُ الْعَامُّ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ، وَقِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ وَعَوَائِدِهِ فِي مَمْلَكَتِهِ فَهَؤُلَاءِ جَامِعُونَ بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ وَهَذَا مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَخَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ قَلِيلَ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ هَلَكَ إبْلِيسُ وَضَاعَ أَكْثَرُ عَمَلِهِ بِقِلَّةِ أَدَبِهِ فَنَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] أَنَّهُ الْمُسْتَوْلِي بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَائِنَاتِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ. قَالَ (وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ عَوَائِدُ فِي مُلْكِهِ رَتَّبَهَا بِحِكْمَتِهِ فَمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ انْقِطَاعُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِهِ وَمُقْتَضَى سُلُوكِ أَدَبِهِ الْتِمَاسُ فَضْلِهِ مِنْ عَوَائِدِهِ، ثُمَّ قَالَ قِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَحَصَلُوا عَلَى حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ فَفَاتَهُمْ الْأَدَبُ الْوَاجِبُ الِاتِّبَاعِ) . قُلْت قَدْ اعْتَرَفَ هُنَا بِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ الْمُعَامَلَةُ بِمُقْتَضَى شُمُولِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ وَهُوَ عَيْنُ مَا عَابَ عَلَى الْعُبَّادِ حَيْثُ قَالَ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ فَقَوْلُهُ هُنَا مُنَاقِضٌ بِظَاهِرِهِ لِذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ التَّوْكِيلَ يَصِحُّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَمَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ وَأَنَّ الرُّسُلَ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ يَتَرَجَّحُ فِي حَقِّهِمْ التَّوَكُّلُ مَعَ التَّسَبُّبِ لِضَرُورَةِ اقْتِدَاءِ الْجُمْهُورِ بِهِمْ مَعَ مَا تَخْتَصُّ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ الْعِصْمَةِ وَأَنَّ مَنْ عَدَاهُمْ مِمَّنْ لَيْسَ مُقْتَضَيَا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ يَتَرَجَّحُ فِي حَقِّهِ التَّوَكُّلُ مَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ قَلِيلَ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ هَلَكَ إبْلِيسُ وَضَاعَ أَكْثَرُ عَمَلِهِ بِقِلَّةِ أَدَبِهِ فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى السَّلَامَةَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ الْمُحَصِّلَةِ لِلْعُلُومِ الْقَطْعِيَّاتِ فَكَيْفَ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ الَّتِي لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَتَأَمَّلْ هَذَا (وَثَانِيهَا) : أَنْ يَرَاهُ فِي صُورَةٍ مُسْتَحِيلَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ يَقُولُ: رَأَيْته فِي صُورَةِ رَجُلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَجْسَامِ الْمُسْتَحِيلَةِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت اللَّهَ - تَعَالَى - فِي صُورَةِ فَرَسٍ وَفَهِمَ هَذَا الرَّائِي أَنَّ هَذَا الْجِسْمَ مِنْ إنْسَانٍ وَغَيْرِهِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَمْرٌ وَارِدٌ مِنْ قِبَلِهِ يَقْتَضِي حَالَةً مِنْ هَذَا الرَّائِي وَيَتَقَاضَاهَا مِنْهُ أَوْ يَأْمُرُهُ بِخَيْرٍ أَوْ يَنْهَاهُ عَنْ شَرٍّ، وَيَقُولُ لَهُ: أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَامْتَثِلْ أَمْرِي وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْحَالَةُ أَيْضًا صَحِيحَةٌ جَائِزَةٌ عَلَى إطْلَاقِ لَفْظِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى هَذَا الْجِسْمِ فَفِي الْقُرْآنِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] فَعَبَّرَ - تَعَالَى - عَنْ أَمْرِهِ الْوَارِدِ مِنْ قِبَلِهِ بِاللَّفْظِ الْخَاصِّ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ لَفْظِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ وَلَفْظِ الْمُؤَثِّرِ عَلَى الْأَثَرِ، وَهُوَ مَجَازٌ مَشْهُورٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَمَسْطُورٌ فِي كُتُبِ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَفِي التَّوْرَاةِ جَاءَ اللَّهُ مِنْ سَيْنَاءَ وَأَشْرَقَ مِنْ سَاغَيْنِ وَاسْتَعْلَنَ مِنْ جِبَالِ فَارَانَ إشَارَةً إلَى التَّوْرَاةِ النَّازِلَةِ بِطُورِ سَيْنَاءَ وَالْإِنْجِيلِ النَّازِلِ بِسَاغَيْنِ مَوْضِعٌ بِالشَّامِ وَالْقُرْآنِ النَّازِلِ بِمَكَّةَ فَارَانُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَقَّ جَاءَ مِنْ سَيْنَاءَ، وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَكَثُرَ ظُهُورُهُ وَعَلَنُهُ بِتَقْوِيَةِ الْإِنْجِيلِ لَهُ فَإِنَّ عِيسَى ﵇ بُعِثَ لِنُصْرَةِ التَّوْرَاةِ وَتَقْوِيَتِهَا وَإِرَادَةِ الْعَلَانِيَةِ وَالظُّهُورِ وَاسْتُكْمِلَ الْحَقُّ وَاسْتُوْفِيَتْ الْمَصَالِحُ وَوَصَلَ الْبَيَانُ وَالْكَمَالُ فِي الشَّرْعِ إلَى أَقْصَى غَايَتِهِ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْكُتُبُ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِهَتِهِ وَقِبَلِهِ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ ذَلِكَ «يَنْزِلُ رَبُّنَا إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنْ اللَّيْلِ» الْحَدِيثَ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُ تَنْزِلُ رَحْمَتُهُ فَسَمَّاهَا بِاسْمِهِ لِكَوْنِهَا مِنْ قِبَلِهِ وَمِنْ أَثَرِهِ كَذَلِكَ هَذِهِ الْمُثُلُ الْقَائِلَةُ فِي النَّوْمِ أَنَا اللَّهُ هُوَ صَحِيحٌ جَائِزٌ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّ اللَّهَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْخَلَائِقِ فِي صُورَةٍ يُنْكِرُونَهَا وَيَقُولُونَ: لَسْت رَبَّنَا» فَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِيهِمْ فِي صُورَةٍ، وَتَسْمِيَتُهُ لِهَذِهِ الصُّورَةِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ؛ لِأَنَّهَا صُورَةٌ مِنْ آثَارِهِ، وَفِتْنَةٌ يَخْتَبِرُ بِهَا خَلْقَهُ فَهَذِهِ الْمُلَازَمَةُ وَالْعَلَاقَةُ حُسْنُ إطْلَاقِ لَفْظِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهَا مَجَازًا كَمَا تَقَدَّمَ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْمُثُلُ فِي النَّوْمِ حُكْمُهَا حُكْمُ هَذِهِ الْأَجْسَامِ فِي الْيَقَظَةِ (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنْ يَرَى هَذِهِ الصُّورَةَ الْحَسَنَةَ الْجِسْمِيَّةَ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّهَا اللَّهُ حَقِيقَةً، وَلَا يَخْطِرُ لَهُ فِي النَّوْمِ مَعْنَى الْمَجَازِ أَلْبَتَّةَ، فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ صَحِيحَةً، وَيَكُونَ الْمُرَادُ الْمَجَازَ، وَلَكِنَّهُ جَهْلُ الْمَجَازِ فَكَانَ الْغَلَطُ مِنْهُ لَا فِي الرُّؤْيَا بَلْ فِي الْمُرَادِ بِهَا كَمَا يَرِدُ اللَّفْظُ فِي الْيَقَظَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَجَازُ وَالسَّامِعُ يَفْهَمُ الْحَقِيقَةَ كَمَا

стр. 1028

فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَالَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اجْعَلْ عَمَلَك مِلْحًا وَأَدَبَك دَقِيقًا أَيْ لِيَكُنْ اسْتِكْثَارُك مِنْ الْأَدَبِ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِكْثَارِك مِنْ الْعَمَلِ لِكَثْرَةِ جَدْوَاهُ وَنَفَاسَةِ مَعْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ طَلَبِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أَيْ لَا تَرْكَبُوا الْأَخْطَارَ الَّتِي دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهَا مُهْلِكَةٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ الْوَاقِيَةُ لَكُمْ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى السُّؤَالِ وَالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ إلَى الْجِهَادِ وَالْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ فَرُبَّمَا وَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي إحْدَى الْمَفْسَدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالْتِزَامِ الْعَوَائِدِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهَا فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ ضِدِّهِ بَلْ أَضْدَادِهِ. وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ إنْ كُنْت مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ وَمُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَوَاثِقًا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَأَلْقِ نَفْسَك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُك إلَّا مَا قُدِّرَ لَك فَقَالَ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ عِبَادَهُ لِيُجَرِّبَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ لَا لِيُجَرِّبُوهُ وَيَمْتَحِنُوهُ إشَارَةً إلَى سُلُوكِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ مَعَهُ وَمَعَ عِبَادِهِ حَتَّى نَلْقَاهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ لِابْنِهِ اجْعَلْ عَمَلَك مِلْحًا وَأَدَبَك دَقِيقًا أَيْ لِيَكُنْ اسْتِكْثَارُك مِنْ الْأَدَبِ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِكْثَارِك مِنْ الْعَمَلِ لِكَثْرَةِ جَدْوَاهُ وَنَفَاسَةِ مَعْنَاهُ) قُلْت مُسَلَّمٌ أَنَّ قِلَّةَ الْأَدَبِ مَمْنُوعَةٌ وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ مِنْ جُمْلَةِ قِلَّةِ الْأَدَبِ. قَالَ (وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ طَلَبِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أَيْ لَا تَرْكَبُوا الْأَخْطَارَ الَّتِي دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهَا مُهْلِكَةٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ الْوَاقِيَةُ لَكُمْ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى السُّؤَالِ وَالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ إلَى الْجِهَادِ وَالْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ فَرُبَّمَا وَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي إحْدَى الْمَفْسَدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ بِالْتِزَامِ الْعَوَائِدِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهَا فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ ضِدِّهِ بَلْ أَضْدَادِهِ. وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ إنْ كُنْت مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ وَمُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَوَاثِقًا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَأَلْقِ نَفْسَك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُك إلَّا مَا قُدِّرَ لَك فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ عِبَادَهُ لِيُجَرِّبَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ لَا لِيُجَرِّبُوهُ وَيَمْتَحِنُوهُ إشَارَةً إلَى سُلُوكِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ مَعَ وَمِنْ عِبَادِهِ حَتَّى نَلْقَاهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ) وَقُلْت كُلُّ مَا ذَكَرَهُ مُحْتَجًّا بِهِ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَقْصُودُهُ فَإِنَّ كُلَّ مَا ذَكَرَهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ الْمُسْتَحِيلِ، وَإِنَّمَا فِيهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اتَّفَقَ لِلْحَشَوِيَّةِ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ فَكَانَ الْغَلَطُ مِنْهُمْ لَا فِي الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ بَلْ فِي الْمُرَادِ بِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ كَذِبًا وَمُحَالًا، وَالشَّيْطَانُ يُخَيِّلُ لَهُ بِذَلِكَ لِيَضِلَّهُ أَوْ يُخْزِيَهُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ مَكَائِدِهِ - لَعَنَهُ اللَّهُ - فَهَذِهِ الرُّؤْيَا مَوْضِعُ التَّثَبُّتِ وَالْخَوْفِ مِنْ الْغَلَطِ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ هَذَا الرَّائِي وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْزِمَ بِأَنَّ الَّذِي رَآهُ لَيْسَ رَبَّهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ بَلْ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ أَعْنِي مِنْ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْمَجَازِ، أَوْ كَاذِبَةٌ وَمُحَالٌ مِنْ تَخْيِيلِ الشَّيْطَانِ وَاقِعٌ لَهُ وَيَنْظُرُ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ مِنْهُمَا فَيَعْتَقِدُهُ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَعْرَضَ عَنْ الرُّؤْيَا بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ الصَّوَابُ، وَلَا يَعْتَقِدَ مَعَ ذَلِكَ الْإِشْكَالِ أَنَّهَا حَقٌّ، وَأَنَّ الَّذِي رَآهُ رَبُّهُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَافِرٌ لَكِنْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْحَشَوِيَّةِ نَعَمْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْجِسْمُ بِاعْتِبَارِ مَا فِي حَالَتِهِ مِنْ الْحَقَارَةِ وَمُنَافَاةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِمَّا يُجْمِعُ الْأُمَّةُ حَتَّى الْحَشَوِيَّةَ عَلَى التَّكْفِيرِ مَنْ يَعْتَقِدُ فِيهَا الرُّبُوبِيَّةَ كَصُورَةِ الدَّجَّالِ وَصُورَةِ فَرَسٍ وَنَحْوِهِ مِنْ السِّبَاعِ أَوْ غَيْرِهَا وَصُورَةِ رَجُلٍ فِي طَاقٍ أَوْ خِزَانَةٍ أَوْ مَطْمُورَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تُحِيلُهُ الْحَشَوِيَّةُ وَأَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى؛ إذْ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَشَوِيَّةَ لَيْسَتْ كُفَّارًا إنَّمَا هُوَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالتَّنَزُّهِ عَنْ الْعَوَرِ وَالْعَمَى وَالْآفَاتِ وَالنَّقَائِصِ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى الْجِسْمِيَّةِ خَاصَّةً مَعَ التَّنْزِيهِ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ فَمَنْ اعْتَقَدَ الْجِسْمِيَّةَ مَعَ بَعْضِ صِفَاتِ النَّقْصِ، فَأَوَّلُ مَنْ يُكَفِّرُهُ الْحَشَوِيَّةُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهَذَا تَفْصِيلُ الْأَحْوَالِ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -. [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ تَحْقِيقِ مِثْلِ الرُّؤْيَا وَبَيَانِهَا] (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) تَحْقِيقُ مِثْلِ الرُّؤْيَا، وَبَيَانُهَا هُوَ أَنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الْمَعَانِي كَدَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ الصَّوْتِيَّةِ وَالرُّقُومِ الْكِتَابِيَّةِ عَلَيْهَا فَكَمَا يَقَعُ فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَعَانِيهَا مِنْ الْمُشْتَرَكِ وَالْمُتَوَاطِئِ وَالتَّرَادُفِ وَالْمُتَبَايِنِ وَالْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَالْمَفْهُومِ وَالْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَالتَّصْحِيفِ وَالْقَلْبِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ وَالْمُعَارِضِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَذَلِكَ يَقَعُ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي دَلَالَةِ هَذِهِ الْمُثُلِ عَلَى الْمَعَانِي حَتَّى يَقَعَ فِيهَا مَا يَقَعُ فِي الْأَلْفَاظِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزَيْدٌ زُهَيْرٌ شِعْرًا وَحَاتِمٌ جُودًا وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ فَالْمُشْتَرَكُ كَالْفِيلِ هُوَ مَلِكٌ أَعْجَمِيٌّ، وَهُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ نَقَلَهُ الْكَرْمَانِيُّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْهِنْدِ إذَا طَلَّقَ أَحَدٌ ثَلَاثًا جَرَّسُوهُ عَلَى فِيلٍ فَمَا كَانَ مِنْ لَوَازِمِ الطَّلَاقِ عُبِّرَ بِهِ عَنْ الطَّلَاقِ، وَالْمُتَوَاطِئُ كَالشَّجَرَةِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الرِّجَالِ وَالْمُقَيَّدِ وَالْمُطْلَقِ فِيمَا إذَا كَانَتْ تَنْبُتُ فِي الْعَجَمِ فَهُوَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ أَوْ عِنْدَ الْعَرَبِ فَهُوَ رَجُلٌ عَرَبِيٌّ أَوْ لَا ثَمَرَ لَهَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ أَوْ لَهَا شَوْكٌ فَهُوَ كَثِيرُ الشَّرِّ أَوْ ثَمَرُهَا لَهُ قِشْرٌ كَالرُّمَّانِ فَلَهُ خَيْرٌ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ مَشَقَّةٍ أَوْ لَا قِشْرَ لَهُ كَالتُّفَّاحِ وَالْخَوْخِ فَيُوصَلُ لِخَبَرِهِ بِلَا مَشَقَّةٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَكَمَا وَقَعَ التَّقْيِيدُ بِالْقُيُودِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْمَرْئِيِّ كَذَلِكَ

стр. 1029

(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَالَ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَرْفُوعَةٌ عَنْ الْعِبَادِ فَيَكُونُ طَلَبُهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَالِبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَيَكُونُ سُوءَ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ طَلَبٌ عَرِيَ عَنْ الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدَنَا سَأَلَ بَعْضَ الْمُلُوكِ أَمْرًا فَقَضَاهُ لَهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَالِمًا بِقَضَائِهِ لَهُ لَعُدَّ هَذَا الطَّلَبُ الثَّانِي اسْتِهْزَاءً بِالْمَلِكِ وَتَلَاعُبًا بِهِ وَلَحَسُنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكِ تَأْدِيبُهُ فَأَوْلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ التَّأْدِيبَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْمَنْعُ مِنْ ارْتِكَابِ الْعَمَلِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ مُغَايِرٌ لِطَلَبِ خَرْقِهَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعُ مِنْ الْآخَرِ. قَالَ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ. مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قَالَ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ، وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَرْفُوعَةٌ عَنْ الْعِبَادِ فَيَكُونُ طَلَبُهَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ فَيَكُونُ سُوءَ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ طَلَبٌ عَرِيَ عَنْ الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدَنَا سَأَلَ بَعْضَ الْمُلُوكِ أَمْرًا فَقَضَاهُ لَهُ. ثُمَّ سَأَلَهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَالِمًا بِقَضَائِهِ لَهُ لَعُدَّ هَذَا الطَّلَبُ الثَّانِي اسْتِهْزَاءً بِالْمَلِكِ وَتَلَاعُبًا بِهِ وَلَحَسُنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكِ تَأْدِيبُهُ فَأَوْلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ الْأَدَبَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى) قُلْت لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ عَلَى مَا ادَّعَاهُ غَيْرَ مَا عَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَهُوَ قِيَاسٌ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ الْجَامِعِ، وَكَيْفَ يُقَاسُ الْخَالِقُ بِالْمَخْلُوقِ وَالرَّبُّ بِالْمَرْبُوبِ وَالْخَالِقُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ النَّقْصُ وَالْمَخْلُوقُ يَجُوزُ عَلَيْهِ النَّقْصُ، ثُمَّ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ عَرِيَ عَنْ الْحَاجَةِ مَمْنُوعٌ لِجَوَازِ حَمْلِهِ عَلَى طَلَبِ مِثْلِهِ أَوْ الْإِجَابَةِ بِإِعْطَاءِ الْعِوَضِ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْآخِرَةِ وَلِمَ لَا يَكُونُ الدُّعَاءُ بِمَا ذَكَرَهُ، وَمَا أَشْبَهَ مِمَّا يَمْتَنِعُ وَيَتَعَذَّرُ عَقْلًا وَعَادَةً مُتَنَوِّعًا بِحَسَبِ الدَّاعِي بِهِ. فَإِنْ كَانَ غَافِلًا عَنْ تَعَذُّرِهِ فَلَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَقَعُ بِأَحْوَالِ الرَّائِي فَالصَّاعِدُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَلِي وِلَايَةً وَالْوِلَايَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْوِلَايَاتِ وَمُطْلَقَةٌ. فَإِنْ كَانَ الرَّائِي فَقِيهًا كَانَتْ الْوِلَايَةُ قَضَاءً أَوْ أَمِيرًا فَوَالٍ أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمُلْكِ فَمَلِكٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ بِقَرِينَةِ الرَّائِي، وَحَالُهُ تَنْصَرِفُ لِلْخَيْرِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الشَّرَّ وَلِلشَّرِّ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا الْخَيْرَ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مَاتَ فَالرَّجُلُ الْخَيِّرُ مَاتَتْ حُظُوظُهُ، وَصَلُحَتْ نَفْسُهُ، وَالرَّجُلُ الشِّرِّيرُ مَاتَ قَلْبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أَيْ كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [يونس: ٣١] أَيْ الْكَافِرَ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْمُسْلِمَ مِنْ الْكَافِرِ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ، وَالْمُتَرَادِفَةُ كَالْفَاكِهَةِ فَالصَّفْرَاءُ تَدُلُّ عَلَى الْهَمِّ، وَحَمْلُ الصَّغِيرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَالْمُتَبَايِنُ كَالْأَخْذِ مِنْ الْمَيِّتِ وَالدَّفْعِ لَهُ فَالْأَوَّلُ جَيِّدٌ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ مِنْ جِهَةٍ مَيْئُوسٍ مِنْهَا، وَالثَّانِي رَدِيءٌ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ وَرِزْقٌ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ لِمَنْ لَا دِينَ لَهُ؛ لِأَنَّ الدِّينَ ذَهَبَ عَنْ الْمَوْتَى لِذَهَابِ التَّكْلِيفِ عَنْهُمْ وَالْمَجَازُ وَالْحَقِيقَةُ كَالْبَحْرِ هُوَ السُّلْطَانُ حَقِيقَةً وَيُعَبَّرُ بِهِ عَنْ سِعَةِ الْعِلْمِ مَجَازًا، وَالْعُمُومُ كَمَنْ رَأَى أَنَّ أَسْنَانَهُ سَقَطَتْ فِي التُّرَابِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ أَقَارِبُهُ كُلُّهَا فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ يَمُوتُ بَعْضُ أَقَارِبِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ. وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ أَبُو حَنِيفَةَ فَكَالرُّؤْيَا يَرَاهَا الرَّائِي لِشَخْصٍ، وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ يُشْبِهُهُ أَوْ بَعْضُ أَقَارِبِهِ أَوْ مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِهِ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّنْ يُشَارِكُهُ فِي صِفَتِهِ فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِهِ كَمَا عَبَّرْنَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ بِأَبِي حَنِيفَةَ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي صِفَةِ الْفِقْهِ وَعَبَّرْنَا عَنْ زَيْدٍ بِزُهَيْرٍ لِمُشَارَكَتِهِ لَهُ فِي الشِّعْرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُثُلِ، وَالْقَلْبُ وَالتَّصْحِيفُ كَمَا رَأَى الْمِصْرِيُّونَ أَنَّ رَوَاسًا أَخَذَ مِنْهُمْ الْمُلْكَ فَعُبِّرَ لَهُمْ بِأَنَّ شَاوَرَ يَأْخُذُهُ وَكَانَ كَذَلِكَ فَقَلَبَ وَصُحِّفَ رُوَاسٌ، وَالتَّصْحِيفُ فَقَطْ كَمَا رَأَى مَلِكُ الْعَرَبِ قَائِلًا يَقُولُ لَهُ خَالِفْ الْحَقَّ مِنْ عُذْرٍ فَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ تَقْصِدُ النَّكْثَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فَحَذِرْت مِنْ ذَلِكَ فِي الرُّؤْيَا؛ إذْ الْمُرَادُ خَالِفْ الْحَقَّ مِنْ غَدْرٍ فَدَخَلَهُ التَّصْحِيفُ وَبَسْطُ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ فِي كُتُبِ التَّعْبِيرِ، وَإِنَّمَا الْقَصْدُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُثُلَ كَالْأَلْفَاظِ فِي الدَّلَالَةِ، وَأَنَّهَا تُشَارِكُهَا فِي أَحْوَالِهَا هَذَا تَنْقِيحُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَصْلُ: ضَوَابِطُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَالتَّحَدُّثِ فِي الْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ مَحْصُورَةٌ أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْ الْحَصْرِ فَيَقْدِرُ أَنْ يَعْتَمِدَ فِيهَا عَلَى مُجَرَّدِ الْمَنْقُولَاتِ وَأَمَّا عِلْمُ تَفْسِيرِ الْمَنَامَاتِ فَقَدْ اتَّسَعَتْ تَقْيِيدَاتُهُ وَتَشَعَّبَتْ تَخْصِيصَاتُهُ وَتَنَوَّعَتْ تَعْرِيفَاتُهُ بِحَيْثُ صَارَتْ مُنْتَشِرَةً انْتِشَارًا شَدِيدًا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ ضَبْطٍ فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْمَنْقُولَاتِ لِكَثْرَةِ التَّخْصِيصَاتِ بِأَحْوَالِ

