← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْتُهُ لَك مِنْ النَّظَائِرِ تَجِدْهُ فَحَجْرُ الرَّبِّ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ لُطْفًا بِهِ وَرَحْمَةً لَهُ . (تَنْبِيهٌ) : مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ مُشْكِلٌ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» فَيَقْتَضِي أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ نَفْسُ الْفِعْلِ لَا الْأَمْرُ بِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا نَقَلْتُهُ قَبْلَ هَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْأَمْرِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِمَا حَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا الصَّلَاةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَمْرُهُ بِهَا إذْ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ نَفْسُ الْأَمْرِ لَا الْفِعْلُ وَمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مُؤَوَّلٌ. (الْفَرْقُ الثَّالِثَ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْآدَمِيِّينَ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ خَاصَّةً) وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ لِلْأَجَانِبِ وَجَبَ لِلْوَالِدَيْنِ وَقَدْ يَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ مَا لَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ فَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لُطْفًا بِهِ وَرَحْمَةً لَهُ قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَ مَا يَسْقُطُ بِالْإِسْقَاطِ وَهُوَ الْقَتْلُ وَالْجَرْحُ. قَالَ: (تَنْبِيهٌ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ يُشْكِلُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» فَيَقْتَضِي أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ نَفْسُ الْفِعْلِ لَا الْأَمْرُ بِهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ مُؤَوَّلٌ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْأَمْرِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ وَبِالْجُمْلَةِ فَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِمَا حَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِنَا الصَّلَاةُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا أَمْرُهُ بِهَا إذْ لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا لَمْ يَصْدُقْ أَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ نَفْسُ الْأَمْرِ لَا الْفِعْلِ وَمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ مُؤَوَّلٌ) قُلْتُ: جَمِيعُ مَا قَالَهُ هُنَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَهُوَ نَقِيضُ الْحَقِّ وَخِلَافُ الصَّوَابِ بَلْ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ مَا اقْتَضَاهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ هُوَ عَيْنُ الْعِبَادَةِ لَا الْأَمْرُ الْمُتَعَلِّقُ بِهَا وَمِنْ أَعْجَبِ الْأُمُورِ قَوْلُهُ فَظَاهِرُهُ مُعَارِضٌ لِمَا حَرَّرَهُ الْعُلَمَاءُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَكَيْف يُحَرِّرُ الْعُلَمَاءُ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ وَيَا لَيْتَ شِعْرِي مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ. وَكَيْف يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَالْحَقُّ مَعْنَاهُ اللَّازِمُ لَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَاللَّازِمُ عَلَى الْعَبْدِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا لَهُمْ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْكَسْبُ بِأَمْرِهِ وَهُوَ كَلَامُهُ وَهُوَ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ وَهَذَا كُلُّهُ كَلَامُ مَنْ لَيْسَ مِنْ التَّحْصِيلِ بِسَبِيلٍ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هُدَانَا اللَّهُ. قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْآدَمِيِّينَ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ خَاصَّةً وَهَذَا الْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ لِلْأَجَانِبِ وَجَبَ لِلْوَالِدَيْنِ وَقَدْ يَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ مَا لَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ فَمَا ضَابِطُ ذَلِكَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يُتَّبَعَ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ. وَكَانَ خَرَاجُ بِنَاءِ السُّوَرِ فِي بَعْضِ مَوَاضِعِ الْأَنْدَلُسِ فِي زَمَانِهِ مُوَظَّفًا عَلَى أَهْلِ الْمَوْضِعِ فَسُئِلَ عَنْهُ إمَامُ الْوَقْتِ فِي الْفُتْيَا بِالْأَنْدَلُسِ الْأُسْتَاذُ الشَّهِيرُ أَبُو سَعِيدٍ بْنِ لُبٍّ فَأَفْتَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَلَا يَسُوغُ وَأَفْتَى صَاحِبُ التَّرْجَمَةِ بِسَوْغِهِ مُسْتَنِدًا فِيهِ إلَى الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ إلَى قِيَامِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي إنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا النَّاسُ فَيُعْطُونَهَا مِنْ عِنْدِهِمْ ضَاعَتْ وَقَدْ تَكَلَّمَ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ فَاسْتَوْفَى وَوَقَعَ لِابْنِ الْفَرَّاءِ فِي ذَلِكَ مَعَ سُلْطَانِ وَقْتِهِ وَفُقَهَائِهِ كَلَامٌ مَشْهُورٌ لَا نُطِيلُ بِهِ اهـ بِلَفْظِهِ. ٢ - (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي تَكْمِيلِ الدِّيبَاجِ أَيْضًا عَقِبَ تَرْجَمَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِي مَا نَصُّهُ وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلَنِي السُّلْطَانُ أَبُو عَنَانٍ عَمَّنْ لَزِمَتْهُ يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ فَحَلَفَ جَهْلًا عَلَى الْبَتِّ هَلْ يُعِيدُ أَمْ لَا فَأَجَبْتُهُ بِإِعَادَتِهَا وَقَدْ أَفْتَاهُ مَنْ حَضَرَ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِأَنْ لَا تُعَادَ لِأَنَّهُ أَتَى بِأَكْثَرَ مِمَّا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُهُ فَقُلْت لَهُ الْيَمِينُ عَلَى وَجْهِ الشَّكِّ غَمُوسٌ قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَالْغَمُوسُ الْحَلِفُ عَلَى تَعَمُّدِ الْكَذِبِ أَوْ عَلَى غَيْرِ يَقِينٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْغَمُوسَ مُحَرَّمَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا وَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ وَمَعْنَاهُ فِي الْعُقُودِ عَدَمُ تَرَتُّبِ أَثَرِهِ فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ الْيَمِينِ فَوَجَبَ أَنْ تُعَادَ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ إذْنُهَا السُّكُوتُ فَتَكَلَّمَتْ هَلْ يُجْتَزَأُ بِذَلِكَ وَالْإِجْزَاءُ هُنَا أَقْرَبُ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَالصَّمْتُ رُخْصَةٌ لِغَلَبَةِ الْحَيَاءِ فَإِنْ قُلْت: الْبَتُّ أَصْلٌ وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ نَفْيُ الْعِلْمِ إذَا تَعَذَّرَ قُلْت: لَيْسَ رُخْصَةً كَالصُّمَاتِ اهـ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْإِنْسَانَ لَا يَنْوِي إلَّا فِعْلَ نَفْسِهِ وَمَا هُوَ مُكْتَسَبٌ لَهُ] (الْفَرْقُ الثَّامِنَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً) وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً مُنْحَصِرًا إجْمَاعًا فِي النَّظَرِ الْأَوَّلِ الْمُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِثُبُوتِ صَانِعِ الْعَالَمِ إذْ يَسْتَحِيلُ فِيهِ قَصْدُ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ قَصْدَ ذَلِكَ بِالْفِعْلِ فَرْعُ اعْتِقَادِ وُجُودِهِ وَاعْتِقَادُ وُجُودِهِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ النَّظَرِ الْمُوصِلِ إلَيْهِ إذْ هُوَ كَمَنْ لَيْسَ لَهُ شُعُورٌ بِحُصُولِ ضَيْفٍ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى إكْرَامِهِ فَافْهَمْ وَمَا عَدَا ذَلِكَ النَّظَرَ الْأَوَّلَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْوَى قُرْبَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ فِعْلَ نَفْسِهِ أَوْ فِعْلَ غَيْرِهِ أَمَّا فِعْلُ نَفْسِهِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا فِعْلُ غَيْرِهِ فَهُوَ وَإِنْ قِيلَ: تَمْتَنِعُ النِّيَّةُ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلِامْتِنَاعِ عَقْلًا أَوْ عَادَةً وَأَمَّا شَرْعًا فَالظَّاهِرُ مِنْ جَوَازِ إحْجَاجِ الصَّبِيِّ أَنَّ الْوَلِيَّ يَنْوِي عَنْهُ وَكَذَلِكَ فِي جَوَازِ ذَبِيحَةِ.

стр. 142

الْحَقُّ الْوَاجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ الَّذِي امْتَازُوا بِهِ عَنْ الْأَجَانِبِ هَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْإِشْكَالِ وَأَنَا أُقَرِّبُ ذَلِكَ وَأُلَخِّصُهُ بِذِكْرِ مَسَائِلَ وَفَتَاوَى مَنْقُولَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ تَخْتَصُّ بِالْوَالِدَيْنِ فَيَظْهَرُ بَعْدَ ذَلِكَ تَقْرِيبُ هَذَا الْمَوْضِعِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ بِثَمَانِ مَسَائِلَ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قِيلَ لِمَالِكٍ فِي مُخْتَصَرِ الْجَامِعِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لِي وَالِدَةٌ وَأُخْتٌ وَزَوْجَةٌ فَكُلَّمَا رَأَتْ لِي شَيْئًا قَالَتْ: أَعْطِ هَذَا لِأُخْتِك فَإِنْ مَنَعْتُهَا ذَلِكَ سَبَّتْنِي وَدَعَتْ عَلَيَّ قَالَ لَهُ مَالِكٌ مَا أَرَى أَنْ تُغَايِظَهَا وَتَخْلُصَ مِنْهَا بِمَا قَدَرْت عَلَيْهِ أَيْ وَتَخْلُصَ مِنْ سَخَطِهَا بِمَا قَدَرْت عَلَيْهِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَقَالَ فِيهِ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ وَالِدِي فِي بَلَدِ السُّودَانِ كَتَبَ إلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: أَطِعْ أَبَاك وَلَا تَعْصِ أُمَّك وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ أَمَرَهُ بِطَاعَةِ الْأُمِّ لِأَنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرِّ كَمَا حَكَى الْبَاجِيَّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ابْنَهَا بِأَنْ يَتَوَكَّلَ لَهَا عَلَى أَبِيهِ فَكَانَ يُحَاكِمُهُ وَيُخَاصِمُهُ فِي الْمَجَالِسِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْأُمِّ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّهُ عُقُوقٌ لِلْأَبِ وَالْحَدِيثُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ بِرَّهُ أَقَلُّ مِنْ بِرِّ الْأُمِّ لَا أَنَّ الْأَبَ يُعَقُّ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ: فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحُجُّ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا الْفَرِيضَةَ فَنَصَّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي النَّافِلَةِ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ: يُوَافِقُهُمَا فِي حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ وَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَعْصِيهِمَا فِي الْخُرُوجِ لِلْغَزْوِ إلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِمُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ أَوْ يُنْذَرَهُ فَيَتَأَخَّرَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فَإِنْ أَذِنَا لَهُ وَإِلَّا خَرَجَ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ: الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَةٌ فِي الشُّبُهَاتِ دُونَ الْحَرَامِ وَإِنْ كَرِهَا انْفِرَادَهُ عَنْهُمَا فِي الطَّعَامِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مُوَافَقَتُهُمَا وَيَأْكُلُ مَعَهُمَا لِأَنَّ تَرْكَ الشُّبْهَةِ مَنْدُوبٌ وَتَرْكَ طَاعَتِهِمَا حَرَامٌ وَالْحَرَامُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْدُوبِ وَلَا يُسَافِرُ فِي مُبَاحٍ وَلَا نَافِلَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَلَا يُبَادِرُ لِحَجِّ الْإِسْلَامِ وَلَا يَخْرُجُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا عِلْمٍ هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُعَلِّمْهُ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَرُوِيَ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ الْحَسَنُ إذَا مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفَقَةً عَلَيْهِ فَلْيَعْصِهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَحُضُورِ الْجَمَاعَاتِ وَتَرْكِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوَتْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا سَأَلَاهُ تَرْكَ ذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَيَاهُ لِأَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمَا وَإِنْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ يُصَلِّي قَالَتْ يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي قَالَ: فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْحَقِّ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ الَّذِي امْتَازُوا بِهِ عَنْ الْأَجَانِبِ إلَى تَمَامِ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْخَامِسَةِ) قُلْتُ: أَكْثَرُ ذَلِكَ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ وَمَا فِيهِ مِنْ كَلَامٍ فَهُوَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ: فَإِنَّهُ لَيْسَتْ كُنْيَتُهُ أَبَا الْوَلِيدِ وَإِنَّمَا كُنْيَتُهُ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ» إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكِتَابِيِّ نَائِبًا عَنْ الْمُسْلِمِ ثُمَّ الَّذِي تُمْكِنُ نِيَّتُهُ قِسْمَانِ: مَا شُرِعَتْ فِيهِ النِّيَّةُ وَمَا لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ النِّيَّةُ وَالْأَوَّلُ قِسْمَانِ: مَطْلُوبٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَغَيْرُ مَطْلُوبٍ فِيهَا فَأَمَّا غَيْرُ الْمَطْلُوبِ كَالْمُبَاحِ فَلَا يُنْوَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مُبَاحٌ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ بِهِ التَّقَوِّي عَلَى مَطْلُوبٍ كَمَا يُقْصَدُ بِالنَّوْمِ التَّقَوِّي عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ. وَأَمَّا الْمَطْلُوبُ فَقِسْمَانِ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّوَاهِي وَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى النِّيَّةِ شَرْعًا بَلْ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ مِنْ عُهْدَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ تَرْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَضْلًا عَنْ الْقَصْدِ إلَيْهِ نَعَمْ إنْ نَوَى بِتَرْكِهَا وَجْهَ اللَّهِ الْعَظِيمِ حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ وَصَارَ التَّرْكُ قُرْبَةً وَالْقِسْمُ الثَّانِي الْأَوَامِرُ، وَهِيَ قِسْمَانِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ بِقَصْدِ مُجَرَّدِ الْأَدَاءِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ وَفِي خُرُوجِ الْمُكَلَّفِ بِذَلِكَ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِحَيْثُ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِهِ بَعْدُ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ عُرِّيَ عَنْ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالْأَدَاءِ كَدَفْعِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَعَلَفِ الدَّوَابِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَلْ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يُثَابَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ عَدَمِ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ إذْ يَكْفِيهِ مِنْ النِّيَّةِ كَوْنُهُ قَصَدَ مُجَرَّدَ الْأَدَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا يَشْهَدُ لَهُ سِعَةُ بَابِ الثَّوَابِ خِلَافًا لِلْأَصْلِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: مَا لَا تَكُونُ صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةً فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ تَحْصِيلُ مَصْلَحَتِهِ وَالْخُرُوجُ مِنْ عُهْدَةِ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى نِيَّةِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَدَائِهِ كَالْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِتَعْظِيمِ الرَّبِّ تَعَالَى وَإِجْلَالِهِ وَالتَّعْظِيمُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْقَصْدِ أَلَا تَرَى أَنَّك لَوْ صَنَعْت ضِيَافَةً لِإِنْسَانٍ فَأَكَلَهَا غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِكَ لَكُنْت مُعَظِّمًا لِلْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي بِسَبَبِ قَصْدِك فَمَا لَا قَصْدَ فِيهِ وَلَا تَعْظِيمَ فِيهِ فَكُلُّ عِبَادَةٍ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَصْدُ لِأَنَّهَا إنَّمَا شُرِعَتْ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فَظَهَرَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ضَابِطُ مَا تُمْكِنُ فِيهِ النِّيَّةُ وَمَا لَا تُمْكِنُ فِيهِ النِّيَّةُ وَضَابِطُ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَمَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا مِمَّا تُمْكِنُ فِيهِ اُنْظُرْ كِتَابَ الْأَمْنِيَّةِ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ لِلْأَصْلِ. ٢ - (وَصْلٌ) فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مُتَعَلِّقُ النِّيَّةِ فِي مُطْلَقِ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ إيقَاعُنَا الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ فَرْضٌ أَوْ نَفْلٌ وَهِيَ مِنْ فِعْلِنَا وَأُمِرْنَا بِأَنْ نَنْوِيَهُ لَا أَنَّ مُتَعَلِّقَهَا الْفَرْضِيَّةُ أَوْ النَّفْلِيَّةُ بِأَنْ نَقْصِدَ جَعْلَ الْفَرْضِ فَرْضًا وَالنَّفَلِ نَفْلًا إذْ لَيْسَ لَنَا ذَلِكَ وَلَا أُمِرْنَا بِأَنْ نَنْوِيَهُ بَلْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لَا بِحُكْمِ التَّبَعِ لِلْمُكْتَسَبِ لَنَا وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ خِلَافًا لِلْأَصْلِ

стр. 143

قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْمَيامِيسِ وَكَانَتْ تَأْتِي إلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ فَوَلَدَتْ فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ؟ فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَوَاقَعَنِي» وَسَاقَ الْحَدِيثَ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمِّ فِي قَطْعِ النَّافِلَةِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ وَاجِبَةً بِالشُّرُوعِ أَوْ يُقَالُ مَا وَجَبَ بِالشُّرُوعِ يُقْطَعُ لِلْأَبَوَيْنِ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ بِالْأَصَالَةِ مَعَ أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ نَظَرًا وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَهَا فِيهِ وَاسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لِوُجُوبِ حَقِّ الدَّاعِي وَأَنَّهُ مَظْلُومٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي فِقْهِ الْأَدْعِيَةِ أَنَّ دُعَاءَ الظَّالِمِ قَدْ يُسْتَجَابُ فِي الْمَظْلُومِ وَيَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ سَبَبًا لِضَرَرٍ يَحْصُلُ لِلْمَظْلُومِ لِأَجْلِ ذَنْبٍ تَقَدَّمَ مِنْ الْمَظْلُومِ وَعِصْيَانِهِ لِلَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ طَرِيقِ هَذَا الدَّاعِي كَمَا أَنَّ ظُلْمَ هَذَا الظَّالِمِ ابْتِدَاءً يَكُونُ بِسَبَبِ ذُنُوبٍ تَقَدَّمَتْ لِلْمَظْلُومِ وَيَكُونُ الظَّالِمُ سَبَبَ وُصُولِ الْعُقُوبَةِ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ سَبَبَ نِقْمَتِهِ كَمَا جَعَلَ يَدَهُ وَلِسَانَهُ سَبَبَيْ نِقْمَتِهِ وَالْكُلُّ بِذُنُوبٍ سَالِفَةٍ لِلْمَظْلُومِ فَلَا يُسْتَبْعَدُ اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الظَّالِمِ فِي الْمَظْلُومِ وَإِنَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ إنَّمَا يُسْتَجَابُ بِسَبَبِ حَقِّ الظَّالِمِ وَالظَّالِمُ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فَلَا يُسْتَجَابُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُسْتَجَابُ بِسَبَبِ حُقُوقٍ لِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] . وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ ضَعْفُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا اسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ طَاعَتِهِمَا عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ «رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ قَالَ: هَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ كِلَاهُمَا قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَارْجِعْ إلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» فَجَعَلَ ﵇ الْكَوْنَ مَعَ الْأَبَوَيْنِ أَفْضَلَ مِنْ الْكَوْنِ مَعَهُ وَجَعَلَ خِدْمَتَهُمَا أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا سِيَّمَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَمَعَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا مَنَعَاهُ بَلْ هُمَا مَوْجُودَانِ فَقَطْ فَأَمَرَهُ ﵇ بِالْأَفْضَلِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الْكَوْنُ مَعَهُمَا وَفَرْضُ الْجِهَادِ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَحْمِلُهُ الْحَاضِرُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْمَسْلَكِ غَسْلُ الْمَوْتَى وَمُوَارَاتِهِمْ وَجَمِيعُ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ إذَا وُجِدَ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ أَعْظَمُ دَلِيلٍ وَأَبْلَغُ فِي أَمْرِ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ ﵊ رَتَّبَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى مُجَرَّدِ وَصْفِ الْأُبُوَّةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَمْرِهِمَا وَعِصْيَانِهِمَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مِنْ نَقْلٍ وَغَيْرِهِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ وَإِذَا قَدَّمَ خِدْمَتَهَا عَلَى فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ فَعَلَى النَّقْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ أَوْلَى لِأَنَّ تَرْكَهُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ لَا تَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَتَرْكَ النَّفْلِ تَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةُ ذَلِكَ النَّفْلِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ النَّفْلِ إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الثَّوَابِ وَكَذَلِكَ مَصْلَحَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ زَائِدٌ فِي الْعَدَدِ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الْفَرْضِ لَكِنَّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَعْظَمُ فَتَتَحَقَّقُ الْأَوْلَوِيَّةُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَكَذَلِكَ مُتَعَلِّقُ نِيَّةِ الْإِمَامِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ تَعْيِينُهُ نَفْسَهُ لِلِاقْتِدَاءِ بِهِ وَتَقَدُّمُهُ لِذَلِكَ وَهُوَ مِنْ فِعْلِهِ لَا الْإِمَامَةِ حَتَّى يُقَالَ: لَمْ تَكُنْ فِعْلًا زَائِدًا عَلَى فِعْلِ الْمُنْفَرِدِ بَلْ فِعْلُ الْإِمَامِ مُسَاوٍ لِفِعْلِ الْمُنْفَرِدِ وَكَيْفَ تُتَصَوَّرُ نِيَّةٌ بِلَا مَنْوِيٍّ وَلَا دَاعِي لِلْجَوَابِ عَنْهُ بِأَنَّ مُتَعَلِّقَهَا كَوْنُهُ مُقْتَدًى بِهِ وَصَحَّتْ نِيَّتُهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ فِعْلِهِ تَبَعًا لِمَا هُوَ مِنْ فِعْلِهِ فَافْهَمْ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّذِي نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الشَّكُّ الْوَاقِعُ مِمَّنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ الْخَمْسِ وَشَكَّ فِي عَيْنِهَا نَصَبَهُ الشَّارِعُ سَبَبًا لِإِيجَابِ خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَإِذَا صَلَّى الْخَمْسَ فَهُوَ جَازِمٌ بِوُجُوبِ الْخَمْسِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِهَا الَّذِي هُوَ الشَّكُّ لَا مُتَرَدِّدٍ فِي نِيَّتِهِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ قَاعِدَةِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَصِحُّ فِي التَّرَدُّدِ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ النِّيَّةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَشْرُوعُ فِي نِيَّةِ الْعِبَادَةِ أَنْ يَنْوِيَ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ مَنْوِيَّةً مَثَلًا فَإِنَّ النِّيَّةَ فِي الصَّلَاةِ مَشْرُوعَةٌ شَرْطًا فِي صِحَّتِهَا وَلَيْسَ الْمَشْرُوعُ أَنْ يَنْوِيَ نِيَّةَ الِامْتِثَالِ حَتَّى يَلْزَمَ التَّسَلْسُلُ وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّ النِّيَّةَ لَا تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ مَا صُورَةُ فِعْلِهِ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيلِ مَصْلَحَتِهِ لِأَنَّ مَصْلَحَتَهَا التَّمْيِيزُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِهَا وَلَوْ لَمْ يُقْصَدْ فَافْهَمْ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ حُكْم دُخُول السنن فِي نِيَّة صَلَاة الْفَرْض] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) بِمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَشْتَرِطْ التَّفْصِيلَ فِي النِّيَّةِ بَلْ اكْتَفَى مِنْ الْإِنْسَانِ إذَا قَصَدَ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَ صَلَاةِ الظُّهْرِ أَوْ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَتَنْسَحِبُ هَذِهِ النِّيَّةُ الْمُجْمَلَةُ عَلَى فَرَوْضِ الصَّلَاةِ وَسُنَنِهَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَى الْإِنْسَانِ حِينَئِذٍ أَنْ يَقْصِدَ لِمَا فِي الظُّهْرِ مِنْ فَرْضٍ فَيَنْوِيَهُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ سُنَّةٍ فَيَنْوِيَهُ حَتَّى تَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِالْأَوَّلِ وَيُثَابَ بِالثَّانِي كَمَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْوِيَ عَدَدَ السَّجَدَاتِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ بَلْ يَكْتَفِي بِانْسِحَابِ النِّيَّةِ عَلَى ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَمَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ] (الْفَرْقُ التَّاسِعَ عَشَرَ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ مَا تُشْرَعُ فِيهِ الْبَسْمَلَةُ وَمَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ) أَمَّا مَا شُرِعَتْ فِيهِ فَضَبَطَهُ شَيْخُ وَالِدِي الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الْبَاجُورِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى السُّنُوسِيَّةِ بِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ أَيْ ذِي حَالٍ يُهْتَمُّ بِهِ شَرْعًا بِحَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ وَلَمْ يَكُنْ ذِكْرًا مَحْضًا وَلَا مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ أَيْ الْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ وَلَا مُحَرَّمًا لِذَاتِهِ وَلَا مَكْرُوهًا لِذَاتِهِ فَقَوْلُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ. قَالَ: الأنبابي فِي تَقْرِيرَاتِهِ عَلَيْهِ: هُوَ صَادِقٌ بِصُورَتَيْنِ مَا إذَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ مَبْدَأً أَصْلًا أَوْ جَعَلَ مَبْدَأَهُ الْبَسْمَلَةَ وَالصُّورَةُ الْأُولَى غَيْرُ مُرَادَةٍ

стр. 144

وَحَاجَتِهِمَا لِلْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِبِرِّهِمَا بَلْ مُجَرَّدُ وَصْفِ الْأُبُوَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِذَا نَصَّ النَّبِيُّ ﵊ عَلَى تَقْدِيمِ صُحْبَتِهِمَا عَلَى صُحْبَتِهِ ﵇ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ هَذِهِ الْغَايَةِ غَايَةٌ وَإِذَا قَدَّمَ خِدْمَتَهُمَا عَلَى فِعْلِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ فَعَلَى النَّفْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى بَلْ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ الْمُتَأَكِّدَةِ وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ فَقِيهًا لَعَلِمَ أَنَّ إجَابَةَ أُمِّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ» لِأَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مُبَاحًا كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ شَرْعِنَا وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ وَيَكُونُ جُرَيْجٌ عَصَى بِتَرْكِ طَاعَتِهِمَا فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَهُوَ الصَّمْتُ حِينَئِذٍ. فَوَائِدُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: الْمَيامِيسُ الزَّوَانِي جَمْعُ زَانِيَةٍ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ أُمَّهُ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ مُحْتَجًّا بِالصَّلَاةِ دَعَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى وُجُوهِ الزَّوَانِي عُقُوبَةً عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَيَدُلُّ الْحَدِيثُ أَيْضًا عَلَى مَنْعِ السَّفَرِ الْمُبَاحِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا فَإِنَّ غَيْبَةَ الْوَجْهِ فِيهِ أَعْظَمُ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي النَّوَافِلِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْعُقُوقَ يُؤَاخَذُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَإِنْ عَظُمَ قَدْرُهُ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ لِأَنَّ جُرَيْجًا كَانَ مِنْ أَعْبَدْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَخُرِقَتْ لَهُ الْعَادَاتُ وَظَهَرَتْ لَهُ الْكَرَامَاتُ فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهِ إذَا عَقَّ أَبَوَيْهِ وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَصْلِ الْعُقُوقِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَإِذَا حَرُمَ هَذَا الْقَوْلُ حَرُمَ مَا فَوْقَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَيَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَتِهِمَا فِي الْوَاجِبَاتِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] وَفِي الْآيَةِ فَائِدَتَانِ: الْفَائِدَةُ الْأُولَى أَنَّ الْأَبَوَيْنِ يَجِبُ بِرُّهُمَا وَيَحْرُمُ عُقُوقُهُمَا وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالشِّرْكِ إلَّا كَافِرٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَتْ الْآيَةُ بِوُجُوبِ بِرِّهِمَا الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمَا وَاجِبَةٌ فِي أَمْرِهِمَا بِالْمَعَاصِي وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ: أَمَّا مُخَالَفَتُهُمَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ يَجِدُ مُدَارَسَةَ الْمَسَائِلِ وَالتَّفَقُّهَ عَلَى طَرِيقِ التَّقْلِيدِ وَحِفْظِ نُصُوصِ الْعُلَمَاءِ فَأَرَادَ أَنْ يَظْعَنَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَتَفَقَّهَ فِيهِ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا لِأَنَّ خُرُوجَهُ إذَايَةُ لَهُمَا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلتَّفَقُّهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَمَوَاضِعِ الْخِلَافِ وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ فَإِنْ وُجِدَ فِي بَلَدِهِ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِلَّا خَرَجَ وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَتَقْلِيدِ الْعُلُومِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَمَنْ لَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ فَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ كُنْيَتَهُ أَبُو بَكْرٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِأَنَّهَا لَا تُوجَدُ إلَّا فِي الذِّكْرِ الْمَحْضِ أَوْ الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ أَوْ الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ أَوْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ وَقَدْ أَخْرَجَ مَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذِكْرًا مَحْضًا إلَخْ اهـ أَيْ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ ذِكْرًا أَصْلًا بَلْ كَانَ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عَلَى الْخِلَافِ وَذَبْحِ النُّسُكِ أَوْ مِنْ الْمُبَاحَاتِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَكَانَ ذِكْرًا غَيْرَ مَحْضٍ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَالْبَرَكَاتِ إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذِكْرًا مَحْضًا كَمَا لَا يَخْفَى فَلِذَا شُرِعَتْ فِيهَا الْبَسْمَلَةُ. وَأَمَّا مَا لَا تُشْرَعُ فِيهِ فَسِتَّةُ أَنْوَاعٍ كَمَا يُفِيدُهُ الضَّابِطُ الْمَذْكُورُ: الْأَوَّلُ مَا جَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ مَبْدَأً غَيْرَ الْبَسْمَلَةِ كَالصَّلَوَاتِ وَالْأَذَانِ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ مَبْدَأَهُمَا التَّكْبِيرَ وَكَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ جَعَلَ مَبْدَأَهُمَا التَّلْبِيَةَ وَالثَّانِي مَا كَانَ ذِكْرًا مَحْضًا كَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ. وَالثَّالِثُ مَا كَانَ مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ وَالرَّابِعُ مَا كَانَ مُحَرَّمًا لِذَاتِهِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَالْخَامِسُ مَا كَانَ مَكْرُوهًا لِذَاتِهِ كَأَكْلِ الْبَصَلِ النِّيءِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الأنبابي عَنْ الْعَلَّامَةِ الشَّرْقَاوِيِّ فِي حَاشِيَةِ التَّحْرِيرِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ أَنَّهُ بِالْقَيْدِ الْمَذْكُورِ تَلْزَمُهُ الْكَرَاهَةُ لِذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ جَعَلَهُ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ وَالسَّادِسُ نَحْوُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ فَمَا أُبِيحَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ وَلَا مِنْ ذَوَاتِ الْبَالِ فَلَمْ تُشْرَعْ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ بَدْؤُهُ بِغَيْرِهَا وَلَا فِي الثَّانِي لِاتِّحَادِ النَّوْعِ فَكَمَا لَا تَبْدَأُ الْبَسْمَلَةُ بِالْبَسْمَلَةِ لِأَنَّهَا تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغَيْرَهَا كَالشَّاةِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ كَذَلِكَ لَا يَبْدَأُ الذِّكْرُ الْمَحْضُ بِهَا لِمَا ذُكِرَ فِيهَا لَا سِيَّمَا وَقَدْ رُوِيَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَلَا فِي الثَّالِثِ لِأَنَّ الْأَوْلَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ تَرْكُهَا تَعْظِيمًا لِاسْمِهِ تَعَالَى نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِهَا عِنْدَ مُحَقَّرٍ كَامْتِخَاطِهِ التَّحَصُّنَ وَالتَّبَرُّكَ لِنَفْسِهِ بِأَنْ يُقَدِّرَ الْمُتَعَلِّقَ بِسْمِ اللَّهِ أَتَحَصَّنُ مِنْ ضَرَرِ هَذَا الْفِعْلِ أَوْ أَسَتَنْزِلُ الْبَرَكَةَ عَلَيَّ لَامْتَخَطَ يَرْجِعُ لِذَوَاتِ الْبَالِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وَضَوْءِ الشُّمُوعِ وَلَا فِي الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ لِقَوْلِ الشَّيْخِ الْبَاجُورِيِّ فَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ وَتُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ الأنبابي عَلَيْهِ: هَذَا أَحَدُ أَقْوَالٍ حَاصِلُهَا أَنَّهُ قِيلَ: تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ وَلَوْ لِعَارِضٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُرَاغَمَةِ الشَّارِعِ بِجَعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَحَلًّا لِلْبَرَكَةِ وَقِيلَ: تَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِمَا إذْ الْمُرَاغَمَةُ تَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ

стр. 145

يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُ الْمُنْكَرَ كَيْفَ يَنْهَى عَنْهُ قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مُخَالَفَتَهُمَا فِي الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا تَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الَّذِي رَدَّهُ ﵇ لِأَبَوَيْهِ عَنْ الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ مَعَهُ لِأَنَّ الْحَاضِرَ يَقُومُ مَقَامَهُ وَهَذِهِ الْفَتْوَى تَقْتَضِي أَنَّهُ تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُمَا فِي فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَبَيْنَهُمَا تُعَارَضُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ نَقُولَ: الْعِلْمُ وَضَبْطُ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ غَيْرَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ وَهِيَ مَنْ جَادَ حِفْظُهُمْ وَرَقَّ فَهْمُهُمْ وَحَسُنَتْ سِيرَتُهُمْ وَطَابَتْ سَرِيرَتُهُمْ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ عَدِيمَ الْحِفْظِ أَوْ قَلِيلَهُ أَوْ سَيِّئَ الْفَهْمِ لَا يَصْلُحُ لِضَبْطِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ سَاءَتْ سِيرَتُهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْوُثُوقُ لِلْعَامَّةِ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ التَّقْلِيدِ فَتَضِيعُ أَحْوَالُ النَّاسِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مُتَعَيِّنَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ تَعَيَّنَتْ بِصِفَاتِهَا وَصَارَ طَلَبُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا فَرْضَ عَيْنٍ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ سَحْنُونٍ وَأَبِي الْوَلِيدِ وَالْجِهَادُ يَصْلُحُ لَهُ عُمُومُ النَّاسِ فَأَمْرُهُ سَهْلٌ وَلَيْسَ الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ وَالضَّرْبُ بِالسَّيْفِ كَضَبْطِ الْعُلُومِ فَكُلُّ بَلِيدٍ أَوْ ذَكِيٍّ يَصْلُحُ لِلْأَوَّلِ وَلَا يَصْلُحُ لِلثَّانِي إلَّا مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: إنْ أَرَادَ سَفَرًا لِلتِّجَارَةِ يَرْجُو بِهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِنْ رَجَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ فِي كَفَافٍ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ ذَلِكَ تَكَاثُرًا فَهَذَا لَوْ أَذِنَا لَهُ لَنَهَيْنَاهُ لِأَنَّهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ دَفْعَ حَاجَاتِ نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ تَأَذَّى بِتَرْكِهِ كَانَ لَهُ مُخَالَفَتُهُمَا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَكَمَا نَمْنَعُهُ مِنْ إذَايَتِهِمَا نَمْنَعُهُمَا مِنْ إَذايَتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ إنْ لَمْ يَأْكُلْهُ هَلَكَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلَاهُ هَلَكَا قُدِّمَتْ ضَرُورَتُهُ عَلَيْهِمَا قَالَ: فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ مَالِكٌ: إذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ وَلَيْسَ لِأَبَوَيْهِ مَنْعُهُ قَالَ: قُلْت هَذَا فِي الْحَضَانَةِ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ كَانَ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ كَافِلِهِ فَإِذَا بَلَغَ ذَهَبَ حَجَرُ الْحَضَانَةِ وَتَجَدَّدَ حَجْرُ الْبِرِّ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الَّذِي دَعَاهُ أَبُوهُ مِنْ السُّودَانِ وَمَنَعَتْهُ أُمُّهُ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ مِنْ الْخُرُوجِ بِغَيْرِ إذْنِ الْأُمِّ وَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَاك وَلَا تَعْصِ أُمَّك فَهُوَ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَمْشِي فِي الْبَلَدِ حَيْثُ شَاءَ دُونَ السَّفَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رِيبَةٍ وَهُمَا يَتَأَذَّيَانِ بِهِ فَيَمْنَعَانِهِ مُطْلَقًا. (سُؤَالٌ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وَالنِّكَاحُ مُبَاحٌ وَقَدْ نُهِيَ الْأَبُ عَنْ مَنْعِ ابْنَتِهِ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي تَرْكِ الْمُبَاحِ وَلَا فِي تَرْكِ الْمَنْدُوبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (جَوَابُهُ) أَنَّ الْبِنْتَ لَهَا حَقٌّ فِي الْإِعْفَافِ وَالتَّصَوُّنِ وَدَفْعِ ضَرَرِ مُوَاقَعَةِ الشَّهْوَةِ وَسَدِّ ذَرَائِعِ الشَّيْطَانِ عَنْهَا بِالتَّزْوِيجِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَقًّا لَهَا وَأَدَاءُ الْحُقُوقِ وَاجِبٌ عَلَى الْأَبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ لِلْأَبْنَاءِ جَوَازُ إذَايَةُ الْآبَاءِ بِاسْتِيفَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنَعَ مِنْ تَحْلِيفِ الْأَبِ فِي حَقٍّ لَهُ وَقَالَ: إنْ حَلَّفَهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَالَ: أَبُو الْوَلِيدِ إلَى آخِرِهَا) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ أَبُو بَكْرٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ كُفْرٌ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كُلًّا مِنْ أَصْحَابِ الْقَوْلَيْنِ يَقُولُ بِتَفَاوُتِ مَا قَالَ بِهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْحُرْمَةِ وَقِيلَ: تُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ وَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ مُطْلَقًا وَقِيلَ: وَهُوَ الرَّاجِحُ تُكْرَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ وَتَحْرُمُ عَلَى الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ إذْ الْمُرَاغَمَةُ إنَّمَا تَتَحَقَّقُ حِينَئِذٍ دُونَ مَا إذَا كَانَ لِعَارِضٍ لِأَنَّ الْعَارِضَ إنَّمَا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مَنْعُ الِاسْتِعْمَالِ فَقَطْ وَلَا يَمْنَعُ التَّسْمِيَةَ إذْ الْمَحَلُّ فِي ذَاتِهِ قَابِلٌ لَهَا فَلَا مُرَاغَمَةَ كَذَا فِي حَوَاشِي الْبَهْجَةِ نَقْلًا عَنْ الْعُبَابِ وَغَيْرِهِ وَأَخَذَ مِنْ هَذَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَشْيَاخِنَا أَنَّهُ لَوْ عَرَضَ الْإِبَاحَةُ لِمَا نُهِيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ كَأَنْ اضْطَرَّ لِأَكْلِ الْمَيِّتَةِ أَوْ شُرْبِ جَرْعَةِ خَمْرٍ لِإِسَاغَةِ مَا غَصَّ بِهِ أَوْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُرِيدُ الْأَدَمَ سِوَى الْبَصَلِ النِّيءِ تَبْقَى التَّسْمِيَةُ عَلَى الِامْتِنَاعِ إذْ الْمَحَلُّ فِي ذَاتِهِ غَيْرُ قَابِلٍ لَهَا وَالضَّرُورَةُ لَا دَخْلَ لَهَا فِي التَّسْمِيَةِ فَتَدَبَّرْ اهـ وَقَالَ: الْأَمِيرُ فِي شَرْحِ مَجْمُوعِهِ وَحَاشِيَتِهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْأَظْهَرَ تَحْرِيمُهَا فِي الْمُحَرَّمِ مُطْلَقًا لِمَا وَرَدَ أَنَّ اللَّهَ يَذْكُرُ عَبْدَهُ بِمِثْلِ مَا ذَكَرَهُ وَحَالُ التَّحْرِيمِ يُمَاثِلُهُ مِنْهُ الْعِقَابُ جَزَاءً وِفَاقًا وَذَلِكَ أَنَّ حَالَ التَّحْرِيمِ إعْرَاضٌ عَنْ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى وَمُلَابَسَةٌ لِمَا يَكْرَهُهُ وَالْعِقَابُ إبْعَادٌ لِلْعَبْدِ وَإِيصَالُ مَا يَكْرَهُهُ إلَيْهِ. وَقَدْ رُوِيَ «يَا دَاوُد قُلْ لِلظَّالِمَيْنِ لَا يَذْكُرُونِي فَإِنَّهُمْ إنْ ذَكَرُونِي ذَكَرْتُهُمْ وَإِذَا ذَكَرْتُهُمْ مَقَتُّهُمْ» نَعَمْ الْقَوْلُ بِكَرَاهَتِهَا فِيهِ وَجِيهٌ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْحَسَنَاتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ لَا الْعَكْسُ يَعْنِي الْغَالِبُ قُوَّةُ نَامُوسِ حَسَنَةٍ عَلَى السَّيِّئَةِ بِدَلِيلِ كَثْرَةِ الْكَفَّارَاتِ مِنْ الطَّاعَاتِ لِلذُّنُوبِ. وَلِذَا كَانَتْ الْحَسَنَةُ بِعَشْرٍ وَالسَّيِّئَةُ بِوَاحِدَةٍ وَنَاهِيكَ بِحَدِيثِ بِطَاقَةِ التَّوْحِيدِ حَيْثُ تَرْجَحُ فِي الْمِيزَانِ عَلَى سِجِلَّاتٍ كَثِيرَةٍ وَالْبَسْمَلَةُ حَسَنَةٌ لِأَنَّهَا فِي ذَاتِهَا ذِكْرٌ فَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهَا نَامُوسُ السَّيِّئَةِ حَتَّى تَنْحَطَّ لِرُتْبَةِ التَّحْرِيمِ قُصَارَى الْأَمْرِ الْكَرَاهَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ وَقَدْ رَجَّحَ الْكَرَاهَةَ شَيْخُنَا فِي حَاشِيَةِ الْكَرْشِيِّ فِي مَبْحَثِ تَسْمِيَةِ الْوُضُوءِ تَبَعًا لِلشَّبْرَخِيتِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ نَتْبَعْهُ لِقَوْلِ الْخَادِمِيِّ فِي بَسْمَلَتِهِ إنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ إلَخْ عِنْدَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ يَكْفُرْ عَلَى مَا فِي الْخُلَاصَةِ لِأَنَّ التَّبَرُّكَ وَالِاسْتِعَانَةَ بِذِكْرِهِ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِيمَا أَذِنَهُ وَرَضَاهُ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي آخِرِ صَيْدِ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ وَرَأَيْت بِخَطِّ ثِقَةٍ سَرَقَ شَاةً فَذَبَحَهَا بِتَسْمِيَةٍ فَوَجَدَ صَاحِبَهَا هَلْ تُؤْكَلُ؟ الْأَصَحُّ لَا لِكُفْرِهِ بِتَسْمِيَةٍ عَلَى الْحَرَامِ الْقَطْعِيِّ بِلَا تَمَلُّكٍ وَلَا إذْنٍ اهـ وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُنَا الْأَكْلَ

стр. 146

كَانَ جُرْحَةً فِي حَقِّ الْوَلَدِ فَالْآيَةُ مَا دَلَّتْ إلَّا عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى الْآبَاءِ لَا عَلَى إبَاحَةِ إذَايَتِهِمْ بِالْمُخَالَفَةِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ قَالَ الشَّيْخُ الطُّرْطُوشِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّمَا تَجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَحْرَمِيَّةٌ وَهُمَا كُلُّ شَخْصَيْنِ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لَمْ يَتَنَاكَحَا كَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ وَإِنْ سَفُلُوا وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ فَأَمَّا أَوْلَادُ هَؤُلَاءِ فَلَيْسَتْ الصِّلَةُ بَيْنَهُمْ وَاجِبَةً لِجَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ وَبِرُّهُمَا وَتَرْكُ إذَايَتِهِمَا وَاجِبَةٌ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ بِنْتَيْ الْعَمِّ وَبِنْتَيْ الْخَالِ وَإِنْ كُنَّ يَتَغَايَرْنَ وَيَتَقَاطَعْنَ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً، وَقَدْ لَاحَظَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّرَاجُعِ فَقَالَ: يَحْرُمُ التَّرَاجُعُ فِي الْهِبَةِ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ. (سُؤَالٌ) مَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ» وَقَوْلُهُ ﵇ «مَنْ سَرَّهُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَالنَّسَاءُ فِي الْأَجَلِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» مَعَ أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ وَقَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ الْمُمْكِنَاتِ مَا وُجِدَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَزَلِ فَتَعَلَّقَتْ إرَادَتُهُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ بِوُجُودِ كُلِّ مُمْكِنٍ أَرَادَ وُجُودَهُ وَبِعَدَمِ كُلِّ مُمْكِنٍ أَرَادَ بَقَاءَهُ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ أَوْ أَرَادَ عَدَمَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ فَجَمِيعُ الْجَائِزَاتِ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا قَدْ نَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ فَكَيْفَ بَقِيَتْ الزِّيَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَيْسِيرِ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ. (جَوَابُهُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَقُولُ: إنَّمَا ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْبَرَكَةِ فِيمَا قُدِّرَ فِي الْأَزَلِ مِنْ الرِّزْقِ وَالْأَجَلِ. وَأَمَّا نَفْسُ الْأَجَلِ وَالرِّزْقِ الْمُقَدَّرَيْنِ فَلَا يَقْبَلَانِ الزِّيَادَةَ قُلْت: وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدِي ضَعِيفٌ بِسَبَبِ أَنَّ الْبَرَكَةَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَدَّرَاتِ فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ مَانِعًا مِنْ الزِّيَادَةِ فَلْيَمْنَعْ مِنْ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ كَمَا مَنَعَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِيهِمَا بَلْ هَذَا الْجَوَابُ يَلْزَمُ مِنْهُ مَفْسَدَتَانِ: أَحَدُهُمَا إيهَامُ أَنَّ الْبَرَكَةَ خَرَجَتْ عَنْ الْقَدَرِ فَإِنَّ الْمُجِيبَ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقَدَرِ مَانِعٌ فَحَيْثُ لَا مَانِعَ لَا قَدَرَ وَهَذَا رَدِيءٌ جِدًّا وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ يُقِلُّ الرَّغْبَةَ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ بِالنِّسْبَةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا لِزَيْدٍ إنْ وَصَلْت رَحِمَك زَادَك اللَّهُ تَعَالَى فِي عُمُرِك عِشْرِينَ سَنَةً فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ الْوَقْعِ لِذَلِكَ مَا لَا يَجِدُهُ مِنْ قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يَزِيدُك اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ يَوْمًا وَاحِدًا بَلْ يُبَارَكُ لَك فِي عُمُرِك فَقَطْ فَيَخْتَلُّ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْأَجْوِبَةِ وَغَيْرِهَا صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَتَّضِحُ لَك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى الْغَيْبِ لَذَهَبَتْ عَنْهُ جَهَالَاتٌ كَثِيرَةٌ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُسْتَنْكَرٌ مُسْتَقْبَحٌ يَجِبُ تَجَنُّبُ مِثْلِهِ وَيَمْتَنِعُ إطْلَاقُهُ فِي جَانِبِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي جَانِبِ سَائِرِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَمَنْعَ عِلَّةِ التَّكْفِيرِ إذْ لَمْ يَتَهَاوَنْ وَلَمْ يَسْتَحِلَّ فَإِنَّهُ الْمُعِينُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ وَالتَّبَرُّكَ بِهِ لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِيمَا فِيهِ إذْنُهُ وَرَضَاهُ فَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَقْصِدْهُ وَإِنَّمَا هُوَ لَازِمٌ لِمَا فَعَلَهُ وَلَازِمُ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ إذَا لَمْ يَكُنْ اللُّزُومُ بَيِّنًا كَمَا هُنَا خُصُوصًا فِي مِثْلِ كُفْرِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِالْكُفْرِ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَقْضِيَ تَرْجِيحَ الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ عَلَى الْقَوْلِ بِالْكَرَاهَةِ وَإِنْ كَانَ وَجِيهًا نَعَمْ رُبَّمَا خَفَّ الْأَمْرُ فِي الْحَرَامِ الْعَارِضِ كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ اهـ قُلْتُ: وَلَا يُعَارِضُ قَاعِدَةَ قُوَّةِ نَامُوسِ الْحَسَنَةِ عَلَى السَّيِّئَةِ حَدِيثُ «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» إلَخْ لِقَوْلِ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْمَنْفِيَّ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ الْمُصَاحِبُ لِلْمُرَاقَبَةِ إذْ لَوْلَا حِجَابُ الْغَفْلَةِ مَا عَصَى أَوْ أَنَّهُ إنْ اسْتَحَلَّهُ وَمَا يُقَالُ إنَّ الْإِيمَانَ يُرْفَعُ ثُمَّ يَرْجِعُ لَهُ يَلْزَمُهُ عَدَمُ إيمَانِهِ إنْ مَاتَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَشَرْحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِرَفْعِهِ يُحْمَلُ عَلَى رَفْعِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ اهـ وَمِمَّا يَشْهَدُ لِكَوْنِ الْمَنْفِيِّ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ الْإِيمَانَ الْكَامِلَ مَا حُكِيَ لِي أَنَّ امْرَأَةً جَمِيلَةً ذَاتَ عِفَّةٍ وَدِيَانَةٍ جَاعَتْ وَطَلَبَتْ مِنْ جَارِهَا مَا تَتَقَوَّتُ بِهِ فَأَبَى إلَّا أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ مِنْ ذَلِكَ وَصَبَرَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى اشْتَدَّ جُوعُهَا فَأَتَتْهُ وَقَالَتْ لَهُ: قَوِّتْنِي وَافْعَلْ مَا تُرِيدُ فَلَمَّا تَمَكَّنَ مِنْهَا هَمَّ لِغَلْقِ الطَّاقَةِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَرَاهُ جَارُهُ فَقَالَتْ لَهُ: مَا تُرِيدُ؟ فَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا مَجْنُونُ تَخْشَى الْجَارَ وَلَا تَخْشَى الْجَبَّارَ الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ وَأَثَّرَ كَلَامُهَا فِي قَلْبِهِ وَتَرَكَ الزِّنَا بِهَا وَأَعْطَاهَا مَطْلُوبَهَا وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الصَّفْتِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ ابْنِ تُرْكِيٍّ عَلَى الْعَشْمَاوِيَّةِ: وَالنَّدْبُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لِلسُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبُّ هُوَ حُكْمُ الْبَسْمَلَةِ الْأَصْلِيِّ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ عِنْدَ عَدَمِ مُنَافِي التَّعْظِيمِ النَّدْبُ فَتُسَنُّ عَيْنًا كَمَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَمَا اعْتَمَدَهُ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْعَدَوِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ وَارْتَضَاهُ شَيْخُنَا الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عُبَادَةَ. وَقِيلَ: تُسَنُّ كِفَايَةً فِي الْأَكْلِ وَتُسْتَحَبُّ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيُطْلَبُ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي غَالِبِ الْأُمُورِ ذَوَاتِ الْبَالِ وَلَوْ شِعْرًا إذَا كَانَ مُحْتَوِيًا عَلَى عِلْمٍ أَوْ وَعْظٍ لَا إنْ كَانَ شِعْرًا حَرَامًا فَإِنَّهَا تَحْرُمُ فِيهِ كَمَا أَفَادَهُ الْحَطَّابُ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يَعْرِضُ لَهَا الْوُجُوبُ بِالنَّذْرِ كَمَا إذَا قُلْتَ: نَذْرٌ عَلَيَّ أَنْ أُبَسْمِلَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مَثَلًا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ أَصَالَةً أَبَدًا إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 147

مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا بَلْ الْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لَهُ سِتِّينَ سَنَةً مُرَتَّبَةً عَلَى الْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ مِنْ الْغِذَاءِ وَالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ وَرَتَّبَ لَهُ عِشْرِينَ سَنَةً أُخْرَى مُرَتَّبَةً عَلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ. وَإِذَا جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ حَقِيقَةً كَمَا نَقُولُ الْإِيمَانُ يُدْخِلُ الْجَنَّةَ وَالْكُفْرُ يُدْخِلُ النَّارَ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ لَا بِالِاقْتِضَاءِ الْعَقْلِيِّ وَمَتَى عَلِمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَبَ صِلَةَ الرَّحِمِ سَبَبًا لِزِيَادَةِ النَّسَاءِ فِي الْعُمْرِ بَادَرَ إلَى ذَلِكَ كَمَا يُبَادِرُ لِاسْتِعْمَالِ الْغِذَاءِ وَتَنَاوُلِ الدَّوَاءِ وَالْإِيمَانِ رَغْبَةً فِي الْجِنَانِ وَيَفِرُّ مِنْ الْكُفْرِ رَهْبَةً مِنْ النِّيرَانِ وَبَقِيَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ يُخِلُّ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الرِّزْقِ حَرْفًا بِحَرْفٍ وَكَذَلِكَ نَقُولُ الدُّعَاءُ يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ وَيَدْفَعُ الْأَمْرَاضَ وَيُؤَخِّرُ الْآجَالَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا شُرِعَ فِيهِ الدُّعَاءُ فَهُوَ مِنْ الْقَدَرِ وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْقَدَرِ بَلْ مَا رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَقْدُورًا إلَّا عَلَى سَبَبٍ عَادِيٍّ وَلَوْ شَاءَ لَمَا رَبَطَهُ بِهِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْجَوَابُ عَنْ سُؤَالٍ صَعْبٍ وَرَدَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] فَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: هُنَا سُؤَالٌ وَهُوَ أَنَّهُ ﵇ إذَا عَلِمَ الْغَيْبَ وَاَلَّذِي فِي الْغَيْبِ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ الْخَيْرِ فَكَيْفَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الْخَيْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ بَلْ لَوْ قَدَرَ الِاطِّلَاعَ عَلَى الْغَيْبِ لَبَقِيَ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَجَعَلَ لِكُلِّ مَقْدُورٍ سَبَبًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَيَرْتَبِطُ بِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْأَسْبَابُ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا مِنْ الْعُلُومِ وَالْجَهَالَاتِ فَالْجَهْلُ سَبَبٌ عَظِيمٌ فِي الْعَالَمِ لِمَفَاسِدَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفَوَاتِ الْمَصَالِحِ وَالْعِلْمُ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحَ وَدَرْءِ مَفَاسِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَالْمَلِكُ الَّذِي دُفِعَ لَهُ السُّمُّ فَأَكَلَهُ فَمَاتَ مِنْهُ كَيْدًا مِنْ أَعْدَائِهِ إنَّمَا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمُوتَ بِالسُّمِّ مَعَ جَهْلِهِ بِتَنَاوُلِهِ أَمَّا لَوْ عَلِمَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ. وَكَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا كَانَ قَدْ قَدَّرَ نَجَاتَهُ مِنْهُ قَدَّرَ اطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ فَيَسْلَمُ فَيَكُونُ سَبَبُ سَلَامَتِهِ عِلْمُهُ بِهِ فَالْمُقَدَّرُ عَلَى تَقْدِيرِ الْجَهْلِ نَحْنُ نَمْنَعُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ عَلَى تَقْدِيرِهِ الْعِلْمَ بَلْ الْمُقَدَّرُ عَلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ ضِدُّهُ فَالرِّزْقُ الْحَقِيرُ إنَّمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ جَهْلِهِمْ بِالْكُنُوزِ وَعَمَلِ الْكِيمْيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ أَمَّا مَعَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْعَظِيمَةِ الْمُوجِبَةِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ سَعَةَ الرِّزْقِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ ضِيقَ الرِّزْقِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ كَمَا نَقُولُ مَا قَدَّرَ اللَّهُ مِنْ دُخُولِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْإِيمَانِ أَمَّا مَعَ عَدَمِهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لَهُمْ الْجَنَّةَ وَمَا قَدَّرَ لِلْكُفَّارِ النَّارَ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ جَهْلِهِمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِمْ بِهِ تَعَالَى فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ قَدَّرَ لَهُمْ النَّارَ وَعَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ يَتَّضِحُ لَك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَوْ اطَّلَعَ عَلَى الْغَيْبِ لَذَهَبَتْ عَنْهُ جَهَالَاتٌ كَثِيرَةٌ كَثُرَ عِنْدَهُ مِنْ الْخَيْرِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْآنَ وَمَا مَسَّهُ السُّوءُ وَلَقَدْ نَجْزِمُ أَنَّ الْمِحْنَةَ فِي أُحُدٍ وَقَتْلَ حَمْزَةَ وَغَيْرِهِ إنَّمَا قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَنْهُ الْقَائِلِ بِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ مِنْ أَئِمَّتِنَا بِوُجُوبِهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْوَاجِبُ فِي الذَّبْحِ بِقَيْدِ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ مُطْلَقُ ذِكْرٍ لَا خُصُوصُ الْبَسْمَلَةِ كَمَا فِي شُرَّاحِ الْمُخْتَصَرِ وَكَلَامُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بِخُصُوصِهَا وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ يُقْتَصَرُ فِي الذَّبْحِ عَلَى بِسْمِ اللَّهِ فَقَطْ وَلَا يَزِيدُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالْأَكْلِ لِأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَكَوْنُ الْأَكْلِ فِيهِ تَعْذِيبٌ لِلُّقْمَةِ بِالْمَضْغِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ شُرْبَ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالَهُ بِالْوُضُوءِ فِيهِ حَتْفٌ لَهُ وَلَا وَجْهَ لَهُ وَنَذْرُهَا فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا نَصَّ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى لُزُومِهِ كَمَا قَالُوا بِهِ فِيمَنْ نَذَرَ صَوْمَ رَابِعِ النَّحْرِ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ أَوْ عَدَمُ لُزُومِهِ لِكَرَاهَتِهَا فِيهَا وَالنَّذْرُ إنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ نَعَمْ اسْتَظْهَرَ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ أَنَّهَا تَلْزَمُ لِأَنَّهَا عُهِدَ لَهَا طَلَبٌ فِي الْجُمْلَةِ فِيمَا إذَا قَصَدَ الْخُرُوجَ مِنْ الْخِلَافِ وَتَتَعَلَّقُ بِهَا الْكَرَاهَةُ فِي الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ كَعِنْدَ شُرْبِ الدُّخَانِ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ عَلَى الْأَظْهَرِ وَكَالْإِتْيَانِ بِهَا فِي الْوَطْءِ الْمَكْرُوهِ كَأَنْ يَطَأَ الْجُنُبُ ثَانِيًا قَبْلَ غَسْلِ فَرْجِهِ كَمَا فِي الْخَرَشِيِّ وَيُكْرَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا أَيْضًا فِي الْأَذَانِ وَالذِّكْرِ. وَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا شَرَفٌ عَظِيمٌ شَرْعًا وَعُرْفًا لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الذِّكْرِ أَوْ هِيَ نَفْسُهَا ذِكْرٌ فَلَا تَحْتَاجُ لِذِكْرٍ آخَرَ فَتَأَمَّلْ وَلَمْ أَرَ نَصًّا فِي الْمَذْهَبِ عَلَى حُكْمِ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي أَوَّلِ بَرَاءَةٍ وَفِي أَثْنَائِهَا إلَّا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا أَخْبَرَنِي بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الثِّقَاتِ مِنْ أَشْيَاخِي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ الرَّمْلِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ كَرَاهَتِهَا فِي أَوَّلِ بَرَاءَةٍ وَاسْتِحْبَابِهَا فِي أَثْنَائِهَا خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ حَجَرٍ تَحْرُمُ فِي أَوَّلِهَا وَتُكْرَهُ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ وَتَعْرِضُ لَهَا الْحُرْمَةُ فِي تِلَاوَتِهَا لِلْجُنُبِ عَلَى أَنَّهَا الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ لَا عَلَى أَنَّهُ ذِكْرٌ بِقَصْدِ التَّحَصُّنِ وَفِي ابْتِدَاءِ الْمُحَرَّمَاتِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ عَلَى الْأَظْهَرِ وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا الْإِبَاحَةُ عَلَى الظَّاهِرِ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِهِ النَّدْبُ نَعَمْ قَالَ الْخَادِمِيُّ: إنَّهَا مُبَاحَةٌ فِي أَوَّلِ الْقُعُودِ وَالْقِيَامِ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُطْلَبُ فِي ذِي الْبَالِ دُونَ هَذَا انْتَهَى لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِهَا فِي غَيْرِ ذِي الْبَالِ إنْ كَانَ قَصْدُهُ التَّبَرُّكَ أَوْ التَّحَصُّنَ فَيَرْجِعُ لِلذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ قَصْدُهُ التَّهَاوُنَ فَهُوَ كُفْرٌ وَقَوْلُهُمْ تُطْلَبُ فِي ذِي الْبَالِ أَيْ تَتَأَكَّدُ فِيهِ وَأَمَّا الطَّلَبُ الْكُلِّيُّ الَّذِي أَتَى لَهَا مِنْ حَيْثُ الذِّكْرُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ أَيْ فِي غَيْرِ ذِي الْبَالِ عِنْدَ عَدَمِ مُنَافٍ لِلتَّعْظِيمِ كَمَا هُنَا

стр. 148

بِسَبَبِ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأُمُورٍ وَعَوَاقِبِهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَوْ قُدِّرَ حُصُولُ الْعِلْمِ بِعَوَاقِبِ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ كَثُرَتْ لَك النَّظَائِرُ لِتَسْتَيْقِظَ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَسِرِّ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَيَنْدَفِعُ السُّؤَالُ وَهُوَ مَوْضِعٌ حَسَنٌ. (فَائِدَةٌ) أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَوْلَ بِأَنَّ لِلْأُمِّ ثُلُثَيْ الْبِرِّ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﵇ لَمَّا «قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوك» وَرُوِيَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ وَرُوِيَ ثَلَاثًا فَعَلَى رِوَايَةِ مَرَّتَيْنِ قَالُوا: يَكُونُ لَهَا ثُلُثُ الْبِرِّ وَعَلَى رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ يَكُونُ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْبِرِّ لِأَنَّ الْأَبَ جَاءَ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ وَهَذَا يُعْتَقَدُ أَنَّهُ سَهْلٌ وَلَيْسَ بِالسَّهْلِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ السَّائِلِ أَيُّ النَّاسِ أَحَقُّ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ أَعْلَى الرُّتَبِ فَلَمَّا أُجِيبَ عَنْهَا عَرَفَهَا الرُّتْبَةَ الْعَالِيَةَ فَأَخَذَ يَسْأَلُ عَنْ الرُّتْبَةِ الَّتِي تَلِيهَا بِصِيغَةِ ثُمَّ الَّتِي لِلتَّرَاخِي الدَّالَّةِ عَلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي عَنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فِي الْبِرِّ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ: أُمُّك فَلَا يَكُونُ هَذَا الْجَوَابُ مُطَابِقًا حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الرُّتْبَةُ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ رُتْبَةً مِنْ الْأُولَى وَكَذَلِكَ الْأَجْوِبَةُ الَّتِي بَعْدَهَا بِتِلْكَ الرُّتَبِ الْمُجَابِ بِهَا وَكَمَا وَجَبَ نُقْصَانُ الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى وَجَبَ أَيْضًا نُقْصَانُ الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ الثَّانِيَةِ عَمَلًا بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاخِي وَالنُّقْصَانِ ثُمَّ رُتْبَةُ الْأَبِ تَكُونُ أَخْفَضَ الرُّتَبِ وَأَقَلِّهَا وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا تَكُونُ رُتْبَةُ الْأَبِ مُشْتَمِلَةً عَلَى ثُلُثِ الْبِرِّ إذْ لَوْ اشْتَمَلَتْ لَكَانَتْ الرُّتَبُ مُسْتَوِيَةً. وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ وَأَنَّ الْأَخِيرَةَ أَقَلُّ مِمَّا هُوَ أَقَلُّ وَأَنَّهُ يَجِبُ نُقْصَانُ كُلِّ رُتْبَةٍ فَضْلًا عَمَّا قَبْلَهَا فَيَتَعَيَّنُ نُقْصَانُ الرُّتْبَةِ الْأَخِيرَةِ بِمَقَادِيرَ عَدِيدَةٍ عَنْ الرُّتْبَةِ الْأُولَى بَعْدَ تَعَدُّدِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ فَيَكُونُ نَصِيبُ الْأَبِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ بِمِقْدَارَيْنِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَثَلَاثِ مَقَادِيرَ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثِ فَيَكُونُ نَصِيبُ الْأَبِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ وَأَقَلَّ مِنْ الرُّبُعِ قَطْعًا فَيَبْطُلُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ ثُلُثُ الْبِرِّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعٍ الْبِرِّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بَلْ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ وَكَمَا وَجَبَ نُقْصَانُ الْأَبِ عَنْ الرُّبُعِ أَوْ الثُّلُثِ وَجَبَ أَيْضًا أَنْ لَا يُقَالَ: لِلْأُمِّ ثُلُثَا الْبِرِّ أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِأَنَّ الْأَنْصِبَاءَ الْمَضْمُومَةَ إلَيْهَا مُخْتَلِفَةُ الْمَقَادِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مَا قَالُوا أَنْ لَوْ كَانَتْ الْمَقَادِيرُ مُسْتَوِيَةً فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَعْدَ تَسْلِيمِ بُطْلَانِ الْمِقْدَارِ الْمَذْكُورِ؟ قُلْت: ذَلِكَ عَسِيرٌ عَلَيَّ وَإِنَّمَا الَّذِي يَتَيَسَّرُ لِي إيرَادُ السُّؤَالِ أَمَّا تَحْرِيرُ الْمِقْدَارِ فَلَا أَعْلَمُ إلَّا أَنَّ ثُمَّ اقْتَضَتْ أَصْلَ النُّقْصَانِ مَعَ زِيَادَةٍ فِي النُّقْصَانِ يَحْصُلُ بِهَا التَّرَاخِي بِثُمَّ أَمَّا مَا مِقْدَارُ ذَلِكَ الَّذِي بِهِ حَصَلَ فَلَا يَتَعَيَّنُ لِي بَلْ جَزَمْت بِالتَّفَاوُتِ فَقَطْ فَإِنْ تَيَسَّرَ الضَّبْطُ فِي ذَلِكَ فَاضْبِطْهُ. فَإِنْ قُلْت: ثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ تَقْتَضِي مَعْطُوفًا وَمَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَلَيْسَ مَعَنَا قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا إلَّا كَلَامٌ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَى نَفْسِهَا فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالْقَاعِدَةُ الْعَرَبِيَّةُ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ قُلْت أَيْضًا: هَذَا سُؤَالٌ مُشْكِلٌ يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَتَحْرِيرٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ ثُمَّ إنَّ السَّائِلَ إنَّمَا سَأَلَ عَنْ غَيْرِ الْأُمِّ وَالتَّرَاخِي عَنْهَا فِي الرُّتْبَةِ فَكَيْفَ أُجِيبَ بِالْأُمِّ وَكَيْفَ يُقَالُ: إنَّ التَّرَاخِيَ عَنْ الْأُمِّ فِي الْبِرِّ هُوَ لِلْأُمِّ حَتَّى يَحْصُلَ الْجَوَابُ بِهِ وَهَذَا أَيْضًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَطَلَبُهَا لِلْكَنِيفِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِذِي بَالٍ وَمُنَافٍ لِلتَّعْظِيمِ إمَّا لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَحَلٌّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ يَكُونُ ذَا بَالٍ كَمَا لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ عِبَادَةَ. وَإِمَّا لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهَا حِينَئِذٍ التَّحَصُّنُ مِنْ الْجِنِّ وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ يَأْتِي بِهَا عِنْدَ كَبِّ الْمَاءِ وَالتَّفِلَةِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ أَنْ يَقْصِدَ بِذَلِكَ التَّحَصُّنَ وَالتَّبَرُّكَ لِنَفْسِهِ لَا لِكَبِّ الْمَاءِ وَلَا لِلتَّفِلَةِ صَوْنًا لِاقْتِرَانِ اسْمِهِ تَعَالَى بِالْمُحَقَّرَاتِ كَمَا لِلْخَادِمِيِّ وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ فِي قَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَجَازَتْ كَتَعَوُّذِ بِنَفْلِ عَدَمِ تَأَكُّدِ الطَّلَبِ وَنَفْيِ الْكَرَاهَةِ فَلَا يُنَافِي نَدْبُهَا وَكَوْنُ الْإِتْيَانِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَلَا ثَوَابَ لَهُ بَعِيدٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا الْأَمِيرُ اهـ بِتَلْخِيصٍ وَتَوْضِيحِ مَا وَحَذْفٍ وَظَاهِرُهُ كَرَاهَتُهَا فِي الْمَكْرُوهِ مُطْلَقًا وَحُرْمَتُهَا فِي الْمُحَرَّمِ مُطْلَقًا وَبِالْجُمْلَةِ فَالْبَسْمَلَةُ شُرِعَتْ فِي غَالِبِ ذَوَاتِ الْبَالِ أَصَالَةً أَوْ لِعَارِضِ قَصْدِ التَّحَصُّنِ وَالتَّبَرُّكِ لِنَفْسِهِ وَهُوَ مَا عَدَا نَحْوَ الصَّلَوَاتِ مِمَّا جَعَلَ الشَّارِعُ مَبْدَأَهُ بِغَيْرِهَا وَمَا عَدَا الذِّكْرَ الْمَحْضَ وَغَيْرَ ذَوَاتِ الْبَالِ مِنْ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ مُطْلَقًا أَيْ وَلَوْ كَانَا لِعَارِضٍ وَنَحْوَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ وَلَمْ تُشْرَعْ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ: الْأَوَّلُ نَحْوُ الصَّلَوَاتِ مِمَّا جَعَلَ الشَّارِعُ مَبْدَأَهُ بِغَيْرِهَا وَالثَّانِي الذِّكْرُ الْمَحْضُ وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ وَلَوْ كَانَا لِعَارِضٍ وَالْخَامِسُ الْأُمُورُ الْخَسِيسَةُ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا وَعَدَمِ قَصْدِ التَّحَصُّنِ وَالتَّبَرُّكِ لِنَفْسِهِ وَإِلَّا رَجَعَتْ بِذَلِكَ لِذَوَاتِ الْبَالِ وَالسَّادِسُ نَحْوُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ مِمَّا أُبِيحَ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُحَقَّرَاتِ وَلَا مِنْ ذَوَاتِ الْبَالِ وَحُكْمُهَا فِيمَا شُرِعَتْ فِيهِ مِنْ ذَوَاتِ الْبَالِ تَأَكُّدُ النَّدْبِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ الشَّامِلِ لِلسُّنَّةِ وَالْمُسْتَحَبِّ عَلَى مَا مَرَّ، وَمِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُحَرَّمُ وَالْمَكْرُوهُ لِعَارِضٍ لِمَا عَلِمْت وَفِي نَحْوِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ وَالذِّكْرِ الْمَحْضِ الْكَرَاهَةُ وَفِي الْمُحَرَّمِ مُطْلَقًا عِنْدَنَا أَوْ لِذَاتِهِ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ أَبَاحَتْهُ الضَّرُورَةُ التَّحْرِيمُ عَلَى الْأَظْهَرِ وَفِي الْمَكْرُوهِ مُطْلَقًا عِنْدَنَا أَوْ لِذَاتِهِ فَقَطْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ أَبَاحَتْهُ الضَّرُورَةُ الْكَرَاهَةُ نَعَمْ الْحُرْمَةُ عِنْدَنَا فِي الْمُحَرَّمِ لِعَارِضٍ وَالْكَرَاهَةُ فِي الْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ أَخَفُّ مِنْهُمَا فِي الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ وَالْمَكْرُوهِ فَافْهَمْ وَفِي الْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا خِلَافُ الْأَوْلَى صَوْنًا لِاقْتِرَانِ اسْمِهِ تَعَالَى بِالْمُحْتَقَرَاتِ وَمَعَ قَصْدِ التَّحَصُّنِ وَالتَّبَرُّكِ لِنَفْسِهِ النَّدْبُ لِرُجُوعِهَا لِذَوَاتِ الْبَالِ بِذَلِكَ فَمِنْ بَابِ أَوْلَى نَحْوُ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَإِنْ لَمْ تُشْرَعْ فِيهِ لِأَنَّ أَقَلَّ مَرَاتِبِ الذِّكْرِ النَّدْبُ وَإِنْ لَمْ يَتَأَكَّدْ إلَّا فِي ذَوَاتِ الْبَالِ فَافْهَمْ. ٢ -

стр. 149

إشْكَالٌ آخَرُ وَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: هَذَا عَطْفٌ وَكَلَامٌ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى كَأَنَّ السَّائِلَ لَمَّا قِيلَ لَهُ: أَحَقُّ النَّاسِ وَأَوْلَاهُمْ أُمُّك قَالَ: فَلِمَنْ أَتَوَجَّهُ بِالْبِرِّ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَشْتَغِلُ بِهِ قِيلَ لَهُ أَيْضًا لِأُمِّكَ فَقُوبِلَ مَا فُهِمَ مِنْهُ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأُمِّ بِالْأَمْرِ بِالْمُلَازَمَةِ إظْهَارًا لِتَأْكِيدِ حَقِّهَا فَقَالَ: إذَا تَوَجَّهْت أَيْضًا إلَيْهَا وَفَرَغْت فَلِمَنْ أَتَوَجَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا فَقِيلَ لَهُ: أُمُّك فَقُوبِلَ أَيْضًا مَا فُهِمَ مِنْهُ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْأُمِّ بِالْبِرِّ وَالْمُلَازَمَةِ إظْهَارًا لِتَأْكِيدِ حَقِّهَا فَصَارَتْ الْأُمُّ مَعْطُوفَةً عَلَى نَفْسِهَا بِنِسْبَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ إلَى رُتْبَتَيْنِ مُتَبَايِنَتَيْنِ فَهِيَ بِقَيْدِ الرُّتْبَةِ الدُّنْيَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى نَفْسِهَا بِقَيْدِ الرُّتْبَةِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ إذَا أُخِذَ مَعَ وَصْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ صَارَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَمَا تَقُولُ: زَيْدٌ ابْنٌ وَأَخٌ وَفَقِيهٌ وَتَاجِرٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَالْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ وَاحِدٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا أُخِذَ مَعَ الْمُخْتَلِفَاتِ صَارَ مُخْتَلِفًا فَهَذَا السِّرُّ هُوَ الْمُحْسِنُ لِلْعِطْفِ وَإِعَادَةِ الْأُمِّ فِي الرُّتَبِ وَهَذَا الْحَدِيثُ كَمَا تَرَى فِيهِ مَا فِيهِ مِنْ الْقَلِقِ وَالْإِشْكَالِ مَعَ أَنَّهُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ وَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَكُونُ ظَاهِرًا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ فَإِذَا اُخْتُبِرَ خَرَجَ مِنْهُ غَرَائِبُ. (فَصْلٌ) إذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسَائِلُ وَهَذِهِ الْمَبَاحِثُ ظَهَرَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْأَجَانِبِ وَالْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ فَإِنَّ كُلَّ مَا يَجِبُ لِلْأَجَانِبِ يَجِبُ لِلْوَالِدَيْنِ وَضَابِطُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْوَالِدَانِ دُونَ الْأَجَانِبِ هُوَ اجْتِنَابُ مُطْلَقِ الْأَذَى كَيْفَ كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الِابْنِ وَوُجُوبُ طَاعَتِهِمَا فِي تَرْكِ النَّوَافِلِ وَتَعْجِيلِ الْفُرُوضِ الْمُوَسَّعَةِ وَتَرْكِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فِيهِ وَإِنْ نُدِبَ إلَى طَاعَتِهِمْ وَبِرِّهِمْ مُطْلَقًا وَكَذَلِكَ الْأَجَانِبُ يُنْدَبُ بِرُّهُمْ مُطْلَقًا غَيْرَ أَنَّ النَّدْبَ فِي الْأَبَوَيْنِ أَقْوَى فِي غَيْرِ الْقُرَبِ وَالنَّوَافِلِ وَلَا نَدْبَ فِي طَاعَةِ الْأَجَانِبِ فِي تَرْكِ النَّوَافِلِ بَلْ الْكَرَاهَةُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَأَمَّا مَا يَجِبُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ فَلَمْ أَظْفَرْ فِيهِ بِتَفْصِيلٍ كَمَا وَجَدْتُ تِلْكَ الْمَسَائِلَ فِي الْأَبَوَيْنِ بَلْ أَصْلُ الْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَهَذَا هُوَ الَّذِي قَدَرْت عَلَيْهِ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَقَدْ رَأَيْتُ جَمْعًا عَظِيمًا عَلَى طُولِ الْأَيَّامِ يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيرُ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالَاتُ وَالْغَرَرُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ) وَرَدَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي نَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْمَجْهُولِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ عَمَّمَهُ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَهُوَ الشَّافِعِيُّ فَمَنَعَ مِنْ الْجَهَالَةِ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْخُلْعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالَاتُ وَالْغَرَرُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ: فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَصْلٌ) فِي زِيَادَةِ تَحْرِيرِ هَذَا الْفَرْقِ بِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ وَبَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ قَالَ الْعَلَّامَةُ الأنبابي فِي تَقْرِيرَاتِهِ عَلَى بَاجُورِيّ السُّنُوسِيَّةِ: يَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ وَالْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ تَحْرِيمُهُ وَكَرَاهَتُهُ لِعِلَّةٍ يَدُورُ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا وَالْمُحَرَّمِ لِعَارِضٍ وَالْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ مَا كَانَ تَحْرِيمُهُ وَكَرَاهَتُهُ لِعِلَّةٍ يَدُورُ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا فَالزِّنَا وَشُرْبُ الْخَمْرِ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَرَّمِ لِذَاتِهِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الزِّنَا لَا يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ اخْتِلَاطُ الْأَنْسَابِ وُجُودًا وَعَدَمًا إذْ قَدْ تَنْتِفِي الْعِلَّةُ وَيُوجَدُ التَّحْرِيمُ كَمَا إذَا وَطِئَ رَجُلٌ صَغِيرَةً. وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ شُرْبِ الْخَمْرِ لَا يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ الْإِسْكَارُ إذْ قَدْ يَنْتَفِي الْإِسْكَارُ وَيُوجَدُ التَّحْرِيمُ كَمَا إذَا اعْتَادَ الشَّخْصُ شُرْبَ الْخَمْرِ بِحَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ فِي عَقْلِهِ شَيْءٌ أَوْ شَرِبَ قَدْرًا لَا يُسْكِرُ وَالْوُضُوءُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ مِنْ الْمُحَرَّمِ لِعَارِضٍ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ الِاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا وُجُودًا وَعَدَمًا وَالنَّظَرُ لِفَرْجِ الْحَلِيلَةِ مِنْ قَبِيلِ الْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ لِأَنَّ كَرَاهَتَهُ لَا تَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ خَوْفُ الطَّمْسِ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إذْ قَدْ تَنْتِفِي الْعِلَّةُ وَتُوجَدُ الْكَرَاهَةُ كَمَا إذَا أَخْبَرَهُ مَعْصُومٌ بِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ طَمْسٌ إذَا نَظَرَ لِفَرْجِ حَلِيلَتِهِ وَالْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ مِنْ الْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ لِأُنِرَ كَرَاهَتَهُ تَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ خَوْفُ الْبَرَصِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِذَا امْتَنَعَتْ الْعِلَّةُ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَشْمِيسُهُ فِي نُحَاسٍ أَوْ كَانَ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ الْقُطْرُ حَارًّا انْتَفَتْ الْكَرَاهَةُ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا يُقَالُ لَا يُعْقَلُ فَرْقٌ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِمَا وَبَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِعَارِضٍ لِأَنَّهُ إذَا نُظِرَ لِلشُّرْبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَجَائِزٌ وَإِنْ نُظِرَ لِكَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْخَمْرِ فَهُوَ حَرَامٌ كَمَا أَنَّهُ إنْ نُظِرَ لِلْوُضُوءِ فِي ذَاتِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ نُظِرَ لِكَوْنِهِ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْمَكْرُوهِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْمُحَرَّمِ وَالْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِمَا مَا كَانَ تَحْرِيمُهُ وَكَرَاهَتُهُ لَا لِعِلَّةٍ وَلَا لِعَارِضٍ مَا كَانَ مَا ذُكِرَ لَهَا وَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ لِلْكُلِّ عَدْلًا وَلَا فَرْقَ اهـ بِتَوْضِيحِ وَتَغْيِيرِ مَا وَتَمْثِيلُهُ لِلْمَكْرُوهِ لِذَاتِهِ بِالنَّظَرِ لِفَرْجِ الْحَلِيلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِنَا فَمُبَاحٌ فَفِي مَجْمُوعِ الْأَمِيرِ مَعَ شَرْحِهِ وَحَوَاشِيهِ وَحَلَّ بِالْعَقْدِ أَيْ بِشَرْطِ الْإِشْهَادِ غَيْرَ الْإِيلَاجِ بِدُبْرٍ مِنْ نَظَرِ فَرْجٍ وَغَيْرِهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: نَظَرُ الْفَرْجِ يُورِثُ الْعَمَى نَعَمْ الْأَكْمَلُ خِلَافُهُ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا -

стр. 150

وَالصُّلْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ وَهُوَ مَالِكٌ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ وَهُوَ بَابُ الْمُمَاكَسَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَنْمِيَةِ الْأَمْوَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُهَا وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُجْتَنَبُ فِيهِ الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ وَهُوَ مَا لَا يَقْصِد لِذَلِكَ وَانْقَسَمَتْ التَّصَرُّفَاتُ عِنْدَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: طَرَفَانِ وَوَاسِطَةٌ فَالطَّرَفَانِ: أَحَدُهُمَا مُعَاوَضَةٌ صِرْفَةٌ فَيُجْتَنَبُ فِيهَا ذَلِكَ إلَّا مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَادَةً كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْجَهَالَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ فَكَذَلِكَ الْغَرَرُ وَالْمَشَقَّةُ وَثَانِيهِمَا مَا هُوَ إحْسَانٌ صِرْفٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ فَإِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ لَا يُقْصَدُ بِهَا تَنْمِيَةُ الْمَالِ بَلْ إنْ فَاتَتْ عَلَى مَنْ أَحْسَنَ إلَيْهِ بِهَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا بِخِلَافِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ إذَا فَاتَ بِالْغَرَرِ وَالْجَهَالَاتِ ضَاعَ الْمَالُ الْمَبْذُولُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ مَنْعَ الْجَهَالَةِ فِيهِ أَمَّا الْإِحْسَانُ الصِّرْفُ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ وَحَثُّهُ عَلَى الْإِحْسَانِ التَّوْسِعَةَ فِيهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ قَطْعًا وَفِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى تَقْلِيلِهِ فَإِذَا وَهَبَ لَهُ عَبْدَهُ الْآبِقَ جَازَ أَنْ يَجِدَهُ فَيَحْصُلَ لَهُ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَجِدْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا وَهَذَا فِقْهٌ جَمِيلٌ ثُمَّ إنَّ الْأَحَادِيثَ لَمْ يَرِدْ فِيهَا مَا يَعُمُّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ حَتَّى نَقُولَ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ نُصُوصِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بَلْ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا الْوَاسِطَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ فَهُوَ النِّكَاحُ فَهُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَالَ فِيهِ لَيْسَ مَقْصُودًا. وَإِنَّمَا مَقْصِدُهُ الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ وَالسُّكُونُ يَقْتَضِي أَنْ يَجُوزَ فِيهِ الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ مُطْلَقًا وَمِنْ جِهَةِ أَنْ صَاحِبَ الشَّرْعِ اشْتَرَطَ فِيهِ الْمَالَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ فِيهِ فَلَوْ وُجِدَ الشَّبَهَيْنِ تَوَسَّطَ مَالِكٌ فَجَوَّزَ فِيهِ الْغَرَرَ الْقَلِيلَ دُونَ الْكَثِيرِ نَحْوَ عَبْدٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَشُورَةِ بَيْتٍ وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يُرْجَعُ فِيهِ إلَى الْوَسَطِ الْمُتَعَارَفِ وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ ضَابِطٌ فَامْتَنَعَ وَأَلْحَقَ الْخُلْعَ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ الْغَرَرُ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْعِصْمَةَ وَإِطْلَاقَهَا لَيْسَ مِنْ بَابِ مَا يُقْصَدُ لِلْمُعَاوَضَةِ بَلْ شَأْنُ الطَّلَاقِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ شَيْءٍ فَهُوَ كَالْهِبَةِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالضَّابِطُ لِلْبَابَيْنِ وَالْفِقْهُ مَعَ مَالِكٍ ﵀ فِيهِ. (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ) هَذَا الْفَرْقُ جَلِيلٌ عَظِيمٌ دَقِيقُ النَّظَرِ خَطِيرُ النَّفْعِ لَا يُحَقِّقُهُ إلَّا فَحَوْلُ الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَهَاءِ فَاسْتَقْبِلْهُ بِعَقْلٍ سَلِيمٍ وَفِكْرٍ مُسْتَقِيمٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُشْتَرَكَ هُوَ الْحَقِيقَةُ الْكُلِّيَّةُ الْمَوْجُودَةُ فِي أَفْرَادٍ عَدِيدَةٍ كَالرَّقَبَةِ بِالنِّسْبَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] «وَاَللَّهِ مَا رَأَى مِنِّي وَمَا رَأَيْت مِنْهُ» اهـ فَالْأَوْلَى التَّمْثِيلُ لِذَلِكَ بِأَكْلِ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ دُخُولَ الْمَسْجِدِ نَحْوِ الْبَصَلِ النِّيءِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يُزِيلُ بِهِ رَائِحَتَهُ لِأَنَّ كَرَاهَتَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا تَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ الَّتِي هِيَ تَأَذِّي غَيْرُهُ وَلَوْ مَلَكًا وُجُودًا وَعَدَمًا لِتَحَقُّقِ الْكَرَاهَةِ وَلَوْ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَ أَحَدٍ أَوْ اجْتَمَعَ بِمَنْ ضَعُفَتْ حَاسَّةُ شَمِّهِ قَالَ: الْعَلَّامَةُ الصَّفْتِيُّ مَا حَاصِلُهُ: إنَّ أَكْلَ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْفُجْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَحَرَامٌ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ أَحَدٌ وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُزِيلُ بِهِ رَائِحَتَهُ وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَخِلَافُ الْأَوْلَى إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَا يُزِيلُ بِهِ رَائِحَتَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُزِيلُ بِهِ رَائِحَتَهُ فَإِنْ قَصَدَ دُخُولَ الْمَسْجِدِ فَحَرَامٌ وَإِلَّا فَقِيلَ بِالْكَرَاهَةِ وَقِيلَ بِالْجَوَازِ وَقِيلَ بِالْحُرْمَةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ أَفَادَهُ الشَّيْخُ فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّوْمِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ] (الْفَرْقُ الْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّوْمِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ خَصَّصَ الصَّوْمَ بِإِضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ الْمُوجِبَةِ لِتَشْرِيفِهِ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْهُ كَمَا عَلَيْهِ الْفَتَاوِي وَحَدِيثُ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» وَالْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ إنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ فَاحْتِيجَ إلَى بَيَانِ الْفَارِقِ الَّذِي أَوْجَبَ هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَالتَّخْصِيصَ وَاضْطِرَابَ النَّاسِ فِيهِ فَمِنْ قَائِلٍ: إنَّ الصَّوْمَ لَمَّا كَانَ أَمْرًا خَفِيًّا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ حَقِيقَةً إلَّا اللَّهُ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى شَرَفِهِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا تَوْضِيحُهُ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ عِنْدِي وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ» إلَخْ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ فَقَطْ لَا مَا يَشْمَلُ الْبَاطِنَةَ مِنْ الْإِيمَانِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الْحَسَنَةِ حَتَّى يُقَالَ: إنَّهَا كَالصَّوْمِ فِي الْخَفَاءِ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ تَخْصِيصِ الصَّوْمِ بِهَذِهِ الْمِزْيَةِ دُونَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ مَعَ كَوْنِ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ مِنْهُ إذْ قَدْ يَتَحَقَّقُ فِي الْمَفْضُولِ مِنْ الْمَزَايَا مَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْفَاضِلِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ بَعْدَ هَذَا اهـ وَمِنْ قَائِلٍ إنَّ جَوْفَ الْإِنْسَانِ فِي الصَّوْمِ يَبْقَى خَالِيًا فَيَحْصُلُ لَهُ بِهِ شِبْهُ وَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ فَإِنَّ الصَّمَدَ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ فِيهِ وَفِيهِ أَنَّ عُمُومَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ حَتَّى عَلَى الِاشْتِغَالِ بِالْعُلُومِ وَالِانْتِقَامِ مِنْ الْمُجْرِمِينَ

