← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

اللَّفْظُ الرَّابِعُ قَوْلُنَا عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ قَالَ مَالِكٌ تَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَمَعْنَى ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى الْتِزَامُهُ لِأَنَّ مَعْنَى الذِّمَّةِ فِي اللُّغَةِ هُوَ هَذَا وَمِنْهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِلْكُفَّارِ أَيْ الْتِزَامُنَا لَهُمْ عِصْمَةَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَمَا مَعَهَا وَمِنْهُ الذِّمَامُ إذَا وَعَدَهُ وَالْتَزَمَ لَهُ أَنْ لَا يَخْذُلَهُ وَأَنْ يَنْصُرَهُ عَلَى مَنْ يَقْصِدُهُ بِسُوءٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دِينَارٌ وَالْعَقْدُ وَارِدٌ عَلَى الذِّمَّةِ فَإِنَّ الذِّمَّةَ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمُكَلَّفِ يَقْبَلُ الْإِلْزَامَ وَالِالْتِزَامَ وَلِذَلِكَ إذَا اتَّصَفَ بَعْدَ الرُّشْدِ بِالسَّفَهِ يُقَالُ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ وَذَهَبَتْ ذِمَّتُهُ وَإِذَا مَاتَ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يُقَدَّرُ لَمْ يَبْقَ مُقَدَّرًا وَتَقُولُ الْعَرَبُ فُلَانٌ يَفِي بِذِمَّتِهِ أَيْ بِمَا الْتَزَمَهُ وَخَفَرَ ذِمَّةَ فُلَانٍ إذَا خَانَهَا وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ الِالْتِزَامِ أَوْ مَعْنَاهُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى الْتَزَمَ لَهُ عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ حِفْظَهُ مِنْ الْمَكَارِهِ وَالْتِزَامُ اللَّهِ تَعَالَى رَاجِعٌ إلَى خَبَرِهِ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الْكَلَامِ غَيْرُ نَوْعِ الْعَهْدِ فَإِنَّ الْعَهْدَ يَرْجِعُ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالذِّمَّةُ إلَى الْخَبَرِ وَالْكُلُّ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ فَهُمَا نَوْعَانِ مِنْهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَسَمُ بِهِ وَذِمَّةِ اللَّهِ بِوَاوِ الْقَسَمِ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي الْقَسَمِ لُغَةً. وَيَبْقَى إشْكَالُ الْإِضَافَةِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى تَصْدُقُ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَصْدُقُ أَيْضًا بِإِضَافَةِ الْمَعْنَى الْمُحْدَثِ إلَيْهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شَرَعَهُ لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَارَةً تَكُونُ مَأْمُورًا بِهَا وُجُوبًا كَعَقْدِ الْجِزْيَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَتَارَةً لَا يُؤْمَرُ بِهَا وُجُوبًا بَلْ نَدْبًا كَالْتِزَامِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَقَدْ يُخْبِرُنَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ وَلَا نَدْبٍ مِنْ قِبَلِهِ كَالْتِزَامِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَةِ فِي الْإِجَارَاتِ وَعَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى فَتُضَافُ إلَيْهِ إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ كَقَوْلِنَا عِبَادَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ اللَّهِ وَإِذَا احْتَمَلَتْ الْإِضَافَةُ الْمَعْنَيَيْنِ لَمْ يُقْضَ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَهَذَا الْإِشْكَالُ قَائِمٌ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ مُضَافًا لِعَدَمِ وُجُودِ أَدَاةِ الْقَسَمِ. وَأَمَّا عَلَيَّ فَإِيجَابُهَا لِلْكَفَّارَةِ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَقْلٌ عُرْفِيٌّ مِنْ الْإِخْبَارِ إلَى الْقَسَمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ إرَادَةُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ بَصَرُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ سَمْعُ اللَّهِ لَمْ يُتَّجَهْ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَيْسَتْ قَسَمًا وَإِنَّمَا هِيَ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَيْسَ بِقَسَمٍ إجْمَاعًا وَالْإِنْشَاءُ الْعُرْفِيُّ بِغَيْرِ الْقَسَمِ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً فَلَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ عَنْ الْخَبَرِ إلَى إنْشَاءِ الْقَسَمِ وَإِلَّا فَلَا يُتَّجَهُ إلْزَامُ الْكَفَّارَةِ وَاعْتِقَادُ أَنَّ هَذَا يَمِينٌ أَلْبَتَّةَ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ التَّنْبِيهَاتِ فَالْفَقِيهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا حَاجَةً شَدِيدَةً فِي الْفِقْهِ وَالْفَتَاوَى وَالْفُرُوقِ وَتَحْرِيرِ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ الرَّابِعُ عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ) قُلْت وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا اللَّفْظِ وَشَبَهِهِ أَنَّهُ إنْشَاءٌ لِلْقَسَمِ عُرْفًا وَلِذَلِكَ رَأَى مَالِكٌ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] حَقَائِقَ وَخَمْسٍ بَنَاتِ لَبُونٍ يَأْخُذُ أَيَّهَا شَاءَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاشِيَةِ إذَا وَجَدَ إبِلَهُ مِائَتَيْنِ فَإِنَّ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتَ لَبُونٍ وَقَدْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ فَإِنَّ الْمِائَتَيْنِ أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينَاتِ فَيُخَيَّرُ هَاهُنَا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَرْجَحَ لِلْفُقَرَاءِ فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْأَرْجَحُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَلَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» فَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَرْجَحِ لِلْفُقَرَاءِ وَمِنْهَا بَيْعُ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ أَحَدِ مُشْتَرِيَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ أَوْ تَزْوِيجُ الْيَتِيمَةِ مِنْ كُفُوَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ أَوْ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ لِأَحَدِ مُسْتَوِيَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مُسَاوُونَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْخِيرَةِ الْمُخْتَصَّةِ وَلَا وُجُوبَ هَاهُنَا أَلْبَتَّةَ بَلْ لَهُمْ التَّرْجِيحُ بِمُجَرَّدِ إرَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ضَمِيمَةٍ إلَيْهَا كَالْمُكَلَّفِ فِي إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَالتَّخْيِيرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِنَوْعَيْهِ صِرْفُ حَقِيقَةٍ لَا مَجَازٍ كَهُوَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بِخِلَافِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ بَلْ هُوَ وُجُوبٌ مَحْضٌ أُطْلِقَ عَلَيْهِ التَّخْيِيرُ بِمَعْنَى عَدَمِ التَّحَتُّمِ ابْتِدَاءً وَكَوْنُ الِاجْتِهَادِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ الْقِسْمِ الْمُحَتَّمِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ وَقَاعِدَةِ تَخْيِيرِ آحَادِ الْمُكَلَّفِينَ وَأَنَّ الثَّانِيَ خِيرَةٌ حَقِيقَةً وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُهُ مَجَازٌ وَوُجُوبٌ صِرْفٌ كَمَا عَلِمْته مُفَصَّلًا مُمَثَّلًا وَبَقِيَ مِنْ أَقْسَامِ التَّخْيِيرِ. (قِسْمٌ رَابِعٌ) وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ لَكِنَّ هَذَا مُحَالٌ شَرْعًا وَعَقْلًا بِخِلَافِ الثَّالِثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُصُوصَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعُمُومِ وَأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَإِنَّ الْعُمُومَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْخُصُوصِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ وَالْفُرُوقَ فَإِنَّهَا كُلَّهَا وَاقِعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وُقُوعًا كَثِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا] الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا) الْقَاعِدَةُ الْأُولَى وَإِنْ أَطْلَقَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ ﵃ بِقَوْلِهِمْ مَنْ مَلَكَ أَنْ

стр. 492

اللَّفْظُ الْخَامِسُ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ إذَا قَالَ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَنِثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَمَعْنَى الْكَفَالَةِ لُغَةً الْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى الضَّمَانِ وَهِيَ الْقَبَالَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أَيْ ضَامِنًا وَالْحَمَالَةُ وَالْأَذَانَةُ وَالزَّعَامَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى عَنْ مُنَادِي يُوسُفَ ﵇ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أَيْ ضَامِنٌ وَالصَّبِيرُ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ هِيَ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ الْحَمِيلُ وَالزَّعِيمُ وَالْكَفِيلُ وَالْقَبِيلُ وَالْأَذِينُ وَالصَّبِيرُ وَالضَّامِنُ حَمَلَ يَحْمِلُ حَمَالَةً فَهُوَ حَمِيلٌ وَزَعَمَ يَزْعُمُ زَعَامَةً فَهُوَ زَعِيمٌ وَكَفَلَ يَكْفُلُ كَفَالَةً فَهُوَ كَفِيلٌ وَقَبِلَ يَقْبَلُ قَبَالَةً فَهُوَ قَبِيلٌ وَأَذِنَ يَأْذَنُ أَذَانَةً فَهُوَ أَذِينٌ وَصَبَرَ يَصْبِرُ صَبْرًا فَهُوَ صَبِيرٌ وَضَمِنَ يَضْمَنُ ضَمَانَةً فَهُوَ ضَامِنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ [النحل: ٩١] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» وَالْأَذَانَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] أَيْ الْتَزَمَ ذَلِكَ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَأَصْلُ الْأَذَانَةِ وَالْإِذْنِ وَالْأَذِينِ وَالْإِذْنِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْإِعْلَامُ وَالتَّكْفِيلُ مُعْلِمٌ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي جِهَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَمَالَةِ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَمِثْلُ حَمِيلٍ عَذِيرٌ وكدين قَالَ وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْحِفْظِ وَالْحِيَاطَةِ قَالَ وَالْكَفَالَةُ اشْتِقَاقُهَا مِنْ الْكِفْلِ وَهُوَ الْكِسَاءُ الَّذِي يُحَزَّمُ حَوْلَ سَنَامِ الْبَعِيرِ لِيُحْفَظَ بِهِ الرَّاكِبُ وَالْكَفِيلُ حَافِظًا الْتَزَمَهُ وَالضَّامِنُ مِنْ الضِّمْنِ وَهُوَ الْحِرْزُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْرَزْته فِي شَيْءٍ فَقَدْ ضَمَّنْته إيَّاهُ وَالْقَبَالَةُ الْقُوَّةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَا لِي بِهَذَا الْأَمْرِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ وَالْقَبِيلُ قُوَّةٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ وَالزَّعَامَةُ السِّيَادَةُ فَكَأَنَّهُ لَمَّا تَكَفَّلَ بِهِ صَارَ لَهُ عَلَيْهِ سِيَادَةٌ وَحُكْمٌ عَلَيْهِ وَالصَّبِيرُ مِنْ الصَّبْرِ وَهُوَ الثَّبَاتُ. وَالْحَبْسُ وَمِنْهُ الْمَصْبُورَةُ وَهِيَ الْمَحْبُوسَةُ الْمَرْمَى بِالسِّهَامِ وَمِنْهُ قَتَلَهُ صَبْرًا أَيْ حَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا وَالضَّامِنُ حَبَسَ نَفْسَهُ لِأَدَاءِ الْحَقِّ وَالْكَدِينُ مِنْ كَدَنْت لَك بِكَذَا وَكَذَا وَقَالُوا عَذِيرُك أَيْ كَفِيلُك وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْكَفَالَةُ أَصْلُهَا الضَّمُّ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُعْمَلُ فِي الْحَائِطِ كِفْلًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] أَيْ ضَمَّهَا لِنَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ هِيَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى فَصَدَقَ الْمَعْنَى فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُتَرَادِفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ تِسْعَةٌ وَتَكُونُ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَعْدُهُ بِمَا الْتَزَمَهُ وَوَعْدُهُ خَبَرُهُ وَخَبَرُهُ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ فَيَكُونُ الْحَالِفُ قَدْ حَلَفَ بِكَلَامِهِ النَّفْسَانِيِّ فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ الْخَامِسُ كَفَالَةُ اللَّهِ) قُلْت وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا كَلَفْظِ الذِّمَّةِ وَمَا اشْتَغَلَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ مُرَادِفَاتِهِ وَاشْتِقَاقِهَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْفِقْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا قَوْلَانِ وَخَرَّجُوا عَلَيْهَا فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي الْمَذْهَبِ. (مِنْهَا) إذَا وُهِبَ لَهُ الْمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَمِنْهَا مَنْ عِنْدَهُ ثَمَنُ رَقَبَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ لِلصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا وَمِنْهَا مَنْ قَدَرَ عَلَى الْمُدَاوَاةِ فِي السَّلَسِ أَوْ التَّزْوِيجِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا إلَّا أَنَّهَا بَاطِلَةٌ إذْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ وَالْقَبُولِ لِلْمِلْكِ بِدُونِ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَتَخَيَّلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً هَلْ يُعَدُّ قَبْلَ شِرَائِهَا مَالِكًا لَهَا فَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ هَلْ يُعَدُّ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ الْمَرْأَةَ مَالِكًا عِصْمَتَهَا أَمْ لَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ أَمْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَمْلِكَ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً هَلْ يُعَدُّ قَبْلَ شِرَائِهِمَا مَالِكًا لَهُمَا أَمْ لَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ كُلْفَتُهُمَا وَمُؤْنَتُهَا أَمْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ أَقَارِبَهُ هَلْ يَعُدُّهُ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَالِكًا لِقَرِيبِهِ فَيُعْتِقَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ شِرَائِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَلَى زَعْمِ مَنْ اعْتَقَدَهَا بَلْ هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَخَيَّلُهُ مَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مِسْكَةٍ مِنْ الْعَقْلِ وَالْفِقْهِ وَالظَّنُّ بِالْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا مُقْتَضَى عِبَارَتِهِمْ الْمُطْلَقَةِ وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ سَبَبٍ يَقْتَضِي مُطَالَبَتَهُ بِالتَّمْلِيكِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُيُودِ لِأَنَّ جَعْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ شَرْعِيَّةً ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِضَعْفِ الْمُنَاسَبَةِ جِدًّا أَوْ لِعَدَمِهَا أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ مَعَ جَرَيَانِ سَبَبٍ يَقْتَضِي مُطَالَبَتَهُ بِالتَّمْلِيكِ أَيْ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ إلَى الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يَكُونَ مُنَاسِبًا لَأَنْ يُعَدَّ مَالِكًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ تَنْزِيلًا لِسَبَبِ السَّبَبِ مَنْزِلَةَ السَّبَبِ وَإِقَامَةً لِلسَّبَبِ الْبَعِيدِ مَقَامَ السَّبَبِ الْقَرِيبِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُتَخَيَّلَ وُقُوعُهُ قَاعِدَةً مِنْ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ فِي تَمْشِيَةِ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ مَا فِيهَا

стр. 493

وَهُنَا أَرْبَعُ تَنْبِيهَاتٍ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ وَخَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ يَصِحُّ الْتِزَامُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ بَعُدَ فِي الْفِقْهِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بِهَذَا كَفَّارَةٌ وَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يُفْهَمَ لِهَذَا الْكَلَامِ مَعْنًى صَحِيحٌ فَإِنَّ الْتِزَامَ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ كَيْفَ يَصِحُّ وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ الْإِنْسَانُ فِعْلًا مِنْ كَسْبِهِ وَقُدْرَتِهِ فَإِنْ قُلْت الِالْتِزَامُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَانِثَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالْكَفَّارَةُ مَقْدُورَةٌ يُمْكِنُ الْتِزَامُهَا وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ عَلَى عَشْرُ كَفَّارَاتٍ أَوْ مَوَاثِيقَ أَوْ نُذُورٌ لَزِمَهُ عَدَدُ مَا ذَكَرَ كَفَّارَاتٍ وَهَذَا الْتِزَامٌ صَحِيحٌ. قُلْت كَفَّارَةُ الْيَمِينِ غَيْرُ يَمِينٍ وَلَا حِنْثٍ لَا تَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ لِأَنَّ لُزُومَ الْمُسَبَّبِ بِدُونِ سَبَبِهِ غَيْرُ وَاقِعٍ شَرْعًا وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ هَذِهِ الْكَفَّارَاتُ لَازِمَةً لَهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَفَّارَاتٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ نُذُورٌ وَكَأَنَّهُ نَذْرٌ وَالْتَزَمَ بِطَرِيقِ النَّذْرِ عَشْرَ كَفَّارَاتٍ فَهَذَا صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَلِفِ وَالْأَيْمَانِ فِي شَيْءٍ وَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ يُعْطِي ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْكَفَالَةِ فِيمَا يَلْزَمُ عَنْهَا إذَا حَلَفَ بِهَا وَحَنِثَ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا نِيَّةُ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ عُرْفٌ اقْتَضَى نَقْلًا لِهَذَا الْمَجَازِ فَأَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَ شَيْءٌ بِهَذِهِ الصِّيَغِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ وَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ هَذَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَلَا يَتَحَرَّرُ الَّذِي يَلْزَمُ الْمُتَكَلِّمَ بِهَا فِي الْكَفَّارَةِ بَلْ يَحْسِبُ مَا يَنْوِيه مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ كَفَّارَاتٍ أَوْ بَعْضِ كَفَّارَةٍ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ شَرْعًا مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْكَفَالَةِ فِيهِ مَجَازًا فَالْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّازِمَ الْكَفَّارَةُ وَتَعْيِينُ ذَلِكَ اللُّزُومِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ الْقِسْمَ الثَّانِيَ وَهُوَ النَّقْلُ الْعُرْفِيُّ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِهِ فِي زَمَانِنَا شَيْءٌ فَإِنَّا لَا نَجِدُ هَذَا النَّقْلَ فِيهِ فَإِنَّ النَّقْلَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ. وَنَحْنُ لَا نَجِدُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا وَيَلْزَمُ أَيْضًا إذَا وُجِدَ هَذَا الْعُرْفُ وَهَذَا النَّقْلُ أَنْ يُرَاقِبَ فِيهِ اخْتِلَافَ الْأَزْمِنَةِ وَاخْتِلَافَ الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ فَكُلُّ زَمَانٍ تَغَيَّرَ فِيهِ هَذَا الْعُرْفُ بَطَلَ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ وَكُلُّ بَلَدٍ لَا يَكُونُ فِيهِ هَذَا الْعُرْفُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ فِي قَوَاعِدِ الْفِقْهِ أَمَّا الْفُتْيَا بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَغَيْرُ مُتَّجَهٍ أَصْلًا وَلَعَلَّ مَالِكًا ﵀ أَفْتَى بِذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَ أَنَّهُ كَانَ نَوَاهُ أَوْ كَانَ عُرْفُ زَمَانِهِ يَتَقَاضَى ذَلِكَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَإِنَّ الْفُتْيَا. لَوْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى نِيَّةٍ لَذُكِرَتْ مَعَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَهُنَا أَرْبَعُ تَنْبِيهَاتٍ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِيهَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ عُرْفًا فِي زَمَانِهِ أَوْ عَرْفًا شَرْعِيًّا فَأَمَّا إنْ كَانَ عُرْفًا زَمَانِيًّا فَإِنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ وَأَمَّا إنْ كَانَ عُرْفًا شَرْعِيًّا فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الْقُوَّةِ عُسْرًا مِنْ جِهَةِ قَوْلِنَا جَرَى لَهُ سَبَبُ التَّمْلِيكِ لِأَجْلِ كَثْرَةِ النُّقُوضِ عَلَيْهَا فَلِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا فِي بَعْضِ فُرُوعِهَا كَمَا يَتَّضِحُ لَك ذَلِكَ بِمَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا حِيزَتْ الْغَنِيمَةُ وَانْعَقَدَ لِلْمُجَاهِدِينَ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَالتَّمْلِيكِ فَقِيلَ يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الْحَوْزِ وَالْأَخْذِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقِيلَ لَا يَمْلِكُونَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا وَجَدَ الظُّهُورَ بِالْعَمَلِ فِي حَقِّ عَامِلِ الْقِرَاضِ وَانْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَإِعْطَاءِ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَهَلْ يُعَدُّ مَالِكًا بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ أَمْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ؟ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا وُجِدَ ظُهُورُ عَامِلِ الْمُسَاقَاةِ بِالْعَمَلِ وَانْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَتَمْلِيكِ نَصِيبِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَهَلْ يُعَدُّ مَالِكًا بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ أَوْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ عَلَى عَكْسِ الْقِرَاضِ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ الْأَصْلُ لَمْ أَرَ خِلَافًا فِي أَنَّ الشَّرِيكَ إذَا بَاعَ شَرِيكَهُ شِقْصَهُ عَلَى الْغَيْرِ وَتَحَقَّقَ لَهُ مَا يَقْتَضِي سَبَبَ الْمُطَالَبَةِ بِأَنْ يَمْلِكَ الشِّقْصَ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَكُونُ مَالِكًا إلَّا بِأَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ بِالْفِعْلِ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) مَنْ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبَبٌ يَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِأَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ مِنْهُ كَالْفَقْرِ وَالْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَالْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ أَمْلَاكَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَأْنُ الْإِنْسَانِ أَنْ يُعْطَى لِأَجْلِهِ فَإِذَا سَرَقَ هَلْ يُعَدُّ كَالْمَالِكِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِوُجُودِ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّمْلِيكِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَوْلَانِ. وَأَمَّا الْفُرُوعُ الْمُخَرَّجَةُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فَلَهَا مَدَارِكُ غَيْرُ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ بِأَنْ يُلَاحِظَ فِي الثَّوْبِ لِلسُّتْرَةِ قُوَّةَ الْمَالِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَوْ أَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ فَيَلْزَمُهُ وَيُكَافِئُ عَنْهُ إنْ شَاءَ وَفِي الْمَاءِ يُوهَبُ لَهُ إمَّا يَسَارَتُهُ فَلَا مِنَّةَ وَإِمَّا الْمَالِيَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ لِلْمِنَّةِ وَهِيَ ضَرَرٌ وَالضَّرَرُ مَنْفِيٌّ عَنْ الْمُكَلَّفِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَلِقَوْلِهِ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]

стр. 494

الْحُكْمِ فِي الْفُتْيَا. التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى كَفَالَةٌ مُضَافَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِضَافَةَ يَكْفِي فِيهَا أَدْنَى مُلَابَسَةِ حَقِيقَةٍ لُغَوِيَّةٍ كَقَوْلِ أَحَدِ حَامِلِي الْخَشَبَةِ شِلْ طَرَفَك وَقَوْلِنَا حِجُّ الْبَيْتِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَهَذِهِ الْكَفَالَةُ الْمُضَافَةُ تَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنْ الْكَفَالَةِ أَحَدُهَا الْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَالْوَعْدُ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَثَانِيهَا كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ الْتِزَامُهُ اللَّفْظِيُّ الْمُنَزَّلُ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ الدَّالُّ عَلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ فَهُوَ كَفَالَةٌ حَادِثَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تِلْكَ الْكَفَالَةِ الْقَدِيمَةِ كَمَا أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّفْظِيَّ الَّذِي هُوَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ دَلِيلُ أَمْرِهِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ وَهَذِهِ الْكَفَالَةُ الْحَادِثَةُ لَا يُوجِبُ الْحَلِفُ بِهَا كَفَّارَةً وَثَالِثُهَا كَفَالَةُ خَلْقِهِ الَّتِي هِيَ ضَمَانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ الَّتِي هِيَ مِنْ فِعْلِنَا وَقَوْلِنَا وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَهِيَ تُضَافُ إلَيْهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] تَعَالَى أَيْ الَّتِي شَرَعَهَا وَأَوْجَبَ عَلَيْنَا أَدَاءَهَا فَأَضَافَهَا إلَيْهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَاهِدٌ وَلَا شُهُودَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْكَفَالَةُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهَا تَصِحُّ إضَافَتُهَا إلَيْهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ الَّتِي يُمْكِنُ إضَافَتُهَا إلَيْهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُتَبَايِنَةٍ قَدِيمَةٍ وَحَادِثَتَانِ. وَمُطْلَقُ الْإِضَافَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالدَّالُّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِ الْقَائِلِ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ إشْعَارٌ بِالْكَفَالَةِ الْقَدِيمَةِ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ نَوْعَهَا أَخَصُّ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْإِضَافَةِ فَلَا يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَلْبَتَّةَ بَلْ إمَّا بِجِهَةِ النَّذْرِ أَوْ بِجِهَةٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا لَمْ يَقُلْ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ، وَكَفَالَةِ اللَّهِ أَوْ أُقْسِمُ بِكَفَالَةِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْقَسَمِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الْقَسَمُ بِوَضْعِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ وَالْعُرْفِ وَالنَّقْلِ يَلْزَمُهُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَيَكُونُ أَصْرَحَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَسَمٌ مُسْتَغْنٍ عَنْ نِيَّةِ الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ الْعُرْفِيِّ وَإِنْ كَانَ احْتِمَالُ الْإِضَافَةِ لِلْحَادِثِ وَالْقَدِيمِ مَوْجُودًا فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ احْتِمَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ وَأُقْسِمُ بِكَفَالَةِ اللَّهِ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ السَّبْعِ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَوِيَ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ لُزُومِهَا لِأَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ وَشَأْنُ أَحَدِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ الْآخَرِ فِي لُزُومِ الْحُكْمِ وَسُقُوطِهِ فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ أَذَانَتِهِ وَزَعَامَتِهِ وَضَمَانِهِ وَقَبَالَتِهِ وَجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْقَسَمِ تَشْمَلُ جَمِيعَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدًا لِأَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ التَّنْبِيهَاتِ فَهِيَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفِي وَاجِدِ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إمَّا تَنْزِيلُ وُجُودِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةُ مِلْكِهَا مَنْزِلَتَهُ وَإِمَّا عَدَمُ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَتَهُ وَفِي الْقَادِرِ عَلَى التَّدَاوِي مِنْ السَّلَسِ أَوْ التَّزْوِيجِ إمَّا أَنْ تُنَزَّلَ قُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةُ التَّدَاوِي بِالْفِعْلِ مَنْزِلَتَهُ أَمْ لَا أَوْ يُلَاحِظُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَإِلَّا فِيهِ وَالْمُنَاسَبَاتُ الَّتِي اُشْتُهِرَ فِي الشَّرْعِ اعْتِبَارُهَا مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهَا عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ لَا مَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا مِمَّا لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ فَتُقَدَّمُ مُنَاسَبَتُهُ وَتَكْثُرُ النُّقُوضُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ اعْتِبَارُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافَ الْمَعْلُومِ مِنْ نَمَطِ الشَّرِيعَةِ إلَّا أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ مَا يُوجِبُ اشْتِمَالَهُ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ مِنْ الْقُيُودِ الْمُوجِبَةِ لِلْمُنَاسَبَةِ فَتَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ وَتَقِلُّ النُّقُوضُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ اعْتِبَارُ مِثْلِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ نَمَطِ الشَّرِيعَةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ خُصُوصًا الشَّيْخَ الطَّاهِرَ بْنَ بُشَيْرٍ فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالتَّنْبِيهِ كَثِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَاتِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَاتِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّشْرِيكَ فِيهَا لَا يَحْرُمُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فِيهَا فَيَحْرُمُ هُوَ أَنَّ التَّشْرِيكَ فِيهَا لَمَّا كَانَ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُكَلَّفِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مِمَّا لَا يَرَى وَلَا يُبْصِرُ كَمَنْ جَاهَدَ لِيُحَصِّلَ طَاعَةَ اللَّهِ بِالْجِهَادِ وَلِيُحَصِّلَ السَّبَايَا وَالْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ مِنْ جِهَةِ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ وَكَمَنْ حَجَّ وَشَرَّكَ فِي حَجِّهِ غَرَضَ الْمَتْجَرِ بِأَنْ يَكُونَ جُلُّ مَقْصُودِهِ أَوْ كُلُّهُ السَّفَرَ لِلتِّجَارَةِ خَاصَّةً وَيَكُونَ الْحَجُّ إمَّا مَقْصُودًا مَعَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ تَابِعًا اتِّفَاقًا وَكَمَنْ صَامَ لِيَصِحَّ جَسَدُهُ أَوْ لِيَحْصُلَ زَوَالُ مَرَضٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُدَاوَى بِالصَّوْمِ بِحَيْثُ يَكُونُ التَّدَاوِي هُوَ مَقْصُودُهُ أَوْ بَعْضُ مَقْصُودِهِ وَالصَّوْمُ مَقْصُودٌ مَعَ ذَلِكَ وَكَمَنْ يَتَوَضَّأُ بِقَصْدِ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّنْظِيفِ لَمْ يَضُرَّهُ فِي عِبَادَتِهِ وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا تَعْظِيمُ الْخَالِقِ بَلْ هِيَ تَشْرِيكُ أُمُورٍ مِنْ الْمَصَالِحِ لَيْسَ لَهَا إدْرَاكٌ وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِدْرَاكِ وَلَا لِلتَّعْظِيمِ فَلَا تَقْدَحُ فِي الْعِبَادَاتِ إذْ كَيْفَ تَقْدَحُ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ

стр. 495

اللَّفْظُ السَّادِسُ الْمِيثَاقُ قَالَ مَالِكٌ ﵀ إذَا قَالَ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَنِثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَالْمِيثَاقُ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّوَثُّقِ وَهُوَ التَّقْوِيَةُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَهْدِ وَالْيَمِينِ أَمَّا الْيَمِينُ فَهُوَ الْقَسَمُ وَأَمَّا الْعَهْدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الِالْتِزَامُ وَالْمِيثَاقُ هُوَ الْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ بِالْيَمِينِ فَيَكُونُ الْمِيثَاقُ مُرَكَّبًا مِنْ الْعَهْدِ وَالْيَمِينِ مَعًا كَذَا كَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ يَنْقُلُهُ عَنْ اللُّغَةِ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى الْمِيثَاقِ وَالْعَهْدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَالْقَسَمُ أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ وَإِذَا كَانَا مَعًا يَرْجِعَانِ إلَى مَعْنَى الْكَلَامِ فَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْكَلَامِ قَطْعًا لِأَنَّ الْمَرْكَبَاتِ تَابِعَةٌ لِلْمُفْرَدَاتِ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى الْمِيثَاقِ يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْكَلَامِ وَرَدَ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ الْوَارِدُ مِنْ لَفْظِ عَلَيَّ وَكَيْفَ يَصِحُّ الْتِزَامُ مِيثَاقِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَهْدِ وَالْكَفَالَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ صَرِيحِ اللُّغَةِ بَلْ ذَلِكَ إمَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ الْعُرْفِ أَوْ النَّقْلِ وَأَنَّ الْإِضَافَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِمِيثَاقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ وَمِيثَاقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ كَلَامٌ لَفْظِيٌّ لِسَانِيٌّ حَادِثٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] فَإِنَّ هَذَا الْتِزَامٌ لَفْظِيٌّ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ بِقَوْلِهِ وَرَبِّي فَيَكُونُ مِيثَاقًا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] الْتَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ تَعَالَى فَلَاحًا وَأَنَّ مَنْ دَسَّاهَا أَيْ دَسَّهَا بِالْمَعَاصِي فَأُبْدِلَتْ إحْدَى السِّينَيْنِ أَلِفًا فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ تَعَالَى خَيْبَةً. وَأَكَّدَ هَذَا الِالْتِزَامَ بِالْقَسَمِ السَّابِقِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] فَهَذَا كُلُّهُ قَسَمٌ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ الِالْتِزَامِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَثِيرٌ مِنْ الِالْتِزَامَاتِ لِتَوَكُّدَةِ بِالْحَلِفِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا مِيثَاقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَلْتَزِمَ الْحُقُوقَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْنَا لِلْعِبَادِ وَأَنْ نُزِيلَ الرِّيبَةَ مِنْ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ تِلْكَ الْحُقُوقِ بِالْأَيْمَانِ وَالتَّأْكِيدِ فِي ذَلِكَ النَّافِي لِتِلْكَ الرِّيبَةِ فَهَذَا الْمِيثَاقُ يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وَإِذَا احْتَمَلَ الْمِيثَاقُ الْمُضَافُ إلَيْهِ تَعَالَى هَذِهِ الْمَوَاثِيقَ الثَّلَاثَةَ وَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي أَيْ ذَلِكَ وَقَعَ أَوْ كَانَ مُرَادًا صَارَ اللَّفْظُ دَائِرًا بَيْنَ مَا هُوَ مُوجِبٌ وَبَيْنَ مَا هُوَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ وَهُمَا الْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ الْحَادِثَانِ الْمِيثَاقُ اللَّفْظِيُّ الدَّالُّ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ الْقَدِيمِ وَالْمِيثَاقُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّنَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا حِينَئِذٍ لِأَنَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ السَّادِسُ الْمِيثَاقُ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِيهِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ قَوْلِهِ وَالْقَسَمُ أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ فَإِنَّ الْمُقْسِمَ لَيْسَ خَبَرًا عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِنْشَاءِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قَدْ أَمَرَ بِهَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أَيْ قَاطِعٌ نَعَمْ إذَا تَجَرَّدَتْ الْعِبَادَةُ عَنْ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ زَادَ الْأَجْرُ وَعَظُمَ الثَّوَابُ وَإِذَا لَمْ تُجَرَّدْ الْعِبَادَةُ عَنْهَا نَقَصَ الْأَجْرُ وَإِنْ كَانَ لَا سَبِيلَ إلَى الْإِثْمِ وَالْبُطْلَانِ. وَأَمَّا الرِّيَاءُ فِيهَا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ شِرْكًا وَتَشْرِيكًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ لِمَنْ يَرَى وَيُبْصِرُ مِنْ الْخَلْقِ لِأَحَدِ أَغْرَاضٍ ثَلَاثَةٍ التَّعْظِيمُ وَجَلْبُ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأَخِيرَانِ يَتَفَرَّعَانِ عَنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ إذَا عُظِّمَ انْجَلَبَتْ إلَيْهِ الْمَصَالِحُ وَانْدَفَعَتْ عَنْهُ الْمَفَاسِدُ فَهُوَ الْغَرَضُ الْكُلِّيُّ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَقْتَضِي رُؤْيَةَ النَّفْعِ أَوْ الضُّرِّ لِغَيْرِهِ تَعَالَى فَيُنَافِي مَا أَشَارَ لَهُ سَيِّدِي عَلِيُّ وفا بِقَوْلِهِ (وَعِلْمُك أَنَّ كُلَّ الْأَمْرِ أَمْرِي هُوَ الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِاتِّحَادِي) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ وَلَا بُدَّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ حَظٍّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا أَهُوَ ذَلِكَ إمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَالْمُتَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يُعَظِّمَهُ النَّاسُ أَوْ يُعَظَّمَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَصِلَ إلَيْهِ نَفْعُهُمْ أَوْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ ضَرَرُهُمْ فَيُسَمَّى رِيَاءَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ لِلْخَلْقِ وَلِلَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى أَلْبَتَّةَ بَلْ النَّاسَ فَقَطْ فَيُسَمَّى رِيَاءَ الْإِخْلَاصِ لِأَنَّهُ لَا تَشْرِيَك فِيهِ بَلْ خَالِصٌ لِلْخَلْقِ كَانَ مُضِرًّا بِالْعِبَادَةِ وَمُحَرَّمًا عَلَى الْمُكَلَّفِ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْإِثْمِ وَالْبُطْلَانِ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْمُحَاسِبِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُعَضِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ لَهُ أَوْ تَرَكْتُهُ لِشَرِيكِي» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَإِنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِهِ وَمَا هُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَبِالْجُمْلَةِ فَفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يُجَاهِدُ لِيَقُولَ النَّاسُ إنَّهُ شُجَاعٌ أَوْ لِيُعَظِّمَهُ الْإِمَامُ فَيُكْثِرَ عَطَاءَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَكُونَ رِيَاءً حَرَامًا وَبَيْنَ مَنْ يُجَاهِدُ لِيُحَصِّلَ السَّبَايَا وَالْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ مِنْ جِهَةِ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ فَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا

стр. 496

الْمُحْتَمَلَ الْمُوجِبَ وَغَيْرَ الْمُوجِبِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُوجِبُ هَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةُ وَارِدَةً عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ حَالَةَ كَوْنِهَا مُفْرَدَةً فَإِذَا جُمِعَتْ وَقِيلَ كَفَالَاتُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَوَاثِيقُهُ فَالْأَسْئِلَةُ بَاقِيَةٌ بِحَالِهَا. وَيَرِدُ عَلَى الْجَمْعِ مَا يَرِدُ عَلَى الْمُفْرَدَاتِ وَوَافَقَ مَالِكًا أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ الْعَهْدُ وَالْكَفَالَةُ وَالْمِيثَاقُ وَقَوْلُنَا وَحَقِّ اللَّهِ الرَّحْمَنِ وَحَقِّ الرَّحِيمِ وَحَقِّ الْعَلِيمِ وَالْجَبَّارِ كِنَايَاتٌ لَا صَرَائِحُ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْمَعَانِي الْقَدِيمَةِ وَبَيْنَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنْ نَوَى الْقَدِيمَةَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا لِأَنَّ لَفْظَ الْحَقِّ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ الطَّاعَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُمْ وَهِيَ حَادِثَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَلَا يَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ الْقَدِيمَ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ النَّفْسَانِيُّ الْمُوَظَّفُ عَلَى عِبَادَهِ وَكَذَلِكَ الْعَهْدُ وَالْكَفَالَةُ وَالْمِيثَاقُ قَدْ يُرَادُ بِهَا الْحَوَادِثُ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَاَلَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ مُتَّجَهٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَالتَّقَارِيرِ. اللَّفْظُ السَّابِعُ ايْمُنُ اللَّهِ قَالَ سِيبَوَيْهِ ﵀ هُوَ مِنْ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ هُوَ كِنَايَةٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمُحْدَثِ مِنْ تَنْمِيَةِ الْأَرْزَاقِ وَالْأَخْلَاقِ وَبَيْنَ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] أَيْ كَثُرَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ السَّابِعُ أَيْمُنُ اللَّهِ) قُلْت مَا حَكَاهُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ وَغَيْرِهِ لَا كَلَامَ فِيهِ لِأَنَّهُ نَقْلٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي أَنَّهُ حَالِفٌ بِمُحْدَثٍ لِأَنَّ أَيْمَانَ الْمُسْلِمِينَ حَلِفُهُمْ وَهُوَ مُحْدَثٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْقَائِلَ ذَلِكَ إنَّمَا يَقُولُهُ فِي حَالٍ يَقْتَضِي تَأْكِيدَ خَبَرِهِ الَّذِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ قَوْلَهُ ذَلِكَ إلَى قَصْدِهِ إلَى مَا يُؤَكِّدُ بِهِ الْخَبَرَ شَرْعًا أَوْ إلَى مَا يَلْزَمُ مُقْتَضَاهُ شَرْعًا فَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُهُ جَمْعُ يَمِينٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذْ هُوَ الْيَمِينُ الشَّرْعِيُّ وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ فَإِذَا حَنِثَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ وَعَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي يَلْزَمُهُ كُلُّ مَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا مِنْ يَمِينٍ وَنَذْرٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ لُزُومِ الْأَحْكَامِ بِدُونِ أَسْبَابِهَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ لُزُومِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ الْكَفَّارَاتِ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ أَوْ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ جَمِيعِ مَا يَلْزَمُ شَرْعًا بِالْتِزَامِهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ أَنَّ قَائِلَ: أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِلَفْظِ الْيَمِينِ الشَّرْعِيِّ وَلَا بِالْمُلْتَزَمِ الشَّرْعِيِّ وَلَكِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ الْقَرَائِنِ أَنَّهُ عَنِيَ الْيَمِينَ الشَّرْعِيَّ أَوْ الْمُلْتَزَمَ الشَّرْعِيَّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ عَدَمُ اشْتِرَاطِ مُعَيَّنَاتِ الْأَلْفَاظِ فَلُزُومٌ بِمُقْتَضَى الْيَمِينِ الشَّرْعِيِّ أَوْ الْمُلْتَزَمَاتِ الشَّرْعِيَّةِ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَلَا يُقَالُ لِفِعْلِهِ رِيَاءً مَعَ أَنَّهُ قَدْ شَرَّك فِيهِ بِسَبَبِ أَنَّ الرِّيَاءَ الْعَمَلُ لِيَرَاهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ وَالرُّؤْيَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ الْخَلْقِ وَأَمَّا الْعَمَلُ لِمَنْ يَرَى وَلَا يُبْصِرُ كَالْمَالِ الْمَأْخُوذِ فِي الْغَنِيمَةِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُقَالُ فِيهِ رِيَاءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهَا مِمَّا يُوجِبُ التَّأْمِينَ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهَا مِمَّا يُوجِبُ التَّأْمِينَ مِنْ عَقْدَيْ الْمُصَالَحَةِ وَالتَّأْمِينِ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَتَيْنِ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي وُجُوبِ الْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَا مِنْ وُجُوهٍ) (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ يَكُونُ لِضَرُورَةٍ وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْقِتَالَ عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَجَعَلَ الْقَتْلَ مُغَيَّا إلَى وَقْتِ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَعَقْدُ الْمُصَالَحَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْأَمِيرِ تَأْمِينَ الْجَيْشِ الْكَبِيرِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَقْتَضِيه. (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ لَا يَعْقِدُهُ إلَّا الْإِمَامُ كَعَقْدِ الْمُصَالَحَةِ. وَأَمَّا التَّأْمِينُ فَيَصِحُّ مِنْ آحَادِ النَّاسِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ كَالْوَاحِدِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا الْجَيْشُ الْكَبِيرُ فَعَقْدُ تَأْمِينِهِ لِلْأَمِيرِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ يَدُومُ لِلْمَعْقُودِ لَهُمْ وَلِذَرَارِيِّهِمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ لِلْعَقْدِ نَاقِضٌ مِنْ النَّوَاقِضِ الْمُتَقَدِّمِ تَفْصِيلُهَا وَعَقْدُ الْمُصَالَحَةِ إنَّمَا يَكُونُ إلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ. (وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ لَيْسَ رُخْصَةً عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ بَلْ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَعَقْدُ الْمُصَالَحَةِ رُخْصَةٌ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ الْقِتَالِ وَطَلَبِ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ وَقِتَالِهِمْ أَوْ إلْجَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ (وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ شُرُوطَ عَقْدِ الْجِزْيَةِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ مُقَرَّرَةٌ فِي الشَّرْعِ وَشُرُوطَ عَقْدِ الْمُصَالَحَةِ بِحَسَبِ مَا يَحْصُلُ الِاتِّفَاقُ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي الشُّرُوطِ فَسَادٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ التَّأْمِينُ لَيْسَ لَهُ شُرُوطٌ بَلْ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ (وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْمَالِ وَعَقْدَ الْمُصَالَحَةِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَالٍ يُعْطُونَهُ (وَالْوَجْهُ السَّابِعُ) أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ يُوجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ زِيَادَةً عَلَى الْأَمْنِ وَالتَّأْمِينِ حُقُوقًا مُتَأَكِّدَةً مِنْ الصَّوْنِ وَالذَّبِّ

