← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَلَا نَقُولُ يُشْتَرَطُ فِي كَوْنِ الْعَشَرَةِ زَوْجًا عَدَمُ الْفَرْدِيَّةِ عَنْهَا فَإِنَّهَا لَا تَقْبَلُ الْفَرْدِيَّةَ أَيْضًا فَكَيْفَ تُتَوَهَّمُ الشَّرْطِيَّةُ وَالْمُعْتَرَضُ فِي مَوْطِنِ الْعَقْلِ قَاطِعٌ وَجَازِمٌ بِثُبُوتِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ وُجُوبًا ذَاتِيًّا وَإِنَّمَا يَقْصِدُ الْعُقَلَاءُ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ الَّذِي يَقْبَلُ النَّقِيضَ بَلْ مَقْصُودُ النَّاسِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ وَالْمَوَارِدِ بَيَانُ انْحِصَارِ تِلْكَ الْمَادَّةِ فِي الْمَذْكُورِ فَأَنْتَ تَقُولُ: إذَا انْتَفَى الْفَرْدُ بَقِيَ الْعَدَدُ مَحْصُورًا فِي الزَّوْجِ. وَإِذَا انْتَفَى الزَّوْجُ بِمَعْنَى إنْ لَمْ يَكُنْ الْوَاقِعُ مِنْ الْعَدَدِ مَا هُوَ زَوْجٌ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ مَا هُوَ فَرْدٌ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْحَصْرُ فَلَا يَقُولُونَ: إنْ لَمْ يَكُنْ إنْسَانًا فَهُوَ فَرَسٌ لِعَدَمِ انْحِصَارِ الْبَاقِي مِنْ الْحَيَوَانِ بَعْدَ الْإِنْسَانِ فِي الْفَرَسِ وَلَوْ كَانَ الْمَقْصُودُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الشَّرْطِيَّةِ لَكَانَ الْكَلَامُ صَحِيحًا فَإِنَّ عَدَمَ الْإِنْسَانِيَّةِ شَرْطٌ فِي الْفَرَسِيَّةِ لِتَعَذُّرِ اجْتِمَاعِهِمَا بَلْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بَيَانَ الْحَصْرِ بَطَلَ الْكَلَامُ لِعَدَمِ الْحَصْرِ فِي الْمَذْكُورِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَهُوَ صَعْبٌ دَقِيقٌ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ انْحِصَارَ الْحُجَّةِ التَّامَّةِ مِنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الرَّجُلَيْنِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ تَامَّةَ مِنْ الشَّهَادَةِ فِي الشَّرِيعَةِ إلَّا الرَّجُلَيْنِ وَالرَّجُلَ وَالْمَرْأَتَيْنِ هَذَا هُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَأَمَّا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَشَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ وَحْدَهُمَا فِيمَا يَنْفَرِدَانِ فِيهِ كَالْوِلَادَةِ فَهَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى بُطْلَانِهَا لِدَلَالَتِهَا عَلَى الْحَصْرِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْآيَةَ إنَّمَا سِيقَتْ فِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ وَالْأَمْوَالِ لَا الْأَبْدَانِ وَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ فَالْحَصْرُ حَقٌّ فِي الْأَمْوَالِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ وَلَا تَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَأَمَّا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَالنُّكُولُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الْحُجَّةُ مِنْ الشَّهَادَةِ بَلْ لَا شَهَادَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ كَالْيَمِينِ وَالنُّكُولِ أَوْ بَعْضُهُ شَهَادَةٌ فَقَطْ كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَلَا تُوجَدُ حُجَّةٌ تَامَّةً مُجْمَعٌ عَلَيْهَا إلَّا بِتِينِكَ الْحُجَّتَيْنِ فَإِذَا فُرِضَ عَدَمُ أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الْحَصْرُ فِي الْأُخْرَى وَإِذَا وَضَحَ لَك أَنَّ الشَّرْطَ كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّرْتِيبِ فَكَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي إثْبَاتِ الْحَصْرِ. وَالْكُلُّ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فَيَكُونُ التَّعْلِيقُ أَعَمُّ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ وَالدَّالُّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ كَالْحَيَوَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِنْسَانِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمُؤْمِنِ فَلَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَال بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ التَّرْتِيبِ عَلَى التَّرْتِيبِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قَرَائِنَ أُخْرَى وَضَمَائِمَ تُضَافُ لِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ حَتَّى تُفِيدَ التَّرْتِيبَ وَأَنَّ ضَابِطَ مَا يَتَوَقَّفُ فِيهِ الْمَشْرُوطُ عَلَى الشَّرْطِ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يُرَادُ بِهِ الْحَصْرُ أَمَّا مَتَى أُرِيدَ بِهِ الْحَصْرُ فَلَا فَافْهَمْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَهُوَ مِنْ نَفَائِسِ الْعِلْمِ وَجَوْهَرِهِ وَدَقِيقِ الْمَبَاحِثِ وَفِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الشَّرْطِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ وَأَنَّ اسْتِدْلَالَ الْفُقَهَاءِ بِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ لَا يَصِحُّ كَمَا وَضَحَ لَك بَيَانُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي كُلٍّ أَوْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ كَذَلِكَ مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ أَوْ أَيْنَ جَلَسْت أَنْتِ طَالِقٌ فِي كُلٍّ أَوْ جَمِيعِ الْبِقَاعِ لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ أَيْنَ وَحَيْثُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَكَانِ مُلَازِمٌ لِلْإِضَافَةِ. وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ الثَّانِي أَنَّ صِيَغَ الْعُمُومِ إنَّمَا تَعُمُّ فِيمَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ خَاصَّةً وَكَمَا أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ بَلْ يُفِيدُ أَنَّهُ قَوْلُ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَى نَصِّهِ كَذَلِكَ لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ أَوْ أَيْنَ جَلَسْت يَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَصَحَّ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حَيْثُ وَأَيْنَ لِلْعُمُومِ وَأَنَّ اللَّازِمَ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَتَنَافَى ذَلِكَ وَلَا يَتَنَاقَضُ عَلَى أَنَّ فِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرًا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا وَإِنْ سَلِمَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي جَمِيعٍ أَوْ كُلِّ الْأَزْمِنَةِ إلَّا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي جَمِيعٍ أَوْ كُلِّ الْأَيَّامِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَإِنَّ كُلَّ إذَا أُضِيفَتْ إلَى الْمُعَرَّفِ لَا تَكُونُ لِلْعُمُومِ وَإِنَّمَا تَكُونُ فِي مَعْنَى جَمِيعٍ وَجَمِيعُ لَا تُضَافُ إلَّا إلَى الْمُعَرَّفِ فَلَا يُقَالُ: جَمِيعُ رَجُلٍ فِي مَعْنَى كُلُّ رَجُلٍ فَجَمِيعُ الْأَيَّامِ وَكُلُّ الْأَيَّامِ لَيْسَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَإِنَّمَا لَفْظُ الْعُمُومِ أَنْ يَقُولَ: أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ يَوْمٍ أَنْتِ فِيهِ طَالِقٌ فَمِنْ هُنَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨] قَوْلُهُ أَبَدًا ظَرْفُ زَمَانٍ مُبْهَمٌ لَا عُمُومَ لَهُ وَلَكِنَّهُ إذَا اتَّصَلَ بِالنَّهْيِ أَفَادَ الْعُمُومَ فَإِنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ وَكَأَنَّهُ قَالَ: لَا تَقُمْ فِيهِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَقَدْ قَالَ الْفُقَهَاءُ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا طَلُقَتْ طَلْقَةً وَاحِدَةً اهـ. نَقَلَهُ الرَّهُونِيُّ عَنْهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى حَوَاشِي عبق نَعَمْ فِي الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ تَنْظِيرَ صَاحِبِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ عَلَى عَدِّ جَمِيعٍ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ بِقَوْلِهِ لَا أَدْرِي كَيْفَ يُسْتَفَادُ الْعُمُومُ مِنْ لَفْظَةِ جَمِيعٍ فَإِنَّهَا لَا تُضَافُ إلَّا إلَى الْمَعْرِفَةِ تَقُولُ جَمِيعُ الْقَوْمِ وَجَمِيعُ قَوْمِك وَلَا تَقُولُ جَمِيعُ قَوْمٍ وَمَعَ التَّعْرِيفِ بِاللَّامِ أَوْ الْإِضَافَةِ يَكُونُ التَّعْمِيمُ مُسْتَفَادًا مِنْهُمَا لَا مِنْ لَفْظَةِ جَمِيعِ اهـ قَالَ مَا نَصُّهُ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْعُمُومَ مِنْ جَمِيعٍ إذَا قُدِّرَتْ اللَّامُ فِي الْمُضَافِ إلَيْهِ لِلْجِنْسِ لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ أَوْ كَانَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُعَرَّفًا بِالْإِضَافَةِ نَحْوَ جَمِيعُ غُلَامِ زَيْدٍ إذْ عُمُومُ أَجْزَائِهِ مِنْ جَمِيعِ لَا مِنْ تَعْرِيفِ غُلَامٍ بِالْإِضَافَةِ عَلَى أَنَّ النَّظَرَ مَنْقُوضٌ بِنَحْوِ جَمِيعِ زَيْدٍ حَسَنٌ إذْ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَعْرِفَةٌ وَلَا عُمُومَ فِيهِ اهـ فَتَأَمَّلْ. ثَانِيهَا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ

стр. 107

الْفَرْقُ الْخَامِسُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الشَّرِيعَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ) فِي أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِهِ فِي الزَّمَانِ وَيَجُوزُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ ذَلِكَ عَلَى قَوْلٍ وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجُوزُ فِي الشَّرِيعَةِ. وَلَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يَرْفَعَ جَمِيعَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَيَبْطُلُ حُكْمُهُ نَحْوَ لَهُ عِنْدِي عَشْرَةٌ إلَّا عَشْرَةً بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الشَّرْطُ فِي كَلَامٍ يَبْطُلُ جَمِيعُهُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَلَا تَدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُنَّ فَيَبْطُلُ جَمِيعُ الطَّلَاقِ فِيهِنَّ وَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ أَطَاعُوا اللَّهَ أَوْ إنْ جَاءُوك فَلَا يَجِيءُ أَحَدٌ فَيَبْطُلُ جَمِيعُ الْأَمْرِ بِسَبَبِ هَذَا الشَّرْطِ وَلَوْلَا هَذَا الشَّرْطُ لَعَمَّ الْحُكْمُ الْجَمِيعَ فَقَدْ بَايَنَ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَيَعُمُّ جَمِيعَ الْجُمَلِ الْمَنْطُوقِ بِهَا بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلٍ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى قَوْلٍ نَحْوَ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَأَكْرِمْ الْقَوْمَ وَاخْلَعْ عَلَيْهِمْ فَقَدْ بَايَنَ الشَّرْطُ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلَةٌ فِي الْكَلَامِ وَيَتِمُّ الْكَلَامُ دُونَهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ إبْطَالُ جُمْلَةِ الْحُكْمِ فِيهِمَا تَحْقِيقًا لِمُقْتَضَى اللُّغَةِ أَوْ يَجُوزُ فِيهِمَا تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الْبَابَيْنِ لَكِنَّ الْفَرْقَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُخْرِجُ مِنْ الْكَلَامِ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ عَمَّا هُوَ مُرَادٌ فَهْمُهُ مِنْ غَيْرِ الْمُرَادِ وَلَعَلَّهُ لَوْ بَقِيَ مَعَ الْمُرَادِ لَمْ يَخْتَلَّ الْحُكْمُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: شِهَابُ الدِّينِ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الشَّرِيعَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ فِي أَنَّ الشَّرْطَ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِهِ فِي الزَّمَانِ وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى قَوْلٍ وَأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْفَعَ جَمِيعُ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَيَبْطُلُ حُكْمُهُ نَحْوَ لَهُ عِنْدِي عَشْرَةٌ إلَّا عَشْرَةً بِالْإِجْمَاعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الشَّرْطُ فِي كَلَامٍ يَبْطُلُ جَمِيعُهُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَلَا تَدْخُلُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ هَذَا الْفَرْقُ) قُلْتُ: إنَّمَا نَظِيرُ عَدَمِ النُّطْقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ عَدَمُ النُّطْقِ بِالشَّرْطِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْطِقْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَاتَ مَقْصِدٌ وَإِذَا لَمْ يَنْطِقْ بِالشَّرْطِ فَاتَ مَقْصِدٌ وَقَوْلُهُ أَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلَةٌ لَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَيْسَ كَوْنُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلَةً يُوجِبُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْهُمَا وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا لَمْ يَقَعْ بَطَلَ جَمِيعُ الْمَشْرُوطِ هِيَ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ سَبَبٌ وَالسَّبَبُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَشَأْنُهُ تَعْجِيلُ النُّطْقِ بِهِ يُقَالُ لَهُ وَكَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ التَّعْجِيلَ، ثُمَّ إنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَعْطِ بَنِي تَمِيمٍ عِنْدَ تَمَامِ هَذِهِ السَّنَةِ وَفِي نَفْسِهِ إنْ أَطَاعُوا، ثُمَّ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إلَّا عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَمْ يُفْتِ بِذَلِكَ مَقْصِدٌ وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَعْطِ بَنِي تَمِيمٍ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ وَفِي نَفْسِهِ إلَّا زَيْدًا، ثُمَّ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إلَّا عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ لَمْ يُفْتِ مَقْصِدٌ وَتَكُونُ صُورَةُ النُّطْقِ بِالشَّرْطِ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا مَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ إعْطَاءِ بَنِي تَمِيمٍ عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ إنَّمَا ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ يُطِيعُوا وَصُورَةُ النُّطْقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: مَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ إعْطَاءِ بَنِي تَمِيمٍ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَدَعَ مِنْهُمْ زَيْدًا وَبِالْجُمْلَةِ كَلَامُهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ لَيْسَ بِالْجَيِّدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إذَا أُضِيفَ عَمَّ وَإِنَّمَا الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْجَمْعَ إذَا أُضِيفَ عَمَّ فَقَوْلُ الْقَائِلِ: عَبِيدِي أَحْرَارٌ لَمْ يَكُنْ الْعُمُومُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ اسْمَ جِنْسٍ أُضِيفَ وَإِنَّمَا كَانَ الْعُمُومُ لِأَنَّهُ جَمْعٌ أُضِيفَ عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْقَاعِدَةَ مَا ذَكَرَ لَا نُسَلِّمُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ مُرَادُهُمْ إذَا أُضِيفَ لِغَيْرِ الْجُمَلِ وَكَانَ مِمَّا يَنْطَلِقُ مُسَمَّاهُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ كَالْمَاءِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» ثَالِثُهَا أَنَّ كَوْنَ صِيَغِ الْعُمُومِ إنَّمَا تَعُمُّ فِيمَا أُضِيفَتْ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ عَلَى مَرَامِهِ بِوَجْهٍ بَلْ رُبَّمَا اقْتَضَى خِلَافَهُ وَذَلِكَ أَنَّ مَرَامَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ أَوْ أَيْنَ جَلَسْت وَأَنْتِ طَالِقٌ أَبَدًا فِي كَوْنِ الْعُمُومِ فِيهِمَا ثَابِتًا لِلظَّرْفِ الَّذِي هُوَ الْبِقَاعُ وَالْأَزْمِنَةُ وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَهَا وَأَنَّ الْعُمُومَ فِي الْأَوَّلِ فِي الْمَظْرُوفِ وَهُوَ الْجُلُوسُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ لَا فِي الظَّرْفِ كَمَا هُوَ فِي الثَّانِي فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ هَذَا الْبَلَدِ فَهِيَ طَالِقٌ] (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) السِّرُّ فِي فَرْقِ أَصْحَابِنَا بَيْنَ قَوْلِهِ فِي الطَّلَاقِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ قَالُوا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِلضِّيقِ بِالتَّعْمِيمِ أَوْ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ هَذِهِ الْبَلَدِ فَهِيَ طَالِقٌ قَالُوا: إنَّ الطَّلَاقَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ النِّسَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي الظِّهَارِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي قَالُوا: لَا يُلْغَى التَّعْمِيمُ هُنَا وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا مَعَ تَصْرِيحِهِ بِالْعُمُومِ فِي الْبَابَيْنِ هُوَ كَمَا فِي عبق وَالْخَرَشِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ الظِّهَارَ لَهُ فِيهِ مَخْرَجٌ بِالْكَفَّارَةِ أَيْ خُرُوجٌ بِالْكَفَّارَةِ أَوْ مَخْرَجٌ مُصَوَّرٌ بِالْكَفَّارَةِ يَنْفِي عَنْهُ ضِيقَ التَّعْمِيمِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَأَنَّ الظِّهَارَ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ كَفَّارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الْأَيْمَانِ الْمُتَعَدِّدَةِ ضِمْنًا لِأَنَّ قَوْلَهُ الْمَذْكُورَ فِي قُوَّةِ فُلَانَةُ كَظَهْرِ أُمِّي فُلَانَةَ كَظَهْرِ أُمِّي وَهَكَذَا فَلَا تُعْطَى حُكْمُ الصَّرِيحَةِ كَمَا أَنَّ كَفَّارَةَ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ كَفَّارَةٌ عَنْ الْجَمِيعِ فَافْهَمْ وَقِيلَ: سِرُّ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ الطَّلَاقَ حُكْمٌ يَثْبُتُ لِأَفْرَادِ الْعُمُومِ كَثُبُوتِ الْقَتْلِ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْحِلُّ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْبَيْعِ وَأَمَّا الظِّهَارُ فَالْكَفَّارَةُ فِيهِ لِلنُّطْقِ بِالْكَلَامِ الزُّورِ عُقُوبَةٌ لِقَائِلِهِ فَإِذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَقَدْ كَذَبَ كَذْبَةً وَاحِدَةً فَتَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَا نَظَرَ لِلْعُمُومِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْقَوْلِ الْكَذِبِ فَكَمَا لَا تَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ كُلَّ إنْسَانٍ جَمَادٌ فَإِنَّهَا كِذْبَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِعُمُومٍ أَوْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَيْسَ فِي الدَّارِ

стр. 108

وَأَمَّا الشُّرُوطُ اللُّغَوِيَّةُ فَهِيَ أَسْبَابٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالسَّبَبُ مُتَضَمِّنٌ لِمَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا نُصِّبَ شَرْطًا وَجُعِلَ عَدَمُهُ مُؤَثِّرًا فِي الْعَدَمِ فَإِذَا كَانَ مُتَضَمِّنًا لِمَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمَقَاصِدُ شَأْنُهَا تَعْجِيلُ النُّطْقِ وَشَأْنُهَا أَنْ تَعُمَّ جَمِيعَ الْجُمَلَ تَكْثِيرًا لِمَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْمَقْصِدِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ إذَا لَمْ يُعَجَّلْ بِهِ لَمْ يُفْتِ بِهِ مَقْصِدٌ بَلْ حَصَلَ مَا لَيْسَ بِمَقْصِدٍ وَذَلِكَ فَرْقٌ عَظِيمٌ وَأَمَّا إبْطَالُ جَمِيعِ الْكَلَامِ بِالشَّرْطِ فَلِأَنَّ الْإِبْطَالَ حَالَةَ النُّطْقِ بِهِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَيَسْتَتْبِعُ الشَّرْطَ فِي الْجَمِيعِ فَلَا يَبْطُلُ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ وَقَدْ يَفُوتُ الشَّرْطُ فِي الْجَمِيعِ فَيَبْطُلُ الْجَمِيعُ وَقَدْ يَفُوتُ فِي الْبَعْضِ فَيَبْطُلُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ حَالَةَ النُّطْقِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهَا الْإِبْطَالُ لَا لِلْكُلِّ وَلَا لِلْبَعْضِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَارِدِ عَلَى جَمِيعِ الْكَلَامِ يُعَدُّ النَّاطِقُ بِهِ نَادِمًا مُقَدَّمًا عَلَى الْهَذْرِ مِنْ الْقَوْلِ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ وَهَذَا فَرْقٌ عَظِيمٌ بَيْنَهُمَا فِي الْإِبْطَالِ وَعَدَمِهِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأَحْكَامِ الْجَائِزَةِ فِي الشَّرْطِ الْمُمْتَنِعَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لُغَةً وَشَرْعًا. (الْفَرْقُ السَّادِسُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى شَرْطِهِ) فَنَقُولُ: الْحُكْمُ إذَا وَرَدَ مَعَ وَصْفَيْنِ وَمَنَعَ صَاحِبُ الشَّرْعِ مِنْ الْحُكْمِ بِدُونِهِمَا بِأَيِّ طَرِيقٍ يُعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمَا سَبَبٌ وَالْأُخَرُ شَرْطٌ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّوَقُّفِ عَلَيْهِمَا وَانْتِفَاءُ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ النِّصَابَ سَبَبٌ وَالْحَوْلَ شَرْطٌ وَلِمَ لَا عَكَسْتُمْ أَوْ سَوَّيْتُمْ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا يُعْلِمُ بِأَنَّ الشَّرْطَ مُنَاسِبٌ فِي غَيْرِهِ وَالسَّبَبُ مُنَاسِبٌ فِي ذَاتِهِ فَإِنَّ النِّصَابَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْغِنَى وَنِعْمَةِ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ وَالْحَوْلُ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ مُكَمِّلٌ لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ وَنَبْسُطُ ذَلِكَ بِقَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الشَّرْعَ إذَا رَتَّبَ الْحُكْمَ عَقِيبَ أَوْصَافٍ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا مُنَاسِبَةً فِي ذَاتِهَا قُلْنَا: الْجَمِيعُ عِلَّةٌ وَلَا نَجْعَلُ بَعْضَهَا شَرْطًا كَوُرُودِ الْقِصَاصِ مَعَ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ، الْمَجْمُوعُ عِلَّةٌ وَسَبَبٌ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُنَاسِبٌ فِي ذَاتِهِ وَإِنْ كَانَ الْبَعْضُ مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ. قُلْنَا: الْمُنَاسِبُ فِي ذَاتِهِ هُوَ السَّبَبُ وَالْمُنَاسِبُ فِي غَيْرِهِ هُوَ الشَّرْطُ كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُهُ فَهَذَا ضَابِطُ الشَّرْطِ وَالسَّبَبِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَتَحْرِيرِهِ. (الْفَرْقُ السَّابِعُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ وَالْعِلَلِ الْمُجْتَمِعَةِ) إذَا وَرَدَ الْحُكْمُ عَقِيبَ أَوْصَافٍ بِمَ يُعْلَمُ أَنَّهَا أَجْزَاءُ عِلَّةٍ أَوْ أَنَّهَا عِلَلٌ مُجْتَمِعَةٌ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ عَقِيبَ أَوْصَافٍ يُنْظَرُ إنْ كَانَ صَاحِبُ الشَّرْعِ رَتَّبَ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَعَ كُلِّ وَصْفٍ مِنْهَا إذَا انْفَرَدَ قُلْنَا: هِيَ عِلَلٌ مُجْتَمِعَةٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْفَرْقُ السَّادِسُ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِيهِ وَفِي الْفَرْقِ السَّابِعِ وَالثَّامِنِ وَالتَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ صَحِيحٌ وَاضِحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَحَدٌ مِنْ أُخْوَتِك فَوَجَدَ الْجَمِيعَ فِيهَا لِاتِّحَادِ الْيَمِينِ وَالْحِنْثِ كَذَلِكَ هَا هُنَا اهـ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنْ أَنَّ الظِّهَارَ خَبَرٌ لَا إنْشَاءٌ وَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ وَنَظَرٍ كَمَا مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَالسِّرُّ فِي تَفْرِقَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَبَيْنَ مَنْ تَزَوَّجَتْ مِنْ النِّسَاءِ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَكَذَا أَيْ حَيْثُ قَالَ بِعَدَمِ تَعَدُّدِ الْكَفَّارَةِ فِي كُلٍّ، وَبِتَعَدُّدِهَا فِي مِنْ، وَكَذَا أَيْ مَعَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى هُوَ مَا فِي الْبُنَانِيِّ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ عِيَاضٌ الْفَرْقُ أَنَّ أَصْلَ وَضْعِ مَنْ وَأَيِّ لِلْآحَادِ فَعَرَضَ لَهُمَا الْعُمُومُ فَعَمَّتْ الْآحَادَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا آحَادٌ وَأَصْلُ وَضْعِ كُلٍّ لِلِاسْتِغْرَاقِ فَكَانَتْ كَالْيَمِينِ عَلَى فِعْلِ أَشْيَاءَ يَحْنَثُ بِفِعْلِ أَحَدِهَا فَحَاصِلُ كَلَامِ عِيَاضٍ أَنَّ مَنْ وَأَيِّ لِكُلِّ فَرْدٍ لَا بِقَيْدِ الْجَمْعِيَّةِ، وَمَدْلُولُ كُلٍّ كَذَلِكَ بِقَيْدِ الْجَمْعِيَّةِ مُنْضَمًّا إلَى التَّحْنِيثِ بِالْأَقَلِّ اهـ. فَلَا دَلَالَةَ لِمَنْ وَأَيُّ إلَّا عَلَى مَعْنَى الْكُلِّيَّةِ بِخِلَافِ كُلٍّ فَإِنَّ فِيهَا مَعْنَى الْكُلِّيَّةِ وَمَعْنَى الْكُلِّ الْمَجْمُوعِي فَلِذَا وَقَعَ خِلَافُ الْأَصْحَابِ فِي قَوْلِهِ لِنِسَائِهِ: كُلُّ مَنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَقَوْلُهُ لِنِسَاءٍ أَجْنَبِيَّاتٍ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ كُلَّمَا تَزَوَّجْت فَاَلَّتِي أَتَزَوَّجُهَا عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي هَلْ تَتَعَدَّدُ الْكَفَّارَةُ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ نَظَرًا لِمَعْنَى الْكُلِّيَّةِ أَوْ لَا تَتَعَدَّدُ نَظَرًا لِمَعْنَى الْكُلِّ الْمَجْمُوعِي. قَالَ الْبُنَانِيُّ: وَمَا ذَكَرَهُ خَلِيلٌ مِنْ عَدَمِ التَّعَدُّدِ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ مِثْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّعَدُّدِ فِي: كُلُّ مَنْ دَخَلَتْ. قَالَ الْبَاجِيَّ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ نَعَمْ قَدْ قِيلَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِثْلُ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْأُخْرَى فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَحْكِيَ الْخِلَافَ فِي الْفَرْعَيْنِ مَعًا أَوْ يَقْتَصِرَ عَلَى التَّعَدُّدِ فِيهِمَا أَوْ عَدَمِهِ وَإِلَّا فَكَلَامُهُ مُشْكِلٌ اُنْظُرْ التَّوْضِيحَ اهـ. وَقَالَ عبق وَمَا نَقَلَهُ عج عَنْ ق حَيْثُ قَالَ: لَا تَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا قَالَ: كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي أَوَّلِ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا وَلِذَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: كُلُّ مَنْ أَتَزَوَّجُهَا عَلَيْك فَهِيَ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِتَزَوُّجِ وَاحِدَةٍ عَلَى الْمُعْتَمَدِ كَمَا يُفِيدُهُ ق اهـ هُوَ الْمُعْتَمَدُ لَا مَا نَقَلَهُ عَنْ الْجَلَّابِ وَأَبِي الْحَسَنِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ: كُلَّمَا تَزَوَّجْت فَاَلَّتِي أَتَزَوَّجُهَا عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ فِي كُلِّ مَنْ يَتَزَوَّجُهَا كَفَّارَةٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا طَالِقٌ اهـ وَقَدْ. قَالَ عبق إذَا قَالَ لِنِسَاءٍ أَجْنَبِيَّاتٍ: إنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ فَأَنْتُنَّ عَلَيَّ

стр. 109

كَوُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ بَالَ وَلَامَسَ وَأَمْذَى فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إذَا انْفَرَدَ اسْتَقَلَّ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ وَكَإِجْبَارِ الْأَبِ لِابْنَتِهِ الْبِكْرِ مُعَلَّلٌ بِالصِّغَرِ وَالْبَكَارَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْإِجْبَارُ وَإِنْ انْفَرَدَ الصِّغَرُ وَحْدَهُ تَرَتَّبَ الْحُكْمُ وَأُجْبِرَتْ الصَّغِيرَةُ الثَّيِّبُ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَتُجْبَرُ الْبِكْرُ الْكَبِيرَةُ الْمُعَنَّسَةِ عَلَى الْخِلَافِ. وَإِنْ وَجَدْنَا صَاحِبَ الشَّرْعِ لَا يُرَتِّبُ الْحُكْمَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا قُلْنَا: هِيَ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَبِهَذَا يُعْلَمُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَهُوَ ضَابِطُهُمَا وَتَحْرِيرُهُمَا. (الْفَرْقُ الثَّامِنُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ جُزْءِ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ) فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْحُكْمِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ وَلَا عَدَمُهُ فَتَلْتَبِسُ قَاعِدَةُ جُزْءِ الْعِلَّةِ بِقَاعِدَةِ الشَّرْطِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الشَّرْطَ مُنَاسَبَتُهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَجُزْءُ الْعِلَّةِ مُنَاسَبَتُهُ فِي نَفْسِهِ كَجُزْءِ النِّصَابِ مُشْتَمِلٌ عَلَى جُزْءِ الْغِنَى فِي ذَاتِهِ وَكَأَحَدِ أَوْصَافِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُنَاسَبَةِ الْعُقُوبَةِ فِي ذَاتِهِ فَبِهَذَا يَعْرِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيُقْضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ جُزْءُ عِلَّةٍ أَوْ شَرْطٍ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالْمَانِعِ) أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَعَدَمُهُ يُوجِبُ الْعَدَمَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرْطٌ وَأَمَّا الْمَانِعُ فَهُوَ قَدْرٌ وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءً الْحُكْمَ وَانْتِهَاءَهُ كَالرَّضَاعِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً النِّكَاحَ وَيَقْطَعُ اسْتِمْرَارَهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْمَهْدِ وَتَرْضِعَ مِنْ أُمِّهِ فَتَصِيرُ أُخْتُهُ فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَالْقِسْمُ الثَّانِي يَمْنَعُ ابْتِدَاءً الْحُكْمَ دُونَ اسْتِمْرَارِهِ كَالِاسْتِبْرَاءِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً الْعَقْدَ عَلَى الْمُسْتَبْرَأَةِ فَإِنْ طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ بِأَنْ تُكْرَهَ عَلَى الزِّنَى يَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الزَّوْجِ خَشْيَةَ اخْتِلَاطِ نَسَبِهِ بِالْمُتَوَلِّدِ مِنْ الزِّنَى وَلِأَنَّهُ يُلَاعِنُ حِينَئِذٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزِّنَى وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُلَاعَنَةُ وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ فَهَذَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءً النِّكَاحَ فَقَطْ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ فَيَمْتَنِعُ فِيهِمَا أَوْ بِالثَّانِي فَلَا يَمْتَنِعُ التَّمَادِي بِخِلَافِ الْمُبَادِي وَلَهُ صُوَرٌ: الصُّورَةُ الْأُولَى وُجِدَ أَنَّ الْمَاءَ يَمْنَعُ مِنْ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ طَرَأَ الْمَاءُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ فَهَلْ يُبْطِلُهَا أَمْ لَا فِيهِ؟ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ الطَّوْلُ يَمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ ابْتِدَاءً عَلَى الصَّحِيحِ فَإِنْ طَرَأَ الطَّوْلُ بَعْدَ النِّكَاحِ لِلْأَمَةِ فَهَلْ يُبْطِلُهُ أَمْ لَا؟ خِلَافٌ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ يَمْنَعُ مِنْهُ الْإِحْرَامُ ابْتِدَاءً فَإِنْ تَقَدَّمَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ فِي زَمَنِ الْحِلِّ ثُمَّ طَرَأَ الْإِحْرَامُ الْمَانِعُ فَهَلْ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِمْرَارِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ؟ خِلَافٌ فَقِيلَ: يَجِبُ إرْسَالُهُ وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ أَوْ عُقُودٍ لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنْ تَزَوَّجَ وَاحِدَةً لَزِمَتْهُ وَلَا يُقِرُّ بِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ فَإِنْ كَفَّرَ ثُمَّ تَزَوَّجَ الْبَوَاقِيَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّ حِنْثَ الْيَمِينِ يُسْقِطُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ لِنِسَائِهِ: إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَأَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ الْجَمِيعُ إلَّا وَاحِدَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَدْخُلَ جَمِيعُهُنَّ. قَالَهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقِيلَ: يَحْنَثُ بِوَاحِدَةٍ عَلَى قَاعِدَةِ التَّحْنِيثِ بِالْبَعْضِ ذَكَرَهُ الْقَرَافِيُّ وَلَعَلَّ وَجْهَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ كَقَوْلِ خَلِيلٍ فِي الْعِتْقِ وَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْتُمَا فَدَخَلَتْ وَاحِدَةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِمَا اهـ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّهُنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَجْنَبِيَّاتٌ وَفِي الثَّانِيَةِ نِسَاؤُهُ وَلَيْسَ قَوْلُهُ إنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ مَنْ تَزَوَّجْتُهَا مِنْكُنَّ بَلْ يَلْزَمُهُ فِي هَذِهِ لِكُلٍّ مَنْ تَزَوَّجَهَا مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ لِإِيهَامِ يَمِينِهِ وَخِطَابِ كُلِّ وَاحِدَةٍ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى قَدْ أَوْقَعَ الظِّهَارَ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ فَأَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ اهـ بِتَصَرُّفٍ وَحَذْفٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَأَصْلُ مَذْهَبِنَا إلْحَاقُ الظِّهَارِ بِالْيَمِينِ بِخِلَافِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّ أَصْلَهُ إلْحَاقُهُ بِالطَّلَاقِ فَفِي الرَّهُونِيِّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ تَظَاهَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لَهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُهُ مَا نَصُّهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كَفَّارَةٌ كَمَا لَوْ قَالَ: لَهُنَّ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ الشَّيْخِ فَهُوَ عَلَى طَرَفَيْنِ وَوَاسِطَةٍ، الطَّلَاقُ طَرَفٌ وَالْيَمِينُ طَرَفٌ وَالظِّهَارُ وَهُوَ الْوَاسِطَةُ فِيهِ شَائِبَةٌ لِشَبَهِ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَهُوَ اتِّحَادُ الظِّهَارِ وَشَائِبَةٌ لِشَبَهِ الطَّلَاقِ وَهُوَ تَعَدُّدُ الْمُظَاهَرِ مِنْهُمَا ابْنُ يُونُسَ وَدَلِيلُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] الْآيَةَ فَجَمِيعُ النِّسَاءِ إذَا ظَاهَرَ مِنْهُنَّ الرَّجُلُ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَلِأَنَّ الظِّهَارَ يَمِينٌ يُكَفَّرُ كَالْإِيلَاءِ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفِّرْ عَنْ يَمِينِك» فَدَلَّ أَنَّهُ يَمِينٌ كَالْإِيلَاءِ الشَّيْخُ؛ وَلِأَنَّ الْمُرَاعَى قَوْلُ الْقَائِلِ كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ اهـ. وَقَوْلُ الْأَصْلِ وَالْفِقْهِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّكْرَارِ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْمُوجِبُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي فَرْقِ الْإِنْشَاءِ وَالْإِخْبَارِ لَكِنْ لَمَّا اشْتَهَرَ لَفْظُ الظِّهَارِ فِي مُوجِبِ الْكَفَّارَةِ لُوحِظَتْ الْكَفَّارَةُ فِي مَقْصِدِ الْمُظَاهِرِ كَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فَيَكُونُ قَدْ الْتَزَمَ تَكْرَارَهَا فِي كَلِمَةِ كُلَّمَا وَأَيِّ فَإِنَّهُمَا لِلْحُكْمِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ وَأَشَارَ بِمَنْ فِيمَنْ دَخَلَتْ مِنْكُنَّ إلَى التَّبْعِيضِ فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ.

стр. 110

(الْفَرْقُ الْعَاشِرُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ) فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ يُعْتَبَرُ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ وَوُجُودُ الشَّرْطِ أَيْضًا مُعْتَبَرٌ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ الْحُكْمُ فَقَدْ يُعْدَمُ الْحَيْضُ وَلَا تَجِبُ الصَّلَاةُ وَيُعْدَمُ الدَّيْنُ وَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ لِأَجْلِ الْإِغْمَاءِ فِي الْأَوَّلِ وَعَدَمِ النِّصَابِ فِي الثَّانِي وَكِلَاهُمَا يَلْزَمُهُ مِنْ فَقْدِهِ أَنَّهُ الْعَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّرِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ فَهُمَا فِي غَايَةِ الِالْتِبَاسِ وَلِذَلِكَ لَمْ أَجِدْ فَقِيهًا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ عَدَمُ الْمَانِعِ شَرْطٌ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالشَّرْطِ أَلْبَتَّةَ وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ بِتَقْرِيرِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ مَلْغِيٌّ فِي الشَّرِيعَةِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ حُكْمًا أَوْ فِي الشَّرْطِ لَمْ نُرَتِّبْ الْحُكْمَ أَيْضًا أَوْ فِي الْمَانِعِ رَتَّبْنَا الْحُكْمَ فَالْأَوَّلُ كَمَا إذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أَمْ لَا بَقِيَتْ الْعِصْمَةُ فَإِنَّ الطَّلَاقَ هُوَ سَبَبُ زَوَالِ الْعِصْمَةِ وَقَدْ شَكَكْنَا فِيهِ فَتُسْتَصْحَبُ الْحَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَإِذَا شَكَكْنَا هَلْ زَالَتْ الشَّمْسُ أَمْ لَا لَا تَجِبُ الظُّهْرُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَأَمَّا الشَّرْطُ فَكَمَا إذَا شَكَكْنَا فِي الطَّهَارَةِ فَإِنَّا لَا نُقْدِمُ عَلَى الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْمَانِعُ فَكَمَا إذَا شَكَكْنَا فِي أَنَّ زَيْدًا قَبْلَ وَفَاتِهِ ارْتَدَّ أَمْ لَا فَإِنَّا نُوَرِّثُ مِنْهُ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنْ الْإِرْثِ وَقَدْ شَكَكْنَا فِيهِ فَنُوَرِّثُ فَهَذِهِ قَاعِدَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ يُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ الَّذِي يُجْزَمُ بِعَدَمِهِ فَإِنْ قُلْت: كَيْفَ تَدَّعِي الْإِجْمَاعَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَذْهَبُك أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الطَّهَارَةِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ فَلِمَ يُجْعَلُ مِلْكُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ كَالْمُتَحَقِّقِ الْعَدَمِ بَلْ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵃ أَجْمَعِينَ. قُلْت: الْقَاعِدَةُ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ هُنَا عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِأَجْلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِهَا وَبَيَانُ هَذَا الْكَلَام مَعَ أَنَّهُ مُسْتَغْلِقٌ مُتَنَاقِضُ الظَّاهِرِ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى شَغْلِ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَرَاءَةُ لِلذِّمَّةِ مِنْ الْوَاجِبِ تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبٍ مُبَرِّئٍ إجْمَاعًا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ ضَرُورَةً فَالشَّكُّ فِي الطَّهَارَةِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الصَّلَاةِ الْوَاقِعَةِ سَبَبًا مُبَرِّئًا فَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ سَبَبًا مُبَرِّئًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الْحَدَثَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا مَشْكُوكًا فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ الْقَاعِدَةِ فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِمُخَالَفَتِهَا وَأَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَا يُسَاعِدُ عَلَى إعْمَالِهَا وَاعْتِبَارِهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَمَالِكٌ خَالَفَهَا فِي الْحَدَثِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي سَبَبُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ. لَكِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ إذْ لَا بُدَّ مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَإِنَّ الطَّهَارَةَ مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ وَالصَّلَاةَ مِنْ بَابِ الْمَقَاصِدِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوَسَائِلَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ فَكَانَتْ الْعِنَايَةُ بِالصَّلَاةِ وَإِلْغَاءُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَهُوَ السَّبَبُ الْمُبَرِّئُ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الطَّهَارَةِ وَإِلْغَاءِ الْحَدَثِ الْوَاقِعِ لَهَا فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَا بُدَّ فِيهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكَفَّارَةِ فِي كُلِّ بَعْضٍ مِنْكُنَّ وَأَيُّ الْأَفْرَادِ وَأَمَّا كُلٌّ فَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الْإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ وَالْكُلُّ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ النَّفْيَ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهَا كَانَ مَعْنَاهَا الْكُلَّ فَمَعْنَى مَا قَبَضَتْ كُلَّ الْمَالِ أَنَّك لَمْ تَقْبِضْ الْجَمِيعَ بَلْ الْبَعْضَ اهـ بِتَلْخِيصٍ هُوَ مَبْنِيٌّ أَيْضًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ وَلَا يَقْوَى فَرْقٌ بَيْنَ كُلَّمَا وَكُلٌّ وَفِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ كُلِّهَا وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا نَظَرٌ ظَاهِرٌ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا] (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) إذَا قَالَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَبْقَى التَّعْلِيقُ حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا بِعَقْدٍ ثَانٍ نَظَرًا لِأَمْرَيْنِ.: الْأَوَّلُ أَنَّ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ شَرْطِهِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي أَنَّ لَفْظَ التَّعْلِيقِ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمُعَلَّقِ بِالطَّلَاقِ الْمَمْلُوكِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى قَاعِدَةِ مَالِكٍ مِنْ صِحَّةِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ الْمِلْكِ فِي: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَعِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَبْقَى التَّعْلِيقُ حَتَّى يَتَزَوَّجَهَا بَلْ تَنْحَلُّ يَمِينُهُ نَظَرًا لِأَمْرَيْنِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ قَاعِدَةُ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمَّا جَعَلَ لِلْمُكَلَّفِ التَّعْلِيقَ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ مَثَلًا جَعَلَ لَهُ حِلَّ ذَلِكَ التَّعْلِيقِ بِالتَّنْجِيزِ خَاصَّةً فَإِذَا نَجَّزَ بَطَلَتْ شَرْطِيَّةُ الدُّخُولِ لِلطَّلَاقِ فَمَا وُجِدَ الْمَشْرُوطُ دُونَ شَرْطِهِ قَطُّ الثَّانِي أَنَّ لَفْظَ التَّعْلِيقِ يَقْتَضِي التَّصَرُّفَ فِي الْمَمْلُوكِ فَقَطْ لِأَنَّ طَلَاقَ الْمَرْأَةِ إنَّمَا يَكُونُ مِمَّا هِيَ مَوْثُوقَةٌ فِيهِ وَلَيْسَتْ هِيَ مَوْثُوقَةٌ إلَّا فِي عِصْمَتِهِ الْحَاضِرَةِ دُونَ غَيْرِهَا إلَّا بِدَلِيلِ الْأَصْلِ عَدَمُهُ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى مَا لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مَالِكًا لِسِتِّ طَلْقَاتٍ ثَلَاثٍ مُنَجَّزَاتٍ وَثَلَاثٍ مُعَلَّقَاتٍ وَاَلَّذِي أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُ ثَلَاثًا فَقَطْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ مِلْكِهِ لِلزَّائِدِ فَإِذَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى وُقُوعِ الْمُنَجَّزِ تَعَيَّنَ إبْطَالُ التَّعْلِيقِ فِي الْمُعَلَّقِ حَتَّى يَقَعَ فِي الْمُعَلَّقِ بَعْدَ شَرْطٍ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ الشَّرْطُ يَنْقَسِمُ إلَى مَا لَا يَقَعُ إلَّا دَفْعَةً كَالنِّيَّةِ وَإِلَى مَا لَا يَقَعُ إلَّا مُتَدَرِّجًا كَالْحَوْلِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) الشَّرْطُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مَا لَا يَقَعُ إلَّا دَفْعَةً وَاحِدَةً كَالنِّيَّةِ وَمَا لَا يَقَعُ إلَّا مُتَدَرِّجًا كَالْحَوْلِ وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَمَا يَقْبَلُ الْأَمْرَيْنِ وَعَلَى كُلٍّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ وُجُودَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ فَيَكُونُ الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْأَوَّلِ اجْتِمَاعَ أَجْزَائِهِ وَوُجُودَهَا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ لِإِمْكَانِ ذَلِكَ وَمِنْ الثَّانِي وُجُودُ آخِرِ أَجْزَائِهِ لِأَنَّ الْمُمْكِنُ فِيهِ أَمَّا وُجُودُ الْحَقِيقَةِ بِجُمْلَةِ أَجْزَائِهَا فَذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ وَمِنْ الثَّالِثِ كُلٌّ مِنْ الِاجْتِمَاعِ أَوْ الِافْتِرَاقِ لَا خُصُوصُ اجْتِمَاعِ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِلْفَخْرِ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ إذْ لَا فَرْقَ عُرْفًا فِي قَوْلِهِ إنْ أَعْطَيْتَنِي عَشَرَةَ.