стр. 1030

وَلَوْ رَأَيْنَا رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُمَّ افْرِضْ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ وَأَوْجِبْ عَلَيْنَا الزَّكَاةَ وَاجْعَلْ السَّمَاءَ فَوْقَنَا وَالْأَرْضَ تَحْتَنَا لَبَادَرْنَا إلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ لِقُبْحِ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ التَّلَاعُبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فِي دُعَائِهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الدَّاعِي بِقَوْلِهِ إنْ نَسِينَا أَيْ تَرَكْنَاهُ مَعَ مُتَعَمِّدٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أَيْ تَرَكُوا طَاعَتَهُ فَتَرَكَ اللَّهُ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ فَهَذَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ طَلَبَ الْعَفْوَ عَمَّا لَمْ يُعْلَمْ الْعَفْوُ فِيهِ أَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ مَعَ غَفْلَةِ الَّذِي هُوَ مُشْتَهِرٌ فِي الْعُرْفِ لَا يَجُوزُ طَلَبُ الْعَفْوِ فِيهِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْعَفْوِ فِيهِ وَعَنْهُ قَدْ عُلِمَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بَأْسَ عَلَيْهِ لِمَا ثَبَتَ مِنْ رَفْعِ الْحَرَجِ عَنْ الْغَافِلِ وَإِذَا كَانَ غَيْرَ غَافِلٍ، فَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِطَلَبِ ذَلِكَ الْمُتَعَذِّرِ بِعَيْنِهِ فَلَا مَانِعَ أَنْ يُعَوِّضَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ لِلْعِوَضِ كَمَا إذَا طَلَبَ غَيْرَ الْمُتَعَذِّرِ وَكَانَ مِمَّا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ جَزَاءٌ لَهُ عَلَى لَجْئِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَابْتِهَالِهِ إلَى عَظِيمِ كَمَالِهِ وَجَلَالِهِ، وَإِنْ كَانَ قَاصِدًا لِلتَّلَاعُبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ أَوْ التَّعْجِيزِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَاهُنَا يَكُونُ عَاصِيًا بِسَبَبِ قَصْدِهِ ذَلِكَ لَا بِمُجَرَّدِ دُعَائِهِ بِالْمُتَعَذِّرِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الشِّهَابِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَلَوْ رَأَيْنَا رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُمَّ افْرِضْ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ وَأَوْجِبْ عَلَيْنَا الزَّكَاةَ وَاجْعَلْ السَّمَاءَ فَوْقَنَا وَالْأَرْضَ تَحْتَنَا لَبَادَرْنَا إلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ لِقُبْحِ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ التَّلَاعُبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فِي دُعَائِهِ) قُلْت إنَّمَا ذَلِكَ الْإِنْكَارُ مَبْنِيٌّ عَلَى سُوءِ أَحْوَالِهِ بِهِ وَكَوْنِ الْعَادَةِ جَارِيَةً بِسَبَقِ ذَلِكَ إلَى نَفْسِ السَّامِعِ لِذَلِكَ الدُّعَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْعَادَةِ جَارِيَةً بِسَبْقِ الظَّنِّ السَّيْءِ بِذَلِكَ الدَّاعِي أَنْ تَكُونَ حَالُهُ فِي دُعَائِهِ ذَلِكَ مُوَافِقَةً لِذَلِكَ الظَّنِّ بَلْ إنْ كَانَتْ حَالُهُ فِي دُعَائِهِ ذَلِكَ مُوَافِقَةً لِذَلِكَ الظَّنِّ كَانَ عَاصِيًا وَإِلَّا فَلَا. قَالَ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ الدَّاعِي بِقَوْلِهِ إنْ نَسِينَا أَيْ تَرَكْنَاهُ مَعَ التَّعَمُّدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أَيْ تَرَكُوا طَاعَتَهُ فَتَرَكَ اللَّهُ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ فَهَذَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْعَفْوِ عَمَّا لَمْ يُعْلَمْ الْعَفْوُ فِيهِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا صَحِيحٌ. قَالَ (أَمَّا النِّسْيَانُ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ مَعَ الْغَفْلَةِ الَّذِي هُوَ مُشْتَهِرٌ فِي الْعُرْفِ لَا يَجُوزُ طَلَبُ الْعَفْوِ فِيهِ لِأَنَّ طَلَبَ الْعَفْوِ فِيهِ وَعَنْهُ قَدْ عُلِمَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ) . قُلْت لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ النِّسْيَانُ الْعُرْفِيُّ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا تَسَبُّبَ فِيهِ أَوْ مِمَّا لَهُ فِيهِ تَسَبُّبٌ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ فَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّهُ مَمْنُوعٌ طَلَبُ الْعَفْوِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قِلَّةُ أَدَبٍ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الثَّانِي فَلَا شَكَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الرَّائِينَ بَلْ لَا جَرَمَ يَحْتَاجُ النَّاظِرُ فِيهِ مَعَ ضَوَابِطِهِ وَقَرَائِنِهِ إلَى قُوَّةٍ مِنْ قُوَّةِ النُّفُوسِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْفِرَاسَةِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ بِحَيْثُ إذَا تَوَجَّهَ الْحَزْرُ إلَى شَيْءٍ لَا يَكَادُ يُخْطِئُ بِسَبَبِ مَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي تِلْكَ النُّفُوسِ مِنْ الْقُوَّةِ الْمُعِينَةِ عَلَى تَقْرِيبِ الْغَيْبِ أَوْ تَحْقِيقِهِ كَمَا قِيلَ فِي ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: إنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ إلَى الْغَيْبِ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ إشَارَةً إلَى قُوَّةٍ أَوْدَعَهُ اللَّهُ إيَّاهَا فَرَأَى بِمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي نَفْسِهِ مِنْ الصَّفَاءِ وَالشُّفُوفِ وَالرِّقَّةِ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْغَيْبِ مِنْ عِلْمِ تَعْبِيرِ الْمَنَامَاتِ وَحِسَابِ عِلْمِ الرَّمْلِ وَالْكَتْفِ الَّذِي لِلْغَنَمِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَهَبُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ عِلْمِ الْمَنَامَاتِ فَقَطْ، أَوْ بِحِسَابِ عِلْمِ الرَّمْلِ فَقَطْ أَوْ الْكَتْفِ الَّذِي لِلْغَنَمِ فَقَطْ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ بِصِحَّةِ الْقَوْلِ وَالنُّطْقِ فِي غَيْرِهِ وَمَنْ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ فِي هَذَا النَّوْعِ صَالِحَةٍ لِعِلْمِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا لَا يَصِحُّ مِنْهُ تَعْبِيرُ الرُّؤْيَا، وَلَا يَكَادُ يُصِيبُ إلَّا عَلَى النُّدْرَةِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ التَّوَجُّهُ إلَى عِلْمِ التَّعْبِيرِ فِي الرُّؤْيَا. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ فَهُوَ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِتَعْبِيرِهِ قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لَك أَنْ تَطْمَعَ فِي أَنْ يَحْصُلَ لَك بِالتَّعَلُّمِ وَالْقِرَاءَةِ وَحِفْظِ الْكُتُبِ؛ لِأَنَّك إذَا لَمْ تَكُنْ لَك قُوَّةُ نَفْسٍ فَلَا تَجِدُ ذَلِكَ أَبَدًا وَمَتَى كَانَتْ لَك هَذِهِ الْقُوَّةُ حَصَلَ ذَلِكَ بِأَيْسَرِ سَعْيٍ وَأَدْنَى ضَبْطٍ فَاعْلَمْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ فَقَدْ خَفِيَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْت مِمَّنْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ مَعَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ فَكَانَ يَتَحَدَّثُ بِالْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ فِي الْمَنَامِ اللَّطِيفِ، وَيُخْرِجُ مِنْهُ الْأَشْيَاءَ الْكَثِيرَةَ وَالْأَحْوَالَ الْمُتَبَايِنَةَ، وَيُخْبِرُ فِيهِ عَنْ الْمَاضِيَاتِ وَالْحَاضِرَاتِ وَالْمُسْتَقْبِلَات، وَيَنْتَهِي فِي الْمَنَامِ الْيَسِيرِ إلَى نَحْوِ الْمِائَةِ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالْعَجَائِبِ وَالْغَرَائِبِ حَتَّى يَقُولَ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِأَحْوَالِ قُوَى النُّفُوسِ: إنَّ هَذَا مِنْ الْجَانِّ أَوْ الْمُكَاشَفَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ هُوَ نَفْسٌ يَجِدُ بِسَبَبِهَا تِلْكَ الْأَحْوَالَ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ لِلْمَنَامِ وَلَيْسَ هُوَ صَلَاحًا، وَلَا كَشْفًا وَلَا مِنْ قِبَلِ الْجَانِّ قَالَ: وَقَدْ رَأَيْت أَنَا مِنْ هَذَا النَّوْعِ جَمَاعَةً وَاخْتَبَرْتُهُمْ فَمَنْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ عَسُرَ عَلَيْهِ تَعَاطِي عِلْمِ التَّعْبِيرِ اهـ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى - أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبَاحُ فِي عِشْرَةِ النَّاسِ مِنْ الْمُكَارَمَةِ وَقَاعِدَةِ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ] (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبَاحُ فِي عِشْرَةِ النَّاسِ مِنْ الْمُكَارَمَةِ وَقَاعِدَةِ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ) وَهُوَ أَنَّ مَا يُبَاحُ مِنْ إكْرَامِ النَّاسِ قِسْمَانِ مَا وَرَدَتْ بِهِ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ وَمَا لَمْ تَرِدْ بِهِ نُصُوصُهَا، وَلَا كَانَ فِي السَّلَفِ وَلَكِنْ تَجَدَّدَتْ فِي حَصْرِنَا أَسْبَابُ اعْتِبَارِهِ بِمُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ، وَهَذَا هُوَ مُرَادُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِقَوْلِهِ: تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ عَلَى قَدْرِ مَا أَحْدَثُوا

стр. 1031

وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ أَيْ مِنْ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَالْمَكْرُوهَاتِ جَازَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَدُلَّ النُّصُوصُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ بِخِلَافِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَيَقْتَضِي طَلَبَ رَفْعِ ذَلِكَ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْعُمُومَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لَا بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالْعَادَةِ عَصَى لِاشْتِمَالِ الْعُمُومِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ فِيهِ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمٍ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وَوَعْدُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ فَقَدْ طَلَبَ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ وَهُوَ عَيْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَدَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَمْنَعُهُ قُلْتُ إنَّمَا جَازَ لَهُمْ سُؤَالُ مَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ لَهُمْ مَشْرُوطٌ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ. وَهَذَا شَرْطٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ فَمَا طَلَبُوا إلَّا مَشْكُوكًا فِي حُصُولِهِ لَا مَعْلُومَ الْحُصُولِ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ مَجْهُولٌ بَلْ عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ بِالضَّرُورَةِ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ مُطْلَقًا، فَإِنْ قُلْت فَإِذَا جَوَّزْت ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] أَنَّ طَلَبَ الْعَفْوِ إنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْعَفْوِ عَنْ التَّسَبُّبِ وَطَلَبَ الْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ طَلَبٌ لِلْعَفْوِ عَمَّا لَمْ يُعْلَمْ الْعَفْوُ عَنْهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ أَيًّا مِنْ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَالْمَكْرُوهَاتِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَدُلَّ النُّصُوصُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ. قَالَ (بِخِلَافِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَيَقْتَضِي طَلَبَ رَفْعِ ذَلِكَ، فَإِنْ أَطْلَقَ الْعُمُومَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لَا بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالْعَادَةِ عَصَى لِاشْتِمَالِ الْعُمُومِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ فِيهِ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمٍ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وَوَعْدُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ فَقَدْ طَلَبُوا تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ وَهُوَ عَيْنُ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَقَدْ مَدَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ وَأَنْتَ تَمْنَعُهُ قَالَ قُلْت إنَّمَا جَازَ لَهُمْ سُؤَالُ مَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ لَهُمْ مَشْرُوطٌ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ، وَهَذَا شَرْطٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ فَمَا طَلَبُوا إلَّا مَشْكُوكًا فِي حُصُولِهِ لَا مَعْلُومَ الْحُصُولِ. وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطٌ مَجْهُولٌ بَلْ عُلِمَ مِنْ الشَّرِيعَةِ بِالضَّرُورَةِ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ مُطْلَقًا، فَإِنْ قُلْت فَإِذَا جَوَّزْت ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الْفُجُورِ. إذْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يُحْدِثُونَ أَسْبَابًا يَقْتَضِي الشَّرْعُ فِيهَا أُمُورًا لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ عَدَمِ سَبَبِهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا شَرْعٌ مُتَجَدِّدٌ بَلْ عُلِمَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ لَوْ وُجِدَتْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ لَكَانَتْ هَذِهِ الْمُسَبِّبَاتُ مِنْ فِعْلِهِمْ وَصُنْعِهِمْ، وَلَكِنْ تَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِتَأَخُّرِ سَبَبِهِ، وَلَا يَقْتَضِي وُقُوعُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُقُوعِ سَبَبِهِ تَجْدِيدَ شَرْعٍ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَوْ أَنْزَلَ حُكْمًا فِي اللِّوَاطِ مِنْ رَجْمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ فَلَمْ يُوجَدْ اللِّوَاطُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ وَوُجِدَ فِي زَمَنِنَا اللِّوَاطُ فَرَتَّبْنَا عَلَيْهِ تِلْكَ الْعُقُوبَةَ لَمْ نَكُنْ مُجَدِّدِينَ لِشَرْعٍ بَلْ مُتَّبِعِينَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ، وَلَا فَرْقَ أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ بِنَصٍّ أَوْ بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ هُوَ مَا لَا يُبَاحُ مِنْ إكْرَامِ النَّاسِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَا وَرَدَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِهِ مِنْ إكْرَامِ النَّاسِ هُوَ نَحْوُ مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مِنْ إفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْمُصَافَحَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَأَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى تَكْرِمَةِ أَحَدٍ أَيْ عَلَى فِرَاشِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا يَؤُمَّ فِي مَنْزِلِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ أَحَدًا فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَمَا لَمْ تَرِدْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِهِ، وَلَا كَانَ فِي السَّلَفِ بَلْ تَجَدَّدَتْ أَسْبَابُ اعْتِبَارِهِ فِي عَصْرِنَا فَتَعَيَّنَ بِمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ فِعْلُهُ مِنْ إكْرَامِ النَّاسِ قَالَ الْأَصْلُ: هُوَ مَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْقِيَامِ لِلدَّاخِلِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَمِنْ إحْنَاءِ الرَّأْسِ لَهُ إنْ عَظُمَ قَدْرُهُ جِدًّا وَمِنْ الْمُخَاطَبَةِ بِجَمَالِ الدِّينِ وَنُورِ الدِّينِ وَعِزِّ الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نُعُوتِ التَّكْرِمَةِ وَأَنْوَاعِ الْمُخَاطَبَاتِ لِلْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَأُولِي الرِّفْعَةِ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْعُظَمَاءِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى وَمِنْ الْمُكَاتَبَاتِ بِنُعُوتِ التَّكْرِيمِ أَيْضًا لِكُلِّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِهِ كَتَسْطِيرِ اسْمِ الْإِنْسَانِ الْكَاتِبِ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَلْفَاظِ التَّنَزُّلِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِالْمَجْلِسِ الْعَالِي وَالسَّامِي وَالْجَنَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْعُرْفِيَّةِ وَالْمُكَاتَبَاتِ الْعَادِيَّةِ وَمِنْ تَرْتِيبِ النَّاسِ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ قَالَ: فَهَذَا كُلُّهُ وَنَحْوُهُ مِنْ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ لَمْ تَكُنْ فِي السَّلَفِ وَنَحْنُ الْيَوْمَ نَفْعَلُهُ فِي الْمُكَارَمَاتِ وَالْمُوَالَاتِ. وَهُوَ جَائِزٌ مَأْمُورٌ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِدْعَةً مَكْرُوهَةً تَنْزِيهًا لَا تَحْرِيمًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا تَجَدَّدَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ صَارَ تَرْكُهَا يُوجِبُ الْمُقَاطَعَةَ الْمُحَرَّمَةَ فَتَعَارَضَ فِي فِعْلِهَا الْمَكْرُوهِ، وَفِي تَرْكِهَا الْمُحَرَّمِ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمَكْرُوهُ وَالْمُحَرَّمُ قُدِّمَ الْمُحَرَّمُ، وَالْتُزِمَ دَفْعُهُ وَحَسْمُ مَادَّتِهِ وَإِنْ وَقَعَ الْمَكْرُوهُ كَمَا هُوَ قَاعِدَةُ الشَّرْعِ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ لَكِنَّ هَذَا التَّعَارُضَ مَا وَقَعَ إلَّا فِي زَمَنِنَا فَاخْتَصَّ الْحُكْمُ بِهِ فَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ يَجْرِي هَذَا الْقِسْمُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُبِيحَ مُحَرَّمًا، وَلَا يَتْرُكَ وَاجِبًا وَحِينَئِذٍ فَمَا خَرَجَ

стр. 1032

ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْجَهَالَةِ بِالشُّرُوطِ فَيُجَوِّزُهُ هَاهُنَا بِنَاءً عَلَى الْجَهَالَةِ بِالشَّرْطِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِالرَّفْعِ عَنْ أُمَّتِهِ وَكَوْنِ الدَّاعِي يَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أُمَّتِهِ مَجْهُولٌ فَمَا طَلَبَ إلَّا مَجْهُولًا بِنَاءً عَلَى التَّقْرِيرِ الْمُتَقَدِّمِ. قُلْت كَوْنُهُ مِنْ الْأُمَّةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي هَذَا الرَّفْعِ وَدَلَالَةُ الْخَبَرِ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ وَنَحْنُ نَمْنَعُ كَوْنَ الْمَفْهُومِ حُجَّةً لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَكِنَّهُ مَتْرُوكٌ هَاهُنَا إجْمَاعًا وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ الْكُفَّارُ إمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِهَا فَالرَّفْعُ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي جَمِيعِ الْفُرُوعِ النِّسْيَانُ وَغَيْرُهُ فَبَطَلَ الْمَفْهُومُ وَاسْتَوَتْ الْخَلَائِقُ فِي الرَّفْعِ حِينَئِذٍ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ فَلَا يَكُونُ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا فِي حَقِّنَا بَلْ كُلُّ مَا هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّنَا هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمْ، وَمَا هُوَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ فِي حَقِّنَا هُوَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ فِي حَقِّهِمْ، وَمَا هُوَ سَبَبُ التَّرْخِيصِ وَالْإِبَاحَةِ فِي حَقِّنَا هُوَ كَذَلِكَ فِي حَقِّهِمْ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ خُصُوصُ الْأُمَّةِ شَرْطًا فِي الرَّفْعِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْكُفَّارَ فِي الْفُرُوعِ أَشَدُّ حَالًا مِنْ الْأُمَّةِ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا فَلَيْسَ هُنَاكَ فِي النِّسْيَانِ وَالْخَطَإِ شَرْطٌ مَجْهُولٌ فَيَكُونُ الشَّارِعُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْجَهَالَةِ بِالشَّرْطِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخْبِرْ بِذَلِكَ مُطْلَقًا، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِالرَّفْعِ عَنْ أُمَّتِهِ، وَكَوْنُ الدَّاعِي يَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أُمَّتِهِ مَجْهُولٌ فَمَا طُلِبَ إلَّا مَجْهُولٌ بِنَاءً عَلَى التَّقْرِيرِ الْمُتَقَدِّمِ. قُلْت كَوْنُهُ مِنْ الْأُمَّةِ لَيْسَ شَرْطًا فِي هَذَا الرَّفْعِ وَدَلَالَةُ الْخَبَرِ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا هِيَ مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ وَنَحْنُ نَمْنَعُ كَوْنَ الْمَفْهُومِ حُجَّةً لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ حُجَّةٌ لَكِنَّهُ مَتْرُوكٌ هَاهُنَا إجْمَاعًا وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ الْكُفَّارُ إمَّا أَنْ نَقُولَ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ أَوْ مَا هُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا، فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِهَا فَالرَّفْعُ حَاصِلٌ لَهُمْ فِي جَمِيعِ الْفُرُوعِ: النِّسْيَانِ وَغَيْرِهِ، فَبَطَلَ الْمَفْهُومُ وَاسْتَوَتْ الْخَلَائِقُ فِي الرَّفْعِ حِينَئِذٍ، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا فَلَا يَكُونُ قَدْ شُرِعَ فِي حَقِّهِمْ مَا لَيْسَ سَبَبًا فِي حَقِّنَا بَلْ كُلُّ مَا هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّنَا هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِمْ، وَمَا هُوَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ فِي حَقِّنَا هُوَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ فِي حَقِّهِمْ، وَكَذَلِكَ سَبَبُ التَّرَخُّصِ وَالْإِبَاحَةِ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ خُصُوصُ الْأُمَّةِ شَرْطًا فِي الرَّفْعِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْكُفَّارَ فِي الْفُرُوعِ أَشَدُّ حَالًا مِنْ الْأُمَّةِ فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا فَلَيْسَ هُنَاكَ فِي النِّسْيَانِ وَالْخَطَإِ شَرْطٌ مَجْهُولٌ فَيَكُونُ الشَّارِعُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ إكْرَامِ النَّاسِ نَوْعَانِ (الْأَوَّلُ) مُحَرَّمٌ. وَهُوَ مَا أَبَاحَ مُحَرَّمًا، أَوْ أَدَّى إلَى تَرْكِ وَاجِبٍ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَلِكُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ النَّاسِ لَا يَرْضَى مِنَّا إلَّا بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَعَاصِي فَلَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نُوَادَّهُ بِذَلِكَ؛ إذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَكَالْقِيَامِ تَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّهُ تَجَبُّرًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَلَا تَجُوزُ الْمُوَادَّةُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَرْكُهُ لِتَهْذِيبِ نَفْسِ الْمُتَجَبِّرِ وَتَأْدِيبِهِ (وَالنَّوْعُ الثَّانِي) مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بِدْعَةً مَكْرُوهَةً لَمْ يُعَارَضْ بِمُحَرَّمٍ حَتَّى يُبَاحَ فِعْلُهُ كَالْقِيَامِ تَعْظِيمًا لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ فِعْلَ الْجَبَابِرَةِ وَبِوَقْعِ فَسَادِ قَلْبِ الَّذِي يُقَامُ لَهُ فَافْهَمْ قَالَ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقِيَامُ لِإِكْرَامِ النَّاسِ إمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ أَوْ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُبَاحِ فِعْلُهُ لِتَجَدُّدِ سَبَبِهِ فَيَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ فَالْوَاجِبُ هُوَ مَا أَدَّى تَرْكُهُ إلَى مُحَرَّمٍ كَالْمُقَاطَعَةِ وَالْمُدَابَرَةِ فَمِنْ هُنَا لَمَّا حَضَرْت يَوْمًا عِنْدَ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَكَانَ مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ وَأُولِي الْجِدِّ فِي الدِّينِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً وَعَامَةً وَالثَّبَاتِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِالْمُلُوكِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَقَدِمَتْ إلَيْهِ فُتْيَا فِيهَا مَا تَقُولُ أَئِمَّةُ الدِّينِ - وَفَّقَهُمْ اللَّهُ - فِي الْقِيَامِ الَّذِي أَحْدَثَهُ أَهْلُ زَمَانِنَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي السَّلَفِ هَلْ يَجُوزُ أَمْ لَا يَجُوزُ وَيَحْرُمُ كَتَبَ مَا نَصُّهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» وَتَرْكُ الْقِيَامِ فِي هَذَا الْوَقْتِ يُفْضِي لِلْمُقَاطَعَةِ وَالْمُدَابَرَةِ فَلَوْ قِيلَ: بِوُجُوبِهِ مَا كَانَ بَعِيدًا. اهـ. قُلْت: وَمِنْ هَذَا الْقِيَامُ عِنْدَ ذِكْرِ مَوْلِدِهِ ﷺ فِي تِلَاوَةِ الْقِصَّةِ فَقَدْ قَالَ الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ أَنَّهُ قَدْ اُشْتُهِرَ الْيَوْمَ فِي تَعْظِيمِهِ ﷺ وَاعْتِيدَ فِي ذَلِكَ فَعَدَمُ فِعْلِهِ يُوجِبُ عَدَمَ الِاكْتِرَاثِ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَامْتِهَانَهُ فَيَكُونُ كُفْرًا مُخَالِفًا لِوُجُودِ تَعْظِيمِهِ ﷺ اهـ. أَيْ إنْ لَاحَظَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ تَحْقِيرَهُ ﷺ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصِيَةٌ، وَالْمَنْدُوبُ هُوَ مَا كَانَ لِلْقَادِمِ مِنْ السَّفَرِ فَرَحًا بِقُدُومِهِ وَقَدْ «قَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ لِيُهَنِّئَهُ بِتَوْبَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِ بِحُضُورِهِ ﵇ وَلَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ ﵇ عَلَيْهِ ذَلِكَ» فَكَانَ كَعْبٌ يَقُولُ: لَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، وَقَدْ «كَانَ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ - إذَا قَامَ ﵇ إلَى بَيْتِهِ لَمْ يَزَالُوا قِيَامًا حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ ﷺ » لِمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ تَعْظِيمِهِ لَكِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَبْلَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ ﵇ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَامَ لَهُ فَلَمَّا عَلِمُوا بِذَلِكَ كَانُوا إذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لَهُ إجْلَالًا لِكَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ قُلْت: نَعَمْ خَرَّجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ عَائِشَةَ

стр. 1033

قَدْ أَخْبَرَ بِالرَّفْعِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مُطْلَقًا فَيَحْرُمُ الدُّعَاءُ بِهِ. (الْمِثَالُ الثَّانِي) أَنْ يَقُولُ الدَّاعِي رَبَّنَا لَا تُهْلِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ بِالْخَسْفِ الْعَامِّ وَالرِّيحِ الْعَاصِفَةِ كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصِّحَاحِ أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ فِي إعْفَاءِ أُمَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ فَيَكُونُ طَلَبُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً كَمَا تَقَدَّمَ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَسْتَأْصِلُهَا، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» فَيَكُونُ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ مَعْصِيَةً لِمَا مَرَّ. (الرَّابِعُ) أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي لِمَرِيضٍ أَوْ مُصَابٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ هَذِهِ الْمِرْضَةَ أَوْ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً فَقَدْ دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الْمَصَائِبَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانٌ أَنَّ السُّخْطَ لَا يُخِلُّ بِذَلِكَ التَّكْفِيرِ بَلْ يُجَدِّدُ ذَنْبًا آخَرَ كَمَنْ قَضَى دَيْنَهُ، ثُمَّ اسْتَدَانَ لَا يُقَالُ إنَّهُ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ الْمُصَابُ بَرِيءٌ مِنْ عُهْدَةِ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَدَّدَ ذَنْبًا آخَرَ بِسُخْطِهِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مَعْصِيَةً بَلْ يَقُولُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَدْ أَخْبَرَ بِالرَّفْعِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ مُطْلَقًا فَيَحْرُمُ الدُّعَاءُ بِهِ) . قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ شِهَابُ الدِّينِ فِي هَذَا الْجَوَابِ وَأَطَالَ فِيهِ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ مَسَاقَ الْحَدِيثِ مُشْعِرٌ بِالْمَدْحِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَيَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ اخْتِصَاصُهَا بِذَلِكَ الرَّفْعِ وَيَلْزَمُ الْقَوْلُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ لِقَرِينَةِ الْمَدْحِ وَيَكُونُ هُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ شَرْطٌ مَجْهُولٌ كَمَا قَالَهُ السَّائِلُ وَيَبْطُلُ جَوَابُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (الْمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي رَبَّنَا لَا تُهْلِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ بِالْخَسْفِ الْعَامِّ وَالرِّيحِ الْعَاصِفَةِ كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصِّحَاحِ أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ فِي إعْفَاءِ أُمَّتِهِ مِنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ فَيَكُونُ طَلَبُ ذَلِكَ مَعْصِيَةً كَمَا تَقَدَّمَ) . قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى طَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ بِحُجَّةٍ فِي أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَكَذَلِكَ جَوَابُهُ فِيمَا قَالَ فِي الْمِثَالِ الثَّالِثِ قَالَ (الرَّابِعُ أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي لِمَرِيضٍ أَوْ مُصَابٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ هَذِهِ الْمِرْضَةَ أَوْ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً فَقَدْ دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى أَنَّ الْمَصَائِبَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ السُّخْطَ لَا يُخِلُّ بِذَلِكَ التَّكْفِيرِ بَلْ يُجَدِّدُ ذَنْبًا آخَرَ كَمَنْ قَضَى دَيْنَهُ، ثُمَّ اسْتَدَانَ لَا يُقَالُ إنَّهُ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ الْمُصَابُ بَرِيءٌ مِنْ عُهْدَةِ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ جَدَّدَ ذَنْبًا آخَرَ بِسُخْطِهِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مَعْصِيَةً بَلْ يَقُولُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ﵂ قَالَتْ «مَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَهَ كَلَامًا وَحَدِيثًا مِنْ فَاطِمَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهَا وَقَامَ إلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا رَحَّبَتْ بِهِ وَقَامَتْ وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهَا» ، وَقَدْ «قَالَ ﵇ لِلْأَنْصَارِ قُومُوا لِسَيِّدِكُمْ» بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ تَعْظِيمًا لَهُ. وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ لِسَيِّدِكُمْ لَا لِيُعِينُوهُ، وَإِلَّا لَقَالَ لَهُمْ قُومُوا لِمَرِيضِكُمْ أَوْ لِمَجْرُوحِكُمْ وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ فِي الْجَوَابِ كَرَاهِيَتُهُ ﵇ لِقِيَامِهِمْ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ التَّوَاضُعِ كَمَا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ أَجْوِبَتِهِمْ عَنْ قَوْلِهِ ﵇ لِمَنْ قَالَ لَهُ يَا سَيِّدَنَا لَا تَقُلْ ذَلِكَ إنَّمَا السَّيِّدُ اللَّهُ كَمَا فِي رِسَالَتِي انْتِصَارِ الِاعْتِصَامِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، قَالَ الْأَصْلُ: وَالْمُبَاحُ هُوَ مَا إذَا فُعِلَ إجْلَالًا لِمَنْ لَا يُرِيدُهُ أَيْ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا بَلْ أَرَادَهُ لِدَفْعِ ضَرَرِ النَّقِيصَةِ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا سَيَأْتِي قَالَ: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ مِمَّا خَرَجَ عَنْ الْقِسْمَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: مُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ فَالْمُحَرَّمُ مَا إذَا فُعِلَ تَعْظِيمًا لِمَنْ يُحِبُّهُ تَجَبُّرًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَالْمَكْرُوهُ مَا إذَا فُعِلَ تَعْظِيمًا لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ: وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ مَحَبَّةِ الْقِيَامِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ أَوْ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ تَجَبُّرًا أَمَّا مَنْ أَرَادَهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّقِيصَةِ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَحَبَّةَ دَفْعِ الْأَسْبَابِ الْمُؤْلِمَةِ مَأْذُونٌ فِيهَا بِخِلَافِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ نَعَمْ لَا يُنْهَى عَنْ الْمَحَبَّةِ لِلْقِيَامِ تَجَبُّرًا وَتَكَبُّرًا وَالْمَيْلُ لِذَلِكَ الطَّبِيعِيِّ فَإِنَّ الْأُمُورَ الْجِبِلِّيَّةَ لَا يُنْهَى عَنْهَا بَلْ إنَّمَا يُنْهَى عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَذِيَّةِ النَّاسِ إذَا لَمْ يَقُومُوا وَمُؤَاخَذَتُهُمْ عَلَيْهِ فَالْقِيَامُ لِإِكْرَامِ النَّاسِ يَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ مُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ وَوَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَشْرُوعِ مِنْ الْمُوَادَّةِ وَغَيْرِ الْمَشْرُوعِ مِنْهَا هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ. قُلْت: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْأَصْلِ وَشَيْخُهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الشَّاطِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ تَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ مُتَقَدِّمِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا ضَلَالَةً مُحَرَّمَةً، وَإِنَّمَا تَتَفَاوَتُ رُتَبُهَا فِي التَّحْرِيمِ فَلَا يُبَاحُ مِنْ الْمُوَادَّةِ إلَّا مَا وَرَدَتْ بِهِ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْمُصَافَحَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ] (وَصْلٌ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ) تَتَعَلَّقُ بِالْمُصَافَحَةِ وَالْمُعَانَقَةِ وَتَقْبِيلِ الْيَدِ وَرَدِّ السَّلَامِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُكَارَمَةِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْمُصَافَحَةُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَحُجَّتُهُ مَا فِي الْمُوَطَّإِ قَالَ ﵇ «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبْ الشَّحْنَاءُ» وَعَنْ مَالِكٍ كَرَاهَتُهَا وَحُجَّةُ الْكَرَاهَةِ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا دَخَلُوا عَلَى إبْرَاهِيمَ

