← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فَقَطْ كَالْمَعَارِفِ وَكَالْإِيمَانِ بِمَا يَجِبُ وَيَسْتَحِيلُ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ . وَثَانِيهَا حَقُّ الْعِبَادِ فَقَطْ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُتَمَكِّنُونَ مِنْ إسْقَاطِهِ، وَإِلَّا فَكُلُّ حَقٍّ لِلْعَبْدِ فَفِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَمْرُهُ بِإِيصَالِهِ إلَى مُسْتَحِقِّهِ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ وَرَدِّ الْغُصُوبِ وَالْوَدَائِعِ. وَثَالِثُهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِلْعِبَادِ وَالْغَالِبُ مَصْلَحَةُ الْعِبَادِ كَالزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ وَالْكَفَّارَاتِ وَكَالْأَمْوَالِ الْمَنْذُورَاتِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا وَالْوَصَايَا وَالْأَوْقَافِ. وَرَابِعُهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَحَقٌّ لِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْعِبَادِ كَالْأَذَانِ فَحَقُّهُ تَعَالَى التَّكْبِيرَاتُ وَالشَّهَادَةُ بِالتَّوْحِيدِ وَحَقُّ رَسُولِهِ الشَّهَادَةُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَحَقُّ الْعِبَادِ الْإِرْشَادُ لِلْأَوْقَاتِ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَالْمُنْفَرِدِينَ وَالدُّعَاءُ لِلْجَمَاعَاتِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِينَ وَالصَّلَاةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى كَالنِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّشَهُّدِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَمَا يَصْحَبُهَا مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالتُّرُوكِ وَالْكَفِّ عَنْ الْكَلَامِ وَكَثِيرِ الْأَفْعَالِ وَعَلَى حَقِّهِ ﷺ كَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَالشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَعَلَى حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَهُوَ دُعَاؤُهُ لِنَفْسِهِ بِالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا، وَالْقُنُوتُ وَدُعَاؤُهُ فِي السُّجُودِ وَالْجُلُوسِ لِنَفْسِهِ وَقَوْلُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالتَّسْلِيمُ آخِرَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَاضِرِينَ وَلِهَذِهِ الْوُجُوهِ وَنَحْوِهَا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَفْضَلُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» فَهِيَ مِنْ الْمُفَضَّلَاتِ الَّتِي عُلِمَ سَبَبُ تَفْضِيلِهَا وَأَمَّا تَفْضِيلُ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ فَبِأُمُورٍ نَعْلَمُهَا وَأُمُورٍ لَا نَعْلَمُهَا فَمِنْ الْمَعْلُومِ كَوْنُ الْمَدِينَةِ مُهَاجَرَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَأَمَّا تَفْضِيلُ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، أَوْ الْمَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ فَبِأُمُورٍ نَعْلَمُهَا وَأُمُورٍ لَا نَعْلَمُهَا وَذَكَرَ أُمُورًا مِمَّا تُفَضَّلُ بِهَا الْمَدِينَةُ) قُلْت: لَمْ يَزِدْ عَلَى حِكَايَةِ الْمَذْهَبَيْنِ، وَإِيرَادِ الْحُجَجِ عَلَيْهِمَا وَلَمْ يُعَيِّنْ الرَّاجِحَ وَفِيهِ نَظَرٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ هُوَ كَمَا قَالَ، وَقَوْلُ مَنْ ادَّعَى حَصْرَ التَّفْضِيلِ فِي الثَّوَابِ غَيْرُ صَحِيحٍ كَمَا ذُكِرَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَمَا قَالَهُ مِنْ قَصْدِهِ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ إنْ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَفْضُولَ قَدْ يَخْتَصُّ بِشَيْءٍ عَنْ الْفَاضِلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَفْضِيلُهُ بِهِ فَالْأَذَانُ يَفِرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ دُونَ الصَّلَاةِ تَأَمَّلْ نَعَمْ حَدِيثُ الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ نَصٌّ فِي تَفْضِيلِهَا إلَّا أَنَّهُ ضَعِيفٌ اهـ بِتَصَرُّفٍ. (الْمُهِمُّ الثَّالِثُ) أَنَّ الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِلتَّفْضِيلِ قَدْ تَتَعَارَضُ فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ مَنْ حَازَ أَكْثَرَهَا وَأَفْضَلَهَا وَالتَّفْضِيلُ إنَّمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمَجْمُوعَاتِ وَقَدْ يَخْتَصُّ الْمَفْضُولُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّفْضِيلِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ وَأَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ وَأَقْرَؤُكُمْ أُبَيٌّ وَأَعْلَمُكُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ» ﵃ مَعَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَفْضَلُ الْجَمِيعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ وَأَنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَفِرُّ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْهُمَا وَكَاخْتِصَاصِ سُلَيْمَانَ ﵇ بِالْمُلْكِ الْعَظِيمِ وَنُوحٍ ﵇ بِإِنْذَارِ الْمِئِينَ مِنْ السِّنِينَ وَآدَمَ ﷺ بِكَوْنِهِ أَبَا الْبَشَرِ مَعَ تَفْضِيلِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى الْجَمِيعِ وَكَاخْتِصَاصِ الْجِهَادِ بِثَوَابِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهِمَا ذَلِكَ وَكَاخْتِصَاصِ الْحَجِّ بِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا بَلْ وَالتَّبِعَاتِ كَمَا عَلِمْت مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ وَكَاخْتِصَاصِ مَكَّةَ بِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّ الْمَدِينَةَ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَفْضَلُ لِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» فَيُحْمَلُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْهُ ﵊ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» عَلَى ظَاهِرِهِ لِلزِّيَادَةِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَنْطُوقٌ وَقَعَ صَرِيحًا فَلَا يُعَارِضُهُ مَفْهُومُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَأَشْهَبُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِدُونِ الْأَلْفِ أَيْ بِتِسْعِ مِائَةٍ وَعَلَى غَيْرِهِ بِأَلْفٍ مُحْتَجِّينَ بِمَا رُوِيَ فِي مُسْنَدِ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ اسْتِثْنَاءٍ فِي مَبْنَاهُ وَعَلَيْهِ جَرَى الْأَصْلُ فِيمَا مَرَّ عَنْهُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ ﷺ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ، وَفِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِأَلْفٍ وَمِائَةٍ بَلْ قَدْ مَرَّ عَنْ الرَّهُونِيِّ عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا أَنَّ حَدِيثَ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاةٍ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَهُوَ الْحُجَّةُ عِنْدَ التَّنَازُعِ وَهُوَ صَرِيحٌ أَيْ فِي: تَفْضِيلُ مَسْجِدِ مَكَّةَ يَدْفَعُ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بِاحْتِمَالِ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِدُونِ أَلْفٍ، أَوْ بِتَأَوُّلِهِمَا فَلِذَا قَالَ مَالِكٌ إنَّ أَسْبَابَ التَّفْضِيلِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَزِيدِ الْمُضَاعَفَةِ

стр. 457

سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَمَوْطِنَ اسْتِقْرَارِ الدِّينِ وَظُهُورِ دَعْوَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَدْفِنِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَبِهَا كَمَلَ الدَّيْنُ وَاتَّضَحَ الْيَقِينُ وَحَصَلَ الْعِزُّ وَالتَّمْكِينُ وَكَانَ النَّقْلُ مِنْ أَهْلِهَا أَفْضَلَ النُّقُولِ وَأَصَحَّ الْمُعْتَمَدَاتِ؛ لِأَنَّ الْأَبْنَاءَ فِيهِ يَنْقُلُونَ عَنْ الْآبَاءِ وَالْأَخْلَافُ عَنْ الْأَسْلَافِ فَيَخْرُجُ النَّقْلُ عَنْ حَيِّزِ الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ إلَى حَيِّزِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ وَمِنْ جِهَةِ النُّصُوصِ بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا قَوْلُهُ ﷺ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ، وَإِنْ كَانَ نَصًّا فِي التَّفْضِيلِ غَيْرَ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْمُتَعَلَّقِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ جِهَةِ سَعَةِ الرِّزْقِ وَالْمَتَاجِرِ فَمَا تَعَيَّنَ مَحَلُّ النِّزَاعِ. وَثَانِيهَا دُعَاؤُهُ ﷺ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ ﷺ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ فَيُحْمَلُ مَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ الصَّاعُ وَالْمُدُّ. وَثَالِثُهَا قَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك» وَمَا هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ يَكُونُ أَفْضَلَ وَالظَّاهِرُ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ ﷺ وَقَدْ أَسْكَنَهُ الْمَدِينَةَ فَتَكُونُ أَفْضَلَ الْبِقَاعِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ السِّيَاقَ لَا يَأْبَى دُخُولَ مَكَّةَ فِي الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِإِيَاسِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك مِمَّا عَدَاهَا، وَإِذَا لَمْ تَدْخُلْ مَكَّةُ فِي الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ احْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَتَسْقُطُ الْحُجَّةُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ وَصْفِ الْمَكَانِ بِصِفَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ كَمَا يُقَالُ بَلَدٌ طَيِّبٌ أَيْ هَوَاهَا وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ أَيْ قُدِّسَ مَنْ فِيهَا، أَوْ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُقَدَّسُونَ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوَادِي الْمُقَدَّسُ أَيْ قُدِّسَ مُوسَى ﵇ فِيهِ وَالْمَلَائِكَةُ الْحَالُّونَ فِيهِ وَكَذَلِكَ وَصْفُهُ ﵊ الْبُقْعَةَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] أَرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا مَا هُوَ مِنْ الْفِقْهِ فَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا هُوَ مِنْ الْفِقْهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ بِوَجْهٍ مَا فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِمِنًى عِنْدَ التَّوَجُّهِ لِعَرَفَةَ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَإِنْ انْتَفَتْ عَنْهَا الْمُضَاعَفَةُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَاشِيَةِ شَيْخِنَا عَلَى تَوْضِيحِ الْمَنَاسِكِ عَلَى أَنَّ فِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ عَلَى عبق عَنْ سَيِّدِي أَحْمَدَ بَابَا أَنَّ هَذَا تَضْعِيفُ نَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَةِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ طَرْدُهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا مَعَ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَ مَا بِمَكَّةَ مِنْ الْبَرَكَةِ» قَالَ: وَأَمَّا احْتِجَاجُ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ فِي مَكَّةَ قِبْلَةَ وَكَعْبَةَ الْحَجِّ وَبِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ لَهَا مَزِيَّةً بِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إيَّاهَا بِقَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، وَإِنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَى مَنْ صَادَ بِحَرَمِهَا وَلَمْ يُجْمِعُوا عَلَى وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ صَادَ بِحَرَمِ الْمَدِينَةِ وَبِأَنَّ جَمَاعَةً رَأَوْا أَنْ تُغَلَّظَ الْحُدُودُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ لِحُرْمَتِهِ وَلَا تُقَامَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَدِينَةَ مَوْطِنُ إقَامَتِهِ ﷺ وَمُهَاجَرِهِ وَمَوْطِنُ وَمُهَاجَرُ أَصْحَابِهِ الْمُجْمَعِ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَمَدْفِنُ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ وَهُوَ أَشْرَفُ مِنْ الْكَعْبَةِ وَمِنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الرَّوْضَةَ الْمُشَرَّفَةَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ فَيَكُونُ مَا قَارَبَهَا وَجَاوَرَهَا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ: بِجِيرَانِهَا تَغْلُو الدِّيَارُ وَتَرْخُصُ فَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ اهـ. قُلْت: وَفِي الْحَطَّابِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ عَنْ الشَّيْخِ السَّمْهُودِيِّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ نَقَلَ عِيَاضٌ وَقَبْلَهُ أَبُو الْوَلِيدِ وَالْبَاجِيِّ وَغَيْرُهُمَا الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِ مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ عَلَى الْكَعْبَةِ بَلْ نَقَلَ التَّاجُ السُّبْكِيُّ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الْعَرْشِ وَصَرَّحَ التَّاجُ الْفَاكِهِيُّ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى السَّمَوَاتِ قَالَ بَلْ الظَّاهِرُ الْمُتَعَيَّنُ جَمِيعُ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَوَاتِ لِحُلُولِهِ ﷺ بِهَا وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْأَكْثَرِ بِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ أَيْ مَا عَدَا مَا ضَمَّ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ اهـ. فَانْدَفَعَ قَوْلُ الْأَصْلِ إنَّ قَوْلَهُ ﷺ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا الْمَدِينَةِ اهـ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ اللَّهِ مَكَّةَ وَالْإِجْمَاعَ عَلَى وُجُوبِ جَزَاءِ صَيْدِهَا وَرُؤْيَةِ تَغَلُّظِ الْحُدُودِ فِي حَرَمِهَا وَأَنَّهَا لَا تُقَامُ فِيهِ مَزَايَا تَقْتَضِي الْفَضِيلَةَ لَا الْأَفْضَلِيَّةَ،. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا فَجَوَابُهُ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ أَنَّ تِلْكَ الْعَشَرَةَ كَانَ كَمَالُهُ ﷺ وَكَمَالُ الدِّينِ فِيهَا أَتَمَّ وَأَوْفَرَ فَلَعَلَّ سَاعَةً بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ سَنَةٍ بِمَكَّةَ، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ الْإِقَامَةِ بِهَا قَالَ الرَّهُونِيُّ. وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا «وَاَللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلَى اللَّهِ» فَجَوَابُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ إمَّا إنَّهُ قَالَهُ قَبْلَ عِلْمِهِ بِتَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ، أَوْ خَيْرِهَا مَا عَدَاهَا اهـ. قُلْت: عَلَى أَنَّهُ قَدْ مَرَّ فِي وُجُوهِ تَفْضِيلِ الْمَدِينَةِ قَوْلُهُ ﷺ «اللَّهُمَّ إنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ الْبِقَاعِ إلَيَّ فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك» وَقَوْلُهُ ﷺ «الْمَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» وَهُوَ نَصٌّ فِي الْبَابِ، وَإِنْ قَالَ: الْأَصْلُ إنَّ الثَّانِيَ مُطْلَقٌ فِي الْمُتَعَلِّقِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا خَيْرٌ مِنْ جِهَةِ سَعَةِ الرِّزْقِ وَالْمَتَاجِرِ وَأَنَّ سِيَاقَ الْأَوَّلِ يَقْتَضِي عَدَمَ دُخُولِ مَكَّةَ فِي الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِإِيَاسِهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك مِمَّا عَدَاهَا

стр. 458

بِالْمَحَبَّةِ وَهُوَ وَصْفٌ لَهَا بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ وَهِيَ إقَامَتُهُ ﷺ بِهَا، وَإِرْشَادُ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ وَقَدْ اقْتَضَى ذَلِكَ التَّبْلِيغَ وَتِلْكَ الْقُرُبَاتِ فَبَطَلَ الْوَصْفُ الْمُوجِبُ لِلتَّفْضِيلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ، وَرَابِعُهَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَيَرِدُ عَلَيْهِ سُؤَالَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْأَفْضَلِ لَا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ وَثَانِيهَا أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ فَيُحْمَلُ عَلَى زَمَانِهِ ﷺ وَالْكَوْنِ مَعَهُ لِنُصْرَةِ الدِّينِ وَيُعَضِّدُهُ خُرُوجُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ وَخَامِسُهَا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» أَيْ تَأْوِي وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ إتْيَانِ الْمُؤْمِنِينَ لَهَا بِسَبَبِ وُجُودِهِ ﷺ فِيهَا حَالَ حَيَاتِهِ فَلَا عُمُومَ لَهُ فِي الْأَزْمَانِ وَلَا بَقَاءَ لِهَذِهِ الْفَضِيلَةِ بَعْدَهُ لِخُرُوجِ الصَّحَابَةِ ﵃ إلَى الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَخَبَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى زَمَانٍ يَكُونُ الْوَاقِعُ فِيهِ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ ﷺ . وَسَادِسُهَا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْأَزْمَانِ فَيُحْمَلُ عَلَى زَمَانِهِ ﷺ لِخُرُوجِ الصَّحَابَةِ بَعْدَهُ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونُوا خَبَثًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَسَابِعُهَا قَوْلُهُ ﷺ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لَا الْمَدِينَةِ وَأَمَّا مَكَّةُ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَفُضِّلَتْ بِوُجُوهٍ. أَحَدُهَا وُجُوبُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الْعُمْرَةِ وَالْمَدِينَةُ يُنْدَبُ لِإِتْيَانِهَا وَلَا يَجِبُ. وَثَانِيهَا أَنَّ إقَامَةَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ بِمَكَّةَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ أَكْثَرَ مِنْ الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ (ثَلَاثَ عَشْرَةَ) سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرًا غَيْرَ أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ تِلْكَ الْعَشَرَةَ كَانَ كَمَالُهُ ﷺ وَكَمَالُ الدِّينِ فِيهَا أَتَمَّ وَأَوْفَرَ فَلَعَلَّ سَاعَةً بِالْمَدِينَةِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ سَنَةٍ بِمَكَّةَ، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ الْإِقَامَةِ بِهَا وَثَالِثُهَا فُضِّلَتْ الْمَدِينَةُ بِكَثْرَةِ الطَّارِئِينَ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ وَفَضَلَتْ مَكَّةُ بِالطَّائِفِينَ مِنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ أَفْضَلَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ جِهَةِ الْفِعْلِ وَلَوْ صَحَّ فَهُوَ مِنْ مَجَازِ وَصْفِ الْمَكَانِ بِصِفَةِ مَا يَقَعُ فِيهِ وَالْمَعْنَى فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِقَاعِ إلَيْك بِمَا جَعَلْته فِيهَا مِمَّا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ مِنْ إقَامَتِهِ ﷺ بِهَا، وَإِرْشَادِ الْخَلْقِ إلَى الْحَقِّ كَمَا يُقَالُ بَلَدٌ طَيِّبٌ أَيْ هَوَاهَا وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ أَيْ قُدِّسَ مَنْ فِيهَا، أَوْ مَنْ دَخَلَهَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ مُقَدَّسُونَ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا وَالْوَادِي الْمُقَدَّسُ أَيْ قُدِّسَ مُوسَى ﵇ فِيهِ وَالْمَلَائِكَةُ الْحَالُّونَ فِيهِ اهـ. إذْ يَكْفِي كَوْنُهُمَا ظَاهِرَيْنِ فِي الْمَطْلُوبِ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِمَجْمُوعِ أَسْبَابِ التَّفْضِيلِ لَا بِهِمَا فَقَطْ حَتَّى يَسْقُطَا بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ فَافْهَمْ، وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ وَلَا حُجَّةَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُرَغِّبَةِ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ عَلَى تَفْضِيلِهَا أَمَّا دُعَاؤُهُ ﷺ بِمِثْلِ مَا دَعَا بِهِ إبْرَاهِيمُ ﷺ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ فَلِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الْمَدْعُوِّ بِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا خُرِّجَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مِنْ الصَّاعِ وَالْمُدِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ يُبَارَكَ لَهُمْ فِي مَدِينَتِهِمْ وَصَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ أَنْ تَكُونَ بِذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ مَكَّةَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «أُمِرْت بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» فَلِأَنَّهُ إنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إلَى قَرْيَةٍ تُفْتَحُ مِنْهَا الْبِلَادُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» وَقَوْلُهُ ﷺ «إنَّ الْمَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ» وَقَوْلُهُ ﷺ «لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» فَلِحَمْلِهَا عَلَى زَمَانِهِ ﷺ وَالْكَوْنُ مَعَهُ لِنُصْرَةِ الدِّينِ قَالَ الْأَصْلُ وَيُعَضِّدُهُ خُرُوجُ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - بَعْدَ وَفَاتِهِ إلَى الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِلَادِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ لَا يَصْبِرُ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى الْفَضْلِ لَا عَلَى الْأَفْضَلِيَّةِ اهـ فَلَا يَتِمُّ فِي جَمِيعِهَا كَمَا. قَالَ الرَّهُونِيُّ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْغِيبَ فِي سُكْنَى الْمَدِينَةِ خَاصٌّ بِحَيَاتِهِ ﷺ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ سُكْنَاهَا خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ ثَابِتَةٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ قَالَ وَقَوْلُهُ إنَّ مَعْنَى حَدِيثِ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ» أَنَّ النَّاسَ يَنْتَابُونَ إلَيْهَا فِي حَيَاتِهِ ﷺ لِلدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَ نَصًّا فِي الْحَدِيثِ وَلَا ظَاهِرًا مِنْهُ وَقَدْ فُهِمَ غَيْرُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ قَالَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ «إنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» كَذَا لِأَكْثَرِهِمْ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَكَذَا قَيَّدْنَاهُ مِنْ شُيُوخِنَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ وَغَيْرِهَا وَكَذَا قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ بِخَطِّهِ وَزَادَ فِي ابْنِ سِرَاجٍ يَأْرُزُ بِالضَّمِّ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ كِتَابِ الْقَابِسِيِّ يَأْرُزُ بِالْفَتْحِ وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ هَكَذَا سَمِعَهُ مِنْ الْمَرْوَزِيِّ وَمَعْنَاهُ يَنْضَمُّ وَيَجْتَمِعُ وَقِيلَ يَرْجِعُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «لَيَعُودَنَّ كُلُّ إيمَانٍ إلَى الْمَدِينَةِ» اهـ مِنْهَا بِلَفْظِهَا، وَفِي الصِّحَاحِ مَا نَصُّهُ وَأَرَزَ فُلَانٌ يَأْرِزُ أَرْزًا وَأُرُوزًا إذَا تَضَامَّ وَتَقَبَّضَ مِنْ بُخْلِهِ فَهُوَ أَرُوزٌ. ثُمَّ قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ «إنَّ الْإِسْلَامَ لَيَأْرِزُ إلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إلَى جُحْرِهَا» أَيْ يَنْضَمُّ إلَيْهَا فَيَجْتَمِعُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِيهَا اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ اهـ. قُلْت: وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْلُ مِنْ التَّعْضِيدِ مَدْفُوعٌ بِمَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَتَأْتِي قَوْمٌ يَبِسُّونَ فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ وَيُفْتَحُ الشَّامُ إلَخْ وَيُفْتَحُ الْعِرَاقُ إلَخْ» قَالَ الْبَاجِيَّ وَقَوْلُهُ ﷺ وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ إلَخْ لَهُمْ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَا يَفُوتُهُمْ مِنْ الْأَجْرِ بِالِانْتِقَالِ عَنْهَا أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّا يَنَالُونَهُ مِنْ الْخِصْبِ وَسَعَةِ الْعَيْشِ حَيْثُ يَنْتَقِلُونَ إلَيْهِ مِنْ الْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ اهـ. وَمَا فِي الْمُوَطَّإِ أَيْضًا.

стр. 459

الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا حَجَّهَا آدَم فَمَنْ سِوَاهُ وَلَوْ كَانَ لِمَلِكٍ دَارَانِ فَأَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَأْتُوا إحْدَاهُمَا وَوَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَغْفِرَةِ سَيِّئَاتِهِمْ وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ دُونَ الْأُخْرَى لَعُلِمَ أَنَّهَا عِنْدَهُ أَفْضَلُ. وَرَابِعُهَا أَنَّ التَّعْظِيمَ وَالِاسْتِلَامَ نَوْعٌ مِنْ الِاحْتِرَامِ وَهُمَا خَاصَّانِ بِالْكَعْبَةِ وَخَامِسُهَا وُجُوبُ اسْتِقْبَالِهَا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهَا وَسَادِسُهَا تَحْرِيمُ اسْتِقْبَالِهَا وَاسْتِدْبَارِهَا عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهَا وَلَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِغَيْرِهَا وَسَابِعُهَا تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ تُحَرَّمْ الْمَدِينَةُ إلَّا فِي زَمَانِهِ ﷺ وَذَلِكَ دَلِيلُ فَضْلِهَا وَثَامِنُهَا كَوْنُهَا مَثْوَى إبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَتَاسِعُهَا كَوْنُهَا مَوْلِدَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ وَعَاشِرُهَا كَوْنُهَا لَا تُدْخَلُ إلَّا بِإِحْرَامٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِهَا وَحَادِيَ عَشَرَهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وَثَانِيَ عَشَرَهَا الِاغْتِسَالُ لِدُخُولِهَا دُونَ الْمَدِينَةِ وَثَالِثَ عَشَرَهَا ثَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] وَاعْلَمْ أَنَّ تَفْضِيلَ الْأَزْمَانِ وَالْبِقَاعِ قِسْمَانِ: تَفْضِيلٌ دُنْيَوِيٌّ كَتَفْضِيلِ الرَّبِيعِ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَتَفْضِيلِ بَعْضِ الْبُلْدَانِ بِالثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَطِيبِ الْهَوَاءِ وَمُوَافَقَةِ الْأَهْوَاءِ، وَدِينِيٌّ كَتَفْضِيلِ رَمَضَانَ عَلَى الشُّهُورِ وَعَاشُورَاءَ عَلَى الْأَيَّامِ وَكَذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَيَّامُ الْبِيضِ وَعَشْرُ الْمُحَرَّمِ وَالْخَمِيسُ وَالِاثْنَيْنِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَفْضِيلِهِ وَتَعْظِيمِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ نَحْوِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَعَرَفَةَ وَالْمَطَافِ وَالْمَسْعَى وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَمَرْمَى الْجِمَارِ، وَمِنْ الْأَقَالِيمِ الْيَمَنُ لِقَوْلِهِ ﷺ «الْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ» وَالْمَغْرِبُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ قَائِمِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» وَمِنْ الْأَزْمِنَةِ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَمَغْفِرَةِ الزَّلَّاتِ، وَإِعْطَاءِ السُّؤَالِ وَنَيْلِ الْآمَالِ، وَأَسْبَابُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ لَا أَقْدِرُ عَلَى إحْصَائِهَا خَشْيَةَ الْإِسْهَابِ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي عَلَى الْوُصُولِ فِيهَا إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ مَا أَنْكَرَهُ بَعْضُ فُضَلَاءِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ إنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى أَنَّ الْبُقْعَةَ الَّتِي ضَمَّتْ أَعْضَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَفْضَلُ الْبِقَاعِ فَقَالَ الثَّوَابُ هُوَ سَبَبُ التَّفْضِيلِ وَالْعَمَلُ هَهُنَا مُتَعَذَّرٌ فَلَا ثَوَابَ فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْإِجْمَاعُ وَشَنَّعَ عَلَيْهِ كَثِيرًا فَأَرَدْت أَنْ أُبَيِّنَ تَعَدُّدَ الْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ فَبَطَلَ مَا قَالَهُ مِنْ الرَّدِّ عَلَى الْقَاضِي وَبَلَغَنِي أَيْضًا عَنْ الْمَأْمُونِ بْنِ الرَّشِيدِ الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ قَالَ أَسْبَابُ التَّفْضِيلِ أَرْبَعَةٌ وَكُلُّهَا كَمَلَتْ فِي عَلِيٍّ ﵁ فَهُوَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَأَخَذَ يَرُدُّ بِذَلِكَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَأَرَدْت أَيْضًا أَنْ أُبْطِلَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْحَصْرِ، وَمَسَائِلُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَهِيَ أَشْبَهُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَهَذَا الْكِتَابُ إنَّمَا قَصَدْت فِيهِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ خَاصَّةً فَلِذَلِكَ اقْتَصَرْت عَلَى تَفْضِيلِ الصَّلَاةِ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ وَأَحَلْتُ مَا عَدَاهَا عَلَى مَوْضِعِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَحَدَّثَنِي مَالِكٌ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ الْتَفَتَ إلَيْهَا فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ يَا مُزَاحِمُ نَخْشَى أَنْ نَكُونَ مِمَّا نَفَتْ الْمَدِينَةُ قَالَ الْبَاجِيَّ يُرِيدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا تَنْفِي خَبَثَهَا فَخَافَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ نَفَتْهُ الْمَدِينَةُ لِكَوْنِهِ مِنْ الْخَبَثِ لِمُخَالَفَةِ سُنَّةٍ، أَوْ ضَلَالٍ عَنْ هُدًى وَمِثْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ اهـ فَافْهَمْ. (الْمُهِمُّ الرَّابِعُ) مَسَائِلُ التَّفْضِيلِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَثِيرَةً إلَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَى التَّفْضِيلِ بِالطَّاعَاتِ وَكَثْرَةِ الْمَثُوبَاتِ وَالْأَحْوَالِ السُّنِّيَّاتِ وَشَرَفِ الرِّسَالَاتِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّاتِ فَمَنْ كَانَ فِيهَا أَتَمَّ فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ السَّلَامِ عَلَى الْجَوْهَرَةِ: وَتَلْخِيصُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّاظِمُ أَوَّلًا وَآخِرًا أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ أَفْضَلُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى الْعُمُومِ وَيَلِيهِ إبْرَاهِيمُ، ثُمَّ مُوسَى، ثُمَّ عِيسَى، ثُمَّ نُوحٌ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الرُّسُلِ، ثُمَّ الْأَنْبِيَاءُ غَيْرُ الرُّسُلِ، ثُمَّ هُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُتَفَاضِلُونَ أَيْضًا عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ أَرْأَسُ رُسُلِ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِ مِنْهُمْ ثُمَّ بَقِيَّةُ رُسُلِهِمْ، ثُمَّ بَقِيَّتُهُمْ غَيْرُ الرُّسُلِ، ثُمَّ هُمْ مُتَفَاضِلُونَ أَيْضًا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ قَالَ وَقَدْ عُلِمَ مِنْ النَّظْمِ أَنَّ التَّفْضِيلَ إمَّا بِاعْتِبَارِ أَفْرَادِ الصَّحَابَةِ فَأَبُو بَكْرٍ هُوَ الْأَفْضَلُ، ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، وَإِمَّا بِاعْتِبَارِ الْأَصْنَافِ فَأَفْضَلُهُمْ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ، ثُمَّ السِّتَّةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْبَدْرِيِّينَ، ثُمَّ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ أُحُدٍ، ثُمَّ بَقِيَّةُ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ فِي كَلَامِ الشَّمْسِ الْبِرْمَاوِيِّ اهـ وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ، وَإِنْ كَانَتْ أَشْبَهَ بِأُصُولِ الدِّينِ إلَّا أَنَّ لَهَا تَعَلُّقًا بِالْفِقْهِ بِوَجْهٍ مَا، سِيَّمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ مَا أُخِذَ مِنْ الْكِتَابِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ الْإِجْمَاعِ وَلَا عَلَى طَرِيقِ الِاعْتِدَادِ لَا الِاسْتِقْلَالِ كَأَغْلَبِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي يَسْتَقِلُّ بِهَا الْعَقْلُ وَهَذَا الْكِتَابُ الْمَقْصُودُ الِاقْتِصَارُ فِيهِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ خَاصَّةً وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

стр. 460

مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْأَكْثَرِيَّةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَإِنَّمَا يَأْكُلُهُ بِالسَّبَبِ الْحَقِّ إذَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ مَا أَخَذَ الْعِوَضَ بِإِزَائِهِ فَيَرْتَفِعُ الْغَبْنُ وَالضَّرَرُ عَلَى الْمُتَعَاوَضَيْنِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ الثَّمَرُ وَالسِّلْعَةُ مَعًا وَلَا لِلْمُؤَجِّرِ الْأُجْرَةُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعًا وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الصُّوَرِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ اُسْتُثْنِيَتْ مَسَائِلُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لِلضَّرُورَةِ وَأَنْوَاعٌ مِنْ الْمَصَالِحِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالثَّالِثُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يُضَمَّ إلَيْهَا الْأَذَانُ فَتَصِحَّ أَوْ لَا يُضَمَّ إلَيْهَا فَلَا تَصِحَّ وَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ ثَوَابَ صَلَاتِهِ لَهُ فَلَوْ حَصَلَتْ لَهُ الْأُجْرَةُ أَيْضًا لَحَصَلَ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَحُجَّةُ الْجَوَازِ أَنَّ الْأُجْرَةَ بِإِزَاءِ الْمُلَازَمَةِ فِي الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ غَيْرُ الصَّلَاةِ وَوَجْهُ التَّفْرِقَةِ أَنَّ الْأَذَانَ لَا يَلْزَمُهُ فَيَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا ضُمَّ إلَى الصَّلَاةِ قَرُبَ الْعَقْدُ مِنْ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَخْذُ الْخَارِجِ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْقَاعِدِ مِنْ أَهْلِ دِيوَانِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةَ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ) قُلْت فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرٌ يَفْتَقِرُ إلَى بَسْطٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ الْمَبْذُولُ فِيهَا عِوَضًا عَنْ الثَّوَابِ بَلْ هُوَ مَعُونَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْأُمُورِ فَلِلْقَائِمِ بِهَا ثَوَابُهُ وَلِمَنْ تَوَلَّى الْمَعُونَةَ ثَوَابُهُ فَلَمْ يَجْتَمِعْ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بِوَجْهٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْفُرُوقِ الْخَمْسَةِ الَّتِي بَعْدَهُ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ مَا عَدَا قَوْلِهِ كَمَا أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ فَإِنَّ الْمُشْتَرَكَ لَيْسَ هُوَ مَفْهُومُ أَحَدِهَا وَلَا هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ كَمَا سَلَفَ التَّنْبِيهُ عَلَى مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وَبِهِ نَسْتَعِينُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ لِلصَّوَابِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَالْأَصْحَابِ (الْفَرْقُ الرَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ اجْتِمَاعُ الْعِوَضَيْنِ فِيهِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَجْتَمِعَ فِيهِ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ) إنَّمَا يَتِمُّ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ مِنْ أَنَّ قَاعِدَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ وَإِنَّمَا يَأْكُلُهُ بِالسَّبَبِ الْحَقِّ إذَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ مَا أَخَذَ الْعِوَضَ بِإِزَائِهِ فَيَرْتَفِعُ الْغَبْنُ وَالضَّرَرُ عَلَى الْمُتَعَاوِضَيْنِ فَلِذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ الثَّمَنُ وَالسِّلْعَةُ مَعًا وَلَا لِلْمُؤَجِّرِ الْأُجْرَةُ وَالْمَنْفَعَةُ مَعًا أَكْثَرِيَّةً لَا كُلِّيَّةً فَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَسَائِلُ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْإِجَارَةُ عَلَى الصَّلَاةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ الْجَوَازُ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ

стр. 461

جُعْلًا عَلَى ذَلِكَ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ ﵏ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجْعَلُ لِغَيْرِ مَنْ فِي دِيوَانِهِ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ لِذَلِكَ وَثَوَابُ الْجِهَادِ حَاصِلٌ لِلْخَارِجِ فَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ لِأَنَّ حِكْمَةَ الْمُعَاوَضَةِ انْتِفَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ بِمَا بُذِلَ لَهُ حُجَّةُ مَالِكٍ عَمَلُ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ بَابُ ضَرُورَةٍ أَنْ يَنُوبَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ إذَا كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ وَاحِدٍ فَإِنْ تَعَدَّدَتْ الدَّوَاوِينُ فَلَا ضَرُورَةَ تُخَالَفُ لِأَجْلِهَا الْقَاعِدَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ مَسْأَلَةُ الْمُسَابَقَةِ بَيْنَ الْخَيْلِ فَقُلْنَا السَّابِقُ لَا يَأْخُذُ مَا جُعِلَ لِلسَّابِقِ لِأَنَّ السَّابِقَ لَهُ أَجْرُ التَّسَبُّبِ لِلْجِهَادِ فَلَا يَأْخُذُ الَّذِي جُعِلَ فِي الْمُسَابَقَةِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ لَهُ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ فَلِهَذِهِ الْحِكْمَةِ وَبِسَبَبِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ اشْتَرَطَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الثَّالِثَ الْمُحَلِّلَ لَأَخْذِ الْعِوَضِ (الْفَرْقُ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْزَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِجَارَاتِ) كِلَاهُمَا بَذْلُ مَالٍ بِإِزَاءِ الْمَنَافِعِ مِنْ الْغَيْرِ غَيْرَ أَنَّ بَابَ الْأَرْزَاقِ أَدْخَلُ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ وَبَابُ الْإِجَارَةِ أَبْعَدُ مِنْ بَابِ الْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُكَايَسَةِ وَيَظْهَرُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ بِسِتِّ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الْقُضَاةُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ أَرْزَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْقَضَاءِ إجْمَاعًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَأْجَرُوا عَلَى الْقَضَاءِ إجْمَاعًا بِسَبَبِ أَنَّ الْأَرْزَاقَ إعَانَةٌ مِنْ الْإِمَامِ لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ لَا أَنَّهُ عِوَضٌ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ قِيَامِ الْحِجَاجِ وَنُهُوضِهَا وَلَوْ اُسْتُؤْجِرُوا عَلَى ذَلِكَ لَدَخَلَتْ التُّهْمَةُ فِي الْحُكْمِ بِمُعَاوَضَةِ صَاحِبِ الْعِوَضِ وَلِذَلِكَ تَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِعِوَضٍ وَيَكُونُ الْوَكِيلُ عَاضِدًا وَنَاصِرًا لِمَنْ بَذَلَ لَهُ الْعِوَضَ وَيَجُوزُ فِي الْأَرْزَاقِ الَّتِي تُطْلَقُ لِلْقَاضِي الدَّفْعُ وَالْقَطْعُ وَالتَّقْلِيلُ وَالتَّكْثِيرُ وَالتَّغْيِيرُ وَلَوْ كَانَ إجَارَةً لَوَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ وَالْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ وَاجِبٌ وَالْأَرْزَاقُ مَعْرُوفٌ وَصَرَفَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَقَدْ تَعْرِضُ مَصْلَحَةٌ أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْقَضَاءِ فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ الصَّرْفُ فِيهَا وَالْأُجْرَةُ فِي الْإِجَارَاتِ تُورَثُ وَيَسْتَحِقُّهَا الْوَارِثُ وَيُطَالِبُ بِهَا وَالْأَرْزَاقُ لَا يَسْتَحِقُّهَا الْوَارِثُ وَلَا يُطَالِبُ بِهَا لِأَنَّهَا مَعْرُوفٌ غَيْرُ لَازِمٍ لِجِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَرْزَاقُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ يَجُوزُ أَنْ تُنْقَلَ عَنْ جِهَاتِهَا إذَا تَعَطَّلَتْ أَوْ وُجِدَتْ جِهَةٌ هِيَ أَوْلَى بِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْجِهَةِ الْأُولَى وَلَوْ كَانَتْ وَقْفًا أَوْ إجَارَةً لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ فِيهَا لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ وَالْوَفَاءَ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَاجِبٌ وَهُوَ عَقْدٌ لَازِمٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْإِمَامُ لِمُتَوَلِّي الْمَسْجِدِ أَنْ يَسْتَنِيبَ دَائِمًا وَيَكُونَ لَهُ تِلْكَ الْأَرْزَاقِ وَتِلْكَ الرَّزْقَةُ مِنْ الْخَرَاجِ وَالطِّينِ عَلَى النَّظَرِ لَا عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَظِيفَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِإِزَاءِ الْمُلَازَمَةِ فِي الْمَكَانِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ غَيْرُ الصَّلَاةِ وَالثَّانِي الْمَنْعُ لِأَنَّ ثَوَابَ صَلَاتِهِ لَهُ فَلَوْ حَصَلَتْ لَهُ الْأُجْرَةُ أَيْضًا لَحَصَلَ لَهُ اجْتِمَاعُ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ الثَّالِثُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يُضَمَّ إلَيْهَا الْأَذَانُ فَتَصِحَّ أَوْ لَا يُضَمَّ إلَيْهَا فَلَا تَصِحَّ لِأَنَّ الْأَذَانَ لَا يَلْزَمُهُ فَيَصِحُّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ فَإِذَا ضُمَّ إلَى الصَّلَاةِ قَرُبَ الْعَقْدُ مِنْ الصِّحَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ وَأَمَّا إجَارَةُ الْمُؤَذِّنِ فَإِنْ قَوْمًا لَمْ يَرَوْا فِي ذَلِكَ بَأْسًا قِيَاسًا عَلَى الْأَفْعَالِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ وَقَوْمًا كَرِهُوا ذَلِكَ وَحَرَّمُوهُ مُحْتَجِّينَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ قَالَ «رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أُجْرَةً» وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أَمْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. اهـ بِتَصَرُّفِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَخَذَ الْخَارِجُ فِي الْجِهَادِ مِنْ الْقَاعِدِ مِنْ أَهْلِ دِيوَانِهِ جُعْلًا عَلَى ذَلِكَ أَجَازَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِعَمَلِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ بَابُ ضَرُورَةٍ أَنْ يَنُوبَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ إذَا كَانُوا أَهْلَ دِيوَانٍ وَاحِدٍ وَإِلَّا فَلَا ضَرُورَةَ تُخَالَفُ لِأَجْلِهَا الْقَاعِدَةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا فَيُقَالُ بِالْجَوَازِ مَعَ اجْتِمَاعِ ثَوَابِ الْجِهَادِ وَالْجُعْلُ لِلْخَارِجِ وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ مِنْ أَهْلِ دِيوَانِهِ لَا مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ آخَرَ عَمَلًا بِالْقَاعِدَةِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمُسَابَقَةُ بِجَعْلِ أَيِّ مَالٍ يُجْعَلُ بَيْنَ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ أَوْ مَنْ حَضَرَ فِي الْخَيْلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَالْإِبِلُ كَذَلِكَ وَالْخَيْلُ مِنْ جَانِبٍ وَالْإِبِلُ مِنْ جَانِبٍ جَائِزَةٌ بِمَعْنَى الْإِذْنِ الصَّادِقِ بِالْوُجُوبِ إنْ تَوَقَّفَ أَصْلُ الْجِهَادِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْوَسَائِلَ تُعْطَى حُكْمَ الْمَقَاصِدِ وَلِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَبِالنَّدْبِ إنْ تَوَقَّفَتْ الْبَرَاعَةُ فِيهِ عَلَيْهَا وَبِالْإِبَاحَةِ إنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَيْهَا شَيْءٌ أَنْ يَصِحَّ تَبَعُ الْجُعْلِ وَإِخْرَاجُهُ غَيْرَ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِيَأْخُذَهُ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا أَوْ أَخْرَجَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ سَبَقَ غَيْرُهُ أَخَذَهُ السَّابِقُ وَإِنْ سَبَقَ هُوَ فَلِمَنْ حَضَرَ كَمَا فِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ وَشُرَّاحِهِ فَاشْتَرَطُوا الثَّالِثَ الْمُحَلِّلَ لِأَخْذِ الْعِوَضِ وَفِي الْمِنَحِ عَنْ الْأَصْلِ وَهِيَ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ ثَلَاثِ قَوَاعِدَ لِلْمَنْعِ الْقِمَارُ وَتَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ أَكْلِهِ وَحُصُولِ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ

стр. 462

الْقِيَامِ بِالْوَظِيفَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الْأَرْزَاقَ مَعْرُوفٌ يَتْبَعُ الْمَصَالِحَ فَكَيْفَمَا دَارَتْ دَارَ مَعَهَا وَيَتَعَذَّرُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْأَوْقَافِ مِنْ الْحَوَانِيتِ وَالدُّورِ وَغَيْرِهَا بِسَبَبِ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَغْيِيرُ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ فَإِذَا وَقَفَ الْوَاقِفُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِوَظِيفَةِ الْإِمَامَةِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْخَطَابَةِ أَوْ التَّدْرِيسِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ رِيعِ ذَلِكَ الْوَقْفِ شَيْئًا إلَّا إذَا قَامَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ عَلَى مُقْتَضَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فَإِنْ اسْتَنَابَ عَنْهُ غَيْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دَائِمًا فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ رِيعِ ذَلِكَ الْوَقْفِ أَمَّا النَّائِبُ فَلِأَنَّهُ مِنْ شَرْطِ اسْتِحْقَاقِهِ صِحَّةُ وِلَايَتِهِ وَصِحَّةُ وِلَايَتِهِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ تَكُونَ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ وَهَذَا الْمُسْتَنِيبُ لَيْسَ لَهُ نَظَرٌ إنَّمَا هُوَ إمَامٌ أَوْ مُؤَذِّنٌ أَوْ مُؤَذِّنٌ أَوْ مُدَرِّسٌ فَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ الصَّادِرَةُ عَنْهُ وَأَمَّا الْمُسْتَنِيبُ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا أَيْضًا بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فَإِنْ اسْتَنَابَ فِي أَيَّامِ الْأَعْذَارِ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ رِيعَ الْوَقْفِ وَأَنْ يُطْلِقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّيعِ. وَإِنْ كَانَ الْمُطْلَقُ لَهُ أَرْزَاقًا عَلَى وَظِيفَةٍ مِنْ تَدْرِيسٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْإِمَامَةِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ الْحِسْبَةِ وَلَمْ يَقُمْ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ ذَلِكَ الْقَدْرَ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا أَطْلَقَهُ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى وَظِيفَةٍ وَلَمْ يَقُمْ بِهَا وَاسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ لَا يَجُوزُ وَأَخْذُ هَذَا الْمُطْلَقِ بِغَيْرِ هَذَا الشَّرْطِ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الْإِمَامُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُطْلِقَهُ لَهُ بَعْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى عَدَمِ قِيَامِهِ بِالْوَظِيفَةِ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى غَيْرِ تِلْكَ الْوَظِيفَةِ فَيَسْتَحِقُّهُ بِالْإِطْلَاقِ الثَّانِي لَا بِالتَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَ وَقْفًا وَلَمْ يَقُمْ بِشَرْطِهِ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ إطْلَاقُهُ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ فَهَذَا أَيْضًا يُمَيِّزُ لَك الْأَرْزَاقَ مِنْ بَابِ الْأَوْقَافِ وَالْإِجَارَاتِ وَيَجُوزُ فِي الْمَدَارِسِ الْأَرْزَاقُ وَالْوَقْفُ وَالْإِجَارَةُ وَلَا يَجُوزُ فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ الْإِجَارَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَيَجُوزُ الْأَرْزَاقُ وَالْوَقْفُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يُغَلِّظُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيَقُولُ إنَّمَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ الرِّزْقِ عَلَى الْإِمَامَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْإِجَارَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ وَيَتَوَرَّعُ عَنْ تَنَاوُلِ الرِّزْقِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ بَلْ الْأَرْزَاقُ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهَا لِأَنَّهَا إحْسَانٌ وَمَعْرُوفٌ وَإِعَانَةٌ لَا إجَارَةٌ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُكَايَسَةٍ وَمُغَابَنَةٍ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِوَضَانِ فِيهَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ الْمُعَاوَضَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِيَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ بِمَا بُذِلَ لَهُ وَأَجْرَا الصَّلَاةِ لَهُ فَلَوْ أَخَذَ الْعِوَضَ عَنْهَا لَاجْتَمَعَ لَهُ الْعِوَضَانِ وَالْأَرْزَاقُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ أَلْبَتَّةَ لِجَوَازِهِ فِي أَضْيَقِ الْمَوَاضِعِ الْمَانِعَةِ مِنْ الْمُعَاوَضَةِ وَهُوَ الْقَضَاءُ وَالْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ فَلَا وَرَعَ حِينَئِذٍ فِي تَنَاوُلِ الرِّزْقِ وَالْأَرْزَاقِ عَلَى الْإِمَامَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَهِيَ مَا إذَا أَخْرَجَ الْجُعْلَ غَيْرُ الْمُتَسَابِقَيْنِ لِيَأْخُذَهُ السَّابِقُ مَعَ أَنَّ لَهُ أَجْرَ التَّسَبُّبِ لِلْجِهَادِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ لَا يُسَلَّمُ أَنَّ الْمَبْذُولَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ عِوَضٌ عَنْ الثَّوَابِ بَلْ هُوَ مَعُونَةٌ عَلَى الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْأُمُورِ فَلِلْقَائِمِ بِهَا ثَوَابٌ وَلِمَنْ يُؤْتِي الْمَعُونَةَ ثَوَابٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ الْعِوَضَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بِوَجْهٍ عَلَى أَنَّ فِي هَذَا الْفَرْقِ نَظَرًا يَفْتَقِرُ إلَى بَسْطٍ. اهـ وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ النَّظَرِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْزَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِجَارَاتِ] [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَرْزَاق الْقُضَاةُ] (الْفَرْقُ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْزَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِجَارَاتِ) الْأَرْزَاقُ وَالْإِجَارَاتُ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كِلَيْهِمَا بَذْلُ مَالٍ بِإِزَاءِ الْمَنَافِعِ مِنْ الْغَيْرِ إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَابَ الْأَرْزَاقِ دَخَلَ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ وَأَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْمُعَاوَضَةِ وَبَابُ الْإِجَارَةِ أَبْعَدُ عَنْ بَابِ الْإِحْسَانِ وَالْمُسَامَحَةِ وَأَدْخَلُ فِي بَابِ الْمُعَاوَضَةِ وَالْمُكَايَسَةِ وَالْمُغَابَنَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدٌ وَالْوَفَاءَ بِالْعُقُودِ وَاجِبٌ وَالْأَرْزَاقُ مَعْرُوفٌ وَصَرْفٌ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ فَإِذَا عَرَضَتْ مَصْلَحَةٌ أُخْرَى أَعْظَمُ مِنْ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ تَعَيَّنَ عَلَى الْإِمَامِ الصَّرْفُ فِيهَا وَتَرْكُ الْأَوْلَى فَلِذَلِكَ اخْتَصَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِأَحْكَامٍ لَا تَثْبُتُ لِلْآخَرِ يَظْهَرُ لَك تَحْقِيقُهَا بِسِتِّ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الْقِيَامُ بِالْقَضَاءِ مِنْ تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ قِيَامِ الْحِجَاجِ وَنُهُوضِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقُضَاةِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَلَيْهِ أَرْزَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إجْمَاعًا إعَانَةً لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ الْأَرْزَاقَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَعْرُوفٌ لَا مُعَاوَضَةَ كَمَا عَلِمْت بِجَوَازِ دَفْعِهَا وَقَطْعِهَا وَتَقْلِيلِهَا وَتَكْثِيرِهَا وَتَغْيِيرِهَا بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ إذَا عَرَضَتْ مَصْلَحَةٌ أَعْظَمُ أَنْ يَصْرِفَ الْأَرْزَاقَ فِيهَا وَيُقَدِّمَهَا عَلَى مَصْلَحَةِ الْقَضَاءِ وَوَرَثَتُهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَهَا وَلَا يُطَالِبُونَ بِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مِقْدَارٌ مِنْ الْعَمَلِ وَلَا أَجَلٌ تَنْتَهِي إلَيْهِ وَالْإِجَارَةُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُعَاوَضَةٌ لَا مَعْرُوفٌ كَمَا عَلِمْت تُخَالِفُ ذَلِكَ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْأَجَلُ وَمِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ وَنَوْعُهَا وَيَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ فِيهَا الْوَارِثُ وَيَتَعَيَّنُ نَفْعُهَا لِلْأَخْذِ بِعَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ وَلَا تَجُوزُ فِي الْقِيَامِ بِالْقَضَاءِ إجْمَاعًا بَلْ وَلَا فِي كُلِّ مَا يَجِبُ عَلَى الْأَجِيرِ الْقِيَامُ بِهِ لِئَلَّا يَجْتَمِعَ لِلْأَجِيرِ الْعِوَضُ وَالْمُعَوَّضُ

стр. 463

وَإِنَّمَا يَقَعُ الْوَرَعُ مِنْ جِهَةِ قِيَامِهِ بِالْوَظِيفَةِ خَاصَّةً فَإِنَّ الْأَرْزَاقَ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهَا إلَّا لِمَنْ قَامَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ فِي إطْلَاقِهِ لِتِلْكَ الْأَرْزَاقِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْإِقْطَاعَاتُ الَّتِي تُجْعَلُ لِلْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ مِنْ الْأَرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرِّبَاعِ وَالْعَقَارِ وَهِيَ أَرْزَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَيْسَتْ إجَارَةً لَهُمْ وَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا مِقْدَارٌ مِنْ الْعَمَلِ وَلَا أَجَلٌ تَنْتَهِي إلَيْهِ الْإِجَارَةُ وَلَيْسَ الْإِقْطَاعُ مُقَدَّرًا كُلَّ شَهْرٍ بِكَذَا وَكُلَّ سَنَةٍ بِكَذَا حَتَّى تَكُونَ إجَارَةً بَلْ هُوَ إعَانَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ نَعَمْ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهُ إلَّا بِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مِنْ الشَّرْطِ مِنْ التَّهَيُّؤِ لِلْحَرْبِ وَلِقَاءِ الْأَعْدَاءِ وَالْمُنَاضَلَةِ عَلَى الدِّينِ وَنُصْرَةِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالِاسْتِعْدَادِ بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالْأَعْوَانِ عَلَى ذَلِكَ. وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّنَاوُلُ لِأَنَّ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِإِطْلَاقِ الْإِمَامِ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي أَطْلَقَهُ وَهُوَ لَوْ أَطْلَقَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى تِلْكَ الْوَظِيفَةِ إمَّا غَلَطًا مِنْ الْإِمَامِ وَإِمَّا جَوْرًا مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الزَّائِدَ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُطْلَقُ لَهُ بَلْ يَبْقَى فِي يَدِهِ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً يَجِبُ رَدُّهَا لِبَيْتِ الْمَالِ وَلِلْإِمَامِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ وَلِمَنْ ظَفَرَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ إنْ كَانَ جَائِرًا وَلَوْ كَانَ إجَارَةً لَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ تَنْعَقِدُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَبِأَكْثَرَ مِنْهَا وَإِذَا عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا اسْتَحَقَّهَا الْمَعْقُودُ لَهُ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ انْتِزَاعُ الزَّائِدِ عَلَى أُجْرَةِ الْمِثْلِ إذَا كَانَ الْحَالُ وَالِاجْتِهَادُ اقْتَضَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يَتَنَاوَلَ ذَلِكَ الزَّائِدَ مِنْ الْأُجْرَةِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحَقًّا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لِمَنْ عُقِدَ لَهُ وَكَأَنْ يُشْتَرَطَ فِيهَا الْأَجَلُ وَمِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ وَنَوْعُهَا عَلَى قَوَاعِدِ الْإِجَارَةِ فَهَذَا أَيْضًا يُوَضِّحُ لَك الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَرْزَاقِ وَالْإِجَارَاتِ. وَإِذَا قَطَعَ الْأَمِيرُ أَوْ الْجُنْدِيُّ أَرْضًا خَرَاجِيَّةً أَوْ غَيْرَ خَرَاجِيَّةٍ فَآجَرَهَا ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرّ وَرَثَتَهُ عَلَى تِلْكَ الْأُجْرَةِ وَيُمْضِيَ لَهُمْ تِلْكَ الْإِجَارَةَ إلَى حَلِّ أَجَلِهَا وَلَهُ دَفْعُ جَمِيعِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ لِلْمُقْطِعِ الثَّانِي إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَسْتَقِرُّ الْأُجْرَةُ الْأُولَى لِلْأَوَّلِ إلَّا بِمُضِيِّ الْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ أَجَلِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ الْإِقْطَاعِ وَلَوْ كَانَتْ إجَارَةً مِنْ الْإِمَامِ لَهُ بِذَلِكَ الْإِقْطَاعِ لَاسْتَحَقَّهَا وَرَثَتُهُ وَلَتَعَذَّرَ عَلَى الْإِمَامِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُمْ فِي مُدَّةِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُقْطَعِ عَلَى قَاعِدَةِ الْوَقْفِ إذَا آجَرَ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ زَمَانَ اسْتِحْقَاقِهِ وَغَيْرَ زَمَانِ اسْتِحْقَاقِهِ فَإِنَّهُ هَلْ يَبْطُلُ فِي غَيْرِ زَمَانِ اسْتِحْقَاقِهِ أَمْ لَا خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَهَذَا الْمُقْطِعُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الزَّمَانَ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُقْطِعٌ لِتِلْكَ الْأَرْضِ فَإِذَا مَاتَ أَوْ حُوِّلَ عَنْهَا لِغَيْرِهَا فَقَدْ آلَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَلِئَلَّا تَدْخُلَ التُّهْمَةُ فِي الْحُكْمِ بِمُعَاوَضَةِ صَاحِبِ الْعِوَضِ فَيَكُونَ الْقَاضِي كَالْوَكِيلِ يَأْخُذُ عَلَى الْوَكَالَةِ عِوَضًا لِيَكُونَ عَاضِدًا وَنَاصِرًا لِمَنْ بَذَلَ لَهُ الْعِوَضَ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ أَرْزَاقُ الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَا يَدْفَعُهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخَرَاجِ وَالطِّينِ لِمَنْ يَتَوَلَّى الْمَسَاجِدَ وَالْجَوَامِعَ بِالْقِيَامِ فِيهَا بِوَظِيفَةِ إمَامَةٍ أَوْ أَذَانٍ أَوْ خَطَابَةٍ أَوْ تَدْرِيسٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَإِنْ شَارَكَ مَا يُدْفَعُ لَهُمْ أُجْرَةٌ أَوْ وَقْفًا لِلْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَظَائِفِ فِي حُكْمَيْنِ أَحَدُهُمَا عَدَمُ جَوَازِ التَّنَاوُلِ إذَا لَمْ يَقُومُوا بِتِلْكَ الْوَظَائِفِ بِأَنْفُسِهِمْ عَلَى مُقْتَضَى شَرْطِ الْإِمَامِ وَالْوَاقِفِ وَمَا وَقَعَ عَلَيْهِ عَقْدُ الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ كَمَا لَا يَجُوزُ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَشَرْطِ الْوَاقِفِ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اسْتِبَاحَةُ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِدُونِ أَذَانِ الْإِمَامِ فَافْهَمْ، ثَامِنُهُمَا جَوَازُ كُلٍّ مِنْ الْأَرْزَاقِ وَالْوَقْفِ فِي الْمَدَارِسِ إلَّا أَنَّهُ يُخَالِفُهُمَا فِي أَحْكَامٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَنْقُلَ مَا يَدْفَعُهُ لَهُمْ إذَا تَعَطَّلَتْ الْمَسَاجِدُ أَوْ وُجِدَتْ جِهَةٌ هِيَ أَوْلَى بِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِهَتِهَا بِخِلَافِ الْمَجْعُولِ لَهُمْ أُجْرَةً أَوْ وَقْفًا فَإِنَّهُ لَا يُنْقَلُ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى غَيْرِ جِهَةِ الْمَسَاجِدِ وَإِنْ كَانَتْ أَوْلَى مِنْ جِهَتِهَا لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ وَشَرْطِ الْوَاقِفِ فَإِذَا وَقَفَ الْوَاقِفُ حَوَانِيتَ أَوْ دُورًا أَوْ غَيْرَهَا عَلَى مَنْ يَقُومُ بِوَظِيفَةٍ مِنْ الْوَظَائِفِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ لَمْ يَجُزْ لِلْإِمَامِ وَلَا غَيْرِهِ إطْلَاقُهُ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فِي اسْتِحْقَاقِهِ. وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ رِيعِ ذَلِكَ الْوَقْفِ شَيْئًا إلَّا إذَا قَامَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ عَلَى مُقْتَضَاهُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ اسْتَنَابَ عَنْهُ غَيْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِلَا عُذْرٍ يَمْنَعُهُ مِنْ الْقِيَامِ بِهِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ هُوَ وَلَا نَائِبُهُ شَيْئًا مِنْ رِيعِ ذَلِكَ الْوَقْفِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْإِمَامُ أَوْ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ أَمَّا النَّائِبُ فَلِأَنَّ صِحَّةَ وِلَايَتِهِ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ تَكُونَ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ وَهَذَا الْمُسْتَنِيبُ لَيْسَ لَهُ نَظَرٌ إنَّمَا هُوَ إمَامٌ أَوْ مُؤَذِّنٌ أَوْ مُدَرِّسٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَلَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ الصَّادِرَةُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ بِإِذْنٍ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ شَرْطِ الْوَاقِفِ وَأَمَّا الْمُسْتَنِيبُ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَإِنْ اسْتَنَابَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِعُذْرِ أَيَّامِهِ فَقَطْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَنَاوَلَ رِيعَ الْوَقْفِ وَأَنْ يُطْلِقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّيعِ نَعَمْ فِي شَرْحِ الشَّيْخِ مَنْصُورِ بْنِ إدْرِيسَ الْحَنْبَلِيِّ كَشَّافَ الْقِنَاعِ عَلَى مَتْنِ الْإِقَنَاعِ

стр. 464

الِاسْتِحْقَاقُ لِغَيْرِهِ كَالْبَطْنِ الثَّانِي إذَا طَرَأَ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَهَذَا أَيْضًا يُوَضِّحُ لَك الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ وَالْوَقْفِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْإِقْطَاعِ وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَك الْفَرْقَ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَطَعَ أَمِيرًا أَوْ جُنْدِيًّا إقْطَاعًا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيه الْمَصْلَحَةُ وَلَوْ كَانَ عَقْدَ إجَارَةٍ لَامْتَنَعَ نَقْلُهُ مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَقَعَ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لِأَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ﵀ مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوقِفَ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ وَوَقَعَ لِلشَّافِعِيَّةِ ﵏ مِثْلُ ذَلِكَ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ أَوْقَافَهُمْ أَعْنِي الْمُلُوكَ وَالْخُلَفَاءَ إذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا تَنْفُذُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا إذَا قَامَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ الْوَقْفَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ الْوَقْفِ فَقَدْ صَارَ ذَلِكَ الشَّرْطُ لَازِمًا لِلنَّاسِ وَلِلْإِمَامِ كَسَائِرِ الْأَوْقَافِ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ تَحْوِيلُهُ عَنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِطْلَاقُهُ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ فَإِنْ وَقَفُوا عَلَى أَوْلَادِهِمْ أَوْ جِهَاتِ أَقَارِبِهِمْ لِهَوَاهُمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى حَوْزِ الدُّنْيَا لَهُمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَاتِّبَاعًا لِغَيْرِ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَنْفُذْ هَذَا الْوَقْفُ وَحَرُمَ عَلَى مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ تَنَاوُلُهُ بِهَذَا الْوَقْفِ وَلِلْإِمَامِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ وَصَرْفُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيه مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا الْوَقْفُ الْأَوَّلُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَمَنْ تَنَاوَلَ مِنْهُ شَيْئًا بِهَذَا الْوَقْفِ كَانَ لِلْإِمَامِ أَخْذُهُ مِنْهُ وَلَهُ وَقْفُ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَوْ صَحَّ الْوَقْفُ الْأَوَّلُ لِمُصَادَفَتِهِ لِلْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ تَحْوِيلُهُ. فَإِنْ قُلْت فَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدٍ، بِنَصٍّ أَرَاضِيِ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَاهُمْ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِ وَاشْتَرَى ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ فِي زَمَنِ مَمْلَكَتِهِ هَلْ يَصِحُّ ذَلِكَ الْوَقْفُ أَمْ لَا قُلْت الْمُلُوكُ فُقَرَاءُ مَدِينُونَ بِسَبَبِ مَا جَنَوْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِالْهَوَاءِ فِي أَبْنِيَةِ الدُّورِ الْعَالِيَةِ الْمُزَخْرَفَةِ وَالْمَرَاكِبِ النَّفِيسَةِ وَالْأَطْعِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَإِعْطَاءِ الْأَصْدِقَاءِ وَالْمُزَاحِ بِالْبَاطِلِ مِنْ أَمْوَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا شَرْعًا فَهَذِهِ كُلُّهَا دُيُونٌ عَلَيْهِمْ فَتَكْثُرُ مِنْ تَطَاوُلِ الْأَيَّامِ فَيَتَعَذَّرُ بِسَبَبِهَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا الْأَوْقَافُ وَالتَّبَرُّعَاتُ وَالْبُيُوعَاتُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ فَإِنَّ تَبَرُّعَاتِ الْمَدْيُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ تَقَرُّرِ الدَّيْنِ بَاطِلَةٌ فَيَتَخَرَّجُ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ وَثَانِيهمَا الْإِرْثُ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ مَعَ الدَّيْنِ إجْمَاعًا فَلَا يُورَثُ عَنْهُمْ شَيْءٌ وَمَا تَرَكُوهُ مِنْ الْمَمَالِيكِ لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْوَارِثِ فِيهِمْ بَلْ هُمْ أَمْوَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُسْتَحَقُّونَ بِسَبَبِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يَنْفُذُ فِيهِمْ إلَّا عِتْقُ مُتَوَلِّي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَإِعْتَاقُهُمْ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَجُوزُ فَإِنْ وَقَفُوا وَقْفًا عَلَى جِهَاتِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ وَنَسَبُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي بَيْتِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي مَذْهَبِ ابْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا نَصُّهُ مَعَ الْمَتْنِ قَالَ الشَّيْخُ وَالنِّيَابَةُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ مِنْ تَدْرِيسٍ وَإِمَامَةٍ وَخَطَابَةٍ وَأَذَانٍ وَغَلْقِ بَابٍ وَنَحْوِهَا جَائِزَةٌ وَلَوْ عَيَّنَهُ الْوَاقِفُ وَفِي عِبَارَةٍ أُخْرَى لَهُ وَلَوْ نَهَى الْوَاقِفُ عَنْهُ إذَا كَانَ النَّائِبُ مِثْلُ مُسْتَنِيبِهِ فِي كَوْنِهِ أَهْلًا لِمَنْ اُسْتُنِيبَ فِيهِ وَقَدْ يَكُونُ هَكَذَا فِي الْفُرُوعِ وَالِاخْتِيَارَاتِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ صَوَابُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ هَكَذَا هُوَ فِي فَتَاوَى الشَّيْخِ اهـ وَكَذَا ذَكَرَ مَعْنَاهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَجَوَازُ النِّيَابَةِ بِهِ فِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ كَالْأَعْمَالِ الْمَشْرُوطَةِ فِي الْإِجَارَةِ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ كَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَبِنَاءِ الْحَائِطِ. اهـ بِلَفْظِهِ وَهُوَ فُسْحَةٌ فِي الدِّينِ وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْقِ السَّادِسَ عَشَرَ وَالْمِائَتَيْنِ بِزِيَادَةِ بَيَانٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَذْهَبِنَا فَتَرَقَّبْ وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِيمَا يَدْفَعُهُ لِمُتَوَلِّيهَا مِنْ الْخَرَاجِ وَالطِّينِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ دَائِمًا وَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ عَلَى النَّظَرِ لَا عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَظِيفَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِالْوَظِيفَةِ لِمَصْلَحَةٍ أُخْرَى رَآهَا. (وَمِنْهَا) أَنَّ تَنَاوُلَ الْأُجْرَةِ عَلَى إمَامَةِ الصَّلَاةِ قَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي جَوَازِهِ وَمَنْعِهِ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُكَايَسَةٍ وَمُغَابَنَةٍ وَمِنْ بَابِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ الْعِوَضَانِ فِيهَا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِيَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ بِمَا بُذِلَ لَهُ وَأَجْرُ الصَّلَاةِ لِلْإِمَامِ فَلَوْ أَخَذَ الْعِوَضَ عَنْهَا لَاجْتَمَعَ لَهُ الْعِوَضَانِ وَتَنَاوُلُ الْأَرْزَاقِ عَلَى الْإِمَامَةِ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ كَمَا مَرَّ لَا مِنْ بَابِ الْإِجَارَةِ كَمَا ظَنَّهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ إنَّمَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ الرِّزْقِ عَلَى الْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا وَتَوَرَّعَ عَنْ تَنَاوُلِهِ بِنَاءً عَلَى الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الْإِجَارَةِ عَلَيْهَا وَلَمْ يَفْهَمْ أَنَّ جَوَازَ الْأَرْزَاقِ عَلَيْهَا كَجَوَازِ الْوَقْفِ عَلَيْهَا بِدُونِ أَدْنَى خِلَافٍ إذْ الرِّزْقُ لَيْسَ بِمُعَاوَضَةٍ أَلْبَتَّةَ وَكَيْفَ يَكُونُ كَذَلِكَ وَقَدْ أَجَازُوا تَنَاوُلَهُ فِي أَضْيَقِ الْمَوَاضِعِ الَّذِي تَمْتَنِعُ فِيهِ الْمُعَاوَضَةُ قَطْعًا وَهُوَ الْقَضَاءُ وَالْحُكْمُ بَيْنَ النَّاسِ فَحِينَئِذٍ لَا وَرَعَ فِي تَنَاوُلِ الْأَرْزَاقِ عَلَى الْإِمَامَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِنَّمَا الْوَرَعُ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ

стр. 465

الْمَالِ لَهُمْ كَمَا يَعْتَقِدُهُ جَهَلَةُ الْمُلُوكِ بَطَلَ الْوَقْفُ بَلْ لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يُوقِفُوا مُعْتَقِدِينَ أَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْوَقْفُ لِلْمُسْلِمِينَ أَمَّا إنَّ الْمَالَ لَهُمْ وَالْوَقْفَ لَهُمْ فَلَا كَمَنْ وَقَفَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَهُ فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْمَصْرُوفُ مِنْ الزَّكَاةِ لِلْمُجَاهِدِينَ لَيْسَ أُجْرَةً وَإِجَارَةً بَلْ أَرْزَاقٌ خَاصٌّ مِنْ مَالٍ خَاصٍّ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لِهَذِهِ الْجِهَةِ فَيَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ﵏ هَلْ اللَّامُ لِلْمِلْكِ أَمْ لَا وَلَيْسَ هُوَ إجَارَةٌ وَإِلَّا لَاشْتُرِطَ فِيهِ مِقْدَارُ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ الْمُوجِبَةِ لِتَعْيِينِ الْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ الْإِجَارَةِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ أَرْزَاقًا خَاصًّا مِنْ جِهَةٍ خَاصَّةٍ وَيَقَعُ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِ الْأَرْزَاقِ بِأَنَّ أَصْلَ الْأَرْزَاقِ يَصِحُّ أَنْ يَبْقَى فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُصْرَفُ فِي الْوَقْفِ وَهَذَا يَجِبُ صَرْفُهُ إمَّا فِي جِهَةِ الْمُجَاهِدِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّمَانِيَةِ لِأَنَّ جِهَةَ هَذَا الْمَالِ عَيَّنَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إخْرَاجُهَا فِيهَا إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَالْخُمُسِ يَتَعَيَّنُ الْمُبَادَرَةُ إلَى صَرْفِهِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَأَمَّا مَا يُورَثُ عَنْ الْمَوْتَى مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يُحَازُ عَنْ الْغَائِبِ الْمُنْقَطِعِ خَبَرُهُ فَهَذَا لَا جِهَةَ لَهُ إلَّا مَا يَعْرِضُ مِنْ الْمَصَالِحِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْزَاقِ الْخَاصَّةِ وَبَقِيَّةِ الْأَرْزَاقَاتِ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ مَا يُصْرَفُ لِلْقَسَّامِ لِلْعَقَارِ بَيْنَ الْخُصُومِ مِنْ جِهَةِ الْحُكَّامِ وَالتُّرْجُمَانِ الَّذِي يُتَرْجِمُ الْكُتُبَ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَكَاتِبِ الْحَاكِمِ وَأُمَنَاءِ الْحُكَّامِ عَلَى الْأَيْتَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَذَلِكَ كُلُّهُ أَرْزَاقٌ لَا إجَارَةٌ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأَرْزَاقِ دُونَ أَحْكَامِ الْإِجَارَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَكَذَلِكَ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْخَرَّاصُ عَلَى خَرْصِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ مِنْ الدَّوَالِي وَالنَّخْلِ وَسُعَاةِ الْمَوَاشِي وَالْعُمَّالِ عَلَى الزَّكَاةِ كُلُّ ذَلِكَ أَرْزَاقٌ لَا إجَارَةٌ وَنَحْوُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِمَّا هُوَ فِي سِلْكِهَا يَتَخَرَّجُ عَلَيْهَا فَقَدْ اتَّضَحَ لَك بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَرْزَاقِ وَقَاعِدَةِ الْإِجَارَةِ وَقَاعِدَةِ وَقْفِ الْمُلُوكِ وَأَحْكَامُ ذَلِكَ الْمُخْتَلِفَةُ الْأَوْضَاعِ (الْفَرْقُ السَّادِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ فِي الْجِهَادِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِقْطَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْإِمَامِ وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ) وَاعْلَمْ أَنَّ السَّلَبَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِقَوْلِ الْإِمَامِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄ يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِفُتْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ لَا بِتَصَرُّفِهِ بِطَرِيقِ الْإِمَامَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الرِّزْقَ أَوْ الْوَقْفَ إلَّا إذَا قَامَ بِذَلِكَ الْوَجْهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ فِي إطْلَاقِهِ لِتِلْكَ الْأَرْزَاقِ أَوْ الْوَاقِفُ فِي شَرْطِهِ قُلْت وَمِنْهَا إلَى آخِرِ مَا مَرَّ فِي الْأَرْزَاقِ عَلَى الْقَضَاءِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فَانْظُرْ ذَلِكَ وَحَرِّرْ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْإِقْطَاعَاتُ الَّتِي تُجْعَلُ لِلْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْإِقْطَاعَاتُ الَّتِي يَجْعَلُهَا الْإِمَامُ لِلْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ مِنْ الْأَرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرِّبَاعِ وَالْعَقَارِ أَرْزَاقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَإِعَانَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَهِيَ وَإِنْ شَارَكَتْ الْإِجَارَةَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُهَا بِمَا قَالَهُ الْإِمَامُ مِنْ اشْتِرَاطِ التَّهَيُّؤِ لِلْحَرْبِ وَلِقَاءِ الْأَعْدَاءِ وَالْمُنَاضَلَةِ عَلَى الدِّينِ وَنُصْرَةِ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالِاسْتِعْدَادِ بِالْخَيْلِ وَالسِّلَاحِ وَالْأَعْوَانِ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّنَاوُلُ كَمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ الْأُجْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِمَا تَضَمَّنَهُ عَقْدُ الْإِجَارَةِ إذْ كَمَا أَنَّ الْأُجْرَةَ لَا تُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْوَفَاءِ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لِوُجُوبِهِ، كَذَلِكَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ لَا يُسْتَحَقُّ إلَّا بِالْوَفَاءِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ فِي إطْلَاقِهِ لِتِلْكَ الْأَرْزَاقِ إلَّا أَنَّهَا تُخَالِفُ الْإِجَارَةَ فِي أَحْكَامٍ. (أَحَدُهَا) أَنَّهَا إذَا كَانَتْ فَوْقَ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُقْتَطَعُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْوَظِيفَةِ غَلَطًا أَوْ جَوْرًا مِنْ الْإِمَامِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُقْتَطَعُ لَهُ ذَلِكَ الزَّائِدَ بَلْ يَبْقَى فِي يَدِهِ أَمَانَةً شَرْعِيَّةً يَجِبُ رَدُّهُ لِبَيْتِ الْمَالِ وَلِلْإِمَامِ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْهُ وَلِمَنْ ظَفَرَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقٌّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ إنْ كَانَ عَدْلًا أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ إنْ كَانَ جَائِرًا وَالْإِجَارَةُ تَنْعَقِدُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَبِأَكْثَرَ مِنْهَا وَيَسْتَحِقُّ الْمَعْقُودُ لَهُ الزَّائِدَ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ إذَا كَانَ الْحَالُ وَالِاجْتِهَادُ اقْتَضَى ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَنْ يَتَنَاوَلَ ذَلِكَ الزَّائِدَ مِنْ الْأُجْرَةِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ لِمَنْ عَقَدَ لَهُ. (الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الْإِقْطَاعَاتِ مِقْدَارٌ مِنْ الْعَمَلِ وَلَا أَجَلٌ تَنْتَهِي إلَيْهِ وَقَوَاعِدُ الْإِجَارَةِ اشْتِرَاطُ الْأَجَلِ وَمِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ وَنَوْعِهَا (الثَّالِثُ) أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ هَذِهِ الْإِقْطَاعَاتِ عَمَّنْ اقْتَطَعَهَا لَهُ إلَى غَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيه الْمَصْلَحَةُ وَلَوْ كَانَتْ عَقْدَ إجَارَةٍ لَامْتَنَعَ نَقْلُهَا مِنْهُ إلَى غَيْرِهِ. (الرَّابِعُ) أَنَّ الْأَمِيرَ أَوْ الْجُنْدِيَّ إذَا آجَرَ مَا جَعَلَهُ الْإِمَامُ لَهُ مِنْ الْإِقْطَاعَاتِ ثُمَّ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْعَقْدِ قَبْلَ انْقِضَاءِ

стр. 466

أَنَّهُ بِالْإِمَامَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ وَمَا وَقَعَ مِنْهَا بِتَصَرُّفِهِ ﷺ بِطَرِيقِ الْقَضَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضَاءِ الْقَاضِي وَمَا وَقَعَ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغِ يُسْتَحَقُّ بِدُونِ قَضَاءِ قَاضٍ وَإِذْنِ إمَامٍ قَالَ مَالِكٌ ﵀ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ السَّلَبَ كَانَ لِلْقَاتِلِ إلَّا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ بَابِ التَّبْلِيغِ وَالْفُتْيَا فَقَدْ حَصَلَ السَّلَبُ مِنْ بَابٍ آخَرَ غَيْرِ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ نَزْعُهُ مِمَّنْ وُجِدَ فِي حَوْزِهِ بِشَرْطِهِ لِأَنَّ الْقَتْلَ حِينَئِذٍ سَبَبُ الِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مَا هُوَ مُسْتَحِقٌّ بِسَبَبِهِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ بَابِ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ كَمَا قَالَهُ مَالِكٌ ﵀ فَلِلْإِمَامِ نَزْعُهُ مِمَّنْ وُجِدَ مَعَهُ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ تَصَرُّفُ الْإِمَامِ وَلَمْ يُوجَدْ فَبَقِيَ مِنْ الْغَنِيمَةِ. وَأَمَّا الْإِقْطَاعُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهُ وَتَمْلِيكَهُ وَإِنَّمَا هُوَ إعَانَةٌ عَلَى أَحْوَالٍ تَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ وَلَيْسَ تَمْلِيكًا حَقِيقِيًّا فَلِذَلِكَ كَانَ لِلْإِمَامِ نَزْعُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ وَتَبْدِيلُهُ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ السَّلَبِ وَإِنَّمَا سَاوَى السَّلَبَ مَا حَازَهُ الْأَجْنَادُ وَالْأُمَرَاءُ مِنْ إقْطَاعَاتِهِمْ مِنْ خَرَاجٍ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ نَزْعُهُ مِنْهُمْ لِتَقَرُّرِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا السَّلَبُ فَقَبْلَ حُصُولِ سَبَبِهِ لَا يَكُونُ لِلْقَاتِلِ بِهِ تَعَلُّقٌ أَلْبَتَّةَ وَبَعْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا بِالْكُلِّيَّةِ فَالْحَالَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ الْقَابِلَةُ لِلِانْتِزَاعِ لَا تَحْصُلُ لِلسَّلَبِ أَلْبَتَّةَ وَالْإِقْطَاعُ يَحْصُلُ لَهَا هَذِهِ الْحَالَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ الْقَابِلَةُ لِلِانْتِزَاعِ وَإِبْدَالِهِ بِغَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغِ أَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ ﷺ رَسُولٌ وَهَذَا شَأْنُ الرِّسَالَةِ أَعْنِي التَّبْلِيغَ، وَحَمْلُ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ عَلَى الْغَالِبِ طَرِيقٌ حَسَنٌ وَهُوَ مُسْتَنَدُ مَالِكٍ ﵀ فِي حَمْلِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» وَقَالَ إذْنُ الْإِمَامِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْمِلْكِ بِالْإِحْيَاءِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵀ مَشَى عَلَى قَاعِدَتِهِ فِيهِمَا وَجَعَلَهُمَا مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ بِالْإِمَامَةِ. وَأَمَّا مَالِكٌ ﵀ فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَهُ وَالشَّافِعِيُّ ﵁ مَشَى عَلَى أَصْلِهِ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْغَالِبِ فِي الْفُتْيَا دُونَ الْإِمَامَةِ وَسَبَبُ نَقْضِ مَالِكٍ لِأَصْلِهِ أُمُورٌ أَحَدُهَا أَنَّ أَصْلَ الْغَنِيمَةِ مُسْتَحَقٌّ لِلْغَانِمِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِلْغَانِمِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] مَعْنَاهُ وَالثُّلُثَانِ لِلْأَبِ وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ الضِّدِّ الْمُقَابِلِ يَدُلُّ عَلَى مُقَابِلِهِ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِ فِي الْآيَتَيْنِ وَلَمَّا كَانَتْ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسُ مُسْتَحَقَّةً لِلْغَانِمِينَ فَلَوْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ ﷺ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» فُتْيَا لَكَانَ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي مُنَافَاةِ الظَّاهِرِ الْمُتَقَدِّمِ مِمَّا إذَا جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ بِالْإِمَامَةِ وَأَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ حَتَّى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقِرَّ وَرَثَتَهُ عَلَى تِلْكَ الْأُجْرَةِ وَيُمْضِيَ لَهُمْ تِلْكَ الْإِجَارَةِ إلَى حُلُولِ أَجَلِهَا وَلَهُ دَفْعُ جَمِيعِ تِلْكَ الْأُجْرَةِ لِلْمُقْطَعِ الثَّانِي إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَسْتَقِرُّ الْأُجْرَةُ الْأُولَى لِلْأَوَّلِ إلَّا بِمُضِيِّ الْعَقْدِ وَانْقِضَاءِ أَجَلِ الْإِجَارَةِ وَهُوَ بَاقٍ عَلَى ذَلِكَ الْإِقْطَاعِ وَيُمْكِنُ تَخْرِيجُ هَذِهِ الْإِجَارَةِ مِنْ الْمُقْطَعِ لَهُ عَلَى قَاعِدَةِ الْوَقْفِ إذَا آجَرَهُ الْبَطْنَ الْأَوَّلَ زَمَانَ اسْتِحْقَاقِهِ وَغَيْرَ زَمَانِ اسْتِحْقَاقِهِ فَفِي بُطْلَانِهِ فِي غَيْرِ زَمَانِ اسْتِحْقَاقِهِ وَعَدَمِ بُطْلَانِهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ هَذَا الْمُقْطَعَ لَهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الزَّمَانَ الَّذِي هُوَ فِيهِ مُقْطِعٌ لِتِلْكَ الْأَرْضِ فَإِذَا مَاتَ أَوْ حُوِّلَ عَنْهَا لِغَيْرِهَا فَقَدْ آلَ الِاسْتِحْقَاقُ لِغَيْرِهِ كَالْبَطْنِ الثَّانِي إذَا طَرَأَ بَعْدَ الْأَوَّلِ وَلَوْ كَانَتْ الْإِجَارَةُ لَهُ مِنْ الْإِمَامِ بِذَلِكَ الْإِقْطَاعِ لَاسْتَحَقَّهَا وَرَثَتُهُ وَلَتَعَذَّرَ عَلَى الْإِمَامِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُمْ فِي مُدَّةِ عَقْدِ الْإِجَارَةِ. [الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوقِفَ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ] (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ الْأَصْلُ وَقَعَ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ وَالتَّحْصِيلِ لِأَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا ظَاهِرُهُ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُوقِفَ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ وَوَقَعَ لِلشَّافِعِيَّةِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلُ ذَلِكَ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ أَوْقَافَ الْمُلُوكِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ يَقِفُوا وَقْفًا عَلَى جِهَاتِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْوَقْفَ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهَا تَنْفُذُ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهَا شَيْئًا إلَّا إذَا قَامَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ الْوَقْفَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ وَإِذَا لَمْ تَقَعْ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ وَقَفُوا عَلَى أَوْلَادِهِمْ أَوْ جِهَاتِ أَقَارِبِهِمْ لِهَوَاهُمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى حَوْزِ الدُّنْيَا لَهُمْ وَلِذَرَارِيِّهِمْ وَاتِّبَاعًا لِغَيْرِ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ وَقَفُوا عَلَى جِهَاتِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ الْمَالَ لَهُمْ وَأَنَّ الْوَقْفَ لَهُمْ بِنَاءً عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ جَهَلَةُ الْمُلُوكِ أَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي بَيْتِ الْمَالِ لَهُمْ فَكَانَ مِنْ قَبِيلِ مَنْ وَقَفَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ لَهُ لَمْ يَنْفُذْ هَذَا الْوَقْفُ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ يَحْرُمُ عَلَى مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ شَيْئًا بِهَذَا الْوَقْفِ فَإِذَا تَنَاوَلَهُ كَانَ لِلْإِمَامِ أَخْذُهُ مِنْهُ وَصَرْفُهُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيه

стр. 467

يَقُولَ الْإِمَامُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ فَإِنَّ التَّوَقُّفَ عَلَى شَرْطٍ أَبْعَدُ عَنْ التَّخْصِيصِ مِنْ الْإِخْرَاجِ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَكَانَ تَقْلِيلُ التَّخْصِيصِ وَإِبْعَادُهُ أَوْلَى وَثَانِيهَا أَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى إفْسَادِ النِّيَّاتِ وَأَنْ يُقَاتِلَ الْإِنْسَانُ مَنْ عَلَيْهِ سَلَبٌ طَمَعًا فِي سَلَبِهِ لَا نُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُبَّمَا أَوْقَعَ ذَلِكَ خَلَلًا عَظِيمًا فِي الْجَيْشِ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْهَزِيمَةِ وَاسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ يَكُونَ الشُّجْعَانُ قَلِيلِينَ فِي التَّزَيُّنِ وَاللِّبَاسِ وَالْعَجَزَةُ وَالْجُبَنَاءُ هُمْ الْمُتَحَصَّنُونَ بِأَنْوَاعِ الْأَسْلِحَةِ فَيَشْتَغِلُ النَّاسُ بِهِمْ عَنْ الشُّجْعَانِ رَغْبَةً فِي لِبَاسِهِمْ فَيَسْتَوْلِي شُجْعَانُ الْأَعْدَاءِ عَلَى أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ وَجَيْشِهِمْ فَيَهْلِكُونَ ثُمَّ إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَهُوَ أَعْظَمُ الْمَفَاسِدِ بَلْ الْعِقَابُ الْأَلِيمُ بِسَبَبِ الْمَقَاصِدِ الرَّدِيَّةِ. وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ فَلَا يُسْتَكْثَرُ مِنْهُ فَإِذَا جُعِلَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ انْدَفَعَتْ هَذِهِ الْمَفَاسِدُ بِسَبَبِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ الَّذِينَ فِي الْجَيْشِ بَعِيدِينَ عَنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ وَإِلَّا لَمْ يَقُلْ فَتُدْفَعُ الْمَفَاسِدُ وَإِنَّمَا يَأْتِي إذَا جَعَلْنَاهُ فُتْيَا عَامَّةً فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَثَالِثُهَا أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ وَالْحَدِيثُ خَبَرٌ وَاحِدٌ وَلَيْسَ أَخَصَّ مِنْ الْآيَةِ حَتَّى يُخَصِّصَهَا لِتَنَاوُلِ لَفْظِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى مَا غَنِمْتُمْ الْغَنِيمَةَ فِي الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لُغَةً الْغَنِيمَةُ صَادِقَةٌ لُغَةً عَنْ الْغَارَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَنَحْوِهَا وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» يَتَنَاوَلُ لُغَةً الْغَنِيمَةَ وَغَيْرَهَا حَتَّى لَوْ قَتَلَهُ غِيلَةً فِي بَيْتِهِ تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ غَيْرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِالْجِهَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَحِينَئِذٍ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ وَالتَّخْصِيصُ وَالْعُمُومُ إنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيه اللَّفْظُ لُغَةً وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ مِنْ وَجْهٍ لَا يَخُصُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ فَيُصَارُ لِلتَّرْجِيحِ وَلَفْظُ الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرٌ فَيَكُونُ أَرْجَحَ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْخَبَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَالَ ذَلِكَ يُسْتَحَقُّ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ وَرَابِعُهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَعُمَرَ ﵄ تَرَكَا ذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِمَا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فُتْيَا لَمَا تَرَكَاهَا بَلْ عَلِمَا أَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِطَرِيقِ الْإِمَامَةِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ. وَلَمْ يَرَيَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ حِينَئِذٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَمْ يَقُولَا بِهِ فَهَذِهِ وُجُوهٌ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لَأَنْ يُخَالِفَ أَصْلَهُ لَهَا (الْفَرْقُ السَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ عَلَى التَّمَادِي عَلَى الْكُفْرِ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَخْذِ الْأَعْوَاضِ عَلَى التَّمَادِي عَلَى الزِّنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا) وَقَدْ أَوْرَدَهُ بَعْضُ الطَّاعِنِينَ فِي الدِّينِ سُؤَالًا فِي الْجِزْيَةِ فَقَالَ شَأْنُ الشَّرَائِعِ دَفْعُ أَعْظَمِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ وَلِلْإِمَامِ وَقْفُ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى جِهَةٍ أُخْرَى عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ. وَأَمَّا إذَا اشْتَرَوْا بَعْضَ أَرَاضِيِ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَاهُمْ مِنْ مَالِهِمْ الَّذِي يَكْتَسِبُونَهُ فِي زَمَنِ مَمْلَكَتِهِمْ وَوَقَفُوا ذَلِكَ عَلَى أَوْلَادِهِمْ أَوْ أَحَدٍ مِنْ أَقَارِبِهِمْ فَإِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلَى الْخِلَافِ فِي بُطْلَانِ تَبَرُّعَاتِ الْمَدْيُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ تَقَرُّرِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَعَدَمُ بُطْلَانِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ غَيْرِهِمْ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُلُوكَ بِسَبَبِ اسْتِغْرَاقِ ذِمَمِهِمْ بِالدُّيُونِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مَا يَجْنُونَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِالْهَوَى فِي أَبْنِيَةِ الدُّورِ الْعَالِيَةِ الْمُزَخْرَفَةِ وَالْمَرَاكِبِ النَّفِيسَةِ وَالْأَطْعِمَةِ الطَّيِّبَةِ وَإِعْطَاءِ الْأَصْدِقَاءِ وَالْمُزَاحِ بِالْبَاطِلِ مِنْ أَمْوَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا شَرْعًا فَتَكُونُ دُيُونًا عَلَيْهِمْ وَتَكْثُرُ بِتَطَاوُلِ الْأَيَّامِ يَتَعَذَّرُ فِي حَقِّهِمْ أَمْرَانِ (أَحَدُهُمَا) الْأَوْقَافُ وَالتَّبَرُّعَاتُ وَالْبُيُوعَاتُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمَنْ وَافَقَهُ فَإِنَّ تَبَرُّعَاتِ الْمَدْيُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ عَنْ تَقَرُّرِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ بَاطِلَةٌ (وَثَانِيهِمَا) الْإِرْثُ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ مَعَ الدَّيْنِ إجْمَاعًا فَلَا يُورَثُ عَنْهُ شَيْءٌ وَمَا تَرَكُوهُ مِنْ الْمَمَالِيكِ لَا يَنْفُذُ عِتْقُ الْوَارِثِ فِيهِمْ بَلْ هُمْ أَمْوَالُ بَيْتِ الْمَالِ مُسْتَحَقُّونَ بِسَبَبِ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الدَّيْنِ فَلَا يَنْفُذُ فِيهِمْ إلَّا عِتْقُ مُتَوَلِّي بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ اهـ بِتَصَرُّفٍ لِلْإِصْلَاحِ. وَفِي حَاشِيَةِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عَابِدِينَ الْحَنَفِيِّ عَلَى الدُّرِّ أَنَّ أَوْقَافَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ إنْ عُلِمَ مِلْكُهُمْ لَهَا بِالشِّرَاءِ صَحَّ وَقْفُهُمْ لَهَا وَرُوعِيَ فِيهِ شَرْطُ الْوَقْفِ وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ شِرَاؤُهُمْ لَهَا وَلَا عَدَمُهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِصِحَّةِ وَقْفِهَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وَقْفِهِمْ لَهَا مِلْكُهُمْ لَهَا بَلْ يَحْكُمُ بِأَنَّ ذَلِكَ السُّلْطَانَ الَّذِي وَقَفَهَا أَخْرَجَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَعَيَّنَهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالطَّلَبَةِ وَنَحْوِهِمْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى وُصُولِهِمْ إلَى بَعْضِ حَقِّهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَهُوَ إرْصَادٌ لَا وَقْفٌ حَقِيقَةً فَلِهَذَا أَفْتَى عَلَّامَةُ الْوُجُودِ الْمَوْلَى أَبُو السُّعُودِ مُفْتِي السَّلْطَنَةِ السُّلَيْمَانِيَّةِ بِأَنَّ أَوْقَافَ الْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ لَا يُرَاعَى شَرْطُهَا لِأَنَّهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْإِحْدَاثُ إذَا كَانَ الْمُقَرَّرُ فِي الْوَظِيفَةِ أَوْ الْمُرَتَّبِ مِنْ

стр. 468

الْمَفْسَدَتَيْنِ بِإِيقَاعِ أَدْنَاهُمَا وَتَفْوِيتُ الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَمَفْسَدَةُ الْكُفْرِ تَرْبَى عَلَى مَصْلَحَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْجِزْيَةِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بَلْ عَلَى جُمْلَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَضْلًا عَنْ هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَلِمَ وَرَدَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ بِذَلِكَ وَلِمَ لَا حَتَّمَ الْقَتْلَ دَرْءًا لِمَفْسَدَةِ الْكُفْرِ؟ وَجَوَابُ هَذَا السُّؤَالِ هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْجِزْيَةِ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا وَذَلِكَ هُوَ شَأْنُ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ بَيَانُهُ أَنَّ الْكَافِرَ إذَا قُتِلَ انْسَدَّ عَلَيْهِ بَابُ الْإِيمَانِ وَبَابُ مَقَامِ سَعَادَةِ الْجِنَانِ وَتَحَتَّمَ عَلَيْهِ الْكُفْرُ وَالْخُلُودُ فِي النِّيرَانِ وَغَضَبُ الدَّيَّانِ فَشَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْجِزْيَةَ رَجَاءَ أَنْ يُسْلِمَ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَزْمَانِ لَا سِيَّمَا مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِلْجَاءِ إلَيْهِ بِالذُّلِّ وَالصَّغَارِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ. فَإِذَا أَسْلَمَ لَزِمَ مِنْ إسْلَامِهِ إسْلَامُ ذُرِّيَّتِهِ فَاتَّصَلَتْ سِلْسِلَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ قِبَلِهِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ الْكُفْرِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ وَلَمْ يُسْلِمْ فَنَحْنُ نَتَوَقَّعُ إسْلَامَ ذُرِّيَّتِهِ الْمُخَلَّفِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَكَذَلِكَ يَحْصُلُ التَّوَقُّعُ مِنْ ذُرِّيَّةِ ذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَاعَةً مِنْ إيمَانٍ تَعْدِلُ دَهْرًا مِنْ كُفْرٍ وَكَذَلِكَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ وَأَكْثَرُ ذُرِّيَّتِهِ كُفَّارٌ وَعَدَّ النَّبِيُّ ﷺ خَلْقَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْبَرَكَاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَعْظِيمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِي تَعْظِيمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَمَّا سَاقَ تَعْظِيمَهُ وَالثَّنَاءَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَفْضَلُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ تَابَ عَلَيْهِ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ» فَجَعَلَ خَلْقَ آدَمَ ﵇ مِنْ جُمْلَةِ فَضَائِلِهِ لِأَنَّ خَلْقَهُ سَبَبُ وُجُودِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَالصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَإِنْ كَانَ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مُسْلِمٍ الْمِئُونَ مِنْ الْكُفَّارِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِمْ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ الْوَاحِدِ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِآدَمَ ﵇ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ فَيَخْرُجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَيَبْقَى مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ وَالْبَقِيَّةُ كُفَّارٌ» فَجَازَ أَهْلُ النَّارِ وَالْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ الْوَاحِدُ تَرْبَى مَصْلَحَةُ إسْلَامِهِ عَلَى مَفْسَدَةِ أُولَئِكَ وَأَنَّهُمْ كَالْعَدَمِ الصِّرْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا إيمَانٌ يُتَوَقَّعُ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ مِنْ آحَادِ الذَّرَارِيِّ لَا يُعَادِلُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْكُفْرِ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِهِ فَعَقْدُ الْجِزْيَةِ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ الشَّرَائِعِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ. وَلَمْ تُؤْخَذْ الْجِزْيَةُ مِنْ الْكُفَّارِ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْهُ بَلْ لِتَوَقُّعِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ بِالْتِزَامِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ الْحَقِيرَةِ بِخِلَافِ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ الزِّنَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَرْجِيحٌ لِلْمَصْلَحَةِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي هِيَ الدَّرَاهِمُ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْعَظِيمَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَصَارِيفِ بَيْتِ الْمَالِ. اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمَوْلَى أَبَا السُّعُودِ أَدْرَى بِحَالِ أَوْقَافِ الْمُلُوكِ وَمِثْلُهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَلِذَا لَمَّا أَرَادَ السُّلْطَانُ نِظَامُ الْمَمْلَكَةِ بُرْقُوقٌ فِي عَامِ نَيِّفٍ وَثَمَانِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ أَنْ يَنْقُضَ هَذِهِ الْأَوْقَافَ لِكَوْنِهَا أُخِذَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَعَقَدَ لِذَلِكَ مَجْلِسًا حَافِلًا حَضَرَهُ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ وَالْبُرْهَانُ بْنُ جَمَاعَةَ وَشَيْخُ الْحَنَفِيَّةِ الشَّيْخُ أَكْمَلُ الدِّينِ شَارِحُ الْهِدَايَةِ فَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ مَا وُقِفَ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالطَّلَبَةِ لَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ لِأَنَّ لَهُمْ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَمَا وُقِفَ عَلَى فَاطِمَةَ وَخَدِيجَةَ وَعَائِشَةَ يُنْقَضُ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَاضِرُونَ كَمَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيّ فِي النَّقْلِ الْمَسْتُورِ فِي جَوَازِ قَبْضِ مَعْلُومِ الْوَظَائِفِ بِلَا حُضُورٍ وَرَأَيْت نَحْوَهُ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى فَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَوْقَافَ السَّلَاطِينِ مِنْ بَيْتِ الْمَال إرْصَادَاتٌ لَا أَوْقَافٌ حَقِيقَةً وَأَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا عَلَى مَصَارِفِ بَيْتِ الْمَالِ لَا يُنْقَضُ بِخِلَافِ مَا وَقَفَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ عُتَقَائِهِ مَثَلًا وَأَنَّهُ حَيْثُ كَانَتْ إرْصَادًا لَا يَلْزَمُ مُرَاعَاةُ شُرُوطِهَا لِعَدَمِ كَوْنِهَا وَقْفًا صَحِيحًا فَإِنَّ شَرْطَ صِحَّتِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ وَالسُّلْطَانُ بِدُونِ الشِّرَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَمْلِكُهُ وَمَا فِي التُّحْفَةِ الْمَرْضِيَّةِ عَنْ الْعَلَّامَةِ قَاسِمٍ مِنْ أَنَّ وَقْفَ السُّلْطَانِ لِأَرْضِ بَيْتِ الْمَالِ صَحِيحٌ لَعَلَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ لَازِمٌ لَا يُغَيَّرُ إذَا كَانَ عَلَى مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ كَمَا نَقَلَ الطَّرَسُوسِيُّ عَنْ قَاضِي خَانْ مِنْ أَنَّ السُّلْطَانَ لَوْ وَقَفَ أَرْضًا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَصْلَحَةٍ عَامَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ لِأَنَّهُ إذَا أَبَّدَهُ عَلَى مَصْرِفِهِ الشَّرْعِيِّ فَقَدْ مَنَعَ مَنْ يَصْرِفُهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَوْرِ فِي غَيْرِ مَصْرِفِهِ. اهـ فَقَدْ أَفَادَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا الْوَقْفِ تَأْبِيدُ صَرْفِهِ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا السُّلْطَانُ مِمَّا هُوَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ وَهُوَ مَعْنَى الْإِرْصَادِ السَّابِقِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ بِتَصَرُّفٍ قُلْت وَهُوَ يُخَالِفُ مَا لِلْأَصْلِ مِنْ جِهَتَيْنِ جِهَةٌ أَنَّ كَلَامَ الْأَصْلِ يُفِيدُ أَنَّ مُقْتَضَى ظَاهِرِ مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ ابْنِ رُشْدٍ وَمَا لِلشَّافِعِيَّةِ مِنْ جَوَازِ وَقْفٍ مِنْ الْإِمَامِ عَلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ صِحَّةُ وَقْفِهِ وَمُرَاعَاةُ شَرْطِهِ وَكَلَامُ ابْنِ عَابِدِينَ يُفِيدُ أَنَّ صَرِيحَ مَا لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْأَحْنَافِ عَدَمُ صِحَّةِ الْوَقْفِ وَأَنَّهُ لَا

стр. 469

الَّتِي هِيَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى نَعَمْ لَوْ عَجَزْنَا عَنْ إزَالَةِ مُنْكِرٍ مِنْ هَذِهِ الْمُنْكَرَاتِ إلَّا بِدَفْعِ دَرَاهِمَ دَفَعْنَاهَا لِمَنْ يَأْكُلُهَا حَرَامًا حَتَّى يَتْرُكَ ذَلِكَ الْمُنْكَرَ الْعَظِيمَ كَمَا يُدْفَعُ الْمَالُ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى، وَالْكُفَّارُ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ أَكْلُ ذَلِكَ الْمَالِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ الْمُحَرَّمِ لِتَخْلِيصِ الْأَسِيرِ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ وَلِذَلِكَ يُعْطَى الْمُحَارِبُ الْمَالَ الْيَسِيرَ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ لِيُسَلِّمَ صَاحِبَهُ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ مَعَهُ فَيَمُوتَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا أَوْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ وَالْمَعْصِيَةِ أَكْثَرَ. وَأَمَّا دَفْعُ الْمَالِ لِغَرَضِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ لَيْسَ إلَّا فَهَذَا لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ بَلْ الشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُهُ وَلَا تُبِيحُهُ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَفْسَدَةٌ صِرْفَةٌ فَلَمْ تُشْرَعْ وَقَاعِدَةُ الْجِزْيَةِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الْقَلِيلَةِ لِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعَظِيمَةِ وَتَوَقُّعُ الْمَصْلَحَةِ الْعَظِيمَةِ فَشُرِعَتْ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ (الْفَرْقُ الثَّامِنَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ نَقْضَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ نَقْضَهَا) اعْلَمْ أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ مُوجِبٌ لِعِصْمَةِ الدِّمَاءِ وَصِيَانَةِ الْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَحَقِيقَةُ عَقْدِ الْجِزْيَةِ هُوَ الْتِزَامُنَا لَهُمْ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ نَشْتَرِطُهَا عَلَيْهِمْ مَضَتْ سُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ بِهَا وَهِيَ أَيْضًا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ الشُّرُوطُ الْمُشْتَرَطَةُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُعْطُوا أَرْبَعَةَ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا فِي انْقِضَاءِ كُلِّ عَامٍ قَمَرِيٍّ صَرْفُ كُلِّ دِينَارٍ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَأَنْ لَا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً وَلَا دِيرًا وَلَا صَوْمَعَةً وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ مِنْهَا وَلَا يَمْنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ النُّزُولِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا وَيُوَسِّعُوا أَبْوَابَهَا لِلنَّازِلِينَ وَيُضَيِّفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةً وَأَنْ لَا يَأْوُوا جَاسُوسًا وَلَا يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمْ الْقُرْآنَ وَلَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَيُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ وَيَقُومُوا لَهُمْ مِنْ الْمَجَالِسِ وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ وَلَا فَرْقِ شَعْرِهِمْ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامِهِمْ وَلَا يَتَكَنَّوْا بِكُنَاهُمْ وَلَا يَرْكَبُوا عَلَى السُّرُوجِ وَلَا يَتَقَلَّدُوا شَيْئًا مِنْ السِّلَاحِ وَلَا يَحْمِلُوهُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَتَّخِذُوهُ وَلَا يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَبِيعُوا الْخَمْرَ مِنْ مُسْلِمٍ وَيَجُزُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ وَيَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ وَلَا يُظْهِرُوا الصَّلِيبَ وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ وَلَا يَطْرَحُوا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ نَجَاسَةً وَيُخْفُوا النَّوَاقِيسَ وَأَصْوَاتَهُمْ وَلَا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِنْ شَعَائِرِهِمْ وَلَا يَتَّخِذُوا مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ وَيُرْشِدُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُطْلِعُوا عَلَيْهِمْ عَدُوًّا وَلَا يَضْرِبُوا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يُرَاعَى شَرْطُهُ وَكَلَامُ الْأَصْلِ ظَاهِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَذْهَبِنَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ السُّلْطَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا مَا وَقَفَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إلَّا أَنَّهُ وَكِيلٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ كَوَكِيلِ الْوَاقِفِ يَصِحُّ وَقْفُهُ كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ عَلَى عبق فَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمِسْنَاوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْقَوْلِ الْكَاشِفِ وَحَاصِلُ مَا لِأَئِمَّتِنَا فِي أَوْقَافِ مُسْتَغْرِقِي الذِّمَّةِ مِنْ الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ كَالْقَرَافِيِّ فِي الْفُرُوقِ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا إنْ كَانَتْ عَلَى بَعْضِ وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ كَالْمَسَاجِدِ وَالْمَسَاكِينِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْوَقْفَ لَهُمْ وَأَيْدِيهِمْ فِي ذَلِكَ أَيْدِي نِيَابَةٍ فَقَطْ فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَتُعْتَبَرُ شُرُوطُهُمْ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَلَى وَفْقِ ضَيَاعِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَوْقَافِ غَيْرِهِمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْهَا إلَّا مَنْ قَامَ بِشَرْطِ الْوَقْفِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إنْ كَانَ هُوَ الْوَاقِفُ أَنْ يُطْلِقَ ذَلِكَ الْوَقْفَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَلَا أَنْ يُحَوِّلَهُ عَلَى تِلْكَ الْجِهَةِ إلَى جِهَةٍ أُخْرَى لِلُزُومِ ذَلِكَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَوْقَافِ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا فِي سَمَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَسَلَّمَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْبَيَانِ وَأَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ بِقَوْلِهِ يَصِحُّ الْحُبْسُ مِنْ الْإِمَامِ لِسَمَاعِ ابْنِ خَالِدٍ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ صِحَّةَ تَحْبِيسِهِ الْخَيْلَ فِي الْجِهَادِ وَأَنْكَرَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ بِبَلَدِنَا حِينَ إشْهَادِ إمَامِهَا بِتَحْبِيسِ بَعْضِ رِبَاعِهَا عَلَى بِنَاءِ سُوَرِهَا فَأَوْقَفْته عَلَى السَّمَاعِ أَيْ سَمَاعِ ابْنِ خَالِدٍ مِنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَذْكُورِ فَشَهِدَ فِيهِ مَعَنَا. اهـ أَيْ فَشَهِدَ ذَلِكَ الْبَعْضُ فِي إشْهَادِ ذَلِكَ وَالْإِمَامُ بِالتَّحْبِيسِ لِلرُّبَاعِ الْمَذْكُورَةِ مَعَنَا قَالَ كنون وَانْظُرْ كِتَابَ الْحَبْسِ مِنْ تَكْمِيلِ غ وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرَ أَيْ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي كَوْنَ أَوْقَافِهِمْ عَلَى مَا يَرْجِعُ إلَى مَصَالِحِهِمْ الْخَاصَّةِ أَوْ عَلَى وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ أَمْوَالَ بَيْتِ الْمَالِ وَمَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا لَهُمْ وَأَنَّ الْوَقْفَ لَهُمْ أَوْ عَلَى وُجُوهِ الْبِرِّ وَالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ مُعْتَقِدِينَ أَنَّ الْمَالَ وَالْوَقْفَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لَهُمْ بَلْ أَيْدِيهُمْ فِي ذَلِكَ أَيْدِي نِيَابَةٍ فَقَطْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَا وَقَفُوهُ مُشْتَرًى مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ مَالِهِمْ الَّذِي اكْتَسَبُوهُ فِي زَمَنِ الْإِمَارَةِ إذْ هُوَ لِبَيْتِ الْمَالِ حُكْمًا لِعِمَارَةِ

стр. 470

مُسْلِمًا وَلَا يَسُبُّوهُ وَلَا يَسْتَخْدِمُوهُ وَلَا يُسْمِعُوا مُسْلِمًا شَيْئًا مِنْ كُفْرِهِمْ وَلَا يَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُظْهِرُوا خَمْرًا وَلَا نِكَاحَ ذَاتِ مَحْرَمٍ وَأَنْ يُسْكِنُوا الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ فَمَتَى أَخَلُّوا بِوَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ اُخْتُلِفَ فِي نَقْضِ عَهْدِهِمْ وَقَتْلِهِمْ وَسَبْيِهِمْ وَأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَادَّةَ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ ﵃ لَا يَرَوْا النَّقْضَ بِالْإِخْلَالِ بِأَحَدِ هَذِهِ الشُّرُوطِ كَيْفَ كَانَ بَلْ بَعْضُهَا يُوجِبُ النَّقْضَ وَبَعْضُهَا لَا يُوجِبُ وَقَدْ سَبَقَ إلَى خَاطِرِ الْفَقِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوطَ شَأْنُهُ الِانْتِفَاءُ عِنْدَ انْتِفَاءِ أَحَدِ الشُّرُوطِ وَلَوْ كَانَ أَلْفَ شَرْطٍ إذَا عُدِمَ وَاحِدٌ مِنْهَا لَا يُفِيدُ حُضُورُ مَا عَدَاهُ كَمَا يَجِدُهُ فِي شَرَائِطِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا إنْ عُدِمَ شَرْطٌ وَاحِدٌ عُدِمَ جَمِيعُ الشُّرُوطِ فَلِذَلِكَ يَخْطِرُ لِضَعْفِهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّ شُرُوطَ الْجِزْيَةِ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَّ قَاعِدَةَ مَا يُوجِبُ النَّقْضَ مُخَالِفَةٌ لِقَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُهُ فَإِنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَاصِمٌ لِلدِّمَاءِ كَالْإِسْلَامِ. وَقَدْ أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى الْمُسْلِمَ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ فِي عَقْدِ إسْلَامِهِ كَمَا أَلْزَمَ الذِّمِّيَّ جُمْلَةَ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي عَقْدِ أَمَانَةٍ فَكَمَا انْقَسَمَ رَفْضُ التَّكَالِيفِ فِي الْإِسْلَامِ إلَى مَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ وَيُبِيحُ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ كَرَمْيِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ النُّبُوَّاتِ وَإِلَى مَا لَيْسَ مُنَافِيًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ ضَرْبَانِ كَبَائِرُ تُوجِبُ التَّغْلِيظَ بِالْعُقُوبَةِ وَرَدِّ الشَّهَادَاتِ وَسَلْبِ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ وَصَغَائِرُ تُوجِبُ التَّأْدِيبَ دُونَ التَّغْلِيظِ. فَكَذَلِكَ عَقْدُ الْجِزْيَةِ تَنْقَسِمُ شُرُوطُهُ إلَى مَا يُنَافِيه كَالْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ عَنْ أَحْكَامِ السُّلْطَانِ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِلْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ وَهُمَا مَقْصُودُ الْعَقْدِ وَإِلَى مَا لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ وَهُوَ عَظِيمُ الْمَفْسَدَةِ فَهُوَ كَالْكَبِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِسْلَامِ كَالْحِرَابَةِ وَالسَّرِقَةِ وَإِلَى مَا هُوَ كَالصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِسْلَامِ كَسَبِّ الْمُسْلِمِ وَإِظْهَارِ التَّرَفُّعِ عَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ لَا يُنَافِيَانِ الْإِسْلَامَ وَلَا يُبْطِلَانِ عِصْمَةَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ فَكَذَلِكَ لَا يُبْطِلَانِ عَقْدَ الْجِزْيَةِ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِمَا لَهُ مِنْ جِهَةِ الْأَمْنِ وَالْأَمَانِ الْمَقْصُودَيْنِ مِنْ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَالْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ فِي أَبْوَابِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّهَا لَا تُبْطِلُ عَقْدًا مِنْ الْعُقُودِ إلَّا بِمَا يُنَافِي مَقْصُودَ ذَلِكَ الْعَقْدِ دُونَ مَا لَا يُنَافِي مَقْصُودَهُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ مُقَارَنَتِهِ مَعَهُ فَكَذَلِكَ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلَ عَقْدُ الْجِزْيَةِ إلَّا بِمَا تَقَدَّمَ وَنَحْوِهِ وَانْقَسَمَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُوجِبٌ لِمُنَافَاةِ عَقْدِ الذِّمَّةِ كَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ وَنَبْذِ الْعَهْدِ وَالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ بِمُفْرَدِهِمْ أَوْ مَعَ الْأَعْدَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِيه كَتَرْكِ الزِّنَادِ وَرُكُوبِ الْخَيْلِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ذِمَّتِهِمْ بِمَا جَنَوْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَصَرُّفِهِمْ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ فَيَسْتَغْرِقُ مَا بِأَيْدِهِمْ مِمَّا اكْتَسَبُوهُ بَعْدَ الْوِلَايَةِ بَلْ وَقَبْلَهَا فَيَبْطُلُ وَقْفُ الْمُشْتَرِي بِالْقِبْلِيِّ أَيْضًا فِي الْقِسْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ إذَا تَأَخَّرَ إلَى اسْتِغْرَاقِ الذِّمَّةِ وَمِمَّا تُفَارِقُ بِهِ أَيْضًا أَوْقَافُ الْمُلُوكِ وَنَحْوِهِمْ غَيْرَهَا مِنْ الْأَوْقَافِ إنْ وَفَّرَهَا أَيْ مَا فَضَلَ مِنْهَا عَمَّا سَمَّوْهُ مِنْ الْمَصْرِفِ فَضْلًا بَيِّنًا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ صَرْفِهِ فِي مَصْلَحَةِ غَيْرِ مَا عَيَّنُوهُ وَلَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ الْمَعْرُوفُ فِي أَوْقَافِ الْأَحْبَاسِ كَمَا فِي جَوَابَيْ الْعَلَّامَةِ أَبِي عُثْمَانَ الْعُقْبَانِيِّ وَالْمُحَصِّلِ الْمُفْتِي أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيِّ الْمَذْكُورَيْنِ فِي الْمِعْيَارِ. اهـ وَقَالَ عبق وَفِي تت عِنْدَ قَوْلِهِ إنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورِهِ عِنْدَ الذَّخِيرَةِ إنْ وَقَفُوا عَلَى مَدْرَسَةٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَاجُ إلَيْهِ بَطَلَ فِيمَا زَادَ فَقَطْ لِأَنَّهُمْ مَعْزُولُونَ عَنْ التَّصَرُّفِ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَالزَّائِدُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ فَهُوَ مِنْ غَيْرِ مُتَوَلٍّ وَلَا يَنْفُذُ. اهـ وَلِابْنِ وَهْبَانَ فِي مَنْظُومَتِهِ وَلَوْ وَقَفَ السُّلْطَانُ مِنْ بَيْتِ مَالِنَا بِالْمَصْلَحَةِ عَمَّتْ يَجُوزُ وَيُؤْجَرُ وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ عبق عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ مَعَ الْبُنَانِيِّ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ صَحَّ وَقْفُ مَمْلُوكٍ وَإِنْ بِأُجْرَةٍ. الْفَرْقُ بَيْنَ أَرْصَادِ الْإِمَامِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ فِي كُتُبِنَا بِالْخُلُوِّ وَبَيْنَ وَقْفِهِ نِيَابَةً عَنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جِهَةٍ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَنْفَعَةَ الْخُلُوِّ مَمْلُوكَةٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ الْحُبْسُ بِهَا وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ الْحُبْسُ بِأَصْلِهَا فَمَالِكُهَا كَمَالِكِ الْمَنْفَعَةِ لِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ بِأُجْرَةٍ فَكَمَا يَجُوزُ تَحْبِيسُ مَالِك الْمَنْفَعَةِ بِأُجْرَةٍ لِلْمُدَّةِ الْمُعَيَّنَةِ لِقَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْإِجَارَاتِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَ أَرْضَهُ عَلَى أَنْ تُتَّخَذَ مَسْجِدًا عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا انْقَضَتْ كَانَ النَّقْضُ لِلَّذِي بَنَاهُ. اهـ لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّأْبِيدُ عِنْدَنَا كَذَلِكَ يَجُوزُ بِالْأَحْرَى لِمَالِكِ مَنْفَعَةِ الْخُلُوِّ تَحْبِيسُهَا لِكَوْنِهِ يَمْلِكُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْعَمَلُ بِمِصْرَ فَلِذَا أَفْتَى بِصِحَّتِهِ جَمْعٌ مِنْهُمْ شَيْخُ عج وَالشَّيْخُ أَحْمَدُ السَّنْهُورِيُّ وَأَفْتَى النَّاصِرُ بِجَوَازِ بَيْعِ الْخُلُوِّ فِي الدَّيْنِ وَارِثُهُ وَرُجُوعُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ حَيْثُ لَا وَارِثَ وَمَا أَبْدَاهُ عج مِنْ الْفُرُوقِ بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْخُلُوِّ وَمَنْفَعَةِ الْإِجَارَةِ بِمَسَائِلَ فَجَمِيعُهَا لَا يَصِحُّ