стр. 111

مِنْ مُخَالَفَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَزْمًا فَلِذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا لِأَجْلِ اعْتِبَارِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا مِنْ أَيِّ الْوُجُوهِ أَوْلَى وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ فِي مُخَالَفَتِهَا فَظَهَرَ حِينَئِذٍ أَنَّ الْقَاعِدَةَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَأَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ لِمُخَالَفَتِهَا فِي هَذَا الْفَرْعِ وَتَعَذَّرَتْ مُرَاعَاتُهَا فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فَنَقُولُ لَوْ كَانَ عَدَمُ الْمَانِعِ شَرْطًا لَاجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ فِيمَا إذَا شَكَكْنَا فِي طَرَيَان الْمَانِعِ وَبَيَانُهُ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ فَمَنْ شَكَّ فِي وُجُودِ زَيْدٍ فِي الدَّارِ فَقَدْ شَكَّ فِي عَدَمِهِ مِنْ الدَّارِ بِالضَّرُورَةِ فَالشَّكُّ فِي أَحَدِ النَّقِيضَيْنِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي وُجُودِ الْمَانِعِ فَقَدْ شَكَكْنَا فِي عَدَمِهِ بِالضَّرُورَةِ وَعَدَمُهُ شَرْطٌ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ. فَنَقُولُ: قَدْ شَكَكْنَا فِي الشَّرْطِ أَيْضًا فَإِذَا اجْتَمَعَ الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ وَالشَّرْطُ اقْتَضَى شَكُّنَا فِي الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمَانِعِ أَنْ لَا نُرَتِّبَ الْحُكْمَ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاقْتَضَى شَكُّنَا فِي الْمَانِعِ أَنْ نُرَتِّبَ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْقَاعِدَةِ فَنُرَتِّبُ الْحُكْمَ وَلَا نُرَتِّبُهُ وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَإِنَّمَا جَاءَنَا هَذَا الْمُحَالُ مِنْ اعْتِقَادِنَا أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطٌ فَيَجِبُ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَإِذَا كَانَ لَيْسَ بِشَرْطٍ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (الْفَرْقُ الْحَادِيَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَوَالِي أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ مَعَ الشَّرْطِ وَبَيْنَ تَوَالِي الْمُسَبِّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ) بِنَصْبِ الْمِثَالِ وَتَحْقِيقِ الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَهَا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ وَبَانَتْ مِنْهُ وَحَرُمْت عَلَيْهِ بِهِ وَلَزِمَهُ الظِّهَارُ أَيْضًا فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَإِذَا قَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظُهْرِ أُمِّي لَمْ يَلْزَمْهُ الظِّهَارُ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ تَحْرِيمُهَا بِالطَّلَاقِ فَهُوَ صَادِقٌ فِي لَفْظِ التَّحْرِيمِ بِالظِّهَارِ فَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِكَذِبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ فَفِي الصُّورَتَيْنِ تَقَدَّمَ التَّحْرِيمُ وَلَزِمَهُ الظِّهَارُ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَرْتِيبِ الْمَشْرُوطَاتِ مَعَ الشُّرُوطِ وَتَرْتِيبِ الْمُسَبِّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَبْدِي حُرٌّ فَدَخَلَ الدَّارَ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَقُولَ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ قَبْلَ الْعِتْقِ وَلَا الْعِتْقُ قَبْلَ الطَّلَاقِ بَلْ وَقَعَا مُرَتَّبَيْنِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ دُخُولُ الدَّارِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ تَقْدِيمُ أَحَدِهِمَا وَلَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ ثُمَّ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَجَزَمْنَا أَنَّهُ طَلَّقَ بَعْدَ الْعِتْقِ وَأَنَّ الْعِتْقَ مُتَقَدِّمٌ لِأَنَّ تَقْدِيمَ سَبَبِ الْعِتْقِ هُوَ قَوْلُهُ أَنْتَ حُرٌّ اقْتَضَى تَقَدُّمَ الْعِتْقِ لِأَنَّهُ مُسَبِّبُهُ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: إنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَوَالِي أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ مَعَ الشَّرْطِ وَبَيْنَ تَوَالِي الْمُسَبِّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ) قُلْت: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ تَحْرِيمُهَا بِالطَّلَاقِ فَهُوَ صَادِقٌ فِي لَفْظِ التَّحْرِيمِ بِالظِّهَارِ فَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِكَذِبِهِ فَإِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَ لَهُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] دَرَاهِمَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَيْنَ أَنْ يُعْطِيَهَا مَجْمُوعَةً أَوْ دِرْهَمًا بَعْدَ دِرْهَمٍ بَلْ يَعُدُّ أَهْلُ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ أَنَّ مَنْ أَعْطَى كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمًا فَأَعْطَى عَشْرَةً فِي عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ مُعْطٍ لِعَشَرَةٍ وَالْأَيْمَانُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْعُرْفِ بَلْ يَصْدُقُ أَيْضًا لُغَةً عَلَى مُعْطِي الْعَشَرَةِ الدَّرَاهِمِ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَنَّهُ مُعْطٍ لِعَشَرَةٍ فَإِنَّ مُسَمَّى إعْطَائِهِ الْعَشَرَةَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ بِصِفَةِ الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ عَدَمَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ فَإِنْ جَعَلَ الْمُعَلِّقَ لِلشَّرْطِ عَدَمَهَا بِلَمْ أَوْ بِلَمَّا الْمَوْضُوعَيْنِ لِنَفْيِ الْمَاضِي أَوْ بِمَا وَبِلَيْسَ الْمَوْضُوعَيْنِ لِنَفْيِ الْحَالِ كَانَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْحَقَائِقِ مُطْلَقُ الْعَدَمِ فِي مُطْلَقِ الزَّمَانِ كَمَا قَالَ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ حَتَّى عِنْدَ اسْتِعْمَالِ لَمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عُرْفًا كَمَا إذَا قَالَ: إنْ لَمْ تَقْرَأْ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ لِأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ اسْتِيعَابُهُ الْعَدَمَ لِجَمِيعِ أَجْزَاءِ السَّنَةِ حَتَّى لَوْ قَرَأَهَا فِي آخِرِ السَّنَةِ صَدَقَ حُصُولُ قِرَاءَتِهَا وَلَمْ يَكُنْ الشَّرْطُ مُتَحَقِّقًا وَإِنْ جَعَلَ عَدَمَهَا بِلَا أَوْ بِلَنْ الْمَوْضُوعَيْنِ لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ الْمُعْتَبَرُ مِنْ الْجَمِيعِ اسْتِغْرَاقَ الْعَدَمِ لِجَمِيعِ أَزْمِنَةِ الْعُمْرِ أَوْ الزَّمَنِ الَّذِي عَيَّنَهُ الْمُعَلِّقُ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَدَمِ فِي مُطْلَقِ الزَّمَنِ خِلَافًا لِلرَّازِيِّ فِي الْمَحْصُولِ فَقَدْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنْ لَا وَلَنْ مَوْضُوعَانِ لِعُمُومِ نَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَأَنَّ لَنْ أَبْلُغَ فِي عُمُومِ النَّفْيِ لِلْمُسْتَقْبَلِ. [الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ اشْتِرَاطِ الْمَشِيئَةِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْأَفْعَالِ] (الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) وَجْهُ اسْتِدْلَالِ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] عَلَى اشْتِرَاطِ الْمَشِيئَةِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالْأَفْعَالِ مَعَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْلِيقِ لَا مُطَابِقَةً وَلَا الْتِزَامًا فَإِنَّ إلَّا لِلِاسْتِثْنَاءِ لَا لِلتَّعْلِيقِ وَأَنَّ هِيَ النَّاصِبَةُ لَا الشَّرْطِيَّةُ هُوَ أَنَّ فِي الْآيَةِ حَذْفًا وَالْمَحْذُوفُ هُوَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَالْمُسْتَثْنَى الَّذِي هُوَ حَالٌ مِنْ مَقُولِ الْقَوْلِ عَامِلَةٌ فِي أَنَّ بَعْدَ حَذْفِ الْجَارِ الَّذِي هُوَ الْبَاءُ لِحَذْفِهِ مَعَهَا كَثِيرًا، وَالتَّقْدِيرُ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا مُعَلِّقًا بِأَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فَيَكُون النَّهْيُ الْمُتَقَدِّمُ مَعَ إلَّا الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْهُ قَدْ حَصَرَا الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْحَالِ دُونَ سَائِرِ الْأَحْوَالِ فَتَخْتَصُّ هَذِهِ الْحَالُ بِالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِهَا بِالتَّحْرِيمِ وَتَرْكُ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُتْرَكُ بِهِ الْحَرَامُ إلَّا هَذِهِ الْحَالَ فَتَكُونُ وَاجِبَةً فَهَذَا مُدْرِكُ الْوُجُوبِ وَأَمَّا مُدْرِكُ التَّعْلِيقِ فَهُوَ قَوْلُنَا مُعَلَّقًا فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَلَّقَ فِي تِلْكَ الْحَالِ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّعْلِيقِ عَلَى الْمَشِيئَةِ عِنْدَ الْوَعْدِ بِالْأَفْعَالِ كَمَا أَنَّ قَوْلَك لَا تَخْرُجُ إلَّا ضَاحِكًا يُفِيدُ

стр. 112

تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي لَا نَقُولُ إنَّ الطَّلَاقَ تَقَدَّمَ عَلَى الظِّهَارِ حَتَّى نَمْنَعَهُ بَلْ الشَّرْطُ اقْتَضَاهُمَا اقْتِضَاءً وَاحِدًا فَلَا تَرْتِيبَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي تَقَدَّمَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فَقَضَيْنَا بِتَقَدُّمِهِ عَلَى الظِّهَارِ فَمَنَعَهُ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ تَرَتُّبِ أَجْزَاءِ الشَّرْطِ وَمُسَبِّبَاتِ الْأَسْبَابِ وَإِنَّمَا نَظِيرُ الْمَشْرُوطَاتِ بِشَرْطٍ وَاحِدٍ الْمُسَبِّبَاتُ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ لَا الْمُسَبِّبَاتُ لِأَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ كَمَا نَقُولُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا هَذَا اللَّفْظُ سَبَبُ تَحْرِيمِهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَسَبَبٌ لِإِبَاحَةِ أُخْتِهَا وَلَا نَقُولُ إنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بَعْدَهُ. (الْفَرْقُ الثَّانِيَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ التَّرْتِيبِ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ) قَدْ الْتَبَسَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَوَقَعَتْ مَبَاحِثُ رَدِيَّةٌ بِنَاءً عَلَى اللَّبْسِ بَيْنَهُمَا وَتَقْرِيرُ الْفَرْقِ أَنَّ الزَّمَانَ أَجْزَاؤُهُ سَيَّالَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ بِذَاتِهَا عَقْلًا مُسْتَحِيلَةُ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ أَمْسُ الدَّابِرُ مَعَ الْيَوْمِ الْحَاضِرِ وَلَا أَوَّلُ النَّهَارِ مَعَ آخِرِهِ وَلَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ وَإِنْ قَلَّ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ الزَّمَانِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الزَّمَانُ مُرَتَّبُ الْأَجْزَاءِ وَالْأَفْعَالُ وَالْأَقْوَالُ وَاقِعَةٌ فِي الزَّمَانِ وَمُنْقَسِمَةٌ عَلَى أَجْزَائِهِ فَالْوَاقِعُ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْوَاقِعِ فِي الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ وَالْوَاقِعُ مِنْهَا فِي الْحَاضِرِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْمَاضِي وَمُتَقَدِّمٌ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ أَنَّهُ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَوْ الْفِعْلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْوَاقِعِ فِي الزَّمَانِ الَّذِي بَعْدَهُ وَمُتَأَخِّرًا عَنْ الْوَاقِعِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَهُ فَظَهَرَ أَنَّ تَرْتِيبَ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ يَقْتَضِي تَرْتِيبَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا وَأَنَّ الْوَاقِعَ فِي الْمُرَتَّبِ مُرَتَّبٌ عَقْلًا لَا بِوَضْعٍ لُغَوِيٍّ اقْتَضَى ذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ الصِّرْفِ وَأَمَّا التَّرْتِيبُ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ فَهُوَ بِالْفَاءِ وَثُمَّ وَحَتَّى وَالسِّينِ وَسَوْفَ وَلَمْ وَلَا وَلَنْ وَمَا وَنَحْوِهَا. فَإِذَا قُلْت: قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو كَانَ قِيَامُ زَيْدٍ مُتَقَدِّمًا عَلَى قِيَامِ عَمْرٍو أَوْ ثُمَّ عَمْرٌو فَكَذَلِكَ مَعَ تَرَاخٍ أَوْ قَامَ الْقَوْمُ حَتَّى عَمْرٌو يَقْتَضِي أَيْضًا تَأَخُّرَ قِيَامِ عَمْرٍو بِسَبَبِ أَنَّ حَتَّى حَرْفُ غَايَةٍ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُغَيَّا لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ قَبْلَ الْغَايَةِ ثُمَّ يَصِلَ إلَيْهَا كَقَوْلِك سِرْت حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَالسَّيْرُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْفَجْرِ مُتَكَرِّرٌ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَكَذَلِكَ شَأْنُ جَمِيعِ الْغَايَاتِ وَإِذَا كَانَ قِيَامُ عَمْرٍو غَايَةً وَغَايَةُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وَآخِرُهُ فَيَكُونُ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْأَوَّلِ ضَرُورَةً وَإِذَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مِنْ أَنَّ الظِّهَارَ خَبَرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ فِيهِ نَظَرٌ. قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّانِي عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ التَّرْتِيبِ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي مِثْلِ قَاعِدَةِ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ مِنْ الْكَلَامِ أَنَّ لَهُ عَشَرَةَ مِثْلٍ فَذَكَرَهَا لَكِنَّهُ زَادَ عِنْدَ تَعْدَادِهَا التَّمْيِيزَ وَالْبَدَلَ وَلَمْ يَذْكُرْ مِثَالَيْهِمَا. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْأَمْرَ بِالضَّحِكِ حَالَةَ الْخُرُوجِ وَمِنْ هُنَا عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ لِامْرَأَتِهِ: عَلَّقْت طَلَاقَك عَلَى دُخُولِ الدَّارِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَهَا إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فِي كَوْنِهَا تَطْلُقُ بِدُخُولِ الدَّارِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ لَهَا جَعَلْت دُخُولَ الدَّارِ سَبَبًا لِطَلَاقِك فَإِنَّهَا لَمْ تَطْلُقْ بِدُخُولِ الدَّارِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْجَعْلِ التَّعْلِيقَ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إنَّمَا جَعَلَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ دُخُولَ الدَّارِ سَبَبًا لِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ بِطَرِيقٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التَّعْلِيقُ خَاصَّةً فَإِنْ أَرَادَ نَصْبَهُ بِغَيْرِ التَّعْلِيقِ كَمَا جَعَلَ صَاحِبُ الشَّرْعِ الزَّوَالَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَالْهِلَالَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الصَّوْمِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ. [الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ ذِكْر الشَّرْطُ لِلتَّعْلِيلِ دُونَ التَّعْلِيقِ] (الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ) الْأَصْلُ فِي الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ أَنْ يَكُنْ لِلتَّعْلِيقِ أَيْ جَعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ سَبَبًا فِي الْمُعَلَّقِ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لِذَاتِهِ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ كَمَا مَرَّ وَلَوْ لَمْ تَتَحَقَّقْ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ وَقَدْ يَأْتِي لِلتَّعْلِيلِ أَيْ جَعْلِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ عِلَّةً غَائِيَّةً لِلْمُعَلِّقِ بِحَيْثُ يُوجَدُ الْمُعَلِّقُ لِأَجْلِهِ وَلَا يَنْتَفِي الْمُعَلِّقُ عِنْدَ انْتِفَائِهِ مَعَ تَحَقُّقِ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَهُمَا فَيُعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الشَّرْطَ فِي التَّعْلِيقِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤] فَإِنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّكُمْ مَوْصُوفُونَ بِصِفَةٍ تَحُثُّ عَلَى الشُّكْرِ وَتَبْعَثُ عَلَيْهِ وَهِيَ الْعِبَادَةُ وَالتَّذَلُّلُ فَافْعَلُوا الشُّكْرَ فَإِنَّهُ مُتَيَسِّرٌ لِوُجُودِ سَبَبِهِ عِنْدَكُمْ وَالشُّكْرُ وَاجِبٌ مَعَ الْعِبَادَةِ وَمَعَ عَدَمِهَا وَكَمَا فِي قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ تَصْدِيقَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي ذَلِكَ حَاثٌّ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَالْكُفَّارُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ خِطَابِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ مَأْمُورُونَ بِإِكْرَامِ الضَّيْفِ مَعَ عَدَمِ هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُك: أَطِعْنِي إنْ كُنْت ابْنِي إذْ لَا تَشُكُّ فِي بُنُوَّتِهِ بَلْ تُنَبِّهُهُ عَلَى الصِّفَةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الطَّاعَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَ قَوْلُهُ تَعَالَى يَا نِسَاءُ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ] (الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] يَحْتَمِلُ وَهُوَ الْأَسْبَقُ إلَى الْفَهْمِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَفْضِيلَهُنَّ بِشَرْطِ التَّقْوَى وَالْمَعْنَى إنْ اتَّقَيْتُنَّ اللَّهَ فَلَا تَقِسْنَ بِجَمَاعَةٍ مِنْ النِّسَاءِ فَإِنَّكُنَّ أَعْظَمُ فَإِنْ اتَّقَيْتُنَّ شَرْطٌ حُذِفَ جَوَابُهُ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] كَلَامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِلْإِرْشَادِ وَالتَّهْيِيجِ بِجَعْلِ طَلَبِ الدُّنْيَا وَالْمَيْلِ إلَى مَا تَمِيلُ إلَيْهِ النِّسَاءُ لِبُعْدِهِ عَنْ مَقَامِهِنَّ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ مِنْ.

стр. 113

قُلْت سَيَقُومُ زَيْدٌ وَسَوْفَ يَقُومُ عَمْرٌو وَكَانَ قِيَامُ زَيْدٍ قَبْلَ قِيَامِ عَمْرٍو وَعَمْرٌو بَعْدَهُ لِأَنَّ سَوْفَ أَكْثَرُ تَنْفِيسًا مِنْ السِّينِ وَإِذَا قُلْت: لَمْ يَقُمْ زَيْدٌ وَلَا يَقُومُ عَمْرٌو وَلَنْ يَقُومَ كَانَ عَدَمُ قِيَامِ زَيْدٍ فِي الْمَاضِي وَعَدَمُ قِيَامِ عَمْرٍو فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ تَرَتَّبَ الْعَدَمانِ بِسَبَبِ أَنَّ لَنْ وَلَا مَوْضُوعَانِ لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَلَمْ وَلَمَّا مَوْضُوعَانِ لِنَفْيِ الْمَاضِي وَمَا وَلَيْسَ مَوْضُوعَانِ لِنَفْيِ الْحَالِ وَلَمَّا كَانَ الْمَاضِي وَالْحَالُ وَالْمُسْتَقْبَلُ مُتَرَتِّبَةً كَانَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وُقُوعِ الْعَدَمِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا دَالًّا عَلَى التَّرْتِيبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ التَّرْتِيبُ الَّذِي لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِهِ بَلْ يُسْتَفَادُ مِنْ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَرُبَّمَا اخْتَلَفَتْ فِيهِ اللُّغَاتُ وَرُبَّمَا تَبَدَّلَتْ بِالنَّقْلِ الْعُرْفِيِّ وَالْعَقْلُ لَا يَقْبَلُ الِاخْتِلَافَ وَلَا التَّبَدُّلَ إذَا تَقَرَّرَ الْفَرْقُ بَيْنَ التَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ وَبَيْنَ التَّرْتِيبِ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ فَأَذْكُرُ ثَلَاثَ مَسَائِلَ دَالَّةً عَلَى هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَأُوَجِّهُ الصَّوَابَ فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ وَمَنْ وَافَقَ الْقَوَاعِدَ وَمَنْ خَالَفَهَا. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْحَقُّ وَاتَّفَقَ الْإِمَامَانِ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ مَالِكٌ ﵀. وَفِي النَّسَقِ بِالْوَاوِ إشْكَالٌ فَحَصَلَ لَهُ فِيهَا تَوَقُّفٌ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الشَّافِعِيُّ ﵁ بَلْ أَلْزَمَ فِي الْوَاوِ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَهُوَ الْحَقُّ بِسَبَبِ أَنَّ الزَّمَانَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فَقَدْ بَانَتْ بِالطَّلْقَةِ الْأُولَى قَبْلَ نُطْقِهِ بِالطَّلْقَةِ الثَّانِيَةِ فَلَا يَلْزَمُ لِأَجْلِ الْبَيْنُونَةِ كَمَا لَوْ قَالَ: فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ فِي الْوَاوِ حِينَئِذٍ إشْكَالٌ أَصْلًا بَلْ نَجْزِمُ بِتَقَدُّمِ مَا نَطَقَ بِهِ قَبْلَهَا عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ بَعْدَهَا فَتَبِينُ فَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الْأُولَى الْمَعْطُوفُ عَلَيْهَا بِالْوَاوِ دُونَ الْمَعْطُوفَةِ بِالْوَاوِ فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمَقْطُوعُ بِهِ الَّذِي لَا تَسَعُ مُخَالَفَتُهُ وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْحَابِ إنَّهُ طَلَّقَ بِالْأُولَى ثَلَاثًا ثُمَّ فَسَّرَهُ بَعْدَهُ ذَلِكَ أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّ الثَّلَاثَ تُعْتَبَرُ بِاتِّفَاقٍ وَيَلْزَمُكُمْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْ تَبِينَ فَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا شَيْءٌ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَسْأَلَةِ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَقَوْلُهُمْ نَوَى ثُمَّ فَسَّرَ لَا يَسْتَقِيمُ بَلْ إنْ نَوَى انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ عَلَى لُزُومِ مَا نَوَاهُ فَهَذَا الْمُدْرَكُ بَاطِلٌ قَطْعًا. وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِ مَعَ عَدَمِ نِيَّتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَبَاطِلٌ أَيْضًا بِسَبَبِ فَرْقٍ عَظِيمٍ مَأْخُوذٍ مِنْ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إذَا لَحِقَ لَفْظًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ صَارَ الْمُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَشَرَةُ مُثُلٍ: (الْمِثَالُ الْأَوَّلُ) إذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا اثْنَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثَمَانِيَةٌ مَعَ أَنَّ الْأَقَارِيرَ عِنْدَ الْحُكَّامِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ وَالْحَرَجِ وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا النِّيَّاتُ وَلَا الْمَجَازَاتُ وَمَا سَبَّبَهُ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَحِقَهُ قَوْلُهُ إلَّا اثْنَيْنِ وَهُوَ كَلَامٌ لَوْ نَطَقَ بِهِ وَحْدَهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ فَيَصِيرُ الْأَوَّلُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ إقْرَارًا بِالثَّمَانِيَةِ فَقَطْ وَلَغَا اعْتِبَارُ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] التَّقْوَى وَيَحْتَمِلُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَرْبَابِ عِلْمِ الْبَيَانِ وَأَهْلِ التَّفْسِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَفْضِيلُهُنَّ عَلَى النِّسَاءِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ وَيَبْدَأُ بِالشَّرْطِ وَيَكُونُ جَوَابُهُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ دُونَ مَا قَبْلَهُ قِيلَ: وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَبْلَغُ فِي مَدْحِهِنَّ لِأَنَّهُنَّ مُتَّقِيَاتٌ وَهُوَ صَحِيحٌ لَوْ أَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ لِلْمَدْحِ لَكِنَّهَا لَمْ تَرِدْ لِذَلِكَ بَلْ الْمُرَادُ مِنْهَا دَاوَمُهُنَّ عَلَى التَّقْوَى. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَ حَذْفُ جَوَابِ الشَّرْطِ إنْ كَانَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَ) إذَا لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ مَا بَعْدَ الشَّرْطِ مِنْ الْكَلَامِ الْمَنْطُوقِ بِهِ جَوَابًا لِكَوْنِهِ مَاضِيًا مَثَلًا وَالْمَاضِي لَا يُعَلَّقُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ كَانَ الْجَوَابُ مَحْذُوفًا وَالْمَذْكُورُ دَلِيلُهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: ٤] أَيْ وَإِنْ يُكَذِّبُوك فَتَسَلَّ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِك فَتَكْذِيبُ مَنْ قَبْلَهُ سَبَبٌ لِتَسْلِيَتِهِ وَقَائِمٌ مَقَامَهُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَ حَمْلِ الْعُمُومِ عَلَى عُمُومِهِ دُونَ سَبَبِهِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَ) الْعِبْرَةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَيَسْتَدِلُّونَ أَبَدًا بِظَاهِرِ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَوْرِدِ سَبَبِهِ فَفِي الْعَزِيزِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عِنْدَ حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي السُّنَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ «ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» مَا نَصُّهُ أَيْ فِي الْقُرْآنِ فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ الِابْتِدَاءُ فِي السَّعْيِ بِالصَّفَا وَذَا وَإِنْ وَرَدَ عَنْ سَبَبٍ لَكِنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ اهـ. قَالَ الْحَنَفِيُّ: قَالَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَوَابًا لِمَنْ سَأَلَهُ فِي السَّعْيِ أَنَبْدَأُ بِالصَّفَا أَوْ بِالْمَرْوَةِ؟ وَفِي رِوَايَةٍ أَبْدَأُ وَفِي أُخْرَى نَبْدَأُ اهـ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الْبُدَاءَةِ بِالْبَسْمَلَةِ ثُمَّ بِالْحَمْدِ لَهُ فِي الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ وَإِلَّا كَانَ لَفْظُ الْأَمْرِ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ أَوْ فِيمَا يَعُمُّهُمَا فَافْهَمْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ السَّبَبُ شَرْطًا خِلَافًا لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْقَائِلِ بِذَلِكَ الْوُجُوبِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الْأَوَّابِينَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي كُلِّ أَوَّابٍ مَاضِيًا أَوْ حَاضِرًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَخَصَّصَ بِنَا لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّ صَلَاحَنَا لَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمَغْفِرَةِ فِي حَقِّ غَيْرِنَا مِنْ الْأُمَمِ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ مِنْكُمْ غَفُورًا إذْ لَا دَلِيلَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ مَا حُذِفَ جَوَابُهُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا وَالتَّقْدِيرُ إنْ تَكُونُوا.

стр. 114

عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ. (الْمِثَالُ الثَّانِي) قَوْلُ الْحَالِفِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا لَبِسْت ثَوْبًا عَامٌّ فِي ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا نَطَقَ بِقَوْلِهِ كَتَّانًا وَصَفَ الْعُمُومَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّخْصِيصِ وَلَا نِيَّةَ لَهُ اخْتَصَّ الْحِنْثُ بِثِيَابِ الْكَتَّانِ وَحْدَهَا بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَحِقَهُ كَتَّانًا وَهُوَ لَفْظٌ مُفْرَدٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَصَارَ الْأَوَّلُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ لَا يُفِيدُ إلَّا ثِيَابَ الْكَتَّانِ وَغَيْرُ ثِيَابِ الْكَتَّانِ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ فَلَا يَحْنَثُ بِهَا (الْمِثَالُ الثَّالِثُ) قَوْلُ الْقَائِلِ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُهُ حَتَّى يُعْطِيَنِي حَقِّي فَأَعْطَاهُ حَقَّهُ ثُمَّ كَلَّمَهُ لَا يَحْنَثُ إجْمَاعًا بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا كَلَّمْتُهُ وَإِنْ كَانَ يَقْتَضِي اسْتِغْرَاقَ الْأَزْمَانِ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ فَقَدْ لَحِقَهُ قَوْلُهُ حَتَّى يُعْطِيَنِي حَقِّي وَهُوَ لَفْظٌ لَوْ نَطَقَ بِهِ وَحْدَهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ فَلَمَّا لَحِقَ مَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْكَلَامِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فَقَطْ وَمَا عَدَاهَا لَا يَدْخُلُ فِي الْيَمِينِ أَلْبَتَّةَ بِاللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ. (الْمِثَالُ الرَّابِعُ) قَوْلُهُ وَاَللَّهِ: لَا كَلَّمْتُك إنْ جِئْتِنِي فِي الدَّارِ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ لِلدَّارِ طَلَاقٌ إجْمَاعًا بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَإِنْ كَانَ كَلَامًا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَحِقَ بِهِ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. (الْمِثَالُ الْخَامِسُ) لَوْ قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَاخْتَصَّ قَتْلُهُمْ بِرَمَضَانَ وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَيُقَيِّدْ بِهِ لَقُتِلُوا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ غَيْرَ أَنَّ الْمَجْرُورَ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَخَصَّصَهُ. (الْمِثَالُ السَّادِسُ) لَوْ قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ أَمَامَ زَيْدٍ لَاخْتَصَّ قَتْلُهُمْ بِتِلْكَ الْجِهَةِ وَمَنْ وُجِدَ فِي غَيْرِهَا لَا يُقْتَلُ أَلْبَتَّةَ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. (الْمِثَالُ السَّابِعُ) لَوْ قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً لَاخْتَصَّ قَتْلُهُمْ بِحَالَةِ الْعُرْيِ وَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لَقُتِلُوا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. (الْمِثَالُ الثَّامِنُ) لِيُقْتَلْ الْمُشْرِكُونَ وَزَيْدٌ أَيْ مَعَ زَيْدٍ فَلَا يُقْتَلُونَ إلَّا إذَا وُجِدُوا مَعَهُ وَاللَّفْظُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ يَقْتَضِي قَتْلَهُمْ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. (الْمِثَالُ التَّاسِعُ) اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إذْهَابًا لِغَيْظِكُمْ فَلَا يُقْتَلُونَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَلَا بِدُونِهَا وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُقْتَلُونَ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. (الْمِثَالُ الْعَاشِرُ) اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ طُلُوعَ الْفَجْرِ فَيَمْتَنِعُ قَتْلُهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الظَّرْفِ وَكَانُوا يُقْتَلُونَ قَبْلَ هَذَا الْقَيْدِ فِي جَمِيعِ الظُّرُوفِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَكَذَلِكَ الْبَدَلُ وَالتَّمْيِيزُ فَهَذِهِ اثْنَا عَشَرَ الشَّرْطُ وَالْغَايَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ وَظَرْفُ الزَّمَانِ وَظَرْفُ الْمَكَانِ وَالْمَجْرُورُ وَالْمَفْعُولُ مَعَهُ وَالْمَفْعُولُ مِنْ أَجْلِهِ وَالْحَالُ وَالْبَدَلُ وَالتَّمْيِيزُ فَإِذَا وَضَحَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِمِثْلِهَا فَنَقُولُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّ ثَلَاثًا تَفْسِيرٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ الْأَوَّلُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا تَبِينُ قَبْلَ النُّطْقِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] صَالِحِينَ فَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا وَكَانَ هُنَا لِلِاسْتِمْرَارِ فَإِنَّهُ أَمْدَحُ وَهَذَا الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ تَمَدُّحٍ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَ الْكَفَّارَاتِ هَلْ هِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ أَوْ عَلَى التَّرْتِيبِ] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَ) الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي التَّرْتِيبِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا لَمْ يَرِدْ بِهِ الْحَصْرُ فَيَكُونُ شَرْطًا مَعْنَوِيًّا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ بَلْ سَبَبًا مَعْنَوِيًّا كَمَا مَرَّ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ كَمَا فِي إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ كَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي إثْبَاتِ الْحَصْرِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ مَتَى أُرِيدَ بِهِ الْحَصْرُ فَلَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَلَا يَكُونُ شَرْطًا مَعْنَوِيًّا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ بَلْ لَا يَتَوَقَّفُ الْمَشْرُوطُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَصْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ عِنْدَ وُجُودِ الرَّجُلَيْنِ وَأَنَّ عَدَمَهُمَا لَيْسَ شَرْطًا مَعْنَوِيًّا وَكَمَا فِي قَوْلِنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْعَدَدُ زَوْجًا فَهُوَ فَرْدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَرْدًا فَهُوَ زَوْجٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا جَمَادًا فَهُوَ إمَّا نَبَاتٌ أَوْ حَيَوَانٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحَيَوَانُ نَاطِقًا فَهُوَ بَهِيمٌ فَإِنَّ عَدَمَ الزَّوْجِيَّةِ عَنْ الْعَدَدِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا فِي ثُبُوتِ الْفَرْدِيَّةِ لَهُ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ إلَّا أَنَّ إثْبَاتَ شَرْطِيَّةِ عَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ فِي الْفَرْدِيَّةِ وَعَدَمِ الْفَرْدِيَّةِ فِي الزَّوْجِيَّةِ مَثَلًا فِي هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ لَيْسَ هُوَ مُرَادَ النَّاسِ بَلْ كُلٌّ مِنْ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ زَوْجٌ وَفَرْدٌ فِي نَفْسِهِ لِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَإِنَّمَا مُرَادُ النَّاسِ هُنَا بَيَانُ انْحِصَارِ تِلْكَ الْمَادَّةِ فِي الْمَذْكُورِ بِمَعْنَى إنْ لَمْ يَكُنْ الْوَاقِعُ مِنْ الْعَدَدِ مَا هُوَ زَوْجٌ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ مَا هُوَ فَرْدٌ وَبِالْعَكْسِ وَلِذَا لَا يَقُولُونَ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا يَصِحُّ فِيهِ الْحَصْرُ لَا فِيمَا لَا يَصِحُّ فَلَا يَقُولُونَ: إنْ لَمْ يَكُنْ إنْسَانًا فَهُوَ فَرَسٌ لِعَدَمِ انْحِصَارِ الْبَاقِي مِنْ الْحَيَوَانِ بَعْدَ الْإِنْسَانِ فِي الْفَرَسِ وَلَا يَقْصِدُ النَّاسُ الشَّرْطِيَّةَ إلَّا فِي الْمَوْطِنِ الَّذِي يَقْبَلُ النَّقِيضَ وَلَا يَجْزِمُ الْعَقْلُ بِوُجُوبِ ثُبُوتِ مَعْنَاهُ لَهُ فِي نَفْسِهِ وُجُوبًا ذَاتِيًّا كَمَا هُنَا وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ فِي آيَةِ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ انْحِصَارُ الْحُجَّةِ التَّامَّةِ مِنْ الشَّهَادَةِ بَعْدَ الرَّجُلَيْنِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا حُجَّةَ تَامَّةً مِنْ الشَّهَادَةِ فِي الشَّرِيعَةِ إلَّا الرَّجُلَانِ وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ هَذَا هُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ وَأَمَّا شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَةُ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَشَهَادَةُ الْمَرْأَتَيْنِ وَحْدَهُمَا فِيمَا يَنْفَرِدَانِ فِيهِ كَالْوِلَادَةِ فَهَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى بُطْلَانِهَا إلَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ الْآيَةَ إنَّمَا سِيقَتْ فِي إثْبَاتِ الدُّيُونِ وَالْأَمْوَالِ لَا الْأَبْدَانِ وَجَمِيعُ هَذِهِ الصُّوَرِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ فَالْحَصْرُ حَقٌّ فِي الْأَمْوَالِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ.

стр. 115

بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا وَقَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ الثَّانِي مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فَلَا يُكَرُّ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْإِيقَافِ وَالْإِبْطَالِ فَتَبِينُ بِالْأَوَّلِ قَبْلَ النُّطْقِ بِالثَّانِي فَلَا يَلْزَمُ بِالثَّانِي شَيْءٌ وَهَذَا فَرْقٌ عَظِيمٌ وَمَعَ هَذَا الْفَرْقِ لَا يَثْبُتُ الْقِيَاسُ فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَيَنْبَغِي لَوْ قَضَى بِهَا قَاضٍ لَنُقِضَ قَضَاؤُهُ وَيَمْتَنِعُ التَّقْلِيدُ فِيهَا لِوُضُوحِ بُطْلَانِهَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَا يُرْوَى «أَنَّ خَطِيبًا قَالَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمِنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ» اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَقُولُ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ وَلَا دَلِيلَ فِيهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَهُ بِأَنْ يُرَتِّبَ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ وَأَنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ اللَّهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَذْكُرَ الرَّسُولَ ﵇ ثَانِيًا فَيَحْصُلُ التَّرْتِيبُ بِالتَّقْدِيمِ الدَّالِّ عَلَى الِاهْتِمَامِ وَالتَّعْظِيمِ وَقَدْ فَاتَ بِسَبَبِ جَمْعِهِمَا فِي الضَّمِيرِ فَلِذَلِكَ ذَمَّهُ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِالْوَاوِ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيثِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] قَالَ الصَّحَابَةُ ﵃: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ فَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ صَرَّحَتْ بِالتَّقْدِيمِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَلِمَ قَالَ هَذَا الْمُسْتَدِلُّ بِأَنَّ الْبُدَاءَةَ مُضَافَةٌ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَاوِ. (الْفَرْقُ الثَّالِثَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفَرْضِ الْعَيْنِ وَضَابِطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَحْقِيقُهُ بِحَيْثُ لَا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ) فَنَقُولُ: الْأَفْعَالُ قِسْمَانِ: مِنْهَا مَا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ وَمِنْهَا مَا لَا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ شَرَعَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَى الْأَعْيَانِ تَكْثِيرًا لِلْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُضُوعُ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمُهُ وَمُنَاجَاتُهُ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ وَالْمُثُولُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالتَّفَهُّمُ لِخِطَابِهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ تَتَكَرَّرُ كُلَّمَا كُرِّرَتْ الصَّلَاةُ وَالْقِسْمُ الثَّانِي كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ إذَا شَالَهُ إنْسَانٌ فَالنَّازِلُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ لَا يُحَصِّلُ شَيْئًا مِنْ الْمَصْلَحَةِ فَجَعَلَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَى الْكِفَايَةِ نَفْيًا لِلْعَبَثِ فِي الْأَفْعَالِ وَكَذَلِكَ كِسْوَةُ الْعُرْيَانِ وَإِطْعَامُ الْجِيعَانِ وَنَحْوُهُمَا فَهَذَا ضَابِطُ الْقَاعِدَتَيْنِ وَبِهِ تُعْرَفَانِ وَأَذْكُرُ أَرْبَعَ مَسَائِلَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّالِثُ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفَرْضِ الْعَيْنِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ: فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ يَكْفِي فِي سُقُوطِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ ظَنُّ الْفِعْلِ فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَا يَكْفِي الظَّنُّ فَإِنْ قِيلَ: يَتَعَذَّرُ الْقَطْعُ فَالْجَوَابُ لَا يَتَعَذَّرُ الْقَطْعُ بِالشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّهَيُّؤِ وَالِاسْتِعْدَادِ إمَّا بِتَحْصِيلِ الْغَايَةِ فَيَتَعَذَّرُ فَهَاهُنَا يَكْفِي الظَّنُّ لَا فِي الْمُقَدَّمَاتِ وَالْمَبَادِئِ وَغَيْرَ إطْلَاقِهِ لَفْظَ السُّقُوطِ عَمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّ الْوُجُوبَ تَوَجَّهَ عَلَى الْجَمِيعِ ثُمَّ سَقَطَ عَنْ الْبَعْضِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادَ بِلَفْظِ السُّقُوطِ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَأَطْلَقَ اللَّفْظَ مَجَازًا فَهُوَ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَحَدٌ وَلَا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذِهِ الصُّوَرِ وَأَمَّا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَالْيَمِينُ وَالنُّكُولُ وَغَيْرُ ذَلِكَ فَلَمْ تَكْمُلْ فِيهِ الْحُجَّةُ مِنْ الشَّهَادَةِ بَلْ إمَّا لَا شَهَادَةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ كَالْيَمِينِ وَالنُّكُولِ أَوْ بَعْضِهِ شَهَادَةٌ كَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَلَا تُوجَدُ حُجَّةٌ تَامَّةٌ إلَّا بِتِينِك الْحُجَّتَيْنِ فَإِذَا فُرِضَ عَدَمُ إحْدَاهُمَا تَعَيَّنَ الْحَصْرُ فِي الْأُخْرَى إذَا عَرَفْت هَذَا عَرَفْت أَنَّ صِيغَةَ التَّعْلِيقِ دَالَّةٌ عَلَى مَا يَعُمُّ التَّرْتِيبَ وَغَيْرَهُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ التَّرْتِيبِ فَلَا تَدُلُّ عَلَيْهِ إلَّا بَعْدَ أَنْ تَحْتَفَّ بِهَا قَرَائِنُ إذْ الدَّالُّ عَلَى الْأَعَمِّ كَالْحَيَوَانِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ كَالْإِنْسَانِ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي الْكَفَّارَاتِ إذَا وَرَدَ النَّصُّ فِيهَا بِصِيغَةِ أَوْ فَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ فِيهَا بِصِيغَةِ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ فَهِيَ عَلَى التَّرْتِيبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: مُرَادُهُمْ بِصِيغَةِ مَنْ الشَّرْطِيَّةِ دَالَّةٌ عَلَى الشَّرْطِ الْمَعْنَوِيِّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْمَشْرُوطِ لَا مُطْلَقُ الشَّرْطِ اللُّغَوِيِّ حَتَّى يَرُدَّ مَا ذَكَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الشَّرِيعَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ فِي الشَّرِيعَةِ وَلِسَانِ الْعَرَبِ) وَقَعَ بِالْمُبَايَنَةِ بَيْنَهُمَا فِي ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلَةٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ بِأَحَدِ طَرَفَيْ فِي الْإِسْنَادِ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِالشَّرْطِ فِي الزَّمَانِ خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّعْلِيقِ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا مَوْقُوفَةً عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَانَ الظَّاهِرُ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْمُتَكَلِّمِ إرَادَتَهَا وَإِنْ تَأَخَّرَتْ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ وَغَيْرِهَا كَمَا نَقَلَهُ الْعَطَّارُ عَنْ الْقَرَافِيِّ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ النُّطْقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي الزَّمَانِ عَلَى قَوْلٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ وَإِنْ حَكَى ابْنُ رُشْدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ وَأَوَّلُ مَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ إجَازَةِ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ عَامٍّ لِقَوْلِ الرَّهُونِيِّ لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ اُنْظُرْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَقْوَالِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي أَوَّلِ مَبْحَثِ الْمُخَصِّصِ نَعَمْ اشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ اهـ بِتَصَرُّفٍ. (قُلْتُ:) بَلْ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ كَمَا نَقَلَهُ شَارِحُ التَّحْرِيرِ الْأُصُولِيُّ مَا نَصُّهُ وَاشْتِرَاطُ الِاتِّصَالِ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْأَرْبَعَةُ اهـ وَلَفْظُ التَّحْرِيرِ لَنَا لَوْ تَأَخَّرَ لَمْ يُعَيِّنْ.