стр. 151

إلَى أَفْرَادِ الرِّقَابِ وَالْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَمُطْلَقِ الْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَشْخَاصِهِ وَكُلُّ مُطْلَقٍ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَمَدْلُولُ كُلِّ نَكِرَةٍ فَهُوَ حَقِيقَةٌ مُشْتَرَكَةٌ وَضَابِطُهُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ مَا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ وَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْتُهُ وَإِذَا عَرَفْت حَقِيقَتَهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُشْتَرَكِ نَفْيُ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ فَإِنَّهُ إذَا انْتَفَى مُطْلَقُ الْحَيَوَانِ مِنْ الدَّارِ فَقَدْ انْتَفَى جَمِيعُ أَفْرَادِهِ مِنْ الدَّارِ وَإِذَا انْتَفَى مُطْلَقُ الْإِنْسَانِ مِنْ الدَّارِ اسْتَحَالَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا زَيْدٌ وَلَا عَمْرٌو وَلَا فَرْدٌ مِنْ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ: يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَعَمِّ نَفْيُ الْأَخَصِّ وَإِذَا تَصَوَّرْت ذَلِكَ فِي النَّفْيِ فَتَصَوَّرْهُ فِي النَّهْيِ فَإِنَّ مَعْنَى النَّهْيِ الْأَمْرُ بِإِعْدَامِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَأَنْ لَا نَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ أَلْبَتَّةَ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَدْخُلَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهَا الْوُجُودَ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ فَرْدٌ لَدَخَلَتْ هِيَ فِي ضِمْنِهِ فَصَارَ النَّهْيُ وَالنَّفْيُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ الْأَمْرُ وَالثُّبُوتُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ يَكْفِي فِيهِ فَرْدٌ وَاحِدٌ فَمَتَى كَانَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ كَانَ مُطْلَقُ الْإِنْسَانِ فِي الدَّارِ وَمُطْلَقُ الْحَيَوَانِ وَجَمِيعُ أَجْنَاسِهِ وَفُصُولِهِ تَحْصُلُ مُطْلَقًا فِيهِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] إلَى قَوْلِهِ وَالْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَمُطْلَقِ الْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَشْخَاصِهِ وَكُلُّ مُطْلَقٍ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) قُلْتُ: إنْ أَرَادَ بِمُطْلَقِ الْإِنْسَانِ الْحَقِيقَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَقَوْلُهُ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا قَالَ: (وَمَدْلُولُ كُلِّ نَكِرَةٍ فَهُوَ حَقِيقَةٌ مُشْتَرَكَةٌ) قُلْتُ: هَذَا الْإِطْلَاقُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ الصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ عَلَى ضَرْبَيْنِ: الْأَوَّلُ نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهَا الْحَقِيقَةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ كَمَا فِي قَوْلِهِمْ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ وَهَذَا الضَّرْبُ قَلِيلٌ فِي الِاسْتِعْمَالِ، الثَّانِي نَكِرَةٌ يُرَادُ بِهَا فَرْدٌ مُبْهَمٌ مِنْ الْأَشْخَاصِ الَّتِي فِيهَا الْحَقِيقَةُ كَمَا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ اشْتَرِ ثَوْبًا وَهَذَا الضَّرْبُ يَكْثُرُ فِي الِاسْتِعْمَالِ فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَمُرَادُهُ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: (وَضَابِطُهُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ مَا لَا يَمْنَعُ تَصَوُّرُهُ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ) قُلْتُ: ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي تَحْرِيرِ الْحَقِيقَةِ الْمُشْتَرَكَةِ قَالَ: (وَمُرَادُهُمْ بِذَلِكَ مَا ذَكَرْتُهُ) . قُلْتُ: ذَلِكَ صَحِيحٌ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ بِالنَّكِرَةِ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ لَا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الضَّرْبَ الثَّانِي. قَالَ: (وَإِذَا عَرَفْت حَقِيقَتَهُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُشْتَرَكِ نَفْيُ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ إلَى قَوْلِهِ فَصَارَ النَّهْيُ وَالنَّفْيُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ) قُلْتُ: بَلْ يُرَادُ بِمُطْلَقِ الْحَيَوَانِ حَقِيقَةُ الْحَيَوَانِ وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَهَذَا الْخِلَافُ مُرَادُهُ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ قَبْلَ هَذَا فَإِنَّهُ. قَالَ: إنَّهُ يَصِحُّ قَوْلُنَا مُطْلَقُ الْبَيْعِ حَلَالٌ إجْمَاعًا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِمُطْلَقِ الْبَيْعِ مَا أُرِيدَ بِمُطْلَقِ الْحَيَوَانِ أَيْ حَقِيقَتُهُ لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ بَيْعٍ حَلَالًا. قَالَ: (فَيَكُونُ الثُّبُوتُ وَالْأَمْرُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ الْمَاهِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ يَكْفِي فِيهِ فَرْدٌ وَاحِدٌ فَمَتَى كَانَ زَيْدٌ فِي الدَّارِ كَانَ مُطْلَقُ الْإِنْسَانِ فِي الدَّارِ وَمُطْلَقُ الْحَيَوَانِ وَجَمِيعُ أَجْنَاسِهِ وَفُصُولِهِ تَحَصَّلَ مُطْلَقًا فِيهِ) قُلْتُ: قَدْ عَادَ هُنَا إلَى اسْتِعْمَالِ مُطْلَقِ الْحَيَوَانِ بِغَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ قَبْلُ حَيْثُ تَكَلَّمَ عَلَى ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْإِحْسَانِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَتَعْظِيمِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَكُلُّ ذَلِكَ إذَا صَدَرَ مِنْ الْعَبْدِ كَانَ فِيهِ كَالصَّوْمِ التَّخَلُّقُ بِأَخْلَاقِ الرَّبِّ وَمِنْ قَائِلٍ: إنَّ الصَّوْمَ اخْتَصَّ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ يُوجِبُ تَشْرِيفَهُ بِالْإِضَافَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ تَرْكُ الْإِنْسَانِ لِشَهَوَاتِهِ وَمَلَاذِّهِ فِي فَرْجِهِ وَفَمِهِ وَفِيهِ أَنَّ عُمُومَ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي تَفْضِيلَهُ حَتَّى عَلَى الْجِهَادِ وَالْحَجِّ مَعَ أَنَّهُمَا أَعْظَمُ فِي ذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ فِي الْجِهَادِ مُؤْثِرٌ مُهْجَتَهُ وَجَسَدَهُ وَحَيَاتَهُ فَتَذْهَبُ جَمِيعُ الشَّهَوَاتِ تَبَعًا لِذَهَابِ الْحَيَاةِ وَفِي الْحَجِّ يَتْرُكُ الْمَخِيطَ وَالْمُحِيطَ وَالطِّيبَ وَالتَّنْظِيفَ وَيُفَارِقُ الْأَوْطَانَ وَالْأَوْطَارَ وَالْأَهْلَ وَالْأَوْلَادَ وَالْإِخْوَانَ وَيَرْكَبُ الْأَخْطَارَ فِي الْأَسْفَارِ وَمِنْ قَائِلٍ: إنَّ تَخْصِيصَهُ بِالْإِضَافَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَرَّبْ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَفِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ أَيْضًا وَقَعَ التَّقَرُّبُ بِهِ إلَى الْكَوَاكِبِ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ أَرْبَابُ الِاسْتِخْدَامَاتِ لِلْكَوَاكِبِ وَمِنْ قَائِلٍ إنَّ الصَّوْمَ يُوجِبُ تَصْفِيَةَ الْفِكْرِ وَصَفَاءَ الْعَقْلِ وَضَعْفَ الْقُوَى الشَّهْوَانِيَّةِ بِسَبَبِ الْجُوعِ وَقِلَّةِ الْغِذَاءِ. وَكُلُّ مَا يُوجِبُ ذَلِكَ يُوجِبُ حُصُولَ الْمَعَارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ السُّنِّيَّةِ كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ «لَا تَدْخُلُ الْحِكْمَةُ جَوْفًا مُلِئَ طَعَامًا» وَحَدِيثُ «الْبِطْنَةُ تَذْهَبُ بِالْفِطْنَةِ» وَهَذِهِ مِزْيَةٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ التَّشْرِيفَ بِالْإِضَافَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَفِيهِ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ بَلْ الصَّلَاةُ وَمُنَاجَاةُ الرَّبِّ وَالْمُرَاقَبَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَالْتِزَامُ الْأَدَبِ مَعَهُ وَالْخُضُوعُ لَدَيْهِ مِمَّا يُوجِبُ حُصُولَ الْمَعَارِفِ وَالْأَحْوَالِ وَالْمَوَاهِبِ الرَّبَّانِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ دَالَّةٌ عَلَى سَبَبِ الْمَوَاهِبِ وَالنُّورِ وَالْهِدَايَةِ وَجَزِيلِ الْفَضَائِلِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُتَرَتِّبُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الصَّلَاةِ إذَا وَقَعَتْ مِنْ الْمُكَلَّفِ عَلَى وَجْهِهَا أَكْثَرَ مِنْ الْمُتَرَتِّبِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الصَّوْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ نَبِيُّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ «مِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ ذِرَاعًا وَمَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْت إلَيْهِ بَاعًا وَمَنْ أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» وَالْمُصَلِّي يَتَقَرَّبُ أَكْثَرَ فَيَكُونُ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَعْظَمَ وَمِنْ قَائِلٍ كَذَا وَمِنْ قَائِلٍ كَذَا وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ غَيْرُ سَالِمَةٍ مِنْ النَّقْضِ وَأَحْسَنُهَا الْأَوَّلُ وَنَقْضُهُ مَدْفُوعٌ كَمَا عَلِمْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 152

وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ آمِرٌ بِالْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ نَحْوِ الْأَمْرِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ وَإِخْرَاجِ شَاةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ فِي ضِمْنِهِ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّهْيَ وَالنَّفْيَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَالْأَمْرَ وَالثُّبُوتَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُصَدَّقُ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَاقِعٌ وَحَاصِلٌ فِي جِنْسِ الْحَيَوَانِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَاسِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعُمَّ الْإِنْسَانُ جَمِيعَ صُوَرِ الْحَيَوَانِ بَلْ نَقُولُ: زَيْدٌ حَاصِلٌ فِي جِنْسِ الْحَيَوَانِ وَلَمْ يَتَعَدَّ فَرْدًا مِنْهَا وَلِذَلِكَ نَقُولُ: الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَاقِعَةٌ فِي الْأَفْعَالِ الْمُكْتَسَبَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَجْنَاسِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَعُمُّ الْأَفْعَالَ الْمُكْتَسَبَةَ فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمَ أَفْعَالُهَا مُكْتَسَبَةٌ وَلَا حُكْمَ فِيهَا بَلْ نَقُولُ الْوُجُوبُ وَحْدَهُ خَاصٌّ بِالْأَفْعَالِ الْمُكْتَسَبَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهُوَ لَمْ يَعُمَّهَا فَعَلِمْنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ لَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ صُوَرِهِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ فَرْدٌ وَاحِدٌ يَصْدُقُ بِسَبَبِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَكِ فَظَهَرَ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ بَيْنَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ وَمِنْهُ نَفْيُ الْمُشْتَرَكِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] النَّفْيِ وَالنَّهْيِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الِاضْطِرَابِ غَفْلَتُهُ عَنْ مَعْنَى الْمُطْلَقِ وَأَنَّهُ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ وَلَوْ تَفَطَّنَ لَهُ لَمْ يَضْطَرِبْ قَوْلُهُ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إذَا أَمَرَ آمِرٌ بِالْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ نَحْوُ الْأَمْرِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ وَإِخْرَاجِ شَاةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأَنَّ الْمَاهِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ فِي ضِمْنِهِ) قُلْتُ: الْأَمْرُ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مَا أُمِرَ فِيهَا قَطُّ بِالْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ الْأَمْرُ بِهَا إلَّا عَلَى سَبِيلِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَكَيْفَ يَسُوغُ ذَلِكَ وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ أَنْ لَا وُجُودَ لَهَا فِي غَيْرِ الْأَذْهَانِ عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُثْبِتِينَ لَهَا بَلْ أَمَرَ الْآمِرُ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ لِشَخْصٍ مُبْهَمٍ لَا مُعَيَّنٍ وَضَرُورَةُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا أُمِرَ بِهِ تُعَيِّنُهُ. قَالَ: (وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ النَّهْيَ وَالنَّفْيَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَالْأَمْرَ وَالثُّبُوتَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّ الْإِنْسَانَ وَاقِعٌ وَحَاصِلٌ فِي جِنْسِ الْحَيَوَانِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَاسِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَعُمَّ الْإِنْسَانُ جَمِيعَ صُوَرِ الْحَيَوَانِ بَلْ نَقُولُ: زَيْدٌ حَاصِلٌ فِي جِنْسِ الْحَيَوَانِ وَلَمْ يَتَعَدَّ فَرْدًا مِنْهَا وَكَذَلِكَ نَقُولُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ وَاقِعَةٌ فِي الْأَفْعَالِ الْمُكْتَسَبَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَجْنَاسِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَعُمُّ الْأَفْعَالَ الْمُكْتَسَبَةَ فَإِنَّ الْحَيَوَانَاتِ الْعُجْمَ أَفْعَالُهَا مُكْتَسَبَةٌ وَلَا حُكْمَ فِيهَا بَلْ نَقُولُ: الْوُجُوبُ وَحْدَهُ خَاصٌّ بِالْأَفْعَالِ الْمُكْتَسَبَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَهُوَ لَمْ يَعُمَّهَا فَعَلِمْنَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ لَا يَقْتَضِي تَعْمِيمَ صُوَرِهِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ فَرْدٌ وَاحِدٌ يَصْدُقُ بِسَبَبِهِ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ الْمُشْتَرَكِ فَظَهَرَ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ بَيْنَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ) قُلْتُ: لَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ فِي الْمُشْتَرَكِ مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ لَمَا خَلَا عَنْهُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ كَالْحَيَوَانِ الْمَحْكُومِ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَقِيقَتُهُ أَنَّهُ جِسْمٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ كُلُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَكُلُّ شَخْصٍ مِنْ أَشْخَاصِهِ جِسْمًا وَلَكِنْ ثَبَتَ الْحُكْمُ الَّذِي مُثِّلَ بِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ لَا مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَخُصُّ مِنْ حَقِيقَتِهِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَمْ تَثْبُتْ لِلْأَفْعَالِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَفْعَالٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ جُزْئِيَّاتِ الْمَعْنَى وَقَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ أَجْزَائِهِ] الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ جُزْئِيَّاتِ الْمَعْنَى وَقَاعِدَةِ الْحَمْلِ عَلَى أَوَّلِ أَجْزَائِهِ أَوْ الْكُلِّيَّةِ عَلَى جُزْئِيَّاتِهَا وَهُوَ الْعُمُومُ عَلَى الْخُصُوصِ) الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْقَوَاعِدِ بَلْ كَمَا لَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّ عَلَى جُزْئِهِ الَّذِي قَاعِدَتُهُ أَنَّهُ لَا يُعْقَلُ إلَّا بِالْقِيَاسِ إلَى كُلٍّ فَالنِّصَابُ فِي نَحْوِ قَوْلِنَا عِنْدَ زَيْدٍ نِصَابٌ لَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مُنْفَرِدَةً كَذَلِكَ لَا يُحْمَلُ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْكُلِّيِّ عَلَى جُزْأَيْهِ الَّذِي قَاعِدَتُهُ أَنَّهُ إمَّا حَقِيقِيٌّ وَهُوَ كُلُّ شَخْصٍ مِنْ نَوْعٍ كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَفْرَادِ الْإِنْسَانِ وَكَالْفَرَسِ الْمُعَيَّنِ مِنْ نَوْعِ الْفَرَسِ وَكَالْحَجَرِ الْمُعَيَّنِ مِنْ نَوْعِ الْحَجَرِ وَإِمَّا إضَافِيٌّ وَهُوَ مَا انْدَرَجَ مَعَ غَيْرِهِ تَحْتَ كُلِّيٍّ وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى نَحْوِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو لِانْدِرَاجِهِمَا تَحْتَ مَفْهُومِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا يَصْدُقُ عَلَى نَحْوِ الْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّامِي لِانْدِرَاجِ الْأَوَّلِ مَعَ الْفَرَسِ تَحْتَ الْحَيَوَانِ وَالثَّانِي مَعَ النَّبَاتِ تَحْتَ النَّامِي وَالثَّالِثِ مَعَ الْجَمَادِ تَحْتَ الْجِسْمِ فَالْكُلِّيُّ مُقَابِلُ الْجُزْئِيِّ وَالْكُلُّ مُقَابِلٌ لِلْجُزْءِ فَالْإِنْسَانُ وَالْحَيَوَانُ فِي نَحْوِ قَوْلِنَا فِي الدَّارِ إنْسَانٌ أَوْ حَيَوَانٌ لَا يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ فِيهَا خُصُوصَ زَيْدٍ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَا خُصُوصَ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى الثَّانِي فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ: الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ أَرَادَ أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ عَلَى الْجُمْلَةِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ هَذَا الْجِنْسِ خَيْرٌ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِ هَذَا الْجِنْسِ وَكَذَلِكَ لَا تُحْمَلُ الْكُلِّيَّةُ أَيْ اللَّفْظُ الْعَامُّ عَلَى بَعْضِ جُزْئِيَّاتِهَا أَيْ بَعْضِ الْأَفْرَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُخَصَّصًا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْكُلِّ دَالٌّ عَلَى جُزْئِهِ بِقَيْدِ ضَمِّهِ مَعَ بَاقِي الْأَجْزَاءِ لَا مُنْفَرِدًا عَنْهَا مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ فِي النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ فَإِذَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى رَكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَوْجَبَ رَكْعَةً مُنْضَمَّةً لِأُخْرَى لَا مُسْتَقِلَّةً. وَإِذَا قُلْنَا: عِنْدَ زَيْدٍ نِصَابٌ فَعِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مُنْضَمَّةً لِمِثْلِهَا لَا مُنْفَرِدَةً وَإِذَا نَهَى اللَّهُ عَنْ ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فِي الصُّبْحِ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ النَّهْيُ عَنْ رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ لَيْسَ مَعَهُمَا ثَالِثَةٌ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ النَّهْيُ عَنْهُمَا مُتَّصِلَيْنِ بِثَالِثَةٍ وَإِذَا قُلْنَا: لَيْسَ عِنْدَ زَيْدٍ نِصَابٌ لَا يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ دَنَانِيرَ مُنْفَرِدَةً وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنَّ عِنْدَهُ عَشَرَةً مُنْضَمَّةً لِعَشَرَةٍ أُخْرَى وَأَنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْكُلِّيِّ

стр. 153

تَنْبِيهٌ جَلِيلٌ) اعْلَمْ أَنَّ نَفْيَ الْمُشْتَرَكِ وَالنَّهْيَ عَنْهُ إنَّمَا يَعُمُّ كَمَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالْمُطَابَقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُهُ أَمَّا إذَا كَانَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِطَرِيقَةِ الِالْتِزَامِ فَلَا يَلْزَمُ الْعُمُومُ فِي نَفْيِ الْأَفْرَادِ وَلَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِغُلَامِهِ: أَلْزَمْتُك النَّهْيَ أَوْ النَّفْيُ وَاقِعٌ فِي الدَّارِ لَا يَفْهَمُ مِنْهُ السَّامِعُ إلَّا أَنَّ النَّهْيَ حَاصِلٌ فِي مَنْهِيٍّ لَمْ يُعَيِّنْهُ السَّيِّدُ وَأَنَّ النَّفْيَ وَاقِعٌ فِي الدَّارِ بِاعْتِبَارِ مَنْفِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عِنْدَ السَّامِعِ فَإِذَا عَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ أَوْ النَّفْيِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَفْسِيرًا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْيِيدِ لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُخَصَّصًا بِعُمُومٍ وَلَا مُعَارَضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ بِخِلَافِ الْمَدْلُولِ مُطَابَقَةً وَلَوْ قَالَ: نَهَيْتُك عَنْ مُطْلَقِ الْخَمْرِ أَوْ نَفَيْت مُطْلَقَ الْخَمْرِ مِنْ الدَّارِ ثُمَّ بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْرٍ مَخْصُوصٍ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ مِنْ الْعُمُومِ فِي لَفْظِ الْخَمْرِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ فَظَهَرَ بِذَلِكَ حِينَئِذٍ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُشْتَرَكِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَبَيْنَ الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا وَتَظْهَرُ لَك فَائِدَةُ الْفَرْقِ فِي قَاعِدَتَيْنِ فِقْهِيَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مُكْتَسَبَةٌ فَقَطْ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ أَفْعَالٌ مُكْتَسَبَةٌ لِمَنْ يَتَّصِفُ بِالْعَقْلِ فَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ الْفَرْقُ وَمَتَى ثَبَتَ الْحُكْمُ لِلْمُشْتَرَكِ مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ عَمَّ أَنْوَاعَهُ وَأَشْخَاصَهُ وَمَتَى انْتَفَى الْحُكْمُ عَنْ الْمُشْتَرَكِ مِنْ حَيْثُ حَقِيقَتُهُ عَمَّ أَيْضًا أَنْوَاعَهُ وَأَشْخَاصَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: (تَنْبِيهٌ جَلِيلٌ اعْلَمْ أَنَّ نَفِيَ الْمُشْتَرَكِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُشْتَرَكِ إنَّمَا يَعُمُّ كَمَا تَقَدَّمَ إذَا كَانَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالْمُطَابَقَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُهُ أَمَّا إذَا كَانَ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ فَلَا يَلْزَمُ الْعُمُومُ فِي نَفْيِ الْأَفْرَادِ وَلَا فِي النَّهْيِ عَنْهَا فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ لِغُلَامِهِ: أَلْزَمْتُك النَّهْيَ أَوْ النَّفْيُ وَاقِعٌ فِي الدَّارِ لَا يَفْهَمُ مِنْهُ السَّامِعُ إلَّا أَنَّ النَّهْيَ حَاصِلٌ فِي مَنْهِيٍّ لَمْ يُعَيِّنْهُ السَّيِّدُ وَأَنَّ النَّفْيَ وَاقِعٌ فِي الدَّارِ بِاعْتِبَارِ مَنْفِيٍّ غَيْرِ مُعَيَّنٍ عِنْدَ السَّامِعِ فَإِذَا عَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي النَّهْيِ أَوْ النَّفْيِ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ تَفْسِيرًا يَجْرِي مَجْرَى التَّقْيِيدِ لِذَلِكَ الْمُطْلَقِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالِالْتِزَامِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُخَصِّصًا لِعُمُومٍ وَلَا مُعَارِضًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ ظَاهِرِ لَفْظِهِ بِخِلَافِ الْمَدْلُولِ مُطَابَقَةً وَلَوْ قَالَ: نَهَيْتُك عَنْ مُطْلَقِ الْخَمْرِ أَوْ نَفَيْت مُطْلَقَ الْخَمْرِ مِنْ الدَّارِ ثُمَّ بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْرٍ مَخْصُوصٍ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ مُخَصِّصًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْهُ مِنْ الْعُمُومِ فِي لَفْظِ الْخَمْرِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ) . قُلْتُ: مَا قَالَهُ لَيْسَ بِوَاضِحٍ فَإِنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ: أَلْزَمْتُك النَّهْيَ أَوْ النَّفْيُ وَاقِعٌ فِي الدَّارِ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي النَّهْيِ وَالنَّفْيِ الْعَهْدَ فِي الشَّخْصِ أَوْ الْعَهْدَ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْعُمُومَ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِيهِمَا فَإِنْ أَرَادَ الْعَهْدَ فِي نَهْيٍ مُعَيَّنٍ وَنَفْيٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَوْ الْمَنْفِيُّ وَهُوَ الْمَدْلُولُ الْتِزَامًا مُعَيَّنًا وَإِنْ أَرَادَ بِهِمَا الْعَهْدَ فِي الْجِنْسِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَدْلُولُ الِالْتِزَامِيُّ كَذَلِكَ أَيْضًا لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُعَيَّنًا وَإِذَا كَانَ مُعَيَّنًا لَزِمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَهُوَ النَّهْيُ أَوْ النَّفْيُ وَقَدْ فَرَضَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَإِنْ أَرَادَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْعُمُومَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعُمُومِ فِي الْمُتَعَلِّقِ فَعَلَى هَذَا لَمْ يَظْهَرْ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَدْلُولِ مُطَابَقَةً وَالْمَدْلُولِ الْتِزَامًا. قَالَ: (وَتَظْهَرُ لَك فَائِدَةُ الْفَرْقِ فِي قَاعِدَتَيْنِ فِقْهِيَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَا يَدُلُّ عَلَى جُزْئِيٍّ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَلْ إنَّمَا يُفْهَمُ الْجُزْئِيُّ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ اللَّفْظِ فَإِذَا قُلْنَا فِي الدَّارِ جِسْمٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ حَيَوَانٌ وَإِذَا قُلْنَا فِيهَا حَيَوَانٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إنْسَانٌ وَإِذَا قُلْنَا فِيهَا إنْسَانٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ وَإِذَا قُلْنَا فِيهَا مُؤْمِنٌ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ زَيْدٌ وَلِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ الْأَفْرَادِ تَرْكٌ لِظَاهِرِ الْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَهُوَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَيْ الْكُلِّ وَالْكُلِّيِّ وَالْكُلِّيَّةِ لَا تُحْمَلُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُطْلَقِ وَهُوَ جُزْئِيٌّ مُبْهَمٌ كَالنَّكِرَةِ فِي الْإِثْبَاتِ يَجُوزُ فِيهِ الْحَمْلُ عَلَى أَيِّ جُزْئِيٍّ كَانَ غَيْرَ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا أَجْمَعَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ وَهُوَ مَا وَرَدَ مِنْ الْأَوَامِرِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَسَلْبِ النَّقَائِصِ وَمَا يُنْسَبُ إلَى الرَّبِّ تَعَالَى مِنْ التَّعْظِيمِ. وَالْإِجْلَالِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا إذْ لَيْسَ الْأَصْلُ إهْمَالَ جَانِبِ الرُّبُوبِيَّةِ بَلْ تَعْظِيمَهَا وَالْمُبَالَغَةُ فِي إجْلَالِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْغَايَاتِ الَّتِي وَصَلُوا إلَيْهَا دُونَ مَا يَنْبَغِي لَهُ تَعَالَى مِنْ التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مُتَعَلِّقًا بِأَقْصَى غَايَتِهِ الْمُمْكِنَةِ لِلْعَبِيدِ وَمَعَ ذَلِكَ قَالَ: ﵊ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» وَالْقِسْمُ الثَّانِي مَا أَجْمَعَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى الْحَمْلِ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ وَهُوَ الْأَقَارِيرُ فَإِذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِي دَنَانِيرُ حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ أَدْنَى رُتَبِهَا مَعَ صِدْقِهَا فِي الْآلَافِ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلِذَا قُبِلَ فِي هَذَا الْقِسْمِ التَّفْسِيرُ بِأَقَلِّ الرُّتَبِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا اُخْتُلِفَ فِي حَمْلِهِ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ أَوْ عَلَى أَدْنَاهَا وَلَهُ فُرُوعٌ مِنْهَا فَرْعُ الْحَضَانَةِ هَلْ تَسْتَحِقُّ الْأُمُّ إلَى الْإِثْغَارِ أَوْ إلَى الْبُلُوغِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ الثَّانِي فَفِي الْمَجْمُوعِ مَعَ شَرْحِهِ وَحَاشِيَتِهِ حَضَانَةُ الذَّكَرِ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ فَلَا يُشْتَرَطُ عَقْلٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَى الْكَسْبِ عَلَى الْمَشْهُورِ خِلَافًا لِابْنِ شَعْبَانَ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْأُنْثَى لِنَفْسِ الدُّخُولِ لَا لِلدُّعَاءِ لَهُ فَلَيْسَتْ كَالنَّفَقَةِ خِلَافًا لِمَا فِي الْأَصْلِ فَالْمُشْكِلُ مَا دَامَ مُشْكِلًا لَا يَخْرُجُ عَنْ الْحَضَانَةِ كَمَا لِعَبِقِ وَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أُنُوثَتِهِ وَلَا يُمْكِنُ الدُّخُولُ. اهـ. وَذَلِكَ الْخِلَافُ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ -

стр. 154

بِالطَّلَاقِ وَحَنِثَ وَلَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَعُمُّهُنَّ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ وَإِلَّا يَلْزَمْ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ قَالَهُ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي ثُمَّ حَنِثَ فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا هُوَ عَامٌّ فِي أَفْرَادِ الطَّلَاقِ مُطْلَقٌ فِي الزَّوْجَاتِ فَلَوْ حَنِثَ عَمَّهُنَّ الطَّلَاقُ فَرْعٌ حَسَنٌ فَعَلَى هَذَا إنْ قَصَدَ فِي نِيَّتِهِ بَعْضَهُنَّ ذَاهِلًا عَنْ بَعْضٍ وَقَصَدَ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِالْيَمِينِ لَزِمَهُ فِيهِ وَحْدَهُ وَالْقَاعِدَةُ الْأُخْرَى إذَا أَتَى بِصِيغَةِ عُمُومٍ نَحْوُ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا وَقَصَدَ بِهِ بَعْضَ الثِّيَابِ ذَاهِلًا عَنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِأَنَّك سَتَقِفُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ وَالنِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَهَذَا عَامٌّ يَحْتَاجُ لِلتَّخْصِيصِ بِالْمُخَصِّصِ الْمُخْرِجِ الْمُنَافِي فَإِذَا فُقِدَ جَرَى اللَّفْظُ عَلَى عُمُومِهِ لِسَلَامَتِهِ عَنْ مُعَارَضَةِ الْمُخَصِّصِ وَهَاهُنَا لَا عُمُومَ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا بَلْ حَصَلَ الْعُمُومُ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ فَقَطْ فَإِذَا وُجِدَ الْمُرَجِّحُ بِنِيَّةٍ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْبَاقِي لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ وَلَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ يَتَقَاضَاهُ بَلْ الْمُدْرَكُ عَدَمُ الْمُرَجِّحِ وَقَدْ زَالَ هَذَا الْعَدَمُ بِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ فَلَزِمَ مِنْ وُجُودِ النِّيَّةِ فِي الْبَعْضِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بِالطَّلَاقِ وَحَنِثَ وَلَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَعُمُّهُنَّ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ وَإِلَّا لَزِمَ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ) قُلْتُ: كَانَ يَنْبَغِي عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ الْتِزَامًا مُطْلَقٌ أَنْ لَا يَعُمَّهُنَّ الطَّلَاقُ وَيُخَيَّرَ فِي التَّعْيِينِ أَوْ يُقْرِعَ بَيْنَهُنَّ وَلَمْ يَقُلْ الْعُلَمَاءُ بِعُمُومِ الطَّلَاقِ فِيهِنَّ إلَّا احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ وَصَوْنًا لَهَا عَنْ مُوَاقَعَةِ الزِّنَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ قَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَوَقَعَ الشَّكُّ وَالِاحْتِمَالُ فِي عُمُومِهِ لِمُحَالِهِ أَوْ خُصُوصِهِ فَحُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ فِيهَا احْتِيَاطًا كَمَا فِيمَا إذَا طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الْعِصْمَةِ. قَالَ: (وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ: الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي ثُمَّ حَنِثَ فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا هُوَ عَامٌّ فِي أَفْرَادِ الطَّلَاقِ مُطْلَقٌ فِي الزَّوْجَاتِ) قُلْتُ: إذَا كَانَ عَامًّا فِي أَفْرَادِ الطَّلَاقِ لَزِمَ أَنْ يَعُمَّ فِي الزَّوْجَاتِ وَفِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ لِأَنَّ قَوْلَهُ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي فِي مَعْنَى كُلُّ طَلَاقٍ أَمْلِكُهُ يَلْزَمُنِي وَطَلَاقُ كُلٍّ وَاحِدَةٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ وَكَذَلِكَ أَنْوَاعُ الطَّلَاقِ مِنْ الثَّلَاثِ وَغَيْرِهَا فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ تَلْزَمَهُ الثَّلَاثُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَقَوْلُهُ هَذَا إنْ قَصَدَ فِي نِيَّتِهِ بَعْضَهُنَّ ذَاهِلًا عَنْ بَعْضٍ وَقَصَدَ ذَلِكَ الْبَعْضَ بِالْيَمِينِ لَزِمَهُ فِيهِ وَحْدَهُ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرَ. قَالَ: (وَالْقَاعِدَةُ الْأُخْرَى إذَا أَتَى بِصِيغَةِ عُمُومٍ نَحْوِ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا وَقَصَدَ بَعْضَ الثِّيَابِ ذَاهِلًا عَنْ بَعْضٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِأَنَّك سَتَقِفُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ وَالنِّيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ وَهَذَا عَامٌّ يَحْتَاجُ إلَى التَّخْصِيصِ بِالْمُخَصِّصِ الْمُخْرِجِ الْمُنَافِي فَإِذَا فُقِدَ جَرَى عَلَى عُمُومِهِ لِسَلَامَتِهِ عَنْ مُعَارِضَةِ الْمُخَصِّصِ وَهَاهُنَا لَا عُمُومَ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا بَلْ حَصَلَ الْعُمُومُ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ فَقَطْ فَإِذَا وُجِدَ الْمُرَجِّحُ بِنِيَّةٍ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْبَاقِي لِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ وَلَيْسَ فِيهِ عُمُومٌ يَتَقَاضَاهُ بَلْ الْمُدْرَكُ عَدَمُ الْمُرَجِّحِ وَقَدْ زَالَ هَذَا الْعَامُّ بِوُجُودِ الْمُرَجِّحِ فَلَزِمَهُ مِنْ وُجُودِ النِّيَّةِ فِي الْبَعْضِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْأَحَقِّيَّةِ لَهَا فَقَطْ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ وَهِيَ تَصْدُقُ بِطَرَفَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِحَالِهِ هُوَ أَدْنَاهُمَا الْإِثْغَارُ وَأَعْلَاهُمَا الْبُلُوغُ فَإِذَا حَمَلْنَا الْحَضَانَةَ عَلَى الْإِثْغَارِ لَا نَكُونُ مُخَالِفِينَ لِمُقْتَضَى لَفْظِ الْأَحَقِّيَّةِ لِأَنَّ هَذَا التَّخْرِيجَ إنَّمَا وَقَعَ فِيمَا اقْتَضَاهُ اللَّفْظُ فِي مُوجِبِ الْحُكْمِ وَسَبَبِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثُّبُوتُ وَأَمَّا الْغَايَةُ الْمَقُولَةُ فِي الْحَدِيثِ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِهَا هِيَ فَهِيَ إشَارَةٌ إلَى الْمَانِعِ وَأَنَّ زَوَاجَهَا مَانِعٌ مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ وَالْمَانِعُ وَعَدَمُهُ لَا مَدْخَلَ لَهُمَا فِي تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ بَلْ فِي عَدَمِ تَرَتُّبِهَا لِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ فِي الْمَانِعِ إنَّمَا هُوَ وُجُودُهُ فِي الْعَدَمِ لَا عَدَمُهُ فِي الْوُجُودِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا فَرْعُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَوَلَدِهَا هَلْ يُمْنَعُ ذَلِكَ إلَى الْبُلُوغِ أَوْ إلَى الْإِثْغَارِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؟ هُنَا قَوْلَانِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «لَا تُوَلَّهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا» وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الْوَالِدَاتِ وَالْمَوْلُودِينَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ وَالِدَةَ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَتَعُمُّ وَوَلَدُهَا اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ فَيَعُمُّ وَعَامًّا فِي الزَّمَانِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنْ لَا لِنَفْيِ الِاسْتِقْبَالِ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى: ١٣] غَيْرَ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي أَحْوَالِ الْوَلَدِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ وَإِذَا كَانَ مُطْلَقًا فِي الْأَحْوَالِ فَهُوَ يَصْدُقُ فِي رُتْبَةٍ دُنْيَا وَهِيَ الْإِثْغَارُ وَرُتْبَةٍ عُلْيَا وَهِيَ الْبُلُوغُ فَإِذَا حَلَّ لَفْظُ الْوَلَدِ الْمُطْلَقِ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ جُزْئِيَّاتِهِ اسْتَقَامَ وَلَمْ يُعَارِضْهُ عُمُومٌ لَا لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَيْنَا كَأَنَّهُ قَالَ: حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْكُمْ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مِنْ زَمَنِ هَذَا الْخِطَابِ وَلَيْسَ عُمُومُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّهَاتِ وَالْأَوْلَادِ حَتَّى تَكُونَ فِيهِ مُعَارَضَةٌ لِعَدَمِ الْعُمُومِ فِي الْوَالِدَاتِ وَالْأَوْلَادِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَمِنْهَا فَرْعُ الرُّشْدِ فِي قَوْله تَعَالَى. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ هَلْ مَحْمَلُهُ عَلَى أَدْنَى مَرَاتِبِ الرُّشْدِ وَهُوَ الرُّشْدُ فِي الْمَالِ خَاصَّةً قَالَهُ مَالِكٌ أَوْ عَلَى أَعْلَى مَرَاتِبِ الرُّشْدِ وَهُوَ الرُّشْدُ فِي الْمَالِ وَالدِّينِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لِأَنَّ الرُّشْدَ ذُكِرَ بِصِيغَةِ التَّنْكِيرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى الْأَخَصُّ الْمُبْهَمُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَإِذَا حُمِلَ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ لَمْ تَكُنْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلَّفْظِ أَلْبَتَّةَ وَلَا مِنْ وَجْهٍ مُحْتَمَلٍ فَافْهَمْ وَمِنْهَا فَرْعُ الْحَرَامِ هَلْ يُحْتَمَلُ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ عَلَى الثَّلَاثِ أَوْ الْوَاحِدَةِ خِلَافٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَرَامٌ مُطْلَقٌ دَالٌّ عَلَى مُطْلَقِ التَّحْرِيمِ

стр. 155

وَعَدَمِهَا فِي الْبَعْضِ وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّرْجِيحِ وَهُنَاكَ إذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ أُعْمِلَ اللَّفْظُ الْعَامُّ فِي بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِخْرَاجِهِ فَإِذَا قَالَ فِي صُورَةِ الِالْتِزَامِ: نَوَيْت الْبَعْضَ وَذَهِلْت عَنْ الْبَاقِي كَفَاهُ وَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمَنْوِيَّةِ وَإِذَا قَالَ: نَوَيْت الْبَعْضَ وَذَهِلْت عَنْ الْبَاقِي فِي صُورَةِ الْعُمُومِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَفُرُوعُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ كَثِيرَةٌ فَتَأَمَّلْهَا وَيَكْمُلُ لَك الْكَشْفُ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمُطَالَعَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَالْمُؤَكِّدَةِ وَهُوَ بَعْدَ هَذَا وَقَوْلِي الطَّلَاقُ عَامٌّ فِي أَفْرَادِ الطَّلَاقِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ غَيْرَ أَنَّهُ صَارَ مُطْلَقًا لَا عُمُومَ فِيهِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَالنَّاسِ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا أَلْزَمَ بِهِ غَيْرَ طَلْقَةٍ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يُخَيِّرُوهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَخِيرَةِ كَمَا خَيَّرُوهُ فِي إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ بَلْ هَاهُنَا أَوْلَى لِعَدَمِ ذِكْرِ الزَّوْجَاتِ وَأُحَقِّقُ فِقْهَ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ: (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أَثْبَتَ الْوُجُوبَ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الرِّقَابِ فَلَمْ يَعُمَّ ذَلِكَ جَمِيعَ صُوَرِ الرِّقَابِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْإِجْمَاعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَعَدَمِهَا فِي الْبَعْضِ حُصُولُ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّرْجِيحِ وَهُنَاكَ إذَا وُجِدَتْ النِّيَّةُ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ أُعْمِلَ اللَّفْظُ الْعَامُّ فِي بَقِيَّةِ الْأَفْرَادِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِإِخْرَاجِهِ فَإِذَا قَالَ فِي صُورَةِ الِالْتِزَامِ: نَوَيْت الْبَعْضَ وَذَهِلْتُ عَنْ الْبَاقِي كَفَاهُ وَلَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ غَيْرُ الْمَنْوِيَّةِ وَإِذَا قَالَ: نَوَيْت الْبَعْضَ وَذَهِلْت عَنْ الْبَاقِي فِي صُورَةِ الْعُمُومِ لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَفُرُوعُ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ كَثِيرَةٌ فَتَأَمَّلْهَا وَيَكْمُلُ لَك الْكَشْفُ عَنْ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمُطَالَعَةِ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَالْمُؤَكِّدَةِ وَهُوَ بَعْدَ هَذَا) قُلْتُ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْعُمُومِ فَهُوَ فِي مَعْنَى كُلُّ طَلَاقٍ أَمْلِكُهُ يَلْزَمُنِي فَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ طَلَاقُ جَمِيعِ الزَّوْجَاتِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ جَمِيعُ الطَّلْقَاتِ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَهُ فِي الْفَرْقِ الَّذِي أَحَالَ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ: (وَقَوْلِي الطَّلَاقُ عَامٌّ فِي أَفْرَادِ الطَّلَاقِ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ غَيْرَ أَنَّهُ صَارَ مُطْلَقًا لَا عُمُومَ فِيهِ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَالنَّاسِ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا أَلْزَمَ بِهِ غَيْرَ طَلْقَةٍ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ) قُلْتُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ بِعَامٍّ بِحَسَبِ اللُّغَةِ. قَالَ: (وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ أَنْ يُخَيِّرُوهُ فِي الصُّورَةِ كَمَا خَيَّرُوهُ فِي إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ بَلْ هُنَا أَوْلَى لِعَدَمِ ذِكْرِ الزَّوْجَاتِ) قُلْتُ: الْعَكْسُ أَصْوَبُ وَهُوَ أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي قَوْلِهِ إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ بَيِّنٌ لِتَعْلِيقِهِ الطَّلَاقَ بِوَاحِدَةٍ أَمَّا حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ بِوَاحِدَةٍ فَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ. قَالَ: (وَحُقِّقَ فِقْهُ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أَثْبَتَ الْوُجُوبَ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الرِّقَابِ فَلَمْ يَعُمَّ ذَلِكَ جَمِيعَ صُوَرِ الرِّقَابِ بَلْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ صُورَةٌ وَاحِدَةٌ بِالْإِجْمَاعِ) قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ الْوُجُوبُ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَلْ أَثْبَتَهُ فِي رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَلَا يَعُمُّ بَلْ تَكْفِي صُورَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعُ تَابِعٌ لِلنَّصِّ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الدَّائِرِ بَيْنَ الرُّتَبِ الْمُخْتَلِفَةِ فَأَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى أَعْلَاهَا أَوْ عَلَى أَدْنَاهَا وَيَلْحَقُ بِهِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ الْأَلْفَاظِ نَحْوَ الْبَتَّةِ وَالْبَائِنِ وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك هَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ وَهُوَ الثَّلَاثُ أَمْ لَا كَذَا قِيلَ وَفِيهِ أَنَّ مَا ذُكِرَ لَيْسَ هُوَ سَبَبُ الْخِلَافِ هُنَا بَلْ سَبَبُهُ هُنَا أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ الْعُرْفُ فِي لَفْظَةِ حَرَامٌ وَمَا أُلْحِقَ بِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ هَلْ هُوَ الثَّلَاثُ أَوْ الْوَاحِدَةُ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا فَرْعُ التَّيَمُّمِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ [النساء: ٤٣] اُخْتُلِفَ هَلْ يُحْمَلُ فِيهِ لَفْظُ صَعِيدًا عَلَى مُطْلَقِ مَا يُسَمَّى صَعِيدًا تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ عَلَى أَعْلَى رُتَبِ الصَّعِيدِ وَهُوَ التُّرَابُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَيْسَ مِنْهَا فَرْعُ حِكَايَةِ الْأَذَانِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ يُؤَذِّنُ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» حَتَّى يُقَالَ: إنَّ الْمِثْلَ الْمَذْكُورَ فِي الْأَذَانِ إنْ حُمِلَ عَلَى أَعْلَى الرُّتَبِ قَالَ: مِثْلُ مَا يَقُولُ إلَى آخِرِ الْأَذَانِ أَوْ عَلَى أَدْنَى الرُّتَبِ فَفِي التَّشَهُّدِ خَاصَّةً وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ضَرُورَةُ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ تَقْتَضِي فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الشُّمُولَ فِي جَمِيعِ الصِّفَاتِ إلَّا مَا خَصَّهُ الْعُرْفُ كَقَوْلِهِمْ زَيْدٌ مِثْلُ الْأَسَدِ وَمَا أَشْبَهَهُ فَلَمْ يُفَرِّعْهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قَاعِدَةِ الْمُطْلَقِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا رَأَى أَنَّ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَيْسَ مِنْ الذِّكْرِ وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيضٌ وَاسْتِدْعَاءٌ وَالْمَعْهُودُ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا هُوَ اسْتِحْبَابُ مَا هُوَ ذِكْرٌ فَقُيِّدَ مُطْلَقُ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى وَأَخَذَ غَيْرُ مَالِكٍ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَبِالْجُمْلَةِ فَاسْتِعْمَالُ الْكُلِّ فِي جُزْئِهِ وَالْكُلِّيِّ فِي جُزْأَيْهِ وَالْعَامِّ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ لَمَّا كَانَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً لَمْ يَجُزْ الْحَمْلُ عَلَيْهِ إلَّا إذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَيْهِ وَاسْتِعْمَالُ الْمُطْلَقِ أَيْ الْجُزْئِيِّ الْمُبْهَمِ فِي جُزْئِيٍّ مُعَيَّنٍ لَمَّا كَانَ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا جَازَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ نَعَمْ إذَا اُعْتُبِرَ فِي الْجُزْئِيِّ أَوْ الْفَرْدِ مَاهِيَّتُه الْكُلِّيَّةُ لَا الشَّخْصِيَّةُ كَانَ اسْتِعْمَالُ الْكُلِّيِّ فِي الْأَوَّلِ وَالْعَامِّ فِي الثَّانِي حَقِيقَةً عَلَى الْقَوْلِ الْحَقِّ وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ عَدَمُ تَوَجُّهِ مَا أَوْرَدَهُ الْقَرَافِيُّ فِي تَنْقِيحِهِ عَلَى حَصْرِهِمْ الدَّلَالَةَ اللَّفْظِيَّةَ الْوَضْعِيَّةَ فِي الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ كَعَبِيدِي عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 156