стр. 471

وَتَرْكِ ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَقْشِ خَوَاتِمِهِمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَخِفُّ مَفْسَدَتُهُ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيُنْتَقَضُ عَقْدُ الْجِزْيَةِ أَوْ بِالْقِسْمِ الثَّانِي فَلَا يُنْتَقَضُ وَهَا أَنَا أَسْرُدُ لَك مَسَائِلَ تُوَضِّحُ لَك هَذِهِ الْأَقْسَامَ قَالَ الْأَصْحَابُ إذَا أَظْهَرُوا مُعْتَقَدَهُمْ فِي الْمَسِيحِ ﵇ أَوْ غَيْرِهِ أَدَّبْنَاهُمْ وَلَا يُنْقَضُ بِهِ الْعَهْدُ وَإِنَّمَا يُنْقَضُ بِالْقِتَالِ وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ وَالتَّمَرُّدِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَإِكْرَاهِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الزِّنَا فَإِنْ أَسْلَمَ لَمْ يُقْتَلْ لِأَنَّ قَتْلَهُ لِنَقْضِ الْعَهْدِ وَكَذَلِكَ التَّطَلُّعُ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا قَطْعُ الطَّرِيقِ وَالْقَتْلُ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ فَحُكْمُهُمْ فِيهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ وَتَعَرُّضُهُمْ لَهُ ﷺ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ إلَّا أَنْ يُسْلِمُوا وَرُوِيَ يَوْجَعُ أَدَبًا وَيُشَدَّدُ بِهِ. فَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ قَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ زَنَى بِالْمُسْلِمَةِ طَوْعًا لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵁ وَانْتُقِضَ عِنْدَ رَبِيعَةَ وَابْنِ وَهْبٍ. وَإِنْ غَرَّهَا بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَتَزَوَّجَهَا فَهُوَ نَقْضٌ عِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ وَإِنْ عَلِمَتْ بِهِ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا وَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْأَمَةُ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا وَإِنْ اغْتَصَبَهَا قَالَ مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَقْضٍ وَقِيلَ نَقْضٌ. قَالَ فَإِنْ عُوهِدَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَقْضٌ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِذَلِكَ قُلْت وَهَذِهِ الْفُرُوعُ بَعْضُهَا أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ لِلْقَاعِدَةِ فِي النَّقْضِ فَإِكْرَاهُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الزِّنَا وَجَعْلُهُ نَاقِضًا دُونَ الْحِرَابَةِ مُشْكِلٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالْحِرَابَةِ فَلَا يُنْتَقَضُ أَوْ تُلْحَقُ الْحِرَابَةُ بِهِ فَيُنْتَقَضُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِعُمُومِ مَفْسَدَةِ الْحِرَابَةِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ قَالَ فِي الْكِتَابِ فَإِنْ خَرَجُوا نَقْضًا لِلْعَهْدِ وَالْإِمَامُ عَادِلٌ فَهُمْ فَيْءٌ كَمَا فَعَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَمَّا عَصَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَتْحِ قَالَ التُّونُسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَمْ يَجْعَلْ مَالِكٌ ﵀ الْقَتْلَ فِي الْحِرَابَةِ نَقْضًا وَهُوَ يَقُولُ غَصْبُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْوَطْءِ نَقْضٌ قَالَ وَهُوَ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَهْدُ اقْتَضَاهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ وَامْتِنَاعُهُمْ مِنْ الْجِزْيَةِ لِظُلْمٍ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ رُدُّوا إلَى ذِمَّتِهِمْ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ حِرَابَةُ الذِّمِّيِّ نَقْضٌ لِلْعَهْدِ وَلَا يُؤْخَذُ وَلَدُهُ لِبَقَاءِ الْعَهْدِ فِي حَقِّهِ بِخِلَافِ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحِرَابَةِ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ مِنْ ظُلْمٍ فَهُوَ نَقْضٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَاهَدُوا عَلَى أَنْ يَظْلِمُوا مَنْ ظَلَمَهُمْ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أُخْبِرَ أَنَّ ذِمِّيًّا نَخَسَ بَغْلًا عَلَيْهِ مُسْلِمَةٌ فَوَقَعَتْ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا فَأَمَرَ بِصَلْبِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَالَ إنَّمَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ نَقْضُ الْعَهْدِ بِغَصْبِ الْمُسْلِمَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا حَارَبَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وَظُفِرَ بِهِمْ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ قُتِلُوا وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَلَا تَعَرُّضَ لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ مَعَهُمْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَمَا وَقَفَهُ الْإِمَامُ عَلَى جِهَةٍ مِنْ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِتِلْكَ الْجِهَةِ بَلْ تَعَلَّقَ الْحُبْسُ بِهَا كَأَصْلِهَا فَتُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ أَوْقَافِ غَيْرِ الْإِمَامِ لَا تُرَاعَى شُرُوطُهُ الَّتِي عَلَى وَفْقِ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا عَلِمْت وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ فَلَيْسَ بِظَاهِرٍ لِأَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُوقِفَ وَقْفًا عَلَى جِهَةٍ مِنْ الْجِهَاتِ لَا يَقْتَضِي صِحَّتَهُ فَقَطْ بَلْ كَمَا يَحْتَمِلُهَا كَذَلِكَ يَحْتَمِلُ عَدَمَهَا وَقَدْ نَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الزُّرْعَةُ الْمَكِّيُّ فِي رِسَالَتِهِ بِسَاطِ الْكَرْمِ فِي الْقَوْلِ عَلَى أَوْقَافِ الْحَرَمِ عَنْ الْعَلَّامَةِ السُّيُوطِيّ أَنَّهُ قَالَ فِي الْيَنْبُوعِ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ يَعْنِي الشَّافِعِيَّةَ أَنَّ الْوَظَائِفَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأَوْقَافِ أَوْقَافِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّلَاطِينِ كُلِّهَا إنْ كَانَ لَهَا أَصْلٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ تَرْجِعُ إلَيْهِ فَيَجُوزُ لِمَنْ كَانَ بِصِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ عَالِمٍ بِالْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَطَالِبِ عِلْمٍ كَذَلِكَ وَصُوفِيٍّ عَلَى طَرِيقَةِ الصُّوفِيَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنْ يَأْكُلَ مِمَّا وَقَفُوهُ غَيْرَ مُتَقَيِّدٍ بِمَا شَرَطُوهُ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ وَإِذَا وَقَفَ السُّلْطَانُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْضًا لِمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فَذَكَرَ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوِيهِ جَوَازَهُ وَلَا يُرَاعِي مَا شَرَطَهُ دَائِمًا اهـ أَيْ بَلْ يُرَاعِي فِي الْجُمْلَةِ وَذَكَرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّ شُرُوطَ السَّلَاطِينِ فِي أَوْقَافِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَا يُعْمَلُ بِشَيْءٍ مِنْهَا كَمَا قَالَهُ أَجِلَّاءُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ شُرُوطِهِمْ فِيهَا لِبَقَائِهَا عَلَى مِلْكِ بَيْتِ الْمَالِ. اهـ فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ مَعَ قَوْلِهِمْ بِجَوَازِ أَوْقَافِهِمْ الْجَارِيَةِ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ قَالُوا بِعَدَمِ صِحَّتِهَا وَعَدَمِ مُرَاعَاةِ شُرُوطِهَا فَمَذْهَبُهُمْ كَمَذْهَبِ الْأَحْنَافِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ لَا يَمْلِكُونَ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْئًا وَشَرْطُ صِحَّةِ الْوَقْفِ مِلْكُ الْوَاقِفِ فَمَا وَقَفُوهُ لَيْسَ بِوَقْفٍ حَقِيقَةً بَلْ صُورَةً مِنْ قَبِيلِ الْأَرْصَادِ عَيَّنَهُ وَاقِفُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ وَأَبَّدَهُ عَلَى مَصْرِفِهِ وَمُسْتَحِقِّهِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالطَّلَبَةِ وَنَحْوِهِمْ عَوْنًا عَلَى وُصُولِهِمْ إلَى بَعْضِ حَقِّهِمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَمَنْعًا لِمَنْ يَصْرِفُهُ مِنْ أُمَرَاءِ الْجَوْرِ فِي غَيْرِ مَصْرِفِهِ قَالَ فِي بِسَاطِ الْكَرْمِ جَوَّزَ الْعُلَمَاءُ وَالْحُكَّامُ لِضَرُورَاتِ النَّاسِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ فِي الْأَوْقَافِ السُّلْطَانِيَّةِ مِنْ الْفَرَاغِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ

стр. 472

كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَلَوْ ذَهَبُوا لِبَلَدِ الْحَرْبِ وَتَرَكُوا أَوْلَادَهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ لَمْ يُسْبَوْا بِخِلَافِ إذَا ذَهَبُوا بِهِمْ وَإِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِظُلْمٍ أَصَابَهُمْ إلَّا أَنْ يُعِينُوا عَلَيْنَا الْمُشْرِكِينَ فَهُمْ كَالْمُحَارِبِينَ وَقَالَ أَيْضًا إذَا حَارَبُوا وَالْإِمَامُ عَدْلٌ اسْتَحَلَّ سَبْيَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ إلَّا مَنْ يَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ كَالضُّعَفَاءِ. وَلَمْ يَسْتَثْنِ أَصْبَغُ ﵀ أَحَدًا وَأَلْحَقَ الضُّعَفَاءَ بِالْأَقْوِيَاءِ فِي النَّقْضِ كَمَا أَنْدَرَجُوا مَعَهُمْ فِي الْعَقْدِ وَلِأَنَّهُ ﷺ «سَبَى ذَرَارِيَّ قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا اسْتَوْلَى الْعَدُوُّ عَلَى مَدِينَةِ الْمُسْلِمِينَ فِيهَا ذِمَّةٌ فَغَزَوْا مَعَهُمْ ثُمَّ اعْتَذَرُوا لَنَا بِالْقَهْرِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ إلَّا بِقَوْلِهِمْ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا قُتِلَ وَإِلَّا أُطِيلَ سَجْنُهُ قَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ إذَا صَارُوا عَيْنًا لِلْحَرْبِيِّينَ عَلَيْنَا فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ تُوَضِّحُ لَك الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ نَاقِضًا وَمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ وَمَا هُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّقْضِ وَمَا هُوَ بَعِيدٌ وَتَحَرَّرَ لَك بِذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ النَّقْضَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ النَّقْضَ فَتَعْتَبِرُ مَا يَقَعُ لَك مِنْ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ . (الْفَرْقُ التَّاسِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ بِرِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّوَدُّدِ لَهُمْ) اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ التَّوَدُّدِ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] الْآيَةَ فَمَنَعَ الْمُوَالَاةَ وَالتَّوَدُّدَ وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] الْآيَةَ وَقَالَ فِي حَقِّ الْفَرِيقِ الْآخَرِ ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] الْآيَةَ. وَقَالَ ﷺ «اسْتَوْصُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ خَيْرًا» وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا» فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ النُّصُوصِ وَإِنَّ الْإِحْسَانَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ مَطْلُوبٌ وَأَنَّ التَّوَدُّدَ وَالْمُوَالَاةَ مَنْهِيٌّ عَنْهُمَا وَالْبَابَانِ مُلْتَبِسَانِ فَيَحْتَاجَانِ إلَى الْفَرْقِ وَسِرُّ الْفَرْقِ أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ يُوجِبُ حُقُوقًا عَلَيْنَا لَهُمْ لِأَنَّهُمْ فِي جِوَارِنَا وَفِي خَفَارَتِنَا وَذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وَدِينِ الْإِسْلَامِ فَمِنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ وَلَوْ بِكَلِمَةِ سُوءٍ أَوْ غِيبَةٍ فِي عِرْضِ أَحَدِهِمْ أَوْ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذِيَّةِ أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّعَ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ ﷺ وَذِمَّةَ دِينِ الْإِسْلَامِ. وَكَذَلِكَ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ لَهُ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَجَاءَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى بِلَادِنَا يَقْصِدُونَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ لِقِتَالِهِمْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَنَمُوتَ دُونَ ذَلِكَ صَوْنًا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ دُونَ ذَلِكَ إهْمَالٌ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَحَكَى فِي ذَلِكَ إجْمَاعَ الْأَمَةِ فَقَدْ يُؤَدِّي إلَى إتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْعَيْنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَيْفَ وَلَهُ أَصْلٌ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ عُلَمَائِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَالْعَادَةُ مُحْكَمَةٌ أَيْ هِيَ الْمُرَجِّعُ عِنْدَ النِّزَاعِ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ يُبْتَنَى عَلَيْهِ الْحُكْمُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ وَأَصْلُهَا قَوْلُهُ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ وَمَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبِيحًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ قَبِيحٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَهُوَ مَوْقُوفٌ حَسَنٌ أَفَادَهُ الْعَلَّامَةُ السَّيِّدُ الْحَمَوِيُّ وَقَدْ أَجَابَ مُفْتِي مَكَّةَ الْعَلَّامَةُ السَّيِّدُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْمَرْحُومِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ مِيرْغَنِيّ لَمَّا سَأَلَهُ قَاضِيهَا يَوْمئِذٍ بِمَا صُورَتُهُ مَا قَوْلُكُمْ فِي خَلَوَاتِ الْمَدَارِسِ الَّتِي بَنَاهَا وَاقِفُهَا لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ ثُمَّ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَسَكَنَهَا غَيْرُ الْمَشْرُوطَةِ لَهُمْ وَيُفَرِّغُونَ سُكْنَاهَا بِعِوَضٍ دَرَاهِمَ بَيْنَهُمْ فَهَلْ هَذَا الْفَرَاغُ صَحِيحٌ وَيَسْتَحِقُّ سُكْنَاهَا غَيْرُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ أَمْ تُنْزَعُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَتُعْطَى لِمَنْ شَرَطَ لَهُمْ أَمْ كَيْفَ الْحُكْمُ بِمَا نَصُّهُ نَعَمْ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ جَوَازِ فَرَاغِ مَا ذُكِرَ مِمَّا الْفَرَاغُ جَازَ فِيهِ وَقَدْ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ الْمُسْتَمِرَّةُ حَيْثُ كَانَ الِاسْتِيلَاءُ بِالطَّرِيقِ الْمُعْتَبَرِ مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فَلَا يُنْزَعُ مِنْ يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ بَلْ وَلَا يَتَكَلَّفُ بِإِثْبَاتِ مَا بِيَدِهِ كَمَا نَصُّوا عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ مَظَانُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَقَدْ أَفَادَ سَلَّمَهُ اللَّهُ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعُرْفُ أَخْذًا مِنْ كَلَامِهِمْ وَأَخَذَ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ يَسُوقُ فِي رِسَالَتِهِ بِسَاطِ الْكَرْمِ نُصُوصَ عُلَمَاءِ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَانْظُرْهَا إنْ شِئْت وَفِي شَرْحِ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ مَنْصُورِ بْنِ إدْرِيسَ الْحَنْبَلِيِّ كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى مَتْنِ الْإِقَنَاعِ فِي مَذْهَبِ ابْنِ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَا نَصُّهُ فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ كَأَوْقَافِ السَّلَاطِينِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَيْسَ بِوَقْفٍ حَقِيقِيٍّ بَلْ كُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهَا كَمَا أَفْتَى بِهِ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى مُوَافَقَةً لِلشَّيْخِ الرَّمْلِيِّ وَغَيْرِهِ فِي وَقْفِ جَامِعِ طُولُونَ وَنَحْوِهِ. اهـ فَتَحَصَّلَ أَنَّ أَوْقَافَ السَّلَاطِينِ عِنْدَنَا أَوْقَافٌ حَقِيقَةً لَا أَرْصَادٌ فَمَنْفَعَتُهَا لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً لِمَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَيُرَاعَى فِيهَا شَرْطُ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ الْأَرْصَادِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْخُلُوِّ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَرْصَادٌ لَا أَوْقَافٌ حَقِيقَةً فَمَنْفَعَتُهَا مَمْلُوكَةٌ لِمَنْ وُقِفَتْ عَلَيْهِ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا وَلَا يُرَاعَى فِيهَا شَرْطُ

стр. 473

صَوْنًا لِمُقْتَضَاهُ عَنْ الضَّيَاعِ إنَّهُ لَعَظِيمٌ وَإِذَا كَانَ عَقْدُ الذِّمَّةِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ وَتَعَيَّنَ عَلَيْنَا أَنْ نَبَرَّهُمْ بِكُلِّ أَمْرٍ لَا يَكُونُ ظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى مَوَدَّاتِ الْقُلُوبِ وَلَا تَعْظِيمِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ فَمَتَى أَدَّى إلَى أَحَدِ هَذَيْنِ امْتَنَعَ وَصَارَ مِنْ قِبَلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِي الْآيَةِ وَغَيْرِهَا وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ بِالْمَثَلِ فَإِخْلَاءُ الْمَجَالِسِ لَهُمْ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْنَا وَالْقِيَامُ لَهُمْ حِينَئِذٍ وَنِدَاؤُهُمْ بِالْأَسْمَاءِ الْعَظِيمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ شَأْنِ الْمُنَادَى بِهَا هَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ إذَا تَلَاقَيْنَا مَعَهُمْ فِي الطَّرِيقِ وَأَخْلَيْنَا لَهُمْ وَاسِعَهَا وَرَحْبَهَا وَالسَّهْلَ مِنْهَا وَتَرَكْنَا أَنْفُسَنَا فِي خَسِيسِهَا وَحَزَنِهَا وَضَيِّقِهَا كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ الْمَرْءُ مَعَ الرَّئِيسِ وَالْوَلَدُ مَعَ الْوَالِدِ وَالْحَقِيرُ مَعَ الشَّرِيفِ فَإِنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَتَحْقِيرِ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَشَعَائِرِ دِينِهِ وَاحْتِقَارِ أَهْلِهِ. وَمِنْ ذَلِكَ تَمْكِينُهُمْ مِنْ الْوِلَايَاتِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِقَهْرِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ ظُهُورِ الْعُلُوِّ وَسُلْطَانِ الْمُطَالَبَةِ فَذَلِكَ كُلُّهُ مَمْنُوعٌ وَإِنْ كَانَ فِي غَايَةِ الرِّفْقِ وَالْأَنَاةِ أَيْضًا لِأَنَّ الرِّفْقَ وَالْأَنَاةَ فِي هَذَا الْبَابِ نَوْعٌ مِنْ الرِّئَاسَةِ وَالسِّيَادَةِ وَعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ فِي الْمَكَارِمِ فَهِيَ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ أَوْصَلْنَاهُمْ إلَيْهَا وَعَظَّمْنَاهُمْ بِسَبَبِهَا وَرَفَعْنَا قَدْرَهُمْ بِإِيثَارِهَا وَذَلِكَ كُلُّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ عِنْدَهُمْ خَادِمًا وَلَا أَجِيرًا يُؤْمَرُ عَلَيْهِ وَيُنْهَى وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَكِيلًا فِي الْمُحَاكَمَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا إثْبَاتٌ لِسُلْطَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُسْلِمِ. وَأَمَّا مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ بِرِّهِمْ وَمِنْ غَيْرِ مَوَدَّةٍ بَاطِنِيَّةٍ فَالرِّفْقُ بِضَعِيفِهِمْ وَسَدُّ خُلَّةِ فَقِيرِهِمْ وَإِطْعَامُ جَائِعِهِمْ وَإِكْسَاءُ عَارِيهِمْ وَلِينُ الْقَوْلِ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخَوْفِ وَالذِّلَّةِ وَاحْتِمَالِ إذَايَتِهِمْ فِي الْجِوَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ لُطْفًا مِنَّا بِهِمْ لَا خَوْفًا وَتَعْظِيمًا وَالدُّعَاءُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَأَنْ يُجْعَلُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَنَصِيحَتُهُمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَحِفْظُ غَيْبَتِهِمْ إذَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِأَذِيَّتِهِمْ وَصَوْنُ أَمْوَالِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ وَأَنْ يُعَانُوا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَإِيصَالُهُمْ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَكُلُّ خَيْرٍ يَحْسُنُ مِنْ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ عَدُوِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَجَمِيعُ مَا نَفْعَلُهُ مَعَهُمْ مِنْ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا عَلَى وَجْهِ الْعِزَّةِ وَالْجَلَالَةِ مِنَّا وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَتَحْقِيرِ أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ الصَّنِيعِ لَهُمْ وَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَسْتَحْضِرَ فِي قُلُوبِنَا مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ بُغْضِنَا وَتَكْذِيبِ نَبِيِّنَا ﷺ وَأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْنَا لَاسْتَأْصَلُوا شَأْفَتَنَا وَاسْتَوْلَوْا عَلَى دِمَائِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ الْعُصَاةِ لِرَبِّنَا وَمَالِكِنَا ثُمَّ نُعَامِلُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبِّنَا وَأَمْرِ نَبِيِّنَا ﷺ لَا مَحَبَّةً فِيهِمْ وَلَا تَعْظِيمًا لَهُمْ وَلَا نُظْهِرُ آثَارَ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْوَاقِفِ فَاحْفَظْ ذَلِكَ وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ كَلَامَ الْأَصْلِ يُفِيدُ عَدَمَ صِحَّةِ وَقْفِ الْأَئِمَّةِ وَالْأُمَرَاءِ مَا مَلَكُوهُ بِالشِّرَاءِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ غَيْرِهِ لِاسْتِغْرَاقِ ذِمَمِهِمْ بِالدُّيُونِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِمْ بِتَعَدِّيهِمْ عَلَى أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَكَلَامُ ابْنِ عَابِدِينَ يُفِيدُ صِحَّتَهُ وَالظَّاهِرُ التَّفْصِيلُ بِتَقْيِيدِ الصِّحَّةِ بِمَنْ لَمْ يَتَعَدَّ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَى مَنْ وُقِفَ قَبْلَ تَقَرُّرِ الدُّيُونِ عَلَيْهِ أَوْ بَعْدَ تَقَرُّرِهَا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ بُطْلَانِ تَبَرُّعَاتِهِ وَتَقْيِيدِ عَدَمِ صِحَّةٍ بِمَنْ سِوَى ذَلِكَ كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ خَلِيلٍ فِي جَامِعِهِ وَلَا تَجُوزُ وَصَايَا الْمُتَسَلِّطِينَ بِالظُّلْمِ الْمُسْتَغْرِقِي الذِّمَّة وَلَا عِتْقُهُمْ وَلَا تُورَثُ أَمْوَالُهُمْ وَيُسْلَكُ بِهَا سَبِيلُ مَا أَفَاءَ اللَّهُ. اهـ قَالَ كنون وَمِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ شَاسٍ وَفِي الذَّخِيرَةِ وَصِيَّةُ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَعِتْقُهُمْ مَرْدُودٌ اهـ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ. [الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْمَصْرُوفُ مِنْ الزَّكَاةِ لِلْمُجَاهِدِينَ] (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْمَصْرُوفُ مِنْ الزَّكَاةِ لِلْمُجَاهِدِينَ رِزْقٌ خَاصٌّ مِنْ مَالٍ خَاصٍّ لَا أُجْرَةَ وَلَا إجَارَةَ وَفِي تَعَيُّنِ صَرْفِهِ لِهَذِهِ الْجِهَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ غَيْرُهَا مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ بِالصَّرْفِ لِأَنَّ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ شَرِكَةٌ فِي الصَّدَقَةِ أَوْ لَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ لَهَا بَلْ يَجُوزُ أَنْ تُصْرَفَ جَمِيعُ الصَّدَقَةِ إلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ خِلَافٌ بَيْنَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَيْنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْأَحْنَافِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ فِي اللَّامِ فِي ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الْآيَةَ هَلْ هِيَ لَامُ التَّمْلِيكِ كَقَوْلِك هَذَا الْمَالُ لِزَيْدٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَوْ لَامُ الْأَصْلِ كَقَوْلِك هَذَا السَّرْجُ لِلدَّابَّةِ وَالْبَابُ لِلدَّارِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْطَى جَمِيعُهَا لِلْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَاعْتَمَدَ هَذَا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَضَافَ الصَّدَقَةَ فَاللَّامُ التَّمْلِيكِ إلَى مُسْتَحِقٍّ حَتَّى يَصِحَّ مِنْهُ الْمِلْكُ عَلَى وَجْهِ التَّشْرِيكِ فَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِلْمُسْتَحِقِّينَ وَهَذَا كَمَا لَوْ أَوْصَى لِأَصْنَافٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] الْآيَةَ وَالصَّدَقَةُ مَتَى أُطْلِقَتْ فِي الْقُرْآنِ فَهِيَ صَدَقَةُ الْفَرْضِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ» وَهَذَا نَصٌّ فِي ذِكْرِ أَحَدِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ قُرْآنًا وَسُنَّةً وَحَقَّقَ عُلَمَاؤُنَا الْمَعْنَى فَقَالُوا إنَّ الْمُسْتَحِقَّ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ أَحَالَ بِحَقِّهِ لِمَنْ ضَمِنَ لَهُمْ رِزْقَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى

стр. 474

نَسْتَحْضِرُهَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ صِفَاتِهِمْ الذَّمِيمَةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْعَهْدِ يَمْنَعُنَا مِنْ ذَلِكَ فَنَسْتَحْضِرُهَا حَتَّى يَمْنَعَنَا مِنْ الْوُدِّ الْبَاطِنِ لَهُمْ وَالْمُحَرَّمِ عَلَيْنَا خَاصَّةً وَلَمَّا أَتَى الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ الطُّرْطُوشِيُّ ﵀ الْخَلِيفَةَ بِمِصْرَ وَجَدَ عِنْدَهُ وَزِيرًا رَاهِبًا وَسَلَّمَ إلَيْهِ قِيَادَهُ وَأَخَذَ يَسْمَعُ رَأْيَهُ وَيُنَفِّذُ كَلِمَاتِهِ الْمَسْمُومَةَ فِي الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ هُوَ مِمَّنْ يَسْمَعُ قَوْلَهُ فِيهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ الْمُغْضَبِ وَالْوَزِيرُ الرَّاهِبُ بِإِزَائِهِ جَالِسٌ أَنْشَدَهُ: يَا أَيَّهَا الْمَلِكُ الَّذِي جُودُهُ ... يَطْلُبُهُ الْقَاصِدُ وَالرَّاغِبُ إنَّ الَّذِي شُرِّفْت مِنْ أَجْلِهِ ... يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبٌ فَاشْتَدَّ غَضَبُ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَبْيَاتِ وَأَمَرَ بِالرَّاهِبِ فَسُحِبَ وَضُرِبَ وَقُتِلَ وَأَقْبَلَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْوَلِيدِ فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ بَعْدَ عَزْمِهِ عَلَى إيذَائِهِ فَلَمَّا اسْتَحْضَرَ الْخَلِيفَةُ تَكْذِيبَ الرَّاهِبِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ سَبَبُ شَرَفِهِ وَشَرَفِ آبَائِهِ وَأَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ بَعَثَهُ ذَلِكَ عَلَى الْبُعْدِ عَنْ السُّكُونِ إلَيْهِ وَالْمَوَدَّةِ لَهُ وَأَبْعَدَهُ عَنْ مَنَازِلِ الْعِزِّ إلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَهِينُوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ وَكَتَبَ إلَيْهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا بِالْبَصْرَةِ لَا يُحْسِنُ ضَبْطَ خَرَاجِهَا إلَّا هُوَ وَقَصَدَ وِلَايَتَهُ عَلَى جِبَايَةِ الْخَرَاجِ لِضَرُورَةِ تَعَذُّرِ غَيْرِهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ فِي الْكِتَابِ مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالسَّلَامُ أَيْ افْرِضْهُ مَاتَ مَاذَا كُنْت تَصْنَعُ حِينَئِذٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ وَبِالْجُمْلَةِ فَبِرُّهُمْ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ مَأْمُورٌ بِهِ وَوُدُّهُمْ وَتَوَلِّيهِمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَهُمَا قَاعِدَتَانِ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ وَالْأُخْرَى مَأْمُورٌ بِهَا وَقَدْ أَوْضَحْت لَك الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا بِالْبَيَانِ وَالْمَثَلِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْكَفَّارَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُسَارَى وَالتَّعْزِيرِ وَحَدِّ الْمُحَارِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) اعْلَمْ أَنَّ إطْلَاقَ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى شَائِعٌ فِي كُتُبِهِمْ بِأَنَّ الْأُسَارَى أَمْرُهُمْ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْإِمَامِ، وَتَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْإِمَامِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ تَعْيِينُ خَصْلَةٍ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مَوْكُولٌ إلَى خِيرَةِ الْحَانِثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا قَاعِدَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فَالتَّخْيِيرُ فِي الْكَفَّارَةِ فِي خِصَالِهَا مَعْنَاهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ أَيِّ خَصْلَةٍ شَاءَ إلَى الْخَصْلَةِ الْأُخْرَى بِشَهْوَتِهِ وَمَا يَجِدُهُ يَمِيلُ إلَيْهِ طَبْعُهُ أَوْ مَا هُوَ أَسْهَلُ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا خَيَّرَهُ بَيْنَهَا إلَّا لُطْفًا بِهِ وَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ وَلَوْ شَاءَ لَحَتَّمَ عَلَيْهِ خُصُوصَ كُلِّ خَصْلَةٍ كَمَا فَعَلَهُ فِي خِصَالِ الظِّهَارِ الْمُرَتَّبَةِ بَلْ لَهُ الْخِيرَةُ بِهَوَاهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فَكَانَ كَمَا لَوْ قَالَ زَيْدٌ لِعَمْرٍو إنَّ لِي حَقًّا عَلَى خَالِدٍ يُمَاثِلُ حَقَّك يَا عَمْرُو أَوْ يُخَالِفُهُ فَخُذْهُ مِنْهُ مَكَانَ حَقِّك فَإِنَّهُ يَكُونُ بَيَانًا لِمَصْرِفِ حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ لَا لِلْمُسْتَحِقِّ وَالصِّنْفُ الْوَاحِدُ فِي جِهَةِ الْمَصْرِفِ وَالْحَلِيَّةِ كَالْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ وَقَدْ كُنَّا نَقُولُ إنَّ الزَّكَاةَ تُصْرَفُ إلَى الذِّمِّيِّ فَخَصَّصْنَا هَذَا الْعُمُومَ بِمَا خَصَّصَهُ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ ﷺ «أُمِرْت أَنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ وَأَرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ» وَمَا فَهِمَ الْمَقْصُودَ أَحَدٌ فَهْمَ الطَّبَرِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ الصَّدَقَةُ لِسَدِّ خُلَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِسَدِّ خُلَّةِ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ مَفْهُومٌ مِنْ مَأْخَذِ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ الْأَصْنَافِ وَتَعْدِيدِهِمْ وَاَلَّذِي جَعَلْنَاهُ فَصْلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنَّ الْأُمَّةَ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أُعْطِي كُلُّ صِنْفٍ حَظَّهُ لَمْ يَجِبْ تَعْمِيمُهُ فَكَذَلِكَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ مِثْلُهُ. اهـ بِتَصَرُّفٍ مَا وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ اللَّفْظِ لِلْمَعْنَى فَإِنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي الْقِسْمَةَ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يُؤْثِرَ بِهَا أَهْلَ الْحَاجَةِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ سَدَّ الْخُلَّةِ فَكَانَ تَعْدِيدُهُمْ فِي الْآيَةِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ إنَّمَا وَرَدَ لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ أَعْنِي أَهْلَ الصَّدَقَاتِ لَا تَشْرِيكِهِمْ فِي الصَّدَقَةِ فَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَمِنْ الْحُجَّةِ لِلشَّافِعِيِّ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ الصُّدَائِيِّ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ هُوَ فِيهَا فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْت مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُك حَقَّك» . اهـ وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ النَّخَعِيّ قَالَ إنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا قَسَمَهُ عَلَى الْأَصْنَافِ وَإِلَّا وَضَعَهُ فِي صِنْفٍ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ إنْ أَخْرَجَهُ صَاحِبُهُ جَازَ لَهُ أَنْ يَضَعَهُ فِي قِسْمٍ وَإِنْ قَسَّمَ الْإِمَامُ اسْتَوْعَبَ الْأَصْنَافَ وَذَلِكَ فِيمَا قَالُوا إنَّهُ إنْ كَانَ كَثِيرًا فَلْيَعُمَّهُمْ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا كَانَ قَسْمُهُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ إنْ قَسَمَهُ صَاحِبُهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَصْنَافِ فَأَمَّا الْإِمَامُ فَحَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْخَلْقِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَغَيْرِهِ فَيَبْحَثُ عَنْ

стр. 475

بَيْنَ الْخُصُوصِيَّاتِ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ وَلَا تَخْيِيرَ فِيهِ فَلَا جَرَمَ لَيْسَ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ بَلْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ. وَأَمَّا الْخُصُوصِيَّاتُ فَلَهُ ذَلِكَ فِيهَا فَهَذَا هُوَ مَعْنَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فِي حَقِّ الْحَانِثِ وَأَمَّا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْخِصَالِ الْخَمْسِ فِي حَقِّ الْأُسَارَى عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ وَهِيَ الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ وَالْجِزْيَةُ فَهَذِهِ الْخِصَالُ الْخَمْسُ لَيْسَ لَهُ فِعْلُ أَحَدِهَا بِهَوَاهُ وَلَا لِأَنَّهَا أَخَفُّ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِيمَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا فَكَّرَ وَاسْتَوْعَبَ فِكْرَهُ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَوَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً هِيَ أَرْجَحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا وَتَحَتَّمَتْ عَلَيْهِ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهَا فَهُوَ لَا يُوجَدُ فِي حَقِّهِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّخْيِيرُ الْمُقَرَّرُ فِي خِصَالِ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ أَبَدًا لَا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ وَلَا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ أَمَّا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَبَذْلُ الْجَهْدِ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَلَا تَخْيِيرَ هَاهُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَا إبَاحَةَ بَلْ الْوُجُوبُ الصِّرْفُ. وَأَمَّا بَعْدَ الِاجْتِهَادِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ مِنْ الْمَصَالِحِ وَلَا خِيرَةَ لَهُ فِيهِ وَمَتَى تَرَكَهُ أَثِمَ فَالْوُجُوبُ قَبْلُ وَالْوُجُوبُ بَعْدُ وَالْوُجُوبُ حَالَةَ الْفِكْرَةِ فَلَا تَخْيِيرَ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ وُجُوبٌ صِرْفٌ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَتَسْمِيَةُ الْفُقَهَاءِ ﵏ ذَلِكَ خِيرَةً إنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفِكْرِ فِعْلُ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الْخَمْسِ بَلْ يَجْتَهِدُ حَتَّى يَتَحَصَّلَ لَهُ الْأَصْلَحُ فَيَفْعَلُهُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ رَدِّ الْغُصُوبِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ فَإِنَّهَا تَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ فِي ذَلِكَ اجْتِهَادٌ وَلَا خِيرَةَ لَهُ بِهَذَا التَّفْسِيرِ فَهَذَا هُوَ وَجْهُ تَسْمِيَةِ الْفُقَهَاءِ ذَلِكَ خِيرَةً وَإِنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ مَوْكُولَةٌ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَخِيرَتِهِ وَوَجْهُ مَا يَعْتَمِدُهُ فِي الْأُسَارَى أَنْ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ شَدِيدَ الدَّهَاءِ كَثِيرَ التَّأْلِيبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِرَأْيِهِ وَدَهَائِهِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فِيهِ الْقَتْلُ إذَا ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي اجْتِهَادِهِ بِالسُّؤَالِ عَنْ أَخْبَارِهِ وَأَحْوَالِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ سِيرَتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ قَدْ ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ هُوَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ وَتَتَأَلَّفُ بِإِطْلَاقِهِ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ إطْلَاقُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ إذَا مَنَّ عَلَيْهِ قُوبِلَ عَلَى ذَلِكَ بِمِثْلِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الَّتِي تَعْرِضُ فِي النَّظَرِ وَالْفِكْرِ الْمُسْتَقِيمِ بَعْدَ بَذْلِ الْجَهْدِ فَإِنَّهُ يَمُنُّ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ لَا يُرْتَجَى مِنْهُ ذَلِكَ وَالْإِمَامُ مُحْتَاجٌ لِلْمَالِ لِمَصَالِحِ الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَفْدِيه بِالْمَالِ. وَإِنْ رَأَى الْمُسْلِمِينَ مُحْتَاجِينَ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُمْ وَاسْتَرَقَّهُمْ إنْ انْتَفَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا وَلَمْ يَجِدْ فِي اجْتِهَادِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَرَأَى أَنَّ ضَرْبَ الْجِزْيَةِ مَصْلَحَةٌ لِمَا يَتَوَقَّعُ مِنْ إسْلَامِهِمْ وَأَنَّهُمْ قَرِيبُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ إذَا اطَّلَعُوا عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ بِمُخَالَطَةِ أَهْلِهِ وَرُؤْيَتِهِمْ لِشَعَائِرِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] النَّاسِ وَيُمْكِنُهُ تَحْصِيلُهُمْ وَالنَّظَرُ فِي أَمْرِهِمْ وَاَلَّذِي صَارَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يَجْتَهِدُ الْإِمَامُ وَيَتَحَرَّى مَوْضِعَ الْحَاجَةِ هُوَ الْأَقْوَى ثُمَّ قَالَ مَا مَعْنَاهُ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ فِي اللَّامِ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ بِعَدَمِ بَقَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ إلَى الْيَوْمِ إمَّا أَنْ يَعُودَ سَهْمُهُمْ إلَى سَائِرِ الْأَصْنَافِ كُلِّهَا أَوْ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي أَهْلِ الْخِلَافِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ يُعْطَى نِصْفَ سَهْمِهِمْ لِعُمَّارِ الْمَسَاجِدِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَيْ عَوْدُهُ لِلْأَصْنَافِ عَلَى الْخِلَافِ هُوَ الْأَصَحُّ وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْأَصْنَافَ الثَّمَانِيَةَ مَحَلٌّ لَا مُسْتَحِقُّونَ إذْ لَوْ كَانُوا مُسْتَحَقِّينَ لَسَقَطَ سَهْمُهُمْ بِسُقُوطِهِ عَنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى غَيْرِهِمْ كَمَا لَوْ أَوْصَى لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ لَمْ يَرْجِعْ نَصِيبُهُ إلَى مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ بَلْ حَقُّ الْمُؤَلَّفَةِ بَاقٍ إلَى الْيَوْمِ لِأَنَّ الْإِمَامَ رُبَّمَا احْتَاجَ أَنْ يَسْتَأْلِفَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَقَدْ قَطَعَهُمْ عُمَرُ لَمَّا رَأَى مِنْ إعْزَازِ الدِّينِ وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ قَوِيَ الْإِسْلَامُ زَالُوا وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِمْ أُعْطُوا سَهْمَهُمْ كَمَا كَانَ يُعْطِيه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّ الصَّحِيحَ قَدْ رُوِيَ فِيهِ «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ» اهـ. وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ الْمَصْرُوفُ مِنْهَا لِلْمُجَاهِدِينَ إجَارَةً مَعَ أَنَّ الْمَصْرُوفَ مِنْهَا لِلْقَائِلِينَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ يَدُلُّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] وَهُمْ الَّذِينَ يَقُومُونَ لِتَحْصِيلِهَا وَيُوَكَّلُونَ عَلَى جَمْعِهَا عَلَى مَسْأَلَةٍ بَدِيعَةٍ وَهِيَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَالْقَائِمُ بِهِ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ وَمِنْ ذَلِكَ الْإِمَامَةُ فَإِنَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَتْ مُتَوَجِّهَةً عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ فَإِنَّ تَقَدُّمَ بَعْضِهِمْ بِهِمْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَلَا جَرَمَ يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهَا وَهَذَا أَصْلُ الْبَابِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَا تَرَكْت بَعْدَ نَفَقَةِ عِيَالِي وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ» قَالَ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَلَّكَهَا لَهُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا وَلَيْسَ لَهُ وَصْفٌ يَأْخُذُ بِهِ مِنْهَا سِوَى الْخِدْمَةِ فِي جَمْعِهَا. اهـ قَالَ الْأَصِيلُ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يُصْرَفُ مِنْهَا لِلْمُجَاهِدِينَ شُرُوطُ الْإِجَارَةِ مِنْ مِقْدَارِ الْعَمَلِ وَالْمُدَّةِ الْمُوجِبَةِ لِتَعَيُّنِ الْعَمَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ نَعَمْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَصْلِ الْأَرْزَاقِ