стр. 116

لِتَحْقِيقِ الْقَاعِدَتَيْنِ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْكِفَايَةَ وَالْأَعْيَانَ كَمَا يُتَصَوَّرَانِ فِي الْوَاجِبَاتِ يُتَصَوَّرَانِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ كَالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّشْمِيتِ وَمَا يُفْعَلُ بِالْأَمْوَاتِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ فَهَذِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَاَلَّتِي عَلَى الْأَعْيَانِ كَالْوَتْرِ وَالْفَجْرِ وَصِيَامِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالطَّوَافِ فِي غَيْرِ النُّسُكِ وَالصَّدَقَاتِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) يَكْفِي فِي سُقُوطِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ ظَنُّ الْفِعْلِ لَا وُقُوعُهُ تَحْقِيقًا. فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنَّ تِلْكَ فَعَلَتْ سَقَطَ عَنْ هَذِهِ وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ تِلْكَ أَنَّ هَذِهِ فَعَلَتْ سَقَطَ عَنْ تِلْكَ وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِعْلُ الْأُخْرَى سَقَطَ الْفِعْلُ عَنْهُمَا سُؤَالٌ إذَا كَانَ الْوُجُوبُ مُتَقَرِّرًا عَلَى جَمِيعِ الطَّوَائِفِ فَكَيْفَ سَقَطَ عَمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ يَقَعُ فِي الْفِعْلِ الْبَدَنِيِّ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْبَدَنِيَّةَ لَا يُجْزِئُ فِيهَا فِعْلُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ وَهَاهُنَا أَجْزَأَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْجِهَادِ مَثَلًا وَكَيْفَ سَوَّى الشَّرْعُ بَيْنَ مَنْ فَعَلَ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ جَوَابُهُ أَنَّ السُّقُوطَ هُنَا لَيْسَ بِنِيَابَةِ الْغَيْرِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ فِي الْقَاعِدَةِ بَلْ مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ سُقُوطُ الْوُجُوبِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لِعَدَمِ حِكْمَةِ الْوُجُوبِ لَا لِأَنَّ الْغَيْرَ نَابَ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا شَالَ زَيْدٌ الْغَرِيقَ سَقَطَ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ الْوُجُوبُ لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ لَبَقِيَ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَحِكْمَةٍ لِأَنَّ الْحِكْمَةَ حِفْظُ حَيَاةِ الْغَرِيقِ وَقَدْ حَصَلَتْ فَلَمْ تَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ حِكْمَةٌ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ لِأَجْلِهَا فَهَذَا هُوَ سَبَبُ السُّقُوطِ عَنْ غَيْرِ الْفَاعِلِ لَا النِّيَابَةُ وَالتَّسْوِيَةُ فَسَبَبُ السُّقُوطِ عَنْ الْفَاعِلِ فِعْلُهُ وَعَنْ غَيْرِ الْفَاعِلِ الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ وَأَمَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَغَيْرِ الْفَاعِلِ فَمَا ذَلِكَ إلَّا فِي مَعْنَى السُّقُوطِ لَا فِي الثَّوَابِ بَلْ الْفَاعِلُ يُثَابُ وَغَيْرُ الْفَاعِلِ لَا ثَوَابَ لَهُ عَلَى فِعْلِ الْغَيْرِ أَلْبَتَّةَ نَعَمْ إنْ كَانَ نَوَى الْفِعْلَ فَلَهُ ثَوَابُ نِيَّتِهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) نَقَلَ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ اللَّاحِقَ بِالْمُجَاهِدِينَ وَقَدْ كَانَ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ يَقَعُ فِعْلُهُ فَرْضًا بَعْدَمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَطَرَدَ غَيْرُهُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِي جَمِيعِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ كَمَنْ يَلْحَقُ بِمُجَهِّزِ الْأَمْوَاتِ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَبِالسَّاعِينَ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ مِنْ الطُّلَّابِ فَإِنَّ ذَلِكَ الطَّالِبَ يَقَعُ فِعْلُهُ وَاجِبًا وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْوُجُوبِ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ وَمَا وَقَعَتْ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْجَمِيعِ وَاجِبًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ يَتْبَعُ الْمَصَالِحَ وَيَخْتَلِفُ ثَوَابُهُمْ بِحَسَبِ مَسَاعِيهمْ. (سُؤَالٌ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَقْضٌ كَبِيرٌ عَلَى حَدِّ الْوَاجِبِ بِأَيِّ حَدٍّ حَدَّدْتُمُوهُ فَإِنَّ هَذَا اللَّاحِقَ بِالْمُجَاهِدِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ إجْمَاعًا مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ وَلَا لَوْمٍ وَلَا اسْتِحْقَاقِ عِقَابٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ وَصَفْتُمْ فِعْلَهُ بِالْوُجُوبِ فَقَدْ اجْتَمَعَ الْوُجُوبُ وَعَدَمُ الذَّمِّ عَلَى تَرْكِهِ وَذَلِكَ يُنَاقِضُ حُدُودَ الْوَاجِبِ كُلَّهَا وَهَذَا سُؤَالٌ صَعْبٌ فَيَلْزَمُ إمَّا بُطْلَانُ تِلْكَ الْحُدُودِ أَوْ بُطْلَانُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَالْكُلُّ صَعْبٌ جِدًّا وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ نَقُولَ: الْوُجُوبُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مَشْرُوطٌ بِالِاتِّصَالِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْفَاعِلِينَ فَلَا جَرَمَ إنْ تَرَكَ مَعَ الِاجْتِمَاعِ أَثِمَ وَالتَّرْكُ مَعَ الِاجْتِمَاعِ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا إذَا تَرَكَ الْجَمِيعُ وَالْعِقَابُ حِينَئِذٍ مُتَحَقِّقٌ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْوُجُوبَ الْمَشْرُوطَ بِشَرْطٍ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَاءِ ذَلِكَ الشَّرْطِ فَإِذَا كَانَ مُنْفَرِدًا. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] تَعَالَى لِبِرِّ أَيُّوبَ ﵇ أَخَذَ الضِّغْثَ وَلَمْ يَقُلْ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلِيُكَفِّرْ مُقْتَصِرًا إذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ مُخْلِصًا مَعَ اخْتِيَارِهِ الْأَيْسَرِ لَهُمْ دَائِمًا بِلَا تَفْصِيلٍ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمَنْوِيٍّ وَغَيْرِهِمَا وَأَيْضًا لَمْ يَجْزِمْ بِطَلَاقٍ وَعَتَاقٍ وَكَذِبٍ وَصِدْقٍ وَلَا عَقْدٍ وَدَفَعَ أَبُو حَنِيفَةَ عَتَبَ الْمَنْصُورِ بِلُزُومِ عَدَمِ لُزُومِ عَقْدِ الْبَيْعَةِ اهـ فَمِنْ هُنَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ: وَالْوَجْهُ تَكْذِيبُ النَّاقِلِ فَلَا يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ اهـ. وَقَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ تَقْلِيدُ رِوَايَاتِهِ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّعَالِيقِ وَغَيْرِهَا فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيَجُوزُ تَعْلِيمُهَا لِلْعَوَامِّ وَلَا يَجُوزُ الْإِفْتَاءُ بِهَا. قَالَ الْعَطَّارُ: مِمَّا لَا يَنْبَلِجُ لَهُ الصَّدْرُ خُصُوصًا فِي الطَّلَاقِ لِمَزِيدِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْأَنْكِحَةِ وَاضْطِرَابِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ يَقْضِي بِعَدَمِ تَحْرِيرِ النَّقْلِ وَإِنْ فُرِضَ صِحَّتُهُ فَتَأَمَّلْ اهـ. وَقِيلَ وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ هُوَ أَنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ لَمَّا كَانَتْ أَسْبَابًا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالسَّبَبُ مُتَضَمِّنٌ لِمَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمِ وَهُوَ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا نُصِبَ شَرْطًا وَجُعِلَ عَدَمُهُ مُؤَثِّرًا فِي الْعَدَمِ كَانَ الشَّأْنُ فِيهِ تَعْجِيلَ النُّطْقِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَضَمَّنْ لِمَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمِ وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ الْكَلَامِ مَا لَيْسَ بِمُرَادٍ عَمَّا الْمُرَادُ فَهْمُهُ مِنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَلَعَلَّهُ لَوْ بَقِيَ مَعَ الْمُرَادِ وَلَمْ يَخْرُجْ لَمْ يَخْتَلَّ الْحُكْمُ لَمْ يَكُنْ الشَّأْنُ فِيهِ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ عَدَمَ النُّطْقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ لَا يُفَوِّتُ مَقْصِدًا بِخِلَافِ عَدَمِ النُّطْقِ بِالشَّرْطِ إذْ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْطِقْ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَاتَ مَقْصِدٌ فَعَدَمُ النُّطْقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ نَظِيرُ عَدَمِ النُّطْقِ بِالشَّرْطِ وَلَيْسَ كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَضْلَةً بِمَعْنَى أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُ رُكْنَيْ الْإِسْنَادِ يُوجِبُ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْهُمَا، الْوَجْهُ الثَّانِي كَمَا قَالَ. إنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ سَبَبٌ وَالسَّبَبُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُنَاسِبًا وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَشَأْنُهُ تَعْجِيلُ النُّطْقِ بِهِ كَذَلِكَ يُقَالُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَأْنُهُ التَّعْجِيلَ ضَرُورَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ مَقْصِدَ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا عَلِمْت، الْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ: أَعْطِ بَنِي تَمِيمٍ عِنْدَ تَمَامِ هَذِهِ السَّنَةِ وَفِي نَفْسِهِ إنْ أَطَاعُوا ثُمَّ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إلَّا عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَمْ يَفُتْ بِذَلِكَ مَقْصِدٌ وَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَعْطِ بَنِي تَمِيمٍ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ وَفِي نَفْسِهِ إلَّا زَيْدًا ثُمَّ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ إلَّا عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ لَمْ يَفُتْ مَقْصِدٌ وَتَكُونُ صُورَةُ النُّطْقِ بِالشَّرْطِ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: مَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ إعْطَاءِ بَنِي تَمِيمٍ عِنْدَ رَأْسِ السَّنَةِ إنَّمَا ذَلِكَ.

стр. 117

عَنْهُمْ يَكُونُ شَرْطُ الْوُجُوبِ مَفْقُودًا فَيَذْهَبُ الْوُجُوبُ وَلَا عَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ الِاتِّصَالِ وَمَفْقُودًا عِنْدَ الِانْفِصَالِ كَمَا تَقُولُ لِزَيْدٍ: إنْ اتَّصَلَتْ بِعِصْمَةِ امْرَأَتِك أَوْ بِقَرَابَةٍ وَجَبَتْ عَلَيْك النَّفَقَةُ. وَإِنْ انْفَصَلْت مِنْهَا لَا تَجِبُ النَّفَقَةُ فَإِنْ عَاوَدْتَهَا وَجَبَتْ وَإِنْ فَارَقْتَهَا سَقَطَتْ كَذَلِكَ أَيْضًا هَاهُنَا مَتَى اجْتَمَعَ مَعَ الْقَوْمِ الْخَارِجِينَ لِلْجِهَادِ تَقَرَّرَ الْوُجُوبُ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُمْ قُلْنَا لَك ذَلِكَ فَإِذَا فَارَقَهُمْ بَطَلَ الْوُجُوبُ كَذَلِكَ أَبَدًا فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَالسُّؤَالُ جَيِّدٌ وَالْجَوَابُ جَيِّدٌ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) مُقْتَضَى مَا قَرَرْتُمْ مِنْ ضَابِطِ قَاعِدَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَقَاعِدَةِ فَرْضِ الْأَعْيَانِ أَنْ لَا تَكُونَ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَرْضَ كِفَايَةٍ وَأَنْ تُشْرَعَ إعَادَتُهَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْمَغْفِرَةُ لِلْمَيِّتِ وَلَمْ تَحْصُلْ بِالْقَطْعِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَصْلَحَةَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ إمَّا الْمَغْفِرَةُ ظَنًّا أَوْ قَطْعًا وَالثَّانِي بَاطِلٌ لِتَعَذُّرِهِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ وَقَدْ حَصَلَتْ الْمَغْفِرَةُ ظَنًّا بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى فَإِنَّ الدُّعَاءَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ فَانْدَرَجَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ وَامْتَنَعَتْ الْإِعَادَةُ لِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ مُعْتَمَدُ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ: مَالِكٌ وَلَمْ تَبْقَ إلَّا مَصْلَحَةُ تَكْثِيرِ الدُّعَاءِ وَهِيَ مَصْلَحَةٌ نَدْبِيَّةٌ غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ يُسَاعِدُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا وَلَا تَقَعُ إلَّا وَاجِبَةً وَلَا تَقَعُ مَنْدُوبَةً أَصْلًا فَامْتَنَعَتْ الْإِعَادَةُ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَهِيَ تَعَذُّرُ النَّدْبِ فِيهَا حُجَّةً عَلَيْهِ. (الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْمَشَقَّةِ الْمُسْقِطَةِ لِلْعِبَادَةِ وَالْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُسْقِطُهَا) وَتَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَشَاقَّ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ الْعِبَادَةُ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي الْبَرْدِ وَالصَّوْمِ فِي النَّهَارِ الطَّوِيلِ وَالْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُوجِبُ تَخْفِيفًا فِي الْعِبَادَةِ لِأَنَّهُ قُرِّرَ مَعَهَا وَثَانِيهِمَا الْمَشَاقُّ الَّتِي تَنْفَكُّ الْعِبَادَةُ عَنْهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: نَوْعٌ فِي الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا كَالْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ فَيُوجِبُ التَّخْفِيفَ لِأَنَّ حِفْظَ هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ سَبَبُ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَوْ حَصَّلْنَا هَذِهِ الْعِبَادَةَ لِثَوَابِهَا لَذَهَبَ أَمْثَالُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَنَوْعٌ فِي الْمَرْتَبَةِ الدُّنْيَا كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي أُصْبُعٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْفَرْقُ الرَّابِعُ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَشَقَّةِ الْمُسْقِطَةِ لِلْعِبَادَةِ وَالْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُسْقِطُهَا إلَى آخِرِ مَا قَالَ: فِي هَذَا الْقِسْمِ) قُلْتُ: التَّكْلِيفُ بِعَيْنِهِ مَشَقَّةٌ لِأَنَّهُ مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ دَوَاعِي نَفْسِهِ وَهُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ سُمِّيَ تَكْلِيفًا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ حَتَّى الْإِبَاحَةِ ثُمَّ يَخْتَصُّ غَيْرُهَا بِمَشَاقَّ بَدَنِيَّةٍ وَبَعْضُ تِلْكَ الْمَشَاقِّ هُوَ أَعْظَمُ الْمَشَاقِّ كَمَا فِي الْجِهَادِ الَّذِي فِيهِ بَذْلُ النَّفْسِ فَبِحَسَبِ ذَلِكَ انْقَسَمَتْ الْمَشَاقُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّكْلِيفِ قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِمَا يَلْزَمُهُ عَادَةً أَوْ فِي الْغَالِبِ أَوْ فِي النَّادِرِ وَقِسْمٌ لَمْ يَقَعْ التَّكْلِيفُ بِمَا يَلْزَمُهُ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ لَا بِإِسْقَاطٍ وَلَا بِتَخْفِيفٍ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَقْضَ التَّكْلِيفِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي يُؤَثِّرُ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ التَّكْلِيفَ. قَالَ: (وَثَانِيهِمَا الْمَشَاقُّ الَّتِي تَنْفَكُّ الْعِبَادَةُ عَنْهَا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ إلَى آخِرِ النَّوْعِ الثَّانِي) . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِشَرْطِ أَنْ يُطِيعُوا وَصُورَةُ النُّطْقِ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا: مَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ إعْطَاءِ بَنِي تَمِيمٍ إنَّمَا ذَلِكَ عَلَى أَنْ تَدَعَ مِنْهُمْ زَيْدًا وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِالْجَيِّدِ الْحُكْمُ الثَّانِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْفَعَ الِاسْتِثْنَاءُ جَمِيعَ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَيَبْطُلُ حُكْمُهُ فَفِي نَحْوِ لَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَمَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ الْمَالِكِيِّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا فِي مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ. قَالَ الْعَطَّارُ عَنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: إنَّ الْقَرَافِيَّ قَالَ بَعْدَ نَقْلِهِ الْأَقْرَبَ: أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ نَعَمْ صَرَّحَ السُّيُوطِيّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَوْصَيْت لَهُ بِعَشَرَةٍ إلَّا عَشَرَةً كَانَ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ فَافْهَمْ اهـ. وَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الشَّرْطُ فِي كَلَامٍ يَبْطُلُ جَمِيعُهُ بِالْإِجْمَاعِ كَقَوْلِهِ أَنْتُنَّ طَوَالِقُ إنْ دَخَلْتُنَّ الدَّارَ فَلَا تَدْخُلُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ فَيَبْطُلُ جَمِيعُ الطَّلَاقِ فِيهِنَّ وَأَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ إنْ جَاءُوك فَلَا يَجِيءُ أَحَدٌ فَيَبْطُلُ جَمِيعُ الْأَمْرِ بِسَبَبِ هَذَا الشَّرْطِ وَلَوْلَا هَذَا الشَّرْطُ لَعَمَّ الْحُكْمُ الْجَمِيعَ وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا الْحُكْمِ هُوَ أَنَّ الْإِبْطَالَ حَالَةَ النُّطْقِ بِالشَّرْطِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَقَدْ يَقَعُ الشَّرْطُ فِي الْجَمِيعِ فَلَا يَبْطُلُ مِنْ الْكَلَامِ شَيْءٌ وَقَدْ يَفُوتُ الشَّرْطُ فِي الْجَمِيعِ فَيَبْطُلُ الْجَمِيعُ وَقَدْ يَفُوتُ فِي الْبَعْضِ فَيَبْطُلُ الْبَعْضُ دُونَ الْبَعْضِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ حَالَةَ النُّطْقِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ مِنْهَا الْإِبْطَالُ لَا لِلْكُلِّ وَلَا لِلْبَعْضِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ الْوَارِدِ عَلَى جَمِيعِ الْكَلَامِ يُعَدُّ النَّاطِقُ بِهِ نَادِمًا مُقَدَّمًا عَلَى الْهَذْرِ مِنْ الْقَوْلِ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ ذَلِكَ فِي الشَّرْطِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ الْحُكْمُ الثَّالِثُ يَعُمُّ الشَّرْطُ جَمِيعَ الْجَمَلِ الْمَنْطُوقِ بِهَا قِيلَ اتِّفَاقًا وَقِيلَ: عَلَى الْأَصَحِّ وَصَحَّحَ قَالَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَصَحُّ هُوَ أَوْلَى بِالْعَوْدِ إلَى الْكُلِّ اهـ أَيْ كُلُّ الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ. قَالَ الْعَطَّارُ: وَأَمَّا الْمُفْرَدَاتُ فَفِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ مَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ فِيهَا كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الْعَلَّامَةُ الْبِرْمَاوِيُّ وَيُعْرَفُ وَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ مِنْ فَرْقِ الْمَحَلِّيِّ الْآتِي اهـ وَلَا يَعُمُّ الِاسْتِثْنَاءُ جَمِيعَ الْجُمَلِ الْمَنْطُوقِ بِهَا بَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى قَوْلِ نَحْوِ أَكْرِمْ بَنِي تَمِيمٍ وَأَكْرِمْ الْقَوْمَ وَاخْلَعْ عَلَيْهِمْ.

стр. 118

فَتَحْصِيلُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ دَرْءِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ وَخِفَّةِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ النَّوْعُ الثَّالِثُ مَشَقَّةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَمَا قَرُبَ مِنْ الْعُلْيَا أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ وَمَا قَرُبَ مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يُوجِبْهُ وَمَا تَوَسَّطَ يُخْتَلَفُ فِيهِ لِتَجَاذُبِ الطَّرَفَيْنِ لَهُ فَعَلَى تَحْرِيرِ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ تَتَخَرَّجُ الْفَتَاوَى فِي مَشَاقِّ الْعِبَادَاتِ. فَائِدَةٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: تَخْتَلِفُ الْمَشَاقُّ بِاخْتِلَافِ رُتَبِ الْعِبَادَاتِ فَمَا كَانَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَهَمُّ يُشْتَرَطُ فِي إسْقَاطِهِ أَشَدُّ الْمَشَاقِّ أَوْ أَعُمُّهَا فَإِنَّ الْعُمُومَ بِكَثْرَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْعِظَمِ كَمَا يَسْقُطُ التَّطَهُّرُ مِنْ الْخَبَثِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَهَمُّ الْعِبَادَاتِ بِسَبَبِ التَّكْرَارِ كَثَوْبِ الْمُرْضِعِ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَكَمَا سَقَطَ الْوُضُوءُ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ لِكَثْرَةِ عَدَمِ الْمَاءِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ وَمَا لَمْ تَعْظُمْ مَرْتَبَتُهُ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ تُؤَثِّرُ فِيهِ الْمَشَاقُّ الْخَفِيفَةُ وَتَحْرِيرُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَطَّرِدُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَأَبْوَابِ الْفِقْهِ فَكَمَا وُجِدَتْ الْمَشَاقُّ فِي الْوُضُوءِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ وَمُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فَكَذَلِكَ تَجِدُهُ فِي الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَوَقَانِ الْجَائِعِ لِلطَّعَامِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ وَالتَّأَذِّي بِالرِّيَاحِ الْبَارِدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ وَالْمَشْيِ فِي الْوَحْلِ وَغَضَبِ الْحُكَّامِ وَجُوعِهِمْ الْمَانِعَيْنِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْفِكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ فِي الْبَيْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. (سُؤَالٌ) مَا ضَابِطُ الْمَشَقَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي التَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنَّا إذَا سَأَلْنَا الْفُقَهَاءَ يَقُولُونَ ذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قُلْتُ: مَا قَالَهُ: فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ: (النَّوْعُ الثَّالِثُ مَشَقَّةٌ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَمَا قَرُبَ مِنْ الْعُلْيَا أَوْجَبَ التَّخْفِيفَ وَمَا قَرُبَ مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يُوجِبْهُ وَمَا تَوَسَّطَ يُخْتَلَفُ فِيهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِيهِ) قُلْتُ: هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ بِالْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّهُ بُنِيَ عَلَى التَّقْسِيمِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ثُمَّ أَدَّاهُ كَلَامُهُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ قِسْمَانِ أَوَّلَانِ وَقِسْمَانِ لَاحِقَانِ بِهِمَا ثُمَّ قِسْمٌ هُوَ الْأَخِيرُ وَهُوَ الْمُتَوَسِّطُ وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ التَّقْسِيمُ الَّذِي هُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي لَا يُفِيدُ وَإِنَّمَا الصَّوَابُ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَوْ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي الْإِسْقَاطِ أَوْ التَّخْفِيفِ وَمُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ. قَالَ: (فَائِدَةٌ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: تَخْتَلِفُ الْمَشَاقُّ بِاخْتِلَافِ رُتَبِ الْعِبَادَاتِ فَمَا كَانَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ أَهَمُّ يُشْتَرَطُ فِي إسْقَاطِهِ أَشَدُّ الْمَشَاقِّ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِيهَا) قُلْتُ: لَمْ يُجَوِّدْ مَسَاقَ هَذِهِ الْفَائِدَةِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَعْتَبِرُ فِي التَّخْفِيفِ مِنْ الْمَشَاقِّ الَّتِي لَا تَسْتَلْزِمُهَا الْعِبَادَاتُ أَشَدَّهَا وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ مِنْ تِلْكَ الْمَشَاقِّ أَشَدَّهَا وَأَخَفَّهَا وَهَذِهِ الْفَائِدَةُ أَدَّى مَحْصُولُهَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ الْعَالِمَ قَالَ بِالتَّفْصِيلِ وَهُوَ اعْتِبَارُ الْأَشَدِّ مِنْ الْمَشَاقِّ دُونَ الْأَخَفِّ فِيمَا عَظُمَتْ رُتْبَتُهُ وَاعْتِبَارُ الْأَشَدِّ وَالْأَخَفِّ فِيمَا لَمْ تَعْظُمْ رُتْبَتُهُ قَالَ: (وَتَحْرِيرُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ يَطَّرِدُ فِي الصَّلَاةِ إلَى قَوْلِهِ وَاعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (سُؤَالٌ مَا ضَابِطُ الْمَشَقَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي التَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِهَا إلَى آخِرِ جَوَابِهِ) . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إلَّا زَيْدًا نَظَرًا لِلْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَامِلَ فِي الْمُسْتَثْنَى هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَلَوْ عَادَ لِجَمِيعِ الْجُمَلِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لَلَزِمَ تَوَارُدُ عَوَامِلَ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ نَعَمْ وَجْهُ الشَّافِعِيَّةِ عَوْدُ الْمُسْتَثْنَى الْمُتَأَخِّرِ لِلْجُمَلِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَامِلَ مَا قَبْلَ إلَّا لَا إلَّا بِتَقْدِيرِ اسْتِثْنَاءٍ عَقِبَ مَا قَبْلَ الْأَخِيرَةِ وَيَكُونُ حُذِفَ مِنْ أَحَدِهِمَا لِدَلَالَةِ الْآخَرِ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا عَلَى هَذَا الْحُكْمِ قِيلَ هُوَ أَنَّ الشَّرْطَ اللُّغَوِيَّ سَبَبٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَا هُوَ كَذَلِكَ فَشَأْنُهُ أَنْ يَعُمَّ جَمِيعَ الْجُمَلِ تَكْثِيرًا لِمَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْمَقْصِدِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُتَضَمِّنًا لِمَقْصِدِ الْمُتَكَلِّمِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعُمَّ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ وَقَالَ الْمَحَلِّيُّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ هُوَ أَنَّ الشَّرْطَ لَهُ صَدْرُ الْكَلَامِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرًا لِتَوَقُّفِ الْمَشْرُوطِ عَلَى تَحَقُّقِهِ وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي اللَّفْظِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ مُتَأَخِّرٌ فِي التَّقْدِيرِ أَيْضًا لِتَوَقُّفِ الْإِخْرَاجِ عَلَى وُجُودِ الْمَخْرَجِ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَوْدِ الشَّرْطِ إلَى الْجَمِيعِ لِتَقَدُّمِهِ عَوْدُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَيْهِ مَعَ تَأَخُّرِهِ لِأَنَّ لِلتَّقَدُّمِ أَثَرًا فِي عَوْدِهِ إلَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَقَدِّمًا يَكُونُ مَا عَدَا الْأُولَى مَعْطُوفَةً عَلَى جُمْلَةِ تَقَرَّرَ لَهَا الْجَزَائِيَّةِ وَالْعَطْفُ لِلْمُشَارَكَةِ فَيُنَاسِبُ أَنْ تُشَارِكَهَا فِيمَا ثَبَتَ لَهَا بِخِلَافِ الْأَخِيرَةِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهَا لَمْ تُعْطَفْ عَلَى مَا ثَبَتَ لَهُ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُذْكَرُ بَعْدَهَا فَلَوْ عَادَ إلَى الْكُلِّ لَصَارَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مُشَارِكًا لِلْمَعْطُوفِ فِيمَا ثَبَتَ لَهُ وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ وَضُعِّفَ بِأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهِ فَقَطْ أَيْ الَّذِي قُصِدَ تَقْيِيدُهُ بِهِ فَيُمْكِنُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ قَصَدَ أَنْ يَجْعَلَهُ قَيْدًا لِبَعْضِ الْجُمَلِ لَا لِكُلِّهَا اهـ بِتَوْضِيحٍ مِنْ الْعَطَّارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى شَرْطِهِ] (الْفَرْقُ السَّادِسُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى شَرْطِهِ) كَوُجُوبِ الزَّكَاةِ عِنْدَ النِّصَابِ وَالْحَوْلِ قَالُوا: النِّصَابُ سَبَبُ الزَّكَاةِ وَالْحَوْلُ شَرْطُهَا مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي تَوَقُّفِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ عَلَيْهِمَا وَانْتِفَائِهِ عِنْدَ انْتِفَاءِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَظَرًا لِكَوْنِ السَّبَبِ كَالنِّصَابِ مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْغِنَى وَنِعْمَةِ الْمِلْكِ فِي نَفْسِهِ وَالشَّرْطُ كَالْحَوْلِ لَيْسَ مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ بَلْ فِي غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ مُكَمِّلًا لِنِعْمَةِ الْمِلْكِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ التَّنْمِيَةِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ يُوَضِّحُ ذَلِكَ قَاعِدَةُ أَنَّ الشَّرْعَ تَارَةً يُرَتِّبُ الْحُكْمَ عَقِيبَ أَوْصَافٍ تَكُونُ كُلُّهَا مُنَاسِبَةً فِي ذَاتِهَا كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ رَتَّبَ الشَّارِعُ الْقِصَاصَ عَقِيبَهُمَا فَيُجْعَلُ مَجْمُوعُهُمَا عِلَّةً وَسَبَبًا.

стр. 119

يَرْجِعُ إلَى الْعُرْفِ فَيُحِيلُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَيَقُولُونَ: لَا نَجِدُ ذَلِكَ وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ الْفُقَهَاءِ إلَّا الْعَوَامُّ وَهُمْ لَا يَصِحُّ تَقْلِيدُهُمْ فِي الدِّينِ ثُمَّ إنَّ الْفُقَهَاءَ مِنْ جُمْلَةِ أَهْلِ الْعُرْفِ فَلَوْ كَانَ فِي الْعُرْفِ شَيْءٌ لَوَجَدُوهُ مَعْلُومًا لَهُمْ أَوْ مَعْرُوفًا. (جَوَابُهُ) هَذَا السُّؤَالُ لَهُ وَقْعٌ عِنْدَ التَّحْقِيقِ وَإِنْ كَانَ سَهْلًا فِي بَادِي الرَّأْيِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَنْهُ إنْ لَمْ يَرِدْ فِيهِ الشَّرْعُ بِتَحْدِيدٍ يَتَعَيَّنُ تَقْرِيبُهُ بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ لِأَنَّ التَّقْرِيبَ خَيْرٌ مِنْ التَّعْطِيلِ فِيمَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فَنَقُولُ: يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَفْحَصَ عَنْ أَدْنَى مَشَاقِّ تِلْكَ الْعِبَادَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَيُحَقِّقَهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ اسْتِدْلَالٍ ثُمَّ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَاقِّ مِثْلُ تِلْكَ الْمَشَقَّةِ أَوْ أَعْلَى مِنْهَا جَعَلَهُ مُسْقِطًا وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مِنْهَا لَمْ يَجْعَلْهُ مُسْقِطًا مِثَالُهُ التَّأَذِّي بِالْقَمْلِ فِي الْحَجِّ مُبِيحٌ لِلْحَلْقِ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَأَيُّ مَرَضٍ آذَى مِثْلَهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ أَبَاحَ وَإِلَّا فَلَا وَالسَّفَرُ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ بِالنَّصِّ فَيُعْتَبَرُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَاقِّ. (سُؤَالٌ) آخَرُ مَا لَا ضَابِطَ لَهُ وَلَا تَحْدِيدَ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ اُقْتُصِرَ فِيهِ عَلَى أَقَلَّ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ فَمَنْ بَاعَ عَبْدًا وَاشْتَرَطَ أَنَّهُ كَاتِبٌ يَكْفِي فِي هَذَا الشَّرْطِ مُسَمَّى الْكِتَابَةِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْمَهَارَةِ فِيهَا فِي تَحْقِيقِ هَذَا الشَّرْطِ وَكَذَلِكَ شُرُوطُ السَّلَمِ فِي سَائِرِ الْأَوْصَافِ وَأَنْوَاعِ الْحِرَفِ يُقْتَصَرُ عَلَى مُسَمَّاهَا دُونَ مَرْتَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهَا وَالْقِسْمُ الْآخَرُ مَا وَقَعَ مُسْقِطًا لِلْعِبَادَاتِ لَمْ يَكْتَفِ الشَّرْعُ فِي إسْقَاطِهَا بِمُسَمَّى تِلْكَ الْمَشَاقِّ بَلْ لِكُلِّ عِبَادَةٍ مُرَتَّبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مَشَاقِّهَا الْمُؤَثِّرَةِ فِي إسْقَاطِهَا فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ. (جَوَابُهُ) الْعِبَادَاتُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَمَوَاهِبِ ذِي الْجَلَالِ وَسَعَادَةِ الْأَبَدِ فَلَا يَلِيقُ تَفْوِيتُهَا بِمُسَمَّى الْمَشَقَّةِ مَعَ يَسَارَةِ احْتِمَالِهَا وَلِذَلِكَ كَانَ تَرْكُ التَّرَخُّصِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى وَلِأَنَّ تَعَاطِيَ الْعِبَادَةِ مَعَ الْمَشَقَّةِ أَبْلُغُ فِي إظْهَارِ الطَّوَاعِيَةِ وَأَبْلُغُ فِي التَّقَرُّبِ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﵇ «أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ أَحَزُّهَا» أَيْ أَشَقُّهَا وَقَالَ: «أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك» وَأَمَّا الْمُعَامَلَاتُ فَتَحْصُلُ مَصَالِحُهَا الَّتِي بُذِلَتْ الْأَعْوَاضُ فِيهَا بِمُسَمَّى حَقَائِقِ الشَّرْعِ وَالشُّرُوطِ بَلْ الْتِزَامُ غَيْرِ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى كَثْرَةِ الْخِصَامِ وَنَشْرِ الْفَسَادِ وَإِظْهَارِ الْعِنَادِ. وَيَلْحَقُ بِتَحْرِيرِ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّغَائِرِ وَقَاعِدَةِ الْكَبَائِرِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكَبَائِرِ وَقَاعِدَةِ الْكُفْرِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ وَأَدْنَى رُتَبِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قُلْتُ: وَمَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا صَحِيحٌ. قَالَ: (سُؤَالٌ آخَرُ مَا لَا ضَابِطَ لَهُ وَلَا تَحْدِيدَ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ عَلَى قِسْمَيْنِ إلَى آخِرِ جَوَابِهِ) قُلْتُ: وَمَا قَالَهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَيَلْحَقُ بِتَحْرِيرِ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ إلَى قَوْلِهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْإِطْلَاقِ) قُلْتُ: لَيْسَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي مُجَرَّدِ الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ الْمَعْنَى عِنْدَ مَنْ قَالَ: كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرٌ إنَّمَا هُوَ مُخَالَفَةُ اللَّهِ وَمُخَالَفَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِطْلَاقِ أَمْرٌ كَبِيرٌ وَمَا أَرَاهُ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ وَالْمَعْنَى عِنْدَ مَنْ قَالَ: إنَّ مِنْ الذُّنُوبِ صَغَائِرُ وَمِنْهَا كَبَائِرُ إنَّمَا هُوَ مِنْهَا مَا الذَّمُّ عَلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُنَاسِبٌ فِي ذَاتِهِ وَتَارَةً يُرَتِّبُهُ عَقِيبَ أَوْصَافٍ يَكُونُ بَعْضُهَا مُنَاسِبًا فِي ذَاتِهِ دُونَ الْبَعْضِ كَالنِّصَابِ وَالْحَوْلِ رَتَّبَ الشَّارِعُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَقِيبَهُمَا فَيُجْعَلُ الْمُنَاسِبُ مِنْهُمَا فِي ذَاتِهِ كَالنِّصَابِ هُوَ السَّبَبُ وَالْمُنَاسِبُ مِنْهُمَا فِي غَيْرِهِ كَالْحَوْلِ هُوَ الشَّرْطُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ وَالْعِلَلِ الْمُجْتَمِعَةِ] (الْفَرْقُ السَّابِعُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ أَجْزَاءِ الْعِلَّةِ وَالْعِلَلِ الْمُجْتَمِعَةِ) وَهُوَ أَنَّ مَا يَجِبُ وُجُودُ الْمَعْلُولِ كَالْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِحَيْثُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا هُوَ جُمْلَةٌ أَوْ تَمَامُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى لَا يَكُونُ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَيُسَمَّى عِلَّةً تَامَّةً هُوَ الْعِلَلُ الْمُجْتَمِعَةُ وَمَا لَا يَجِبُ وُجُودُ الْمَعْلُولِ كَالْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِحَيْثُ يَكُونُ وَرَاءَهُ شَيْءٌ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَيُسَمَّى عِلَّةً نَاقِصَةً هِيَ أَجْزَاءُ الْعِلَّةِ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَاعِدَةُ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ عَقِيبَ أَوْصَافٍ فَإِنْ رَتَّبَ صَاحِبُ الشَّرْعِ ذَلِكَ الْحُكْمَ مَعَ كُلِّ وَصْفٍ مِنْهَا فَهِيَ عِلَلٌ مُجْتَمِعَةٌ كَوُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ بَالَ لَامَسَ وَأَمْذَى فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا إذَا انْفَرَدَ اسْتَقَلَّ بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ وَكَإِجْبَارِ الْأَبِ لِابْنَتِهِ مُعَلِّلًا بِالصِّغَرِ وَالْبَكَارَةِ عَلَى الْخِلَافِ مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا انْفَرَدَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ الْإِجْبَارُ فَتُجْبَرُ الصَّغِيرَةُ الثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ الْكَبِيرَةُ الْمُعَنَّسَةُ عَلَى الْخِلَافِ وَإِنْ لَمْ يُرَتِّبْ صَاحِبُ الشَّرْعِ الْحُكْمَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَهِيَ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ كَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ جُزْءِ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ جُزْءِ الْعِلَّةِ وَالشَّرْطِ) مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ عَدَمُ الْحُكْمِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودُ الْحُكْمِ وَلَا عَدَمُهُ هُوَ أَنَّ الشَّرْطَ مُنَاسَبَتُهُ فِي غَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَجُزْءِ الْعِلَّةِ مُنَاسَبَتُهُ فِي نَفْسِهِ كَأَحَدِ وَصْفَيْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مُنَاسَبَتِهِ الْعُقُوبَةَ فِي ذَاتِهِ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالْمَانِعِ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَالْمَانِعِ) وَهُوَ أَنَّ الشَّرْطَ لَا بُدَّ مِنْ تَقَدُّمِهِ عَلَى الْحُكْمِ وَعَدَمُهُ يُوجِبُ عَدَمَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا شَرْطٌ وَالْمَانِعُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: مَا يَمْنَعُ وُجُودُهُ وُجُودَ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً كَالرَّضَاعِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءً النِّكَاحَ وَيَقْطَعُ اسْتِمْرَارَهُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَتَزَوَّجَهَا فِي الْمَهْدِ وَتَرْضِعَ مِنْ أُمِّهِ فَتَصِيرُ أُخْتُهُ فَيَبْطُلُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا وَمَا يَمْنَعُ وُجُودُهُ وُجُودَ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً.