стр. 1034

اللَّهُمَّ عَظِّمْ لَهُ الْكَفَّارَةَ، فَإِنْ قُلْت إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٧] ، وَقَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوْ يَكُونُ فِي الْأَعْرَافِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُمْ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الذَّمِّ لَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا تِلْكَ النُّصُوصَ فِي الدُّنْيَا وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ سَلِمَ مِنْ النَّارِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ لَا يَدْخُلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْت قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ وَهُمْ عَلَى خَوْفٍ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ، وَأَهْوَالُ الْقِيَامَةِ تُوجِبُ الدَّهَشَ عَنْ الْمَعْلُومَاتِ فَقَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ ﵈ ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] لِاسْتِيلَاءِ الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ جِهَةِ هَوْلِ الْمَنْظَرِ كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ وَلَا ذَمَّ إلَّا مَعَ التَّكْلِيفِ. الْخَامِسُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِفُلَانٍ الْكَافِرِ، وَقَدْ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ فَهَذَا مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] اللَّهُمَّ عَظِّمْ لَهُ الْكَفَّارَةَ، فَإِنْ قُلْت إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ عَنْ قَوْمٍ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٧] ، وَقَدْ وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَوْ يَكُونُ فِي الْأَعْرَافِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ، وَمَا عَلِمْت فِي هَذَا خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَيَكُونُ دُعَاؤُهُمْ بِتَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَلَمْ يَذْكُرْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الذَّمِّ لَهُمْ مَعَ أَنَّهُمْ سَمِعُوا تِلْكَ النُّصُوصَ فِي الدُّنْيَا وَعَلِمُوا أَنَّ مَنْ سَلِمَ مِنْ النَّارِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ لَا يَدْخُلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ قُلْت قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ وَهُمْ عَلَى خَوْفٍ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ وَأَهْوَالُ الْقِيَامَةِ تُوجِبُ الدَّهَشَ عَنْ الْمَعْلُومَاتِ فَقَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ ﵈ ﴿مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩] لِاسْتِيلَاءِ الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قُلُوبِهِمْ مِنْ جِهَةِ هَوْلِ الْمَنْظَرِ، كَذَلِكَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ وَلَا ذَمَّ إلَّا مَعَ التَّكْلِيفِ) قُلْت عَلَى تَسْلِيمِ جَوَابِهِ لِلسَّائِلِ يَبْقَى هُوَ مُطَالَبًا بِدَلِيلِ الْمَنْعِ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ الدُّعَاءِ وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ وَلَا شُبْهَةٍ، وَكَذَلِكَ جَوَابُهُ فِي الْمِثَالِ الْخَامِسِ، وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى الدُّعَاءِ بِالْغُفْرَانِ لِلْكَافِرِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ﵇ ﴿فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] قَالَ مَالِكٌ فَذَكَرَ السَّلَامَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَافَحَةَ أَيْ وَالِاقْتِصَارُ مَحَلُّ الْبَيَانِ يُفِيدُ الْحَصْرَ قَالَ: وَلِأَنَّ السَّلَامَ يَنْتَهِي فِيهِ لِلْبَرَكَاتِ وَلَا يُزَادُ فِيهِ قَوْلٌ، وَلَا فِعْلٌ اهـ قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْلِ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمُصَافَحَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إذَا تَلَاقَى الرَّجُلَانِ فَتَصَافَحَا تَحَاتَّتْ ذُنُوبُهُمَا وَكَانَ أَقْرَبُهَا إلَى اللَّهِ أَكْثَرَهُمَا بِشْرًا» يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُصَافَحَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ. وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ هَذَا الزَّمَانِ مِنْ الْمُصَافَحَةِ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بِدْعَةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ، وَكَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يُنْهِي عَنْهُ وَيُنْكِرُهُ عَلَى فَاعِلِهِ، وَيَقُولُ: إنَّمَا شُرِعَتْ الْمُصَافَحَةُ عِنْدَ اللِّقَاءِ أَمَّا مَنْ هُوَ جَالِسٌ مَعَ الْإِنْسَانِ فَلَا يُصَافِحُهُ وَرَأَيْت بَعْضَ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ: رُوِيَ فِي مُصَافَحَةِ مَنْ هُوَ جَالِسٌ مَعَك حَدِيثٌ، وَلَا أَعْلَمُ صِحَّةَ قَوْلِهِ، وَلَا صِحَّةَ الْحَدِيثِ اهـ نَعَمْ رُبَّمَا يَدُلُّ لَهُ عُمُومُ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ «تَصَافَحُوا يَذْهَبْ الْغِلُّ» فَتَأَمَّلْ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْمُعَانَقَةُ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمُعَانَقَةُ وَرَدَتْ بِهَا السُّنَّةُ وَلَكِنَّ مَالِكًا كَانَ يَكْرَهُهَا وَيَقُولُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَرِدْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا مَعَ جَعْفَرٍ وَلَمْ يَصْحَبْهَا الْعَمَلُ مِنْ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي كِتَابِهِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ: وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَنْفِرُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِوَدَاعٍ مِنْ فَرْطِ أَلَمِ الشَّوْقِ أَوْ مَعَ الْأَهْلِ. اهـ. وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَعْتَقِدُ عُمُومَ مَشْرُوعِيَّتِهَا فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مَالِكٍ فَصَافَحَهُ مَالِكٌ وَقَالَ لَهُ لَوْلَا أَنَّ الْمُعَانَقَةَ بِدْعَةٌ لَعَانَقْتُك فَقَالَ سُفْيَانُ عَانَقَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي وَمِنْك النَّبِيُّ ﷺ عَانَقَ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ الْحَبَشَةِ قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ خَاصٌّ بِجَعْفَرٍ قَالَ سُفْيَانُ بَلْ عَامٌّ مَا يَخُصُّ جَعْفَرًا يَخُصُّنَا وَمَا يَعُمُّ جَعْفَرًا يَعُمُّنَا إذَا كُنَّا صَالِحِينَ أَفَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُحَدِّثَ فِي مَجْلِسِك قَالَ نَعَمْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ «لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ اعْتَنَقَهُ ﷺ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَقَالَ جَعْفَرٌ أَشْبَهُ النَّاسِ بِنَا خَلْقًا وَخُلُقًا يَا جَعْفَرُ مَا أَعْجَبُ مَا رَأَيْتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْت وَأَنَا أَمْشِي فِي بَعْضِ أَزِقَّتِهَا إذَا سَوْدَاءُ عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ بُرٌّ فَصَدَمَهَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّتِهِ فَوَقَعَ مِكْتَلُهَا وَانْتَشَرَ بُرُّهَا فَأَقْبَلَتْ تَجْمَعُهُ مِنْ التُّرَابِ، وَهِيَ تَقُولُ وَيْلٌ لِلظَّالِمِ مِنْ دَيَّانِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيْلٌ لِلظَّالِمِ مِنْ الْمَظْلُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيْلٌ لِلظَّالِمِ إذَا وُضِعَ الْكُرْسِيُّ لِلْفَصْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ ﵇ لَا يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا تَأْخُذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَمَتِّعٍ» ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ قَدْ قَدِمْت لِأُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأُبَشِّرَكَ بِرُؤْيَا رَأَيْتهَا فَقَالَ مَالِكٌ رَأَتْ عَيْنَاك خَيْرًا - إنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ سُفْيَانُ

стр. 1035

تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ بِخِلَافِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ فَإِنَّهُ كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَكْذِيبِ السَّمْعِ الْقَاطِعِ . (الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي جَعَلَ اللَّهُ مَوْتَ مَنْ مَاتَ لَك مِنْ أَوْلَادِك حِجَابًا مِنْ النَّارِ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ «مَنْ مَاتَ لَهُ اثْنَانِ مِنْ الْوَلَدِ كَانَا حِجَابًا لَهُ مِنْ النَّارِ» فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مَعْصِيَةً، فَإِنْ قُلْت قَدْ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لِعَبْدٍ صَالِحٍ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ إيَّاهُ وَأَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ الشَّفَاعَةُ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أُعْطِيهَا فَيَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا إبَاحَةُ الدُّعَاءِ بِمَا هُوَ ثَابِتٌ وَإِمَّا الْإِشْكَالُ عَلَى الْإِخْبَارِ عَلَى كَوْنِهِ ﵇ أُعْطِيهَا قُلْت ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُعْلِمَ أَنَّهُ أُعْطِيَ هَذِهِ الْأُمُورَ مَرْتَبَةً عَلَى دُعَائِنَا وَأُعْلِمَ أَنَّ دُعَاءَنَا يُحَصِّلُ لَهُ ذَلِكَ فَحَسُنَ أَمْرُنَا بِالدُّعَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي جَعَلَ اللَّهُ مَوْتَ مَنْ مَاتَ لَك مِنْ أَوْلَادِك حِجَابًا مِنْ النَّارِ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَى أَنَّ «مَنْ مَاتَ لَهُ اثْنَانِ مِنْ الْوَلَدِ كَانَا حِجَابًا لَهُ مِنْ النَّارِ» فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مَعْصِيَةً قَالَ، فَإِنْ قُلْت أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِقَوْلِنَا اللَّهُمَّ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَنَّ الْوَسِيلَةَ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ لِعَبْدٍ صَالِحٍ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ إيَّاهُ وَأَنَّ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ هُوَ الشَّفَاعَةُ» ، وَقَدْ أَخْبَرْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ أُعْطِيهَا فَيَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا إبَاحَةُ الدُّعَاءِ بِمَا هُوَ ثَابِتٌ وَإِمَّا الْإِشْكَالُ عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ كَوْنِهِ ﵊ أُعْطِيهَا قُلْت ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُعْلِمَ أَنَّهُ أُعْطِيَ هَذِهِ الْأُمُورَ مُرَتَّبَةً عَلَى دُعَائِنَا وَأُعْلِمَ أَنَّ دُعَاءَنَا يُحَصِّلُ لَهُ ذَلِكَ فَحَسُنَ أَمْرُنَا بِالدُّعَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] رَأَيْت كَأَنَّ قَبْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْشَقَّ فَأَقْبَلَ النَّاسُ يُهْرَعُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَالنَّبِيُّ ﵇ يَرُدُّ بِأَحْسَنَ رَدٍّ قَالَ سُفْيَانُ: فَأَتَى بِك - وَاَللَّهِ أَعْرِفُك فِي مَنَامِي كَمَا أَعْرِفُك فِي يَقَظَتِي - فَسَلَّمْت عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْك السَّلَامَ ثُمَّ رَمَى فِي حِجْرِك بِخَاتَمٍ نَزَعَهُ مِنْ أُصْبُعِهِ فَاتَّقِ اللَّهَ فِيمَا أَعْطَاك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَكَى مَالِكٌ بُكَاءً شَدِيدًا قَالَ سُفْيَانُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ قَالُوا لَهُ أَخَارِجٌ السَّاعَةَ قَالَ نَعَمْ فَوَدَّعَهُ مَالِكٌ وَخَرَجَ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ تَقْبِيلُ الْيَدِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالرَّأْسِ مِمَّنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ وَتُقْصَدُ مَوَدَّتُهُ لِدَاعٍ مَشْرُوعٍ دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ﷺ وَإِقْرَارُهُ وَعَمَلُ السَّلَفِ وَالْقِيَاسُ الْجَلِيُّ أَمَّا الْفِعْلُ وَالْإِقْرَارُ وَعَمَلُ السَّلَفِ فَفِي مَا خَرَّجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «مَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَهَ كَلَامًا وَحَدِيثًا مِنْ فَاطِمَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَتْ إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ رَحَّبَ بِهَا وَقَامَ إلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا رَحَّبَتْ بِهِ وَقَامَتْ وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهَا» كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ «سَأَلَتْ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ التِّسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ لَهُمْ: لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إلَى السُّلْطَانِ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تُوَلُّوا الْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ - خَاصَّةَ الْيَهُودِ - أَنْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ فَقَامُوا فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالُوا: نَشْهَدُ إنَّكَ نَبِيٌّ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتْبَعُونِي، قَالُوا: إنَّ دَاوُد ﵇ دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ وَإِنَّا نَخَافُ إنْ اتَّبَعْنَاك أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ فَتَقْبِيلُ الْيَهُودِ لِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ﵇ وَلَمْ يُنْكِرْهُ دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبَّلَ سَالِمًا وَقَالَ شَيْخٌ يُقَبِّلُ شَيْخًا قَالَ: فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ «وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاَللَّهِ مَا رَأَيْته عُرْيَانًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَبَّلَ ﵇ جَعْفَرًا حِينَ قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ قَالَ وَأَمَّا فِي الْفَمِ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ فَلَا رُخْصَةَ فِيهَا بِوَجْهٍ اهـ وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ «تَقْبِيلُهُ ﷺ لِلْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْمِحْجَنِ» الَّذِي مَسَّ بِهِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ فَيَدُ وَرَأْسُ مَنْ تُرْجَى بَرَكَتُهُ أَوْ تُقْصَدُ مَوَدَّتُهُ لِدَاعٍ أَوْلَى بِالتَّقْبِيلِ فَمِنْ هُنَا قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا قَدِمَ الرَّجُلُ مِنْ سَفَرِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ تُقَبِّلَهُ ابْنَتُهُ وَأُخْتُهُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ خَدَّ ابْنَتِهِ، وَكُرِهَ أَنْ تُقَبِّلَهُ خَتَنَتُهُ وَمُعْتَقَتُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَالَّةً، وَلَا بَأْسَ أَنْ يُقَبِّلَ رَأْسَ أَبِيهِ، وَلَا يُقَبِّلُ خَدَّ أَبِيهِ

стр. 1036

هَذِهِ الْأُمُورِ وَحَسُنَ الْإِخْبَارُ بِحُصُولِهَا؛ لِأَنَّهُ أُعْلِمَ بِوُقُوعِ سَبَبِ حُصُولِهَا وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ بِحُصُولِ شَيْءٍ قَدْ عُلِمَ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ دُعَائِنَا فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ. (الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَوْمَ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ لِي سَنَةً، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ «صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ وَصَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً» فَلَا يَجُوزُ طَلَبُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِي كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهُنَّ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «الصَّلَاةُ إلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» فَيَكُونُ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ مَعْصِيَةً لِمَا مَرَّ وَأُلْحِقَ بِهَذِهِ الْمُثُلِ نَظَائِرُهَا (الْقِسْمُ الْخَامِسُ) فِي الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَقَوْلِي بِطَرِيقِ الْآحَادِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّ طَلَبَ نَفْيِ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْكُفْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ (الْأَوَّلُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] هَذِهِ الْأُمُورِ وَحَسُنَ الْإِخْبَارُ بِحُصُولِهَا؛ لِأَنَّهُ أُعْلِمَ بِوُقُوعِ سَبَبِ حُصُولِهَا، وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ الدُّعَاءُ بِحُصُولِ شَيْءٍ قَدْ عُلِمَ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ دُعَائِنَا فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ) قُلْت جَوَابُهُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْمَعْلُومِ الْحُصُولُ مَمْنُوعٌ وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ دَعْوَاهُ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ أَتَى بِهَا. قَالَ (الثَّانِي أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي اجْعَلْ صَوْمَ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ لِي سَنَةً، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ «صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ وَصَوْمَ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً» فَلَا يَجُوزُ طَلَبُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِي كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُنَّ، وَقَدْ قَالَ ﷺ فِي الصَّحِيحِ «الصَّلَاةُ إلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا» فَيَكُونُ الدُّعَاءُ بِذَلِكَ مَعْصِيَةً لِمَا مَرَّ) قُلْت مَا قَالَهُ دَعْوَى كَمَا سَبَقَ مَعَ أَنَّ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ يَتَّجِهُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَ دُعَاءٌ بِتَحْسِينِ عَاقِبَتِهِ وَذَلِكَ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ. قَالَ (الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَقَوْلِي بِطَرِيقِ الْآحَادِ احْتِرَازٌ مِنْ الْمُتَوَاتِرِ فَإِنَّ طَلَبَ نَفْيَ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْكُفْرِ كَمَا تَقَدَّمَ) قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى طَلَبِ نَفْيِ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ عَلَى ثُبُوتِهِ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُكَفِّرُ بِالْمَآلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ. قَالَ (وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، وَقَدْ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَوْ عَمِّهِ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِ الْمَاضِي اهـ لَكِنْ قَالَ الْأَصْلُ: بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَحَاشَوْنَ عَنْ تَقْبِيلِ أَوْلَادِهِمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَيُقَبِّلُونَهُمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَرُءُوسِهِمْ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَرَّمَ الِاسْتِمْتَاعَ بِالْمَحَارِمِ وَالِاسْتِمْتَاعُ هُوَ أَنْ يَجِدَ لَذَّةً بِالْقُبْلَةِ فَمَنْ كَانَ يَجِدُ لَذَّةً بِالْقُبْلَةِ بِهَا امْتَنَعَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ. وَمَنْ كَانَ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الْخَدُّ وَالْفَمُ وَالرَّأْسُ وَالْعُنُقُ وَجَمِيعُ الْجَسَدِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْجَبْرِ وَالْحَنَانِ فَهَذَا هُوَ الْمُبَاحُ، وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا قَالَ: وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَلَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ النَّاسِ يَجِدُ اللَّذَّةَ مِنْ تَقْبِيلِ وَلَدِهِ فِي خَدِّهِ أَوْ فَمِهِ كَمَا يَجِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ بِتَقْبِيلِ امْرَأَتِهِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ ذَلِكَ بِرٌّ بِوَلَدِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ لِقَضَاءِ أَرَبِهِ وَلَذَّتِهِ وَيَنْشَرِحُ لِذَلِكَ وَيَفْرَحُ قَلْبُهُ وَيَجِدُ مِنْ اللَّذَّةِ أَمْرًا كَبِيرًا. وَمِنْ الْمُنْكَرَاتِ أَنْ يَعْمِدَ الْإِنْسَانُ لِأُخْتِهِ الْجَمِيلَةِ أَوْ ابْنَتِهِ الْجَمِيلَةِ الَّتِي يَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ زَوْجَةٌ مِثْلُهَا فِي مِثْلِ خَدِّهَا وَثَغْرِهَا فَيُقَبِّلَ خَدَّهَا، أَوْ ثَغْرَهَا أَوْ هُوَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ وَيَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْهِ قُبْلَةَ الْأَجَانِبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الِاسْتِمْتَاعُ بِذَوَاتِ الْمَحَارِمِ أَشَدُّ تَحْرِيمًا كَمَا أَنَّ الزِّنَى بِهِنَّ أَقْبَحُ مِنْ الزِّنَا بِالْأَجْنَبِيَّاتِ، وَمَا مِنْ أَحَدٍ لَهُ طَبْعٌ سَلِيمٌ وَيَرَى جَمَالًا فَائِقًا لَا يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُهُ وَقَدْ يُزِغْهُ عَقْلُهُ وَشَرْعُهُ، وَرَأَيْت النَّاسَ عِنْدَهُمْ مُسَامَحَةٌ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ، وَقَوْلُ مَالِكٌ ﵀: إنَّهُ يُقَبِّلُ خَدَّ ابْنَتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ هَذَا وَغَيْرُهُ عِنْدَهُ سَوَاءً، أَمَّا مَتَى حَصَلَ الْفَرْقُ فِي النَّفْسِ صَارَ اسْتِمْتَاعًا حَرَامًا، وَالْإِنْسَانُ يُطَالِعُ قَلْبَهُ وَيَحْكُمُهُ فِي ذَلِكَ اهـ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ هَلْ الِانْتِهَاءُ إلَى الْبَرَكَاتِ فِي السَّلَام مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رَدِّ السَّلَامِ هَلْ الِانْتِهَاءُ فِيهِ إلَى الْبَرَكَاتِ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا وَفِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مَا إذَا انْتَهَى الْمُبْتَدِئُ بِالسَّلَامِ إلَى الْبَرَكَاتِ فَقَطْ وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ قِيلَ: إنَّ أَوْ لِلتَّنْوِيعِ لَا لِلتَّخْيِيرِ وَقِيلَ: لِلتَّخْيِيرِ اهـ قَالَ الْأَصْلُ: وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَرُدَّ أَحْسَنَ أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى لَفْظِ الْمُبْتَدِئِ إنْ كَانَ قَدْ وَقَفَ دُونَ الْبَرَكَاتِ، وَإِلَّا لَبَطَلَ التَّخَيُّرُ لِتَعَيُّنِ الْمُسَاوَاةِ وَمَعْنَى التَّنْوِيعِ تَنْوِيعُ الرَّدِّ إلَى الْمِثْلِ إنْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ انْتَهَى لِلْبَرَكَاتِ، وَإِلَى الْأَحْسَنِ إنْ كَانَ الْمُبْتَدِئُ اقْتَصَرَ دُونَ الْبَرَكَاتِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَمَا يَحْرُمُ وَمَا يُنْدَبُ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْوَالِدَيْنِ يَأْمُرَانِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَيَانِ عَنْ الْمُنْكَرِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ الْمَفَاسِدِ وَمَا يَحْرُمُ وَمَا يُنْدَبُ) وَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَاجِبٌ إذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطٌ ثَلَاثٌ (الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَعْلَمَ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيَنْهَى

стр. 1037

دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ، وَدُخُولُهُمْ النَّارَ إنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ فَلَوْ غُفِرَ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ذُنُوبُهُمْ كُلُّهَا لَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ النَّارَ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً وَلَا يَكُونُ كُفْرًا؛ لِأَنَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ وَالتَّكْفِيرُ إنَّمَا يَكُونُ بِجَحْدِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ، فَإِنْ قُلْت فَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ إذَا قَالَ الْإِنْسَانُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَنْ يَقُولَ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا خِلَافُ مَا قَرَّرْته،. وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّهُمْ يَقُولُوا ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] أَيْ تَابُوا مِنْ الْكُفْرِ وَاتَّبَعُوا الْإِسْلَامَ وَلَفْظُ الَّذِينَ عَامٌّ فِي التَّائِبِينَ مِنْ الْكُفْرِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ عَامًّا فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرْته قُلْت الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْمِيمِ صَحَّ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُ كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَغْفِرَةِ بَعْضِ الذُّنُوبِ وَدُخُولِهِمْ النَّارَ بِبَعْضٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] دَلَّتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ وَخُرُوجِهِمْ مِنْهَا بِشَفَاعَةٍ وَبِغَيْرِ شَفَاعَةٍ وَدُخُولُهُمْ النَّارَ إنَّمَا هُوَ بِذُنُوبِهِمْ فَلَوْ غُفِرَ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ ذُنُوبُهُمْ كُلُّهَا لَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ النَّارَ فَيَكُونُ هَذِهِ الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً وَلَا يَكُونُ كُفْرًا؛ لِأَنَّهَا أَخْبَارُ آحَادٍ وَالتَّكْفِيرُ إنَّمَا يَكُونُ بِجَحْدِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ. قَالَ فَإِنْ قُلْت فَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ إذَا قَالَ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَنْ يَقُولَ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَرَّرْته، وَقَدْ أَخْبَرَنَا عَنْ الْمَلَائِكَةِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَنَّهُمْ يَقُولُونَ ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] أَيْ تَابُوا مِنْ الْكُفْرِ وَاتَّبَعُوا الْإِسْلَامَ وَلَفْظُ الَّذِينَ عَامٌّ فِي التَّائِبِينَ عَنْ الْكُفْرِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ فَيَكُونُ عَامًّا فِي الْمُؤْمِنِينَ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] عَامٌّ جَمِيعَ مَنْ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرْته. قَالَ قُلْت الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْمِيمِ صَحَّ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُ كَافَّةَ الْمُسْلِمِينَ فِيمَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مَغْفِرَةِ بَعْضِ الذُّنُوبِ وَدُخُولِهِمْ النَّارَ بِبَعْضٍ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَنْهُ (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَأْمَنَ مِنْ أَنْ يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ إلَى مُنْكَرٍ أَكْبَرَ مِنْهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ إذَا نَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ إمَّا فِي غَيْرِ النَّاهِي، وَإِمَّا فِي النَّاهِي كَأَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الزِّنَا فَيَقْتُلَهُ (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) : أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إنْكَارَهُ الْمُنْكَرَ مُزِيلٌ لَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِي تَحْصِيلِهِ، وَمُحَرَّمٌ إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ الْمُلَابِسُ تَحْرِيمَهُ، وَإِذَا فُقِدَ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ النَّهْيُ عَمَّا يَرَاهُ، وَلَا الْأَمْرُ بِهِ، وَلَا لِمَنْ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ عَنْ الْمُنْكَرِ إلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ أَمَّا فِي غَيْرِ النَّاهِي فَبِالِاتِّفَاقِ، وَأَمَّا فِي نَفْسِ النَّاهِي فَعَلَى الْخِلَافِ الْآتِي، وَمَنْدُوبٌ إذَا كَانَ لَا يَعْتَقِدُ الْمُلَابِسُ حِلَّهُ، وَلَا حُرْمَتَهُ، وَهُوَ مُتَقَارِبُ الْمَدَارِكِ وَإِذَا كَانَ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا، وَالْمَتْرُوكُ مَنْدُوبًا لَا وَاجِبًا، وَإِذَا عُدِمَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ بِأَنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إنْكَارَهُ الْمُنْكَرَ مُزِيلٌ لَهُ، وَأَنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِي تَحْصِيلِهِ بَلْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ الْإِزَالَةُ وَعَدَمُهَا وَالتَّأْثِيرُ وَعَدَمُهُ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْإِزَالَةِ وَعَدَمُهَا وَالتَّأْثِيرُ وَعَدَمُهُ فَحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الْوَاجِبُ وَيَبْقَى الْجَوَازُ وَالنَّدْبُ وَتَوْضِيحُ ذَلِكَ أَنَّ لِلْوُجُوبِ حَالَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مَا إذَا اجْتَمَعَتْ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الشُّرُوطُ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَأَنَّ لِلتَّحْرِيمِ ثَلَاثَ حَالَاتٍ (الْحَالَةُ الْأُولَى) : مَا إذَا اعْتَقَدَ الْمُلَابِسُ لِلْمُنْكِرِ تَحْرِيمَهُ (وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) مَا إذَا فُقِدَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا يُؤْمَرُ بِهِ وَيُنْهَى عَنْهُ (الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) : مَا إذَا فُقِدَ الشَّرْطُ الثَّانِي وَتَحْتَهُ قِسْمَانِ: الْأَوَّلُ: أَنْ يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ إلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي غَيْرِ النَّاهِي فَيَتَّفِقَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ النَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ (الْقِسْمُ الثَّانِي) : أَنْ يُؤَدِّيَ إنْكَارُهُ الْمُنْكَرَ إلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي النَّاهِي بِأَنْ يَنْهَاهُ عَنْ الزِّنَا فَيَقْتُلَهُ فَيَخْتَلِفَ النَّاسُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ سَوَّاهُ بِالْأَوَّلِ نَظَرًا لِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ، وَقَالَ: هَذَا لَا يُمْنَعُ، وَالتَّغْرِيرُ بِالنُّفُوسِ مَشْرُوعٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] فَمَدَحَهُمْ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ قُتِلُوا بِسَبَبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأَنَّهُمْ مَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَذْلَ النُّفُوسِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَأْمُورٌ بِهِ، وَقُتِلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا بِسَبَبِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ تَزْوِيجِ الرَّبِيبَةِ، وَقَالَ ﷺ «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْقَتْلِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَجَعَلَهُ ﷺ أَفْضَلَ الْجِهَادِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ كَلِمَةٍ وَكَلِمَةٍ كَانَتْ فِي الْأُصُولِ أَوْ الْفَرْعِ مِنْ الْكَبَائِرِ أَوْ الصَّغَائِرِ وَقَدْ خَرَجَ ابْنُ الْأَشْعَثِ مَعَ جَمْعٍ كَبِيرٍ مِنْ التَّابِعِينَ