стр. 476

فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا فَهُوَ فِي جَمِيعِ الْوُجُوهِ إنَّمَا يَفْعَلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إبَاحَةٍ وَلَا خِيرَةٍ فِي ذَلِكَ بِهَذَا التَّفْسِيرِ وَكَذَلِكَ تَخْيِيرُهُ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِيمَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُ الْأَصْلَحُ وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُحَارِبُ صَاحِبَ رَأْيٍ وَجَبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ. وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ فِي اجْتِهَادِهِ أَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُ بَلْ لَهُ قُوَّةٌ وَبَطْشٌ قَطَعَهُ مِنْ خِلَافٍ فَتَزُولُ مَفْسَدَتُهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ حَالِهِ الْعَفَافَ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْفَلْتَةِ وَالْمُوَافَقَةِ لِغَيْرِهِ مَعَ تَوَقُّعِ النَّدَمِ مِنْهُ عَلَى ذَلِكَ فَهَذَا يَجِبُ نَفْيُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وَلَا قَطْعُهُ بَلْ يَفْعَلُ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَهُوَ أَبَدًا يَنْتَقِلُ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ وَالْوُجُوبُ دَائِمًا عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَحَالَةُ الِاجْتِهَادِ هُوَ سَاعٍ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ فَفِعْلُهُ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ وَبَعْدَ الِاجْتِهَادِ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ الْوُجُوبِ أَبَدًا وَذَلِكَ هُوَ ضِدُّ التَّخْيِيرِ وَالْإِبَاحَةِ وَإِنَّمَا خِيرَتُهُ مُفَسَّرَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَتَّمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَلَهُ النَّظَرُ وَفِعْلُ مَا ظَهَرَ رُجْحَانُهُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا مِمَّا عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ اجْتِهَادًا كَالصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَأَخْذِ الزَّكَاةِ وَتَعْيِينِ مَصْرِفِهَا فِي الْوُجُوهِ الثَّمَانِيَةِ وَرَجْمِ الزَّانِي وَقَطْعِ السَّارِقِ وَأَنْ لَا يَحُدَّ فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةٍ وَفِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ بِشَاهِدَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَحَتِّمَاتِ فَهَذَا مَعْنَى التَّخْيِيرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ إنَّ تَفْرِقَةَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ مَوْكُولَةٌ إلَى خِيرَتِهِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي مَصَالِحِ الصَّرْفِ يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ أَهَمِّهَا فَأَهَمِّهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا خِيرَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ بَلْ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَالْخَالِصَةِ بِخِلَافِ تَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَخْيِيرِهِ فِي إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَوْ دِينَارٍ مِنْ أَرْبَعِينَ فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ شَاةً بِشَهْوَتِهِ وَكَذَلِكَ دِينَارٌ مِنْ الْأَرْبَعِينَ بِهَوَاهُ وَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مِقْدَارًا مِنْ مِيَاهِ الدُّنْيَا لِلْوُضُوءِ وَلَمْ يَتَحَتَّمْ عَلَيْهِ مَاءٌ دُونَ مَاءٍ وَكَذَلِكَ خِيرَتُهُ فِي ثِيَابِ السُّتْرَةِ لِلصَّلَاةِ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ ثِيَابٌ فَلَهُ تَعْيِينُ وَاحِدٍ مِنْهَا لِسُتْرَتِهِ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ. وَكَذَلِكَ خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الدُّنْيَا يُصَلِّي فِيهَا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ بُقْعَةً مِنْهَا إذَا اسْتَوَتْ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ وَكَذَلِكَ خَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ شَاءَ مِنْ وَلَدِهِ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ فِي أَيِّ دَارٍ شَاءَ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ بِهَوَاهُ وَهَذَا جَمِيعُهُ تَخْيِيرٌ صِرْفٌ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا بِخِلَافِ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَأَكْثَرُ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ فِي الْأُسَارَى وَغَيْرِهِمْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِأَنَّ أَصْلَ الْأَرْزَاقِ يَصِحُّ أَنْ يَبْقَى فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُصْرَفُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ وَنَحْوِهَا وَإِنَّمَا يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ وَهَذَا يَجِبُ صَرْفُهُ أَمَّا فِي جِهَةِ الْمُجَاهِدِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْجِهَاتِ الثَّمَانِ لِأَنَّ جِهَةَ هَذَا الْمَالِ عَيَّنَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ إخْرَاجُهَا فِيهَا إلَّا أَنْ يَمْنَعَ مَانِعٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ جِهَةٍ عَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى كَالْخُمُسِ يَتَعَيَّنُ الْمُبَادَرَةُ إلَى صَرْفِهِ فِي جِهَةٍ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ. اهـ وَقَدْ مَرَّ عَنْ الْأَصْلِ أَنَّ الْإِجَارَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى الْقَضَاءِ وَإِمَامَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا وَأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْقَاضِي وَالْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رِزْقٌ لَا أُجْرَةٌ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلُ فِي الصَّدَقَةِ يَسْتَحِقُّ يَعْنِي مِنْهَا كِفَايَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ بِسَبَبِ الْعَمَلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَدَلًا عَنْ الْعَمَلِ حَتَّى لَمْ يَحِلَّ لِلْهَاشِمِيِّ وَالْأُجْرَةُ تَحِلُّ لَهُ وَسَيَأْتِي مِثْلُهُ لِلْأَصْلِ نَعَمْ أَجَابَ عَنْهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ بِأَنَّ الْهَاشِمِيَّ إنَّمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا مَعَ أَنَّهَا أُجْرَةٌ صَحِيحَةٌ تَحَرِّيًا لِكَرَامَتِهِ وَتَبَاعُدًا عَنْ الزَّرِيعَةِ وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ. اهـ فَتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ [الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ مَا يُصْرَفُ لِلْقَسَّامِ لِلْعَقَارِ بَيْنَ الْخُصُومِ مِنْ جِهَةِ الْحُكَّامِ] (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) مَا يُصْرَفُ مِنْ جِهَةِ الْحُكَّامِ لِقَسَّامِ الْعَقَارِ بَيْنَ الْخُصُومِ وَلِمُتَرْجِمِ الْكُتُبِ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَلِكَاتِبِ الْحَاكِمِ وَلِأُمَنَاءِ الْحُكَّامِ عَلَى الْأَيْتَامِ وَلِلْخَرَّاصِ عَلَى خَرْصِ الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ مِنْ الدَّوَالِي أَوْ النَّخْلِ وَلِسُعَاةِ الْمَوَاشِي وَالْعُمَّالِ عَلَى الزَّكَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ رِزْقٌ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأَرْزَاقِ دُونَ أَحْكَامِ الْإِجَارَاتِ أَيْ عَلَى خِلَافِ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ أَنَّ مَا يَدْفَعُ لِلْعَامِلِينَ مِنْهَا أُجْرَةٌ صَحِيحَةٌ لَا رِزْقٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ فِي الْجِهَادِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِقْطَاعِ] (الْفَرْقُ السَّادِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِحْقَاقِ السَّلَبِ فِي الْجِهَادِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِقْطَاعِ وَغَيْرِهِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْإِمَامِ وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ) وَهُوَ أَنَّ الْإِقْطَاعَ يَجُوزُ بِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهُ وَتَمْلِيكَهُ فَلَهُ فِي التَّمْلِيكِ حَالَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ هِيَ الْإِعَانَةُ عَلَى أَحْوَالٍ تَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ لَا تَمْلِيكٌ حَقِيقِيٌّ فَلِذَلِكَ كَانَ لِلْإِمَامِ نَزْعُهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ وَلَهُ تَبْدِيلُهُ بِغَيْرِهِ. وَأَمَّا السَّلَبُ فَلَا يَجُوزُ بِغَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَهُ وَتَمْلِيكَهُ فَقَبْلَ حُصُولِ سَبَبِهِ لَا يَكُونُ لِلْقَائِلِ بِهِ تَعَلُّقٌ

стр. 477

غَيْرَ أُمُورٍ قَلِيلَةٍ جِدًّا أُطْلِقَ فِيهَا التَّخْيِيرُ وَمُرَادُهُمْ التَّخْيِيرُ عَلَى بَابِهِ كَمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَرْبَعِ حَقَائِقَ وَخَمْسٍ بَنَاتِ لَبُونٍ يَأْخُذُ أَيَّهَا شَاءَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاشِيَةِ إذَا وَجَدَ إبِلَهُ مِائَتَيْنِ فَإِنَّ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَقَدْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ فَإِنَّ الْمِائَتَيْنِ أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينَاتِ فَيُخَيَّرُ هَاهُنَا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَرْجَحَ لِلْفُقَرَاءِ فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْأَرْجَحُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَلَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَرْجَحِ لِلْفُقَرَاءِ وَكَذَلِكَ بَيْعُ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ أَحَدِ مُشْتَرِيَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ أَوْ تَزْوِيجُ الْيَتِيمَةِ مِنْ كُفُوَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ أَوْ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ وَنَحْوُ هَذَا فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مُسَاوُونَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْخِيرَةِ الْمُخْتَصَّةِ وَلَا وُجُوبَ هَاهُنَا أَلْبَتَّةَ بَلْ لَهُمْ التَّرْجِيحُ بِمُجَرَّدِ إرَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ضَمِيمَةٍ إلَيْهَا كَالْمُكَلَّفِ فِي إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَإِطْلَاقُ الْخِيرَةِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ حَقِيقَةٌ وَفِي تِلْكَ الصُّوَرِ فَهِيَ وُجُوبٌ مَحْضٌ بَلْ بِمَعْنَى عَدَمِ التَّحَتُّمِ ابْتِدَاءً وَكَوْنُ الِاجْتِهَادِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ الْقِسْمِ الْمُحَتَّمِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ التَّخْيِيرَاتِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ وَقَاعِدَةِ تَخْيِيرِ آحَادِ الْمُكَلَّفِينَ وَأَنَّ الثَّانِيَ خِيرَةٌ حَقِيقَةً وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُهُ مَجَازٌ وَوُجُوبُ صَرْفٍ كَمَا تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا مُمَثَّلًا. (فَائِدَةٌ) يُطْلَقُ التَّخْيِيرُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فَيُطْلَقُ التَّخَيُّرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاجِبٌ بِخُصُوصِهِ وَعُمُومِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُسَارَى وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ يَقَعُ وَاجِبًا بِخُصُوصِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ قَتْلًا أَوْ فِدَاءً مَثَلًا وَبِعُمُومِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الْخِصَالِ الْخَمْسَةِ وَيَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ وَاجِبٍ بِخُصُوصِهِ وَلَا بِعُمُومِهِ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَنَحْوِهِمَا فَالتَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ مَثَلًا فَالتَّمْرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا بِخُصُوصِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَمْرٌ وَلَا بِعُمُومِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَنَاوَلَاتِ وَيَكُونُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَكِلَاهُمَا وَاجِبٌ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهِ دُونَ خُصُوصِهِ كَالتَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فَإِنَّ الْعِتْقَ مَثَلًا وَاجِبٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الْخِصَالِ وَغَيْرُ وَاجِبٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عِتْقٌ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْخَصْلَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ الْكِسْوَةِ وَالْإِطْعَامِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَنَّ الْمُخَيَّرَ بَيْنَهُمَا قَدْ يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِمَا وَعُمُومِهِمَا وَقَدْ لَا يَتَّصِفَانِ بِهِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِمَا وَلَا عُمُومِهِمَا وَقَدْ يَتَّصِفَانِ بِهِ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهَا دُونَ خُصُوصِهِمَا وَأَمَّا الِاتِّصَافُ بِالْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ فَمُحَالٌ شَرْعًا وَعَقْلًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُصُوصَ يَتَوَقَّفُ عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَلْبَتَّةَ وَبَعْدَ حُصُولِ سَبَبِهِ يَصِيرُ مَمْلُوكًا فَلَا تَحْصُلُ لَهُ فِي التَّمْلِيكِ الْحَالَةُ الْمُتَوَسِّطَةُ الْقَابِلَةُ لِلِانْتِزَاعِ وَالْإِبْدَالِ بِغَيْرِهِ أَلْبَتَّةَ فَهُوَ نَظِيرُ مَا حَازَهُ الْأَجْنَادُ وَالْأُمَرَاءُ مِنْ إقْطَاعَاتِهِمْ مِنْ خَرَاجٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَقَرُّرِ مِلْكِهِمْ عَلَيْهِ نَعَمْ وَقَعَ فِي سَبَبِهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا يُسْتَحَقُّ بِقَوْلِ الْإِمَامِ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ لَا بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى يُسْتَحَقُّ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ مِنْ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهَا عَلَى أَنَّهُ بِالْأَمَانَةِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ إذْنِ الْإِمَامِ وَمَا وَقَعَ مِنْهَا بِتَصَرُّفِهِ ﷺ بِطَرِيقِ الْقَضَاءِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضَاءِ الْقَاضِي وَمَا وَقَعَ مِنْهَا بِطَرِيقِ الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغِ يُسْتَحَقُّ بِدُونِ قَضَاءِ قَاضٍ وَإِذْنِ إمَامٍ، فَمُسْتَنَدُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِفُتْيَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ لَا بِتَصَرُّفِهِ بِطَرِيقِ الْإِمَامَةِ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّبْلِيغِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ ﷺ رَسُولٌ وَالتَّبْلِيغُ شَأْنُ الرِّسَالَةِ وَحَمْلُ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ عَلَى الْغَالِبِ طَرِيقٌ حَسَنٌ وَبِذَلِكَ اسْتَنَدَا كَمَالِكٍ فِي حَمْلِ قَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» وَقَالُوا إذْنُ الْإِمَامِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْمِلْكِ بِالْإِحْيَاءِ وَمَشَى أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي السَّلَبِ وَالْإِحْيَاءِ عَلَى قَاعِدَتِهِ فَجَعَلَهُمَا مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ بِالْإِمَامَةِ وَأَمَّا مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَهُوَ وَإِنْ مَشَى فِي الْإِحْيَاءِ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْغَالِبِ فِي الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغِ دُونَ الْإِمَامَةِ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَ فِي السَّلَبِ أَصْلَهُ الْمَذْكُورَ فَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ التَّصَرُّفِ بِالْإِمَامَةِ بِسَبَبِ أُمُورٍ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ حَمْلَ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» عَلَى التَّصَرُّفِ بِالْإِمَامَةِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ حَتَّى يَقُولَ الْإِمَامُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ أَبْلَغُ وَأَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغِ وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِمُجَرَّدِ الْقَتْلِ فِي مُنَافَاتِهِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسَ لِلْغَانِمِينَ كَمَا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١]

стр. 478

الْعُمُومِ وَأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَإِنَّ الْعُمُومَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْخُصُوصِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ وَالْفُرُوقَ فَإِنَّهَا كُلُّهَا وَاقِعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وُقُوعًا كَثِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا) اعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ ﵃ أَطْلَقُوا عِبَارَتَهُمْ بِقَوْلِهِمْ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ وَيُخَرِّجُونَ عَلَى ذَلِكَ فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي الْمَذْهَبِ مِنْهَا إذَا وُهِبَ لَهُ الْمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَمَنْ عِنْدَهُ ثَمَنُ رَقَبَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ لِلصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْمُدَاوَاةِ فِي السَّلَسِ أَوْ التَّزْوِيجِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَكَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْفُرُوعِ زَعَمُوا أَنَّهَا مُخَرَّجَةٌ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بَاطِلَةٌ وَتِلْكَ الْفُرُوعُ لَهَا مَدَارِكُ غَيْرُ مَا ذَكَرُوهُ. وَبَيَانُ بُطْلَانِهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ يَمْلِكُ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فَهَلْ يَتَخَيَّلُ أَحَدٌ أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا الْآنَ قَبْلَ شِرَائِهَا حَتَّى تَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَإِذَا كَانَ الْآنَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ فَهَلْ يَجْرِي فِي وُجُوبِ الصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ؟ قَوْلَانِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ الْمَرْأَةَ لِأَنَّهُ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ عِصْمَتَهَا وَالْإِنْسَانُ مَالِكٌ أَنْ يَمْلِكَ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ إنَّهُ يُعَدُّ الْآنَ مَالِكًا لَهُمَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ كُلْفَتُهُمَا وَمَئُونَتُهُمَا عَلَى قَوْلٍ مِنْ الْأَقْوَالِ الشَّاذَّةِ أَوْ الْجَادَّةِ بَلْ هَذَا لَا يَتَخَيَّلُهُ مَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مِسْكَةٍ مِنْ الْعَقْلِ وَالْفِقْهِ وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ يَمْلِكُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَقَارِبَهُ فَهَلْ يُعَدُّهُ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَالِكًا لِقَرِيبِهِ فَيَعْتِقُهُ عَلَيْهِ قَبْلَ شِرَائِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَلَى زَعْمِ مَنْ اعْتَقَدَهَا بَلْ هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْفُرُوعِ كَثِيرَةٌ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَجْعَلَ هَذِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا) قُلْت مَا نَسَبَهُ إلَى مَشَايِخَ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَاعْتَقَدَهُ فِيهِمْ مِنْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا مُقْتَضَى عِبَارَتِهِمْ الْمُطْلَقَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَمَا اخْتَارَهُ مِنْ عَدَمِ إرَادَةِ مُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الصَّحِيحُ وَالظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقَيْنِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِلْأَبِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الضِّدِّ الْمُقَابِلِ عَنْ ذِكْرِهِ فِي الْآيَتَيْنِ بِسَبَبِ أَنَّ ذِكْرَ الضِّدِّ الْمُقَابِلِ يَدُلُّ عَلَى مُقَابَلَةٍ وَوَجْهُ الْأَبْلَغِيَّةِ أَنَّ التَّوَقُّفَ عَلَى شَرْطٍ كَمَا فِي الْحَمْلِ عَلَى بَابِ التَّصَرُّفِ بِالْإِمَامَةِ أَبْعَدُ عَنْ التَّخْصِيصِ مِنْ الْإِخْرَاجِ بِغَيْرِ شَرْطٍ كَمَا فِي الْحَمْلِ عَلَى بَابِ الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغِ وَمَا كَانَ أَبْعَدَ عَنْ التَّخْصِيصِ فَهُوَ أَبْلَغُ وَأَوْلَى (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ حَمْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْفُتْيَا وَالتَّبْلِيغِ وَإِنْ كَانَ حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ عَلَى تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ كَمَا عَلِمْت إلَّا أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَفْسَدَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ يَكُونُ بَعِيدًا عَنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ أَحَدُهُمَا إفْسَادُ النِّيَّاتِ وَأَنْ يُقَاتِلَ الْإِنْسَانُ مَنْ عَلَيْهِ سَلَبٌ طَمَعًا فِي سَلَبِهِ لَا نُصْرَةً لِدِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُبَّمَا أَوْقَعَ ذَلِكَ خَلَلًا عَظِيمًا فِي الْجَيْشِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَجَزَةُ وَالْجُبَنَاءُ هُمْ الْمُتَزَيِّنُونَ بِاللِّبَاسِ وَالْمُتَحَصِّنُونَ بِأَنْوَاعِ الْأَسْلِحَةِ دُونَ الشُّجْعَانِ فَيَشْتَغِلُ النَّاسُ بِالْجُبَنَاءِ عَنْ الشُّجْعَانِ رَغْبَةً فِي لِبَاسِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ فَيَسْتَوْلِي شُجْعَانُ الْأَعْدَاءِ عَلَى أَبْطَالِ الْمُسْلِمِينَ وَجَيْشِهِمْ فَيَهْلِكُونَ (وَالْمَفْسَدَةُ الثَّانِيَةُ) ضَيَاعُ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاكْتِسَابِ الْعِقَابِ الْأَلِيمِ بِسَبَبِ الْمَقَاصِدِ الرَّدِيئَةِ وَأَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى التَّصَرُّفِ بِالْإِمَامَةِ وَصَارَ مَوْقُوفًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ فَلَا مَفْسَدَةَ لِأَنَّ الْإِمَامَ إنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَثَالِثُهَا إنَّ بَيْنَ لَفْظِ حَدِيثِ «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» وَلَفْظِ مَا غَنِمْتُمْ فِي الْآيَةِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ بِسَبَبِ أَنَّ الْأَوَّلَ يَتَنَاوَلُ لُغَةً الْغَنِيمَةَ وَغَيْرَهَا كَمَا لَوْ قَتَلَهُ غِيلَةً فِي بَيْتِهِ وَالثَّانِي يَتَنَاوَلُ الْغَنِيمَةَ الصَّادِقَةَ لُغَةً حَتَّى عَلَى الْغَارَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَنَحْوِهَا غَيْرَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى تَخْصِيصِهَا بِالْجِهَادِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْخُصُوصُ وَالْعُمُومُ إنَّمَا يَكُونُ بِحَسَبِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ لُغَةً وَالْعَامُّ وَالْخَاصُّ مِنْ وَجْهٍ لَا يُخَصِّصُ أَحَدَهُمَا الْآخَرُ لِحُصُولِ التَّعَارُضِ فَيُصَارُ لِلتَّرْجِيحِ وَلَفْظُ الْقُرْآنِ مُتَوَاتِرٌ فَيَكُونُ أَرْجَحَ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْخَبَرِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَالَ ذَلِكَ يَسْتَحِقُّ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ (وَرَابِعُهَا) أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ لَوْ كَانَ فُتْيَا لَانْصَرَفَا بِطَرِيقِ الْإِمَامَةِ لَمَا تَرَكَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعُمَرُ

стр. 479

مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ أَلْبَتَّةَ بَلْ الْقَاعِدَةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُجْعَلَ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً وَيَجْرِي فِيهَا الْخِلَافُ فِي بَعْضِ فُرُوعِهَا لَا فِي كُلِّهَا أَنَّ مَنْ جَرَى لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْلِيكِ هَلْ يُعْطَى حُكْمَ مَنْ مَلَكَ، وَمَلَكَ قَدْ يُخْتَلَفُ فِي هَذَا الْأَصْلِ فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ وَلِذَلِكَ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إذَا حِيزَتْ الْغَنِيمَةُ فَقَدْ انْعَقَدَ لِلْمُجَاهِدِينَ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَالتَّمْلِيكِ فَهَلْ يُعَدُّونَ مَالِكِينَ لِذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ فَقِيلَ يَمْلِكُونَ بِالْحَوْزِ وَالْأَخْذِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَقِيلَ لَا يَمْلِكُونَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الْعَامِلُ فِي الْقِرَاضِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْمُطَالَبَةَ بِالْقِيمَةِ وَإِعْطَاءِ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَهَلْ يُعَدُّ مَالِكًا بِالظُّهُورِ أَوْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ: الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ الْعَامِلُ فِي الْمُسَاقَاةِ وُجِدَ فِي حَقِّهِ مِنْ الْعَمَلِ مَا يَقْتَضِي الْمُطَالَبَةَ بِالْقِسْمَةِ وَتَمْلِيكِ نَصِيبِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَهَلْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ أَوْ يَمْلِكُ بِالظُّهُورِ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى عَكْسِ الْقِرَاضِ؟ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ: الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الشَّرِيكُ فِي الشُّفْعَةِ إذَا بَاعَ شَرِيكَهُ تَحَقَّقَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْمُطَالَبَةَ بِأَنْ يَمْلِكَ الشِّقْصَ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ. وَلَمْ أَرَ خِلَافًا فِي أَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ: الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ الْفَقِيرُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَا يَسْتَحِقُّهُ بِصِفَةِ فَقْرِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ كَالْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَالْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ أَمْلَاكَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَأْنُ الْإِنْسَانِ أَنْ يُعْطَى لِأَجْلِهِ فَإِذَا سَرَقَ هَلْ يُعَدُّ كَالْمَالِكِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِوُجُودِ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّمْلِيكِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ؟ قَوْلَانِ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ الْقُوَّةِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِنَا جَرَى لَهُ سَبَبُ التَّمْلِيكِ فِي تَمْشِيَتِهَا عُسْرٌ لِأَجْلِ كَثْرَةِ النُّقُوضِ عَلَيْهَا أَمَّا هَذَا الْمَفْهُومُ وَهُوَ قَوْلُنَا مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ سَبَبٍ يَقْتَضِي مُطَالَبَتَهُ بِالتَّمْلِيكِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْقُيُودِ فَهَذَا جَعْلُهُ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِضَعْفِ الْمُنَاسَبَةِ جِدًّا أَوْ لِعَدَمِهَا أَلْبَتَّةَ. أَمَّا إذَا قُلْنَا انْعَقَدَ لَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْمُطَالَبَةَ بِالتَّمْلِيكِ فَهُوَ مُنَاسِبٌ لَأَنْ يُعَدَّ مَالِكًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ تَنْزِيلًا لِسَبَبِ السَّبَبِ مَنْزِلَةَ السَّبَبِ وَإِقَامَةً لِلسَّبَبِ الْبَعِيدِ مَقَامَ السَّبَبِ الْقَرِيبِ فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَخَيَّلَ وُقُوعُهُ قَاعِدَةً فِي الشَّرِيعَةِ أَمَّا مُجَرَّدُ مَا ذَكَرُوهُ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا مُجَرَّدُ الْإِمْكَانِ وَالْقَبُولِ لِلْمُلْكِ وَذَلِكَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ الْمُنَاسَبَةِ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ قَاعِدَةً وَتَتَخَرَّجُ تِلْكَ الْفُرُوعُ بِغَيْرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَفِي الثَّوْبِ لِلسُّتْرَةِ يُلَاحَظُ فِيهَا قُوَّةُ الْمَالِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَوْ أَنَّهُ أَعَانَهُ عَلَى دِينِ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ فَيَلْزَمُهُ وَيُكَافِئُ عَنْهُ إنْ شَاءَ. وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمَاءِ يُوهَبُ لَهُ هَلْ يَنْظُرُ إلَى يَسَارَتِهِ فَلَا مِنَّةَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي خِلَافَتِهِمَا لَكِنَّهُمَا تَرَكَاهَا عِلْمًا مِنْهُمَا أَنَّ ذَلِكَ تَصَرُّفٌ بِطَرِيقِ الْإِمَامَةِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَلَمْ يَرَيَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ حِينَئِذٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ فَلَمْ يَقُولَا بِهِ فَهَذِهِ وُجُوهٌ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَمُوجِبَةٌ لَأَنْ يُخَالِفَ أَصْلَهُ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ عَلَى التَّمَادِي عَلَى الْكُفْرِ فَيَجُوزُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَخْذِ الْأَعْوَاضِ عَلَى التَّمَادِي عَلَى الزِّنَا] (الْفَرْقُ السَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ إنَّ أَخْذِ الْجِزْيَةِ عَلَى التَّمَادِي عَلَى الْكُفْرِ يَجُوزُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إنَّ أَخْذَ الْأَعْوَاضِ عَلَى التَّمَادِي عَلَى الزِّنَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ لَا يَجُوزُ إجْمَاعًا) . وَهُوَ أَنَّ قَاعِدَةَ أَخْذِ الْمَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ الزِّنَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ مَفْسَدَةٌ صِرْفَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ تَرْجِيحِ الْمَصْلَحَةِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي هِيَ أَخْذُ الدَّرَاهِمِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ بَلْ الشَّرِيعَةُ تُحَرِّمُهُ وَلَا تُبِيحُهُ وَإِنَّمَا الَّذِي مِنْ الشَّرَائِعِ الْوَاقِعَةِ وَتُبِيحُهُ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ هُوَ عَكْسُ ذَلِكَ وَهُوَ تَرْجِيحُ الْمَصْلَحَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ إزَالَةُ مُنْكِرٍ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ الْعَظِيمَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْحَقِيرَةِ الَّتِي هِيَ دَفْعُ الدَّرَاهِمِ لِمَنْ يَأْكُلُهَا حَرَامًا كَمَا فِي دَفْعِ الْمَالِ فِي فِدَاءِ الْأُسَارَى الْكُفَّارِ وَهُمْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُمْ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ أَكْلُ ذَلِكَ الْمَالِ لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ الْمُحَرَّمِ لِتَخْلِيصِ الْأَسِيرِ مِنْ أَيْدِي الْعَدُوِّ. وَكَمَا فِي دَفْعِ الْمَالِ الْيَسِيرِ كَالثَّوْبِ وَنَحْوِهِ لِلْمُحَارِبِ لِيُسَلِّمَ دَفْعَ ذَلِكَ الْمَالِ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ مَعَهُ فَيَمُوتُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا وَمِنْ ذَلِكَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ صِرْفَةٌ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْتِزَامِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا الَّتِي هِيَ الْإِقْرَارُ عَلَى الْكُفْرِ بِأَخْذِهَا لِدَفْعِ مَفْسَدَةِ الْعُلْيَا الَّتِي هِيَ انْسِدَادُ بَابِ الْإِيمَانِ وَبَابِ مَقَامِ سَعَادَةِ الْجِنَانِ عَلَى الْكَافِرِ إذَا قُتِلَ لِيَتَحَتَّمَ الْكُفْرُ عَلَيْهِ وَالْخُلُودُ فِي النِّيرَانِ وَغَضَبُ الدَّيَّانِ حِينَئِذٍ وَلِتَوَقُّعِ الْمَصْلَحَةِ الْعُلْيَا الَّتِي هِيَ إمَّا رَجَاءُ الْإِسْلَامِ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَزْمَانِ مِنْ الْمُقِرِّ عَلَى الْكُفْرِ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ سِيَّمَا مَعَ اطِّلَاعِهِ عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِلْجَاءِ إلَيْهِ بِالذُّلِّ وَالصَّغَارِ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ فَيَلْزَمُ مِنْ إسْلَامِهِ إسْلَامُ ذُرِّيَّتِهِ فَتَتَّصِلُ سِلْسِلَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ قِبَلِهِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ الْكُفْرِ الْمُقَرِّ عَلَيْهِ وَإِمَّا رَجَاءُ إسْلَامِ ذُرِّيَّتِهِ الْمُخَلَّفِينَ مِنْ بَعْدِهِ أَوْ مِنْ ذُرِّيَّةِ

стр. 480

أَوْ يُلَاحِظُ الْمَالِيَّةَ. وَهِيَ ضَرَرٌ وَالضَّرَرُ مَنْفِيٌّ عَنْ الْمُكَلَّفِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَلِقَوْلِهِ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَوَاجِدُ الثَّمَنِ يَخْرُجُ عَلَى تَنْزِيلِ وَسِيلَتِهِ مَنْزِلَتَهُ أَمْ لَا وَكَذَلِكَ الْقَادِرُ عَلَى التَّدَاوِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَالْأَقْيِسَةِ وَالْمُنَاسِبَاتِ الَّتِي اُشْتُهِرَتْ فِي الشَّرْعِ اعْتِبَارُهَا وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ أَمَّا مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهُ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ مِنْ الْقُيُودِ الْمُوجِبَةِ لِلْمُنَاسِبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا يُوجِبُ اشْتِمَالَهُ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ وَنَقْلِ النُّقُوضِ عَلَيْهِ وَتَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ أَمَّا عَدَمُ الْمُنَاسَبَةِ وَكَثْرَةُ النُّقُوضِ فَاعْتِبَارُ مِثْلِ هَذَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ نَمَطِ الشَّرِيعَةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ خُصُوصًا الشَّيْخَ أَبَا الطَّاهِرِ بْنِ بَشِيرٍ فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالتَّنْبِيهِ كَثِيرًا. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَاتِ) اعْلَمْ أَنَّ الرِّيَاءَ فِي الْعِبَادَاتِ شِرْكٌ وَتَشْرِيكٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْإِثْمِ وَالْبُطْلَانِ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْمُحَاسِبِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُعَضِّدُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ لَهُ أَوْ تَرَكْتُهُ لِشَرِيكِي» فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِهِ وَمَا هُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ لَا يُجْزَى عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَسِرُّهَا وَضَابِطُهَا أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَالْمُتَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يُعَظِّمَهُ النَّاسُ أَوْ يُعَظَّمَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَصِلَ إلَيْهِ نَفْعُهُمْ أَوْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ ضَرَرُهُمْ فَهَذَا هُوَ قَاعِدَةُ أَحَدِ قِسْمَيْ الرِّيَاءِ وَالْقِسْمُ الْآخَرُ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى أَلْبَتَّةَ بَلْ النَّاسَ فَقَطْ وَيُسَمَّى هَذَا الْقِسْمُ رِيَاءَ الْإِخْلَاصِ وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ رِيَاءَ الشِّرْكِ لِأَنَّ هَذَا لَا تَشْرِيَك فِيهِ بَلْ خَالِصٌ لِلْخَلْقِ وَالْأَوَّلُ لِلْخَلْقِ وَلِلَّهِ تَعَالَى وَأَغْرَاضُ الرِّيَاءِ ثَلَاثَةٌ التَّعْظِيمُ وَجَلْبُ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأَخِيرَانِ يَتَفَرَّعَانِ عَنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ إذَا عَظُمَ انْجَلَبَتْ إلَيْهِ الْمَصَالِحُ وَانْدَفَعَتْ عَنْهُ الْمَفَاسِدُ فَهُوَ الْغَرَضُ الْكُلِّيُّ فِي الْحَقِيقَةِ فَهَذِهِ قَاعِدَةُ الرِّيَاءِ الْمُبْطِلَةُ لِلْأَعْمَالِ الْمُحَرَّمَةُ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَمَّا مُطْلَقُ التَّشْرِيكِ كَمَنْ جَاهَدَ لِيُحَصِّلَ طَاعَةَ اللَّهِ بِالْجِهَادِ وَلِيُحَصِّلَ الْمَالَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَاعَةً مِنْ إيمَانٍ تَعْدِلُ دَهْرًا مِنْ كُفْرٍ أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ وَعَدَّ النَّبِيُّ ﷺ خَلْقَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْبَرَكَاتِ الْمُوجِبَةِ لِتَعْظِيمِهِ فَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أَفْضَلُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَم وَفِيهِ تَابَ عَلَيْهِ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ» لِأَنَّ خَلْقَهُ سَبَبُ وُجُودِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَالصَّالِحِينَ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ ذُرِّيَّتِهِ كُفَّارًا فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِآدَمَ ﵇ ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ فَيُخْرَجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَيَبْقَى مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ وَالْبَقِيَّةُ كُفَّارٌ فُجَّارٌ أَهْلُ النَّارِ وَالْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ» إذْ لَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الْكُفَّارِ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْمُسْلِمِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَاحِدَ تَرْبُو مَصْلَحَةُ إسْلَامِهِ عَلَى مَفْسَدَةِ أُولَئِكَ الْكُفَّارِ وَأَنَّهُمْ كَالْعَدَمِ الصِّرْفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نُورِ الْإِيمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَعَقْدُ الْجِزْيَةِ لَمَّا كَانَتْ ثَمَرَتُهُ تُوقِعُ الْإِيمَانَ مِنْ الْأَصْلِ أَوْ مِنْ أَحَدِ الذَّرَارِيّ الَّذِي لَا يُعَادِلُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ الْكُفْرِ الْوَاقِعِ مِنْ غَيْرِهِ لَا مُجَرَّدُ تَحْصِيلِ مَصْلَحَةِ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْهُ كَانَ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ الشَّرَائِعِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَفْقِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ فَلِذَا أَبَاحَتْهُ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِ بَعْضِ الطَّاعِنِينَ فِي الدِّينِ فِي إيرَادِهِ سُؤَالًا فِي الْجِزْيَةِ إنَّ شَأْنَ الشَّرَائِعِ دَفْعُ أَعْظَمِ الْمَفْسَدَتَيْنِ بِإِيقَاعِ أَدْنَاهَا وَتَفْوِيتُ الْمَصْلَحَةِ الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا وَمَفْسَدَةُ الْكُفْرِ تَرْبُوا عَلَى مَصْلَحَةِ الْمَأْخُوذِ مِنْ الْجِزْيَةِ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بَلْ عَلَى جُمْلَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَضْلًا عَنْ هَذَا النَّزْرِ الْيَسِيرِ فَلِمَ وَرَدَتْ الشَّرِيعَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ بِذَلِكَ وَلِمَ لَمْ تُحَتِّمْ الْقَتْلَ دَرْءًا لِمَفْسَدَةِ الْكُفْرِ اهـ. وَلِمَ كَانَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى مُدَاوَمَةِ الزِّنَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ ثَمَرَتُهُ مُجَرَّدُ أَخْذِ الدَّرَاهِمِ الَّذِي هُوَ مَصْلَحَةٌ حَقِيرَةٌ لَا تُعَادِلُ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْمَفْسَدَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي هِيَ مَعْصِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَقَعْ فِي الشَّرِيعَةِ بَلْ مَنَعَتْهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَفْسَدَةٌ صِرْفَةٌ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ نَقْضَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ نَقْضَهَا] (الْفَرْقُ الثَّامِنَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ نَقْضَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُ

стр. 481

مِنْ الْغَنِيمَةِ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ وَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لَهُ هَذَا فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَفَرْقٌ بَيْنَ جِهَادِهِ لِيَقُولَ النَّاسُ إنَّهُ شُجَاعٌ أَوْ لِيُعَظِّمَهُ الْإِمَامُ فَيُكْثِرَ إعْطَاءَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَهَذَا وَنَحْوُهُ رِيَاءٌ حَرَامٌ وَبَيْنَ أَنْ يُجَاهِدَ لِيُحَصِّلَ السَّبَايَا وَالْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ مِنْ جِهَةِ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أَشْرَكَ وَلَا يُقَالُ لِهَذَا رِيَاءٌ بِسَبَبِ أَنَّ الرِّيَاءَ لِيَعْمَلَ أَنْ يَرَاهُ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ وَالرُّؤْيَةُ لَا تَصِحُّ إلَّا مِنْ الْخَلْقِ فَمَنْ لَا يَرَى وَلَا يُبْصِرُ لَا يُقَالُ فِي الْعَمَلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ رِيَاءٌ وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ فِي الْغَنِيمَةِ وَنَحْوُهُ لَا يُقَالُ إنَّهُ يَرَى أَوْ يُبْصِرُ فَلَا يَصْدُقُ عَلَى هَذِهِ الْأَغْرَاضِ لَفْظُ الرِّيَاءِ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ فِيهَا وَكَذَلِكَ مَنْ حَجَّ وَشَرَّك فِي حَجِّهِ غَرَضَ الْمَتْجَرِ بِأَنْ يَكُونَ جُلُّ مَقْصُودِهِ أَوْ كُلُّهُ السَّفَرَ لِلتِّجَارَةِ خَاصَّةً وَيَكُونَ الْحَجُّ إمَّا مَقْصُودًا مَعَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَيَقَعُ تَابِعًا اتِّفَاقًا فَهَذَا أَيْضًا لَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَجِّ وَلَا يُوجِبُ إثْمًا وَلَا مَعْصِيَةً وَكَذَلِكَ مَنْ صَامَ لِيَصِحَّ جَسَدُهُ أَوْ لِيَحْصُلَ لَهُ زَوَالُ مَرَضٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي يُنَافِيهَا الصِّيَامُ وَيَكُونُ التَّدَاوِي هُوَ مَقْصُودُهُ أَوْ بَعْضُ مَقْصُودِهِ وَالصَّوْمُ مَقْصُودُهُ مَعَ ذَلِكَ وَأَوْقَعَ الصَّوْمَ مَعَ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ لَا تَقْدَحُ هَذِهِ الْمَقَاصِدُ فِي صَوْمِهِ بَلْ أَمَرَ بِهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أَيْ قَاطِعٌ فَأَمَرَ بِالصَّوْمِ لِهَذَا الْغَرَضِ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ ﵊ فِي الْعِبَادَاتِ وَمَا مَعَهَا وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَهُ وَيَنْوِيَ التَّبَرُّدَ أَوْ التَّنْظِيفَ وَجَمِيعُ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا تَعْظِيمُ الْخَلْقِ بَلْ هِيَ تَشْرِيك أُمُورٍ مِنْ الْمَصَالِحِ لَيْسَ لَهَا إدْرَاكٌ وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِدْرَاكِ وَلَا لِلتَّعْظِيمِ فَلَا تَقْدَحُ فِي الْعِبَادَاتِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَاتِ غَرَضًا آخَرَ غَيْرَ الْخَلْقِ مَعَ أَنَّ الْجَمِيعَ تَشْرِيكٌ نَعَمْ لَا يَمْنَعُ أَنَّ هَذِهِ الْأَغْرَاضَ الْمُخَالِطَةَ لِلْعِبَادَةِ قَدْ تُنْقِصُ الْأَجْرَ وَأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا تَجَرَّدَتْ عَنْهَا زَادَ الْأَجْرُ وَعَظُمَ الثَّوَابُ أَمَّا الْإِثْمُ وَالْبُطْلَانُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَمِنْ جِهَتِهِ حَصَلَ الْفَرْقُ لَا مِنْ جِهَةِ كَثْرَةِ الثَّوَابِ وَقِلَّتِهِ. (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ عَقْدِ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهَا مِمَّا يُوجِبُ التَّأْمِينَ) وَهُوَ إمَّا الْمَصْلَحَةُ أَوْ الْأَمَانُ وَالْجَمِيعُ يُوجِبُ الْأَمَانَ وَالتَّأْمِينَ غَيْرَ أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ يَكُونُ لِضَرُورَةٍ وَلِغَيْرِ ضَرُورَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَوْجَبَ الْقِتَالَ عِنْدَ عَدَمِ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ بِقَوْلِهِ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فَجَعَلَ الْقِتَالَ مُغَيًّا إلَى وَقْتِ مُوَافَقَتِهِمْ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَلَا يَعْقِدُهُ إلَّا الْإِمَامُ وَيَدُومُ لِلْمَعْقُودِ لَهُمْ وَلِذَرَارِيِّهِمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إلَّا أَنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] نَقْضَهَا) عَقْدُ الْجِزْيَةِ هُوَ الْتِزَامُنَا لِلْكُفَّارِ صِيَانَةَ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ نَشْتَرِطُهَا عَلَيْهِمْ بِهَا سُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَاسْتُفِيدَتْ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ وَهِيَ أَنْ يُعْطُوا أَرْبَعَةَ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا فِي انْقِضَاءِ كُلِّ عَامٍ قَمَرِيٍّ صَرْفُ كُلِّ دِينَارٍ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا وَأَنْ لَا يُحْدِثُوا كَنِيسَةً وَلَا بِيعَةً وَلَا دِيرًا وَلَا صَوْمَعَةً وَلَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ مِنْهَا وَلَا يَمْنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ النُّزُولِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ لَيْلًا وَنَهَارًا وَيُوَسِّعُوا أَبْوَابَهَا لِلنَّازِلِينَ وَيُضَيِّفُوا مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثًا وَأَنْ لَا يَأْوُوا جَاسُوسًا وَلَا يَكْتُمُوا غِشًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُعَلِّمُوا أَوْلَادَهُمْ الْقُرْآنَ وَلَا يَمْنَعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ وَيُوَقِّرُوا الْمُسْلِمِينَ وَيَقُومُوا لَهُمْ مِنْ الْمَجَالِسِ وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ فِي شَيْءٍ مِنْ لِبَاسِهِمْ وَلَا فَرْقِ شَعْرِهِمْ وَلَا يَتَكَلَّمُوا بِكَلَامِهِمْ وَلَا يَتَكَنَّوْا بِكُنَاهُمْ وَلَا يَرْكَبُوا عَلَى السُّرُوجِ وَلَا يَتَقَلَّدُوا شَيْئًا مِنْ السِّلَاحِ وَلَا يَحْمِلُوهُ مَعَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا يَتَّخِذُوهُ وَلَا يَنْقُشُوا خَوَاتِيمَهُمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا يَبِيعُوا الْخَمْرَ مِنْ مُسْلِمٍ وَيَجِزُّوا مَقَادِمَ رُءُوسِهِمْ وَيَشُدُّوا الزَّنَانِيرَ وَلَا يُظْهِرُوا الصَّلِيبَ وَلَا يُجَاوِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِمَوْتَاهُمْ وَلَا يَطْرَحُوا فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ نَجَاسَةً وَيُخْفُوا النَّوَاقِيسَ وَأَصْوَاتَهُمْ وَلَا يُظْهِرُوا شَيْئًا مِنْ شَعَائِرِهِمْ وَلَا يَتَّخِذُوا مِنْ الرَّقِيقِ مَا جَرَتْ عَلَيْهِمْ سِهَامُ الْمُسْلِمِينَ وَيُرْشِدُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا يُطْلِعُوا عَلَيْهِمْ عَدُوًّا وَلَا يَضْرِبُوا مُسْلِمًا وَلَا يَسُبُّوهُ وَلَا يَسْتَخْدِمُوهُ وَلَا يُسْمِعُوا مُسْلِمًا شَيْئًا مِنْ كُفْرِهِمْ وَلَا يَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُظْهِرُوا خَمْرًا وَلَا نِكَاحَ ذَاتِ مَحْرَمٍ وَأَنْ يُسْكِنُوا الْمُسْلِمِينَ بَيْنَهُمْ. اهـ وَقَدْ ذَهَبَ عُلَمَاءُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فِي إخْلَالِ الذِّمِّيِّ بِشَرْطٍ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ إلَى طَرِيقَتَيْنِ الطَّرِيقَةُ الْأُولَى لِبَعْضِهِمْ نَقْضُ الْعَهْدِ بِإِخْلَالِهِ بِأَيِّ شَرْطٍ مِنْهَا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ مِنْ الْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ لِجُمْهُورِهِمْ نَقْضُ الْعَهْدِ بِإِخْلَالِهِ بِمَا يُنَافِي الْأَمَانَ وَالتَّأْمِينَ فَقَطْ وَهَذِهِ هِيَ الصَّوَابُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ عَقْدَ الْجِزْيَةِ كَعَقْدِ الْإِسْلَامِ فَكَمَا أَنَّ عَقْدَ الْإِسْلَامِ عَاصِمٌ لِلدِّمَاءِ وَنَحْوِهَا كَذَلِكَ عَقْدُ الذِّمَّةِ عَاصِمٌ لِلدِّمَاءِ وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَلْزَمَ الْمُسْلِمَ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ

стр. 482

يَحْصُلَ لِلْعَقْدِ نَاقِضٌ كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ النَّوَاقِضِ وَأَنَّهُ لَيْسَ رُخْصَةً عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ بَلْ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَأَمَّا التَّأْمِينُ فَيَصِحُّ مِنْ آحَادِ النَّاسِ بِخِلَافِ عَقْدِ الْجِزْيَةِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ فِي عَدَدٍ مَحْصُورٍ كَالْوَاحِدِ وَنَحْوِهِ. وَأَمَّا الْجَيْشُ الْكَثِيرُ فَالْعَقْدُ فِي تَأْمِينِهِ لِلْأَمِيرِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ وَلَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ عَقْدُ الْمُصَالَحَةِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا يَعْقِدُهُ إلَّا الْإِمَامُ وَيَكُونُ إلَى مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ وَيَجُوزُ بِغَيْرِ مَالٍ يُعْطُونَهُ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْمَالِ وَهُوَ رُخْصَةٌ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ الْقِتَالِ وَطَلَبُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ وَلِذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ قِتَالِهِمْ أَوْ إلْجَائِهِمْ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ وَشُرُوطُ الْجِزْيَةِ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ مُتَقَرِّرَةٌ فِي الشَّرْعِ وَشُرُوطُ الْمُصَالَحَةِ بِحَسَبِ مَا يَحْصُلُ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهَا مَا لَمْ يَكُنْ فِي الشُّرُوطِ فَسَادُ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ التَّأْمِينُ لَيْسَ لَهُ شُرُوطٌ بَلْ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ وَاللَّازِمُ فِيهِ مُطْلَقُ الْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ وَعَقْدُ الْجِزْيَةِ يُوجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حُقُوقًا مُتَأَكِّدَةً مِنْ الصَّوْنِ لَهُمْ وَالذَّبِّ عَنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالْمُصَالَحَةُ لَا تُوجِبُ مِثْلَ تِلْكَ الْحُقُوقِ بَلْ يَكُونُونَ أَجَانِبَ مِنَّا لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا بِرُّهُمْ وَلَا الْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي ذِمَّتِنَا غَيْرَ أَنَّا لَا نَغْدِرُ بِهِمْ وَلَا نَتَعَرَّضُ لَهُمْ فَقَطْ وَنَقُومُ بِمَا الْتَزَمْنَا لَهُمْ فِي الْعَقْدِ وَمِنْ الشُّرُوطِ وَاتَّفَقْنَا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ نُوَاسِيَ فَقِيرَهُمْ وَنَنْصُرَ مَظْلُومَهُمْ بَلْ نَتْرُكُهُمْ يَنْفَصِلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ عَقْدِ الْجِزْيَةِ يَجِبُ عَلَيْنَا فِيهِ دَفْعُ التَّظَالُمِ بَيْنَهُمْ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْفِقْهِ مَبْسُوطًا هُنَالِكَ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ تَوْحِيدُهُ بِهِ) اعْلَمْ أَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّعْظِيمِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ وَاجِبٌ إجْمَاعًا وَغَيْرُ وَاجِبٍ إجْمَاعًا وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ أَمْ لَا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ بِالْإِجْمَاعِ فَذَلِكَ كَالصَّلَوَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَالصَّوْمِ عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِهِ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالنَّذْرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُفْعَلَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ الْخَلْقُ وَالرِّزْقُ وَالْأَمَانَةُ وَالْإِحْيَاءُ وَالْبَعْثُ وَالنَّشْرُ وَالسَّعَادَةُ وَالشَّقَاءُ وَالْهِدَايَةُ وَالْإِضْلَالُ وَالطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ وَالْقَبْضُ وَالْبَسْطُ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ تَوْحِيدُهُ تَعَالَى بِهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي عَقْدِ إسْلَامِهِ كَذَلِكَ أَلْزَمَ الذِّمِّيَّ جُمْلَةَ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي عَقْدِ أَمَانِهِ وَكَمَا أَنَّ رَفْضَ التَّكَالِيفِ فِي الْإِسْلَامِ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُنَافِي الْإِسْلَامَ وَيُبِيحُ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ كَرَمْيِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ وَانْتِهَاكِ حُرْمَةِ النُّبُوَّاتِ وَإِلَى مَا لَيْسَ مُنَافِيًا لِلْإِسْلَامِ وَهُوَ ضَرْبَانِ كَبَائِرُ تُوجِبُ التَّغْلِيظَ بِالْعُقُوبَةِ وَرَدَّ الشَّهَادَاتِ وَسَلْبَ أَهْلِيَّةِ الْوِلَايَةِ وَصَغَائِرُ تُوجِبُ التَّأْدِيبَ دُونَ التَّغْلِيظِ فَكَذَلِكَ رَفْضُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الذِّمَّةِ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يُنَافِي مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ عَقْدِ الذِّمَّةِ مِنْ الْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ كَالْقَتْلِ وَالْخُرُوجِ عَنْ أَحْكَامِ السُّلْطَانِ وَإِلَى مَا لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْأَمَانِ وَالتَّأْمِينِ وَهُوَ ضَرْبَانِ مَا هُوَ عَظِيمُ الْمَفْسَدَةِ كَالْكَبِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِسْلَامِ كَالْحِرَابَةِ وَالسَّرِقَةِ وَمَا هُوَ خَفِيفُ الْمَفْسَدَةِ كَالصَّغِيرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِسْلَامِ كَسَبِّ الْمُسْلِمِ وَإِظْهَارِ التَّرَفُّعِ عَلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ ضَرْبَيْ مَا لَيْسَ بِمُنَافٍ لِعَقْدِ الْإِسْلَامِ مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ لَا يُبْطِلَانِ عِصْمَةَ دَمِ وَمَالِ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَكِبِ لِأَحَدِهِمَا كَذَلِكَ ضَرْبَا مَا لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْأَمْنِ وَالْأَمَانِ الْمَقْصُودَيْنِ مِنْ عَقْدِ الْجِزْيَةِ مِمَّا يُشْبِهُ وَاحِدًا مِنْ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ لَا يُبْطِلَانِ عِصْمَةَ دَمِ وَمَالِ الذِّمِّيِّ النَّاقِضِ لِأَحَدِهِمَا (الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ الْمَشْهُورَةَ فِي أَبْوَابِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّنَا لَا نُبْطِلُ عَقْدًا مِنْ الْعُقُودِ إلَّا بِمَا يُنَافِي مَقْصُودَ ذَلِكَ الْعَقْدِ دُونَ مَا لَا يُنَافِي مَقْصُودَهُ وَإِنْ كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ مُقَارَنَتِهِ مَعَهُ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هِيَ طَرِيقَةُ الْجُمْهُورِ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُوجِبٌ لِمُنَافَاةِ عَقْدِ الذِّمَّةِ كَالْخُرُوجِ عَلَى السُّلْطَانِ وَنَبْذِ الْعَهْدِ وَالْقَتْلِ وَالْقِتَالِ بِمُفْرَدِهِمْ أَوْ مَعَ الْأَعْدَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنْ خَرَجُوا نَقْضًا لِلْعَهْدِ وَالْإِمَامُ عَادِلٌ فَهُمْ فَيْءٌ كَمَا فَعَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَمَّا عَصَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَتْحِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ وَامْتِنَاعُهُمْ مِنْ الْجِزْيَةِ الظُّلْمَ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ رُدُّوا إلَى ذِمَّتِهِمْ. وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إنْ كَانَ خُرُوجُهُمْ مِنْ ظُلْمٍ فَهُوَ نَقْضٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَاهَدُوا عَلَى أَنْ يَظْلِمُوا مَنْ ظَلَمَهُمْ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ ذِمِّيًّا نَخَسَ بَغْلًا عَلَيْهِ مُسْلِمَةٌ فَوَقَعَتْ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا فَأَمَرَ بِصَلْبِهِ فِي

стр. 483

تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوَحُّدَهُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ وَإِنْ أُضِيفَ شَيْءٌ مِنْهَا لِغَيْرِهِ تَعَالَى فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الرَّبْطِ الْعَادِيِّ لَا أَنَّ ذَلِكَ الْمُشَارَ إلَيْهِ فَعَلَ شَيْئًا حَقِيقَةً كَقَوْلِنَا قَتَلَهُ السُّمُّ وَأَحْرَقَتْهُ النَّارُ وَرَوَاهُ الْمَاءُ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ حَقِيقَةً بَلْ اللَّهُ تَعَالَى رَبَطَ هَذِهِ الْمُسَبَّبَاتِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ كَمَا شَاءَ وَأَرَادَ وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَرْبِطْهَا وَهُوَ الْخَالِقُ لِمُسَبِّبَاتِهَا عِنْدَ وُجُودِهَا لَا أَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ هَذِهِ الْمُوجِدَةُ. وَكَذَلِكَ إخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ عِيسَى ﵊ أَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُبْرِئُ عِنْدَ إرَادَةِ عِيسَى ﵇ لِذَلِكَ لَا أَنَّ عِيسَى ﵇ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ لِذَلِكَ وَمُعْجِزَةُ عِيسَى ﵇ فِي ذَلِكَ رَبْطُ وُقُوعِ ذَلِكَ الْإِحْيَاءِ وَذَلِكَ الْإِبْرَاءِ بِإِرَادَتِهِ فَإِنَّ غَيْرَهُ يُرِيدُ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ إرَادَتُهُ ذَلِكَ فَاللُّزُومُ بِإِرَادَتِهِ هُوَ مُعْجِزَتُهُ ﵇ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يَظْهَرُ عَلَى أَيْدِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ وَالْكَرَامَاتِ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ خَالِقُهَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ تَوْحِيدُهُ تَعَالَى بِاسْتِحْقَاقِ الْعِبَادَةِ وَالْإِلَهِيَّةِ وَعُمُومُ تَعَلُّقِ صِفَاتِهِ تَعَالَى فَيَتَعَلَّقُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ وَإِرَادَتُهُ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَبَصَرُهُ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ الْبَاقِيَاتِ وَالْفَانِيَاتِ وَسَمْعُهُ بِجَمِيعِ الْأَصْوَاتِ وَخَبَرُهُ بِجَمِيعِ الْمُخْبَرَاتِ فَهَذَا وَنَحْوُهُ تَوْحِيدٌ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ لَا مُشَارَكَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى عَدَمِ التَّوْحِيدِ فِيهِ وَالتَّوَحُّدِ، كَتَوْحِيدِهِ بِالْوُجُودِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِهِمَا فَمَفْهُومُ الْوُجُودِ مُشْتَرَكٌ فِيهِ سَوَاءٌ قُلْنَا هُوَ عَيْنُ الْمَوْجُودِ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنْ قُلْنَا الْوُجُودُ زَائِدٌ عَلَى الْمَوْجُودِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَى عَدَمِ التَّوْحِيدِ فِيهِ وَالتَّوَحُّدُ كَتَوْحِيدِهِ تَعَالَى بِالْوُجُودِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِهِمَا إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ تَقُولَ إنَّ الْوُجُودَ هُوَ عَيْنُ الْمَوْجُودِ أَوْ غَيْرُهُ فَإِنْ قُلْت بِالْأَوَّلِ لَمْ يَصِحَّ الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَحُّدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُجُودَ الْبَارِي تَعَالَى عَيْنُ ذَاتِهِ وَوُجُودُ غَيْرِهِ عَيْنُ ذَاتِهِ وَالْغَيْرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدٌ بِذَاتِهِ غَيْرُ مُشَارَكٍ فِيهَا فَلَا يَصِحُّ عَلَى ذَلِكَ الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَحُّدِ عَلَى هَذَا بِاعْتِبَارِ الْوُجُودِ الْخَارِجِ عَنْ الذِّهْنِ. وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ الْأَمْرِ الذِّهْنِيِّ فَلَا يَصِحُّ عَلَى ذَلِكَ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَحُّدِ لِلْخِلَافِ فِي الْأَمْرِ الذِّهْنِيِّ وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَمْرِ الثَّانِي فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَحُّدِ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُجُودَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَيْرَيْنِ يَخْتَصُّ بِهِ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِإِنْكَارِ الْحَالِ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْحَالِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَالَ هِيَ الْأَمْرُ الذِّهْنِيُّ أَوْ لَا فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ لَمْ يَصِحَّ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَحُّدِ لِلْخِلَافِ فِي الْأَمْرِ الذِّهْنِيِّ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي لَمْ يَصِحَّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَقَالَ إنَّمَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا حَارَبَ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَظُفِرَ بِهِمْ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ قُتِلُوا وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ وَلَا نَتَعَرَّضُ لِمَنْ يُظَنُّ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ مَعَهُمْ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالضَّعِيفِ وَلَوْ ذَهَبُوا لِبَلَدِ الْحَرْبِ وَتَرَكُوا أَوْلَادَهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ لَمْ يُسْبَوْا بِخِلَافِ مَا إذَا ذَهَبُوا بِهِمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِظُلْمٍ أَصَابَهُمْ إلَّا أَنْ يُعِينُوا عَلَيْنَا الْمُشْرِكِينَ فَهُمْ كَالْمُحَارِبِينَ وَقَالَ أَيْضًا إذَا حَارَبُوا وَالْإِمَامُ عَدْلٌ اسْتَحَلَّ سَبْيَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ إلَّا مَنْ يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ كَالضُّعَفَاءِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ أَصْبَغُ ﵀ أَحَدًا وَأَلْحَقَ الضُّعَفَاءَ بِالْأَقْوِيَاءِ فِي النَّقْضِ كَمَا انْدَرَجُوا مَعَهُمْ فِي النَّقْدِ وَلِأَنَّهُ ﷺ «سَبَى ذَرَارِيَّ قُرَيْظَةَ وَنِسَاءَهُمْ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إذَا اسْتَوْلَى الْعَدُوُّ عَلَى مَدِينَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا ذِمَّةٌ فَغَزَوْا مَعَهُمْ ثُمَّ اعْتَذَرُوا لَنَا بِالْقَهْرِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ إلَّا بِقَوْلِهِمْ فَمَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا قُتِلَ وَإِلَّا أُطِيلَ سَجْنُهُ قَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُهُمْ إذَا صَارُوا عَوْنًا لِلْحَرْبِيِّينَ عَلَيْنَا (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَافِي عَقْدَ الذِّمَّةِ كَتَرْكِ الزِّنَا وَرُكُوبِ الْخَيْلِ وَتَرْكِ ضِيَافَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَقْشِ خَوَاتِيمِهِمْ بِالْعَرَبِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَخِفُّ مَفْسَدَتُهُ فَفِي الْأَصْلِ عَنْ الْأَصْحَابِ إذَا أَظْهَرُوا مُعْتَقَدَهُمْ فِي الْمَسِيحِ ﵇ أَوْ غَيْرِهِ أَدَّبْنَاهُمْ وَلَا يُنْقَضُ بِهِ الْعَهْدُ وَإِنَّ حُكْمَهُمْ فِي الْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِلْقِصَاصِ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ هَلْ يُلْحَقُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَيُنْتَقَضُ بِهِ عَقْدُ الْجِزْيَةِ أَوْ بِالْقِسْمِ الثَّانِي فَلَا يُنْتَقَضُ بِهِ عَقْدُ الْجِزْيَةِ كَإِكْرَاهِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الزِّنَا وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَتَعَرُّضِهِمْ لَهُ ﷺ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهُ فَفِي الْأَصْلِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَإِنَّمَا يُنْقَضُ بِالْقِتَالِ وَمَنْعِ الْجِزْيَةِ وَالتَّمَرُّدِ عَلَى الْأَحْكَامِ وَالتَّطَلُّعِ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَإِكْرَاهِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الزِّنَا. وَأَمَّا قَطْعُ الطَّرِيقِ فَحُكْمُهُمْ فِيهِ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَرُّضُهُمْ لَهُ ﷺ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ إلَّا أَنْ يُسْلِمُوا وَرُوِيَ يُوجَعُ أَدَبًا وَيُشَدُّ ذَنَبُهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ قُبِلَ مِنْهُ

стр. 484

فَهُوَ مُشْتَرِكٌ فِيهِ فِي الْخَارِجِ وَإِنْ قُلْنَا وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ نَفْسُ مَاهِيَّتِه فَنُرِيدُ نَفْسَ مَاهِيَّتِه فِي الْخَارِجِ وَأَمَّا فِي الذِّهْنِ فَنَحْنُ نَتَصَوَّرُ مِنْ مَعْنَى الْوُجُودِ مَعْنًى عَامًّا يَشْمَلُ الْوَاجِبَ وَالْمُمْكِنَ فَتِلْكَ الصُّورَةُ الذِّهْنِيَّةُ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهَا فَعَلِمْنَا أَنَّ التَّوْحِيدَ فِي أَصْلِ الْوُجُودِ غَيْرُ وَاقِعٍ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَكَذَلِكَ مَفْهُومُ الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِلْمٌ وَقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَكَذَلِكَ مَفْهُومُ الْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْإِرَادَةِ وَالْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ وَأَنْوَاعُهُ مِنْ الطَّلَبِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ وَلَوْلَا الشَّرِكَةُ فِي أُصُولِ هَذِهِ الْمَفْهُومَاتِ لَتَعَذَّرَ عَلَيْنَا قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ فَإِنَّ الْقِيَاسَ بِغَيْرِ مُشْتَرِكٍ مُتَعَذِّرٌ وَقِيَاسُ الْمُبَايِنِ عَلَى مُبَايِنِهِ لَا يَصِحُّ. وَقَدْ أَوْرَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ هَذَا السُّؤَالَ فَقَالَ إنْ كَانَ الْقِيَاسُ صَحِيحًا لِمَعْنًى مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ فَقَدْ وَقَعَتْ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِ الْبَشَرِ وَاَللَّهُ لَا تُشْبِهُ ذَاتُهُ ذَاتًا وَلَا صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ غَيْرِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وَالسَّلْبُ الَّذِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَامٌّ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ صَحِيحًا تَعَذَّرَ إثْبَاتُ الصِّفَاتِ فَإِنَّ مُسْتَنَدَهَا قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ. وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ السَّلْبَ لِلْمِثْلِيَّةِ الْمُسْتَفَادِ مِنْ الْآيَةِ صَحِيحٌ وَالْقِيَاسُ أَيْضًا صَحِيحٌ وَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمَعَانِيَ لَهَا صِفَاتٌ نَفْسِيَّةٌ تَقَعُ الشَّرِكَةُ فِيهَا فَبِهَا يَقَعُ الْقِيَاسُ وَتِلْكَ الصِّفَاتُ النَّفِيسَةُ حُكْمٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَحَالٌ مِنْ أَحْوَالِهِ النَّفْسِيَّةِ وَهِيَ حَالَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وَذَلِكَ كَمَا نَقُولُ كَوْنُ السَّوَادِ سَوَادًا وَكَوْنُ الْبَيَاضِ بَيَاضًا حَالَةٌ لِلسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ وَهِيَ حَالَةٌ غَيْرُ مُعَلَّلَةٍ وَهَذِهِ الْحَالُ لَا مَوْجُودَةٌ وَلَا مَعْدُومَةٌ فَلَيْسَ خُصُوصُ السَّوَادِ الَّذِي امْتَازَ بِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْرَاضِ صِفَةً وُجُودِيَّةً قَائِمَةً بِالسَّوَادِ وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ عَرَضًا لَيْسَ بِصِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِالسَّوَادِ بَلْ السَّوَادُ فِي نَفْسِهِ بَسِيطٌ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ وَحَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْخَارِجِ لَيْسَ لَهَا صِفَةٌ بَلْ يُوصَفُ بِهَا وَلَا تُوصَفُ بِصِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْقَوْلُ بِعَدَمِ التَّوْحِيدِ وَالتَّوَحُّدِ لِاخْتِصَاصِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَيْرَيْنِ بِحَالِهِ كَمَا سَبَقَ فِي الْوُجُودِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْلَا الشَّرِكَةُ فِي أُصُولِ هَذِهِ الْمَفْهُومَاتِ لَتَعَذَّرَ عَلَيْنَا قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الشَّرِكَةَ فِي أُصُولِ هَذِهِ الْمَفْهُومَاتِ لَمْ تَثْبُتْ فَيَتَعَذَّرُ قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ أَوْرَدَهُ وَارِدٌ وَجَوَابُهُ بِالْتِزَامِ بُطْلَانِ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَعَدَمِ تَعَذُّرِ إثْبَاتِ الصِّفَاتِ لِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ لِإِثْبَاتِهَا قِيَاسُ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ وَمَا أَجَابَ هُوَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤَالِ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالْأَحْوَالِ وَلَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الصِّفَاتِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْقِسْمِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَقَالَ اللَّخْمِيُّ إنْ زَنَى بِالْمُسْلِمَةِ طَوْعًا لَمْ يُنْتَقَضْ عَهْدُهُ عِنْدَ مَالِكٍ ﵁ وَانْتَقَضَ عِنْدَ رَبِيعَةَ وَابْنِ وَهْبٍ وَإِنْ غَرَّهَا بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ فَتَزَوَّجَهَا فَهُوَ نَقْضٌ عِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ وَإِنْ عَلِمَتْ بِهِ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا وَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْأَمَةُ لَمْ يَكُنْ نَقْضًا وَإِنْ اغْتَصَبَهَا قَالَ مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِنَقْضٍ وَقِيلَ نَقْضٌ قَالَ فَإِنْ عُوهِدَ عَلَى أَنَّهُ مَتَى أَتَى بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ نَقْضٌ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِذَلِكَ قَالَ الْأَصْلُ وَهَذِهِ الْفُرُوعُ بَعْضُهَا أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ لِلْقَاعِدَةِ فِي النَّقْضِ فَإِكْرَاهُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الزِّنَا وَجَعْلُهُ نَاقِضًا دُونَ الْحِرَابَةِ مُشْكِلٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالْحِرَابَةِ فَلَا يُنْتَقَضُ أَوْ تُلْحَقُ الْحِرَابَةُ فِيهِ فَيُنْتَقَضُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِعُمُومِ مُفْسِدَةِ الْحِرَابَةِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ وَعَدَمُ اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ. اهـ فَإِذَا عَلِمْت هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ وَتَوَضَّحَتْ عِنْدَك مَسَائِلُهَا ظَهَرَ لَك تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ النَّقْضَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُهُ فَتَعْتَبِرُ مَا يَقَعُ لَك مِنْ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ بِرِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّوَدُّدِ لَهُمْ] (الْفَرْقُ التَّاسِعَ عَشَرَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ بِرِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّوَدُّدِ لَهُمْ) مِنْ حَيْثُ إنَّ بِرَّهُمْ وَالْإِحْسَانَ إلَيْهِمْ مَأْمُورٌ بِهِ ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] الْآيَةَ وَقَالَ ﷺ «اسْتَوْصُوا بِأَهْلِ الذِّمَّةِ خَيْرًا» وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «اسْتَوْصُوا بِالْقِبْطِ خَيْرًا» وَوُدُّهُمْ وَتُوَلِّيهِمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة: ١] الْآيَةَ. وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٩] الْآيَةَ حَتَّى اُحْتِيجَ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ النُّصُوصِ بِمَا هُوَ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ بِرِّهِمْ وَالتَّوَدُّدِ لَهُمْ مِنْ أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ لَمَّا كَانَ عَقْدًا عَظِيمًا فَيُوجِبُ عَلَيْنَا حُقُوقًا لَهُمْ مِنْهَا مَا حَكَى ابْنُ حَزْمٍ فِي مَرَاتِبِ الْإِجْمَاعِ وَنَجْعَلُهُمْ فِي جِوَارِنَا وَفِي حَقِّ رَبِّنَا وَفِي ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذِمَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ اهـ. وَاَلَّذِي إجْمَاعُ الْأَمَةِ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ وَجَاءَ أَهْلُ الْحَرْبِ إلَى بِلَادِنَا يَقْصِدُونَهُ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَخْرُجَ لِقِتَالِهِمْ بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ وَنَمُوتَ دُونَ ذَلِكَ صَوْنًا لِمَنْ هُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ

стр. 485

حَقِيقَةٍ تَقُومُ بِهَا وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الْمَعَانِي. فَكَذَلِكَ كَوْنُ الْعِلْمِ عِلْمًا صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ وَحَالَةٌ لَهُ لَيْسَتْ صِفَةً مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ قَائِمَةً بِالْعِلْمِ فَالْقِيَاسُ وَقَعَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ وَالْحُكْمُ النَّفْسِيُّ لَا بِصِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْإِرَادَةِ وَالْحَيَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ وَإِذَا كَانَ الْقِيَاسُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَمْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ وَهُوَ حُكْمٌ نَفْسِيٌّ وَحَالَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ فِي الْخَارِجِ فَالسَّلْبُ الَّذِي فِي الْآيَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمِثْلِيَّةَ مَنْفِيَّةٌ بَيْنَ الذَّاتِ وَجَمِيعِ الذَّوَاتِ. وَكُلُّ صِفَةٍ لَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ جَمِيعِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي أَمْرٍ وُجُودِيٍّ فَإِنَّهُ لَا صِفَةَ وُجُودِيَّةً مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ أَلْبَتَّةَ بَلْ الشَّرِكَةُ إنَّمَا وَقَعَتْ فِي أُمُورٍ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي الْخَارِجِ كَالْأَحْوَالِ وَالْأَحْكَامِ وَالنِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ كَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَالْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ وَالْمَعِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ أَمَّا فِي صِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ فَلَا فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قِيَاسِ الشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ وَبَيْنَ نَفْيِ الْمُشَابَهَةِ وَبُسِطَ هَذَا فِي كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ وَقَدْ بَسَطْته فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَأَوْرَدْت هَذَا السُّؤَالَ وَأَجَبْت عَنْهُ هُنَالِكَ مَبْسُوطًا فَهَذَا الْقِسْمُ وَنَحْوُهُ لَا يَجِبُ التَّوْحِيدُ فِيهِ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ إجْمَاعًا فَيَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ الْمَخْلُوقُ بِأَنَّهُ عَالِمٌ وَمُرِيدٌ وَحَيٌّ وَمَوْجُودٌ وَمُخْبِرٌ وَسَمِيعٌ وَبَصِيرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاكٍ فِي اللَّفْظِ بَلْ بِاعْتِبَارِ مَعْنًى عَامٍّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ الَّذِي اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ أَمْ لَا فَهَذَا هُوَ التَّعْظِيمُ بِالْقَسَمِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُقْسِمَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَكُونُ مِنْ التَّعْظِيمِ الَّذِي وَجَبَ التَّوْحِيدُ فِيهِ أَوْ لَا يَجُوزُ فَيَكُونُ مِنْ التَّعْظِيمِ الَّذِي وَجَبَ التَّوْحِيدُ فِيهِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي سِيقَ الْفَرْقُ لِأَجْلِهِ لِأَنَّهُ الْمُتَعَلِّقُ بِالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَقَالَ الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ هُوَ مُبَاحٌ كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَبِصِفَاتِهِ الْعُلَا وَمُحَرَّمٌ كَالْحَلِفِ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْحَلِفَ تَعْظِيمٌ وَتَعْظِيمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا وَأَقَلُّهُ التَّحْرِيمُ وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ الْحَلِفُ بِمَا عَدَا ذَلِكَ. وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِمَا فِي مُسْلِمٍ قَالَ ﷺ «أَلَا إنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» وَمِنْ الْمَكْرُوهِ الْحَلِفُ بِالرَّسُولِ ﷺ أَوْ بِالْكَعْبَةِ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ بِالْمَخْلُوقَاتِ كَالنَّبِيِّ ﷺ مَمْنُوعٌ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ الْحَلِفِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِهَا مِنْ الصِّفَاتِ السَّبْعَةِ فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ إذَا حَنِثَ وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ الْكَرَاهَةُ فِي لَعَمْرُ اللَّهِ وَأَمَانَةِ اللَّهِ وَإِنْ حَلَفَ بِالْقُرْآنِ وَالْمُصْحَفِ لَيْسَ بِيَمِينٍ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ جَلَالُ الدِّينِ فِي الْجَوَاهِرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] تَعَالَى وَذِمَّةِ رَسُولِهِ ﷺ فَإِنَّ تَسْلِيمَهُ دُونَ ذَلِكَ إهْمَالٌ لِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ اعْتَدَى عَلَيْهِمْ وَلَوْ بِكَلِمَةِ سُوءٍ أَوْ غِيبَةٍ فِي عِرْضِ أَحَدِهِمْ أَوْ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَذِيَّةِ أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّعَ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَذِمَّةَ رَسُولِهِ ﷺ وَذِمَّةَ دِينِ الْإِسْلَامِ تَعَيَّنَ عَلَيْنَا أَنْ نَبَرَّهُمْ بِكُلِّ أَمْرٍ لَا يُؤَدِّي إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى مَوَدَّاتِ الْقُلُوبِ وَثَانِيهِمَا مَا يَدُلُّ ظَاهِرُهُ عَلَى تَعْظِيمِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَذَلِكَ كَالرِّفْقِ بِضَعِيفِهِمْ وَسَدِّ خُلَّةِ فَقِيرِهِمْ وَإِطْعَامِ جَائِعِهِمْ وَإِكْسَاءِ عَارِيهِمْ وَلِينِ الْقَوْلِ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ اللُّطْفِ لَهُمْ وَالرَّحْمَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْخَوْفِ وَالذِّلَّةِ وَاحْتِمَالِ أَذِيَّتِهِمْ فِي الْجِوَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ لُطْفًا مِنَّا بِهِمْ لَا خَوْفًا وَتَعْظِيمًا وَالدُّعَاءِ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَأَنْ يُجْعَلُوا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَنَصِيحَتِهِمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَحِفْظِ غَيْبَتِهِمْ إذَا تَعَرَّضَ أَحَدٌ لِأَذِيَّتِهِمْ وَصَوْنِ أَمْوَالِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَمَصَالِحِهِمْ وَأَنْ يُعَانُوا عَلَى دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُمْ وَإِيصَالِهِمْ لِجَمِيعِ حُقُوقِهِمْ وَكُلِّ خَيْرٍ يَحْسُنُ مِنْ الْأَعْلَى مَعَ الْأَسْفَلِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَمِنْ الْعَدُوِّ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ عَدُوِّهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ. إلَّا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَا عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهُمْ وَتَحْقِيرِ أَنْفُسِنَا بِذَلِكَ الصَّنِيعِ لَهُمْ بَلْ امْتِثَالًا مِنَّا لِأَمْرِ رَبِّنَا وَأَمْرِ نَبِيِّنَا ﷺ مَعَ كَوْنِنَا نَسْتَحْضِرُ فِي قُلُوبِنَا مَا جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنْ بُغْضِنَا وَتَكْذِيبِ نَبِيِّنَا ﷺ وَأَنَّهُمْ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْنَا لَاسْتَأْصَلُوا شَأْفَتَنَا وَاسْتَوْلَوْا عَلَى دِمَائِنَا وَأَمْوَالِنَا وَأَنَّهُمْ مِنْ أَشَدِّ الْعُصَاةِ لِرَبِّنَا وَمَالِكِنَا لِيَمْنَعَنَا ذَلِكَ الِاسْتِحْضَارُ مِنْ الْوُدِّ الْبَاطِنِ لَهُمْ الْمُحَرَّمِ عَلَيْنَا خَاصَّةً لَا لَأَنْ نُظْهِرَ آثَارَ تِلْكَ الْأُمُورِ الَّتِي نَسْتَحْضِرُهَا فِي قُلُوبِنَا مِنْ صِفَاتِهِمْ الذَّمِيمَةِ لِأَنَّ عَقْدَ الْعَهْدِ يَمْنَعُنَا مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَحْمَلُ الْآيَةِ الْأُولَى وَالْحَدِيثَيْنِ. أَمَّا بِرُّنَا لَهُمْ بِمَا يُؤَدِّي إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ كَإِخْلَاءِ الْمَجَالِسِ لَهُمْ عِنْدَ قُدُومِهِمْ عَلَيْنَا وَالْقِيَامِ لَهُمْ حِينَئِذٍ وَنِدَائِهِمْ بِالْأَسْمَاءِ الْعَظِيمَةِ الْمُوجِبَةِ لِرَفْعِ شَأْنِ الْمُنَادَى بِهَا وَكَإِخْلَائِنَا لَهُمْ أَوْسَعَ الطُّرُقِ إذَا تَلَاقَيْنَا مَعَهُمْ وَرَحْبَهَا وَالسَّهْلَ مِنْهَا وَتَرْكِنَا أَنْفُسَنَا فِي خَسِيسِهَا وَحَزَنِهَا وَضَيِّقِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ أَنْ

стр. 486

لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِصِفَاتِ اللَّهِ الْفِعْلِيَّةِ كَالرِّزْقِ وَالْخَلْقِ وَلَا يَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةٌ وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْحَلِفِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْقَدِيمَةِ مَا فِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ أَيُّوبَ ﵊ قَالَ بَلَى وَعِزَّتِك لَا غِنَى لِي عَنْ بَرَكَتِك فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ السَّائِلِ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ» فَقَدْ حَلَفَ ﵊ بِأَبِي الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ مَخْلُوقٌ قُلْت قَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْمُوَطَّإِ بَلْ أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ فَلَنَا مَنْعُهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي زِيَادَةِ الْعَدْلِ فِي رِوَايَتِهِ أَوْ نُجِيبُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ قَالَهُ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَوْ نَقُولُ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ تَوْطِئَةِ الْكَلَامِ لَا الْحَلِفَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ قَاتَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا أَشْجَعَهُ وَلَا يُرِيدُونَ الدُّعَاءَ عَلَيْهِ بَلْ تَوْطِئَةَ الْكَلَامِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ لِعَائِشَةَ ﵂ «تَرِبَتْ يَدَاك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» وَلَمْ يُرِدْ الدُّعَاءَ عَلَيْهَا بِالْفَقْرِ الَّذِي يُكَنَّى بِالْإِلْصَاقِ بِالتُّرَابِ تَقُولُ الْعَرَبُ الْتَصَقَتْ يَدُهُ بِالْأَرْضِ وَبِالتُّرَابِ إذَا افْتَقَرَ بَلْ أَرَادَ ﵊ تَوْطِئَةَ الْكَلَامِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ الْقَسَمُ الْمُخْتَلِفُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ فِي الْحَلِفِ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَ مَعَهُ غَيْرَهُ بِأَنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ بِأَنْ يَقُولَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْك أَوْ بِحُرْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ إلَّا غَفَرْت لَنَا أَوْ بِحَقِّ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ إلَّا سَتَرْت عَلَيْنَا أَوْ بِحُرْمَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ إلَّا هَدَيْتنَا هَدْيَهُمْ وَسَلَكْت بِنَا سَبِيلَهُمْ فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَوْ يَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ قَسَمٌ وَتَعْظِيمُ الْقَسَمِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَوَقَّفَ فِي هَذَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَرُجِّحَ عِنْدَهُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَبَيْنَ الْحَلِفِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِهِ وَقَالَ الْكُلُّ قَسَمٌ وَتَعْظِيمٌ فَإِنْ قُلْت قَدْ حَلَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ فَكَيْفَ يُخْتَلَفُ فِي الْجَوَازِ مَعَ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ مُتَكَرِّرًا. قُلْت: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوَاقِعِ فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهِ كُلُّهُ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ أَقْسِمُ بِرَبِّ الشَّمْسِ أُقْسِمُ بِرَبِّ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَكَذَا الْبَوَاقِي فَمَا وَقَعَ الْحَلِفُ إلَّا بِاَللَّهِ تَعَالَى دُونَ خَلْقِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّمَا أَقَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا تَنْبِيهًا لِعِبَادِهِ عَلَى عَظَمَتِهَا عِنْدَهُ فَيُعَظِّمُونَهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَجْرِ عَلَى الْخَلْقِ فِي شَيْءٍ أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ الْحَجْرُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ الْمَلِكُ الْمَالِكُ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَأْمُرُ بِمَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ وَلَا نَكِيرٍ فَيُحَرِّمُ عَلَى عِبَادِهِ مَا يَشَاءُ وَلَا يَحْرُمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت إذَا قُلْنَا بِالْحَلِفِ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَعْنَوِيَّةِ كَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَنَحْوِهِمَا فَهَلْ الْقُرْآنُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَكَذَلِكَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَسَائِرُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ؟ أَمْ لَيْسَ كَذَلِكَ قُلْت قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَيْسَتْ مِنْهَا وَإِنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَفْعَلَهُ الْمَرْءُ مَعَ الرَّئِيسِ وَالْوَلَدُ مَعَ الْوَالِدِ وَالْحَقِيرُ مَعَ الشَّرِيفِ وَكَتَمْكِينِهِمْ مِنْ الْوِلَايَاتِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْأُمُورِ الْمُوجِبَةِ لِقَهْرِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ ظُهُورِ الْعُلُوِّ وَسُلْطَانِ الْمُطَالَبَةِ وَإِنْ كَانُوا فِي غَايَةِ الْأَنَاةِ وَالرِّفْقِ لِأَنَّ الرِّفْقَ وَالْأَنَاةَ فِي هَذَا الْبَابِ نَوْعٌ مِنْ الرِّئَاسَةِ وَالسِّيَادَةِ وَعُلُوِّ الْمَنْزِلَةِ مِنْ الْمَكَارِمِ فَهِيَ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ أَوْصَلْنَاهُمْ إلَيْهَا وَعَظَّمْنَاهُمْ بِسَبَبِهَا وَرَفَعْنَا قَدْرَهُمْ بِإِيثَارِهِمْ بِهَا وَكَأَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُ خَادِمًا عِنْدَهُمْ أَوْ أَجِيرًا يُؤْمَرُ عَلَيْهِ وَيُنْهَى أَوْ يَكُونَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَكِيلًا فِي الْمُحَاكَمَاتِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَيْضًا إثْبَاتٌ لِسُلْطَانِهِمْ عَلَى ذَلِكَ الْمُسْلِمِ فَهَذَا كُلُّهُ حَرَامٌ وَهُوَ مَحْمَلُ النَّهْيِ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَغَيْرِهِمَا. فَلِذَا لَمَّا أَتَى الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ ﵀ الْخَلِيفَةَ بِمِصْرَ وَوَجَدَ عِنْدَهُ وَزِيرًا رَاهِبًا قَدْ سَلَّمَ إلَيْهِ قِيَادَهُ وَأَخَذَ يَسْمَعُ رَأْيَهُ وَيُنَفِّذُ كَلِمَاتِهِ الْمَسْمُومَةَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ الشَّيْخُ مِمَّنْ يَسْمَعُ الْخَلِيفَةُ قَوْلَهُ فِي مِثْلِ هَذَا دَخَلَ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ الْمُغْضَبِ وَالْوَزِيرُ الرَّاهِبُ جَالِسٌ بِإِزَائِهِ وَأَنْشَدَهُ: يَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّذِي جُودُهُ ... يَطْلُبُهُ الْقَاصِدُ وَالرَّاغِبُ إنَّ الَّذِي شُرِّفْت مِنْ أَجْلِهِ ... يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبٌ فَاشْتَدَّ غَضَبُ الْخَلِيفَةِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَبْيَاتِ وَأَمَرَ بِالرَّاهِبِ فَسُحِبَ وَضُرِبَ وَقُتِلَ وَأَقْبَلَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ بَعْدَ عَزْمِهِ عَلَى إيذَائِهِ لَكِنَّهُ لَمَّا اسْتَحْضَرَ تَكْذِيبَ الرَّاهِبِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي هُوَ سَبَبُ شَرَفِهِ وَشَرَفِ آبَائِهِ وَأَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِينَ بَعَثَهُ ذَلِكَ عَلَى الْبُعْدِ عَنْ السُّكُونِ إلَيْهِ وَالْمَوَدَّةِ لَهُ وَأَبْعَدَهُ عَنْ مَنَازِلِ الْعِزِّ إلَى مَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ أَهِينُوهُمْ وَلَا تَظْلِمُوهُمْ وَكَتَبَ إلَيْهِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا بِالْبَصْرَةِ لَا يُحْسِنُ ضَبْطَ خَرَاجِهَا إلَّا هُوَ وَقَصَدَ وِلَايَتَهُ عَلَى جِبَايَةِ الْخَرَاجِ لِضَرُورَةِ تَعَذُّرِ غَيْرِهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُ فِي الْكِتَابِ مَاتَ النَّصْرَانِيُّ وَالسَّلَامُ قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ يَعْنِي هَبْ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَمَا كُنْت صَانِعًا فَأَصْنَعْهُ السَّاعَةَ وَاسْتَغْنِ عَنْهُ وَاصْرِفْ اهـ. قِيلَ يُفِيدُ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ ﵁ -