стр. 120

الْكَبَائِرِ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ أَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَأَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ وَهَذِهِ مَوَاضِعُ شَاقَّةُ الضَّبْطِ عَسِيرَةُ التَّحْرِيرِ وَفِيهَا غَوَامِضُ صَعْبَةٌ عَلَى الْفَقِيهِ وَالْمُفْتِي عِنْدَ حُلُولِ النَّوَازِلِ فِي الْفَتَاوَى وَالْأَقْضِيَةِ وَاعْتِبَارِ حَالِ الشُّهُودِ فِي التَّجْرِيحِ وَعَدَمِهِ وَأَنَا أَخُصُّ مِنْ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ وَمَا لَا أَعْرِفُهُ وَعَجَزَتْ قُدْرَتِي عَنْهُ فَحَظِّي مِنْهُ مَعْرِفَةُ إشْكَالِهِ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْإِشْكَالِ عِلْمٌ فِي نَفْسِهِ وَفَتْحٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَأَقُولُ: إنَّ الْكَبِيرَةَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ تَخْتَصُّ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي أَمْ لَا فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ: إنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٌ نَظَرًا إلَى مَنْ عُصِيَ بِهَا وَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ تُسَمَّى مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى صَغِيرَةً إجْلَالًا لَهُ تَعَالَى وَتَعْظِيمًا لِحُدُودِهِ مَعَ أَنَّهُمْ وَافَقُوا فِي الْجَرْحِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِمُطْلَقِ الْمَعْصِيَةِ وَأَنَّ مِنْ الذُّنُوبِ مَا يَكُونُ قَادِحًا فِي الْعَدَالَةِ وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ قَادِحًا هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْإِطْلَاقِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: بَلْ الذُّنُوبُ مُنْقَسِمَةٌ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْقَوَاعِدِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] فَجَعَلَ الْكُفْرَ رُتْبَةً وَالْفُسُوقَ رُتْبَةً ثَانِيَةً وَالْعِصْيَانَ يَلِي الْفُسُوقَ وَهُوَ الصَّغَائِرُ فَجَمَعَتْ الْآيَةُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ وَتُسَمَّى بَعْضُ الْمَعَاصِي فِسْقًا دُونَ الْبَعْضِ وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ ﵇ «الْكَبَائِرُ سَبْعٌ» وَعَدَّهَا إلَى آخِرِهَا فَخَصَّ الْكَبَائِرَ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ وَأَمَّا الْقَوَاعِدُ فَلِأَنَّ مَا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى كَبِيرَةً تَخْصِيصًا لَهُ بِاسْمٍ يَخُصُّهُ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْكَبِيرَةُ مَا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهَا وَالصَّغِيرَةُ مَا قَلَّتْ مَفْسَدَتُهَا فَيَكُونُ ضَابِطُ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ أَنْ يُحْفَظَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ فَيُلْحَقَ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ وَمَا قَصُرَ عَنْهُ فِي الْمَفْسَدَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بِهِ إنْ نَفَذَ عَلَى مُرْتَكِبِهِ الْوَعِيدُ أَشَدُّ وَمِنْهَا مَا الذَّمُّ عَلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ بِهِ إنْ نَفَذَ عَلَى مُرْتَكِبِهِ الْوَعِيدُ أَخَفُّ وَمَا أَرَاهُ يُخَالِفُ فِي هَذَا أَيْضًا أَحَدٌ فَلَا خِلَافَ إذًا فَإِنَّ الْمَعْنَيَيْنِ مُتَغَايِرَانِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْخِلَافُ فِي الْمَعْنَى فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا فِي اللَّفْظِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ كَرَاهِيَةِ تَسْمِيَةِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى صَغِيرَةً إجْلَالًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحُدُودِهِ فَيَئُولُ الْأَمْرُ إلَى مَنْعِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إلَّا فِي مَحَلِّ تَبَيُّنِ تَفَاوُتِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ إنْ نَفَذَ الْوَعِيدُ وَإِلَى تَجْوِيزِ ذَلِكَ الْإِطْلَاقِ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ. قَالَ: (وَقَالَ: بَعْضُهُمْ بَلْ الذُّنُوبُ مُنْقَسِمَةٌ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ تَخْصِيصُ الْكَبَائِرِ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ) قُلْتُ: مَا أَوْرَدَهُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَوَاهِرُ وَلَعَلَّ الْمَرَامَ الْقَطْعُ فِي الْمَسْأَلَةِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ الْمَعْنَى وَهُوَ تَفَاوُتُ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ. قَالَ: (وَأَمَّا الْقَوَاعِدُ فَلِأَنَّ مَا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى كَبِيرَةً إلَى قَوْلِهِ وَالصَّغِيرَةُ مَا قَلَّتْ مَفْسَدَتُهَا) قُلْتُ: الْقَوَاعِدُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ تَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الذُّنُوبِ فِي الذَّمِّ وَالْعِقَابِ إنْ نَفَذَ الْوَعِيدُ. قَالَ: (فَيَكُونُ ضَابِطُ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ أَنْ يُحْفَظَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ فَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ وَمَا قَصُرَ عَنْهُ فِي الْمَفْسَدَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَقَطْ كَالِاسْتِبْرَاءِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ عَلَى الْمُسْتَبْرَأَةِ وَلَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ بِأَنْ تُكْرَهُ الزَّوْجَةُ عَلَى الزِّنَا فَيَجِبُ اسْتِبْرَاؤُهَا عَلَى الزَّوْجِ خَشْيَةَ اخْتِلَاطِ نَسَبِهِ بِالْمُتَوَلِّدِ مِنْ الزِّنَا وَلِأَنَّهُ يُلَاعِنُ حِينَئِذٍ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ الزِّنَا وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْمُلَاعَنَةُ وَمَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِ وُجُودِهِ يَمْنَعُ وُجُودَ الْحُكْمِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً كَالْأَوَّلِ أَوْ ابْتِدَاءً فَقَطْ كَالثَّانِي وَلَهُ ثَلَاثُ صُوَرٍ: أَحَدُهَا الْمَاءُ يَمْنَعُ وُجُودَهُ مِنْ التَّيَمُّمِ ابْتِدَاءً وَفِي مَنْعِهِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ إذْ طَرَأَ عَلَيْهِ فَيُبْطِلُهَا أَمْ لَا فَلَا يُبْطِلُهَا خِلَافٌ، الثَّانِيَةُ الطَّوْلُ يَمْنَعُ مِنْ نِكَاحِ الْأَمَةِ ابْتِدَاءً عَلَى الصَّحِيحِ وَفِي مَنْعِهِ بَعْدَ نِكَاحِ الْأَمَةِ إذَا طَرَأَ عَلَيْهِ فَيُبْطِلُهُ أَوْ لَا فَلَا يُبْطِلُهُ خِلَافٌ، الثَّالِثَةُ الْإِحْرَامُ يَمْنَعُ مِنْ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ ابْتِدَاءً وَفِي مَنْعِهِ إذَا طَرَأَ عَلَى وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الصَّيْدِ فِي زَمَنِ الْحِلِّ فَيَجِبُ إرْسَالُهُ أَمْ لَا فَلَا يَجِبُ إرْسَالُهُ خِلَافٌ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ] (الْفَرْقُ الْعَاشِرُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الشَّرْطِ وَعَدَمِ الْمَانِعِ) مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَدَمِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الشَّرْطِ مُعْتَبَرٌ فِي تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّرِهِ وُجُودُهُ وَلَا عَدَمُهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَيْضَ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَبِعَدَمِهِ لَا تَجِبُ لِأَجْلِ الْإِغْمَاءِ وَأَنَّ عَدَمَ الدَّيْنِ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَلَا تَجِبُ بِهِ لِعَدَمِ النِّصَابِ فَكُلٌّ مِنْ عَدَمِ الدَّيْنِ وَعَدَمِ الْحَيْضِ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَرُّرِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ فِقْدَانِهِ الْعَدَمُ فَهُمَا فِي غَايَةِ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَنَّك لَا تَجِدُ فَقِيهًا إلَّا وَهُوَ يَقُولُ: عَدَمُ الْمَانِعِ شَرْطٌ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا أَلْبَتَّةَ وَهُوَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّقِيضِينَ فِيمَا إذَا شَكَكْنَا فِي طُرُوءِ الْمَانِعِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الشَّكَّ فِي أَحَدِ النَّقِيضِينَ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْآخَرِ بِالضَّرُورَةِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي وُجُودِ الْمَانِعِ فَقَدْ شَكَكْنَا فِي عَدَمِهِ بِالضَّرُورَةِ وَعَدَمُهُ شَرْطٌ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ فَيَجْتَمِعُ الشَّكُّ فِي الْمَانِعِ وَالشَّرْطُ وَالْقَاعِدَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا أَنَّ كُلَّ مَشْكُوكٍ فِيهِ مُلْغًى فِي الشَّرِيعَةِ فَإِذَا شَكَكْنَا فِي السَّبَبِ أَوْ فِي الشَّرْطِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ حُكْمًا أَوْ فِي الْمَانِعِ رَتَّبْنَا الْحُكْمَ فَإِذَا شَكَّ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ زَوَالِ الْعِصْمَةِ لَمْ نُرَتِّبْ عَلَيْهِ زَوَالَهَا بَلْ نَسْتَصْحِبُ الْحَالَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَكَذَا الشَّكُّ فِي زَوَالِ الشَّمْسِ يَقْتَضِي عَدَمَ وُجُوبِ الظُّهْرِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَإِذَا شَكَكْنَنَا فِي الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ لَمْ نُقَدِّمْ عَلَى الصَّلَاةِ. وَإِذَا شَكَكْنَا فِي رِدَّةِ زَيْدٍ قَبْلَ

стр. 121

فَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﵇ «قِيلَ لَهُ: مَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: ﵇ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قُلْت: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَوْفَ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك قُلْت: ثُمَّ أَيْ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ: وَمَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ» وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ وَاسْتِحْلَالُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ رَسُولُهُ ﵇ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ أَوْ رَتَّبَ عَلَيْهِ حَدًّا أَوْ عُقُوبَةً فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا سَاوَاهُ فِي الْمَفْسَدَةِ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ ﵇ جَعَلَ الْقُبْلَةَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ صَغِيرَةً» فَيَلْحَقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا فَتَكُونُ صَغِيرَةً لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ إلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ. (سُؤَالٌ) مَا ضَابِطُ قَاعِدَةِ الْإِصْرَارِ الْمُصَيِّرِ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً وَمَا عَدَدُ التَّكْرَارِ الْمُحَصِّلِ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَا ضَابِطُ قَاعِدَةِ تَنَاوُلِ الْمُبَاحَاتِ الْمُخِلَّةِ بِالشَّهَادَةِ كَالْأَكْلِ فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ جَوَابُهُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ مُلَابَسَةِ الْكَبِيرَةِ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ بِفَاعِلِهَا ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الصَّغِيرَةِ فَمَتَى حَصَلَ مِنْ تَكْرَارِهَا مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى عَدَمِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ مَا يُوجِبُ عَدَمَ الْوُثُوقِ بِهِ فِي دِينِهِ وَإِقْدَامِهِ عَلَى الْكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ قَادِحًا وَمَا لَا فَلَا وَكَذَلِكَ الْأُمُورُ الْمُبَاحَةُ مَتَى تَكَرَّرَتْ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (فَوَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﵇ قِيلَ لَهُ: مَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ إلَى قَوْلِهِ وَيَلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا سَاوَاهُ فِي الْمَفْسَدَةِ) قُلْتُ: أَمَّا الْحَدِيثَانِ فَلَيْسَ فِيهِمَا حَصْرُ الْكَبَائِرِ فِيمَا ذُكِرَ بَلْ وَقَعَ السُّؤَالُ فِي الْأَوَّلِ عَنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ وَأَمَرَ فِي الثَّانِي بِاجْتِنَابِ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ وَذَكَرَ مِنْ جُمْلَتِهَا الشِّرْكَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ فَثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ كَبَائِرُ لِذِكْرِهَا مَعَ الشِّرْكِ وَتَشْرِيكِهَا مَعَهُ فِي كَوْنِهَا مُوبِقَةً وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كُلُّ مَا نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ رَسُولُهُ ﷺ وَتَوَعَّدَ عَلَيْهِ أَوْ رَتَّبَ عَلَيْهِ حَدًّا أَوْ عُقُوبَةً فَهُوَ كَبِيرَةٌ فَهُوَ رَأْيٌ رَآهُ وَإِنَّهُ لَيَظْهَرُ صَوَابُهُ وَلَكِنْ لَا يَبْعُدُ النِّزَاعُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ. قَالَ: (وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﵇ «جَعَلَ الْقُبْلَةَ مِنْ الْأَجْنَبِيَّةِ صَغِيرَةً» فَيَلْحَقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا) قُلْتُ: إذَا ثَبَتَ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ فَالْوَجْهُ مَا قَالَ: فَتَكُونُ صَغِيرَةً لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدْلِ إلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ. قَالَ: (سُؤَالٌ مَا ضَابِطُ قَاعِدَةِ الْإِصْرَارِ الْمُصَيِّرِ لِلصَّغِيرَةِ كَبِيرَةً إلَى قَوْلِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ قَادِحًا وَمَا لَا فَلَا) قُلْتُ: مَا قَالَهُ: صَحِيحٌ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ الْأُمُورُ الْمُبَاحَةُ مَتَى تَكَرَّرَتْ) قُلْتُ: قَوْلُهُ هَذَا ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُبَاحَاتِ مَتَى تَكَرَّرَتْ أَوْجَبَتْ عَدَمَ الْوُثُوقِ مِمَّنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَكِنَّهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ مَا لَا يُبِيحُ الشَّرْعُ فِعْلَهُ بِمَحْضَرِ النَّاسِ فَفِعْلُ هَذَا مَعْصِيَةٌ لَاحِقَةٌ بِسَائِرِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفَاتِهِ فَإِنَّا نُلْغِي مَنْعَ الْكُفْرِ مِنْ الْإِرْثِ وَنُوَرِّثُ مِنْهُ اسْتِصْحَابًا بِالْأَصْلِ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ عَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ نُرَتِّبَ الْحُكْمَ وَلَا نُرَتِّبَهُ. وَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ فَبَطَلَ اعْتِقَادُ أَنَّ عَدَمَ الْمَانِعِ شَرْطٌ وَوَجَبَ أَنْ نَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَدَمِ الْمَانِعِ وَالشَّرْطِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ نَعَمْ مَحَلُّ مُرَاعَاةِ قَاعِدَةِ إلْغَاءِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ إجْمَاعًا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ إذَا لَمْ تَتَعَذَّرْ مُرَاعَاتُهَا كَذَلِكَ وَإِلَّا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا فِي وَجْهٍ لِأَجْلِ اعْتِبَارِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي وَجْهٍ آخَرَ وَذَلِكَ كَمَا فِي فَرْعِ مَنْ شَكَّ فِي الْحَدَثِ بَعْدَ تَقَرُّرِ الطَّهَارَةِ أَوْجَبَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ الْوُضُوءَ وَلَمْ يَجْعَلْ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَالْمُتَحَقِّقِ الْعَدَمِ وَخَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّ قَاعِدَةَ أَنَّ الشَّكَّ فِي الشَّرْطِ كَالطَّهَارَةِ يُوجِبُ الشَّكَّ فِي الْمَشْرُوطِ ضَرُورَةً كَالصَّلَاةِ وَأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى شَغْلِ الذِّمَّةِ بِالصَّلَاةِ وَالْبَرَاءَةُ لِلذِّمَّةِ مِنْ الْوَاجِبِ تَتَوَقَّفُ عَلَى سَبَبٍ مُبَرِّئٍ إجْمَاعًا فَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ الْمَشْكُوكَ فِيهَا بِسَبَبِ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ وَجَعَلْنَاهَا سَبَبًا مُبَرِّئًا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا الْمَشْكُوكَ فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مِنْ إلْغَاءِ كُلِّ مَشْكُوكٍ فِيهِ وَإِنْ اعْتَبَرْنَا هَذَا الْحَدَثَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ فَقَدْ اعْتَبَرْنَا مَشْكُوكًا فِيهِ وَلَمْ نُصَيِّرْهُ كَالْمُحَقَّقِ الْعَدَمِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا أَيْضًا فَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ يَلْزَمُ عَلَيْهِ مُخَالَفَةُ تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَتَعَيَّنَ الْجَزْمُ بِمُخَالَفَتِهَا وَأَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَا يُسَاعِدُ عَلَى إعْمَالِهَا وَاعْتِبَارِهَا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ فَمَالِكٌ خَالَفَهَا فِي الْحَدَثِ الرَّافِعِ لِلطَّهَارَةِ وَالشَّافِعِيُّ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ لَكِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَيَّنَتْ الْمُخَالَفَةُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَكَانَتْ الطَّهَارَةُ مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ وَالصَّلَاةُ مِنْ بَابِ الْمَقَاصِدِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوَسَائِلَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ كَانَتْ الْعِنَايَةُ بِالصَّلَاةِ وَإِلْغَاءُ الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَهُوَ السَّبَبُ الْمُبَرِّئُ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ الطَّهَارَةِ وَإِلْغَاءِ الْحَدَثِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ الرَّافِعِ لَهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُجْمَعًا عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ الضَّرُورَةَ دَعَتْ لِمُخَالَفَتِهَا فِي هَذَا الْفَرْعِ لِتَعَذُّرِ مُرَاعَاتِهَا فِيهِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ فَلِذَلِكَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى مُخَالَفَتِهَا فِي وَجْهٍ لِأَجْلِ اعْتِبَارِهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فِي وَجْهٍ آخَرَ وَإِنَّمَا يَبْقَى النَّظَرُ فِي أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي أَيِّ

стр. 122

وَمَتَى تَكَرَّرَتْ الصَّغِيرَةُ مَعَ تَخَلُّلِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ أَوْ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ عَدَمِ اشْتِمَالِ الْقَلْبِ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ إذَا تَحَرَّرَ بِالتَّقْرِيبِ الْكَبَائِرُ مِنْ الصَّغَائِرِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ فَنَرْجِعُ إلَى تَحْرِيرِ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْكُفْرُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَنَقُولُ: أَصْلُ الْكُفْرِ اهْتِضَامُ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَقَدْ يَكُونُ الِاهْتِضَامُ بِالْكَبِيرَةِ أَوْ بِالصَّغِيرَةِ وَلَيْسَتَا كُفْرًا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوُصُولِ إلَى رُتْبَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهَا أَنَّ الْكُفْرَ قِسْمَانِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَمْ لَا فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ نَحْوُ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَجَحْدُ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَجَحْدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِمَا وَالْكُفْرِ الْفِعْلِيِّ نَحْوِ إلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ وَجَحْدِ الْبَعْثِ أَوْ النُّبُوَّاتِ أَوْ وَصْفِهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ أَوْ لَا يُرِيدُ أَوْ لَيْسَ بِحَيٍّ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَكَالتَّجْسِيمِ وَأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ وَأَنَّ إرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْمَعَاصِي وَمِنْهَا مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ مُشْعِرَةٌ بِخَلَلٍ حَدَثَ لَهُ فِي عَقْلِهِ وَخَلَلُ الْعَقْلِ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ قِلَّةُ الضَّبْطِ فَلَيْسَ قَدَحُ فِعْلِ هَذِهِ الْمُبَاحَاتِ فِي الشَّهَادَةِ مِنْ الْوَجْهِ الَّتِي تَقْدَحُ فِيهَا فِعْلُ الْمُخَالَفَاتِ فَإِنَّ فِعْلَ الْمُخَالَفَاتِ قَادِحٌ فِي الْعَدَالَةِ وَفِعْلَ هَذِهِ الْمُبَاحَاتِ قَادِحٌ فِي الضَّبْطِ. قَالَ: (وَمَتَى تَكَرَّرَتْ الصَّغِيرَةُ مَعَ تَخَلُّلِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ أَوْ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ عَدَمِ اشْتِمَالِ الْقَلْبِ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ) قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُهُ مَتَى تَكَرَّرَتْ الصَّغِيرَةُ مَعَ تَخَلُّلِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ فَصَحِيحٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ أَوْ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مَعَ عَدَمِ اشْتِمَالِ الْقَلْبِ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدَةِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ تَكَرُّرَ الصَّغَائِرِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ تُوجِبُ عَدَمَ الْوُثُوقِ بِدِينِ فَاعِلهَا مِثْلُ مَا يُوجِبُ تَكَرُّرَهَا إذَا اتَّفَقَتْ مَعَ أَنَّ اشْتِرَاطَ عَدَمِ اشْتِمَالِ الْقَلْبِ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى الْعَوْدَةِ لَا يَصِحُّ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ وَلَا يَصِحُّ التَّعَبُّدُ فِي الْأُمُورِ الظَّوَاهِرِ بِمَا فِي الْبَوَاطِنِ وَالْعَدَالَةُ مِنْ ظَوَاهِرِ الْأُمُورِ لَا مِنْ بَوَاطِنِهَا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُفْتَقِرِ فِيهَا إلَى الْحُكَّامِ. قَالَ: (إذَا تَحَرَّرَ بِالتَّقْرِيبِ الْكَبَائِرُ مِنْ الصَّغَائِرِ وَأَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ فَنَرْجِعُ إلَى تَحْرِيرِ مَا يُعْلَمُ بِهِ الْكُفْرُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَنَقُولُ: أَصْلُ الْكُفْرِ اهْتِضَامُ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ) قُلْتُ: لَيْسَ الْكُفْرُ اهْتِضَامَ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ وَمَا أَرَى أَنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يَدِينُ بِالرُّبُوبِيَّةِ يَهْتَضِمُ جَانِبَهَا وَإِنْ وُجِدَ مَنْ يَهْتَضِمُ جَانِبَهَا فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ مِمَّنْ يَدِينُ بِهَا وَلَكِنَّ أَصْلَ الْكُفْرِ الْجَهْلُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. قَالَ: (فَقَدْ يَكُونُ الِاهْتِضَامُ بِالْكَبِيرَةِ أَوْ بِالصَّغِيرَةِ وَلَيْسَتَا كُفْرًا) قُلْتُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ فَاعِلَ الْكَبِيرَةِ أَوْ الصَّغِيرَةِ لَا يَفْعَلُهَا اهْتِضَامًا لِلرُّبُوبِيَّةِ وَلَا تَهَاوُنًا بِهَا وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا جَرَاءَةً عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ لِاسْتِيلَاءِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ. قَالَ: (بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْوُصُولِ إلَى رُتْبَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ الْكُفْرَ قِسْمَانِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ إلَى قَوْلِهِ أَوْ لَيْسَ بِحَيٍّ وَنَحْوِهِ) قُلْتُ: مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَّفَقِ عَلَى أَنَّهَا كُفْرٌ هُوَ كَمَا ذَكَرَ. قَالَ: (وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَكَالتَّجْسِيمِ إلَى قَوْلِهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْوُجُوهِ أَوْلَى وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَرْجَحُ فِي مُخَالَفَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَوَالِي أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ مَعَ الشَّرْطِ وَبَيْنَ تَوَالِي الْمُسَبِّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ] (الْفَرْقُ الْحَادِيَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ تَوَالِي أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ مَعَ الشَّرْطِ وَبَيْنَ تَوَالِي الْمُسَبِّبَاتِ مَعَ الْأَسْبَابِ) وَهُوَ أَنَّ الْمَشْرُوطَاتِ الْمُتَعَدِّدَةَ لِشَرْطٍ وَاحِدٍ إنَّمَا يَقْتَضِيهَا اقْتِضَاءً وَاحِدًا بِحَيْثُ لَا يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بَيْنَهَا فَهِيَ نَظِيرُ الْمُسَبِّبَاتِ لِسَبَبٍ وَاحِدٍ فَكَمَا تَقُولُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنَّ هَذَا اللَّفْظَ سَبَبُ تَحْرِيمِهَا إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَسَبَبٌ لِإِبَاحَةِ أُخْتِهَا وَلَا نَقُولُ: إنَّ أَحَدَ الْحُكْمَيْنِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ نَقُولُ إذَا قَالَ: إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَتَزَوَّجَهَا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ بَائِنًا لِأَنَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِهِ وَلَزِمَهُ الظِّهَارُ أَيْضًا فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا لَا يَطَؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ وَلَا نَقُولُ: إنَّ الطَّلَاقَ تَقَدَّمَ عَلَى الظِّهَارِ حَتَّى نَمْنَعَهُ بِخِلَافِ الْمُسَبِّبَاتِ لِأَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ كَمَا فِي قَوْلِهِ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَإِنَّا نَقُولُ فِيهِ: إنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ لَمَّا تَقَدَّمَ عَلَى سَبَبِ الْكَفَّارَةِ الَّذِي هُوَ الظِّهَارُ اقْتَضَى أَنْ نَقْضِيَ بِعَدَمِ لُزُومِ الظِّهَارِ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُ تَحْرِيمُهَا بِالطَّلَاقِ فَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ إمَّا لِأَنَّ الظِّهَارَ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا بِنَاءً عَلَى مَا لِلْجُمْهُورِ مِنْ أَنَّ صِيغَتَهُ إنْشَاءٌ لَا خَبَرٌ وَإِمَّا لِأَنَّهُ صَادِقٌ فِي لَفْظِ التَّحْرِيمِ بِالظِّهَارِ بِنَاءً عَلَى مَا لِلْأَصْلِ مِنْ أَنَّ صِيغَتَهُ خَبَرٌ لَا إنْشَاءٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ التَّرْتِيبِ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ التَّرْتِيبِ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ وَالتَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ) وَهُوَ أَنَّ التَّرْتِيبَ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ كَالْفَاءِ وَثُمَّ وَحَتَّى وَالسِّينِ وَسَوْفَ وَلَمْ وَلَا وَلَنْ وَمَا وَنَحْوِهَا لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِهِ بَلْ يُسْتَفَادُ مِنْ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَرُبَّمَا اخْتَلَفَ فِيهِ اللُّغَاتُ وَرُبَّمَا تَبَدَّلَتْ بِالنَّقْلِ الْعُرْفِيِّ بِخِلَافِ التَّرْتِيبِ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ فَإِنَّهُ بِالْعَقْلِ الصِّرْفِ فَيَقْتَضِي تَرْتِيبُ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ تَرْتِيبَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا تَرْتِيبًا لَا يَقْبَلُ الِاخْتِلَافَ وَلَا التَّبَدُّلَ لِأَنَّ الزَّمَانَ أَجْزَاؤُهُ سَيَّالَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ بِذَاتِهَا عَقْلًا مُسْتَحِيلَةُ الِاجْتِمَاعِ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوجَدَ أَمْسُ الدَّابِرُ مَعَ الْيَوْمِ الْحَاضِرِ وَلَا أَوَّلُ النَّهَارِ مَعَ آخِرِهِ وَلَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ وَإِنْ قَلَّ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْزَاءِ الزَّمَانِيَّةِ وَالْأَفْعَالُ وَالْأَقْوَالُ وَاقِعَةٌ فِي الزَّمَانِ وَمُنْقَسِمَةٌ عَلَى أَجْزَائِهِ. فَإِذَا اشْتَمَلَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الزَّمَانِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ أَوْ الْفِعْلُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْوَاقِعِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي بَعْدَهُ وَمُتَأَخِّرًا عَنْ الْوَاقِعِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي قَبْلَهُ وَيَقْتَضِي

стр. 123

بِوَاجِبَةِ النُّفُوذِ وَأَنَّهُ تَعَالَى فِي جِهَةٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَزِّهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ اعْتِقَادَاتِ أَرْبَابِ الْأَهْوَاءِ فَلِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْأَشْعَرِيِّ فِيهِمْ قَوْلَانِ بِالتَّكْفِيرِ وَعَدَمِهِ. وَفِي التَّكْفِيرِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ قَوْلَانِ قَالَ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَيْسَ كُفْرًا وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ كُفْرٌ وَقَالَ: الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مَنْ كَفَّرَ جُمْلَةَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ تَكْفِيرَهُمْ يَلْزَمُ مِنْهُ إبْطَالُ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهُمْ أَصْلُهَا وَعَنْهُمْ أُخِذَتْ وَقَالَ: الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ إرَادَةُ الْكُفْرِ كُفْرٌ وَبِنَاءُ كَنِيسَةٍ يَكْفُرُ فِيهَا بِاَللَّهِ كُفْرٌ لِأَنَّهُ إرَادَةُ الْكُفْرِ وَمَنْ قَتَلَ نَبِيًّا بِقَصْدِ إمَاتَةِ شَرِيعَتِهِ مَعَ تَصْدِيقِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَعَلَّ غَيْرَ الْقَاضِي وَالْأَشْعَرِيِّ يُوَافِقُهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَمِنْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فِيمَا عَلِمْت قَضِيَّةُ إبْلِيسَ وَأَنَّهُ كَفَرَ بِهَا وَلَيْسَ الْكُفْرُ بِسَبَبِ تَرْكِ السُّجُودِ وَمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَإِلَّا كَانَ يَلْزَمُ أَنَّ كُلَّ عَاصٍ كَافِرٌ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا كُفْرُ إبْلِيسَ بِنِسْبَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الْجَوْرِ وَأَنَّهُ أَمَرَ بِالسُّجُودِ لِمَنْ هُوَ أَوْلَى أَنْ يَسْجُدَ لَهُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَدْلًا لِقَوْلِهِ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَهَذَا مِنْهُ إشَارَةٌ إلَى التَّجْوِيرِ وَالتَّسْفِيهِ وَمَنْ نَسَبَ اللَّهَ تَعَالَى إلَى ذَلِكَ فَلَا شَكَّ فِي كُفْرِهِ فَهَذِهِ الْجَرَاءَةُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى هِيَ سَبَبُ كُفْرِهِ وَلَا يُقَالُ: إنَّمَا كَفَرَ بِسَبَبِ الْكِبْرِ عَلَى آدَمَ لِقَوْلِهِ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مُتَكَبِّرٍ كَافِرٌ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ نَعَمْ أَنَّ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ أَنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ فِي أَوَامِرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ وَبِالْجُمْلَةِ فَعَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَسْتَقْرِئَ كُتُبَ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يُكْفَرُ بِهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَإِذَا كَمُلَ اسْتِقْرَاؤُهُ نَظَرَ إلَى أَقْرَبِهَا إلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِالنَّظَرِ السَّدِيدِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْفُقَهَاءِ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ فِي مَسَائِلِ التَّكْفِيرِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَلَعَلَّ غَيْرَ الْقَاضِي وَالْأَشْعَرِيِّ يُوَافِقُهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ) قُلْتُ: ذَلِكَ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ. قَالَ: (وَمِنْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فِيمَا عَلِمْتُهُ قَضِيَّةُ إبْلِيسَ إلَى قَوْلِهِ نَعَمْ مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ أَنْ يَكُونَ مُطِيعًا لَهُ فِي أَوَامِرِهِ فَهُوَ كَافِرٌ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ: مِنْ أَنَّ كُفْرَ إبْلِيسَ إنَّمَا هُوَ بِنِسْبَتِهِ إلَى اللَّهِ الْجَوْرَ وَتَكَبُّرِهِ عَلَيْهِ لَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ السُّجُودِ لِآدَمَ ﵇ وَاعْتِقَادِهِ كَوْنِهِ خَيْرًا مِنْهُ هُوَ الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِدُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الشَّرْعِ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ كُفْرُهُ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ. قَالَ: (وَبِالْجُمْلَةِ فَعَلَى الْفَقِيهِ أَنْ يَسْتَقْرِئَ كُتُبَ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يُكْفَرُ بِهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَإِذَا كَمُلَ اسْتِقْرَاؤُهُ) قُلْتُ: إنْ أَرَادَ كَمُلَ اسْتِقْرَاؤُهُ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ بَقِيَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ وَيَكُونُ فِيمَا لَمْ يَبْلُغْهُ رُتَبٌ مِنْ الْكُفْرِ وَإِنْ أَرَادَ كَمُلَ اسْتِقْرَاؤُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْ لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ قَوْلٌ إلَّا حَفِظَهُ وَلَا مِنْ جُمْلَةِ وُجُوهِ التَّكْفِيرِ شَيْءٌ إلَّا تَضَمَّنَتْهُ أَقْوَالُ مَنْ حَفِظَ أَقْوَالَهُمْ فَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُ ذَلِكَ وَمَا الدَّلِيلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ. قَالَ: (فَإِذَا كَمُلَ اسْتِقْرَاؤُهُ نَظَرَ إلَى أَقْرَبِهَا إلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِالنَّظَرِ السَّدِيدِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ الْفُقَهَاء لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ فِي مَسَائِلِ التَّكْفِيرِ) . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] التَّرْتِيبُ الْمُسْتَفَادُ بِالْأَدَوَاتِ اللَّفْظِيَّةِ تَرْتِيبَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهَا تَرْتِيبًا يَقْبَلُ الِاخْتِلَافَ وَالتَّبَدُّلَ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَتَبَدُّلِ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ فَإِذَا قُلْت: قَامَ زَيْدٌ فَعَمْرٌو كَانَ قِيَامُ زَيْدٍ مُتَقَدِّمًا عَلَى قِيَامِ عَمْرٍو أَوْ ثُمَّ عَمْرٌو فَكَذَلِكَ مَعَ تَرَاخٍ أَوْ قَامَ الْقَوْمُ حَتَّى عَمْرٍو اقْتَضَى أَيْضًا تَأَخُّرَ قِيَامِ عَمْرٍو بِسَبَبِ أَنَّ حَتَّى حَرْفُ غَايَةٍ بِمَعْنَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا غَايَةٌ لِمَا قَبْلَهَا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُغَيَّا لَا بُدَّ أَنْ يَثْبُتَ قَبْلَ الْغَايَةِ ثُمَّ يَصِلُ إلَيْهَا مَثَلًا السَّيْرُ فِي قَوْلِك سِرْت حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ ثَابِتٌ قَبْلَ الْفَجْرِ مُتَكَرِّرٌ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ وَإِذَا كَانَ قِيَامُ عَمْرٍو غَايَةً وَغَايَةُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وَآخِرُهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْأَوَّلِ ضَرُورَةً وَإِذَا قُلْت: سَيَقُومُ زَيْدٌ وَسَوْفَ يَقُومُ عَمْرٌو كَانَ قِيَامُ زَيْدٍ قَبْلَ قِيَامِ عَمْرٍو لِأَنَّ سَوْفَ أَكْثَرُ تَنْفِيسًا مِنْ السِّينِ وَإِذَا قُلْت: لَمْ أَوْ لَمَّا يَقُمْ زَيْدٌ وَلَا يَقُومُ عَمْرٌو أَوْ لَنْ يَقُومَ كَانَ عَدَمُ قِيَامِ زَيْدٍ فِي الْمَاضِي وَعَدَمُ قِيَامِ عَمْرٍو فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِسَبَبِ أَنَّ لَمْ وَلَمَّا مَوْضُوعَانِ لِنَفْيِ الْمَاضِي وَلَا وَلَنْ مَوْضُوعَانِ لِنَفْيِ الْمُسْتَقْبَلِ وَمَا وَلَيْسَ مَوْضُوعَانِ لِنَفْيِ الْحَالِ وَالْمَاضِي وَالْحَالُ وَالْمُسْتَقْبَلُ مُتَرَتِّبَةٌ فَيَكُونُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى وُقُوعِ الْعَدَمِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا دَالًّا عَلَى التَّرْتِيبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ فَتَأَمَّلْ (وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ يَتَّضِحُ بِهَا هَاتَانِ الْقَاعِدَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى لَا خِلَافَ بَيْنَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ فِي لُزُومِ الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ مَعَ النَّسَقِ بِالْوَاوِ أَيْضًا وَتَوَقَّفَ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي لُزُومِ الْوَاحِدَةِ أَوْ التَّعَدُّدِ مَعَ الْوَاوِ كَمَا أَنَّهُ قَالَ: بِلُزُومِ الثَّلَاثِ إذَا قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ بِلَا عَطْفٍ أَصْلًا وَخَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ قَائِلًا: لَا يَلْزَمُهُ إذًا إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَهُوَ الْحَقُّ بِسَبَبِ أَنَّ الزَّمَانَ يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فَتَبِينُ بِالْأُولَى وَلَا يَلْزَمُ بِمَا بَعْدَهَا شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا لِأَجْلِ الْبَيْنُونَةِ سَوَاءً كَانَ مَا بَعْدَهَا بِلَا عَطْفٍ أَوْ مَعْطُوفًا بِالْفَاءِ أَوْ ثُمَّ أَوْ الْوَاوِ فَلَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ فِي الْوَاوِ أَصْلًا بَلْ نَجْزِمُ بِتَقَدُّمِ مَا نَطَقَ بِهِ أَوَّلًا وَلُزُومِ الْبَيْنُونَةِ بِهِ وَإِلْغَاءِ مَا بَعْدُ مُطْلَقًا وَتَوْجِيهُ الْأَصْحَابِ قَوْلُ إمَامِنَا بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَ بِالْأُولَى ثَلَاثًا ثُمَّ فَسَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ وَالثَّانِي أَنَّهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَإِنَّ الثَّلَاثَ تُعْتَبَرُ بِاتِّفَاقٍ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا تَلْزَمَهُ

стр. 124

فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ اعْتَقَدَ حِينَئِذٍ أَنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ أَدْنَى رُتْبَةِ التَّكْفِيرِ وَأَنَّ مَا دُونَهَا أَعْلَى رُتْبَةً لِلْكَبَائِرِ وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَقْرَأَ رُتَبَ الْكَبَائِرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا فَإِذَا كَمُلَ اسْتِقْرَاؤُهُ نَظَرَ إلَى أَقَلِّهَا مَفْسَدَةً جَعَلَهَا أَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَاَلَّتِي دُونَهَا هِيَ أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ وَأُكْمِلُ الْبَحْثَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ بِذِكْرِ مَسْأَلَتَيْنِ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِلصَّنَمِ عَلَى وَجْهِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ كُفْرٌ وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَلَدِ مَعَ وَالِدِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَذَلُّلًا أَوْ فِي حَقِّ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا وَالْفَرْقُ عَسِيرٌ فَإِنْ قُلْت السُّجُودُ لِلْوَالِدِ وَالْعَالَمِ يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا قُلْت: وَكَذَلِكَ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ فَقَدْ كَانُوا يَقُولُونَ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فَقَدْ صَرَّحُوا بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ السُّجُودِ فَإِنْ قُلْت اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِتَعْظِيمِ الْآبَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِتَعْظِيمِ الْأَصْنَامِ بَلْ نَهَى عَنْهُ فَلِذَلِكَ كَانَ كُفْرًا قُلْت إنْ كَانَ السُّجُودَانِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْمَفْسَدَةِ اسْتَحَالَ فِي عَادَةِ اللَّهِ أَنْ يَأْمُرَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] أَيْ لَا يَشْرَعُهُ دِينًا وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُشْتَمِلَ عَلَى فَسَادِ الْكُفْرِ لَا يُؤْذَنُ فِيهِ وَلَا يُشْرَعُ فَلَا يُقَالُ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْآبَاءِ وَالْعُلَمَاءِ دُونَ الْأَصْنَامِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قُلْتُ: إنْ أَرَادَ بِالْفُقَهَاءِ مَنْ حَصَّلَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَكُلُّهُمْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ فِي مَسَائِلِ التَّكْفِيرِ وَفِي غَيْرِهَا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا تَصِحُّ لَهُ رُتْبَةٌ حَتَّى يُحَصِّلَ جَمِيعَ الْعُلُومِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الِاجْتِهَادِ عَلَى الْكَمَالِ وَإِنْ أَرَادَ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ مِمَّنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْفَقِيهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّوَسُّعِ أَوْ الْمَجَازِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِمْ. قَالَ: (فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ اعْتَقَدَ حِينَئِذٍ أَنَّ تِلْكَ الرُّتْبَةَ أَدْنَى رُتَبِ التَّكْفِيرِ وَأَنَّ مَا دُونَهَا أَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ إلَى قَوْلِهِ وَاَلَّتِي دُونَهَا هِيَ أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ) قُلْتُ: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ إحَالَةٌ عَلَى مُسْتَحِيلٍ عَادَةً وَهُوَ كَمَالُ اسْتِقْرَاءِ أَقْوَالِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: لَا بُدَّ لِلْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَشَارَ إلَى اسْتِقْرَاءِ أَقْوَالِهِمْ مِنْ الْعِلْمِ بِفَارِقٍ يَفْرُقُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَ أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ وَأَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ فَمَا الْمَانِعُ لِهَذَا الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى اسْتِقْرَاءِ أَقْوَالِهِمْ وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَأْتِ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْإِبَاحَةُ عَلَى جَهَالَةٍ. قَالَ: (وَأُكْمِلُ الْبَحْثَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ بِذِكْرِ مَسْأَلَتَيْنِ: الْأُولَى اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ السُّجُودَ لِلصَّنَمِ عَلَى وَجْهِ التَّذَلُّلِ لَهُ وَالتَّعْظِيمِ كُفْرٌ وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْوَلَدِ مَعَ وَالِدِهِ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَذَلُّلًا أَوْ فِي حَقِّ الْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا وَالْفَرْقُ عَسِيرٌ) قُلْتُ: أَغْفَلَ الْوَصْفَ الْمُفَرِّقَ فَعَسُرَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ وَالْوَصْفُ الْمُفَرِّقُ أَنَّ سُجُودَ مَنْ سَجَدَ لِلْأَصْنَامِ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا لِمُجَرَّدِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ بَلْ لِذَلِكَ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهَا آلِهَةٌ وَأَنَّهَا شُرَكَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَوْ وَقَعَ مِثْلُ ذَلِكَ مَعَ الْوَالِدِ أَوْ الْعَالِمِ أَوْ الْوَلِيِّ لَكَانَ ذَلِكَ كُفْرًا لَا شَكَّ فِيهِ وَأَمَّا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ مَعَ الْوَالِدِ لِمُجَرَّدِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ لَا لِاعْتِقَادِ أَنَّهُ إلَهٌ وَشَرِيكٌ لِلَّهِ فَلَا يَكُونُ كُفْرًا وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ. قَالَ: (فَإِنْ قُلْتُ: السُّجُودُ لِلْوَالِدِ وَالْعَالِمِ إلَى قَوْلِهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الثَّلَاثُ لِأَنَّهَا بَانَتْ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَلْزَمُهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثًا شَيْءٌ مَدْفُوعٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَقَوْلُهُمْ نَوَى ثُمَّ فَسَّرَ لَا يَسْتَقِيمُ بَلْ إنْ نَوَى انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ عَلَى لُزُومِ مَا نَوَاهُ مِنْ تَأْسِيسٍ أَوْ تَأْكِيدٍ أَمَّا الثَّانِي فَقِيَاسٌ بَاطِلٌ بِسَبَبِ فَرْقٍ عَظِيمٍ مَأْخُوذٍ مِنْ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ لَفْظٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ كَالشَّرْطِ وَالْغَايَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ وَظَرْفِ الزَّمَانِ وَظَرْفِ الْمَكَانِ وَالْمَجْرُورِ وَالْمَفْعُولِ مَعَهُ وَالْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ وَالْحَالِ وَالْبَدَلِ وَالتَّمْيِيزِ إذَا لَحِقَ لَفْظًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ صَارَ الْمُسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ دَخَلْت الدَّارَ لَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ لِلدَّارِ طَلَاقٌ إجْمَاعًا بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا. وَإِنْ كَانَ كَلَامًا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَحِقَ بِهِ مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْتُهُ حَتَّى يُعْطِيَنِي حَقِّي وَهُوَ لَفْظٌ لَوْ نَطَقَ بِهِ وَحْدَهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ فَلَمَّا لَحِقَ مَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ يَقْتَضِي نَفْيَ الْكَلَامِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فَقَطْ وَمَا عَدَاهَا لَا يَدْخُلُ فِي الْيَمِينِ أَلْبَتَّةَ بِاللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ إلَّا اثْنَيْنِ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا ثَمَانِيَةٌ مَعَ أَنَّ الْأَقَارِيرَ عِنْدَ الْحُكَّامِ فِي غَايَةِ الضِّيقِ وَالْحَرَجِ وَلَا تُقْبَلُ فِيهَا النِّيَّاتُ وَلَا الْمَجَازَاتُ وَمَا سَبَبُ عَدَمِ لُزُومِ غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ عِنْدِي عَشَرَةٌ وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَحِقَهُ مَا لَوْ نَطَقَ بِهِ وَحْدَهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ وَهُوَ قَوْلُهُ إلَّا اثْنَيْنِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ إقْرَارًا بِالثَّمَانِيَةِ فَقَطْ وَلِغَايَةِ اعْتِبَارِ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِقْلَالِ وَإِذَا قَالَ: لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ لَا لَبِسْت ثَوْبًا عَامٌّ فِي ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا نَطَقَ بِقَوْلِهِ كَتَّانًا بَعْدَ قَوْلِهِ ذَلِكَ اخْتَصَّ الْحِنْثُ بِثِيَابِ الْكَتَّانِ وَحْدَهَا بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَإِنْ كَانَ كَلَامُهُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَحِقَهُ كَتَّانًا وَهُوَ لَفْظٌ مُفْرَدٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَصَارَ الْمَجْمُوعُ لَا يُفِيدُ إلَّا ثِيَابَ الْكَتَّانِ وَغَيْرَ ثِيَابِ الْكَتَّانِ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ فَلَا يَحْنَثُ بِهَا. وَإِذَا قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ طُلُوعَ الْفَجْرِ امْتَنَعَ قَتْلُهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ وَإِنْ كَانُوا قَبْلَ التَّقْيِيدِ بِهِ يُقْتَلُونَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ أَمَامَ زَيْدٍ اخْتَصَّ قَتْلُهُمْ بِتِلْكَ الْجِهَةِ فَلَا