стр. 1038

آخَرَ فَلَا يُنَافِي أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ وَإِنْ أَرَادَ مَغْفِرَةَ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ صَحَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الدَّاخِلِينَ النَّارَ الْخَارِجِينَ بِالشَّفَاعَةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَلَمْ يُشْرِكْهُمْ فِي جُمْلَةِ مَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ صَحَّ أَيْضًا إذْ لَا مُنَافَاةَ فَلَا رَدَّ عَلَى النُّبُوَّةِ وَإِنْ أَرَادَ اشْتِرَاكَهُمْ مَعَهُ فِي جُمْلَةِ مَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مَغْفِرَةُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ طَلَبَ الْمَلَائِكَةِ الْمَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِ بِقَوْلِهِمْ ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] لَا عُمُومَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لِكَوْنِهَا أَفْعَالًا فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَلَا تَعُمُّ إجْمَاعًا وَلَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَا الْخُصُوصَ وَهُوَ الْمَغْفِرَةُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لِلْقَوَاعِدِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ أَطْلَقَ الدَّاعِي قَوْلَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ جَازَ لِأَنَّ لَفْظَةَ افْعَلْ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَلَا تَعُمُّ كَمَا أَطْلَقَتْهُ الْمَلَائِكَةُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] آخَرَ فَلَا يُنَافِي الدُّعَاءُ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ، وَإِنْ أَرَادَ مَغْفِرَةَ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ صَحَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ الدَّاخِلِينَ النَّارَ الْخَارِجِينَ بِالشَّفَاعَةِ، وَأَمَّا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنْ أَرَادَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَلَمْ يُشْرِكْهُمْ فِي جُمْلَةِ مَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ صَحَّ أَيْضًا إذْ لَا مُنَافَاةَ فَلَا رَدَّ عَلَى النُّبُوَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ اشْتِرَاكَهُمْ مَعَهُ فِي جُمْلَةِ مَا طَلَبَهُ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مَغْفِرَةُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ طَلَبَ الْمَلَائِكَةِ الْمَغْفِرَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] لَا عُمُومَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لِكَوْنِهَا أَفْعَالًا فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَلَا تَعُمُّ إجْمَاعًا وَلَوْ كَانَتْ لِلْعُمُومِ لَوَجَبَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهَا الْخُصُوصَ وَهُوَ الْمَغْفِرَةُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لِلْقَوَاعِدِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ أَطْلَقَ الدَّاعِي قَوْلَهُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ جَازَ لِأَنَّ لَفْظَةَ افْعَلْ؛ لِأَنَّ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ لَا تَعُمُّ كَمَا أَطْلَقَتْهُ الْمَلَائِكَةُ) . قُلْت لَقَدْ كَلَّفَ هَذَا الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ شَطَطًا وَادَّعَى دَوَاعِيَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَا حَاجَةَ إلَيْهَا وَهْمًا مِنْهُ وَغَلَطًا، وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَهُ أَنْ يَطْلُبُوا مِنْهُ الْمَغْفِرَةَ لِذُنُوبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ أَنَّهُ قَدْ قَضَى بِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَا يَغْفِرُ لَهُ، وَمِنْ أَيْنَ تَلْزَمُ الْمُنَافَاةُ بَيْنَ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ وَوُجُوبِ نَقِيضِهَا؟ هَذَا أَمْرٌ لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا إلَّا مُجَرَّدَ التَّحَكُّمِ بِمَحْضِ التَّوَهُّمِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر: ٧] وقَوْله تَعَالَى ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي قِتَالِ الْحَجَّاجِ وَعَرَّضُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقَتْلِ وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلَائِقُ كَثِيرَةٌ بِسَبَبِ إزَالَةِ ظُلْمِ الْحَجَّاجِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ لَا فِي الْأُصُولِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَلَمْ يَزَلْ أَهْلُ الْجَدِّ وَالْعَزَائِمِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ فَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْعُظْمَى إنَّمَا تُمْنَعُ إذَا كَانَتْ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْقَبِيلِ أَمَّا هَذَا فَلَا، وَأَنَّ لِلنَّدَبِ ثَلَاثَ حَالَاتٍ (الْحَالَةُ الْأُولَى) : مَا إذَا كَانَ الْمُلَابِسُ لِلْمُنْكَرِ لَا يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، وَلَا حُرْمَتَهُ، وَهُوَ مُتَقَارِبُ الْمَدَارِكِ (وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) مَا إذَا كَانَ الْفِعْلُ مَكْرُوهًا لَا حَرَامًا، وَالْمَتْرُوكُ مَنْدُوبًا لَا وَاجِبًا (وَالْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) مَا إذَا فُقِدَ الشَّرْطُ الثَّالِثُ بِأَنْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ الْإِزَالَةُ وَعَدَمُهَا وَالتَّأْثِيرُ وَعَدَمُهُ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْإِزَالَةِ وَعَدَمُ التَّأْثِيرِ هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ قُلْت: وَيُؤْخَذُ مِنْ الْحَالَةِ الْأُولَى لِلتَّحْرِيمِ، وَالْحَالَةِ الْأُولَى لِلنَّدَبِ أَنَّ لِلْوُجُوبِ حَالَةً ثَانِيَةً هِيَ مَا إذَا كَانَ الْمُلَابِسُ لِلْمُنْكَرِ الْمُتَّفَقِ عَلَى إنْكَارِهِ أَوْ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مَعَ ضَعْفِ مَدْرِك التَّحْلِيلِ جِدًّا يُعْتَقَدُ حِلُّهُ كَمَا لَا يَخْفَى فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَصْلٌ) مَرَاتِبُ الْإِنْكَارِ ثَلَاثَةٌ دَلَّ عَلَيْهَا مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ شَيْءٌ مِنْ الْإِيمَانِ» وَيُرْوَى «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» وَفِي الصَّحِيحِ نَحْوُهُ وَأَقْوَاهَا أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَيْنًا مَعَ الْقُدْرَةِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ انْتَقَلَ لِلتَّغْيِيرِ بِالْقَوْلِ، وَهِيَ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ وَلْيَكُنْ الْقَوْلُ بِرِفْقٍ لِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ أَمَرَ مُسْلِمًا بِمَعْرُوفٍ فَلْيَكُنْ أَمْرُهُ كَذَلِكَ» قَالَ اللَّهُ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وَقَالَ ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقَوْلِ انْتَقَلَ لِلرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَهِيَ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ، وَهِيَ أَضْعَفُهَا قَالَ الْأَصْلُ: وَعَجْزُهُ عَنْ الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ أَوْ بِالْقَوْلِ، وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ إيمَانًا لَا يُنَافِي تَعْظِيمَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَقُوَّةَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَهُ أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ بِسَبَبِ عَجْزِهِ عَنْ الْإِنْكَارِ لِكَوْنِهِ يُؤَدِّي لِمَفْسَدَةٍ أَعْظَمَ، أَوْ نَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَجْزِ عَنْ الْقُرْبَةِ نَقْصُ الْإِيمَانِ وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ فِي قَوْلِهِ ﵇ «وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» الْإِيمَانُ الْفِعْلِيُّ الْوَارِدُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أَيْ صَلَاتَكُمْ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالصَّلَاةُ فِعْلٌ، وَقَالَ ﵇ «الْإِيمَانُ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ شُعْبَةً، وَقِيلَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ» وَهَذِهِ التَّجْزِئَةُ إنَّمَا تَصِحُّ فِي الْأَفْعَالِ وَقَدْ سَمَّاهَا إيمَانًا وَأَقْوَى الْإِيمَانِ الْفِعْلِيِّ إزَالَةُ الْيَدِ لِاسْتِلْزَامِهِ إزَالَةَ الْمَفْسَدَةِ عَلَى الْفَوْرِ ثُمَّ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا تَقَعُ مَعَهُ الْإِزَالَةُ

стр. 1039

الْمِثَالُ الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اكْفِنِي أَمْرَ الْعُرْيِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَسْتَتِرَ عَوْرَتِي عَنْ الْأَبْصَارِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «الْخَلَائِقَ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِلرَّدِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خَبَرِهِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إذَا قَبَضْتَنِي إلَيْك وَأَمَتَّنِي فَلَا تُحْيِيَنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى أَسْتَرِيحَ مِنْ وَحْشَةِ الْقَبْرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ رُجُوعُ الْأَرْوَاحِ إلَى الْأَجْسَادِ «إنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ أَنْعِلَةِ الْمُنْصَرِفِينَ» ، وَقَدْ قَالَ ﵇ فِي قَتْلَى بَدْرٍ «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ» وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ إجْمَاعًا فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِلرَّدِّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً وَلِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْآحَادِ لَا يَكُونُ كُفْرًا (الْقِسْمُ السَّادِسُ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَسْتَرِيحَ مِنْ غَمِّهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥] لِكَوْنِهَا أَفْعَالًا فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ خَطَأٌ فَاحِشٌ؛ لِأَنَّهُ الْتَفَتَ إلَى الْأَفْعَالِ دُونَ مَا بَعْدَهَا مِنْ مَعْمُولَاتِهَا وَالْمَعْمُولَاتُ فِي الْآيَتَيْنِ لَفْظًا عُمُومٌ. قَالَ (الْمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اكْفِنِي أَمْرَ الْعُرْيِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى تَسْتَتِرَ عَوْرَتِي عَنْ الْأَبْصَارِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ إنَّ «الْخَلَائِقَ يُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِلرَّدِّ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فِي خَبَرِهِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً. الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إذَا قَبَضْتنِي إلَيْك وَأَمَتّنِي فَلَا تُحْيِنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى أَسْتَرِيحَ مِنْ وَحْشَةِ الْقَبْرِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ رُجُوعُ الْأَرْوَاحِ إلَى الْأَجْسَادِ «وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْمَعُ خَفْقَ أَنْعِلَةِ الْمُنْصَرِفِينَ» ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَتْلَى بَدْرٍ «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ» وَلَيْسَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِمْ إجْمَاعًا فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُسْتَلْزِمًا لِلرَّدِّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً وَلِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْآحَادِ لَا يَكُونُ كُفْرًا) قُلْت هَذَانِ الْمِثَالَانِ مِنْ الطِّرَازِ الْأَوَّلِ مُجَرَّدُ دَعْوَى، وَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَدْعُوَ إلَّا بِمَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ؟ لَا أَعْرِفُ لِذَلِكَ وَجْهًا وَلَا دَلِيلًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (الْقِسْمُ السَّادِسُ مِنْ الدُّعَاءِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ الْوَارِدُ بِطَرِيقِ الْآحَادِ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَسْتَرِيحَ مِنْ غَمِّهَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَقَدْ تَقَعُ وَالْإِنْكَارُ الْقَلْبِيُّ لَا يُؤَثِّرُ إزَالَةً أَلْبَتَّةَ، أَوْ يُلَاحَظُ عَدَمُ تَأْثِيرِهِ فِي الْإِزَالَةِ فَيَبْقَى الْإِيمَانُ اهـ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ: وَمَعْنَى ضَعْفِهِ دَلَالَتُهُ عَلَى غَرَابَةِ الْإِسْلَامِ وَعَدَمِ انْتِظَامِهِ، وَإِلَّا فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا اهـ يُرِيدُ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الْحَدِيثِ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ وَالْمُرَادُ بِضَعْفِهِ ضَعْفُهُ فِي زَمَنِ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِنْكَارِ بِالْيَدِ أَوْ بِالْقَوْلِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثُ «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ» لَا ضَعْفُهُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُنْكِرِ بِقَلْبِهِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَصْلٌ) فِي خَمْسِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَكْمُلُ بِهَا الْفَرْقُ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) يَأْمُرُ الْوَلَدُ وَالِدَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ مَالِكٌ: وَيَخْفِضُ لَهُمَا فِي ذَلِكَ جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسُهُ عَاصِيًا] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يُشْتَرَطُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسُهُ عَاصِيًا بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُلَابِسًا لِمَفْسَدَةٍ وَاجِبَةِ الدَّفْعِ أَوْ تَارِكًا لِمَصْلَحَةٍ وَاجِبَةِ الْحُصُولِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا أَمْرُ الْجَاهِلِ بِمَعْرُوفٍ لَا يَعْرِفُ وُجُوبَهُ وَنَهْيُهُ عَنْ مُنْكَرٍ لَا يَعْرِفُ تَحْرِيمَهُ كَنَهْيِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ أُمَمَهَا أَوَّلَ بَعْثَتِهَا وَمِنْهَا قِتَالُ الْبُغَاةِ وَهُمْ عَلَى تَأْوِيلٍ وَمِنْهَا ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى مُلَابَسَةِ الْفَوَاحِشِ وَمِنْهَا قَتْلُ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ إذَا صَالُوا عَلَى الدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَلَمْ يُمْكِنُ دَفْعُهُمْ إلَّا بِقَتْلِهِمْ، وَمِنْهَا أَنْ يُوَكِّلَ وَكِيلًا بِالْقِصَاصِ ثُمَّ يَعْفُوَ وَيُخْبِرَ فَاسِقٌ أَوْ مُتَّهَمٌ الْوَكِيلَ بِالْعَفْوِ فَلَا يُصَدِّقُهُ فَلِلْفَاسِقِ أَوْ الْمُتَّهَمِ الَّذِي أَخْبَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْ الْقِصَاصِ إذًا دَفْعًا بِالْقَتْلِ الْوَارِدَةِ لِمَفْسَدَةِ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَمِنْهَا أَنْ يُوَكِّلَ سَيِّدُ الْجَارِيَةِ وَكِيلًا فِي بَيْعِهَا فَيَبِيعَهَا وَيُخْبِرَهُ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ الْوَكِيلِ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَيُرِيدُ وَطْأَهَا ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْوَكِيلَ لَمْ يَبِعْهَا فَلِلْمُشْتَرِي دَفْعُهُ وَلَوْ بِالْقَتْلِ، وَمِنْهَا ضَرْبُ الْبَهَائِمِ لِلتَّعْلِيمِ وَالرِّيَاضَةِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الشِّمَاسِ وَالْجِمَاحِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ إجْمَاعًا فَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْمُرَ بِمَعْرُوفٍ وَجَبَ عَلَيْهِ كَمَنْ يَرَى جَمَاعَةً تَرَكُوا الصَّلَاةَ فَيَأْمُرُهُمْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قُومُوا لِلصَّلَاةِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا رَأَيْنَا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مُخْتَلَفًا فِي تَحْرِيمِهِ وَتَحْلِيلِهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الْمُخْتَلَفُ فِي تَحْرِيمِهِ وَتَحْلِيلِهِ إنْ رَأَيْنَا مَنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُنْتَهِكٌ لِلْحُرْمَةِ مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِهِ فَإِنْ رَأَيْنَاهُ مُعْتَقِدًا تَحْلِيلَهُ لَمْ نُنْكِرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ عَاصٍ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الْمُوجِبَةَ لِإِبَاحَةِ الْإِنْكَارِ لَمْ تَتَعَيَّنْ نَعَمْ إنْ كَانَ مَدْرَكُ الْقَوْلِ بِالتَّحْلِيلِ ضَعِيفًا جِدًّا يَنْقُصُ قَضَاءُ الْقَاضِي بِمِثْلِهِ لِبُطْلَانِهِ فِي الشَّرْعِ كَوَاطِئِ الْجَارِيَةِ بِالْإِبَاحَةِ مُعْتَقِدًا لِمَذْهَبِ عَطَاءٍ وَشَارِبِ النَّبِيذِ مُعْتَقِدًا لِمَذْهَبِ

стр. 1040

وَوَحْشَتِهَا مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ قَبْلَ غَيْرِي، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﵊ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ رَدَّا عَلَى النُّبُوَّةِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً. (الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَوَّلَ دَاخِلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ دَاخِلِ الْجَنَّةِ» فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُضَادًّا لِخَبَرِ النُّبُوَّةِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَغْنِيَاء يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «الْفُقَرَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ» فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ مُضَادًّا لِلْحَدِيثِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً وَلَا يَكُونُ كُفْرًا لِأَنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ (الْقِسْمُ السَّابِعُ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت وَلَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَلَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَدَّرْت غَيْرَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ النَّظَائِرَ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت وَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ» وَسِرُّهُ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ عَرِيَ عَنْ إظْهَارِ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُشْعِرُ بِغِنَى الْعَبْدِ عَنْ الرَّبِّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَوَحْشَتِهَا مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ قَبْلَ غَيْرِي، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﵊ «أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ» فَيَكُونَ هَذَا الدُّعَاءُ رَدًّا عَلَى النُّبُوَّةِ فَيَكُونَ مَعْصِيَةً. الثَّانِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أَوَّلَ دَاخِلٍ الْجَنَّةَ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوَّلُ دَاخِلِ الْجَنَّةِ» فَيَكُونَ هَذَا الدُّعَاءُ مُضَادًّا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ . الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ الْأَغْنِيَاءَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَا مُضَادَّةَ بَيْنَ التَّكْلِيفِ بِطَلَبِ أَمْرٍ وَنُفُوذِ الْقَضَاءِ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ وَمُدَّعِي ذَلِكَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْتِ عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ إلَّا مُجَرَّدَ دَعْوَى الْمُضَادَّةِ. . قَالَ (الْقِسْمُ السَّابِعُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت وَلَا إلَّا إنْ تَشَاءَ وَلَا إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ قَدَّرْت غَيْرَ ذَلِكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت وَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ» وَسِرُّهُ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ عَرِيَ عَنْ إظْهَارِ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيُشْعِرُ بِغِنَى الْعَبْدِ عَنْ الرَّبِّ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَبِي حَنِيفَةَ أَنْكَرْنَا عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَيْنَاهُ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ تَحْرِيمًا، وَلَا تَحْلِيلًا، وَالْمَدَارِكُ فِي التَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ مُتَقَارِبَةٌ أَرْشَدَ لِلتَّرْكِ بِرِفْقٍ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ وَتَوْبِيخٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَرَعِ الْمَنْدُوبِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَنْدُوبَاتِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ هَكَذَا أَيْ الْمَكْرُوهَاتِ شَأْنُهَا الْإِرْشَادُ مِنْ غَيْرِ تَوْبِيخٍ [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْمَنْدُوبَاتُ وَالْمَكْرُوهَاتُ يَدْخُلُهَا الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ] (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) يَدْخُلُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ الْمَنْدُوبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ عَلَى سَبِيلِ الْإِرْشَادِ لِلْوَرَعِ وَلِمَا هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ، وَلَا تَوْبِيخٍ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى أَفَادَهُ الْأَصْلُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ شَرْطُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَعَلُّمُهُ مِنْ النُّجُومِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ) وَهُوَ أَنَّ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إنْ كَانَ لِمَا تَعْرِفُ بِهِ الْقِبْلَةَ كَالْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا فِي مَعْرِفَةِ الْقِبْلَةِ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَعَلُّمَ هَذَا الْقِسْمِ فَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ قَالَ الْأَصْلُ: لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ مِنْ التَّوَجُّهِ لِلْكَعْبَةِ لَا يَسُوغُ فِيهِ التَّقْلِيدُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَنَصُّوا عَلَى أَنَّ الْقَادِرَ عَلَى التَّعَلُّمِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعَلُّمُ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَمُعْظَمُ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ فِي النُّجُومِ فَيَجِبُ تَعَلُّمُ مَا تُعْلَمُ بِهِ الْقِبْلَةُ اهـ وَإِنْ كَانَ لِمَا تُعْرَفُ بِهِ أَوْقَاتُ الصَّلَاةِ فَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنْ يَكُونَ مَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْهَا فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ قَالَ الْأَصْلُ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ قَالَ صَاحِبُ الطِّرَازِ: يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ إلَّا الزَّوَالَ، فَإِنَّهُ ضَرُورِيٌّ يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ التَّقْلِيدِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ، وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْأَوْقَاتِ وَاجِبَةٌ يَكُونُ مَا تُعْرَفُ بِهِ الْأَوْقَاتُ فَرْضَ كِفَايَةٍ اهـ وَإِنْ كَانَ لِمَا يُعِينُ عَلَى الْأَسْفَارِ، وَيُخْرِجُ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ فَهُوَ مَوْطِنُ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ الْأَصْلُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ يَتَعَلَّمُ مِنْ أَحْكَامِ النُّجُومِ مَا يَهْتَدِي بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَتُعْرَفُ مَوَاضِعُهَا مِنْ الْفَلَكِ، وَأَوْقَاتُ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] اهـ الْمُرَادُ، وَإِنْ كَانَ لِمَا يُعْرَفُ بِهِ نُقْصَانُ الشَّهْرِ وَوَقْتُ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَالْكُسُوفَاتِ فَمَكْرُوهٌ قَالَ الْأَصْلُ: قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَأَمَّا مَا يُفْضِي إلَى مَعْرِفَةِ نُقْصَانِ الشَّهْرِ وَوَقْتِ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَمَكْرُوهٌ، وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ اشْتِغَالٌ بِغَيْرِ مُفِيدٍ قَالَ، وَكَذَلِكَ مَا يُعْرَفُ بِهِ الْكُسُوفَاتِ مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي شَيْئًا وَيُوهِمُ الْعَامَّةَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ بِالْحِسَابِ فَيُزْجَرُ عَنْ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ وَيُؤَدَّبُ عَلَيْهِ اهـ، وَإِنْ كَانَ لِمَا يُعْرَفُ بِهِ نُزُولُ الْأَمْطَارِ وَغَيْرُهُ

стр. 1041

وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُنَاقِضٌ لِقَوَاعِد الشَّرِيعَةِ وَالْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ بِغَيْرِ دُعَاءٍ، وَقَدْ عَلِمَ أَنْ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ طَلَبُهُ لِأَجْلِ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُقَدَّرَةً وَإِذَا قُدِّرَتْ فَهِيَ وَاقِعَةٌ جَزْمًا (الْقِسْمُ الثَّامِنُ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ بِشَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ أَمْثِلَةٌ. (الْأَوَّلُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي مَا أَنْتِ لَهُ أَهْلٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهَذَا الدُّعَاءُ يَعْتَقِدُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَنَّهُ حَسَن وَهُوَ قَبِيحٌ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا هُوَ أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ فِي الذُّنُوبِ هُوَ أَهْلُ لِلْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهَا وَنِسْبَةُ الْأَمْرَيْنِ إلَى جَلَالِهِ تَعَالَى نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ تَعَلُّقُ قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ بِالْخُيُورِ كَنِسْبَةِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَارِهِ وَالشُّرُورِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِشَأْنِهِ مِنْ الْآخَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ الْأَصْلَحَ لِعِبَادِهِ وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَنِسْبَةُ الْأَمْرَيْنِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ فَإِنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُنَاقِضٌ لِقَوَاعِد الشَّرِيعَةِ وَالْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى) قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ فِي طَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ بِصَحِيحٍ، وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِالْمَغْفِرَةِ وَهِيَ مَعْلُومَةُ الْحُصُولِ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا، وَأَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَ لَهُ بِإِيتَائِهِ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومُ الْحُصُولِ عِنْدَهُ وَعِنْدَنَا. قَالَ (وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاقِعَ بِغَيْرِ دُعَاءٍ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ طَلَبُهُ لِأَجْلِ أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُقَدَّرَةً وَإِذَا قُدِّرَتْ فَهِيَ وَاقِعَةٌ جَزْمًا) قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ جَوَابُ مِثْلِ هَذَا فِيمَا سَبَقَ. [الْقِسْمُ الثَّامِنُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ بِشَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى] قَالَ (الْقِسْمُ الثَّامِنُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمُ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ بِشَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي مَا أَنْتَ لَهُ أَهْلٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذَا الدُّعَاءُ يَعْتَقِدُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَنَّهُ حَسَنٌ وَهُوَ قَبِيحٌ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَمَا هُوَ أَهْلٌ لِلْمَغْفِرَةِ فِي الذُّنُوبِ هُوَ أَهْلٌ لِلْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهَا وَنِسْبَةُ الْأَمْرَيْنِ إلَى جَلَالِهِ تَعَالَى نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ، وَكَذَلِكَ تَعَلُّقُ قُدْرَتِهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ بِالْخُيُورِ كَنِسْبَةِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَكَارِهِ وَالشُّرُورِ وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِشَأْنِهِ تَعَالَى وَجَلَالِهِ مِنْ الْآخَرِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ الْأَصْلَحَ لِعِبَادِهِ وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَنِسْبَةُ الْأَمْرَيْنِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنْ الْغَيْبِ فَهُوَ إمَّا زَنْدَقَةٌ أَوْ ارْتِدَادٌ أَوْ بِدْعَةٌ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ قَالَ الْأَصْلُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَدَّاهُ إلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ مُسْتَقِلَّةٌ بِالتَّأْثِيرِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ إنْ كَانَ يَسُرُّهُ؛ لِأَنَّهُ زِنْدِيقٌ، وَإِنْ أَظْهَرَهُ فَهُوَ مُرْتَدٌّ يُسْتَتَابُ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ إلَى ذَلِكَ بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - هُوَ الْفَاعِلُ عِنْدَهَا زُجِرَ عَنْ الِاعْتِقَادِ الْكَاذِبِ؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ تُسْقِطُ الْعَدَالَةَ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ قَالَ فَالِاخْتِلَافُ فِي كَلَامِ ابْنُ رُشْدٍ إذْ قَالَ وَأَمَّا مَا يُخْبِرُ بِهِ الْمُنَجِّمُ مِنْ الْغَيْبِ مِنْ نُزُولِ الْأَمْطَارِ وَغَيْرِهِ فَقِيلَ: ذَلِكَ كُفْرٌ يُقْتَلُ بِغَيْرِ اسْتِتَابَةٍ لِقَوْلِ ﵇ قَالَ اللَّهُ «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوَاكِبِ» وَقِيلَ: يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ قَالَهُ أَشْهَبُ وَقِيلَ: يُزْجَرُ عَنْ ذَلِكَ وَيُؤَدَّبُ اهـ لَيْسَ اخْتِلَافًا فِي قَوْلٍ بَلْ اخْتِلَافٌ فِي حَالٍ قَالَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ فِيمَا يُصِيبُونَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْغَالِبِ نَحْوُ قَوْلِهِ ﵇ «إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ ثُمَّ تَشَاءَمْت فَتِلْكَ عَيْنٌ غَدِقَةٌ» اهـ فَهَذَا تَلْخِيصُ مَا يَجِبُ وَمَا لَا يَجِبُ مِنْ تَعَلُّمِ أَحْكَامِ النُّجُومِ هَذَا تَهْذِيبُ كَلَامِ الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مِنْ الدُّعَاءِ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَة مَا هُوَ مِنْ الدُّعَاءِ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ) . قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَلَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُكَفِّرُ بِالْمَآلِ أَيْ وَيَقُولُ بِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ مَذْهَبٌ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ الْأَصْلُ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ النَّدْبُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ ذَاتُهُ طَلَبٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ مَا هُوَ طَلَبٌ مِنْهُ تَعَالَى مُشْتَمِلٌ عَلَى خُضُوعِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ وَإِظْهَارِ ذِلَّتِهِ وَافْتِقَارِهِ إلَى مَوْلَاهُ وَكُلُّ مُشْتَمِلٍ عَلَى ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِهِ أَمْرُ نَدْبٍ، وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهِ مَا يُوجِبُهُ أَوْ يُحَرِّمُهُ وَالتَّحْرِيمُ قَدْ يَنْتَهِي لِلْكُفْرِ، وَقَدْ لَا يَنْتَهِي لَهُ وَمَا يَنْتَهِي لَهُ لَمْ تَقُمْ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ بِعَيْنِهِ كُفْرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّفْكِيرِ بِالْمَآلِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ وَالْأَصْلُ لَا يَقُولُ بِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ أَقْسَامَ مَا يَنْتَهِي لَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ أَرْبَعَةٌ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي نَفْيَ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْقَاطِعُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى ثُبُوتِهِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُعَذِّبْ مَنْ كَفَرَ بِك أَوْ اغْفِرْ لَهُ، وَقَدْ دَلَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ السَّمْعِيَّةِ الْقَوَاطِعِ عَلَى تَعْذِيبِ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ مَاتَ كَافِرًا، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُخَلِّدْ فُلَانًا الْكَافِرَ فِي النَّارِ، وَقَدْ دَلَّتْ النُّصُوصُ الْقَاطِعَةُ عَلَى تَخْلِيدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ، وَمِنْهَا أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي اللَّهَ أَنْ يُرِيحَهُ مِنْ الْبَعْثِ حَتَّى يَسْتَرِيحَ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ بَعْثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّقَلَيْنِ. [الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ السَّمْعِيُّ عَلَى نَفْيِهِ] (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ

стр. 1042

إلَيْهِ تَعَالَى نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَكُلُّ ذَلِكَ شَأْنُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُلْكِهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَالْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ عَدْلِهِ وَفَضْلِهِ فَمَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ فَبِعَدْلِهِ وَمَنْ نَجَا فَبِفَضْلِهِ وَعَدْلِهِ، وَفَضْلُهُ مِنْ شَأْنِهِ وَنِسْبَتُهُمَا إلَيْهِ تَعَالَى نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَزِيدُهُ الْإِحْسَانُ جَلَالًا وَعَظَمَةً وَلَا يُنْقِصُ الْعَدْلُ مِنْ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ بَلْ الْأَمْرَانِ مُسْتَوِيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَكِلَاهُمَا شَأْنُهُ فَمَنْ دَعَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ فَقَدْ سَأَلَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ بِهِ إمَّا الْخَيْرَ وَإِمَّا الشَّرَّ وَأَنْ يَغْفِرَ لَهُ أَوْ يُؤَاخِذَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت» وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ بِمِثْلِ هَذَا فِيهِ إظْهَارُ الِاسْتِغْنَاءِ وَعَدَمُ الِافْتِقَارِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الدَّاعِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ مِنْ الْخَيْرِ الْجَزِيلِ وَلَا يَقْتَصِرُ فِي نِيَّتِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْخَيْرِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى» ، فَإِنْ عَرِيَتْ نَفْسُ الدَّاعِي عَنْ نِيَّةِ تَعْظِيمِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْقَصْدِ إلَى الْخَيْرِ فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ ذَهَبَ التَّحْرِيمُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] إلَيْهِ تَعَالَى نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ كُلُّ ذَلِكَ شَأْنُ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُلْكِهِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ وَالْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ عَدْلِهِ وَفَضْلِهِ فَمَنْ هَلَكَ مِنْهُمْ فَبِعَدْلِهِ وَمَنْ نَجَا فَبِفَضْلِهِ وَعَدْلِهِ وَفَضْلُهُ مِنْ شَأْنِهِ وَنِسْبَتُهَا إلَيْهِ تَعَالَى نِسْبَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَزِيدُهُ الْإِحْسَانُ جَلَالًا وَعَظَمَةً وَلَا يُنْقِصُ الْعَدْلُ مِنْ جَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ بَلْ الْأَمْرَانِ مُسْتَوِيَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وَكِلَاهُمَا شَأْنُهُ ، فَمَنْ دَعَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ فَقَدْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ بِهِ إمَّا الْخَيْرَ وَإِمَّا الشَّرَّ وَأَنْ يَغْفِرَ لَهُ أَوْ يُؤَاخِذَهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت» وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ بِمِثْلِ هَذَا فِيهِ إظْهَارُ الِاسْتِغْنَاءِ وَعَدَمُ الِافْتِقَارِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً) قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا قَالَهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الدَّاعِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ مِنْ الْخَيْرِ الْجَزِيلِ، وَلَا يَقْتَصِرُ فِي نِيَّتِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْخَيْرِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى» ، فَإِنْ عَرِيَتْ نَفْسُ الدَّاعِي عَنْ نِيَّةِ تَعْظِيمِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ الْقَصْدِ إلَى الْخَيْرِ فِي الْجُمْلَةِ فَقَدْ ذَهَبَ التَّحْرِيمُ) قُلْت ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَى نَفْيِهِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ خَلِّدْ فُلَانًا الْمُسْلِمَ عَدُوِّي فِي النَّارِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ سُوءَ الْخَاتِمَةِ، وَقَدْ دَلَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١] وَنَحْوُهُ مِنْ الْقَوَاطِعِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ أَحْيِنِي أَبَدًا حَتَّى أَسْلَمَ مِنْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَكَرْبِهِ، وَقَدْ دَلَّ قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَنَحْوُهُ مِنْ الْقَوَاطِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْمَوْتِ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ إبْلِيسَ مُحِبًّا نَاصِحًا لِي وَلِبَنِي آدَمَ أَبَدَ الدَّهْرِ حَتَّى يَقِلَّ الْفَسَادُ وَتَسْتَرِيحَ الْعِبَادُ وَاَللَّهُ يَقُولُ ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] (وَلَا يَخْفَاك) أَنَّ غَايَةَ مَا فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ طَلَبُ التَّكْذِيبِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ طَلَبَ مُسْتَحِيلٍ إلَّا أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي طَلَبِ الْمُسْتَحِيلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِيلٍ عَقْلًا وَلَا مُمْتَنِعٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَلْزِمًا لِتَجْوِيزِ التَّكْذِيبِ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ طَلَبَ الْمُسْتَحِيلِ لَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ طَلَبَهُ إلَّا أَنَّ تَجْوِيزَ التَّكْذِيبِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّكْذِيبَ، وَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مُقْتَضَى لَفْظِ التَّكْذِيبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَكْذِيبُ زَيْدٍ لِعَمْرٍو وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا لِعَمْرٍو وَلَا مُجَوِّزًا لِكَذِبِهِ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ بِلَفْظِ التَّكْذِيبِ الْكَذِبَ لَمْ يَلْزَمْ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُكَذِّبًا لَهُ بَلْ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُجَوِّزًا لِوُقُوعِ الْكَذِبِ مِنْهُ عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ طَلَبَ الْمُسْتَحِيلِ لَا عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُهُ إنَّمَا يَكُونُ تَكْفِيرُ مَنْ يَلْزَمُ مِنْ دُعَائِهِ ذَلِكَ تَكْفِيرًا بِالْمَآلِ، وَقَدْ حَكَى الْأَصْلُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَاخْتَارَ الْأَصْلُ عَدَمَ التَّكْفِيرِ، فَجَزْمُهُ هُنَا بِتَكْفِيرِ الدَّاعِي بِمَا فِي مِثْلِ الْقِسْمَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إلَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ يُكَفِّرُ بِالْمَآلِ وَيَقُولُ إنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ مَذْهَبٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ الْأَصْلِ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ ثُبُوتُهُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ] (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ مِمَّا يُخِلُّ بِإِجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى سَلْبَ عِلْمِهِ أَوْ عَالَمِيَّتِهِ الْقَدِيمَةِ حَتَّى يَسْتَتِرَ الْعَبْدُ فِي قَبَائِحِهِ وَيَسْتَرِيحَ مِنْ اطِّلَاعِ رَبِّهِ عَلَى فَضَائِحِهِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى وُجُوبِ ثُبُوتِ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى أَزَلًا وَأَبَدًا، وَمِنْهَا أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى سَلْبَ اسْتِيلَائِهِ عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الدَّاعِي بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ سُوءَ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى شُمُولِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ. [الْقِسْمُ الرَّابِعُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ ثُبُوتُهُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ] (وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى ثُبُوتَ مَا دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى نَفْيِهِ مِمَّا يُخِلُّ ثُبُوتُهُ بِإِجْلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنْ يَعْظُمَ شَوْقُ الدَّاعِي إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَنْ يَحِلَّ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ لِيَجْتَمِعَ بِهِ أَوْ يَعْظُمَ خَوْفُهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَيَسْأَلَهُ تَعَالَى ذَلِكَ

стр. 1043

وَإِنْ عَرِيَتْ عَنْ النِّيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَاصِيًا وَهَذَا الدُّعَاءُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ وَأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْخَيْرِ فَقَطْ وَلَا يُنْسَبُ إلَى شَأْنِهِ إلَّا ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ شَأْنُهُ عِنْدَهُمْ، وَمَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ إمَّا كُفْرٌ أَوْ فُسُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَهُمَا مَذْهَبَانِ ضَالَّانِ يَسْبِقَانِ إلَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ وَلَا يَزَالُ الْبَشَرُ مَعَهُمَا حَتَّى تُرَوِّضَهَا الْعُلُومُ الْعَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ وَهُمَا الْحَشَوِيَّةُ وَالِاعْتِزَالُ فَلَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ الْجِسْمِيَّةَ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ إلَّا الْخَيْرَ وَلَا يَفْعَلُ الشَّرَّ إلَّا شِرِّيرٌ وَلَا يَزَالُ الْبَشَرُ كَذَلِكَ حَتَّى يُرْتَاضَ بِالْعِلْمِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ إنَّمَا يُرِيدُ بِهَذَا الدُّعَاءِ الْخَيْرَ وَلَكِنْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَأْنُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أَهْلُهُ لَيْسَ إلَّا، فَهِيَ شَائِبَةُ اعْتِزَالٍ تَسْبِقُ إلَى الطِّبَاعِ فَاحْذَرْهَا وَاقْصِدْ بِنِيَّتِك مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رَبِّك. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَإِنْ عَرِيَتْ عَنْ النِّيَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَانَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَاصِيًا، وَهَذَا الدُّعَاءُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجِبُ عَلَيْهِ رِعَايَةُ الْمَصَالِحِ وَأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْخَيْرِ فَقَطْ وَلَا يُنْسَبُ إلَى شَأْنِهِ إلَّا ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ شَأْنُهُ عِنْدَهُمْ وَمَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ إمَّا الْكُفْرُ أَوْ فُسُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فَلَا خَيْرَ فِي هَذَا الدُّعَاءِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، وَهُمَا مَذْهَبَانِ ضَالَّانِ يَسْبِقَانِ إلَى الطِّبَاعِ الْبَشَرِيَّةِ وَلَا يَزَالُ الْبَشَرُ مَعَهَا حَتَّى تُرَوِّضَهَا الْعُلُومُ الْعَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ وَهُمَا الْحَشَوِيَّةُ وَالِاعْتِزَالُ فَلَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ يَعْتَقِدُ الْجِسْمِيَّةَ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ إلَّا الْخَيْرَ وَلَا يَفْعَلُ الشَّرَّ إلَّا شِرِّيرٌ وَلَا يَزَالُ الْبَشَرُ كَذَلِكَ حَتَّى يُرْتَاضَ بِالْعِلْمِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ إنَّمَا يُرِيدُ بِهَذَا الدُّعَاءِ الْخَيْرَ وَلَكِنْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَأْنُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أَهْلُهُ لَيْسَ إلَّا، فَهِيَ شَائِبَةُ اعْتِزَالٍ تَسْبِقُ إلَى الطِّبَاعِ فَاحْذَرْهَا وَاقْصِدْ بِنِيَّتِك مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رَبِّك) . قُلْت حُكْمُهُ بِالْمَعْصِيَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الدُّعَاءِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي مِمَّنْ يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ فَذَلِكَ ضَلَالٌ كَمَا قَالَ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَوْ ضَلَالٌ غَيْرُ كُفْرٍ؟ وَإِنْ كَانَ لَا يَعْتَقِدُ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ فَقَرِينَةُ الْحَالِ فِي كَوْنِ الْإِنْسَانَ لَا يُرِيدُ إلَّا الْخَيْرَ مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ اعْتِقَادِ الِاعْتِزَالِ تُقَيِّدُ مُطْلَقَ دُعَائِهِ فَلَا كُفْرَ وَلَا مَعْصِيَةَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِيَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَسْتَبْدِلَ مِنْ وَحْشَتِهِ أُنْسًا، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْهَا أَنْ تَعْظُمَ حَمَاقَةُ الدَّاعِي وَتَجَرِّيهِ فَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْعَالَمِ مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ وَالْإِرَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ مِنْ الْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْقَضَاءِ النَّافِذِ الْمُحَتَّمِ بِأَنْ يَسْأَلَهُ تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَهُ كَلِمَةَ كُنْ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وَلَا يَعْلَمُ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا مَعْنَى إعْطَائِهَا إنْ صَحَّ أَنَّهَا أُعْطِيت لِأَحَدٍ وَهَذَا غَوْرٌ بَعِيدُ الرَّوْمِ عَلَى الْعُلَمَاءِ الْمُحَصِّلِينَ فَضْلًا عَمَّنْ يَسْأَلُ ذَلِكَ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَخَرِّصِينَ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. (وَمِنْهَا) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ دَلَّ الْقَاطِعُ الْعَقْلِيُّ عَلَى اسْتِحَالَةِ النَّسَبِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِيلَاءِ الْمُوجِبَةِ لِلْأَنْسَابِ وَلَا يَخْفَاك أَنَّ طَلَبَ نَفْيِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لَيْسَ طَلَبًا لِضِدِّهِمَا وَهُمَا الْجَهْلُ وَالْعَجْزُ كَمَا زَعَمَ الْأَصْلُ لِجَوَازِ غَفْلَةِ الدَّاعِي وَإِضْرَابِهِ عَنْهُمَا وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْغَفْلَةِ وَالْإِضْرَابِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ، وَإِنْ طَلَبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الِاسْتِيلَاءَ عَلَى نَفْسِهِ وَسَلْبَ اسْتِيلَائِهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَارْتِفَاعَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ تَعَالَى حَتَّى يَسْتَقِلَّ بِالتَّصَرُّفِ فِي نَفْسِهِ وَيَأْمَنَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ إنْ أَرَادَ أَنَّ عَيْنَهُ هُوَ الْكُفْرُ فَلَا يَسْلَمُ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّ طَلَبَ ذَلِكَ كُفْرٌ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرًا إنَّمَا هُوَ وَضْعِيٌّ شَرْعِيٌّ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ وَهُوَ الْجَهْلُ بِكَوْنِ سَلْبِ الِاسْتِيلَاءِ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ أَوْ لَا تَتَعَلَّقُ فَهُوَ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْمَآلِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي طَلَبِ الدَّاعِي حُلُولَهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ حَتَّى يَجْتَمِعَ بِهِ أَوْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْهُ الْأَمَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَسْتَبْدِلَ مِنْ وَحْشَتِهِ أُنْسًا إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ فِي الشِّقِّ الثَّانِي، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ الْكُفْرَ وَهُوَ الْجَهْلُ بِكَوْنِ سَلْبِ الْحُلُولِ فِي بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ أَوْ لَا إلَخْ فَافْهَمْ وَلَا يَخْفَى أَيْضًا أَنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يُعْطِي غَيْرَهُ كَلِمَةَ كُنْ إنْ عَنَى بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي غَيْرَهُ كُنْ أَنَّهُ يُعْطِيهِ الِاقْتِدَارَ بِالِاسْتِقْلَالِ فَذَلِكَ جَهْلٌ شَنِيعٌ أَوْ بِقُدْرَةٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ وَكِلَاهُمَا كُفْرٌ بِالْمَآلِ، وَإِنْ عَنَى بِأَنَّ اللَّهَ يُعْطِي غَيْرَهُ كُنْ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الشَّخْصِ الْكَائِنَاتُ الَّتِي يُرِيدُهَا مَقْرُونَةً بِإِرَادَتِهِ مُعَبِّرًا عَنْ ذَلِكَ بِإِعْطَائِهِ كَلِمَةَ كُنْ فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إذَا اقْتَرَنَ قَوْلُهُ بِقَرِينَةٍ تُفْهِمُ الْمَقْصُودَ. وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي طَلَبِ الدَّاعِي رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا فَيَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَإِنَّهُ إنْ

стр. 1044

الْمِثَالُ الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِك وَاللَّائِقُ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَذَاتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَكُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ هَذَا الْبَابِ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْفَضْلُ وَالْعَدْلُ وَهُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَظَمَتِهِ، فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ مُحَرَّمًا لِمَا مَرَّ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ هَبْنِي مَا يَلِيقُ بِقَضَائِك وَقَدَرِك وَاللَّائِقُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ الْكَثِيرُ وَالْحَقِيرُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ وَغَيْرُ مَحْمُودِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا لِمَا تَقَدَّمَ (الْقِسْمُ التَّاسِعُ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ الْمُرَتَّبُ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَشِيئَةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ قَدِّرْ لِي الْخَيْرَ وَالدُّعَاءُ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ وَالطَّلَبُ فِي الْمَاضِي مُحَالٌ فَيَكُونُ مُقْتَضَى هَذَا الدُّعَاءِ أَنْ يَقَعَ تَقْدِيرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الزَّمَانِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّقْدِيرِ بَلْ وَقَعَ جَمِيعُهُ فِي الْأَزَلِ فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ يَقْتَضِي مَذْهَبَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنِفَ كَمَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْخَوَارِجِ وَهُوَ فِسْقٌ بِالْإِجْمَاعِ. (الثَّانِي) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اقْضِ لَنَا بِالْخَيْرِ وَقَدِّرْ وَاقْضِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فِي الْعُرْفِ فَيَحْرُمُ لِمَا مَرَّ، فَإِنْ قُلْت قَدْ وَرَدَ الدُّعَاءُ بِلَفْظِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمِثَالُ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِك إلَى آخِرِهِ) قُلْت الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ. قَالَ (الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ هَبْنِي مَا يَلِيقُ بِقَضَائِك وَقَدَرِكَ، وَاللَّائِقُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ الْكَثِيرُ وَالْحَقِيرُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ وَغَيْرُ مَحْمُودِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا لِمَا تَقَدَّمَ) قُلْت الْكَلَامُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ. [الْقِسْمُ التَّاسِعُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ الْمُرَتَّبُ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَشِيئَةِ] قَالَ (الْقِسْمُ التَّاسِعُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ وَاَلَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ الْمُرَتَّبِ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْمَشِيئَةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: الْأَوَّلُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ قَدِّرْ لِي الْخَيْرَ، وَالدُّعَاءُ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبَلَ دُونَ الْمَاضِي؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ وَالطَّلَبُ فِي الْمَاضِي مُحَالٌ فَيَكُونُ مُقْتَضَى هَذَا الدُّعَاءِ أَنْ يَقَعَ تَقْدِيرُ اللَّهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ التَّقْدِيرِ بَلْ وَقَعَ جَمِيعُهُ فِي الْأَزَلِ، فَيَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ يَقْتَضِي مَذْهَبَ مَنْ يَرَى لِأَنَّهُ لَا قَدَرَ وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنِفَ كَمَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْخَوَارِجِ وَهُوَ فِسْقٌ بِالْإِجْمَاعِ. الثَّانِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اقْضِ لَنَا بِالْخَيْرِ وَقَدِّرْ وَاقْضِ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فِي الْعُرْفِ فَيَحْرُمُ لِمَا مَرَّ، فَإِنْ قُلْت وَرَدَ الدُّعَاءُ بِلَفْظِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَنَى بِجَعْلِ اللَّهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ نَسَبًا أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ بِالِاسْتِقْلَالِ فَذَلِكَ جَهْلٌ شَنِيعٌ أَوْ بِقُدْرَةٍ يَخْلُقُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ فَهُوَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ وَكِلَاهُمَا كُفْرٌ بِالْمَآلِ، وَإِنْ عَنَى بِذَلِكَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الشَّرَفُ عَلَى الْخَلَائِقِ مَقْرُونًا بِإِرَادَتِهِ تَعَالَى فَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ إذَا اقْتَرَنَ بِقَرِينَةٍ تُفْهِمُ الْمَقْصُودَ فَتَأَمَّلْ. قَالَ وَقَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّ بِنَاءَ الْمُسْلِمِ الْكَنَائِسَ كُفْرٌ يُرِيدُ فِي الْحُكْمِ الدُّنْيَوِيِّ، وَأَمَّا الْأُخْرَوِيُّ فَبِحَسَبِ النِّيَّةِ نَعَمْ فَتْوَاهُ بِكُفْرِ الْمُسْلِمِ إذَا قَتَلَ نَبِيًّا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ لِإِرَادَتِهِ إمَاتَةَ شَرِيعَتِهِ وَإِرَادَةُ إمَاتَةِ الشَّرِيعَةِ كُفْرٌ اهـ ظَاهِرٌ صِحَّتُهَا كَقَوْلِ الْأَصْلِ إنَّ الْجَهْلَ بِمَا تُؤَدِّي إلَيْهِ هَذِهِ الْأَدْعِيَةُ لَا يُعْذَرُ الدَّاعِي بِهِ عِنْدَ اللَّه تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ كُلَّ جَهْلٍ يُمْكِنُ الْمُكَلَّفَ رَفْعُهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً لِلْجَاهِلِ لَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ الزَّمَانِ وَاسْتِمْرَارِ الْأَيَّامِ فَإِنَّ الَّذِي لَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ يُعْلَمُ فِي غَدٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَأْخِيرِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْعِلْمِ فَسَادٌ فَلَا يَكُونُ عُذْرًا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ رُسُلَهُ إلَى خَلْقِهِ بِرِسَالَتِهِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ كَافَّةً أَنْ يُعَلِّمُوهَا ثُمَّ يَعْمَلُوا بِهَا، فَالْعِلْمُ وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبَانِ فَمَنْ تَرَكَ التَّعَلُّمَ وَالْعَمَلَ وَبَقِيَ جَاهِلًا فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَتَيْنِ لِتَرْكِهِ وَاجِبَيْنِ. وَإِنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ عَصَى مَعْصِيَةً وَاحِدَةً بِتَرْكِ الْعَمَلِ وَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ فَقَدْ نَجَا وَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «النَّاسُ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَالِمُونَ وَالْعَالِمُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْعَامِلُونَ وَالْعَامِلُونَ كُلُّهُمْ هَلْكَى إلَّا الْمُخْلِصُونَ وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ» فَحَكَمَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلَائِقِ بِالْهَلَاكِ إلَّا الْعُلَمَاءَ مِنْهُمْ ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطًا أُخَرَ مَعَ الْعِلْمِ فِي النَّجَاةِ مِنْ الْهَلَاكِ وَلِذَلِكَ أَلْحَقَ مَالِكٌ الْجَاهِلَ فِي الْعِبَادَاتِ بِالْعَامِدِ دُونَ النَّاسِي لِأَنَّهُ جَهْلٌ يُمْكِنُهُ رَفْعُهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ نَعَمْ الْجَهْلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ رَفْعُهُ لِلْمُكَلَّفِ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ يَكُونُ عُذْرًا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَ أُخْتَهُ فَظَنَّهَا أَجْنَبِيَّةً أَوْ شَرِبَ خَمْرًا يَظُنُّهُ خَلًّا أَوْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا يَظُنُّهُ ظَاهِرًا مُبَاحًا فَهَذِهِ الْجَهَالَاتُ يُعْذَرُ بِهَا إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ الْيَقِينُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ وَشَبَهِهَا لَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ فَيُعْذَرُونَ بِذَلِكَ اهـ فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ الْأَصْلُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ التَّحْرِيمُ مُسْتَدِلًّا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] فَفِيهِ نَظَرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدُّعَاءِ النَّدْبُ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِهِ اهـ كَلَامَ ابْنِ الشَّاطِّ بِتَصَرُّفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 1045

الْقَدَرِ فِي حَدِيثِ «الِاسْتِخَارَةِ فَقَالَ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ وَرَضِّنِي بِهِ» قُلْت يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ التَّقْدِيرَ هَاهُنَا أُرِيدَ بِهِ التَّيْسِيرُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَأَنْتَ أَيْضًا إذَا أَرَدْت هَذَا الْمَجَازَ جَازَ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْإِطْلَاقُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَعَادَتَنَا مُقَدَّرَةً فِي عِلْمِك وَاَلَّذِي يَتَقَدَّرُ فِي الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ الْقَدِيمَةُ فَكَمَا يَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ يَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِهِ فَيَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالسَّعَادَةِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا لِمَا مَرَّ (الْقِسْمُ الْعَاشِرُ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ لِجَوَازِ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يُنَافِي جَلَالَ الرُّبُوبِيَّةِ فَمَنَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَبَعْضُهَا يَقْرَبُ مِنْ التَّحْرِيمِ وَبَعْضُهَا مِنْ الْكَرَاهَةِ بِحَسَبِ حَالِ مُسْتَعْمَلِيهَا مِنْ الْعَجَمِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى عَادَتِهِ الضَّلَالُ وَالْفَسَادُ حَرُمَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِهِ حَتَّى يُعْلَمَ خُلُوصُهُ مِنْ الْفَسَادِ، وَمَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْقَدَرِ فِي حَدِيثِ «الِاسْتِخَارَةِ فَقَالَ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ وَرَضِّنِي بِهِ» قُلْت يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ التَّقْدِيرَ هَاهُنَا أُرِيدَ بِهِ التَّيْسِيرُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَأَنْتَ أَيْضًا إذَا أَرَدْت هَذَا الْمَجَازَ جَازَ، وَإِنَّمَا يَحْرُمُ الْإِطْلَاقُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ) قُلْت فِي هَذَا الْكَلَامِ نَقْصٌ فِيمَا أَرَى وَمِثْلُ ذَلِكَ الْكَلَامِ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ اسْتِئْنَافُ صِفَتَيْ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ اسْتِئْنَافُ الْمَقْدِرَةِ وَالْمُرَادُ لِاسْتِحَالَةِ الْأَوَّلِ وَجَوَازِ الثَّانِي وَمُقْتَضَى اسْتِحَالَةِ الْأَوَّلِ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ لِلثَّانِي فَلَا تَحْرِيمَ وَلَا مَعْصِيَةَ وَلَا يَفْتَقِرُ مَعَ ذَلِكَ إلَى نِيَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الثَّالِثُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَعَادَتَنَا مُقَدَّرَةً فِي عِلْمِك وَاَلَّذِي يَتَقَدَّرُ فِي الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ الْقَدِيمَةُ فَكُلَّمَا يَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ يَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِهِ فَيَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالسَّعَادَةِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا لِمَا مَرَّ) قُلْت وَرَدَ عَنْ الشَّارِعِ ﷺ فِي قَوْلِهِ فِي الِاسْتِخَارَةِ وَاقْدُرْ فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا يَجُوزُ مِنْ اسْتِئْنَافِ الْمُرَادِ لَا الْإِرَادَةِ وَلَمْ يَرِدْ عَنْهُ فِي اسْتِئْنَافِ الْعِلْمِ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْت فَيَمْتَنِعُ الْإِبْهَامُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْقِسْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ] . قَالَ (الْقِسْمُ الْعَاشِرُ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ الدُّعَاءُ بِالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ لِجَوَازِ اشْتِمَالِهَا عَلَى مَا يُنَافِي جَلَالَ الرُّبُوبِيَّةِ فَمَنَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ ذَلِكَ وَبَعْضُهَا يَقْرَبُ مِنْ التَّحْرِيمِ وَبَعْضُهَا مِنْ الْكَرَاهَةِ بِحَسَبِ حَالِ مُسْتَعْمِلِهَا مِنْ الْعَجَمِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى عَادَتِهِ الضَّلَالُ وَالْفَسَادُ حَرُمَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِهِ حَتَّى يَعْلَمَ خُلُوصَهُ مِنْ الْفَسَادِ وَمَنْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا] [ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ مُحَرَّمًا) . ادَّعَى الْأَصْلُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ مِنْ الدُّعَاءِ ثَبَتَ حَصْرُهُ بِاسْتِقْرَائِهِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا فَتَكُونُ هِيَ الْمُحَرَّمَةَ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ مُحَرَّمًا عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ فِي الْقِسْمَيْنِ. قَالَ فَإِنْ ظَفِرَ أَحَدٌ بِقِسْمٍ آخَرَ مُحَرَّمٍ أَضَافَهُ لِهَذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَسَاقَ الْأَقْسَامَ بِمِثْلِهَا وَلَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ إلَّا سِتَّةً: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مِنْهَا الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَعَالَى فَلَا يَجُوزُ لِلدَّاعِي أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت وَلَا اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إلَّا أَنْ تَشَاءَ وَلَا اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ قَدَّرْت غَيْرَ ذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَ هَذِهِ النَّظَائِرَ لِمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت وَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ» وَسِرُّهُ أَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ عَرِيَ عَنْ إظْهَارِ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمُشْعِرٌ بِغِنَى الْعَبْدِ عَنْ الرَّبِّ هَذَا مَا وَجَّهَ بِهِ الْأَصْلُ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَأَمَّا تَوْجِيهُهُ أَيْضًا بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهَا مُقَدَّرَةً، وَإِذَا قُدِرَتْ وَهِيَ وَاقِعَةٌ جَزْمًا بِغَيْرِ دُعَاءٍ وَطَلَبُ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ مُحَالٌ لَا يَجُوزُ لِمُنَاقَضَتِهِ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَالْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِالْمَغْفِرَةِ وَهِيَ مَعْلُومَةُ الْحُصُولِ عِنْدَهُ ﷺ وَعِنْدَنَا وَأَمَرَنَا أَنْ نَدْعُوَ لَهُ ﷺ بِإِتْيَانِهِ الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْته وَذَلِكَ كُلُّهُ مَعْلُومُ الْحُصُولِ عِنْدَهُ ﷺ وَعِنْدَنَا اهـ. ٢ - (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ السِّتَّةِ الدُّعَاءُ الْمُعَلَّقُ بِشَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سُئِلَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَفْعَلَ بِهِ إمَّا الْخَيْرَ وَإِمَّا الشَّرَّ وَأَنْ يَغْفِرَ لَهُ أَوْ يُؤَاخِذَهُ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت» وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ بِمِثْلِ ذَلِكَ فِيهِ إظْهَارُ الِاسْتِغْنَاءِ وَعَدَمُ الِافْتِقَارِ فَيَكُونُ مَعْصِيَةً إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الدَّاعِي مَا أَنْتَ أَهْلُهُ مِنْ الْخَيْرِ الْجَزِيلِ وَلَا يَقْتَصِرْ فِي نِيَّتِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْخَيْرِ فَيَذْهَبُ حِينَئِذٍ التَّحْرِيمُ وَلَمْ يَفُتْهُ نِيَّةُ تَعْظِيمِ الْمَسْأَلَةِ الَّذِي يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَأَعْظِمُوا الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ وَإِذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ تَعَالَى فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ الْأَعْلَى» وَيَقْتَصِدُ فِي نِيَّتِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْخَيْرِ فَيَذْهَبُ التَّحْرِيمُ لَكِنْ يَفُوتُهُ نِيَّةُ تَعْظِيمِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَصْلًا وَكَانَ مِمَّنْ لَمْ يَعْتَقِدْ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ فِي كَوْنِ الْإِنْسَانِ لَا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ إلَّا الْخَيْرَ مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ اعْتِقَادِ الِاعْتِزَالِ تُقَيِّدُ مُطْلَقَ دُعَائِهِ فَلَا كُفْرَ وَلَا مَعْصِيَةَ خِلَافًا لِقَوْلِ الْأَصْلِ إنَّ الدَّاعِيَ