стр. 497

جَلَالُهُ وَعُلَاهُ وَصِفَاتُهُ الْعُلَا. وَقَالَ الْفَرَّاءُ وَهُوَ جَمْعُ يَمِينٍ فَيَكُونُ الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ وَيُقَالُ ايْمُنُ اللَّهِ وَأَيْمُ اللَّهِ وَمَنْ اللَّهِ وَمُ اللَّهِ ثُمَّ عَلَيْهِ إذَا قُلْنَا إنَّهُ جَمْعُ يَمِينٍ إشْكَالٌ أَيْضًا بِسَبَبِ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ وَأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَحَلَفَ بِالْحَلِفِ يَكُونُ قَدْ حَلَفَ بِمُحْدَثٍ أَيْضًا فَإِنَّ حَلِفَ الْخَلْقِ مُحْدَثٌ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ كَفَّارَةٌ وَكَذَلِكَ يَرِدُ الْإِشْكَالُ عَلَى مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَنْ قَالَ وَأَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي أَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْقَسَمَ فَقَدْ حَلَفَ بِمُحْدَثٍ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ مُوجِبَاتِ الْأَيْمَانِ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُسَبِّبَاتٌ لِأَسْبَابِهَا وَأَسْبَابُهَا لَمْ تُوجَدْ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ لُزُومَ الْأَحْكَامِ بِدُونِ أَسْبَابِهَا غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرِيعَةِ بَلْ الشَّرِيعَةُ تُنْكِرُهُ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ عَلَى سَبِيلِ النَّذْرِ فَيَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى نِيَّةِ النَّذْرِ وَالْقَصْدِ إلَيْهِ فَإِنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً فِي الْفِقْهِ الْمَنْذُورِ بَلْ هِيَ أَخْبَارٌ وَقَسَمٌ وَهَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ بِلُزُومِ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهَا مِنْ بَابِ النُّذُورِ بَلْ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا مِنْ بَابِ الْقَسَمِ وَالْحَلِفِ. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِالْحَلِفِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا حَنِثَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً إذَا حَلَفَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ) صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى خَمْسَةُ أَقْسَامٍ مَعْنَوِيَّةٌ وَذَاتِيَّةٌ وَسَلْبِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ وَمَا يَشْمَلُ الْجَمِيعَ فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهِيَ الصِّفَاتُ الْمَعْنَوِيَّةُ فَهِيَ سَبْعَةٌ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَالْإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْحَيَاةُ فَهَذِهِ كُلُّهَا يُوجِبُ الْحَلِفُ بِهَا مَعَ الْحِنْثِ الْكَفَّارَةَ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا ابْتِدَاءً هَذَا هُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ وَقِيلَ لَا تُوجِبُ كَفَّارَةً لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَلَفْظُ اللَّهِ مَخْصُوصٌ بِالذَّاتِ فَانْدَرَجَتْ الصِّفَاتُ فِي الْمَأْمُورِ بِالصَّمْتِ بِهِ وَمُسْتَنَدُ الْمَشْهُورِ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا حَكَاهُ «رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَيُّوبَ ﵇ أَنَّهُ قَالَ بَلَى وَعِزَّتِك وَلَكِنْ لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِك» وَفِي هَذَا الْقَسَمِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْحَلِفُ بِالْقُرْآنِ إذَا حَلَفَ بِهِ قُلْنَا نَحْنُ تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ لِلْكَلَامِ الْقَدِيمِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِالْحَلِفِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا حَنِثَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً إذَا حَلَفَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ) إلَى قَوْلِهِ وَفِي هَذَا الْقِسْمِ مَسَائِلُ قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْحَلِفُ بِالْقُرْآنِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ خِلَافَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ إنَّمَا هُوَ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطٍ وَهُوَ هَلْ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ عُرْفٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ أَمْ لَا لَيْسَ الْأَمْرُ عِنْدِي ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَنْهُمْ وَدَفْعِ التَّظَالُمِ بَيْنَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ وَمَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالْمُصَالَحَةُ لَا تُوجِبُ مِثْلَ تِلْكَ الْحُقُوقِ بَلْ يَكُونُونَ أَجَانِبَ مِنَّا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا بِرُّهُمْ وَلَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي ذِمَّتِنَا غَيْرَ أَنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فَقَطْ بَلْ نَقُومُ بِمَا الْتَزَمْنَا لَهُمْ فِي الْعَقْدِ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي اتَّفَقْنَا عَلَيْهَا وَنَتْرُكُهُمْ يَنْفَصِلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَنْصُرَ مَظْلُومَهُمْ وَلَا أَنْ نُوَاسِيَ فَقِيرَهُمْ وَاللَّازِمُ فِي عَقْدِ التَّأْمِينِ مُطْلَقُ الْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ تَوْحِيدُهُ بِهِ] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ تَوْحِيدُهُ بِهِ) تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّعْظِيمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) وَاجِبٌ إجْمَاعًا وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ النَّوْعُ الْأَوَّلُ عِبَادَةٌ كَالصَّلَوَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَالصَّوْمِ عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالنَّذْرِ وَالْحَجِّ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى (وَالنَّوْعُ الثَّانِي) صِفَاتُ الْأَفْعَالِ كَالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاءِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلَالِ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْقَبْضِ وَالْبَسْطِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَتَوَحُّدَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَأَنَّ مَا أُضِيفَ مِنْهَا لِغَيْرِهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَ فِي كَلَامِهِ تَعَالَى كَإِخْبَارِهِ تَعَالَى عَنْ عِيسَى ﵇ أَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ أَوْ فِي كَلَامِنَا كَقَوْلِنَا قَتَلَهُ السُّمُّ وَأَحْرَقَتْهُ النَّارُ وَأَرْوَاهُ الْمَاءُ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ غَيْرَهُ تَعَالَى فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبَطَ الْمُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا كَمَا شَاءَ وَأَرَادَ سَوَاءٌ كَانَتْ الْأَسْبَابُ أَسْبَابًا عَادِيَّةً لِمُسَبِّبَاتِهَا كَمَا فِي سَبَبِيَّةِ السُّمِّ لِلْقَتْلِ وَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ وَالْمَاءِ لِلْإِرْوَاءِ أَوْ أَسْبَابًا غَيْرَ عَادِيَّةٍ لِمُسَبِّبَاتِهَا كَمَا فِي إرَادَةِ عِيسَى ﵇ لِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَظْهَرُ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ عِنْدَ إرَادَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ أَوْ الْوَلِيِّ وَلَوْ شَاءَ تَعَالَى لَمْ يَرْبِطْهَا وَهُوَ الْخَالِقُ حَقِيقَةً لِمُسَبِّبَاتِهَا عِنْدَ وُجُودِهَا لَا أَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ هِيَ الْمُوجِدَةُ حَقِيقَةً قُلْت وَذَكَرَ شَيْخُ شُيُوخِنَا خَاتِمَةُ الْمُحَقِّقِينَ السَّيِّدُ أَحْمَدُ دَخْلَانَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِسَالَةٍ

стр. 498

بِهِ الْكَفَّارَةُ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْكَلَامِ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ الْأَصْوَاتُ فَالْكَلَامُ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطٍ هَلْ فِيهِ عُرْفٌ أَمْ لَا وَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» لَمْ يَفْهَمْ أَحَدٌ إلَّا الْقُرْآنَ الَّذِي هُوَ الْأَصْوَاتُ وَإِذَا قِيلَ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ الْقُرْآنُ إنَّمَا يَسْبِقُ إلَى الْفَهْمِ الْكَلَامُ الْعَرَبِيُّ الْمُعْجِزُ وَالْعَرَبِيُّ الْمُعْجِزُ مُحْدَثٌ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ ﵀ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَالْأَوَّلُ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ حَمْلًا لِلْقُرْآنِ عَلَى الْقَدِيمِ قَالَ صَاحِبُ الْخِصَالِ ابْنُ زَرْبٍ الْأَنْدَلُسِيُّ وَيُلْحَقُ بِالْقُرْآنِ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَوْ بِالتَّوْرَاةِ أَوْ بِالْإِنْجِيلِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ أَيْضًا ظَاهِرَةٌ فِي الْعُرْفِ الْمُحْدَثِ فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ الْمُصْحَفِ إلَّا الْأَوْرَاقَ الْمَرْقُومَةَ الْمُجَلَّدَةَ بِالْجِلْدِ وَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ وَكَذَلِكَ التَّنْزِيلُ وَالْإِنْزَالُ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْحَادِثِ فَإِنَّ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةَ لَا تُفَارِقُ مَوْصُوفَهَا وَمَا يَسْتَحِيلُ مُفَارَقَتُهُ يَسْتَحِيلُ نُزُولُهُ وَطُلُوعُهُ وَمُطْلَقُ الْحَرَكَةِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فَهُمَا كَلَفْظِ الْقُرْآنِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُمَا إلَّا الْكَلِمَاتُ الْخَاصَّةُ الَّتِي نَزَلَتْ بِاللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَمَا يُوصَفُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ أَوْ الْعِبْرَانِيَّةِ فَهُوَ مُحْدَثٌ بِالصُّورَةِ وَكَذَلِكَ قُلْنَا الْقُرْآنُ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] مُحْدَثٌ فَإِنَّ الْعَرَبِيَّةَ وَالْعَجَمِيَّةَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ كَانَ قَدِيمًا أَوْ مُحْدَثًا لَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا وَلَا عَجَمِيًّا: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ إذَا قَالَ عَلِمَ اللَّهُ لَا فَعَلَتْ اسْتَحَبَّ لَهُ مَالِكٌ الْكَفَّارَةَ احْتِيَاطًا تَنْزِيلًا لِلَفْظِ عَلِمَ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ مَنْزِلَةَ عِلْمِ اللَّهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَعِلْمِ اللَّهِ لَا فَعَلَتْ. وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ أَرَادَ الْحَلِفَ وَحَنِثَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ حُرُوفَ الْقَسَمِ قَدْ تُحْذَفُ فَهُوَ كِنَايَةٌ تَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِعِلْمِ اللَّهِ مَعَ حَذْفِ أَدَاةِ الْقَسَمِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ فَإِنْ أَرَادَهُ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ فِعْلِهِ فَلَيْسَ بِحَلِفٍ تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ وَهُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] كَمَا زَعَمَ بَلْ الْعُرْفُ فِي الِاسْتِعْمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحَادِثُ وَذَلِكَ مُسْتَنَدُ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَكِنْ قَرِينَةُ الْقَسَمِ صَرَفَتْ اللَّفْظَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ وَذَلِكَ مُسْتَنَدُ مَالِكٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. فَخِلَافُهُمَا فِي تَحْقِيقِ مَنَاطٍ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذُكِرَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَسْوِيَةُ مَالِكٍ بَيْنَ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالتَّنْزِيلِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَعَ أَنَّ الْعُرْفَ فِيهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُحْدَثُ قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ إذَا قَالَ عَلِمَ اللَّهُ لَا فَعَلْت اسْتَحَبَّ لَهُ مَالِكٌ الْكَفَّارَةَ احْتِيَاطًا إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت الْأَظْهَرُ نَظَرًا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْكَفَّارَةَ وَلَمْ يُوجِبْهَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] الْآيَةَ أَنَّ لِرَبْطِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا حِكَمًا وَمَصَالِحَ كَثِيرَةً مِنْهَا أَنَّ الْمُكَلَّفِينَ إذَا تَحَمَّلُوا الْمَشَقَّةَ فِي الْحَرْثِ وَالْغَرْسِ طَلَبًا لِلثَّمَرَاتِ وَكَدُّوا أَنْفُسَهُمْ فِي ذَلِكَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ عَلِمُوا أَنَّهُمْ لَمَّا احْتَاجُوا إلَى تَحَمُّلِ هَذِهِ الْمَشَاقِّ لِطَلَبِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَأَنْ يَحْتَاجُوا إلَى تَحَمُّلِ مَشَاقِّ الطَّاعَةِ الَّتِي هِيَ أَقَلُّ مِنْ مَشَاقِّ الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى لِأَنَّ مَشَاقَّ الطَّاعَةِ تُثْمِرُ الْمَنَافِعَ الْأُخْرَوِيَّةَ الَّتِي هِيَ أَعْظَمُ مِنْ الدُّنْيَوِيَّةِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِتَوَقُّفِ الشِّفَاءِ عَلَى الدَّوَاءِ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ لِيَعْلَمَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ إذَا تَحَمَّلَ مَرَارَةَ الْأَدْوِيَةِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْمَرَضِ فَلَأَنْ يَتَحَمَّلَ مَشَاقَّ التَّكْلِيفِ دَفْعًا لِضَرَرِ الْعِقَابِ مِنْ بَابِ أَوْلَى وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ خَلَقَ الْمُسَبَّبَاتِ دَفْعَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ وَسَائِطِ أَسْبَابِهَا لَحَصَلَ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ بِاسْتِنَادِهَا إلَى الْقَادِرِ الْحَكِيمِ وَذَلِكَ كَالْمُنَافِي لِلتَّكْلِيفِ وَالِابْتِلَاءِ لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى كَافِرٌ وَلَا جَاحِدٌ حِينَئِذٍ فَلَمَّا خَلَقَهَا بِهَذِهِ الْوَسَائِطِ ظَهَرَتْ حِكْمَةُ التَّكْلِيفِ وَالِابْتِلَاءِ وَتَمَيَّزَتْ الْفُرْقَةُ الْمَوْصُوفَةُ بِالشَّقَاءِ عَنْ الْفُرْقَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالشَّقَاءِ لِأَنَّ الْمُهْتَدِيَ يَفْتَقِرُ فِي اسْتِنَادِهَا إلَى الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ إلَى نَظَرٍ دَقِيقٍ وَفِكْرٍ غَامِضٍ فَيَسْتَوْجِبُ الثَّوَابَ وَلِهَذَا قِيلَ لَوْلَا الْأَسْبَابُ لَمَا ارْتَابَ مُرْتَابٌ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ وَأُولِي الِاسْتِبْصَارِ عِبَرٌ فِي ذَلِكَ وَأَفْكَارٌ صَائِبَةٌ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ الَّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا إلَّا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَاتِّصَافِهِ بِالْكَمَالَاتِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِأَنْوَاعٍ إنَّمَا هُوَ الْعِلْمُ وَكَانَ عِلْمُ الْإِنْسَانِ بِأَحْوَالِ نَفْسِهِ أَظْهَرَ مِنْ عِلْمِهِ بِأَحْوَالِ غَيْرِهِ قَدَّمَ فِيهَا دَلَائِلَ الْأَنْفُسِ عَلَى دَلَائِلِ الْآفَاقِ وَمِنْ دَلَائِلِ الْأَنْفُسِ نَفْسُ الْإِنْسَانِ ثُمَّ ذِكْرُ آبَائِهِ وَأُمَّهَاتِهِ بِقَوْلِهِ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. وَمِنْ دَلَائِلِ الْآفَاقِ الْأَرْضُ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى الْإِنْسَانِ مِنْ السَّمَاءِ وَمَعْرِفَتُهُ بِحَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِحَالِ السَّمَاءِ وَقَدَّمَ ذِكْرَ السَّمَاءِ عَلَى ذِكْرِ الْمَاءِ وَخُرُوجِ الثَّمَرَاتِ بِسَبَبِ الْمَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْأَثَرِ الْمُتَوَلِّدِ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

стр. 499

مُتَّجَهٌ فِي قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ النُّحَاةِ جَوَازُ فَتْحِ إنَّ بَعْدَ الْقَسَمِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَسَمَ قَدْ يَقَعُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي فَتَكُونُ أَنَّ مَعْمُولَةً لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي نَحْوُ عَلِمَ اللَّهُ وَشَهِدَ اللَّهُ أَنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ فَلَمَّا كَانَتْ مَظِنَّةَ وُجُودِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي فُتِحَتْ تَنْزِيلًا لِلْمَظْنُونِ مَنْزِلَةَ الْمُحَقَّقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَقَلَهَا لُغَةً عَنْ الْعَرَبِ فِي فَتْحِ أَنَّ بَعْدَ الْقَسَمِ وَالْجَادَّةُ عَلَى كَسْرِهَا بَعْدَ الْقَسَمِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي اللُّغَةِ أَصْلُهَا لِلْعُمُومِ عَلَى مَذْهَبِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَقَدْ تَكُونُ لِلْعَهْدِ مَجَازًا عِنْدَهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] فَهَذِهِ اللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيْ عَصَى الرَّسُولَ الْمَعْهُودَ ذِكْرُهُ الْآنَ فَهَذَا مَجَازٌ لِأَنَّهَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهَا لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِلْعُمُومِ وَقَدْ اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْخُصُوصِ الَّذِي هُوَ الْعَهْدُ فَيَكُونُ مَجَازًا فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَقَالَ الْقَائِلُ وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ فَأَصْلُهَا فِي الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ أَنَّهَا لِلْعُمُومِ فَتَشْمَلُ كُلَّ عِلْمٍ كَانَ قَدِيمًا أَوْ حَادِثًا فَيَجْتَمِعُ فِي أَفْرَادِ هَذَا الْعُمُومِ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ وَهُوَ مُوجِبٌ وَالْعِلْمُ الْمُحْدَثُ وَهُوَ غَيْرُ مُوجِبٍ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمُوجِبُ وَغَيْرُ الْمُوجِبِ تَرَتَّبَ الْإِيجَابُ عَلَى الْمُوجِبِ وَوُجُودُ غَيْرِ الْمُوجِبِ لَا يَقْدَحُ وَلَا يُعَارِضُ الْمُوجِبَ كَمَنْ وُجِدَ مِنْهُ شُرْبُ الْخَمْرِ وَشُرْبُ الْمَاءِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِأَجْلِ الْمُوجِبِ. وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمُوجِبِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ نَعَمْ يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ حِينَئِذٍ انْدَرَجَ فِي كَلَامِهِ مَا يُسَوِّغُ الْحَلِفَ بِهِ وَهُوَ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ وَمَا يُنْهَى عَنْ الْحَلِفِ بِهِ تَحْرِيمًا أَوْ كَرَاهَةً وَهُوَ الْعِلْمُ الْمُحْدَثُ وَالْمُرَكَّبُ مِنْ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَتَكُونُ يَمِينُهُ هَذِهِ مَنْهِيًّا عَنْهَا وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً لِلْكَفَّارَةِ هَذَا إذَا اسْتَعْمَلْنَا الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعُمُومِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا لِلْعَهْدِ أَوْ قَرِينَةُ الْحَلِفِ تَصْرِفُهَا لِلْعَهْدِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ الْمُرَادُ مَا عُهِدَ الْحَلِفُ بِهِ وَهُوَ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ أَحْوَالِ الْحَالِفِينَ هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِتَلْخِيصِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي الصِّفَةِ إذَا حَلَفَ بِهَا فَإِنْ أُضِيفَتْ وَقَالَ الْحَالِفُ وَعِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَةِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْدَرَجَ فِي الْمُضَافِ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ وَالْمُحْدَثُ وَكَذَلِكَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي اللُّغَةِ أَصْلُهَا الْعُمُومُ عَلَى مَذْهَبِ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِالْعُمُومِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) . قُلْت الصَّحِيحُ عِنْدِي فِي قَوْلِ الْقَائِلِ وَالْعِلْمِ وَقَوْلُهُ وَعِلْمِ اللَّهِ وَمَا أَشْبَهَهُ ذَلِكَ أَنَّ قَرِينَةَ الْقَسَمِ عَيَّنَتْ أَنَّ الْمُرَادَ الْقَدِيمُ دُونَ غَيْرِهِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَمْ مُضَافًا لَيْسَ اشْتِمَالُهُ فِي الْقَوْلِ الصَّحِيحِ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ الَّذِي يَقُولُ بِهِ الْمُعَمِّمُونَ بَلْ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ مِنْ بَابِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ وَالْقَوْلُ بِهِ مَرْدُودٌ وَكُلُّ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اشْتِمَالَ اللَّفْظِ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ فَمَا قَالَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْأَثَرُ مُتَأَثِّرٌ عَنْ الْمُؤَثِّرِ وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الزَّنَادِقَةِ أَنْكَرَ الصَّانِعَ عِنْدَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ﵁ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ هَلْ رَكِبْت الْبَحْرَ قَالَ نَعَمْ قَالَ هَلْ رَأَيْت أَهْوَالَهُ قَالَ نَعَمْ هَاجَتْ يَوْمًا رِيَاحٌ هَائِلَةٌ فَكَسَّرَتْ السُّفُنَ وَأَغْرَقَتْ الْمَلَّاحِينَ فَتَعَلَّقْت بِبَعْضِ أَلْوَاحِهَا ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي ذَلِكَ اللَّوْحُ فَإِذَا أَنَا مَدْفُوعٌ فِي تَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ حَتَّى دُفِعْت إلَى السَّاحِلِ فَقَالَ جَعْفَرٌ قَدْ كَانَ اعْتِمَادُك مَنْ قَبْلُ عَلَى السَّفِينَةِ وَالْمَلَّاحِ وَاللَّوْحِ بِأَنَّهُ يُنْجِيَك فَلَمَّا ذَهَبَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْك هَلْ أَسْلَمْت نَفْسَك لِلْهَلَاكِ أَمْ كُنْت تَرْجُو السَّلَامَةَ بَعْدَهُ قَالَ بَلْ رَجَوْت السَّلَامَةَ قَالَ مِمَّنْ تَرْجُوهَا فَسَكَتَ الرَّجُلُ فَقَالَ جَعْفَرٌ إنَّ الصَّانِعَ هُوَ الَّذِي تَرْجُوهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَهُوَ الَّذِي أَنْجَاك مِنْ الْغَرَقِ فَأَسْلَمَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ كَمْ لَك مِنْ آلَةٍ قَالَ عَشَرَةٌ قَالَ فَمَنْ نَعَّمَك وَكَرَّمَك وَرَفَعَ الْأَمْرَ الْعَظِيمَ إذَا نَزَلَ بِك مِنْ جُمْلَتِهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ ﵇ مَا لَك مِنْ إلَهٍ إلَّا اللَّهُ» . وَكَانَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ سَيْفًا عَلَى الدَّهْرِيَّةِ وَكَانُوا يَنْتَهِزُونَ الْفُرْصَةَ لِيَقْتُلُوهُ فَبَيْنَمَا هُوَ قَاعِدٌ فِي مَسْجِدِهِ إذْ هَجَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ بِأَيْدِيهِمْ سُيُوفٌ مَسْلُولَةٌ وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَقَالَ لَهُمْ أَجِيبُونِي عَلَى مَسْأَلَةٍ ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَالُوا لَهُ هَاتِ فَقَالَ مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لَكُمْ إنِّي رَأَيْت سَفِينَةً مَشْحُونَةً بِالْأَحْمَالِ مَمْلُوءَةً بِالْأَثْقَالِ قَدْ احْتَوَشَتْهَا فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ أَمْوَاجٌ مُتَلَاطِمَةٌ وَرِيَاحٌ مُخْتَلِفَةٌ وَهِيَ مِنْ بَيْنِهَا تَجْرِي مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجْرِيهَا وَلَا مُدَبِّرٌ يُدَبِّرُ أَمْرَهَا هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ قَالُوا لَا هَذَا شَيْءٌ لَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ إذَا لَمْ يُجَوِّزْ الْعَقْلُ سَفِينَةً تَجْرِي مِنْ غَيْرِ مَلَّاحٍ يُدِيرُهَا فِي جَرَيَانِهَا فَكَيْفَ يُجَوِّزُ قِيَامَ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعْمَالِهَا وَسَعَةِ أَطْرَافِهَا مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ وَحَافِظٍ فَبَكَوْا جَمِيعًا وَقَالُوا صَدَقْت وَأَغْمَدُوا سُيُوفَهُمْ وَتَابُوا. وَرُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الدَّهْرِيَّةِ سَأَلَ الْإِمَامَ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَا الدَّلِيلُ عَلَى الصَّانِعِ فَقَالَ وَرَقَةُ الْفِرْصَادِ أَيْ التُّوتِ طَعْمُهَا وَاحِدٌ وَلَوْنُهَا وَاحِدٌ وَرِيحُهَا وَاحِدٌ وَطَبْعُهَا وَاحِدٌ عِنْدَكُمْ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَتَأْكُلُهَا دُودَةُ الْقَزِّ

стр. 500

كُلُّ صِفَةٍ تُضَافُ لِأَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ كَقَوْلِهِ ﵇ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فَعَمَّ جَمِيعَ مِيَاهِ الْبَحْرِ وَمَيْتَاتِهِ وَلِأَنَّهُ الْمَنْقُولُ عَنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْإِضَافَةُ يَكْفِي فِيهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالْمُحْدَثَاتُ مِنْ الصِّفَاتِ وَالْمَوْصُوفَاتِ تُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ خَلَقَهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ الَّتِي بَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَالْخَالِقِ. وَلِذَلِكَ قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] إنَّهُ تَعَالَى نَفَخَ فِيهِ رُوحًا مِنْ أَرْوَاحِهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ أَرْوَاحَ الْخَلَائِقِ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ وَأَنَّ رُوحَ عِيسَى ﵇ مِنْ جُمْلَتِهَا فَأَضَافَهَا اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ إضَافَةَ الْخَلْقِ إلَى الْخَالِقِ فَإِذَا وَضَحَ أَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ فَإِنْ أَبْقَيْنَاهَا عَلَى عُمُومِهَا شَمِلَتْ الْمُوجِبَ وَغَيْرَ الْمُوجِبِ وَالْمَأْذُونَ فِيهِ وَالْمَنْهِيَّ عَنْهُ فَيَكُونُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ فِي الْإِضَافَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عُمُومِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَإِنْ لَمْ نَحْمِلْهَا عَلَى عُمُومِهَا وَقُلْنَا بِالْعَهْدِ فَهُوَ فِي الْإِضَافَةِ قَلِيلٌ وَإِنَّمَا هُوَ مَسْطُورٌ لِلنُّحَاةِ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَيَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ هَاهُنَا إنَّ قَرِينَةَ حَالِ الْحَالِفِ وَالْحَلِفِ أَنَّ هَذَا الْعَامَّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ وَهُوَ الصِّفَةُ الْقَدِيمَةُ خَاصَّةً فَيَقُومُ هَذَا التَّخْصِيصُ مَقَامَ الْعَهْدِ فِي لَامِ التَّعْرِيفِ وَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ وَتَكُونُ الْيَمِينُ مُلْزِمَةً لِلْكَفَّارَةِ مِنْ غَيْرِ نَهْيٍ وَقَدْ نَقَلَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ إنْ أَرَادَ الْحَالِفُ بِقَوْلِهِ وَعِزَّةِ اللَّهِ وَأَمَانَتِهِ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ أَوْ الْمُحْدَثَ لَمْ تَجِبْ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] وَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَالْقَدِيمُ لَا يَكُونُ مَرْبُوبًا وَلَا مَأْمُورًا بِهِ إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ يَكْفِي فِيهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وَأَنَّ الْعِزَّةَ الْحَادِثَةَ لِلْعِبَادِ يُمْكِنُ أَنْ تُضَافَ إلَيْهِ إضَافَةَ الْخَلْقِ لِلْخَالِقِ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَالتَّرَدُّدَاتِ خَالَفْنَا جُمْهُورَ الْحَنَفِيَّةِ فِي الصِّفَاتِ فَقَالُوا إنْ تَعَارَفَ النَّاسُ الْحَلِفَ بِهَا كَانَتْ يَمِينًا وَإِنْ لَمْ تَتَعَارَفْ النَّاسُ بِهَا لَمْ تَكُنْ يَمِينًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصِّفَاتُ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ أَوْ صِفَاتِ الْفِعْلِ فَاشْتَرَطُوا الشُّهْرَةَ دُونَنَا وَسَوَّوْا بَيْنَ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالذَّاتِيَّةِ وَسَبَبُ اشْتِرَاطِهِمْ الشُّهْرَةَ أَنَّ الشُّهْرَةَ تُصَيِّرُ ذَلِكَ اللَّفْظَ الْمَشْهُورَ مَوْضُوعًا لِخُصُوصِ الْقَدِيمِ الَّذِي يَحْلِفُ بِهِ فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَقَبْلَ النَّقْلِ وَالشُّهْرَةِ يَكُونُ اللَّفْظُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَمِمَّا يُعَضِّدُ هَذَا التَّرَدُّدَ أَنَّ النَّكِرَاتِ قِسْمَانِ مِنْهُمَا مَا يَصْدُقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ كَقَوْلِنَا مَاءٌ وَمَالٌ وَذَهَبٌ وَفِضَّةٌ فَيُقَالُ لِلْكَثِيرِ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ مَاءٌ وَذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَكَذَلِكَ الْقَلِيلُ وَمِنْ النَّكِرَاتِ مَا لَا يَصْدُقُ إلَّا عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَلَا يَصْدُقُ عَلَى الْكَثِيرِ مِنْهُ كَقَوْلِنَا رَجُلٌ وَعَبْدٌ وَدِرْهَمٌ وَدِينَارٌ فَلَا يُقَالُ لِلرِّجَالِ الْكَثِيرَةِ رَجُلٌ وَلِلْعَبِيدِ عَبْدٌ وَلَا لِلْفِضَّةِ وَالدَّرَاهِمِ الْكَثِيرَةِ دِرْهَمٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْإِبْرَيْسَمُ وَتَأْكُلُهَا النَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْعَسَلُ وَتَأْكُلُهَا الشَّاةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْبَعْرُ وَتَأْكُلُهَا الظَّبْيَةُ فَيَنْعَقِدُ فِي نَوَافِجِهَا الْمِسْكُ فَمَنْ الَّذِي جَعَلَهَا كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الطَّبْعَ وَاحِدٌ فَاسْتَحْسَنُوا ذَلِكَ وَآمَنُوا عَلَى يَدِهِ وَكَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ اهـ. الْمُرَادُ فَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِلْمُمْكِنَاتِ وَلِلْعِبَادِ وَأَفْعَالِهِمْ جَمِيعًا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ عَلِيٌّ عَبْدُ السَّلَامِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ وَلَيْسَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ إلَّا مُجَرَّدُ الْمُقَارَنَةِ كَالْأَسْبَابِ الْعَادِيَّةِ مَعَهَا لَا بِهَا وَلَيْسَ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى بِآلَةٍ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ عَرَبِيٍّ لِلْعَبْدِ آلَةٌ وَالْعَبْدُ آلَةٌ لِفِعْلِ الرَّبِّ ذَكَرَهُ فِي وَمَا رَمَيْت أَيْ إيجَابًا إذْ رَمَيْت كَسْبًا فَلَا تَنَاقُضَ وَمَعَ أَنَّ الْفِعْلَ لَهُ تَعَالَى فَالْأَدَبُ أَنْ لَا يُنْسَبَ لَهُ إلَّا الْحَسَنُ بِإِشَارَةِ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ كَسْبًا بِدَلِيلِ الْأُخْرَى قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَيْ خَلْقًا وَانْظُرْ لِقَوْلِ الْخَضِرِ ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] مَعَ قَوْلِهِ ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] . (وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ) اسْتِحْقَاقُ الْعِبَادَةِ وَالْآلِهِيَّةِ وَعُمُومُ تَعَلُّقِ صِفَاتِهِ تَعَالَى فَيَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَإِرَادَتُهُ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَبَصَرُهُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْبَاقِيَاتِ وَالْفَانِيَاتِ وَسَمْعُهُ بِجَمِيعِ الْأَصْوَاتِ وَخَبَرُهُ بِجَمِيعِ الْمُخْبَرَاتِ (فَتَوْحِيدُهُ تَعَالَى) فِي هَذَا وَنَحْوِهِ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ لَا مُشَارَكَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ (وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ) كُلُّ لَفْظٍ أُشْهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً كَلَفْظِ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَلَفْظِ تَبَارَكَ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى فَلَا يُسَمَّى بِاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَتَقُولُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ وَلَا تَقُولُ تَبَارَكَ زَيْدٌ قُلْت وَإِطْلَاقُ بَنِي حَنِيفَةَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ رَحْمَنَ الْيَمَامَةِ وَقَالَ شَاعِرُهُمْ: عَلَوْت بِالْمَجْدِ يَا ابْنَ الْأَكْرَمَيْنِ أَبًا ... وَأَنْتَ غَيْثُ الْوَرَى لَا زِلْت رَحْمَانَا قَالَ الصَّبَّانُ فِي رِسَالَتِهِ الْبَيَانِيَّةِ أَجَابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ تَفَنُّنِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ قَالَ الْمُحَقِّقُ الْمَحَلِّيُّ إلَّا أَنَّ هَذَا الِاسْتِعْمَالَ غَيْرُ صَحِيحٍ دَعَاهُمْ إلَيْهِ لَجَاجُهُمْ فِي كُفْرِهِمْ بِزَعْمِهِمْ نُبُوَّةَ مُسَيْلِمَةَ دُونَ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ كَافِرٌ لَفْظَةَ اللَّهِ فِي

стр. 501

وَلَا لِلذَّهَبِ الْكَثِيرِ وَالدَّنَانِيرِ دِينَارٌ. وَإِنْ قِيلَ لَهُ الذَّهَبُ بَلْ لَا تَصْدُقُ هَذِهِ النَّكِرَاتُ إلَّا عَلَى هَذَا الْجِنْسِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ فَصَارَتْ أَسْمَاءُ الْأَجْنَاسِ مِنْهَا مَا يَصْلُحُ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَمِنْهَا مَا لَا يَصْلُحُ فَأَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إنَّا وَإِنْ قُلْنَا بِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي التَّعْمِيمَ إنَّمَا نَقُولُهُ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي تَصْدُقُ عَلَى الْكَثِيرِ أَمَّا الَّتِي لَا تَصْدُقُ إلَّا عَلَى الْجِنْسِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ فَإِنَّ إضَافَتَهَا لَا تُوجِبُ تَعْمِيمًا وَلِذَلِكَ يُفْهَمُ الْعُمُومُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ مَالِي صَدَقَةٌ وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ عَبْدِي حُرٌّ وَلَا امْرَأَتِي طَالِقٌ بَلْ لَا يُفْهَمُ مَعَ الْإِضَافَةِ إلَّا فَرْدٌ وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَهُوَ عَبْدٌ وَاحِدٌ وَامْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ فَيُحْمَلُ قَوْلُ الْأُصُولِيِّينَ إنَّ اسْمَ الْجِنْسِ إذَا أُضِيفَ عَمَّ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ إذَا كَانَ يَصْدُقُ عَلَى الْكَثِيرِ بِدَلِيلِ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ غَايَةَ الِاتِّجَاهِ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَرَهُ مَنْقُولًا وَقَدْ نَبَّهْت عَلَيْهِ فِي شَرْحِ الْمَحْصُولِ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْنًى صَحِيحًا يُمْكِنُ مُرَاعَاتُهُ فَقَوْلُنَا وَعِزَّةِ اللَّهِ وَأَمَانَةِ اللَّهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا تَصْدُقُ عَلَى الْكَثِيرِ أَمَانَةٌ بَلْ أَمَانَاتٌ وَلَا أَنْوَاعُ الْعِزَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ أَنَّهَا عِزَّةٌ بَلْ عِزَّاتٌ وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ الْكَثِيرَةُ وَلَا يُقَالُ لَهَا قُدْرَةٌ بَلْ قُدُرَاتٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا هُوَ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ أَنْ يَكُونَ لِلْوَاحِدِ نَحْوُ تَمْرَةٌ وَبُرْمَةٌ وَضَرْبَةٌ وَجُرْحَةٌ وَإِقَامَةٌ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ حَالَةُ الْإِضَافَةِ تَتَنَاوَلُ إلَّا الْوَاحِدَ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْإِضَافَةِ وَذَلِكَ الْوَاحِدُ لَا عُمُومَ فِيهِ حَتَّى يَشْمَلَ الْقَدِيمَ وَالْمُحْدَثَ فَيَبْقَى مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْمُوجِبِ الَّذِي هُوَ الْقَدِيمُ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُوجِبِ الَّذِي هُوَ الْمُحْدَثُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَتَّى تَحْصُلَ شُهْرَةٌ وَنَقْلٌ عُرْفِيٌّ فِي الْقَدِيمِ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ حِينَئِذٍ وَهَذَا حَسَنٌ مُتَّجَهٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا قَالَ وَعِلْمِ اللَّهِ فَإِنَّ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ يُسَمَّى عِلْمًا بِخِلَافِ الْإِرَادَةِ وَكَذَلِكَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ بِخِلَافِ الْحَيَاةِ وَهَذِهِ كُلُّهَا مَبَاحِثُ حَسَنَةٌ يُمْكِنُ الْجُنُوحُ إلَيْهَا فِي مَجَالِ النَّظَرِ وَتَحْقِيقِ الْفِقْهِ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ الصِّفَاتِ الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ وَهِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ فَهَذِهِ الصِّفَاتُ لَيْسَتْ مَعَانِيهَا مَوْجُودَةً قَائِمَةً بِالذَّاتِ وَلَا هِيَ سَلْبُ نَقِيصَةٍ كَقَوْلِنَا لَيْسَ بِجِسْمٍ بَلْ صِفَاتُ ذَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ بِمَعْنَى أَنَّهَا أَحْكَامٌ لِتِلْكَ الذَّاتِ كَمَا نَقُولُ فِي السَّوَادِ إنَّهُ جَامِعٌ لِلْبَصَرِ وَالْبَيَاضِ إنَّهُ مُفَرِّقٌ لِلْبَصَرِ وَتَصِفُهُ بِذَلِكَ لَا بِمَعْنَى أَنَّ جَمْعَ الْبَصَرِ فِي السَّوَادِ وَتَفْرِيقَهُ فِي الْبَيَاضِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ بَلْ بِمَعْنَى أَنَّهَا أَحْكَامٌ ثَابِتَةٌ لِتِلْكَ الْحَقَائِقِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَا تَقَدَّمَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الصِّفَاتِ الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ وَهِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُهَا) قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْأَزَلِيَّةَ إنَّمَا مَعْنَاهَا أَنَّ وُجُودَهُ لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ وَالْأَبَدِيَّةُ أَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ عَدَمٌ وَوُجُودُ الْوُجُودِ نَفْيُ تَبَدُّلِهِ فَهَذِهِ الصِّفَاتُ بِجُمْلَتِهَا سَلْبِيَّةٌ لَا ثُبُوتِيَّةٌ هَذَا عَلَى إنْكَارِ الْأَحْوَالِ أَوْ إمَّا عَلَى إثْبَاتِهَا فَذَلِكَ مُتَّجَهٌ عَلَى أَنَّهَا أَحْوَالٌ نَفْسِيَّةٌ لَا مَعْنَوِيَّةٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي غَيْرِ الْبَارِي مِنْ آلِهَتِهِمْ. اهـ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْ فَخَرَجُوا بِمُبَالَغَتِهِمْ فِي كُفْرِهِمْ عَنْ مَنْهَجِ اللُّغَةِ حَيْثُ اسْتَعْمَلُوا الْمُخْتَصَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي غَيْرِهِ. اهـ قَالَ الْأُنْبَابِيُّ وَقَدْ عَارَضَ شَاعِرَهُمْ ابْنُ جَمَاعَةَ بِقَوْلِهِ: عَلَوْت بِالْكِذْبِ يَا ابْنَ الْأَخْبَثَيْنِ أَبًا ... وَأَنْتَ مُغْوِي الْوَرَى لَا زِلْت شَيْطَانَا قَالَ وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ لَمْ يَقُولُوا مَا ذُكِرَ كَمَا لَا يَخْفَى إلَّا بِالْوُقُوفِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الِاخْتِصَاصِ لُغَةً وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِاشْتِرَاطِ الْوَضْعِ عَدَمَ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ اخْتِصَاصَ الْمُشْتَقِّ بِشَيْءٍ بِحَيْثُ يَكُونُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ فَاسِدًا لُغَةً وَإِنْ قَامَ مَبْدَأُ الِاشْتِقَاقِ بِذَلِكَ الْغَيْرِ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِاشْتِرَاطِ الْوَاضِعِ أَنَّ هَذَا الْمُشْتَقَّ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي ذَاتِهِ لَكِنْ حَيْثُ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ الْمَوْثُوقُ بِهِمْ اخْتِصَاصَهُ وَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِمْ وَلَا عِبْرَةَ بِالْبُعْدِ كَمَا لَا يَخْفَى وَدَعْوَى سَمِّ عَدَمَ الدَّلِيلِ عَلَى الِاشْتِرَاطِ لَا تُسْمَعُ وَأَيُّ مَانِعٍ مِنْ كَوْنِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ أَخَذُوا عَنْ الْعَرَبِ مُشَافَهَةً أَوْ بِوَاسِطَةٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ الرَّحْمَنِ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى وَهُوَ دَلِيلُ اشْتِرَاطِ الْوَضْعِ فَإِنَّ مَا يَحْكُمُ بِهِ الْعَرَبِيُّ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللُّغَةِ بِمُقْتَضَى مَا يَعْلَمُهُ إنَّمَا يَكُونُ بِسَبَبِ حُكْمِ الْوَاضِعِ كَمَا لَا يَخْفَى وَكَوْنُ الْعَرَبِيِّ يَخْرُجُ بِتَعَنُّتِهِ عَنْ اللُّغَةِ وَيُكَابِرُ فِيهَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِيهِ. فَالْحَقُّ هُوَ الْجَزْمُ بِخَطَأِ بَنِي حَنِيفَةَ فِي إطْلَاقِ الرَّحْمَنِ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى وَمَا أَفَادَهُ قَوْلُ الْجَلَالِ الْمَحَلِّيِّ كَمَا لَوْ اسْتَعْمَلَ كَافِرٌ لَفْظَةَ اللَّهِ إلَخْ مَعَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ الِاسْتِعْمَالِ لُغَةً لَا حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا مُسَلَّمٌ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ التَّجَوُّزِ فِي الْأَعْلَامِ لِأَنَّ سَبِيلَ هَذَا أَيْضًا نَقْلُ الْأَئِمَّةِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ فَلَفْظُ الْجَلَالَةِ مُسْتَثْنًى بِلَا شُبْهَةٍ فَلَا مَحَلَّ لِهَذَا الْإِشْكَالِ وَلَا لِدَعْوَى عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَاضِعِ أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى وَلَا لِدَعْوَى أَنَّهُ يَصِحُّ جَوَازُ إطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى مَجَازًا بِعِلَّةِ أَنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُ التَّجَوُّزِ فِي الْأَعْلَامِ. وَكَذَا لَا مَحَلَّ لِدَعْوَى أَنَّ الْمُخْتَصَّ بِهِ تَعَالَى الْمُعَرَّفَ بِأَلْ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو «لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ -

стр. 502

ذِكْرُهُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ وَلَمَّا لَمْ تَكُنْ صِفَةً مَعْنَوِيَّةً زَائِدَةً عَلَى الذَّاتِ سَمَّاهَا الْعُلَمَاءُ صِفَاتٍ ذَاتِيَّةً فَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُهَا. وَأَمَّا حُكْمُهَا فِي الشَّرِيعَةِ إذَا حَلَفَ بِهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ إذَا قَالَ: عَمْرُ اللَّهِ يَمِينِي يُكَفِّرُ مَعَ أَنَّ الْعَمْرَ هُوَ الْبَقَاءُ وَالْبَقَاءُ يَرْجِعُ إلَى مُقَارَنَةِ الْوُجُودِ فِي الْأَزْمِنَةِ وَالْمُقَارَنَةُ نِسْبَةٌ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ فَقَدْ اعْتَبَرَ النِّسْبَةَ وَجَعَلَ حُكْمَهَا حُكْمَ الصِّفَةِ الْوُجُودِيَّةِ فَلَعَلَّهُ يَقُولُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ كَذَلِكَ وَيُوجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةَ إذَا قَالَ الْحَالِفُ: وَأَزَلِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ وُجُودِهِ وَأَبَدِيَّتِهِ وَلَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا غَيْرَ مَا ذَكَرْته لَك مِنْ التَّخْرِيجِ فَإِنْ قُلْت الْأَبَدِيَّةُ لَا تَكُونُ فِي الْأَزَلِ كَمَا أَنَّ الْأَزَلِيَّةَ لَا تَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بَلْ الْأَبَدِيَّةُ اقْتِرَانُ الْوُجُودِ بِجَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ وَالْأَزَلِيَّةُ اقْتِرَانُ الْوُجُودِ بِجَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمُتَوَهَّمَةِ إلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ مِنْ جِهَةِ الْأَزَلِ فَالْأَزَلُ وَالْأَبَدُ مُتَنَافِيَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْآخَرُ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ الْأَبَدُ إلَّا مُتَجَدِّدًا بَعْدَ الْأَزَلِ فَإِنْ جَعَلْتُمْ الْحَلِفَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَدِيمٍ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَلِفُ بِأَبَدِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَجَدُّدِهَا بَعْدَ الْأَزَلِ ثُمَّ إنْ جَعَلْتُمْ الْحَلِفَ بِالْقَدِيمِ كَيْفَ كَانَ وُجُودًا أَوْ عَدَمًا يَلْزَمُكُمْ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِعَدَمِ الْعَامِّ أَنْ يَكُونَ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ قُلْت مُسَلَّمٌ أَنَّ الْأَبَدِيَّةَ لَا تَكُونُ أَزَلِيَّةً وَهِيَ مُتَجَدِّدَةٌ بَعْدَ الْأَزَلِيَّةِ غَيْرَ أَنَّ أَبَدِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى تَرْجِعُ إلَى وُجُودِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ كَالْبَقَاءِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَأَمَّا حُكْمُهَا فِي الشَّرِيعَةِ إذَا حَلَفَ بِهَا فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ إذَا قَالَ عَمْرُ اللَّهِ يَمِينِي يُكَفِّرُ مَعَ أَنَّ الْعَمْرَ هُوَ الْبَقَاءُ وَالْبَقَاءُ يَرْجِعُ إلَى مُقَارَنَةِ الْوُجُودِ فِي الْأَزْمِنَةِ إلَى قَوْلِهِ مِنْ التَّخْرِيجِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا قَالَهُ فِي الْبَقَاءِ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مُقَارَنَةِ الْوُجُودِ فِي الْأَزْمِنَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ تَعَالَى مُتَّصِفٌ بِالْبَقَاءِ سَوَاءٌ وُجِدَ زَمَانٌ أَوْ لَمْ يُوجَدْ فَإِنَّ الزَّمَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ قَالَ فَإِنْ قُلْت الْأَبَدِيَّةُ لَا تَكُونُ فِي الْأَزَلِ كَمَا أَنَّ الْأَزَلِيَّةَ لَا تَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَى قَوْلِهِ فَمَعَ الْفَرْقِ لَا يَصِحُّ التَّخْرِيجُ قُلْت السُّؤَالُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَجَوَابُهُ كَذَلِكَ أَمَّا عَدَمُ صِحَّةِ السُّؤَالِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ وُجُودَ الْبَارِي تَعَالَى وَجَمِيعَ صِفَاتِهِ لَا يَلْحَقُهَا الزَّمَانُ وَالْأَزَلِيَّةُ وَالْأَبَدِيَّةُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُمَا بِالسَّلْبِ فَكَيْفَ يَقُولُ السَّائِلُ إنَّهُمَا لَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْآخَرُ وَهَلْ الْكَوْنُ إلَّا مِنْ لَوَاحِقِ الْوُجُودِ أَوْ هُوَ هُوَ فَمَا أَلْزَمُ مِنْ أَنَّ الْأَبَدَ لَا يَكُونُ إلَّا مُتَجَدِّدًا لَا يَلْزَمُ وَمَا قَالَهُ هُوَ فِي الْجَوَابِ مِنْ أَنَّ الْبَقَاءَ فِي الْمُحْدَثَاتِ لَا يُعْقَلُ إلَّا بَعْدَ الْحُدُوثِ مُسَلَّمٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مَالِكًا اعْتَبَرَ الْبَقَاءَ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ كَوْنِهِ ثَانِيًا عَنْ الْحُدُوثِ وَمَتَى يَصِحُّ فِي حَقِّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ بَقَاؤُهُ بِتِلْكَ الْمَثَابَةِ حَتَّى يَلْزَمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ فَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَبَدِيَّةِ مَعَ تَسْلِيمِ تَجَدُّدِهَا هَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ لَا يُفَوَّهُ بِمِثْلِهِ مَنْ حَصَّلَ شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَمَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَحِيحٌ أَوْ حِكَايَةُ خِلَافٍ وَلَا كَلَامَ فِيهِ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِكِتَابَةِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلَّا صَاحِبَ الْيَمَامَةِ» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُطْلِقُونَهُ مُعَرَّفًا وَمُنَكَّرًا فَلَا تَنْفَعُ هَذِهِ الدَّعْوَى وَكَذَا لَا مَحَلَّ لِدَعْوَى أَنَّ الِاخْتِصَاصَ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ وَدَعْوَى أَنَّهُ لَا إشْكَالَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْعِيٌّ دُونَ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لُغَوِيٌّ عَلِمْت مَا فِيهَا وَأَنَّ الْوَاقِعَ عَكْسُ ذَلِكَ وَعَلِمْت أَنَّ دَعْوَى أَنَّ عِلَّةَ اخْتِصَاصِهِ هِيَ كَوْنُ مَعْنَاهُ الْمُنْعِمَ الْحَقِيقِيَّ الْبَالِغَ مِنْ الْإِنْعَامِ غَايَتَهُ أَوْ الْمُنْعِمَ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ وَذَلِكَ لَا يَصْدُقُ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى الْمُقْتَضِي أَنَّ الِاخْتِصَاصَ شَرْعِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ لَا تَصِحُّ إذْ لَا وَجْهَ لِرَدِّ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الِاطِّلَاع عَلَى دَلِيلِهِمْ فَالْحَقُّ أَنَّ مَنْعَ إطْلَاقِ الرَّحْمَنِ عَلَى غَيْرِهِ تَعَالَى لُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ وَأَنَّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ لَهُ اهـ. أَيْ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الرَّحْمَةِ وَهِيَ وَرِقَّةُ الْقَلْبِ مُسْتَحِيلَةٌ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَالْمُرَادُ مِنْهَا لَازِمُهَا وَهُوَ إرَادَةُ الْإِحْسَانِ أَوْ الْإِحْسَانُ (الْقِسْمُ الثَّانِي) قَالَ الْأَصْلُ مَا لَا يَجِبُ التَّوْحِيدُ وَالتَّوَحُّدُ بِهِ كَتَوْحِيدِهِ بِالْوُجُودِ لِأَنَّهُ إمَّا عَيْنُ الْمَوْجُودِ أَوْ غَيْرُهُ وَمَفْهُومُهُ عَلَى الثَّانِي مُشْتَرَكٌ فِيهِ خَارِجًا وَعَلَى الْأَوَّلِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ ذِهْنًا لَا خَارِجًا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِنَا وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ نَفْسُ مَاهِيَّتِه أَنَّهُ نَفْسُهَا فِي الْخَارِجِ وَأَمَّا فِي الذِّهْنِ فَنَتَصَوَّرُ مِنْ مَعْنَاهُ مَعْنًى عَامًّا يَشْمَلُ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ وَالْوُجُودَ الْمُمْكِنَ فَوَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِي تِلْكَ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ فَلَمْ يَقَعْ التَّوْحِيدُ فِي أَصْلِ الْوُجُودِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَكَتَوْحِيدِهِ بِالْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ الطَّلَبِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ الشَّرِكَةِ فِي أُصُولِ هَذِهِ الْمَفْهُومَاتِ وَإِلَّا فَقِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ بِغَيْرِ مُشْتَرَكٍ مُتَعَذِّرٌ إذْ لَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْمُبَايِنِ عَلَى مُبَايِنِهِ وَإِذَا لَمْ يَصِحَّ قِيَاسٌ لِلْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ مُسْتَنَدُهَا وَكَوْنُ السَّلْبِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] عَامًّا فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَإِنْ أَوْرَدَهُ الْفُضَلَاءُ لَا يُرَدُّ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بَيْنَ صِحَّةِ سَلْبِ الْمِثْلِيَّةِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْآيَةِ وَبَيْنَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ بِكَوْنِ السَّلْبِ بِاعْتِبَارِ مَعَانِي تِلْكَ الصِّفَاتِ وَالْقِيَاسُ بِاعْتِبَارِ

стр. 503

وَعَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مَعَ أَنَّ الْبَقَاءَ لَا يُعْقَلُ فِي الْمُحْدَثَاتِ إلَّا بَعْدَ الْحُدُوثِ فَهُوَ قَرِينَةٌ تَقْتَضِي التَّأْخِيرَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَنْ أَصْلِ الْوُجُودِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ اعْتَبَرَهُ وَلَمْ يُلَاحِظْ هَذَا الْمَعْنَى وَمُقْتَضَى ذَلِكَ اعْتِبَارُ الْأَبَدِيَّةِ وَالْمَقْصُودُ التَّخْرِيجُ عَلَى الْمَذْهَبِ لَا إقَامَةُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ وَهَذَا التَّخْرِيجُ صَحِيحٌ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ وَلَك أَنْ تَقُولَ الْأَبَدِيَّةُ لَا تَكُونُ فِي الْأَزَلِ وَمَا لَا يَكُونُ فِي الْأَزَلِ يَكُونُ حَادِثًا قَطْعًا وَأَمَّا الْبَقَاءُ فَوَاقِعٌ فِي الْأَزَلِ لِأَنَّ اقْتِرَانَ الْوُجُودِ كَمَا حَصَلَ بِالْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ حَصَلَ بِالْأَزَلِ وَفِيهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ حُدُوثٌ فَمَعَ الْفَرْقِ لَا يَصِحُّ التَّخْرِيجُ وَأَمَّا عَدَمُ الْعَالَمِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنْ لَا نَعْتَبِرَ الْقَدِيمَ كَيْفَ كَانَ فَإِنْ عُدِمَ الْعَالَمُ بَلْ عُدِمَ كُلُّ حَادِثٍ قَدِيمٍ. وَلَا يَصِحُّ الْحَلِفُ بِهِ بَلْ يُعْتَبَرُ الْقِدَمُ الْمُتَعَلِّقُ بِذَاتِ اللَّهِ وَوُجُودِهِ وَصِفَاتِهِ الْعُلَا وَعَدَمُ الْعَالَمِ وَالْحَوَادِثِ لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَلْزَمْ بِهِ كَفَّارَةٌ وَلَمْ تُشْرَعْ بِهِ يَمِينٌ (فَائِدَةٌ) اُخْتُلِفَ فِي الْقِدَمِ هَلْ هُوَ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ وَأَنَّهُ تَعَالَى قَدِيمٌ بِقِدَمٍ كَالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ أَوْ هُوَ صِفَةٌ نِسْبِيَّةٌ لَا زَائِدَةٌ عَلَى ذَاتِهِ تَعَالَى بَلْ قِدَمُهُ اسْتِمْرَارُ وُجُودِهِ مَعَ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ الْمُحَقَّقَةِ وَالْمُتَوَهَّمَةِ الِاسْتِمْرَارِ نِسْبَةً بَيْنَ الْوُجُودِ وَالذَّاتِ وَكَذَلِكَ جَرَى الْخِلَافُ فِي الْبَقَاءِ هَلْ هُوَ وُجُودِيٌّ أَمْ لَا. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ وَهِيَ كَقَوْلِنَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا فِي حَيِّزٍ وَلَا فِي جِهَةٍ وَلَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فَهَذِهِ الصِّفَاتُ هِيَ نِسْبَةٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمُورٍ مُسْتَحِيلَةٍ عَلَيْهِ فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ وَسَلْبُ الشَّرِيكِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ وَسَلْبُ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَالْجِسْمِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ السُّلُوبِ نَحْوُ وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَفْوِهِ وَحِلْمِهِ وَتَسْبِيحِهِ وَتَقْدِيسِهِ فَلَمْ أَرَ فِيهَا نَقْلًا فَالْوَحْدَانِيَّةُ سَلْبُ الشَّرِيكِ وَالْعَفْوُ إسْقَاطُ الْعُقُوبَةِ وَالْحِلْمُ تَأْخِيرُهَا فَهَذِهِ السُّلُوبُ مِنْهَا قَدِيمٌ نَحْوُ سَلْبِ الشَّرِيكِ وَهُوَ الْوَحْدَانِيَّةُ وَسَلْبِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ وَالْجَوْهَرِيَّةِ وَالْأَيْنِيَّةِ وَسَلْبِ جَمِيعِ الْمُسْتَحِيلَاتِ عَلَيْهِ تَعَالَى فَهَذِهِ السُّلُوبُ قَدِيمَةٌ هِيَ أَقْرَبُ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَا لِأَنَّهَا قَدِيمَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ الْإِضَافَةُ فِي اللَّفْظِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ قَوْلِنَا وَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيسِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ أَنْ يَقُولَ وَسَلْبِ الْجِسْمِ وَسَلْبِ الشَّرِيكِ فَإِنَّ الْإِضَافَةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى تُبْعِدُ انْعِقَادَ الْيَمِينِ وَمِنْهَا سُلُوبٌ مُحْدَثَةٌ نَحْوُ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ. وَكَذَلِكَ حِلْمُهُ تَعَالَى فَإِنَّهُ تَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا قَالَهُ فِي الْحِلْمِ إنَّهُ تَأْخِيرُ الْعُقُوبَةِ فَإِنَّ هَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ أَنَّ الْحِلْمَ تَرْكُ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُعَاقَبَةِ وَالْعَفْوُ تَرْكُ الْمُعَاقَبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَحْوَالِ مَعَانِيهَا النَّفْسَانِيَّةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وَلَا مَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ. فَكَمَا نَقُولُ كَوْنُ السَّوَادِ سَوَادًا وَكَوْنُ الْبَيَاضِ بَيَاضًا حَالَةٌ لِلسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وَلَا مَوْجُودَةٍ وَلَا مَعْدُومَةٍ فَلَيْسَ خُصُوصُ السَّوَادِ بِاَلَّذِي امْتَازَ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْرَاضِ صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِالسَّوَادِ بَلْ السَّوَادُ فِي نَفْسِهِ بَسِيطٌ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ وَحَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ لَهَا صِفَةٌ بَلْ يُوصَفُ بِهَا وَلَا تُوصَفُ بِصِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ حَقِيقَةً تَقُومُ بِهَا وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الْمَعَانِي كَذَلِكَ تَقُولُ كَوْنُ الْعِلْمِ عِلْمًا صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَحَالَةٌ لَهُ لَيْسَتْ صِفَةً مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ قَائِمَةً بِالْعِلْمِ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْإِرَادَةِ وَالْحَيَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ فَالْقِيَاسُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ هُوَ حُكْمٌ نَفْسِيٌّ وَحَالَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ وَمَعْنَى السَّلْبِ فِي الْآيَةِ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ مَنْفِيَّةٌ بَيْنَ الذَّاتِ وَجَمِيعِ الذَّوَاتِ وَبَيْنَ كُلِّ صِفَةٍ لَهُ تَعَالَى وَجَمِيعِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي أَمْرٍ وُجُودِيٍّ إذْ لَا صِفَةَ وُجُودِيَّةً مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ أَلْبَتَّةَ بَلْ الشِّرْكَةُ إنَّمَا وَقَعَتْ فِي أُمُورٍ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ كَالْأَحْوَالِ وَالْأَحْكَامِ وَالنِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ كَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَالْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ وَالْمَعِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ اهـ مُلَخَّصًا. وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ (أَوَّلًا) بِأَنَّ عَدَمَ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَحُّدِ إجْمَاعًا لَا يَصِحُّ لَا عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ عَيْنُ الْمَوْجُودِ لِأَنَّهُ إمَّا بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ فَيَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْ الْبَارِي تَعَالَى وَغَيْرِهِ بِوُجُودٍ مُنْفَرِدٍ بِذَاتِهِ غَيْرَ مُشَارَكٍ فِيهِ وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي وُجُودِهِ ضِمْنَ أَفْرَادِهِ كَمَا مَرَّ وَلَا عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ غَيْرُ الْمَوْجُودِ لِأَنَّهُ إمَّا عَلَى إنْكَارِ الْحَالِ فَيَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْ الْبَارِي تَعَالَى وَغَيْرِهِ بِوُجُودِهِ وَإِمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْحَالِ فَإِمَّا عَلَى أَنَّ الْحَالَ هُوَ الْأَمْرُ الذِّهْنِيُّ فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي وُجُودِهِ ضِمْنَ إفْرَادِهِ كَمَا مَرَّ. وَأَمَّا عَلَى أَنَّ الْحَالَ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي لَهُ ثُبُوتٌ فِي نَفْسِهِ وَفِي مَحَلِّهِ فَيَخْتَصُّ كُلٌّ مِنْ الْبَارِي تَعَالَى وَغَيْرِهِ بِحَالِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْوُجُودِ (وَثَانِيًا) بِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي أُصُولِ مَفْهُومَاتِ الْعِلْمِ وَمَا مَعَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي كَنُطْقِ الْعِلْمِ مَثَلًا بَيْنَ

стр. 504

بَعْدَ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ وَالْجِنَايَةُ مِنْ الْعِبَادِ حَادِثَةٌ فَالْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْحَادِثِ حَادِثٌ فَهِيَ سُلُوبٌ حَادِثَةٌ فَهِيَ أَبْعَدُ عَنْ انْعِقَادِ الْيَمِينِ مِنْ السُّلُوبِ الْقَدِيمَةِ لِاجْتِمَاعِ السَّلْبِ وَالْحُدُوثِ فِيهَا فَبَعُدَتْ مِنْ وَجْهَيْنِ بِخِلَافِ السُّلُوبِ الْقَدِيمَةِ إنَّمَا بَعُدَتْ مِنْ حَيْثُ السَّلْبُ فَاَلَّذِي يَقُولُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ يَقُولُ هَاهُنَا بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَاَلَّذِي يَقُولُ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ هَاهُنَا لِأَجْلِ السَّلْبِ فَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَمِلُ الْإِطْلَاقَ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ وَبِعَدَمِ انْعِقَادِهَا وَيَحْتَمِلُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ نَقْلًا أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنِّي حَرَّكْت مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ وَالتَّخْرِيجِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَمِدَ الْفَقِيهُ عَلَيْهِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا (فَائِدَةٌ) السَّلْبُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى سَلَبَانِ سَلْبُ نَقِيصَةٍ نَحْوُ سَلْبِ الْجِهَةِ وَالْجِسْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا وَسَلْبُ الْمُشَارِكِ فِي الْكَمَالِ وَهُوَ سَلْبُ الشَّرِيكِ وَهُوَ الْوَحْدَانِيَّةُ فَاعْلَمْ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا. (الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الصِّفَاتُ الْفِعْلِيَّةُ كَقَوْلِهِ وَخَلْقِ اللَّهِ وَرِزْقِ اللَّهِ وَعَطَاءِ اللَّهِ وَإِحْسَانِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْحَلِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً إذَا حَنِثَ وَهَاهُنَا خَمْسُ مَسَائِلُ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَصْحَابُنَا: " مَعَادَ اللَّهِ لَيْسَتْ يَمِينًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْيَمِينَ " وَقِيلَ: مَعَادَ اللَّهِ وَحَاشَا اللَّهِ لَيْسَتَا بِيَمِينٍ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمَعَادَ مِنْ الْعَوْدِ وَمُحَاشَاةُ اللَّهِ تَعَالَى التَّبْرِئَةُ إلَيْهِ فَهُمَا فِعْلَانِ مُحْدَثَانِ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْيَمِينَ وَقِيلَ إنَّ لَفْظَ مَعَادَ اللَّهِ كِنَايَةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى فَإِنَّ مَعَادًا مِنْ الْعَوْدِ وَهُوَ اسْمُ مَكَانِ الْعَوْدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعُودُ إلَيْهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] فَإِطْلَاقُ لَفْظِ الْمَكَانِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْمَعَادِ وَالْمَرْجِعِ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ فَهِيَ كِنَايَةٌ إذَا أُرِيدَ بِهَا الْمَجَازُ كَانَ حَلِفًا بِقَدِيمٍ وَهُوَ وُجُودُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ مُنْصَرِفًا لِحَقِيقَتِهِ وَهُوَ الْمَعَادُ الْحَقِيقِيُّ فَيَكُونُ حَلِفًا بِمُحْدَثٍ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ ثُمَّ إذَا أَرَادَ بِهِ الْحَلِفَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَنْصِبَهُ أَوْ يَرْفَعَهُ أَوْ يَخْفِضَهُ. فَإِنْ نَصَبَهُ كَانَ التَّقْدِيرُ أُلْزِمُ نَفْسِي مَعَادَ اللَّهِ وَيَكُونُ الْإِلْزَامُ هَاهُنَا إلْزَامًا حَقِيقِيًّا لِمُوجِبِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ نِيَّةٍ أَوْ عُرْفٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْقِسْمُ الرَّابِعُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الصِّفَاتُ الْفِعْلِيَّةُ كَقَوْلِهِ وَخَلْقِ اللَّهِ وَرِزْقِ اللَّهِ وَعَطَاءِ اللَّهِ وَإِحْسَانِ اللَّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ وَهَاهُنَا خَمْسُ مَسَائِلُ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَصْحَابُنَا مَعَادَ اللَّهِ لَيْسَتْ يَمِينًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْيَمِينَ وَقِيلَ مَعَادَ اللَّهِ وَحَاشَا اللَّهِ لَيْسَتَا بِيَمِينٍ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمَعَادَ مِنْ الْعَوْدِ وَمُحَاشَاةُ اللَّهِ التَّبْرِئَةُ إلَيْهِ فَهُمَا فِعْلَانِ مُحْدَثَانِ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْيَمِينَ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عِلْمِهِ تَعَالَى وَعِلْمِ غَيْرِهِ لَمْ يَثْبُتْ فَيَتَعَذَّرُ قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ بَلْ عَلَى فَرْضِ ثُبُوتِهَا وَعَدَمِ التَّعَذُّرِ نَلْتَزِمُ بُطْلَانَ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ بِمَنْعِ اللُّزُومِ فِي نَحْوِ قَوْلِنَا لَوْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْكَلَامِ مَثَلًا لَزِمَ النَّقْصُ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ نَقْصٌ فِي الشَّاهِدِ عِنْدَنَا فَقَطْ كَعَدَمِ الزَّوْجِيَّةِ وَالْوَلَدِ فَيَنْدَفِعُ مَا أَوْرَدَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ صِحَّةِ الْقِيَاسِ وَلَا نُسَلِّمُ تَعَذُّرَ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ بِبُطْلَانِهِ إذْ لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَنَدًا لِإِثْبَاتِهَا فَلَا حَاجَةَ لِلْجَوَابِ عَنْ الْإِيرَادِ الْمَذْكُورِ بِمَا لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْأَحْوَالِ وَالْحَقُّ خِلَافُهُ اهـ بِتَلْخِيصٍ وَتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ. قُلْت وَقَوْلُهُ إذْ لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَنَدًا لِإِثْبَاتِهَا أَيْ فَإِنَّهَا قَدْ تَثْبُتُ بِوُرُودِ إطْلَاقِ مُشْتَقَّاتِهَا عَلَيْهِ تَعَالَى وَالْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ مَعَ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ وَجَمِيعُ الْعُقَلَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ الْمَذْكُورِ نَعَمْ فِي الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ وَفِي الْخَيَالِيِّ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمُشْتَقِّ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمَأْخَذِ فِي السَّعْدِ إنْ أَرَادُوا اقْتِضَاءَ ثُبُوتِ الْمَأْخَذِ فِي نَفْسِهِ بِحَسَبِ الْخَارِجِ فَمَنْقُوضٌ بِمِثْلِ الْوَاجِبِ وَالْمَوْجُودِ أَيْ مِمَّا لَا يَقْتَضِي الْغَيْرِيَّةَ وَإِنْ أَرَادُوا ثُبُوتَهُ لِمَوْصُوفِهِ بِمَعْنَى إنْصَافِهِ بِهِ فَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ غَرَضُهُمْ. قَالَ الْأَمِيرُ وَقَوْلُ عَبْدِ الْحَكِيمِ فِي دَفْعِ النَّقْضِ قِيلَ فَرَّقَ لِأَنَّ الْمَأْخَذَ أَيْ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي تُثْبِتُ غَيْرِيَّتَهُ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْغَيْرِيَّةَ لَمْ تَثْبُتْ فِي حَقِّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْخَصْمِ وَفِي الْخَيَالِيِّ قَالَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ لَا تَثْبُتُ فِي غَيْرِ الْإِضَافَةِ وَفِي عَبْدِ الْحَكَمِ عَلَيْهِ مَا نَصُّهُ بِالْحَرْفِ قَالَ صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ إلَّا حُجَّةً عَلَى ثُبُوتِ أَمْرٍ سِوَى الْإِضَافَةِ الَّتِي يَصِيرُ بِهَا الْعَالِمُ عَالِمًا وَالْمَعْلُومُ مَعْلُومًا قَالَ الْمُحَقِّقُ الدَّوَانِيُّ فِي شَرْحِ الْعَقَائِدِ الْعَضُدِيَّةِ اعْلَمْ أَنَّ مَسْأَلَةَ زِيَادَةِ الصِّفَاتِ وَعَدَمِ زِيَادَتِهَا لَيْسَتْ مِنْ الْأُصُولِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا تَكْفِيرُ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ وَقَدْ سَمِعْت بَعْضَ الْأَصْفِيَاءِ أَنَّهُ قَالَ عِنْدِي إنَّ زِيَادَةَ الصِّفَاتِ وَعَدَمَهَا وَأَمْثَالَهُمَا لَا يُدْرَكُ إلَّا بِكَشْفٍ حَقِيقِيٍّ لِلْعَارِفِينَ وَأَمَّا مَنْ تَمَرَّنَ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَإِنْ اتَّفَقَ لَهُ كَشْفٌ فَإِنَّمَا يَرَى مَا كَانَ غَالِبًا عَلَى اعْتِقَادِهِ بِحَسَبِ النَّظَرِ الْفِكْرِيِّ وَلَا أَرَى بَأْسًا فِي اعْتِقَادِ أَحَدِ طَرَفَيْ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اهـ. قَالَ الْأَمِيرُ وَلَوْ اُخْتِيرَ الْوَقْفُ لَكَانَ أَنْسَبَ وَأَسْلَمَ مِنْ

стр. 505

عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَكَفَالَةُ اللَّهِ وَنَحْوُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ هَاتَيْنِ النِّيَّتَيْنِ وَأَمَّا إنْ رَفَعَ فَتَقْدِيرُهُ مَعَادُ اللَّهِ قَسَمِي فَيَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً خَبَرِيَّةً اُسْتُعْمِلَتْ فِي الْإِنْشَاءِ لِلْقَسَمِ بِهَا إمَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِالْعُرْفِ الْمُوجِبِ لِنَقْلِ الْخَبَرِ مِنْ أَصْلِهِ اللُّغَوِيِّ إلَى الْإِنْشَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَلْزَمْ بِهِ شَيْءٌ فَإِنَّ كُلَّ قَسَمٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْإِنْشَاءِ فَمَتَى عُدِمَ الْإِنْشَاءُ لَمْ يَكُنْ قَسَمًا لِأَنَّ الْخَبَرَ بِمَا هُوَ خَبَرٌ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً وَلَا هُوَ قَسَمٌ وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ هُوَ جُمْلَةٌ إنْشَائِيَّةٌ وَلِذَلِكَ لَا تَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ وَالتَّكْذِيبَ وَإِنْ خَفَضَ كَانَ عَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ مِنْ الْقَسَمِ كَقَوْلِهِمْ اللَّهِ بِالْخَفْضِ وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ نِيَّةِ الْإِنْشَاءِ أَوْ عُرْفٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَأَمَّا حَاشَا لِلَّهِ فَمَعْنَاهُ بَرَاءَةٌ لِلَّهِ أَيْ بَرَاءَةٌ مِنَّا لِلَّهِ وَيُحْتَمَلُ هَذَا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً وَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَتَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ تَعَالَى بِاللَّامِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَزِّهُ نَفْسَهُ بِكَلَامِهِ النَّفْسَانِيِّ وَذَلِكَ التَّبَرُّؤ قَدِيمٌ وَهُوَ لِلَّهِ تَعَالَى فَتُمْكِنُ إضَافَتُهُ إلَيْهِ تَعَالَى بِاللَّامِ فَإِنْ وُجِدَتْ نِيَّةٌ لِذَلِكَ رُتْبَةٌ أُخْرَى فِي الْقَسَمِ بِهِ أَوْ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَامَهَا وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ الْكَفَّارَةُ فَهُوَ كِنَايَةٌ كَمَا مَرَّ فِي مِثْلِ مَعَادَ اللَّهِ مَعَ أَنَّ أَبِي يُونُسَ لَمْ يَنْقُلْ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ مَعَ النِّيَّةِ إلَّا فِي مَعَادَ اللَّهِ خَاصَّةً: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ هَاهُنَا أَلْفَاظٌ اُخْتُلِفَ فِي مَدْلُولِهَا هَلْ هُوَ قَدِيمٌ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَتَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ أَوْ هُوَ مُحْدَثٌ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا تَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ تَخْرِيجًا عَلَى قَوَاعِدِهِمْ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ هِيَ غَضَبُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّتُهُ وَمَقْتُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وَكَذَلِكَ بُغْضُهُ فِي قَوْلِهِ ﵊ «أَبْغَضُ الْمُبَاحِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ» وَكَذَلِكَ رَأْفَتُهُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: ٩] وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي حَقَائِقُهَا لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْبَشَرِ وَالْأَمْزِجَةِ وَالْمَخْلُوقَاتِ وَلَمَّا اسْتَحَالَتْ حَقَائِقُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَعَيَّنَ حَمْلُهَا عَلَى الْمَجَازِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَجَازِ الْمُرَادِ بِهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) هَاهُنَا أَلْفَاظٌ اُخْتُلِفَ فِي مَدْلُولِهَا هَلْ هُوَ قَدِيمٌ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَتَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ أَوْ هُوَ مُحْدَثٌ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا تَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ تَخْرِيجًا عَلَى قَوَاعِدِهِمْ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ هِيَ غَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتُهُ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّتُهُ وَمَقْتُهُ إلَى قَوْلِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَمْتَنِعُ حَقَائِقُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهَا عَلَى الْمَجَازِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَجَازِ الْمُرَادِ بِهَا قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ امْتِنَاعِ حَقَائِقِهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إنَّمَا ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِهَا بِمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كَتَفْسِيرِهِمْ الرَّحْمَةَ بِالرِّقَّةِ وَالْمَحَبَّةَ بِالْمَيْلِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ لِلْكَلَامِ فِيهِ مَجَالٌ لَكِنْ عَلَى تَسْلِيمِ امْتِنَاعِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ لَا بُدَّ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْمَجَازِ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] افْتِرَاءِ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَاذَا عَلَى الشَّخْصِ إذَا لَقِيَ رَبَّهُ جَازِمًا بِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ مُفَوِّضًا عِلْمَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ إلَيْهِ لَكِنْ اشْتَهَرَ عِنْدَ النَّاسِ كَلَامُ الْجَمَاعَةِ عَلَى حَدِّ قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَهَلْ أَنَا إلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ... . غَوَيْت وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدْ قَالَ وَقَالَ الشَّعْرَانِيُّ فِي الْيَوَاقِيتِ يَتَلَخَّصُ مِنْ جَمِيعِ كَلَامِ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ ﵀ أَنَّهُ قَائِلٌ بِأَنَّ الصِّفَاتِ عَيْنٌ لَا غَيْنٌ كَشْفًا وَيَقِينًا وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَوْلَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ اهـ. ثُمَّ قَالَ الْأَمِيرُ بَعْدَ أَوْرَاقٍ قَالَ الشَّمْسُ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي الصَّحَائِفِ وَالْخِلَافُ فِي كَوْنِ صِفَاتِ الْمَعَانِي لَيْسَتْ بِغَيْرِ الذَّاتِ كَمَا لِلْجُمْهُورِ أَوْ غَيْرِهَا نَظَرًا لِلْمَفْهُومِ وَزِيَادَةِ الْوُجُودِ وَإِنْ لَمْ تَنْفَكَّ كَمَا لِبَعْضِهِمْ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ وَلِكَوْنِ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ غَيْرَ أَوْقَعَ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ التَّسَمُّحُ بِإِضَافَةِ مَا لِلذَّاتِ لَهَا نَحْوُ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ وَفِي الْحَقِيقَةِ اللَّامُ لِلْأَجْلِ أَيْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِذَاتِهِ لِأَجْلِ قُدْرَتِهِ وَإِلَّا فَعِبَادَةُ مُجَرَّدِ الصِّفَاتِ مِنْ الْإِشْرَاكِ كَمَا أَنَّ عِبَادَةَ مُجَرَّدِ الذَّاتِ فِسْقٌ وَتَعْطِيلٌ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا الذَّاتُ الْمُتَّصِفَةُ بِالصِّفَاتِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الذَّاتُ مِنْ حَيْثُ هِيَ ذَاتٌ لَا سَبِيلَ لَهَا وَإِنَّمَا حَضْرَتُهَا وَحْدَةٌ مَحْضَةٌ حَتَّى قَالُوا إنَّ فِي قَوْلِهِمْ فِي الذَّاتِ تَسَمُّحًا لِأَنَّ بِتَجَلِّيهَا يَتَلَاشَى مَا سِوَاهَا وَإِنَّمَا الْآثَارُ مَمْسُوكَةٌ بِالصِّفَاتِ فَكَيْفَ تُنْفَى وَإِذَا وَصَلَ الْعَارِفُ لِوَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي الْكَوْنِ فَلَا يُتَوَقَّفُ فِي التَّوْحِيدِ مَعَ ثُبُوتِ الصِّفَاتِ وَلَا يُعْقَلُ افْتِقَارٌ فِي ذَاتٍ اتَّصَفَتْ بِالْكَمَالَاتِ فَلَا تَغْتَرَّ بِمَا سَبَقَ عَنْ الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ يَعْنِي قَوْلَهُ فِي بَابِ الْأَسْرَارِ بِنَاءً عَلَى مَيْلِهِ لِنَفْيِ زِيَادَةِ الصِّفَاتِ مِنْ الْأَدَبِ أَنْ تُسَمَّى الصِّفَاتُ أَسْمَاءً لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] وَمَا قَالَ فَصِفُوهُ بِهَا فَمَنْ عَرَفَهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ الْمُمْكِنَةِ لِلْعَالِمِ سَمَّاهُ وَلَمْ يَصِفْهُ قَالَ وَلَمْ يَرِدْ لَنَا خَبَرٌ فِي الصِّفَاتِ إلَى أَنْ قَالَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فَنَزَّهَ نَفْسَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ الصِّفَةِ لَا عَنْ الِاسْمِ فَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالِاسْمِ لَا بِالصِّفَةِ كَمَا فِي يَوَاقِيتِ الشَّعْرَانِيِّ أَوَاخِرَ الْمَبْحَثِ الْحَادِي عَشَرَ فَتَأَمَّلْ بِتَدْقِيقٍ فَهُوَ غَايَةُ التَّحْقِيقِ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ)

стр. 506

فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ إرَادَةُ الْإِحْسَانِ لِمَنْ وُصِفَ بِذَلِكَ مِنْ الْخَلْقِ فِي صِفَةِ الرَّحْمَةِ وَنَحْوِهَا وَإِرَادَةُ الْعُقُوبَةِ لِمَنْ وُصِفَ بِذَلِكَ مِنْ الْخَلْقِ فِي لَفْظِ الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ﵁ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الرَّاحِمِ وَالْغَضْبَانِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ فِي الْأَوَّلِ الْإِحْسَانُ نَفْسُهُ وَفِي الثَّانِي الْعِقَابُ نَفْسُهُ فَغَضَبُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الشَّيْخِ إرَادَتُهُ الْعِقَابَ وَعِنْدَ الْقَاضِي الْعِقَابُ وَكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ هَلْ هِيَ إرَادَةُ الْإِحْسَانِ أَوْ الْإِحْسَانُ نَفْسُهُ وَرِضَاهُ تَعَالَى إرَادَةُ الْإِحْسَانِ أَوْ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الرَّاضِي فَيُحْسِنُ إلَيْهِمْ أَيْ يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ وَمَحَبَّتُهُ إرَادَةُ الْإِحْسَانِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وَالْإِحْسَانُ نَفْسُهُ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ وَقَدْ وَرَدَ الرِّضَى بِمَعْنًى ثَالِثٍ يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] أَيْ لَا يَشْرَعُهُ دِينًا لِلْعِبَادِ وَشَرْعُهُ تَعَالَى كَلَامُهُ الْقَدِيمُ وَفِي الْقُرْآنِ مَوَاضِعُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا مَذْهَبُ الشَّيْخِ وَمَوَاضِعُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا مَذْهَبُ الْقَاضِي وَمَوَاضِعُ تَحْتَمِلُ الْمَذْهَبَيْنِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِرَادَةِ لِأَنَّ الْوُسْعَ عِبَارَةٌ عَنْ عُمُومِ التَّعَلُّقِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا اقْتِرَانُهَا بِالْعِلْمِ وَإِنَّ وُسْعَ الرَّحْمَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ إرَادَةُ الْإِحْسَانِ لِمَنْ وُصِفَ بِذَلِكَ مِنْ الْخَلْقِ فِي صِفَةِ الرَّحْمَةِ وَنَحْوِهَا إلَى قَوْلِهِ وَبَقِيَّةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَتَخَرَّجُ عَلَى هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ) قُلْت مَا قَالَهُ وَحَكَاهُ صَحِيحٌ قَالَ (وَقَدْ رَدَّ الْقَاضِي بِمَعْنًى ثَالِثٍ يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] أَيْ لَا يَشْرَعُهُ تَعَالَى دِينًا لِلْعِبَادِ وَشَرْعُهُ تَعَالَى كَلَامُهُ) قُلْت لَيْسَ شَرْعُ اللَّهِ تَعَالَى كَلَامَهُ بَلْ شَرْعُهُ مُقْتَضَى كَلَامِهِ وَهُوَ الْأَحْكَامُ وَهِيَ الَّتِي يَلْحَقُهَا النَّسْخُ إلَى بَدَلٍ وَإِلَى غَيْرِ بَدَلٍ وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ لَا يَصِحُّ نَسْخُهُ لَا لِبَدَلٍ وَلَا لِغَيْرِ بَدَلٍ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧] لَيْسَ رَاجِعًا إلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (وَفِي الْقُرْآنِ مَوَاضِعُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا مَذْهَبُ الشَّيْخِ وَمَوَاضِعُ يَتَعَيَّنُ فِيهَا مَذْهَبُ الْقَاضِي وَمَوَاضِعُ تَحْتَمِلُ الْمَذْهَبَيْنِ فَالْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى رَبَّنَا وَسِعْت كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَهَذَا ظَاهِرُهُ فِي الْإِرَادَةِ لِأَنَّ الْوُسْعَ عِبَارَةٌ عَنْ عُمُومِ التَّعَلُّقِ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ اقْتِرَانُهَا بِالْعِلْمِ وَإِنَّ وُسْعَ الرَّحْمَةِ كَوُسْعِ الْعِلْمِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِرَادَةِ) قُلْت لَيْسَ كَلَامُهُ هُنَا بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ قَالَ هَذَا مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ فِيهَا مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْإِرَادَةِ وَالظَّاهِرُ لَا يَتَعَيَّنُ إلَّا حَيْثُ يَسُوغُ اسْتِعْمَالُ الظَّوَاهِرِ وَذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا وَقَالَ إنَّ وُسْعَ الرَّحْمَةِ كَوُسْعِ الْعِلْمِ بَعْدَ تَفْسِيرِ الْوُسْعِ بِعُمُومِ التَّعَلُّقِ وَلَيْسَ تَعَلُّقُ الْإِرَادَةِ كَتَعَلُّقِ الْعِلْمِ فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْوَاجِبِ وَالْجَائِزِ وَالْمُحَالِ وَالْإِرَادَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْجَائِزِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَا اخْتَلَفَ فِي وُجُوبِ تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ بِالْقَسَمِ أَوْ الْإِقْسَامِ (وَهَذَا الْقِسْمُ) هُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ فَلِأَجْلِهِ سِيقَ الْفَرْقُ أَمَّا الْقَسَمُ فَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ بْنِ رُشْدٍ مَعَ زِيَادَتِهِ مِنْ الْأَصْلِ اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ وَاخْتَلَفُوا أَيُّ الْأَشْيَاءِ هِيَ الْمُتَّصِفَةِ بِالْجَوَازِ وَالْمُتَّصِفَةُ بِعَدَمِهِ فَقَالَ قَوْمٌ إنَّ الْحَلِفَ الْمُبَاحَ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ وَأَنَّ الْحَالِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ عَاصٍ وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ الْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَالنَّبِيِّ ﷺ مَمْنُوعٌ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى اهـ. وَقَالَ قَوْمٌ بَلْ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِكُلِّ مُعَظَّمٍ بِالشَّرْعِ وَعَلَيْهِ قَوْلُ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الْحَلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى مُحَرَّمٌ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ وَتَعْظِيمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا وَأَقَلُّهُ التَّحْرِيمُ وَبِمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ كَالرَّسُولِ ﷺ وَالْكَعْبَةِ وَالْآبَاءِ مَكْرُوهٌ اهـ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَاَلَّذِينَ قَالُوا إنَّ الْأَيْمَانَ الْمُبَاحَةَ هِيَ الْأَيْمَانُ بِاَللَّهِ تَعَالَى اتَّفَقُوا عَلَى إبَاحَةِ الْأَيْمَانِ بِأَسْمَائِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي بِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْمُعَظَّمَةِ بِالشَّرْعِ أَنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ حَيْثُ حَلَفَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ السَّائِلِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ» فَقَدْ حَلَفَ ﵊ بِأَبِي الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ مَخْلُوقٌ مُعَارِضَانِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَ ﷺ «أَلَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُت» فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ بِقَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ إمَّا مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَرَبِّ النَّجْمِ وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ. وَكَذَا الْبَوَاقِي فَمَا وَقَعَ الْحَلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى دُونَ خَلْقِهِ وَإِمَّا أَنَّ إقْسَامَهُ تَعَالَى بِهَا تَنْبِيهٌ لِعِبَادِهِ عَلَى عَظَمَتِهَا عِنْدَهُ فَيُعَظِّمُونَهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَجْرِ عَلَى الْخَلْقِ فِي شَيْءٍ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ الْحَجْرُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ الْمَلِكُ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَأْمُرُ بِمَا يَشَاءُ