стр. 125

وَحَقِيقَةُ الْكُفْرِ فِي نَفْسِهِ مَعْلُومَةٌ قَبْلَ الشَّرِيعَةِ وَلَيْسَتْ مُسْتَفَادَةً مِنْ الشَّرْعِ وَلَا تَبْطُلُ حَقِيقَتُهَا بِالشَّرِيعَةِ وَلَا تَصِيرُ غَيْرَ كُفْرٍ فَحِينَئِذٍ الْفَرْقُ مُشْكِلٌ وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ يَسْتَشْكِلُ هَذَا الْمَقَامَ وَيُعَظِّمُ الْإِشْكَالَ فِيهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) نِسْبَةُ الْأَفْعَالِ إلَى الْكَوَاكِبِ فِيهَا أَقْسَامٌ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا مُدَبِّرَةُ الْعَالَمِ وَمُوجِدَةٌ لِمَا فِيهِ وَلَا شَيْءَ وَرَاءَهَا وَلَا خَفَاءَ أَنَّ هَذَا كُفْرٌ وَثَانِيهَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فَاعِلَةُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَاَللَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ الْأَعْظَمُ مَعَهَا فَتَكُونُ نِسْبَتُهَا إلَى أَفْعَالِهَا كَنِسْبَةِ الْحَيَوَانِ إلَى أَفْعَالِهِ عَلَى رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ: إنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يُوجِدُ أَفْعَالَهُ بِقُدْرَتِهِ مُسْتَقِلًّا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَعَلَّقُ بِمَقْدُورِهِ فَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ كَذَلِكَ فَهَلْ لَا نُكَفِّرُهُ كَمَا أَنَّا لَا نُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلَةَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَأَنَّ أَهْلَ الْقِبْلَةِ لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَهَذَا الْقَوْلُ كَانَ يَخْتَارُهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ يَقُولُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَوَاكِبِ وَالْحَيَوَانَاتِ فَلَا يُكَفَّرُ مُعْتَقِدُ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ لِأَنَّ التَّذَلُّلَ وَالْعُبُودِيَّةَ ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِ فَلَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ كَبِيرُ اهْتِضَامٍ لِجَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ وَيُكَفَّرُ مُعْتَقِدُ أَنَّ الْكَوَاكِبَ فَعَّالَةٌ فِعْلًا حَقِيقِيًّا لِأَنَّهَا فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَأَحْوَالَهَا غَائِبَةٌ عَنْ الْبَشَرِ فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى اعْتِقَادِ اسْتِقْلَالِهَا وَفَتْحِ أَبْوَابِ الْكُفْرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ وَالضَّلَالِ وَهَذَا كَانَ يَقُولُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُعَاصِرِينَ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَثَالِثُهَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فَاعِلَةٌ فِعْلًا عَادِيًّا لَا حَقِيقِيًّا وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنْ يَخْلُقَ عِنْدَهَا إذَا تَشَكَّلَتْ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ فِي أَفْلَاكِهَا وَتَكُونَ فِي أَحْوَالِهَا وَرَبَطَ الْأَسْبَابَ بِهَا كَحَالِ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَحِينَئِذٍ الْفَرْقُ مُشْكِلٌ وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَسْتَشْكِلُ هَذَا الْمَقَامَ وَيُعَظِّمُ الْإِشْكَالَ فِيهِ) قُلْتُ: إغْفَالُهُ مَا نَبَّهْت عَلَيْهِ أَوْقَعَهُ فِي هَذَا الْخَبَالِ وَعَظُمَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ شَيْخِهِ أَمْرُ الْإِشْكَالِ وَقَدْ تَبَيَّنَ الْحَقُّ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَمَالِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاقِي مِنْ الضَّلَالِ. قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) نِسْبَةُ الْأَفْعَالِ إلَى الْكَوَاكِبِ فِيهِ أَقْسَامٌ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ قُلْتُ: مَا قَالَ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ. قَالَ: (وَثَانِيهَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ فَاعِلَةُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ الْأَعْظَمُ مَعَهَا إلَى قَوْلِهِ وَهَذَا كَانَ يَقُولُهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُعَاصِرِينَ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀) قُلْتُ الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِلْكَوَاكِبِ فِعْلٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ خَطَأٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ لِلْإِنْسَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ فِعْلًا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمَنْ اعْتَقَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ قَطُّ فَرْقًا مَا بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا خَالِقَ سِوَاهُ لَكِنَّهُ مَنْ نَسَبَ الْفِعْلَ الْحَقِيقِيَّ إلَى الْكَوَاكِبِ فَذَلِكَ كُفْرٌ وَمَنْ نَسَبَهُ إلَى الْإِنْسَانِ فَفِيهِ الْخِلَافُ هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَوْ ضَلَالَةٌ. قَالَ: (وَثَالِثُهَا أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فَاعِلَةٌ فِعْلًا عَادِيًّا لَا حَقِيقِيًّا وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنْ يَخْلُقَ عِنْدَهَا إذَا تَشَكَّلَتْ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ فِي أَفْلَاكِهَا إلَى قَوْلِهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يُقْتَلُ مَنْ وُجِدَ فِي غَيْرِهَا أَلْبَتَّةَ نَظَرًا لِكَوْنِ مَا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسٍ وَهُوَ ظَرْفُ الْمَكَانِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اخْتَصَّ قَتْلُهُمْ بِرَمَضَانَ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَجْرُورَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ صَيَّرَ الْأَوَّلَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَخَصَّصَهُ وَإِذَا قَالَ: لِيُقْتَلْ الْمُشْرِكُونَ وَزَيْدًا أَيْ مَعَ زَيْدٍ فَلَا يُقْتَلُونَ إلَّا إذَا وُجِدُوا مَعَهُ وَاللَّفْظُ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ يَقْتَضِي قَتْلَهُمْ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ إذْهَابًا لِغَيْظِكُمْ فَلَا يُقْتَلُونَ بِغَيْرِ هَذِهِ الْعِلَّةِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُقْتَلُونَ مُطْلَقًا لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً اخْتَصَّ قَتْلُهُمْ بِحَالَةِ الْعُرْيِ وَلَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ لَقُتِلُوا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ لَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ صَيَّرَ الْأَوَّلَ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَإِذَا قَالَ: اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ عَبَدَةَ النَّارِ اخْتَصَّ الْقَتْلُ بِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ أَنَّ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ لَمَّا لَحِقَهُ الْبَدَلُ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ. وَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي عِشْرُونَ رُمَّانَةً لَمْ يَلْزَمْهُ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ غَيْرِ الرُّمَّانِ بَلْ مِنْ الرُّمَّانِ خَاصَّةً بِسَبَبِ أَنَّ الْمُسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ لَمَّا لَحِقَهُ التَّمْيِيزُ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ وَأَدْخَلَتْ الْكَافُ فِيمَا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ الْمَفْعُولَ الْمُطْلَقَ الْمُبَيِّنَ لِلنَّوْعِ أَوْ لِلْعَدَدِ فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كَانَ ثَلَاثًا مَفْعُولًا مُطْلَقًا مُبَيِّنًا لِعَدَدِ طَالِقٍ وَهُوَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَصَيَّرَ الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنْتِ طَالِقٌ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ فَلَا يَلْزَمُهُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا تَبِينُ بِهِ قَبْلَ النُّطْقِ بِقَوْلِهِ ثَلَاثًا بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّ الثَّانِيَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكِرُّ عَلَى الْأَوَّلِ بِالِاتِّفَاقِ وَالْإِبْطَالِ فَتَبِينُ بِالْأَوَّلِ قَبْلَ النُّطْقِ بِالثَّانِي فَلَا يَلْزَمُ بِالثَّانِي شَيْءٌ وَهَذَا فَرْقٌ عَظِيمٌ وَمَعَ هَذَا الْفَرْقِ لَا يَثْبُتُ الْقِيَاسُ فَظَهَرَ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَيَنْبَغِي لَوْ قَضَى بِهَا قَاضٍ لَنُقِضَ قَضَاؤُهُ وَيَمْتَنِعُ التَّقْلِيدُ فِيهَا لِوُضُوحِ بُطْلَانِهَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَا دَلِيلَ لِمَنْ يَقُولُ: الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ فِيمَا يُرْوَى أَنَّ «خَطِيبًا قَالَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ»

стр. 126

بِاعْتِبَارِ الرَّبْطِ الْعَادِي لَا الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ وَهَذَا الْقِسْمُ لَمْ أَرَ أَحَدًا كَفَرَ بِهِ بَلْ أَثِمَ وَأَخْطَأَ فَقَطْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ بَلْ لَوْ كَانَ وُقُوعُ ذَلِكَ مَعَهَا أَكْثَرِيًّا غَالِبًا كَالْأَدْوِيَةِ أَمْكَنَ اعْتِقَادُ ذَلِكَ وَجَوَازُهُ شَرْعًا لَكِنْ وَجَدْنَا الْعَادَةَ غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ فِي ذَلِكَ وَلَا هِيَ أَكْثَرِيَّةٌ فَكَانَ اعْتِقَادُ ذَلِكَ خَطَأً كَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ عَقَارًا مُعَيَّنًا يُبْرِئُهُ مِنْ الْحُمَّى وَلَمْ تَدُلَّ التَّجْرِبَةُ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ يَكُونُ خَطَأً. (الْفَرْقُ الْخَامِسَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ وَقَاعِدَةِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَكَذَلِكَ الْحَرَجِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْحَرَجِ وَالْعِلْمِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْعِلْمِ وَالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْبَيْعِ وَجَمِيعِ هَذِهِ النَّظَائِرِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ فَالْقَاعِدَتَانِ مُفْتَرِقَتَانِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ النَّظَائِرِ) وَتَقْرِيرُهُ أَنْ نَقُولَ: إذَا قُلْنَا: الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ فَقَدْ أَدْخَلْنَا الْأَلْفَ وَاللَّامَ عَلَى الْبَيْعِ فَحَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْعُمُومُ الشَّامِلُ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْبَيْعِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْعٌ إلَّا دَخَلَ فِيهِ ثُمَّ وَصَفْنَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْإِطْلَاقِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَمْ يُقَيَّدْ بِقَيْدٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَاحِقِ لِلْعُمُومِ مِمَّا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ مَعَ عُمُومٍ فِي نَفْسِهِ أَمَّا إذَا قُلْنَا: مُطْلَقُ الْبَيْعِ فَقَدْ أَشَرْنَا بِقَوْلِنَا مُطْلَقُ إلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَنْوَاعِ جَمِيعِ الْبِيَاعَاتِ وَهُوَ مُسَمَّى الْبَيْعِ الَّذِي يَصْدُقُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ ثُمَّ أُضِيفَ هَذَا الْمُطْلَقُ الْمُشَارُ إلَيْهِ إلَى الْبَيْعِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ مُطْلَقِ الْحَيَوَانِ وَمُطْلَقِ الْأَمْرِ وَمُطْلَقِ غَيْرِهِ وَمُطْلَقَاتِ جَمِيعِ الْحَقَائِقِ فَأَضَفْنَاهُ لِلتَّمْيِيزِ فَقَطْ وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ خَاصَّةً الَّذِي يَصْدُقُ بِفَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبَيْعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَإِنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ يَكُونُ خَطَأً) قُلْتُ: هَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا وَلَا صَوَابًا فَلَيْسَ بِخَطَأٍ فَقَطْ بَلْ خَطَأٌ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الِارْتِبَاطِ وَمَمْنُوعٌ لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (الْفَرْقُ الْخَامِسَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْأَمْرِ إلَى قَوْلِهِ فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ لَمْ يَدْخُلْهُ تَخْصِيصٌ مَعَ عُمُومِهِ فِي نَفْسِهِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ: فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَتَيْنِ عَلَى أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ تَقْتَضِي الْعُمُومَ الِاسْتِغْرَاقِيَّ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُفَصِّلَ فَيَقُولَ: إذَا قَالَ الْقَائِلُ: الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعَهْدَ فِي الْجِنْسِ أَوْ يُرِيدَ بِهِمَا الْعُمُومَ وَالشُّمُولَ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَقَوْلُهُ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ سَوَاءٌ وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي عَلَى رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَهُ فَلَيْسَا سَوَاءً بَلْ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْعُمُومِ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفُ وَاللَّامُ فِي الْأَمْرِ الْمَوْصُوفِ بِالْمُطْلَقِ لِلْعُمُومِ كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَا فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَى الْمُطْلَقِ فَيَئُولُ الْأَمْرُ إلَى أَنَّهُ يَسُوغُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ أَنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْعُمُومِ وَيَسُوغُ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ وَأَنْ لَا يَكُونَ وَيَقَعُ الْفَرْقُ بِالْقَرَائِنِ الْمَقَالِيَّةِ أَوْ الْحَالِيَّةِ. قَالَ: (أَمَّا إذَا قُلْنَا: مُطْلَقُ الْبَيْعِ إلَى قَوْلِهِ الَّذِي يَصْدُقُ بِفَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبَيْعِ) قُلْتُ: ذَكَرَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِأَنْ يُرَتِّبَ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ وَأَنْ يَنْطِقَ بِلَفْظِ اللَّهِ أَوَّلًا ثُمَّ يَذْكُرَ الرَّسُولَ ﵊ ثَانِيًا فَيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ بِالتَّقْدِيمِ الدَّالِّ عَلَى الِاهْتِمَامِ وَالتَّعْظِيمِ وَقَدْ فَاتَ بِسَبَبِ جَمْعِهِمَا فِي الضَّمِيرِ فَلِذَلِكَ ذَمَّهُ لَا لِأَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِالْوَاوِ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ يَعْصِهِمَا كَمَا نَطَقَ بِهَا فِي قَوْلِهِ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَتَّى يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ لِلتَّرْتِيبِ فَافْهَمْ. (فَائِدَةٌ) قَالَ الْمُقْرِي: سَمِعْت الْأَيْلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَشِيدٍ يَقُولُ إنَّ خَطِيبًا بِتِلْمِسَانَ يَقُولُ فِي خُطَبِهِ: مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشِدَ بِالْكَسْرِ وَكَانَ الطَّلَبَةُ يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ فَلَا يَرْجِعُ فَلَمَّا قَفَلْت مِنْ رِحْلَتِي تِلْكَ دَخَلْت عَلَى الْأُسْتَاذِ ابْنِ أَبِي الرَّبِيعِ بِسِبْتَةَ فَهَنَّأَنِي بِالْقُدُومِ وَقَالَ لِي فِيمَا قَالَ: رَشَدْت يَا ابْنَ رَشِيدٍ وَرَشِدْت لُغَتَانِ صَحِيحَتَانِ حَكَاهُمَا يَعْقُوبُ فِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ: الْمُقْرِي وَهَذِهِ كَرَامَةٌ لِلرَّجُلَيْنِ أَوْ الثَّلَاثَةِ اهـ نَقَلَهُ التَّنْبَكْتِيُّ فِي تَكْمِلَةِ الدِّيبَاجِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) لَا حُجَّةَ لِمَنْ يَقُولُ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ فِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] لِأَنَّ الْبَدَاءَةَ صَرَّحَتْ بِأَنَّ التَّقْدِيمَ بِالْحَقِيقَةِ الزَّمَانِيَّةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَلِمَ قَالَ هَذَا الْمُسْتَدِلُّ بِأَنَّ الْبَدَاءَةَ مُضَافَةٌ إلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوَاوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفَرْضِ الْعَيْنِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفَرْضِ الْعَيْنِ وَضَابِطُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَتَحْقِيقُهُ بِحَيْثُ لَا يَلْتَبِسُ بِغَيْرِهِ) وَذَلِكَ أَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ مُهِمٌّ مُتَحَتِّمٌ مَقْصُودٌ حُصُولُهُ مَنْظُورٌ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ حَيْثُ قَصَدَ حُصُولَهُ مِنْ عَيْنٍ مَخْصُوصَةٍ كَالْمَفْرُوضِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ أُمَّتِهِ أَوْ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ عَيْنٍ أَيْ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ مُهِمٌّ مُتَحَتِّمٌ مَقْصُودٌ حُصُولُهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ إلَى فَاعِلِهِ أَيْ يُقْصَدُ حُصُولُهُ فِي الْجُمْلَةِ فَلَا يُنْظَرُ إلَى فَاعِلِهِ إلَّا بِالتَّبَعِ لِلْفِعْلِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ فَاعِلٍ سَوَاءً كَانَ دِينِيًّا كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَوْ دُنْيَوِيًّا كَالصَّنَائِعِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا قَالَ الْأَمِيرُ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ: وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَيْنِيَّ أَفْضَلُ لِمَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ فِيهِ. اهـ. وَضَابِطُهَا أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ شَرَعَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَى الْأَعْيَانِ تَكْثِيرًا لِلْمَصْلَحَةِ بِتَكَرُّرِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَصَلَاةِ الظُّهْرِ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُضُوعُ لِلَّهِ تَعَالَى وَتَعْظِيمُهُ وَمُنَاجَاتُهُ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ وَالْمُثُولُ بَيْنَ

стр. 127

فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْبَيْعِ وَبِهِ يَصْدُقُ قَوْلُنَا إنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ حَلَالٌ إجْمَاعًا وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْحِلُّ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ بَعْضُ الْبِيَاعَاتِ حَرَامٌ إجْمَاعًا وَيَصْدُقُ أَنَّ زَيْدًا حَصَلَ لَهُ مُطْلَقُ الْمَالِ وَلَوْ بِفَلْسٍ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمَالُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ جَمِيعُ مَا يُتَمَوَّلُ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا وَكَذَلِكَ مُطْلَقُ النَّعِيمِ وَالنَّعِيمُ الْمُطْلَقُ فَالْأَوَّلُ حَاصِلٌ دُونَ الثَّانِي وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ الْفَرْقُ فِي بَقِيَّةِ النَّظَائِرِ. (الْفَرْقُ السَّادِسَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ وُقُوعِ الْأَحْكَامِ) فَأَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ مَحْصُورَةٌ شَرْعًا تَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّارِعِ وَهِيَ نَحْوُ الْعِشْرِينَ وَأَدِلَّةُ وُقُوعِ الْأَحْكَامِ هِيَ الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى وُقُوعِ الْأَحْكَامِ أَيْ وُقُوعِ أَسْبَابِهَا وَحُصُولِ شُرُوطِهَا وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا فَأَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَإِجْمَاعُ الْمَدِينَةِ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى رَأْيٍ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْحَابُ وَالْعِصْمَةُ وَالْأَخْذُ بِالْأَخَفِّ وَفِعْلُ الصَّحَابِيِّ وَفِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَفِعْلُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَإِجْمَاعُهُمْ وَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ وَإِجْمَاعٌ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ فِيهِ وَقِيَاسٌ لَا فَارِقَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا قُرِّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَهِيَ نَحْوُ الْعِشْرِينَ يَتَوَقَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى مُدْرَكٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ نَصَبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَأَمَّا أَدِلَّةُ وُقُوعِهَا فَهِيَ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ فَالزَّوَالُ مَثَلًا دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ عِنْدَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَدَلِيلُ وُقُوعِ الزَّوَالِ وَحُصُولِهِ فِي الْعَالَمِ الْآلَاتُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ وَغَيْرُ الْآلَاتِ كَالْأَسْطُرْلَابِ وَالْمِيزَانِ وَرُبُعِ الدَّائِرَةِ وَالشَّكَّارِيَّةِ والزرقالية وَالْبُنْكَامِ وَالرُّخَامَةِ الْبَسِيطَةِ وَالْعِيدَانِ الْمَرْكُوزَةِ فِي الْأَرْضِ وَجَمِيعِ آلَاتِ الظِّلَالِ وَجَمِيعِ آلَاتِ الْمِيَاهِ وَآلَاتِ الطِّلَابِ كَالطِّنْجَهَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْمَاءِ وَآلَاتِ الزَّمَانِ وَعِدَدِ تَنَفُّسِ الْحَيَوَانِ إذَا قُدِّرَ بِقَدْرِ السَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نَصْبٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بَلْ الْمُتَوَقَّفُ سَبَبِيَّةُ السَّبَبِ وَشَرْطِيَّةُ الشَّرْطِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] أَحَدَ الْمَقْصِدَيْنِ هُنَا وَذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ نَقِيضَهُ لَا نَظِيرَهُ فَاقْتَضَى ذَلِكَ فَرْقًا بَيْنَهُمَا وَلَوْ ذَكَرَ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي النَّظِيرَيْنِ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ فَرْقًا. قَالَ: (فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْبَيْعِ وَبِهِ يَصْدُقُ قَوْلُنَا أَنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ حَلَالٌ إجْمَاعًا وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْحِلُّ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ بَعْضُ الْبِيَاعَاتِ حَرَامٌ إجْمَاعًا إلَى قَوْلِهِ وَيُعْلَمُ بِذَلِكَ الْفَرْقُ فِي بَقِيَّةِ النَّظَائِرِ) قُلْتُ لَمَّا ذَكَرَ النَّقِيضَ مَعَ نَقِيضِهِ اسْتَمَرَّ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ ذَكَرَ النَّظِيرَ مَعَ نَظِيرِهِ لَكَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا وَلَمْ يَسْتَمِرَّ لَهُ التَّغَايُرُ فِي الْأَحْكَامِ. قَالَ: (الْفَرْقُ السَّادِسَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ وُقُوعِ الْأَحْكَامِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِيهِ وَفِي الْفَرْقِ السَّابِعَ عَشَرَ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَدَيْهِ وَالتَّفَهُّمُ لِخِطَابِهِ وَالتَّأَدُّبُ بِآدَابِهِ وَهَذِهِ الْمَصَالِحُ تَتَكَرَّرُ كُلَّمَا كُرِّرَتْ الصَّلَاةُ وَكُلُّ فِعْلٍ لَا تُكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ جَعَلَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَلَى الْكِفَايَةِ نَفْيًا لِلْعَبَثِ فِي الْأَفْعَالِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ إذَا شَالَهُ إنْسَانٌ فَإِنَّ النَّازِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْبَحْرِ لَمَّا لَمْ يُحَصِّلْ شَيْئًا مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْإِنْقَاذِ مِنْ حِفْظِ حَيَاةِ الْغَرِيقِ لِأَنَّهَا قَدْ حَصَلَتْ لَمْ يُخَاطَبْ بِالْوُجُوبِ إذْ لَوْ خُوطِبَ حِينَئِذٍ لَكَانَ بِلَا مَصْلَحَةٍ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ لِأَجْلِهَا فَيَكُونُ عَبَثًا وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي كِسْوَةِ الْعُرْيَانِ وَإِطْعَامِ الْجَوْعَانِ وَنَحْوِهِمَا. قُلْت: وَلِهَذَا الضَّابِطِ يَتِمُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَتَّى عَلَى قَوْلِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَالِدِ صَاحِبِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالْجُمْهُورِ. وَعَلَيْهِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْأُمِّ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ عَلَى الْكُلِّ لِإِثْمِهِمْ بِتَرْكِهِ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ لِقَوْلِ السَّعْدِ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ إنَّ سُقُوطَ الْأَمْرِ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالنَّسْخِ فَيَفْتَقِرُ إلَى خِطَابٍ جَدِيدٍ وَلَا خِطَابَ فَلَا نَسْخَ فَلَا سُقُوطَ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ مَنْ قَالَ: إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْكُلِّ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْجَمِيعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَلَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيجَابَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَيَكُونُ التَّأْثِيمُ لِلْجَمِيعِ بِالذَّاتِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِالْعَرَضِ لِأَنَّ سُقُوطَ الْأَمْرِ كَمَا يَكُونُ بِالنَّسْخِ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ كَانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْوُجُوبِ كَاحْتِرَامِ الْمَيِّتِ مَثَلًا بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ فَلِهَذَا يُنْسَبُ السُّقُوطُ إلَى فِعْلِ الْبَعْضِ وَأَيْضًا يَجُوزُ أَنْ يَنْصِبَ الشَّارِعُ أَمَارَةً عَلَى سُقُوطِ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ أَفَادَهُ الشِّرْبِينِيُّ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَفَرَّقَ سَمِّ بَيْنَهُمَا أَيْضًا بِسُقُوطِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَنْ الْجَمِيعِ بِفِعْلِ الْبَعْضِ بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ وَالْكَمَالِ بِأَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ يُقْصَدُ فِيهِ عَيْنُ الْفَاعِلِ ابْتِلَاءً لَهُ بِتَحْصِيلِ الْفِعْلِ الْمَطْلُوبِ وَفَرْضُ الْكِفَايَةِ يُقْصَدُ فِيهِ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْفَاعِلِ إلَّا بِالتَّبَعِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفِعْلَ لَا يُوجَدُ بِدُونِ فَاعِلٍ كَمَا فِي الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَافْهَمْ. (وَصْلٌ) فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ لِتَحْقِيقِ الْقَاعِدَتَيْنِ: الْأُولَى الْأَعْيَانُ وَالْكِفَايَةُ كَمَا يُتَصَوَّرَانِ فِي الْوَاجِبَاتِ كَذَلِكَ يُتَصَوَّرَانِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ فَاَلَّتِي عَلَى الْأَعْيَانِ كَالْوَتْرِ وَالْفَجْرِ وَصِيَامِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ وَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَالطَّوَافِ فِي غَيْرِ النُّسُكِ وَالصَّدَقَاتِ وَاَلَّتِي عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّشْمِيتِ وَمَا يُفْعَلُ بِالْأَمْوَاتِ

стр. 128

وَمَانِعِيَّةُ الْمَانِعِ أَمَّا وُقُوعُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى نَصْبٍ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَلَا تَنْحَصِرُ تِلْكَ الْأَدِلَّةُ فِي عَدَدٍ وَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَيْهَا بِالتَّنَاهِي. (الْفَرْقُ السَّابِعَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدِلَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْحِجَاجِ) أَمَّا الْأَدِلَّةُ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَتَقَدَّمَ انْقِسَامُهَا إلَى أَدِلَّةِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَأَدِلَّةِ الْوُقُوعِ وَأَمَّا الْحِجَاجُ فَهِيَ مَا يَقْضِي بِهِ الْحُكَّامُ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﵇ «فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ» فَالْحِجَاجُ تَتَوَقَّفُ عَلَى نَصْبٍ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ وَالْإِقْرَارُ وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَالشَّاهِدُ وَالنُّكُولُ وَالْيَمِينُ وَالنُّكُولُ وَالْمَرْأَتَانِ وَالْيَمِينُ وَالْمَرْأَتَانِ وَالنُّكُولُ وَالْمَرْأَتَانِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَشَهَادَةُ الصِّبْيَانِ وَمُجَرَّدُ التَّحَالُفِ عِنْدَ مَالِكٍ فَيَقْتَسِمَانِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا عِنْدَ مَالِكٍ فَذَلِكَ نَحْوُ عَشَرَةٍ مِنْ الْحِجَاجِ هِيَ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الْحَاكِمُ فَالْحِجَاجُ أَقَلُّ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ وَأَدِلَّةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ أَقَلُّ مِنْ أَدِلَّةِ الْوُقُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ فَائِدَةٌ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَنْوَاعُ مُوَزَّعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثِ طَوَائِفَ فَالْأَدِلَّةُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْمُجْتَهِدُونَ وَالْحِجَاجُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْحُكَّامُ وَالْأَسْبَابُ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْمُكَلَّفُونَ كَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِمَا. (الْفَرْقُ الثَّامِنَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً) أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً فَقِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا النَّظَرُ الْأَوَّلُ الْمُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِثُبُوتِ صَانِعِ الْعَالَمِ فَإِنَّ هَذَا النَّظَرَ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى التَّقَرُّبُ بِهِ فَإِنَّ قَصْدَ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْفِعْلِ فَرْعُ اعْتِقَادِ وُجُودِهِ وَهُوَ قَبْلَ النَّظَرِ الْمُوَصِّلِ لِذَلِكَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْقَصْدُ لِلتَّقَرُّبِ وَهُوَ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ شُعُورٌ بِحُصُولِ ضَيْفٍ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى إكْرَامِهِ فَالنَّظَرُ الْأَوَّلُ يَسْتَحِيلُ فِيهِ قَصْدُ التَّقَرُّبِ وَثَانِيهِمَا فِعْلُ الْغَيْرِ تَمْتَنِعُ النِّيَّةُ فِيهِ فَإِنَّ النِّيَّةَ مُخَصِّصَةٌ لِلْفِعْلِ بِبَعْضِ جِهَاتِهِ مِنْ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ رُتَبِ الْعِبَادَاتِ وَذَلِكَ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي فِعْلِ غَيْرِهِ بَلْ إنَّمَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْهُ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّامِنَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً أَمَّا مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً فَقِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا النَّظَرُ الْأَوَّلُ إلَى قَوْلِهِ فَالنَّظَرُ الْأَوَّلُ يَسْتَحِيلُ فِيهِ الْقَصْدُ إلَى الْقُرْبَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ: (وَثَانِيهِمَا فِعْلُ الْغَيْرِ تَمْتَنِعُ النِّيَّةُ فِيهِ إلَى قَوْلِهِ بَلْ إنَّمَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ مِنْهُ فِي فِعْلِ نَفْسِهِ) قُلْتُ: لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ أَنَّ نِيَّةَ فِعْلِ الْغَيْرِ تَمْتَنِعُ عَقْلًا أَوْ عَادَةً أَوْ شَرْعًا أَمَّا عَقْلًا أَوْ عَادَةً فَلَا وَجْهَ لِلِامْتِنَاعِ وَأَمَّا شَرْعًا فَالظَّاهِرُ مِنْ جَوَازِ إحْجَاجِ الصَّبِيِّ أَنَّ الْوَلِيَّ يَنْوِي عَنْهُ وَكَذَلِكَ فِي جَوَازِ ذَبِيحَةِ الْكِتَابِيِّ نَائِبًا عَنْ الْمُسْلِمِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ كَذَا فِي الْأَصْلِ وَفِي عَدِّهِ التَّسْلِيمَ وَالتَّشْمِيتَ مِنْ الْمَنْدُوبِ كِفَايَةً مُخَالَفَةٌ لِعَدِّ الْأَمِيرِ فِي مَجْمُوعِهِ مِنْ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ بَعْدَ سَمَاعِ حَمْدِهِ وَلَوْ بِمُعَالَجَةٍ وَبِرَدِّ السَّلَامِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ مَا كَانَ بِصِيغَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا نَحْوُ فُلَانٍ يُسَلِّمُ عَلَيْك وَإِنْ بِكِتَابَةٍ وَتَعَيَّنَ عَلَى مَقْصُودٍ مِنْ جَمَاعَةٍ اهـ بِتَوْضِيحٍ مِنْ ضَوْءِ الشُّمُوعِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالتَّسْلِيمِ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ لَا رَدَّهُ وَبِالتَّشْمِيتِ قَبْلَ سَمَاعِ الْحَمْدِ لَا بَعْدَهُ وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالتَّسْمِيَةِ لِلْأَكْلِ مِنْ جِهَةِ جَمَاعَةٍ فِي الثَّلَاثِ مَثَلًا اهـ فَانْظُرْهُ وَحَرِّرْ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ فِي تَحْرِيرِهِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ وَيَسْقُطُ بِفِعْلِ الْبَعْضِ وَعَلَيْهِ فَفِي كَوْنِ الْمُرَادِ الْكُلَّ إلَّا فُرَادَى نَظَرًا لِكَوْنِ سُقُوطِ الطَّلَبِ عَنْ الْبَاقِينَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ بِالنَّسْخِ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْوُجُوبِ كَحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْفِعْلِ هُنَا فَيَكُونُ أَمَارَةً عَلَى سُقُوطِ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ نَسْخٍ لِانْتِفَاءِ الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ الْمُتَرَاخِي الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ النَّسْخُ أَوْ الْكُلُّ الْمَجْمُوعِيُّ نَظَرًا لِكَوْنِهِ لَوْ تَعَيَّنَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ لَكَانَ إسْقَاطُهُ عَنْ الْبَاقِينَ رَفْعًا لِلطَّلَبِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ بِالنَّسْخِ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ اتِّفَاقًا بِخِلَافِ الْإِيجَابِ عَلَى الْجَمِيعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِيجَابَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَيَكُونُ التَّأْثِيمُ لِلْجَمِيعِ بِالذَّاتِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ بِالْعَرَضِ. وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ خِلَافٌ وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ أَيْ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْبَعْضِ وَعَلَيْهِ فَالْمُخْتَارُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ أَيُّ بَعْضٍ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُ مُعَيَّنٌ فَمَنْ قَامَ بِهِ سَقَطَ الْوُجُوبُ بِفِعْلِهِ وَقِيلَ: مَنْ قَامَ بِهِ لِسُقُوطِهِ بِفِعْلِهِ وَقِيلَ: مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ النَّاسِ يَسْقُطُ الْوَاجِبُ بِفِعْلِهِ وَبِفِعْلِ غَيْرِهِ كَمَا يَسْقُطُ الدَّيْنُ عَنْ الْمَدِينِ بِأَدَاءِ غَيْرِهِ عَنْهُ اُنْظُرْ التَّحْرِيرَ وَشَرْحَهُ لِابْنِ أَمِيرِ الْحَاجِّ وَيَكْفِي فِي سُقُوطِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى الْكُلِّ ظَنُّ أَنَّ الْغَيْرَ فَعَلَهُ لَا وُقُوعُهُ تَحْقِيقًا فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنَّ تِلْكَ فَعَلَتْ سَقَطَ عَنْ هَذِهِ وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ تِلْكَ أَنَّ هَذِهِ فَعَلَتْ سَقَطَ عَنْ تِلْكَ وَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِعْلُ الْأُخْرَى سَقَطَ الْفِعْلُ عَنْهُمَا وَمَنْ لَمْ يَظُنَّ مِنْهُمَا أَنَّ غَيْرَهُ فَعَلَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ

стр. 129

وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ تُمْكِنُ نِيَّتُهُ ثُمَّ الَّذِي تُمْكِنُ نِيَّتُهُ مِنْهُ مَا شُرِعَتْ فِيهِ النِّيَّةُ وَمِنْهُ مَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ النِّيَّةُ ثُمَّ انْقَسَمَتْ الشَّرْعِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى مَطْلُوبٍ وَغَيْرِ مَطْلُوبٍ فَغَيْرُ الْمَطْلُوبِ لَا يُنْوَى مِنْ حَيْثُ هُوَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ يُقْصَدُ بِالْمُبَاحِ التَّقَوِّي عَلَى مَطْلُوبٍ كَمَا يُقْصَدُ بِالنَّوْمِ التَّقَوِّي عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ تُشْرَعُ نِيَّتُهُ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَالْمَطْلُوبُ فِي الشَّرِيعَةِ قِسْمَانِ نَوَاهٍ وَأَوَامِرَ فَالنَّوَاهِي لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ شَرْعًا بَلْ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنْ عُهْدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرُ بِهِ فَضْلًا عَنْ الْقَصْدِ إلَيْهِ نَعَمْ إنْ نَوَى بِتَرْكِهَا وَجْهَ اللَّهِ الْعَظِيمِ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ وَصَارَ التَّرْكُ قُرْبَةً. وَأَمَّا الْأَوَامِرُ فَقِسْمَانِ أَيْضًا. مِنْهَا: مَا تَكُونُ صُوَرُ أَفْعَالِهَا كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ كَدَفْعِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهَذَا الْقِسْمُ مُسْتَغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ شَرْعًا فَمَنْ دَفَعَ دَيْنَهُ غَافِلًا عَنْ قَصْدِ التَّقَرُّبِ بِهِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَلَا يُفْتَقَرُ إلَى إعَادَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى نَعَمْ إنْ قَصَدَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ وَإِلَّا فَلَا. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ كَالْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِتَعْظِيمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَالتَّعْظِيمُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقَصْدِ أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ صَنَعَتْ ضِيَافَةً لِإِنْسَانٍ فَأَكَلَهَا غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِك لَكُنْت مُعَظِّمًا لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي بِسَبَبِ قَصْدِك فَمَا لَا قَصْدَ فِيهِ لَا تَعْظِيمَ فِيهِ فَيَلْزَمُ أَنَّ الْعِبَادَاتِ كُلَّهَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَصْدُ لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا ضَابِطُ مَا تُمْكِنُ فِيهِ النِّيَّةُ وَمَا لَا تُمْكِنُ فِيهِ النِّيَّةُ وَضَابِطُ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ مِمَّا يُمْكِنُ وَمَا لَا يَحْتَاجُ شَرْعًا وَهَذِهِ الْمَبَاحِثُ مُسْتَوْعَبَةٌ فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَةِ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ وَمَبْسُوطَةٌ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَهُنَاكَ مَسَائِلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ وَهَا أَنَا أُذَيِّلُ هَذَا الْفَرْقَ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْوِي إلَّا فِعْلَ نَفْسِهِ وَمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ لَهُ وَذَلِكَ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ تُمْكِنُ نِيَّتُهُ ثُمَّ الَّذِي تُمْكِنُ نِيَّتُهُ مِنْهُ مَا شُرِعَتْ فِيهِ النِّيَّةُ وَمِنْهُ مَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ النِّيَّةُ إلَى قَوْلِهِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ وَالْمَطْلُوبُ فِي الشَّرِيعَةِ إلَى قَوْلِهِ وَصَارَ التَّرْكُ قُرْبَةً. قَالَ: (وَأَمَّا الْأَوَامِرُ فَقِسْمَانِ أَيْضًا مِنْهَا مَا تَكُونُ صُوَرُ أَفْعَالِهَا كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصَالِحِهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ كَدَفْعِ الدُّيُونِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ) قُلْتُ: قَوْلُهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ يَعْنِي أَنَّهُ إذَا عُرِّيَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ مَعَ أَنَّهُ نَوَى أَدَاءَ دَيْنِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ الطَّلَبُ بِهِ بَعْدُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ لَكِنَّهُ لَا يُثَابُ حَتَّى يَنْوِيَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَدَاءِ دَيْنِهِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ: عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُثَابَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيَكْفِيهِ مِنْ النِّيَّةِ كَوْنُهُ قَصَدَ أَدَاءَ دَيْنِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ: فِي الْقِسْمِ الثَّانِي صَحِيحٌ. قَالَ: (وَهَا أَنَا أُذَيِّلُ هَذَا الْفَرْقَ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْوِي إلَّا فِعْلَ نَفْسِهِ وَمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ لَهُ وَذَلِكَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى الْبَعْضِ فَإِنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ تَرَكَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بَلْ يَجِبُ وَمَنْ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ غَيْرَهُ تَرَكَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ كَمَا نَقَلَهُ سَحْنُونٌ عَنْ الْمَحَلِّيِّ قَالَ: وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِي صُورَةِ الشَّكِّ فَعَلَى أَنَّهُ عَلَى الْبَعْضِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ غَيْرَهُ تَرَكَهُ وَعَلَى أَنَّهُ عَلَى الْكُلِّ يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَظُنَّ أَنَّ غَيْرَهُ فَعَلَهُ وَعَلَيْهِ دَرَجَ الْقَرَافِيُّ اهـ. وَالسُّقُوطُ هُنَا عَمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ بِظَنِّهِ فِعْلَ غَيْرِهِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَى الْكُلِّ إنَّمَا هُوَ لِقَاعِدَةِ سُقُوطِ الْوُجُوبِ عَنْ الْمُكَلَّفِ لِعَدَمِ حِكْمَةِ الْوُجُوبِ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ عَنْ السَّعْدِ وَالتَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ لَا لِأَنَّ الْغَيْرَ نَابَ عَنْ غَيْرِهِ حَتَّى يَرُدَّ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْبَدَنِيَّةَ لَا يُجْزِئُ فِيهَا فِعْلُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ وَهَاهُنَا أَجْزَأَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَالْجِهَادِ مَثَلًا وَكَيْفَ سَوَّى الشَّرْعُ بَيْنَ مَنْ فَعَلَ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ الشَّاطِّ وَإِطْلَاقُ لَفْظِ السُّقُوطِ عَمَّنْ لَمْ يَفْعَلْ لَا يَصِحُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْوُجُوبَ تَوَجَّهَ عَلَى الْجَمِيعِ ثُمَّ سَقَطَ عَنْ الْبَعْضِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ السُّقُوطِ أَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مَجَازًا اهـ أَيْ إمَّا بِالِاسْتِعَارَةِ لِعَلَاقَةِ الْمُشَابَهَةِ فِي عَدَمِ تَرَتُّبِ الْإِثْمِ وَإِمَّا مُرْسَلًا لِعَلَاقَةِ التَّقْيِيدِ ثُمَّ الْإِطْلَاقِ فَافْهَمْ نَعَمْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَيُحْتَمَلُ هُنَا أَنْ يُقَالَ: لَا يَكْفِي الظَّنُّ فَإِنْ قِيلَ لَا يَتَعَذَّرُ الْقَطْعُ فَالْجَوَابُ لَا يَتَعَذَّرُ الْقَطْعُ بِالشُّرُوعِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّهَيُّؤِ وَالِاسْتِعْدَادِ أَمَّا بِتَحْصِيلِ الْغَايَةِ فَيَتَعَذَّرُ فَهَاهُنَا يَكْفِي الظَّنُّ لَا فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَبَادِئِ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (فَائِدَةٌ) قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ ذِكْرِي فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْبُخَارِيِّ: وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ كَالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَسُنَّةِ الْكِفَايَةِ كَالْآذَانِ وَالْإِقَامَةِ إذَا أَرَادَ فَاعِلُهَا إسْقَاطَ الْحَرَجِ عَنْ حَاضِرِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ كَانَتْ لَهُ أُجُورُهُمْ. وَإِنْ بَلَغَتْ أَعْدَادُهُمْ مَا بَلَغَتْ اهـ نَقَلَهُ كَنُونِ عَلَى حَوَاشِي عبق وَفِي حَاشِيَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ وَهَلْ يَحْصُلُ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ ثَوَابٌ كَعِقَابِ الْجَمِيعِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ أَوَّلًا لِعَدَمِ الْعَمَلِ أَوْ إنْ كَانَ جَازِمًا فَسَبَقَهُ غَيْرُهُ فَالْأَوَّلُ وَإِلَّا فَالثَّانِي اهـ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْوُجُوبُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ لَمَّا كَانَ مَشْرُوطًا بِالِاتِّصَالِ وَالِاجْتِمَاعِ مَعَ الْفَاعِلِينَ وَمَفْقُودًا عِنْدَ الِانْفِصَالِ وَالِانْفِرَادِ عَنْهُمْ لِقَاعِدَةِ انْتِفَاءِ الْوُجُوبِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ كَانَتْ الْقَاعِدَةُ فِي جَمِيعِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ مِنْ أَنَّ