стр. 1046

فَالْكَرَاهَةُ سَدٌّ لِلذَّرِيعَةِ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ قَوْله تَعَالَى لِنُوحٍ ﵇ ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وَقَوْلُ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] مَعْنَاهُ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِجَوَازِ سُؤَالِهِ عِلْمٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْجَوَازِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ السُّؤَالِ فَمَا لَا يُعْلَمُ جَوَازُهُ لَا يَجُوزُ سُؤَالُهُ وَأَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وَاللَّفْظُ الْعَجَمِيُّ غَيْرُ مَعْلُومِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ السُّؤَالُ بِهِ غَيْرَ جَائِزٍ وَلِذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ مِنْ الرَّقْيِ بِهِ (الْقِسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي إضْرَارٍ غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ فَيَكُونُ حَرَامًا كَسَائِرِ الْمَسَاعِي الضَّارَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَإِنْ قُلْت اللَّهُ عَالِمٌ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَلَا يُجِيبُ دُعَاءَ مَنْ دَعَا ظُلْمًا لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ إضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وَهُوَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا فَلَا يَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ سَعَيَا لِلْإِضْرَارِ وَلَا وَسِيلَةً لَهُ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ ضَرَرًا وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ ذُنُوبٍ اقْتَرَفَهَا أَوْ سَيِّئَاتٍ اكْتَسَبَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الدَّاعِي فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ هَذَا الدَّاعِي الظَّالِمِ بِهِ عَلَيْهِ وَيَجْعَلُهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَالْكَرَاهَةُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ قَوْله تَعَالَى لِنُوحٍ ﵇ ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وَقَوْلُ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] مَعْنَاهُ أَنْ أَسْأَلَك مَا لَيْسَ لِي بِجَوَازِ سُؤَالِهِ عِلْمٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْجَوَازِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ السُّؤَالِ فَمَا لَا يُعْلَمُ جَوَازُهُ لَا يَجُوزُ سُؤَالُهُ، وَأَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وَاللَّفْظُ الْعَجَمِيُّ غَيْرُ مَعْلُومِ الْجَوَازِ فَيَكُونُ السُّؤَالُ بِهِ غَيْرَ جَائِزٍ. وَلِذَلِكَ مَنَعَ مَالِكٌ الرَّقْيَ بِهِ) . قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْقِسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ] قَالَ (الْقِسْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الدُّعَاءُ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ لِأَنَّهُ سَعْيٌ فِي إضْرَارٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ فَيَكُونُ حَرَامًا كَسَائِرِ الْمَسَاعِي الضَّارَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَإِنْ قُلْت اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَلَا يُجِيبُ دُعَاءَ مَنْ دَعَا ظُلْمًا لِعِلْمِهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ إضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ وَهُوَ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا فَلَا يَكُونُ هَذَا الدُّعَاءُ سَعْيًا لِلْإِضْرَارِ وَلَا وَسِيلَةً لَهُ قُلْت لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ ضَرَرًا، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ ذُنُوبٍ اقْتَرَفَهَا أَوْ سَيِّئَاتٍ اكْتَسَبَهَا مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الدَّاعِي فَيَسْتَجِيبُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ هَذَا الدَّاعِي الظَّالِمِ بِدُعَائِهِ وَيَجْعَلُهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِذَلِكَ إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا أَصْلًا كَانَ عَاصِيًا وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ إلَّا الْخَيْرَ وَلَا يَفْعَلُ الشَّرَّ إلَّا شِرِّيرٌ وَأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِقُدْرَةٍ خَلْقهَا اللَّهُ فِيهِ وَهُوَ إمَّا كُفْرٌ أَوْ فُسُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ كَمَذْهَبِ الْحَشَوِيَّةِ مِنْ اعْتِقَادِ جِسْمِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا بِنَاء عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ يَسْبِقُ إلَى طَبْعِ الْإِنْسَانِ الْبَشَرِيِّ بِحَسَبِ الْعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ حَتَّى يُرْتَاضَ بِالْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ. فَمِنْ حَيْثُ إنَّ كُلَّ أَحَدٍ إنَّمَا يُرِيدُ بِهَذَا الدُّعَاءِ الْخَيْرَ وَإِنَّهُ يُرِيدُ بِمُقْتَضَى مَا يَسْبِقُ إلَى طَبْعِهِ الْبَشَرِيِّ مِنْ شَائِبَةِ الِاعْتِزَالِ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ شَأْنُ اللَّهِ تَعَالَى يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ. قَالَ فَاحْذَرْ شَائِبَةَ الِاعْتِزَالِ الَّتِي تَسْبِقُ إلَى الطِّبَاعِ وَاقْصِدْ بِنِيَّتِك مَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رَبِّك وَلَمْ يُلْفَتْ مَعَ ذَلِكَ إلَى قَرِينَةِ الْحَالِ فِي كَوْنِهِ لَا يُرِيدُ لِنَفْسِهِ إلَّا الْخَيْرَ مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ اعْتِقَادِ الِاعْتِزَالِ مِنْ كَوْنِهَا تُقَيِّدُ مُطْلَقَ دُعَائِهِ كَمَا الْتَفَتَ إلَيْهَا ابْنُ الشَّاطِّ فَقَالَ لَا كُفْرَ وَلَا مَعْصِيَةَ إذَا لَمْ يَنْوِ الدَّاعِي بِهَذَا شَيْئًا أَصْلًا وَكَانَ مِمَّنْ لَمْ يَعْتَقِدْ مَذْهَبَ الِاعْتِزَالِ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ حَالِهِ تُقَيِّدُ مُطْلَقَ دُعَائِهِ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ افْعَلْ بِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَا يَلِيقُ بِعَظَمَتِك أَوْ بِجَلَالِك أَوْ بِكِبْرِيَائِك أَوْ بِذَاتِك أَوْ بِرُبُوبِيَّتِك أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يَأْتِي مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ هَبْنِي مَا يَلِيقُ بِقَضَائِك وَقُدْرَتِك فَإِنَّ اللَّائِقَ بِعَظَمَتِهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ الْفَضْلُ وَالْعَدْلُ وَهُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ لَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَظَمَتِهِ وَاللَّائِقُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ الْكَثِيرُ وَالْحَقِيرُ وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ وَمَحْمُودُ الْعَاقِبَةِ وَغَيْرُ مَحْمُودِهَا فَالْكَلَامُ عَلَى هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ كَالْكَلَامِ عَلَى الْمِثَالِ الْأَوَّلِ بِلَا فَرْقٍ. ٢ - (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مِنْ السِّتَّةِ الدُّعَاءُ بِالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ الَّتِي غَلَبَ عَلَى عَادَةِ مُسْتَعْمَلِيهَا مِنْ الْعَجَمِ الضَّلَالُ وَالْفَسَادُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنُوحٍ ﵇ ﴿فَلا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وَقَوْلِ نُوحٍ ﵇ ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٧] فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنْ أَسْأَلَك مَا لَيْسَ لِي بِجَوَازِ سُؤَالِهِ عِلْمٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِالْجَوَازِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ السُّؤَالِ فَمَا لَمْ يُعْلَمْ جَوَازُهُ لَا يَجُوزُ سُؤَالُهُ وَأَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] وَاللَّفْظُ الْعَجَمِيُّ لَا سِيَّمَا الصَّادِرُ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَجَمِ الضَّلَالُ وَالْفَسَادُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْجَوَازِ لِجَوَازِ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا يُنَافِي جَلَالَ الرُّبُوبِيَّةِ فَلِذَا مَنَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ الدُّعَاءِ بِالْأَلْفَاظِ الْعَجَمِيَّةِ الصَّادِرَةِ مِمَّنْ غَلَبَ عَلَى عَادَتِهِمْ مِنْ الْعَجَمِ ذَلِكَ حَتَّى يُعْلَمَ خُلُوصُهَا مِنْ الْفَسَادِ وَمَنَعَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الرَّقْيِ بِهَا، وَأَمَّا الصَّادِرَةُ مِمَّنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى عَادَتِهِمْ مِنْ الْعَجَمِ ذَلِكَ فَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ وَالرَّقْيُ بِهَا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ. ٢ - (وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ) مِنْ السِّتَّةِ

стр. 1047

سَبَبًا لِلِانْتِقَامِ مِنْ هَذَا الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ السَّالِفَةِ كَمَا يُنْفِذُ فِيهِ سَهْمَ الْعَدُوِّ وَالْكَافِرِ وَسَيْفَ الْقَاتِلِ لَهُ ظُلْمًا إمَّا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِذُنُوبِهِ أَوْ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ السَّيْفِ وَالسَّهْمِ ظَالِمٌ فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّعَاءِ ظَالِمٌ بِدُعَائِهِ وَيُنْفِذُ اللَّهُ دُعَاءَهُ كَسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَلِذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ السِّبَاعَ وَالْهَوَامَّ لِلِانْتِقَامِ وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَقِّهَا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُ هَذَا الدَّاعِي أَيْضًا عَلَى دُعَائِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْكُلُّ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ لَوْ جَوَّزْنَا خُلُوَّ هَذَا الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ مِنْ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا وَطَهَارَتِهِ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ لَجَوَّزْنَا اسْتِجَابَةَ هَذَا الدُّعَاءِ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَإِظْهَارِ صَبْرِ الْعَبْدِ وَرِضَاهُ فَيَحْصُلَ لَهُ الْجَزِيلُ مِنْ الثَّوَابِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ عَلَى الظَّالِمِ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِهِ وَالْمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] لَكِنَّ الْأَحْسَنَ الصَّبْرُ وَالْعَفْوُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] سَبَبًا لِلِانْتِقَامِ مِنْ هَذَا الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ السَّالِفَةِ كَمَا يَنْفُذُ فِيهِ سَهْمُ الْعَدُوِّ وَالْكَافِرِ وَسَيْفُ الْقَاتِلِ لَهُ ظُلْمًا إمَّا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِذُنُوبِهِ أَوْ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِ مَعَ أَنَّ صَاحِبَ السَّيْفِ وَالسَّهْمِ ظَالِمٌ فَكَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّعَاءِ ظَالِمٌ بِدُعَائِهِ، وَيُنْفِذُ اللَّهُ دُعَاءَهُ كَسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ، وَلِذَلِكَ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِ السِّبَاعَ وَالْهَوَامَّ لِلِانْتِقَامِ، وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَقِّهَا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَيُعَاقِبُ هَذَا الدَّاعِيَ أَيْضًا عَلَى دُعَائِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَالْكُلُّ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ لَوْ جَوَّزْنَا خُلُوَّ هَذَا الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ مِنْ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا وَطَهَارَتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ لَجَوَّزْنَا اسْتِجَابَةَ هَذَا الدُّعَاءِ لِيَجْعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَإِظْهَارِ صَبْرِ الْعَبْدِ وَرِضَاهُ فَيَحْصُلَ لَهُ الْجَزِيلُ مِنْ الثَّوَابِ) . قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَصْلِ صَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ وَإِظْهَارُ صَبْرِ الْعَبْدِ إنْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ اشْتِرَاطَ الصَّبْرِ فِي رَفْعِ الدَّرَجَاتِ بِالْمَصَائِبِ وَالْآلَامِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالسِّتِّينَ وَالْمِائَتَيْنِ وَسَبَقَ الْقَوْلُ فِي مُخَالَفَتِي إيَّاهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُرِدْ اشْتِرَاطَ الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ بَلْ أَرَادَ إنَّمَا ذَكَرَهُ مِنْ إجَابَةِ دَعْوَةِ الظَّالِمِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُصِيبَاتِ يَكُونُ سَبَبًا لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الصَّبْرِ وَيَكُونُ أَيْضًا سَبَبًا لِوُقُوعِ الصَّبْرِ مِنْ الصَّابِرِ فَقَدْ خَالَفَ قَوْلَهُ هُنَالِكَ وَنَاقَضَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ ﵀ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِجَوَازِهِ وَالْمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] لَكِنَّ الْأَحْسَنَ الصَّبْرُ وَالْعَفْوُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الدُّعَاءُ عَلَى غَيْرِ الظَّالِمِ لِأَنَّ اللَّهَ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا وَأَنَّ هَذَا الدُّعَاءَ إضْرَارٌ بِغَيْرِ مُسْتَحِقٍّ إلَّا أَنَّ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَفَ ذُنُوبًا أَوْ اكْتَسَبَ سَيِّئَاتٍ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الدَّاعِي وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقِيًّا مِنْ الذُّنُوبِ وَطَاهِرًا مِنْ جَمِيعِ الْعُيُوبِ فَيَجُوزُ عَلَى الْأَوَّلِ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الدُّعَاءَ وَيَجْعَلَهُ سَبَبًا لِلِانْتِقَامِ مِنْ هَذَا الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ بِذُنُوبِهِ السَّالِفَةِ. وَيَجُوزُ عَلَى الثَّانِي أَنْ يَسْتَجِيبَ اللَّهُ هَذَا الدُّعَاءَ لِيَجْعَلَهُ سَبَبًا لِرَفْعِ دَرَجَاتِ هَذَا الْعَبْدِ صَبَرَ أَمْ لَا وَسَبَبًا لِوُقُوعِ الصَّبْرِ مِنْ الصَّابِرِ فَيَحْصُلُ لَهُ الْجَزِيلُ مِنْ الثَّوَابِ فَافْهَمْ وَيَكُونَ الدَّاعِي عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ ظَالِمًا بِدُعَائِهِ الَّذِي أَنْفَذَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَعَى فِي إضْرَارٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ وَكُلُّ الْمَسَاعِي الضَّارَّةِ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ حَرَامٌ فَيُعَاقِبُهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى دُعَائِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُنْفِذُ فِي عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ سَهْمَ الْعَدُوِّ وَالْكَافِرِ وَسَيْفَ الْقَاتِلِ لَهُ ظُلْمًا كَمَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِ السِّبَاعَ وَالْهَوَامَّ، وَإِنْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ فِي حَقِّهَا مَا يُوجِبُ ذَلِكَ إمَّا مُؤَاخَذَةً لَهُ بِذُنُوبِهِ أَوْ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِ فَكَمَا أَنَّ صَاحِبَ السَّيْفِ وَالرُّمْحِ ظَالِمٌ وَيُنْفِذُ اللَّهُ سَيْفَهُ وَرُمْحَهُ فِي الْمَظْلُومِ وَيُعَاقِبُهُ عَلَى ظُلْمِهِ كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّعَاءِ ظَالِمٌ بِدُعَائِهِ وَيُنْفِذُ اللَّهُ دُعَاءَهُ فِي الْمَظْلُومِ وَيُعَاقِبُهُ عَلَى ظُلْمِهِ أَيْضًا وَالْكُلُّ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. (تَنْبِيهٌ) أَجَازَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الدُّعَاءَ عَلَى الظَّالِمِ وَادَّعَى الْأَصْلُ أَنَّ دَلِيلَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] . قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِانْتِصَارِ الَّذِي هُوَ الِانْتِصَافُ مِنْهُ عَلَى دَرَجَةٍ لَا يَكُونُ فِيهَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الظُّلْمِ وَبِالْوَجْهِ الَّذِي أُبِيحَ الِانْتِصَافُ بِهِ وَجَوَازُ الِانْتِصَافِ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِتَيْسِيرِ أَسْبَابِ الِانْتِصَافِ مِنْهُ فَقَدْ يُسَوَّغُ دَعْوَى دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَيْهِ ضِمْنًا لَا صَرِيحًا، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِهِ لَا ضِمْنًا وَلَا صَرِيحًا اهـ فَمِنْ هُنَا قَالَ الْأَصْلُ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَحَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ فَلَا تَدْعُو عَلَيْهِ بِمُؤْلِمَةٍ مِنْ أَنْكَادِ الدُّنْيَا لَمْ تَقْتَضِهَا جِنَايَتُهُ عَلَيْك بِأَنْ يَجْنِيَ عَلَيْك جِنَايَةً فَتَدْعُوَ عَلَيْهِ بِأَعْظَمَ مِنْهَا فَتَكُونَ جَانِيًا عَلَيْهِ بِالْمِقْدَارِ الزَّائِدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] بَلْ تَدْعُو عَلَيْهِ بِمُؤْلِمَةٍ مِنْ أَنْكَادِ الدُّنْيَا تَقْتَضِيهَا جِنَايَتُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِ بِمُلَابَسَةِ مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِالْكُفْرِ صَرِيحًا أَوْ ضِمْنًا بِأَنْ تَقُولَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْهُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى طَلَبِ الْكُفْرِ. وَإِنْ

стр. 1048

لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] أَيْ مِنْ مَعْزُومِهَا وَمَطْلُوبِهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنْ زَادَ فِي الْإِحْسَانِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ دَعَا لَهُ بِالْإِصْلَاحِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الظُّلْمِ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ بِمَثُوبَةِ الْعَفْوِ وَتَحْصِيلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِلَى الْجَانِي بِالتَّسَبُّبِ إلَى إصْلَاحِ صِفَاتِهِ وَإِلَى النَّاسِ بِالتَّسَبُّبِ إلَى كِفَايَتِهِمْ شَرَّهُ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَفُوتَ اللَّبِيبَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَعَا بِمَكْرُوهٍ عَلَى غَيْرِهِ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ وَإِذَا دَعَا بِخَيْرٍ لِأَحَدٍ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ. (تَنْبِيهٌ) مِنْ الظُّلْمَةِ مَنْ إذَا عَلِمَ بِالْمُسَامَحَةِ وَالْعَفْوِ زَادَ طُغْيَانُهُ وَلَا يَرْدَعُهُ إلَّا إظْهَارُ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] أَيْ مِنْ مَعْزُومِهَا وَمَطْلُوبِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ زَادَ فِي الْإِحْسَانِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ دَعَا لَهُ بِالْإِصْلَاحِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الظُّلْمِ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ بِمَثُوبَةِ الْعَفْوِ وَتَحْصِيلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِلَى الْجَانِي بِالتَّسَبُّبِ إلَى إصْلَاحِ صِفَاتِهِ وَإِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالتَّسَبُّبِ إلَى كِفَايَتِهِمْ شَرَّهُ فَهَذِهِ ثَلَاثُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَفُوتَ اللَّبِيبَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذْ دَعَا بِمَكْرُوهٍ عَلَى غَيْرِهِ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ، وَإِذَا دَعَا بِخَيْرٍ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ) قُلْت لَيْسَ فِي الْآيَةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ، وَإِنَّمَا فِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ الِانْتِصَارِ وَالِانْتِصَارُ هُوَ الِانْتِصَافُ مِنْهُ عَلَى دَرَجَةٍ لَا يَكُونُ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى قَدْرِ الظُّلْمِ وَبِالْوَجْهِ الَّذِي أُبِيحَ الِانْتِصَافُ بِهِ، وَجَوَازُ الِانْتِصَافِ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ بِتَيْسِيرِ أَسْبَابِ الِانْتِصَافِ مِنْهُ فَقَدْ يُسَوِّغُ دَعْوَى دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى ذَلِكَ ضِمْنًا لَا صَرِيحًا، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَا بِضِمْنٍ وَلَا صَرِيحٍ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ دَعَا لَهُ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الْجَانِي صَحِيحٌ أَيْضًا، وَمَا عَقَّبَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمُخْبِرِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ تَقُولُ وَلَك مِثْلُهُ إنْ كَانَ أَرَادَ حَمْلَهُ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي الدُّعَاءِ بِالْمَكْرُوهِ، وَكَذَلِكَ فِي الدُّعَاءِ بِالْمَحْبُوبِ فَلَا أَرَى ذَلِكَ صَحِيحًا بَلْ إنْ دَعَا عَلَى ظَالِمٍ بِأَنْ يُصَابَ بِمِثْلِ مَا أَصَابَ بِهِ فَلَا يَقُولُ الْمَلَكُ وَلَك مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ الْمَلَكُ ذَلِكَ إذَا دَعَا عَلَى بَرِيءٍ أَوْ عَلَى جَانٍ بِأَزْيَدَ فِي جِنَايَتِهِ هَذَا فِي جَانِبِ الْمَكْرُوهِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فِي جَانِبِ الْمَحْبُوبِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا عَلَى إطْلَاقِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (تَنْبِيهٌ مِنْ الظَّلَمَةِ مَنْ إذَا عَلِمَ بِالْمُسَامَحَةِ وَالْعَفْوِ زَادَ طُغْيَانُهُ وَلَا يَرْدَعُهُ إلَّا إظْهَارُ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ فَلْيَكُنْ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَانَ الصَّحِيحُ - كَمَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ - أَنَّ مُرِيدَ الْمَعْصِيَةِ لَيْسَ بِعَاصٍ إلَّا إنْ اقْتَرَنَ بِإِرَادَتِهِ الْمَعْصِيَةَ قَوْلٌ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ فِعْلٌ فَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْإِرَادَةِ فَلَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» فَإِرَادَةُ الْكُفْرِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَلَا أَعْلَمُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الْآنَ مُعَارِضًا فَلَا كُفْرَ لِمُرِيدِ الْكُفْرِ حَيْثُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ الْكُفْرُ بِقَوْلٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْكُفْرُ قَوْلًا، أَوْ بِفِعْلٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِعْلًا فَأَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مُرِيدُ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ الْكُفْرُ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ إرَادَتُهُ كُفْرَ الْغَيْرِ بِقَصْدِ نَفْعِهِ لِرُجْحَانِ الْكُفْرِ عِنْدَهُ عَلَى الْإِيمَانِ فَهَذَا كُفْرٌ، وَإِنْ كَانَتْ إرَادَتُهُ كُفْرَ الْغَيْرِ بِقَصْدِ إضْرَارِهِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ اهـ قُلْت، وَكَذَا إنْ أَرَادَ مَعْصِيَةَ الْغَيْرِ بِقَصْدِ نَفْعِهِ بِالْمَعْصِيَةِ لِرُجْحَانِ الْمَعْصِيَةِ عَلَى الطَّاعَةِ عِنْدَهُ أَوْ أَرَادَ مَعْصِيَةَ الْغَيْرِ بِقَصْدِ إضْرَارِهِ فَهِيَ لِمَكَانِ الرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ فِي الْأَوَّلِ وَإِضْرَارِ الْغَيْرِ فِي الثَّانِي فَافْهَمْ. بَلْ الْأَحْسَنُ لِلْمَظْلُومِ الصَّبْرُ وَالْعَفْوُ عَنْ الظَّالِمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] أَيْ مِنْ مَعْزُومِهَا وَمَطْلُوبِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ زَادَ فِي الْإِحْسَانِ عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ دَعَا لَهُ بِالْإِصْلَاحِ وَالْخُرُوجِ عَنْ الظُّلْمِ فَقَدْ أَحْسَنَ إلَى نَفْسِهِ بِمَثُوبَةِ الْعَفْوِ وَتَحْصِيلِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَإِلَى الْجَانِي بِالتَّسَبُّبِ إلَى إصْلَاحِ صِفَاتِهِ وَإِلَى النَّاسِ كَافَّةً بِالتَّسَبُّبِ إلَى كِفَايَتِهِمْ شَرَّهُ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْإِحْسَانِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَفُوتَ اللَّبِيبَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا دَعَا بِمَكْرُوهٍ عَلَى بَرِيءٍ أَوْ عَلَى جَانٍ بِأَزْيَدَ مِنْ جِنَايَتِهِ تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ، وَإِنْ دَعَا بِخَيْرٍ لِأَحَدٍ جَانِيًا أَوْ بَرِيئًا تَقُولُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَلَك مِثْلُهُ. نَعَمْ يَنْبَغِي فِي الظَّالِمِ الَّذِي لَا يَرْدَعُهُ إلَّا إظْهَارُ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ عَنْهُ فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ لَا يَظْهَرَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ أَظْهِرْ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ مِنْ دُعَائِك عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَنْ يَجُودُ إذَا جُدْت عَلَيْهِ فَيَنْبَغِي إظْهَارُ ذَلِكَ لَهُ. ٢ - (وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ) مِنْ السِّتَّةِ الدُّعَاءُ بِطَلَبِ وُقُوعِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْوُجُودِ إمَّا لِنَفْسِهِ كَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَمِتْهُ كَافِرًا أَوْ اسْقِهِ خَمْرًا أَوْ أَعِنْهُ عَلَى الْمَكْسِ الْفُلَانِيِّ أَوْ وَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ الْفُلَانِيَّةِ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَإِمَّا لِغَيْرِهِ عَدُوِّهِ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْ فُلَانًا عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَأْخُذُ مَالَهُ أَوْ صَدِيقِهِ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَهُ الْوِلَايَةَ الْفُلَانِيَّةَ أَوْ السَّفَرَ الْفُلَانِيَّ وَصُحْبَةَ الْوَزِيرِ فُلَانٍ أَوْ الْمَلِكِ فُلَانٍ وَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَجَمِيعُ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ التَّحْرِيمِ مَنْزِلَةُ مُتَعَلِّقِهِ فَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ أَعْظَمِ الْمُحَرَّمَاتِ