стр. 487

كَانَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى النَّفْسِيِّ مِنْهَا لِاشْتِهَارِ لَفْظِ الْقُرْآنِ فِي الْأَصْوَاتِ الْمَسْمُوعَةِ عُرْفًا وَأَنَّهُ لَا يُفْهَمُ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الْقُرْآنِ إلَّا هَذِهِ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتُ وَالْحُرُوفُ مَخْلُوقَةٌ فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ اللَّفْظُ إلَيْهَا وَالْحَلِفُ بِالْمَخْلُوقِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً فَلَا يَجِبُ بِالْحَلِفِ بِالْقُرْآنِ كَفَّارَةٌ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْكُتُبِ وَقَالَ مَالِكٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا حَلَفَ بِالْقُرْآنِ لِانْصِرَافِهِ عِنْدَهُ لِلْكَلَامِ الْقَدِيمِ النَّفْسِيِّ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فَإِنَّا لَا نَفْهَمُ مِنْ قَبُولِ الْقَائِلِ: الْقُرْآنَ وَهُوَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ، وَكَتَبَ الْقُرْآنَ إلَّا هَذِهِ الْأَصْوَاتِ وَالرُّقُومَ الْمَكْتُوبَةَ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ وَهُوَ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّ الْمُسَافَرَةَ مُتَعَذِّرَةٌ بِالْقَدِيمِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا لَفْظُ اللَّهِ وَالرَّحْمَنِ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُمَا عَلَى غَيْرِهِ وَلَا يُسَمَّى بِهِمَا غَيْرُهُ وَمِنْ ذَلِكَ لَفْظُ تَبَارَكَ فَتَقُولُ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ وَلَا تَقُولُ تَبَارَكَ زَيْدٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ لَفْظٍ اُشْتُهِرَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً لَا يَجُوزُ إطْلَاقُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ الْقُرْآنِ وَتَبَارَكَ وَنَحْوُهَا مِمَّا يَقْبَلُ الْحُكْمُ فِيهَا التَّغَيُّرَ إذَا تَغَيَّرَ الْعُرْفُ فَإِذَا جَاءَ عُرْفٌ بِكَوْنِ أَهْلِهِ لَا يُرِيدُونَ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ إلَّا الْكَلَامَ الْقَدِيمَ تَعَيَّنَ لُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِهِ وَجُوِّزَ الْحَلِفُ بِهِ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى الْعَوَائِدِ تَتْبَعُ الْعَوَائِدَ وَتَتَغَيَّرُ عِنْدَ تُغَيِّرُهَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهَذَا تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ وَتَوَحُّدُهُ وَبَيْنَ مَا لَا يَجِبُ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ قَدِيمٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ حَادِثٌ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَلْفَاظَ انْقَسَمَتْ بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَطْلَبِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ عُلِمَ أَنَّ مَدْلُولَهُ قَدِيمٌ كَلَفْظِ اللَّهِ وَنَحْوِهِ وَقِسْمٌ عُلِمَ أَنَّ مَدْلُولَهُ حَادِثٌ كَلَفْظِ الْكَعْبَةِ وَنَحْوِهَا فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ لَا يُقْصَدَانِ بِهَذَا الْفَرْقِ لِوُضُوحِهِمَا وَقِسْمٌ مُشْكِلٌ عَلَى أَكْثَرِ الطَّلَبَةِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْفَرْقِ وَهُوَ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ أَمَانَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَنْ حَلَفَ بِهَا جَازَ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ بِهَا إذَا حَنِثَ لِأَنَّ أَمَانَتَهُ تَعَالَى تَكْلِيفُهُ وَهُوَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَهُوَ قَدِيمٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ قَدِيمٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ فَيَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا مَدْلُولُهُ حَادِثٌ فَلَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَلَا تَجِبُ بِهِ كَفَّارَةٌ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَانِ الْقِسْمَانِ لَا يُقْصَدَانِ بِهَذَا الْفَرْقِ لِوُضُوحِهِمْ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (وَقِسْمٌ مُشْكِلٌ عَلَى أَكْثَرِ الطَّلَبَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ وَتَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَاتَ خَبَرٌ اُسْتُعْمِلَ فِي إنْشَاءٍ فَيَكُونُ مِنْ الْمَجَازِ الْمُرَكَّبِ وَقَالَ الشِّهَابُ الْخَفَاجِيُّ يُفِيدُ إنَّ فِي قَوْلِهِ ﵁ مَاتَ اسْتِعَارَةٌ فِي الْفِعْلِ غَيْرُ مَا عُرِفَ فِيهَا بِتَشْبِيهِ الْحَدَثِ الْمَفْرُوضِ فِي الْمَاضِي بِالْحَدَثِ الْمُحَقَّقِ فِيهِ فَاتَّحَدَا حَدَثًا وَزَمَانًا وَنِسْبَةً وَاخْتَلَفَا تَحَقُّقًا وَتَقْدِيرًا فَاسْتُعِيرَ الْحَدَثُ الْمُحَقَّقُ لِلْحَدَثِ الْمَفْرُوضِ وَاشْتُقَّ مِنْهُ مَاتَ بِمَعْنَى فُرِضَ مَوْتُهُ ، أَوْ فَسَرَى التَّشْبِيهُ لِمَا فِي ضِمْنَيْ الْفِعْلَيْنِ وَاسْتُعِيرَ الْفِعْلُ الدَّالُّ عَلَى الْحَدَثِ الْمُحَقَّقِ لِلْمَفْرُوضِ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى أَحَدِهِمَا مَا يُرَتَّبُ عَلَى الْآخَرِ فَيَعْزِلَ الْكَاتِبَ الْمَفْرُوضَ مَوْتُهُ وَيَسْتَغْنِي عَنْهُ كَمَا يَفْعَلُ فِيمَنْ تَحَقَّقَ مَوْتُهُ وَهَذَا مِنْ قَضَايَا عُمَرَ الْعَجِيبَةِ كَمَا فِي بَيَانِهِ الصَّبَّانِ وَالْأُنْبَابِيِّ عَلَيْهَا قَالَ الْأُنْبَابِيُّ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْأَلْفَاظِ فِي مَعَانِيهَا الْفَرْضِيَّةِ مَجَازِيٌّ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ الْأُمُورُ الْخَارِجِيَّةُ إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَدْلُولَهَا الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا إنْ قُلْنَا إنَّ مُرَادَهُ أَنَّ اسْتِعْمَالَ مَاتَ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مَجَازٌ بِالِاسْتِعَارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ مُلَاحَظَةُ عَلَاقَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْتِ الْمُحَقَّقِ لِيُرَتَّبَ عَلَى الْأَوَّلِ مَا يُرَتَّبَ عَلَى الثَّانِي فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ لَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ لِتَحَقُّقِ الْمَاهِيَّةِ الذِّهْنِيَّةِ فِيهِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالًا حَقِيقِيًّا نَظِيرُ مَا قَالَهُ حَفِيدُ السَّعْدِ فِي اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ فِي أَحَدِ مَعَانِيهِ وَإِنْ كَانَ مَا هُنَا مِنْ قَبِيلِ الْمُشْتَرَكِ الْمَعْنَوِيِّ لِوَضْعِهِ لِلْحَقِيقَةِ الذِّهْنِيَّةِ الْمُتَحَقِّقَةِ فِي الْأَفْرَادِ الْحَاصِلَةِ بِالْفِعْلِ فِي الْخَارِجِ وَفِي الْأَفْرَادِ الْفَرْضِيَّةِ اهـ بِتَصَرُّفٍ. قُلْت: وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْأَلْفَاظِ الْأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مَجَازًا بِالِاسْتِعَارَةِ نَظِيرُ مَا لِحَفِيدِ السَّعْدِ فِي الْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ فِي أَفْرَادِهِ حَقِيقَةً مُطْلَقًا أَمَّا عَلَى مَا قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ إنَّهُ مَذْهَبُ الْأُصُولِيِّينَ الَّذِي لَا يَعْرِفُونَ خِلَافَهُ مِنْ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ الْمَعْنَوِيَّ فِي أَفْرَادِهِ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهَا مَجَازٌ وَمِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا أَفْرَادٌ حَقِيقَةً فَلَا يَظْهَرُ إلَّا أَنَّ كَوْنَهُ فِي الْمَوْتِ الْفَرْضِيِّ مَجَازٌ مُرْسَلٌ عَلَاقَتُهُ الْإِطْلَاقُ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ فَبِرُّ الْكُفَّارِ

стр. 488

إلَى قَوْلِهِ ظَلُومًا جَهُولًا قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَرَضَ التَّكَالِيفَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَقَالَ لَهُنَّ إنْ حَمَلْتُنَّ التَّكَالِيفَ وَأَطَعْتُنَّ فَلَكُنَّ الثَّوَابُ الْجَزِيلُ وَإِنْ عَصَيْتُنَّ فَعَلَيْكُنَّ الْعَذَابُ الْوَبِيلُ فَقُلْنَ لَا نَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَى الْإِنْسَانِ فَالْتَزَمَ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ جَهُولًا بِالْعَوَاقِبِ فَلَا جَرَمَ هَلَكَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَسَلِمَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ وَاحِدٌ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَالْكَلَامُ الْقَدِيمُ صِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا أَيْضًا يَتْبَعُ الْعُرْفَ وَالْعَادَةَ فَإِذَا جَاءَ عُرْفٌ آخَرُ يُشْتَهَرُ فِيهِ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْأَمَانَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا الَّتِي هِيَ فِعْلُنَا فِي حِفْظِ الْوَدَائِعِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمَانَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَيَكُونُ ذَلِكَ عُرْفُ قُطْرٍ مِنْ الْأَقْطَارِ الْآنَ فَإِنَّ الْحَلِفَ حِينَئِذٍ بِهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ تَصْرِفُ اللَّفْظَ لِلْأَمَانَةِ الْقَدِيمَةِ لَا يَجُوزُ أَوْ يُكْرَهُ عَلَى الْخِلَافِ. وَإِذَا كَانَتْ مُشْتَهِرَةً فِي الْقَدِيمِ وَصَرَفَهَا الْحَالِفُ بِالنِّيَّةِ إلَى الْحَادِثِ امْتَنَعَ الْحَلِفُ وَسَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ فَهَذَا مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ وَضَابِطُهُ اللَّفْظُ الثَّانِي قَوْلُنَا عَمْرُ اللَّهِ وَلَعَمْرُ اللَّهِ مَعْنَى هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ الْبَقَاءُ فَبَقَاءُ اللَّهِ اسْتِمْرَارُ وُجُودِهِ مَعَ الْأَزْمَانِ فَوُجُودُهُ ذَاتُهُ تَعَالَى فَهُوَ قَدِيمٌ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَتَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ فَإِنْ قُلْت الْبَقَاءُ وَالْعَمْرُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْأَلْفَاظِ لِاسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ مَعَ الْأَزْمِنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاسْتِمْرَارُ وُجُودِ الشَّيْءِ مَعَ الْأَزْمِنَةِ نِسْبَةٌ بَيْنَ وُجُودِ الشَّيْءِ وَالزَّمَانِ وَالنِّسْبَةُ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِ الْحَلِفِ بِعَمْرِ اللَّهِ وَهُوَ بَقَاؤُهُ وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَزِمَنَا أَنْ نَقُولَ بِجَوَازِ الْحَلِفِ بِقِبْلِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبُعْدِيَّتِهِ وَمَعِيَّتِه فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَبْلَ كُلِّ حَادِثٍ وَمَعَ كُلِّ حَادِثٍ وَبَعْدَ كُلِّ حَادِثٍ إذَا فَنِيَ ذَلِكَ الْحَادِثُ وَمَا هُوَ قَابِلٌ لِلتَّجَدُّدِ كَالْبَعْدِيَّةِ وَالْمَعِيَّةِ أَوْ الْفِنَاءِ كَالْقَبْلِيَّةِ كَيْفَ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَكَيْفَ تَلْزَمُ بِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (فَإِنْ قُلْت الْبَقَاءُ وَالْعُمُرُ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْأَلْفَاظِ لِاسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ مَعَ الْأَزْمِنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَى آخِرِ مَا أَجَابَ بِهِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ) قُلْت كَيْفَ يَقُولُ مَتَى أَرَادَ الْحَالِفُ تِلْكَ النِّسْبَةَ الَّتِي هِيَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ امْتَنَعَ وَسَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ بِنَاءً عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ اللَّفْظِ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ لِأَنَّهُ نِسْبَةٌ وَالنِّسْبَةُ عَدَمِيَّةٌ وَقَدْ قَالَ بَعْدَ هَذَا فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ وَفِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ الصِّفَاتِ إنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ سَلْبُ الشَّرِيكِ وَاخْتَارَ انْعِقَادَ الْيَمِينِ بِهَا وَكَذَلِكَ اخْتَارَهُ فِي تَسْبِيحِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْدِيسِهِ وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا سُلُوبًا قَدِيمَةً فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَلْتَزِمَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْقَبْلِيَّةِ وَالْمَعِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ لِكَوْنِهَا أَيْضًا سُلُوبًا قَدِيمَةً لِأَنَّهَا نِسَبٌ وَالنِّسَبُ سُلُوبٌ فَمَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدِي وَلَا بِالصَّحِيحِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْمُضَافَةَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَتَى عُنِيَ بِهَا أَمْرٌ قَدِيمٌ سَوَاءٌ كَانَتْ إثْبَاتًا أَوْ سَلْبًا فَالْيَمِينُ بِهَا مُنْعَقِدَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَتَى عُنِيَ بِهَا أَمْرٌ حَادِثٌ فَالْيَمِينُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ بِهَا وَقَصْدُ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ بِهَا هُوَ عُرْفُ الشَّرْعِ وَلَمْ يَحْدُثْ عُرْفٌ يُنَاقِضُهُ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ لِذَلِكَ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ مَأْمُورٌ بِهِ وَوُدُّهُمْ وَتَوَلِّيهِمْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَهُمَا قَاعِدَتَانِ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةٌ وَالْأُخْرَى مَأْمُورٌ بِهَا وَقَدْ اتَّضَحَ لَك الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالْبَيَانِ وَالْمَثَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْكَفَّارَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُسَارَى وَالتَّعْزِيرِ وَحَدِّ الْمُحَارِبِ] (الْفَرْقُ الْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْكَفَّارَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُسَارَى وَالتَّعْزِيرِ وَحَدِّ الْمُحَارِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) اعْلَمْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الشَّرِيعَةِ يُطْلَقُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ (الْأَوَّلُ) تَخْيِيرٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِمَا وَعُمُومِهِمَا مَعًا وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ فِي تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ وَلَهُ مُثُلٌ (مِنْهَا) تَخْيِيرُ الْإِمَامِ بَيْنَ الْخِصَالِ الْخَمْسِ فِي حَقِّ الْأُسَارَى عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ وَمَنْ وَافَقَهُ وَهِيَ الْقَتْلُ وَالِاسْتِرْقَاقُ وَالْمَنُّ وَالْفِدَاءُ وَالْجِزْيَةُ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَفْعَلُهُ مِنْهَا يَقَعُ وَاجِبًا بِخُصُوصِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ قَتْلًا أَوْ فِدَاءً مَثَلًا وَبِعُمُومِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الْخِصَالِ الْخَمْسَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ لَهُ فِعْلُ أَحَدِهَا بِهَوَاهُ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِيمَا هُوَ أَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا فَكَّرَ وَاسْتَوْعَبَ فِكْرَهُ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَوَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ مَصْلَحَةً هِيَ أَرْجَحُ لِلْمُسْلِمِينَ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهَا فَمَنْ كَانَ مِنْ الْأُسَارَى شَدِيدَ الدَّهَاءِ كَثِيرَ التَّأْلِيبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِرَأْيِهِ وَدَهَائِهِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فِيهِ الْقَتْلُ إذَا ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي اجْتِهَادِهِ بِالسُّؤَالِ عَنْ أَخْبَارِهِ وَأَحْوَالِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ سِيرَتِهِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بَلْ هُوَ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ تَتَأَلَّفُ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوْ يَحْصُلُ إطْلَاقُ خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْإِمَامِ فِيهِ الْمَنُّ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُرْتَجَى مِنْ إطْلَاقِهِ ذَلِكَ وَالْإِمَامُ مُحْتَاجٌ لِلْمَالِ لِمَصَالِحِ الْغَزْوِ وَغَيْرِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ بِالْمَالِ أَوْ الْمُسْلِمُونَ مُحْتَاجُونَ إلَى مَنْ يَخْدُمُهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِرْقَاقُهُمْ. وَإِنْ رَأَى انْتِفَاءَ هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا وَلَمْ يَجِدْ فِي اجْتِهَادِهِ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مَصْلَحَةً بَلْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ضَرْبِ الْجِزْيَةِ لِمَا يَتَوَقَّعُ مِنْ إسْلَامِهِمْ وَأَنَّهُمْ قَرِيبُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ إذَا اطَّلَعُوا عَلَى مَحَاسِنِ الْإِسْلَامِ وَشَعَائِرِهِ بِمُخَالَطَةِ أَهْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجُوزُ لَهُ

стр. 489

كَفَّارَةٌ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَزُولُ كَالتَّعَلُّقَاتِ فِي الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا قُلْت سُؤَالٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَنَا أَقُولُ مَتَى أَرَادَ الْحَالِفُ تِلْكَ النِّسْبَةَ الَّتِي هِيَ مَدْلُولُ اللَّفْظِ لُغَةً امْتَنَعَ وَسَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ وَمَتَى نَقَلَهَا الْعُرْفُ إلَى أَمْرٍ وُجُودِيٍّ قَدِيمٍ جَازَ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. وَعَلَيْهِ الْعُرْفُ الْيَوْمَ وَهُوَ الَّذِي أَفْتَى بِهِ مَالِكٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمْرِ وَالْبَقَاءِ الْبَاقِي فَهُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذَا. اللَّفْظُ الثَّالِثُ عَهْدُ اللَّهِ قَالَ مَالِكٌ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهِ وَتَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَأَصْلُ هَذَا اللَّفْظِ فِي اللُّغَةِ الِالْتِزَامُ وَالْإِلْزَامُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] مَعْنَاهُ أَوْفُوا بِتَكَالِيفِي أُوفِ لَكُمْ بِثَوَابِي الْمَوْعُودِ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ وَمِنْهُ الْعُهْدَةُ فِي الْبَيْعِ أَيْ مَا يَلْزَمُ مِنْ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَرَدِّ الثَّمَنِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٧٧] أَيْ بِمَا الْتَزَمُوا وَمِنْهُ عُهْدَةُ الرَّقِيقِ أَيْ مَا يَلْزَمُ فِيهِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي مَوَادِّ الِاسْتِعْمَالِ فَعَهْدُ اللَّهِ تَعَالَى إلْزَامُهُ لِخَلْقِهِ تَكَالِيفَهُ وَإِلْزَامُهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ كَلَامُهُ الْقَدِيمُ وَكَلَامُهُ الْقَدِيمُ صِفَتُهُ وَصِفَتُهُ الْقَدِيمَةُ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ أُرِيدَ بِعَهْدِ اللَّهِ تَعَالَى الْعَهْدُ الْحَادِثُ الَّذِي شَرَعَهُ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٤] وَنَحْوِهِ مِنْ الْعُهُودِ الَّتِي بَيْنَ خَلْقِهِ انْدَرَجَ فِي الْحَلِفِ الْمَمْنُوعِ وَسَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ. وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَهَرَ اللَّفْظُ فِيهِ عَادَةً وَعُرْفًا امْتَنَعَ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ فَإِنْ قُلْت الْإِضَافَةُ تَكْفِي فِيهَا أَدْنَى مُلَابَسَةٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهَا النُّحَاةُ وَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً وَمَثَّلَهُ بِقَوْلِ أَحَدِ حَامِلِي الْخَشَبَةِ شِلْ طَرَفَك فَجَعَلَ طَرَفَ الْخَشَبَةِ طَرَفًا لِلْحَامِلِ بِسَبَبِ الْمُلَابَسَةِ زَمَنَ الْحَمْلِ وَتَقُولُ حِجُّ الْبَيْتَ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَتَكُونُ الْإِضَافَةُ حَقِيقَةَ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَتْ الْإِضَافَةُ حَقِيقِيَّةً وَالْعَهْدُ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ صَدَقَتْ فِي قَوْلِنَا عَلَى عَهْدِ اللَّهِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ وَذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ إضَافَةِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَالْعَهْدِ الْحَادِثِ وَالدَّالُّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ فَلَا يَدُلُّ قَوْلُنَا عَهْدُ اللَّهِ عَلَى خُصُوصِ الْقَدِيمِ فَلَا يَتَعَيَّنُ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْجَوَازِ وَلِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ فَلِمَ قَضَيْتُمْ بِالْجَوَازِ وَلُزُومِ الْكَفَّارَةِ بِمُجَرَّدِ الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ قُلْت سُؤَالٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْإِضَافَةَ الْخَاصَّةَ لَمْ نَسْتَفِدْهَا مِنْ مُجَرَّدِ اللُّغَةِ بَلْ بِاشْتِهَارٍ عُرْفِيٍّ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ الْعُرْفُ فِي كُلِّ وَقْتٍ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ. وَيَتَحَقَّقُ الْجَوَازُ أَوْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْجَوَازُ وَلَا الْكَفَّارَةُ وَلِأَجْلِ هَذَا التَّرَدُّدِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ الْعَهْدُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ تَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ فِي وَاحِدٍ وَتَسْقُطُ فِي اثْنَيْنِ وَيُخْتَلَفُ فِي الرَّابِعِ فَالْأَوَّلُ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَالِاثْنَانِ لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَأُعْطِيك عَهْدَ اللَّهِ وَالرَّابِعُ أُعَاهِدُك اللَّهَ اعْتَبَرَهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ الثَّالِثُ عَهْدُ اللَّهِ تَعَالَى إلَى قَوْلِهِ وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ حِينَئِذٍ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (فَإِنْ قُلْت إلَى قَوْلِهِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْعُدُولُ عَنْهَا إلَى غَيْرِهَا فَهُوَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ إنَّمَا يَفْعَلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إبَاحَةٍ وَلَا خِيرَةٍ فِي ذَلِكَ لَا قَبْلَ الِاجْتِهَادِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا حَالَةَ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ أَبَدًا يَنْتَقِلُ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ فَقَبْلَ الِاجْتِهَادِ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَبَذْلُ الْجَهْدِ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ وَحَالَةُ الِاجْتِهَادِ هُوَ سَاعٍ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ فَفِعْلُهُ حِينَئِذٍ وَاجِبٌ وَبَعْدَ الِاجْتِهَادِ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ مَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَلَا تَخْيِيرَ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ وُجُوبُ صَرْفٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَتَسْمِيَةُ الْفُقَهَاءِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ خِيرَةً إنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْفِكْرِ قَبْلَ خَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الْخَمْسِ بَلْ يَجْتَهِدُ حَتَّى يَتَحَصَّلَ لَهُ الْأَصْلَحُ فَيَفْعَلُهُ حِينَئِذٍ وَمِنْهَا تَخْيِيرُ الْإِمَامِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِينَ بَيْنَ الْخِصَالِ الْأَرْبَعِ وَهِيَ الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ وَالْقَطْعُ مِنْ خِلَافِ وَالنَّفْيُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَذْلُ الْجَهْدِ فِيمَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُ الْأَصْلَحُ وَجَبَ عَلَيْهِ. وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُحَارِبُ صَاحِبَ رَأْيٍ وَجَبَ عَلَيْهِ قَتْلُهُ وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ فِي اجْتِهَادِهِ أَنَّهُ لَا رَأْيَ لَهُ بَلْ لَهُ قُوَّةٌ وَبَطْشٌ قَطَعَهُ مِنْ خِلَافٍ لِتَزُولَ مَفْسَدَتُهُ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ وَإِنْ عَرَفَ مِنْ حَالِهِ الْعَفَافَ وَأَنَّهُ إنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْفَلْتَةِ وَالْمُوَافَقَةِ لِغَيْرِهِ مَعَ تَوَقُّعِ النَّدَمِ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ نَفْيُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَتْلُهُ وَلَا قَطْعُهُ فَهُوَ أَبَدًا يَنْتَقِلُ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ فَلَا يَنْفَكُّ فِعْلُهُ عَنْ الْوُجُوبِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَإِنَّمَا تَخْيِيرُهُ مُفَسَّرٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَتَّمْ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَلَهُ النَّظَرُ وَفِعْلُ مَا ظَهَرَ رُجْحَانُهُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ مَا عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَتَّمَهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ اجْتِهَادًا مِنْ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا كَالصَّلَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَأَخْذِ الزَّكَاةِ وَتَعْيِينِ مَصْرِفِهَا فِي الْوُجُوهِ الثَّمَانِيَةِ وَرَجْمِ الزَّانِي وَقَطْعِ السَّارِقِ وَأَنْ لَا يَحُدَّ فِي الزِّنَا إلَّا بِأَرْبَعَةٍ وَفِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ بِشَاهِدَيْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ إنَّ تَفْرِقَةَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ مَوْكُولَةٌ إلَى خِيرَتِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ فِي مَصَالِحِ الصَّرْفِ وَيَجِبَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ أَهَمِّهَا فَأَهَمِّهَا وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْعُدُولُ عَنْ ذَلِكَ وَلَا خِيرَةَ لَهُ إلَّا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ابْتِدَاءً بَلْ لَهُ النَّظَرُ فِي الْمَصْلَحَةِ

стр. 490

ابْنُ حَبِيبٍ وَأَسْقَطَهُ ابْنُ شَعْبَانَ قَالَ وَهُوَ أَحْسَنُ وَسَبَبُ هَذَا التَّقْسِيمِ اخْتِلَافُ الْقَرَائِنِ اللَّفْظِيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَالْأَوَّلُ لَمَّا قَالَ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ فَأَشْعَرَتْ لَفْظَةُ عَلَيَّ بِتَكْلِيفِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلْزَامِهِ وَأَنَّ تَكْلِيفَ اللَّهِ تَعَالَى وَاقِعٌ عَلَيْهِ أَوْ مُوَظَّفٌ عَلَيْهِ فَنَاسَبَ اللُّزُومَ كَمَا لَوْ قَالَ عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَيْ يَلْزَمُنِي تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فَإِنَّ عَلَيَّ مَعْنَاهَا اللُّزُومُ لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِشْعَارِ بِالضَّرَرِ وَلِذَلِكَ تَقُولُ شَهِدَ عَلَيْهِ إذَا أَضَرَّ بِهِ وَشَهِدَ لَهُ إذَا نَفَعَهُ وَهَذَا الْقَسَمُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ ﵁ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَمَّا لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ فَلَمْ يَلْتَزِمْهُ لِلَّهِ وَلَكِنْ لِلْمَحْلُوفِ لَهُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ وَأُعْطِيك عَهْدَ اللَّهِ فَهُوَ وَعْدٌ مِنْهُ لِلْمُخَاطَبِ بِأَنَّهُ يُعَاهِدُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَهَذَا الْقَسَمُ أَبْعَدُ عَنْ اللُّزُومِ. وَأَمَّا الرَّابِعُ وَهُوَ أُعَاهِدُك اللَّهَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا مَعْنَاهُ إنْشَاءُ الْمُعَاهَدَةِ وَالْإِلْزَامِ كَإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ بِلَفْظِ الْمُضَارَعَةِ نَحْوُ أَشْهَدُ عِنْدَك بِكَذَا وَإِنْشَاءُ الْقَسَمِ بِالْمُضَارِعِ أَيْضًا نَحْوُ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا وَعَدَا عَلَى بَابِهِ فَلَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ الطَّلَاقِ بِغَيْرِ إنْشَاءٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ فَمَنْ لَاحَظَ الْإِنْشَاءَ أَلْزَمَ وَمَنْ لَاحَظَ الْخَبَرَ لَمْ يُلْزِمْ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ أَحْسَنُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ. وَبَقِيَ قِسْمٌ خَامِسٌ لَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا وَهُوَ أَنْ يَقُولَ وَعَهْدِ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا بِوَاوِ الْقَسَمِ فَهَذَا قَسَمٌ صَرِيحٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَنْ تَلْزَمَ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ قَالَ وَأَمَانَةِ اللَّهِ وَكَفَالَتِهِ وَبَقِيَ فِيهِ إشْكَالُ الْإِضَافَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَلْ الْمُضَافُ الْعَهْدُ الْقَدِيمُ أَوْ الْحَادِثُ فَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ عُرْفِيٍّ وَهَذَا الْقِسْمُ عِنْدِي أَصْرَحُ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ فَإِنَّ أَدَاةَ الْقَسَمِ مَفْقُودَةٌ فِيهِ وَإِنَّمَا فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ الْتَزَمَ عَهْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُنْذَرُ حَتَّى يَلْتَزِمَ كَقَوْلِهِ لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ كَذَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ عَلَيَّ الطَّلَاقُ أَوْ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي هَلْ هُوَ صَرِيحٌ أَوْ كِنَايَةٌ بِسَبَبِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُ أَحَدًا فَالْإِخْبَارُ عَنْ لُزُومِهِ كَذِبٌ فَلَا يَصِيرُ مُوجِبًا لِلُّزُومِ إلَّا بِإِنْشَاءٍ عُرْفِيٍّ وَنَقْلٍ عَادِيٍّ وَأَمَّا حَرْفُ الْقَسَمِ فَحَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ صَرِيحَةٌ فِي الْقَسَمِ بِقَدِيمٍ أَوْ حَادِثٍ وَإِشْكَالُ الْإِضَافَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ وَامْتَازَ هَذَا بِصَرَاحَةِ الْقَسَمِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَأَمَّا لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ النَّقْلِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ) قُلْت فِيمَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ لَك عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَأُعْطِيك عَهْدُ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجْرِيَ هَذَانِ اللَّفْظَانِ مَجْرَى عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ لِقَرِينَةِ الْحَالِ الْمُشْعِرَةِ بِتَأْكِيدِ الِالْتِزَامِ بِالْيَمِينِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجْرِيَ مَجْرَى أُعَاهِدُ اللَّهَ فَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ تَنْعَقِدُ الْيَمِينُ وَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ عِنْدَ الْحِنْثِ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي يَقَعُ التَّرَدُّدُ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِعَدَمِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ بِذَيْنِك اللَّفْظَيْنِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ (وَبَقِيَ قِسْمٌ خَامِسٌ لَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا إلَى مُنْتَهَى مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْقِسْمِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الرَّاجِحَةِ وَالْخَالِصَةِ وَفِعْلُ مَا ظَهَرَ رُجْحَانُهُ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ أَكْثَرُ تَصَرُّفَاتِ الْأَئِمَّةِ الْقِسْمُ الثَّانِي تَخْيِيرٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لَا يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِمَا وَلَا عُمُومِهِمَا كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْمَطَاعِمِ وَالْمَلَابِسِ وَنَحْوِهِمَا مَثَلًا التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَا بِخُصُوصِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ وَلَا بِعُمُومِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَنَاوَلَاتِ وَالتَّخْيِيرُ فِي هَذَا صُرِفَ حَقِيقَةً بِخِلَافِهِ فِي الْأَوَّلِ فَمَجَازٌ كَمَا عَلِمْت (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) تَخْيِيرٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ عُمُومِهِمَا لَا مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهِمَا وَهَذَا نَوْعَانِ (الْأَوَّلُ) تَخْيِيرُ الْمُكَلَّفِينَ فِي خُصُوصِ أَنْوَاعِ الْمُطْلَقِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ وَلَهُ مُثُلٌ مِنْهَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ خِصَالِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِي حَقِّ الْحَانِثِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ أَيِّ خَصْلَةٍ شَاءَ إلَى الْخَصْلَةِ الْأُخْرَى بِشَهْوَتِهِ مِمَّا يَمِيلُ طَبْعُهُ إلَيْهِ أَوْ مَا هُوَ أَسْهَلُ عَلَيْهِ فَإِنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ كَالْعِتْقِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً مِنْ جِهَةِ عُمُومِهَا وَأَنَّهَا أَحَدُ الْخِصَالِ إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ مِنْ جِهَةِ خُصُوصِهَا وَأَنَّهَا خُصُوصُ الْعِتْقِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا خَيَّرَ الْحَانِثَ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ إلَّا لُطْفًا بِهِ وَلِيَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَوْ شَاءَ لَحَتَّمَ عَلَيْهِ خُصُوصَ كُلِّ خَصْلَةٍ كَمَا حَتَّمَ خُصُوصَ كُلِّ خَصْلَةٍ فِي خِصَالِ الظِّهَارِ الْمُرَتَّبَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يُحَتِّمْ عَلَيْهِ هُنَا إلَّا وَاحِدًا مُبْهَمًا مِنْ الْخِصَالِ وَخَيَّرَهُ فِي خُصُوصِهَا وَمِنْهَا التَّخْيِيرُ فِي إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَوْ دِينَارٍ مِنْ أَرْبَعِينَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُعَيِّنَ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ شَاةً أَوْ دِينَارًا مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَمِنْهَا التَّخْيِيرُ فِي مِيَاهِ الدُّنْيَا لِلْوُضُوءِ وَفِي ثِيَابِ السُّتْرَةِ لِلصَّلَاةِ فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ مِقْدَارًا مِنْ مِيَاهِ الدُّنْيَا وَلَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ مَاءٌ دُونَ مَاءٍ وَأَنْ يُعَيِّنَ وَاحِدًا مِنْ الثِّيَابِ الْمُجْتَمِعَةِ عِنْدَهُ وَلَا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ ثَوْبٌ بِخُصُوصِهِ دُونَ ثَوْبٍ وَمِنْهَا التَّخْيِيرُ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنْ بِقَاعِ الدُّنْيَا يُصَلِّي فِيهَا الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَصُومُ فِيهَا رَمَضَانَ فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ بُقْعَةً مِنْهَا إذَا اسْتَوَتْ بِهَوَاهُ وَشَهْوَتِهِ (وَالنَّوْعُ الثَّانِي) أُمُورٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا مِنْ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ فِي أَنْوَاعِ الْمُطْلَقِ الْوَاجِبِ إذَا اسْتَوَتْ وَلَهُ مِثْلٌ مِنْهَا قَوْلُ الْفُقَهَاءِ ﵏ إنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعِ

стр. 491

اللَّفْظُ الرَّابِعُ قَوْلُنَا عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ قَالَ مَالِكٌ تَلْزَمُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَمَعْنَى ذِمَّةِ اللَّهِ تَعَالَى الْتِزَامُهُ لِأَنَّ مَعْنَى الذِّمَّةِ فِي اللُّغَةِ هُوَ هَذَا وَمِنْهُ عَقْدُ الذِّمَّةِ لِلْكُفَّارِ أَيْ الْتِزَامُنَا لَهُمْ عِصْمَةَ النُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَمَا مَعَهَا وَمِنْهُ الذِّمَامُ إذَا وَعَدَهُ وَالْتَزَمَ لَهُ أَنْ لَا يَخْذُلَهُ وَأَنْ يَنْصُرَهُ عَلَى مَنْ يَقْصِدُهُ بِسُوءٍ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ دِينَارٌ وَالْعَقْدُ وَارِدٌ عَلَى الذِّمَّةِ فَإِنَّ الذِّمَّةَ فِي الشَّرِيعَةِ مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمُكَلَّفِ يَقْبَلُ الْإِلْزَامَ وَالِالْتِزَامَ وَلِذَلِكَ إذَا اتَّصَفَ بَعْدَ الرُّشْدِ بِالسَّفَهِ يُقَالُ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ وَذَهَبَتْ ذِمَّتُهُ وَإِذَا مَاتَ خَرِبَتْ ذِمَّتُهُ أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي كَانَ يُقَدَّرُ لَمْ يَبْقَ مُقَدَّرًا وَتَقُولُ الْعَرَبُ فُلَانٌ يَفِي بِذِمَّتِهِ أَيْ بِمَا الْتَزَمَهُ وَخَفَرَ ذِمَّةَ فُلَانٍ إذَا خَانَهَا وَهَذَا كُلُّهُ رَاجِعٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ الِالْتِزَامِ أَوْ مَعْنَاهُ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ كَذَا وَكَذَا كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى الْتَزَمَ لَهُ عِنْدَ هَذَا الْقَوْلِ حِفْظَهُ مِنْ الْمَكَارِهِ وَالْتِزَامُ اللَّهِ تَعَالَى رَاجِعٌ إلَى خَبَرِهِ فَهُوَ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ الْكَلَامِ غَيْرُ نَوْعِ الْعَهْدِ فَإِنَّ الْعَهْدَ يَرْجِعُ إلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالذِّمَّةُ إلَى الْخَبَرِ وَالْكُلُّ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ فَهُمَا نَوْعَانِ مِنْهُ فَافْهَمْ ذَلِكَ غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْقَسَمُ بِهِ وَذِمَّةِ اللَّهِ بِوَاوِ الْقَسَمِ فَيَكُونُ صَرِيحًا فِي الْقَسَمِ لُغَةً. وَيَبْقَى إشْكَالُ الْإِضَافَةِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ تَعَالَى تَصْدُقُ الْمَعْنَى الْقَدِيمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَصْدُقُ أَيْضًا بِإِضَافَةِ الْمَعْنَى الْمُحْدَثِ إلَيْهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ شَرَعَهُ لِأَنَّ الذِّمَّةَ تَارَةً تَكُونُ مَأْمُورًا بِهَا وُجُوبًا كَعَقْدِ الْجِزْيَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَتَارَةً لَا يُؤْمَرُ بِهَا وُجُوبًا بَلْ نَدْبًا كَالْتِزَامِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَقَدْ يُخْبِرُنَا فِيهَا مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ وَلَا نَدْبٍ مِنْ قِبَلِهِ كَالْتِزَامِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَةِ فِي الْإِجَارَاتِ وَعَلَى التَّقَادِيرِ الثَّلَاثَةِ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ مِنْ قِبَلِهِ تَعَالَى فَتُضَافُ إلَيْهِ إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ كَقَوْلِنَا عِبَادَةُ اللَّهِ وَطَاعَةُ اللَّهِ وَإِذَا احْتَمَلَتْ الْإِضَافَةُ الْمَعْنَيَيْنِ لَمْ يُقْضَ بِأَحَدِهِمَا إلَّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَهَذَا الْإِشْكَالُ قَائِمٌ فِيمَا قَالَهُ مَالِكٌ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ مُضَافًا لِعَدَمِ وُجُودِ أَدَاةِ الْقَسَمِ. وَأَمَّا عَلَيَّ فَإِيجَابُهَا لِلْكَفَّارَةِ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نَقْلٌ عُرْفِيٌّ مِنْ الْإِخْبَارِ إلَى الْقَسَمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ إرَادَةُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ بَصَرُ اللَّهِ أَوْ عَلَيَّ سَمْعُ اللَّهِ لَمْ يُتَّجَهْ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ لَيْسَتْ قَسَمًا وَإِنَّمَا هِيَ خَبَرٌ وَالْخَبَرُ لَيْسَ بِقَسَمٍ إجْمَاعًا وَالْإِنْشَاءُ الْعُرْفِيُّ بِغَيْرِ الْقَسَمِ لَا يُوجِبُ كَفَّارَةً فَلَا بُدَّ مِنْ النَّقْلِ عَنْ الْخَبَرِ إلَى إنْشَاءِ الْقَسَمِ وَإِلَّا فَلَا يُتَّجَهُ إلْزَامُ الْكَفَّارَةِ وَاعْتِقَادُ أَنَّ هَذَا يَمِينٌ أَلْبَتَّةَ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ التَّنْبِيهَاتِ فَالْفَقِيهُ يَحْتَاجُ إلَيْهَا حَاجَةً شَدِيدَةً فِي الْفِقْهِ وَالْفَتَاوَى وَالْفُرُوقِ وَتَحْرِيرِ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ الرَّابِعُ عَلَيَّ ذِمَّةُ اللَّهِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ) قُلْت وَالْأَظْهَرُ فِي هَذَا اللَّفْظِ وَشَبَهِهِ أَنَّهُ إنْشَاءٌ لِلْقَسَمِ عُرْفًا وَلِذَلِكَ رَأَى مَالِكٌ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] حَقَائِقَ وَخَمْسٍ بَنَاتِ لَبُونٍ يَأْخُذُ أَيَّهَا شَاءَ مِنْ صَاحِبِ الْمَاشِيَةِ إذَا وَجَدَ إبِلَهُ مِائَتَيْنِ فَإِنَّ فِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةً وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتَ لَبُونٍ وَقَدْ وُجِدَ الْأَمْرَانِ فَإِنَّ الْمِائَتَيْنِ أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينَاتِ فَيُخَيَّرُ هَاهُنَا إذَا اسْتَوَى الْأَمْرَانِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَرْجَحَ لِلْفُقَرَاءِ فَمُقْتَضَى الْقَاعِدَةِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَا هُوَ الْأَرْجَحُ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَلَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» فَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْأَرْجَحِ لِلْفُقَرَاءِ وَمِنْهَا بَيْعُ مَالِ الْيَتِيمِ مِنْ أَحَدِ مُشْتَرِيَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ أَوْ تَزْوِيجُ الْيَتِيمَةِ مِنْ كُفُوَيْنِ مُسْتَوِيَيْنِ أَوْ تَوْلِيَةُ الْقَضَاءِ لِأَحَدِ مُسْتَوِيَيْنِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مُسَاوُونَ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْخِيرَةِ الْمُخْتَصَّةِ وَلَا وُجُوبَ هَاهُنَا أَلْبَتَّةَ بَلْ لَهُمْ التَّرْجِيحُ بِمُجَرَّدِ إرَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ضَمِيمَةٍ إلَيْهَا كَالْمُكَلَّفِ فِي إخْرَاجِ شَاةٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَالتَّخْيِيرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِنَوْعَيْهِ صِرْفُ حَقِيقَةٍ لَا مَجَازٍ كَهُوَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بِخِلَافِهِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ بَلْ هُوَ وُجُوبٌ مَحْضٌ أُطْلِقَ عَلَيْهِ التَّخْيِيرُ بِمَعْنَى عَدَمِ التَّحَتُّمِ ابْتِدَاءً وَكَوْنُ الِاجْتِهَادِ لَهُ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ الْقِسْمِ الْمُحَتَّمِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْأَئِمَّةِ وَقَاعِدَةِ تَخْيِيرِ آحَادِ الْمُكَلَّفِينَ وَأَنَّ الثَّانِيَ خِيرَةٌ حَقِيقَةً وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُهُ مَجَازٌ وَوُجُوبٌ صِرْفٌ كَمَا عَلِمْته مُفَصَّلًا مُمَثَّلًا وَبَقِيَ مِنْ أَقْسَامِ التَّخْيِيرِ. (قِسْمٌ رَابِعٌ) وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَتَّصِفَانِ بِالْوُجُوبِ مِنْ جِهَةِ الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ لَكِنَّ هَذَا مُحَالٌ شَرْعًا وَعَقْلًا بِخِلَافِ الثَّالِثِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُصُوصَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْعُمُومِ وَأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَإِنَّ الْعُمُومَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْخُصُوصِ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ وَالْفُرُوقَ فَإِنَّهَا كُلَّهَا وَاقِعَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وُقُوعًا كَثِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا] الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا) الْقَاعِدَةُ الْأُولَى وَإِنْ أَطْلَقَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ ﵃ بِقَوْلِهِمْ مَنْ مَلَكَ أَنْ

стр. 492

اللَّفْظُ الْخَامِسُ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ مَالِكٌ إذَا قَالَ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَنِثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَمَعْنَى الْكَفَالَةِ لُغَةً الْخَبَرُ الدَّالُّ عَلَى الضَّمَانِ وَهِيَ الْقَبَالَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢] أَيْ ضَامِنًا وَالْحَمَالَةُ وَالْأَذَانَةُ وَالزَّعَامَةُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى عَنْ مُنَادِي يُوسُفَ ﵇ ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أَيْ ضَامِنٌ وَالصَّبِيرُ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ هِيَ سَبْعَةُ أَلْفَاظٍ مُتَرَادِفَةٍ الْحَمِيلُ وَالزَّعِيمُ وَالْكَفِيلُ وَالْقَبِيلُ وَالْأَذِينُ وَالصَّبِيرُ وَالضَّامِنُ حَمَلَ يَحْمِلُ حَمَالَةً فَهُوَ حَمِيلٌ وَزَعَمَ يَزْعُمُ زَعَامَةً فَهُوَ زَعِيمٌ وَكَفَلَ يَكْفُلُ كَفَالَةً فَهُوَ كَفِيلٌ وَقَبِلَ يَقْبَلُ قَبَالَةً فَهُوَ قَبِيلٌ وَأَذِنَ يَأْذَنُ أَذَانَةً فَهُوَ أَذِينٌ وَصَبَرَ يَصْبِرُ صَبْرًا فَهُوَ صَبِيرٌ وَضَمِنَ يَضْمَنُ ضَمَانَةً فَهُوَ ضَامِنٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلا﴾ [النحل: ٩١] وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ وَابْتِغَاءُ مَرْضَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ» وَالْأَذَانَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] أَيْ الْتَزَمَ ذَلِكَ ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَأَصْلُ الْأَذَانَةِ وَالْإِذْنِ وَالْأَذِينِ وَالْإِذْنِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْ هَذَا الْبَابِ الْإِعْلَامُ وَالتَّكْفِيلُ مُعْلِمٌ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي جِهَتِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَمَالَةِ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَمِثْلُ حَمِيلٍ عَذِيرٌ وكدين قَالَ وَأَصْلُ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ الْحِفْظِ وَالْحِيَاطَةِ قَالَ وَالْكَفَالَةُ اشْتِقَاقُهَا مِنْ الْكِفْلِ وَهُوَ الْكِسَاءُ الَّذِي يُحَزَّمُ حَوْلَ سَنَامِ الْبَعِيرِ لِيُحْفَظَ بِهِ الرَّاكِبُ وَالْكَفِيلُ حَافِظًا الْتَزَمَهُ وَالضَّامِنُ مِنْ الضِّمْنِ وَهُوَ الْحِرْزُ وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْرَزْته فِي شَيْءٍ فَقَدْ ضَمَّنْته إيَّاهُ وَالْقَبَالَةُ الْقُوَّةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ مَا لِي بِهَذَا الْأَمْرِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ وَالْقَبِيلُ قُوَّةٌ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ وَالزَّعَامَةُ السِّيَادَةُ فَكَأَنَّهُ لَمَّا تَكَفَّلَ بِهِ صَارَ لَهُ عَلَيْهِ سِيَادَةٌ وَحُكْمٌ عَلَيْهِ وَالصَّبِيرُ مِنْ الصَّبْرِ وَهُوَ الثَّبَاتُ. وَالْحَبْسُ وَمِنْهُ الْمَصْبُورَةُ وَهِيَ الْمَحْبُوسَةُ الْمَرْمَى بِالسِّهَامِ وَمِنْهُ قَتَلَهُ صَبْرًا أَيْ حَبَسَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعًا وَعَطَشًا وَالضَّامِنُ حَبَسَ نَفْسَهُ لِأَدَاءِ الْحَقِّ وَالْكَدِينُ مِنْ كَدَنْت لَك بِكَذَا وَكَذَا وَقَالُوا عَذِيرُك أَيْ كَفِيلُك وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْكَفَالَةُ أَصْلُهَا الضَّمُّ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُعْمَلُ فِي الْحَائِطِ كِفْلًا وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] أَيْ ضَمَّهَا لِنَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ هِيَ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى فَصَدَقَ الْمَعْنَى فَتَحَرَّرَ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُتَرَادِفَةَ فِي هَذَا الْبَابِ تِسْعَةٌ وَتَكُونُ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَعْدُهُ بِمَا الْتَزَمَهُ وَوَعْدُهُ خَبَرُهُ وَخَبَرُهُ كَلَامُهُ النَّفْسِيُّ فَيَكُونُ الْحَالِفُ قَدْ حَلَفَ بِكَلَامِهِ النَّفْسَانِيِّ فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ الْخَامِسُ كَفَالَةُ اللَّهِ) قُلْت وَهَذَا اللَّفْظُ أَيْضًا كَلَفْظِ الذِّمَّةِ وَمَا اشْتَغَلَ بِهِ مِنْ ذِكْرِ مُرَادِفَاتِهِ وَاشْتِقَاقِهَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِي الْفِقْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا قَوْلَانِ وَخَرَّجُوا عَلَيْهَا فُرُوعًا كَثِيرَةً فِي الْمَذْهَبِ. (مِنْهَا) إذَا وُهِبَ لَهُ الْمَاءُ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا يَبْطُلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَمِنْهَا مَنْ عِنْدَهُ ثَمَنُ رَقَبَةٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ لِلصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا يَجُوزُ لَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا وَمِنْهَا مَنْ قَدَرَ عَلَى الْمُدَاوَاةِ فِي السَّلَسِ أَوْ التَّزْوِيجِ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا إلَّا أَنَّهَا بَاطِلَةٌ إذْ لَا يُمْكِنُ جَعْلُ مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ وَالْقَبُولِ لِلْمِلْكِ بِدُونِ أَنْ يَشْتَمِلَ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ قَاعِدَةً شَرْعِيَّةً أَلَا تَرَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَتَخَيَّلُ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً هَلْ يُعَدُّ قَبْلَ شِرَائِهَا مَالِكًا لَهَا فَتَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَزَوَّجَ هَلْ يُعَدُّ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ الْمَرْأَةَ مَالِكًا عِصْمَتَهَا أَمْ لَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَالنَّفَقَةُ أَمْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَمْلِكَ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً هَلْ يُعَدُّ قَبْلَ شِرَائِهِمَا مَالِكًا لَهُمَا أَمْ لَا فَيَجِبُ عَلَيْهِ كُلْفَتُهُمَا وَمُؤْنَتُهَا أَمْ لَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَوْ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ أَقَارِبَهُ هَلْ يَعُدُّهُ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَالِكًا لِقَرِيبِهِ فَيُعْتِقَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ شِرَائِهِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَلَى زَعْمِ مَنْ اعْتَقَدَهَا بَلْ هَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ بِالضَّرُورَةِ لَا يَتَخَيَّلُهُ مَنْ عِنْدَهُ أَدْنَى مِسْكَةٍ مِنْ الْعَقْلِ وَالْفِقْهِ وَالظَّنُّ بِالْمَشَايِخِ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ لَمْ يُرِيدُوا مُقْتَضَى عِبَارَتِهِمْ الْمُطْلَقَةِ وَأَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ جَرَيَانِ سَبَبٍ يَقْتَضِي مُطَالَبَتَهُ بِالتَّمْلِيكِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُيُودِ لِأَنَّ جَعْلَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ شَرْعِيَّةً ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ لِضَعْفِ الْمُنَاسَبَةِ جِدًّا أَوْ لِعَدَمِهَا أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ مَعَ جَرَيَانِ سَبَبٍ يَقْتَضِي مُطَالَبَتَهُ بِالتَّمْلِيكِ أَيْ مَنْ انْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْمِلْكِ فَيَرْجِعُ بِذَلِكَ إلَى الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى يَكُونَ مُنَاسِبًا لَأَنْ يُعَدَّ مَالِكًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ تَنْزِيلًا لِسَبَبِ السَّبَبِ مَنْزِلَةَ السَّبَبِ وَإِقَامَةً لِلسَّبَبِ الْبَعِيدِ مَقَامَ السَّبَبِ الْقَرِيبِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُتَخَيَّلَ وُقُوعُهُ قَاعِدَةً مِنْ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ فِي تَمْشِيَةِ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ مَا فِيهَا

стр. 493

وَهُنَا أَرْبَعُ تَنْبِيهَاتٍ الْأَوَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ يُشْعِرُ بِالِالْتِزَامِ وَخَبَرُ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ يَصِحُّ الْتِزَامُهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ بَعُدَ فِي الْفِقْهِ أَنْ يَجِبَ عَلَيْهِ بِهَذَا كَفَّارَةٌ وَوَجَبَ أَيْضًا أَنْ يُفْهَمَ لِهَذَا الْكَلَامِ مَعْنًى صَحِيحٌ فَإِنَّ الْتِزَامَ الْقَدِيمِ الَّذِي هُوَ وَاجِبُ الْوُجُودِ كَيْفَ يَصِحُّ وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُ الْإِنْسَانُ فِعْلًا مِنْ كَسْبِهِ وَقُدْرَتِهِ فَإِنْ قُلْت الِالْتِزَامُ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْحَانِثَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَالْكَفَّارَةُ مَقْدُورَةٌ يُمْكِنُ الْتِزَامُهَا وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ عَلَى عَشْرُ كَفَّارَاتٍ أَوْ مَوَاثِيقَ أَوْ نُذُورٌ لَزِمَهُ عَدَدُ مَا ذَكَرَ كَفَّارَاتٍ وَهَذَا الْتِزَامٌ صَحِيحٌ. قُلْت كَفَّارَةُ الْيَمِينِ غَيْرُ يَمِينٍ وَلَا حِنْثٍ لَا تَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ لِأَنَّ لُزُومَ الْمُسَبَّبِ بِدُونِ سَبَبِهِ غَيْرُ وَاقِعٍ شَرْعًا وَحِينَئِذٍ لَا تَكُونُ هَذِهِ الْكَفَّارَاتُ لَازِمَةً لَهُ مِنْ حَيْثُ هِيَ كَفَّارَاتٌ بَلْ مِنْ حَيْثُ هِيَ نُذُورٌ وَكَأَنَّهُ نَذْرٌ وَالْتَزَمَ بِطَرِيقِ النَّذْرِ عَشْرَ كَفَّارَاتٍ فَهَذَا صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَلِفِ وَالْأَيْمَانِ فِي شَيْءٍ وَلَا يَكُونُ اللَّفْظُ يُعْطِي ذَلِكَ حَقِيقَةً بَلْ مَجَازًا فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْكَفَالَةِ فِيمَا يَلْزَمُ عَنْهَا إذَا حَلَفَ بِهَا وَحَنِثَ مَجَازٌ وَالْمَجَازُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إمَّا نِيَّةُ الْمُتَكَلِّمِ أَوْ عُرْفٌ اقْتَضَى نَقْلًا لِهَذَا الْمَجَازِ فَأَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَلْزَمَ شَيْءٌ بِهَذِهِ الصِّيَغِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ وَمَا تَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِيهِ قَبْلَ هَذَا إلَّا بِالنِّيَّةِ وَلَا يَتَحَرَّرُ الَّذِي يَلْزَمُ الْمُتَكَلِّمَ بِهَا فِي الْكَفَّارَةِ بَلْ يَحْسِبُ مَا يَنْوِيه مِنْ كَفَّارَةٍ أَوْ كَفَّارَاتٍ أَوْ بَعْضِ كَفَّارَةٍ أَوْ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ بَابِ الْمَعْرُوفِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ شَرْعًا مِمَّا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْكَفَالَةِ فِيهِ مَجَازًا فَالْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّازِمَ الْكَفَّارَةُ وَتَعْيِينُ ذَلِكَ اللُّزُومِ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ الْقِسْمَ الثَّانِيَ وَهُوَ النَّقْلُ الْعُرْفِيُّ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يَلْزَمَ بِهِ فِي زَمَانِنَا شَيْءٌ فَإِنَّا لَا نَجِدُ هَذَا النَّقْلَ فِيهِ فَإِنَّ النَّقْلَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِغَلَبَةِ الِاسْتِعْمَالِ عَلَيْهِ حَتَّى يَصِيرَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَنْقُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ. وَنَحْنُ لَا نَجِدُ ذَلِكَ فِي زَمَانِنَا وَيَلْزَمُ أَيْضًا إذَا وُجِدَ هَذَا الْعُرْفُ وَهَذَا النَّقْلُ أَنْ يُرَاقِبَ فِيهِ اخْتِلَافَ الْأَزْمِنَةِ وَاخْتِلَافَ الْأَقَالِيمِ وَالْبُلْدَانِ فَكُلُّ زَمَانٍ تَغَيَّرَ فِيهِ هَذَا الْعُرْفُ بَطَلَ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ وَكُلُّ بَلَدٍ لَا يَكُونُ فِيهِ هَذَا الْعُرْفُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ هَذَا الْحُكْمُ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَهُوَ أَمْرٌ لَازِمٌ فِي قَوَاعِدِ الْفِقْهِ أَمَّا الْفُتْيَا بِلُزُومِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَغَيْرُ مُتَّجَهٍ أَصْلًا وَلَعَلَّ مَالِكًا ﵀ أَفْتَى بِذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَ أَنَّهُ كَانَ نَوَاهُ أَوْ كَانَ عُرْفُ زَمَانِهِ يَتَقَاضَى ذَلِكَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ فَإِنَّ الْفُتْيَا. لَوْ كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى نِيَّةٍ لَذُكِرَتْ مَعَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَهُنَا أَرْبَعُ تَنْبِيهَاتٍ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِيهَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ مَالِكٍ ﵀ أَنَّهُ كَانَ يَرَى ذَلِكَ عُرْفًا فِي زَمَانِهِ أَوْ عَرْفًا شَرْعِيًّا فَأَمَّا إنْ كَانَ عُرْفًا زَمَانِيًّا فَإِنَّهُ إذَا تَغَيَّرَ تَغَيَّرَ الْحُكْمُ وَأَمَّا إنْ كَانَ عُرْفًا شَرْعِيًّا فَلَا يَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ وَإِنْ تَغَيَّرَ الْعُرْفُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ الْقُوَّةِ عُسْرًا مِنْ جِهَةِ قَوْلِنَا جَرَى لَهُ سَبَبُ التَّمْلِيكِ لِأَجْلِ كَثْرَةِ النُّقُوضِ عَلَيْهَا فَلِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَّا فِي بَعْضِ فُرُوعِهَا كَمَا يَتَّضِحُ لَك ذَلِكَ بِمَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا حِيزَتْ الْغَنِيمَةُ وَانْعَقَدَ لِلْمُجَاهِدِينَ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَالتَّمْلِيكِ فَقِيلَ يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الْحَوْزِ وَالْأَخْذِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقِيلَ لَا يَمْلِكُونَ إلَّا بِالْقِسْمَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا وَجَدَ الظُّهُورَ بِالْعَمَلِ فِي حَقِّ عَامِلِ الْقِرَاضِ وَانْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَإِعْطَاءِ نَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ فَهَلْ يُعَدُّ مَالِكًا بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ أَمْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ؟ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمَشْهُورُ الثَّانِي (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا وُجِدَ ظُهُورُ عَامِلِ الْمُسَاقَاةِ بِالْعَمَلِ وَانْعَقَدَ لَهُ سَبَبُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقِسْمَةِ وَتَمْلِيكِ نَصِيبِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَهَلْ يُعَدُّ مَالِكًا بِمُجَرَّدِ الظُّهُورِ أَوْ لَا يَمْلِكُ إلَّا بِالْقِسْمَةِ قَوْلَانِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ عَلَى عَكْسِ الْقِرَاضِ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ الْأَصْلُ لَمْ أَرَ خِلَافًا فِي أَنَّ الشَّرِيكَ إذَا بَاعَ شَرِيكَهُ شِقْصَهُ عَلَى الْغَيْرِ وَتَحَقَّقَ لَهُ مَا يَقْتَضِي سَبَبَ الْمُطَالَبَةِ بِأَنْ يَمْلِكَ الشِّقْصَ الْمَبِيعَ بِالشُّفْعَةِ لَا يَكُونُ مَالِكًا إلَّا بِأَخْذِهِ بِالشُّفْعَةِ بِالْفِعْلِ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) مَنْ لَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَبَبٌ يَقْتَضِي أَنْ يَمْلِكَ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ بِأَنْ يَتَّصِفَ بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُوجِبَةِ لِلِاسْتِحْقَاقِ مِنْهُ كَالْفَقْرِ وَالْجِهَادِ وَالْقَضَاءِ وَالْفُتْيَا وَالْقِسْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ أَمْلَاكَهُمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا شَأْنُ الْإِنْسَانِ أَنْ يُعْطَى لِأَجْلِهِ فَإِذَا سَرَقَ هَلْ يُعَدُّ كَالْمَالِكِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِوُجُودِ سَبَبِ الْمُطَالَبَةِ بِالتَّمْلِيكِ أَوْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالِكًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَوْلَانِ. وَأَمَّا الْفُرُوعُ الْمُخَرَّجَةُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى فَلَهَا مَدَارِكُ غَيْرُ ذَلِكَ التَّخْرِيجِ بِأَنْ يُلَاحِظَ فِي الثَّوْبِ لِلسُّتْرَةِ قُوَّةَ الْمَالِيَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ أَوْ أَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ فَيَلْزَمُهُ وَيُكَافِئُ عَنْهُ إنْ شَاءَ وَفِي الْمَاءِ يُوهَبُ لَهُ إمَّا يَسَارَتُهُ فَلَا مِنَّةَ وَإِمَّا الْمَالِيَّةُ الْمُؤَدِّيَةُ لِلْمِنَّةِ وَهِيَ ضَرَرٌ وَالضَّرَرُ مَنْفِيٌّ عَنْ الْمُكَلَّفِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وَلِقَوْلِهِ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]

стр. 494

الْحُكْمِ فِي الْفُتْيَا. التَّنْبِيهُ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى كَفَالَةٌ مُضَافَةٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِضَافَةَ يَكْفِي فِيهَا أَدْنَى مُلَابَسَةِ حَقِيقَةٍ لُغَوِيَّةٍ كَقَوْلِ أَحَدِ حَامِلِي الْخَشَبَةِ شِلْ طَرَفَك وَقَوْلِنَا حِجُّ الْبَيْتِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَهَذِهِ الْكَفَالَةُ الْمُضَافَةُ تَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَنْوَاعٍ مِنْ الْكَفَالَةِ أَحَدُهَا الْكَلَامُ الْقَدِيمُ وَالْوَعْدُ الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ وَثَانِيهَا كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ الْتِزَامُهُ اللَّفْظِيُّ الْمُنَزَّلُ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْكُتُبِ الدَّالُّ عَلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ فَهُوَ كَفَالَةٌ حَادِثَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تِلْكَ الْكَفَالَةِ الْقَدِيمَةِ كَمَا أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّفْظِيَّ الَّذِي هُوَ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ دَلِيلُ أَمْرِهِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِذَاتِهِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْأَحْكَامِ وَالْأَخْبَارِ وَهَذِهِ الْكَفَالَةُ الْحَادِثَةُ لَا يُوجِبُ الْحَلِفُ بِهَا كَفَّارَةً وَثَالِثُهَا كَفَالَةُ خَلْقِهِ الَّتِي هِيَ ضَمَانُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ الَّتِي هِيَ مِنْ فِعْلِنَا وَقَوْلِنَا وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ مِنْ قِبَلِ صَاحِبِ الشَّرْعِ فَهِيَ تُضَافُ إلَيْهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] تَعَالَى أَيْ الَّتِي شَرَعَهَا وَأَوْجَبَ عَلَيْنَا أَدَاءَهَا فَأَضَافَهَا إلَيْهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَاهِدٌ وَلَا شُهُودَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْكَفَالَةُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهَا تَصِحُّ إضَافَتُهَا إلَيْهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ الَّتِي يُمْكِنُ إضَافَتُهَا إلَيْهِ تَعَالَى ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُتَبَايِنَةٍ قَدِيمَةٍ وَحَادِثَتَانِ. وَمُطْلَقُ الْإِضَافَةِ هُوَ الْمَوْجُودُ وَهُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ وَالدَّالُّ عَلَى الْأَعَمِّ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى الْأَخَصِّ فَلَا يَكُونُ لِقَوْلِ الْقَائِلِ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ إشْعَارٌ بِالْكَفَالَةِ الْقَدِيمَةِ أَلْبَتَّةَ لِأَنَّ نَوْعَهَا أَخَصُّ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ مُطْلَقُ الْإِضَافَةِ فَلَا يَكُونُ هَذَا اللَّفْظُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ حَلَفَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَلْبَتَّةَ بَلْ إمَّا بِجِهَةِ النَّذْرِ أَوْ بِجِهَةٍ أُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ إذَا لَمْ يَقُلْ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ، وَكَفَالَةِ اللَّهِ أَوْ أُقْسِمُ بِكَفَالَةِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِيَغِ الْقَسَمِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الْقَسَمُ بِوَضْعِهِ مُسْتَغْنٍ عَنْ النِّيَّةِ وَالْعُرْفِ وَالنَّقْلِ يَلْزَمُهُ بِهِ الْكَفَّارَةُ وَيَكُونُ أَصْرَحَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَسَمٌ مُسْتَغْنٍ عَنْ نِيَّةِ الْمَجَازِ وَالنَّقْلِ الْعُرْفِيِّ وَإِنْ كَانَ احْتِمَالُ الْإِضَافَةِ لِلْحَادِثِ وَالْقَدِيمِ مَوْجُودًا فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ احْتِمَالٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ وَأُقْسِمُ بِكَفَالَةِ اللَّهِ التَّنْبِيهُ الرَّابِعُ أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ السَّبْعِ يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَوِيَ فِي لُزُومِ الْكَفَّارَةِ وَعَدَمِ لُزُومِهَا لِأَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ وَشَأْنُ أَحَدِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَادِفَةِ أَنْ يَقُومَ مَقَامَ الْآخَرِ فِي لُزُومِ الْحُكْمِ وَسُقُوطِهِ فَلَا فَرْقَ حِينَئِذٍ بَيْنَ عَلَيَّ كَفَالَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ أَذَانَتِهِ وَزَعَامَتِهِ وَضَمَانِهِ وَقَبَالَتِهِ وَجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْقَسَمِ تَشْمَلُ جَمِيعَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِي الْجَمِيعِ وَاحِدًا لِأَنَّهَا مُتَرَادِفَةٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ التَّنْبِيهَاتِ فَهِيَ يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفِي وَاجِدِ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إمَّا تَنْزِيلُ وُجُودِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةُ مِلْكِهَا مَنْزِلَتَهُ وَإِمَّا عَدَمُ تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَتَهُ وَفِي الْقَادِرِ عَلَى التَّدَاوِي مِنْ السَّلَسِ أَوْ التَّزْوِيجِ إمَّا أَنْ تُنَزَّلَ قُدْرَتُهُ عَلَى ذَلِكَ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةُ التَّدَاوِي بِالْفِعْلِ مَنْزِلَتَهُ أَمْ لَا أَوْ يُلَاحِظُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ وَإِلَّا فِيهِ وَالْمُنَاسَبَاتُ الَّتِي اُشْتُهِرَ فِي الشَّرْعِ اعْتِبَارُهَا مِنْ حَيْثُ اشْتِمَالُهَا عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ لَا مَا لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا مِمَّا لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ فَتُقَدَّمُ مُنَاسَبَتُهُ وَتَكْثُرُ النُّقُوضُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ اعْتِبَارُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافَ الْمَعْلُومِ مِنْ نَمَطِ الشَّرِيعَةِ إلَّا أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ مَا يُوجِبُ اشْتِمَالَهُ عَلَى مُوجِبِ الِاعْتِبَارِ مِنْ الْقُيُودِ الْمُوجِبَةِ لِلْمُنَاسَبَةِ فَتَظْهَرُ مُنَاسَبَتُهُ وَتَقِلُّ النُّقُوضُ عَلَيْهِ وَيَكُونُ اعْتِبَارُ مِثْلِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ نَمَطِ الشَّرِيعَةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَدْ كَثُرَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ خُصُوصًا الشَّيْخَ الطَّاهِرَ بْنَ بُشَيْرٍ فَإِنَّهُ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ الْمَعْرُوفِ بِالتَّنْبِيهِ كَثِيرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَاتِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّيَاءِ فِي الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَاتِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ التَّشْرِيكَ فِيهَا لَا يَحْرُمُ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فِيهَا فَيَحْرُمُ هُوَ أَنَّ التَّشْرِيكَ فِيهَا لَمَّا كَانَ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُكَلَّفِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مِمَّا لَا يَرَى وَلَا يُبْصِرُ كَمَنْ جَاهَدَ لِيُحَصِّلَ طَاعَةَ اللَّهِ بِالْجِهَادِ وَلِيُحَصِّلَ السَّبَايَا وَالْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ مِنْ جِهَةِ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ وَكَمَنْ حَجَّ وَشَرَّكَ فِي حَجِّهِ غَرَضَ الْمَتْجَرِ بِأَنْ يَكُونَ جُلُّ مَقْصُودِهِ أَوْ كُلُّهُ السَّفَرَ لِلتِّجَارَةِ خَاصَّةً وَيَكُونَ الْحَجُّ إمَّا مَقْصُودًا مَعَ ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ تَابِعًا اتِّفَاقًا وَكَمَنْ صَامَ لِيَصِحَّ جَسَدُهُ أَوْ لِيَحْصُلَ زَوَالُ مَرَضٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ الَّتِي تُدَاوَى بِالصَّوْمِ بِحَيْثُ يَكُونُ التَّدَاوِي هُوَ مَقْصُودُهُ أَوْ بَعْضُ مَقْصُودِهِ وَالصَّوْمُ مَقْصُودٌ مَعَ ذَلِكَ وَكَمَنْ يَتَوَضَّأُ بِقَصْدِ التَّبَرُّدِ أَوْ التَّنْظِيفِ لَمْ يَضُرَّهُ فِي عِبَادَتِهِ وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ لَا يَدْخُلُ فِيهَا تَعْظِيمُ الْخَالِقِ بَلْ هِيَ تَشْرِيكُ أُمُورٍ مِنْ الْمَصَالِحِ لَيْسَ لَهَا إدْرَاكٌ وَلَا تَصْلُحُ لِلْإِدْرَاكِ وَلَا لِلتَّعْظِيمِ فَلَا تَقْدَحُ فِي الْعِبَادَاتِ إذْ كَيْفَ تَقْدَحُ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ

стр. 495

اللَّفْظُ السَّادِسُ الْمِيثَاقُ قَالَ مَالِكٌ ﵀ إذَا قَالَ عَلَيَّ مِيثَاقُ اللَّهِ تَعَالَى وَحَنِثَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَالْمِيثَاقُ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّوَثُّقِ وَهُوَ التَّقْوِيَةُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَهْدِ وَالْيَمِينِ أَمَّا الْيَمِينُ فَهُوَ الْقَسَمُ وَأَمَّا الْعَهْدُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ الِالْتِزَامُ وَالْمِيثَاقُ هُوَ الْعَهْدُ الْمُوَثَّقُ بِالْيَمِينِ فَيَكُونُ الْمِيثَاقُ مُرَكَّبًا مِنْ الْعَهْدِ وَالْيَمِينِ مَعًا كَذَا كَانَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ﵀ يَنْقُلُهُ عَنْ اللُّغَةِ وَإِذَا كَانَ هَذَا مَعْنَى الْمِيثَاقِ وَالْعَهْدِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَالْقَسَمُ أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ وَإِذَا كَانَا مَعًا يَرْجِعَانِ إلَى مَعْنَى الْكَلَامِ فَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْكَلَامِ قَطْعًا لِأَنَّ الْمَرْكَبَاتِ تَابِعَةٌ لِلْمُفْرَدَاتِ إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَعْنَى الْمِيثَاقِ يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الْكَلَامِ وَرَدَ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ الْوَارِدُ مِنْ لَفْظِ عَلَيَّ وَكَيْفَ يَصِحُّ الْتِزَامُ مِيثَاقِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعَهْدِ وَالْكَفَالَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ إيجَابَ الْكَفَّارَةِ بِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ صَرِيحِ اللُّغَةِ بَلْ ذَلِكَ إمَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ الْعُرْفِ أَوْ النَّقْلِ وَأَنَّ الْإِضَافَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِمِيثَاقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ كَلَامٌ نَفْسِيٌّ وَمِيثَاقِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ كَلَامٌ لَفْظِيٌّ لِسَانِيٌّ حَادِثٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧] فَإِنَّ هَذَا الْتِزَامٌ لَفْظِيٌّ مُؤَكَّدٌ بِالْقَسَمِ بِقَوْلِهِ وَرَبِّي فَيَكُونُ مِيثَاقًا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] الْتَزَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ تَعَالَى فَلَاحًا وَأَنَّ مَنْ دَسَّاهَا أَيْ دَسَّهَا بِالْمَعَاصِي فَأُبْدِلَتْ إحْدَى السِّينَيْنِ أَلِفًا فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدَهُ تَعَالَى خَيْبَةً. وَأَكَّدَ هَذَا الِالْتِزَامَ بِالْقَسَمِ السَّابِقِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] فَهَذَا كُلُّهُ قَسَمٌ مُؤَكِّدٌ لِذَلِكَ الِالْتِزَامِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ كَثِيرٌ مِنْ الِالْتِزَامَاتِ لِتَوَكُّدَةِ بِالْحَلِفِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا مِيثَاقُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي شَرَعَهُ لَنَا فَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَلْتَزِمَ الْحُقُوقَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْنَا لِلْعِبَادِ وَأَنْ نُزِيلَ الرِّيبَةَ مِنْ صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ تِلْكَ الْحُقُوقِ بِالْأَيْمَانِ وَالتَّأْكِيدِ فِي ذَلِكَ النَّافِي لِتِلْكَ الرِّيبَةِ فَهَذَا الْمِيثَاقُ يُضَافُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى إضَافَةَ الْمَشْرُوعِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَفَالَةِ وَالشَّهَادَةِ فِي ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وَإِذَا احْتَمَلَ الْمِيثَاقُ الْمُضَافُ إلَيْهِ تَعَالَى هَذِهِ الْمَوَاثِيقَ الثَّلَاثَةَ وَيَكُونُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً فِي أَيْ ذَلِكَ وَقَعَ أَوْ كَانَ مُرَادًا صَارَ اللَّفْظُ دَائِرًا بَيْنَ مَا هُوَ مُوجِبٌ وَبَيْنَ مَا هُوَ لَيْسَ بِمُوجِبٍ وَهُمَا الْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ الْحَادِثَانِ الْمِيثَاقُ اللَّفْظِيُّ الدَّالُّ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ الْقَدِيمِ وَالْمِيثَاقُ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّنَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبًا حِينَئِذٍ لِأَنَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (اللَّفْظُ السَّادِسُ الْمِيثَاقُ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِيهِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ قَوْلِهِ وَالْقَسَمُ أَيْضًا يَرْجِعُ إلَى الْكَلَامِ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ فَإِنَّ الْمُقْسِمَ لَيْسَ خَبَرًا عَنْ تَعْظِيمِ الْمُقْسَمِ بِهِ بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِنْشَاءِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قَدْ أَمَرَ بِهَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» أَيْ قَاطِعٌ نَعَمْ إذَا تَجَرَّدَتْ الْعِبَادَةُ عَنْ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ زَادَ الْأَجْرُ وَعَظُمَ الثَّوَابُ وَإِذَا لَمْ تُجَرَّدْ الْعِبَادَةُ عَنْهَا نَقَصَ الْأَجْرُ وَإِنْ كَانَ لَا سَبِيلَ إلَى الْإِثْمِ وَالْبُطْلَانِ. وَأَمَّا الرِّيَاءُ فِيهَا فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ شِرْكًا وَتَشْرِيكًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي طَاعَتِهِ لِمَنْ يَرَى وَيُبْصِرُ مِنْ الْخَلْقِ لِأَحَدِ أَغْرَاضٍ ثَلَاثَةٍ التَّعْظِيمُ وَجَلْبُ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَدَفْعُ الْمَضَارِّ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأَخِيرَانِ يَتَفَرَّعَانِ عَنْ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ إذَا عُظِّمَ انْجَلَبَتْ إلَيْهِ الْمَصَالِحُ وَانْدَفَعَتْ عَنْهُ الْمَفَاسِدُ فَهُوَ الْغَرَضُ الْكُلِّيُّ فِي الْحَقِيقَةِ فَيَقْتَضِي رُؤْيَةَ النَّفْعِ أَوْ الضُّرِّ لِغَيْرِهِ تَعَالَى فَيُنَافِي مَا أَشَارَ لَهُ سَيِّدِي عَلِيُّ وفا بِقَوْلِهِ (وَعِلْمُك أَنَّ كُلَّ الْأَمْرِ أَمْرِي هُوَ الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِاتِّحَادِي) قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَمِيرُ وَلَا بُدَّ عِنْدَ كُلِّ مُسْلِمٍ مِنْ حَظٍّ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَإِنْ تَفَاوَتُوا أَهُوَ ذَلِكَ إمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ وَالْمُتَقَرَّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْصِدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ يُعَظِّمَهُ النَّاسُ أَوْ يُعَظَّمَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَصِلَ إلَيْهِ نَفْعُهُمْ أَوْ يَنْدَفِعَ عَنْهُ ضَرَرُهُمْ فَيُسَمَّى رِيَاءَ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ لِلْخَلْقِ وَلِلَّهِ تَعَالَى وَإِمَّا بِأَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لَا يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى أَلْبَتَّةَ بَلْ النَّاسَ فَقَطْ فَيُسَمَّى رِيَاءَ الْإِخْلَاصِ لِأَنَّهُ لَا تَشْرِيَك فِيهِ بَلْ خَالِصٌ لِلْخَلْقِ كَانَ مُضِرًّا بِالْعِبَادَةِ وَمُحَرَّمًا عَلَى الْمُكَلَّفِ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ لِلْمَعْصِيَةِ وَالْإِثْمِ وَالْبُطْلَانِ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْمُحَاسِبِيُّ وَغَيْرُهُ وَيُعَضِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ لَهُ أَوْ تَرَكْتُهُ لِشَرِيكِي» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] فَإِنَّ الْحَدِيثَ ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِذَلِكَ الْعَمَلِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُخْلِصِينَ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسُوا مَأْمُورِينَ بِهِ وَمَا هُوَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الْعِبَادَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَبِالْجُمْلَةِ فَفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يُجَاهِدُ لِيَقُولَ النَّاسُ إنَّهُ شُجَاعٌ أَوْ لِيُعَظِّمَهُ الْإِمَامُ فَيُكْثِرَ عَطَاءَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيَكُونَ رِيَاءً حَرَامًا وَبَيْنَ مَنْ يُجَاهِدُ لِيُحَصِّلَ السَّبَايَا وَالْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ مِنْ جِهَةِ أَمْوَالِ الْعَدُوِّ فَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إجْمَاعًا
следующие страницы →