стр. 130

يُشْكِلُ بِأَنَّنَا نَنْوِي الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ مَعَ أَنَّ فَرْضِيَّةَ الظُّهْرِ مَثَلًا وَنَفْلِيَّةَ الضُّحَى لَيْسَتَا مِنْ فِعْلِنَا وَلَا مِنْ كَسْبِنَا بَلْ حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامُهُ لَيْسَتْ مُفَوَّضَةً لِلْعِبَادِ فَكَيْفَ صَحَّتْ النِّيَّةُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ النِّيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ تَبَعًا لِلْمُكْتَسَبِ أَمَّا اسْتِقْلَالًا فَلَا وَبِهَذَا نُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ صَعْبٍ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ يَنْوِي الْإِمَامَةَ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا مَعَ أَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ مُسَاوٍ لِفِعْلِ الْمُنْفَرِدِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْإِمَامَةُ فِعْلًا زَائِدًا فَهَذِهِ نِيَّةٌ بِلَا مَنْوِيٍّ فَلَا تُتَصَوَّرُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ النِّيَّةِ كَوْنُهُ مُقْتَدًى بِهِ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ لَكِنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ تَبَعًا لِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الَّذِي نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَمْسًا فَيَقُولُ هَذَا مُتَرَدِّدٌ فِي نِيَّتِهِ وَلَا تَصِحُّ النِّيَّةُ فِي التَّرَدُّدِ فَتَكُونُ هَذِهِ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْقَاعِدَةِ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا بَلْ الشَّكُّ نَصَبَهُ الشَّارِعُ سَبَبًا لِإِيجَابِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَهُوَ جَازِمٌ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِهَا الَّذِي هُوَ الشَّكُّ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) النِّيَّةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ لِئَلَّا يَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ التَّسَلْسُلُ وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّعْلِيلِ بِالتَّسَلْسُلِ بَلْ النِّيَّةُ مِنْ الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ أَنَّ صُورَتَهَا كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] يُشْكِلُ بِأَنَّا نَنْوِي الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ مَعَ أَنَّ فَرْضِيَّةَ الظُّهْرِ مَثَلًا وَنَفْلِيَّةَ الضُّحَى لَيْسَتَا مِنْ فِعْلِنَا وَلَا مِنْ كَسْبِنَا بَلْ حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامُهُ لَيْسَتْ مُفَوَّضَةً لِلْعِبَادِ فَكَيْفَ صَحَّتْ النِّيَّةُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ النِّيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْمُكْتَسَبِ تَبَعًا لِلْمُكْتَسَبِ أَمَّا اسْتِقْلَالًا فَلَا) قُلْتُ: مَاذَا يُرِيدُ بِقَوْلِهِ أَنَّا نَنْوِي لِلْفَرْضِ وَالنَّفَلِ أَيُرِيدُ أَنَّا نَقْصِدُ جَعْلَ الْفَرْضِ فَرْضًا وَالنَّفَلِ نَفْلًا أَمْ يُرِيدُ أَنَّا نَقْصِدُ إيقَاعَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ أَوْ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ نَفْلٌ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَذَلِكَ لَيْسَ لَنَا وَلَا أُمِرْنَا بِأَنْ نَنْوِيَهُ وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَا بِحُكْمِ التَّبَعِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّا نَقْصِدُ إيقَاعَ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ أَوْ نَفْلٌ فَلَيْسَ فِي هَذَا تَعَلُّقُ نِيَّتِنَا بِالْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَتْ بِالصَّلَاةِ الَّتِي مِنْ صِفَتِهَا الْفَرْضِيَّةُ أَوْ النَّفْلِيَّةُ وَذَلِكَ الَّذِي هُوَ مِنْ فِعْلِنَا وَأَمْرِنَا بِأَنْ نَنْوِيَهُ. قَالَ: (وَبِهَذَا نُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ صَعْبٍ وَهُوَ أَنَّ الْإِمَامَ يَنْوِي الْإِمَامَةَ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا مَعَ أَنَّ فِعْلَ الْإِمَامِ مُسَاوٍ لِفِعْلِ الْمُنْفَرِدِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ الْإِمَامَةُ فِعْلًا زَائِدًا فَهَذِهِ نِيَّةٌ بِلَا مَنْوِيٍّ فَلَا تُتَصَوَّرُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مُتَعَلِّقَ النِّيَّةِ كَوْنُهُ مُقْتَدًى بِهِ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ لَكِنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ تَبَعًا لِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ) قُلْتُ: أَلَيْسَ تَعْيِينُهُ نَفْسَهُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ وَتَقَدُّمُهُ لِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ فَذَلِكَ هُوَ مُتَعَلِّقُ نِيَّتِهِ وَسَهُلَتْ الصُّعُوبَةُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الَّذِي نَسِيَ صَلَاةً مِنْ خَمْسٍ وَذَلِكَ فِي عَيْنِهَا إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ: فِيهَا صَحِيحٌ. قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: النِّيَّةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ: لِئَلَّا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ لِأَنَّهُ إذَا نَوَى إيقَاعَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اللَّاحِقَ بِالْفَاعِلِينَ وَقَدْ كَانَ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ كَمَنْ يَلْحَقُ بِالْمُجَاهِدِينَ مِنْ الْمُتَطَوِّعِينَ وَبِمُجَهِّزِ الْأَمْوَاتِ مِنْ الْأَحْيَاءِ وَبِالسَّاعِينَ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ مِنْ الطُّلَّابِ يَقَعُ فِعْلُهُ فَرْضًا بَعْدَمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْوُجُوبِ لَمْ تَحْصُلْ بَعْدُ وَمَا وَقَعَتْ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِعْلُ الْجَمِيعِ وَاجِبًا لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَتْبَعُ الْمَصَالِحَ وَيَخْتَلِفُ ثَوَابُهُمْ بِحَسَبِ مَسَاعِيهمْ لَيْسَتْ بِنَاقِضَةٍ لِأَيِّ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الْوَاجِبِ لِأَنَّ هَذَا اللَّاحِقَ بِالْمُجَاهِدِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ لَهُ التَّرْكُ إجْمَاعًا مِنْ غَيْرِ ذَمٍّ وَلَا لَوْمٍ وَلَا اسْتِحْقَاقِ عِقَابٍ إلَّا أَنَّ فِعْلَهُ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ إلَّا بِشَرْطِ الِاجْتِمَاعِ وَوَصْفُهُ بِهِ مَعَ شَرْطِ الِاجْتِمَاعِ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْكَ لَا يُوصَفُ بِالْإِثْمِ إلَّا مَعَ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّرْكِ مَعَ الِاجْتِمَاعِ وَلَا يُتَصَوَّرُ إلَّا إذَا تَرَكَ الْجَمِيعُ وَالْعِقَابُ حِينَئِذٍ مُتَحَقِّقٌ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي هَذَا اللَّاحِقِ بِالْمُجَاهِدِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ الْوُجُوبُ وَعَدَمُ الذَّمِّ عَلَى تَرْكِهِ حَتَّى يَكُونَ مُنَاقِضًا لِحُدُودِ الْوَاجِبِ كُلِّهَا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) مَصْلَحَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَيْسَتْ إلَّا الْمَغْفِرَةُ ظَنًّا لَا قَطْعًا لِتَعَذُّرِ الْقَطْعِ وَالْمَغْفِرَةُ ظَنًّا حَاصِلَةٌ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ فَانْدَرَجَتْ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فِي فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ بِلَا شُبْهَةٍ وَامْتَنَعَتْ إعَادَتُهَا لِحُصُولِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ مُعْتَمَدُ الْوُجُوبِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ الْقَائِلِ بِأَنَّ إعَادَتَهَا مَشْرُوعَةٌ لَا مَمْنُوعَةٌ وَالْإِعَادَةُ وَإِنْ كَانَتْ لَهَا مَصْلَحَةٌ هِيَ تَكْثِيرُ الدُّعَاءِ إلَّا أَنَّهَا مَصْلَحَةٌ نَدْبِيَّةٌ وَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُسَاعِدُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا وَلَا تَقَعُ إلَّا وَاجِبَةً. وَلَا تَقَعُ مَنْدُوبَةً أَصْلًا فَتَحَقَّقَ امْتِنَاعُ الْإِعَادَةِ بِتَحَقُّقِ قَاعِدَةِ تَعَذُّرِ النَّدْبِ فِيهَا وَصَارَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْمَشَقَّةِ الْمُسْقِطَةِ لِلْعِبَادَةِ وَالْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُسْقِطُهَا] (الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْمَشَقَّةِ الْمُسْقِطَةِ لِلْعِبَادَةِ وَالْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُسْقِطُهَا) اعْلَمْ أَنَّ التَّكْلِيفَ إلْزَامُ الْكُلْفَةِ عَلَى الْمُخَاطَبِ بِمَنْعِهِ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ دَوَاعِي نَفْسِهِ وَهُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ حَتَّى الْإِبَاحَةِ ثُمَّ يَخْتَصُّ غَيْرُ الْإِبَاحَةِ بِمَشَاقَّ بَدَنِيَّةٍ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ فَالتَّكْلِيفُ بِهِ إنْ وَقَعَ مَعَ مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَشَاقِّ عَادَةً أَوْ فِي الْغَالِبِ أَوْ فِي النَّادِرِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فِي

стр. 131

لِأَنَّ مَصْلَحَتَهَا التَّمْيِيزُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَا سَوَاءً قَصَدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ فَاسْتَغْنَتْ عَنْ النِّيَّةِ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إذَا قَصَدَ الْإِنْسَانُ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا فَإِذَا قَالَ فِي نَفْسِهِ نَوَيْت فَرْضَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا خَرَجَتْ سُنَنُ صَلَاةِ الظُّهْرِ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَنْوِيَّةً فَلَا يُثَابُ عَلَيْهَا وَمَا قَالَهُ أَحَدٌ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْصِدَ لِمَا فِي الظُّهْرِ مِنْ فَرْضٍ فَيَنْوِيَهُ وَإِلَى مَا فِيهِ مِنْ سُنَّةٍ فَيَنْوِيَهُ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِالْأَوَّلِ وَيُثَابَ بِالثَّانِي وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِاشْتِرَاطِ نِيَّتَيْنِ فَمَا الْجَوَابُ عَنْهُ وَالْجَوَابُ أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَتَكْفِي هَذِهِ النِّيَّةُ الْمُجْمَلَةُ فِي انْسِحَابِهَا عَلَى فَرَوْضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا فَإِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّفْصِيلَ فِي النِّيَّةِ وَلِذَلِكَ إنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ عَدَدَ السَّجَدَاتِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ بَلْ يَكْفِي بِانْسِحَابِ النِّيَّةِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ. (الْفَرْقُ التَّاسِعَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَمَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ) أَفْعَالُ الْعِبَادِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا شُرِعَتْ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَمِنْهَا مَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَمِنْهَا مَا تُكْرَهُ فِيهِ فَالْأَوَّلُ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى الْخِلَافِ وَذَبْحِ النُّسُكِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَمِنْهُ مُبَاحَاتٌ لَيْسَتْ بِعِبَادَاتٍ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَالثَّانِي كَالصَّلَوَاتِ وَالْآذَانِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَكَالْأَذْكَارِ وَالدُّعَاءِ وَالثَّالِثُ كَالْمُحَرَّمَاتِ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ التَّسْمِيَةِ حُصُولُ الْبَرَكَةِ فِي الْفِعْلِ الْمُبَسْمَلِ عَلَيْهِ وَالْحَرَامُ لَا يُرَادُ تَكْبِيرُهُ وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ تَتَحَصَّلُ مِنْ تَفَارِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فِي الْمَذْهَبِ فَأَمَّا ضَابِطُ مَا تُشْرَعُ فِيهِ التَّسْمِيَةُ مِنْ الْقُرُبَاتِ وَمَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ فَقَدْ وَقَعَ الْبَحْثُ فِيهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ وَعَسُرَ تَحْرِيرُ ذَلِكَ وَضَبْطُهُ وَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ قَالَ: إنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ فِي الْأَذْكَارِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا لِأَنَّهَا بَرَكَةٌ فِي نَفْسِهَا فَوَرَدَ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَالْبَرَكَاتِ مَعَ أَنَّهَا شُرِعَتْ فِيهِ فَالْقَصْدُ مِنْ هَذَا الْفَرْقِ بَيَانُ عُسْرِهِ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى طَلَبِ الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا لَا إشْكَالَ فِيهِ فَإِذَا نُبِّهَ عَلَى الْإِشْكَالِ اسْتَفَادَهُ وَحَثَّهُ ذَلِكَ عَلَى طَلَبِ جَوَابِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى خَلَّاقٌ عَلَى الدَّوَامِ يَهَبُ فَضْلَهُ لِمَنْ يَشَاءُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ (الْفَرْقُ الْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّوْمِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» فَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الْإِضَافَةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّشْرِيفِ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ الْفَتَاوَى عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ مَنْوِيَّةً فَإِنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ مَشْرُوعَةٌ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَلَمْ يُشْرَعْ لَهُ أَنْ يَنْوِيَ نِيَّةَ الِامْتِثَالِ حَتَّى يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ وَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ قَوْلُهُ هُوَ إنَّ النِّيَّةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِيهَا صَحِيحٌ. قَالَ: (الْفَرْقُ التَّاسِعَ عَشَرَ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ. قَالَ: (الْفَرْقُ الْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّوْمِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ إلَى آخِرِ مَا قَالَ: فِيهِ) قُلْتُ: أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي الْقَوْلُ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ وَهُوَ أَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ النَّقْضِ بِالْإِيمَانِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ يُجَابُ عَنْهُ بِحَمْلِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْبَرْدِ وَالصَّوْمِ فِي النَّهَارِ الطَّوِيلِ وَالْمُخَاطَرَةِ بِالنَّفْسِ فِي الْجِهَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ مَا يَلْزَمُهُ فِي الْعِبَادَةِ لَا بِإِسْقَاطٍ وَلَا بِتَخْفِيفٍ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ نَقْصَ التَّكْلِيفِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ التَّكْلِيفُ بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْمَشَاقِّ كَانَ مَا يَلْزَمُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي الْإِسْقَاطِ أَوْ التَّخْفِيفِ كَالْخَوْفِ عَلَى النُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ لِأَنَّ حِفْظَ هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ سَبَبُ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَوْ حَصَّلْنَا هَذِهِ الْعِبَادَةَ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى مَا ذُكِرَ لِثَوَابِهَا لَأَدَّى لِذَهَابِ أَمْثَالِهَا وَالثَّانِي مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي ذَلِكَ كَأَدْنَى وَجَعٍ فِي أُصْبُعٍ لِأَنَّ تَحْصِيلَ هَذِهِ الْعِبَادَةِ أَوْلَى مِنْ دَرْءِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ وَخِفَّةِ هَذِهِ الْمَشَقَّةِ الثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ فِي التَّخْفِيفِ مَا اشْتَدَّتْ مَشَقَّتُهُ. وَإِنْ بِسَبَبِ التَّكْرَارِ لَا مَا خَفَّتْ مَشَقَّتُهُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَيَسْقُطُ التَّطْهِيرُ مِنْ الْخُبْثِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ ثَوْبِ الْمُرْضَعِ وَكُلُّ مَا يَعْسُرُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَيَسْقُطُ الْوُضُوءُ فِيهَا بِالتَّيَمُّمِ لِكَثْرَةِ عَدَمِ الْمَاءِ وَالْحَاجَةِ إلَيْهِ وَالْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ وَبَعْضُهُمْ يَعْتَبِرُ فِي التَّخْفِيفِ شَدِيدَ الْمَشَقَّةِ وَخَفِيفَهَا وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ تَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فَكَمَا وَجَدْت الْمَشَاقَّ الثَّلَاثَةَ فِي الْوُضُوءِ كَذَلِكَ تَجِدُهَا فِي الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَتَوَقَانِ الْجَائِعِ لِلطَّعَامِ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ وَالتَّأَذِّي بِالرِّيَاحِ الْبَارِدَةِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ وَالْمَشْيِ فِي الْوَحْلِ وَغَصْبِ الْحُكَّامِ وَجُوعِهِمْ الْمَانِعَيْنِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْفِكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ فِي الْبَيْعِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ وَهَكَذَا فِي جَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ. [ضَابِطُ الْمَشَقَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي التَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِهَا] وَضَابِطُ الْمَشَقَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي التَّخْفِيفِ مِنْ غَيْرِهَا هُوَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْفَقِيهِ أَوَّلًا أَنْ يَفْحَصَ عَنْ أَدْنَى مَشَاقِّ تِلْكَ الْعِبَادَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَيُحَقِّقَهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ اسْتِدْلَالٍ ثُمَّ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْمَشَاقِّ يَنْظُرُ فِيهِ ثَانِيًا فَإِنْ كَانَ مِثْلَ تِلْكَ الْمَشَقَّةِ أَوْ أَعْلَى مِنْهَا جَعَلَهُ مُسْقِطًا وَإِنْ كَانَ أَدْنَى مِنْهَا لَمْ يَجْعَلْهُ مُسْقِطًا مِثَالُ ذَلِكَ التَّأَذِّي بِالْقَمْلِ فِي الْحَجِّ مُبِيحٌ لِلْحَلْقِ بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فَأَيُّ مَرَضٍ آذَى مِثْلُهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ أَبَاحَ وَإِلَّا فَلَا وَالسَّفَرُ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ بِالنَّصِّ فَيُعْتَبَرُ بِهِ غَيْرُهُ مِنْ الْمَشَاقِّ. [مَا لَا ضَابِطَ لَهُ وَلَا تَحْدِيدَ وَقَعَ فِي الشَّرْعِ عَلَى قِسْمَيْنِ] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ لَمْ يَكْتَفِ الشَّرْعُ فِي إسْقَاطِهَا بِمُسَمَّى تِلْكَ الْمَشَاقِّ بَلْ لِكُلِّ عِبَادَةٍ مُرَتَّبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ مَشَاقِّهَا الْمُؤَثِّرَةِ فِي إسْقَاطِهَا كَمَا عَلِمْت

стр. 132

مِنْهُ وَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ أَيْضًا قَالَ: ﵊ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ إنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا بُدَّ لِهَذِهِ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ مِنْ فَارِقٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْعُلَمَاءُ ﵃ فِيهِ فُرُوقًا أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ نَبَّهَ عَلَى شَرَفِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِمَا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْإِيمَانَ وَالْإِخْلَاصَ وَأَعْمَالُ الْقُلُوبِ الْحَسَنَةُ كُلُّهَا خَفِيَّةٌ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ تَنَاوَلَهَا بِعُمُومِهِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ جَوْفَ الْإِنْسَانِ يَبْقَى خَالِيًا فَيَحْصُلُ لَهُ شِبْهُ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّ الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِيهِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الِاشْتِغَالُ بِالْعُلُومِ فَإِنَّ الْعِلْمَ مِنْ أَجَلِّ صِفَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى فَمَنْ حَصَّلَهُ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ شَبَهٌ عَظِيمٌ وَكَذَلِكَ الِانْتِقَامُ مِنْ الْمُجْرِمِينَ وَالْإِحْسَانُ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْظِيمُ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَكُلُّ ذَلِكَ إذَا صَدَرَ مِنْ الْعَبْدِ كَانَ فِيهِ التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ مُفَضَّلٌ عَلَيْهَا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَثَالِثُهَا أَنَّهُ اخْتَصَّ بِتَرْكِ الْإِنْسَانِ لِشَهَوَاتِهِ وَمَلَاذِّهِ فِي فَرْجِهِ وَفَمِهِ وَذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ يُوجِبُ الثَّنَاءَ وَالتَّشْرِيفَ بِالْإِضَافَةِ الْمَذْكُورَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْجِهَادَ أَعْظَمُ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِيهِ مُؤْثِرٌ مُهْجَتَهُ وَجَسَدَهُ وَحَيَاتَهُ فَيَذْهَبُ جَمِيعُ الشَّهَوَاتِ تَبَعًا لِذَهَابِ الْحَيَاةِ وَكَذَلِكَ الْحَجُّ يَتْرُكُ فِيهِ الْعَبْدُ الْمَخِيطَ وَالْمُحِيطَ وَالطِّيبَ وَالتَّنْظِيفَ وَيُفَارِقُ الْأَوْطَانَ وَالْأَوْطَارَ وَالْأَهْلَ وَالْأَوْلَادَ وَالْإِخْوَانَ وَيَرْتَكِبُ الْأَخْطَارَ فِي الْأَسْفَارِ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ مُفَضَّلٌ عَلَيْهِ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَرَابِعُهَا أَنَّ جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ وَقَعَ التَّقَرُّبُ بِهَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَقَرَّبْ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلِذَلِكَ خُصِّصَ بِالْإِضَافَةِ وَوَرَدَ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّوْمَ أَيْضًا وَقَعَ التَّقَرُّبُ بِهِ إلَى الْكَوَاكِبِ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ أَرْبَابُ الِاسْتِخْدَامَاتِ لِلْكَوَاكِبِ وَخَامِسُهَا أَنَّ الصَّوْمَ يُوجِبُ تَصْفِيَةَ الْفِكْرِ وَصَفَاءَ الْعَقْلِ وَضَعْفَ الْقُوَى الشَّهْوَانِيَّةِ بِسَبَبِ الْجُوعِ وَقِلَّةِ الْغِذَاءِ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﵇ «لَا تَدْخُلُ الْحِكْمَةُ جَوْفًا مُلِئَ طَعَامًا» وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْبِطْنَةُ تَذْهَبُ بِالْفِطْنَةِ» وَلَا شَكَّ أَنَّ صَفَاءَ الْعَقْلِ وَضَعْفَ الشَّهْوَةِ الْبَهِيمِيَّةِ مِمَّا يُوجِبُ حُصُولَ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَهَذِهِ مِزْيَةٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ التَّشْرِيفَ بِالْإِضَافَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّلَاةَ وَمُنَاجَاةَ الرَّبِّ وَالْمُرَاقَبَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَالْتِزَامَ الْأَدَبِ مَعَهُ وَالْخُضُوعِ لَدَيْهِ مِمَّا يُوجِبُ حُصُولَ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ دَالَّةٌ عَلَى سَبَبِ الْمَوَاهِبِ وَالنُّورِ وَالْهِدَايَةِ وَجَزِيلِ الْفَضَائِلِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَرَتِّبًا عَلَى الصَّلَاةِ أَكْثَرَ إذَا وَقَعَتْ مِنْ الْمُكَلَّفِ عَلَى وَجْهِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ نَبِيُّهُ ﷺ عَنْهُ «مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْمُرَادَ بِهِ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ لَا الْبَاطِنَةُ وَأَنَّ الصَّوْمَ اخْتَصَّ دُونَهَا بِهَذِهِ الْمِزْيَةِ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ كَوْنُ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْمِزْيَةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى مَا قَرَّرَ هُوَ بَعْدَ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَبَيْنَ الْمُعَامَلَاتِ اكْتَفَى الشَّرْعُ فِي إسْقَاطِ الْمَسْئُولِيَّةِ فِيهَا عَلَى أَقِلَّ مَا تَصْدُقُ عَلَيْهِ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ حَقِيقَتُهَا إنْ بَاعَ عَبْدًا أَوْ اشْتَرَطَ أَنَّهُ كَاتَبَ يَكْفِي فِي تَحْقِيقِ هَذَا الشَّرْطِ مُسَمَّى الْكِتَابَةِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْمَهَارَةِ فِيهَا وَكَذَلِكَ شُرُوطُ السَّلَمِ فِي سَائِرِ الْأَوْصَافِ وَأَنْوَاعِ الْحِرَفِ يُقْتَصَرُ عَلَى مُسَمَّاهَا دُونَ مَرْتَبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهَا هُوَ أَنَّ الْعِبَادَةَ لَمَّا كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَمَوَاهِبِ ذِي الْجَلَالِ وَسَعَادَةِ الْأَبَدِ كَانَ تَفْوِيتُهَا بِمُسَمَّى الْمَشَقَّةِ مَعَ يَسَارَةِ احْتِمَالِهَا غَيْرَ لَائِقٍ وَلِذَلِكَ كَانَ تَرْكُ التَّرْخِيصِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى وَكَانَ تَعَاطِي الْعِبَادَةِ مَعَ الْمَشَقَّةِ أَبْلَغَ فِي إظْهَارِ الطَّوْعِيَّةِ وَأَبْلَغَ فِي التَّقَرُّبِ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﵊ «أَفْضَلُ الْعِبَادَةِ أَحْزَمُهَا» أَيْ أَشَقُّهَا وَقَالَ: «أَجْرُك عَلَى قَدْرِ نَصَبِك» وَالْمُعَامَلَاتُ لَمَّا كَانَتْ مَصَالِحُهَا الَّتِي بُذِلَتْ الْأَعْوَاضُ فِيهَا تَحْصُلُ بِمُسَمَّى حَقَائِقِ الشَّرْعِ وَالشُّرُوطِ كَانَ الْتِزَامُ غَيْرِ ذَلِكَ فِيهَا يُؤَدِّي إلَى كَثْرَةِ الْخِصَامِ وَنَشْرِ الْفَسَادِ وَإِظْهَارِ الْعِنَادِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَصْلٌ) فِي تَحْرِيرِ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ بِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ وَبَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْكَبَائِرِ وَالْكُفْرِ وَبَيْنَ أَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَأَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ وَبَيْنَ أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ وَأَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَهَذِهِ مَوَاضِعُ شَاقَّةُ الضَّبْطِ عَسِيرَةُ التَّحْرِيرِ وَفِيهَا غَوَامِضُ صَعْبَةٌ عَلَى الْفَقِيهِ وَالْمُفْتِي عِنْدَ حُلُولِ النَّوَازِلِ فِي الْفَتَاوَى وَالْأَقْضِيَةِ وَاعْتِبَارِ حَالِ الشُّهُودِ فِي التَّجْرِيحِ وَعَدَمِهِ أَمَّا بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهِ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَبِيرَةٌ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْإِطْلَاقِ أَمْرٌ كَبِيرٌ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي أَنَّ مَا الذَّمُّ عَلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ بِهِ إنْ نَفَذَ عَلَى مُرْتَكِبِهِ الْوَعِيدُ أَشَدُّ فَهُوَ مِنْ الذُّنُوبِ الْكَبَائِرِ وَأَنَّ مَا الذَّمُّ عَلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ بِهِ إنْ نَفَذَ عَلَى مُرْتَكِبِهِ الْوَعِيدُ أَخَفُّ فَهُوَ مِنْ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ إذْ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقَوَاعِدُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْهُمَا وَهِيَ أَنَّ مَا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ وَمَا لَا فَلَا تَقْتَضِي الْقَطْعَ بِالتَّفَاوُتِ بَيْنَ الذُّنُوبِ فِي الذَّمِّ وَالْعِقَابِ إنْ نَفَذَ الْوَعِيدُ وَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] فَجَعَلَهَا رُتَبًا ثَلَاثَةً الْكُفْرُ رُتْبَةٌ أُولَى وَالْفُسُوقُ ثَانِيَةٌ وَالْعِصْيَانُ ثَالِثَةٌ يَلِي الْفُسُوقَ وَهُوَ الصَّغَائِرُ فَجَمَعَتْ الْآيَةُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ. وَسُمِّيَ بَعْضُ الْمَعَاصِي فُسُوقًا دُونَ

стр. 133

إلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» وَالْمُصَلِّي يَتَقَرَّبُ أَكْثَرَ فَيَكُونُ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَعْظَمَ وَذُكِرَ مَعَ هَذِهِ الْوُجُوهِ وُجُوهٌ أُخَرُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ غَيْرُ سَالِمَةٍ مِنْ النَّقْصِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ فَرْقًا تَقَرُّ بِهِ الْعَيْنُ وَيَسْكُنُ إلَيْهِ الْقَلْبُ غَيْرَ أَنِّي أَوْقَفْتُك عَلَى أَكْثَرَ مَا قِيلَ فِيهِ مِمَّا هُوَ قَوِيُّ الْمُنَاسَبَةِ وَمَا يَرِدُ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْتَ مِنْ وَرَاءِ الْفَحْصِ وَالْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الْحَادِيَ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ جُزْئِيَّاتِ الْمَعْنَى وَقَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ أَجْزَائِهِ أَوْ الْكُلِّيَّةِ عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا وَهُوَ الْعُمُومُ عَلَى الْخُصُوصِ) وَهَذَا الْمَعْنَى قَدْ الْتَبَسَ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا الْمَوْضِعُ أَصْلُهُ إطْلَاقٌ وَقَعَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الِاسْمِ هَلْ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى أَوَّلِهِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ فَلَمَّا وَقَعَ هَذَا الْإِطْلَاقُ لِلْأُصُولِيِّينَ عَمِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ عَلَى تَخْرِيجِ الْفُرُوعِ عَلَيْهِ عَلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ قَاعِدَتَيْنِ: (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) تَحْقِيقُ الْجُزْئِيِّ مَا هُوَ وَلَهُ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا كُلُّ شَخْصٍ مِنْ نَوْعٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ وَكَذَلِكَ كُلُّ شَخْصٍ مِنْ نَوْعٍ كَالْفَرَسِ الْمُعَيَّنِ مِنْ نَوْعِ الْفَرَسِ وَالْحَجَرِ الْمُعَيَّنِ مِنْ نَوْعِ الْحِجَارَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَثَانِيهِمَا مَا انْدَرَجَ تَحْتَ كُلِّيٍّ هُوَ وَغَيْرُهُ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِالْأَشْخَاصِ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو لِانْدِرَاجِهِمَا تَحْتَ مَفْهُومِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِمَا وَيَصْدُقُ أَيْضًا عَلَى الْأَنْوَاعِ وَالْأَجْنَاسِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأَشْخَاصٍ لِانْدِرَاجِهَا تَحْتَ كُلِّيٍّ هِيَ وَغَيْرُهَا فَالْإِنْسَانُ يَنْدَرِجُ تَحْتَ الْحَيَوَانِ مَعَ الْفَرَسِ وَالْحَيَوَانُ مَعَ النَّبَاتِ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ النَّامِي وَالنَّامِي وَالْجَمَادُ مُنْدَرِجَانِ تَحْتَ الْجِسْمِ فَهَذَانِ هُمَا مَعْنَى الْجُزْئِيِّ. (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) بَيَانُ الْجُزْءِ وَهُوَ الَّذِي لَا يُعْقَلُ إلَّا بِالْقِيَاسِ إلَى كُلٍّ فَالْكُلُّ مُقَابِلٌ لِلْجُزْءِ وَالْكُلِّيُّ مُقَابِلٌ لِلْجُزْئِيِّ فَالْخَمْسَةُ مِنْ الْعَشَرَةِ جُزْءٌ وَالْحَيَوَانُ مِنْ الْإِنْسَانِ جُزْءٌ وَالْإِنْسَانُ كُلٌّ لِتَرَكُّبِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ وَهَاهُنَا قَاعِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْكُلِّ دَالٌّ عَلَى جُزْئِهِ فِي الْأَمْرِ وَخَبَرَ الثُّبُوتِ بِخِلَافِ النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ فَإِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَوْجَبَ رَكْعَةً ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ جُزْئِيَّاتِ الْمَعْنَى وَقَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ أَجْزَائِهِ أَوْ الْكُلِّيَّةِ عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا وَهُوَ الْعُمُومُ عَلَى الْخُصُوصِ إلَى قَوْلِهِ: وَالْإِنْسَانُ كُلٌّ لِتَرَكُّبِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالنَّاطِقِ) قُلْتُ: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَهَاهُنَا قَاعِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْكُلِّ دَالٌّ عَلَى جُزْئِهِ فِي الْأَمْرِ وَخَبَرَ الثُّبُوتِ بِخِلَافِ النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّ دَالٌّ عَلَى جُزْئِهِ مُطْلَقًا. قَالَ: (فَإِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَوْجَبَ رَكْعَةً) قُلْتُ: إنْ أَرَادَ فَقَدْ أَوْجَبَ رَكْعَةً مُنْفَرِدَةً فَمَمْنُوعٌ وَإِنْ أَرَادَ فَقَدْ أَوْجَبَ رَكْعَةً مُقَارِنَةً لِأُخْرَى فَمُسَلَّمٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بَعْضٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] الْآيَةُ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فَإِنَّ فِيهَا صَرَاحَةً فِي انْقِسَامِ الذُّنُوبِ إلَى كَبَائِرَ وَصَغَائِرَ. وَالسُّنَّةُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّحِيحَيْنِ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا «الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاَللَّهِ وَالسِّحْرُ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ» زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» وَمُسْلِمٌ بَدَلَهَا «وَقَوْلُ الزُّورِ» . وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا وَمِنْ كَذَا إلَى كَذَا كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ فَخَصَّ الْكَبَائِرَ بِبَعْضِ الذُّنُوبِ وَلَوْ كَانَتْ الذُّنُوبُ كُلُّهَا كَبَائِرَ لَمْ يَسُغْ ذَلِكَ وَلِأَنَّ مَا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ أَحَقُّ بِاسْمِ الْكَبِيرَةِ تَخْصِيصًا لَهُ بِاسْمٍ يَخُصُّهُ فَلِذَلِكَ قَالَ الْغَزَالِيُّ لَا يَلِيقُ إنْكَارُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ وَقَدْ عُرِفَا مِنْ مَدَارِكِ الشَّرْعِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا أَوَّلًا فِي أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ صَغِيرَةٍ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ يَمْنَعُ إجْلَالًا لَهُ وَتَعْظِيمًا لِحُدُودِهِ إلَّا فِي مَحَلِّ تَبْيِينِ تَفَاوُتِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ إنْ نَفَذَ الْوَعِيدُ أَوْ يَجُوزُ مُطْلَقًا وَثَانِيًا فِي أَنَّ الْكَبَائِرَ كُلَّهَا هَلْ تُعْرَفُ وَتَنْحَصِرُ أَوْ لَا الثَّانِي لِبَعْضِهِمْ قَالُوا: لِأَنَّهُ وَرَدَ وَصْفُ أَنْوَاعٍ مِنْ الْمَعَاصِي بِأَنَّهَا كَبَائِرُ وَأَنْوَاعٍ بِأَنَّهَا صَغَائِرُ وَأَنْوَاعٍ لَمْ تُوصَفْ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا وَالْأَوَّلُ لِلْأَكْثَرِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ لَا تَنْضَبِطُ إلَّا بِالْعَدِّ فَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا ثَلَاثٌ. وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهَا أَرْبَعٌ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّهَا سَبْعٌ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ وَعَطَاءٌ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا أَنَّهَا عَشْرَةٌ وَقِيلَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهَا مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إلَى قَوْلِهِ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا كَمَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالطَّبَرَانِيُّ هِيَ إلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى السَّبْعِ وَقَالَ أَكْبَرُ تَلَامِذَتِهِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - هِيَ إلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ يَعْنِي بِاعْتِبَارِ أَصْنَافِ أَنْوَاعِهَا وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَمْ الْكَبَائِرُ سَبْعٌ هِيَ. قَالَ: هِيَ إلَى السَّبْعِمِائَةِ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى سَبْعٍ غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفَارِ أَيْ التَّوْبَةِ بِشُرُوطِهَا

стр. 134

وَإِذَا قُلْنَا عِنْدَ زَيْدٍ نِصَابٌ فَعِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ أَمَّا إذَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فِي الصُّبْحِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا قُلْنَا لَيْسَ عِنْدَهُ نِصَابٌ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ بَلْ تِسْعَةَ عَشَرَ وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ إعْدَامَ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمُ الْحَقِيقَةِ يَصْدُقُ بِعَدَمِ جُزْءٍ وَاحِدٍ مِنْهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَدَمُهَا عَلَى عَدَمِ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا كَمَا يُعْدَمُ النِّصَابُ بِدِينَارٍ فَكَذَلِكَ خَبَرُ النَّفْيِ أَمَّا ثُبُوتُ الْحَقِيقَةِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَلَا يَثْبُتُ النِّصَابُ إلَّا بِثُبُوتِ جَمِيعِ عِشْرِينَ دِينَارًا وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِتَحْصِيلِ الْمُرَكَّبِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْصِيلِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَلَا تَحْصُلُ الرَّكْعَتَانِ حَتَّى تَتَحَصَّلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَلِذَلِكَ دَلَّ الْأَمْرُ وَخَبَرُ الثُّبُوتِ عَلَى ثُبُوتِ الْجُزْءِ دُونَ النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (وَإِذَا قُلْنَا عِنْدَ زَيْدٍ نِصَابٌ فَعِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ) قُلْتُ: إنْ أَرَادَ فَعِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مُنْفَرِدَةً فَمَمْنُوعٌ وَإِنْ أَرَادَ فَعِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مُقْتَرِنَةً بِأُخْرَى فَمُسَلَّمٌ. قَالَ: (أَمَّا إذَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فِي الصُّبْحِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ) قُلْتُ: إنْ أَرَادَ لَا يَلْزَمُ النَّهْيُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثَةٌ فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادَ لَا يَلْزَمُ النَّهْيُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ مُتَّصِلَتَيْنِ بِثَالِثَةٍ فَمَمْنُوعٌ. قَالَ: (وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ عِنْدَهُ نِصَابٌ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ بَلْ تِسْعَةَ عَشَرَ) قُلْتُ: إنْ أَرَادَ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مُنْفَرِدَةً فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادَ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا تَكُونَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مَعَ عَشَرَةٍ أُخْرَى فَمَمْنُوعٌ قَالَ: (وَالسِّرُّ فِي ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ إعْدَامَ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمُ الْحَقِيقَةِ يَصْدُقُ بِعَدَمِ جُزْءٍ وَاحِدٍ مِنْهَا وَلَا يَتَوَقَّفُ عَدَمُهَا عَلَى عَدَمِ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا كَمَا يُعْدَمُ النِّصَابُ بِدِينَارٍ فَكَذَلِكَ خَبَرُ النَّفْيِ) قُلْتُ: إذَا عُدِمَ مِنْ النِّصَابِ دِينَارٌ لَمْ يَبْقَ نِصَابٌ وَلَا جُزْءُ نِصَابٍ فَإِنَّ الدِّينَارَ لَا يَكُونُ جُزْءَ نِصَابٍ إلَّا مَعَ تِسْعَةَ عَشَرَ وَلَا تَكُونُ التِّسْعَةَ عَشَرَ جُزْءَ نِصَابٍ إلَّا مَعَ دِينَارٍ أَمَّا إذَا انْفَرَدَ دِينَارٌ فَلَا يُقَالُ فِيهِ جُزْءُ نِصَابٍ إلَّا بِضَرْبٍ مِنْ الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي التِّسْعَةَ عَشَرَ لِأَنَّ الدِّينَارَ وَالتِّسْعَةَ عَشَرَ اجْتِمَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا مَعَ الْآخَرِ مُمْكِنٌ فَإِذَا اجْتَمَعَا صَارَ الْمَجْمُوعُ نِصَابًا فَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءُ نِصَابٍ حَقِيقَةً وَعِنْدَ الِافْتِرَاقِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جُزْءُ نِصَابٍ مَجَازًا فَاللَّازِمُ حَقِيقَةً خِلَافُ قَوْلِهِ وَهُوَ أَنَّهُ مَتَى عُدِمَ جُزْءٌ عُدِمَ جَمِيعُ الْأَجْزَاءِ أَيْ لَمْ تَتَأَلَّفْ تِلْكَ الْحَقِيقَةُ وَلَمْ تَكْمُلْ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَتَى انْتَفَتْ الْحَقِيقَةُ انْتَفَى جَمِيعُ أَجْزَائِهَا. قَالَ: (أَمَّا ثُبُوتُ الْحَقِيقَةِ فَيَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ جَمِيعِ أَجْزَائِهَا فَلَا يَثْبُتُ النِّصَابُ إلَّا بِثُبُوتِ جَمِيعِ عِشْرِينَ دِينَارًا وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ بِتَحْصِيلِ الْمُرَكَّبِ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَحْصِيلِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ فَلَا تَحْصُلُ الرَّكْعَتَانِ حَتَّى تَتَحَصَّلَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فَلِذَلِكَ دَلَّ الْأَمْرُ وَخَبَرُ الثُّبُوتِ عَلَى ثُبُوتِ الْجُزْءِ دُونَ النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ) . قُلْتُ: قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ النَّهْيَ وَخَبَرَ النَّفْيِ يَسْتَلْزِمَانِ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْمَنْهِيِّ وَالْمَنْفِيِّ عَنْهُ كَمَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرُ وَخَبَرُ الثُّبُوتِ جَمِيعَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ وَقَالَ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ قَدْ ذَكَرْنَا عَدَدَهَا فِي تَأْلِيفٍ لَنَا بِاجْتِهَادِنَا فَزَادَتْ عَلَى أَرْبَعِينَ كَبِيرَةٍ فَيَئُولُ إلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا تُضْبَطُ بِالْحَدِّ وَالضَّابِطِ وَعَلَيْهِ فَجَمِيعُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْحُدُودِ وَالضَّوَابِطِ إنَّمَا قَصَدُوا بِهِ التَّقْرِيبَ فَقَطْ وَإِلَّا فَهِيَ لَيْسَتْ بِحُدُودٍ جَامِعَةٍ وَكَيْفَ يُمْكِنُ ضَبْطُ مَا لَا طَمَعَ فِي ضَبْطِهِ بِالْحَصْرِ إذْ لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِالسَّمْعِ وَلَمْ يَرِدْ وَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: بَعْضُهُ لِلْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ وَبَعْضُهُ لِمَا عَدَا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَبَعْضُهُ لِمَا يَشْمَلُهُمَا وَبَعْضُهُ لِمَا يُبْطِلُ الْعَدَالَةَ مِنْ الْمَعَاصِي الشَّامِلَةِ لِصَغَائِرِ الْخِسَّةِ وَنَحْوِهَا كَالْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ فَمِنْ الْأَوَّلِ مَا فِي عِبَارَةِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَنَّهَا مَا لَحِقَ صَاحِبَهَا عَلَيْهَا بِخُصُوصِهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ. وَمِنْ الثَّانِي قَوْلُ الْغَزَالِيِّ كُلُّ مَعْصِيَةٍ يُقْدِمُ الْمَرْءُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِشْعَارِ خَوْفٍ وَوُجْدَانِ نَدَمٍ تَهَاوُنًا وَاسْتِجْرَاءً عَلَيْهَا فَهِيَ كَبِيرَةٌ وَمَا يُحْمَلُ عَلَى فَلَتَاتِ النَّفْسِ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْ نَدَمٍ يَمْتَزِجُ بِهَا وَيُنَغِّصُ التَّلَذُّذَ بِهَا فَلَيْسَ بِكَبِيرَةٍ وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْأَوْلَى ضَبْطُ الْكَبِيرَةِ بِمَا يُشْعِرُ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهَا بِدِينِهِ إشْعَارَ أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا قَالَ: وَإِذَا أَرَدْت الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ فَاعْرِضْ مَفْسَدَةَ الذَّنْبِ عَلَى مَفَاسِدِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ أَقَلِّ الْكَبَائِرِ فَهِيَ صَغِيرَةٌ وَإِلَّا فَكَبِيرَةٌ. اهـ. وَمِنْ الثَّالِثِ قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ الْبَارِزِيِّ وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ كُلُّ ذَنْبٍ قُرِنَ بِهِ وَعِيدٌ أَوْ حَدٌّ أَوْ لَعْنٌ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ عُلِمَ أَنَّ مَفْسَدَتَهُ كَمَفْسَدَةِ مَا قُرِنَ بِهِ وَعِيدٌ أَوْ حَدٌّ أَوْ لَعْنٌ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ مَفْسَدَتِهِ أَوْ أَشْعَرَ بِتَهَاوُنِ مُرْتَكِبِهِ فِي دِينِهِ إشْعَارَ أَصْغَرِ الْكَبَائِرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِذَلِكَ كَمَا لَوْ قَتَلَ مَنْ يَعْتَقِدُهُ مَعْصُومًا فَظَهَرَ أَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِدَمِهِ أَوْ وَطِئَ امْرَأَةً ظَانًّا أَنَّهُ زَانٍ بِهَا فَإِذَا هِيَ زَوْجَتُهُ أَوْ أَمَتُهُ اهـ وَمِنْ الرَّابِعِ قَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقُشَيْرِيِّ فِي الْمُرْشِدِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ السُّبْكِيُّ كُلُّ جَرِيمَةٍ أَوْ كُلُّ جَرِيرَةٍ تُؤْذِنُ أَيْ تُعْلِمُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثٍ أَيْ اعْتِنَاءِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدَّيَّانَةِ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ وَكُلُّ جَرِيمَةٍ أَوْ جَرِيرَةٍ لَا تُؤْذِنُ بِذَلِكَ بَلْ يَبْقَى حُسْنُ الظَّنِّ ظَاهِرًا بِصَاحِبِهَا لَا تُحْبِطُ الْعَدَالَةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الزَّوَاجِرِ وَكَذَا مِنْ الرَّابِعِ قَوْلُ الْأَصْلِ. وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ شَيْخِهِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَارِّ ضَابِطُ مَا تُرَدُّ