(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَوْ قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ: حَرَّمْت عَلَيْكُمْ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَنَازِيرِ حَرُمَ كُلُّ خِنْزِيرٍ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فَإِذَا قَالَ لِنِسَائِهِ: إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ حَرُمْنَ عَلَيْهِ كُلُّهُنَّ بِالطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى ثَلَاثِ قَوَاعِدَ: الْقَاعِدَةُ الْأُولَى أَنَّ مَفْهُومَ أَحَدِ الْأُمُورِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لِصِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالصَّادِقُ عَلَى عَدَدٍ وَأَفْرَادٍ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَفْرَادِ الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمٌ لِأَنَّهُ رَافِعٌ لِمُوجِبِ النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ لِلْإِبَاحَةِ وَرَافِعُ الْإِبَاحَةِ مُحَرَّمٌ فَالطَّلَاقُ مُحَرَّمٌ الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُشْتَرَكِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَحْرُمْنَ كُلُّهُنَّ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَبِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ أَجَبْت قَاضِيَ الْقُضَاةِ صَدْرَ الدِّينِ فَقِيهِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَاضِيهَا لَمَّا قَالَ مَذْهَبُ مَالِكٍ يَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ إحْدَى الْخِصَالِ فِي كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فَنَقُولُ: إضَافَةُ الْحُكْمِ لِأَحَدِ الْأُمُورِ إمَّا أَنْ يَقْتَضِيَ التَّعْمِيمَ أَوْ لَا يَقْتَضِيَ فَإِنْ اقْتَضَى التَّعْمِيمَ لُغَةً وَجَبَ أَنْ يَعُمَّ الْوُجُوبُ خِصَالَ الْكَفَّارَةِ فَيَجِبُ الْجَمِيعُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِ الْعُمُومَ وَجَبَ أَنْ لَا يَعُمَّ فِي النِّسْوَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَمَّ لَعَمَّ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَوْ قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ: حَرَّمْت عَلَيْكُمْ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَنَازِيرِ حَرُمَ كُلُّ خِنْزِيرٍ) قُلْتُ: ذَلِكَ صَحِيحٌ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْأَعَمِّ يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْلِيقُهُ بِالْأَخَصِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ. قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا قَالَ لِنِسَائِهِ: إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ حَرُمْنَ عَلَيْهِ كُلُّهُنَّ بِالطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى ثَلَاثِ قَوَاعِدَ: الْقَاعِدَةُ الْأُولَى أَنَّ مَفْهُومَ أَحَدِ الْأُمُورِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لِصِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالصَّادِقُ عَلَى عَدَدٍ وَأَفْرَادٍ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَفْرَادِ) قُلْتُ: لَيْسَ الْأُمُورُ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَلْ أَحَدُ الْأُمُورِ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْهَا وَلِذَلِكَ صَدَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَقَوْلُهُ وَالصَّادِقُ عَلَى عَدَدٍ وَأَفْرَادٍ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْن تِلْكَ الْأَفْرَادِ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الْحَقِيقَةَ الْكُلِّيَّةَ فَلَيْسَ أَحَدُ الْأُمُورِ هُوَ الْحَقِيقَةُ الْكُلِّيَّةُ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّ لَفْظَ أَحَدِ الْأُمُورِ يَخْتَصُّ بِهِ مُعَيَّنٌ مِنْ تِلْكَ الْأُمُورِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يُحَصِّلُ ذَلِكَ مَقْصُودَهُ. قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمٌ لِأَنَّهُ رَافِعٌ لِمُوجِبِ النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ لِلْإِبَاحَةِ وَرَافِعُ الْإِبَاحَةِ مُحَرَّمٌ فَالطَّلَاقُ مُحَرَّمٌ) قُلْتُ: ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُشْتَرَكِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَحْرُمْنَ كُلُّهُنَّ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ) قُلْتُ: الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ أَيْضًا صَحِيحَةٌ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَحْرُمْنَ كُلُّهُنَّ لِمَا سَبَقَ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ الْقَاعِدَةِ الْأُولَى. قَالَ: (وَبِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ أَجَبْت قَاضِيَ الْقُضَاةِ صَدْرَ الدِّينِ فَقِيهَ الْحَنَفِيَّةِ وَقَاضِيَهَا لَمَّا قَالَ: مَذْهَبُ مَالِكٍ يَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ إحْدَى الْخِصَالِ فِي كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فَنَقُولُ: إضَافَةُ الْحُكْمِ لِأَحَدِ الْأُمُورِ إمَّا أَنْ يَقْتَضِيَ التَّعْمِيمَ أَوْ لَا يَقْتَضِيَ فَإِنْ اقْتَضَى التَّعْمِيمَ لُغَةً وَجَبَ أَنْ يَعُمَّ الْوُجُوبُ خِصَالَ الْكَفَّارَةِ فَيَجِبُ الْجَمِيعُ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَإِنْ يَقْتَضِ الْعُمُومَ وَجَبَ أَنْ لَا يَعُمَّ فِي النِّسْوَةِ لِأَنَّهُ لَوْ عَمَّ لَعَمَّ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ أَنَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ حُقُوقِ اللَّهِ وَقَاعِدَةِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ] الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَاعِدَةِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ) وَذَلِكَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مُتَعَلِّقُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الَّذِي هُوَ عَيْنُ عِبَادَتِهِ لَا نَفْسُ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» الثَّانِي أَنَّ الْحَقَّ مَعْنَاهُ اللَّازِمُ لَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَاللَّازِمُ عَلَى الْعِبَادِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا لَهُمْ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْكَسْبُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَهُوَ كَلَامُهُ وَكَلَامُهُ صِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ وَحَقُّ الْعَبْدِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ مَلْزُومُ عِبَادَتِهِ إيَّاهُ وَهُوَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ وَيُخَلِّصَهُ مِنْ النَّارِ وَالثَّانِي حَقُّهُ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ فِي أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهِ وَالثَّالِثُ حَقُّهُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادِ وَهُوَ مَالَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الذِّمَمِ وَالْمَظَالِمِ وَتَنْقَسِمُ التَّكَالِيفُ بِاعْتِبَارِ حَقِّ اللَّهِ وَالْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنْ أَقْسَامِ حَقِّ الْعَبْدِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ تَكْلِيفٌ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضِ فَلَا يَتَأَتَّى إسْقَاطُهُ أَصْلًا كَالْإِيمَانِ وَتَرْكِ الْكُفْرِ وَالْقِسْمُ الثَّانِي تَكْلِيفٌ بِحَقِّ الْعِبَادِ الْمَحْضِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ أَيْ أَمْرُهُ تَعَالَى بِإِيصَالِ ذَلِكَ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَالْمُرَادُ بِحَقِّ الْعَبْدِ الْمَحْضِ أَنَّهُ لَوْ أَسْقَطَهُ لَسَقَطَ كَالدُّيُونِ وَالْأَثْمَانِ وَإِلَّا فَمَا مِنْ حَقٍّ لِلْعَبْدِ إلَّا وَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِالْإِيصَالِ الْمَذْكُورِ فَيُوجَدُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ حَقِّ الْعَبْدِ وَلَا يُوجَدُ حَقُّ الْعَبْدِ إلَّا وَفِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ تَكْلِيفٌ بِالْحَقَّيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مَعًا فَفِي التَّغْلِيبِ فِيهِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فَلَا يَسْقُطُ أَوْ لِحَقِّ الْعَبْدِ عَلَى الْعَبْدِ فَيَسْقُطُ خِلَافٌ كَحَدِّ الْقَذْفِ شَرَعَهُ اللَّهُ صَوْنًا لِعِرْضِ الْعَبْدِ وَحْدِ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَوْنًا لِمُهْجَةِ الْعَبْدِ وَأَعْضَائِهِ وَمَنَافِعِهَا عَلَيْهِ. وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ تَكْلِيفٌ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ وَحَقِّ الْعَبْدِ فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا يَسْتَقِيمُ بِهِ فِي أُولَاهُ وَأُخْرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهِ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ لِلْعَبْدِ إسْقَاطٌ وَلَوْ لِحَقِّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَجَرَ فِيهِ عَلَى الْعَبْدِ حَتَّى فِي حَقِّ نَفْسِهِ لُطْفًا بِهِ وَرَحْمَةً لَهُ وَأَكْثَرُ الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى حَجَرَ بِرَحْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ فِي تَضْيِيعِ مَالِهِ الَّذِي هُوَ عَوْنُهُ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِ عُقُودَ الرِّبَا صَوْنًا لِمَالِهِ عَلَيْهِ وَعُقُودَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَاتِ صَوْنًا لِمَالِهِ عَنْ الضَّيَاعِ فَلَا يُحَصِّلُ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ أَوْ

стр. 157

اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالْكَلَامُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ يَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَأَجَبْتُهُ بِأَنْ قُلْت: إيجَابُ إحْدَى الْخِصَالِ إيجَابٌ لِلْمُشْتَرَكِ وَوُجُوبُ الْمُشْتَرَكِ يُخْرِجُ الْمُكَلَّفَ عَنْ عُهْدَتِهِ بِفَرْدٍ إجْمَاعًا وَأَمَّا الطَّلَاقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَهُوَ تَحْرِيمٌ لِمُشْتَرَكٍ فَيَعُمُّ أَفْرَادَهُ وَأَفْرَادُهُ هُمْ النِّسْوَةُ فَيَعُمُّهُنَّ الطَّلَاقُ وَقَرَّرْت لَهُ جَمِيعَ الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَانْدَفَعَ السُّؤَالُ وَهُوَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْجَلِيلَةِ الْحَسَنَةِ فَتَأَمَّلْهُ فَلَقَدْ أَوْرَدَهُ عَلَى أَكَابِرَ فَلَمْ يُجِيبُوا عَنْهُ إلَّا بِقَوْلِهِمْ إنَّمَا عَمَّ الطَّلَاقُ احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الِاحْتِيَاطِ فِي الشَّرْعِ لَمْ يَجِدُوهُ وَأَمَّا مَعَ ذِكْرِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ فَتَصِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ضَرُورِيَّةً بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْحَقُّ فِيهَا تَعَيُّنًا ضَرُورِيًّا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَيُعَيِّنَهُ لِلْعِتْقِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَضَافَ الْحُكْمَ لِلْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَكَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ فَالْعِتْقُ أَيْضًا مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ وَأَخْذِ الْمَنَافِعِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَالْفَرْقُ حِينَئِذٍ عَسِيرٌ وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْعِتْقُ فَهُوَ قُرْبَةٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ وَالْأُمَمِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] اللَّفْظَ لَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالْكَلَامَ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَعُلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ يَلْزَمُ مِنْهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَأَجَبْتُهُ بِأَنْ قُلْتُ: إيجَابُ إحْدَى الْخِصَالِ إيجَابٌ لِلْمُشْتَرَكِ وَوُجُوبُ الْمُشْتَرَكِ يُخْرِجُ الْمُكَلَّفَ عَنْ عُهْدَتِهِ بِفَرْدٍ إجْمَاعًا. وَأَمَّا الطَّلَاقُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَهُوَ تَحْرِيمٌ لِمُشْتَرَكٍ فَيَعُمُّ أَفْرَادَهُ وَأَفْرَادُهُ هُمْ النِّسْوَةُ فَيَعُمُّهُنَّ الطَّلَاقُ وَقَرَّرْت لَهُ جَمِيعَ الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَانْدَفَعَ السُّؤَالُ وَهُوَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْجَلِيلَةِ الْحَسَنَةِ فَتَأَمَّلْهُ فَلَقَدْ أَوْرَدَهُ عَلَى أَكَابِرَ فَلَمْ يُجِيبُوا عَنْهُ إلَّا بِقَوْلِهِمْ إنَّمَا عَمَّ الطَّلَاقُ احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَا الدَّلِيلُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الِاحْتِيَاطِ فِي الشَّرْعِ لَمْ يَجِدُوهُ وَأَمَّا مَعَ ذِكْرِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ فَتَصِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِحَيْثُ يَتَعَيَّنُ الْحَقُّ فِيهَا تَعَيُّنًا ضَرُورِيًّا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ) قُلْتُ: صَارَ الصَّدْرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرَ صَدْرٍ لِتَسْلِيمِهِ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى وَهِيَ غَيْرُ مُسَلَّمَةٍ وَلَا صَحِيحَةٍ فَكَذَلِكَ مَا بَنِي عَلَيْهَا وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ مَا أَجَابَ بِهِ الْأَكَابِرُ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا عَمَّ احْتِيَاطًا لِلْفُرُوجِ وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الِاحْتِيَاطُ كُلُّ دَلِيلٍ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَوَقِّي الشُّبُهَاتِ. قَالَ: (شِهَابُ الدِّينِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ قَالَ: مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَيُعَيِّنُهُ لِلْعِتْقِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فِي الطَّلَاقِ مَعَ أَنَّهُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَضَافَ الْحُكْمَ لِلْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ) قُلْتُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ مَا أَضَافَ الْحُكْمَ لِلْمُشْتَرَكِ بَلْ أَضَافَهُ لِفَرْدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ. قَالَ: (وَكَمَا أَنَّ الطَّلَاقَ مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ فَالْعِتْقُ أَيْضًا مُحَرِّمٌ لِلْوَطْءِ وَأَخْذِ الْمَنَافِعِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَالْفَرْقُ حِينَئِذٍ عَسِيرٌ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمُ مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْعِتْقُ فَهُوَ قُرْبَةٌ) قُلْتُ: عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمٌ وَالْعِتْقُ قُرْبَةٌ فَكَوْنُ الْعِتْقِ قُرْبَةً ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يُحَصِّلُ دَنِيًّا وَنَزْرًا حَقِيرًا فَيَضِيعُ الْمَالُ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ إلْقَاءَ مَالِهِ فِي الْبَحْرِ وَتَضْيِيعَهُ فِي غَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَحَرَّمَ السَّرِقَةَ صَوْنًا لِمَالِهِ أَيْضًا وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى حَجَرَ عَلَى عَبْدِهِ فِي تَضْيِيعِ عَقْلِهِ الَّذِي هُوَ عَوْنُهُ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْمُسْكِرَاتِ صَوْنًا لِمَصْلَحَةِ عَقْلِ الْعَبْدِ عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى حَجَرَ عَلَى عَبْدِهِ تَضْيِيعَ نَسَبِهِ الَّذِي بِهِ عَوْنُهُ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِ الزِّنَا صَوْنًا لِنَسَبِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ رِضَا الْعَبْدِ بِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَمَا لَا يُؤَثِّرُ رِضَاهُ بِوِلَايَةِ الْفَسَقَةِ وَشَهَادَةِ الْأَرَاذِلِ وَنَحْوِهَا فَافْهَمْ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْآدَمِيِّينَ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْآدَمِيِّينَ عَلَى الْآدَمِيِّينَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْأَوْلَادِ خَاصَّةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَاجِبِ لِذَوِي الْأَرْحَامِ غَيْرَ الْأَبَوَيْنِ عَلَى قَرِيبِهِمْ خَاصَّةً) . وَذَلِكَ أَنَّ ضَابِطَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْوَالِدَيْنِ دُونَ الْأَجَانِبِ أُمُورٌ: أَحَدُهَا أَنَّ نَدْبَ طَاعَتِهِمْ وَبِرِّهِمْ مُطْلَقًا أَقْوَى مِنْ نَدْبِ بِرِّ الْأَجَانِبِ مُطْلَقًا الثَّانِي وُجُوبُ اجْتِنَابِ مُطْلَقِ الْأَذَى كَيْفَ كَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الِابْنِ الثَّالِثُ وُجُوبُ طَاعَتِهِمَا فِي تَرْكِ النَّوَافِلِ الرَّابِعُ وُجُوبُ طَاعَتِهِمَا فِي تَرْكِ تَعْجِيلِ الْفُرُوضِ الْمُوَسِّعَةِ الْخَامِسُ وُجُوبُ طَاعَتِهِمَا فِي تَرْكِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ إذَا كَانَ ثَمَّ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَأَمَّا ضَابِطُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْأَجَانِبُ دُونَ الْأَبَوَيْنِ فَهُوَ أَنَّ نَدْبَ بِرِّهِمْ مُطْلَقًا يَضْعُفُ عَنْ نَدْبِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَأَنَّ طَاعَتَهُمْ فِي تَرْكِ النَّوَافِلِ مَكْرُوهَةٌ تَنْزِيهًا قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ طَاعَتَهُمْ فِي تَرْكِ تَعْجِيلِ الْفُرُوضِ الْمُوَسَّعَةِ وَتَرْكِ فَرَوْضِ الْكِفَايَةِ كَذَلِكَ وَأَنَّ اجْتِنَابَ مُطْلَقِ الْأَذَى غَيْرُ وَاجِبٍ فِي حَقِّهِمْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ بَلْ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِمْ اجْتِنَابُ أَذًى مَخْصُوصٌ كَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْحَسَدِ وَإِفْسَادِ الْحَلِيلَةِ وَالْوَلَدِ وَالْخَادِمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا عَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي زَوَاجِرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَكُلُّ وَاجِبٍ لِلْأَجَانِبِ وَاجِبٌ لِلْأَبَوَيْنِ وَلَا عَكْسَ لُغَوِيًّا قَالَ: الْأَصْلُ وَأَمَّا مَا يَجِبُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ فَلَمْ أَظْفَرْ فِيهِ بِتَفْصِيلٍ كَمَا وَجَدْتُ الْمَسَائِلَ الْآتِي بَيَانُهَا فِي الْأَبَوَيْنِ بَلْ أَصْلُ الْوُجُوبِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ اهـ قُلْت لَكِنْ فِي الزَّوَاجِرِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْعُقُوقِ وَقَطْعِ الرَّحِمِ هُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعُقُوقِ الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ أَنْ يَحْصُلَ مِنْ الْوَلَدِ.

стр. 158

فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَقَدْ أَثْبَتَ التَّقَرُّبَ بِالْعِتْقِ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الرِّقَابِ وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ إجْمَاعًا وَلَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى رَقَبَةً فِي الْكَفَّارَةِ كَفَتْ رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ وَإِذَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّقَرُّبِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَلِلثُّبُوتِ فِي الْمُشْتَرَكِ الَّذِي يَكْفِي فِيهِ فَرْدٌ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ تَحْرِيمٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِقَوْلِهِ ﵇ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَالْبِغْضَةُ إنَّمَا تَصْدُقُ مَعَ النَّهْيِ دُونَ الْأَمْرِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعُمَّ فِي الْعِتْقِ وَعَمَّ فِي الطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى الْقَوَاعِدِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمَسَائِلِ الْمَفْرُوضَةِ وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْعِتْقِ وَأَصْلُهُ التَّقَرُّبُ وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْأَلْفَاظِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مُطَابَقَةً دُونَ مَا تَقْتَضِيهِ الْتِزَامًا فَمَا مِنْ أَمْرٍ إلَّا وَيَلْزَمُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهِ وَالْخَبَرُ عَنْ الْعِقَابِ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ فِيهِ هُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمًا بَلْ هُوَ تَحْرِيمٌ لِلتَّصَرُّفِ فِي الْمَمْلُوكِ فَلَا فَرْقَ. قَالَ: (فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ فَقَدْ أَثْبَتَ التَّقَرُّبَ بِالْعِتْقِ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الرِّقَابِ) قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ التَّقَرُّبُ فِي الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بِالْعِتْقِ بَلْ أَثْبَتَهُ فِي فَرْدٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ فَإِنْ أَرَادَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَاحِدًا مِمَّا فِيهِ الْحَقِيقَةُ فَمُرَادُهُ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ: (وَيَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ بِرَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ إجْمَاعًا وَلَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى رَقَبَةً فِي الْكَفَّارَةِ كَفَتْ رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ) قُلْتُ: يَحِقُّ أَنْ يُخْرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ بِرَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ إلَّا وَاحِدَةً وَلَوْ عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِالْمَعْنَى الْمُشْتَرَكِ لَمَا سَاغَ الْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ إلَّا بِجَمِيعِ مَا فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْ الْأَفْرَادِ. قَالَ: (وَإِذَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّقَرُّبِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ وَالثُّبُوتِ فِي الْمُشْتَرَكِ الَّذِي يَكْفِي فِيهِ فَرْدٌ) قُلْتُ: لَمْ يَكْفِ فِيهِ فَرْدٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ لَكِنْ كَفَى فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ الْمُعَلَّقِ بِمُطْلَقٍ وَهُوَ الْفَرْدُ غَيْرُ الْمُعَيَّنِ. قَالَ: (بِخِلَافِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ تَحْرِيمٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِقَوْلِهِ ﵇ «أَبْغَضُ الْمُبَاحِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَالْبُغْضَةُ إنَّمَا تَصْدُقُ مَعَ النَّهْيِ دُونَ الْأَمْرِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَعُمَّ فِي الْعِتْقِ وَعَمَّ فِي الطَّلَاقِ بِنَاءً عَلَى الْقَوَاعِدِ الْمَذْكُورَةِ وَالْمَسَائِلِ الْمَفْرُوضَةِ) قُلْتُ: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِتْقَ أَيْضًا تَحْرِيمٌ وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «أَبْغَضُ الْمُبَاحِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِأَنَّهُ قَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ ﷺ بِإِبَاحَةِ الطَّلَاقِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا وَقَوْلُهُ إنَّ الْبُغْضَةَ إنَّمَا تَصْدُقُ مَعَ النَّهْيِ دُونَ الْأَمْرِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ تَصْدُقُ مَعَ الْأَمْرِ وَتُحْمَلُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَرْجُوحِيَّةِ الْأَمْرِ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الْبُغْضَةَ وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ مِنْ الْقَوَاعِدِ قَدْ تَبَيَّنَ إبْطَالُ بَعْضِهَا فَلَا يَصِحُّ مَا بَنَى عَلَيْهَا. قَالَ: (وَأَمَّا تَحْرِيمُ الْوَطْءِ فَهُوَ تَابِعٌ لِلْعِتْقِ وَأَصْلُهُ التَّقَرُّبُ) قُلْتُ: وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ فِي الزَّوْجَةِ تَابِعٌ لِلطَّلَاقِ الَّذِي أَصْلُهُ الْإِبَاحَةُ بِنَصِّ الشَّارِعِ قَالَ: (وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْأَلْفَاظِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مُطَابِقَةً دُونَ مَا تَقْتَضِيهِ الْتِزَامًا) قُلْتُ: ذَلِكَ مُسَلَّمٌ وَمُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ. قَالَ: (فَمَا مِنْ أَمْرٍ إلَّا وَيَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهِ وَالْخَبَرُ عَنْ الْعِقَابِ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُقَالُ فِيهِ هُوَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَهَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا إيذَاءٌ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ عُرْفًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا لَوْ فُعِلَ مَعَ الْغَيْرِ كَأَنْ يَلْقَاهُ فَيَقْطِبَ فِي وَجْهِهِ أَوْ يَقْدُمَ عَلَيْهِ فِي مَلَأٍ فَلَا يَقُومُ لَهُ وَلَا يَعْبَأُ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْضِي أَهْلُ الْعَقْلِ. وَالْمُرُوءَةِ مِنْ أَهْلِ الْعُرْفِ بِأَنَّهُ مُؤْذٍ تَأَذِّيًا عَظِيمًا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْمُتَأَذِّي لَكِنْ لَوْ كَانَ فِي غَايَةِ الْحُمْقِ أَوْ سَفَاهَةِ الْعَقْلِ فَأَمَرَ أَوْ نَهَى وَلَدَهُ بِمَا لَا يُعَدُّ مُخَالَفَتُهُ فِيهِ فِي الْعُرْفِ عُقُوقًا لَا يَفْسُقُ وَلَدُهُ بِمُخَالَفَتِهِ حِينَئِذٍ لِعُذْرِهِ وَعَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا بِمَنْ يُحِبُّهَا فَأَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا وَلَوْ لِعَدَمِ عِفَّتِهَا فَلَمْ يَمْتَثِلْ أَمْرَهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَصَحَّحَهُ أَنَّ «رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنَّ أُمِّيَ تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا فَقَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَإِنْ شِئْت فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوْ احْفَظْهُ» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَرُبَّمَا قَالَ: سُفْيَانُ إنَّ أُمِّيَ وَرُبَّمَا قَالَ: إنَّ أَبِي وَفِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ أَنَّ «رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إنَّ أَبِي لَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى زَوَّجَنِي وَإِنَّهُ الْآنَ يَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا قَالَ: مَا أَنَا بِاَلَّذِي آمُرُك أَنْ تَعُقَّ وَالِدَيْك وَلَا بِاَلَّذِي آمُرُك أَنْ تُطَلِّقَ زَوْجَتَك غَيْرَ أَنَّك إنْ شِئْت حَدَّثْتُك بِمَا سَمِعْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْته يَقُولُ: الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَحَافِظِ عَلَى ذَلِكَ إنْ شِئْت أَوْ دَعْ» قَالَ: وَأَحْسَبُ عَطَاءً قَالَ: فَطَلَّقَهَا نَعَمْ قَدْ أَشَارَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ طَلَاقُهَا امْتِثَالًا لِأَمْرِ وَالِدِهِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ: التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - قَالَ: «كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا فَأَبَيْت فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَلِّقْهَا» وَكَذَا سَائِرُ أَوَامِرِهِ الَّتِي لَا حَامِلَ عَلَيْهَا إلَّا ضَعْفُ عَقْلِهِ وَسَفَاهَةُ رَأْيِهِ وَلَوْ عُرِضَتْ عَلَى أَرْبَابِ الْعُقُولِ لَعَدُوُّهَا أُمُورًا مُتَسَاهَلًا فِيهَا وَلَرَأَوْا أَنَّهُ لَا إيذَاءَ لِمُخَالَفَتِهَا هَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ الْحَدِّ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِقَطْعِ الرَّحِمِ الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ أَنْ يَقْطَعَ الْمُكَلَّفُ مَا أَلِفَ قَرِيبُهُ مِنْهُ مِنْ سَابِقِ الْوَصْلَةِ وَالْإِحْسَانِ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ لِأَنَّ قَطْعَ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى إيحَاشِ الْقُلُوبِ وَنَفْرَتِهَا وَتَأَذِّيهَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ أَنَّهُ قَطَعَ وَصْلَةَ رَحِمِهِ وَمَا يَنْبَغِي لَهَا مِنْ عَظِيمِ الرِّعَايَةِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ قَرِيبَهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْهُ إحْسَانٌ وَلَا إسَاءَةٌ قَطُّ

стр. 159

لِلتَّكْرَارِ بِنَاءً عَلَى النَّهْيِ وَلَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ بِنَاءً عَلَى الْخَبَرِ اللَّازِمِ بَلْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً فَقَطْ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ بِتَرْكِهِ وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ الْفِعْلِ وَلَا يُقَالُ هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَمْرِ وَلَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ بِنَاءً عَلَى الْخَبَرِ فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ الطَّلَاقُ تَحْرِيمٌ وَيَلْزَمُهُ وُجُوبُ التَّرْكِ وَالْعِتْقُ قُرْبَةٌ وَيَلْزَمُهُ التَّحْرِيمُ فَلَا تُعْتَبَرُ اللَّوَازِمُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْحَقَائِقُ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ وَبِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَالْمَبَاحِثِ يُتَّجَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ وَعَلَيْهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَتَأَمَّلْهُ فِي مَوَاطِنِهِ وَلَا أُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا بَلْ يَكْفِي مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] لِلتَّكْرَارِ بِنَاءً عَلَى النَّهْيِ وَلَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ بِنَاءً عَلَى الْخَبَرِ اللَّازِمِ بَلْ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَدُلُّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً فَقَطْ وَكَذَلِكَ النَّهْيُ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ بِتَرْكِهِ وَالْإِخْبَارُ عَنْ الْعِقَابِ عَلَى تَقْدِيرِ الْفِعْلِ وَلَا يُقَالُ هُوَ لِلْوُجُوبِ وَالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ بِنَاءً عَلَى الْأَمْرِ وَلَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ بِنَاءً عَلَى الْخَبَرِ فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ الطَّلَاقُ تَحْرِيمٌ وَيَلْزَمُهُ وُجُوبُ التَّرْكِ وَالْعِتْقُ قُرْبَةٌ وَيَلْزَمُهُ التَّحْرِيمُ فَلَا تُعْتَبَرُ اللَّوَازِمُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْحَقَائِقُ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَتَأَمَّلْ الْفَرْقَ وَبِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَالْمَبَاحِثِ يَتَّجِهُ الْفَرْقُ بَيْنَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ وَعَلَيْهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَتَأَمَّلْهُ فِي مَوَاطِنِهِ وَلَا أُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا بَلْ يَكْفِي مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ) قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُهُ مَا مِنْ أَمْرٍ إلَّا وَيَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهِ فَمُسَلَّمٌ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَالْخَبَرُ عَنْ الْعِقَابِ فِيهِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّرْكِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِالتَّقْدِيرِ مَا يَرْجِعُ إلَى الْبَارِي تَعَالَى أَوْ مَا يَرْجِعُ إلَيْنَا فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَهُوَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ تَقْدِيرُ أَمْرٍ مِنْ الْأُمُورِ بِالْمَعْنَى الَّذِي يُقَالُ ذَلِكَ فِي حَقِّنَا بَلْ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ إلَّا الْعِلْمُ بِوُجُودِ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَوْ بِعَدَمِهِ وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِي فَهُوَ مُحَالٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ إذَا كَانَ سَبَبُ قِيَامِ ذَلِكَ الْخَبَرِ بِذَاتِهِ تَعَالَى تَقْدِيرَنَا نَحْنُ ذَلِكَ الْأَمْرَ وَتَقْدِيرُنَا حَادِثٌ فَيَلْزَمُ حُدُوثُ ذَلِكَ الْخَبَرِ لِضَرُورَةِ سَبْقِ السَّبَبِ لِلْمُسَبِّبِ أَوْ مَعِيَّتِه. وَأَمَّا قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ الطَّلَاقُ تَحْرِيمٌ وَيَلْزَمُهُ وُجُوبُ التَّرْكِ وَالْعِتْقُ قُرْبَةٌ وَيَلْزَمُهُ التَّحْرِيمُ فَلَا تُعْتَبَرُ اللَّوَازِمُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْحَقَائِقُ مِنْ حَيْثُ هِيَ قُلْتُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ الطَّلَاقُ تَحْرِيمًا أَمَّا طَلَاقُ السُّنَّةِ فَلَيْسَ تَحْرِيمًا وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا هُوَ الْمُؤَبَّدُ أَمَّا غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ فَلَا وَنَقُولُ: لَيْسَ الطَّلَاقُ بِنَفْسِهِ تَحْرِيمًا وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ حَلٌّ لِعَقْدِ النِّكَاحِ وَحَلُّ عَقْدِ النِّكَاحِ يَسْتَلْزِمُ صَيْرُورَةَ الزَّوْجَةِ أَجْنَبِيَّةً وَصَيْرُورَتُهَا أَجْنَبِيَّةً يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَهَا كَمَا أَنَّ الْعِتْقَ رَفْعُ الْمِلْكِ عَنْ الْمَمْلُوكَةِ وَرَفْعُ الْمِلْكِ يُصَيِّرُهَا أَجْنَبِيَّةً مَالِكَةً لِنَفْسِهَا وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَحْرِيمُهَا فَلَا فَرْقَ وَبِالْجُمْلَةِ فَكَلَامُهُ فِي هَذَا الْفَرْق لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا الْوَاضِحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَمْ يَفْسُقْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ إذَا فُرِضَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِمَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ مَعَهُمَا مَا يَقْتَضِي التَّأَذِّي الْعَظِيمَ لِغِنَاهُمَا مَثَلًا لَمْ يَكُنْ كَبِيرَةً فَأَوْلَى بَقِيَّةُ الْأَقَارِبِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَمْ يَقْطَعْ عَنْ قَرِيبِهِ مَا أَلِفَهُ مِنْ الْإِحْسَانِ لَكِنَّهُ فَعَلَ مَعَهُ مُحَرَّمًا صَغِيرَةً أَوْ قَطَّبَ فِي وَجْهِهِ أَوْ لَمْ يَقُمْ إلَيْهِ فِي مَلَأٍ وَلَا عَبَأَ بِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِسْقًا بِخِلَافِهِ مَعَ أَحَدِ الْوَالِدَيْنِ لِأَنَّ تَأَكُّدَ حَقِّهِمَا اقْتَضَى أَنْ يَتَمَيَّزَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ بِمَا لَا يُوجَدُ نَظِيرُهُ فِيهِمْ وَعَلَى هَذَا الضَّابِطِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِحْسَانُ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْهُ قَرِيبٌ مَالًا أَوْ مُكَاتَبَةً أَوْ مُرَاسَلَةً أَوْ زِيَادَةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَطْعُ ذَلِكَ كُلِّهِ بَعْدَ فِعْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَبِيرَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْعُذْرِ فِي الْمَالِ فَقْدُ مَا كَانَ يَصِلُهُ بِهِ أَوْ تَجَدُّدُ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ وَأَنْ يَنْدُبَهُ الشَّارِعُ إلَى تَقْدِيمِ غَيْرِ الْقَرِيبِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْأَجْنَبِيِّ أَحْوَجَ وَأَصْلَحَ فَعَدَمُ الْإِحْسَانِ إلَيْهِ أَوْ تَقْدِيمُ الْأَجْنَبِيِّ عَلَيْهِ لِهَذَا الْقَدْرِ يَرْفَعُ عَنْهُ الْفِسْقَ. وَبِهِ انْقَطَعَ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَا أَلِفَهُ مِنْهُ الْقَرِيبُ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَاعَى أَمْرَ الشَّارِعِ بِتَقْدِيمِ الْأَجْنَبِيِّ عَلَى الْقَرِيبِ وَوَاضِحٌ أَنَّ الْقَرِيبَ لَوْ أَلِفَ مِنْهُ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنْ الْمَالِ يُعْطِيهِ إيَّاهُ كُلَّ سَنَةٍ مَثَلًا فَنَقَصَهُ لَا يَفْسُقُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَطَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَبِمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى تَمَامِ الْقَدْرِ الَّذِي أَلِفَهُ مِنْهُ بَلْ اللَّازِمُ لَهُ أَنْ لَا يَقْطَعَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ وَغَالِبُ النَّاسِ يَحْمِلُهُمْ شَفَقَةُ الْقَرَابَةِ وَرِعَايَةُ الرَّحِمِ عَلَى وَصْلَتِهَا لَمْ يَكُنْ فِي أَمْرِهِمْ بِمُدَاوَمَتِهِمْ عَلَى أَصْلِ مَا أَلِفُوهُ مِنْهُمْ تَنْفِيرٌ عَنْ فِعْلِهِ بَلْ حَثٌّ عَلَى دَوَامِ أَصْلِهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَالْمُرَادُ بِعُذْرِ تَرْكِ الْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يَثِقُ بِهِ فِي أَدَاءِ مَا يُرْسِلُهُ مَعَهُ وَأَمَّا عُذْرُ الزِّيَارَةِ فَيَنْبَغِي ضَبْطُهُ بِعُذْرِ الْجُمُعَةِ بِجَامِعٍ أَنَّ كُلًّا فَرْضُ عَيْنٍ وَتَرْكَهُ كَبِيرَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الزِّيَارَةَ الَّتِي أُلِفَتْ مِنْهُ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ لِعُذْرٍ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَتَأَمَّلْ جَمِيعَ مَا قَرَّرْتُهُ وَاسْتَفِدْهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ مَعَ عُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ وَكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى ضَبْطِهِ وَظَاهِرٌ أَنَّ الْأَوْلَادَ وَالْأَعْمَامَ مِنْ الْأَرْحَامِ وَكَذَا الْخَالَةُ فَيَأْتِي فِيهِمْ وَفِيهَا مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ قَطْعِهِمْ وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ وَإِنْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْخَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَأَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ إذْ يَكْفِي تَشَابُهُهُمَا فِي أَمْرٍ مَا كَالْحَضَانَةِ تَثْبُتُ لِلْخَالَةِ كَمَا ثَبَتَ لِلْأُمِّ. وَكَذَا الْمَحْرَمِيَّةُ وَتَأَكُّدُ الرِّعَايَةِ وَكَالْإِكْرَامِ فِي الْعَمِّ وَالْمَحْرَمِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا ذَكَرُوا وَأَمَّا إلْحَاقُهُمَا بِهِمَا فَإِنَّ عُقُوقَهُمَا

стр. 160

(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَقَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ) وَهَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا عَظِيمُ الْقَدْرِ جَلِيلُ الْخَطَرِ وَبِتَحْقِيقِهِ تَنْفَرِجُ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْإِشْكَالَاتِ وَتَرِدُ إشْكَالَاتٌ عَظِيمَةٌ أَيْضًا فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ وَسَأُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ فِي هَذَا الْفَرْقِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَحْرِيرُ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ مَعَ أَنَّ أَصْلَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَنْ لَا تُطْلَقَ إلَّا عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ لِأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْكُلْفَةِ، وَالْكُلْفَةُ لَمْ تُوجَدْ إلَّا فِيهِمَا لِأَجْلِ الْحَمْلِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ خَوْفَ الْعِقَابِ وَأَمَّا مَا عَدَاهُمَا فَالْمُكَلَّفُ فِي سَعَةٍ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فَلَا كُلْفَةَ حِينَئِذٍ غَيْرَ أَنَّ جَمَاعَةً يَتَوَسَّعُونَ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْجَمِيعِ تَغْلِيبًا لِلْبَعْضِ عَلَى الْبَعْضِ فَهَذَا خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ فَهُوَ خِطَابٌ بِنَصْبِ الْأَسْبَابِ كَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهَلَاكِ وَنَصْبِ الشُّرُوطِ كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ وَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ وَنَصْبِ الْمَوَانِعِ كَالْحَيْضِ مَانِعٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقَتْلِ مَانِعٌ مِنْ الْمِيرَاثِ وَنَصْبِ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ، أَوْ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ كَمَا نُقَدِّرُ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ بِالرَّدِّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ ثُبُوتِهَا قَبْلَ الرَّدِّ. وَنَقُولُ: ارْتَفَعَ الْعَقْدُ مِنْ أَصْلِهِ لَا مِنْ حِينِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ وَنُقَدِّرُ النَّجَاسَةَ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فِي صُوَرِ الضَّرُورَاتِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَوْضِعِ الْحَدَثِ فِي الْمَخْرَجَيْنِ وَنُقَدِّرُ وُجُودَ الْمِلْكِ لِمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي لِتَثْبُتَ لَهُ الْكَفَّارَةُ وَالْوَلَاءُ مَعَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَنُقَدِّرُ الْمِلْكَ فِي دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَطَأً قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى يَصِحَّ فِيهِ الْإِرْثُ فَهَاتَانِ مِنْ بَابِ إعْطَاءِ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ وَالْأُولَيَانِ مِنْ بَابِ إعْطَاءِ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَلَا يَكَادُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ يَنْفَكُّ عَنْ التَّقْدِيرِ وَقَدْ بَسَطْت ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْأُمْنِيَةِ فِي إدْرَاكِ النِّيَّةِ حَيْثُ تَكَلَّمْت فِيهَا عَلَى رَفْضِ النِّيَّةِ وَرَفْعِهَا بَعْدَ وُقُوعِهَا مَعَ أَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ مُحَالٌ عَقْلًا وَالشَّرْعُ لَا يُرَدُّ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَحَرَّرْت التَّقَادِيرَ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ هُنَالِكَ فَهَذَا هُوَ تَصْوِيرُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ بِخِلَافِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهِ فَلِذَلِكَ نُوَرِّثُ بِالْإِنْسَابِ مَنْ لَا يُعْلَمُ نَسَبُهُ وَيَدْخُلُ الْعَبْدُ الْمَوْرُوثُ فِي مِلْكِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ وَعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ وَيُطْلَقُ بِالْإِضْرَارِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَقَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا هُوَ تَصْوِيرُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَخِطَابِ الْوَضْعِ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ وَنُقَدِّرُ وُجُودَ الْمِلْكِ لِمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي لِتَثْبُتَ لَهُ الْكَفَّارَةُ وَالْوَلَاءُ مَعَ أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ وَنُقَدِّرُ الْمِلْكَ فِي دِيَةِ الْمَقْتُولِ خَطَأً قَبْلَ مَوْتِهِ حَتَّى يَصِحَّ فِيهَا الْإِرْثُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا. قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتِهِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَعُقُوقِهِمَا فَهُوَ وَإِنْ قَالَ بِهِ الزَّرْكَشِيُّ إلَّا أَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُصَرَّحٍ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مُنَافٍ لِكَلَامِ أَئِمَّتِنَا فَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ بَلْ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ أَنَّ الْوَالِدَيْنِ اخْتَصَّا مِنْ الرِّعَايَةِ وَالِاحْتِرَامِ وَالطَّوْعِيَّةِ وَالْإِحْسَانِ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ جِدًّا وَغَايَةٍ رَفِيعَةٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يُكْتَفَى فِي عُقُوقِهِمَا وَكَوْنِهِ فِسْقًا بِمَا لَا يُكْتَفَى بِهِ فِي عُقُوقِ غَيْرِهِمَا انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَطْعَ الْمُكَلَّفِ مَا أَلِفَهُ الْأَجْنَبِيُّ مِنْهُ مِمَّا ذُكِرَ بِلَا عُذْرٍ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً فَظَهَرَ الْفَرْقُ وَأَنَّ كُلَّ مَا وَجَبَ لِلْأَجْنَبِيِّ وَجَبَ لِذَوِي الرَّحِمِ وَكُلَّ مَا وَجَبَ لِذَوِي الرَّحِمِ مِنْ غَيْرِ الْأَبَوَيْنِ وَجَبَ لِلْأَبَوَيْنِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ لُغَوِيٍّ فِيهِمَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى. ٢ - (وَصْلٌ) فِي تَحْقِيقِ فِقْهِ هَذَا الْفَرْقِ بِعَشْرِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي مُخْتَصَرِ الْجَامِعِ قِيلَ لِمَالِكٍ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لِي وَالِدَةٌ وَأُخْتٌ وَزَوْجَةٌ فَكُلَّمَا رَأَتْ لِي شَيْئًا قَالَتْ أَعْطِ هَذَا لِأُخْتِك فَإِنْ مَنَعْتُهَا ذَلِكَ سَبَّتْنِي وَدَعَتْ عَلَيَّ قَالَ لَهُ مَالِكٌ مَا أَرَى أَنْ تُغَايِظَهَا وَتَخْلُصَ مِنْهَا أَيْ مِنْ سَخَطِهَا بِمَا قَدَرْت عَلَيْهِ. ٢ - (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي مُخْتَصَرِ الْجَامِعِ أَيْضًا قَالَ: رَجُلٌ لِمَالِكٍ وَالِدِي فِي بَلَدِ السُّودَانِ كَتَبَ إلَيَّ أَنْ أَقْدُمَ عَلَيْهِ وَأُمِّي تَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ أَطِعْ أَبَاك وَلَا تَعْصِ أُمَّك يَعْنِي أَنَّهُ يُبَالِغُ فِي رِضَا أُمِّهِ بِسَفَرِهِ لِوَالِدِهِ وَلَوْ بِأَخْذِهَا مَعَهُ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ طَاعَةِ أَبِيهِ وَعَدَمِ عِصْيَانِ أُمِّهِ وَرُوِيَ أَنَّ اللَّيْثَ أَمَرَهُ بِإِطَاعَةِ الْأُمِّ لِأَنَّ لَهَا ثُلُثَيْ الْبِرِّ كَمَا حَكَى الْبَاجِيَّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ لَهَا حَقٌّ عَلَى زَوْجِهَا فَأَفْتَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ابْنَهَا بِأَنْ يَتَوَكَّلَ لَهَا عَلَى أَبِيهِ فَكَانَ يُحَاكِمُهُ وَيُخَاصِمُهُ فِي الْمَجَالِسِ تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْأُمِّ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: لِأَنَّهُ عُقُوقٌ لِلْأَبِ وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ بِرَّهُ أَقَلُّ مِنْ بِرِّ الْأُمِّ لَا أَنَّ الْأَبَ يُعَقُّ وَذَلِكَ الْحَدِيثُ هُوَ أَنَّ «رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: أُمُّك قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوك ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ» وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ الْمَسَائِلِ فَتَرَقَّبْ. ٢ - (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ: فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذَا مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْحَجِّ لَا يَحُجُّ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا الْفَرِيضَةَ فَنَصَّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَتِهِمَا فِي النَّافِلَةِ وَقَالَ: فِي الْمَجْمُوعَةِ يُوَافِقُهُمَا فِي حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ الْعَامَ وَالْعَامَيْنِ أَيْ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ

стр. 161

وَالْإِعْسَارِ اللَّذَيْنِ هُمَا مَعْجُوزٌ عَنْهُمَا وَيَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ الْمَغْفُولُ عَنْهُ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّ مَعْنَى خِطَابِ الْوَضْعِ قَوْلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ كَذَا فَقَدْ وَجَبَ كَذَا أَوْ حَرُمَ كَذَا أَوْ نُدِبَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ هَذَا فِي السَّبَبِ أَوْ يَقُولُ عُدِمَ كَذَا فِي وُجُودِ الْمَانِعِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ. وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ الشَّرْعِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ قَاعِدَتَيْنِ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الْأَسْبَابُ الَّتِي هِيَ أَسْبَابٌ لِلْعُقُوبَاتِ وَهِيَ جِنَايَاتٌ كَالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْقَصْدُ فَلِذَلِكَ لَا قِصَاصَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَالزَّانِي أَيْضًا وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْمُكْرَهِ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ أَجْنَبِيَّةٌ بَلْ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُهَا خَلًّا لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ جِنَايَاتٌ وَأَسْبَابٌ لِلْعُقُوبَاتِ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقَصْدُ وَالْقُدْرَةُ وَالسِّرُّ فِي اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَنَّ رَحْمَةَ صَاحِبِ الشَّرْعِ تَأْبَى عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْفَسَادَ وَلَا يَسْعَى فِيهِ بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ قَلْبُهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعِفَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَاقِبُهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ رَحْمَةً وَلُطْفًا. الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَاشْتُرِطَ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ قَاعِدَةُ أَسْبَابِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَالْجَعَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ سَبَبُ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ فَمَنْ بَاعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَوْ هَذَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فِي وُجُودِ الْمَانِعِ أَوْ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ الشَّرْعِ مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ قَاعِدَتَيْنِ فِي الشَّرِيعَةِ الْقَاعِدَةُ الْأُولَى الْأَسْبَابُ الَّتِي هِيَ أَسْبَابٌ لِلْعُقُوبَاتِ وَهِيَ جِنَايَةٌ كَالْقَتْلِ لِلْقِصَاصِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ وَالْقَصْدُ فَلِذَلِكَ لَا قِصَاصَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَالزِّنَى أَيْضًا وَلِذَلِكَ لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى الْمُكْرَهِ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ أَجْنَبِيَّةٌ بَلْ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ مَنْ شَرِبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُهَا خَلًّا لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَسْبَابِ الَّتِي هِيَ جِنَايَاتٌ وَأَسْبَابٌ لِلْعُقُوبَاتِ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقَصْدُ وَالْقُدْرَةُ وَالسِّرُّ فِي اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَنَّ رَحْمَةَ صَاحِبِ الشَّرْعِ تَأْبَى عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ الْفَسَادَ وَلَا يَسْعَى بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بَلْ قَلْبُهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعِفَّةِ وَالطَّاعَةِ وَالْإِنَابَةِ فَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَاقِبُهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ رَحْمَةً وَلُطْفًا) . قُلْت لَيْسَ ذَلِكَ بِاسْتِثْنَاءٍ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَكِنَّهُ ازْدَوَجَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَالْوَضْعِ فَلَحِقَهَا اشْتِرَاطُ الْعَقْلِ وَمَا مَعَهُ مِنْ جِهَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَا مِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ التَّكْلِيفُ مَعَ عَدَمِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ فَيَرْتَفِعُ خِطَابُ الْوَضْعِ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي اُسْتُثْنِيَتْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَاشْتُرِطَ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ قَاعِدَةُ أَسْبَابِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ إلَى آخِرِ الْقَاعِدَةِ) قُلْت وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَيْضًا لَيْسَتْ بِمُسْتَثْنَاةٍ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَكِنْ ازْدَوَجَ فِيهَا الْخِطَابَانِ أَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِالتَّرَاخِي وَقَالَ الْأَصْحَابُ: لَا يَعْصِيهِمَا فِي الْخُرُوجِ لِلْغَزْوِ وَإِلَّا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِمُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ أَوْ يُنْذِرَهُ فَيُؤَخِّرَ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فَإِنْ أَذِنَا لَهُ وَإِلَّا خَرَجَ. ٢ - (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ: الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الْوَالِدَيْنِ وَاجِبَةٌ فِي الشُّبُهَاتِ دُونَ الْحَرَامِ لِأَنَّ تَرْكَ الشُّبْهَةِ مَنْدُوبٌ وَتَرْكَ طَاعَتِهِمَا حَرَامٌ وَالْحَرَامُ أَيْ تَرْكُهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَنْدُوبِ أَيْ فِعْلِهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَهُمَا إنْ كَرِهَا انْفِرَادَهُ عَنْهُمَا أَيْ وَإِنْ كَانَ أَكْلُهُ مَعَهُمَا شُبْهَةً لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - بَعْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] يُرِيدُ الْبِرَّ بِهِمَا مَعَ اللُّطْفِ وَلِينِ الْجَانِبِ فَلَا يُغْلِظُ لَهُمَا فِي الْجَوَابِ وَلَا يُحِدُّ النَّظَرَ إلَيْهِمَا وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِمَا بَلْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِمَا مِثْلَ الْعَبْدِ بَيْنَ يَدَيْ السَّيِّدِ تَذَلُّلًا لَهُمَا اهـ وَلَا يُسَافِرُ فِي مُبَاحٍ وَلَا نَافِلَةٍ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَلَا يُبَادِرُ لِحَجِّ الْإِسْلَامِ وَلَا يَخْرُجُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا إلَّا عِلْمًا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنٌ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَلَدِهِ مَنْ يُعَلِّمُهُ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ وَرُوِيَ فِي الْبُخَارِيِّ قَالَ الْحَسَنُ: إذَا مَنَعَتْهُ أُمُّهُ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ شَفَقَةً عَلَيْهِ فَلْيَعْصِهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ فِي كِتَابِ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ لَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي تَرْكِ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ كَحُضُورِ الْجَمَاعَاتِ وَتَرْكِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْوَتْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إذَا سَأَلَاهُ تَرْكَ ذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَيَاهُ لِأَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمَا وَإِنْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) أَعْظَمُ دَلِيلٍ وَأَبْلَغُهُ فِي أَمْرِ الْوَالِدَيْنِ مَا فِي مُسْلِمٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ قَالَ: هَلْ مِنْ وَالِدَيْك أَحَدٌ حَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ كِلَاهُمَا قَالَ: فَتَبْتَغِي الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَارْجِعْ إلَى وَالِدَيْك فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا» فَإِنَّهُ ﵊ أَمَرَهُ بِالْأَفْضَلِ فِي حَقِّهِ وَهُوَ الْكَوْنُ مَعَهُمَا رَتَّبَهُ عَلَى مُجَرَّدِ وَصْفِ الْأُبُوَّةِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَمْرِهِمَا وَعِصْيَانِهِمَا وَحَاجَتِهِمَا لِلْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِبِرِّهِمَا بَلْ قَدَّمَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صُحْبَتَهُمَا مَعَ مُجَرَّدِ وَصْفِ الْأُبُوَّةِ عَلَى صُحْبَتِهِ ﵊ وَخِدْمَتَهُمَا مَعَ ذَلِكَ عَلَى الْجِهَادِ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا سِيَّمَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْجِهَادِ فَرْضَ كِفَايَةٍ يَحْمِلُهُ الْحَاضِرُونَ عِنْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ فَيَنْدَرِجُ فِي هَذَا الْمَسْلَكِ غَسْلُ الْمَوْتَى وَمُوَارَاتُهُمْ وَجَمِيعُ

стр. 162

التَّصَرُّفَ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا أَوْ طَارِئًا عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ مَعَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ فَبَاعَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَقُدْرَتِهِ النَّاشِئَةِ عَنْ دَاعِيَتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ لَا يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ مَعَهُ وَسِرُّ اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ قَوْلُهُ ﵇ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» وَلَا يَحْصُلُ الرِّضَا إلَّا مَعَ الشُّعُورِ وَالْإِرَادَةِ وَالْمُكْنَةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْعِلْمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَقَرَّرَ شَرْطُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ دُونَ خِطَابِ الْوَضْعِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ فَأَزِيدُهُ بَيَانًا بِذِكْرِ ثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اعْلَمْ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ أَمَّا اجْتِمَاعُهُمَا فَكَالزِّنَى فَإِنَّهُ حَرَامٌ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ وَسَبَبٌ لِلْحَدِّ وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ خِطَابُ وَضْعٍ وَالسَّرِقَةُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ خِطَابُ تَكْلِيفٍ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ خِطَابُ وَضْعٍ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْجِنَايَاتِ مُحَرَّمَةٌ وَهِيَ أَسْبَابُ الْعُقُوبَاتِ وَالْبَيْعُ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ حَرَامٌ عَلَى قَدْرِ مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي صُوَرِهِ عَلَى مَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ خِطَابُ تَكْلِيفٍ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ سَبَبُ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ الْجَائِزِ أَوْ التَّقْدِيرِ فِي الْمَمْنُوعِ هُوَ خِطَابُ وَضْعٍ وَبَقِيَّةُ الْعُقُودِ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ وَأَمَّا انْفِرَادُ خِطَابِ الْوَضْعِ فَكَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَدَوَرَانِ الْحَوْلِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ وَلَا إذْنٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ فِي أَثْنَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا فَقَطْ وَأَمَّا خِطَابُ التَّكْلِيفِ بِدُونِ خِطَابِ الْوَضْعِ فَكَأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُحَرَّمَاتِ كَإِيقَاعِ الصَّلَوَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ فَهَذِهِ مِنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] خِطَابُ التَّكْلِيفِ فَمِنْ جِهَةِ إبَاحَةِ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ لَكِنَّهَا لَمْ تُبِحْ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَالِاخْتِيَارِ وَالرُّشْدِ فَإِذَا وَقَعَتْ عَارِيَّةً غَيْرَ مُصَاحِبَةٍ لِتِلْكَ الْأَوْصَافِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي إبَاحَةِ التَّصَرُّفِ لَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا مُسَبَّبَاتُهَا مِنْ وُجُوهِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ وَمَا مَعَهُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ مُنَاسِبٌ وَمُطَّرِدٌ وَاشْتِرَاطَ ذَلِكَ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ غَيْرُ مُنَاسِبٍ وَلَا مُطَّرِدٍ أَمَّا مُنَاسَبَةُ الِاشْتِرَاطِ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ حُصُولُ الْمُكَلَّفِ بِهِ مِنْ الْمُكَلَّفِ مَعَ عَدَمِ تِلْكَ الشُّرُوطِ فَلَا تَقُومُ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ ذَلِكَ وَأَمَّا اطِّرَادُهُ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا عَدَمُ مُنَاسَبَةِ الِاشْتِرَاطِ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ إلَّا أَنَّ الشَّارِعَ رَبَطَ هَذَا الْحُكْمَ بِهَذَا الْأَمْرِ أَوْ بِعَدَمِهِ وَذَلِكَ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَذُّرًا مِنْ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِعْلِهِ وَلَا مِنْ كَسْبِهِ وَأَمَّا عَدَمُ اطِّرَادِهِ فَوَاضِحٌ كَمَا فِي زَوَالِ الشَّمْسِ مَثَلًا وَفِي كُلِّ سَبَبٍ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ. قَالَ (إذَا تَقَرَّرَ هَذَا تَقَرَّرَ شَرْطُ خِطَابِ التَّكْلِيفِ دُونَ خِطَابِ الْوَضْعِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ فَأَزِيدُهُ بَيَانًا بِذِكْرِ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى اعْلَمْ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَقَدْ يَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهَا صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إذَا وُجِدَ مَنْ يَقُومُ بِهَا وَيَكُونُ تَقْدِيمُ خِدْمَتِهِمَا عَلَى النَّفْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنْ لَمْ تَفُتْ بِتَرْكِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ مَصْلَحَةً وَمَصْلَحَةُ ذَلِكَ النَّفْلِ تَفُوتُ بِتَرْكِهِ نَظَرًا لِكَوْنِ مَصْلَحَةِ النَّفْلِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ إلَّا مُجَرَّدَ الثَّوَابِ وَكَذَا مَصْلَحَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ زَائِدٌ فِي الْعَدَدِ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنَّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَعْظَمُ فَتَتَحَقَّقُ الْأَوْلَوِيَّةُ بَلْ عَلَى الْمَنْدُوبَاتِ الْمُتَأَكِّدَةِ نَعَمْ هَذَا حَيْثُ لَمْ يُشْرَعْ فِي النَّافِلَةِ وَالْمَنْدُوبَاتِ الْمُتَأَكِّدَةِ وَفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فَلَا تَجِبُ طَاعَةُ الْوَالِدَيْنِ فِي قَطْعِ ذَلِكَ. إذْ النَّافِلَةُ وَالْمَنْدُوبَاتُ الْمُتَأَكِّدَةُ مِمَّا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ السَّادَةِ الْأَحْنَافِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَكَذَا فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ بِالشُّرُوعِ فِيهِ عَلَى الْأَصَحِّ حَتَّى طَلَبِ الْعِلْمِ لِمَنْ ظَهَرَتْ فِيهِ قَابِلِيَّةٌ مِنْ نَجَابَةٍ قَالَهُ سَحْنُونٌ خِلَافُ مَا عِنْدَ الْمَحَلِّيِّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ حَمْدُونٍ عَلَى شَرْحِ مَيَّارَةَ الصَّغِيرِ عَلَى ابْنِ عَاشِرٍ وَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ يُصَلِّي قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي قَالَ: فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلَاتِي فَقَالَتْ اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ فِي وَجْهِ الْمَيامِيسِ وَكَانَتْ تَأْتِي إلَى صَوْمَعَتِهِ رَاعِيَةٌ تَرْعَى الْغَنَمَ فَوَلَدَتْ فَقِيلَ لَهَا: مِمَّنْ هَذَا الْوَلَدُ؟ فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ فَوَاقَعَنِي» وَسَاقَ الْحَدِيثَ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمِّ فِي قَطْعِ النَّافِلَةِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ وَاجِبَةً بِالشُّرُوعِ أَوْ يُقَالُ مَا وَجَبَ بِالشُّرُوعِ يُقْطَعُ لِلْأَبَوَيْنِ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ بِالْأَصَالَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ مُبَاحًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا كَانَ فِي أَوَّلِ شَرْعِنَا وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ جُرَيْجٌ قَدْ عَصَى بِتَرْكِ طَاعَتِهَا فِي أَمْرٍ مُبَاحٍ أَوْ مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَهُوَ الصَّمْتُ حِينَئِذٍ فَلِذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ فَقِيهًا لَعَلِمَ أَنَّ إجَابَةَ أُمِّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ» عَلَى أَنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرًا إذْ لَيْسَ فِيهِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَهَا فِيهِ وَاسْتِجَابَةُ الدُّعَاءِ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لِوُجُوبِ حَقِّ الدَّاعِي وَأَنَّهُ مَظْلُومٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي كِتَابِ الْمُنْجِيَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ فِي فِقْهِ الْأَدْعِيَةِ أَنَّ دُعَاءَ الظَّالِمِ قَدْ يُسْتَجَابُ فِي الْمَظْلُومِ وَيَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَهُ سَبَبًا لِضَرَرٍ يَحْصُلُ لِلْمَظْلُومِ لِأَجْلِ ذَنْبٍ تَقَدَّمَ مِنْ الْمَظْلُومِ وَعِصْيَانِهِ لِلَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ طَرِيقِ هَذَا الدَّاعِي كَمَا أَنَّ

стр. 163

خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَمْ يَجْعَلْهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ سَبَبًا لِفِعْلٍ آخَرَ نُؤْمَرُ بِهِ أَوْ نُنْهَى عَنْهُ بَلْ وُقِفَ الْحَالُ عِنْدَ أَدَائِهَا وَتَرَتُّبِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الشَّرْعِ قَدْ جَعَلَهَا سَبَبًا لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَتَرْتِيبِ الثَّوَابِ وَدَرْءِ الْعِقَابِ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أَفْعَالًا لِلْمُكَلَّفِ وَنَحْنُ لَا نَعْنِي بِكَوْنِ الشَّيْءِ سَبَبًا إلَّا كَوْنَهُ وُضِعَ سَبَبًا لِفِعْلٍ مِنْ قِبَلِ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا وَجْهُ اجْتِمَاعِهِمَا وَافْتِرَاقِهِمَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الصَّبِيُّ إذَا أَفْسَدَ مَالًا لِغَيْرِهِ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ إخْرَاجُ الْجَابِرِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ فَالْإِتْلَافُ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ وَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَلَمْ تَكُنْ الْقِيمَةُ أُخِذَتْ مِنْ مَالِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالِهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ السَّبَبُ فِي زَمَنِ الصِّغَرِ وَتَأَخَّرَ أَثَرُهُ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَنْعَقِدَ بَيْعُهُ وَنِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ فَإِنَّهَا أَسْبَابٌ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْلِيفُ وَلَا الْعِلْمُ وَلَا الْإِرَادَةُ فَيَنْعَقِدُ مِنْ الصِّبْيَانِ الْعَالِمِينَ الرَّاضِينَ بِانْتِقَالِ أَمْلَاكِهِمْ وَتَتَأَخَّرُ الْأَحْكَامُ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ فَيُقْضَى حِينَئِذٍ بِالتَّحْرِيمِ فِي الزَّوْجَةِ فِي الطَّلَاقِ كَمَا تَأَخَّرَ الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَوُجُوبُ دَفْعِ الْقِيمَةِ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ وَكَذَلِكَ يَتَأَخَّرُ لُزُومُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى بَعْدَ الْبُلُوغِ وَبَقِيَّةُ الْآثَارِ كَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى الضَّمَانِ وَلَمْ أَرَ أَحَدٌ قَالَ بِهِ (وَالْجَوَابُ) بِذِكْرِ الْفَرْقِ بَيْنَ الضَّمَانِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ وَجْهَيْنِ (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ يُشْتَرَطُ فِيهَا الرِّضَا لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاءُ قَاعِدَةِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ مِنْ قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الرِّضَا وَالطَّلَاقُ فِيهِ إسْقَاطُ عِصْمَةٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَمْلَاكِ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ أَيْضًا هُوَ إسْقَاطُ مِلْكٍ فَاشْتُرِطَ فِيهِ الرِّضَا وَلَمَّا كَانَ الصَّبِيُّ غَيْرَ عَالِمٍ بِالْمَصَالِحِ لِنُقْصَانِ عَقْلِهِ وَعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بِهَا جَعَلَ الشَّرْعُ رِضَاهُ كَعَدَمِهِ وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَهُوَ غَيْرُ رَاضٍ وَغَيْرُ الرَّاضِي لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَلَا بَيْعٌ فَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ بِخِلَافِ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافَاتِ لَا أَثَرَ لِلرِّضَى فِيهَا أَلْبَتَّةَ فَاعْتُبِرَتْ مِنْهُ (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ أَثَرَ الطَّلَاقِ التَّحْرِيمُ وَهُوَ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ وَأَثَرَ الْبَيْعِ إلْزَامُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّكْلِيفِ بِالتَّحْرِيمِ وَالْإِلْزَامِ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا تَتَأَخَّرُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ كَمَا تَأَخَّرَ إلْزَامُ دَفْعِ الْقِيمَةِ قُلْت الْفَرْقُ أَنَّ تَأَخُّرَ الْمُسَبَّبَاتِ عَنْ أَسْبَابِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا خَالَفْنَا هَذَا الْأَصْلَ فِي الْإِتْلَافِ لِضَرُورَةِ حَقِّ الْآدَمِيِّ فِي جَبْرِ مَالِهِ لِئَلَّا يَذْهَبَ مَجَّانًا فَتَضِيعَ الظُّلَامَةُ وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ عَظِيمَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُونَا لِتَقْدِيمِ الطَّلَاقِ وَتَأْخِيرِ التَّحْرِيمِ بَلْ إذَا أَسْقَطْنَا الطَّلَاقَ وَاسْتَصْحَبْنَا الْعِصْمَةَ لَمْ يَلْزَمْ فَسَادٌ وَلَا تَفُوتُ ضَرُورَةٌ وَكَذَلِكَ إذَا أَبْقَيْنَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الصَّبِيُّ إذَا أَفْسَدَ مَالًا لِغَيْرِهِ وَجَبَ عَلَى وَلِيِّهِ إخْرَاجُ الْجَابِرِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ إلَخْ) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهَا صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ قَدْ تَقَدَّمَ اسْتِثْنَاءُ قَاعِدَةِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ مِنْ قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ قَدْ سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَى مَا فِيهِ وَإِنَّمَا لَمْ تَصِحَّ تِلْكَ الْأُمُورُ مِنْ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا اعْتِبَارُ الْمَصَالِحِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ظُلْمَ هَذَا الظَّالِمِ ابْتِدَاءً يَكُونُ بِسَبَبِ ذُنُوبٍ تَقَدَّمَتْ لِلْمَظْلُومِ وَيَكُونُ الظَّالِمُ سَبَبَ وُصُولِ الْعُقُوبَةِ إلَيْهِ فَكَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ دُعَاءَهُ سَبَبَ نِقْمَتِهِ وَجَعَلَ يَدَهُ وَلِسَانَهُ سَبَبَيْ نِقْمَتِهِ وَالْكُلُّ بِذُنُوبٍ سَالِفَةٍ لِلْمَظْلُومِ فَلَا يُسْتَبْعَدُ إجَابَةُ دُعَاءِ الظَّالِمِ فِي الْمَظْلُومِ. وَإِنَّمَا كَانَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ إنَّمَا يُسْتَجَابُ بِسَبَبِ حَقِّ الظَّالِمِ وَالظَّالِمُ لَيْسَ لَهُ حَقٌّ فَلَا يُسْتَجَابُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يُسْتَجَابُ بِسَبَبِ حُقُوقٍ لِغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] نَعَمْ يَدُلُّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أُمُورٍ: الْأَوَّلُ مَنْعُ السَّفَرِ الْمُبَاحِ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَذَلِكَ أَنَّ الْمَيامِيسَ الزَّوَانِي جَمْعُ زَانِيَةٍ فَلَمَّا مَنَعَ أُمَّهُ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهِ مُحْتَجًّا بِالصَّلَاةِ دَعَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَنْظُرَ إلَى وُجُوهِ الزَّوَانِي عُقُوبَةً عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ النَّظَرِ إلَى وَجْهِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ غَيْبَةَ الْوَجْهِ فِي السَّفَرِ أَعْظَمُ. الثَّانِي وُجُوبُ طَاعَتِهِمَا فِي النَّوَافِلِ. الثَّالِثُ أَنَّ الْعُقُوقَ يُؤَاخَذُ بِهِ الْإِنْسَانُ وَإِنْ عَظُمَ قَدْرُهُ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ لِأَنَّ جُرَيْجًا كَانَ مِنْ أَعْبَدْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَخُرِقَتْ لَهُ الْعَادَاتُ وَظَهَرَتْ لَهُ الْكَرَامَاتُ فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِهِ إذَا عَقَّ وَالِدَيْهِ. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَصْلِ الْعُقُوقِ فَإِنَّهُ إذَا حَرُمَ هَذَا الْقَوْلُ حَرُمَ مَا فَوْقَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: ١٥] يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ أَحَدُهَا مُخَالَفَتُهُمَا فِي الْوَاجِبَاتِ وَالثَّانِي وُجُوبُ بِرِّهِمَا وَحُرْمَةُ عُقُوقِهِمَا وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالشِّرْكِ إلَّا كَافِرٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَتْ الْآيَةُ بِوُجُوبِ بِرِّهِمَا وَالثَّالِثُ أَنَّ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِمَا بِالْمَعَاصِي وَاجِبَةٌ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» . (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) قَوْلُ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ أَمَّا مُخَالَفَتُهُمَا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَإِنْ كَانَ فِي بَلَدِهِ يَجِدُ مُدَارَسَةَ الْمَسَائِلِ وَالتَّفَقُّهَ عَلَى طَرِيقِ التَّقْلِيدِ وَحِفْظَ نُصُوصِ الْعُلَمَاءِ فَأَرَادَ أَنْ يَظْعَنَ إلَى بَلَدٍ آخَرَ فَيَتَفَقَّهُ فِيهِ عَلَى مِثْلِ طَرِيقَتِهِ لَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا لِأَنَّ خُرُوجَهُ إذَايَةُ لَهُمَا بِغَيْرِ فَائِدَةٍ وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ لِلتَّفَقُّهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَمَوَاضِعِ الْخِلَافِ وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ فَإِنْ وَجَدَ فِي بَلَدِهِ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِلَّا خَرَجَ وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ

стр. 164

الْمِلْكَ فِي الْمَبِيعِ لِلصَّبِيِّ كُنَّا مُوَافِقِينَ لِلْأَصْلِ وَلَا يَلْزَمُ مَحْذُورٌ أَلْبَتَّةَ أَمَّا لَوْ أَسْقَطْنَا إتْلَافَهُ وَلَمْ نَعْتَبِرْهُ لَضَاعَ مَالُ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَتَلِفَ وَتَعَيَّنَ ضَرَرُهُ وَهَذَا فَرْقٌ كَبِيرٌ فَتَأَمَّلْهُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الطَّهَارَةُ وَالسِّتَارَةُ وَاسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَاةِ فَتَاوَى عُلَمَائِنَا مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاسْتَتَرَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ جَاءَ الْوَقْتُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ وَصَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَدِّدَ فِعْلًا أَلْبَتَّةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَفِعْلُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ فَإِنَّ الْوُجُوبَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إنَّمَا يَقَعُ تَبَعًا لِطَرَءَانِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الزَّوَالُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ فَقَبْلَ سَبَبِ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبَ وَإِذَا عُدِمَ الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ اتَّجَهَ الْإِشْكَالُ مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَإِنْ عُلِمَ الْوَاجِبُ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِفِعْلٍ يُفْعَلُ لَا بِغَيْرِ فِعْلٍ أَلْبَتَّةَ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوَاعِد الشَّرْعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الطَّهَارَةُ وَالسِّتَارَةُ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْفَتَاوَى مُتَظَافِرَةٌ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَعَ أَنَّ الْمُكَلَّفَ لَوْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَاسْتَتَرَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ثُمَّ جَاءَ الْوَقْتُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ صَلَّى مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجَدِّدَ فِعْلًا أَلْبَتَّةَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا وَفِعْلُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوَاعِد الشَّرْعِ) قُلْت قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لَا يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ مَمْنُوعٌ بَلْ يُوصَفُ بِالْوُجُوبِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ مِنْ الْوَاجِبِ الْمُوسَعِ وَقَوْلُهُ فَلِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ إنَّمَا يُقْلَعُ تَبَعًا لِطَرَيَانِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الزَّوَالُ وَنَحْوُهُ مِنْ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْوُجُوبُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ تَبَعًا لِطَرَيَانِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ بَلْ يَقَعُ تَبَعًا لِطَرَيَانِ الْعَزْمِ عَلَى التَّهَيُّؤِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ وَوَقْتُ طَرَيَان هَذَا الْعَزْمِ مَا بَيْنَ أَقْرَبِ حَدَثٍ يُحْدِثُهُ الْمَرْءُ وَإِيقَاعِ الصَّلَاةِ وَدَلِيلُ صِحَّةِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إجْزَاءِ الطَّهَارَةِ الْمُوقَعَةِ قَبْلَ الْوَقْتِ مَعَ تَعَذُّرِ الْقَوْلِ بِإِجْزَاءِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَنْ الْوَاجِبِ وَمَعَ لُزُومِ نِيَّةِ الْوُجُوبِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ لَا يَجِبَ الشَّرْطُ إلَّا عِنْدَ وُجُوبِ الْمَشْرُوطِ وَهَذَا مِنْ الْعَادِيَاتِ بِمَثَابَةِ مَنْ يُعْلَمُ مِنْ عَادَتِهِ اضْطِرَارُهُ إلَى الْغِذَاءِ فِي وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَمِنْ شَرْطِ الْغِذَاءِ الَّذِي يَتَغَذَّى بِهِ طَبْخُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّبْخِ الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ عَلَى وَقْتِ الِاغْتِذَاءِ ثُمَّ لَا يَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ الطَّبْخِ الزَّمَنُ الْمُجَاوِرُ لِزَمَنِ الِاغْتِذَاءِ بَلْ لَهُ تَقْدِيمُ الطَّبْخِ وَالِاسْتِعْدَادُ بِهِ مِنْ حِينِ طُرُوءِ عَزْمِهِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ لِاسْتِوَاءِ حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ بِالِاغْتِذَاءِ بِالْقَرِيبِ الطَّبْخُ وَالْبَعِيدِ الطَّبْخُ وَهَذَا عَلَى تَقْدِيرِ اسْتِوَاءِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى حَالِ هَذَا الشَّخْصِ وَهَذَا الْغِذَاءِ قَالَ (فَقَبْلَ سَبَبِ الْوُجُوبِ لَا وُجُوبَ) قُلْت ذَلِكَ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَيْسَ سَبَبُ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْمُعَيَّنَةِ هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْمُعَيَّنَةِ بَلْ الْعَزْمُ عَلَى اسْتِبَاحَتِهَا بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِي مُغَايَرَةِ سَبَبِ الْمَشْرُوطِ سَبَبَ الشَّرْطِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ وَضْعِيَّةٌ تَقَعُ بِحَسْبِ قَصْدِ وَاضِعِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَإِذَا عُدِمَ الْوُجُوبُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ اُتُّجِهَ الْإِشْكَالُ مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ غَيْرَ الْوَاجِبِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِهِ إلَّا بِفِعْلٍ يُفْعَلُ لَا بِغَيْرِ فِعْلٍ أَلْبَتَّةَ فَهَذَا مُخَالِفٌ لِقَوَاعِد الشَّرْعِ) قُلْت ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قَالَ: سَحْنُونٌ مَنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ وَتَقْلِيدِ الْعُلُومِ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهُمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَمَنْ لَا يَعْرِفُ الْمَعْرُوفَ كَيْف يَأْمُرُ بِهِ أَوْ لَا يَعْرِفُ الْمُنْكَرَ كَيْف يَنْهَى عَنْهُ. اهـ. لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ مُخَالَفَتِهِمَا فِي الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ ضَرُورَةُ أَنَّ الْعِلْمَ وَضَبْطَ الشَّرِيعَةِ وَإِنْ كَانَ فَرْضَ كِفَايَةٍ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ لَهُ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ مَنْ جَادَ حِفْظُهُمْ وَرَقَّ فَهْمُهُمْ وَحَسُنَتْ سِيرَتُهُمْ وَطَابَتْ سَرِيرَتُهُمْ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ فَإِنَّ عَدِيمَ الْحِفْظِ أَوْ قَلِيلَهُ وَسَيِّئَ الْفَهْمِ لَا يَصْلُحُ لِضَبْطِ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَكَذَلِكَ مَنْ سَاءَتْ سَرِيرَتُهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْوُثُوقُ لِلْعَامَّةِ فَلَا تَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ التَّقْلِيدِ فَتَضِيعُ أَحْوَالُ النَّاسِ وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ مُتَعَيِّنَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ صَارَ طَلَبُ الْعِلْمِ عَلَيْهَا فَرْضَ عَيْنٍ لَا فَرْضَ كِفَايَةٍ إذْ لَا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهَا بِخِلَافِ الْجِهَادِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الرَّمْيِ بِالْحَجَرِ وَالضَّرْبِ بِالسَّيْفِ فَإِنَّ كُلَّ بَلِيدٍ أَوْ زَكِيٍّ يَصْلُحُ لَهُ لِسُهُولَةِ أَمْرِهِ وَصُعُوبَةِ ضَبْطِ الْعُلُومِ فَلَعَلَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ سَحْنُونٍ وَأَبِي بَكْرٍ. (الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى وُجُوبِ أَدَاءِ حَقِّ الْبِنْتِ فِي الْإِعْفَافِ وَالتَّصَوُّنِ وَدَفْعِ ضَرَرِ مُوَاقَعَةِ الشَّهْوَةِ

стр. 165

وَعِنْدَ تَوَجُّهِ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ اضْطَرَبَتْ أَجْوِبَةُ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَلَفَتْ أَفْكَارُهُمْ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَقُولُ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ وُجُوبًا مُوَسَّعًا قَبْلَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ وَالْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ وَيَقَعُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَاجِبًا فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي رَأَيْتهَا وَهُوَ لَا يَصِحُّ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوَسَّعَ فِي الشَّرِيعَةِ إنَّمَا عُهِدَ بَعْدَ طَرَءَانِ سَبَبِ الْوُجُوبِ أَمَّا وُجُوبٌ قَبْلَ سَبَبِهِ فَلَا يُعْقَلُ فِي الشَّرِيعَةِ لَا مُضَيَّقًا وَلَا مُوَسَّعًا وَأَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ نَصَبَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ أَسْبَابًا لِوُجُوبِهَا فَلَا تَجِبُ قَبْلَهَا وَلَا تَجِبُ شَرَائِطُهَا وَوَسَائِلُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ تَبَعٌ لِوُجُوبِ الْمَقَاصِدِ وَلِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بَعْدَ وُجُوبِ الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ أَمَّا قَبْلَ وُجُوبِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ هَذَا مَا عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَقَالَ غَيْرُهُ هَذِهِ الْأُمُورُ تَقَعُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَتُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ بِالْإِجْمَاعِ فَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ بِالْإِجْمَاعِ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] كُلُّ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ لَازِمٌ عَلَى تَقْدِيرِ لُزُومِ اتِّحَادِ سَبَبِ وُجُوبِ الشَّرْطِ وَالْمَشْرُوطِ أَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ لُزُومِ ذَلِكَ فَلَا قَالَ (وَعِنْدَ تَوَجُّهِ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ اضْطَرَبَتْ أَجْوِبَةُ الْفُقَهَاءِ وَاخْتَلَفَتْ أَفْكَارُهُمْ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَقُولُ الْوُضُوءُ وَاجِبٌ وُجُوبًا مُوَسَّعًا قَبْلَ الْوَقْتِ وَفِي الْوَقْتِ وَالْوَاجِبُ الْمُوَسَّعُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ وَتَأْخِيرُهُ وَيَقَعُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَاجِبًا فَمَا أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَّا وَاجِبٌ) قُلْت مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (وَهَذَا أَحْسَنُ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي رَأَيْتهَا وَهُوَ لَا يَصِحُّ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَاجِبَ الْمُوسَعَ فِي الشَّرِيعَةِ إنَّمَا عُهِدَ بَعْدَ طَرَيَان سَبَبِ الْوُجُوبِ، أَمَّا وُجُوبٌ قَبْلَ سَبَبِهِ فَلَا يُعْقَلُ فِي الشَّرِيعَةِ لَا مُضَيَّقًا وَلَا مُوَسَّعًا) قُلْت مَا قَالَهُ مُسَلَّمٌ قَالَ (وَأَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ نَصَّبَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ أَسْبَابًا لِوُجُوبِهَا فَلَا تَجِبُ قَبْلَهَا وَلَا تَجِبُ شَرَائِطُهَا وَوَسَائِلُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا) قُلْت قَوْلُهُ إنَّ الصَّلَوَاتِ لَا تَجِبُ قَبْلَ أَسْبَابِهَا مُسَلَّمٌ وَقَوْلُهُ إنَّ شَرَائِطَهَا وَوَسَائِلَهَا لَا تَجِبُ قَبْلَ وُجُوبِهَا مَمْنُوعٌ وَقَدْ سَبَقَ تَقْرِيرُهُ قَالَ (فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنَّ وُجُوبَ الْوَسَائِلِ تَبَعٌ لِوُجُوبِ الْمَقَاصِدِ) قُلْت إنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَبَعٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْبِقُ وُجُوبُ الشَّرَائِطِ وُجُوبَ الْمَشْرُوطَاتِ فَهُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَبَعٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا وُجُوبُ الْمَشْرُوطَاتِ مَا وَجَبَتْ الشُّرُوطُ فَمُسَلَّمٌ وَلَا يَلْزَمُ عَنْهُ مَقْصُودُهُ. قَالَ (وَلِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بَعْدَ وُجُوبِ الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ أَمَّا قَبْلَ وُجُوبِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ هَذَا مَا عَلَى هَذَا الْجَوَابِ) قُلْت قَوْلُهُ وَلِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بَعْدَ وُجُوبِ الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ مَمْنُوعٌ وَقَوْلُهُ أَمَّا قَبْلَ وُجُوبِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَعْقُولٍ قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ مَعْقُولٌ وَذَلِكَ عِنْدَ اسْتِوَاءِ تَقْدِيمِ الشَّرْطِ عَلَى وَقْتِ وُجُوبِ الْمَشْرُوطِ وَتَأْخِيرِهِ عَنْهُ فِي الْمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ ذَلِكَ الشَّرْطِ قَالَ (وَقَالَ غَيْرُهُ هَذِهِ الْأُمُورُ تَقَعُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَتُجْزِئُ عَنْ الْوَاجِبِ بِالْإِجْمَاعِ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَسَدِّ ذَرَائِعِ الشَّيْطَانِ عَنْهَا بِالتَّزْوِيجِ عَلَى الْآبَاءِ لَا عَلَى إبَاحَةِ إذَايَةُ الْآبَاءِ بِالْمُخَالَفَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِ الْحَقِّ عَلَيْهِمْ لِلْأَبْنَاءِ جَوَازُ إذَايَةُ الْآبَاءِ بِاسْتِيفَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنَعَ مِنْ تَحْلِيفِ الْأَبِ فِي حَقٍّ لَهُ وَقَالَ: إنْ حَلَّفَهُ كَانَ جُرْحُهُ فِي حَقِّ الْوَلَدِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) قَوْلُ مَالِكٍ إذَا احْتَلَمَ الْغُلَامُ ذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ وَلَيْسَ لِأَبَوَيْهِ مَنْعُهُ اهـ خَاصٌّ بِمُجَرَّدِ الْحَضَانَةِ فَلَا يُنَافِي تَجَدُّدَ حَجْرِ الْبِرِّ الَّذِي فِي قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيِّ إنْ أَرَادَ سَفَرًا لِلتِّجَارَةِ يَرْجُو بِهِ مَا يَحْصُلُ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِهِمَا وَإِنْ رَجَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ فِي كَفَافٍ وَإِنَّمَا يَطْلُبُ ذَلِكَ تَكَاثُرًا فَهَذَا لَوْ أَذِنَا لَهُ لَنَهَيْنَاهُ لِأَنَّهُ غَرَضٌ فَاسِدٌ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ دَفْعَ حَاجَاتِ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَكَهُ تَأَذَّى بِتَرْكِهِ كَانَ لَهُ مُخَالَفَتُهُمَا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَكَمَا نَمْنَعُهُ مِنْ إذَايَتِهِمَا نَمْنَعُهُمَا مِنْ إَذايَتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ مَعَهُ طَعَامٌ إنْ لَمْ يَأْكُلْهُ هَلَكَ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلَاهُ هَلَكَا قُدِّمَتْ ضَرُورَتُهُ عَلَيْهِمَا اهـ فَالْغُلَامُ بَعْدَ الْبُلُوغِ يَمْشِي فِي الْبَلَدِ حَيْثُ شَاءَ دُونَ السَّفَرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رِيبَةٍ وَهُمَا يَتَأَذَّيَانِ بِهِ فَيَمْنَعَانِهِ مُطْلَقًا كَمَا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ مَا مَرَّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ لِمَنْ دَعَاهُ أَبُوهُ مِنْ السُّودَانِ وَمَنَعَتْهُ أُمُّهُ أَطِعْ أَبَاك وَلَا تَعْصِ أُمَّك. (فَائِدَتَانِ) : الْأُولَى مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صِلَةُ الرَّحِمِ تُزِيدُ فِي الْعُمْرِ» وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ سَرَّهُ السَّعَةُ فِي الرِّزْقِ وَالنَّسَأُ فِي الْأَجَلِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَبَ صِلَةَ الرَّحِمِ سَبَبًا بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ لَا بِالْقَضَاءِ الْعَقْلِيِّ لِزِيَادَةِ النَّسَإِ فِي الْعُمْرِ وَلِسَعَةِ الرِّزْقِ كَمَا نَصَبَ بِهَذَا الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ الْإِيمَانَ سَبَبًا فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ وَالْكُفْرَ سَبَبًا فِي دُخُولِ النَّارِ وَنَصَبَ بِالْوَضْعِ الْعَادِيِّ لَا بِالِاقْتِضَاءِ الْعَقْلِيِّ الْأَسْبَابَ الْعَادِيَّةَ مِنْ الْغِذَاءِ وَالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ وَالْأَدْوِيَةِ وَجَعَلَهَا أَسْبَابًا فِي الْحَيَاةِ وَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ صِلَةَ الرَّحِمِ سَبَبًا لِذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا تُزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَتُوَسِّعُ فِي الرِّزْقِ حَقِيقَةً كَمَا نَقُولُ: الْإِيمَانُ يُدْخِلُ الْجَنَّةَ وَالْكُفْرُ يُدْخِلُ النَّارَ وَمَتَى عَلِمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَبَ صِلَةَ الرَّحِمِ سَبَبًا لِذَلِكَ بَادَرَ إلَيْهَا رَغْبَةً فِي زِيَادَةِ الْعُمْرِ وَسِعَةِ الرِّزْقِ كَمَا يُبَادِرُ لِاسْتِعْمَالِ الْغِذَاءِ وَتَنَاوُلِ الدَّوَاءِ رَغْبَةً فِي الْحَيَاةِ وَلِلْإِيمَانِ رَغْبَةً فِي الْجِنَانِ وَيَفِرُّ مِنْ الْكُفْرِ رَهْبَةً مِنْ النِّيرَانِ وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُنَا الدُّعَاءُ يُزِيدُ فِي الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ وَيَدْفَعُ الْأَمْرَاضَ وَيُؤَخِّرُ الْآجَالَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا شُرِعَ فِيهِ

стр. 166

مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَثْنَاةٌ بَلْ عَلَى أَنَّهَا مُجْزِئَةٌ. أَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَلَا نُسَلِّمُهُ وَقَالَ ثَالِثٌ الْمَوْجُودُ مِنْ الْفِعْلِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَصْحِبَ ثَوْبَهُ وَاسْتِقْبَالَهُ وَطَهَارَتَهُ وَمُلَازَمَةُ الشَّيْءِ وَاسْتِصْحَابُهُ فِعْلٌ مِنْ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ جَيِّدٍ بِسَبَبِ أَنَّا نُضَيِّقُ الْفَرْضَ فِي الثَّوْبِ وَالْقِبْلَةِ وَنَفْرِضُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ بِحَيْثُ لَا يُجَدِّدُ شَيْئًا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ حَتَّى يَحْرُمَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَوَامَ الثَّوْبِ عَلَيْهِ فِعْلٌ لَهُ وَلَا دَوَامَ الطَّهَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ غَفَلَ عَنْ كَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا وَمُسْتَقْبِلًا وَلَابِسًا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَمَعَ الْغَفْلَةِ يَمْتَنِعُ الْفِعْلُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفِعْلِ الشُّعُورَ وَلَا شُعُورَ فَلَا فِعْلَ وَهَذَا التَّضْيِيقُ يَحْسِمُ مَادَّةَ هَذَا الْجَوَابِ فَإِنْ قُلْت فَلِمَ حَنَّثْتَهُ بِدَوَامِ لُبْسِ الثَّوْبِ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ فِيهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا الِاسْتِصْحَابُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ وَإِذَا كَانَ فِعْلًا هُنَاكَ كَانَ فِعْلًا هُنَا قُلْت الْإِيمَانُ يَكْفِي فِيهَا شَهَادَةُ الْعُرْفِ كَانَ فِيهَا فِعْلٌ أَمْ لَا فَقَدْ نُحَنِّثُهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بَلْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ طَارَ الْغُرَابُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلٍ أَلْبَتَّةَ كَقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمُسْتَحِيلُ مُسْتَحِيلًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ طَلُقَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ بَابُ تَكْلِيفٍ وَإِيجَابٍ وَالتَّكْلِيفُ لَا بُدَّ فِيهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] أَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَلَا نُسَلِّمُهُ) . قُلْت مَا قَالَهُ فِي رَدِّ ذَلِكَ الْقَوْلِ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَقَالَ ثَالِثٌ الْمَوْجُودُ مِنْ الْفِعْلِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ هُوَ الْوَاجِبُ وَهُوَ لَا بُدَّ أَنْ يَسْتَصْحِبَ ثَوْبَهُ وَاسْتِقْبَالَهُ وَطَهَارَتَهُ وَمُلَازَمَةُ الشَّيْءِ وَاسْتِصْحَابُهُ فِعْلٌ مِنْ الْمُكَلَّفِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي أَجْزَأَ عَنْ الْوَاجِبِ وَهَذَا أَيْضًا غَيْرُ جَيِّدٍ بِسَبَبِ أَنَّا نُضَيِّقُ الْفَرْضَ فِي الثَّوْبِ وَالْقِبْلَةِ وَنَفْرِضُهُ قَبْلَ الْوَقْتِ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ بِحَيْثُ لَا يُجَدِّدُ شَيْئًا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ حَتَّى يَحْرُمَ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ دَوَامَ الثَّوْبِ عَلَيْهِ فِعْلٌ لَهُ وَلَا دَوَامَ الطَّهَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ غَفَلَ عَنْ كَوْنِهِ مُتَطَهِّرًا وَمُسْتَقْبِلًا وَلَابِسًا وَصَلَّى صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَمَعَ الْغَفْلَةِ يَمْتَنِعُ الْفِعْلُ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْفِعْلِ الشُّعُورَ بِهِ وَلَا شُعُورَ فَلَا فِعْلَ وَهَذَا التَّضْيِيقُ يَحْسِمُ مَادَّةَ هَذَا الْجَوَابِ) قُلْت عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ اسْتِدَامَةَ اللُّبْسِ وَالطَّهَارَةِ وَالِاسْتِقْبَالِ لَيْسَ بِفِعْلٍ حِسًّا لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْفِعْلِ حُكْمًا وَاسْتِدْلَالُهُ بِالْغَفْلَةِ لَا دَلِيلَ لَهُ فِيهِ فَإِنَّ الْغَفْلَةَ إنَّمَا تُنَاقِضُ الْفِعْلَ الْحِسِّيَّ الْحَقِيقِيَّ لَا الْحُكْمِيَّ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي حَالَةِ الْغَفْلَةِ. قَالَ (فَإِنْ قُلْت فَلِمَ حَنَّثْتَهُ بِدَوَامِ لُبْسِ الثَّوْبِ إذَا حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا وَهُوَ فِيهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إلَّا الِاسْتِصْحَابُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ وَإِذَا كَانَ فِعْلًا هُنَاكَ كَانَ فِعْلًا هُنَا قُلْت الْإِيمَانُ يَكْفِي فِيهِ شَهَادَةُ الْعُرْفِ كَانَ فِيهَا فِعْلٌ أَوْ لَا فَقَدْ نُحَنِّثُهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ بَلْ بِفِعْلِ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ طَارَ الْغُرَابُ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلٍ أَلْبَتَّةَ كَقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمُسْتَحِيلُ مُسْتَحِيلًا فَامْرَأَتُهُ طَالِقٌ طَلُقَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَا فِعْلَ لَهُ فِيهِ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنَّهُ بَابُ تَكْلِيفٍ وَإِيجَابٍ وَالتَّكْلِيفُ لَا بُدَّ فِيهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الدُّعَاءُ فَهُوَ مِنْ الْقَدَرِ وَلَا يُخِلُّ بِشَيْءٍ مِنْ الْقَدَرِ بَلْ مَا رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَقْدُورًا إلَّا عَلَى سَبَبٍ عَادِيٍّ وَلَوْ شَاءَ لَمَا رَبَطَهُ بِهِ فَانْدَفَعَ مَا. قِيلَ: إنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ وَقَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعَ الْمُمْكِنَاتِ مَا وُجِدَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَزَلِ فَتَعَلَّقَتْ إرَادَتُهُ الْقَدِيمَةُ الْأَزَلِيَّةُ بِوُجُودِ كُلِّ مُمْكِنٍ أَرَادَ وُجُودَهُ وَبِعَدَمِ كُلِّ مُمْكِنٍ أَرَادَ بَقَاءَهُ عَلَى الْعَدَمِ الْأَصْلِيِّ أَوْ أَرَادَ عَدَمَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ فَجَمِيعُ الْجَائِزَاتِ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا قَدْ نَفَذَتْ فِيهَا مَشِيئَتُهُ فَكَيْفَ بَقِيَتْ الزِّيَادَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِتَيَسُّرِ سَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ بِزِيَادَةِ الْبَرَكَةِ فِيمَا قُدِّرَ فِي الْأَزَلِ مِنْ الرِّزْقِ وَالْأَجَلِ وَأَمَّا نَفْسُ الْأَجَلِ وَالرِّزْقِ الْمُقَدَّرَيْنِ فَلَا يَقْبَلَانِ الزِّيَادَةَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ أَوَّلًا ضَعِيفٌ بِسَبَبِ أَنَّ الْبَرَكَةَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ الْمُقَدَّرَاتِ فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ مَانِعًا مِنْ الزِّيَادَةِ فَلْيَمْنَعْ مِنْ الْبَرَكَةِ فِي الْعُمْرِ وَالرِّزْقِ كَمَا مَنَعَ مِنْ الزِّيَادَةِ فِيهِمَا وَثَانِيًا يَلْزَمُ مِنْهُ مَفْسَدَتَانِ: إحْدَاهُمَا إيهَامُ أَنَّ الْبَرَكَةَ خَرَجَتْ عَنْ الْقَدَرِ لِتَصْرِيحِ الْمُجِيبِ بِأَنَّ تَعَلُّقَ الْقَدَرِ مَانِعٌ فَحَيْثُ لَا مَانِعَ لَا قَدْرَ وَهَذَا رَدِيءٌ جِدًّا وَثَانِيَتُهُمَا اخْتِلَالُ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الْحَثِّ عَلَى صِلَةِ الرَّحِمِ وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا إذْ عَلَيْهِ تَكُونُ الرَّغْبَةُ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ بِالنِّسْبَةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَإِنَّا إذَا قُلْنَا لِزَيْدٍ: إنْ وَصَلْت رَحِمَك زَادَك اللَّهُ تَعَالَى فِي عُمُرِك عِشْرِينَ سَنَةً فَإِنَّهُ يَجِدُ مِنْ الْوُقُوعِ لِذَلِكَ مَا لَا يَجِدُهُ مِنْ قَوْلِنَا إنَّهُ لَا يَزِيدُك اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ يَوْمًا وَاحِدًا بَلْ يُبَارِكُ لَك فِي عُمُرِك فَقَطْ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَجَعَلَ لِكُلِّ مُقَدَّرٍ سَبَبًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَيَرْتَبِطُ بِهِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي جَرَتْ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا مِنْ الْعُلُومِ وَالْجَهَالَاتِ. فَالْجَهْلُ سَبَبٌ عَظِيمٌ فِي الْعَالَمِ لِمَفَاسِدَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفَوَاتِ الْمَصَالِحِ وَالْعِلْمُ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحَ وَدَرْءِ مَفَاسِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَثَلًا الْمَلِكُ الَّذِي دَفَعَ لَهُ أَعْدَاؤُهُ السُّمَّ فَأَكَلَهُ فَمَاتَ مِنْهُ كَيْدًا مِنْهُمْ لَمَّا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَمُوتَ بِهِ رَبَطَهُ بِسَبَبِ جَهْلِهِ بِتَنَاوُلِهِ وَقَدَّرَ ذَلِكَ السَّبَبَ فَلَوْ قَدَّرَ نَجَاتَهُ مِنْهُ لَقَدَّرَ اطِّلَاعِهِ عَلَيْهِ فَيَسْلَمُ فَيَكُونُ سَبَبُ سَلَامَتِهِ عِلْمَهُ بِهِ فَلَيْسَ الْمُقَدَّرُ عَلَى تَقْدِيرِ الْعِلْمِ هُوَ عَيْنُ الْمُقَدَّرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْجَهْلِ بَلْ ضِدُّهُ أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّزْقَ الْحَقِيرَ إنَّمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِأَهْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ جَهْلِهِمْ بِالْكُنُوزِ وَعَمَلِ الْكِيمْيَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ

стр. 167

مِنْ الْفِعْلِ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ الطَّهَارَةَ وَالسِّتَارَةَ وَالِاسْتِقْبَالَ شُرُوطٌ فَهِيَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَخِطَابُ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَلَا عِلْمُهُ وَلَا إرَادَتُهُ. فَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَطَهِّرٍ وَلَا لَابِسٍ وَلَا مُسْتَقْبِلٍ تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَتَحْصِيلِهَا فَاجْتَمَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ خِطَابُ الْوَضْعِ وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ وَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَابِسٌ مُسْتَقْبِلٌ انْدَفَعَ خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَبَقِيَ خِطَابُ الْوَضْعِ خَاصَّةً فَأَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ لِوُجُودِ شُرُوطِهَا وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ خِطَابِ الْوَضْعِ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَهُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ التَّعَسُّفَاتِ بَلْ نُخْرِجُهُ عَلَى قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةٍ أَلْبَتَّةَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مِنْ الْفِعْلِ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ) قُلْت لَا يَنْدَفِعُ ذَلِكَ السُّؤَالُ بِمَا دَفَعَهُ بِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فَقَدْ نُحَنِّثُهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَّقَ يَمِينَهُ بِفِعْلِ الْغَيْرِ أَوْ بِالْمُسْتَحِيلِ كَمَا مَثَّلَ أَمَّا إذَا حَلَفَ وَعَلَّقَ يَمِينَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ مَعَهُ ابْتِدَاءً ذَلِكَ الْفِعْلُ أَوْ يَكُونُ مُلَابِسًا لَهُ مِنْ قَبْلُ فَإِنْ وَقَعَ مِنْهُ ابْتِدَاءً بَعْدَ الْيَمِينِ حَنِثَ بِاتِّفَاقٍ وَإِنْ كَانَ مُلَابِسًا لَهُ فِي حِينِ الْيَمِينِ حَنِثَ عَلَى خِلَافٍ وَوَجْهُ الْقَوْلِ بِالْحِنْثِ أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى الْفِعْلِ فِي حُكْمِ الْفِعْلِ ابْتِدَاءً. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَيْسَ كَالْفِعْلِ ابْتِدَاءً وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَالِفَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ تَرْكِ اسْتِمْرَارِ اللَّبْسِ قَالَ (وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ شُرُوطٌ فَهِيَ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَخِطَابُ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ وَلَا عِلْمُهُ وَلَا إرَادَتُهُ إلَى قَوْلِهِ فَاجْتَمَعَ فِيهَا حِينَئِذٍ خِطَابُ الْوَضْعِ وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ) قُلْت فَإِذَا اجْتَمَعَ فِيهَا خِطَابُ الْوَضْعِ مَعَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَزِمَ اشْتِرَاطُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَعِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ قَالَ (وَإِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَهُوَ مُتَطَهِّرٌ لَابِسٌ مُسْتَقْبِلٌ انْدَفَعَ خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَبَقِيَ خِطَابُ الْوَضْعِ خَاصَّةً فَأَجْزَأَتْهُ الصَّلَاةُ لِوُجُودِ شُرُوطِهَا وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ خِطَابِ الْوَضْعِ أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَهُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ) قُلْت مُسَلَّمٌ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ خِطَابِ الْوَضْعِ اجْتِمَاعُهُ مَعَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَكِنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا وَقَعَ فِي أُمُورٍ اجْتَمَعَ فِيهَا الْخِطَابَانِ مَعًا وَقَوْلُهُ إنَّهُ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ وَهُوَ مُسْتَصْحِبٌ لِتِلْكَ الْأُمُورِ لَيْسَ الْكَلَامُ الْمَفْرُوضُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ الْوَقْتِ هَلْ أَوْقَعَ وَاجِبًا أَمْ لَا وَهَلْ تَلْزَمُهُ نِيَّةُ الْوُجُوبِ أَمْ لَا وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَا يَرْتَفِعُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ فَلَا بُدَّ مِنْ شُرُوطِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ. قَالَ (وَلَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ التَّعَسُّفَاتِ بَلْ نُخْرِجُهُ عَلَى قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةٍ أَلْبَتَّةَ) قُلْت قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ تَخْرِيجُهُ عَلَى قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ لِاجْتِمَاعِ الْخِطَابَيْنِ فِي ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ. أَمَّا مَعَ الْعِلْمِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْعَظِيمَةِ الْمُوجِبَةِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ سِعَةَ الرِّزْقِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ ضِيقَ الرِّزْقِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَعْنِي تَقْدِيرَ الْعِلْمِ بِنَحْوِ الْكُنُوزِ وَعَمَلِ الْكِيمْيَاءِ أَيْضًا كَمَا نَقُولُ مَا قَدَّرَ اللَّهُ دُخُولَ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْإِيمَانِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ لَهُمْ مَعَ عَدَمِهِ الْجَنَّةَ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ: اللَّهُ تَعَالَى وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَا قَدَّرَ لِلْكُفَّارِ النَّارَ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ جَهْلِهِمْ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَعَالَى قَدَّرَهَا لَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ عِلْمِهِمْ بِهِ فَظَهَرَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ قُدِّرَ حُصُولُ الْعِلْمِ لَهُ بِعَوَاقِبَ يَوْمِ أُحُدٍ مَثَلًا لَكَثُرَ عِنْدَهُ مِنْ الْخَيْرِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْآنَ وَمَا مَسَّهُ السُّوءُ أَيْ الْمِحْنَةُ فِيهِ وَقَتْلُ حَمْزَةُ وَانْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إنَّهُ ﵊ إذَا عَلِمَ الْغَيْبَ وَاَلَّذِي فِي الْغَيْبِ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنْ الْخَيْرِ فَكَيْفَ يَسْتَكْثِرُ مِنْ الْخَيْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ بَلْ لَوْ قُدِّرَ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْغَيْبِ لَبَقِيَ عَلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِعِلْمِ عَوَاقِبِ يَوْمِ أُحُدٍ الَّذِي لَمْ يَحْصُلْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِلْمُ التَّفْصِيلِيُّ لَا الْإِجْمَالِيُّ لِحُصُولِهِ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَشْهَدُ مَا فِي حَيَاةِ الْحَيَوَانِ لِلدَّمِيرِيِّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ إنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي بَقَرًا فَأَوَّلْتُهَا خَيْرًا تُذْبَحُ وَرَأَيْت فِي ذُبَابِ سَيْفِي ثَلْمًا فَأَوَّلْتُهَا هَزِيمَةً وَرَأَيْت أَنِّي أَدْخَلْت يَدَيَّ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةُ فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ فَافْعَلُوا» . اهـ. الْمُرَادُ فَتَأَمَّلْ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَحْمَدُ رِضَاخَانْ الْبِرُّ يَلْوِي فِي كِتَابِهِ الدَّوْلَةُ الْمَكِّيَّةُ بِالْمَادَّةِ الْغَيْبِيَّةِ مِمَّا حَاصِلُهُ أَنَّ الْعِلْمَ بِالْغَيْبِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الْأَوَّلُ الْعِلْمُ الْمُطْلَقُ التَّفْصِيلِيُّ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٠] وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ أَعْنِي الْعِلْمَ الْمُطْلَقَ الْإِجْمَالِيَّ وَمُطْلَقَ الْعِلْمِ الْإِجْمَالِيِّ وَالتَّفْصِيلِيِّ فَغَيْرُ مُخْتَصَّاتٍ بِهِ تَعَالَى أَمَّا الْمُطْلَقُ الْإِجْمَالِيُّ فَحُصُولُهُ لِلْعِبَادِ بَدِيهِيٌّ عَقْلًا وَضَرُورِيٌّ دِينًا فَإِنَّا آمَنَّا أَنَّهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَاحَظْنَا بِقَوْلِنَا كُلُّ شَيْءٍ جَمِيعَ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ فَعَلِمْنَاهَا جَمِيعًا عِلْمًا إجْمَالِيًّا وَمَعْلُومٌ أَنَّ بِثُبُوتِ الْعِلْمِ الْمُطْلَقِ الْإِجْمَالِيِّ ثُبُوتَ مُطْلَقِ الْعِلْمِ الْإِجْمَالِيِّ بَلْ وَكَذَلِكَ التَّفْصِيلِيُّ مِنْهُ فَإِنَّا آمَنَّا بِالْقِيَامَةِ وَبِالْجَنَّةِ وَبِالنَّارِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِالْأُمَّهَاتِ السَّبْعِ مِنْ صِفَاتِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْبٌ وَقَدْ عِلْمنَا كُلًّا بِحِيَالِهِ مُمْتَازًا عَنْ غَيْرِهِ فَوَجَبَ حُصُولُ مُطْلَقِ الْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ بِالْغُيُوبِ

стр. 168

غَايَتُهُ أَنْ يَلْزَمَ مِنْهُ أَنْ يَجِبَ الْوُضُوءُ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ وَهَذَا لَا مُنْكَرَ فِيهِ فَإِنَّ شَأْنَ الشَّرِيعَةِ تَخْصِيصُ الْوُجُوبِ بِبَعْضِ الْحَالَاتِ وَبَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَبَعْضِ الْأَشْخَاصِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ لَا إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ وَإِنَّمَا صَعُبَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ طُولَ عُمْرِهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَسْمَعْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا فَصَعُبَ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ وَكَمْ مِنْ تَفْصِيلٍ قَدْ سَكَتَ عَنْهُ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ وَأَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَلْبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّاتِ وَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْعُلُومِ وَكَثُرَ تَحْصِيلُهُ لَهَا اطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ تَحْرِيرُ هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدِي وَهُوَ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي يُقْبَلُ تَحْرِيرُهَا وَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ الْفُضَلَاءِ. (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الزَّمَانِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ) أَمَّا الْمَوَاقِيتُ الزَّمَانِيَّةُ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَقِيلَ عَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَصْلُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فَقَوْلُهُ ﴿أَشْهُرٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] صِيغَةُ جَمْعٍ مُنَكَّرٍ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ أَوْ يُقَالُ إنَّ الْحَجَّ يَنْقَضِي بِالْفَرَاغِ مِنْ الرَّمْيِ فَيَكْفِي عَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ تَخْصِيصًا لِلصِّيغَةِ بِالْوَاقِعِ وَهَذَا هُوَ مُدْرَكُ الْخِلَافِ وَأَمَّا مِيقَاتُ الْمَكَانِ فَهُوَ مَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّهُ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] تِلْكَ الْأُمُورِ قَالَ (غَايَتُهُ أَنْ يَلْزَمَ مِنْهُ أَنْ يَجِبَ الْوُضُوءُ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ وَهَذَا لَا مُنْكَرَ فِيهِ فَإِنَّ شَأْنَ الشَّرِيعَةِ تَخْصِيصُ الْوُجُوبِ بِبَعْضِ الْحَالَاتِ وَبَعْضِ الْأَزْمِنَةِ وَبَعْضِ الْأَشْخَاصِ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ لَا أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ) قُلْت مَا قَالَهُ مُسَلَّمٌ لَكِنْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ إلَّا فِي الْوَقْتِ أَوْ فِيمَا قَبْلَ الْوَقْتِ عِنْدَ فِعْلِهِ خَاصَّةً فَلَمْ يُنْتِجْ كَلَامُهُ مَقْصُودَهُ بِوَجْهٍ قَالَ (وَإِنَّمَا صَعُبَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ هَذَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ طُولَ عُمْرِهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَلَمْ يَسْمَعْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلًا فَصَعُبَ عَلَيْهِ التَّفْصِيلُ وَكَمْ مِنْ تَفْصِيلٍ قَدْ سَكَتَ عَنْهُ الدَّهْرُ الطَّوِيلُ وَأَجْرَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَلْبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فِي جَمِيعِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّقْلِيَّاتِ وَمَنْ اشْتَغَلَ بِالْعُلُومِ وَكَثُرَ تَحْصِيلُهُ لَهَا اطَّلَعَ عَلَى شَيْءٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ تَحْرِيرُ هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدِي وَهُوَ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي يَقِلُّ تَحْرِيرُهَا وَالْجَوَابُ عَنْهَا مِنْ الْفُضَلَاءِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُنْتِجُ لَهُ مَقْصُودَهُ أَوْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ تِلْكَ التَّفْصِيلَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الزَّمَانِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَوَاقِيتِ الْمَكَانِيَّةِ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِكُلِّ مُؤْمِنٍ فَضْلًا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَالْعِلْمُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى لَيْسَ إلَّا الْعِلْمُ الذَّاتِيُّ وَالْعِلْمُ الْمُطْلَقُ التَّفْصِيلِيُّ الْمُحِيطُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ الْإِلَهِيَّةِ بِالِاسْتِغْرَاقِ الْحَقِيقِيِّ فَهُمَا الْمُرَادُ أَنَّ فِي آيَاتِ النَّفْيِ وَالْعِلْمِ الَّذِي يَصِحُّ إثْبَاتُهُ لِلْعِبَادِ هُوَ الْعِلْمُ الْعَطَائِيُّ سَوَاءً كَانَ الْعِلْمَ الْمُطْلَقَ الْإِجْمَالِيَّ أَوْ مُطْلَقَ الْعِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ وَالتَّمَدُّحُ إنَّمَا يَقَعُ بِهَذَا فَهُوَ الْمُرَادُ فِي آيَاتِ الْإِثْبَاتِ قَالَ: تَعَالَى ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥] وَقَالَ: تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آيَاتٍ كَثِيرَةٍ اهـ الْمُرَادُ فَانْظُرْهُ إنْ شِئْت. ٢ - (الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ) فِي بَيَانِ الْوَاجِبِ مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ قَالَ الشَّيْخُ الطُّرْطُوشِيُّ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا تَجِبُ صِلَةُ الرَّحِمِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مَحْرَمِيَّةٌ وَهُمَا كُلُّ شَخْصٍ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لَمْ يَتَنَاكَحَا كَالْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ وَإِنْ سَفُلُوا وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ فَأَمَّا أَوْلَادُ هَؤُلَاءِ فَلَيْسَتْ الصِّلَةُ بَيْنَهُمَا وَاجِبَةً كَجَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ بَيْنَهُمْ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَالْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا لِمَا فِيهِ مِنْ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَتَرْكُ الْحَرَامِ وَاجِبٌ وَبِرُّهُمَا وَتَرْكُ إذَايَتِهِمَا وَاجِبَةٌ وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ بِنْتَيْ الْعَمِّ وَبِنْتَيْ الْخَالِ وَإِنْ كُنَّ يَتَغَايَرْنَ وَيَتَقَاطَعْنَ وَمَا ذَاكَ إلَّا أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ بَيْنَهُمَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَقَدْ لَاحَظَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الْمَعْنَى فِي التَّرَاجُعِ فِي الْهِبَةِ فَقَالَ بِتَحْرِيمِهِ بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ. (الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ بَعْضُهُمْ حَدِيثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ لَمَّا «قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمُّك؟ قَالَ: ثُمَّ مَنْ قَالَ: أُمُّك قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: أَبُوك» رُوِيَ ثَلَاثًا وَرُوِيَ مَرَّتَيْنِ فَعَلَى رِوَايَةِ مَرَّتَيْنِ يَكُونُ لَهَا ثُلُثَا الْبِرِّ وَعَلَى رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ يَكُونُ لَهَا ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ اهـ وَهُوَ بَاطِلٌ إذْ الْوَاجِبُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِ مَقَادِيرِ الْأَنْصِبَاءِ الْمَضْمُومَةِ إلَيْهَا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْعَطْفِ بِثُمَّ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمِّ عَلَى رِوَايَةِ مَرَّتَيْنِ أَقَلُّ مِنْ ثُلُثَيْ الْبِرِّ بِكَثِيرٍ كَمَا يَجِبُ نُقْصَانُ الْأَبِ عَنْ الثُّلُثِ وَأَنْ يَكُونَ لَهَا عَلَى رِوَايَةِ ثَلَاثَةٍ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهِ بِكَثِيرٍ كَمَا يَجِبُ نُقْصَانُ الْأَبِ عَنْ الرُّبُعِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ السَّائِلِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ سُؤَالٌ عَنْ أَعْلَى الرُّتَبِ فَلَمَّا. أُجِيبَ عَنْهَا عُرِفَ أَنَّهَا الرُّتْبَةُ الْعَالِيَةُ وَقَوْلُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ مَنْ بِصِيغَةِ ثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى تَرَاخِي رُتْبَةِ الْفَرِيقِ الثَّانِي عَنْ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ فِي الْبِرِّ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ: أُمُّك فَلَا يَكُونُ هَذَا الْجَوَابُ مُطَابِقًا حَتَّى تَكُونَ هَذِهِ الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ أَخْفَضَ رُتْبَةً مِنْ الْأُولَى وَكَذَلِكَ الْأَجْوِبَةُ الَّتِي بَعْدَهَا بِتِلْكَ الرُّتَبِ الْمُجَابِ بِهَا فَكَمَا وَجَبَ نُقْصَانُ الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى كَذَلِكَ يَجِبُ نُقْصَانُ الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ الثَّانِيَةِ وَالرَّابِعَةِ عَنْ الثَّالِثَةِ عَمَلًا بِثُمَّ الدَّالَّةِ عَلَى التَّرَاخِي وَالنُّقْصَانِ فَيَكُونُ نَصِيبُ الْأَبِ أَقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ بِمِقْدَارَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ الْأُمِّ مَرَّتَيْنِ وَبِثَلَاثِ مَقَادِيرَ عَلَى رِوَايَةِ الثَّلَاثِ فَتَفَاوُتُ الرُّتَبِ مُتَحَقِّقٌ جَزْمًا إلَّا أَنَّ ضَبْطَ مِقْدَارِهِ لَمْ يَتَيَسَّرْ حَتَّى الْآنَ فَإِنْ تَيَسَّرَ لَك ضَبْطُهُ فَاضْبِطْهُ وَعَطْفُ الْأُمِّ بِثُمَّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّانِيَةِ عَلَى الْأُمِّ نَفْسِهَا فِي الْمَرْتَبَةِ الَّتِي قَبْلُ وَإِنْ خَالَفَ فِي الظَّاهِرِ الْقَاعِدَةَ الْعَرَبِيَّةَ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يُعْطَفُ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْأُمَّ بِقَيْدِ الرُّتْبَةِ الدُّنْيَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى نَفْسِهَا بِقَيْدِ الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِ غَيْرُهُ فِي نَفْسِهِ فَالْعَطْفُ هُنَا عَلَى حَدِّ الْعَطْفِ فِي قَوْلِك زَيْدٌ ابْنٌ وَأَخٌ وَفَقِيهٌ وَتَاجِرٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

стр. 169

وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَقَالَ هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ» زَادَ مُسْلِمٌ «وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» فَقَالَ مَالِكٌ ﵀ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ الْمَكَانِيِّ وَالزَّمَانِيِّ غَيْرَ أَنَّهُ فِي الزَّمَانِيِّ يُكْرَهُ قَبْلَهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الزَّمَانِيِّ فَيَحْتَاجُ الْفَرِيقَانِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ إمَّا بِاعْتِبَارِ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الْمَنْعِ وَعَدَمِهِ وَالْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ لَفْظِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ الْفَرْقُ الْأَوَّلُ مِنْ قِبَلِ اللَّفْظِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْعَرَبِيَّةَ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي الْخَبَرِ وَالْخَبَرَ لَا يَلْزَمُ انْحِصَارُهُ فِي الْمُبْتَدَأِ كَقَوْلِهِ ﵇ «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَالشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يَنْقَسِمْ فَالتَّحْرِيمُ يَنْحَصِرُ فِي التَّكْبِيرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَالتَّحْلِيلُ يَنْحَصِرُ فِي التَّسْلِيمِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَالشُّفْعَةُ مُنْحَصِرَةٌ فِيمَا لَمْ يَنْقَسِمْ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَكُونُ زَمَانُ الْحَجِّ مُنْحَصِرًا فِي الْأَشْهُرِ لِأَنَّهُ الْمُبْتَدَأُ فَلَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا وَأَمَّا الْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ فَيَجْعَلُ مَحْصُورًا مُبْتَدَأً لَا مَحْصُورًا فِيهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ» أَيْ الْمَوَاقِيتِ لِإِحْرَامِ أَهْلِ هَذِهِ الْجِهَاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ فَالضَّمِيرُ الْأَوَّلُ لِلْمَوَاقِيتِ فَهُوَ الْمُبْتَدَأُ فَيَكُونُ هُوَ الْمَحْصُورَ وَالْمَحْصُورُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَحْصُورًا فِيهِ بِخِلَافِ الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ مَحْصُورٌ فِيهِ فَلَا يُوجَدُ الْإِحْرَامُ بِدُونِهِ وَفِي الْمَكَانِيِّ مَحْصُورٌ فَأَمْكَنَ أَنْ يُوجَدَ الْإِحْرَامُ بِدُونِهِ فَهَذَا فَرْقٌ جَلِيلٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ فَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ فَلَا يُوجَدُ الْإِحْرَامُ مَشْرُوعًا قَبْلَ الزَّمَانِيِّ وَاعْتَبَرَهُ مَالِكٌ فِي الْكَمَالِ فَلَا يُوجَدُ قَبْلَ الزَّمَانِيِّ كَامِلًا بَلْ نَاقِصُ الْفَضِيلَةِ الْفَرْقُ الثَّانِي أَنَّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الزَّمَانِيِّ يُفْضِي إلَى طُولِ زَمَانِ الْحَجِّ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ النِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ فَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى إفْسَادِ الْحَجِّ فَإِنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ شَوَّالٍ لَا يُمْكِنُهُ الْإِحْلَالُ حَتَّى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَيَحْتَاجُ الْفَرِيقَانِ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ إمَّا بِاعْتِبَارِ الْكَرَاهَةِ وَعَدَمِهَا وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الْمَنْعِ وَعَدَمِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ غَيْرَ قَوْلِهِ إنَّ مَالِكًا يَكْرَهُ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الزَّمَانِيِّ دُونَ الْمَكَانِيِّ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ الْمَذْهَبِ الْكَرَاهَةُ فِيهِمَا مَعًا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ إلَّا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَالَ (وَالْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ لَفْظِيَّةٍ وَمَعْنَوِيَّةٍ الْفَرْقُ الْأَوَّلُ مِنْ قِبَلِ اللَّفْظِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْعَرَبِيَّةَ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي الْخَبَرِ وَالْخَبَرُ لَا يَلْزَمُ انْحِصَارُهُ فِي الْمُبْتَدَأِ إلَى آخِرِ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْفَرْقِ) قُلْت الْقَاعِدَةُ الْعَرَبِيَّةُ الَّتِي ادَّعَاهَا مِنْ انْحِصَارِ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَالْأَصَحُّ عَدَمُ صِحَّتِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمَفْهُومِ لَا مِنْ بَابِ الْمَنْطُوقِ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي الْمَفْهُومِ وَمَا أَرَى الْإِمَامَيْنِ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ بَنَيَا عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي أَنَّ الْإِحْرَامَ قَبْلَ الزَّمَانِيِّ يُفْضِي إلَى الطُّولِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) قُلْت كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ فَرْقًا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالَاتُ وَالْغَرَرُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ] الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْجَهَالَاتُ وَالْغَرَرُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ) قَسَّمَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّصَرُّفَاتِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا مُعَاوَضَةٌ صِرْفَةٌ يُقْصَدُ بِهَا تَنْمِيَةُ الْمَالِ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ أَنْ يُجْتَنَبَ فِيهَا مِنْ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ مَا إذَا فَاتَ الْمَبِيعُ بِهِ ضَاعَ الْمَالُ الْمَبْذُولُ فِي مُقَابَلَتِهِ إلَّا مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ عَادَةً وَذَلِكَ أَنَّ الْغَرَرَ وَالْجَهَالَةَ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا مَرَّ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهَا مَا لَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ أَصْلًا وَالثَّانِي مَا يَحْصُلُ مَعَهُ ذَلِكَ دَنِيًّا وَنَزْرًا وَالثَّالِثُ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ غَالِبُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيُجْتَنَبُ الْأَوَّلَانِ وَيُغْتَفَرُ الثَّالِثُ. وَقَسَّمَ أَبُو الْوَلِيدِ الْغَرَرَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ كَثِيرٍ وَقَلِيلٍ وَوَسَطٍ وَجَعَلَ الْكَثِيرَ عِبَارَةً عَنْ الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ فِي هَذَا التَّقْسِيمِ فَقَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ: الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْغَرَرَ الْكَثِيرَ فِي الْمَبِيعَاتِ لَا يَجُوزُ وَأَنَّ الْقَلِيلَ يَجُوزُ وَيَخْتَلِفُونَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْغَرَرِ مِثْلُ مَا إذَا قَالَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ أَوْ الْعَبْدَيْنِ مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ وَقَدْ لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا اخْتَارَ وَافْتَرَقَا قَبْلَ الْخِيَارِ فَلِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْغَرَرِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ بَعْضُهُمْ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ يُلْحِقُهَا بِالْغَرَرِ الْكَثِيرِ فَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَيْعِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَلَى بَيْعٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ وَبَعْضُهُمْ كَمَالِكٍ فِي خُصُوصِ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا يُلْحِقُهَا بِالْغَرَرِ الْقَلِيلِ فَيُجِيزُ الْبَيْعَ الْمَذْكُورَ لِأَنَّهُ يُجِيزُ الْخِيَارَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ فِي الْأَصْنَافِ الْمُسْتَوِيَةِ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَقَبَضَ الثَّوْبَيْنِ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَخْتَارَ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ مِمَّا يُصِيبُهُ فَقِيلَ: تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بَيْنَهُمَا وَقِيلَ بَلْ يَضْمَنُهُ كُلَّهُ لِلْمُشْتَرِي إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِهِ وَقِيلَ يَضْمَنُ فِيمَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ كَالثِّيَابِ وَلَا يَضْمَنُ فِيمَا لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ وَأَمَّا أَخْذُ الْبَاقِي فَقِيلَ: يَلْزَمُ وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ اهـ وَقَالَ قَبْلُ: وَالْغَرَرُ يُوجَدُ فِي الْمَبِيعَاتِ مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ وَالْجَهْلُ عَلَى أَوْجُهٍ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ الْجَهْلُ بِتَعْيِينِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ أَوْ الْعَقْدِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي الْجَهْلُ بِوَصْفِ الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ الْمَبِيعِ أَوْ بِقَدْرِهِ أَوْ بِأَجَلِهِ إنْ كَانَ هُنَالِكَ أَجَلٌ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ الْجَهْلُ بِوُجُودِهِ أَوْ تَعَذُّرُ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَهَذَا رَاجِعٌ إلَى تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ الْجَهْلُ بِسَلَامَتِهِ أَعْنِي بَقَاءَهُ. اهـ. الْمُرَادُ بِتَغْيِيرِ قُلْت: وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَهْلَ مِنْ حَيْثُ هُوَ إمَّا كَثِيرٌ لَا يُغْتَفَرُ وَإِمَّا قَلِيلٌ يُغْتَفَرُ وَإِمَّا مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي اغْتِفَارِهِ وَعَدَمِهِ الْقِسْمُ الثَّانِي مَا هُوَ إحْسَانٌ صِرْفٌ لَا يُقْصَدُ بِهِ تَنْمِيَةُ الْمَالِ كَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ وَالْإِبْرَاءِ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ وَحَثُّهُ عَلَى

стр. 170

تَنْقَضِيَ أَيَّامُ الرَّمْيِ وَأَمَّا الْمَوَاقِيتُ الْمَكَانِيَّةُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِحْرَامِ قَبْلَهَا طُولُ الْحَجِّ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى إفْسَادِهِ الْفَرْقُ الثَّالِثُ أَنَّ الْمِيقَاتَ الْمَكَانِيَّ يَثْبُتُ الْإِحْرَامُ بَعْدَهُ فَيَثْبُتُ قَبْلَهُ تَسْوِيَةً بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَالْمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لَا يَثْبُتُ الْإِحْرَامُ بَعْدَهُ بِأَصْلِ الشَّرِيعَةِ بَلْ لِضَرُورَةٍ فَلَا يَثْبُتُ قَبْلَهُ تَسْوِيَةً بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَهَذَا فَرْقٌ بَيْنَهُمَا بِأَنْ سَوَّيْنَا بَيْنَهُمَا وَهُوَ مِنْ الْفُرُوقِ الْغَرِيبَةِ. (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَيُخَصِّصُهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَلَا يُخَصِّصُهَا) وَذَلِكَ أَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ أَنْ تَكُونَ عَادَةُ أَهْلِ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَ اللَّفْظَ فِي مَعْنًى مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لُغَةً وَذَلِكَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا فِي الْمُفْرَدَاتِ نَحْوَ الدَّابَّةِ لِلْحِمَارِ وَالْغَائِطِ لِلنَّجْوِ وَالرِّوَايَةِ لِلْمَزَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَثَانِيهِمَا فِي الْمُرَكَّبَاتِ وَهُوَ أَدَقُّهَا عَلَى الْفَهْمِ وَأَبْعَدُهَا عَنْ التَّفَطُّنِ وَضَابِطُهَا أَنْ يَكُونَ شَأْنُ الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ تَرْكِيبَ لَفْظٍ مَعَ لَفْظٍ يَشْتَهِرُ فِي الْعُرْفِ تَرْكِيبُهُ مَعَ غَيْرِهِ وَلَهُ مِثْلُ أَحَدِهِمَا نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فَإِنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ إنَّمَا تَحْسُنُ إضَافَتُهُمَا لُغَةً لِلْأَفْعَالِ دُونَ الْأَعْيَانِ فَذَاتُ الْمَيْتَةِ لَا يُمْكِنُ الْعُرْفِيَّ أَنْ يَقُولَ هِيَ الْإِحْرَامُ بِمَا هِيَ ذَاتٌ بَلْ فِعْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لَهَا كَالْأَكْلِ لِلْمَيْتَةِ وَالدَّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالشُّرْبِ لِلْخَمْرِ وَالِاسْتِمْتَاعِ لِلْأُمَّهَاتِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُ ﵇ «أَلَا وَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا» وَالْأَعْرَاضُ وَالْأَمْوَالُ لَا تَحْرُمُ بَلْ أَفْعَالٌ تُضَافُ إلَيْهَا فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إلَّا وَإِنَّ سَفْكَ دِمَائِكُمْ وَأَكْلَ أَمْوَالِكُمْ وَثَلْبَ أَعْرَاضِكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ جَمِيعُ مَا يَرِدُ مِنْ الْأَحْكَامِ كَانَ أَصْلُهُ أَنْ يُضَافَ إلَى الْأَفْعَالِ وَيُرَكَّبَ مَعَهَا فَإِذَا رُكِّبَ مَعَ الذَّوَاتِ فِي الْعُرْفِ وَمَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَوْلَا أَنَّهُ يَقُولُ فِي الْقَدِيمِ إنَّ إحْرَامَ الْمُحْرِمِ مِنْ بَلَدِهِ أَفْضَلُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ ﷺ «مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك» وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ بِكَرَاهَةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ وَتَأَوَّلَهُ أَهْلُ مَذْهَبِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ تَأْوِيلِهِ لَا حَاجَةَ إلَى الْفَرْقِ إلَّا فِيمَا بَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْمَنْعِ إنْ لَمْ تُحْمَلْ الْكَرَاهَةُ عَلَيْهِ قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ أَنَّ الْمِيقَاتَ الْمَكَانِيَّ يَثْبُتُ لِإِحْرَامٍ بَعْدَهُ فَيَثْبُتُ قَبْلَهُ تَسْوِيَةٌ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ إلَخْ) قُلْت هَذَا الْفَرْقُ ضَعِيفٌ جِدًّا وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَالِكًا لَا يَحْتَاجُ إلَى فَرْقٍ وَالشَّافِعِيِّ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَيُخَصِّصُهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَى الْأَلْفَاظِ وَلَا يُخَصِّصُهَا إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْإِحْسَانِ التَّوْسِعَةَ فِيهِ بِكُلِّ طَرِيقٍ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْسَرُ لِكَثْرَةِ وُقُوعِهِ قَطْعًا وَفِي الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ وَسِيلَةٌ إلَى تَقْلِيلِهِ مَعَ أَنَّهُ إذَا وَهَبَ لَهُ عَبْدَهُ الْآبِقَ وَلَمْ يَجِدْهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ شَيْئًا وَأَلْحَقَ مَالِكٌ بِهَذَا الْقِسْمِ الْخُلْعَ نَظَرًا لِكَوْنِ الْعِصْمَةِ وَإِطْلَاقِهَا لَيْسَ مِنْ بَابِ مَا يُقْصَدُ بِالْمُعَاوَضَةِ بَلْ شَأْنُ الطَّلَاقِ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ شَيْءٍ كَالْهِبَةِ الْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا لَمْ يَكُنْ مُعَاوَضَةً صِرْفَةً وَلَا إحْسَانًا صِرْفًا كَالنِّكَاحِ فَهُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَالَ فِيهِ لَيْسَ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْمَوَدَّةُ وَالْأُلْفَةُ وَالسُّكُونُ يَقْتَضِي أَنْ يَجُوزَ فِيهِ الْجَهَالَةُ وَالْغَرَرُ مُطْلَقًا وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ اشْتَرَطَ فِيهِ الْمَالَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] يَقْتَضِي امْتِنَاعَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ فِيهِ فَلِوُجُودِ الشَّبَهَيْنِ فِيهِ تَوَسَّطَ مَالِكٌ فَجَوَّزَ فِيهِ الْغَرَرَ الْقَلِيلَ نَحْوَ عَبْدٍ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ وَشُورَةِ بَيْتٍ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهِ لِلْوَسَطِ الْمُتَعَارَفِ وَلَمْ يَجُزْ فِيهِ الْغَرَرُ الْكَثِيرُ نَحْوُ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ لِأَنَّهُ لَا ضَابِطَ لَهُ وَعَمَّمَ الشَّافِعِيُّ الْمَنْعَ مِنْ الْجَهَالَةِ فِي جَمِيعِ التَّصَرُّفَاتِ. وَلَوْ كَانَتْ إحْسَانًا صِرْفًا كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِبْرَاءِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ إلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ فِي نَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ وَعَنْ بَيْعِ الْمَجْهُولِ لَمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهَا مَا يَعُمُّ هَذِهِ الْأَقْسَامَ حَتَّى نَقُولَ يَلْزَمُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ مُخَالَفَةُ نُصُوصِ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ بَلْ إنَّمَا وَرَدَتْ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ كَانَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِقْهًا جَمِيلًا بِخِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْغَرَرِ الْقَلِيلِ الْمُغْتَفَرِ فِي النِّكَاحِ هُوَ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي نَحْوِ الْبَيْعِ وَهُوَ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ دَيْنًا نُذِرَ إلَّا مَا يُغْتَفَرُ فِيهِ أَيْضًا وَهُوَ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ غَالِبُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْمُشْتَرَكِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ فِي النَّهْيِ نَظِيرُ الْمُشْتَرَكِ فِي النَّفْيِ فَكَمَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُشْتَرَكِ نَفْيُ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ لِقَوْلِ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَعَمِّ نَفْيُ الْأَخَصِّ كَذَلِكَ يَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْمُشْتَرَكِ أَنْ لَا يَدْخُلَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ الْوُجُودَ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّهُ لَوْ دَخَلَ فَرْدٌ لَدَخَلَ هُوَ فِي ضِمْنِهِ فَإِنَّ مَعْنَى النَّهْيِ الْأَمْرُ بِإِعْدَامِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ وَأَنْ لَا تَدْخُلَ فِي الْوُجُودِ أَلْبَتَّةَ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِإِجْرَاءِ حُكْمٍ فِي الْمُشْتَرَكِ نَظِيرُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِيهِ فَكَمَا أَنَّ الْآمِرَ أَمَرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ يَقْتَضِي عِتْقَ شَخْصٍ مُبْهَمٍ وَإِخْرَاجَ شَاةٍ مُبْهَمَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَإِنْ كَانَتْ ضَرُورَةُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا أُمِرَ بِهِ تُعَيِّنُهُ إذْ لَا يُمْكِنُ الْأَمْرُ بِنَفْسِ الْحَقِيقَةِ الْكُلِّيَّةِ إلَّا عَلَى سَبِيلِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ وَكَيْفَ يَسُوغُ ذَلِكَ. وَمِنْ ضَرُورَةِ الْحَقِيقَةِ