стр. 507

كَوُسْعِ الْعِلْمِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْإِرَادَةِ. وَأَمَّا مَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ مَذْهَبُ الْقَاضِي فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] إشَارَةٌ إلَى السَّدِّ وَهُوَ إحْسَانٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمَةُ وَأَمَّا مَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يَحْتَمِلُ فِي الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِحْسَانَ أَوْ الْإِحْسَانَ نَفْسَهُ يَحْتَمِلُ الْمَذْهَبَيْنِ لِعَدَمِ الْقَرِينَةِ وَمَذْهَبُ الشَّيْخِ أَقْرَبُ مِنْ مَذْهَبِ الْقَاضِي ﵄ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي وُضِعَ اللَّفْظُ بِإِزَائِهَا وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهَا هِيَ رِقَّةُ الطَّبْعِ. وَإِذَا رَقَّ طَبْعُك عَلَى إنْسَانٍ فَإِنْ هَذِهِ الرِّقَّةَ فِي الْقَلْبِ يَلْزَمُهَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا إرَادَةُ الْإِحْسَانِ إلَيْهِ وَالثَّانِي الْإِحْسَانُ نَفْسُهُ فَهُمَا لَازِمَانِ لِلرِّقَّةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ اللُّزُومِ عَنْ اللَّازِمِ مَجَازٌ عُرْفِيٌّ شَائِعٌ فَلِذَلِكَ تَجَوَّزَ الْعُلَمَاءُ إلَيْهَا غَيْرَ أَنَّ إرَادَةَ الْإِحْسَانِ أَلْزَمُ لِلرِّقَّةِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَحِمْته وَأَحْسَنْت إلَيْهِ فَقَدْ أَرَدْت الْإِحْسَانَ إلَيْهِ وَقَدْ تُرِيدُ الْإِحْسَانَ وَتَقْصُرُ قُدْرَتُك عَنْ الْإِحْسَانِ إلَيْهِ فَالْإِرَادَةُ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلرِّقَّةِ وَإِذَا قَوِيَتْ الْعَلَاقَةُ كَانَ مَجَازُهَا أَرْجَحَ فَمَجَازُ الشَّيْخِ أَرْجَحُ لِأَنَّهُ الْإِرَادَةُ فَإِنْ قُلْنَا بِمَذْهَبِ الشَّيْخِ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ قَدِيمَةً يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا وَيَلْزَمُ بِهَا الْكَفَّارَةُ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي كَانَتْ مُحْدَثَةً لَا يَلْزَمُ بِهَا كَفَّارَةٌ وَيُنْهَى عَنْ الْحَلِفِ بِهَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ الْحَالِفُ بِرِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ وَسَخَطِهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ يَعْنِي لِأَنَّهُ كَرَّرَ الْحَلِفَ بِصِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ الْإِرَادَةُ فَتَجِبُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفُتْيَا بِطَرِيقَةِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ فِي حَمْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى الْإِرَادَةِ وَأَنَّهُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ عَشَرَةٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ لَا تَجِبُ إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ قَوْلِهِ وَعِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَةِ اللَّهِ وَإِرَادَةِ اللَّهِ وَعِزَّةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيهِ هَلْ تَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِتَغَايُرِ الصِّفَاتِ الْمَحْلُوفِ بِهَا أَوْ تَتَّحِدُ الْكَفَّارَةُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَاعِدَةَ الْأَيْمَانِ التَّأْكِيدُ حَتَّى يُرِيدَ الْإِنْشَاءَ بِخِلَافِ تَكْرِيرِ الطَّلَاقِ الْأَصْلُ فِيهِ الْإِنْشَاءُ حَتَّى يُرِيدَ التَّأْكِيدَ أَوْ قَاعِدَةُ الْجَمِيعِ الْإِنْشَاءُ حَتَّى يُرِيدَ التَّأْكِيدَ وَهَذَا هُوَ الْأَنْظَرُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَأَمَّا مَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ مَذْهَبُ الْقَاضِي فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] إشَارَةٌ إلَى السَّدِّ وَهُوَ الْإِحْسَانُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَا إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمَةُ) قُلْت وَكَلَامُهُ هُنَا أَيْضًا لَيْسَ بِالْجَيِّدِ فَإِنَّ الْمَوْضِعَ مُحْتَمِلٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا فِيمَا قَالَهُ فَأَيْنَ تَعَيُّنُ مَذْهَبِ الْقَاضِي مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ. قَالَ (وَأَمَّا مَا يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَمَا رَجَّحَ بِهِ مَذْهَبَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمَا قَالَهُ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ إلَى قَوْلِهِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ ظَاهِرٌ أَيْضًا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ وَلَا نَكِيرٍ فَيُحَرِّمُ عَلَى عِبَادِهِ مَا يَشَاءُ دُونَ أَنْ يُحَرِّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ إمَّا أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ وَإِمَّا أَنَّ لَفْظَةَ وَأَبِيهِ فِيهِ لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الْحَلِفُ بَلْ التَّوْطِئَةُ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ قَاتَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَشْجَعَهُ وَقَوْلِهِ ﵊ لِعَائِشَةَ ﵂ «تَرِبَتْ يَدَاك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالْعَرَبَ لَمْ يُرِيدُوا الدُّعَاءَ بِالْقَتْلِ وَلَا بِالْفَقْرِ الَّذِي يَكُنِّي عَنْهُ بِالْإِلْصَاقِ بِالتُّرَابِ تَقُولُ الْعَرَبُ الْتَصَقَتْ يَدُهُ بِالْأَرْضِ وَبِالتُّرَابِ إذَا افْتَقَرَ وَإِنَّمَا أَرَادُوا تَوْطِئَةَ الْكَلَامِ أَوْ إنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّإِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ فِي رِوَايَتِهِ اُخْتُلِفَ فِي قَبُولِهَا قَالَ الْأَيْمَانُ الْمُبَاحَةُ هِيَ الْحَلِفُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ الْمَقْصُودُ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ إنَّمَا هُوَ أَنْ لَا يُعَظِّمَ مَنْ لَمْ يُعَظِّمْ الشَّرْعُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيهِ «أَلَا إنَّ اللَّهَ نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» وَأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ أَجَازَ الْحَلِفَ بِكُلِّ مُعَظَّمٍ فِي الشَّرْعِ فِي سَبَبِ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي بِنَاءِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ مُسْلِمٍ اهـ. وَعَلَى الْجَمْعِ الْأَوَّلِ اقْتَصَرَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ حَيْثُ قَالَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمَجْمُوعِ وَحَرُمَ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللَّهِ مَا نَصُّهُ وَإِقْسَامُ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّجْمِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ وَبِأَسْرَارِهِ الَّتِي يَعْلَمُهَا فِي أَفْعَالِهِ تَنْبِيهًا عَلَى عَظَمَتِهَا وَلِسَرَيَانِ سِرِّ الْحَقِّ فِيهَا مِنْ غَيْرِ حُلُولٍ وَلَا اتِّحَادٍ فَإِنَّهَا مَظَاهِرُهُ مَعَ تَنَزُّهِهِ كَمَا يُعْلَمُ وَنَحْنُ لِوُقُوفِنَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَحَبْسِنَا مَعَ غَيْرِيَّتِهَا نُهِينَا وَلَمَّا ذَاقَ مَنْ ذَاقَ شَيْئًا مِنْ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فَأَطْلَقَ لِسَانَهُ حَصَلَ لَهُ مَا حَصَلَ وَلِذَلِكَ يُشِيرُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] أَيْ لَوْ تَعْلَمُونَ سَرَيَانَ سِرِّ الْحَقِّ فِيهَا وَأَنَّهَا مَظَاهِرُهُ وَلَمَّا كَانَ هُوَ الْعَالِمُ بِذَلِكَ أَقْسَمَ تَارَةً بِهَا وَتَارَةً بِفَاعِلِيَّتِهِ لَهَا فَقَالَ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ٢] ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] وَتَارَةً جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس: ٦] ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] . وَلِلَّهِ دَرُّ الْجُزُولِيِّ حَيْثُ قَالَ فِي الْأَقْسَامِ الاستعطافية فِي دَلَائِلِ الْخَيْرَاتِ وَبِالِاسْمِ الَّذِي وَضَعْته عَلَى اللَّيْلِ فَأَظْلَمَ وَعَلَى النَّهَارِ فَاسْتَنَارَ إلَى مَا آخِرِ مَا قَالَ فَالْوَضْعُ مَعْنَوِيٌّ أَيْ إنَّ هَذِهِ

стр. 508

وَاعْلَمْ أَنَّ الْفُتْيَا بِإِلْزَامِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَا يَقُلْهُ ابْنُ يُونُسَ إنْ لَمْ يُقَيَّدْ بِأَنَّهُ نَوَى إرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِي أُمُورٍ مُحْدَثَةٍ لَا تُوجِبُ كَفَّارَةً. وَإِنَّمَا حُمِلَتْ عَلَى هَذِهِ الْإِرَادَةِ الْقَدِيمَةِ مَجَازًا وَلَمْ تَشْتَهِرْ فِي الْإِرَادَةِ حَتَّى صَارَتْ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْإِرَادَةِ بَلْ مَجَازٌ خَفِيٌّ دَلَّ الدَّلِيلُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ بِاللَّفْظِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ لَا تَنْصَرِفُ لِمَجَازَاتِهَا الْخَفِيَّةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَزَالُ مُنْصَرِفًا إلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ دُونَ مَجَازِهِ الْمَرْجُوحِ حَتَّى تَصْرِفَهُ نِيَّةُ الْمَجَازِ الْمَرْجُوحِ فَإِلْزَامُ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ أَرَادَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ صِفَةً قَدِيمَةً لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) إذَا قِيلَ لَك رَحْمَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ قَائِمَانِ بِذَاتِهِ أَمْ لَا وَهَلْ هُمَا وَاجِبَا الْوُجُودِ أَمْ لَا وَهَلْ كَانَا فِي الْأَزَلِ أَمْ لَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ فَخَرِّجْ جَوَابَكَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ وَعَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ تَقُولُ قَائِمَانِ بِذَاتِهِ وَاجِبَا الْوُجُودِ أَزَلِيَّانِ صِفَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى وَعَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي تَقُولُ لَيْسَا قَائِمَيْنِ بِذَاتِهِ بَلْ مُمْكِنَانِ مَخْلُوقَانِ حَادِثَانِ لَيْسَا بِأَزَلِيَّيْنِ. وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَرِدُ مِنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) مُقْتَضَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ وَكَفَالَتُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ أَنَّهُ إذَا قَالَ هَاهُنَا عَلَيَّ رِزْقُ اللَّهِ أَوْ خَلْقُهُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّ الْفُتْيَا بِإِلْزَامِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ إنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِأَنَّهُ نَوَى إرَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِي أُمُورٍ مُحْدَثَةٍ لَا تُوجِبُ كَفَّارَةً إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّفْظَ وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أُمُورٍ مُحْدَثَةٍ مَجَازٌ غَيْرُ غَالِبٍ فِي الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ فَقَرِينَةُ الْحَلِفِ بِهِ كَافِيَةٌ فِي حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ إلَى آخِرِهَا) قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ فِيمَا إذَا وَقَعَ التَّخْرِيجُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ بِمُسْتَقِيمٍ لِقَوْلِهِ تَقُولُ قَائِمًا بِذَاتِهِ وَاجِبًا الْوُجُودَ أَزَلِيَّانِ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ إرَادَةُ الثَّوَابِ وَالْغَضَبَ إرَادَةُ الْعِقَابِ وَالْإِرَادَةُ وَاحِدَةٌ لَا تَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ مُتَعَلِّقِهَا كَإِرَادَتِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ مُقْتَضَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ وَكَفَالَتُهُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ أَنَّهُ إذَا قَالَ هَاهُنَا عَلَيَّ رِزْقُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ خَلْقُهُ أَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ) قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ عِنْدِي بِصَوَابٍ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ فَمُقْتَضَاهُ عَلَيَّ يَمِينٌ فَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِذَا قَالَ عَلَيَّ رِزْقُ اللَّهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِذَلِكَ الْكَفَّارَةَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمِيثَاقَ وَنَحْوَهُ جَرَى الْعُرْفُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْيَمِينُ وَرِزْقُ اللَّهِ وَنَحْوُهُ لَمْ يَجْرِ عُرْفٌ بِذَلِكَ وَلَيْسَ قَوْلُ الْقَائِلِ عَلَيَّ رِزْقُ اللَّهِ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ لِأَنَّ رِزْقَ اللَّهِ لَيْسَ اسْمًا لِطَاعَتِهِ فَيَلْزَمُ نَذْرُهَا وَصَوْمُ يَوْمٍ اسْمٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَظَاهِرُ تَجَلِّيهِ وَنُكْتَةٌ أُخْرَى إنَّمَا نُهِينَا عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُشَابَهَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي حَلِفِهِمْ بِأَسْمَاءِ آلِهَتِهِمْ وَهَذَا فِي إقْسَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَكُونُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يُقَدِّرُ مُضَافًا أَيْ وَرَبِّ النَّجْمِ وَلِلزَّمَخْشَرِيِ أَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ عَنْ حَقِيقَةِ الْقَسَمِ إلَى مُجَرَّدِ تَوْكِيدِ الْكَلَامِ وَحَمَلَ الْقَرَافِيُّ عَلَى ذَلِكَ «قَوْلَهُ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَا أَنْقُصُ وَلَا أَزِيدُ أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ وَأَبِيهِ» نَظِيرُ قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ تَرِبَتْ يَمِينُك وَقَوْلِهِمْ قَاتَلَهُ اللَّهُ مَا أَكْرَمَهُ اُنْظُرْ ح اهـ. وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ الْحَلِفِ بِصِفَاتِ اللَّهِ وَبِأَفْعَالِهِ فَهُوَ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّهُ هَلْ يُقْتَصَرُ بِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ فِيهِ بِالِاسْمِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ إلَى الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ أَوْ يَتَعَدَّاهُ إلَيْهِمَا لَكِنْ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ فِي الْحَدِيثِ بِالِاسْمِ فَقَطْ جُمُودٌ كَثِيرٌ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا فِي الْمَذْهَبِ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ فَالْقَوْلُ بِمَنْعِ الْحَلِفِ بِصِفَاتِ اللَّهِ وَبِأَفْعَالِهِ ضَعِيفٌ وَالْقَوْلُ بِجَوَازِهِ بِصِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَلُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَيُّوبَ ﵇ قَالَ بَلَى وَعِزَّتِك لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِك اهـ. وَأَمَّا الْحَلِفُ بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَفِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ وَحَاشِيَتِهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْيَمِينَ لَا يَنْعَقِدُ بِنَحْوِ الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُلَاحَظَ الْمَذْهَبُ الْمَاتُرِيدِيُّ وَهُوَ أَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ قَدِيمَةٌ تَرْجِعُ إلَى صِفَةِ التَّكْوِينِ أَوْ يُرِيدُ مَصْدَرَهَا وَمُنْشَأَهَا وَهُوَ الْقُدْرَةُ أَوْ الِاقْتِدَارُ الرَّاجِعُ لِلصِّفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَيْ كَوْنُهُ قَادِرًا إذْ الْمَعْنَوِيَّةُ يَنْعَقِدُ بِهَا جَزْمًا وَلَا عِبْرَةَ بِتَنْظِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ فِيهَا فَقَدْ رَدَّهُ تِلْمِيذُهُ الْأَبِيُّ كَمَا فِي الرَّمَاصِيِّ وَالْبَنَّانِيِّ وَلَا نَظَرَ إلَى كَوْنِهَا لَيْسَتْ مَعَانِيَ مَوْجُودَةً خِلَافًا لِلْبُنَانِيِّ تَبَعًا لِابْنِ عَاشِرٍ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ بِالسُّلُوبِ لِذَلِكَ فَإِنَّهَا تَنْعَقِدُ بِالصِّفَةِ النَّفْسِيَّةِ وَلَيْسَتْ مَعْنًى مَوْجُودًا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ وُجُودَ صِفَاتِ الْمَعَانِي أَعْنِي كَوْنَهَا مَعْنًى مَوْجُودًا فِيهِ خِلَافٌ طَوِيلٌ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ هَذَا الْفَرْقِ وَإِنْ قَالَ بِهِ

стр. 509

فَإِنَّ الْمُدْرَكَ هُنَاكَ إنْ كَانَ هُوَ أَنَّ الْعُرْفَ نَقَلَهَا لِنَذْرِ الْكَفَّارَةِ فِي زَمَانِهِ ﵁ فَصَارَ النُّطْقُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ نَذْرًا لِلْكَفَّارَةِ فَتَلْزَمُهُ بِالنَّذْرِ لَا بِالْحَلِفِ لِأَنَّهُ هُوَ مُقْتَضَى لَفْظِ عَلَيَّ فَإِنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّذْرِ وَنَحْوِهِ وَلَيْسَتْ مِنْ حُرُوفِ الْقَسَمِ إجْمَاعًا بَلْ مِنْ حُرُوفِ اللُّزُومِ وَالنَّذْرِ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ وَصَدَقَةُ دِينَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ هُنَا إذَا وُجِدَ عُرْفٌ فِي رِزْقِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَأَنَّهُ صَارَ قَوْلُهُ عَلَيَّ رِزْقُ اللَّهِ أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِبَعْضِ خَلْقِهِ مِنْ نَبَاتٍ أَوْ جَمَادٍ أَوْ حَيَوَانٍ مِمَّا يُسَوِّغُ التَّصَدُّقَ بِهِ كَالْبَقَرَةِ وَالْغَنَمِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إنْ وُجِدَ فِي الْعُرْفِ الْمُوجِبِ لِنَقْلِهِمَا لِلنَّذْرِ لَزِمَ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الْعُرْفُ النَّاقِلُ لِلنَّذْرِ لَمْ يَلْزَمْ وَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَ عُرْفٌ يُوجِبُ النَّقْلَ لِنَذْرِ غَيْرِ الْكَفَّارَةِ يَجِبُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي نَقَلَ الْعُرْفُ اللَّفْظَ إلَيْهِ فَيَجِبُ وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بَلْ يَدُورُ مَعَ الْعُرْفِ كَيْفَمَا دَارَ وَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ النِّيَّةَ فَتَصِحُّ أَيْضًا فِي خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَرِزْقِهِ أَنْ يَنْوِيَ بِهِمَا إرَادَةَ الْخَلْقِ وَإِرَادَةَ الرِّزْقِ الْإِرَادَةَ الْقَدِيمَةَ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ إنْ كَانَ نَوَى الْحَلِفَ أَوْ النَّذْرَ إنْ كَانَ نَوَى بَعْضَ الْمَنْدُوبَاتِ مِنْ الْأَفْعَالِ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمَسْأَلَتَانِ سَوَاءٌ وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُدْرَكُ الْعُرْفَ النَّاقِلَ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ فِي لَفْظَةِ عَلَيَّ إلَى الْقَسَمِ فَتَكُونُ بِمَعْنَى الْبَاءِ وَالْوَاوِ وَحُرُوفِ الْقَسَمِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (فَإِنَّ الْمُدْرِكَ هُنَالِكَ إنْ كَانَ هُوَ أَنَّ الْعُرْفَ نَقَلَهَا لِنَذْرِ الْكَفَّارَةِ فِي زَمَانٍ فَصَارَ النُّطْقُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ نَذْرًا لِلْكَفَّارَةِ فَتَلْزَمُهُ بِالنَّذْرِ لَا بِالْحَلِفِ إلَى قَوْلِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ) قُلْت مَا تَأَوَّلَهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ جَرَى فِيهِ عُرْفٌ بِنَذْرِ الْكَفَّارَةِ مُجَرَّدَ تَوَهُّمٍ لَا حُجَّةَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ عِنْدِي كَمَا تَوَهَّمَ بَلْ قَوْلُ الْقَائِلِ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ جَرَى فِيهِ الْعُرْفُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْيَمِينُ الَّتِي شَرَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَهَا مِيثَاقًا بَيْنَ عِبَادِهِ فَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ لَيْسَ بِنَذْرِ الْكَفَّارَةِ بَلْ بِالْتِزَامِ الْيَمِينِ. قَالَ (فَكَذَلِكَ يَلْزَمُهُ هُنَا إذَا وَجَدَ عُرْفَهُ فِي رِزْقِ اللَّهِ وَخَلْقِهِ وَأَنَّهُ صَارَ قَوْلُهُ عَلَيَّ رِزْقُ اللَّهِ أَنَّهُ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ إلَى قَوْلِهِ بَلْ يَدُورُ مَعَ الْعُرْفِ كَيْفَمَا دَارَ) قُلْت صَدَرَ كَلَامُهُ بِالْعُرْفِ فِي نَذْرِ الْكَفَّارَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْعُرْفِ فِي نَذْرِ شَيْءٍ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَهَذَا الَّذِي خَرَجَ إلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَسْأَلَةِ مَالِكٍ ﵀ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ وَنَحْوُهُ وَمَا قَالَ مِنْ أَنَّهُ يَدُورُ مَعَ الْعُرْفِ كَيْفَمَا دَارَ صَحِيحٌ إذَا ثَبَتَ عُرْفٌ. قَالَ (وَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ النِّيَّةَ فَتَصِحُّ أَيْضًا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَرِزْقِهِ إلَى قَوْلِهِ إنْ كَانَ نَوَى بَعْضَ الْمَنْذُورَاتِ مِنْ الْأَفْعَالِ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا صَحِيحٌ قَالَ (وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَالْمَسْأَلَتَانِ سَوَاءٌ) قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا سَوَاءً قَالَ (وَاعْلَمْ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُدْرَكُ الْعُرْفَ النَّاقِلَ فَلَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ فِي لَفْظِ عَلَيَّ إلَى الْقَسَمِ فَتَكُونُ بِمَعْنَى الْبَاءِ وَالْوَاوِ وَحُرُوفِ الْقَسَمِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمُحَقِّقُونَ نَعَمْ نَظَرَ عج فِي غَيْرِ الْقِدَمِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ مِنْ صِفَاتِ السُّلُوبِ لَكِنْ اسْتَظْهَرَ شَيْخُنَا الِانْعِقَادَ أَيْ لِأَنَّ مَنْ أَنْكَرَهَا يَكْفُرُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ بِمُخَالَفَتِهِ لِلْحَوَادِثِ لَا بِمُخَالَفَةِ الْحَوَادِثِ لَهُ عَلَى الظَّاهِرِ وَإِنْ تَلَازَمَا لِأَنَّ الْمُلَاحَظَ فِي الْأَوَّلِ ارْتِفَاعُ مَجْدِهِ وَتَقَدُّسِهِ عَنْ مُشَابَهَتِهِمْ وَهُوَ صِفَةٌ لَهُ وَفِي الثَّانِي انْحِطَاطُهُمْ عَنْ مُشَابَهَتِهِ وَقُصُورِهِمْ عَنْهَا وَهُوَ لَيْسَ صِفَةً اهـ. وَمَا فِي الْجَوَاهِرِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِصِفَةِ الْفِعْلِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَقْدُورِ وَأَنَّهَا حَادِثَةٌ كَمَا يَقُولُ الْأَشَاعِرَةُ وَبِالْجُمْلَةِ فَصِفَاتُ اللَّهِ وَأَسْمَاؤُهُ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَنْعَقِدُ الْقَسَمُ بِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إرَادَةٍ وَنَوْعٌ لَا يَنْعَقِدُ الْقَسَمُ بِذَاتِهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى إرَادَةٍ وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْقِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا الْفَرْقِ تَوْضِيحُ النَّوْعَيْنِ فَتَرَقَّبْ. (وَأَمَّا الْإِقْسَامُ) أَيْ الْحَلِفُ عَلَيْهِ تَعَالَى بِغَيْرِهِ مِنْ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ بِأَنْ يُقَالَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْك أَوْ بِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ إلَّا غَفَرْت لَنَا أَوْ بِحَقِّ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ إلَّا سَتَرْت عَلَيْنَا أَوْ بِحُرْمَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ إلَّا هَدَيْتنَا هَدْيَهُمْ وَسَلَكْت بِنَا سَبِيلَهُمْ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِهِ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ وَمَنْعِهِ لِأَنَّهُ قَسَمٌ وَتَعْظِيمٌ بِالْقَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَرُجِّحَ عِنْدَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِهِ وَقَالَ الْكُلُّ قَسَمٌ وَتَعْظِيمٌ قُلْت وَفِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ عَلَيَّ الْعَدَوِيِّ عَلَى الْخَرَشِيِّ فِي بَابِ الْيَمِينِ. وَأَمَّا التَّوَسُّلُ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ فَجَائِزَةٌ وَأَمَّا الْإِقْسَامُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ كَقَوْلِهِ يَعْنِي الدَّاعِي بِحَقِّ مُحَمَّدٍ اغْفِرْ لَنَا فَخَاصٌّ بِهِ ﷺ اهـ. يَعْنِي إذَا لَاحَظَ الدَّاعِي جَعْلَ الْبَاءِ لِلْقَسَمِ وَإِلَّا كَانَ تَوَسُّلًا لَا إقْسَامًا يَشْهَدُ لِذَلِكَ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ وَأَمَّا الْإِقْسَامُ إلَى آخِرِهِ الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ عَلَيَّ الْأُجْهُورِيِّ فِي فَتَاوِيهِ مِنْ أَنَّ الْعِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ قَالَ إنْ صَحَّ مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَ بَعْضَ النَّاسِ الدُّعَاءَ فَقَالَ لَهُ فِي أَوَّلِهِ قُلْ اللَّهُمَّ إنِّي

стр. 510

فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَتَكُونُ يَمِينًا أَوْ يَقَعُ النَّقْلُ فِي أَمَانَةِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَيَكُونُ قَدْ عَبَّرَ بِهِمَا عَمَّا يَلْزَمُهُ بِسَبَبِ الْحِنْثِ فِيهِمَا وَهُوَ الْكَفَّارَةُ فَيَكُونُ نَذْرًا لِلْكَفَّارَةِ بِلَفْظِ الْمُوجِبِ لَهَا نَقْلًا عُرْفِيًّا وَيَكُونُ مَجَازًا رَابِحًا مِنْ بَابِ التَّعْبِيرِ بِالسَّبَبِ عَنْ الْمُسَبَّبِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ مُسَبَّبَةٌ عَلَى الْحَلِفِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَمَتَى فُقِدَ النَّقْلُ فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ الصَّارِفَةِ لِلنَّذْرِ أَوْ الْحَلِفِ بِالصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ وَاسْتِعْمَالُ عَلَيَّ مَجَازٌ وَمَتَى فُقِدَ الْعُرْفُ وَالنِّيَّةُ تَعَيَّنَ أَنْ لَا يَجِبَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ وَعَلَيَّ سَمْعُ اللَّهِ وَبَصَرُهُ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تُوجِبُ شَيْئًا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَنَقْلٍ عُرْفِيٍّ وَلَعَلَّ الْإِمَامَ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. (الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى) الصِّفَاتُ الْجَامِعَةُ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ عِزَّةُ اللَّهِ وَجَلَالُهُ وَعُلَاهُ وَعَظَمَتُهُ وَكِبْرِيَاؤُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّك تَقُولُ جَلَّ بِكَذَا أَوْ جَلَّ عَنْ كَذَا فَتَنْدَرِجُ فِي الْأُولَى الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ كُلُّهَا قَدِيمَةً أَوْ حَادِثَةً فَكَمَا جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَصِفَاتِهِ السَّبْعَةِ الَّتِي هِيَ صِفَاتُ ذَاتِهِ تَعَالَى جَلَّ أَيْضًا بِبَدَائِعِ مَصْنُوعَاتِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَتَكُونُ يَمِينًا) قُلْت وَمَا الْمَانِعُ أَنْ تَكُونَ يَمِينًا مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ فِي لَفْظِ عَلَيَّ بَلْ يَبْقَى لَفْظُ عَلَيَّ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ وَيَكُونُ قَائِلُهُ حَالِفًا فَإِنَّ الْمِيثَاقَ مَعْنَاهُ يَمِينٌ مَا فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ يَمِينٌ فَلَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ. قَالَ (أَوْ يَقَعُ النَّقْلُ فِي أَمَانَةِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ وَيَكُونُ قَدْ عَبَّرَ بِهِمَا عَمَّا يَلْزَمُ بِسَبَبِ الْحِنْثِ فِيهِمَا وَهُوَ الْكَفَّارَةُ إلَى مُنْتَهَى قَوْلِهِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ مُسَبَّبَةٌ عَنْ الْحَلِفِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ) قُلْت بَنَى كَلَامَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَنَّ الْمِيثَاقَ وَنَحْوَهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ ثُمَّ إنَّهُ هُنَا بَنَى عَلَى أَنَّهُ يَمِينٌ تَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ وَإِذَا كَانَ يَمِينًا تَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَمَا الْمُحْوِجُ إلَى النَّقْلِ فِيهِ وَادِّعَاءِ الْمَجَازِ الرَّاجِحِ فِيهِ هَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ لَا خَفَاءَ بِسُقُوطِهِ قَالَ (فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ النَّقْلَيْنِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْت قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا وَاقْتَضَى كَلَامُهُ حَيْثُ قَالَ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ مُسَبَّبَةٌ عَنْ الْحَلِفِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى نَقْلٍ وَلَا نِيَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْقِسْمُ الْخَامِسُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الصِّفَاتُ الْجَامِعَةُ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ عِزُّ اللَّهِ وَجَلَالُهُ وَعُلَاهُ وَعَظَمَتُهُ وَكِبْرِيَاؤُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّك تَقُولُ جَلَّ بِكَذَا وَجَلَّ عَنْ كَذَا فَتَنْدَرِجُ فِي الْأَوَّلِ الصِّفَاتُ الثُّبُوتِيَّةُ كُلُّهَا قَدِيمَةً وَمُحْدَثَةً) قُلْت هَذَا لَفْظٌ مُسْتَنْكَرٌ فَإِنَّهُ يُوهِمُ اتِّصَافَهُ بِالْحَوَادِثِ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ مِثْلِهِ فَإِنْ أَرَادَ مُقْتَضَى ظَاهِرِهِ فَهُوَ كُفْرٌ وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ الصِّفَاتِ الْمُسَمَّيَاتِ بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَالْمَعْنَى صَحِيحٌ وَاللَّفْظُ قَبِيحٌ قَالَ (فَكَمَا جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَصِفَاتِهِ السَّبْعَةِ الَّتِي هِيَ صِفَاتُ ذَاتِهِ تَعَالَى جَلَّ أَيْضًا بِبَدَائِعِ مُصَنَّعَاتِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أُقْسِمُ عَلَيْك بِنَبِيِّك مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَيْهِ ﷺ لِأَنَّهُ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَأَنْ لَا يُقْسَمَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي دَرَجَتِهِ ﷺ اهـ. وَخَالَفَهُ ابْنُ عَرَفَةَ وَاسْتَدَلَّ بِمَا يَدُلُّ لَهُ بَلْ إنَّمَا يَدُلُّ لِجَوَازِ التَّوَسُّلِ بِبَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُوَ غَيْرُ الْإِقْسَامِ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْحَطَّابُ اهـ. كَلَامُ الْأُجْهُورِيِّ وَتَبِعَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَوْلِهِ بِجَوَازِ الْإِقْسَامِ بِغَيْرِهِ ﷺ الْعَلَّامَةَ ابْنَ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ كَمَا يُعْلَمُ بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ وَعَلَى مَا نُقِلَ عَنْ فُقَهَاءِ الْأَحْنَافِ مِنْ تَحْرِيمِ قَوْلِ الدَّاعِي بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَبِحَقِّ فُلَانٍ اهـ. فَمَحْمُولٌ إمَّا عَلَى مُلَاحَظَةِ الدَّاعِي الْإِقْسَامَ أَوْ قَصْدِهِ الْحَقَّ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ تَعْلِيلِهِمْ بِقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ أَمَّا إذَا لَاحَظَ بِهِ التَّوَسُّلَ أَوْ قَصْدَ الْحَقِّ بِمَعْنَى الرُّتْبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ لَدَيْهِ تَعَالَى أَوْ الْحَقَّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ عَلَى الْخَلْقِ وَعَلَيْهِ بِفَضْلِهِ لِلْخَلْقِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ قَالَ فَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْقَوْلُ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْأَدِلَّةِ الْوَارِدَةِ فِي جَوَازِ التَّوَسُّلِ. وَمَا رَوَاهُ زَرُّوقٌ عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَرَاهَةِ التَّوَسُّلِ فَإِنَّمَا يَصِحُّ بِحَمْلِ الْكَرَاهَةِ عَلَى التَّحْرِيمِيَّةِ وَالتَّوَسُّلِ عَلَى الْإِقْسَامِ إذْ لَوْ لَمْ يُحْمَلْ عَلَى ذَلِكَ لَعَارَضَهُ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَهُ جَعْفَرٌ الْمَنْصُورُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقَبْرِ حِينَ الدُّعَاءِ أَوْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ قَالَ لَهُ وَلِمَ تَصْرِفُ وَجْهَك عَنْهُ وَهُوَ وَسِيلَتُك وَوَسِيلَةُ أَبِيك آدَمَ قَبْلَك بَلْ اسْتَقْبِلْهُ وَاسْتَشْفِعْ بِهِ فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ فِيك قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٦٤] الْآيَةَ قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْجَوْهَرِ الْمُنَظَّمِ رِوَايَةُ ذَلِكَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ جَاءَتْ بِالسَّنَدِ الصَّحِيحِ الَّذِي لَا مَطْعَنَ فِيهِ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الزَّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ وَرَوَاهَا ابْنُ فَهْدٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَرَوَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ لَيْسَ فِي إسْنَادِهَا وَضَّاعٌ وَلَا كَذَّابٌ عَلَى أَنَّهَا قَدْ عُضِّدَتْ بِجَرَيَانِ الْعَمَلِ وَبِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي جَوَازِ التَّوَسُّلِ الَّتِي يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَبِظَاهِرِ اسْتِسْقَاءِ عُمَرَ بِالْعَبَّاسِ ﵄ بَلْ مِمَّا يُعَيِّنُ حَمْلَ رِوَايَةِ زَرُّوقٍ

стр. 511

وَغَرَائِبِ مُخْتَرَعَاتِهِ وَيَنْدَرِجُ فِي الثَّانِي جَمِيعُ السُّلُوبِ لِلنَّقَائِصِ فَيَصْدُقُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَلَّ عَنْ الشَّرِيكِ وَعَنْ الْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ يَحْتَمِلُ جَلَّ بِكَذَا وَجَلَّ عَنْ كَذَا وَعَظُمَ بِكَذَا وَعَظُمَ عَنْ كَذَا انْدَرَجَ الْجَمِيعُ فِي اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَكَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ شَامِلَةً لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ وَالْقَدِيمَةِ وَالْمُحْدَثَةِ فَيَكُونُ الْحَلِفُ بِهَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُوجِبِ لِلْكَفَّارَةِ وَهُوَ الصِّفَاتُ الْقَدِيمَةُ وَغَيْرُ الْمُوجِبِ وَهُوَ الصِّفَاتُ الْمُحْدَثَةُ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمُوجِبُ وَغَيْرُ الْمُوجِبِ كَانَ اللَّازِمُ الْإِيجَابَ عَمَلًا بِالْمُوجِبِ وَالْقِسْمُ الْآخَرُ كَمَا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي كَفَّارَةً لَا يَمْنَعُ الْمُوجِبَ لِلْكَفَّارَةِ مِنْ إيجَابِهِ لِلْكَفَّارَةِ وَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلُ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا قَالَ الْقَائِلُ سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ هَلْ يَجُوزُ هَذَا الْإِطْلَاقُ أَمْ لَا فَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ هَذَا الْإِطْلَاقُ لِأَنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ تَعَالَى صِفَتُهُ وَالتَّوَاضُعُ لِلصِّفَةِ عِبَادَةٌ لَهَا وَعِبَادَةُ الصِّفَةِ كُفْرٌ بَلْ لَا يُعْبَدُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ عَبَدَ عَابِدٌ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ إرَادَتَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ كَفَرَ بَلْ الْمَعْبُودُ وَاحِدٌ وَهُوَ ذَاتُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَنُعُوتِ الْكَمَالِ وَالْمُرَادُ بِالْعِبَارَتَيْنِ وَاحِدٌ. وَقَالَ قَوْمٌ يَجُوزُ هَذَا الْإِطْلَاقُ وَهُوَ الصَّحِيحُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَغَرَائِبِ مُخْتَرَعَاتِهِ) . قُلْت هَذَا الْكَلَامُ أَقْبَحُ وَفِي الْكُفْرِ أَوْضَحُ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي افْتِقَارَ الْبَارِي تَعَالَى إلَى بَدَائِعِ مَصْنُوعَاتِهِ وَغَرَائِبِ مُخْتَرَعَاتِهِ فَيَزْدَادُ كَمَالًا بِوُجُودِهَا وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَحَائِزُ غَايَةِ الْكَمَالِ بِالِاسْتِحْقَاقِ قَبْلَ ابْتِدَاعِ الْمُبْتَدَعَاتِ وَاخْتِرَاعِ الْمُخْتَرَعَاتِ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْتَدِعْ الْمُبْتَدَعَاتِ وَلَمْ يَخْتَرِعْ الْمُخْتَرَعَاتِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ نَقْصًا فِي كَمَالِهِ وَلَا غَضًّا مِنْ جَلَالِهِ وَلَا حَطًّا عَنْ رُتْبَةِ انْفِرَادِهِ بِالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَاسْتِقْلَالِهِ وَمَا ذَلِكَ الْكَلَامُ إلَّا كَلَامَ مَنْ لَمْ يُحَصِّلْ عِلْمَ الْكَلَامِ بَلْ عِلْمَ الِاعْتِقَادِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ وَالسَّدَادِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالْإِرْشَادِ قَالَ (وَيَنْدَرِجُ فِي الثَّانِي جَمِيعُ السُّلُوبِ لِلنَّقَائِصِ إلَى قَوْلِهِ وَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلُ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا مَا فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمَةُ وَالْمُحْدَثَةُ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ (إذَا قَالَ الْقَائِلُ سُبْحَانَ مَنْ تَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ هَلْ يَجُوزُ هَذَا الْإِطْلَاقُ أَمْ لَا فَقَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعَصْرِ لَا يَجُوزُ هَذَا الْإِطْلَاقُ إلَى قَوْلِهِ وَقَالَ قَوْمٌ يَجُوزُ هَذَا الْإِطْلَاقُ وَهُوَ الصَّحِيحُ) قُلْت مَا صَحَّحَ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْعَظَمَةَ كَمَا سَبَقَ جَامِعَةٌ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالتَّوَاضُعُ التَّصَاغُرُ وَالتَّضَاؤُلُ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَا عَدَا الذَّاتَ الْكَرِيمَةَ وَالصِّفَاتِ الْعَظِيمَةَ مُتَصَاغِرٌ مُتَضَائِلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى تِلْكَ الصِّفَاتِ وَقَوْلُ ذَلِكَ الْفَقِيهِ الْعَصْرِيِّ إنَّ التَّوَاضُعَ عِبَادَةٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَهُوَ دَعْوَى عَرِيَّةٌ عَنْ الْحُجَّةِ فَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِهِ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَذْكُورَةِ عَلَى مَا ذَكَرُوا وَبُطْلَانَهَا رَأْسًا أَنَّ زَرُّوقًا نَفْسَهُ فِي شَرْحِهِ لِحِزْبِ الْبَحْرِ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْيَارِ اللَّهُمَّ إنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِهِمْ فَإِنَّهُمْ أَحَبُّوك وَمَا أَحَبُّوك حَتَّى أَحْبَبْتهمْ فِيك إيَّاهُمْ وَصَلُوا إلَى حُبِّك وَنَحْنُ لَمْ نَصِلْ إلَى حُبِّهِمْ فِيك فَتَمِّمْ لَنَا ذَلِكَ مَعَ الْعَافِيَةِ الْكَامِلَةِ الشَّامِلَةِ حَتَّى نَلْقَاك يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ وَلَهُ فِي التَّوَسُّلِ قَصِيدَةٌ مَشْهُورَةٌ فَمِنْ هُنَا قَالَ الْعَلَّامَةُ الزَّرْقَانِيُّ عَلَى الْمَوَاهِبِ وَقَوْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: وَمَالِكٌ مِنْ أَعْظَمِ الْأَئِمَّةِ كَرَاهِيَةً لِذَلِكَ خَطَأٌ قَبِيحٌ فَإِنَّ كُتُبَ الْمَالِكِيَّةِ طَافِحَةٌ بِاسْتِحْبَابِ الدُّعَاءِ عِنْدَ الْقَبْرِ مُسْتَقْبِلًا لَهُ مُسْتَدْبَرًا لِلْقِبْلَةِ وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْعَلَّامَةُ خَلِيلٌ فِي مَنْسَكِهِ وَنَقَلَهُ فِي الشِّفَاءِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ إذَا سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَعَا يَقِفُ وَوَجْهُهُ إلَى الْقَبْرِ لَا إلَى الْقِبْلَةِ وَيَدْنُو وَيُسَلِّمُ وَلَا يَمَسُّ الْقَبْرَ بِيَدِهِ اهـ. فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهَذَا تَحْقِيقُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَتَوَحُّدُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ قَدِيمٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ حَادِثٌ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ قَدِيمٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ حَادِثٌ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ) الْأَلْفَاظُ بِاعْتِبَارِ جَوَازِ الْحَلِفِ بِهَا وَعَدَمِ جَوَازِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا عُلِمَ أَنَّ مَدْلُولَهُ قَدِيمٌ فَيَجُوزُ وَيَنْعَقِدُ الْقَسَمُ بِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إرَادَةٍ وَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ كَلَفْظِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى وَإِنْ قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إنَّهَا أَلْفَاظٌ وَهِيَ حَادِثَةٌ وَقَسَّمَهَا الشَّمْسُ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي الصَّحَائِفِ إلَى قَدِيمٍ وَحَادِثٍ وَالْحَادِثُ إلَى مُشْتَقٍّ مِنْ فِعْلِهِ تَعَالَى كَالْخَلَّاقِ الرَّزَّاقِ الْمُحْيِي الْمُمِيتِ وَمُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلِنَا كَالْمَعْبُودِ وَالْمَشْكُورِ لِأَنَّ مَعْنَى قِدَمِهَا مَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ الْمَلَوِيُّ عَنْ سَيِّدِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَغْرِبِيِّ مِنْ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمِ أَسْمَاءٌ لَهُ هِيَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهَا بِالْقِدَمِ كَمَا أَنَّ مِنْهُ أَمْرًا وَنَهْيًا إلَخْ وَالْمُرَادُ بِالتَّسْمِيَةِ الْقَدِيمَةِ دَلَالَةُ الْكَلَامِ أَزَلًا عَلَى مَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَبْعِيضٍ وَلَا تَجْزِئَةٍ فِي نَفْسِ الْكَلَامِ مَعَ تَفْوِيضِ كُنْهِ ذَلِكَ لَهُ تَعَالَى وَاقْتَصَرُوا فِي أَقْسَامِ الْكَلَامِ الِاعْتِبَارِيَّةِ عَلَى الْأَهَمِّ