стр. 1049

الْعَفْوُ عَنْهُ بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُظْهِرْ لَهُ ذَلِكَ بَلْ أَظْهِرْ لَهُ فِيهِ صَلَاحَهُ وَاسْتِصْلَاحَهُ وَمَنْ يَجُودُ إذَا جُدْت عَلَيْهِ كَانَ سِمَةَ خَيْرٍ فَيَنْبَغِي إظْهَارُ ذَلِكَ لَهُ وَحَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ فَلَا تَدْعُو عَلَيْهِ بِمُلَابَسَةِ مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِالْكُفْرِ فَإِنَّ إرَادَةَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ وَإِرَادَةَ الْكُفْرِ كُفْرٌ بَلْ تَدْعُو عَلَيْهِ بِإِنْكَادِ الدُّنْيَا وَلَا تَدْعُو عَلَيْهِ بِمُؤْلِمَةٍ لَمْ تَقْتَضِهَا جِنَايَتُهُ عَلَيْك بِأَنْ يَجْنِيَ عَلَيْك جِنَايَةً فَتَدْعُوَ عَلَيْهِ بِأَعْظَمَ مِنْهَا فَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْك؛ لِأَنَّك جَانٍ عَلَيْهِ بِالْمِقْدَارِ الزَّائِدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الضَّوَابِطَ وَلَا تَخْرُجْ عَنْهَا. فَإِنْ قُلْت فَإِنْ قَالَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْهُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى طَلَبِ الْكُفْرِ هَلْ يَكُونُ هَذَا الدَّاعِي كَافِرًا أَوْ لَا لِأَنَّ إرَادَةَ الْكُفْرِ كُفْرٌ وَالطَّالِبَ مُرِيدٌ لِمَا طَلَبَهُ قُلْت الدَّاعِي لَهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْعَفْوُ عَنْهُ بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا تُظْهِرْ لَهُ ذَلِكَ بَلْ أَظْهِرْ لَهُ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَاسْتِصْلَاحُهُ وَمَنْ يَجُودُ إذَا جُدْت عَلَيْهِ كَانَ سِمَةَ خَيْرٍ فَيَنْبَغِي إظْهَارُ ذَلِكَ لَهُ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (وَحَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ فَلَا يَدْعُ عَلَيْهِ بِمُلَابَسَةِ مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى وَلَا بِالْكُفْرِ فَإِنَّ إرَادَةَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ وَإِرَادَةَ الْكُفْرِ كُفْرٌ) قُلْت لَيْسَ هَذَا الْإِطْلَاقُ عِنْدِي بِصَحِيحٍ بَلْ إنْ اقْتَرَنَ بِإِرَادَةِ الْمَعْصِيَةِ قَوْلٌ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ فِي الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ فِعْلٌ فَذَلِكَ مَعْصِيَةٌ وَإِلَّا فَلَا عَلَى مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» فَإِرَادَةُ الْكُفْرِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَلَا أَعْلَمُ لِهَذَا الْحَدِيثِ الْآنَ مُعَارِضًا فَلَا كُفْرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. هَذَا فِي إرَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ أَنْ يَكْفُرَ فَكِلَا الْإِرَادَتَيْنِ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ (بَلْ تَدْعُو عَلَيْهِ بِإِنْكَادِ الدُّنْيَا وَلَا تَدْعُ عَلَيْهِ بِمُؤْلِمَةٍ لَمْ تَقْتَضِهَا جِنَايَتُهُ عَلَيْك بِأَنْ يَجْتَنِيَ عَلَيْك جِنَايَةً فَتَدْعُوَ عَلَيْهِ بِأَعْظَمَ مِنْهَا فَهَذَا حَرَامٌ عَلَيْك؛ لِأَنَّك جَانٍ عَلَيْهِ بِالْمِقْدَارِ الزَّائِدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الضَّوَابِطَ وَلَا تَخْرُجْ عَنْهَا) . قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ. قَالَ (فَإِنْ قُلْت فَإِنْ قَالَ اللَّهُمَّ اُرْزُقْهُ سُوءَ الْخَاتِمَةِ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى طَلَبِ الْكُفْرِ هَلْ يَكُونُ هَذَا الدَّاعِي كَافِرًا أَوْ لَا لِأَنَّ إرَادَةَ الْكُفْرِ كُفْرٌ وَالطَّالِبَ مُرِيدٌ لِمَا طَلَبَهُ؟ قُلْت الدَّاعِي لَهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَقْبَحُ الدُّعَاءِ وَدَلِيلُ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ مَا رُوِيَ مَنْ دَعَا لِفَاسِقٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى وَمَحَبَّةُ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَرَّمَةٌ. ٢ - (وَالْقِسْمُ السَّادِسُ) مِنْ السِّتَّةِ الدُّعَاءُ الْمُوهِمُ اسْتِئْنَافَ صِفَتَيْ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ كَقَوْلِ الدَّاعِي اللَّهُمَّ قَدِّرْ لَنَا أَوْ اقْضِ لَنَا بِالْخَيْرِ وَاسْتِئْنَافُ الْعِلْمِ كَقَوْلِ الدَّاعِي اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَعَادَتَنَا مَقْدُورَةً فِي عِلْمِك. قَالَ الْأَصْلُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمُسْتَقْبَلَ لِأَنَّهُ طَلَبٌ وَالطَّلَبُ فِي الْمَاضِي مُحَالٌ فَيَكُونُ مُقْتَضَى الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنْ يَقَعَ تَقْدِيرُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمُسْتَقْبَلِ مِنْ الزَّمَانِ وَالتَّقْدِيرِ جَمِيعِهِ وَقَعَ فِي الْأَزَلِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ اللَّهُمَّ قَدِّرْ إلَخْ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الثَّانِي اللَّهُمَّ اقْضِ إلَخْ لِأَنَّ مَعْنَى اقْضِ مُسَاوٍ فِي الْمُعَرَّفِ جَمِيعِهِ وَقَعَ فِي الْأَزَلِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ اللَّهُمَّ قَدِّرْ إلَخْ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الثَّانِي اللَّهُمَّ اقْضِ إلَخْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى اقْضِ مُسَاوٍ فِي الْمُعَرَّفِ لِمَعْنَى قَدِّرْ يَقْتَضِي مَذْهَبَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا قَضَاءَ فِي الْأَزَلِ وَأَنَّ الْأَمْرَ أَنِفَ كَمَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ الْخَوَارِجِ وَهُوَ فِسْقٌ بِالْإِجْمَاعِ. قَالَ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الدُّعَاءِ الثَّالِثِ لِأَنَّ الَّذِي يَتَقَدَّرُ فِي الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ الْقَدِيمَةُ فَكُلَّمَا يَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ يَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِهِ فَيَسْتَحِيلُ اسْتِئْنَافُ تَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالسَّعَادَةِ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا لِمَا مَرَّ. نَعَمْ لَا يَكُونُ قَوْلُهُ اللَّهُمَّ اُقْدُرْ أَوْ اقْضِ إلَخْ مُحَرَّمًا لِلْإِيهَامِ الْمَذْكُورِ إلَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ النِّيَّةِ أَمَّا إنْ أَرَادَ بِالتَّقْدِيرِ التَّيْسِيرَ مَجَازًا فَلَا حُرْمَةَ وَلَا مَعْصِيَةَ وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِيمَا وَرَدَ عَنْ الشَّارِعِ ﷺ مِنْ «قَوْلِهِ فِي الِاسْتِخَارَةِ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ وَرَضَّنِي بِهِ» بِمَعْنَى التَّيْسِيرِ مَجَازًا اهـ، وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا خُلَاصَتُهُ إنَّ الدُّعَاءَ بِالْأَوَّلِ وَالثَّانِي، وَإِنْ أَوْهَمَا اسْتِئْنَافَ صِفَتَيْ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ لَا يَفْتَقِرَا إلَى نِيَّةٍ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ بَعْدَ أَنْ وَرَدَ عَنْ الشَّارِعِ ﷺ فِي قَوْلِهِ فِي الِاسْتِخَارَةِ وَاقْدُرْ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى اسْتِحَالَةِ اسْتِئْنَافِ صِفَتَيْ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ وَمُعَيِّنَةٌ لِلْحَمْلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَا يَجُوزُ مِنْ اسْتِئْنَافِ الْمَقْدُورِ، وَالْمُرَادُ فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِمَا لِلْإِيهَامِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ الثَّالِثُ فَيَمْتَنِعُ لِإِيهَامِهِ اسْتِئْنَافَ الْعِلْمِ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ الشَّارِعِ اسْتِئْنَافُ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْت مِثْلُ مَا وَرَدَ فِي اسْتِئْنَافِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي الِاسْتِخَارَةِ وَاقْدُرْ فَلَيْسَ الْإِيهَامُ هُنَا مِثْلَ الْإِيهَامِ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي لِعَدَمِ وُرُودِ الْإِيهَامِ هُنَا عَنْ الشَّارِعِ ﷺ فِيمَا عَلِمْت وَوُرُودَهُ عَنْهُ ﷺ هُنَاكَ. اهـ. قُلْت وَوَجْهُ مَا قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ أَنَّ مُوهِمَ مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا وَرَدَ هُوَ نَفْسُهُ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ كَالِاسْتِوَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وَالْفَوْقِيَّةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وَالْإِتْيَانِ فِي قَوْله تَعَالَى

стр. 1050

حَالَتَانِ تَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ فَيَقَعُ تَابِعًا لِمَقْصُودِهِ لَا أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ كَمَا قَالَ ﵇ «وَدِدْت أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلَ، ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلَ» فَقَدْ طَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ لَكِنَّهُ ﵇ مُرَادُهُ وَمَقْصُودُهُ مَنَازِلُ الشُّهَدَاءِ وَمَا عَدَا ذَلِكَ وَقَعَ تَابِعًا لِمَقْصُودِهِ لَا أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَمِثْلُ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩] مَقْصُودُهُ إنَّمَا هُوَ السَّلَامَةُ مِنْ الْقَتْلِ لَا مِنْ أَنْ يَقْتُلَ وَيَصْدُرَ مِنْهُ مَعْصِيَةُ الْقَتْلِ. وَإِنْ لَزِمَ عَنْ ذَلِكَ مَعْصِيَةُ أَخِيهِ بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊ «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» فَأَمَرَهُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْزِمَ هُوَ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ السَّلَامَةُ وَوَقَعَ غَيْرُ ذَلِكَ تَبَعًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] حَالَتَانِ: تَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالْعَرَضِ لَا بِالذَّاتِ فَيَقَعُ تَابِعًا لِمَقْصُودِهِ لَا أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ كَمَا قَالَ ﵇ «وَدِدْت أَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلَ» فَقَدْ طَلَبَ رَسُولُ اللَّه ﷺ أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَتْلُ الْأَنْبِيَاءِ كُفْرٌ لَكِنَّهُ ﵇ مُرَادُهُ وَمَقْصُودُهُ مَنَازِلُ الشُّهَدَاءِ، وَمَا عَدَا ذَلِكَ وَقَعَ تَابِعًا لِمَقْصُودِهِ لَا أَنَّهُ مَقْصُودُهُ فَمِثْلُ هَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُرِيدَ الْكُفْرِ لَيْسَ بِكَافِرٍ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ الْكُفْرُ بِقَوْلٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ الْكُفْرُ قَوْلًا أَوْ بِفِعْلٍ إنْ كَانَ ذَلِكَ فِعْلًا فَمُرِيدُ مَا يَلْزَمُ عَنْهُ الْكُفْرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ كَافِرًا. قَالَ (وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَحَدِ ابْنَيْ آدَمَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩] مَقْصُودُهُ إنَّمَا هُوَ السَّلَامَةُ مِنْ الْقَتْلِ لَا مِنْ أَنْ يَقْتُلَ وَيَصْدُرَ مِنْهُ مَعْصِيَةُ الْقَتْلِ، وَإِنْ لَزِمَ عَنْ ذَلِكَ مَعْصِيَةُ أَخِيهِ بِمُبَاشَرَةِ الْقَتْلِ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ) قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ (وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊ «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» فَأَمَرَهُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْزِمَ هُوَ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِالذَّاتِ إنَّمَا هُوَ السَّلَامَةُ وَوَقَعَ غَيْرُ ذَلِكَ تَبَعًا) قُلْت قَوْلُهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَعْزِمَ هُوَ عَلَى الْقَتْلِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ مَا أَمَرَهُ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَقْتُلَهُ غَيْرُهُ وَلَا نَهَاهُ أَنْ يَعْزِمَ هُوَ عَلَى الْقَتْلِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ ذِكْرُ إرَادَتِهِ وَلَا ذِكْرُ عَزْمِهِ بَلْ أَمَرَهُ بِالِاسْتِسْلَامِ وَتَرْكِ الْمُقَاتَلَةِ الَّتِي ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وَالْمَجِيءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢] وَالْوَجْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وَالْيَدِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] وَالنُّزُولِ فِي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا» وَالصُّورَةِ فِي حَدِيثِهِمَا أَيْضًا «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» فَهَذَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَكِنْ أَمَّا مَعَ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيلِيِّ كَمَا هُوَ طَرِيقَةُ الْخَلَفِ بِأَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِوَاءِ الِاسْتِيلَاءُ وَالْمُلْكُ كَمَا قَالَ قَدْ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاقِ وَبِالْفَوْقِيَّةِ التَّعَالِي فِي الْعَظَمَةِ دُونَ الْمَكَانِ وَبِالْإِتْيَانِ إتْيَانُ رَسُولِ عَذَابِهِ أَوْ رَحْمَتِهِ وَثَوَابِهِ، وَكَذَا النُّزُولُ وَبِالْوَجْهِ الذَّاتُ أَوْ الْوُجُودُ وَبِالْيَدِ الْقُدْرَةُ وَيَرْجِعُ ضَمِيرٌ عَلَى صُورَتِهِ إلَى الْأَخِ الْمُصَرِّحِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى الَّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظِ «إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَتَجَنَّبْ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» وَالْمُرَادُ بِالصُّورَةِ الصِّفَةُ وَأَمَّا مَعَ التَّأْوِيلِ الْإِجْمَالِيِّ وَيُفَوَّضُ عِلْمُ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ النَّصِّ تَفْصِيلًا إلَيْهِ تَعَالَى كَمَا هُوَ طَرِيقُ السَّلَفِ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ كَمَا فِي شَرْحِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ. (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَا وَرَدَ نَظِيرُهُ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَإِلَى مِثَالِهِ وَحُكْمِهِ أَشَارَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الشَّيْخِ عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ بِقَوْلِهِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَالَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ فَاسِقٌ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى اسْتِظْهَارِ بَعْضِ أَشْيَاخِنَا كُفْرَهُ كَيْفَ، وَقَدْ صَحَّ وَجْهٌ لَا كَالْوُجُوهِ وَيَدٌ لَا كَالْأَيْدِي نَعَمْ لَمْ تَرِدْ عِبَارَةُ جِسْمٍ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ بِلَفْظِهَا قُلْت وَمِنْ هَذَا الْقِسْمِ قَوْلُ الْقَائِلِ إنَّهُ تَعَالَى فِي مَكَان لَيْسَ كَمَكَانِ الْحَوَادِثِ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ اسْتِوَاءٌ عَلَى الْعَرْشِ لَا كَالِاسْتِوَاءِ عَلَى السَّرِيرِ نَعَمْ لَمْ تَرِدْ عِبَارَةُ مَكَان بَلْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: حَدِيثُ «لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ» يُفِيدُ أَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكَانِ أَزَلًا إذْ لَوْلَا تَنَزُّهُهُ عَنْ الْجِهَةِ لَكَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ فِي مِعْرَاجِهِ أَقْرَبَ مِنْ يُونُسَ فِي نُزُولِ الْحُوتِ بِهِ لِقَاعِ الْبَحْرِ كَمَا أَفَادَهُ الْأَمِيرُ فِي الْحَاشِيَة الْمَذْكُورَةِ. (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا لَمْ يَرِدْ هُوَ وَلَا نَظِيرُهُ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَإِلَى مِثَالِهِ وَحُكْمِهِ أَشَارَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي الْحَاشِيَة الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْفَلَاسِفَةُ إلَى أَنَّهُ تَعَالَى الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَتَّصِفُ بِالْوُجُودِ أَصْلًا حَتَّى إذَا قَالُوا الْإِنْسَانُ مَوْجُودٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ تَعَلُّقًا بِالْوُجُودِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَهُوَ

стр. 1051

وَتَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالذَّاتِ فَهَذَا كَافِرٌ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ بِالْكُفْرِ لَيْسَ إلَّا، كَذَلِكَ هَذَا الدَّاعِي إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ هَذَا الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ رَبَّهُ لَا أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ وَيَقَعَ الْكُفْرُ تَبَعًا لِمَقْصُودِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ. نَعَمْ قَدْ لَا يَكُونُ الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ جَنَى عَلَيْهِ جِنَايَةً يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقَابَلَ عَلَيْهَا بِهَذَا الدُّعَاءِ الْعَظِيمِ فَيَكُونُ عَاصِيًا بِجِنَايَتِهِ عَلَى الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ لَا كَافِرًا فَهَذَا تَفْصِيلُ حَالِ هَذَا الدُّعَاءِ، وَقَدْ غَلِطَ جَمَاعَةٌ فَأَفْتَوْا بِالتَّكْفِيرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (الْقِسْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ) مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مَا اسْتَفَادَ التَّحْرِيمُ مِنْ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ بِهِ لِكَوْنِهِ طَلَبًا لِوُقُوعِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْوُجُودِ أَمَّا الدَّاعِي فَكَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ أَمِتْهُ كَافِرًا أَوْ اسْقِهِ خَمْرًا أَوْ أَعْنِهِ عَلَى الْمَكْسِ الْفُلَانِيِّ أَوْ وَطْءِ الْأَجْنَبِيَّةِ الْفُلَانِيَّةِ أَوْ يَسِّرْ لَهُ الْوِلَايَةَ الْفُلَانِيَّةَ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ يَطْلُبُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ أَمَّا لِعَدُوِّهِ كَقَوْلِهِ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْ فُلَانًا عَلَى الْإِسْلَامِ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ أَوْ يَأْخُذُ مَالَهُ، وَأَمَّا لِصَدِيقِهِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَهُ الْوِلَايَةَ الْفُلَانِيَّةَ أَوْ السَّفَرَ الْفُلَانِيَّ أَوْ صُحْبَةَ الْوَزِيرِ فُلَانٍ أَوْ الْمَلِكِ فُلَانٍ، وَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْصِيَةٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى فَجَمِيعُ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ وَمَنْزِلَتُهُ مِنْ التَّحْرِيمِ مَنْزِلَةُ مُتَعَلِّقِهِ، فَالدُّعَاءُ بِتَحْصِيلِ أَعْظَمُ الْمُحَرَّمَاتِ أَقْبَحُ الدُّعَاءِ وَيُرْوَى مَنْ دَعَا لِفَاسِقٍ بِالْبَقَاءِ فَقَدْ أَحَبَّ أَنْ يُعْصَى اللَّهُ تَعَالَى وَمَحَبَّةُ مَعْصِيَتِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] رُبَّمَا أَدَّتْ إلَى أَنْ تَكُونَ قَاتِلًا. قَالَ (وَتَارَةً يُرِيدُ الْكُفْرَ بِالذَّاتِ فَهَذَا كَافِرٌ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْكُفْرِ لَيْسَ إلَّا) قُلْت لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ بَلْ إذَا أَرَادَ كُفْرَ غَيْرِهِ بِقَصْدِ إضْرَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ إرَادَتُهُ كُفْرَ الْغَيْرِ بِقَصْدِ نَفْعِهِ لِرُجْحَانِ الْكُفْرِ عِنْدَهُ عَلَى الْإِيمَانِ فَهَذَا كُفْرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (كَذَلِكَ هَذَا الدَّاعِي إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ هَذَا الْمَدْعُوُّ عَلَيْهِ رَبُّهُ لَا أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ وَيَقَعَ الْكُفْرُ تَبَعًا لِمَقْصُودِهِ فَهَذَا لَيْسَ بِكَافِرٍ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ. قَالَ (فَهَذَا تَفْصِيلُ حَالِ هَذَا الدُّعَاءِ، وَقَدْ غَلِطَ جَمَاعَةٌ فَأَفْتَوْا بِالتَّكْفِيرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ وَلَا إذَا دَعَا بِالْكُفْرِ وَلَا بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ [الْقِسْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مَا اسْتَفَادَ التَّحْرِيمُ مِنْ مُتَعَلِّقِهِ وَهُوَ الْمَدْعُوُّ بِهِ] وَمَا قَالَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي عَشَرَ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالسَّبْعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ وَهُوَ فِي آخِرِ الْفُرُوقِ وَهُنَا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى كِتَابِ أَنْوَارِ الْبُرُوقِ بِمَا وَفَّقَ اللَّهُ إلَيْهِ وَأَعَانَ عَلَيْهِ وَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ وَكُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ بِهَا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا. اهـ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كُفْرٌ وَلَا حُلُولَ وَلَا اتِّحَادَ، فَإِنْ وَقَعَ مِنْ أَكَابِرِ الْأَوْلِيَاءِ مَا يُوهِمُ ذَلِكَ أُوِّلَ بِمَا يُنَاسِبُهُ كَمَا يَقَعُ مِنْهُمْ فِي وَحْدَةِ الْوُجُودِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ مَا فِي الْجُبَّةِ إلَّا اللَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَا فِي الْجُبَّةِ وَالْكَوْنِ كُلِّهِ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِاَللَّهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] وَذَلِكَ اللَّفْظُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ شَرْعًا لِإِيهَامِهِ لَكِنَّ الْقَوْمَ تَارَةً تَغْلِبُهُمْ الْأَحْوَالُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ ضَعِيفٌ إلَّا مَنْ تَمَكَّنَ بِإِقَامَةِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ، وَرَأَيْت فِي مَفَاتِيحِ الْكُنُوزِ أَنَّ الْحَلَّاجَ قَالَ أَنَا وَفِيهِ بَقِيَّةٌ مَا مِنْ شُعُورِهِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ فَنِيَ بِشُهُودِهِ فَقَالَ اللَّهُ فَهُمَا كَلِمَتَانِ فِي مَقَامَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَكِنْ مِمَّنْ أَفْتَى بِقَتْلِهِ الْجُنَيْدُ كَمَا فِي شَرْحِ الْكُبْرَى عَمَلًا بِظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ الَّذِي هُوَ أَمْرُ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَقَامُ الْعَظِيمُ لَا تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ وَالْوُجْدَانُ يَخْتَلِفَ بِحَسَبِ مَا يُرِيدُ الْحَقُّ وَرَأَيْت وَأَظُنُّهُ فِي كَلَامِ ابْنِ وَفَا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ إشَارَاتِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ قَوْله تَعَالَى ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤] وَصَحَّ فِي الْحَدِيثِ كُنْت سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ إلَخْ وَمِنْ أَلْطَفِ إشَارَاتِهِ قَوْلُ أَبِي مَدِينٍ التِّلْمِسَانِيِّ اللَّهَ قُلْ وَذْرِ الْوُجُودَ وَمَا حَوَى ... إنْ كُنْت مُرْتَادًا بُلُوغَ كَمَالِ فَالْكُلُّ دُونَ اللَّهِ إنْ حَقَّقْتَهُ ... عَدَمٌ عَلَى التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ وَاعْلَمْ بِأَنَّك وَالْعَوَالِمَ كُلَّهَا ... لَوْلَاهُ فِي مَحْوٍ وَفِي اضْمِحْلَالِ مَنْ لَا وُجُودَ لِذَاتِهِ مِنْ ذَاتِهِ ... فَوُجُودُهُ لَوْلَاهُ عَيْنُ مُحَالِ وَالْعَارِفُونَ فَنَوْا بِهِ لَمْ يَشْهَدُوا ... شَيْئًا سِوَى الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَعَالِي وَرَأَوْا سِوَاهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ هَالِكًا ... فِي الْحَالِ وَالْمَاضِي وَالِاسْتِقْبَالِ اهـ بِلَفْظِهَا قُلْت وَمِمَّا هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ الْمَذْكُورِ قَوْلُ صَاحِبِ التُّحْفَةِ الْمُرْسَلَةِ وَإِنَّ ذَلِكَ الْوُجُودَ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ إحَاطَةَ الْمَلْزُومِ بِاللَّوَازِمِ وَالْمَوْصُوفِ بِالصِّفَاتِ لَا كَإِحَاطَةِ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ وَلَا كَإِحَاطَةِ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا اهـ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ وَمِمَّا هُوَ جَارٍ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ بَلْ أَقْبَحُ مِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ مَكَانَهُ تَعَالَى مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَاتِهِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ إذْ هُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ ذَاتَه تَعَالَى الَّتِي هِيَ مَكَانُهُ مُحِيطٌ بِالْعَالَمِ إحَاطَةَ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ أَوْ الْكُلِّ بِالْجُزْءِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَتَحَصَّلَ أَنَّ فِي مُوهِمِ مَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى ثَلَاثُ قَوَاعِدَ: (الْأُولَى) أَنْ كُلَّ مَا وَرَدَ الْإِذْنُ بِإِطْلَاقِهِ نَفْسِهِ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ كَاسْتِئْنَافِ الْقُدْرَةِ أَوْ الْإِرَادَةِ فِي الدُّعَاءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ تَعَالَى مَعَ حَمْلِهِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى بِقَرِينَةِ اسْتِحَالَةِ مَعْنَاهُ. (وَالثَّانِيَةُ) أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ الْإِذْنُ بِنَظِيرِهِ فِي كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَمْ يُرِدْ

стр. 1052

تَعَالَى مُحَرَّمَةٌ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْمُحَرَّمِ مُحَرَّمٌ فَهَذِهِ كُلُّهَا أَدْعِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ إمَّا كَبِيرَةٌ أَوْ صَغِيرَةٌ، إنْ تَكَرَّرَتْ صَارَتْ كَبِيرَةً وَفِسْقًا وَالْعَاقِلُ الْحَرِيصُ عَلَى دِينِهِ أَوَّلُ مَا يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ السَّلَامَةِ وَالْخُلُوصِ مِنْ الْمَهَالِكِ وَحِينَئِذٍ يَطْلُبُ الْأَرْبَاحَ فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الْمُحَرَّمَةِ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَهَذَا الْفَرْقُ وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي الْكُتُبِ بَلْ كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ تُوجَدُ فِي بَعْضِهَا مُشِيرَةٌ إلَيْهَا أَمَّا التَّصْرِيحُ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَقَلِيلٌ أَوْ مَعْدُومٌ فَتَأَمَّلْهُ وَأَلْحِقْ مَا تَجِدُهُ بِنَظِيرِهِ فَيَنْضَبِطُ لَك الْمُبَاحُ مِنْ غَيْرِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهِ نَفْسَهُ كَاسْتِئْنَافِ الْعِلْمِ فِي الدُّعَاءِ الثَّالِثِ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَيْسَ بِكُفْرٍ. (وَالثَّالِثُ) أَنَّ كُلَّ مَا لَمْ يَرِدْ الْإِذْنُ بِهِ وَلَا بِنَظِيرِهِ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ كَقَوْلِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ وَالْفَلَاسِفَةِ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ وَلَا وُجُودَ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْوُجُودِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ كُفْرٌ فَهَذِهِ الْأَدْعِيَةُ الَّتِي فِي الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ كُلِّهَا أَدْعِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ إمَّا كَبِيرَةً أَوْ صَغِيرَةً إنْ تَكَرَّرَتْ صَارَتْ كَبِيرَةً وَفِسْقًا بِاتِّفَاقِ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ وَالسِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ أَقْسَامِ الدُّعَاءِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ الَّتِي اسْتَقْرَأَهَا الْأَصْلُ لَمْ يُسَلِّمْ ابْنُ الشَّاطِّ مَا ادَّعَاهُ الْأَصْلُ فِي وَجْهِ تَحْرِيمِهَا، وَقَالَ وَالْعَاقِلُ الْحَرِيصُ عَلَى دِينِهِ أَوَّلُ مَا يَسْعَى فِي تَحْصِيلِ السَّلَامِ وَالْخُلُوصِ مِنْ الْمَهَالِكِ وَحِينَئِذٍ يَطْلُبُ الْأَرْبَاحَ فَهَذَا مَا حَضَرَنِي مِنْ الْأَدْعِيَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا الْمُحَرَّمَةِ وَمَا عَدَاهَا لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ وَهَذَا الْفَرْقُ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ قَلَّ أَنْ تُوجَدَ فِي الْكُتُبِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَلْ الْمَوْجُودُ فِي بَعْضِهَا كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ مُشِيرَةٌ إلَيْهَا فَتَأَمَّلْهُ وَأَلْحِقْ مَا تَجِدُهُ بِنَظِيرِهِ فَيَنْضَبِطُ لَك الْمُبَاحُ مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى. ٢ - (وَصْلٌ) فِي بَيَانِ وَجْهِ تَحْرِيمِ الْأَقْسَامِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ الَّذِي ادَّعَاهُ الْأَصْلُ وَبَيَانِ مَا تَعَقَّبَهُ بِهِ ابْنُ الشَّاطِّ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةَ الَّتِي لَا تُخِلُّ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ كَأَنْ يَطْلُبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مَكَانَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ لِيَكُونَ مُطَّلِعًا عَلَى أَحْوَالِ الْإِقْلِيمَيْنِ أَوْ يَطْلُبَ مِنْهُ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ فِي ذَاتِهِ عَنْ الْأَعْرَاضِ لِيَسْلَمَ طُولُ عُمْرِهِ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَالْأَنْكَادِ وَالْمَخَاوِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبَلَايَا فَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْمُسْتَحِيلِ عَقْلًا لَكِنْ عِنْدَ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الْعُرُوَّ عَنْ الْأَعْرَاضِ لَا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُهُ فَافْهَمْ ادَّعَى الْأَصْلُ تَحْرِيمَهُ مُطْلَقًا نَظَرًا لِكَوْنِهِ سُوءَ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُلُوكَ لَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ إلَّا مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ فِي قُدْرَتِهِمْ وَإِلَّا فَقَدْ عَرَّضَهُمْ لِلْعَجْزِ لَا سِيَّمَا وَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَهَكِّمًا بِالرُّبُوبِيَّةِ اهـ، وَتَعَقَّبْهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ تَحْرِيمِ الدُّعَاءِ بِالْكَوْنِ فِي مَكَانَيْنِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَطْلُبَ إلَّا مَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ وَأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ طَلَبِ مَا لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ التَّهَكُّمُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَا وَجْهَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا الْقِيَاسَ عَلَى الْمُلُوكِ وَهُوَ فَاسِدٌ لِجَوَازِ الْعَجْزِ عَلَيْهِمْ وَامْتِنَاعِهِ عَلَيْهِ تَعَالَى. قَالَ وَمَا بَالُهُ يَقِيسُهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي قَصْدِ التَّعْجِيزِ وَالتَّهَكُّمِ وَلَا يَقِيسُهُ عَلَيْهِمْ فِي قَصْدِ الْمُبَالَغَةِ وَالْغُلُوِّ فِي التَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ فَقَدْ خُوطِبَ الْمُلُوكُ بِنِسْبَةِ الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْعَادِيَّةِ إلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ الْغُلُوِّ فِي تَرْفِيقِهِمْ لَا عَلَى قَصْدِ تَعْجِيزِهِمْ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَنْ خَاطَبَ اللَّهَ تَعَالَى بِمِثْلِ ذَلِكَ تَعَيَّنَ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّعْظِيمِ كَمَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِ فَيَكُونَ مُطِيعًا مَأْجُورًا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَاصِدًا لِلتَّعْجِيزِ فَيَكُونَ عَاصِيًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ قَاصِدٍ لِهَذَا وَلَا لِهَذَا فَيَكُونَ مُطِيعًا بِصُورَةِ الدُّعَاءِ مُثَابًا عَلَيْهِ غَيْرَ مُطِيعٍ وَلَا عَاصٍ بِالْقَصْدِ لِعُرُوِّهِ عَنْهُ اهـ. [الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْمُحَرَّمِ الَّذِي لَا يَكُونُ كُفْرًا أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةَ] (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ يَسْأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسْتَحِيلَاتِ الْعَادِيَّةَ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا كَمَا قَالَ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ التَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ لِيَأْمَنَ الِاخْتِنَاقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ مِنْ الْمَرَضِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَنْتَفِعَ بِقُوَاهُ وَحَوَاسِّهِ وَأَعْضَائِهِ أَبَدَ الدَّهْرِ أَوْ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الْوَلَدَ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ الثِّمَارَ مِنْ غَيْرِ أَشْجَارٍ وَغِرَاسٍ، أَوْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تَرْمِ بِنَا فِي شِدَّةٍ أَوْ أَعْطِنَا خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاصْرِفْ عَنَّا شَرَّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى عُمُومِهِ إذْ لَا بُدَّ أَنْ يَفُوتَهُ رُتْبَةُ النُّبُوَّةِ وَمَرْتَبَةُ الْمَلَائِكَةِ وَدَرَجَاتُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُدْرِكَهُ بَعْضُ الشُّرُورِ وَلَوْ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَوَحْشَةُ الْقَبْرِ، وَمِنْهَا كَمَالٌ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ دَوَامَ إصَابَةِ كَلَامِهِ مِنْ الْحِكَمِ الدَّقِيقَةِ وَالْعُلُومِ الشَّرِيفَةِ أَبَدَ الدَّهْرِ لِيَفْتَخِرَ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ الْفُضَلَاءِ وَيَنْتَفِعَ بِهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ. قَالَ الْأَصْلُ وَقِسْ عَلَى هَذِهِ نَظَائِرَهَا بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَفْهَمَ عَوَائِدَ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَرَبْطِهِ الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ إمْكَانِ صُدُورِهَا عَنْ قُدْرَتِهِ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ رَتَّبَ اللَّهُ تَعَالَى مَمْلَكَتَهُ عَلَى نِظَامٍ دَبَّرَهُ وَوَضَعَهَا عَلَى قَانُونٍ قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَإِذَا سَأَلَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى تَغْيِيرَ مَمْلَكَتِهِ وَنَقْضَ نِظَامِهِ وَسُلُوكَ غَيْرِ عَوَائِدِهِ فِي مُلْكِهِ كَانَ مُسِيئًا الْأَدَبَ عَلَيْهِ بَلْ ذَلِكَ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى أَدْنَى الْمُلُوكِ بَلْ الْوُلَاةِ. قَالَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَجِبُ لَهُ مِنْ الْإِجْلَالِ فَوْقَ مَا يَجِبُ لِخَلْقِهِ فَمَا نَافَى إجْلَالَ خَلْفِهِ أَوْلَى أَنْ يُنَافِيَ فِي جَلَالِهِ مِنْ كُلِّ نَقْصٍ بَلْ قَدْ عَابَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، وَقَالَ ﵊ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ

стр. 1053

(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ مِنْ الدُّعَاءِ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ) اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الدُّعَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ دُعَاءٌ النَّدْبُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيَعْرِضُ لَهُ مِنْ جِهَةِ مُتَعَلِّقِهِ مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَمَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَةَ وَلِذَلِكَ أَسْبَابٌ خَمْسَةٌ: (السَّبَب الْأَوَّلُ) الْأَمَاكِنُ كَالدُّعَاءِ فِي الْكَنَائِسِ وَالْحَمَّامَاتِ وَمَوَاضِعِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ وَمَوَاضِعِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَالْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ كَالْحَانَاتِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَلِكَ الْأَسْوَاقُ الَّتِي يَغْلِبُ فِيهَا وُقُوعُ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» أَيْ ثَنَاؤُك الْمُسْتَحَقُّ ثَنَاؤُك عَلَى نَفْسِك أَمَّا ثَنَاءُ الْخَلْقِ فَلَا لِأَنَّهُ دُونَ الْمُسْتَحَقِّ قَالَ وَلِذَلِكَ عَابَ الْعُلَمَاءُ وَغَلَّطُوا جَمَاعَةً مِنْ الْعُبَّادِ حَيْثُ تَوَسَّطُوا الْقِفَارَ مِنْ غَيْرِ زَادٍ وَلَجَّجُوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ أَوْ فِي غَيْرِ الزَّمَنِ الْمُعْتَادِ طَالِبِينَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى خَرْقَ عَوَائِدِهِ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ سَائِرُونَ إلَى اللَّهِ وَهُمْ ذَاهِبُونَ عَنْهُ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ وَأَنَّ مَا عَدَاهَا يُنَافِي الِاعْتِمَادَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهَذَا غَلَطٌ عَظِيمٌ فَقَدْ دَخَلَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ مَخْفُوقًا بِالْخَيْلِ وَالرَّجْلِ وَالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَقَالَ أَوَّلَ أَمْرِهِ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي وَكَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مَعَ رَبِّهِ يَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَةٍ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ. وَتَحْقِيقُ هَذَا الْبَابِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّوَكُّلَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ يَكْرَهُهُ مِنْ ضَيْرٍ لِأَجْلِ أَنَّهُ الْمُسْتَوْلِي بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ عَلَى سَائِرِ الْكَائِنَاتِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ لَهُ فِي ذَلِكَ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] وَمَعَ ذَلِكَ فَلَهُ عَوَائِدُ فِي مُلْكِهِ رَتَّبَهَا بِحِكْمَةٍ، فَمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ انْقِطَاعُ الْقَلْبِ عَنْ غَيْرِهِ وَمُقْتَضَى سُلُوكِ أَدَبِهِ الْتِمَاسُ فَضْلِهِ مِنْ عَوَائِدِهِ، وَقَدْ انْقَسَمَ الْخَلْقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ لِلْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَحَصَلُوا عَلَى حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَأَعْرَضُوا عَنْ الْأَسْبَابِ فَفَاتَهُمْ الْأَدَبُ الْوَاجِبُ الِاتِّبَاعِ وَقِسْمٌ لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ وَاسْتَوْلَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَحَجَبَتْهُمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَهَؤُلَاءِ فَاتَهُمْ التَّوَكُّلُ وَالْأَدَبُ وَهَذَا هُوَ الْمَهْيَعُ الْعَامُّ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ أَكْثَرُ الْخَلَائِقِ، وَقِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ تَعَالَى بِمُقْتَضَى شُمُولِ قُدْرَتِهِ وَعَوَائِدِهِ فِي مَمْلَكَتِهِ فَهَؤُلَاءِ جَامِعُونَ بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ وَهَذَا مَقَامُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ خَوَاصِّ الْعُلَمَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَصْفِيَاءِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا أَنَّ قَلِيلَ الْأَدَبِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ وَلِذَلِكَ هَلَكَ إبْلِيسُ وَضَاعَ أَكْثَرُ عَمَلِهِ بِقِلَّةِ أَدَبِهِ فَنَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَقَالَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اجْعَلْ عَمَلَك مِلْحًا وَأَدَبَك دَقِيقًا، أَيْ لِيَكُنْ اسْتِكْثَارُك مِنْ الْأَدَبِ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِكْثَارِك مِنْ الْعَمَلِ لِكَثْرَةِ جَدْوَاهُ وَنَفَاسَةِ مَعْنَاهُ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ طَلَبِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أَيْ لَا تَرْكَبُوا الْأَخْطَارَ الَّتِي دَلَّتْ الْعَادَةُ عَلَى أَنَّهَا مُهْلِكَةٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] أَيْ الْوَاقِيَةُ لَكُمْ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى السُّؤَالِ وَالسَّرِقَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ إلَى الْجِهَادِ وَالْحَجِّ بِغَيْرِ زَادٍ فَرُبَّمَا وَقَعَ بَعْضُهُمْ فِي إحْدَى الْمَفْسَدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ السُّؤَالِ وَالسَّرِقَةِ فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِالْتِزَامِ الْعَوَائِدِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهَا فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ ضِدِّهِ بَلْ إضْدَادِهِ، وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ إنْ كُنْت مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ وَمُعْتَمِدًا عَلَيْهِ وَوَاثِقًا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَأَلْقِ نَفْسَك مِنْ هَذَا الْحَائِطِ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُك إلَّا مَا قُدِّرَ لَك فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ عِبَادَهُ لِيُجَرِّبَهُمْ وَيَمْتَحِنَهُمْ لَا لِيُجَرِّبُوهُ وَيَمْتَحِنُوهُ إشَارَةً إلَى سُلُوكِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ مَعَهُ وَمَعَ عِبَادِهِ حَتَّى نَلْقَاهُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ. نَعَمْ يَجُوزُ طَلَبُ خَرْقِ الْعَادَةِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْأَنْبِيَاءِ؛ لِأَنَّ عَادَتَهُمْ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - خَرْقَهَا، وَكَذَلِكَ لِمَنْ لَهُ عَادَةٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى بِخِرَقِهَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِجَرَيَانِهِ عَلَى عَادَتِهِ فَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ قِلَّةُ أَدَبٍ، وَكَذَلِكَ لِمَنْ لَا يَكُونُ وَلِيًّا حَيْثُ أَرَادَ بِسُؤَالِهِ خَرْقَهَا أَنْ يَجْعَلَهُ وَلِيًّا مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ حَتَّى يَسْتَحِقَّ خَرْقَ الْعَادَةِ. فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ لَيْسَتْ حَرَامًا انْتَهَى. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ دَعْوَاهُ أَنَّ طَلَبَ خَرْقِ الْعَوَائِدِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى إسَاءَةُ أَدَبٍ عَرِيَّةٌ عَنْ الْحُجَّةِ إلَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ عَلَى الْمُلُوكِ وَهُوَ قِيَاسٌ لَا شَكَّ فِي فَسَادِهِ وَالْعَيْبُ وَالذَّمُّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ ﷺ لَا أُحْصِي ثَنَاءً الْحَدِيثَ لَا يَلْحَقُ الْبَشَرَ إلَّا إنْ كَانَ الثَّنَاءُ اللَّائِقُ بِجَلَالِهِ تَعَالَى مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَ اكْتِسَابِهِمْ ثُمَّ قَصَّرُوا فِيهِ. وَأَمَّا إنْ كَانَ مِمَّا لَا يَدْخُلُ فَلَا يَلْحَقُهُمْ ذَمٌّ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قَالَ وَتَغْلِيطُ مَنْ غَلَّطَ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَمَاعَةَ الْعُبَّادِ فِيمَا ذَكَرَهُ غَلَطٌ مِنْ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى إسَاءَتِهِمْ الظَّنَّ بِأُولَئِكَ الْعُبَّادِ وَإِسَاءَةُ الظَّنِّ بِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا فَكَيْفَ بِالْعُبَّادِ مِنْهُمْ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الْعُبَّادَ الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَعَوَّدَ خَرْقَ الْعَادَةِ لَهُ فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِمْ أَوْ مِمَّنْ لَمْ يَتَعَوَّدْ ذَلِكَ فَلَا عَيْبَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا إنْ كَانُوا مِمَّنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ أَحْوَالٌ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهَا وَإِلَّا لَحِقَهُمْ الْعَيْبُ لِارْتِكَابِهِمْ حِينَئِذٍ لِمَمْنُوعٍ فَمَا بَالُ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ مِنْ هَذَا الْأَخِيرِ دُونَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَلَيْسَ ذَلِكَ إسَاءَةَ ظَنٍّ فِي

стр. 1054

وَالْأَيْمَانِ الْحَانِثَةِ فَجَمِيعُ ذَلِكَ يُكْرَهُ الدُّعَاءُ فِيهِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقُرْبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى أَحْسَنِ الْهَيْئَاتِ فِي أَحْسَنِ الْبِقَاعِ وَالْأَزْمَانِ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى «نَهْيُهُ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ» ، فَإِنْ أَعْجَزَهُ الْخُلُوصُ مِنْ ذَلِكَ حَصَلَ لَهُ الدُّعَاءُ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ الدُّعَاءِ كَالصَّلَاةِ فِي الْبِقَاعِ الْمَكْرُوهَةِ. (السَّبَبُ الثَّانِي) لِلْكَرَاهَةِ الْهَيْئَاتُ كَالدُّعَاءِ مَعَ النُّعَاسِ وَفَرْطِ الشِّبَعِ وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ أَوْ مُلَابَسَةِ النَّجَاسَاتِ وَالْقَاذُورَاتِ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْهَيْئَاتِ الَّتِي لَا تُنَاسَبُ التَّقَرُّبَ إلَى ذِي الْجَلَالِ، فَإِنْ فَعَلَ صَحَّ مَعَ فَوَاتِ رُتْبَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَوْطِنٍ يُمْكِنُ فِيهِ تَحْسِينُهُ وَعَدَمُ إسَاءَتِهِ فَيُظَنُّ أَنَّهُمْ ظَانُّونَ أَنَّ ذَلِكَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ بَلْ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ وَأَنَّهُ كَمَا لَا يُنَافِي التَّسَبُّبَ كَذَلِكَ لَا يُنَافِي عَدَمَ التَّسَبُّبِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ عَلَى أَنَّ التَّوَكُّلَ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ التَّسَبُّبِ إذْ مَسَاقُ كَلَامِهِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّوَكُّلَ يَصِحُّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَمَعَ عَدَمِهِ، وَمَا عَدَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى التَّوَكُّلِ مَعَ التَّسَبُّبِ إلَّا لِأَنَّهُ الْمُعَلِّمُ الْمُقْتَدَى بِهِ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْخَوَاصِّ بَلْ يَعُمُّهُمْ وَغَيْرَهُمْ، وَالْجُمْهُورُ قَلَّمَا تَطْمَئِنُّ نُفُوسُهُمْ إلَّا مَعَ التَّسَبُّبِ. اهـ. قَالَ الْغَزَالِيُّ وَلَقَدْ سَمِعْت أَبَا الْمَعَالِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ إنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَادَةِ النَّاسِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى مَا هُوَ عَادَةُ النَّاسِ فِي كِفَايَةِ الْمُؤْنَةِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ جِدًّا وَفِيهِ فَوَائِدُ جَمَّةٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا اهـ بِلَفْظِهِ قُلْت يَعْنِي أَنَّ مَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَةَ الْمُؤْنَةِ بِالسَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِالسَّبَبِ وَمَنْ جَرَى مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنَّ كِفَايَتَهَا بِدُونِ السَّبَبِ جَرَى اللَّهُ مَعَهُ عَلَى الْكِفَايَةِ بِدُونِ السَّبَبِ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَارِدَةٌ عَلَى الْغَالِبِ لَا عَلَى النَّادِرِ مَعَ أَنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ التَّوَكُّلَ، وَإِنْ صَحَّ مَعَ التَّسَبُّبِ وَعَدَمِهِ فَالتَّوَكُّلُ مَعَ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّهِ ﷺ لِلْحَاجَةِ لِتَعْلِيمِ الْجُمْهُورِ كَمَا سَبَقَ وَلَا مِنْهُ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعِصْمَتِهِ ﷺ وَالتَّوَكُّلُ مَعَ عَدَمِ التَّسَبُّبِ رَاجِحٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِعَدَمِ أَمْنِهِ مِنْ شَائِبَةِ مُرَاعَاةِ الْأَسْبَابِ لِعَدَمِ عِصْمَتِهِ اهـ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ مِنْهَاجُ الْعَابِدِينَ إنَّ أَخْذَ الزَّادِ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ لِمُقْتَدًى بِهِ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مُبَاحٌ أَوْ يَنْوِيَ بِهِ عَوْنَ مُسْلِمٍ أَوْ إغَاثَةَ مَلْهُوفٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ أَخْذِهِ لِمَنْ كَانَ مُنْفَرِدًا قَوِيَّ الْقَلْبِ بِاَللَّهِ لِشَغْلِهِ بِالزَّادِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَالشَّأْنُ إذًا فِي الْقَلْبِ لَا فِي حَمْلِ الزَّادِ وَتَرْكِهِ، فَكَمْ مِنْ حَامِلٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ الزَّادِ يَقُولُ الرِّزْقُ مَقْسُومٌ مَفْرُوغٌ مِنْهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى إنْ شَاءَ أَقَامَ بِنْيَتِي بِهَذَا أَوْ بِغَيْرِهِ أَوْ يَنْوِيَ بِحَمْلِهِ أَنْ يُعِينَ بِهِ مُسْلِمًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَكَمْ مِنْ تَارِكٍ لِلزَّادِ وَقَلْبُهُ مَعَ الزَّادِ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَحَمْلُ الزَّادِ مُبَاحٌ غَيْرُ حَرَامٍ لِوُقُوعِهِ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَإِنَّمَا الْحَرَامُ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِالزَّادِ وَتَرْكُ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَافْهَمْ ذَلِكَ ثُمَّ مَا ظَنُّك بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] أَعَصَاهُ فِي ذَلِكَ وَعَلَّقَ قَلْبَهُ بِطَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ دِرْهَمٍ أَوْ دِينَارٍ؟ كَلًّا وَحَاشَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَكُّلُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ فَإِنَّهُ الَّذِي لَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا وَلَمْ يَمُدَّ يَدَهُ إلَى مَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ كُلِّهَا، وَإِنَّمَا كَانَ أَخْذُ الزَّادِ مِنْهُ وَمِنْ السَّلَفِ الصَّالِح بِنِيَّاتِ الْخَيْرِ لَا لِمَيْلِ قُلُوبِهِمْ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الزَّادِ وَالْمُعْتَبَرُ الْقَصْدُ عَلَى مَا أَعْلَمْنَاك فَافْهَمْ وَانْتَبِهْ اهـ بِتَصَرُّفٍ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ بَيَانِ حَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّوَكُّلِ الْمُعَامَلَةُ بِمُقْتَضَى شُمُولِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْبَابِ وَهُوَ عَيْنُ مَا عَابَ عَلَى الْعُبَّادِ حَيْثُ قَالَ ظَانِّينَ أَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ هِيَ حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ فَقَوْلُهُ هُنَا مُنَاقِضٌ لِظَاهِرِهِ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ إنَّ قِلَّةَ الْأَدَبِ مَمْنُوعَةٌ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأَدْعِيَةِ مِنْ جُمْلَةِ قِلَّةِ الْأَدَبِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] لَيْسَ فِيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ طَلَبِ الْمُسْتَحِيلِ، وَإِنَّمَا دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ارْتِكَابِ الْعَمَلِ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ مُغَايِرٌ لِطَلَبِ خَرْقِهَا إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْمَنْعِ مِنْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعُ مِنْ الْآخَرِ اهـ قُلْت عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ قَالَ فِي الْمِنْهَاجِ إنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: ١٩٧] إلَخْ قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ زَادُ الْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﴿خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] وَلَمْ يَقُلْ حُطَامَ الدُّنْيَا وَأَسْبَابَهَا، وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ قَوْمٌ لَا يَأْخُذُونَ زَادًا فِي طَرِيقِ الْحَجِّ لِأَنْفُسِهِمْ اتِّكَالًا عَلَى النَّاسِ وَيَسْأَلُونَ النَّاسَ وَيَشْكُونَ وَيُلِحُّونَ وَيُؤْذُونَ النَّاسَ فَأُمِرُوا بِالزَّادِ أَمْرَ تَنْبِيهٍ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الزَّادِ مِنْ مَالِكٍ خَيْرٌ مِنْ أَخْذِ مَالِ النَّاسِ وَالِاتِّكَالِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ اهـ، وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَعَلَى أَنَّ إجَازَةَ الْأَصْلِ دُعَاءُ مَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ بِخِرَقِ الْعَادَةِ إجَازَةٌ لِلدُّعَاءِ بِخَرْقِ الْعَادَةِ فَكُلُّ مَا أَنْكَرَهُ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَجَازَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِذَا أَجَازَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَقَدْ أَجَازَ عَلَى الْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ لَهُ مَنْعُهُ بَعْدَ

стр. 1055

الْكَمَالِ. (السَّبَبُ الثَّالِثُ) الْكَرَامَةُ كَوْنُهُ سَبَبًا لِتَوَقُّعِ فَسَادِ الْقُلُوبِ وَحُصُولِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ كَمَا كَرِهَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ﵏ لِأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْجَمَاعَاتِ الدُّعَاءَ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فَيَجْتَمِعُ لِهَذَا الْإِمَامِ التَّقَدُّمُ فِي الصَّلَاةِ وَشَرَفُ كَوْنِهِ نَصَّبَ نَفْسَهُ وَاسِطَةً بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادِهِ فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِمْ عَلَى يَدِهِ بِالدُّعَاءِ، وَيُوشِكُ أَنْ تَعْظُمَ نَفْسُهُ عِنْدَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ وَيَعْصِيَ رَبَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يُطِيعُهُ وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأَئِمَّةِ اسْتَأْذَنَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فِي أَنْ يَدْعُوَ لِقَوْمِهِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ بِدَعَوَاتٍ فَقَالَ لَا إنِّي أَخْشَى أَنْ تَشْمَخَ حَتَّى تَصِلَ إلَى الثُّرَيَّا إشَارَةً ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ذَلِكَ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْثِيرِهِ الْأَمْثِلَةَ اهـ، وَقَدْ أَطَالَ الْغَزَالِيُّ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَقَامِ فِي مِنْهَاجِهِ إلَى أَنْ قَالَ وَلَعَلَّك تَقُولُ أَطْنَبْت فِي هَذَا الْفَصْلِ خِلَافَ شَرْطِ الْكِتَابِ فَأَقُولُ لَعَمْرُ اللَّهِ إنَّهُ لَقَلِيلٌ فِي جَنْبِ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى إذْ هُوَ أَهَمُّ شَأْنًا فِي الْعِبَادَةِ بَلْ عَلَيْهِ مَدَارُ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْعُبُودِيَّةِ فَمَنْ لَهُ هِمَّةٌ فِي هَذَا الشَّأْنِ فَلْيَسْتَمْسِكْ بِذَلِكَ وَلْيُرَاعِهِ حَقَّهُ وَإِلَّا فَهُوَ عَنْ الْمَقْصُودِ بِمَعْزُولٍ وَاَلَّذِي يَدُلُّك عَلَى بَصِيرَةِ عُلَمَاءِ الْآخِرَةِ الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ أَنَّهُمْ بَنَوْا أَمْرَهُمْ عَلَى التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّفَرُّغِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَقَطْعِ الْعَلَائِقِ كُلِّهَا فَكَمْ صَنَّفُوا مِنْ كِتَابٍ وَكَمْ أَوْصَوْا بِوَصِيَّةٍ وَقَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ أَعْوَانًا مِنْ السَّادَةِ وَأَصْحَابًا حَتَّى يَتَمَشَّى لَهُمْ مِنْ الْخَيْرِ الْمَحْضِ مَا لَمْ يَتَمَشَّ لِطَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْأَئِمَّةِ الْأَزْهَادِ الْكَرَامِيَّةِ فَإِنَّهُمْ بَنَوْا مَذَاهِبَهُمْ عَلَى أُصُولٍ غَيْرِ مُسْتَقِيَةٍ وَمَا زِلْنَا أَعِزَّةً مَا دُمْنَا عَلَى مِنْهَاجِ أَئِمَّتِنَا اهـ الْمُرَادُ مِنْهُ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي لَيْسَ بِكُفْرٍ وَهُوَ مُحَرَّمٌ أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى نَفْيِهِ] (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ يَطْلُبَ الدَّاعِي مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَفْيَ أَمْرٍ دَلَّ السَّمْعُ عَلَى نَفْيِهِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ: مِنْهَا أَنْ يَقُولَ ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ رَبَّنَا لَا تُهْلِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ بِالْخَسْفِ الْعَامِّ وَالرِّيحِ الْعَاصِفَةِ كَمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَنَا، وَمِنْهَا أَنْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تُسَلِّطْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مَنْ يَسْتَأْصِلُهَا، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ لِمَرِيضٍ أَوْ مُصَابٍ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ هَذِهِ الْمِرْضَةَ أَوْ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ كَفَّارَةً، وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِفُلَانٍ الْكَافِرِ قَالَ الْأَصْلُ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَدْعِيَةِ الْخَمْسَةِ حَرَامٌ لَيْسَ بِكُفْرٍ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ طَلَبِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ. (أَمَّا الْأَوَّلُ) فَلِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَرْفُوعَةٌ عَنْ الْعِبَادِ. (أَمَّا الثَّانِي) فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ ﷺ سَأَلَ رَبَّهُ فِي إعْفَاءِ أُمَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ. (أَمَّا الثَّالِثُ) فَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَخْبَرَ كَمَا فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ. (وَأَمَّا الرَّابِعُ) فَلِأَنَّ النُّصُوصَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْمَصَائِبَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ أَنَّ السُّخْطِ لَا يُخِلُّ بِذَلِكَ التَّكْفِيرِ بَلْ يُجَدِّدُ ذَنْبًا آخَرَ كَمَنْ قَضَى دَيْنَهُ ثُمَّ اسْتَدَانَ فَكَمَا لَا يُقَالُ إنَّهُ لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْ الدَّيْنِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ الْمُصَاب لَا يُقَالُ أَنَّهُ بِسُخْطِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنْهَا بَلْ يُقَالُ بَرِئَ مِنْ عُهْدَةِ الذَّنْبِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ جَدَّدَ ذَنْبًا آخَرَ بِسُخْطِهِ. (وَأَمَّا الْخَامِسُ) فَلِأَنَّ السَّمْعَ قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قَالَ وَطَلَبُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ طَلَبٌ عَرِيَ عَنْ الْحَاجَةِ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ تَعَالَى إذْ لَوْ أَنَّ أَحَدَنَا سَأَلَ بَعْضَ الْمُلُوكِ أَمْرًا فَقَضَاهُ لَهُ ثُمَّ سَأَلَهُ إيَّاهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَالِمًا بِقَضَائِهِ لَهُ لَعُدَّ هَذَا الطَّلَبُ الثَّانِي اسْتِهْزَاءً بِالْمَلِكِ وَتَلَاعُبًا بِهِ وَلَحَسُنَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكِ تَأْدِيبُهُ فَأَوْلَى أَنْ يَسْتَحِقَّ التَّأْدِيبَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْ رَأَيْنَا رَجُلًا يَقُولُ اللَّهُمَّ افْرِضْ عَلَيْنَا الصَّلَاةَ وَأَوْجِبْ عَلَيْنَا الزَّكَاةَ وَاجْعَلْ السَّمَاءَ فَوْقَنَا وَالْأَرْضَ تَحْتَنَا لَبَادَرْنَا إلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ لِقُبْحِ مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ التَّلَاعُبِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فِي دُعَائِهِ. نَعَمْ مَحِلُّ حُرْمَةِ قَوْلِ الدَّاعِي ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَقَوْلِهِ ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] إنْ أَرَادَ النِّسْيَانَ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ مَعَ الْغَفْلَةِ الَّذِي هُوَ مُشْتَهِرٌ فِي الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْعَفْوِ فِيهِ وَعَنْهُ قَدْ عُلِمَ بِالنَّصْرِ وَالْإِجْمَاعِ وَأَرَادَ بِمَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ التَّكَالِيفَ الشَّرْعِيَّةَ فَإِنَّهَا مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أَمَّا إنْ أَرَادَ النِّسْيَانَ الَّذِي هُوَ التَّرْكُ مَعَ التَّعَمُّدِ وقَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أَيْ تَرَكُوا طَاعَتَهُ فَتَرَكَ اللَّهُ الْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ فَهَذَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ طَلَبُ الْعَفْوِ عَمَّا لَمْ يُعْلَمْ الْعَفْوُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ مِنْ الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَالْمَكْرُوهَاتِ جَازَ لِأَنَّهُ لَمْ تَدُلَّ النُّصُوصُ عَلَى نَفْيِ ذَلِكَ. وَأَمَّا إنْ أَطْلَقَ الْعُمُومَ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لَا بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالْعَادَةِ عَصَى لِاشْتِمَالِ الْعُمُومِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَرَامًا؛ لِأَنَّ فِيهِ طَلَبَ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمٍ فِي سِيَاقِ الْمَدْحِ ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] وَإِنْ كَانَ طَلَبَ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ؛ لِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ. وَقَدْ مَدَحَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا أَنَّ سُؤَالَ مَا وَعَدَهُمْ اللَّهُ بِهِ إنَّمَا جَازَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ لَهُمْ مَشْرُوطٌ بِالْوَفَاةِ عَلَى الْإِيمَانِ وَهَذَا شَرْطٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ فَمَا طَلَبُوا إلَّا مَشْكُوكًا فِي حُصُولِهِ لَا مَعْلُومَ
следующие страницы →