стр. 135

وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَلْ إنَّمَا يُفْهَمُ الْجُزْئِيُّ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ اللَّفْظِ فَإِذَا قُلْنَا: فِي الدَّارِ جِسْمٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَيَوَانٌ. وَإِذَا قُلْنَا: فِيهَا حَيَوَانٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْسَانٌ وَإِذَا قُلْنَا: فِيهَا إنْسَانٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ وَإِذَا قُلْنَا: فِيهَا مُؤْمِنٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ زَيْدٌ إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ ظَهَرَ أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ جُزْئِيَّاتِهِ لَا تَكُونُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلَفْظِهِ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْجُزْئِيِّ أَمَّا إذَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى أَقَلِّ الْأَجْزَاءِ فَقَدْ خَالَفْنَا اللَّفْظَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجُزْءِ الْآخَرِ وَمَا أَتَيْنَا بِهِ وَمُخَالَفَةُ لَفْظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ لَا تَجُوزُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى صُومُوا رَمَضَانَ فَمَنْ عَمَدَ إلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى أَقَلِّ أَجْزَائِهِ فَقَدْ خَالَفَ لَفْظَ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِقُوا رَقَبَةً فَعَمَدْنَا إلَى رَقَبَةٍ تُسَاوِي عَشَرَةً وَتَرَكْنَا الرَّقَبَةَ الَّتِي تُسَاوِي أَلْفًا لَا نَكُونُ مُخَالِفِينَ لِلَفْظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يُخَرِّجُ الْخِلَافَ فِي غَسْلِ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ هَلْ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْحَشَفَةِ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ جُمْلَتِهِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ هَذَا اقْتِصَارٌ عَلَى جُزْءٍ لَا جُزْئِيٍّ فَهُوَ كَالِاقْتِصَارِ عَلَى يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَلَا يَصِحُّ وَكَذَلِكَ تَخْرِيجُ الْخِلَافِ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ هُوَ إلَى الْكُوعَيْنِ أَوْ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ أَوْ إلَى الْإِبْطَيْنِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يَصِحُّ أَيْضًا فَإِنَّ الْكُوعَ جُزْءُ الْيَدِ لَا جُزْئِيٌّ مِنْهَا فَكَانَ كَالِاقْتِصَارِ عَلَى يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ وَكُلُّ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مِنْ التَّخْرِيجِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَتَأَمَّلْهُ فَهُوَ كَثِيرٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] أَجْزَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمُثْبَتِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ التِّسْعَةَ عَشَرَ الْمَوْجُودَةَ دُونَ الدِّينَارِ لَيْسَتْ جُزْءًا وَلَا أَجْزَاءَ النِّصَابِ حَقِيقَةً بَلْ بِنَوْعٍ مِنْ الْمَجَازِ. قَالَ: (وَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّيِّ لَا يَدُلُّ عَلَى جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ إلَى قَوْلِهِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ زَيْدٌ) قُلْتُ: مُرَادُهُ جُزْءُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ ظَهَرَ أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ جُزْئِيَّاتِهِ لَا تَكُونُ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلَفْظِهِ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْجُزْئِيِّ) قُلْتُ: بَلْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلَفْظِهِ وَقَوْلُهُ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْجُزْئِيِّ لَا يُفِيدُهُ مَقْصُودُهُ وَكَمَا لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْجُزْئِيِّ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا. (قَالَ: أَمَّا إذَا حَمَلْنَا اللَّفْظَ عَلَى أَقَلِّ الْأَجْزَاءِ فَقَدْ خَالَفْنَا اللَّفْظَ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجُزْءِ الْآخَرِ وَمَا أَتَيْنَا بِهِ إلَى قَوْلِهِ فَقَدْ خَالَفَ لَفْظَ صَاحِبِ الشَّرْعِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ. قَالَ: (بِخِلَافِ إذَا قَالَ اللَّهُ : اعْتِقُوا رَقَبَةً فَعَمَدْنَا إلَى رَقَبَةٍ تُسَاوِي عَشَرَةً وَتَرَكْنَا الرَّقَبَةَ الَّتِي تُسَاوِي أَلْفًا لَا نَكُونُ مُخَالِفِينَ لِلَفْظِ صَاحِبِ الشَّرْعِ) قُلْتُ: قَوْلُهُ فِي الْمِثَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِثَالًا لِمَا قَصَدَ فَإِنَّهُ قَصَدَ تَمْثِيلَ الْكُلِّيِّ وَلَيْسَتْ الرَّقَبَةُ الْمُنْكَرَةُ مِنْ الْكُلِّيِّ بَلْ مِنْ الْمُطْلَقِ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ مِنْ ذَلِكَ بِمِثَالِهِ الَّذِي مَثَّلَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِالْكُلِّيِّ الْمُطْلَقَ فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُخَالِفًا لِأَهْلِ الْأُصُولِ فِي اصْطِلَاحِهِمْ. قَالَ: (وَبِهَذَا يَظْهَرُ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ يُخَرِّجُ الْخِلَافَ فِي غَسْلِ الذَّكَرِ مِنْ الْمَذْيِ هَلْ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْحَشَفَةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ جُمْلَتِهِ عَلَى هَذِهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهِ الشَّهَادَةُ أَنْ يُحْفَظَ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ فَيُلْحَقُ بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ وَمَا قَصُرَ عَنْهُ فِي الْمَفْسَدَةِ لَا يَقْدَحُ فِي الشَّهَادَةِ اهـ لَكِنَّ الْأَوَّلَ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ وَالثَّانِي بِعَدَمِ الْإِصْرَارِ فَإِنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ أَيْ تَوْبَةٍ بِشُرُوطِهَا وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ. [ضَابِطُ قَاعِدَةِ الْإِصْرَارِ الْمُصَيِّرِ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً] وَضَابِطُ قَاعِدَةِ الْإِصْرَارِ الْمُصَيِّرِ لِلصَّغِيرَةِ كَبِيرَةً هُوَ أَنَّهُ مَتَى حَصَلَ مِنْ تَكْرَارِهَا مَعَ الْبَقَاءِ عَلَى عَدَمِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ مَا يَحْصُلُ مِنْ مُلَابَسَةِ الْكَبِيرَةِ مِمَّا يُوجِبُ عَدَمَ الْوُثُوقِ بِالْفَاعِلِ فِي دِينِهِ وَإِقْدَامِهِ عَلَى الْكَذِبِ فِي الشَّهَادَةِ فَاجْعَلْ ذَلِكَ قَادِحًا وَمَا لَا فَلَا كَمَا إذَا حَصَلَ مِنْ تَكَرُّرِهَا ذَلِكَ مَعَ تَخَلُّلِ التَّوْبَةِ وَالنَّدَمِ وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَمِنْهَا مَا لَا يُبِيحُ الشَّرْعُ فِعْلَهُ بِمَحْضَرِ النَّاسِ فَيَكُونُ تَكَرُّرُ فِعْلِهَا بِمَحْضَرِهِمْ كَذَلِكَ قَادِحًا فِي الشَّهَادَةِ لِكَوْنِ فِعْلِهَا حِينَئِذٍ مَعْصِيَةً لَاحِقَةً بِسَائِرِ الْمَعَاصِي وَمِنْهَا مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ فَتَكُونُ مُشْعِرَةً بِخَلَلٍ حَدَثَ فِي عَقْلِ فَاعِلِهَا فَتَقْدَحُ فِي الضَّبْطِ لَا فِي الْعَدَالَةِ لِأَنَّ خَلَلَ الْعَقْلِ لَا يُؤْمَنُ مَعَهُ قِلَّةُ الضَّبْطِ. (فَائِدَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ الْمُقْرِي: شَهِدْت الشَّمْسُ ابْنَ الْقَيِّمِ مُقَيِّمَ الْحَنَابِلَةِ بِدِمَشْقَ وَهُوَ أَكْبَرُ أَصْحَابِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثٌ مِنْ الْوَلَدِ كَانُوا لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ» كَيْفَ إنْ أَتَى بَعْدَهَا بِكَبِيرَةٍ فَقَالَ: مَوْتُ الْوَلَدِ حِجَابٌ وَالْكَبِيرَةُ خَرْقٌ لِذَلِكَ الْحِجَابِ. وَإِنَّمَا يَحْجُبُ الْحِجَابُ إذْ لَمْ يُخْرَقْ فَإِذَا خُرِقَ لَمْ يَكُنْ حِجَابًا بِدَلِيلِ حَدِيثِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا اهـ نَقَلَهُ التَّنْبَكْتِيُّ فِي تَكْمِلَةِ الدِّيبَاجِ وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ فَهُوَ أَنَّ أَصْلَ الْكُفْرِ الْجَهْلُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَأَصْلَ الْكَبَائِرِ الْجُرْأَةُ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِفِعْلِ مَا نَهَى عَنْهُ وَعَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ لِاسْتِيلَاءِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ فَمَا كَانَ مِنْ الْمَعَاصِي مُقْتَضِيًا الْجَهْلَ بِالرُّبُوبِيَّةِ نَصًّا مِنْ نَحْوِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَجَحْدِ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَجَحْدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا وَنَحْوِ إلْقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ وَجَحْدِ الْبَعْثِ أَوْ النُّبُوَّاتِ أَوْ وَصْفِهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ لَا يَعْلَمُ أَوْ لَا يُرِيدُ أَوْ لَيْسَ بِحَيٍّ وَنَحْوِهِ فَهُوَ الْكُفْرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَضِيَّةُ إبْلِيسَ فَإِنَّ الَّذِي تَقْتَضِيه الْقَوَاعِدُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الشَّرْعِ هُوَ أَنَّ كُفْرَهُ إنَّمَا هُوَ بِنِسْبَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى الْجَوْرَ وَتَكَبُّرِهِ عَلَيْهِ لَا بِمُجَرَّدِ تَرْكِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ السُّجُودِ لِآدَمَ ﵇ وَاعْتِقَادِهِ كَوْنِهِ خَيْرًا مِنْهُ وَإِلَّا لَلَزِمَ أَنَّ كُلَّ عَاصٍ وَكُلَّ مُتَكَبِّرٍ كَافِرٌ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ نَعَمْ يَجُوزُ عَقْلًا أَنْ

стр. 136

الْمَذَاهِبِ وَكَذَلِكَ حَمْلُ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ تَرْكٌ لِظَاهِرِ الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَهُوَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا فَيُجْتَنَبُ فِي هَذَا الْبَابِ حَمْلُ الْكُلِّ عَلَى بَعْضِ أَجْزَائِهِ وَحَمْلُ الْكُلِّيَّةِ عَلَى بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهَا فَهُوَ حَمْلُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ الْخُصُوصِيَّاتِ فَهَذِهِ كُلُّهَا تَخْرِيجَاتٌ بَاطِلَةٌ بَلْ التَّخْرِيجُ الصَّحِيحُ فِي فُرُوعٍ مِنْهَا فَرْعُ الْحَضَانَةِ هَلْ تَسْتَحِقُّهُ الْأُمُّ إلَى الْإِثْغَارِ أَوْ إلَى الْبُلُوغِ قَوْلَانِ يُنَاسِبُ تَخْرِيجُهُمَا عَلَى الْقَاعِدَةِ بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَحَقِّيَّةِ لَهَا إمَّا غَايَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَلَمْ يَذْكُرْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ غَيْرَ غَايَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا هِيَ وَبِحَالِهَا وَهِيَ عَدَمُ الزَّوَاجِ إمَّا غَايَةٌ تَتَعَلَّقُ بِحَالِهِ هُوَ فَلَمْ يَذْكُرْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ بَلْ الْأَحَقِّيَّةُ فَقَطْ وَهِيَ تَصْدُقُ بِطَرَفَيْنِ فَأَدْنَاهُمَا الْإِثْغَارُ وَأَعْلَاهُمَا الْبُلُوغُ فَإِذَا حَمَلْنَا الْحَضَانَةَ عَلَى الْإِثْغَارِ لَا نَكُونُ مُخَالِفِينَ لِمُقْتَضَى لَفْظِ الْأَحَقِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ فَقَدْ وَفَيْنَا بِالْقَاعِدَةِ مَعَ عَدَمِ مُخَالَفَةِ اللَّفْظِ. فَإِنْ قُلْت: فَقَدْ خُولِفَتْ الْغَايَةُ الْمَقُولَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِهَا هِيَ وَهِيَ عَدَمُ الزَّوَاجِ قُلْت: مُسَلَّمٌ لَكِنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ هِيَ إشَارَةٌ إلَى الْمَانِعِ وَأَنَّ زَوَاجَهَا مَانِعٌ مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ وَالْمَانِعُ وَعَدَمُهُ لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ بَلْ فِي عَدَمِ تَرَتُّبِهَا كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْمَانِعِ إنَّمَا هُوَ وُجُودُهُ فِي الْعَدَمِ لَا عَدَمُهُ فِي الْوُجُودِ وَالتَّخْرِيجُ إنَّمَا وَقَعَ فِيمَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظُ مِنْ مُوجِبِ الْحُكْمِ وَسَبَبِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ هَذَا اقْتِصَارٌ عَلَى جُزْءٍ لَا جُزْئِيٍّ إلَى قَوْلِهِ فَهَذِهِ كُلُّهَا تَخْرِيجَاتٌ بَاطِلَةٌ) قُلْتُ: مَضْمُونُ قَوْلِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكُلِّ فَلَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ عَلَى جُزْئِهِ وَبَيْنَ الْكُلِّيِّ فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَيْهِ عَلَى جُزْأَيْهِ فَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّهُ لَا يُحْمَلُ لَفْظُ الْكُلِّ عَلَى جُزْئِهِ فَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ الْكُلِّيَّ يُحْمَلُ عَلَى جُزْأَيْهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ يُرِيدُ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ عَلَى الْجُمْلَةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ هَذَا الْجِنْسِ خَيْرُهُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٌ مِنْ جُزْئِيَّاتِ هَذَا الْجِنْسِ وَمَنْ حَمَلَ الْكُلِّيَّ عَلَى جُزْأَيْهِ فِي هَذَا الْمِثَالِ فَقَدْ أَخْطَأَ كَمَنْ حَمَلَ الْكُلَّ عَلَى جُزْئِهِ وَإِنَّمَا حَمَلَ شِهَابَ الدَّيْنِ عَلَى تَسْوِيغِ ذَلِكَ فِي الْكُلِّيِّ دُونَ الْكُلِّ اعْتِقَادُهُ أَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الْكُلِّيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الْمُطْلَقُ جُزْئِيٌّ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَلِذَلِكَ جَازَ فِيهِ الْحَمْلُ عَلَى أَيِّ جُزْئِيٍّ كَانَ وَمَا قَالَهُ: مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ اجْتِنَابُ حَمْلِ الْكُلِّيَّةِ عَلَى بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهَا صَحِيحٌ وَمُرَادُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُخَصَّصًا. قَالَ: (بَلْ التَّخْرِيجُ الصَّحِيحُ فِي فُرُوعٍ مِنْهَا فَرْعُ الْحَضَانَةِ هَلْ تَسْتَحِقُّهُ الْأُمُّ إلَى الْإِثْغَارِ أَوْ إلَى الْبُلُوغِ قَوْلَانِ فَنَاسَبَ تَخْرِيجُهُمَا عَلَى الْقَاعِدَةِ بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «أَنْتِ أَحَقُّ مَا لَمْ تَنْكِحِي» إلَى آخِرِهِ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ: فِي الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ فَإِذَا حَمَلْنَا الْحَضَانَةَ عَلَى الْإِثْغَارِ لَا نَكُونُ مُخَالِفِينَ لِمُقْتَضَى لَفْظِ الْأَحَقِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ فَقَدْ وَفَّيْنَا بِالْقَاعِدَةِ مَعَ عَدَمِ مُخَالَفَةِ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا وَهِيَ حَمْلُ الْكُلِّيِّ عَلَى جُزْأَيْهِ بَلْ هُوَ مِنْ قَاعِدَةِ الْمُطْلَقِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَكُونَ كُفْرُهُ بِمُجَرَّدِ مُخَالَفَتِهِ وَمَا كَانَ مِنْهَا مُقْتَضِيًا ذَلِكَ احْتِمَالًا لَا نَصًّا فَهُوَ الْكُفْرُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ كَالتَّجْسِيمِ وَأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ وَأَنَّ إرَادَةَ اللَّهِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ النُّفُوذِ وَأَنَّهُ تَعَالَى فِي جِهَةٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمُنَزِّهٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ اعْتِقَادَاتِ أَرْبَابِ الْأَهْوَاءِ فَلِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَالْأَشْعَرِيِّ فِيهِمْ قَوْلَانِ بِالتَّكْفِيرِ وَعَدَمِهِ وَالتَّكْفِيرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ قَوْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ وَعَدَمُهُ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: مَنْ كَفَّرَ جُمْلَةَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّ تَكْفِيرَهُمْ يُلْزِمُ إبْطَالَ الشَّرِيعَةِ لِأَنَّهُمْ أَصْلُهَا وَعَنْهُمْ أُخِذَتْ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ إرَادَةُ الْكُفْرِ كَبِنَاءِ كَنِيسَةٍ يُكْفَرُ فِيهَا بِاَللَّهِ كُفْرٌ وَمَنْ قَتَلَ نَبِيًّا بِقَصْدِ إمَاتَةِ شَرِيعَتِهِ مَعَ تَصْدِيقِهِ لَهُ فَهُوَ كَافِرٌ وَلَعَلَّ غَيْرَ الْقَاضِي وَالْأَشْعَرِيِّ يُوَافِقُهُمَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. وَمَا كَانَ مِنْهَا لَيْسَ مُقْتَضِيًا ذَلِكَ أَصْلًا بَلْ إنَّمَا يَقْتَضِي الْجُرْأَةَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ تَعَالَى بِفِعْلِ مَا نَهَى عَنْهُ وَعَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ لِاسْتِيلَاءِ الشَّهْوَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ الْكَبِيرَةُ كَقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَيُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ مَسْأَلَتَانِ. [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى السُّجُودَ لِلصَّنَمِ عَلَى وَجْهِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ] (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْفَرْقُ بَيْنَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ عَلَى وَجْهِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ وَبَيْنَ السُّجُودِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ تَعْظِيمًا وَتَذَلُّلًا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ هُوَ أَنَّ السُّجُودَ لِلْأَصْنَامِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ بَلْ لَهُ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ آلِهَةٌ وَأَنَّهُمْ شُرَكَاءُ لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى اقْتَضَى بِذَلِكَ الْجَهْلَ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِخِلَافِهِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ لِمُجَرَّدِ التَّذَلُّلِ وَالتَّعْظِيمِ لَا لِاعْتِقَادِ أَنَّهُمْ آلِهَةٌ وَشُرَكَاءُ لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ نَعَمْ لَوْ وَقَعَ مَعَ الْوَالِدِ أَوْ الْعَالَمِ أَوْ الْوَلِيِّ عَلَى وَجْهِ اعْتِقَادِ أَنَّهُ إلَهٌ وَشَرِيكٌ لِلَّهِ تَعَالَى لَكَانَ كُفْرًا لَا شَكَّ فِيهِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ نِسْبَةُ الْأَفْعَالِ إلَى الْكَوَاكِبِ فِيهَا أَقْسَامٌ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) نِسْبَةُ الْأَفْعَالِ إلَى الْكَوَاكِبِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا مُدَبِّرَةٌ لِلْعَالَمِ وَمُوجِدَةٌ لِمَا فِيهِ وَلَا شَيْءَ وَرَاءَهَا وَهَذَا كُفْرٌ بِلَا خَفَاءٍ، الْقِسْمُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فَاعِلَةُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَاَللَّهُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ الْأَعْظَمُ مَعَهَا فَتَكُونُ نِسْبَتُهَا إلَى أَفْعَالِهَا كَنِسْبَةِ الْحَيَوَانِ إلَى أَفْعَالِهِ عَلَى رَأْيِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالصَّحِيحُ فِي هَذَا أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ لِلْكَوَاكِبِ أَوْ لِلْإِنْسَانِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ فِعْلٌ عَلَى

стр. 137

وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثُّبُوتُ وَمِنْهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ أَيْضًا هَلْ يُمْنَعُ ذَلِكَ إلَى الْبُلُوغِ أَوْ الْإِثْغَارِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ وَتَخْرِيجُهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ مُتَيَسِّرٌ أَيْضًا حَسَنٌ بِسَبَبِ أَنَّ قَوْلَهُ ﵇ «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا» عَامٌّ فِي الْوَالِدَاتِ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ وَالِدَةً نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَوَلَدَهَا اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ فَيَعُمُّ وَعَامٌّ فِي الزَّمَانِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنْ لَا لِنَفْيِ الِاسْتِقْبَالِ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومِ وَمِنْهُ ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [طه: ٧٤] فَإِنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الْأَزْمِنَةَ الْمُسْتَقْبَلَةَ غَيْرَ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي أَحْوَالِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ. وَإِذَا كَانَ مُطْلَقًا فِي الْأَحْوَالِ فَهُوَ يَتَنَاوَلُ أَمْرًا كُلِّيًّا يَصْدُقُ فِي رُتْبَةٍ دُنْيَا وَهِيَ الْإِثْغَارُ وَرُتْبَةٍ عُلْيَا وَهِيَ الْبُلُوغُ فَإِذَا خُرِّجَ الْخِلَافُ عَلَى الْقَاعِدَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اسْتَقَامَ لِأَنَّهُ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ جُزْئِيَّاتِهِ وَلَا يُخَالِفُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّيِّ وَأَمَّا عُمُومُ لَا فَهُوَ رَاجِعٌ إلَيْنَا كَأَنَّهُ قَالَ: حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مِنْ زَمَنِ هَذَا الْخِطَابِ وَلَيْسَ عُمُومُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ فَلَمْ تَكُنْ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِعَدَمِ الْعُمُومِ فِي الْوَالِدَاتِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الرُّشْدِ وَهُوَ الرُّشْدُ فِي الْمَالِ خَاصَّةً قَالَهُ: مَالِكٌ أَوْ عَلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ الرُّشْدِ وَهُوَ الرُّشْدُ فِي الْمَالِ وَالدِّينِ قَالَهُ: الشَّافِعِيُّ مَعَ أَنَّ الرُّشْدَ ذُكِرَ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى جُزْئِيٍّ خَاصٍّ فَلَيْسَ فِي حَمْلِهِ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ مُخَالَفَةٌ لِلَّفْظِ أَلْبَتَّةَ وَلَا مِنْ وَجْهٍ مُحْتَمَلٍ بِخِلَافِ الْمِثَالَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِيهِمَا تِلْكَ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي اُحْتِيجَ لِلِاعْتِذَارِ عَنْهَا وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْحَرَامِ إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ الْوَاحِدَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (وَمِنْهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ أَيْضًا هَلْ يُمْنَعُ ذَلِكَ إلَى الْبُلُوغِ أَوْ الْإِثْغَارِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي هَذَا دُونَ الْأَوَّلِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ فَهُوَ يَتَنَاوَلُ أَمْرًا كُلِّيًّا فَإِنَّهُ لَيْسَ بِكُلِّيٍّ كَيْفَ وَقَدْ نَصَّ هُوَ عَلَى أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِذَا خُرِّجَ الْخِلَافُ عَلَى الْقَاعِدَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ اسْتَقَامَ لِأَنَّهُ حَمْلٌ لِلَّفْظِ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ جُزْئِيَّاتِهِ وَلَا يُخَالِفُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّيِّ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْكُلِّيِّ الْمَحْمُولِ عَلَى جُزْأَيْهِ بَلْ هُوَ مِنْ الْمُطْلَقِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْكُلِّيِّ لَمْ يَصِحَّ حَمْلُهُ عَلَى جُزْأَيْهِ كَمَا سَبَقَ. قَالَ: (وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الرُّشْدِ وَهُوَ الرُّشْدُ فِي الْمَالِ خَاصَّةً قَالَهُ: مَالِكٌ أَوْ عَلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ الرُّشْدِ وَهُوَ الرُّشْدُ فِي الْمَالِ وَالدِّينِ قَالَهُ: الشَّافِعِيُّ مَعَ أَنَّ الرُّشْدَ ذُكِرَ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: قَوْلُهُ مَعَ أَنَّ الرُّشْدَ ذُكِرَ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ الدَّالِّ عَلَى الْمَعْنَى الْأَعَمِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ صِيغَةُ التَّنْكِيرِ دَالَّةٌ عَلَى الْمَعْنَى الْمُطْلَقِ وَالْمُطْلَقُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الْأَعَمُّ بَلْ هُوَ الْمَعْنَى الْأَخَصُّ الْمُبْهَمُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ. قَالَ: (وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ الْحَرَامِ إذَا قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ الْوَاحِدَةِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْحَقِيقَةِ خَطَأٌ وَأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ لَمْ يَعْرِفْ قَطُّ فَرْقًا مَا بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا خَالِقَ سِوَاهُ قَالَ: تَعَالَى وَمَا رَمَيْت أَيْ حَقِيقَةً إذْ رَمَيْت أَيْ كَسْبًا ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] أَيْ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّ مَنْ نَسَبَ الْفِعْلَ الْحَقِيقِيَّ إلَى الْكَوَاكِبِ فَذَلِكَ كُفْرٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ نَسَبَهُ إلَى الْإِنْسَانِ فَفِيهِ الْخِلَافُ هَلْ هُوَ كُفْرٌ أَوْ ضَلَالَةٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَأَحْوَالَهَا غَائِبَةٌ عَنْ السَّفَرِ فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى اعْتِقَادِ اسْتِقْلَالِهَا وَفَتْحِ أَبْوَابِ الْكُفْرِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ فَإِنَّ التَّذَلُّلَ وَالْعُبُودِيَّةَ ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى اعْتِقَادِ اسْتِقْلَالِهِ إلَخْ الْقِسْمُ الثَّالِثُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا فَاعِلَةٌ فِعْلًا عَادِيًا حَقِيقِيًّا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عِنْدَهَا إذَا تَشَكَّلَتْ بِشَكْلٍ مَخْصُوصٍ فِي أَفْلَاكِهَا أَنْ تَكُونَ فِي أَحْوَالِهَا وَرَبَطَ الْأَسْبَابَ بِهَا كَحَالِ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ فِي الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ بِاعْتِبَارِ الرَّبْطِ الْعَادِيِّ لَا الْفِعْلِ الْحَقِيقِيِّ وَهَذَا الْقِسْمُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا إلَّا أَنَّهُ خَطَأٌ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الِارْتِبَاطِ فَإِنَّا وَجَدْنَا الْعَادَةَ غَيْرَ مُنْضَبِطَةٍ فِي ذَلِكَ وَلَا هِيَ أَكْثَرِيَّةٌ غَالِبَةٌ كَالْأَدْوِيَةِ حَتَّى يَكُونَ اعْتِقَادُ ذَلِكَ مُمْكِنًا وَجَائِزًا بَلْ هُوَ كَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ عَقَارًا مُعَيَّنًا يُبْرِئُهُ مِنْ الْحُمَّى. وَلَمْ تَدُلَّ التَّجْرِبَةُ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الِاعْتِقَادَ يَكُونُ خَطَأً بَلْ هُوَ مَمْنُوعٌ أَيْضًا لِسَدِّ الذَّرِيعَةِ وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ أَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَأَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ وَبَيْنَ أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ وَأَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ فَفِي الْأَصْلِ أَنَّهُ بِاسْتِقْرَاءِ كُتُبِ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي يُكْفَرُ بِهَا الْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا اسْتِقْرَاءً كَامِلًا وَاسْتِقْرَاءِ رُتَبِ الْكَبَائِرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفِ فِيهَا كَذَلِكَ لِيُنْظَرَ فِي مَسَائِلِ التَّكْفِيرِ إلَى أَقْرَبِهَا إلَى عَدَمِ التَّكْفِيرِ بِالنَّظَرِ السَّدِيدِ فَيَجْعَلُهَا أَدْنَى رُتْبَةَ التَّكْفِيرِ وَمَا دُونَهَا أَدْنَى رُتْبَةَ الْكَبَائِرِ وَيُنْظَرُ فِي رُتَبِ الْكَبَائِرِ بِالنَّظَرِ السَّدِيدِ إلَى أَقَلِّهَا مَفْسَدَةً فَيَجْعَلُهَا أَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَاَلَّتِي دُونَهَا هِيَ أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ وَفِيهِ أَنَّ كَمَالَ اسْتِقْرَاءِ أَقْوَالِ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ مِنْ الْمُسْتَحِيلِ عَادَةً عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْعُلَمَاءِ الَّذِينَ يَلْزَمُنَا اسْتِقْرَاءُ أَقْوَالِهِمْ مِنْ الْعِلْمِ بِفَارِقٍ يُفَرِّقُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيْنَ أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ وَأَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَبَيْنَ أَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ وَأَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ فَمَا الْمَانِعُ

стр. 138

خِلَافٌ يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَرَامٌ مُطْلَقٌ دَالٌّ عَلَى مُطْلَقِ التَّحْرِيمِ الدَّائِرِ بَيْنَ الرُّتَبِ الْمُخْتَلِفَةِ فَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى أَعْلَاهَا أَوْ عَلَى أَدْنَاهَا وَيَلْحَقُ بِمَسْأَلَةِ الْحَرَامِ مَا مَعَهَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ نَحْوُ أَلْبَتَّةَ وَالْبَائِنِ وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك هَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ وَهُوَ الثَّلَاثُ أَمْ لَا وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ التَّيَمُّمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣] فَقَوْلُهُ صَعِيدًا مَدْلُولُهُ أَمْرٌ كُلِّيٌّ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ وَهُوَ مُطْلَقُ مَا يُسَمَّى صَعِيدًا تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَوْ أَعْلَى رُتَبِ الصَّعِيدِ وَهُوَ التُّرَابُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ أَيْضًا حَسَنَةُ التَّخْرِيجِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَلَا الْمَعْنَى. وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» وَالْمِثْلِيَّةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ تَصْدُقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِأَيِّ وَصْفٍ كَانَ مِنْ غَيْرِ شُمُولٍ فَإِذَا قُلْت: زَيْدٌ مِثْلُ الْأَسَدِ كَفَى فِي ذَلِكَ الشُّجَاعَةُ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْصَافِ وَكَذَلِكَ زَيْدٌ مِثْلُ عَمْرٍو يَصْدُقُ ذَلِكَ حَقِيقَةً بِمُشَارَكَتِهِمَا فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ فَالْمِثْلُ الْمَذْكُورُ فِي الْأَذَانِ إنْ حُمِلَ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ قَالَ: مِثْلَ مَا يَقُولُ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ أَوْ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ فَفِي التَّشَهُّدِ خَاصَّةً وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فَهَذِهِ سِتُّ مَسَائِلَ تُنَبِّهُك عَلَى صِحَّةِ التَّخْرِيجِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَالْمَسَائِلُ السَّابِقَةُ تُنَبِّهُك عَلَى التَّخْرِيجِ الْفَاسِدِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْأَوَّلَ مِنْ بَابِ الْأَجْزَاءِ وَهَذِهِ مِنْ بَابِ الْجُزْئِيَّاتِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَالصَّحِيحُ مِنْ الْفَاسِدِ. (تَنْبِيهٌ) لَيْسَ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: قَوْلُهُ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَرَامٌ مُطْلَقٌ دَالٌّ عَلَى مُطْلَقِ التَّحْرِيمِ الدَّائِرِ بَيْنَ الرُّتَبِ الْمُخْتَلِفَةِ فَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى أَعْلَاهَا أَوْ عَلَى أَدْنَاهَا صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمُطَلَّقَاتِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْقَاعِدَةِ الَّتِي أَرَادَ لَكِنْ هُنَا أَمْرٌ آخَرُ هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ وَهُوَ الْعُرْفُ فِي لَفْظَةِ حَرَامٍ هَلْ هُوَ الثَّلَاثُ أَوْ الْوَاحِدَةُ. قَالَ: (وَمِنْهَا مَسْأَلَةُ التَّيَمُّمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: جَرَى أَيْضًا عَلَى مُعْتَادِهِ وَفَاسِدِ اعْتِقَادِهِ فِي أَنَّ الْمُطْلَقَ هُوَ الْكُلِّيُّ وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ. قَالَ: (وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﵇ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» وَالْمِثْلِيَّةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ تَصْدُقُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِأَيِّ وَصْفٍ كَانَ مِنْ غَيْرِ شُمُولٍ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: الْمِثْلِيَّةُ تَقْتَضِي فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الشُّمُولَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ إلَّا مَا خَصَّهُ الْعُرْفُ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ مِثْلُ الْأَسَدِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَمَا أَرَى مَالِكًا ﵀ فَرَّعَ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَإِنَّمَا رَأَى أَنَّ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَيْسَ مِنْ الذِّكْرِ وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيضٌ وَاسْتِدْعَاءٌ وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَابُ مَا هُوَ ذِكْرٌ فَقَيَّدَ مُطْلَقَ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى وَأَخَذَ غَيْرُ مَالِكٍ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ.: (فَهَذِهِ سِتُّ مَسَائِلَ تُنَبِّهُكَ عَلَى صِحَّةِ التَّخْرِيجِ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إلَى قَوْلِهِ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْفَاسِدِ) قُلْتُ: قَدْ تَبَيَّنَ الصَّحِيحُ مِنْ الْفَاسِدِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَعَالَى. قَالَ: (تَنْبِيهٌ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِهَذَا الْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَتَعَلَّمَهُ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ إلَى اسْتِقْرَاءِ أَقْوَالِهِمْ وَبِالْجُمْلَةِ لَمْ يَأْتِ فِي هَذَا الْفَرْقِ إلَّا بِإِحَالَةٍ عَلَى جَهَالَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ وَقَاعِدَةِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ وَقَاعِدَةِ مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَكَذَلِكَ الْحَرَجِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْحَرَجِ وَالْعِلْمِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْعِلْمِ وَالْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْبَيْعِ وَجَمِيعِ هَذِهِ النَّظَائِرِ مِنْ هَذِهِ الْمَادَّةِ فَالْقَاعِدَتَانِ مُفْتَرِقَتَانِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ النَّظَائِرِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ كَمَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَمْرِ الْمَوْصُوفِ بِالْمُطْلَقِ لِلْعُمُومِ الِاسْتِغْرَاقِيِّ عَلَى رَأْيِ مَنْ أَثْبَتَهُ أَوْ لِلْعَهْدِ فِي الْجِنْسِ كَذَلِكَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَا فِي الْأَمْرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ الْمُطْلَقِ فَكَمَا يَسُوغُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ أَنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْعُمُومِ كَذَلِكَ يَسُوغُ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلْعُمُومِ فَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ سَوَاءٌ وَلَا يَصِحُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْقَرَائِنِ الْمَقَالِيَّةِ أَوْ الْحَالِيَّةِ فَمَا قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّهُ لِلْعُمُومِ كَانَ لِلْعُمُومِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْعُمُومِ بَلْ لِلْعَهْدِ فِي الْجِنْسِ لَمْ يَكُنْ لِلْعُمُومِ هَذَا بِحَسَبِ أَصْلِ اللُّغَةِ أَمَّا بِحَسَبِ مَا جَرَى بِهِ اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ وَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ كَمَا فِي الصَّاوِيِّ عَلَى أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ فَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَمْرِ الْمُقَيَّدِ بِالْإِطْلَاقِ أَيْ مَا صَدَقَ اسْمُ الْأَمْرِ عَلَيْهِ بِلَا قَيْدٍ لَازِمٍ فَهُوَ نَظِيرُ الْمَاهِيَّةِ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ أَيْ الْمَاهِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ الْعَوَارِضِ وَمُطْلَقُ الْأَمْرِ عِبَارَةٌ عَنْ جِنْسِ الْأَمْرِ الصَّادِقِ بِكُلِّ أَمْرٍ وَلَوْ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ لَازِمٍ فَهُوَ نَظِيرُ الْمَاهِيَّةِ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ أَيْ عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ أَيْ الْمَاهِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ فَاصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ خَصَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ بِالْعُمُومِ الشُّمُولِيِّ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى قَرِينَةٍ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِهِ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً. وَخُصَّ مُطْلَقُ الْأَمْرِ بِغَيْرِ الْعُمُومِ الشُّمُولِيِّ وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ مِنْ الْجِنْسِ الْمُتَمَيِّزِ بِالْمُضَافِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إلَى قَرِينَةٍ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْعُمُومِ الشُّمُولِيِّ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ وَإِنْ كَانَ حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً فَمِنْ هُنَا كَانَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ عَامًّا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ مِنْ شَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اللَّوَاحِقِ لِلْعُمُومِ مِمَّا يُوجِبُ تَخْصِيصُهُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْبَيْعِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَيْعٌ إلَّا دَخَلَ فِيهِ وَكَانَ مُطْلَقُ الْبَيْعِ عِبَارَةً عَنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْبِيَاعَاتِ وَهُوَ مُسَمَّى الْبَيْعِ الَّذِي يَصْدُقُ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْبَيْعِ فَجَعَلُوا لَفْظَ مُطْلَقٍ إشَارَةً إلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ خَاصَّةً الصَّادِقِ بِفَرْدٍ وَاحِدٍ وَأَضَافُوهُ إلَى

стр. 139

الْقَاعِدَةِ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ فُرُوعِهَا بَلْ فُرُوعُهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ أَجْمَعَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ وَهُوَ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَوَامِرِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَسَلْبِ النَّقَائِصِ وَمَا يُنْسَبُ إلَى الرَّبِّ تَعَالَى مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا فَهَذَا الْقِسْمُ الْأَمْرُ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بِأَقْصَى غَايَتِهِ الْمُمْكِنَةِ لِلْعَبِيدِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قَالَ: ﵇ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِك» وَقِسْمٌ أَجْمَعَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ وَهُوَ الْأَقَارِيرُ فَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي دَنَانِيرُ حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ أَدْنَى رُتَبِهَا مَعَ صِدْقِهَا فِي الْآلَافِ لِكَوْنِ الْأَصْلِ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ الرُّتَبِ وَلَيْسَ الْأَصْلُ إهْمَالَ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ بَلْ تَعْظِيمُهَا وَالْمُبَالَغَةُ فِي إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وَقَالَ مَعَ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْغَايَاتِ الَّتِي وَصَلُوا إلَيْهَا دُونَ مَا يَنْبَغِي لَهُ تَعَالَى مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ فَهَذَا تَلْخِيصُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَلْتَبِسُ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَاعِدَةِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ) فَحَقُّ اللَّهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَحَقُّ الْعَبْدِ مَصَالِحُهُ وَالتَّكَالِيفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ كَالْإِيمَانِ وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَحَقِّ الْعِبَادِ فَقَطْ كَالدُّيُونِ وَالْأَثْمَانِ وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ أَوْ حَقُّ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْقَاعِدَةِ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ فُرُوعِهَا بَلْ فُرُوعُهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) قُلْتُ: قَدْ صَرَّحَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ بِسَبَبِ تَخْصِيصِ مَا يَتَعَلَّقُ بِجَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ بِأَعْلَى الرُّتَبِ وَبِسَبَبِ تَخْصِيصِ الْأَقَارِيرِ بِأَدْنَى الرُّتَبِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ إنَّمَا الْخِلَافُ فِيهِ لِأَسْبَابٍ تَخُصُّ مَوَاقِعَ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَاعِدَةِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ) قُلْتُ: بَلْ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَلِّقُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَهُوَ عِبَادَتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» . قَالَ: (وَحَقُّ الْعَبْدِ مَصَالِحُهُ) قُلْتُ: إنْ أَرَادَ حَقَّهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَلْزُومُ عِبَادَتِهِ إيَّاهُ وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَيُخَلِّصَهُ مِنْ النَّارِ وَإِنْ أَرَادَ حَقَّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ أَيْ الْأَمْرَ الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ فِي أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ فَمَصَالِحُهُ. قَالَ: (وَالتَّكَالِيفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ كَالْإِيمَانِ وَتَحْرِيمِ الْكُفْرِ) قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ عِبَادَتُهُ إيَّاهُ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَصَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: (وَحَقُّ الْعِبَادِ فَقَطْ كَالدُّيُونِ وَالْأَثْمَانِ) قُلْتُ: تَمْثِيلُهُ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يُرِيدُ حُقُوقَهُمْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَقَوْلُهُ قَبْلَ حَقِّهِ مَصَالِحُهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ يُرِيدُ حُقُوقَهُمْ عَلَى الْجُمْلَةِ. قَالَ: (وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُغَلَّبُ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقُّ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْبَيْعِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ مُطْلَقِ الْحَيَوَانِ وَمُطْلَقِ الْإِنْسَانِ وَمُطْلَقِ الْأَمْرِ وَمُطْلَقِ غَيْرِهِ مِنْ مُطْلَقَاتِ جَمِيعِ الْحَقَائِقِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْبَيْعِ وَجَمِيعِ النَّظَائِرِ وَبِهِ يَصْدُقُ قَوْلُنَا إنَّ مُطْلَقَ الْبَيْعِ حَلَالٌ إجْمَاعًا وَالْبَيْعُ الْمُطْلَقُ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ الْحِلُّ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ بَعْضُ الْبِيَاعَاتِ حَرَامٌ إجْمَاعًا وَقَوْلُنَا حَصَلَ لِزَيْدٍ مُطْلَقُ الْمَالِ وَلَوْ بِفَلْسٍ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمَالُ الْمُطْلَقُ وَهُوَ جَمِيعُ مَا يَتَحَوَّلُ مِنْ الْأَمْوَالِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا وَقَوْلُنَا مُطْلَقُ النَّعِيمِ حَاصِلٌ دُونَ النَّعِيمِ الْمُطْلَقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ وُقُوعِ الْأَحْكَامِ] (الْفَرْقُ السَّادِسَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَدِلَّةِ وُقُوعِ الْأَحْكَامِ) وَهُوَ أَنَّ أَدِلَّةَ مَشْرُوعِيَّةِ الْأَحْكَامِ مَحْصُورَةٌ شَرْعًا فِي نَحْوِ الْعِشْرِينَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مُدْرَكٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الدَّلِيلَ نَصَبَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ لِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ وَهِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْبَرَاءَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْكُوفَةِ عَلَى رَأْيٍ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالِاسْتِصْحَابُ وَالْعِصْمَةُ وَالْأَخْذُ بِالْأَخَفِّ وَفِعْلُ الصَّحَابِيِّ وَفِعْلُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَفِعْلُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَإِجْمَاعُهُمْ وَالْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ وَإِجْمَاعٌ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ فِيهِ وَقِيَاسٌ لَا فَارِقَ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا قُرِّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَمَّا الْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى وُقُوعِ الْأَحْكَامِ أَيْ وُقُوعِ أَسْبَابِهَا وَحُصُولِ شُرُوطِهَا وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهَا فَهِيَ لَا تُحْصَرُ فِي عَدَدٍ وَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَيْهَا بِالتَّنَاهِي وَلَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نَصْبٍ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَالزَّوَالُ مَثَلًا دَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الظُّهْرِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وَدَلِيلُ وُقُوعِ الزَّوَالِ وَحُصُولِهِ فِي الْعَالَمِ الْآلَاتُ الدَّالَّةُ عَلَيْهِ كَالْأَسْطُرْلَابِ وَالْمِيزَانِ وَرُبْعِ الدَّائِرَةِ وَالشَّكَّارِيَّةِ والزرقالية وَالْبُنْكَامِ وَالرُّخَامَةِ الْبَسِيطَةِ وَالْعِيدَانِ الْمَرْكُوزَةِ فِي الْأَرْضِ وَجَمِيعِ آلَاتِ الظِّلَالِ وَجَمِيعِ آلَاتِ الْمِيَاهِ وَآلَاتِ الطُّلَّابِ كَالطِّنْجَهَارَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ آلَاتِ الْمَاءِ وَآلَاتِ الزَّمَانِ وَغَيْرِ الْآلَاتِ كَعَدَدِ تَنَفُّسِ الْحَيَوَانِ إذَا قُدِّرَ بِقَدْرِ السَّاعَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ الَّتِي لَا نِهَايَةَ لَهَا وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى نَصْبٍ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ بَلْ الْمُتَوَقَّفُ سَبَبِيَّةُ السَّبَبِ وَشَرْطِيَّةُ الشَّرْطِ وَمَانِعِيَّةُ الْمَانِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدِلَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْحِجَاجِ] (الْفَرْقُ السَّابِعَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَدِلَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْحِجَاجِ)