стр. 512

وَعَظَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ هُوَ الْمَعْبُودُ وَهُوَ الْإِلَهُ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ تَوْحِيدُهُ وَتَوَحُّدُهُ وَلَا ثَانِيَ لَهُ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ التَّوَاضُعُ لَهُ كَمَا تَقُولُ عَظَمَةُ الْمَلِكِ جَيْشُهُ وَأَمْوَالُهُ وَأَقَالِيمُهُ الَّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَسَطْوَتُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا وَقَعَتْ بِهِ الْعَظَمَةُ فِي دَوْلَتِهِ كَذَلِكَ عَظَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ هَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا مَعَ ذَاتِهِ تَعَالَى فَهِيَ أَيْضًا مِنْ مُوجِبَاتِ عَظَمَتِهِ فَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْمُطْلِقُ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَرَادَ صِفَةً وَاحِدَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا حَصَلَ التَّوَاضُعُ لَهَا وَهُوَ الْعِبَادَةُ امْتَنَعَ وَرُبَّمَا كَانَ كُفْرًا وَهُوَ الظَّاهِرُ وَإِنْ أَرَادَ بِالتَّوَاضُعِ غَيْرَ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْقَهْرُ وَالِانْقِيَادُ لِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَقُدْرَتِهِ فَهَذَا أَيْضًا مَعْنًى صَحِيحٌ فَإِنَّ جَمِيعَ الْعَالَمِ مَقْهُورٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ فَالتَّوَاضُعُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ أَيْضًا سَائِغٌ لَا مَحْذُورَ فِيهِ بَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] (وَعَظَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الْمَجْمُوعُ مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَهَذَا الْمَجْمُوعُ هُوَ الْمَعْبُودُ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ التَّوَاضُعُ لَهُ) قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ هُنَا بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْعَظَمَةَ لَيْسَتْ مَجْمُوعَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بَلْ هِيَ مَجْمُوعُ الصِّفَاتِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ تَقْرِيرِهِ هُوَ ذَلِكَ قَبْلَ هَذَا وَعَلَى تَسْلِيمِ أَنْ تَكُونَ الْعَظَمَةُ مَجْمُوعَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فَلَيْسَ الْمَجْمُوعُ هُوَ الْمَعْبُودُ بَلْ الْمَعْبُودُ الْمَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ لَا الصِّفَاتُ وَلَا مَجْمُوعُ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَعْبُودَ مَجْمُوعُ الْمَوْصُوفِ وَالصِّفَاتِ مُضَاهٍ لِقَوْلِ النَّصَارَى فِي الْأَقَالِيمِ وَهُوَ بَاطِلٌ لَا شَكَّ فِي بُطْلَانِهِ وَكَلَامُهُ هُنَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يُحَقِّقْ مَبَاحِثَ هَذَا الْعِلْمِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ. قَالَ (كَمَا تَقُولُ عَظَمَةُ الْمَلِكِ جَيْشُهُ وَأَمْوَالُهُ إلَى قَوْلِهِ فِي دَوْلَتِهِ) قُلْت لَا يُسَوَّغُ مِثْلُ هَذَا التَّمْثِيلِ فَإِنَّ الْمَلِكَ مُفْتَقِرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُسْتَغْنٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمْثِيلُ. قَالَ (كَذَلِكَ عَظَمَةُ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ هَذِهِ الْأُمُورُ كُلُّهَا مَعَ ذَاتِهِ تَعَالَى فَهِيَ أَيْضًا مِنْ مُوجِبَاتِ عَظَمَتِهِ) قُلْت هَذَا كَلَامٌ غَثٌّ لَا يَصْدُرُ إلَّا عَنْ جَهْلٍ بِهَذَا الْعِلْمِ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْعَظَمَةِ وَالْعَظَمَةُ مَجْمُوعُ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ فَالذَّاتُ عَلَى هَذَا مُوجِبَةٌ لِلذَّاتِ وَكَيْفَ يَكُونُ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مُوجِبًا وَمُوجَبًا هَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ. قَالَ (فَإِنْ أَرَادَ الْمُطْلِقُ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) قُلْت بَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِي ذَلِكَ حَيْثُ اعْتَقَدَ أَنَّ الذَّاتَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْعَظَمَةِ قَالَ (وَإِنْ أَرَادَ صِفَةً وَاحِدَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ) قُلْت مَا حَكَمَ بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ هُوَ كَمَا قَالَ. قَالَ (وَإِنْ أَرَادَ بِالتَّوَاضُعِ غَيْرَ الْعِبَادَةِ إلَى قَوْلِهِ بَلْ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِاعْتِبَارِ مَا ظَهَرَ لَهُمْ إذْ ذَاكَ فَلَا يَرِدُ عَدَمُ ذِكْرِهِمْ أَسْمَاءَ مِنْهَا كَيْفَ وَمَدْلُولُهُ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُصْرِ وَلَيْسَ مَعْنَى الْقِدَمِ هُنَا عَدَمُ الْأَوَّلِيَّةِ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ بَلْ مَعْنَاهُ إنَّهَا مَوْضُوعَةٌ قَبْلَ الْخَلْقِ أَيْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَهَا لِنَفْسِهِ قَبْلَ إيجَادِنَا ثُمَّ أَلْهَمَهَا لِلنُّورِ الْمُحَمَّدِيِّ ثُمَّ لِلْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لِلْخَلْقِ كَمَا فِي الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ فَافْهَمْ وَكَالْوُجُودِ وَنَحْوِ الْقُدْرَةِ وَالِاقْتِدَارِ أَيْ الْكَوْنِ قَادِرًا وَالْقِدَمُ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى النَّفِيسَةِ وَالْمَعَانِي وَالْمَعْنَوِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ كَمَا مَرَّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا عُلِمَ أَنَّ مَدْلُولَهُ حَادِثٌ كَلَفْظِ الْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا فَلَا يَجُوزُ وَلَا يَنْعَقِدُ الْقَسَمُ بِهِ أَصْلًا قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ. وَأَمَّا الْأَلْفَاظُ الْأَجْنَبِيَّةُ بِالْمَرَّةِ نَحْوُ وَالْحَيَوَانِ فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ نَوَى بِهِ مَعْنًى قَدِيمًا وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فَلَيْسَ كَالطَّلَاقِ إنْ نَوَى بِأَيِّ لَفْظٍ لَزِمَ نَعَمْ إنْ جَعَلَهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ وَرَبِّ الْحَيَوَانِ وَلَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالنِّيَّةِ وَلَا بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِالْأَوْلَى مِنْ الطَّلَاقِ اهـ بِلَفْظِهِ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا لَمْ يُعْلَمْ قِدَمُ مَدْلُولِهِ وَلَا حُدُوثُهُ فَلَا يَنْعَقِدُ الْحَلِفُ بِذَاتِهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِرَادَةِ لِلْمَعْنَى الْقَدِيمِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَمَا فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ فَافْهَمْ وَهَذَا الْقِسْمُ لِعَدَمِ وُضُوحِهِ هُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْفَرْقِ دُونَ الْأَوَّلَيْنِ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْلُ مِنْ أَلْفَاظِ هَذَا الْقِسْمِ تِسْعَةٌ (اللَّفْظُ الْأَوَّلُ) أَمَانَةُ اللَّهِ فَإِنَّهُ كَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْقَدِيمِ وَهُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي هُوَ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلَى قَوْلِهِ ظَلُومًا جَهُولًا قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَرَضَ التَّكَالِيفَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَقَالَ لَهُنَّ إنْ حَمَلْتُنَّ التَّكَالِيفَ وَأَطَعْتُنَّ فَلَكُنَّ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَإِنْ عَصَيْتُنَّ فَلَكُنَّ الْعَذَابُ الْوَبِيلُ فَقُلْنَ لَا نَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَى الْإِنْسَانِ فَالْتَزَمَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ جَهُولًا بِالْعَوَاقِبِ فَلَا جَرَمَ هَلَكَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى الْحَادِثِ وَهُوَ فِعْلُنَا فِي حِفْظِ الْوَدَائِعِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] .

стр. 513

فَهَذَا تَلْخِيصُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْفُتْيَا فِيهَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ الْحَالِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَاتِّحَادِهَا لَا فِي الْجَوَازِ وَعَدَمِ النَّهْيِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ لِعَدَمِ النَّهْيِ بَلْ لِلُزُومِ كَفَّارَةٍ أَمَّا لُزُومُ الْكَفَّارَةِ فَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمُوجِبِ وَعَلَى غَيْرِ الْمُوجِبِ فَتَجِبُ وَأَمَّا اتِّحَادُهُمَا فَلِأَنَّ الْعَظَمَةَ وَالْجَلَالَ وَالْعُلَا وَنَحْوَ ذَلِكَ هُوَ الْمَجْمُوعُ وَالْمَجْمُوعُ وَاحِدٌ فَتَعَدَّدَتْ الْأَلْفَاظُ وَاتَّحَدَ الْمَعْنَى فَاتَّحَدَتْ الْكَفَّارَةُ وَأَمَّا أَنَّهُ دَخَلَ فِيهِ النَّهْيُ فَلِانْدِرَاجِ الْمُحْدَثَاتِ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَيَكُونُ قَدْ حَلَفَ بِقَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ فَفَعَلَ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ وَمَنْ فَعَلَ مَأْمُورًا بِهِ وَمَنْهِيًّا عَنْهُ فَقَدْ ارْتَكَبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْحَالِفُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْقَدِيمَ وَحْدَهُ فَلَا نَهْيَ حِينَئِذٍ أَوْ يَكُونَ هُنَاكَ عُرْفٌ اقْتَضَى تَخْصِيصَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِالْقَدِيمِ خَاصَّةً فَلَا نَهْيَ حِينَئِذٍ أَمَّا مُجَرَّدُ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فَمُوجِبٌ لِانْدِرَاجِ الْمُحْدَثِ مَعَ الْقَدِيمِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَارَةً تَكُونُ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ كَقَوْلِنَا وَجَلَالِ اللَّهِ وَعَلَاءِ اللَّهِ وَتَارَةً تَكُونُ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ كَقَوْلِنَا وَعِزَّةِ اللَّهِ وَعَظَمَةِ اللَّهِ فَأَمَّا لَفْظُ التَّذْكِيرِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ هَاهُنَا وَأَمَّا لَفْظُ التَّأْنِيثِ بِالْهَاءِ فَإِنَّهُ مُشْعِرٌ بِشَيْءٍ وَاحِدٍ مِمَّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ تُفَرِّقُ الْعَرَبُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ عَزَّ زَيْدٌ عِزًّا وَعَزَّ عِزَّةً فَالْأَوَّلُ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِزِّ مُفْرَدَةً وَمَجْمُوعَةً فَإِذَا وَجَدْتَ الْإِضَافَةَ أَوْ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الْمُوجِبَتَيْنِ الْعُمُومَ كَانَ الْعُمُومُ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ ذَلِكَ النَّوْعِ وَإِنْ فُقِدَتْ الْإِضَافَةُ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ بَقِيَ مُطْلَقًا وَأَمَّا اللَّفْظُ الثَّانِي وَهُوَ عَزَّ زَيْدٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (فَهَذَا تَلْخِيصُ الْحَقِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْفُتْيَا فِيهَا) قُلْت قَدْ تَبَيَّنَ تَلْخِيصُ الْحَقِّ فِي الْمَسْأَلَةِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي زَعَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ الْحَالِفُ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت لَا يَنْدَرِجُ حَادِثٌ تَحْتَ لَفْظِ الْعِزَّةِ وَنَحْوِهِ فَمَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُهُ بِأَنَّ عَبْدَ الْحَقِّ أَغْفَلَ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا مَحْذُورَ فِي الْيَمِينِ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ فَبِحَقٍّ إنْ أَعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ عَبْدُ الْحَقِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ تَارَةً تَكُونُ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ وَتَارَةً تَكُونُ بِلَفْظِ التَّأْنِيثِ إلَى آخِرِهَا) قُلْت الصَّحِيحُ عَلَى مَا سَبَقَ أَنَّ لَفْظَ الْعِزَّةِ وَنَحْوِهَا لَا يَتَنَاوَلُ مُحْدَثًا فَلَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ فِي لَفْظِ الْعِزَّةِ مِنْ احْتِمَالِهِ الْمُحْدَثَ وَمَا حَكَاهُ عَنْ صَاحِبِ اللُّبَابِ مِنْ نَقْلِهِ عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ لِلْحَالِفِ بِذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ لَيْسَ مُدْرَكُ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ عِنْدِي مَا ذَكَرَهُ الشِّهَابُ مِنْ احْتِمَالِ الْمُحْدَثِ بَلْ الْمُدْرَكُ عِنْدِي احْتِمَالُ لَفْظِ الْعِزَّةِ أَنْ يَكُونَ مَدْلُولُهُ أَمْرًا ثُبُوتِيًّا وَأَمْرًا سَلْبِيًّا فَإِنَّهُ عَزَّ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ الثُّبُوتِيَّةِ كَمَا عَزَّ بِصِفَاتِ تَنْزِيهِهِ السَّلْبِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَيَتْبَعُ الْحَلِفُ بِهِ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ وَقَدْ جَرَى بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْقَدِيمِ الْعُرْفُ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ الْحَالِفُ بِهِ الْمَعْنَى الْحَادِثَ فَحِينَئِذٍ يُمْنَعُ الْحَلِفُ بِهِ وَتَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ كَمَا إذَا تَغَيَّرَ الْعُرْفُ وَجَرَى بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْحَادِثِ فِي قُطْرٍ مِنْ الْأَقْطَارِ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ أَوْ يُكْرَهُ عَلَى الْخِلَافِ وَتَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْحَالِفُ الْقَدِيمَ فَيَجُوزُ حِينَئِذٍ الْحَلِفُ بِهِ وَتَلْزَمُ بِالْحِنْثِ الْكَفَّارَةُ وَفِي مَجْمُوعِ الْأَمِيرِ وَشَرْحِهِ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِاَللَّهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَعْنًى حَادِثًا أَيْ مَا جَعَلَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ بِأَنْ نَوَى قَدِيمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اهـ. (اللَّفْظُ الثَّانِي) قَوْلُنَا عَمْرِ اللَّهِ أَوْ لَعَمْرُ اللَّهِ أَفْتَى مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهِ وَلُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ نَظَرًا لِجَرَيَانِ الْعُرْفِ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى الْقَدِيمِ وَهُوَ بَقَاءُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِ السُّلُوبِ الْقَدِيمَةِ فَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ وَجَرَى بِإِطْلَاقِهِ عَلَى أَمْرٍ حَادِثٍ فِي قُطْرٍ مِنْ الْأَقْطَارِ لَمْ يَنْعَقِدْ الْيَمِينُ بِهِ بَلْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي قَبْلِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعِيَّتِه وَبَعْدِيَّته فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ كُلِّ حَادِثٍ وَمَعَ كُلِّ حَادِثٍ وَبَعْدَ كُلِّ حَادِثٍ إذَا فَنِيَ الْحَادِثُ فَهِيَ نِسَبٌ وَإِضَافَاتٌ وَالنِّسَبُ سُلُوبٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْأَسْرَارَ الْمُضَافَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَتَى عُنِيَ بِهَا أَمْرٌ قَدِيمٌ سَوَاءٌ كَانَتْ إثْبَاتًا أَوْ سَلْبًا فَالْيَمِينُ بِهَا مُنْعَقِدَةٌ وَمَتَى عُنِيَ بِهَا أَمْرٌ حَادِثٌ فَالْيَمِينُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ بِهَا وَقَصْدُ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ بِهَا هُوَ عُرْفُ الشَّرْعِ وَلَمْ يَحْدُثْ عُرْفٌ يُنَاقِضُهُ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قُلْت: وَانْظُرْ قَوْلَهُ وَقَصْدُ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ بِهِ هُوَ عُرْفُ الشَّرْعِ إلَخْ مَعَ مَا سَيَأْتِي لَهُ مِنْ أَنَّ الْعُرْفَ الشَّرْعِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ بِخِلَافِ الْعُرْفِ الزَّمَانِيِّ وَحَرِّرْ. اللَّفْظُ الثَّالِثُ) عَهْدُ اللَّهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ الْعَهْدُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ فِي وَاحِدٍ وَهُوَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ كَمَا أَفْتَى بِذَلِكَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَتَسْقُطُ فِي اثْنَيْنِ وَهُمَا لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَأُعْطِيك عَهْدَ اللَّهِ وَيَخْتَلِفُ فِي الرَّابِعِ وَهُوَ أُعَاهِدُك اللَّهَ اعْتَبَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَأَسْقَطَهُ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ وَهُوَ أَحْسَنُ اهـ. قَالَ الْأَصْلُ وَبَقِيَ خَامِسٌ وَهُوَ قَوْلُهُ وَعَهْدِ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا بِوَاوِ الْقَسَمِ فَهَذَا وَإِنْ لَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا وَكَانَ مُشَارِكًا لِلْأَوَّلِ الَّذِي أَفْتَى مَالِكٌ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِهِ فِي أَنَّ عَهْدَ اللَّهِ فِيهَا لَمْ يَدُلَّ عَلَى

стр. 514

عِزَّةً فَإِنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ لُغَةً إلَّا فَرْدًا وَاحِدًا مِنْ الْعِزَّةِ إمَّا بِمَالِهِ أَوْ بِجَاهِهِ أَوْ بِسَطْوَتِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْعِزَّةِ وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعُهُ لُغَةً فَرْدًا وَاحِدًا مِنْ الْعِزَّةِ وَأُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَتَعَيَّنْ الْعُمُومُ فِيهِ فَاحْتُمِلَ الْمُحْدَثُ فَإِنَّ الْعِزَّةَ تَصْدُقُ بِالْمُحْدَثِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَزِيزَ هُوَ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ نَيْلِ الْمَكَارِهِ وَالْعَزِيزُ أَيْضًا هُوَ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي تَفْسِيرِ اسْمِهِ تَعَالَى الْعَزِيزِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُ تَعَالَى لَا نَظِيرَ لَهُ فِي مُبْتَدَعَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ. فَإِنْ كَانَتْ الْعِزَّةُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ كَانَ فِيهَا إشَارَةٌ إلَى الْمَخْلُوقَاتِ الْمُحْدَثَاتِ فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلِهَذِهِ الْإِشَارَةُ، نَقَلَ صَاحِبُ اللُّبَابِ فِي شَرْحِ الْجَلَّابِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ تُوجِبُ كَفَّارَةً أَمْ لَا فِيهِ رِوَايَتَانِ لِأَجْلِ التَّرَدُّدِ فِي لَفْظِ الْعِزَّةِ وَأَمَّا لَفْظُ الْعَظَمَةِ فَإِنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَفْظِ الْعِزَّةِ فَرْقًا فَإِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ عَظُمَ زَيْدٌ عَظَمَةً فِي غَالِبِ اسْتِعْمَالِهِمْ فَكَأَنَّهُ هُوَ الْمَصْدَرُ الْمُتَعَيِّنُ دُونَ عِظَمًا بِغَيْرِ تَاءِ التَّأْنِيثِ وَأَمَّا عَزَّ عِزًّا فَمَشْهُورٌ وَلَا يُنْطَقُ بِهَاءِ التَّأْنِيثِ إلَّا إذَا قُصِدَتْ الْوَحْدَةُ نَحْوُ ضَرَبَ ضَرْبَةً فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا ضَرْبَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ عِزَّةً لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا عِزَّةً وَاحِدَةً فَإِذَا أُضِيفَ لَا يَكُونُ الْمُضَافُ عَامًّا بَلْ فَرْدًا وَاحِدًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى إنَّ اللَّامَ فِي هَذَا الْجِنْسِ لَا تُفِيدُ تَعْمِيمًا بَلْ إنَّمَا تُفِيدُ اللَّامُ التَّعْرِيفَ تَعْمِيمًا فِيمَا لَيْسَ مَحْدُودًا بِالتَّاءِ نَحْوُ الرَّجُلِ وَالْبَيْعِ فَكَذَلِكَ لَا تُفِيدُهُ الْإِضَافَةُ عُمُومًا اعْتِبَارًا فَاللَّامُ التَّعْرِيفِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا أَدَاتَا تَعْرِيفٍ فَهَذَا بَحْثٌ يُمْكِنُ أَنْ يُلَاحَظَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ إذَا حَلَفَ بِهِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ) اعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إلَّا وَاحِدًا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهِيَ إمَّا لِمُجَرَّدِ الذَّاتِ كَقَوْلِنَا اللَّهُ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَارَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ أَنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ وَهُوَ عَلَمٌ عَلَيْهَا وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِجَرَيَانِ النُّعُوتِ عَلَيْهِ فَتَقُولُ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَقِيلَ هُوَ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ جُمْلَةِ الصِّفَاتِ فَإِذَا قُلْنَا اللَّهُ فَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَقُلْنَا الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ) قُلْت جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ لَا بَأْسَ بِهِ إلَّا مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ أَنَّهُ إذَا قَالَ بِاسْمِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إضَافَةَ مَخْلُوقٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كِلَا التَّقْدِيرَيْنِ فِي اسْمٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الِاسْمَ الَّذِي هُوَ اللَّفْظُ أَوْ الْمُسَمَّى الَّذِي هُوَ الْمَعْنَى فَلَا يَتَعَيَّنُ لِمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ إلَّا بِعُرْفٍ أَوْ نِيَّةٍ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ نَظَرًا فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِيهِ عُرْفٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقَيْنِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] خُصُوصِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ بَلْ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَهُوَ إلْزَامُهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ صِفَتُهُ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَوْفُوا بِتَكْلِيفِي أُوفِ لَكُمْ بِثَوَابِي الْمَوْعُودِ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَبَيْنَ الْعَهْدِ الْحَادِثِ وَهُوَ الَّذِي شَرَعَهُ لِخَلْقِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] أَيْ بِمَا الْتَزَمُوهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] وَنَحْوُهُ مِنْ الْعُهُودِ الَّتِي بَيْنَ خَلْقِهِ كَالْعُهْدَةِ فِي الْبَيْعِ أَيْ مَا يَلْزَمُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَرَدِّ الثَّمَنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَعُهْدَةِ الرَّقِيقِ أَيْ مَا يَلْزَمُ فِيهِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي مَوْرِدِ الِاسْتِعْمَالِ أُضِيفَ إلَيْهِ تَعَالَى لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهِيَ مُلَابَسَةُ تَشْرِيعِهِ لِعِبَادِهِ وَقَدْ اتَّفَقَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّهَا إضَافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ عِنْدِي قَسَمٌ صَرِيحٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ قَالَ وَأَمَانَةِ اللَّهِ وَكَفَالَتُهُ بَلْ هَذَا عِنْدِي بِسَبَبِ حَرْفِ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ صَرِيحَةٌ فِي إنْشَاءِ الْقَسَمِ اهـ. أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْعَهْدِ الْقَدِيمِ مِنْ الْقَسَمِ الْأَوَّلِ الَّذِي نَصَّ مَالِكٌ عَلَى لُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِهِ أَعْنِي قَوْلَهُ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْتِزَامِ مَا لَا يُنْذَرُ مِنْ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ كَذِبٌ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ إلَّا بِإِنْشَاءٍ عُرْفِيٍّ وَنَقْلٍ عَادِيٍّ أَلَا تَرَى إلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ نَظَرًا لِكَوْنِ الطَّلَاقِ لَا يَلْزَمُ أَحَدًا فَالْإِخْبَارُ عَنْ لُزُومِهِ كَذِبٌ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا إلَّا بِإِنْشَاءٍ عُرْفِيٍّ وَنَقْلٍ عَادِيٍّ اهـ مُلَخَّصًا. وَفِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِعَهْدِ اللَّهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَعْنًى حَادِثًا أَيْ مَا عَاهَدَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مِنْ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ بِأَنْ نَوَى قَدِيمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَقَوْلُ اللَّخْمِيِّ بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ وَسُقُوطِ الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِ الْقَائِلِ لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَأُعْطِيك عَهْدَ اللَّهِ ضَعِيفٌ وَالرَّاجِحُ أَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجْرِيَا مَجْرَى عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ لِقَرِينَةِ الْحَالِ الْمُشْعِرَةِ بِتَأْكِيدِ الِالْتِزَامِ بِالْيَمِينِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْرِيَا مَجْرَى أُعَاهِدُك اللَّهَ فَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحِنْثِ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يَقَعُ التَّرَدُّدُ اهـ. (اللَّفْظُ الرَّابِعُ) قَوْلُهُ

стр. 515

بِالصِّفَاتِ الْخَاصَّةِ وَهَذَا الْمَفْهُومُ الْإِلَهُ الْمَعْبُودِ وَهُوَ الذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ وَهَذَا الْمَعْلُومُ هُوَ الَّذِي نَدَّعِي تَوَحُّدَهُ وَتَنَزُّهَهُ عَنْ الشَّرِيكِ وَالْمُمَاثَلَةِ أَيْ هَذَا الْمَجْمُوعُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ، وَقَدْ يَكُونُ الِاسْم مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ مَعَ مَفْهُومٍ زَائِدٍ وُجُودِيٍّ قَائِمٍ بِذَاتِ اللَّهِ نَحْوُ قَوْلِنَا عَلِيمٌ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ الْعِلْمِ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى أَوْ وُجُودِيٍّ مُنْفَصِلٍ عَنْ الذَّاتِ نَحْوُ خَالِقٍ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ اعْتِبَارِ الْخَلْقِ فِي التَّسْمِيَةِ وَهُوَ مَفْهُومٌ وُجُودِيٌّ مُنْفَصِلٌ عَنْ الذَّاتِ، أَوْ مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ مَعَ مَفْهُومٍ عَدَمِيٍّ نَحْوُ قُدُّوسٍ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ الْقُدُسِ الَّذِي هُوَ التَّطْهِيرُ عَنْ النَّقَائِصِ وَالْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ أَيْ طَهُرَ مَنْ فِيهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْمَعَاصِي وَالْمُخَالَفَاتِ، أَوْ يَكُونُ مَوْضُوعًا لِلذَّاتِ مَعَ نِسْبَةٍ وَإِضَافَةٍ كَالْبَاقِي فَإِنَّهُ اسْمٌ لِلذَّاتِ مَعَ وَصْفِ الْبَقَاءِ وَهُوَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْأَزْمِنَةِ فَإِنَّ الْبَقَاءَ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ فِي الْأَزْمِنَةِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْأَبَدِيِّ لِصِدْقِ الْبَاقِي فِي زَمَانَيْنِ فَأَكْثَرَ وَأَمَّا الْأَبَدِيُّ فَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِمْرَارِهِ مَعَ جُمْلَةِ الْأَزْمِنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَمَا أَنَّ الْأَزَلِيَّ هُوَ الَّذِي قَارَنَ وُجُودُهُ جَمِيعَ الْأَزْمِنَةِ الْمَاضِيَةِ مُتَوَهَّمَةً أَوْ مُحَقَّقَةً فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ ثُمَّ هِيَ تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ مَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ وَبِحَسَبِ مَا لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، مَا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ وَلَا يُوهِمُ نَقْصًا نَحْوُ الْعَلِيمِ فَيَجُوزُ إطْلَاقُهُ إجْمَاعًا فِي مَوْرِدِ النَّصِّ وَفِي غَيْرِهِ، وَمَا لَمْ يُرِدْ السَّمْعُ بِهِ وَهُوَ يُوهِمُ نَقْصًا فَيَمْتَنِعُ إطْلَاقُهُ إجْمَاعًا نَحْوُ مُتَوَاضِعٍ وَدَارٍ وَعَلَّامَةٍ فَإِنَّ التَّوَاضُعَ يُوهِمُ الذِّلَّةَ وَالْمَهَانَةَ وَالدِّرَايَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِ شَكٍّ كَذَا نَقَلَهُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْعَلَّامَةُ مَنْ كَثُرَتْ مَعْلُومَاتُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ هَاءَ التَّأْنِيثِ تُوهِمُ تَأْنِيثَ الْمُسَمَّى وَالتَّأْنِيثُ نَقْصٌ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَنَحْوِهَا أَلْبَتَّةَ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ وَهُوَ يُوهِمُ نَقْصًا فَيُقْتَصَرُ بِهِ عَلَى مَحَلِّهِ نَحْوُ مَاكِرٍ وَمُسْتَهْزِئٍ فَإِنَّ الْمَكْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ سُوءُ خَلْقٍ وَقَدْ وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وَالْمُحَسِّنُ لِذَلِكَ الْمُقَابَلَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ - قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ٥٤ - ١٤] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] فَحَصَلَتْ الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْمَكْرَيْنِ والاستهزاءين نِ فَكَانَ ذَلِكَ حَسَنًا لِأَنَّهُ اللَّائِقُ بِفَصَاحَةِ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتِهِ فَيُقْتَصَرُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى مَوَارِدِ السَّمْعِ وَلَا يُذْكَرُ فِي غَيْرِ هَذِهِ التِّلَاوَةِ فَلَا نَقُولُ اللَّهُمَّ اُمْكُرْ بِفُلَانٍ وَلَا مَكَرَ اللَّهُ بِهِ وَلَا اللَّهُمَّ اسْتَهْزِئْ بِفُلَانٍ وَلَا اسْتَهْزَأَ اللَّهُ بِهِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ هَذَا الْبَابِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ لَمْ أَعْلَمْ فِيهَا خِلَافًا وَحُكِيَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْإِجْمَاعُ (الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مَا لَمْ يَرِدْ السَّمْعُ بِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُوهِمٍ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَيَجُوزُ إطْلَاقُهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ نَحْوُ قَوْلِنَا يَا سَيِّدَنَا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنَادَى اللَّهُ تَعَالَى بِهَذَا الِاسْمِ أَمْ لَا قَوْلَانِ وَمُدْرَكُ الْخِلَافِ هَلْ يُلَاحَظُ انْتِفَاءُ الْمَانِعِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ رَأَى مَالِكٌ فِيهِ الْكَفَّارَةَ نَظَرًا لِكَوْنِهِ وَشَبَهُهُ أَيْ كَعَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ إرَادَةُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ بَصَرُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ سَمْعُ اللَّهِ إنْشَاءٌ لِلْقَسَمِ عُرْفًا اهـ. قَالَ الْأَصْلُ وَكَذَا تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِقَوْلِهِ وَذِمَّةِ اللَّهِ بِوَاوِ الْقَسَمِ بَلْ هَذَا وَإِنْ شَارَكَ قَوْلَهُ عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ فِي عَدَمِ دَلَالَةِ ذِمَّةِ اللَّهِ فِيهِمَا عَلَى خُصُوصِ الذِّمَّةِ الْقَدِيمَةِ بَلْ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الذِّمَّةِ الْقَدِيمَةِ وَالذِّمَّةِ الْحَادِثَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الذِّمَّةَ لُغَةً الِالْتِزَامُ. وَالِالْتِزَامُ إمَّا قَدِيمٌ وَهُوَ إخْبَارُهُ تَعَالَى بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْقَدِيمِ بِحِفْظِ عَبْدِهِ مِنْ الْمَكَارِهِ الَّذِي عَنَاهُ فِي حَدِيثِ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ الْتَزَمَ لَهُ عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ حِفْظَهُ مِنْ الْمَكَارِهِ فَإِنَّ الْتِزَامَ اللَّهِ تَعَالَى رَاجِعٌ إلَى خَبَرِهِ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الْكَلَامِ غَيْرُ نَوْعِ الْعَهْدِ فَإِنَّ الْعَهْدَ يَرْجِعُ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَمَا عَلِمْت وَإِمَّا حَادِثٌ وَهُوَ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ كَعَقْدِ الذِّمَّةِ لِلْكُفَّارِ أَيْ الْتِزَامِنَا لَهُمْ عِصْمَةَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَمَا مَعَهَا مِمَّا أَمَرَ بِهِ وُجُوبًا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَكَالْتِزَامِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ وُجُوبًا بَلْ نَدْبًا وَكَالْتِزَامِ الْإِنْسَانِ الْأَثْمَانَ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالْأَجْرِ فِي الْإِجَارَاتِ مِمَّا يَرْجِعُ لِلْإِخْبَارِ عَنْ الِالْتِزَامِ أَوْ مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ فِيهِ وَلَا نَدْبٍ وَمِنْهُ الذِّمَامُ إذَا وَعَدَهُ وَالْتَزَمَ لَهُ أَنْ لَا يَخْذُلَهُ وَأَنْ يَنْصُرَهُ عَلَى مَنْ يَقْصِدَهُ بِسُوءٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دِينَارٌ وَالْعَقْدُ وَارِدٌ عَلَى الذِّمَّةِ فَإِنَّ الذِّمَّةَ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمُكَلَّفِ يَقْبَلُ الْإِلْزَامَ وَالِالْتِزَامَ وَلِذَلِكَ إذَا اتَّصَفَ بَعْدَ الرُّشْدِ بِالسَّفَهِ يُقَالُ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ وَذَهَبَتْ ذِمَّتُهُ وَإِذَا مَاتَ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يُقَدَّرُ لَمْ يَبْقَ مُقَدَّرًا أُضِيفَ إلَيْهِ تَعَالَى لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهِيَ مُلَابَسَةُ تَشْرِيعِهِ لِعِبَادِهِ. وَقَدْ اتَّفَقَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّهَا إضَافَةٌ حَقِيقِيَّةٌ إلَّا أَنَّ هَذَا بِسَبَبِ أَدَاةِ الْقَسَمِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ صَرِيحَةٌ فِي إنْشَاءِ الْقَسَمِ أَصْرَحُ عِنْدِي فِي الدَّلَالَةِ عَلَى إنْشَاءِ الْقَسَمِ بِالذِّمَّةِ الْقَدِيمَةِ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ الَّذِي رَأَى مَالِكٌ فِيهِ الْكَفَّارَةَ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِالْتِزَامِ مَا لَا يُنْذَرُ مِنْ الذِّمَّةِ الْقَدِيمَةِ وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ كَذِبٌ فَلَا يَصِيرُ

стр. 516

وَهُوَ الْإِيهَامُ وَلَمْ يُوجَدْ فَيَجُوزُ أَوْ يَقُولُ الْأَصْلُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْعُ إلَّا مَا وَرَدَ السَّمْعُ بِهِ وَلَمْ يَرِدْ السَّمْعُ فَيَمْتَنِعُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ مُخَاطَبَةَ أَدْنَى الْمُلُوكِ تَفْتَقِرُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا أَذِنُوا فِيهِ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ حَتَّى يَعْلَمَ إذْنَهُمْ فِي ذَلِكَ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَوْلَى بِذَلِكَ وَلِأَنَّهَا قَاعِدَةُ الْأَدَبِ وَالْأَدَبُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَيِّنٌ لَا سِيَّمَا فِي مُخَاطَبَاتِهِ بَلْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُوقِعَ فِي صَلَاةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَا عِبَادَةٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ إلَّا مَا عَلِمَ إذْنَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ فَمُخَاطَبَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْمِيَتُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُحَدِّثُ ﵀ يَقُولُ قَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ فِي لَفْظِ السَّيِّدِ فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ إجْمَاعًا وَقِسْ عَلَى هَذَا الْمَثَلِ مَا أَشْبَهَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ بَشِيرٍ فَكُلُّ مَا جَازَ إطْلَاقُهُ جَازَ الْحَلِفُ بِهِ وَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ، وَمَا لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا يُوجِبُ الْحَلِفُ بِهِ كَفَّارَةً فَتَنْزِلُ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى هَذِهِ الْفُتْيَا وَهَا هُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ أَصْحَابُنَا مَنْ حَلَفَ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَيْهِ تَعَالَى وَحَنِثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى قِسْمَانِ مِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَصٌّ بِهِ تَعَالَى فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْحَلِفِ كَقَوْلِنَا وَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَهَذَا يَنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَمِنْهَا مَا لَا يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى كَالْحَكِيمِ وَالْعَزِيزِ وَالرَّشِيدِ وَالْقَادِرِ وَالْمُرِيدِ وَالْعَالِمِ فَهِيَ كِنَايَاتٌ لَا تَكُونُ يَمِينًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِأَجْلِ التَّرَدُّدِ بَيْنَ الْمُوجِبِ وَغَيْرِ الْمُوجِبِ وَهَذَا التَّرَدُّدُ أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّ التَّرَدُّدَ لَا يَنْصَرِفُ لِلطَّلَاقِ وَلَا لِمَعْنًى يَقَعُ التَّرَدُّدُ فِيهِ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَوَجْهُ التَّرَدُّدِ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ وَاضِحٌ وَأَنَّ الْبَشَرَ يُسَمَّى بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ حَقِيقَةً وَأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَوْضِعَيْنِ بِالتَّوَاطُؤِ وَلَا يَتَعَيَّنُ اللَّفْظُ الْمُتَوَاطِئُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَكَفَى بِهَذَا فِي بَيَانِ التَّرَدُّدِ وَالِاحْتِيَاجِ لِلنِّيَّةِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ مُعْتَبَرٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَالظِّهَارِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِهِمَا وَلَنَا عَنْهُ جَوَابٌ حَسَنٌ. وَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُفْرَدَةَ تَبْقَى عَلَى مَعْنَاهَا اللُّغَوِيِّ وَيَنْقُلُ أَهْلُ الْعُرْفِ الْمُرَكَّبَ مِنْ الْمُفْرَدَيْنِ لِبَعْضِ أَنْوَاعِ ذَلِكَ الْجِنْسِ كَمَا قُلْنَا فِي لَفْظِ الرُّءُوسِ تَصْدُقُ عَلَى رُءُوسِ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَلَفْظُ الْأَكْلِ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأَكْلِ فِي أَيِّ مَأْكُولٍ كَانَ وَإِذَا رَكَّبْنَا هَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ فَقُلْنَا وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت رُءُوسًا أَوْ أَكَلْت رُءُوسًا لَا يَفْهَمُ أَحَدٌ إلَّا رُءُوسَ الْأَنْعَامِ دُونَ غَيْرِهَا بِسَبَبِ أَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ نَقَلُوا هَذَا الْمُرَكَّبَ لِهَذِهِ الرُّءُوسِ الْخَاصَّةِ دُونَ بَقِيَّةِ الرُّءُوسِ فَكَذَلِكَ لَفْظُ الْعَلِيمِ وَالْقَادِرِ وَالْمُرِيدِ يَصْدُقُ عَلَى كُلِّ عَالِمٍ وَقَادِرٍ وَمُرِيدٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ نَقَلَ أَهْلُ الْعُرْفِ قَوْلَنَا: وَحَقِّ الْعَلِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْمَاءِ مَعَ الْحَالِفِ إلَى خُصُوصِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مِنْ الْمُرَكَّبَاتِ الْمَنْقُولَةِ فَلَا يَفْهَمُ أَحَدٌ عِنْدَ سَمَاعِهِ الْحَلِفَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ إلَّا أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً وَإِذَا صَارَتْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ لَوْلَا ثُبُوتُ نَقْلِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ نَحْوِ عَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ عُرْفًا مِنْ الْإِخْبَارِ بِالِالْتِزَامِ إلَى إنْشَاءِ الْقَسَمِ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَيْسَتْ قَسَمًا وَإِنَّمَا هِيَ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَيْسَ بِقَسَمٍ إجْمَاعًا وَالْحَمْلُ عَلَى إنْشَاءِ الْقَسَمِ يَتَوَقَّفُ عَلَى نَقْلِ الصِّيغَةِ عَنْ الْخَبَرِ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا يُتَّجَهُ إلْزَامُ الْكَفَّارَةِ وَاعْتِقَادُ أَنَّ هَذَا يَمِينٌ أَلْبَتَّةَ اهـ. (اللَّفْظُ الْخَامِسُ) قَوْلُهُ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ ضَمَانَةُ اللَّهِ أَوْ حَمَالَةُ اللَّهِ أَوْ أَذَانَةُ اللَّهِ أَوْ زَعَامَةُ اللَّهِ أَوْ قَبَالَةُ اللَّهِ أَوْ صَبْرُ اللَّهِ أَوْ عَذَارَةُ اللَّهِ أَوْ كَدَانَةُ اللَّهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ التِّسْعَةُ مُتَرَادِفَةٌ لُغَةً عَلَى الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى الضَّمَانِ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ الْحَمِيلُ وَالزَّعِيمُ وَالْكَفِيلُ وَالْقَبِيلُ وَالْأَذِينُ وَالصَّبِيرُ وَالضَّامِنُ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ يُقَالُ حَمَلَ يَحْمِلُ حَمَالَةً فَهُوَ حَمِيلٌ وَزَعَمَ يَزْعُمُ زَعَامَةً فَهُوَ زَعِيمٌ وَكَفَلَ يَكْفُلُ كَفَالَةً فَهُوَ كَفِيلٌ وَقِبَلَ يَقْبَلُ قَبَالَةً فَهُوَ قَبِيلٌ وَأَذِنَ يَأْذَنُ أَذَانَةً فَهُوَ أَذِينٌ وَصَبَرَ يَصْبِرُ صَبْرًا فَهُوَ صَبِيرٌ وَضَمِنَ يَضْمَنُ ضَمَانَةً فَهُوَ ضَامِنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» وَالْأَذَانَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] أَيْ الْتَزَمَ ذَلِكَ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ وَأَصْلُ الْأَذَانَةِ وَالْأَذَانِ وَالْأَذِينِ وَالْإِذْنِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْإِعْلَامُ وَالْكَفِيلُ مُعْلِمٌ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي جِهَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَمَالَةِ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] اهـ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَبَالَةِ ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أَيْ ضَامِنًا وَقَالَ تَعَالَى فِي الزَّعَامَةِ حِكَايَةً عَنْ مُنَادِي يُوسُفَ ﵇ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَمِثْلُ حَمِيلٍ عَذِيرٌ وكدين قَالَ وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ الْحِفْظِ وَالْحِيَاطَةِ قَالَ وَالْكَفَالَةُ اشْتِقَاقُهَا مِنْ الْكِفْلِ وَهُوَ الْكِسَاءُ الَّذِي يُحَزَّمُ حَوْلَ سَنَامِ الْبَعِيرِ لِيُحْفَظَ بِهِ الرَّاكِبُ