стр. 171

بَقِيَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْعُرْفِ إلَّا مَعَ الذَّوَاتِ فَصَارَ هَذَا التَّرْكِيبُ الْخَاصُّ وَهُوَ تَرْكِيبُ الْحُكْمِ مَعَ الذَّوَاتِ مَوْضُوعًا فِي الْعُرْفِ لِلتَّعْبِيرِ بِهِ عَنْ تَحْرِيمِ الْأَفْعَالِ الْمُضَافَةِ لِتِلْكَ الذَّوَاتِ وَلَيْسَ كُلُّ الْأَفْعَالِ بَلْ فِعْلٌ خَاصٌّ مُنَاسِبٌ لِتِلْكَ الذَّوَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ وَتَحْصِيلُهُ وَثَانِيهَا أَفْعَالٌ لَيْسَتْ بِأَحْكَامٍ كَقَوْلِهِمْ فِي الْعُرْفِ أَكَلْت رَأْسًا وَأَكَلَ رَأْسًا فَلَا يَكَادُونَ يَنْطِقُونَ بِلَفْظِ الْأَكْلِ كَيْفَمَا كَانَ وَتَصَرَّفَ إلَّا مَعَ رُءُوسِ الْأَنْعَامِ دُونَ جَمِيعِ الرُّءُوسِ بِخِلَافِ رَأَيْت وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ يُرَكِّبُونَهُ مَعَ رُءُوسِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا قَالُوا رَأَيْنَا رَأْسًا احْتَمَلَ ذَلِكَ جَمِيعَ الرُّءُوسِ بِخِلَافِ لَفْظِ الْأَكْلِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَتَلَ زَيْدٌ عَمْرًا هُوَ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِإِذْهَابِ الْحَيَاةِ ثُمَّ هُوَ الْيَوْمَ فِي إقْلِيمِ مِصْرَ مَوْضُوعٌ لِلضَّرْبِ خَاصَّةً فَيَقُولُونَ قَتَلَهُ الْأَمِيرُ بِالْمَقَارِعِ قَتْلًا جَيِّدًا وَلَا يُرِيدُونَ إلَّا ضَرْبَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمَنْقُولَاتِ الْعُرْفِيَّةِ وَالْأَوْضَاعُ الْعُرْفِيَّةُ هِيَ الطَّارِئَةُ عَلَى اللُّغَةِ وَأَمْكَنَ فِي هَذَا الْمِثَالِ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ بَلْ الْمَجَازُ هَاهُنَا فِي مُفْرَدٍ لَا مُرَكَّبٍ وَهُوَ لَفْظُ قَتَلَ صَارَ وَحْدَهُ مَجَازًا فِي ضَرَبَ وَأَمَّا التَّرْكِيبُ فَهُوَ عَلَى مَوْضِعِهِ اللُّغَوِيِّ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْمِثَالِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ يَعْصِرُ الْخَمْرَ مَعَ أَنَّ الْخَمْرَ لَا تُعْصَرُ بَلْ صَارَ هَذَا التَّرْكِيبُ مَوْضِعًا لِعَصْرِ الْعِنَبِ وَمُقْتَضَى اللُّغَةِ أَنْ لَا يَصِحَّ هَذَا الْكَلَامُ إلَّا بِمُضَافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فُلَانٌ يَعْصِرُ عِنَبَ الْخَمْرِ لَكِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا يَقْصِدُونَ هَذَا الْمُضَافَ بَلْ يُعَبِّرُونَ بِهَذَا الْمُرَكَّبِ عَنْ عَصْرِ الْعِنَبِ كَمَا يُعَبِّرُونَ بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ عَنْ تَحْرِيمِ أَكْلِهَا فَهَذَا مَجَازٌ فِي التَّرْكِيبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللُّغَةِ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً مَنْقُولَةً لِلْمَعْنَى الْخَاصِّ. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ أَهْلِ الْعُرْفِ قَتَلَ فُلَانٌ قَتِيلًا وَطَحَنَ دَقِيقًا وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ فِي الْعُرْفِ وَفِي اللُّغَةِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْقَتِيلَ لَا يُقْتَلُ وَإِنَّمَا يُقْتَلُ الْحَيُّ، وَالدَّقِيقُ لَا يُطْحَنُ وَإِنَّمَا يُطْحَنُ الْقَمْحُ فَعَلَى رَأْيِ أَهْلِ اللُّغَةِ يَصِحُّ بِمُضَافٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ طُحِنَ قَمْحُ دَقِيقٍ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي عِنَبِ خَمْرٍ وَقُتِلَ جَسَدُ قَتِيلٍ وَيُرِيدُونَ بِالْجَسَدِ الْجَسَدَ الْحَيَّ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعُرْفِ فَلَا يَعْرُجُونَ عَلَى هَذِهِ الْمُضَافَاتِ وَلَا تَخْطُرُ بِبَالِهِمْ بَلْ صَارَ هَذَا اللَّفْظُ الْمُرَكَّبُ مَوْضُوعًا عِنْدَهُمْ لِقَتْلِ الْحَيِّ وَطَحْنِ الْقَمْحِ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ فَاعْتَبِرْ الْحَقَائِقَ الْعُرْفِيَّةَ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَالْمُرَكَّبَاتِ، وَاعْتَبِرْ اللَّفْظَ هَلْ انْتَقَلَ فِي الْعُرْفِ أَمْ لَا مُفْرَدًا أَوْ مُرَكَّبًا وَبِذَلِكَ يُعْرَفُ الْمَجَازُ فِي التَّرْكِيبِ وَالْإِفْرَادِ فَكُلُّ لَفْظٍ مُفْرَدٍ انْتَقَلَ فِي الْعُرْفِ لِغَيْرِ مُسَمَّاهُ وَصَارَ يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ مُسَمَّاهُ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ كَالدَّابَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحِمَارِ بِإِقْلِيمِ مِصْرَ فَهُوَ مَجَازٌ مُفْرَدٌ وَمَنْقُولٌ عُرْفِيٌّ فِي الْمُفْرَدَاتِ وَكُلُّ لَفْظٍ كَانَ شَأْنُهُ أَنْ يُرَكَّبَ مَعَ لَفْظٍ فَصَارَ يُرَكَّبُ مَعَ غَيْرِهِ وَلَوْ رُكِّبَ أَوَّلًا لَكَانَ مُنَكَّرًا وَهُوَ الْآنَ غَيْرُ مُنَكَّرٍ فَهُوَ مَنْقُولٌ عُرْفِيٌّ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ وَمَجَازٌ فِي الْمُرَكَّبَاتِ وَيَكُونُ الْمَجَازُ فِيهِ وَقَعَ فِي التَّرْكِيبِ دُونَ الْإِفْرَادِ وَقَدْ يَجْتَمِعُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكُلِّيَّةِ أَنْ لَا وُجُودَ لَهَا فِي غَيْرِ الْأَذْهَانِ عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُثْبِتِينَ لَهَا كَذَلِكَ قَوْلُك إنْسَانٌ فِي الدَّارِ يَكْفِي فِي صِدْقِهِ فَرْدٌ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ فِيهِ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَ ذَلِكَ الْفَرْدُ فِيهِ كَانَ مُطْلَقُ الْإِنْسَانِ فِيهِ وَمُطْلَقُ الْحَيَوَانِ وَجَمِيعُ أَجْنَاسِهِ وَفُصُولِهِ تَحْصُلُ مُطْلَقًا فِيهِ فَالْمُشْتَرَكُ فِي النَّهْيِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمَاهِيَّةُ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ وَالْعَامُّ الْمُعَرِّفُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ الْمُتَحَقِّقَةِ فِي جَمِيعِ الْأَفْرَادِ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُهَا فِي جَمِيعِهَا وَالْكُلِّيُّ الْمُعَرِّفُ عِنْدَ أَرْبَابِ الْمَعْقُولِ بِمَا لَا يَمْنَعُ نَفْسَ تَصَوُّرِهِ مِنْ وُقُوعِ الشَّرِكَةِ فِيهِ كَالرَّقَبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَفْرَادِ الرِّقَابِ وَالْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَشْخَاصِهِ وَكَذَلِكَ النَّكِرَةُ فِي نَحْوِ قَوْلِهِمْ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ وَهُوَ الْقَلِيلُ فِي اسْتِعْمَالِ النَّكِرَةِ وَالْمُشْتَرَكُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ عِبَارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ وَالْمَاهِيَّةُ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ وَالْمُطْلَقُ الْمُعَرَّفُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ بِالْوَاحِدِ الْمُبْهَمِ كَالنَّكِرَةِ فِي نَحْوِ قَوْلِ الْقَائِلِ اشْتَرِ ثَوْبًا يُرِيدُ فَرْدًا مُبْهَمًا مِنْ الْأَشْخَاصِ الَّتِي فِيهَا حَقِيقَةُ الثَّوْبِ وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْكَثِيرُ فِي النَّكِرَةِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ عَيْنُ الْفَرْقِ الْمَارِّ بَيْنَ الْمَاهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَمُطْلَقِ الْمَاهِيَّةِ. وَعَيْنُ مَا فَرَّقَ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ قَالَ الْعَلَّامَةُ الأنبابي عَلَى بَيَانِيَّةِ الصَّبَّانِ: فَعُمُومُ الْعَامِّ شُمُولٌ بِخِلَافِ عُمُومِ الْمُطْلَقِ نَحْوُ رَجُلٍ وَأَسَدٍ وَإِنْسَانٍ فَإِنَّهُ بَدَلِيٌّ حَتَّى إذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَدَاةُ النَّفْيِ أَوْ أَلْ الِاسْتِغْرَاقِيَّة صَارَ عَامًّا فَلَيْسَ مَاصَدَق الْمُطْلَقُ وَالْعَامُّ وَاحِدًا كَمَا تَوَهَّمَ بَلْ مَاصَدَق الْأَوَّلُ أَلْفَاظُ عُمُومِهَا بَدَلِيٌّ وَمَاصَدَقَ الثَّانِي أَلْفَاظُ عُمُومِهَا شُمُولِيٌّ قَالَ: الزَّرْكَشِيُّ فِي الْبَحْرِ الْمُحِيطِ فِي مَبْحَثِ الْعَامِّ الْعُمُومُ يَقَعُ عَلَى مُسَمَّى عُمُومِ الشُّمُولِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا وَعَلَى عُمُومِ الصَّلَاحِيَّةِ وَيُقَالُ لَهُ عُمُومُ الْبَدَلِ وَهُوَ فِي الْمُطْلَقِ وَتَسْمِيَتُهُ عَامًّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَوَارِدَهُ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ لَا أَنَّهُ فِي نَفْسِهِ عَامٌّ اهـ يَعْنِي أَنَّ تَسْمِيَتَهُ عَامًّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَفْرَادَهُ الَّتِي يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْهَا عَلَى الْبَدَلِ غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ مِنْ الْعَامِّ إذْ الْمُعْتَبَرُ فِي الْعَامِّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ تَعْرِيفِهِ الْعُمُومُ الشُّمُولِيُّ بِحَيْثُ يَتَنَاوَلُ اللَّفْظُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ دَفْعَةً وَهَذَا غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ فِي الْمُطْلَقِ وَقَدْ صَرَّحَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الشُّمُولِيَّ هُوَ مَعْنَى الْعُمُومِ فَتَنَبَّهْ اهـ بِلَفْظِهِ فَمِنْ هُنَا قَالَ قَبْلَ هَذَا مُسَايَرَةً لِغَيْرِهِ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ دَلَالَةَ الْعَامِّ كَعَبِيدِي عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فَرْدًا أَيْ كَدَلَالَةِ نَحْوِ عَبِيدِي عَلَى ثَلَاثَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ تَضَمُّنِيَّةٌ إذْ الْمَقْصُودُ بِالْأَفْرَادِ الْأَبْعَاضُ فَكُلُّ فَرْدٍ مِنْهَا جُزْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ فِي حَالِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُزْءٌ اهـ لَكِنَّهُ تَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ مَعَ كَوْنِ الْمَقْصُودِ الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ لَا عَلَى الْمَجْمُوعِ كَمَا حَقَّقْنَاهُ فِيمَا عَلَّقْنَاهُ

стр. 172

الْمَجَازُ فِي التَّرْكِيبِ وَالْإِفْرَادِ فَهِيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مَجَازٌ مُفْرَدٌ فَقَطْ كَالْأَسَدِ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَمَجَازٌ مُرَكَّبٌ فَقَطْ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَإِنَّ السُّؤَالَ اُسْتُعْمِلَ فِي السُّؤَالِ وَلَفْظُ الْقَرْيَةِ اُسْتُعْمِلَ فِي الْقَرْيَةِ وَلَكِنَّ تَرْكِيبَ السُّؤَالِ مَعَ الْقَرْيَةِ مَجَازٌ فِي التَّرْكِيبِ لِأَنَّ شَأْنَهُ أَنْ يُرَكَّبَ مَعَ أَهْلِهَا وَهَذَا مَجَازٌ فِي التَّرْكِيبِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ النَّقْلِ بِخِلَافِ يَعْصِرُ الْخَمْرَ وَيَطْحَنُ الدَّقِيقَ فَإِنَّهُمَا وَصَلَا إلَى حَدِّ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ. وَمِثَالُ اجْتِمَاعِهِمَا مَعًا قَوْلُك أَرْوَانِي الْخُبْزُ وَأَشْبَعَنِي الْمَاءُ فَإِنَّك تَسْتَعْمِلُ أَرْوَانِي فِي الشِّبَعِ، وَالشِّبَعُ فِي رَوَانِي فَيَقَعُ الْمَجَازُ فِي الْإِفْرَادِ وَتَجْعَلُ فَاعِلَ أَرْوَى الْخُبْزَ وَهُوَ خِلَافُ أَصْلِ اللُّغَةِ وَفَاعِلَ الشِّبَعِ الْمَاءَ وَهُوَ خِلَافُ أَصْلِ اللُّغَةِ فَهَذَانِ الْمِثَالَانِ جَمَعَا بَيْنَ الْمَجَازِ فِي الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ دُونَ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ إذَا ظَهَرَ لَك أَنَّ الْعُرْفَ كَمَا يَنْقُلُ أَهْلُهُ اللَّفْظَ الْمُفْرَدَ فَيَنْقُلُونَ أَيْضًا اللَّفْظَ الْمُرَكَّبَ فَمِثْلُ هَذَا النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ يُقَدَّمُ عَلَى مَوْضُوعِ اللُّغَةِ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ لِلُّغَةِ وَالنَّاسِخُ يُقَدَّمُ عَلَى الْمَنْسُوخِ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ الْحَقَائِقَ الْعُرْفِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ. وَأَمَّا الْعُرْفُ الْفِعْلِيُّ فَمَعْنَاهُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِمَعْنًى يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُ أَهْلِ الْعُرْفِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى دُونَ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِهِ مِثَالُهُ أَنَّ لَفْظَ الثَّوْبِ صَادِقٌ لُغَةً عَلَى ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالْحَرِيرِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ مِنْ الثِّيَابِ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ دُونَ الْأَخِيرَيْنِ فَهَذَا عُرْفٌ فِعْلِيٌّ وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْخُبْزِ يَصْدُقُ لُغَةً عَلَى خُبْزِ الْفُولِ وَالْحِمَّصِ وَالْبُرِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ الْأَخِيرَ فِي أَغْذِيَتِهِمْ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ فَوُقُوعُ الْفِعْلِ فِي نَوْعٍ دُونَ نَوْعٍ لَا يُخِلُّ بِوَضْعِ اللَّفْظِ لِلْجِنْسِ كُلِّهِ فَإِنَّ تَرْكَ مُسَمَّى لَفْظٍ لَمْ يُبَاشَرْ لَا يُخِلُّ بِوَضْعِ اللَّفْظِ فَإِنَّا لَمْ نُبَاشِرْ الْيَاقُوتَ وَلَمْ يُخِلَّ ذَلِكَ بِوَضْعِ لَفْظِ الْيَاقُوتِ لَهُ نَعَمْ لَوْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ الْيَاقُوتِ فِي نَوْعٍ آخَرَ مِنْ الْأَحْجَارِ حَتَّى صَارَ لَا يُفْهَمُ إلَّا ذَلِكَ الْحَجَرُ دُونَ الْيَاقُوتِ لِأَجْلِ ذَلِكَ بِوَضْعِ لَفْظِ الْيَاقُوتِ لِلْيَاقُوتِ وَكَانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلَفْظِ الْيَاقُوتِ عَنْ مُسَمَّاهُ الْأَوَّلِ فَهَذَا الْمِثَالُ يُوَضِّحُ لَك أَنَّ تَرْكَ مُبَاشَرَةِ الْمُسَمَّيَاتِ لَا يُخِلُّ بِالْوَضْعِ وَغَلَبَةَ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْمُسَمَّى فِي غَيْرِهِ يُخِلُّ، فَهَذَا هُوَ تَحْرِيرُ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ وَتَحْرِيرُ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ، وَتَحْرِيرُ أَنَّ الْعُرْفَ الْقَوْلِيَّ يُؤَثِّرُ فِي اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ تَخْصِيصًا وَتَقْيِيدًا وَإِبْطَالًا وَأَنَّ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ تَخْصِيصًا وَلَا تَقْيِيدًا وَلَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا إنَّ الْحَقَائِقَ الْعُرْفِيَّةَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ) قُلْت جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ. قَالَ (وَأَمَّا الْعُرْفُ الْفِعْلِيُّ فَمَعْنَاهُ أَنْ يُوضَعَ اللَّفْظُ لِمَعْنًى يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُ أَهْلِ الْعُرْفِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْمُسَمَّى دُونَ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِهِ مِثَالُهُ أَنَّ لَفْظَ الثَّوْبِ صَادِقٌ لُغَةً عَلَى ثِيَابِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَالْحَرِيرِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ وَأَهْلُ الْعُرْفِ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُونَ مِنْ الثِّيَابِ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ دُونَ الْأَخِيرِ فَهَذَا عُرْفٌ فِعْلِيٌّ إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَى شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ. اهـ. يَعْنِي وَمُقْتَضَى كَوْنِ الْمَقْصُودِ الْحُكْمَ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ لَفْظِ الْعَامِّ كَعَبِيدِي عَلَى الْفَرْدِ كَثَلَاثَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ فِي حَالِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُ الْحَقِيقَةِ فِيهِ مُطَابَقِيَّة وَعَلَى وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ تَضَمُّنِيَّةً وَأَمَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ فَخَارِجَةٌ عَنْ أَنْوَاعِ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ الْوَضْعِيَّةِ مَا لَمْ تُلَاحَظْ عَلَاقَةٌ وَقَرِينَةٌ وَإِلَّا كَانَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً اتِّفَاقًا وَلَا تَكُونُ دَلَالَةُ لَفْظِ الْعَامِّ عَلَى فَرْدِهِ الْمَذْكُورِ فِي حَالِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جُزْءٌ تَضَمُّنِيَّةً كَمَا قِيلَ إلَّا إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْحُكْمُ عَلَى الْمَجْمُوعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قُلْت: وَعَلَيْهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ يَدُلُّ عَلَى فَرْدِهِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مُطَابَقَةً وَالْمُطْلَقُ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْدِ الْمُبْهَمِ مُطَابَقَةً أَيْضًا هُوَ أَنَّ الْعَامَّ يَدُلُّ عَلَى فَرْدِهِ الْمَذْكُورِ مُطَابَقَةً مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُ الْمَوْضُوعِ لَهُ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ الْكُلِّيَّةُ فِيهِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَالْمُطْلَقُ يَدُلُّ عَلَى الْفَرْدِ الْمُبْهَمِ مُطَابَقَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ لَا مِنْ حَيْثُ تَحَقُّقُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِيهِ فَافْهَمْ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْقَائِلَ لِغُلَامِهِ إذَا قَالَ: أَلْزَمْتُك النَّهْيَ أَوْ النَّفْيَ وَاقِعٌ فِي الدَّارِ إنْ أَرَادَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي النَّهْيِ وَالنَّفْيِ الْعَهْدُ فِي الشَّخْصِ أَيْ فِي نَهْيٍ مُعَيَّنٍ وَنَفْيٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرَكُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَوْ الْمَنْفِيُّ عَنْهُ وَهُوَ الْمَدْلُولُ الْتِزَامًا مُعَيَّنًا وَإِنْ أَرَادَ بِهَا فِيهِمَا الْعَهْدُ فِي الْجِنْسِ أَيْ فِي نَهْيٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَفِي نَفْيٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَدْلُولُ الِالْتِزَامِيُّ وَهُوَ الْمُشْتَرَكُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ أَوْ الْمَنْفِيُّ عَنْهُ كَذَلِكَ أَيْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُعَيَّنًا. وَإِذَا كَانَ مُعَيَّنًا لَزِمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُتَعَلِّقِ بِهِ وَهُوَ النَّهْيُ أَوْ النَّفْيُ وَقَدْ فُرِضَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا فِيهَا الْعُمُومَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعُمُومِ فِي الْمُتَعَلِّقِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَدْلُولِ الْمُشْتَرَكِ مُطَابَقَةً فِي النَّهْيِ وَالنَّفْيِ وَمَدْلُولِهِ الْتِزَامًا فِيهِمَا وَكَذَلِكَ إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَحَنِثَ بِأَنْ قَالَ: عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَهُ أَرْبَعُ زَوْجَاتٍ فَإِذَا جُعِلَتْ الْأَلْفُ وَاللَّامُ فِي الطَّلَاقِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ لِلْعَهْدِ فِي الْجِنْسِ كَانَ الطَّلَاقُ مُطْلَقًا فِي أَفْرَادِهِ مُطَابَقَةً فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا فِي الزَّوْجَاتِ الْتِزَامًا أَوْ لِلْعُمُومِ كَانَ الطَّلَاقُ عَامًّا فِي أَفْرَادِهِ مُطَابَقَةً فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي الزَّوْجَاتِ وَفِي أَنْوَاعِ الطَّلَاقِ مِنْ الثَّلَاثِ وَغَيْرِهَا الْتِزَامًا إلَّا أَنَّهُ لَا عُمُومَ فِي إفْرَادِ الطَّلَاقِ بِحَسَبِ عُرْفِ الْفُقَهَاءِ وَالنَّاسِ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا أَلْزَمَ بِهِ غَيْرَ طَلْقَةٍ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَلَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَعُمَّهُنَّ الطَّلَاقُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ بَلْ يُخَيِّرَ فِي التَّعْيِينِ أَوْ يَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّرْجِيحُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ لِأَنَّ بَعْضَهُنَّ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَجَمَاعَةً مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا بِعُمُومِ الطَّلَاقِ فِيهِنَّ احْتِيَاطًا

стр. 173

إبْطَالًا لِعَدَمِ مُعَارَضَةِ الْفِعْلِ وَعَدَمِهِ لِوَضْعِ اللُّغَةِ وَمُعَارَضَةِ غَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْعُرْفِ لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ. وَقَدْ حَكَى جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْإِجْمَاعَ فِي أَنَّ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ لَا يُؤَثِّرُ بِخِلَافِ الْعُرْفِ الْقَوْلِيِّ وَرَأَيْت الْمَازِرِيَّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ حَاوَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ نَقَلَ خِلَافًا فِي ذَلِكَ وَنَقَلَ مَثَلًا عَنْهُ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَقَدْ نَقَلْتهَا فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَبَيَّنْت مَعْنَاهَا وَأَنَّهُ لَيْسَ خِلَافًا فِي اعْتِبَارِ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ بَلْ لِذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ وَالظَّاهِرُ حُصُولُ الْإِجْمَاعِ فِيهِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَزَمَ بِحُصُولِ الْخِلَافِ فِيهِ بَلْ رَأَى كَلَامًا لِبَعْضِ النَّاسِ أَوْجَبَ شَكًّا وَتَرَدُّدًا وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمِثْلِ الْمُشَارِ إلَيْهَا وَأَنَا أُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِذِكْرِ أَرْبَعِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا فَرَضْنَا مَلِكًا أَعْجَمِيًّا يَتَكَلَّمُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ يَعْرِفُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهَا لِثِقَلِهَا عَلَيْهِ فَحَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَلَا يَأْكُلُ خُبْزًا وَكَانَ حَلِفُهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهَا وَعَادَتُهُ فِي غِذَائِهِ لَا يَأْكُلُ إلَّا خُبْزَ الشَّعِيرِ وَلَا يَلْبَسُ إلَّا ثِيَابَ الْقُطْنِ فَإِنَّا نُحَنِّثُهُ بِأَيِّ ثَوْبٍ لَبِسَهُ وَبِأَيِّ خُبْزٍ أَكَلَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُعْتَادِهِ فِي فِعْلِهِ أَمْ لَا وَهَذَا إذَا لَمْ تَجْرِ لَهُ عَادَةٌ بِاسْتِعْمَالِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ اسْتِعْمَالَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَكَانَ طُولَ أَيَّامِهِ يَقُولُ أَكَلْت خُبْزًا وَأْتُونِي بِخُبْزٍ وَعَجِّلُوا بِالْخُبْزِ وَالْخُبْزُ عَلَى الْمَائِدَةِ قَلِيلٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَا يُرِيدُ فِي هَذَا النُّطْقِ كُلِّهِ إلَّا خُبْزَ الشَّعِيرِ الَّذِي جَرَتْ عَادَتُهُ بِهِ فَيَصِيرُ لَهُ فِي لَفْظِ الْخُبْزِ عُرْفٌ قَوْلِيٌّ نَاسِخٌ لِلُّغَةِ فَلَا نُحَنِّثُهُ بِغَيْرِ خُبْزٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ نَقْلِ الْإِجْمَاعِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ هَذِهِ الْمِثْلِ الْمُشَارِ إلَيْهَا) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْعُرْفَ الْفِعْلِيَّ لَا يُؤَثِّرُ فِي وَضْعِ اللَّفْظِ لِلْجِنْسِ كُلِّهِ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ مَا أَرَادَ بِنَاءَهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَعَادَتُهُ لُبْسُ ثَوْبِ الْكَتَّانِ دُونَ غَيْرِهِ بِحَيْثُ يَحْنَثُ بِلُبْسِ غَيْرِ الْكَتَّانِ لَيْسَ بِمُسَلَّمٍ لَهُ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ (وَأَنَا أُوَضِّحُ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِذِكْرِ أَرْبَعِ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إذَا فَرَضْنَا مَلِكًا أَعْجَمِيًّا يَتَكَلَّمُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَهُوَ يَعْرِفُ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ بِهَا لِثِقَلِهَا عَلَيْهِ فَحَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَلَا يَأْكُلُ خُبْزًا وَكَانَ حَلِفُهُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِاسْتِعْمَالِهَا وَعَادَتُهُ فِي غِذَائِهِ لَا يَأْكُلُ إلَّا خُبْزَ الشَّعِيرِ وَلَا يَلْبَسُ إلَّا ثِيَابَ الْقُطْنِ فَإِنَّا نُحَنِّثُهُ بِأَيِّ ثَوْبٍ لَبِسَهُ وَبِأَيِّ خُبْزٍ أَكَلَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُعْتَادِهِ فِي فِعْلِهِ أَوْ لَا إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت لَا نُسَلِّمُ لَهُ تَحْنِيثَهُ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ اقْتِصَارُهُ عَلَى أَكْلِ خُبْزِ الشَّعِيرِ وَلُبْسِ الْقُطْنِ مُقَيِّدٌ لِمُطْلَقِ لَفْظِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قُبَيْلِ بِسَاطِ الْحَالِ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ إنَّمَا تُعْتَبَرُ بِالنِّيَّةِ ثُمَّ بِبِسَاطِ الْحَالِ فَإِذَا عُدِمَا حِينَئِذٍ تُعْتَبَرُ بِالْعُرْفِ ثُمَّ بِاللُّغَةِ إنْ عُدِمَ الْعُرْفُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِلزَّوْجِ وَصَوْنًا لَهَا عَنْ مُوَاقَعَةِ الزِّنَا فَإِنَّ الطَّلَاقَ قَدْ ثَبَتَ بِقَوْلِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَوَقَعَ الشَّكُّ وَالِاحْتِمَالُ فِي عُمُومِهِ لِمُحَالِهِ أَوْ خُصُوصِهِ فَحُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ فِيهَا احْتِيَاطًا كَمَا فِيمَا إذَا طَلَّقَ وَشَكَّ هَلْ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَكَّ فِي أَصْلِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ اسْتِصْحَابًا بِالْأَصْلِ الْعِصْمَةُ كَمَا مَرَّ وَلَا يَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يُخَيِّرُوهُ إذَا قَالَ: يَلْزَمُنِي الطَّلَاقُ وَإِنْ خَيَّرُوهُ فِي إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ فِي قَوْلِهِ إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ بَيِّنٌ لِتَعْلِيقِهِ الطَّلَاقَ بِوَاحِدَةٍ أَمَّا حَيْثُ لَمْ يُعَلِّقْ الطَّلَاقَ بِوَاحِدَةٍ فَلَيْسَ التَّخْيِيرُ بِالْبَيِّنِ فَإِنْ نَوَى بِالطَّلَاقِ بَعْضَهُنَّ ذَاهِلًا عَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ إلَّا فِي الْبَعْضِ الَّذِي نَوَاهُ وَحْدَهُ كَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْحِنْثُ فِيمَا عَدَا مَا نَوَاهُ إذَا أَتَى بِصِيغَةِ عُمُومٍ نَحْوِ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا لِأَنَّ النِّيَّةَ أَوَّلُ مُعْتَبَرٍ فِي الْحَالِفِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فَاحْفَظْهُ. (وَصْلٌ) فِي تَحْقِيقِ فِقْهِ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أَثْبَتَ الْوُجُوبَ فِي رَقَبَةٍ وَاحِدَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ فَلَا يَعُمُّ بَلْ تَكْفِي رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ بِالنَّصِّ وَبِذَلِكَ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ تَبَعًا لِلنَّصِّ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) لَوْ قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ حَرَّمْت عَلَيْكُمْ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَنَازِيرِ حَرُمَ كُلُّ خِنْزِيرٍ لِأَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْأَعَمِّ يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْلِيقُهُ بِالْأَخَصِّ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا قَالَ: لِنِسَائِهِ: إحْدَاكُنَّ طَالِقٌ حَرُمَتْ عَلَيْهِ كُلُّهُنَّ بِالطَّلَاقِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْأُمُورِ عِبَارَةً عَنْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْهَا فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ وَالْكَلَامُ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مُقْتَضٍ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ نَظَرًا لِلِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ كَمَا أَجَابَ بِهِ الْأَكَابِرُ وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ هَذَا الِاحْتِيَاطِ كُلُّ دَلِيلٍ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ تَوَقِّي الشُّبُهَاتِ وَلَا يَتِمُّ جَوَابُ الْأَصْلِ بِبِنَائِهِ عَلَى ثَلَاثِ قَوَاعِدَ: الْأُولَى أَنَّ مَفْهُومَ أَحَدِ الْأُمُورِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهَا لِصِدْقِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَالصَّادِقُ عَلَى عَدَدٍ وَأَفْرَادٍ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ. الثَّانِيَةُ: أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمٌ لِأَنَّهُ رَافِعٌ لِمُوجِبِ النِّكَاحِ وَالنِّكَاحُ لِلْإِبَاحَةِ وَرَافِعُ الْإِبَاحَةِ مُحَرَّمٌ فَالطَّلَاقُ مُحَرَّمٌ الثَّالِثَةُ أَنَّ تَحْرِيمَ الْمُشْتَرَكِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَحْرِيمُ جَمِيعِ الْجُزْئِيَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَحْرُمْنَ كُلُّهُنَّ بِالطَّلَاقِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ صَحِيحًا إلَّا أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى غَيْرُ صَحِيحَةٍ إذْ لَيْسَ أَحُطُّ الْأُمُورِ هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَلْ هُوَ وَاحِدٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِنْهَا وَلِذَلِكَ صَدَقَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ الْكُلِّيَّةُ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ وَالصَّادِقُ عَلَى عَدَدٍ وَأَفْرَادٍ مُشْتَرَكٌ

стр. 174

الشَّعِيرِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي ثَوْبِ الْقُطْنِ بِخِلَافٍ إذَا كَانَ لَا يَنْطِقُ بِلَفْظِ الْخُبْزِ وَالثَّوْبِ إلَّا عَلَى النُّدْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ فِي الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ عُرْفٌ مُخَصَّصٌ يُقَدَّمُ عَلَى اللُّغَةِ فَيَحْنَثُ بِعُمُومِ الْمُسَمَّيَاتِ اللُّغَوِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا تَقْيِيدٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُءُوسًا يَحْنَثُ بِجَمِيعِ الرُّءُوسِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِرُءُوسِ الْأَنْعَامِ عِنْدَ أَشْهَبَ وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ قَدْ نَقَلُوا هَذَا اللَّفْظَ الْمُرَكَّبَ أَكَلْت رُءُوسًا لَا كُلَّ رُءُوسِ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا بِسَبَبِ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لِذَلِكَ الْمُرَكَّبِ فِي هَذَا النَّوْعِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ الرُّءُوسِ فَهَذَا مُدْرَكُ أَشْهَبَ فَيُقَدِّمُ النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ عَلَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَابْنُ الْقَاسِمِ يُسَلِّمُ اسْتِعْمَالَ أَهْلِ الْعُرْفِ لِذَلِكَ وَلَكِنْ لَمْ يَصِلْ الِاسْتِعْمَالُ عِنْدَهُ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّقْلِ فَإِنَّ الْغَلَبَةَ قَدْ تَقْصُرُ عَنْ النَّقْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ الْأَسَدِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ اسْتِعْمَالًا كَثِيرًا. وَلَمْ يَصِلْ ذَلِكَ إلَى حَدِّ النَّقْلِ فَإِنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَضَابِطُ النَّقْلِ أَنْ يَصِيرَ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ هُوَ الْمُتَبَادِرُ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ وَغَيْرُهُ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى الْقَرِينَةِ فَهَذَا هُوَ مُدْرَكُ الْقَوْلَيْنِ فَاتَّفَقَ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَنَّ النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى اللُّغَةِ إذَا وُجِدَ وَاخْتَلَفَا فِي وُجُودِهِ هُنَا فَالْكَلَامُ بَيْنَهُمَا فِي تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَلَوْ قَالَ الْقَائِلُ رَأَيْت رَأْسًا لَمْ تَخْتَلِفْ النَّاسُ أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَخْتَصُّ بِرُءُوسِ الْأَنْعَامِ بَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ يُسَمَّى رَأْسًا لُغَةً بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا التَّرْكِيبَ الَّذِي هُوَ رَأَيْت رَأْسًا لَمْ يَكْثُرْ اسْتِعْمَالُهُ فِي نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الرُّءُوسِ دُونَ غَيْرِهِ حَتَّى صَارَ مَنْقُولًا بِخِلَافِ أَكَلْت رَأْسًا فَيُقَرُّ اللَّفْظُ عَلَى مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَلَا نَاسِخٍ وَكَذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ رَأْسًا وَسَقَطَتْ وَوَقَعَتْ رَأْسٌ وَهَذِهِ رَأْسٌ وَفِي الْبَيْتِ رَأْسٌ جَمِيعُ هَذِهِ التَّرَاكِيبِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَقَعْ فِيهَا نَقْلٌ عُرْفِيٌّ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَكَلْت رَأْسًا وَنَحْوَهُ مِنْ صِيَغِ الْأَكْلِ فَإِنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ لَهُ حَتَّى صَارَ إلَى حَيِّزِ النَّقْلِ فَقُدِّمَ عَلَى اللُّغَةِ عِنْدَ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ النَّقْلُ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَكَثِيرٌ مِنْ الشُّرَّاحِ وَالْفُقَهَاءِ إذَا مَرَّ بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقُولُ فِيهَا لَا يُحْنَثُ بِغَيْرِ رُءُوسِ الْأَنْعَامِ لِأَنَّ عَادَةَ النَّاسِ يَأْكُلُونَ رُءُوسَ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا وَلَا تَجِدُ فِي الْكُتُبِ الْمَوْضُوعَةِ لِلشُّرَّاحِ غَيْرَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَهِيَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُمْ يُشِيرُونَ إلَى الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ الْمَلْغِيِّ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا الْمُدْرَكُ الْعُرْفُ الْقَوْلِيُّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُءُوسًا يَحْنَثُ بِجَمِيعِ الرُّءُوسِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِرُءُوسِ الْأَنْعَامِ عِنْدَ أَشْهَبَ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ وَلَا نَجِدُ فِي الْكُتُبِ الْمَوْضُوعَةِ لِلشُّرَّاحِ غَيْرَ هَذِهِ الْعِبَارَةِ وَهِيَ بَاطِلَةٌ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ مُسَمَّى اللَّفْظِ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْفِعْلِيِّ مِنْ جِنْسِ الْبِسَاطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِيهِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَفْرَادِ فَافْهَمْ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ مَالِكٌ إذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبِيدِهِ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَيُعَيِّنُهُ لِلْعِتْقِ نَظَرًا لِكَوْنِ أَحَدِ الْأُمُورِ عِبَارَةً عَنْ وَاحِدٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْهَا فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْعُمُومِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِثُبُوتِ مُقْتَضِيهِ وَلَمْ يُنْظَرْ هُنَا لِلِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ مَعَ أَنَّ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ لِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمٌ لِلْوَطْءِ وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ الْبِغْضَةُ الَّتِي لَا تَصْدُقُ إلَّا مَعَ النَّهْيِ دُونَ الْأَمْرِ بِقَوْلِهِ ﵊ «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ» وَأَنَّ الْعِتْقَ قُرْبَةٌ فِي جَمِيعِ الْإِعْصَارِ وَالْأُمَمِ إلَّا أَنَّ كَوْنَ الْعِتْقِ قُرْبَةً لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمًا لِلْوَطْءِ وَأَخْذِ الْمَنَافِعِ بِطَرِيقِ الْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْبِغْضَةَ فِي الْحَدِيثِ لَا تَصْدُقُ إلَّا مَعَ النَّهْيِ حَتَّى يَتِمَّ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لَا مَأْمُورٌ بِهِ بِخِلَافِ الْعِتْقِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَرَّحَ بِإِبَاحَةِ الطَّلَاقِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا وَحِينَئِذٍ فَتَصْدُقُ الْبِغْضَةُ مَعَ الْأَمْرِ وَتُحْمَلُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَرْجُوحِيَّةِ الْأَمْرِ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الْبِغْضَةُ وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الطَّلَاقَ تَحْرِيمٌ وَيَلْزَمُهُ وُجُوبُ التَّرْكِ وَالْعِتْقَ قُرْبَةٌ وَيَلْزَمُهُ التَّحْرِيمُ وَالْأَحْكَامُ إنَّمَا تَثْبُتُ لِلْأَلْفَاظِ بِنَاءً عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ مُطَابَقَةً دُونَ مَا تَقْتَضِيهِ الْتِزَامًا أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ يَلْزَمُهُ النَّهْيُ عَنْ تَرْكِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ فِيهِ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ بِنَاءً عَلَى النَّهْيِ وَأَنَّ كُلَّ نَهْيٍ يَلْزَمُهُ الْأَمْرُ بِتَرْكِهِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ فِيهِ هُوَ لِلْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى الْأَمْرِ فَلَا تُعْتَبَرُ اللَّوَازِمُ وَإِنَّمَا تُعْتَبَرُ الْحَقَائِقُ مِنْ حَيْثُ هِيَ فَمَدْفُوعَةٌ بِأَنَّ الطَّلَاقَ بِنَفْسِهِ لَيْسَ بِتَحْرِيمٍ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا هُوَ الْمُؤَبَّدُ أَمَّا غَيْرُ الْمُؤَبَّدِ فَلَا. وَإِنَّمَا هُوَ حِلٌّ لِعَقْدِ النِّكَاحِ وَحِلُّ عَقْدِ النِّكَاحِ يَسْتَلْزِمُ صَيْرُورَةَ الزَّوْجَةِ أَجْنَبِيَّةً وَصَيْرُورَتُهَا أَجْنَبِيَّةً يَسْتَلْزِمُ تَحْرِيمَهَا كَمَا أَنَّ الْعِتْقَ رَفْعٌ لِلْمِلْكِ عَنْ الْمَمْلُوكَةِ وَرَفْعُ الْمِلْكِ يُصَيِّرُهَا أَجْنَبِيَّةً مَالِكَةً لِنَفْسِهَا وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ تَحْرِيمُهُمَا فَلَا فَرْقَ قُلْت: نَعَمْ قَدْ يُقَالُ: الْوَجْهُ فِي نَظَرِ مَالِكٍ فِي الطَّلَاقِ لِلِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ وَإِنْ لَزِمَهُ مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ وَفِي الْعِتْقِ لِمَا اقْتَضَاهُ الْإِجْمَاعُ وَإِنْ لَزِمَهُ مُخَالَفَةُ الِاحْتِيَاطِ لِلْفُرُوجِ هُوَ أَنَّ اسْتِلْزَامَ الطَّلَاقِ لِلتَّحْرِيمِ لِخُصُوصِ الْوَطْءِ مُطَّرِدٌ إذْ لَا يَكُونُ غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لَهُ بِخِلَافِ الْعِتْقِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَم [الْفَرَق بَيْنَ قَاعِدَة خِطَابِ التَّكْلِيف وَقَاعِدَة خِطَاب الْوَضْع] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَقَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْوَاقِعَةَ فِي الْوُجُودِ الْمُقْتَضِيَةَ لِأُمُورٍ تُشْرَعُ لِأَجْلِهَا أَوْ تُوضَعُ فَتَقْتَضِيهَا عَلَى الْجُمْلَةِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا خَارِجٌ عَنْ مَقْدُورِ الْمُكَلَّفِ وَهَذَا قَدْ يَكُونُ سَبَبًا كَالِاضْطِرَارِ فِي إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ الْإِمَاءِ وَالسَّلَسِ فِي إسْقَاطِ وُجُوبِ

стр. 175

(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُهُ فَحَنِثَ فَمَشْهُورُ فَتَاوَى الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَعِتْقُ رَقَبَةٍ إنْ كَانَ عِنْدَهُ وَإِنْ كَثُرُوا وَصَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَالْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَطَلَاقُ امْرَأَتِهِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ وَاحِدَةٌ أَوْ ثَلَاثٌ وَالتَّصَدُّقُ بِثُلُثِ الْمَالِ وَلَمْ يُلْزِمُوهُ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَا الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَلَا لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا الرِّبَاطَ فِي الثُّغُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَلَا تَرْبِيَةَ الْيَتَامَى وَلَا كُسْوَةَ الْعَرَايَا وَلَا إطْعَامَ الْجِيَاعِ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْقُرُبَاتِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَاحَظُوا مَا غَلَبَ الْحَلِفُ بِهِ فِي الْعُرْفِ وَمَا يُجْعَلُ يَمِينًا فِي الْعَادَةِ فَأَلْزَمُوا إيَّاهُ لِأَنَّهُ الْمُسَمَّى الْعُرْفِيُّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُسَمَّى اللُّغَوِيِّ وَيَخْتَصُّ حَلِفُهُ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّهَا الْمُشْتَهِرَةُ وَلَفْظُ الْحَلِفِ وَالْأَيْمَانِ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا وَلَيْسَ الْمُدْرَكُ أَنَّ عَادَتَهُمْ يَفْعَلُونَ مُسَمَّيَاتِهَا وَأَنَّهُمْ يَصُومُونَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ يَحُجُّونَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ بَلْ لِغَلَبَةِ اسْتِعْمَالِ الْأَلْفَاظِ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي دُونَ غَيْرِهَا لِأَجْلِ ذَلِكَ صَرَّحُوا وَقَالُوا مَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِالْحَلِفِ بِصَوْمٍ لَزِمَهُ صَوْمُ سَنَةٍ فَجَعَلُوا الْمُدْرَكَ الْحَلِفَ اللَّفْظِيَّ دُونَ الْعُرْفِ الْفِعْلِيِّ فَهَذَا هُوَ مُدْرَكُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى التَّحْرِيرِ وَالتَّحْقِيقِ وَعَلَى هَذَا لَوْ اتَّفَقَ فِي وَقْتٍ آخَرَ اشْتِهَارُ حَلِفِهِمْ وَنَذْرِهِمْ لِلِاعْتِكَافِ وَالرِّبَاطِ وَإِطْعَامِ الْجِيعَانِ وَكُسْوَةِ الْعُرْيَانِ وَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ دُونَ هَذِهِ الْحَقَائِقِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا لَكَانَ اللَّازِمُ لِهَذَا الْحَالِفِ إذَا حَنِثَ الِاعْتِكَافَ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ دُونَ مَا هُوَ مَذْكُورٌ قَبْلَهُ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَرَتِّبَةَ عَلَى الْعَوَائِدِ تَدُورُ مَعَهَا كَيْفَمَا دَارَتْ. وَتَبْطُلُ مَعَهَا إذَا بَطَلَتْ كَالنُّقُودِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْعُيُوبِ فِي الْأَعْرَاضِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَوْ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ فِي النَّقْدِ وَالسِّكَّةِ إلَى سِكَّةٍ أُخْرَى لَحُمِلَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى السِّكَّةِ الَّتِي تَجَدَّدَتْ الْعَادَةُ بِهَا دُونَ مَا قَبْلَهَا وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الشَّيْءُ عَيْبًا فِي الثِّيَابِ فِي عَادَةٍ رَدَدْنَا بِهِ الْمَبِيعَ فَإِذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ وَصَارَ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ مَحْبُوبًا مُوجِبًا لِزِيَادَةِ الثَّمَنِ لَمْ تُرَدَّ بِهِ وَبِهَذَا الْقَانُونِ تُعْتَبَرُ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى الْعَوَائِدِ وَهُوَ تَحْقِيقٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَلْ قَدْ يَقَعُ الْخِلَافُ فِي تَحْقِيقِهِ هَلْ وُجِدَ أَمْ لَا وَعَلَى هَذَا التَّحْرِيرِ يَظْهَرُ أَنَّ عُرْفَنَا الْيَوْمَ لَيْسَ فِيهِ الْحَلِفُ بِصَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَلَا تَكَادُ تَجِدُ أَحَدًا بِمِصْرَ يَحْلِفُ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي الْفُتْيَا بِهِ وَعَادَتُهُمْ يَقُولُونَ عَبْدِي حُرٌّ وَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ وَمَالِي صَدَقَةٌ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا فَتَلْزَمُ هَذِهِ الْأُمُورُ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونَ تُرَاعَى الْفَتَاوَى عَلَى طُولِ الْأَيَّامِ فَمَهْمَا تَجَدَّدَ فِي الْعُرْفِ اعْتَبِرْهُ وَمَهْمَا سَقَطَ أَسْقِطْهُ وَلَا تَجْمُدْ عَلَى الْمَسْطُورِ فِي الْكُتُبِ طُولَ عُمْرِك بَلْ إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك لَا تَجْرِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ إذَا حَلَفَ بِأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُهُ فَحَنِثَ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَعَ وُجُودِ الْخَارِجِ وَزَوَالِ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبِهَا أَوْ طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي إيجَابِ تِلْكَ الصَّلَوَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ شَرْطًا كَالْحَوْلِ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ وَالْبُلُوغِ فِي التَّكْلِيفِ مُطْلَقًا وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالرُّشْدِ فِي دَفْعِ مَالِ الْيَتِيمِ إلَيْهِ وَإِرْسَالِ الرُّسُلِ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَقَدْ يَكُونُ مَانِعًا كَالْحَيْضِ مِنْ الْوَطْءِ وَالطَّلَاقِ وَالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ وَأَدَاءِ الصِّيَامِ وَالْجُنُونِ مِنْ الْقِيَامِ بِالْعِبَادَاتِ وَإِطْلَاقِ التَّصَرُّفَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ الضَّرْبُ الثَّانِي مَا لَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ مَقْدُورِ الْمُكَلَّفِ وَلَهُ نَظَرٌ إنْ نُظِرَ مِنْ جِهَةِ دُخُولِهِ تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَوْ مَأْذُونًا فِيهِ لِاقْتِضَائِهِ لِلْمَصَالِحِ أَوْ الْمَفَاسِدِ جَلْبًا أَوْ دَفْعًا كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلِانْتِفَاعِ وَالنِّكَاحِ لِلنَّسْلِ وَالِانْقِيَادِ لِلطَّاعَةِ لِحُصُولِ الْفَوْزِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهُوَ بَيِّنٌ وَنُظِرَ مِنْ جِهَةِ دُخُولِهِ تَحْتَ خِطَابِ الْوَضْعِ إمَّا لِكَوْنِهِ سَبَبًا كَالنِّكَاحِ سَبَبًا فِي حُصُولِ التَّوَارُثِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ وَحِلِّيَّةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَالذَّكَاةِ سَبَبًا لِحِلِّيَّةِ الِانْتِفَاعِ بِالْأَكْلِ وَالسَّفَرِ سَبَبًا فِي إبَاحَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ وَالْقَتْلِ وَالْجُرْحِ سَبَبًا لِلْقِصَاصِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ أَسْبَابًا لِحُصُولِ تِلْكَ الْعُقُوبَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ شَرْطًا كَالنِّكَاحِ شَرْطًا فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَوْ فِي حِلِّ مُرَاجَعَةِ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا وَالْإِحْصَانِ شَرْطًا فِي رَجْمِ الزَّانِي وَالطَّهَارَةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَالنِّيَّةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْعِبَادَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مَانِعًا كَنِكَاحِ الْأُخْتِ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِ الْأُخْرَى وَنِكَاحِ الْمَرْأَةِ مَانِعًا مِنْ نِكَاحِ عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَالْإِيمَانِ مَانِعًا مِنْ الْقِصَاصِ لِلْكَافِرِ وَالْكُفْرِ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الطَّاعَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ فِي نَحْوِ النِّكَاحِ لَكِنْ لَا لِحُكْمٍ وَاحِدٍ بَلْ إنَّمَا هُوَ سَبَبٌ لِحُكْمٍ وَشَرْطٌ لِآخَرَ وَمَانِعٌ لِآخَرَ كَمَا عَلِمْت إذْ لَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُهَا وَلَا اثْنَيْنِ مِنْهَا عَلَى الْحُكْمِ الْوَاحِدِ كَمَا لَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّدَافُعِ اهـ مُلَخَّصًا مِنْ الْمُوَافَقَاتِ لِلشَّاطِبِيِّ وَيُضْبَطُ خِطَابُ التَّكْلِيفِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَحَدُهَا أَنَّهُ فِي اصْطِلَاحِ الْعُلَمَاءِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ قِيلَ وَالْأَصْلُ فِي لَفْظِهِ التَّكْلِيفُ لِكَوْنِهَا مُشْتَقَّةً مِنْ الْكُلْفَةِ أَنْ لَا تُطْلَقَ إلَّا عَلَى التَّحْرِيمِ وَالْوُجُوبِ إذْ لَا تُوجَدُ الْكُلْفَةُ إلَّا فِيهِمَا لِأَجْلِ الْحَمْلِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ خَوْفَ الْعِقَابِ وَالْمُكَلَّفُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَاهُمَا فِي سَعَةٍ لِعَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ فَلَا كُلْفَةَ إلَّا أَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ عَلَى الْجَمِيعِ تَغْلِيبًا أَوْ لِكَوْنِهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ

стр. 176

عَلَى عُرْفِ بَلَدِك وَاسْأَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ وَاجْرِهِ عَلَيْهِ وَأَفْتِهِ بِهِ دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَالْمُقَرَّرِ فِي كُتُبِك فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاضِحُ وَالْجُمُودُ عَلَى الْمَنْقُولَاتِ أَبَدًا ضَلَالٌ فِي الدِّينِ وَجَهْلٌ بِمَقَاصِدِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَالسَّلَفِ الْمَاضِينَ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَتَخَرَّجُ أَيْمَانُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَصِيَغُ الصَّرَائِحِ وَالْكِنَايَاتِ فَقَدْ يَصِيرُ الصَّرِيحُ كِنَايَةً يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ. وَقَدْ تَصِيرُ الْكِنَايَةُ صَرِيحًا مُسْتَغْنِيَةً عَنْ النِّيَّةِ وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَوْرًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَسَمُ فَقَطْ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي النَّذْرِ أَيْضًا وَهُوَ لَيْسَ قَسَمًا بَلْ إطْلَاقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إمَّا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ أَوْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَجَمْعُ الْأَصْحَابِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهَا تُنْذِرُ كَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ وَالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ قَسَمًا وَلَا نَذْرًا يَقْتَضِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ إنْ قُلْنَا إنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ حَقِيقَةً فِي الْجَمِيعِ أَوْ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَجَازِ وَالْحَقِيقَةِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَلْ تَجُوزُ أَمْ لَا أَعْنِي هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ كَلَامًا عَرَبِيًّا أَمْ لَا وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ لَا بُدَّ مِنْ مُلَاحَظَتِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي فَتَخَرَّجَ مَا يَلْزَمُهُ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْحَلِفِ عِنْدَ الْمُلُوكِ الْمُعَاصِرَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَأَيُّ شَيْءٍ جَرَتْ بِهِ عَادَةُ مُلُوكِ الْوَقْتِ فِي التَّحْلِيفِ بِهِ فِي بَيْعَتِهِمْ وَاشْتَهَرَ ذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ بِحَيْثُ صَارَ عُرْفًا وَمَنْقُولًا مُتَبَادِرًا لِلذِّهْنِ مِنْ غَيْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَقَدْ تَصِيرُ الْكِنَايَةُ صَرِيحًا مُسْتَغْنِيَةً عَنْ النِّيَّةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَفْظَ الْأَيْمَانِ لَا بُدَّ أَنْ تَجْرِيَ عَلَى عَادَةِ الْحَالِفِ أَوْ أَهْلِ بَلْدَةِ تَسْمِيَتِهِ يَمِينًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَوْرًا آخَرَ وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَسَمُ فَقَطْ ثُمَّ إنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَهُ فِي النَّذْرِ أَيْضًا وَهُوَ لَيْسَ قَسَمًا بَلْ إطْلَاقُ الْيَمِينِ عَلَيْهِ إمَّا مَجَازٌ لُغَوِيٌّ أَوْ بِطَرِيقِ الِاشْتِرَاكِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَجَمَعَ الْأَصْحَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي جَرَتْ عَادَتُهَا تُنْذَرُ كَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ وَالطَّلَاقِ الَّذِي لَيْسَ هُوَ قَسَمًا وَلَا نَذْرًا يَقْتَضِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ فِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فِي جَمِيعِ مَعَانِيهِ وَلَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بَلْ صَارَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ كُلُّهَا تُسَمَّى فِي الْعُرْفِ إيمَانًا وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي اللُّغَةِ مَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إذَا قَالَ أَيْمَانُ الْبَيْعَةِ تَلْزَمُنِي إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ حَمْلِ يَمِينِهِ عَلَى الْعُرْفِ ثُمَّ عَلَى النِّيَّةِ ثُمَّ عَلَى الْبِسَاطِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى يَمِينِهِ تِلْكَ حُكْمٌ أَوْ لَا يَتَرَتَّبُ فَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا حُكْمٌ فَالْمُعْتَبَرُ النِّيَّةُ ثُمَّ السَّبَبُ أَوْ الْبِسَاطُ ثُمَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفِي حَاشِيَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ التَّكْلِيفَ إمَّا أَنْ يُفَسَّرَ بِإِلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ فَلَا يَشْمَلُ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ وَإِمَّا أَنْ يُفَسَّرَ بِالطَّلَبِ فَيَشْمَلُهُمَا وَعَلَى الْأَوَّلِ يَظْهَرُ مَا رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ تَعَلُّقِ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ بِالصَّبِيِّ كَأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ مِنْ الشَّارِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ أَمْرٌ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَلَيْسَتْ تَكْلِيفًا عَلَيْهِمَا وَعَدُّهَا فِي أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ إمَّا أَنَّهُ تَغْلِيبٌ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُكَلَّفِ لِمَا صُرِّحَ بِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ كَالْبَهَائِمِ مُهْمَلَةٌ وَلَا يُقَالُ أَنَّهَا مُبَاحَةٌ وَتَقْرِيبُهُ أَنَّ مَعْنَى مُبَاحَةٌ لَا إثْمَ فِي فِعْلِهَا وَلَا فِي تَرْكِهَا وَلَا يُنْفَى الشَّيْءُ إلَّا حَيْثُ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ قَالَ وَلَا يُعَوَّلُ عَلَى ظَاهِرِ مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَالْحَنَفِيَّةِ مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ مُكَلَّفٌ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَأَنَّهُمْ حَمَلُوا رَفْعَ الْقَلَمِ عَنْهُ عَلَى غَيْرِ الْإِيمَانِ مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّ جُمْهُورَ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى نَجَاةِ الصِّبْيَانِ مُطْلَقًا وَهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ أَوْلَادَ الْكُفَّارِ نَعَمْ إنْ أَرَادُوا مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْمَالِكِيَّةُ رِدَّةُ الصَّبِيِّ وَإِيمَانَهُ مُعْتَبَرَانِ بِمَعْنَى إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تَتَسَبَّبُ عَنْهُمَا كَبُطْلَانِ ذَبْحِهِ وَنِكَاحِهِ وَصِحَّتُهُمَا رَجَعَ لِخِطَابِ الْوَضْعِ مِنْ حَيْثُ السَّبَبِ وَالْمَانِعِ وَهُوَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمُكَلَّفِ إلَّا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُقْتَلُ قَبْلَ الْبُلُوغِ اهـ وَقَدْ قَدَّمْنَا تَبَعًا لِابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِعَيْنِهِ مَشَقَّةٌ لِأَنَّهُ مَنَعَ الْإِنْسَانَ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ دَوَاعِي نَفْسِهِ وَهُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ سُمِّيَ تَكْلِيفًا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ حَتَّى الْإِبَاحَةِ وَيُوَضِّحُ هَذَا مَا قَالَهُ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمُوَافَقَاتِ مِنْ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ أَنَّ الشَّرَائِعَ إنَّمَا جِيءَ بِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّخْيِيرُ جَمِيعًا رَاجِعَةٌ إلَى حَظِّ الْمُكَلَّفِ وَمَصَالِحِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ الْحُظُوظِ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْرَاضِ غَيْرَ أَنَّ الْحَظَّ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا دَاخِلٌ تَحْتَ الطَّلَبِ فَلِلْعَبْدِ أَخْذُهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ فَلَا يَكُونُ سَاعِيًا فِي حَظِّهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ لَا يَفُوتُهُ حَظُّهُ لَكِنَّهُ أُخِذَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ لَا مِنْ حَيْثُ بَاعِثِ نَفْسِهِ وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِهِ بَرِيئًا مِنْ الْحَظِّ وَقَدْ يَأْخُذُهُ مِنْ حَيْثُ الْحَظِّ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ فَطَلَبُهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ صَارَ حَظُّهُ تَابِعًا لِلطَّلَبِ فَلَحِقَ بِمَا قَبْلَهُ فِي التَّجَرُّدِ عَنْ الْحَظِّ وَسُمِّيَ بِاسْمِهِ وَالثَّانِي غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ الطَّلَبِ فَلَا يَكُونُ آخِذًا لَهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَنَّ الطَّلَبَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ بِالْغَرَضِ فَهُوَ وَقَدْ أَخَذَهُ إذًا مِنْ جِهَةِ حَظِّهِ فَلِهَذَا يُقَالُ فِي الْمُبَاحِ إنَّهُ الْعَمَلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ الْمَقْصُودُ بِهِ مُجَرَّدُ الْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ خَاصَّةً اهـ أَيْ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتِمَّ فِيهِ الْحَظُّ الْمَذْكُورُ بِوَاسِطَةِ الْحَجْرِ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ إلَّا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ لَمْ يَخْلُ عَنْ كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ

стр. 177

قَرِينَةٍ عَلَى الْقَانُونِ الْمُتَقَدِّمِ حُمِلَ يَمِينُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ كَذَلِكَ اُعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ أَوْ بِسَاطُ يَمِينِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ) هَذَا الْفَرْقُ أَيْضًا ذَهَبَ عَنْهُ كُلُّ مَنْ يُفْتِي مِنْ أَهْلِ الْعَصْرِ فَلَا يَكَادُونَ يَتَعَرَّضُونَ عِنْدَ الْفَتَاوَى لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا فَإِذَا جَاءَهُمْ حَالِفٌ وَقَالَ حَلَفْت لَا لَبِسْتُ ثَوْبًا وَنَوَيْتُ الْكَتَّانَ يَقُولُونَ لَهُ لَا تَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ وَهُوَ خَطَأٌ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ النَّظَائِرِ وَطَرِيقُ كَشْفِ الْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ إنَّ الْمُطْلِقَ إذَا أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَنَوَى جَمِيعَ أَفْرَادِهِ بِيَمِينِهِ حَنَّثْنَاهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ لِوُجُودِ اللَّفْظِ فِيهِ وَلِوُجُودِ النِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ هُنَا مُؤَكِّدَةٌ لِصِيغَةِ الْعُمُومِ وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظِ الْعَامَّ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ وَلَا بِسَاطٍ وَلَا عَادَةٍ صَارِفَةٍ حَنَّثْنَاهُ بِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْعُمُومِ لِلْوَضْعِ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَنَوَى بَعْضَهَا بِالْيَمِينِ وَغَفَلَ عَنْ الْبَعْضِ الْآخَرِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ حَنَّثْنَاهُ بِالْبَعْضِ الْمَنْوِيِّ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ وَبِالْبَعْضِ الْآخَرِ بِاللَّفْظِ فَإِنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِالْحُكْمِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى النِّيَّةِ لِصَرَاحَتِهِ وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْعُرْفُ ثُمَّ اللُّغَةُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمٌ فَالْمُعْتَبَرُ الْعُرْفُ ثُمَّ اللُّغَةُ لَا غَيْرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إلَى قَوْلِهِ وَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ تَحْنِيثِ الْحَالِفِ الْمُطْلِقِ اللَّفْظَ الْعَامَّ النَّاوِي لِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْغَافِلُ عَنْ سِوَاهُ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ أَوَّلُ مُعْتَبَرٍ فِي الْحَالِفِ ثُمَّ السَّبَبُ وَالْبِسَاطُ وَالسَّبَبُ وَالْبِسَاطُ إذَا اقْتَضَيَا تَقْيِيدَ اللَّفْظِ أَوْ تَخْصِيصَهُ نَزَلَ لَفْظُ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَحْنَثْ بِمَا عَدَاهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ السَّبَبَ وَالْبِسَاطَ يَدُلَّانِ عَلَى قَصْدِهِ التَّقْيِيدَ أَوْ التَّخْصِيصَ فَإِذَا نَوَى التَّقْيِيدَ وَالتَّخْصِيصَ فَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السَّبَبُ وَالْبِسَاطُ فَلَأَنْ يُعْتَبَرَ التَّقْيِيدُ وَالتَّخْصِيصُ الْمَنْوِيَّانِ أَوْلَى مِنْ الْمُسْتَدَلِّ عَلَيْهِمَا بِالسَّبَبِ وَالْبِسَاطِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَافْهَمْ وَثَانِي الْأُمُورِ أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ الْفِعْلُ لَا الْكَوْنُ كَذَا وَثَالِثُهَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي خِطَابِ التَّكْلِيفِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ بِالتَّكْلِيفِ وَقُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ لِقَوْلِ الشَّيْخِ تَاجِ الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالصَّوَابُ امْتِنَاعُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَالْمُلْجَأِ اهـ. أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ لَا يَدْرِي كَالنَّائِمِ وَالسَّاهِي فَلِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ تَكْلِيفُهُ لَكَانَ مُسْتَدْعِيَ حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْهُ عَلَى قَصْدِ الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ وَهُوَ لَا يَفْهَمُ وَأَنَّهُ مُحَالٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَا شُعُورَ لَهُ بِالْأَمْرِ قَصْدُ الْفِعْلِ امْتِثَالًا لِلْأَمْرِ وَاسْتِحَالَةُ اللَّازِمِ يَلْزَمُهَا اسْتِحَالَةُ الْمَلْزُومِ وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ مَنْ يَدْرِي وَلَا مَنْدُوحَةَ لَهُ كَمَا أُلْجِئَ إلَيْهِ كَالْمُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ عَلَى شَخْصٍ يَقْتُلُهُ لَا مَنْدُوحَةَ لَهُ عَنْ الْوُقُوعِ عَلَيْهِ الْقَاتِلِ لَهُ فَامْتِنَاعُ تَكْلِيفِهِ بِالْمُلْجَأِ إلَيْهِ أَوْ بِنَقِيضِهِ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُلْجَأَ إلَيْهِ وَاجِبُ الْوُقُوعِ عَادَةً وَنَقِيضُهُ مُمْتَنِعُ الْوُقُوعِ كَذَلِكَ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ، وَتَكْلِيفُ الْغَافِلِ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ الْخَلَلَ فِي الْأَوَّلِ رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ بِهِ وَفِي الثَّانِي رَاجِعٌ إلَى الْمَأْمُورِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَجْوِيزِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ جَوَازُ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ الَّذِي هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ الْمُحَالِ عَلَى أَنَّ فِي التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ فَائِدَةً مَفْقُودَةً فِي تَكْلِيفِ الْغَافِلِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّخْصِ هَلْ يَمْتَثِلُ بِالْأَخْذِ فِي الْأَسْبَابِ أَوْ لَا نَعَمْ تَكْلِيفُ الْمُلْجَأِ مِنْ قَبِيلِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَكْلِيفِ الزَّمِنِ بِالْمَشْيِ وَالْإِنْسَانِ بِالطَّيَرَانِ الَّذِي عَدَّهُ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ مِنْ قَبِيل التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ وَجَوَّزَهُ قَالَ سم إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِمُجَرَّدِ أَنَّ الْمُلْجَأَ سَاقِطُ الِاخْتِيَارِ رَأْسًا بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ الْمَحَلِّيّ وَالْعَطَّارِ وَالشِّرْبِينِيُّ قَالَ الشِّرْبِينِيُّ وَالْحَقُّ أَنَّ كَلَامَ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُلْجَأِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ جَوَازِ تَكْلِيفِ مَنْ أُزِيلَ رِضَاهُ وَاخْتِيَارُهُ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا بِالْإِلْجَاءِ كَمَا أَنَّ كَلَامَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْغَافِلِ إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ امْتِنَاعِ تَكْلِيفِهِ مِنْ حَيْثُ غَفْلَتِهِ وَفِي مَسْأَلَةِ التَّكْلِيفِ بِالْمُحَالِ أَيْ مَا لَا يُطَاقُ عَادَةً إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ جَوَازِ تَكْلِيفِ مَنْ لَا تَصْلُحُ قُدْرَتُهُ لِلْمُكَلَّفِ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّكْلِيفِ وَعَدَمِ إكْرَاهِهِ وَإِلْجَائِهِ فَكَلَامُهُمْ فِي كُلٍّ مِنْ حَيْثُ خُصُوصِهِ لَا مِنْ حَيْثُ عُمُومِ غَيْرِهِ لَهُ أَوْ عُمُومِهِ لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُمْ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى اكْتَفَوْا فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَشَابِهَةِ بِالْقُيُودِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ عُنْوَانِهَا وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ هِيَ مَحَلَّ الْكَلَامِ فِيهَا فَسَقَطَ مَا لسم وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ هُنَا فَافْهَمْ وَيُضْبَطُ خِطَابُ الْوَضْعِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَيْضًا أَحَدُهَا أَنَّهُ يَنْحَصِرُ فِي الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ وَالْعَزَائِمِ وَالرُّخَصِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ بَعْدَ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ وَاحِدًا وَالْعَزَائِمِ وَالرُّخْصِ وَاحِدًا كَمَا فِي الْمُوَافَقَاتِ لِلشَّاطِبِيِّ وَلَمْ يَعُدَّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشُرُوحِهِ وَحَوَاشِيهِ الْعَزَائِمَ وَالرُّخَصَ بَلْ اعْتَبَرُوا الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ نَوْعَيْنِ لَا نَوْعًا وَاحِدًا بَلْ قَالَ الْعَطَّارُ الْحَقُّ مَا لِلنَّاصِرِ مِنْ أَنَّ الْمَأْخُوذَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَالْعَضُدِ مِنْ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ بِعَرَضِ الْعِبَادَةِ مَثَلًا عَلَى الْأَوَامِرِ فَكَوْنُ الْفِعْلِ مُوَافِقًا لِلْأَوَامِرِ أَوْ مُخَالِفًا لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ الشَّارِعِ بَلْ يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ كَكَوْنِهِ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ أَوْ تَارِكًا لَهَا فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ عَقْلِيًّا وَعَلَى هَذَا فَالْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ ثَلَاثَةٌ اهـ وَثَانِيهَا أَنَّ مُتَعَلِّقَهُ

стр. 178

وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَقَالَ نَوَيْتُ إخْرَاجَ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ عَنْ الْيَمِينِ قُلْنَا لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْمُخْرَجِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ لَفْظِهِ وَهَذِهِ النِّيَّةُ بِخِلَافِ نِيَّتِهِ الْأُولَى وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْأَنْوَاعِ بِالْيَمِينِ وَيَغْفُلَ عَنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَمْ تَكُنْ مُخَصِّصَةً وَكَذَلِكَ الْمُخَصِّصَاتُ اللَّفْظِيَّةُ إذَا لَمْ تَكُنْ مُعَارِضَةً لَا تَكُونُ مُخَصِّصَةً وَقَصْدُهُ بِدُخُولِ الْبَعْضِ فِي يَمِينِهِ مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ بَقِيَّةِ أَنْوَاعِ اللَّفْظِ لَيْسَ مُنَافِيًا لِشَيْءٍ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ كَاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ مُسَمَّيَاتِهِ وَفِي الْبَعْضِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ لَا مُؤَكِّدٌ وَلَا مُنَافٍ فَلَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ الْمُخَصِّصِ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ الَّذِي هُوَ الْمُنَافَاةُ وَالْغَفْلَةُ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ هِيَ سَبَبُ الْغَلَطِ عِنْدَ مَنْ غَلِطَ فِي ذَلِكَ فَبِمُجَرَّدِ مَا يَسْمَعُ الْمُسْتَفْتِي يَقُولُ نَوَيْتُ الْكَتَّانَ يَقُولُ لَهُ لَا تَحْنَثْ بِغَيْرِهِ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْحِنْثَ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إلَّا الْقَصْدُ إلَيْهِ بِإِخْرَاجِهِ عَنْ الْيَمِينِ فَإِذَا لَمْ يَقْصِدْ إخْرَاجَهُ بَقِيَ مُنْدَرِجًا فِي عُمُومِ اللَّفْظِ وَالنِّيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا إنَّمَا هِيَ مُوَافِقَةٌ لِلَفْظِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَإِنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ الْعَامَّ وَقَالَ نَوَيْتُ إخْرَاجَ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ عَنْ الْيَمِينِ قُلْنَا لَا يَحْنَثُ بِذَلِكَ الْبَعْضِ الْمُخْرَجِ لِأَنَّ نِيَّتَهُ مُخَصِّصَةٌ لِعُمُومِ لَفْظِهِ) قُلْت هَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالنِّيَّةِ دُونَ النُّطْقِ وَفِيهِ خِلَافٌ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مَنْشَؤُهُ النَّظَرُ إلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ فَيُجْزِئُ بِالنِّيَّةِ أَوْ النَّظَرِ إلَى حَقِيقَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا نُطْقًا قُلْت فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ أَصْلًا وَذَلِكَ مُشْعِرٌ بِعَدَمِ الْخِلَافِ فِيهِ وَجَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ فَرْعًا مَحْمُولًا عَلَى أَنَّهُ تَخْصِيصٌ عَلَى قَوْلٍ وَعَلَى أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى آخَرَ وَذَلِكَ عَكْسُ مَا قَالَهُ شِهَابُ الدِّينِ فَإِنَّهُ سَاقَ التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ مَسَاقَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ وَصَوَّبَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ التَّخْصِيصِ بِهَا حَمْلًا عَلَى التَّأْكِيدِ وَسَاقَ الِاسْتِثْنَاءَ بِالنِّيَّةِ مَسَاقَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ (وَهَذِهِ النِّيَّةُ بِخِلَافِ نِيَّةِ الْأُولَى وَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْأَنْوَاعِ بِالْيَمِينِ وَيَغْفُلَ عَنْ غَيْرِهِ بِسَبَبِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَمْ تَكُنْ مُخَصِّصَةً إلَى قَوْلِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكَوْنُ كَذَا لَا الْفِعْلُ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْخِطَابِ بِنَصْبِ الْأَسْبَابِ الْوَقْتِيَّةِ كَالدُّلُوكِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ كَالْإِسْكَارِ لِلتَّحْرِيمِ وَالْخِطَابِ بِنَصْبِ الشُّرُوطِ لِلْحُكْمِ كَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِلْمَبِيعِ أَوْ لِسَبَبٍ كَالطَّهَارَةِ فِي الصَّلَاةِ وَسَبَبُهَا أَيْ الصَّلَاةِ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْخِطَابُ بِنَصْبِ الْمَوَانِعِ إمَّا لِلْحُكْمِ كَالْأُبُوَّةِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ لِلسَّبَبِ كَالدَّيْنِ فِي الزَّكَاةِ وَالْخِطَابُ بِنَصْبِ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ لِلْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ وَكُلٌّ مِنْ لَفْظَيْ الصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ يُطْلَقُ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ وَبِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ آثَارِ الْعَمَلِ فِي الْآخِرَةِ وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ وَالْخِطَابُ بِنَصْبِ الْعَزِيمَةِ وَالرُّخْصَةِ وَالْعَزِيمَةُ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُلِّيَّةِ ابْتِدَاءً وَالرُّخْصَةُ مَا شُرِعَ لِعُذْرٍ شَاقٍّ اسْتِثْنَاءً مِنْ أَصْلٍ كُلِّيٍّ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مَعَ الِاقْتِصَارِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ فِيهِ اُنْظُرْ الْمُوَافَقَاتِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ بَعْضِهِ فِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالثَّمَانِينَ فَتَرَقَّبْ وَثَالِثُهَا أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَكَوْنُهُ مِنْ كَسْبِهِ فَلِذَلِكَ نُوَرِّثُ بِالْأَنْسَابِ مَنْ لَا يُعْلَمُ نَسَبُهُ وَيَدْخُلُ الْعَبْدُ الْمَوْرُوثُ فِي مِلْكِهِ وَيُعْتَقُ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مَعَ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ وَعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ وَيُطْلَقُ بِالْإِضْرَارِ وَالْإِعْسَارِ اللَّذَيْنِ هُمَا مُجَوَّزٌ عَنْهُمَا وَيَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ الْمَغْفُولِ عَنْهُ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّ مَعْنَى خِطَابِ الْوَضْعِ قَوْلُ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي السَّبَبِ اعْلَمُوا أَنَّهُ مَتَى وُجِدَ كَذَا فَقَدْ وَجَبَ كَذَا أَوْ حَرُمَ كَذَا أَوْ نُدِبَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي الْمَانِعِ مَتَى وُجِدَ كَذَا فَقَدْ عُدِمَ كَذَا وَفِي الشَّرْطِ مَتَى عُدِمَ كَذَا فَقَدْ عُدِمَ كَذَا وَقِسْ الْبَاقِيَ وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالْقَصْدِ فِي أَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي هِيَ جِنَايَاتٌ كَالْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ الْمُوجِبَيْنِ لِلْحَدِّ فَلِذَلِكَ لَا قِصَاصَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَلَا يَجِبُ حَدُّ الزِّنَا عَلَى الْمُكْرَهِ وَلَا عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ أَجْنَبِيَّةٌ بَلْ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ سَقَطَ الْحَدُّ لِعَدَمِ الْعِلْمِ وَاشْتِرَاطُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي أَسْبَابِ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَقْفِ وَالْإِجَارَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْمُغَارَسَةِ وَالْجَعَالَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ سَبَبُ انْتِقَالِ الْأَمْلَاكِ فَمَنْ بَاعَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ أَوْ هَذَا التَّصَرُّفَ يُوجِبُ انْتِقَالَ الْمِلْكِ لِكَوْنِهِ عَجَمِيًّا أَوْ طَارِئًا عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَلَا نَحْوُهُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مَعَهُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْبَيْعِ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا ذُكِرَ مَعَهُ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَلِأَنَّهُ لَمَّا ازْدَوَجَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ خِطَابُ التَّكْلِيفِ وَالْوَضْعِ لَحِقَهَا اشْتِرَاطُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ لَا مِنْ جِهَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ حَتَّى يُقَالَ بِاسْتِثْنَائِهَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ نَعَمْ لَمَّا ارْتَفَعَ خِطَابُ التَّكْلِيفِ مَعَ عَدَمِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ ارْتَفَعَ خِطَابُ الْوَضْعِ الْمُرَتَّبُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَسَيَأْتِي آخِرَ الْفَرْقِ السَّابِعِ وَالتِّسْعِينَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَانِعِ اُعْتُبِرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ وُجُودِيًّا وَبَيْنَ السَّبَبِ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَانِعِ الْحُكْمِ وَعَدَمِ السَّبَبِ فَتَرَقَّبْ (وَصْلٌ) فِي ثُبُوتِ الْعَفْوِ وَعَدَمِ ثُبُوتِهِ قَوْلَانِ اسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِثُبُوتِهِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْخَمْسَةَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ مَعَ الْقَصْدِ إلَى الْفِعْلِ وَأَمَّا دُونَ ذَلِكَ فَلَا وَإِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حُكْمٌ مِنْهَا مَعَ وِجْدَانِهِ أَيْ الْحُكْمِ مِمَّنْ شَرَطَ الْحُكْمَ وَبَيَّنَ مَانِعَ السَّبَبِ وَعَدَمُ شَرْطِ شَأْنِهِ أَنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ فَهُوَ مَعْنَى الْعَفْوِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهِ أَيْ لَا مُؤَاخَذَةَ بِهِ وَالثَّانِي مَا جَاءَ مِنْ النَّصِّ عَلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَى الْخُصُوصِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا

стр. 179

فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ فِيهِ لَا مُنَافِيَةٌ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ مُسَمَّى اللَّفْظِ أَلْبَتَّةَ فَالْمُعْتَبَرُ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ فِي الْأَيْمَانِ إنَّمَا هُوَ الْقَصْدُ إلَى إخْرَاجِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ عَنْ الْعُمُومِ لَا الْقَصْدُ إلَى دُخُولِ بَعْضِ الْأَنْوَاعِ فِي الْعُمُومِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ مُنَافٍ وَمُخَصِّصٌ دُونَ الثَّانِي فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ مُؤَكِّدٌ فَفَاتَ فِيهِ شَرْطُ التَّخْصِيصِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُخَصِّصًا وَنَظِيرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ اللَّفْظِيَّةِ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعَالَى اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ وَاقْتُلُوا الْيَهُودَ فَلَا نَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ اُقْتُلُوا الْيَهُودَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ اُقْتُلُوا الْكُفَّارَ بَلْ مُؤَكِّدٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَهُمْ الْيَهُودُ وَلَوْ قَالَ لَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ لَكَانَ مُخَصِّصًا لِعُمُومِ بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَهُمْ الْيَهُودُ لِحُصُولِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا فَكَذَلِكَ النِّيَّةُ. فَمَتَى قَالَ الْمُسْتَفْتَى نَوَيْتُ كَذَا فَانْظُرْ لِنِيَّتِهِ تِلْكَ هَلْ هِيَ مُخْرِجَةٌ مُنَافِيَةٌ لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ أَمْ لَا فَإِنْ وَجَدْتهَا مُنَافِيَةً مُخْرِجَةً فَاجْعَلْهَا مُخَصِّصَةً وَلَا تُحَنِّثْهُ بِمَا نَوَى إخْرَاجَهُ عَنْ الْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ تَجِدْهَا مُخْرِجَةً فَقُلْ لَا أَثَرَ لَهَا أَلْبَتَّةَ إلَّا التَّأْكِيدَ وَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمُخَصِّصَاتِ وَمَتَى لَمْ تَجْرِ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ أَخْطَأْت ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَمَتَى لَمْ تَجْرِ عَلَى هَذَا الْقَانُونِ أَخْطَأْت) قُلْت أَمَّا قَوْلُهُ إنَّ مِنْ شَرْطِ الْمُخَصِّصِ أَنْ يَكُونَ مُنَافِيًا لِلْمُخَصَّصِ فَصَحِيحٌ وَذَلِكَ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ اللَّفْظِيِّ الدَّالِّ عَلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُخَصِّصَ إنْ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا اُحْتُمِلَ قَصْدُ التَّأْكِيدِ وَقَصْدُ التَّخْصِيصِ عَلَى السَّوَاءِ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ مُقْتَضَى الْعُمُومِ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ دَلِيلٌ لِمُجَرَّدِ احْتِمَالِ الْخُصُوصِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْمُنَافَاةُ فَيَتَعَيَّنُ الْمَصِيرُ إلَى التَّخْصِيصِ لِاسْتِحَالَةِ التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ وَأَمَّا قَوْلُهُ وَمَتَى لَمْ تَكُنْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً لَا تَكُونُ مُخَصِّصَةً فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ بَلْ الصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ أَنَّ النِّيَّةَ تَكُونُ مُخَصِّصَةً وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الشَّرْعِيَّةَ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إلَّا عَلَى النِّيَّاتِ وَالْقُصُودِ وَمَا لَيْسَ بِمَنْوِيٍّ وَلَا مَقْصُودٍ فَهُوَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ وَلَا مُؤَاخَذٍ بِسَبَبِهِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَكَادُ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَحْمِلْ شِهَابُ الدِّينِ عَلَى مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَعَفَا عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً بِكُمْ لَا عَنْ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا رَأَيْت قَوْمًا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سَأَلُوهُ إلَّا عَنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً حَتَّى قُبِضَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا فِي الْقُرْآنِ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ يَعْنِي أَنَّ هَذَا كَانَ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ قَالَ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مِمَّا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ يَسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ لَمْ يَحْرُمْ فَيَقُولُ عَفْوٌ وَقِيلَ لَهُ مَا تَقُولُ فِي أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ الْعَفْوُ يَعْنِي لَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ زَكَاةٌ وَقَالَ عُبَيْدُ بْنَ عُمَيْرٍ أَحَلَّ اللَّهُ حَلَالًا وَحَرَّمَ حَرَامًا فَمَا حَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ وَمَا حَرُمَ فَهُوَ حَرَامٌ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ. ٢ - وَالثَّالِثُ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] الْآيَةَ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ فِي الْإِذْنِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرِيعَةِ الْعَفْوُ عَنْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ حَسْبَمَا بَسَطَهُ الْأُصُولِيُّونَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨] «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَكْرَهُ كَثْرَةَ السُّؤَالِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ حُكْمٌ» بِنَاءً عَلَى حُكْمِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ إذْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَى هَذَا الْمَعْنَى وَمَعْنَاهَا أَنَّ الْأَفْعَالَ مَعَهَا مَعْفُوٌّ عَنْهَا وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِمْ فَحَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ» اُنْظُرْ الْمُوَافَقَاتِ لِلشَّاطِبِيِّ وَاَسْتَدَلَّ الْقَائِلُ بِعَدَمِهِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَيْضًا أَحَدُهَا أَنَّ أَفْعَالَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ حَيْثُ هُمْ مُكَلَّفُونَ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً تَحْتَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ أَوْ التَّخْيِيرُ أَوْ لَا تَكُونُ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً فَإِنْ كَانَ بِجُمْلَتِهَا دَاخِلَةً فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ دَاخِلَةً بِجُمْلَتِهَا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْمُكَلَّفِينَ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَوْ فِي وَقْتٍ أَوْ حَالَةٍ مَا لَكِنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ لِأَنَّا فَرَضْنَاهُ مُكَلَّفًا فَلَا يَصِحُّ خُرُوجُهُ فَلَا زَائِدَ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا زَائِدٌ إمَّا أَنْ يَكُونَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ وَإِنْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا فَإِمَّا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَنْوَاعُهُ مَحْصُورَةٌ فِي الْخَمْسَةِ وَإِمَّا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَأَنْوَاعُهُ أَيْضًا مَحْصُورَةٌ فِي الْخَمْسَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأُصُولِيُّونَ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ هَذِهِ وَلَا مِنْ هَذِهِ فَكَانَ لَغْوًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَوْ لَا أَنَّهُ مُسَمًّى بِالْعَفْوِ وَالْعَفْوُ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ حَيْثُ يُتَوَقَّعُ لِلْمُكَلَّفِ حُكْمُ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْمُكَلَّفِ بِهِ قَدْ سَبَقَ حُكْمُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَوَارَدَ عَلَيْهِ حُكْمٌ آخَرُ لِتَضَادِّ الْأَحْكَامِ وَثَانِيًا أَنَّ الْعَفْوَ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ أُخْرَوِيٌّ لَا دُنْيَوِيٌّ وَكَلَامُنَا فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَوَجِّهَةِ فِي الدُّنْيَا وَالثَّالِثُ أَنَّ هَذَا الزَّائِدَ أَيْ مَرْتَبَةَ الْعَفْوِ إنْ كَانَتْ رَاجِعَةً إلَى الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَهِيَ أَنْ يُقَالَ هَلْ يَصِحُّ أَنْ يَخْلُوَ بَعْضُ الْوَقَائِعِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ أَمْ لَا فَالْمَسْأَلَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَيْسَ إثْبَاتُهَا أَوْلَى مِنْ نَفْيِهَا إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْأَدِلَّةُ فِيهَا مُتَعَارِضَةٌ فَلَا يَصِحُّ إثْبَاتُهَا إلَّا بِالدَّلِيلِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ وَدَعْوَاهُ وَأَيْضًا إنْ كَانَتْ اجْتِهَادِيَّةً فَالظَّاهِرُ نَفْيُهَا بِالْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رَاجِعَةً إلَى تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ فَلَيْسَتْ بِمَفْهُومَةٍ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ عَلَى إثْبَاتِ تِلْكَ الْمَرْتَبَةِ لَا دَلِيلَ فِيهِ فَالْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ غَيْرُ مُقْتَضِيَةٍ لِلْخُرُوجِ عَنْ الْأَحْكَامِ

стр. 180

فَإِنْ قُلْت يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرْته سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ وَأَنَّهُ جَائِزٌ وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا أَنْكَرْته وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْتُ ثَوْبًا وَنَوَى الْكَتَّانَ وَغَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ غَيْرِ الْكَتَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ قُلْت الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ هُوَ مَا ذَكَرْته بَلْ مَعْنَاهُ أَنْ يُطْلَقَ اللَّفْظُ وَيَخْرُجَ بَعْضُ مُسَمَّيَاتِهِ عَنْ الْحُكْمِ الْمُسْتَنِدِ إلَى الْعُمُومِ أَمَّا قَصْدُ بَعْضِ الْعُمُومِ دُونَ الْبَعْضِ فَلَيْسَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ الْعُمُومِ فِي الْخُصُوصِ بَلْ اسْتِعْمَالَ الْعُمُومِ فِي الْعُمُومِ وَأَكَّدَ بِالنِّيَّةِ فِي الْخُصُوصِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ حَسَنٌ قَوِيٌّ. وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَاخْتَارَهُ إلَّا تَوَهُّمُهُ أَنَّ حُكْمَ النِّيَّاتِ كَحُكْمِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (فَإِنْ قُلْت يَرِدُ عَلَى مَا ذَكَرْته سُؤَالَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ وَأَنَّهُ جَائِزٌ وَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا مَا أَنْكَرْته وَثَانِيهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْتُ ثَوْبًا وَنَوَى الْكَتَّانَ وَغَفَلَ عَنْ غَيْرِهِ هُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا كَتَّانًا وَهُوَ غَافِلٌ عَنْ غَيْرِ الْكَتَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ) قُلْت السُّؤَالَانِ وَاقِعَانِ لَازِمَانِ قَالَ (قُلْت الْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْعَامِّ فِي الْخَاصِّ إلَى قَوْلِهِ وَأُكِّدَ بِالنِّيَّةِ بِالْخُصُوصِ) قُلْت جَوَابُهُ مُجَرَّدُ دَعْوَى يُقَابَلُ بِمِثْلِهَا ثُمَّ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ مُرَادَ الْعُلَمَاءِ ذَلِكَ تَجْوِيزُهُمْ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِالْمُنَافِي وَإِطْبَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّارِعَ أَرَادَ بِلَفْظِ الْعُمُومِ الْخُصُوصَ لَا أَنَّهُ أَرَادَ الْعُمُومَ ثُمَّ رُفِعَ ذَلِكَ بِالتَّخْصِيصِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَكَانَ نَسْخًا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْته بَلْ كُلُّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَعْنَى النَّسْخِ وَالتَّخْصِيصِ فَظَهَرَ صِحَّةُ قَوْلِ مُخَالِفِهِ وَبَطَلَتْ دَعْوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ حَسَنٌ قَوِيٌّ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْخَمْسَةِ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَلِأَنَّ الْعَفْوَ أُخْرَوِيٌّ وَأَيْضًا فَإِنْ سَلِمَ لِلْعَفْوِ ثُبُوتٌ فَفِي زَمَانِهِ ﵊ لَا فِي غَيْرِهِ وَلِإِمْكَانِ تَأْوِيلِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ وَمَا سَيُذْكَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعَفْوِ فَدَاخِلَةٌ أَيْضًا تَحْتَ الْخَمْسَةِ فَإِنَّ الْعَفْوَ فِيهَا رَاجِعٌ إلَى رَفْعِ حُكْمِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْحَرَجِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إمَّا الْجَوَازُ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ وَإِمَّا رَفْعُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمُخَالَفَةِ مِنْ الذَّمِّ وَتَسْبِيبِ الْعِقَابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي إثْبَاتَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعَ رَفْعِ آثَارِهِمَا لِمُعَارِضٍ فَارْتَفَعَ الْحُكْمُ بِمَرْتَبَةِ الْحُكْمِ وَأَنْ يَكُونَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْخَمْسَةِ وَفِي هَذَا الْمَجَالِ أَبْحَاثٌ أُخَرُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِ الْعَفْوِ فَهَلْ هُوَ حُكْمٌ أَمْ لَا احْتِمَالَاتٌ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ فَهَلْ يَرْجِعُ إلَى خِطَابِ التَّكْلِيفِ أَمْ إلَى خِطَابِ الْوَضْعِ احْتِمَالَاتٌ جَزَمَ الْأَصْلُ بِالثَّانِي وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ وَالنَّظَرُ فِي هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَنْبَنِي عَلَيْهِ حُكْمٌ عَمَلِيٌّ لَمْ يَتَأَكَّدْ الْبَيَانُ فِيهِ فَكَانَ الْأَوْلَى تَرْكَهُ أَفَادَ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي الْمُوَافَقَاتِ وَلِمَوَاقِعِ الْعَفْوِ عَلَى ثُبُوتِهِ إعْمَالًا لِأَدِلَّتِهِ ضَابِطَانِ الضَّابِطُ الْأَوَّلُ لِلْأَصْلِ أَنَّهُ التَّقَادِيرُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي هِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ كَتَقْدِيرِ النَّجَاسَةِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فِي صُوَرِ الضَّرُورَاتِ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَمَوْضِعِ الْحَدَثِ فِي الْمَخْرَجَيْنِ أَوْ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ كَتَقْدِيرِ الْكُفْرِ الْمَعْدُومِ عِنْدَ قَتْلِ الْمُسْلِمِ لِظَنِّهِ كَافِرًا فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ فَيَسْقُطُ الْقِصَاصُ وَالضَّابِطُ الثَّانِي لِلشَّاطِبِيِّ فِي الْمُوَافَقَاتِ أَنَّهُ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا الْوُقُوفُ مَعَ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الْمُعَارِضِ قَصْدَ نَحْوِهِ وَقَدْ قَوِيَ مُعَارِضُهُ كَالْعَمَلِ بِالْعَزِيمَةِ الرَّاجِعَةِ إلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ وَإِنْ تَوَجَّهَ حُكْمُ الرُّخْصَةِ الْمُسْتَمَدَّةِ مِنْ قَاعِدَةِ رَفْعِ الْحَرَجِ وَبِالْعَكْسِ فَالرُّجُوعُ إلَى حُكْمِ الرُّخْصَةِ وُقُوفٌ مَعَ مَا مِثْلُهُ مُعْتَمَدٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَصْلُ رَفْعِ الْحَرَجِ وَارِدًا عَلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ وَوَرَدَ الْمُكَمِّلُ تَرَجَّحَ جَانِبُ أَصْلِ الْعَزِيمَةِ بِوَجْهٍ مَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَخْرِمُ أَصْلَ الرُّجُوعِ لِأَنَّ بِذَلِكَ الْمُكَمِّلِ قِيَامَ أَصْلِ التَّكْلِيفِ وَقَدْ اُعْتُبِرَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ هَذَا فَفِيهِ أَنَّ مَنْ سَافَرَ فِي رَمَضَانَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرْدٍ فَظَنَّ أَنَّ الْفِطْرَ مُبَاحٌ بِهِ فَأَفْطَرَ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَمَنْ أَفْطَرَ فِيهِ بِتَأْوِيلٍ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ غَيْرَ عِلْمِيٍّ بَلْ هَذَا جَارٍ فِي كُلِّ مُتَأَوَّلٍ كَشَارِبِ الْمُسْكِرِ يَظُنُّهُ غَيْرَ مُسْكِرٍ وَقَاتِلِ الْمُسْلِمِ يَظُنُّهُ كَافِرًا وَآكِلِ الْمَالِ الْحَرَامِ عَلَيْهِ يَظُنُّهُ حَلَالًا لَهُ وَالْمُتَطَهِّرِ بِمَاءٍ نَجِسٍ يَظُنُّهُ طَاهِرًا وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ الْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ فِي اجْتِهَادِهِ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ فَسَمِعَهُ يَقُولُ اجْلِسُوا فَجَلَسَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَرَآهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَهُوَ بِطَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَقُولُ اجْلِسُوا فَجَلَسَ فِي الطَّرِيقِ فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَا شَأْنُك فَقَالَ سَمِعْتُك تَقُولُ اجْلِسُوا فَجَلَسْت فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَادَك اللَّهُ طَاعَةً» وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ الْعَصْرَ إلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَهُمْ وَقْتُ الْعَصْرِ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي وَلَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدَةً مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ» وَيَدْخُلُ هَهُنَا كُلُّ قَضَاءٍ قَضَى بِهِ الْقَاضِي مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ أَخْطَأَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا أَوْ بَعْضُ الْقَوَاطِعِ وَكَذَلِكَ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ فَإِنَّهُ وُقُوفٌ مَعَ أَحَدِهِمَا وَإِهْمَالٌ لِلْآخَرِ فَإِذَا
следующие страницы →