стр. 140

الْعَبْدِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَنَعْنِي بِحَقِّ الْعَبْدِ الْمَحْضِ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ وَإِلَّا فَمَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إلَّا وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَالِ ذَلِكَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَيُوجَدُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الْعَبْدِ وَلَا يُوجَدُ حَقُّ الْعَبْدِ إلَّا وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِصِحَّةِ الْإِسْقَاطِ فَكُلُّ مَا لِلْعَبْدِ إسْقَاطُهُ فَهُوَ الَّذِي نَعْنِي بِهِ حَقَّ الْعَبْدِ وَكُلُّ مَا لَيْسَ لَهُ إسْقَاطُهُ فَهُوَ الَّذِي نَعْنِي بِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ يُوجَدُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَا لَيْسَ لِلْعَبْدِ إسْقَاطُهُ وَيَكُونُ مَعَهُ حَقُّ الْعَبْدِ كَتَحْرِيمِهِ تَعَالَى لِعُقُودِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ وَالْجَهَالَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا حَرَّمَهَا صَوْنًا لِمَالِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَصَوْنًا لَهُ عَنْ الضَّيَاعِ بِعُقُودِ الْغَرَرِ وَالْجَهْلِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَوْ يَحْصُلُ دَنِيًّا وَنَزْرًا حَقِيرًا فَيَضِيعُ الْمَالُ فَحَجَرَ الرَّبُّ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ فِي تَضْيِيعِ مَالِهِ الَّذِي هُوَ عَوْنُهُ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ وَلَوْ رَضِيَ الْعَبْدُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ فِي ذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ رِضَاهُ وَكَذَلِكَ حَجْرُ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فِي إلْقَاءِ مَالِهِ فِي الْبَحْرِ وَتَضْيِيعِهِ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ. وَلَوْ رَضِيَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُ وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْكِرَاتِ صَوْنًا لِمَصْلَحَةِ عَقْلِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَحَرَّمَ السَّرِقَةَ صَوْنًا لِمَالِهِ وَالزِّنَا صَوْنًا لِنَسَبِهِ وَالْقَذْفَ صَوْنًا لِعِرْضِهِ وَالْقَتْلَ وَالْجُرْحَ صَوْنًا لِمُهْجَتِهِ وَأَعْضَائِهِ وَمَنَافِعِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ رَضِيَ الْعَبْدُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُ وَلَمْ يَنْفُذْ إسْقَاطُهُ فَهَذِهِ كُلُّهَا وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنْ نَظَائِرِهَا مِمَّا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَصَالِحِهِمْ وَدَرْءِ مَفَاسِدِهِمْ وَأَكْثَرُ الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ كَالرِّضَا بِوِلَايَةِ الْفَسَقَةِ وَشَهَادَةِ الْأَرَاذِلِ وَنَحْوِهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْعَبْدِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَنَعْنِي بِحَقِّ الْعَبْدِ الْمَحْضِ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ وَإِلَّا فَمَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إلَّا وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَالِ ذَلِكَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ إلَى قَوْلِهِ فَهُوَ الَّذِي نَعْنِي بِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى) قُلْتُ: بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ قَبْلُ أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ مَصَالِحُهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ قَصَرَ كَلَامَهُ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ مِنْ التَّفَاصِيلِ وَهُوَ حَقُّ بَعْضِ الْعِبَادِ عَلَى بَعْضٍ وَتَرَكَ الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الْعِبَادِ فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ مُنْتَظِمًا كَمَا يَجِبُ. قَالَ: (وَقَدْ يُوجَدُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مَا لَيْسَ لِلْعَبْدِ إسْقَاطُهُ وَيَكُونُ مَعَهُ حَقُّ الْعَبْدِ كَتَحْرِيمِهِ تَعَالَى لِعُقُودِ الرِّبَا إلَى قَوْلِهِ وَتَضْيِيعِهِ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَلَوْ رَضِيَ الْعَبْدُ بِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُهُ تَعَالَى الْمُسْكِرَاتِ صَوْنًا لِمَصْلَحَةِ عَقْلِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَحَرَّمَ السَّرِقَةَ صَوْنًا لِمَالِهِ وَالزِّنَى صَوْنًا لِنَسَبِهِ وَالْقَذْفَ صَوْنًا لِعِرْضِهِ وَالْقَتْلَ وَالْجَرْحَ صَوْنًا لِمُهْجَتِهِ وَأَعْضَائِهِ وَمَنَافِعِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ رَضِيَ الْعَبْدُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ رِضَاهُ وَلَمْ يَنْفُذْ إسْقَاطُهُ) قُلْتُ: أَمَّا فِي الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ فَرِضَاهُ مُعْتَبَرٌ وَإِسْقَاطُهُ نَافِذٌ. قَالَ: (فَهَذِهِ كُلُّهَا وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنْ نَظَائِرِهَا مِمَّا هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حُقُوقِ الْعِبَادِ لِمَا فِيهَا مِنْ مَصَالِحِهِمْ إلَى قَوْلِهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَهِيَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا وَانْقِسَامُهَا إلَى أَدِلَّةِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَهِيَ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْمُجْتَهِدُونَ وَإِلَى أَدِلَّةِ وُقُوعِ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ وَشُرُوطِهَا وَمَوَانِعِهَا وَهِيَ الَّتِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْمُكَلَّفُونَ كَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَنَحْوِهِمَا وَأَمَّا الْحِجَاجُ فَهِيَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْحُكَّامُ وَيَقْضُونَ بِهِ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى نَصْبٍ مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَهِيَ الْبَيِّنَةُ وَالْإِقْرَارُ وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَالشَّاهِدُ وَالنُّكُولُ وَالْيَمِينُ وَالنُّكُولُ وَالْمَرْأَتَانِ وَالْيَمِينُ وَالْمَرْأَتَانِ وَالنُّكُولُ وَالْمَرْأَتَانِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَشَهَادَةُ الصِّبْيَانِ وَمُجَرَّدُ التَّحَالُفِ عِنْدَ مَالِكٍ فَيَقْتَسِمَانِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا عِنْدَ مَالِكٍ فَهَذِهِ نَحْوُ عَشَرَةٍ مِنْ الْحِجَاجِ هِيَ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الْحَاكِمُ وَلِذَلِكَ قَالَ: ﵇ «لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» وَمِنْهُ فَالْحِجَاجُ أَقَلُّ مِنْ أَدِلَّةِ الْمَشْرُوعِيَّةِ وَأَدِلَّةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ أَقَلُّ مِنْ أَدِلَّةِ الْوُقُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلشَّيْخِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ النِّكَاحُ بِوَلِيٍّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ٢٢١] بِضَمِّ التَّاءِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ وَدَلَالَةٌ صَحِيحَةٌ اهـ. ٢ - (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي تَكْمِيلِ الدِّيبَاجِ للتنبكتي آخِرَ تَرْجَمَةِ الْعَلَّامَةِ لِلشَّيْخِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدٍ اللَّخْمِيِّ الْغَرْنَاطِيِّ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّهِيرُ بِالشَّاطِبِيِّ مَا نَصُّهُ وَكَانَ صَاحِبُ التَّرْجَمَةِ مِمَّنْ يَرَى جَوَازَ ضَرْبِ الْخَرَاجِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ ضَعْفِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ لِضَعْفِ بَيْتِ الْمَالِ عَنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ النَّاسِ كَمَا وَقَعَ لِلشَّيْخِ الْمَالِقِيِّ فِي كِتَابِ الْوَرَعِ قَالَ: تَوْظِيفُ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَلَا شَكَّ عِنْدَنَا فِي جَوَازِهِ وَظُهُورِ مَصْلَحَتِهِ فِي بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَانِنَا الْآنَ لِكَثْرَةِ الْحَاجَةِ لِمَا يَأْخُذُهُ الْعَدُوُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ وَضَعْفِ بَيْتِ الْمَالِ الْآنَ عَنْهُ فَهَذَا يَقْطَعُ بِجَوَازِهِ الْآنَ فِي الْأَنْدَلُسِ وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى الْإِمَامِ ثُمَّ قَالَ أَثْنَاءَ كَلَامِهِ: وَلَعَلَّك تَقُولُ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ لِمَنْ أَجَازَ شُرْبَ الْعَصِيرِ بَعْدَ كَثْرَةِ طَبْخِهِ وَصَارَ رُبًّا أَحْلَلْتُهَا وَاَللَّهِ يَا عُمَرُ يَعْنِي هَذَا الْقَائِلُ أَحْلَلْت الْخَمْرَ بِالِاسْتِجْرَارِ إلَى نَقْصِ الطَّبْخِ حَتَّى تُحِلَّ الْخَمْرَ بِمَقَالِك فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ: عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ لَا أَحِلُّ شَيْئًا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَا أُحَرِّمُ شَيْئًا أَحَلَّهُ اللَّهُ وَإِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ

стр. 141

فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْتُهُ لَك مِنْ النَّظَائِرِ تَجِدْهُ فَحَجْرُ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ لُطْفًا بِهِ وَرَحْمَةً لَهُ . (تَنْبِيهٌ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ مُشْكِلٌ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» فَيَقْتَضِي أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ نَفْسُ الْفِعْلِ لَا الْأَمْرُ بِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلْتُهُ قَبْلَ هَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْأَمْرِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِمَا حَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا الصَّلَاةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَمْرُهُ بِهَا إذْ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ نَفْسُ الْأَمْرِ لَا الْفِعْلُ وَمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مُؤَوَّلٌ. (الْفَرْقُ الثَّالِثَ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْآدَمِيِّينَ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ خَاصَّةً) وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ لِلْأَجَانِبِ وَجَبَ لِلْوَالِدَيْنِ وَقَدْ يَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ مَا لَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ فَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لُطْفًا بِهِ وَرَحْمَةً لَهُ قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَ مَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ وَهُوَ الْقَتْلُ وَالْجَرْحُ. قَالَ: (تَنْبِيهٌ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ يُشْكِلُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» فَيَقْتَضِي أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ نَفْسُ الْفِعْلِ لَا الْأَمْرُ بِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْأَمْرِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِمَا حَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا الصَّلَاةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَمْرُهُ بِهَا إذْ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ نَفْسُ الْأَمْرِ لَا الْفِعْلِ وَمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مُؤَوَّلٌ) قُلْتُ: جَمِيعُ مَا قَالَهُ هُنَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَهُوَ نَقِيضُ الْحَقِّ وَخِلَافُ الصَّوَابِ بَلْ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ عَيْنُ الْعِبَادَةِ لَا الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا وَمِنْ أَعْجَبِ الْأُمُورِ قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِمَا حَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَكَيْف يُحَرِّرُ الْعُلَمَاءُ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ وَيَا لَيْتَ شِعْرِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ. وَكَيْف يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَالْحَقُّ مَعْنَاهُ اللَّازِمُ لَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَاللَّازِمُ عَلَى الْعَبْدِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا لَهُمْ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْكَسْبُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ كَلَامُهُ وَهُوَ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ مَنْ لَيْسَ مِنْ التَّحْصِيلِ بِسَبِيلٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هُدَانَا اللَّهُ. قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْآدَمِيِّينَ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ خَاصَّةً وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ لِلْأَجَانِبِ وَجَبَ لِلْوَالِدَيْنِ وَقَدْ يَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ مَا لَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ فَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يُتَّبَعَ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَكَانَ خَرَاجُ بِنَاءِ السُّوَرِ فِي بَعْضِ مَوَاضِعِ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَانِهِ مُوَظَّفًا عَلَى أَهْلِ الْمَوْضِعِ فَسُئِلَ عَنْهُ إمَامُ الْوَقْتِ فِي الْفُتْيَا بِالْأَنْدَلُسِ الْأُسْتَاذُ الشَّهِيرُ أَبُو سَعِيدٍ بْنِ لُبٍّ فَأَفْتَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَسُوغُ وَأَفْتَى صَاحِبُ التَّرْجَمَةِ بِسَوْغِهِ مُسْتَنِدًا فِيهِ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ إلَى قِيَامِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي إنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا النَّاسُ فَيُعْطُونَهَا مِنْ عِنْدِهِمْ ضَاعَتْ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ فَاسْتَوْفَى وَوَقَعَ لِابْنِ الْفَرَّاءِ فِي ذَلِكَ مَعَ سُلْطَانِ وَقْتِهِ وَفُقَهَائِهِ كَلَامٌ مَشْهُورٌ لَا نُطِيلُ بِهِ اهـ بِلَفْظِهِ. ٢ - (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي تَكْمِيلِ الدِّيبَاجِ أَيْضًا عَقِبَ تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي مَا نَصُّهُ وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَنِي السُّلْطَانُ أَبُو عَنَانٍ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فَحَلَفَ جَهْلًا عَلَى الْبَتِّ هَلْ يُعِيدُ أَمْ لَا فَأَجَبْتُهُ بِإِعَادَتِهَا وَقَدْ أَفْتَاهُ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ لَا تُعَادَ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَكْثَرَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُهُ فَقُلْت لَهُ الْيَمِينُ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ غَمُوسٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَالْغَمُوسُ الْحَلِفُ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ أَوْ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَمُوسَ مُحَرَّمَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ وَمَعْنَاهُ فِي الْعُقُودِ عَدَمُ تَرَتُّبِ أَثَرِهِ فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ الْيَمِينِ فَوَجَبَ أَنْ تُعَادَ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ إذْنُهَا السُّكُوتُ فَتَكَلَّمَتْ هَلْ يُجْتَزَأُ بِذَلِكَ وَالْإِجْزَاءُ هُنَا أَقْرَبُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالصَّمْتُ رُخْصَةٌ لِغَلَبَةِ الْحَيَاءِ فَإِنْ قُلْت: الْبَتُّ أَصْلٌ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ نَفْيُ الْعِلْمِ إذَا تَعَذَّرَ قُلْت: لَيْسَ رُخْصَةً كَالصُّمَاتِ اهـ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْإِنْسَانَ لَا يَنْوِي إلَّا فِعْلَ نَفْسِهِ وَمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ لَهُ] (الْفَرْقُ الثَّامِنَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً) وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً مُنْحَصِرًا إجْمَاعًا فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ الْمُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِثُبُوتِ صَانِعِ الْعَالَمِ إذْ يَسْتَحِيلُ فِيهِ قَصْدُ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ قَصْدَ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ فَرْعُ اعْتِقَادِ وُجُودِهِ وَاعْتِقَادُ وُجُودِهِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ النَّظَرِ الْمُوصِلِ إلَيْهِ إذْ هُوَ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ شُعُورٌ بِحُصُولِ ضَيْفٍ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى إكْرَامِهِ فَافْهَمْ وَمَا عَدَا ذَلِكَ النَّظَرَ الْأَوَّلَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ فِعْلَ نَفْسِهِ أَوْ فِعْلَ غَيْرِهِ أَمَّا فِعْلُ نَفْسِهِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِعْلُ غَيْرِهِ فَهُوَ وَإِنْ قِيلَ: تَمْتَنِعُ النِّيَّةُ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلِامْتِنَاعِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً وَأَمَّا شَرْعًا فَالظَّاهِرُ مِنْ جَوَازِ إحْجَاجِ الصَّبِيِّ أَنَّ الْوَلِيَّ يَنْوِي عَنْهُ وَكَذَلِكَ فِي جَوَازِ ذَبِيحَةِ.

стр. 142

الْحَقُّ الْوَاجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ الَّذِي امْتَازُوا بِهِ عَنْ الْأَجَانِبِ هَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ وَأَنَا أُقَرِّبُ ذَلِكَ وَأُلَخِّصُهُ بِذِكْرِ مَسَائِلَ وَفَتَاوَى مَنْقُولَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ تَخْتَصُّ بِالْوَالِدَيْنِ فَيَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ تَقْرِيبُ هَذَا الْمَوْضِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ بِثَمَانِ مَسَائِلَ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قِيلَ لِمَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ الْجَامِعِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لِي وَالِدَةٌ وَأُخْتٌ وَزَوْجَةٌ فَكُلَّمَا رَأَتْ لِي شَيْئًا قَالَتْ: أَعْطِ هَذَا لِأُخْتِك فَإِنْ مَنَعْتُهَا ذَلِكَ سَبَّتْنِي وَدَعَتْ عَلَيَّ قَالَ لَهُ مَالِكٌ مَا أَرَى أَنْ تُغَايِظَهَا وَتَخْلُصَ مِنْهَا بِمَا قَدَرْت عَلَيْهِ أَيْ وَتَخْلُصَ مِنْ سَخَطِهَا بِمَا قَدَرْت عَلَيْهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَقَالَ فِيهِ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ وَالِدِي فِي بَلَدِ السُّودَانِ كَتَبَ إلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: أَطِعْ أَبَاك وَلَا تَعْصِ أُمَّك وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ أَمَرَهُ بِطَاعَةِ الْأُمِّ لِأَنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرِّ كَمَا حَكَى الْبَاجِيَّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ابْنَهَا بِأَنْ يَتَوَكَّلَ لَهَا عَلَى أَبِيهِ فَكَانَ يُحَاكِمُهُ وَيُخَاصِمُهُ فِي الْمَجَالِسِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْأُمِّ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّهُ عُقُوقٌ لِلْأَبِ وَالْحَدِيثُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ بِرَّهُ أَقَلُّ مِنْ بِرِّ الْأُمِّ لَا أَنَّ الْأَبَ يُعَقُّ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ: فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحُجُّ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا الْفَرِيضَةَ فَنَصَّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي النَّافِلَةِ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يُوَافِقُهُمَا فِي حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ وَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَعْصِيهِمَا فِي الْخُرُوجِ لِلْغَزْوِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِمُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ أَوْ يُنْذَرَهُ فَيَتَأَخَّرَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فَإِنْ أَذِنَا لَهُ وَإِلَّا خَرَجَ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ: الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَةٌ فِي الشُّبُهَاتِ دُونَ الْحَرَامِ وَإِنْ كَرِهَا انْفِرَادَهُ عَنْهُمَا فِي الطَّعَامِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مُوَافَقَتُهُمَا وَيَأْكُلُ مَعَهُمَا لِأَنَّ تَرْكَ الشُّبْهَةِ مَنْدُوبٌ وَتَرْكَ طَاعَتِهِمَا حَرَامٌ وَالْحَرَامُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَلَا يُسَافِرُ فِي مُبَاحٍ وَلَا نَافِلَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَلَا يُبَادِرُ لِحَجِّ الْإِسْلَامِ وَلَا يَخْرُجُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا عِلْمٍ هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُعَلِّمْهُ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَرُوِيَ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ الْحَسَنُ إذَا مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفَقَةً عَلَيْهِ فَلْيَعْصِهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَحُضُورِ الْجَمَاعَاتِ وَتَرْكِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوَتْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا سَأَلَاهُ تَرْكَ ذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَيَاهُ لِأَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمَا وَإِنْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ يُصَلِّي قَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي قَالَ: فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْحَقِّ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ الَّذِي امْتَازُوا بِهِ عَنْ الْأَجَانِبِ إلَى تَمَامِ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ) قُلْتُ: أَكْثَرُ ذَلِكَ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ وَمَا فِيهِ مِنْ كَلَامٍ فَهُوَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ: فَإِنَّهُ لَيْسَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا الْوَلِيدِ وَإِنَّمَا كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ» إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكِتَابِيِّ نَائِبًا عَنْ الْمُسْلِمِ ثُمَّ الَّذِي تُمْكِنُ نِيَّتُهُ قِسْمَانِ: مَا شُرِعَتْ فِيهِ النِّيَّةُ وَمَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ النِّيَّةُ وَالْأَوَّلُ قِسْمَانِ: مَطْلُوبٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُ مَطْلُوبٍ فِيهَا فَأَمَّا غَيْرُ الْمَطْلُوبِ كَالْمُبَاحِ فَلَا يُنْوَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى مَطْلُوبٍ كَمَا يُقْصَدُ بِالنَّوْمِ التَّقَوِّي عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ. وَأَمَّا الْمَطْلُوبُ فَقِسْمَانِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّوَاهِي وَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ شَرْعًا بَلْ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنْ عُهْدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَضْلًا عَنْ الْقَصْدِ إلَيْهِ نَعَمْ إنْ نَوَى بِتَرْكِهَا وَجْهَ اللَّهِ الْعَظِيمِ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ وَصَارَ التَّرْكُ قُرْبَةً وَالْقِسْمُ الثَّانِي الْأَوَامِرُ، وَهِيَ قِسْمَانِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ بِقَصْدِ مُجَرَّدِ الْأَدَاءِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ وَفِي خُرُوجِ الْمُكَلَّفِ بِذَلِكَ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِهِ بَعْدُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ عُرِّيَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَدَاءِ كَدَفْعِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَلْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُثَابَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إذْ يَكْفِيهِ مِنْ النِّيَّةِ كَوْنُهُ قَصَدَ مُجَرَّدَ الْأَدَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ سِعَةُ بَابِ الثَّوَابِ خِلَافًا لِلْأَصْلِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ تَحْصِيلُ مَصْلَحَتِهِ وَالْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى نِيَّةِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَدَائِهِ كَالْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِتَعْظِيمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَالتَّعْظِيمُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقَصْدِ أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ صَنَعْت ضِيَافَةً لِإِنْسَانٍ فَأَكَلَهَا غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِكَ لَكُنْت مُعَظِّمًا لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي بِسَبَبِ قَصْدِك فَمَا لَا قَصْدَ فِيهِ وَلَا تَعْظِيمَ فِيهِ فَكُلُّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَصْدُ لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ضَابِطُ مَا تُمْكِنُ فِيهِ النِّيَّةُ وَمَا لَا تُمْكِنُ فِيهِ النِّيَّةُ وَضَابِطُ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا مِمَّا تُمْكِنُ فِيهِ اُنْظُرْ كِتَابَ الْأَمْنِيَّةِ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ لِلْأَصْلِ. ٢ - (وَصْلٌ) فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مُتَعَلِّقُ النِّيَّةِ فِي مُطْلَقِ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ إيقَاعُنَا الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ أَوْ نَفْلٌ وَهِيَ مِنْ فِعْلِنَا وَأُمِرْنَا بِأَنْ نَنْوِيَهُ لَا أَنَّ مُتَعَلِّقَهَا الْفَرْضِيَّةُ أَوْ النَّفْلِيَّةُ بِأَنْ نَقْصِدَ جَعْلَ الْفَرْضِ فَرْضًا وَالنَّفَلِ نَفْلًا إذْ لَيْسَ لَنَا ذَلِكَ وَلَا أُمِرْنَا بِأَنْ نَنْوِيَهُ بَلْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَا بِحُكْمِ التَّبَعِ لِلْمُكْتَسَبِ لَنَا وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ خِلَافًا لِلْأَصْلِ

стр. 143

قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْمَيامِيسِ وَكَانَتْ تَأْتِي إلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ فَوَلَدَتْ فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ؟ فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَوَاقَعَنِي» وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمِّ فِي قَطْعِ النَّافِلَةِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ وَاجِبَةً بِالشُّرُوعِ أَوْ يُقَالُ مَا وَجَبَ بِالشُّرُوعِ يُقْطَعُ لِلْأَبَوَيْنِ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ بِالْأَصَالَةِ مَعَ أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ نَظَرًا وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَهَا فِيهِ وَاسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لِوُجُوبِ حَقِّ الدَّاعِي وَأَنَّهُ مَظْلُومٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي فِقْهِ الْأَدْعِيَةِ أَنَّ دُعَاءَ الظَّالِمِ قَدْ يُسْتَجَابُ فِي الْمَظْلُومِ وَيَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ سَبَبًا لِضَرَرٍ يَحْصُلُ لِلْمَظْلُومِ لِأَجْلِ ذَنْبٍ تَقَدَّمَ مِنْ الْمَظْلُومِ وَعِصْيَانِهِ لِلَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ طَرِيقِ هَذَا الدَّاعِي كَمَا أَنَّ ظُلْمَ هَذَا الظَّالِمِ ابْتِدَاءً يَكُونُ بِسَبَبِ ذُنُوبٍ تَقَدَّمَتْ لِلْمَظْلُومِ وَيَكُونُ الظَّالِمُ سَبَبَ وُصُولِ الْعُقُوبَةِ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ سَبَبَ نِقْمَتِهِ كَمَا جَعَلَ يَدَهُ وَلِسَانَهُ سَبَبَيْ نِقْمَتِهِ وَالْكُلُّ بِذُنُوبٍ سَالِفَةٍ لِلْمَظْلُومِ فَلَا يُسْتَبْعَدُ اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الظَّالِمِ فِي الْمَظْلُومِ وَإِنَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ إنَّمَا يُسْتَجَابُ بِسَبَبِ حَقِّ الظَّالِمِ وَالظَّالِمُ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فَلَا يُسْتَجَابُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُسْتَجَابُ بِسَبَبِ حُقُوقٍ لِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] . وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا اسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ طَاعَتِهِمَا عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ قَالَ: هَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ كِلَاهُمَا قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَارْجِعْ إلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» فَجَعَلَ ﵇ الْكَوْنَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْكَوْنِ مَعَهُ وَجَعَلَ خِدْمَتَهُمَا أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا سِيَّمَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَمَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا مَنَعَاهُ بَلْ هُمَا مَوْجُودَانِ فَقَطْ فَأَمَرَهُ ﵇ بِالْأَفْضَلِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الْكَوْنُ مَعَهُمَا وَفَرْضُ الْجِهَادِ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَحْمِلُهُ الْحَاضِرُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْمَسْلَكِ غَسْلُ الْمَوْتَى وَمُوَارَاتِهِمْ وَجَمِيعُ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ إذَا وُجِدَ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ أَعْظَمُ دَلِيلٍ وَأَبْلَغُ فِي أَمْرِ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ ﵊ رَتَّبَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى مُجَرَّدِ وَصْفِ الْأُبُوَّةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَمْرِهِمَا وَعِصْيَانِهِمَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مِنْ نَقْلٍ وَغَيْرِهِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ وَإِذَا قَدَّمَ خِدْمَتَهَا عَلَى فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ فَعَلَى النَّقْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ أَوْلَى لِأَنَّ تَرْكَهُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ لَا تَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَتَرْكَ النَّفْلِ تَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةُ ذَلِكَ النَّفْلِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ النَّفْلِ إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الثَّوَابِ وَكَذَلِكَ مَصْلَحَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ زَائِدٌ فِي الْعَدَدِ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الْفَرْضِ لَكِنَّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَعْظَمُ فَتَتَحَقَّقُ الْأَوْلَوِيَّةُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَكَذَلِكَ مُتَعَلِّقُ نِيَّةِ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ تَعْيِينُهُ نَفْسَهُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ وَتَقَدُّمُهُ لِذَلِكَ وَهُوَ مِنْ فِعْلِهِ لَا الْإِمَامَةِ حَتَّى يُقَالَ: لَمْ تَكُنْ فِعْلًا زَائِدًا عَلَى فِعْلِ الْمُنْفَرِدِ بَلْ فِعْلُ الْإِمَامِ مُسَاوٍ لِفِعْلِ الْمُنْفَرِدِ وَكَيْفَ تُتَصَوَّرُ نِيَّةٌ بِلَا مَنْوِيٍّ وَلَا دَاعِي لِلْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَهَا كَوْنُهُ مُقْتَدًى بِهِ وَصَحَّتْ نِيَّتُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ تَبَعًا لِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ فَافْهَمْ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّذِي نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الشَّكُّ الْوَاقِعُ مِمَّنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا نَصَبَهُ الشَّارِعُ سَبَبًا لِإِيجَابِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَإِذَا صَلَّى الْخَمْسَ فَهُوَ جَازِمٌ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِهَا الَّذِي هُوَ الشَّكُّ لَا مُتَرَدِّدٍ فِي نِيَّتِهِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَصِحُّ فِي التَّرَدُّدِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ النِّيَّةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَشْرُوعُ فِي نِيَّةِ الْعِبَادَةِ أَنْ يَنْوِيَ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ مَنْوِيَّةً مَثَلًا فَإِنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ مَشْرُوعَةٌ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَلَيْسَ الْمَشْرُوعُ أَنْ يَنْوِيَ نِيَّةَ الِامْتِثَالِ حَتَّى يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ النِّيَّةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ مَا صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهَا التَّمْيِيزُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَا وَلَوْ لَمْ يُقْصَدْ فَافْهَمْ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ حُكْم دُخُول السنن فِي نِيَّة صَلَاة الْفَرْض] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) بِمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّفْصِيلَ فِي النِّيَّةِ بَلْ اكْتَفَى مِنْ الْإِنْسَانِ إذَا قَصَدَ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَتَنْسَحِبُ هَذِهِ النِّيَّةُ الْمُجْمَلَةُ عَلَى فَرَوْضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْصِدَ لِمَا فِي الظُّهْرِ مِنْ فَرْضٍ فَيَنْوِيَهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ سُنَّةٍ فَيَنْوِيَهُ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِالْأَوَّلِ وَيُثَابَ بِالثَّانِي كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ عَدَدَ السَّجَدَاتِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ بَلْ يَكْتَفِي بِانْسِحَابِ النِّيَّةِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَمَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ] (الْفَرْقُ التَّاسِعَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَمَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ) أَمَّا مَا شُرِعَتْ فِيهِ فَضَبَطَهُ شَيْخُ وَالِدِي الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْبَاجُورِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى السُّنُوسِيَّةِ بِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ أَيْ ذِي حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا بِحَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ وَلَمْ يَكُنْ ذِكْرًا مَحْضًا وَلَا مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ أَيْ الْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ وَلَا مُحَرَّمًا لِذَاتِهِ وَلَا مَكْرُوهًا لِذَاتِهِ فَقَوْلُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ. قَالَ: الأنبابي فِي تَقْرِيرَاتِهِ عَلَيْهِ: هُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ مَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَبْدَأً أَصْلًا أَوْ جَعَلَ مَبْدَأَهُ الْبَسْمَلَةَ وَالصُّورَةُ الْأُولَى غَيْرُ مُرَادَةٍ

стр. 144

وَحَاجَتِهِمَا لِلْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِبِرِّهِمَا بَلْ مُجَرَّدُ وَصْفِ الْأُبُوَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِذَا نَصَّ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى تَقْدِيمِ صُحْبَتِهِمَا عَلَى صُحْبَتِهِ ﵇ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ هَذِهِ الْغَايَةِ غَايَةٌ وَإِذَا قَدَّمَ خِدْمَتَهُمَا عَلَى فِعْلِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ فَعَلَى النَّفْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى بَلْ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ الْمُتَأَكِّدَةِ وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ فَقِيهًا لَعَلِمَ أَنَّ إجَابَةَ أُمِّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ» لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ شَرْعِنَا وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ وَيَكُونُ جُرَيْجٌ عَصَى بِتَرْكِ طَاعَتِهِمَا فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَهُوَ الصَّمْتُ حِينَئِذٍ. فَوَائِدُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: الْمَيامِيسُ الزَّوَانِي جَمْعُ زَانِيَةٍ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ أُمَّهُ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ مُحْتَجًّا بِالصَّلَاةِ دَعَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى وُجُوهِ الزَّوَانِي عُقُوبَةً عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى مَنْعِ السَّفَرِ الْمُبَاحِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا فَإِنَّ غَيْبَةَ الْوَجْهِ فِيهِ أَعْظَمُ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي النَّوَافِلِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْعُقُوقَ يُؤَاخَذُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَإِنْ عَظُمَ قَدْرُهُ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ لِأَنَّ جُرَيْجًا كَانَ مِنْ أَعْبَدْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَخُرِقَتْ لَهُ الْعَادَاتُ وَظَهَرَتْ لَهُ الْكَرَامَاتُ فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهِ إذَا عَقَّ أَبَوَيْهِ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَصْلِ الْعُقُوقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَإِذَا حَرُمَ هَذَا الْقَوْلُ حَرُمَ مَا فَوْقَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَيَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِمَا فِي الْوَاجِبَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] وَفِي الْآيَةِ فَائِدَتَانِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى أَنَّ الْأَبَوَيْنِ يَجِبُ بِرُّهُمَا وَيَحْرُمُ عُقُوقُهُمَا وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالشِّرْكِ إلَّا كَافِرٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَتْ الْآيَةُ بِوُجُوبِ بِرِّهِمَا الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمَا وَاجِبَةٌ فِي أَمْرِهِمَا بِالْمَعَاصِي وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ: أَمَّا مُخَالَفَتُهُمَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ يَجِدُ مُدَارَسَةَ الْمَسَائِلِ وَالتَّفَقُّهَ عَلَى طَرِيقِ التَّقْلِيدِ وَحِفْظِ نُصُوصِ الْعُلَمَاءِ فَأَرَادَ أَنْ يَظْعَنَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَتَفَقَّهَ فِيهِ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا لِأَنَّ خُرُوجَهُ إذَايَةُ لَهُمَا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلتَّفَقُّهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَمَوَاضِعِ الْخِلَافِ وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ فَإِنْ وُجِدَ فِي بَلَدِهِ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِلَّا خَرَجَ وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَتَقْلِيدِ الْعُلُومِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَمَنْ لَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ فَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو بَكْرٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ إلَّا فِي الذِّكْرِ الْمَحْضِ أَوْ الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ أَوْ الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ أَوْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ وَقَدْ أَخْرَجَ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذِكْرًا مَحْضًا إلَخْ اهـ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرًا أَصْلًا بَلْ كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى الْخِلَافِ وَذَبْحِ النُّسُكِ أَوْ مِنْ الْمُبَاحَاتِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَكَانَ ذِكْرًا غَيْرَ مَحْضٍ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَالْبَرَكَاتِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذِكْرًا مَحْضًا كَمَا لَا يَخْفَى فَلِذَا شُرِعَتْ فِيهَا الْبَسْمَلَةُ. وَأَمَّا مَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ فَسِتَّةُ أَنْوَاعٍ كَمَا يُفِيدُهُ الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ: الْأَوَّلُ مَا جَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ كَالصَّلَوَاتِ وَالْأَذَانِ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ مَبْدَأَهُمَا التَّكْبِيرَ وَكَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَبْدَأَهُمَا التَّلْبِيَةَ وَالثَّانِي مَا كَانَ ذِكْرًا مَحْضًا كَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. وَالثَّالِثُ مَا كَانَ مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ وَالرَّابِعُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا لِذَاتِهِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخَامِسُ مَا كَانَ مَكْرُوهًا لِذَاتِهِ كَأَكْلِ الْبَصَلِ النِّيءِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الأنبابي عَنْ الْعَلَّامَةِ الشَّرْقَاوِيِّ فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ أَنَّهُ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ تَلْزَمُهُ الْكَرَاهَةُ لِذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَهُ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ وَالسَّادِسُ نَحْوُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَمَا أُبِيحَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ وَلَا مِنْ ذَوَاتِ الْبَالِ فَلَمْ تُشْرَعْ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ بَدْؤُهُ بِغَيْرِهَا وَلَا فِي الثَّانِي لِاتِّحَادِ النَّوْعِ فَكَمَا لَا تَبْدَأُ الْبَسْمَلَةُ بِالْبَسْمَلَةِ لِأَنَّهَا تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا كَالشَّاةِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ كَذَلِكَ لَا يَبْدَأُ الذِّكْرُ الْمَحْضُ بِهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَلَا فِي الثَّالِثِ لِأَنَّ الْأَوْلَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ تَرْكُهَا تَعْظِيمًا لِاسْمِهِ تَعَالَى نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِهَا عِنْدَ مُحَقَّرٍ كَامْتِخَاطِهِ التَّحَصُّنَ وَالتَّبَرُّكَ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يُقَدِّرَ الْمُتَعَلِّقَ بِسْمِ اللَّهِ أَتَحَصَّنُ مِنْ ضَرَرِ هَذَا الْفِعْلِ أَوْ أَسَتَنْزِلُ الْبَرَكَةَ عَلَيَّ لَامْتَخَطَ يَرْجِعُ لِذَوَاتِ الْبَالِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَضَوْءِ الشُّمُوعِ وَلَا فِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ لِقَوْلِ الشَّيْخِ الْبَاجُورِيِّ فَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ وَتُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الأنبابي عَلَيْهِ: هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ حَاصِلُهَا أَنَّهُ قِيلَ: تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ وَلَوْ لِعَارِضٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُرَاغَمَةِ الشَّارِعِ بِجَعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَحَلًّا لِلْبَرَكَةِ وَقِيلَ: تَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِمَا إذْ الْمُرَاغَمَةُ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ

стр. 145

يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُ الْمُنْكَرَ كَيْفَ يَنْهَى عَنْهُ قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمَا فِي الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا تَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي رَدَّهُ ﵇ لِأَبَوَيْهِ عَنْ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ لِأَنَّ الْحَاضِرَ يَقُومُ مَقَامَهُ وَهَذِهِ الْفَتْوَى تَقْتَضِي أَنَّهُ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُمَا فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَبَيْنَهُمَا تُعَارَضُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ: الْعِلْمُ وَضَبْطُ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ وَهِيَ مَنْ جَادَ حِفْظُهُمْ وَرَقَّ فَهْمُهُمْ وَحَسُنَتْ سِيرَتُهُمْ وَطَابَتْ سَرِيرَتُهُمْ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ عَدِيمَ الْحِفْظِ أَوْ قَلِيلَهُ أَوْ سَيِّئَ الْفَهْمِ لَا يَصْلُحُ لِضَبْطِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ سَاءَتْ سِيرَتُهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْوُثُوقُ لِلْعَامَّةِ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ التَّقْلِيدِ فَتَضِيعُ أَحْوَالُ النَّاسِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مُتَعَيِّنَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ تَعَيَّنَتْ بِصِفَاتِهَا وَصَارَ طَلَبُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا فَرْضَ عَيْنٍ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ سَحْنُونٍ وَأَبِي الْوَلِيدِ وَالْجِهَادُ يَصْلُحُ لَهُ عُمُومُ النَّاسِ فَأَمْرُهُ سَهْلٌ وَلَيْسَ الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ وَالضَّرْبُ بِالسَّيْفِ كَضَبْطِ الْعُلُومِ فَكُلُّ بَلِيدٍ أَوْ ذَكِيٍّ يَصْلُحُ لِلْأَوَّلِ وَلَا يَصْلُحُ لِلثَّانِي إلَّا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: إنْ أَرَادَ سَفَرًا لِلتِّجَارَةِ يَرْجُو بِهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِنْ رَجَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ فِي كَفَافٍ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ ذَلِكَ تَكَاثُرًا فَهَذَا لَوْ أَذِنَا لَهُ لَنَهَيْنَاهُ لِأَنَّهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ دَفْعَ حَاجَاتِ نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ تَأَذَّى بِتَرْكِهِ كَانَ لَهُ مُخَالَفَتُهُمَا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَكَمَا نَمْنَعُهُ مِنْ إذَايَتِهِمَا نَمْنَعُهُمَا مِنْ إَذايَتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ إنْ لَمْ يَأْكُلْهُ هَلَكَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلَاهُ هَلَكَا قُدِّمَتْ ضَرُورَتُهُ عَلَيْهِمَا قَالَ: فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ وَلَيْسَ لِأَبَوَيْهِ مَنْعُهُ قَالَ: قُلْت هَذَا فِي الْحَضَانَةِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَانَ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ كَافِلِهِ فَإِذَا بَلَغَ ذَهَبَ حَجَرُ الْحَضَانَةِ وَتَجَدَّدَ حَجْرُ الْبِرِّ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي دَعَاهُ أَبُوهُ مِنْ السُّودَانِ وَمَنَعَتْهُ أُمُّهُ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ مِنْ الْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِ الْأُمِّ وَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَاك وَلَا تَعْصِ أُمَّك فَهُوَ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَمْشِي فِي الْبَلَدِ حَيْثُ شَاءَ دُونَ السَّفَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رِيبَةٍ وَهُمَا يَتَأَذَّيَانِ بِهِ فَيَمْنَعَانِهِ مُطْلَقًا. (سُؤَالٌ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وَالنِّكَاحُ مُبَاحٌ وَقَدْ نُهِيَ الْأَبُ عَنْ مَنْعِ ابْنَتِهِ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِ الْمُبَاحِ وَلَا فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (جَوَابُهُ) أَنَّ الْبِنْتَ لَهَا حَقٌّ فِي الْإِعْفَافِ وَالتَّصَوُّنِ وَدَفْعِ ضَرَرِ مُوَاقَعَةِ الشَّهْوَةِ وَسَدِّ ذَرَائِعِ الشَّيْطَانِ عَنْهَا بِالتَّزْوِيجِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَهَا وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ وَاجِبٌ عَلَى الْأَبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ لِلْأَبْنَاءِ جَوَازُ إذَايَةُ الْآبَاءِ بِاسْتِيفَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنَعَ مِنْ تَحْلِيفِ الْأَبِ فِي حَقٍّ لَهُ وَقَالَ: إنْ حَلَّفَهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَالَ: أَبُو الْوَلِيدِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ أَبُو بَكْرٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ كُفْرٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ أَصْحَابِ الْقَوْلَيْنِ يَقُولُ بِتَفَاوُتِ مَا قَالَ بِهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ وَقِيلَ: تُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ مُطْلَقًا وَقِيلَ: وَهُوَ الرَّاجِحُ تُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ وَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ إذْ الْمُرَاغَمَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ دُونَ مَا إذَا كَانَ لِعَارِضٍ لِأَنَّ الْعَارِضَ إنَّمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مَنْعُ الِاسْتِعْمَالِ فَقَطْ وَلَا يَمْنَعُ التَّسْمِيَةَ إذْ الْمَحَلُّ فِي ذَاتِهِ قَابِلٌ لَهَا فَلَا مُرَاغَمَةَ كَذَا فِي حَوَاشِي الْبَهْجَةِ نَقْلًا عَنْ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ وَأَخَذَ مِنْ هَذَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَشْيَاخِنَا أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ الْإِبَاحَةُ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ كَأَنْ اضْطَرَّ لِأَكْلِ الْمَيِّتَةِ أَوْ شُرْبِ جَرْعَةِ خَمْرٍ لِإِسَاغَةِ مَا غَصَّ بِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُرِيدُ الْأَدَمَ سِوَى الْبَصَلِ النِّيءِ تَبْقَى التَّسْمِيَةُ عَلَى الِامْتِنَاعِ إذْ الْمَحَلُّ فِي ذَاتِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لَهَا وَالضَّرُورَةُ لَا دَخْلَ لَهَا فِي التَّسْمِيَةِ فَتَدَبَّرْ اهـ وَقَالَ: الْأَمِيرُ فِي شَرْحِ مَجْمُوعِهِ وَحَاشِيَتِهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَظْهَرَ تَحْرِيمُهَا فِي الْمُحَرَّمِ مُطْلَقًا لِمَا وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ عَبْدَهُ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُ وَحَالُ التَّحْرِيمِ يُمَاثِلُهُ مِنْهُ الْعِقَابُ جَزَاءً وِفَاقًا وَذَلِكَ أَنَّ حَالَ التَّحْرِيمِ إعْرَاضٌ عَنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَمُلَابَسَةٌ لِمَا يَكْرَهُهُ وَالْعِقَابُ إبْعَادٌ لِلْعَبْدِ وَإِيصَالُ مَا يَكْرَهُهُ إلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ «يَا دَاوُد قُلْ لِلظَّالِمَيْنِ لَا يَذْكُرُونِي فَإِنَّهُمْ إنْ ذَكَرُونِي ذَكَرْتُهُمْ وَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ مَقَتُّهُمْ» نَعَمْ الْقَوْلُ بِكَرَاهَتِهَا فِيهِ وَجِيهٌ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ لَا الْعَكْسُ يَعْنِي الْغَالِبُ قُوَّةُ نَامُوسِ حَسَنَةٍ عَلَى السَّيِّئَةِ بِدَلِيلِ كَثْرَةِ الْكَفَّارَاتِ مِنْ الطَّاعَاتِ لِلذُّنُوبِ. وَلِذَا كَانَتْ الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ وَالسَّيِّئَةُ بِوَاحِدَةٍ وَنَاهِيكَ بِحَدِيثِ بِطَاقَةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ تَرْجَحُ فِي الْمِيزَانِ عَلَى سِجِلَّاتٍ كَثِيرَةٍ وَالْبَسْمَلَةُ حَسَنَةٌ لِأَنَّهَا فِي ذَاتِهَا ذِكْرٌ فَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا نَامُوسُ السَّيِّئَةِ حَتَّى تَنْحَطَّ لِرُتْبَةِ التَّحْرِيمِ قُصَارَى الْأَمْرِ الْكَرَاهَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ وَقَدْ رَجَّحَ الْكَرَاهَةَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ الْكَرْشِيِّ فِي مَبْحَثِ تَسْمِيَةِ الْوُضُوءِ تَبَعًا لِلشَّبْرَخِيتِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ نَتْبَعْهُ لِقَوْلِ الْخَادِمِيِّ فِي بَسْمَلَتِهِ إنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ عِنْدَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ يَكْفُرْ عَلَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ وَالِاسْتِعَانَةَ بِذِكْرِهِ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِيمَا أَذِنَهُ وَرَضَاهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ صَيْدِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَرَأَيْت بِخَطِّ ثِقَةٍ سَرَقَ شَاةً فَذَبَحَهَا بِتَسْمِيَةٍ فَوَجَدَ صَاحِبَهَا هَلْ تُؤْكَلُ؟ الْأَصَحُّ لَا لِكُفْرِهِ بِتَسْمِيَةٍ عَلَى الْحَرَامِ الْقَطْعِيِّ بِلَا تَمَلُّكٍ وَلَا إذْنٍ اهـ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُنَا الْأَكْلَ
следующие страницы →