стр. 517

الْكِنَايَةُ مَنْقُولَةً فِي الْعُرْفِ إلَى مَعْنًى آخَرَ صَارَتْ صَرِيحَةً فِيهِ فَلِذَلِكَ أَلْحَقْنَا كِنَايَاتٍ كَثِيرَةً فِي بَابِ الطَّلَاقِ فَكَذَلِكَ بِصَرِيحِهِ لِمَا اُشْتُهِرَتْ فِي الطَّلَاقِ بِسَبَبِ نَقْلِ الْعُرْفِ أَيَّاهَا لِلطَّلَاقِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. وَهَذَا الْجَوَابُ حَسَنٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الْأَسْمَاءِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْحَلِفِ بِهَا فَيَنْفِي النَّقْلُ الْعُرْفِيُّ الِاحْتِمَالَ اللُّغَوِيَّ وَأَمَّا مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِالْحَلِفِ بِهِ كَالْحَكِيمِ وَالرَّشِيدِ وَنَحْوِهِمَا فَلَعَلَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَعْلَمُهَا أَسْمَاءً لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يَشْتَهِرُ الْحَلِفُ بِهَا وَلَمْ أَعْلَمْ أَنِّي رَأَيْت مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الرَّشِيدَ إلَّا فِي التِّرْمِذِيِّ حَيْثُ عَدَّدَ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى مِائَةً إلَّا وَاحِدًا وَأَصْحَابُنَا عَمَّمُوا الْحُكْمَ فِي الْجَمِيعِ وَلَمْ يُفَصِّلُوا وَهُوَ مُشْكِلٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ عَادَةَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَحْلِفُونَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ فَتَنْصَرِفُ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَرِينَةِ الْحَلِفِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّا نَجِدَهُمْ يَحْلِفُونَ بِآبَائِهِمْ وَمُلُوكِهِمْ وَيَقُولُونَ وَنِعْمَةِ السُّلْطَانِ وَحَيَاتِك يَا زَيْدُ وَلَعَمْرِي لَقَدْ قَامَ زَيْدٌ فَيَحْلِفُ بِعَمْرِهِ وَحَيَاةِ مُخَاطَبِهِ طُولَ النَّهَارِ فَلَيْسَ ظَاهِرُ حَالِهِمْ الِانْضِبَاطَ وَلَا حَصَلَ فِي الْأَسْمَاءِ الْقَلِيلَةِ الِاسْتِعْمَالِ عُرْفٌ وَلَا نَقْلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فَيُسْتَصْحَبُ فِيهَا حُكْمُ اللُّغَةِ وَأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِلْقَدِيمِ هَذَا هُوَ الْفِقْهُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْخِصَالِ الْأَنْدَلُسِيِّ يَجُوزُ الْحَلِفُ وَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ قَوْلُك بِاسْمِ اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا غَوْرٌ بَعِيدٌ بِسَبَبِ أَنَّ الِاسْمَ هَا هُنَا إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمُسَمَّى اسْتَقَامَ الْحُكْمُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْمُسَمَّى فَقَدْ حَكَى ابْنُ السَّيِّدِ الْبَطَلْيُوسِيُّ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي لَفْظِ الِاسْمِ هَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ أَسْمَاءِ الذَّوَاتِ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا لَفْظًا هُوَ اسْمٌ أَوْ وُضِعَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسَمَّيَاتِ فَلَا يَتَنَاوَلُ إلَّا مُسَمًّى قَالَ وَهَذَا هُوَ تَحْقِيقُ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى أَمْ لَا وَأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي لَفْظِ " اسْمٍ " الَّذِي هُوَ أَلْفٌ سِينٌ مِيمٌ وَأَمَّا لَفْظُ نَارٍ وَذَهَبٍ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ عَاقِلٌ إنَّ لَفْظَ نَارٍ هُوَ عَيْنُ النَّارِ حَتَّى يَحْتَرِقَ فَمُ مَنْ نَطَقَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَا لَفْظُ ذَهَبٍ هُوَ عَيْنُ الذَّهَبِ الْمَعْدِنِيِّ حَتَّى يَحْصُلَ الذَّهَبُ الْمَعْدِنِيُّ فِي فَمِ مَنْ نَطَقَ بِلَفْظِ الذَّهَبِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي لَفْظِ الِاسْمِ خَاصَّةً وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى هَذَا وَقُلْنَا الِاسْمُ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَأَنَّ مُسَمَّاهُ لَفْظٌ حِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَلْزَمَ بِهِ كَفَّارَةٌ وَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ كَمَا لَوْ قُلْنَا وَرِزْقِ اللَّهِ وَعَطَاءِ اللَّهِ فَإِنَّ إضَافَةَ الْمُحْدَثِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا تُصَيِّرُهُ مِمَّا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ كَذَلِكَ إذَا أُضِيفَ الِاسْمُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَكُونُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ إضَافَةُ لَفْظٍ مَخْلُوقٍ لِلَّهِ فَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً. وَإِنْ قُلْنَا هُوَ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمُسَمَّيَاتِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ فَاللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسَمَّيَاتِ لَا يَكُونُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْكَفِيلُ حَافِظٌ لِمَا الْتَزَمَهُ وَالضَّامِنُ مِنْ الضِّمْنِ وَهُوَ الْحِرْزُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْرَزْته فِي شَيْءٍ فَقَدْ ضَمَّنْته إيَّاهُ وَالْقَبَالَةُ الْقُوَّةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَالِي بِهَذَا الْأَمْرِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ وَالْقَبِيلُ قُوَّةٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ وَالزَّعَامَةُ السِّيَادَةُ فَكَأَنَّهُ لَمَّا تَكَفَّلَ بِهِ صَارَ لَهُ عَلَيْهِ سِيَادَةٌ وَحُكْمٌ عَلَيْهِ وَالصَّبِيرُ مِنْ الصَّبْرِ وَهُوَ الثَّبَاتُ وَالْحَبْسُ وَمِنْهُ الْمَصْبُورَةُ وَهِيَ الْمَحْبُوسَةُ لِلرَّمْيِ بِالسِّهَامِ وَمِنْهُ قَتَلَهُ صَبْرًا أَيْ حَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا وَالضَّامِنُ حَبَسَ نَفْسَهُ لِأَدَاءِ الْحَقِّ وَالْكَدِينُ مِنْ كَدَنْت لَك بِكَذَا وَكَذَا وَقَالُوا عَذِيرُك أَيْ كَفِيلُك وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْكَفَالَةُ أَصْلُهَا الضَّمُّ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُعْمَلُ فِي الْحَائِطِ كِفْلًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] أَيْ ضَمَّهَا لِنَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ هِيَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى فَصَدَقَ الْمَعْنَى اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَيْثُ قَالَ إذَا قَالَ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَنِثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ اهـ. أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ عُرْفًا فِي زَمَانِهِ أَوْ عُرْفًا شَرْعِيًّا فَإِمَّا إنْ كَانَ عُرْفًا زَمَانِيًّا فَإِنَّهُ إذًا تَغَيَّرَ الْحُكْمُ وَإِمَّا إنْ كَانَ عُرْفًا شَرْعِيًّا فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ فَلَفْظُ الْكَفَالَةِ كَلَفْظِ الذِّمَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ فِي الْأَصْلِ خَبَرٌ بِالْتِزَامِ مَا لَا يُنْذَرُ مِنْ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْكَفَالَةِ الْقَدِيمَةِ وَهِيَ وَعْدُهُ تَعَالَى بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ الْقَدِيمِ وَبَيْنَ الْحَادِثَةِ وَهِيَ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا وَعْدُهُ تَعَالَى بِالْكَلَامِ اللَّفْظِيِّ الْحَادِثِ الْمُنَزَّلِ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ الدَّالِّ عَلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ فَهُوَ كَفَالَةٌ حَادِثَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تِلْكَ الْكِفَايَةِ الْقَدِيمَةِ كَمَا أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّفْظِيِّ الَّذِي هُوَ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] دَلِيلُ أَمْرِهِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ وَثَانِيهِمَا الَّتِي نَدَبَهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ لِخَلْقِهِ مِنْ ضَمَانِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ الَّتِي هِيَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقَوْلِهِمْ أُضِيفَتْ إلَيْهِ تَعَالَى لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهِيَ مُلَابَسَةٌ تَشْرِيعِيَّةٌ لِعِبَادِهِ إذْ الْإِنْسَانُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ فِعْلًا مِنْ كَسْبِهِ وَقُدْرَتِهِ وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثَيْنِ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَوْ نَوَى خُصُوصَ الْقَدِيمِ لَكَانَ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ عَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَبْعُدُ فِي الْفِقْهِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بِهَذَا كَفَّارَةٌ

стр. 518

دَالًا عَلَى خُصُوصِ وَاجِبِ الْوُجُودِ وَمَا لَا يَكُونُ دَالًا عَلَيْهِ لُغَةً لَا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا بِنِيَّةٍ أَوْ عُرْفٍ نَاقِلٍ وَلَا وَاحِدَ مِنْهُمَا فَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ وَلَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُ اللَّفْظِ لِلَّهِ تَعَالَى فَهَذَا تَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ هَا اللَّهِ يَمِينُ تُوجِبُ الْكَفَّارَةَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَاللَّهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ الْقَسَمِ وَإِقَامَةُ هَا التَّنْبِيهِ مَقَامَهُ وَقَدْ نَصَّ النُّحَاةُ عَلَى ذَلِكَ " فَائِدَةٌ " الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْكَمَالِ قَالَ سِيبَوَيْهِ تَكُونُ لَامُ التَّعْرِيفِ لِلْكَمَالِ تَقُولُ زَيْدٌ الرَّجُلُ تُرِيدُ الْكَامِلَ فِي الرُّجُولِيَّةِ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِذَا قُلْت الرَّحْمَنُ أَيْ الْكَامِلُ فِي مَعْنَى الرَّحْمَةِ أَوْ الْعَلِيمُ أَيْ الْكَامِلُ فِي مَعْنَى الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَسْمَاءِ فَهِيَ لَا لِلْعُمُومِ وَلَا لِلْعَهْدِ وَلَكِنْ لِلْكَمَالِ. (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَدْخُلُهُ الْمَجَازُ فِي الْأَيْمَانِ وَالتَّخْصِيصُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَدْخُلُهُ الْمَجَازُ وَالتَّخْصِيصُ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ عَلَى قِسْمَيْنِ نُصُوصٌ وَظَوَاهِرُ فَالنُّصُوصُ هِيَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ وَلَا التَّخْصِيصَ وَالظَّوَاهِرُ هِيَ الَّتِي تَقْبَلُهَا، فَالنُّصُوصُ الَّتِي هِيَ كَذَلِكَ قِسْمَانِ أَسْمَاءٌ لِلْأَعْدَادِ نَحْوُ الْخَمْسَةِ وَالْعَشَرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ أَوَّلُهَا الِاثْنَانِ وَآخِرَهَا الْأَلْفُ وَلَمْ تَصْنَعْ الْعَرَبُ بَعْدَ ذَلِكَ لَفْظًا آخَرَ لِلْعَدَدِ بَلْ عَادَتْ إلَى رُتَبِ الْأَعْدَادِ فَقَالَتْ أَلْفَانِ وَهَذَا هُوَ التَّثْنِيَةُ فَتُكَرَّرُ مَرَاتِبُ الْأَعْدَادِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْآحَادُ إلَى الْعَشَرَةِ وَالْعَشَرَاتُ إلَى الْمِائَةِ وَالْمِئَاتُ إلَى الْأَلْفِ ثُمَّ الْأُلُوفُ فَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ رُتَبُ الْأَعْدَادُ وَهِيَ آحَادٌ وَعَشَرَاتٌ وَمِئَاتٌ وَأُلُوفٌ وَتُكَرَّرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ فِي مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ إلَى غَيْرِ النِّهَايَةِ مُكْتَفِيَةً بِهَا مِنْ غَيْرِ النِّهَايَةِ فَهَذِهِ عِنْدَ الْعَرَبِ نُصُوصٌ لَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ وَلَا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُطْلِقَ الْعَشَرَةُ وَتُرِيدَ بِهَا التِّسْعَةَ وَلَا غَيْرَهَا مِنْ مَرَاتِبِ الْأَعْدَادِ فَهَذَا هُوَ الْمَجَازُ وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ رَأَيْت عَشَرَةً ثُمَّ تُبَيِّنَ بَعْدَ ذَلِكَ مُرَادَك بِهَا وَتَقُولَ أَرَدْت خَمْسَةً فَإِنَّ التَّخْصِيصَ مَجَازٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ يَخْتَصُّ بِبَقَاءِ بَعْضِ الْمُسَمَّى، وَالْمَجَازُ قَدْ لَا يَبْقَى مَعَهُ مِنْ الْمُسَمَّى شَيْءٌ كَمَا تَقُولُ رَأَيْت إخْوَتَك ثُمَّ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَدْت بِإِخْوَتِك نِصْفَهُمْ وَهُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَهَذَا تَخْصِيصٌ وَقَدْ بَقِيَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِي بَعْضِ الْإِخْوَةِ وَالْمَجَازُ الَّذِي لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ أَنْ تَقُولَ أَرَدْت بِإِخْوَتِك مَسَاكِنَهُمْ أَوْ دَوَابَّهُمْ وَوَجْهُ الْعَلَاقَةِ مَا بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَهَذِهِ الْأُمُورِ مِنْ الْمُلَابَسَةِ وَلَيْسَ الْمَسَاكِنُ وَلَا الدَّوَابُّ بَعْضُ الْإِخْوَةِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ الْمُسَمَّى شَيْءٌ فَالْمَجَازُ أَعَمُّ مِنْ التَّخْصِيصِ فَكُلُّ تَخْصِيصٍ مَجَازٌ وَلَيْسَ كُلُّ مَجَازٍ تَخْصِيصًا فَالْأَعْدَادُ لَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ. وَلَا التَّخْصِيصُ فَالتَّخْصِيصُ أَنْ تُرِيدَ بِالْعَشَرَةِ بَعْضَهَا وَالْمَجَازُ أَنْ تُرِيدَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إذْ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ بِغَيْرِ يَمِينٍ وَلَا حِنْثٍ لَا تَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ لِأَنَّ لُزُومَ الْمُسَبَّبِ بِدُونِ سَبَبِهِ غَيْرُ وَاقِعٍ شَرْعًا وَجَعَلَهُ مِنْ قَبِيلِ مَا إذَا قَالَ عَلَيَّ عَشْرُ كَفَّارَاتٍ أَوْ مَوَاثِيقَ أَوْ نُذُورٍ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ ذَلِكَ لَزِمَهُ عَدَدُ مَا ذَكَرَ كَفَّارَاتٍ اهـ. غَايَتُهُ تَصْحِيحُ كَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْكَفَّارَةِ مَجَازًا لَا تَصْحِيحُ كَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْحَلِفِ وَالْأَيْمَانِ فِي شَيْءٍ الَّذِي كَلَامُنَا فِيهِ وَلَا يَصِحُّ كَوْنُهُ مِنْ بَابِ الْحَلِفِ إلَّا إذَا جَرَى الْعُرْفُ الزَّمَانِيُّ بِنَقْلِهِ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ إلَى إنْشَاءِ الْقَسَمِ بِالْكَفَالَةِ الْقَدِيمَةِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ الِاسْتِعْمَالُ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ نَعَمْ ذَلِكَ وَإِنْ وُجِدَ فِي زَمَانِ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يُوجَدْ فِي زَمَانِنَا فَحِينَئِذٍ لَا تُتَّجَهُ الْفُتْيَا فِيهِ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ضَرُورَةً تَغَيَّرَ الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ الْعُرْفِ الزَّمَانِيِّ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ كَانَ يَرَى جَرَيَانَ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ بِنَقْلِهِ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ إلَى الْإِنْشَاءِ الْمَذْكُورِ وَفِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ فَحِينَئِذٍ تُتَّجَهُ الْفُتْيَا فِيهِ بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي عَلَيَّ ضَمَانُ اللَّهِ وَنَحْوِهِ مِنْ سَائِرِ الْمُرَادِفَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَالَ الْأَصْلُ وَيَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِقَوْلِهِ وَكَفَالَةِ اللَّهِ أَوْ أُقْسِمُ بِكَفَالَةِ اللَّهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْقَسَمِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ النَّقْلُ إلَى إنْشَاءِ الْقَسَمِ مَجَازًا أَوْ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ عُرْفًا فِي الْإِنْشَاءِ الْمَذْكُورِ كَمَا يُتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ كَمَا عَلِمْت فَهُوَ أَصْرَحُ مِنْهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَسَمٌ مُسْتَغْنٍ عَمَّا ذُكِرَ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي احْتِمَالِ الْكَفَالَةِ الْحَادِثَةِ وَكَوْنِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ تَعَالَى لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ اهـ. وَفِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِكَفَالَةِ اللَّهِ أَيْ الْتِزَامِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَعْنًى حَادِثًا أَيْ الْتِزَامِهِ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الثَّوَابِ بِأَنْ نَوَى قَدِيمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اهـ. وَيَجْرِي مِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَضَمَانِ اللَّهِ أَوْ أُقْسِمُ بِضَمَانِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ مِنْ الصِّيَغِ الْمَوْضُوعَةِ فِي سَائِرِ الْمُتَرَادِفَاتِ الْمَذْكُورَةِ فَافْهَمْ. (اللَّفْظُ السَّادِسُ) قَوْلُهُ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى يَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِهِ إذَا حَنِثَ كَعَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَعَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ وَلَا يُتَّجَهُ إلَّا إذَا جَرَى بِنَقْلِهِ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالِالْتِزَامِ الْمُؤَكَّدِ إلَى إنْشَاءِ

стр. 519

بِالْعَشَرَةِ مُسَمَّى الْعُشْرِ أَوْ بِالْخَمْسَةِ مُسَمَّى الْخُمُسِ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ نِسْبَةُ الْعُشْرِ لِأَنَّهَا عُشْرُ الْمِائَةِ وَالْخَمْسَةَ نِسْبَةُ الْخُمُسِ لِأَنَّهَا خُمُسُ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ فَهَذَا أَجْنَبِيٌّ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ (الْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْ النُّصُوصِ الْأَلْفَاظُ الَّتِي هِيَ مُخْتَصَّةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَلَفْظِ الرَّحْمَن فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَهَذَا الِامْتِنَاعُ شَرْعِيٌّ وَالِامْتِنَاعُ فِي الْإِعْدَادِ لُغَوِيٌّ وَأَمَّا الظَّوَاهِرُ فَهِيَ مَا عَدَا هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ مِنْ الْعُمُومَاتِ نَحْوُ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ نَحْوُ الْأَسَدِ وَغَيْرِهِ مِمَّا وُضِعَ لِجِنْسٍ مِنْ الْجَمَادِ أَوْ النَّبَاتِ أَوْ الْحَيَوَانِ أَوْ جِنْسٍ مِنْ قَبِيلِ الْإِعْرَاضِ نَحْوُ الْعِلْمِ وَالظَّنِّ وَالْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ فَيَجُوزُ الْمَجَازُ فِيهَا كَمَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْعِلْمِ وَيُرَادُ بِهِ الظَّنُّ مَجَازًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] أَيْ ظَنَنْتُمُوهُنَّ فَإِنَّ الْأَيْمَانَ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُعْلَمُ وَلَكِنْ تَدُلُّ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الْأَحْوَالِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف: ٥٣] أَيْ قَطَعُوا وَعَلِمُوا هَذَا هُوَ الْمُقَرَّرُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي أَبْوَابِ الْفِقْهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَبْوَابِ الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا وَعَلَيْهِ سُؤَالٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَسْتَعْمِلُ اسْمَ الْعَدَدِ مَجَازًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ كَيْفَ كَانَتْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ سَبْعُونَ زِرَاعًا أَيْ طَوِيلَةً جِدًّا وَخُصُوصُ السَّبْعِينَ لَيْسَ مُرَادًا بَلْ الْمُرَادُ الْكَثْرَةُ جِدًّا وَهَذَا مَجَازٌ قَدْ دَخَلَ فِي السَّبْعِينَ وَهُمْ اسْمُ الْعَدَدِ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ الْمُرَادُ بِكَرَّتَيْنِ الْمُرَاجَعَةُ الْكَثِيرَةُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَعَبَّرَ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ عَنْ أَصْلِ الْكَثْرَةِ وَهَذَا مَجَازٌ قَدْ دَخَلَ فِي لَفْظِ كَرَّتَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ وَاسْمُ الْعَدَدِ إنَّمَا هُوَ اثْنَانِ لَكِنَّ كَرَّتَيْنِ فِي مَعْنَاهَا وَيَقُولُ أَهْلُ الْعُرْفِ سَأَلْتُك أَلْفَ مَرَّةٍ فَمَا قَضَيْت لِي حَاجَةً وَكَذَلِكَ زُرْتُك مِائَةَ مَرَّةٍ فَلَمْ تَرْعَ لِي ذَلِكَ وَلَا يُرِيدُونَ خُصُوصَ الْأَلْفِ وَالْمِائَةِ بَلْ الْكَثْرَةَ وَهَذَا مَجَازٌ قَدْ دَخَلَ فِي الْمِائَةِ وَالْأَلْفِ وَإِذَا انْفَتَحَ الْبَابُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي بَعْضِهَا انْخَرَمَ الْجَزْمُ فِي بَقِيَتْهَا فَلَمْ يَبْقَ لَنَا نُصُوصٌ أَلْبَتَّةَ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ غَيْرَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ مُطْبِقُونَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالْوَاقِعُ كَمَا تَرَى فَتَأَمَّلْهُ وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِحَّةِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا تَتَخَرَّجُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا حَلَفَ لَيُعْتِقَنَّ ثَلَاثَةَ عَبِيدٍ الْيَوْمَ فَأَعْتَقَ عَبْدَيْنِ وَقَالَ أَرَدْت بِلَفْظِ ثَلَاثَةِ الِاثْنَيْنِ لَمْ تُفِدْهُ نِيَّتُهُ وَحَنِثَ إنْ خَرَجَ الْيَوْمُ وَلَمْ يُعْتِقْ الثَّالِثَ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظُ الثَّلَاثَةِ فِي الِاثْنَيْنِ مَجَازٌ وَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ لَا تُفِيدُ فِيهَا النِّيَّةُ فِي الْأَيْمَانِ وَلَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا فِي غَيْرِهِمَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَأُعْتِقَنَّ عَبِيدِي قَالَ أَرَدْت بَعْضَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ أَوْ أَرَدْت بِعَبِيدِي دَوَابِّي وَأَرَدْت بِالْعِتْقِ بَيْعَهَا أَفَادَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ الْعَبِيدِ مَجَازًا فِي الدَّوَابِّ وَالْعَلَاقَةُ الْمِلْكُ فِي الْجَمِيعِ وَاسْتِعْمَالُ الْعِتْقِ مَجَازٌ فِي الْبَيْعِ وَالْعَلَاقَةُ بُطْلَانِ الْمِلْك فَهَذَا تُفِيدُهُ فِيهِ النِّيَّةُ وَالْمَجَازُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَأُعْتِقَنَّ ثَلَاثَةَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَسَمِ إمَّا عُرْفٌ زَمَانِيٌّ وَحِينَئِذٍ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ الْعُرْفِ وَإِمَّا عُرْفٌ شَرْعِيٌّ وَحِينَئِذٍ لَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمِيثَاقَ لُغَةً الْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ بِالْيَمِينِ الَّذِي هُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِنْشَاءِ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّوَثُّقِ وَهُوَ التَّقْوِيَةُ وَهُوَ أَنَّ الْعَهْدَ لُغَةً الِالْتِزَامُ فَمِيثَاقُ اللَّهِ بِالْإِضَافَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْتِزَامِهِ تَعَالَى الْمُقَوَّى بِالْقَسَمِ فَيَصْدُقُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَهُوَ كَلَامُهُ تَعَالَى النَّفْسِيِّ الْقَدِيمِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أَلْفَاظُ الْمَوَاثِيقِ الْقُرْآنِيَّةِ الْأَتِيَّةِ وَبَيْنَ الْحَادِثَيْنِ أَحَدُهُمَا أَلْفَاظُ الْمَوَاثِيقِ الْقُرْآنِيَّةِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] مِنْ الِالْتِزَامَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْكَثِيرَةِ الْمُؤَكَّدَةِ بِالْحَلِفِ فَإِنَّ الْأَوَّلَ الْتِزَامٌ لَفْظِيٌّ مُؤَكَّدٌ بِالْحَلِفِ أَيْ قَوْلُهُ وَرَبِّي وَالثَّانِي الْتِزَامٌ لَفْظِيٌّ مُؤَكَّدٌ بِالْحَلِفِ أَيْ قَوْلِهِ السَّابِقِ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] دَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ الْتَزَمَ الْتِزَامًا مُؤَكَّدًا بِأَنَّ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ تَعَالَى فَلَاحًا وَأَنَّ مِنْ دَسَّا لَهَا أَيْ دَسَّسَهَا بِالْمَعَاصِي فَأُبْدِلَتْ إحْدَى السِّينَيْنِ أَلِفًا فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ تَعَالَى خَيْبَةً (وَثَانِيهِمَا) مَا شَرَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَنَا بِأَنَّ مِنْ أَمْرِهِ لَنَا تُلْتَزَمُ الْحُقُوقُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْنَا لِلْعِبَادِ وَأَنْ نُزِيلَ الرِّيبَةَ مِنْ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ تِلْكَ الْحُقُوقِ بِتَأْكِيدِ ذَلِكَ بِالْإِيمَانِ النَّافِي لِتِلْكَ الرِّيبَةِ أُضِيفَ إلَيْهِ تَعَالَى لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَهِيَ مُلَابَسَةُ الْمَشْرُوعِيَّةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] كَمَا مَرَّ فَلَفْظُ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ دَائِرٌ بَيْنَ مَا هُوَ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ وَهُوَ الْمِيثَاقُ الْقَدِيمُ وَبَيْنَ مَا هُوَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ لَهَا وَهُمَا الْمِيثَاقَانِ الْحَادِثَانِ أَعْنِي اللَّفْظِيَّ وَالْمَشْرُوعَ فِي حَقِّنَا وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي أَيِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَقَعَ أَوْ كَانَ مُرَادًا وَالدَّائِرُ بَيْنَ الْمُوجِبِ وَغَيْرِ الْمُوجِبِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُوجِبُ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا فَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ الْعَهْدُ وَالْكَفَالَةُ وَالْمِيثَاقُ كِنَايَاتٌ لَا صَرَائِحُ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْمَعَانِي الْقَدِيمَةِ وَبَيْنَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنْ نَوَى الْقَدِيمَةَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا اهـ. وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِكَفَالَةِ اللَّهِ وَعَهْدِ

стр. 520

عَبِيدٍ وَنَوَى أَنَّهُ يَبِيعُ ثَلَاثَ دَوَابَّ مِنْ دَوَابِّهِ صَحَّ لِأَنَّ لَفْظَ ثَلَاثَةٍ لَمْ يَدْخُلْهُ مَجَازٌ وَإِنَّمَا دَخَلَ الْمَجَازُ فِي الْمَعْدُودِ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ أَعْنِي الْعَبِيدَ فَعَبَّرَ بِجِنْسِ الْعَبِيدِ عَنْ جِنْسِ الدَّوَابِّ وَذَلِكَ جَائِزٌ وَلَمْ يُعَبِّرْ بِلَفْظِ الثَّلَاثِ عَنْ غَيْرِ الثَّلَاثِ فَهُوَ عَلَى بَابِهِ وَنَظِيرُهُ مِنْ الطَّلَاقِ أَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَيُرِيدَ بِالثَّلَاثِ اثْنَتَيْنِ أَوْ وَاحِدَةً لَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ وَإِنْ قَالَ أَرَدْت أَنَّك طَلُقْت ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ الْوَلَدِ أَفَادَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمْهُ طَلَاقٌ فِي الْفُتْيَا وَلَا فِي الْقَضَاءِ إنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ أَوْ قَامَتْ لَكِنْ هُنَاكَ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا يُعَضِّدُهُ وَإِلَّا لَزِمَهُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الْفُتْيَا. وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ أَثَّرَتْ النِّيَّةُ فِي الْكُلِّ وَلَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْبَعْضِ وَذَلِكَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ فَإِنَّ النِّيَّةَ أَبْطَلَتْ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ كُلِّهَا إذَا نَوَى طَلْقَ الْوَلَدِ وَهَذَا هُوَ جُمْلَةُ مَدْلُولِ اللَّفْظِ فَأَوْلَى أَنْ يُبْطِلَ بَعْضَ مَدْلُولِ اللَّفْظِ وَهُوَ أَنْ يُرِيدَ بِالثَّلَاثِ اثْنَتَيْنِ وَجَوَابُهُ أَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا أَثَّرَتْ فِي لَفْظِ الْمَعْدُودِ فَقَطْ وَهُوَ الطَّلَاقُ وَأَمَّا اسْمُ الْعَدَدِ فَبَاقٍ عَلَى حَالِهِ ثَلَاثًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا تَغَيَّرَ الْمَعْدُودُ وَانْتَقَلَ انْتَقَلَ الْعَدَدُ مَعَهُ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ لِمَفْهُومِ الثَّلَاثِ فَدَخَلَ التَّغْيِيرُ وَالْمَجَازُ فِي اسْمِ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ اسْمُ جِنْسٍ دُونَ الثَّلَاثِ لِأَنَّهُ اسْمُ عَدَدٍ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَجَازٌ أَلْبَتَّةَ غَيْرَ أَنَّ مَعْدُودَهُ تَغَيَّرَ مِنْ الطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ إزَالَةُ الْعِصْمَةِ إلَى جِنْسٍ آخَرَ وَهُوَ طَلْقُ الْوَلَدِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَجْنَاسِ فَلَا إشْكَالَ حِينَئِذٍ فَإِنْ قُلْت لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ أَوْ وَالرَّحْمَنِ لَا فَعَلْت كَذَا وَقَالَ أَرَدْت بِلَفْظِ الْجَلَالَةِ أَوْ بِلَفْظِ الرَّحْمَنِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَبَّرْت بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ لِلَّهِ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْفَاعِلِ عَلَى أَثَرِهِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعَلَاقَةِ وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ لَا تَلْزَمُ بِهِ كَفَّارَةٌ فَلَا تَلْزَمُنِي كَفَّارَةٌ هَلْ تَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْمَجَازِ قُلْت ظَاهِرُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ وَأَنَّ هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُمَا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَمَا امْتَنَعَ شَرْعًا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ وَهَذَا بِخِلَافِ لَوْ قَالَ أَرَدْت بِقَوْلِي وَالْعَلِيمِ وَالْعَزِيزِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَفَالَةِ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ وَعِلْمِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ الَّتِي تَقَدَّمَ بَسْطُهَا بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ مِمَّنْ هُوَ عَلِيمٌ أَوْ عَزِيزٌ أَوْ بَعْضَ صِفَاتِ الْبَشَرِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْكَفَالَةِ وَالْعَهْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَأَضَفْتُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْخَلْقِ لِلْخَالِقِ فَإِنَّا نَسْمَعُ هَذِهِ النِّيَّةَ وَتُفِيدُهُ فِي إسْقَاطِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ نُصُوصًا بَلْ أَسْمَاءَ أَجْنَاسٍ وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّهَا كِنَايَاتٌ لَا تَكُونُ يَمِينًا إلَّا بِالنِّيَّةِ لِقُوَّةِ التَّرَدُّدِ عِنْدَهُمْ وَالِاحْتِمَالِ وَقَدْ حَكَيْته فِيمَا مَضَى عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَقَالُوا ذَلِكَ أَيْضًا فِي الصِّفَاتِ وَاشْتَرَطُوا فِيهَا الشُّهْرَةَ الْعُرْفِيَّةَ وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نُوَافِقهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَنَحْنُ نُلْزِمُهُ الْكَفَّارَةَ بِنَاءً عَلَى الظُّهُورِ وَالصَّرَاحَةِ لَا بِنَاءً عَلَى النُّصُوصِيَّةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ وَمَا تُفِيدُ فِيهِ نِيَّةُ الْمَجَازِ وَمَا لَا تُفِيدُ فَإِنَّهُ فَرْقٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ حَاجَةً شَدِيدَةً وَقَدْ اتَّضَحَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اللَّهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَعْنًى حَادِثًا بِأَنْ نَوَى قَدِيمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اهـ. وَيَجْرِي فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَجْمُوعَةً كَعَلَيَّ عُهُودُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ كَفَالَاتُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ مَوَاثِيقُ اللَّهِ مَا جَرَى فِيهَا مُفْرَدَةً. (اللَّفْظُ السَّابِعُ) قَوْلُنَا وَحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الرَّحْمَنِ وَحَقِّ الرَّحِيمِ وَحَقِّ الْعَلِيمِ وَالْجَبَّارِ قَالَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْكِنَايَاتِ لَا الصَّرَائِحِ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَقِّ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ مِنْ الطَّاعَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْهُمْ وَهِيَ حَادِثَةٌ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَلَا يَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ الْقَدِيمَ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ النَّفْسَانِيُّ الْمُوَظَّفُ عَلَى عِبَادِهِ وَفِي مَجْمُوعِ الْأَمِيرِ وَشَرْحِهِ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِحَقِّ اللَّهِ أَيْ اسْتِحْقَاقِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَعْنًى حَادِثًا أَيْ الْحُقُوقُ الَّتِي عَلَى الْعِبَادِ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا بِأَنْ نَوَى قَدِيمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اهـ. وَفِي كنون عَلَى عبق وَحَقِّ اللَّهِ قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ قَالَهُ فِي الْبَيَانِ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْقَابِسِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا نَصُّهُ فِي جَوَابٍ لِلْوَنْشَرِيسِيِّ لَا يَلْزَمُ الْحَالِفَ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَفَّارَةٌ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ أَيْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَلَا يُخَالِفُوهُ وَأَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْيَمِينَ فَيَجْرِيَ عَلَى الْخِلَافِ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالنِّيَّةِ اهـ. (اللَّفْظُ الثَّامِنُ) ايْمُنُ اللَّهِ بِلُغَاتِهِ الْأَرْبَعَ عَشْرَةَ الَّتِي فِي قَوْلِ ابْنِ مَالِكٍ (: هَمْزَ أَيْمُ أَيْمُنُ فَافْتَحْ وَاكْسِرَا وَأُمْ قُلْ أَوْ قُلْ ... أَوْ مُنُ بِالتَّثْلِيثِ قَدْ شُكِلَا وَأَيْمَنُ اخْتِمْ بِهِ وَاَللَّهُ كُلًّا أَضِفْ ... إلَيْهِ فِي قَسَمٍ تُسَوَّفْ مَا نُقِلَا) وَايَمَنُ الْأَخِيرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ فِي الرَّهُونِيِّ عَلَى عبق وَلِابْنِ رُشْدٍ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مَا نَصُّهُ أَمَّا اَيْمُ اللَّهِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهَا يَمِينٌ لِأَنَّ اَيْمُ اللَّهِ أَوْ ايْمُنُ اللَّهِ أَوْ مُنُ اللَّهِ كُلَّهَا جَاءَتْ لِلْعَرَبِ فِي الْقَسَمِ فَمِنْ النُّحَاةِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا عِنْدَهُمْ أَيْمُنُ جَمْعُ يَمِينٍ ثُمَّ حَذَفُوا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي الْحَذْفِ لِأَكْثَرِ اسْتِعْمَالِهِمْ فَقَالُوا اَيْمُ اللَّهِ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ كَمَا قَالُوا يَمِينُ اللَّهِ لَا فَعَلْت أَوْ لَأَفْعَلَنَّ قَالَ الشَّاعِرُ: فَقُلْت يَمِينُ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْك وَأَوْصَالِي

стр. 521

إيضَاحًا حَسَنًا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ وَقَاعِدَةِ الْمَجَازِ فِي الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا) اعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ مَا كَانَ بِإِلَّا وَحَاشَا وَخَلَا وَعَدَا وَلَا يَكُونُ وَلَيْسَ وَبَقِيَّةُ أَخَوَاتِهَا وَهِيَ إحْدَى عَشَرَةَ أَدَاةً مُسْتَوْعَبَةً فِي كُتُبِ النَّحْوِ وَالْمَجَازُ هُوَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا وَإِذَا عَلِمْت حَقِيقَتَهُمَا فَاعْلَمْ أَنَّهُمَا بِحَسَبِ مَوَارِدِهِمَا الَّتِي يَرِدَانِ عَلَيْهَا كُلُّ وَاحِدٍ أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ وَضَابِطُ الْأَعَمِّ مِنْ وَجْهٍ وَالْأَخَصِّ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجَدُ مُنْفَرِدًا وَمَعَ الْآخَرِ فَيَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصُورَةٍ وَيَجْتَمِعَانِ فِي صُورَةٍ كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ يُوجَدُ الْأَبْيَضُ بِدُونِ الْحَيَوَانِ فِي الْجِيرِ وَالثَّلْجِ وَالْحَيَوَانُ بِدُونِ الْأَبْيَضِ فِي الزَّنْجِ وَالْجَامُوسِ وَيَجْتَمِعَانِ مَعًا فِي كُلِّ حَيَوَانٍ أَبْيَضَ كَذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ وَالْمَجَازُ يُوجَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي صُورَةٍ لَا يَجُوزُ وُجُودُ الْآخَرِ فِيهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي صُورَةٍ يَجُوزُ دُخُولُهُمَا فِيهَا وَتَكُونُ قَابِلَةً لَهُمَا وَأُبَيِّنُ ذَلِكَ بِالْمِثْلِ مِثَالُ الصُّورَةِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الِاسْتِثْنَاءُ دُونَ الْمَجَازِ وَيَمْتَنِعُ اسْتِعْمَالُ الْمَجَازِ فِيهَا أَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُ الْعَشَرَةِ وَيُرَادُ بِهَا تِسْعَةٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَمَا عَلَيْهِ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ لَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ بِإِلَّا مِنْ الْأَعْدَادِ وَإِنْ اتَّصَلَ مَا لَمْ يَبْنِ كَلَامَهُ عَلَيْهِ نَحْوُ وَاَللَّهِ لَأُعْطِيَنَّكَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمًا وَكَذَلِكَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً بِخِلَافِ الْعُمُومِ وَبِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الِاتِّصَالُ وَإِنْ لَمْ يَبْنِ الْكَلَامَ عَلَيْهِ وَمِثَالُ الصُّورَةِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ دُونَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْطُوفَاتُ فَإِذَا قُلْت رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا إلَّا عَمْرًا لَمْ يَجُزْ لُغَةً لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حُكْمِ عَمْرٍو وَهُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَأَنْتَ مُسْتَثْنٍ لِجُمْلَةِ مَا نَطَقْت بِهِ فِي الْمَعْطُوفَاتِ وَاسْتِثْنَاءُ جُمْلَة كَلَامٍ مَنْطُوقٍ بِهِ مَمْنُوعٌ وَكَذَلِكَ أَعْطِ زَيْدًا دِرْهَمًا وَدِرْهَمًا إلَّا دِرْهَمًا مُمْتَنِعٌ لِاسْتِثْنَاءِ جُمْلَةٍ مَنْطُوقٍ بِهَا بِخِلَافِ أَعْطِهِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ إلَّا دِرْهَمًا وَيَجُوزُ الْمَجَازُ فِي الْمَعْطُوفَاتِ وَأَنْ يُرِيدَ بِالثَّانِي غَيْرَ الْأَوَّلِ فِي الصُّورَتَيْنِ إحْدَاهُمَا الْأَسْمَاءُ الْمُتَرَادِفَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] . وَالْحُزْنُ هُوَ الْبَثُّ وَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الْأَوَّلُ وَلَوْ قُلْت أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إلَّا حُزْنِي لَمْ يَجُزْ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ أَعْطِهِ بُرًّا وَحِنْطَةً وَتَعْطِفَ الشَّيْءَ عَلَى نَفْسِهِ إذَا اخْتَلَفَ اللَّفْظُ كَذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ النُّحَاةُ وَلَوْ قُلْت رَأَيْت بُرًّا وَحِنْطَةً إلَّا حِنْطَةً لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا جُعِلَ لِإِخْرَاجِ مَا الْتَفَّ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ وَمَا قُصِدَ بِالْعَطْفِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُرَادًا وَغَيْرَ مُرَادٍ وَهُوَ جَمَعَ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ تَكُونَ الْأَلْفَاظُ مُتَبَايِنَةً غَيْرَ مُتَرَادِفَةٍ وَيُرِيدَ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَقَوْلِك ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ أَلِفَ ايْمُنُ اللَّهِ أَلِفُ وَصْلٍ وَإِنَّمَا فُتِحَتْ لِدُخُولِهَا عَلَى اسْمٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ اهـ. بِلَفْظِهِ وَقَوْلُ عبق وَارِدٌ بِالْبَرَكَةِ الْمَعْنَى الْقَدِيمُ قَالَ ح هُوَ إرَادَةُ الْبَرَكَةِ اهـ. وَفِي مَجْمُوعِ الْأَمِيرِ وَشَرْحِهِ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِاَيْمِ اللَّهِ أَيْ بَرَكَتِهِ وَبَقِيَّةُ لُغَاتِهَا كَذَلِكَ إنْ لَمْ يَنْوِ حَادِثًا أَيْ بَرَكَةَ الذَّرَّةِ بِأَنْ نَوَى قَدِيمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اهـ. وَفِي الْأَصْلِ قَالَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ فَيَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمُحْدَثِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْأَرْزَاقِ وَالْأَخْلَاقِ وَبَيْنَ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ جَلَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَعَظَمَتُهُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] أَيْ كَثُرَ جَلَالُهُ وَعُلَاهُ وَصِفَاتُهُ الْعُلَى وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ هُوَ كِنَايَةٌ لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْمُحْدَثِ وَبَيْنَ الْقَدِيمِ أَيْ فَإِنْ نَوَى الْقَدِيمَ وَحَنِثَ لَزِمَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ جَمْعُ يَمِينٍ فَالْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِي أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالشَّخْصُ إنَّمَا يَقُولُ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ تَلْزَمُنِي أَوْ عَلَيَّ أَيْمَانُ الْمُسْلِمِينَ فِي حَالٍ يَقْتَضِي تَأْكِيدَ خَبَرِهِ الَّذِي يَحْلِفُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ قَوْلَهُ ذَلِكَ إمَّا إلَى مَا يُؤَكِّدُ بِهِ الْخَبَرَ شَرْعًا فَيَلْزَمُهُ جَمْعُ يَمِينٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذْ هُوَ الْيَمِينُ الشَّرْعِيُّ وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيْمَانٍ فَإِذَا حَنِثَ يَلْزَمُهُ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ. وَأَمَّا إلَى مَا يَلْزَمُ مُقْتَضَاهُ شَرْعًا فَيَلْزَمُهُ كُلُّ مَا يَلْزَمُهُ شَرْعًا مِنْ يَمِينٍ وَنَذْرٍ وَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَصَدَقَةٍ وَقَدْ قِيلَ بِذَلِكَ فَهُوَ عَلَى كُلٍّ مِنْ بَابِ لُزُومِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا لَا مِنْ بَابِ لُزُومِهَا بِدُونِ أَسْبَابِهَا كَمَا قِيلَ نَعَمْ لُزُومُ مَا ذُكِرَ بِمُجَرَّدِ أَنَّ الْقَرَائِنَ تُفْهِمُ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ عَنِي الْيَمِينَ الشَّرْعِيَّ أَوْ الْمُلْتَزَمَ الشَّرْعِيَّ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ مُعَيَّنَاتِ الْأَلْفَاظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. (اللَّفْظُ التَّاسِعُ) الْمُصْحَفُ أَوْ الْقُرْآنُ أَوْ كَلِمَةٌ مِنْهُ تَخُصُّهُ كَ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] لَا نَحْوُ قَالَ: قَالَ كنون حَاصِلُ مَا لعبق وَالْبَنَّانِيِّ أَنَّ الْقُرْآنَ يُطْلَقُ عَلَى الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ الْأَزَلِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَعَلَى الْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ الْمَسْمُوعَةِ لَنَا وَعَلَى نُقُوشِ الْكِتَابَةِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ وَبَقِيَ أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْمَحْفُوظِ فِي الصُّدُورِ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَخَيَّلَةِ كَمَا يُقَالُ حَفِظْت الْقُرْآنَ فَكَلَامُ اللَّهِ يُطْلَقُ بِالِاعْتِبَارَاتِ الْأَرْبَعَةِ وَالْقَدِيمُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ الْعَزِيزُ

стр. 522

رَأَيْت زَيْدًا وَالْأَسَدَ وَتُرِيدُ بِالْأَسَدِ زَيْدًا لِشَجَاعَتِهِ فَهَذَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ دُخُولُ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ لِأَنَّك أَتَيْت بِاللَّفْظِ الثَّانِي لِقَصْدِ الْمُبَالَغَةِ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ فَإِنَّ قَوْلَك لِزَيْدٍ أَسَدٌ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلِك شُجَاعٌ. وَإِذَا كَانَ هَذَا الْمَعْنَى مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ لَا يَجُوزُ إبْطَالُهُ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَهَذَانِ مِثَالَانِ لِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَمِثَالُ اجْتِمَاعِهِمَا فِي صِحَّةِ الدُّخُولِ فِيهِ وَالِاسْتِعْمَالِ الْعُمُومَاتُ وَالظَّوَاهِرُ كُلُّهَا يَجُوزُ دُخُولُ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهَا وَالْمَجَازُ فَتَقُولُ فِي الْعُمُومِ رَأَيْت إخْوَتَك إلَّا زَيْدًا فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ وَتَقُولُ رَأَيْت إخْوَتَك وَتُرِيدُ دَارَ إخْوَتِهِ أَوْ أَمِيرَ إخْوَتِهِ لِمَا بَيْنَ الدَّارِ وَالْأَمِيرِ مِنْ الْمُلَابَسَةِ هَذَا فِي الْعُمُومِ وَأَمَّا الظَّوَاهِرُ الَّتِي لَيْسَتْ بِعُمُومٍ نَحْوُ لَفْظِ الْأَسَدِ وَالْفَرَسِ وَجَمِيعِ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يَجُوزُ دُخُولُ الْمَجَازِ فِيهَا إذَا وُجِدَتْ الْعَلَاقَةُ وَدُخُولُ الِاسْتِثْنَاءِ فَتَقُولُ رَأَيْت أَسَدًا إلَّا يَدَهُ وَإِلَّا رَأْسَهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَسْتَوْعِبَهُ. وَكَذَلِكَ رَأَيْت فَرَسًا إلَّا رَأْسَهُ وَيَجُوزُ دُخُولُ الْمَجَازِ فَتُرِيدُ بِالْأَسَدِ زَيْدًا الشُّجَاعَ وَبِالْفَرَسِ حِمَارَهُ الْفَارِهَ لِشَبَهِهِ بِالْفَرَسِ فِي سُرْعَةِ جَرْيِهِ وَقِسْ عَلَى ذَلِكَ بَقِيَّةَ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ فَهَذَا الْقِسْمُ يَدْخُلُ فِيهِ الْمَجَازُ وَالِاسْتِثْنَاءُ غَيْرَ أَنَّ الْمَجَازَ لَك أَنْ تَتَجَوَّزَ بِجُمْلَةِ الِاسْمِ عَنْ جَمِيعِ الْمُسَمَّى إلَى غَيْرِهِ كَمَا عَدَلْت عَنْ الْأَسَدِ بِجُمْلَتِهِ إلَى الرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلَيْسَ لَك اسْتِثْنَاءُ جُمْلَةِ الْأَسَدِ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَبْقَى بَعْدَهُ شَيْءٌ مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ فَهَذَا الْوَجْهُ يَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَا فِي جَوَازِ الدُّخُولِ، فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يُوجَدُ فِي صُورَةٍ لَا يُوجَدُ فِيهَا الْمَجَازُ وَيُوجَدُ الْمَجَازُ فِي صُورَةٍ لَا يُوجَدُ فِيهَا الِاسْتِثْنَاءُ وَيَجْتَمِعَانِ فِي صُورَةٍ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصَّ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَبِهِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَتَيْهِمَا حَتَّى يُعْلَمَ فِي أَيِّ صُورَةٍ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَفِي أَيِّ صُورَةٍ يَمْتَنِعُ وَيُفِيدُ ذَلِكَ نَفْعًا عَظِيمًا فِي الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِمَا فَإِنَّ مَنْ اسْتَعْمَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا فِي مَكَان لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ بَطَلَ اسْتِعْمَالُهُ لَهُ وَلَزِمَهُ أَصْلُ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ بِمُقْتَضَى وَضْعِ اللُّغَةِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَهِيَ قَاعِدَةُ الْفِقْهِ. (الْفَرْقُ الثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ فِي الْأَيْمَانِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ) اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ تَكْفِي فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَتَعْمِيمِ الْمُطْلَقَاتِ وَتَعْيِينِ أَحَدِ مُسَمَّيَاتِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرِكَاتِ وَصَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ الْحَقَائِقِ إلَى الْمَجَازَاتِ وَلَا تَكْفِي عَنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي هِيَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ فِي الْأَيْمَانِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَكْتَفِي فِيهِ النِّيَّةُ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قِرَاءَةُ الْخَلْقِ صِفَاتٌ لَهُمْ ... فَوَاجِبٌ حُدُوثُهَا مِثْلَهُمْ وَقَوْلُهُ: الْمَعْدُودُ مِنْ صِفَاتِهِ ... فَوَاجِبٌ قِدَمُهُ كَذَاتِهِ وَهَذِهِ الْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ ... دَلَائِلٌ عَلَيْهِ مَوْضُوعَاتُ وَإِيضَاحُ قَوْلِهِ دَلَائِلٌ عَلَيْهِ بِالْمِثَالِ أَنْ يُنَزِّلَ كَلَامَهُ مَنْزِلَةَ رَجُلٍ فَيَكْتُبُ الرَّجُلُ وَيَذْكُرُ بِاللِّسَانِ وَيَسْتَحْضِرُ فِي الذِّهْنِ وَهُوَ بِنَفْسِهِ غَيْرُ حَالٍّ فِي ذَلِكَ فَكَذَلِكَ كَلَامُهُ تَعَالَى الْقَدِيمُ يُلْفَظُ وَيُسْمَعُ بِالنَّظْمِ الدَّالِّ عَلَيْهِ وَيُحْفَظُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُتَخَيَّلَةِ فِي الذِّهْنِ وَيُكْتَبُ بِأَشْكَالِ الْحُرُوفِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ وَهُوَ غَيْرُ حَالٍّ فِي ذَلِكَ وَكَمَا يُقَالُ النَّارُ جَوْهَرٌ مُحْرِقٌ فَيُذْكَرُ بِاللَّفْظِ وَيُسْمَعُ بِالْآذَانِ وَيُعْرَفُ بِالْقَلْبِ وَيُكْتَبُ بِالْقَلَمِ وَلَا يَلْزَمُ كَوْنُ حَقِيقَةٍ النَّارِ حَالَّةً فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ لِلشَّيْءِ وُجُودًا فِي الْأَعْيَانِ وَوُجُودًا فِي الْأَذْهَانِ وَوُجُودًا فِي الْعِبَارَةِ وَوُجُودًا فِي الْكِتَابَةِ فَالْكِتَابَةُ تَدُلُّ عَلَى الْعِبَارَةِ وَهِيَ عَلَى مَا فِي الْأَذْهَانِ وَهُوَ عَلَى مَا فِي الْأَعْيَانِ فَحَيْثُ يُوصَفُ بِمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْقَدِيمِ كَقَوْلِنَا الْقُرْآنُ أَوْ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَالْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْخَارِجِ أَعْنِي الْمَعْنَى النَّفْسِيَّ الْقَائِمَ بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ وَحَدِيثٌ يُوصَفُ بِمَا هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمُحْدَثَاتِ يُرَادُ بِهِ الْأَلْفَاظُ الْمَنْطُوقَةُ الْمَسْمُوعَةُ كَمَا فِي حَدِيثِ «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» أَوْ الْمُخَيِّلَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩] وَكَحَدِيثِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ» أَوْ الْأَشْكَالِ الْمَنْقُوشَةِ كَحَدِيثِ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْكَبِيرِ «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» . وَقَدْ ذَكَرَ السَّعْدُ عَنْ الْمَشَايِخِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَلَا يُقَالُ الْقُرْآنُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ لِئَلَّا يَسْبِقَ إلَى الْفَهْمِ أَنَّ الْمُؤَلَّفَ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ قَدِيمٌ وَكَانَ السَّلَفُ يَمْنَعُونَ أَنْ يُقَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ إلَخْ دَفْعًا لِإِيهَامِ خَلْقِ الْمَعْنَى الْقَائِمِ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِي مَقَامِ الْبَيَانِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ وَعَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ

стр. 523

أَسْبَابٌ وَلَا عَنْ لَفْظٍ مَقْصُودٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا شَرْعِيًّا وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِذِكْرِ عَشْرِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) تَقْيِيدُ الْمُطْلَقَاتِ إذَا حَلَفَ لَيُكْرِمَنَّ رَجُلًا وَنَوَى بِهِ زَيْدًا فَلَا يَبْرَأُ بِإِكْرَامِ غَيْرِهِ لِأَنَّ رَجُلًا مُطْلَقٌ وَقَدْ قَيَّدَهُ بِخُصُوصِ زَيْدٍ فَصَارَ مَعْنَى الْيَمِينِ لَأُكْرِمَنَّ زَيْدًا وَكَذَلِكَ إذَا قَيَّدَهُ بِصِفَةٍ فِي نِيَّتِهِ وَلَمْ يَلْفِظْ بِهَا كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأُكْرِمَنَّ رَجُلًا وَيَنْوِي بِهِ فَقِيهًا أَوْ زَاهِدًا فَلَا يَبْرَأُ بِإِكْرَامِ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهَذِهِ صُورَةُ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) تَخْصِيصُ الْعُمُومَاتِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَيَنْوِي إخْرَاجَ الْكَتَّانِ مِنْ يَمِينِهِ فَيَصِيرُ هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَلَا يَحْنَثُ إذَا لَبِسَ الْكَتَّانَ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ بِنِيَّتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ وَالنِّيَّةِ الْمُؤَكِّدَةِ أَنَّ الْقَصْدَ لِلْكَتَّانِ دُونَ غَيْرِهِ لَا يُفِيدُ وَأَنَّ هُنَالِكَ فَرْقًا جَلِيلًا جَمِيلًا فَلْيُطَالَعْ مِنْ هُنَالِكَ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمُحَاشَاةُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ إذَا قَالَ كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ يُحَاشِيَ زَوْجَتَهُ وَقَالَ الْأَصْحَابُ يَكْفِي فِي الْمُحَاشَاةِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا تَخْصِيصٌ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَالتَّخْصِيصُ يَكْفِي فِيهِ إرَادَةُ الْمُتَكَلِّمِ فَكَفَى فِي الْمُحَاشَاةِ مُجَرَّدُ إرَادَةِ الْمُتَكَلِّمِ فَلَيْسَتْ الْمُحَاشَاةُ شَيْئًا غَيْرَ التَّخْصِيصِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَهَذِهِ هِيَ مَوَاطِنُ الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ إجْمَاعًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ تَخْصِيصُ الْعُمُومَاتِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا وَيَنْوِي إخْرَاجَ الْكَتَّانِ مِنْ يَمِينِهِ فَيَصِيرُ هَذَا الْعُمُومُ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ النِّيَّةِ وَلَا يَحْنَثُ إذَا لَبِسَ الْكَتَّانَ لِأَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ بِنِيَّتِهِ) قُلْت لَيْسَ هَذَا تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بَلْ هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ بِالنِّيَّةِ وَهُوَ مَحَلُّ خِلَافٍ وَأَمَّا التَّخْصِيصُ بِالنِّيَّةِ فَهُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَا عَدَا الْكَتَّانَ خَاصَّةً وَلَا أَرَاهُ إلَّا مَحَلَّ وِفَاقٍ قَالَ (وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النِّيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ وَالنِّيَّةِ الْمُؤَكَّدَةِ إلَى آخَرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ هُنَاكَ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْمُحَاشَاةُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ إذَا قَالَ كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ إلَّا أَنْ يُحَاشِيَ زَوْجَتَهُ وَقَالَ الْأَصْحَابُ يَكْفِي فِي الْمُحَاشَاةِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ) قُلْت الْمُحَاشَاةُ هِيَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِهِ قَالَ (وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا تَخْصِيصٌ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانَ إلَى قَوْلِهِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ) قُلْت الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُحَاشَاةَ هِيَ الِاسْتِثْنَاءُ بِعَيْنِهِ لَا التَّخْصِيصُ وَلَكِنْ لَمَّا سَبَقَ لَهُ تَوَهُّمُ أَنَّ إخْرَاجَ بَعْضِ مُتَنَاوِلِ اللَّفْظِ الْعَامِّ هُوَ التَّخْصِيصُ قَالَ إنَّ الْمُحَاشَاةَ هِيَ التَّخْصِيصُ وَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَتَوَهُّمُهُ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَوْجَبَ غَلَطَهُ حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّ نِيَّةَ التَّخْصِيصِ لَا تُفِيدُ مَعَ تَوَهُّمِهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي التَّخْصِيصِ فِي النِّيَّةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي التَّخْصِيصِ بِاللَّفْظِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَالْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ فِي الْفَرْقِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ (فَهَذِهِ هِيَ مَوَاطِنُ الِاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ إجْمَاعًا) قُلْت ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا فِي الْمُحَاشَاةِ فَإِنَّ الْخِلَافَ فِيهَا مَعْلُومٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْأَكْثَرُ، أَوْ لَا؟ وَعَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَفِي حَاشِيَةِ الرِّسَالَةِ للح قَالَ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ النُّذُورِ إنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ وَأَرَادَ الْمُصْحَفَ نَفْسَهُ دُونَ الْمَفْهُومِ مِنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» اهـ. وَفِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِالْمُصْحَفِ وَأَوْلَى الْقُرْآنُ أَوْ كَلِمَةٌ مِنْهُ تَخُصُّهُ عُرْفًا كَ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] لَا نَحْوُ قَالَ إنْ لَمْ يَنْوِ مَعْنًى حَادِثًا أَيْ الْمَكْتُوبَ أَوْ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْقَدِيمِ بِأَنْ نَوَى قَدِيمًا أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا اهـ. وَفِي الْأَصْلِ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا حَلَفَ بِالْقُرْآنِ أَوْ التَّوْرَاةِ أَوْ الْإِنْجِيلِ أَوْ الزَّبُورِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَحَنِثَ وَهُوَ لِمَالِكٍ ﵁ لِانْصِرَافِهِ عِنْدَهُ لِلْكَلَامِ الْقَدِيمِ النَّفْسِيِّ أَمْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا حَلَفَ بِذَلِكَ وَحَنِثَ وَهُوَ مَا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَإِنَّا لَا نَفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ الْقُرْآنَ، وَهُوَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ أَوْ يَكْتُبُ الْقُرْآنَ إلَّا هَذِهِ الْأَصْوَاتَ وَالرُّقُومَ الْمَكْتُوبَةَ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ أَنْ يُسَافِرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّ الْمُسَافَرَةَ مُتَعَذِّرَةٌ بِالْقَدِيمِ اهـ وَزَادَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ سِتَّةَ أَلْفَاظٍ (اللَّفْظُ الْعَاشِرُ) قَوْلُهُ وَالِاسْمُ الْأَعْظَمُ قَالَ الْأَمِيرُ يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْأَعْظَمَ مِنْ اسْمَيْنِ لِشَخْصٍ (اللَّفْظُ الْحَادِي عَشَرَ) قَوْلُهُ وَدِينِ الْإِسْلَامِ قَالَ الْأَمِيرُ إنْ أَرَادَ بِهِ الْأَحْكَامَ الْإِلَهِيَّةِ انْعَقَدَ لِأَنَّهَا تَرْجِعُ لِكَلَامِهِ وَخِطَابِهِ وَإِنْ أَرَادَ تَدَيُّنَ الْعِبَادِ وَطَاعَتَهُمْ لَمْ يَلْزَمْ (اللَّفْظُ الثَّانِي عَشَرَ) قَوْلُهُ وَخَاتَمِ الصَّوْمِ الَّذِي عَلَى فَمِ الْعِبَادِ قَالَ الْأَمِيرُ لَا يَلْزَمُ بِهِ الْيَمِينُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْحُكْمَ الْآلِهِيَّ بِهِ فَيَلْزَمُ كَمَا إذَا قَالَ وَاَلَّذِي خَاتَمُهُ عَلَى فَمِي وَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ (اللَّفْظُ الثَّالِثَ عَشَرَ) قَوْلُهُ وَالْعِلْمِ الشَّرِيفِ قَالَ الْأَمِيرُ الْمُتَبَادَرُ مِنْهُ الْعُلُومُ الْمُدَوَّنَةُ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَحْكَامَهُ عَلَى مَا سَبَقَ (اللَّفْظُ الرَّابِعَ عَشَرَ) وَالْمَوْجُودِ وَالشَّيْءِ قَالَ الْأَمِيرُ وَيَنْعَقِدُ بِالْمَوْجُودِ وَبِالشَّيْءِ إذَا أُرِيدَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا فِي ابْنِ شَاسٍ وَفِي الْقُرْآنِ ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] وَمَا فِي

стр. 524

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِاكْتِفَاءِ فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَهُوَ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ الْتِزَامًا قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ لَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ فِيهِ تَقْيِيدًا وَلَا تَخْصِيصًا وَقَالَتْ بَقِيَّةُ الْفِرَقِ تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا كَالْمُطَابَقَةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ وَمَثَّلُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ بِقَوْلِ الْقَائِلِ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت فَقَالَتْ الْفِرَقُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ أَنْ يَنْوِيَ مَأْكُولًا مُعَيَّنًا فَلَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ غَيْرِهِ وَقَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ النِّيَّةِ هَا هُنَا وَإِنْ نَوَى بَطَلَتْ نِيَّتُهُ وَحَنِثَ بِأَيِّ مَأْكُولٍ أَكَلَهُ فَإِنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا دَلَّ مُطَابَقَةً عَلَى نَفْيِ الْأَكْلِ الَّذِي هُوَ الْمَصْدَرُ وَمِنْ لَوَازِمِ مَصْدَرِ الْأَكْلِ مَأْكُولٌ مَا وَذَلِكَ الْمَأْكُولُ لَمْ يَلْفِظْ بِهِ فَلَا يَجُوزُ دُخُولُ النِّيَّةِ فِيهِ لِأَنَّهُ مَدْلُولٌ الْتِزَامِيٌّ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ الْمَنْطُوقِ بِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ خَالَفْنَا ذَلِكَ فِيمَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَبَقِيَ فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ وَوَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّ تَحْكِيمَ النِّيَّةِ فِي اللَّفْظِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهُ فَرْعُ تَنَاوُلِ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَالتَّنَاوُلُ إنَّمَا هُوَ مُحَقَّقٌ فِي الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ أَمَّا الِالْتِزَامُ فَتَبَعٌ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ فَتَقَرُّرُ اللَّفْظِ فِيهِ ضَعِيفٌ فَتُصْرَفُ النِّيَّةُ فِيهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْمَوَاطِنِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِاكْتِفَاءِ فِيهَا بِالنِّيَّةِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الِاكْتِفَاءِ فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَهُوَ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ الْتِزَامًا) قُلْت فِي قَوْلِهِ مَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ الْتِزَامًا عِنْدِي نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَصْدَرَ هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ وَهُوَ الْقِيَامُ مَثَلًا وَالضَّرْبُ فَأَمَّا الْقِيَامُ فَيَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ عَلَى فَاعِلِهِ وَأَمَّا الضَّرْبُ فَيَدُلُّ بِالِالْتِزَامِ أَيْضًا عَلَى فَاعِلِهِ وَمَفْعُولِهِ وَأَمَّا الْفِعْلُ فَهُوَ مَبْنِيٌّ لِوُقُوعِ الْمَصْدَرِ مِنْ فَاعِلِهِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ أَوْ مِنْ فَاعِلِهِ بِمَفْعُولِهِ إنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا وَمَا بُنِيَ اللَّفْظُ لَهُ أَوْ مَا تَقَيَّدَ بِهِ كَيْفَ يُقَالُ دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْتِزَامًا بَلْ الْأَقْرَبُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ تَضَمُّنًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ لَا تُؤَثِّرُ النِّيَّةُ فِيهِ تَقْيِيدًا وَلَا تَخْصِيصًا إلَى آخِرِ احْتِجَاجِهِمْ الْأَوَّلِ) قُلْت مَا قَالُوهُ فِي أَثْنَاءِ احْتِجَاجِهِمْ مِنْ أَنَّ تَنَاوُلَ اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ مُحَقَّقٌ فِي الْمُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْأَلْفَاظِ لَيْسَتْ عَقْلِيَّةً بَلْ هِيَ وَضْعِيَّةٌ وَلَمْ يُوضَعْ لَفْظُ الْمَسْجِدِ مَثَلًا إلَّا لِجُمْلَتِهِ لَا لِجُمْلَتِهِ وَبَعْضِهِ وَهُوَ السَّقْفُ مَثَلًا وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُشْتَرِكًا وَلَيْسَ الْكَلَامُ الْمَفْرُوضُ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ لَفْظَ الْمَسْجِدِ لَمْ يُوضَعْ لِلسَّقْفِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلَا دَلَالَةَ لِلَفْظِ الْمَسْجِدِ عَلَى السَّقْفِ أَصْلًا لِأَنَّ الْأَلْفَاظَ لَا تَدُلُّ عَقْلًا وَإِنَّمَا تَدُلُّ وَضْعًا وَقَدْ عُدِمَ الْوَضْعُ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ أَلْبَتَّةَ، نَعَمْ هُنَا أَمْرٌ وَهُوَ أَنَّ مَنْ يُذْكَرُ لَهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى مَجْمُوعِ أَشْيَاءَ بِالْوَضْعِ فَإِنَّهُ يَتَذَكَّرُ مَا تَرَكَّبَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَجْمُوعُ أَوْ لَازِمَ ذَلِكَ الْمَجْمُوعَ فَمَنْ اعْتَبَرَ هَذَا الْقَدْرَ وَسَمَّى هَذَا التَّذَكُّرَ دَلَالَةً فَلَا حَجْرَ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يَدْخُلُ اللَّبْسُ فِي كَلَامِهِ عَلَى سَامِعِ ذَلِكَ مِنْهُ حِينَ يَذْكُرْ هَاتَيْنِ الدَّلَالَتَيْنِ اللَّتَيْنِ مَعْنَاهُمَا تَذَكُّرُ الشَّيْءِ عِنْدَ ذِكْرِ الشَّيْءِ مَعَ ذِكْرِهِ الدَّلَالَةَ الْوَضْعِيَّةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَفْظَ الدَّلَالَةِ لَمْ يُوقِعْهُ عَلَى الْوَضْعِيَّةِ وَالتَّذَكُّرِ بِالتَّوَاطُؤِ بَلْ بِالِاشْتِرَاكِ وَذَلِكَ مِمَّا يُوقِعُ الْغَلَطَ كَثِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا كَلَامَ فِيهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عبق مِنْ عَدَمِ الِانْعِقَادِ بِالْمَوْجُودِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَنْدَرِجُ فِي الْأَسْمَاءِ الَّتِي بِذَاتِهَا لِلْقَسَمِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إرَادَةٍ فَالنَّفْسِيَّةُ تَنْعَقِدُ بِهَا لَا بِالِاسْمِ الْمُشْتَقِّ مِنْهَا عَكْسُ الْفِعْلِيَّةِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ وَوُجُودِ اللَّهِ كَانَ صَرِيحًا فِي الْقَدِيمِ وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْوُجُودَ عَيْنُ الْمَوْجُودِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا قِيلَ وَالْوُجُودِ مُعَرَّفًا بِأَلْ مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ جَرَى فِيهِ مَا جَرَى فِي الْمَوْجُودِ بِالْمِيمِ (اللَّفْظُ الْخَامِسَ عَشَرَ) مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا عَنْ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ مِنْ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ فَجُمْلَةُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَلْفَاظِ هَذَا الْقِسْمِ أَعْنِي مَا لَمْ يُعْلَمْ قِدَمُ مَدْلُولِهِ وَلَا حُدُوثِهِ خَمْسَةَ عَشَرْ وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْقِ الَّذِي عَقِبَ هَذَا الْفَرْقِ عَنْ الْأَصْلِ أَلْفَاظٌ أُخَرُ فَتَرَقَّبْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِالْحَلِفِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا حَنِثَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً إذَا حَلَفَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ بِالْحَلِفِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا حَنِثَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً إذَا حَلِفَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ) صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى خَمْسَةٌ لِأَنَّهَا إمَّا ذَاتِيَّةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِالذَّاتِ وَلَا عَلَى سَلْبِ نَقِيصَةٍ وَلَا عَلَى فِعْلِ الذَّاتِ وَإِمَّا مَعْنَوِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مَوْجُودٍ قَدِيمٍ قَائِمٍ بِالذَّاتِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا وَإِمَّا سَلْبِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى سَلْبِ نَقِيصَةٍ عَنْ الذَّاتِ وَإِمَّا فِعْلِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى فِعْلِ الذَّاتِ وَإِمَّا أَنْ تَشْمَلَ الْجَمِيعَ (فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مِنْهَا أَعْنِي الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةَ هِيَ كَوْنُهُ تَعَالَى أَزَلِيًّا أَبَدِيًّا وَاجِبَ الْوُجُودِ سَمَّاهَا الْعُلَمَاءُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحْكَامٌ لِلذَّاتِ لَا مَعَانٍ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ نَظِيرُ جَمْعِ الْبَصَرِ فِي السَّوَادِ وَتَفْرِيقِهِ فِي الْبَيَاضِ كَذَا قَالَ الْأَصْلُ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْأَحْوَالِ وَأَنَّهَا أَحْوَالٌ نَفْسِيَّةٌ لَا مَعْنَوِيَّةٌ أَمَّا عَلَى إنْكَارِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَهِيَ بِجُمْلَتِهَا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ لَا ثُبُوتِيَّةٌ وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ لَا وُجُودَ فِي الْأَعْيَانِ لِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْهَا. فَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ بِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ مَعَ الْحِنْثِ إذَا قَالَ الْحَالِفُ عَمْرُ اللَّهِ يَمِينِي مَعَ أَنَّ الْعَمْرَ هُوَ الْبَقَاءُ وَالْبَقَاءُ كَالْقِدَمِ مِنْ صِفَاتِ السُّلُوبِ مَعْنَاهُ نَفْيُ لُحُوقِ الْعَدَمِ لِلذَّاتِ وَكَوْنُ النَّفْيِ عَلَى طَرِيقَةِ الِامْتِنَاعِ مَأْخُوذٌ مِنْ كَوْنِ بَقَاءِ الذَّاتِ وَاجِبًا كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْقِدَمِ امْتِنَاعُ سَبْقِيَّةِ الْعَدَمِ لِلذَّاتِ فَلَا وُجُودَ لِمَعْنَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْأَعْيَانِ أَنَّهُ كَذَلِكَ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ مَعَ الْحِنْثِ إذَا قَالَ الْحَالِفُ وَأَزَلِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَوُجُوبِ وُجُودِهِ

стр. 525

كَذَلِكَ فَلَا يُتْرَكُ مَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ لِهَذَا الضَّعِيفِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ (وَثَانِيهَا) أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَدْخُلُ إلَّا فِيمَا دَلَّ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً وَاعْتِبَارُ النِّيَّاتِ فِي الْأَلْفَاظِ أَمْرٌ يَتْبَعُ اللُّغَةَ أَلَا تَرَى أَنَّ اللُّغَةَ لَمَّا لَمْ تُجَوِّزْ النِّيَّةَ فِي صَرْفِ أَسْمَاءِ الْأَعْدَادِ إلَى الْمَجَازَاتِ امْتَنَعَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُطْلِقَ الْعَشَرَةَ وَتُرِيدَ بِهَا التِّسْعَةَ (وَثَالِثُهَا) أَنَّهُ لَوْ صَحَّ دُخُولُ النِّيَّةِ فِي الْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ لَصَحَّ الْمَجَازُ فِي كُلِّ لَازِمِ الْمُسَمَّى بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْدِ إلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَسَدَ يَلْزَمُهُ أَوْصَافٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْبَخَرِ وَالْحُمَّى وَالْوَبَرِ وَكِبَرِ الرَّأْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ التَّجَوُّزُ عَنْهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ الشَّجَاعَةِ خَاصَّةً وَلَا يَصِحُّ دُخُولُ النِّيَّةِ فِي غَيْرِهَا حَتَّى تُصْرَفَ لِلْمَجَازِ لِأَنَّا نَشْتَرِطُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَجَازِ وَهُوَ مَجَازُ الْمُشَابَهَةِ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا الْمُشَابَهَةُ أَظْهَرَ صِفَاتِ الْمَحَلِّ الْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ وَحُجَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى مَا إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت أَكْلًا أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَنْوِيَ بَعْضَ الْمَآكِلِ وَيُخْرِجَ الْبَعْضَ بِنِيَّتِهِ مَعَ أَنَّ أَكْلًا مَصْدَرٌ وَأَجْمَعَ النُّحَاةُ عَلَى أَنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ بَعْدَ الْفِعْلِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّأْكِيدِ نَحْوُ ضَرَبْت ضَرْبًا فَإِنَّ الْفِعْلَ دَلَّ عَلَيْهِ فَذِكْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَكُونُ تَكْرَارًا لِذِكْرِهِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مَذْكُورٌ مَرَّتَيْنِ وَالتَّأْكِيدُ حَقِيقَتُهُ تَقْوِيَةُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَإِلَّا لَكَانَ إنْشَاءً لَا تَأْكِيدًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ التَّأْكِيدُ مُنْشِئًا كَانَتْ الْأَحْكَامُ الثَّابِتَةُ مَعَهُ ثَابِتَةً قَبْلَهُ لَكِنَّ الثَّابِتَ مَعَهُ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فَالثَّابِتُ قَبْلَهُ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَثَانِيهَا) أَنَّ النِّيَّةَ اُعْتُبِرَتْ فِي الْمُطَابَقَةِ إجْمَاعًا مَعَ قُوَّةِ الْمُعَارِضِ فَأَوْلَى أَنْ تُعْتَبَرَ مَعَ ضَعْفِ الْمُعَارِضِ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ الْمُطَابَقَةَ أَقْوَى مُعَارَضَةً لِلنِّيَّةِ لِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ هِيَ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ بِوَضْعِ اللُّغَةِ وَغَيْرُهَا إنَّمَا يُفِيدُهُ اللَّفْظُ تَبَعًا لَهَا وَالْأَصْلُ أَقْوَى مِنْ التَّابِعِ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا عَارَضَتْ النِّيَّةُ الْمُطَابَقَةَ وَصَرَفَتْ اللَّفْظَ عَنْ مَدْلُولِهِ الْمُطَابِقِيِّ لِلْمَجَازِ صَحَّ إجْمَاعًا مَعَ أَنَّ اللَّفْظَ يَمْنَعُهَا مِنْ ذَلِكَ وَيَقْتَضِي مُسَمَّاهُ بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ فَقَدْ قُدِّمَتْ النِّيَّةُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُطَابِقِيِّ وَهُوَ أَقْوَى فِي الْمُعَارَضَةِ مِنْ دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ فَأَوْلَى أَنْ تُعْتَبَرَ النِّيَّةُ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ وَيُصْرَفَ عُمُومُ اللَّازِمِ إلَى خُصُوصِهِ وَتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ وَجَمِيعِ مَا أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَدْلُولِ الْمُطَابِقِيِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (وَثَالِثُهَا) أَنَّا وَجَدْنَا الِاسْتِثْنَاءَاتِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ دَخَلَتْ عَلَى الْعَوَارِضِ الْخَارِجَةِ عَنْ الْمَدْلُولِ الْمُطَابِقِيِّ وَاللَّوَازِمِ وَلَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ إنَّمَا هُوَ فَرْعٌ عَنْ إرَادَةِ الْمَعْنَى الَّذِي قُصِدَ لِأَجْلِهِ الِاسْتِثْنَاءُ فَإِنَّ اللَّفْظَ تَابِعٌ لِإِرَادَةِ الْمَعْنَى فَإِنَّهُ يُقْصَدُ بِهِ إفْهَامُ السَّامِعِ مَا فِي نَفْسِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَثَانِيهَا إلَى آخِرِ احْتِجَاجِهِمْ) قُلْت ذَلِكَ نَقْلٌ وَلَا كَلَامَ فِيهِ قَالَ (وَحُجَّةُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مِنْ وُجُوهٍ إلَى آخِرِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ) قُلْت هَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ صَحِيحَةٌ جَيِّدَةٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَأَبَدِيَّتِهِ إذْ لَا فَرْقَ سِيَّمَا وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْقِدَمَ نَفْسِيًّا زَاعِمًا أَنَّهُ الْوُجُودُ الْأَزَلِيُّ وَكَذَا الْبَقَاءُ أَيْ الْوُجُودُ الْمُسْتَمِرُّ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْأَمِيرِ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ نَعَمْ قَدْ جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْقِدَمَ وَالْبَقَاءَ مِنْ الْمَعَانِي وَرُدَّ بِأَنَّهُمَا ثَابِتَانِ لِصِفَاتِهِ أَيْضًا فَيَلْزَمُ قِيَامُ الْمَعْنَى بِالْمَعْنَى مِنْ الدَّوْرِ أَوْ التَّسَلْسُلِ فِيهِمَا كَمَا فِي الْأَمِيرِ أَيْضًا هَذَا تَحْقِيقُ الْمَقَامِ فَلْيُتَأَمَّلْ. (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مِنْهَا أَعْنِي الْمَعْنَوِيَّةَ نِسْبَةً لِلْمَعَانِي الْوُجُودِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ وَالْوَاحِدُ اُذْكُرْ نَاسِبًا لِلْجَمْعِ مَا لَمْ يُوَافِقْ وَاحِدًا فِي الْوَضْعِ نَعَمْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ هُنَا وَافَقَ وَاحِدًا فِي الْوَضْعِ فَإِذَا عَبَّرَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ عَنْ هَذَا الْقِسْمِ بِصِفَاتِ الْمَعَانِي وَقَالَ السَّنُوسِيُّ فِي شَرْحِ الْوُسْطَى الْإِضَافَةُ فِي صِفَاتِ الْمَعَانِي لِلْبَيَانِ وَأَنَّ الْمُرَادَ الصِّفَاتُ الَّتِي هِيَ نَفْسُ الْمَعَانِي يَعْنُونَ بِهَا الْمَعَانِي الْوُجُودِيَّةَ كَالْعِلْمِ مَثَلًا وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْإِضَافَةُ أَنَّهُ بِتَقْدِيرِ مِنْ كَثَوْبِ خَزٍّ اهـ. وَلَمْ يُعَبِّرُوا بِالصِّفَاتِ الْمَعْنَوِيَّةِ فَهِيَ سَبْعَةٌ الْعِلْمُ وَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْحَيَاةُ وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِهَا ابْتِدَاءً وَأَنَّ الْحَلِفَ بِهَا مَعَ الْحِنْثِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ «أَنَّ أَيُّوبَ ﵊ قَالَ بَلَى وَعِزَّتِك لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِك» كَمَا مَرَّ وَقِيلَ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَلَفْظُ اللَّهِ مَخْصُوصٌ بِالذَّاتِ فَانْدَرَجَتْ الصِّفَاتُ فِي الْمَأْمُورِ بِالصَّمْتِ بِهِ لَكِنْ قَدْ مَرَّ عَنْ حَفِيدِ بْنِ رُشْدٍ قَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ فِي الْحَدِيثِ بِالِاسْمِ فَقَطْ أَيْ دُونَ أَنْ يُعَدَّى إلَى الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ جُمُودٌ كَثِيرٌ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا فِي الْمَذْهَبِ حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ اهـ. وَفِي هَذَا الْقِسْمِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّ الْحَلِفَ بِالْقُرْآنِ تَجِبُ بِهِ مَعَ الْحِنْثِ الْكَفَّارَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَمُسْتَنَدُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ الْحَادِثِ وَمُسْتَنَدُ مَالِكٍ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْعُرْفِ الْحَادِثِ إلَّا أَنَّ قَرِينَةَ

стр. 526

الْمُتَكَلِّمِ فَمَتَى دَخَلَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى دُخُولِ النِّيَّةِ قَبْلَهُ فِي الْمَدْلُولِ الِالْتِزَامِيِّ، وَبَيَانُ دُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا أَوْ بِطَرِيقِ الْعَرَضِ مِنْ وُجُوهٍ (أَحَدُهَا) قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ يَعْقُوبَ ﵇ ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْأَحْوَالِ الْعَارِضَةِ أَوْ اللَّازِمَةِ لِمَعْنَى الْإِتْيَانِ وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ الْحَالَاتِ إلَّا فِي حَالِ الْإِحَاطَةِ بِكُمْ فَإِنِّي لَا أُلْزِمَكُمْ الْإِتْيَانَ بِهِ فِيهَا لِقِيَامِ الْعُذْرِ حِينَئِذٍ وَثَانِيهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] أَيْ لَا يَأْتِيهِمْ فِي حَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ لَهْوِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ فَقَدْ قَصَدَ إلَى حَالَةِ اللَّهْوِ وَالْإِعْرَاضِ بِالْإِثْبَاتِ وَلِغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْوَالِ بِالنَّفْيِ وَالْأَحْوَالُ أُمُورٌ خَارِجَةٌ عَنْ الْمَدْلُولِ الْمُطَابِقِيِّ وَإِذَا كَانَتْ خَارِجَةً فَإِنْ كَانَتْ الْأَحْوَالَ اللَّازِمَةَ فَقَدْ دَخَلَتْ النِّيَّةُ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا وَإِنْ كَانَتْ عَارِضَةً فَقَدْ دَخَلَتْ النِّيَّةُ فِي الْعَوَارِضِ وَإِذَا دَخَلَتْ فِي الْعَوَارِضِ دَخَلَتْ فِي اللَّوَازِمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّ الْعَارِضَ أَبْعَدُ عَنْ مَدْلُولِ اللَّفْظِ مُطَابَقَةً مِنْ اللَّازِمِ ضَرُورَةً فَإِذَا تَصَرَّفَتْ النِّيَّةُ فِي الْبَعِيدِ أَوْلَى أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي الْقَرِيبِ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمُطَابَقَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا مِنْ الْعَارِضِ لِبُعْدِهِ عَنْ الْمُطَابَقَةِ (وَثَالِثُهَا) أَنَّهُ قَصْدٌ إلَى الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ بَلْ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ وَدَلَّ الدَّلِيلُ الْخَارِجِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ عَيْنُ صُورَةِ النِّزَاعِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ (أَحَدُهَا) قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] وَالْمَدْلُولُ مُطَابَقَةً فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ مُرَادٍ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَحْرُمُ بَلْ الْأَفْعَالُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهَا وَهِيَ الْأَكْلُ وَالتَّنَاوُلُ فَقَدْ قُصِدَتْ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مُقَارِنٍ بَلْ الْأَدِلَّةُ الْخَارِجَةُ أَفَادَتْنَا ذَلِكَ وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ إنْ كَانَتْ لَازِمَةً حَصَلَ الْمَقْصُودُ لِوُجُوهِ تُصْرَفُ النِّيَّةُ فِيهَا بِإِضَافَةِ التَّحْرِيمِ إلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا وَلَا سِيَّمَا أَنَّ النِّيَّةَ تُعَيَّنُ فِي كُلِّ عَيْنِ الْفِعْلَ الْمُنَاسِبَ لَهَا فَتُعَيِّنُ فِي الْخَمْرِ الشُّرْبَ وَفِي الْمَيْتَةِ الْأَكْلَ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَعْيَانِ الْوَارِدَةِ فِي النُّصُوصِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ الْمَقْصُودَةُ عَارِضَةً وَقَدْ تَصَرَّفَتْ النِّيَّةُ فِيهَا فَالْأَوْلَى أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي اللَّازِمِ لِأَنَّ اللَّازِمَ أَقْرَبُ لِلْمُطَابَقَةِ مِنْ الْعَارِضِ (وَثَانِيهَا) قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَالْمُرَادُ الِاسْتِمْتَاعُ الْمُتَعَلِّقُ بِهِنَّ دُونَ أَعْيَانِهِنَّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ وَوَجْهُ التَّقْدِيرِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَثَالِثُهَا أَنَّهُ قَصَدَ إلَى الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا إلَى قَوْلِهِ وَوَجْهُ التَّقْدِيرِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ) قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ هُنَا مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] دَلَالَةُ الْتِزَامٍ بِصَحِيحٍ بَلْ هِيَ دَلَالَةُ مُطَابَقَةٍ عُرْفًا وَكَانَتْ الدَّلَالَةُ قَبْلَ الْعُرْفِ بِلَفْظِ الْمَيْتَةِ دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ عَلَى الْمَيْتَةِ نَفْسِهَا ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَ الْعُرْفِ دَلَالَةَ مُطَابَقَةٍ عَلَى أَكْلِهَا وَكَذَلِكَ كُلُّ دَلَالَةٍ عُرْفِيَّةٍ إنَّمَا هِيَ دَلَالَةُ مُطَابَقَةٍ عَلَى مَا صَارَتْ فِيهِ عُرْفًا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَسَمِ صَرَفَتْ اللَّفْظَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَمْرُ الْقَدِيمُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ تَسْوِيَةُ مَالِكٍ بَيْنَ لَفْظِ الْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ وَالتَّنْزِيلِ وَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَعَ أَنَّ الْعُرْفَ فِيهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمُحْدَثُ أَفَادَهُ ابْنُ الشَّاطِّ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ إذَا قَالَ عَلِمَ اللَّهُ لَا فَعَلْت اسْتَحَبَّ لَهُ مَالِكٌ الْكَفَّارَةَ احْتِيَاطًا تَنْزِيلًا لِلَفْظِ عَلِمَ اللَّهُ الَّذِي هُوَ فِعْلٌ مَاضٍ مَنْزِلَةَ عِلْمِ اللَّهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَعِلْمِ اللَّهِ لَا فَعَلْت وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ أَرَادَ الْحَلِفَ بِعِلْمِ اللَّهِ مَعَ حَذْفِ أَدَاةِ الْقَسَمِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ الصِّفَةِ الْقَدِيمَةِ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ وَحَنِثَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِعَدَمِ فِعْلِهِ فَلَيْسَ بِحَلِفٍ تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ فَلَفْظُ عِلْمِ اللَّهِ لَا فَعَلْت كِنَايَةٌ تَحْتَمِلُ الْقَسَمَ وَالْإِخْبَارَ اهـ بِتَصَرُّفٍ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ الْأَظْهَرُ نَظَرًا قَوْلُ سَحْنُونٍ وَلِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْكَفَّارَةَ وَلَمْ يُوجِبْهَا اهـ. وَقَالَ الْأَصْلُ وَقَوْلُ سَحْنُونٍ مُتَّجَهٌ فِي قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَقَدْ وَقَعَ لِبَعْضِ النُّحَاةِ جَوَازُ فَتْحِ أَنَّ بَعْدَ الْقَسَمِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْقَسَمَ قَدْ يَقَعُ بِصِيغَةِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي فَتَكُونُ أَنَّ مَعْمُولَةً لَهُ نَحْوُ عَلِمَ اللَّهُ وَشَهِدَ اللَّهُ أَنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ فَلَمَّا كَانَتْ مَظِنَّةَ وُجُودِ الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي فَتَجِبُ تَنْزِيلًا لِلْمَظْنُونِ مَنْزِلَةَ الْمُحَقَّقِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَقَلَهَا لُغَةً عَنْ الْعَرَبِ فِي فَتْحِ أَنَّ بَعْدَ الْقَسَمِ وَالْجَادَّةُ عَلَى كَسْرِهَا بَعْدَ الْقَسَمِ اهـ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الصَّحِيحُ أَنَّ قَرِينَةَ الْقَسَمِ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ وَالْعِلْمِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَقَوْلُهُ وَعِلْمِ اللَّهِ بِالْإِضَافَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ تَعَيَّنَ أَنَّ مُرَادَهُ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْعِلْمِ سَوَاءٌ كَانَ مُضَافًا أَمْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ لَيْسَ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ فِي الْقَوْلِ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَنَّ أَصْلَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ وَكَذَا الْإِضَافَةُ فِي اللُّغَةِ لِلْعُمُومِ وَقَدْ تَكُونُ لِلْعَهْدِ مَجَازًا مُرْسَلًا مِنْ إطْلَاقِ الْعَامِّ وَإِرَادَةِ الْخَاصِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ [المزمل: ١٥] ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أَيْ عَصَى الرَّسُولَ الْمَعْهُودَ ذِكْرُهُ الْآنَ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ الَّذِي يَقُولُ بِهِ الْمُعَمِّمُونَ بَلْ اشْتِمَالُهُ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ فِيهِ مِنْ بَابِ تَعْمِيمِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ وَالْقَوْلُ بِهِ مَرْدُودٌ فَكُلُّ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ

стр. 527

(وَثَالِثُهَا) قَوْله تَعَالَى «مَا تَرَدَّدْت فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدَ» قَالَ الْعُلَمَاءُ التَّرَدُّدُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ كُلَّ شَخْصٍ أَنْتَ تُعَظِّمُهُ وَتَهْتَمُّ بِهِ فَإِنَّك تَتَرَدَّدُ فِي مُسَاءَتِهِ نَحْوُ وَلَدِك وَصَدِيقِك، وَمَنْ لَا تُعَظِّمُهُ كَالْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ وَعَدُوِّك فَإِنَّك إذَا خَطَرَ بِقَلْبِك إيلَامُهُ وَمُسَاءَتُهُ لَا تَتَرَدَّدُ فِي ذَلِكَ بَلْ تُبَادِرُ إلَيْهِ، فَصَارَ التَّرَدُّدُ لَا يَقَعُ إلَّا فِي مَوْطِنِ التَّعْظِيمِ وَعَدَمُهُ فِي مَوْطِنِ الْحَقَارَةِ وَإِنْ كَانَ التَّرَدُّدُ فِي الْإِحْسَانِ انْعَكَسَ الْحَالُ فَيَحْصُلُ فِي حَقِّ الْحَقِيرِ دُونَ الْعَظِيمِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُتَحَدِّثُونَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: الْمُرَادِ بِذِكْرِ التَّرَدُّدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الدَّلَالَةُ عَلَى عِظَمِ مَنْزِلَةِ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَبَّرَ بِاللَّفْظِ الْمُرَكَّبِ عَمَّا يَلْزَمُهُ وَهُوَ نَفْسُهُ لَيْسَ مُرَادًا فَيَصِيرُ مَعْنَى الْحَدِيثِ: مَنْزِلَةُ الْمُؤْمِنِ عِنْدِي عَظِيمَةٌ وَجَمِيعُ مَا وَقَعَ فِي مَدْلُولِ هَذَا الْمُرَكَّبِ لَيْسَ مُرَادًا فَقَدْ قُصِدَ إلَى لَازِمِ اللَّفْظِ وَأُضِيفَ إلَيْهِ الْحُكْمُ وَهَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ تَصَرُّفُ النِّيَّةِ فَإِنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْقَصْدُ بِعَيْنِهِ وَإِذَا صَحَّ الْقَصْدُ صَحَّتْ النِّيَّةُ فِي اللَّازِمِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَهَذِهِ وُجُوهٌ وَاضِحَةٌ فِي دُخُولِ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا فِي مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَبِهَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ نَفَيْنَاهُ فِيمَا عَدَا الْمُطَابَقَةَ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فَجَوَابُهُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالِاسْتِعْمَالَات دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ وَأَنَّ الْعَرَبَ أَجَازَتْ النِّيَّةَ فِي الِالْتِزَامِ كَمَا أَجَازَتْهَا فِي الْمُطَابَقَةِ ثُمَّ إنَّ الْأَصْلَ مُعَارَضٌ بِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَجْرِ عَلَيْنَا. وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُهُمْ إنَّ الِاسْتِقْرَاءَ دَلَّ عَلَى عَدَمِ دُخُولِ النِّيَّةِ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا فَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النُّصُوصِ وَالِاسْتِعْمَالَات يُبْطِلُ اسْتِقْرَاءَهُمْ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمُ عَلَى النَّافِي. وَأَمَّا الثَّالِثُ وَهُوَ قَوْلُهُمْ لَوْ صَحَّ دُخُولُ النِّيَّةِ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا لَصَحَّ الْمَجَازُ فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ لَازِمٌ قُلْنَا وَإِنَّهُ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يَصِحُّ عِنْدَنَا التَّجَوُّزُ لِكُلِّ لَازِمٍ لِأَنَّ الْعَلَاقَةَ عِنْدَنَا الْمُلَازَمَةُ وَهِيَ حَاصِلَةٌ بَلْ يَصِحُّ عِنْدَنَا الْمَجَازُ فِي غَيْرِ اللَّازِمِ كَالتَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْجُزْءِ عَنْ الْكُلِّ مَعَ أَنَّ الْكُلَّ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْجُزْءِ وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَثَالِثُهَا قَوْله تَعَالَى «مَا تَرَدَّدْت فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي فِي قَبْضِ رُوحِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ وَلَا يَكُونُ إلَّا مَا أُرِيدَ» إلَى قَوْلِهِ فِي اللَّازِمِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ (فَهَذِهِ وُجُوهٌ وَاضِحَةٌ فِي دُخُولِ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ فِي الْمَدْلُولِ الْتِزَامًا فِي مُقْتَضَى اللُّغَةِ) قُلْت هُوَ كَمَا قَالَ إلَّا مَا وَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِنْ مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] قَالَ (وَبِهَا يَظْهَرُ الْجَوَابُ عَمَّا اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ مَعَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الْأَصْلَ إنَّمَا هُوَ النِّيَّاتُ وَالْمَقَاصِدُ وَالْأَلْفَاظُ وَصْلَةٌ إلَى تَعْرِيفِهَا وَتَعَرُّفِهَا فَإِذَا صَرَفَتْ النِّيَّاتُ الْأَلْفَاظَ إلَى شَيْءٍ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ انْصَرَفَتْ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ اشْتِمَالَ اللَّفْظِ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ مِنْ بَابِ الْعُمُومِ كَمَا زَعَمَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ. (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مِنْهَا أَعْنِي السَّلْبِيَّةَ قَالَ الْأَمِيرُ عَلَى عَبْدِ السَّلَامِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي كَوْنِهَا مُنْحَصِرَةً أَوَّلًا لَفْظِيٌّ وَأَنَّ الْأُصُولَ الْكُلِّيَّةَ كَالْمُخَالَفَةِ لِلْحَوَادِثِ تَحْتَهُ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ جَوْهَرًا وَلَا عَرَضًا إلَخْ مُنْحَصِرَةٌ وَأَنَّ الْجُزْئِيَّاتِ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ اهـ. وَهِيَ كَقَوْلِنَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا فِي حَيِّزٍ وَلَا فِي جِهَةٍ وَلَا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فَهَذِهِ الصِّفَاتُ هِيَ نِسْبَتُهُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأُمُورٌ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَيْهِ وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلْبَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى سَلْبَانِ سَلْبُ نَقِيصَةٍ نَحْوُ سَلْبِ الْجِهَةِ وَالْجِسْمِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا وَسَلْبُ الْمُشَارِكِ فِي الْكَمَالِ وَهُوَ سَلْبُ الشَّرِيكِ وَهُوَ الْوَحْدَانِيَّةُ قَالَ الْأَصْلُ وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ نَقْلًا أَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالسَّلْبِيَّةِ وَعَدَمِ انْعِقَادِهِ غَيْرَ أَنِّي حَرَّكْت مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ وَالتَّخْرِيجِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَعْتَمِدَ الْفَقِيهُ عَلَيْهِ نَفْيًا أَوْ إثْبَاتًا وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ السُّلُوبَ مِنْهَا سُلُوبٌ قَدِيمَةٌ نَحْوُ سَلْبِ الشَّرِيكِ وَهُوَ الْوَحْدَانِيَّةُ وَسَلْبِ الْجِسْمِيَّةِ وَالْعَرَضِيَّةِ وَالْجَوْهَرِيَّةِ وَالْأَيْنِيَّةِ وَسَلْبِ جَمِيعِ الْمُسْتَحِيلَاتِ عَلَيْهِ تَعَالَى فَهَذِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا قَدِيمَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَقْرَبُ لِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ بِإِضَافَةِ اللَّفْظِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ قَوْلِنَا وَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْبِيحِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيسِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ بِإِضَافَةِ اللَّفْظِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ قَوْلِنَا وَسَلْبِ الْجِسْمِ وَسَلْبِ الشَّرِيكِ فَإِنَّ انْعِقَادَ الْيَمِينِ بِهَا يَبْعُدُ حِينَئِذٍ مِنْ حَيْثُ كَوْنِهَا سُلُوبًا وَمِنْهَا سُلُوبٌ حَادِثَةٌ نَحْوُ عَفْوِ اللَّهِ تَعَالَى وَحِلْمِهِ تَعَالَى فَإِنَّ الْعَفْوَ تَرْكُ الْمُعَاقَبَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ وَالْحِلْمُ تَرْكُ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُعَاقَبَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْجِنَايَةِ وَالْجِنَايَةُ مِنْ الْعِبَادِ حَادِثَةٌ وَالْمُتَأَخِّرُ عَنْ الْحَادِثِ حَادِثٌ فَهِيَ أَبْعَدُ عَنْ انْعِقَادِ الْيَمِينِ مِنْ انْعِقَادِهِ بِالسُّلُوبِ الْقَدِيمَةِ لِاجْتِمَاعِ الْحُدُوثِ فِيهَا مَعَ السَّلْبِ وَانْفِرَادِ السَّلْبِ فِي السُّلُوبِ الْقَدِيمَةِ فَاَلَّذِي يَقُولُ لَا تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ يَقُولُ هَا هُنَا بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَاَلَّذِي يَقُولُ تَنْعَقِدُ

стр. 528

مِنْ الْمِثَالِ فَذَلِكَ الْمَنْعُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ خُصُوصِ كَوْنِهِ مَجَازَ تَشْبِيهٍ لَا مِنْ عُمُومِ كَوْنِهِ مَجَازًا فَإِنَّا نَشْتَرِطُ فِي مَجَازِ التَّشْبِيهِ أَظْهَرَ صِفَاتِ الْمُتَجَوَّزِ عَنْهُ وَلَا يَصِحُّ التَّشْبِيهُ بِالْمَعَانِي الْخَفِيَّةِ فَهَذَا بَحْثٌ خَاصٌّ بِالِاسْتِعَارَةِ الَّتِي هِيَ مَجَازُ تَشْبِيهٍ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازِ فَهَذَا الشَّرْطُ فِيهَا سَاقِطٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِ أَمْرٍ فِي الْأَخَصِّ أَنْ يَمْتَنِعَ فِي الْأَعَمِّ مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُ إذَا حَرُمَ قَتْلُ الْإِنْسَانِ أَنْ يَحْرُمَ قَتْلُ مُطْلَقِ الْحَيَوَانِ وَلَا مِنْ تَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ أَنْ يَحْرُمَ مُطْلَقُ الْمَائِعِ وَلَا مِنْ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَنْ يَحْرُمَ مُطْلَقُ اللَّحْمِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعٍ خَاصٍّ فِي مَجَازِ التَّشْبِيهِ أَنْ يَحْصُلَ الِامْتِنَاعُ فِي أَصْلِ الْمَجَازِ بَلْ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ التَّجَوُّزَ يَصِحُّ فِي كُلِّ لَازِمٍ إلَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ خَاصَّةً فَهَذَا تَلْخِيصُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْحِجَاجِ فِيهَا. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) دُخُولُ النِّيَّةِ فِي تَعْمِيمِ الْمُطْلَقَاتِ وَصُورَتُهُ أَنْ تَقُولَ وَاَللَّهِ لَأُكْرِمَنَّ أَخَاك وَتَنْوِيَ بِذَلِكَ جَمِيعَ إخْوَتَك فَإِنَّ قَوْلَك أَخَاك مُطْلَقٌ فَإِذَا أَرَادَ جَمِيعَ إخْوَتِك فَقَدْ عَمَّمَ الْمُطْلَقَ وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ [الحج: ٥] فَإِنَّ طِفْلًا مُطْلَقٌ مُفْرَدٌ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا فَرْدًا وَاحِدًا وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَطْفَالِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ دُخُولُ النِّيَّةِ فِي تَعْمِيمِ الْمُطْلَقَاتِ وَصُورَتُهُ أَنْ تَقُولَ وَاَللَّهِ لَأُكْرِمَنَّ أَخَاكَ وَتَنْوِيَ بِذَلِكَ جَمِيعَ إخْوَتِك فَإِنَّ قَوْلَك أَخَاك مُطْلَقٌ فَإِذَا أَرَادَ جَمِيعَ إخْوَتِكَ فَقَدْ عَمَّمَ الْمُطْلَقَ) قُلْت لَيْسَ مَا قَالَهُ هُنَا بِصَحِيحٍ فَإِنَّ أَخَاك مَعْرِفَةٌ وَلَيْسَتْ الْمَعْرِفَةُ مُطْلَقَةً فِي عُرْفِ الْأُصُولِيِّينَ وَإِنَّمَا الْمُطْلَقُ فِي عُرْفِهِمْ النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ وَاَللَّهِ لَأُكْرِمَنَّ أَخَاك وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَوْجَبَ غَلَطُهُ فِي ذَلِكَ شُبْهَةَ الِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ الْمُطْلَقِ بِاعْتِبَارِ اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ وَالْمَنْطِقِيِّينَ فَإِنَّ اصْطِلَاحَ الْأُصُولِيِّينَ فِي الْمُطْلَقِ أَنَّهُ الْوَاحِدُ الْمُبْهَمُ وَفِي اصْطِلَاحِ الْمَنْطِقِيِّينَ الْكُلِّيُّ وَقَدْ يَكُونُ نَكِرَةً كَمَا فِي قَوْلِهِمْ تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ وَمَعْرِفَةً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ كَقَوْلِهِمْ الرَّجُلُ خَيْرٌ مِنْ الْمَرْأَةِ وَمَعْرِفَةً بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِمْ (: أَخَاك أَخَاك إنَّ مَنْ لَا أَخَا لَهُ ... كَسَاعٍ إلَى الْهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحٍ) فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَخًا مُعَيَّنًا وَلَا أَخًا وَاحِدًا مُبْهَمًا وَإِنَّمَا أَرَادَ هَذَا النَّوْعَ عَلَى الْجُمْلَةِ. قَالَ (وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا﴾ [الحج: ٥] فَإِنَّ طِفْلًا مُطْلَقٌ مُفْرَدٌ لَا يَتَنَاوَلُ إلَّا فَرْدًا وَاحِدًا وَهُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْأَطْفَالِ) قُلْت هَذَا كَلَامٌ فَاسِدٌ وَقَوْلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ وَهُوَ الْكُلِّيُّ لَيْسَ فَرْدًا وَاحِدًا عِنْدَ مُثْبَتِيهِ وَإِنَّمَا الْفَرْدُ الْوَاحِدُ وَاحِدٌ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ وَهُوَ أَشْهَرُ نَوْعَيْ النَّكِرَةِ وَأَكْثَرُهُمَا اسْتِعْمَالًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا يُرَادُ بِهِ الْفَرْدُ الْمُبْهَمُ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَكْرِمْ رَجُلًا وَثَانِيهِمَا يُرَادُ بِهِ هَذَا الْجِنْسُ لَا فَرْدٌ مِنْهُ مُبْهَمٌ فِي مِثْلِ قَوْلِ الْقَائِلِ رَجُلٌ خَيْرٌ مِنْ امْرَأَةٍ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْيَمِينُ بِالصِّفَاتِ الْوُجُودِيَّةِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ بِعَدَمِ الِانْعِقَادِ هَا هُنَا لِأَجْلِ السَّلْبِ فَهَذَا مَوْضِعٌ يَحْتَمِلُ الْإِطْلَاقَ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ وَبِعَدَمِ انْعِقَادِهَا وَيَحْتَمِلُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْمُحْدَثِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالصَّحِيحُ الْأُمُورُ الْمُضَافَةُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى سَوَاءٌ كَانَتْ إثْبَاتًا أَوْ سَلْبًا مِثْلُ قَبْلِيَّةِ اللَّهِ وَمَعِيَّتِه وَبَعْدِيَّتِهِ مَتَى عُنِيَ بِهَا أَمْرٌ قَدِيمٌ فَالْيَمِينُ بِهَا مُنْعَقِدَةٌ وَمَتَى عُنِيَ بِهَا أَمْرٌ حَادِثٌ فَالْيَمِينُ بِهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ وَقَصْدُ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ بِهَا هُوَ عُرْفُ الشَّرْعِ وَلَمْ يَحْدُثْ عُرْفٌ يُنَاقِضُهُ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ لِذَلِكَ اهـ وَقَدْ عَلِمْت مَا فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يَحْدُثْ عُرْفٌ يُنَاقِضُهُ إلَخْ فَلَا تَغْفُلْ. (وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ) مِنْهَا أَعْنِي الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ كَقَوْلِهِ وَخَلْقِ اللَّهِ وَرِزْقِ اللَّهِ وَعَطَاءِ اللَّهِ وَإِحْسَانِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْأَصْلُ فَيُنْهَى عَنْ الْحَلِفِ بِهَا وَلَا يُوجِبُ كَفَّارَةً إذَا حَنِثَ اهـ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَقْدُورِ وَأَنَّهَا حَادِثَةٌ كَمَا يَقُولُ الْأَشَاعِرَةُ أَمَّا إنْ لُوحِظَ الْمَذْهَبُ الْمَاتُرِيدِيُّ مِنْ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ تَرْجِعُ إلَى صِفَةِ التَّكْوِينِ أَوْ أُرِيدَ مَصْدَرُهَا وَمَنْشَؤُهَا وَهُوَ الْقُدْرَةُ أَوْ الِاقْتِدَارُ الرَّاجِعُ لِلصِّفَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَيْ كَوْنُهُ قَادِرًا فَتَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ مَعَ الْحِنْثِ فَلَا تَغْفُلْ وَهَا هُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْمَعْنَى الْحَقِيقِيُّ لِمَعَادِ اللَّهِ وَحَاشَا اللَّهِ هُوَ هُوَ الْمَعَادُ الْحَقِيقِيُّ لِلْعِبَادِ وَبَرَاءَةِ اللَّهِ أَيْ بَرَاءَةٌ مِنَّا لِلَّهِ وَهُمَا فِعْلَانِ مُحْدَثَانِ فَلِذَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ قَالَ أَصْحَابُنَا مَعَادَ اللَّهِ لَيْسَ يَمِينًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْيَمِينَ وَقِيلَ مَعَادَ اللَّهِ وَحَاشَا اللَّهِ لَيْسَتَا بِيَمِينٍ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْمَعَادَ مِنْ الْعَوْدِ وَمُحَاشَاةُ اللَّهِ تَعَالَى التَّبْرِئَةُ إلَيْهِ فَهُمَا فِعْلَانِ مُحْدَثَانِ. اهـ قَالَ الْأَصْلُ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الْيَمِينَ. اهـ. أَيْ بِأَنْ يُرِيدَ بِمَعَادَ اللَّهِ ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ تَعَالَى مَجَازًا وَذَلِكَ لِأَنَّ مَعَادًا اسْمُ مَكَان مِنْ الْعَوْدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعُودُ إلَيْهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] فَأَطْلَقَ اسْمَ الْمَكَانِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مَجَازًا فَلَفْظُ مَعَادَ اللَّهِ كِنَايَةٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَعَادَ الْمَجَازِيَّ فَيَكُونَ حَلِفًا بِقَدِيمٍ وَهُوَ وُجُودُهُ تَعَالَى وَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَعَادَ الْحَقِيقِيَّ فَيَكُونَ حَلِفًا بِمُحْدَثٍ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ كَمَا إذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَصْلًا لِانْصِرَافِهِ لِحَقِيقَتِهِ حِينَئِذٍ وَهُوَ الْمَعَادُ الْحَقِيقِيُّ وَبِأَنْ يُرِيدَ بِحَاشَا اللَّهِ الْكَلَامَ

стр. 529

وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْأَطْفَالِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فَإِنَّ جَمِيعَنَا لَا يَخْرُجُ طِفْلًا وَاحِدًا بَلْ أَطْفَالًا فَمَعْنَى الطُّفُولِيَّةِ مُضَافَةٌ لِكُلِّ بَشَرٍ مِنَّا فَيَحْصُلُ الْعُمُومُ فِي الْأَطْفَالِ كَمَا أَنَّا نَحْنُ غَيْرُ مُتَنَاهِينَ وَتَوْزِيعُ الْحَقِيقَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ الطُّفُولِيَّةِ عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى يُوجِبُ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهَا أَفْرَادٌ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ فَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْمُطْلَقُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ فَإِذَا أَرَادَ الْحَالِفُ تَعْمِيمَ حُكْمِ الْيَمِينِ بِالنِّيَّةِ كَمَا إذَا صَرَّحَ بِالْعُمُومِ فَإِنْ كَانَ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِحُصُولِ الْفِعْلِ فِي جَمِيعِ أَفْرَادِ ذَلِكَ الْعُمُومِ وَإِنْ كَانَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ حَنِثَ بِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ بِأَيِّ فَرْدٍ حَنِثَ فِيهِ مَعَ أَنَّ سِيَاقَ النَّفْيِ اللَّفْظُ فِيهِ عَامٌّ فَإِنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ وَتَأْثِيرُ النِّيَّةِ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ خَاصَّةً. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) تَعْيِينُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بِالنِّيَّةِ فَإِنَّهُ يُؤَثِّرُ فِي تَعْيِينِ ذَلِكَ الْفَرْدِ لِلْيَمِينِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ إلَى عَيْنٍ وَيُرِيدُ بِهَذَا اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ أَحَدَ مُسَمَّيَاتِهِ وَهُوَ الْعَيْنُ الْبَاصِرَةُ مَثَلًا دُونَ عَيْنِ الْمَاءِ وَعَيْنِ الشَّمْسِ وَعَيْنِ الرُّكْبَةِ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ يَنْظُرَ إلَى الْبَاصِرَةِ بِسَبَبِ تَعْيِينِهَا بِالنِّيَّةِ فَهَذَا قِسْمٌ يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ دُونَ تَخْصِيصِ الْعُمُومَاتِ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقَاتِ وَالصَّرْفِ إلَى الْمَجَازَاتِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْطَبِقُ عَلَى مَا عَيَّنَهُ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَفِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ. (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) تُصْرَفُ النِّيَّةُ بِالصَّرْفِ إلَى الْمَجَازَاتِ وَتَرْكِ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَضْرِبَنَّ أَسَدًا وَيُرِيدُ رَجُلًا شُجَاعًا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِضَرْبِ رَجُلٍ شُجَاعٍ وَلَوْ ضَرَبَ الْأَسَدَ الْحَقِيقِيَّ مَا بَرَّ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ أَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ مِنْ اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْكُلِّ فِي الْجُزْءِ وَلَفْظِ الْجُزْءِ فِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْأَطْفَالِ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ فَإِنَّ جَمِيعَنَا لَا يُخْرِجُ طِفْلًا وَاحِدًا بَلْ أَطْفَالًا إلَى قَوْلِهِ فَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْمُطْلَقُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ) قُلْت لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ الْعُمُومَ فَإِنَّ الْعُمُومَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاوِلًا لِجَمِيعِ الْآحَادِ الْمُمْكِنَةِ وَلَا يُتَّجَهُ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ إذْ لَوْ قَالَ وَنُخْرِجُكُمْ جَمِيعَ الْأَطْفَالِ الْمُمْكِنَةِ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا صَحِيحًا وَإِنَّمَا الْعُمُومُ فِي الْآيَةِ مُسْتَفَادٌ مِنْ ضَمِيرِ الْجَمْعِ الْمُتَّصِلِ بِنُخْرِجُ وَهُوَ عُمُومٌ فِي الْمَخْرَجَيْنِ لَا فِي كُلِّ مُمْكِنٍ ثُمَّ جَاءَ لَفْظُ طِفْلٍ مُبَيِّنًا لِلْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ الْإِخْرَاجُ فِيهَا وَهِيَ حَالَةُ الطُّفُولِيَّةِ إمَّا عَلَى تَقْدِيرِ وَنُخْرِجُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لِأَنَّ وَنُخْرِجُكُمْ فِي مَعْنَاهُ وَإِمَّا عَلَى أَنَّ طِفْلًا اسْمُ جِنْسٍ فَنَابَ مَنَابَ اسْمِ الْجَمْعِ كَنَاسٍ وَنَفَرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (فَإِذَا أَرَادَ الْحَالِفُ تَعْمِيمَ حُكْمِ الْيَمِينِ بِالنِّيَّةِ كَمَا إذَا صَرَّحَ بِالْعُمُومِ إلَى آخَرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ إلَّا عِبَارَتُهُ بِفَرْدٍ عَنْ أَحَدِ مُسَمَّيَاتِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ فَإِنَّ الْأَوْلَى كَانَ أَنْ يَقُولَ تَعَيُّنُ أَحَدِ مُسَمَّيَاتِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ لِأَنَّ الْفَرْدَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْغَالِبِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْوَاحِدُ الشَّخْصِيُّ لَا الْوَاحِدُ النَّوْعِيُّ وَجَمِيعُ مَا قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِعَةِ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَدِيمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنَزِّهُ نَفْسَهُ بِكَلَامِهِ النَّفْسَانِيِّ فَتَصِحُّ إضَافَتُهُ إلَيْهِ تَعَالَى بِاللَّامِ فَلَفْظُ حَاشَا اللَّهِ كَلَفْظِ مَعَادَ اللَّهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْحَادِثُ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ كَمَا إذَا لَمْ يُرَدْ بِهِ شَيْءٌ أَصْلًا وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْقَدِيمُ كَانَ يَمِينًا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ الْحِنْثِ هَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِقَوْلِ ابْنِ الشَّاطِّ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْفَرْقِ مَتَى عُنِيَ بِالْأُمُورِ الْمُضَافَةِ أَمْرٌ قَدِيمٌ فَالْيَمِينُ بِهَا مُنْعَقِدَةٌ أَوْ أَمْرٌ حَادِثٌ فَالْيَمِينُ بِهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ إلَخْ فَمِنْ هُنَا نَظَرَ ابْنُ الشَّاطِّ هُنَا فِي قَوْلِ الْأَصْلِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ نِيَّةِ الْمَعْنَى الْقَدِيمِ فِيهِمَا مِنْ نِيَّةٍ أُخْرَى لِلْقَسَمِ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ عُرْفٍ يَقُومُ مَقَامَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ كُلٍّ مِنْهَا إنْ نُصِبَ فَعَلَى تَقْدِيرِ أُلْزِمُ نَفْسِي مَعَادَ اللَّهِ وَحَاشَا اللَّهِ فَيَكُونُ إلْزَامًا حَقِيقِيًّا لِمُوجِبِ الْيَمِينِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَلَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنْ نِيَّةٍ أَوْ عُرْفٍ وَإِنْ رُفِعَ فَعَلَى تَقْدِيرِ مَعَادَ اللَّهِ أَوْ حَاشَا اللَّهِ قَسَمِي فَيَكُونُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً خَبَرِيَّةً اُسْتُعْمِلَتْ فِي إنْشَاءِ الْقَسَمِ بِهَا إمَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِالْعُرْفِ الْمُوجِبِ لِنَقْلِ الْخَبَرِ مِنْ أَصْلِهِ اللُّغَوِيِّ إلَى الْإِنْشَاءِ وَإِنْ خُفِضَ فَعَلَى حَذْفِ حَرْفِ الْقَسَمِ الْجَارِّ كَقَوْلِهِمْ اللَّهِ بِالْخَفْضِ وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنْ نِيَّةِ الْإِنْشَاءِ أَوْ عُرْفٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ اهـ. مُلَخَّصًا قُلْت وَوَجْهُ النَّظَرِ أَنَّ وَاوَ الْقَسَمِ وَجَمِيعَ حُرُوفِهِ وَلَفْظِهِ بِأَيِّ صِيغَةٍ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا لِإِنْشَاءِ الْقَسَمِ وَقَدْ تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ أَوَّلَ الْكِتَابِ وَلِذَلِكَ " الْزَمْ " لَا يُسْتَعْمَلُ إلَّا لِإِنْشَاءِ الِالْتِزَامِ وَالْتِزَامُ الْقَدِيمِ الْتِزَامٌ لِلْيَمِينِ فَيُوجِبُ الْكَفَّارَةَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةً لِإِنْشَاءِ الْقَسَمِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) رَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ وَغَضَبِهِ وَمَقْتِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] وَبُغْضِهِ فِي قَوْلِهِ ﵊ «أَبْغَضُ الْمُبَاحِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ» وَرَأْفَتِهِ فِي قَوْله تَعَالَى الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي قِيلَ إنَّ حَقَائِقَهَا لَا تُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْبَشَرِ وَالْأَمْزِجَةِ وَالْمَخْلُوقَاتِ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِهَا بِمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ تَعَالَى كَتَفْسِيرِهِمْ الرَّحْمَةَ بِالرِّقَّةِ وَالْمَحَبَّةَ بِالْمَيْلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعَلَى تَسْلِيمِ امْتِنَاعِ تِلْكَ الْحَقَائِقِ لَا بُدَّ مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْمَجَازِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَجَازِ الْمُرَادِ بِهَا فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ الْمُرَادُ فِي لَفْظِ الرَّحْمَةِ وَنَحْوِهَا إرَادَةُ الْإِحْسَانِ لِمَنْ وُصِفَ بِذَلِكَ

стр. 530

الْكُلِّ وَلَفْظِ السَّبَبِ فِي الْمُسَبَّبِ وَلَفْظِ الْمُسَبَّبِ فِي السَّبَبِ وَلَفْظِ الْمَلْزُومِ فِي اللَّازِمِ وَلَفْظِ اللَّازِمِ فِي الْمَلْزُومِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَهِيَ نَحْوُ خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ السَّبْعَةُ هِيَ تَفْصِيلُ مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ النِّيَّةُ مُسْتَوْعَبَةً بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهَا مَوْطِنٌ آخَرُ لِلنِّيَّةِ أَلْبَتَّةَ فِي الْأَيْمَانِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهَا. (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ) وَهِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا النِّيَّةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَبَبُ عَدَمِ تَأْثِيرِهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى عَادَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ» يَقْتَضِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِالْمَشِيئَةِ سَبَبٌ رَافِعٌ لِحُكْمِ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنْ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَقْتَضِي عِلِّيَّةَ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ وَسَبَبِيَّتَهُ وَهَا هُنَا قَدْ رَتَّبَ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ حُكْمَ ارْتِفَاعِ الْيَمِينِ عَلَى وَصْفِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ سَبَبَ ارْتِفَاعِ حُكْمِ الْيَمِينِ لِقَوْلِهِ ﵊ عَادَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى ارْتِفَاعِ حُكْمِ الْيَمِينِ فَإِذَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ هُوَ سَبَبَ ارْتِفَاعِ حُكْمِ الْيَمِينِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ يَتَوَقَّفُ حُصُولُ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَى حُصُولِهَا وَأَنَّ الْقَصْدَ إلَيْهَا لَا يَقُومُ مَقَامَهَا فَإِنَّ الْقَصْدَ إلَى الصَّلَاةِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَكُونَ سَبَبَ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ مِنْهَا، وَالْقَصْدُ إلَى السَّرِقَةِ لَا يَقُومُ مَقَامَ السَّرِقَةِ فَيَجِبُ الْقَطْعُ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ بَلْ لَا يَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ إلَّا عَلَى وُجُودِ سَبَبِهِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَقُمْ النِّيَّةُ مَقَامَ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي حِلِّ الْيَمِينِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ النُّطْقِ بِهِ عَلَى شُرُوطِهِ وَحِينَئِذٍ يَتَرَتَّبُ رَفْعُ الْيَمِينِ فَهَذَا وَجْهُ عَدَمِ تَأْثِيرِهَا فِي مَسْأَلَةِ الْمَشِيئَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَعَلَى الْقَوْلِ بِانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِالنِّيَّةِ يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَهِيَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا النِّيَّةُ وَهِيَ مَسْأَلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى آخِرِهَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَأْثِيرَ لَهُ إلَّا إنْ كَانَ مَقْصُودًا بِهِ رَفْعُ الْيَمِينِ أَوْ حِلُّهَا فَهُوَ أَعْنِي الِاسْتِثْنَاءَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى قَصْدِ رَفْعِ الْيَمِينِ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِقَصْدِ رَفْعِ الْيَمِينِ الَّذِي لَفْظُ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ بِذَلِكَ دُونَ الْقَصْدِ فَقَطْ وَلَا أَعْلَمُ ذَلِكَ الْآنَ فَلْيُنْظَرْ فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا يَنْبَنِي التَّحْقِيقُ فِيهَا إلَّا عَلَى ذَلِكَ وَمَا نَظَرَ بِهِ مِنْ أَنَّ الْقَصْدَ إلَى الصَّلَاةِ لَا يَنُوبُ مَنَابَهَا وَكَذَلِكَ مَا عَدَاهَا مِنْ الْأَعْمَالِ إنَّمَا كَانَ فِيهَا ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ أَنَّ الْمُرَادَ أَعْيَانُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ فَإِنْ وَرَدَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عَيْنُ اسْتِثْنَاءِ الْمَشِيئَةِ لَفْظًا اسْتَوَى الْأَمْرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ وَسَائِرِ الْأَعْمَالِ وَإِلَّا فَلَا وَمَا حَكَاهُ عَنْ اللَّخْمِيِّ مُتَّجَهٌ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إذَا ثَبَتَ اشْتِرَاطُ اللَّفْظِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا بُدَّ مِنْهُ وَإِنْ انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ التَّاسِعَةِ وَالْعَاشِرَةِ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الْخَلْقِ وَفِي لَفْظِ الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ إرَادَةُ الْعُقُوبَةِ لِمَنْ وُصِفَ بِذَلِكَ مِنْ الْخَلْقِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ﵁ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الرَّاحِمِ وَالْغَضْبَانِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ فِي الْأَوَّلِ أَيْ لَفْظِ الرَّحْمَةِ وَنَحْوِهَا الْإِحْسَانَ نَفْسَهُ وَفِي الثَّانِي أَيْ لَفْظِ الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ الْعِقَابَ نَفْسَهُ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي وُضِعَ اللَّفْظُ بِإِزَائِهَا. وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِيهَا هِيَ رِقَّةُ الطَّبْعِ وَهَذِهِ الرِّقَّةُ فِي الْقَلْبِ يَلْزَمُهَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا إرَادَةُ الْإِحْسَانِ إلَيْهِ وَالثَّانِي الْإِحْسَانُ نَفْسُهُ فَهُمَا لَازِمَانِ لِلرِّقَّةِ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الْمَلْزُومِ عَنْ اللَّازِمِ مَجَازٌ عُرْفِيٌّ شَائِعٌ غَيْرَ أَنَّ إرَادَةَ الْإِحْسَانِ أَلْزَمُ لِلرِّقَّةِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ رَحِمْته وَأَحْسَنْت إلَيْهِ فَقَدْ أَرَدْت الْإِحْسَانَ إلَيْهِ وَقَدْ تُرِيدُ الْإِحْسَانَ إلَيْهِ وَتَقْصُرُ قُدْرَتُك عَنْ ذَلِكَ فَالْإِرَادَةُ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلرِّقَّةِ وَإِذَا قَوِيَتْ الْعَلَاقَةُ كَانَ مَجَازُهَا أَرْجَحَ فَمَجَازُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ أَرْجَحُ مِنْ مَجَازِ الْقَاضِي فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَيَلْزَمُ بِهَا الْكَفَّارَةُ لِكَوْنِ مَدْلُولِهَا قَدِيمًا وَعَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي لَا يَلْزَمُ بِهَا كَفَّارَةٌ وَيُنْهَى عَنْ الْحَلِفِ بِهَا لِأَنَّ مَدْلُولَهَا مُحْدَثٌ إلَّا أَنْ يُلَاحِظَ الْحَالِفُ الْمَذْهَبَ الْمَاتُرِيدِيَّ أَوْ مَصْدَرَهَا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ فِي صِفَةِ الْفَصْلِ فَلَا تَغْفُلْ. وَإِذَا قِيلَ لَك رَحْمَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ هَلْ هُمَا قَائِمَانِ بِذَاتِهِ تَعَالَى أَمْ لَا وَهَلْ هُمَا وَاجِبَا الْوُجُودِ أَمْ لَا وَهَلْ كَانَا فِي الْأَزَلِ أَمْ لَا؟ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْئِلَةِ فَقُلْ عَلَى مَذْهَبِ الشَّيْخِ هُمَا عِبَارَةٌ عَنْ الْإِرَادَةِ وَهِيَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى وَاجِبَةُ الْوُجُودِ أَزَلِيَّةٌ وَقُلْ عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي لَيْسَا قَائِمَيْنِ بِذَاتِهِ بَلْ مُمْكِنَانِ مَخْلُوقَانِ لَيْسَا بِأَزَلِيَّيْنِ وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَلَا يُصَارُ إلَى الْمَجَازِ إلَّا عِنْدَ التَّعَذُّرِ وَلَا تَعَذُّرَ ضَرُورَةً أَنَّ الرَّحْمَةَ الَّتِي هِيَ مِنْ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ هِيَ الْقَائِمَةُ بِنَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقُ الرَّحْمَةِ كَذَلِكَ حَتَّى يَلْزَمَ كَوْنُ الرَّحْمَةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَجَازًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْعِلْمَ الْقَائِمَ بِنَا مِنْ الْأَعْرَاضِ النَّفْسَانِيَّةِ وَقَدْ وُصِفَ الْحَقُّ تَعَالَى بِالْعِلْمِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى مَجَازٌ وَكَذَا الْقُدْرَةُ وَغَيْرُهَا فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ حَقِيقَةً وَاحِدَةً هِيَ الْعَطْفُ وَتَخْتَلِفُ أَنْوَاعُهُ بِاخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِينَ بِهِ فَإِذَا نُسِبَتْ إلَيْنَا كَانَتْ كَيْفِيَّةً نَفْسَانِيَّةً
следующие страницы →