← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَسِيَاسَةِ الْخُصُومِ وَأَضْبَطُ لِلْفِقْهِ وَيُقَدَّمُ فِي الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَكَايِدِ الْحُرُوبِ وَسِيَاسَةِ الْجُنْدِ وَالْجُيُوشِ. وَيُقَدَّمُ فِي الْفُتْيَا مَنْ هُوَ أَوْرَعُ وَأَضْبَطُ لِمَنْقُولَاتِ الْفِقْهِ وَفِي أَمَانَةِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَيْتَامِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِتَنْمِيَةِ الْأَمْوَالِ وَأَعْرَفُ بِمَقَادِيرِ النَّفَقَاتِ وَالْكُلَفِ وَالْجِدَالِ فِي الْخِصَامِ لِيُنَاضِلَ عَنْ الْأَيْتَامِ وَيُقَدَّمُ فِي سِعَايَةِ الزَّكَاةِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِنُصُبِهَا وَالْوَاجِبِ فِيهَا وَأَحْكَامِ الزَّكَاةِ مِنْ الِاخْتِلَاطِ وَالِافْتِرَاقِ وَأَقْوَى خَرْصًا لِلثِّمَارِ وَرُبَّمَا كَانَ الْمُقَدَّمُ فِي بَابٍ مُؤَخَّرًا فِي بَابٍ آخَرَ كَمَا قُدِّمَ الرِّجَالُ فِي الْحُرُوبِ وَالْإِمَامَةِ وَأُخِّرُوا فِي الْحَضَانَةِ وَقُدِّمَ النِّسَاءِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ مَزِيدِ شَفَقَتِهِنَّ وَصَبْرِهِنَّ عَلَى الْأَطْفَالِ فَكُنَّ لِذَلِكَ أَكْمَلَ فِي الْحَضَانَةِ مِنْ الرِّجَالِ فَإِنَّ مَزِيدَ إنْفَاقِهِمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْأَطْفَالِ فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ قُدِّمَ الِابْنُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنَّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ أَشْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ابْنِ عَمِّهِ لَا سِيَّمَا إذَا بَعُدَ وَيُقَدَّمُ كُلُّ وَلِيٍّ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ إذَا كَانَتْ صِفَتُهُ أَقْرَبَ وَحَالُهُ عَلَى حُسْنِ النَّظَرِ أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهِ فَيُقَدَّمُ لِذَلِكَ. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَجْدَادِ فِي الْمَوَارِيثِ يُسَوُّونَ بِالْإِخْوَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَتِهِمْ فِي النِّكَاحِ وَمِيرَاثِ الْوَلَاءِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ تُقَدَّمُ الْإِخْوَةُ عَلَيْهِمْ) وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ وَالْمَوَارِيثِ أَنَّ الْجَدَّ فِي بَابِ الْمَوَارِيثِ يَقُولُ أَنَا أَبُو أَبِيهِ وَالْأَخُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ فَيَقُولُ أَنَا ابْنُ أَبِيهِ وَالْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُبُوَّة فَحَجَبَ الِابْنَ الْأَبُ عَنْ جُمْلَةِ الْمَالِ إلَى سُدُسِهِ فَهَذِهِ الْعُمْدَةُ فِي الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ كُلِّهَا وَيَفْتَرِقُ الْمِيرَاثُ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْأَبْوَابِ الْأُخَرِ بِأَنَّ الْجَدَّ تَسْقُطُ الْإِخْوَةُ لِلْأُمِّ بِهِ وَلَا نُقَدِّرُ الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا الْإِخْوَةَ لِلْأَبِ وَيَرِثُ مَعَ الِابْنِ بِخِلَافِ الْإِخْوَةِ فَلَمَّا عَارَضَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ حُجَّةُ الْإِخْوَةِ بِالْبُنُوَّةِ سَوَّى بِالْإِخْوَةِ فِي بَابِ مِيرَاثِ النَّسَبِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ التَّعَارُضُ وَهَذَا التَّعَارُضُ مَنْفِيٌّ فِي الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَلَا مِيرَاثِ الْوَلَاءِ وَلَا فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ حَتَّى يَقُولَ الْجَدُّ لِلْإِخْوَةِ أَنْتُمْ عَاجِزُونَ عَنْ دَفْعِ هَؤُلَاءِ وَأَنَا لَا أَعْجَزُ عَنْ دَفْعِهِمْ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُعَارِضَهُمْ بِذَلِكَ بَقِيَتْ حُجَّتُهُمْ بِالْبُنُوَّةِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْأُبُوَّةِ سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ فَقُدِّمُوا فِي الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ مِيرَاثِ النَّسَبِ. (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكَالَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ) أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ فِي بَيْعِ سِلْعَةٍ فَبَاعَاهَا مِنْ رَجُلَيْنِ كَانَ النَّافِذُ مِنْ الْبَيْعَيْنِ هُوَ الْأَوَّلُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكَالَةِ وَقَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ إلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ عِتْقُ زَوْجِهَا قَبْلَهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَقِيلَ يُفِيتُهَا) قُلْت هَذَا الْفَرْقُ عِنْدِي فَاسِدُ الْوَضْعِ فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ إنَّ السِّلْعَةَ إذَا هَلَكَتْ كَانَ هَلَاكُهَا فَوْتًا وَنُفُوذًا لِلْعَقْدِ الثَّانِي وَكَذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْجُزْئِيَّةُ وَبِهِمَا يَقَعُ التَّكَاذُبُ لِمَنْ يَقْصِدُ تَكْذِيبَ مَنْ ادَّعَى الْأُخْرَى كَمَا أَنَّ نَقِيضَ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ السَّالِبَةُ الْجُزْئِيَّةَ وَالصِّدْقُ وَالْكَذِبُ عِنْدَنَا نَقِيضَانِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّ الْخَبَرَ إنْ طَابَقَ الْوَاقِعَ فَصِدْقٌ وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ الْوَاقِعَ فَكَذِبٌ وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْمُطَابَقَةِ وَعَدَمِ الْمُطَابَقَةِ فَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ لِمُخَالَفَةِ الصِّدْقِ وَهُوَ الْكَذِبُ أَيْ الْخَبَرُ الْمُنَاقِضُ لِلصِّدْقِ الْمَانِعِ مَعَ تَحَقُّقِهِ وَمَتَى ارْتَفَعَ الصِّدْقُ بِصُورَةٍ وَاحِدَةٍ اسْتَحَالَ ثُبُوتُهُ فَقَدْ تَحَقَّقَتْ مَفْسَدَةُ تَعَذُّرِ الصِّدْقِ وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ تَعَذُّرُ الصِّدْقِ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَمْ تَتَكَرَّرْ الْكَفَّارَةُ وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْحَالِفَ لَوْ جَعَلَ يَمِينَهُ خَبَرًا عَنْ مُوجَبَةٍ كُلِّيَّةٍ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَصُومَنَّ الدَّهْرَ فَأَفْطَرَ يَوْمًا وَاحِدًا فَقَدْ كَذَبَ خَبَرُهُ عَنْ صَوْمِ الدَّهْرِ وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْطَارِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ الْوَاحِدَ وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ صَوْمُ بَقِيَّةِ الدَّهْرِ وَتَضِيعُ بَقِيَّةِ الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ عَنْ الِاعْتِبَارِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَكَرَّرَ مِنْهُ الْفِطْرُ فِي يَوْمَيْنِ مَثَلًا أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَى فِطْرِ يَوْمٍ وَاحِدِ. وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فِي جِهَةِ الثُّبُوتِ وَهُوَ الْمُوجَبَةُ الْكُلِّيَّةُ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ مِثْلُهُ فِي السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ الَّتِي هِيَ خَبَرٌ عَنْ النَّفْيِ فَيَتَحَقَّقُ الْكَذِبُ بِفَرْدٍ وَاحِدٍ مِنْ الثُّبُوتِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَنْفَعُهُ بَقِيَّةُ السَّالِبَةِ الْكُلِّيَّةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ثُبُوتٍ وَاحِدٍ تَقَعُ بِهِ الْمُخَالَفَةُ وَبَيْنَ ثُبُوتَيْنِ أَوْ أَكْثَرُ كَمَا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ فِي الْمُوجَبَةِ الْكُلِّيَّةِ بَيْنَ سَلْبَيْنِ فَأَكْثَرَ تَسْوِيَةً بَيْنَ طَرَفَيْ الثُّبُوتِ وَالسَّلْبِ فِي الْخَبَرِ عَنْهَا وَإِثْبَاتِ نَقِيضِهَا، وَالِاكْتِفَاءُ بِفَرْدٍ فِي الْمُنَاقَضَةِ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى ثَانٍ وَيَكُونُ الثَّانِي وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ سَوَاءٌ وَأَمَّا النَّهْي فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَوْ اجْتَنَبَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مِائَةَ مَرَّةٍ لِلَّهِ تَعَالَى أُثِيبَ عَلَى الْمِائَةِ. ثُمَّ إنْ خَالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ بِعَدَدِ الْمَرَّاتِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا بِالْفِعْلِ وَالثُّبُوتِ وَتَتَكَرَّرُ الْمَثُوبَاتُ بِتَكَرُّرِ الِاجْتِنَابِ أَوْ الْعُقُوبَاتِ بِتَكَرُّرِ الْمُخَالَفَاتِ فَدَلَّ ذَاكَ عَلَى أَنَّ الْمَطْلُوبَ هُوَ اجْتِنَابُ مَفْسَدَةِ ذَلِكَ الْفِعْلِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَأَنَّ كُلَّ زَمَانٍ مَطْلُوبٌ لِنَفْسِهِ فِي التَّرْكِ لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ وَيُؤَكِّدُ الْأَمْرَ الْمُقْتَضِيَ لِلتَّكْرَارِ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مِائَةَ مَرَّةٍ أُثِيبَ مِائَةَ مَثُوبَةٍ وَإِنْ تَرَكَهُ مِائَةَ مَرَّةٍ اسْتَحَقَّ مِائَةَ عُقُوبَةٍ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ حُصُولُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِعَيْنِهِ فَكُلُّ زَمَانٍ مُعَيَّنٍ حَقَّقَ

стр. 562

وَإِذَا جَعَلَتْ الْمَرْأَةُ أَمْرَهَا لِوَلِيَّيْنِ فَزَوَّجَاهَا مِنْ رَجُلَيْنِ كُفْأَيْنِ فَالْمُعْتَبَرُ أَوَّلُهُمَا إنْ عُرِفَ كَالْبَيْعِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الْأَخِيرُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ يُفِيتُهُنَّ الدُّخُولُ مَسْأَلَةُ الْوَلِيَّيْنِ وَامْرَأَةُ الْمَفْقُودِ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ يُفِيتُهَا الدُّخُولُ فَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَالْمَرْأَةُ تَعْلَمُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الرَّجْعَةِ فَتَتَزَوَّجُ ثُمَّ تَثْبُتُ رَجْعَةُ الْأَوَّلِ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي كَانَ أَحَقَّ بِهَا وَأُلْغِيَتْ الرَّجْعَةُ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا طَلَّقَ زَوْجُ الْأَمَةِ الْأَمَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَرَاجَعَهَا فِي السَّفَرِ فَلَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ فَوَطِئَهَا السَّيِّدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ عِلْمِهِ بِالرَّجْعَةِ كَانَ وَطْءُ السَّيِّدِ مُفِيتًا لَهَا كَالْوَطْءِ بِالزَّوْجِ وَتَكُونُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ ثَامِنَةً لِهَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَامْرَأَةُ الرَّجُلِ يَرْتَدُّ فَيُشَكُّ فِي كُفْرِهِ بِالْأَرْضِ الْبَعِيدَةِ هَلْ هُوَ إكْرَاهٌ أَوْ اخْتِيَارٌ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ إكْرَاهٌ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ كُفْرِهِ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، وَالرَّجُلُ يُسَلِّمُ عَلَى عَشَرَةٍ نِسْوَةٍ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَوَجَدَهُنَّ ذَوَاتِ مَحَارِمَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَيَخْتَارُ مِنْ الْبَوَاقِي مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ وَيَدْخُلْ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَمَنْ دَخَلَ بِهَا فَاتَ الْأَمْرُ فِيهَا بِالدُّخُولِ وَمَنْ لَمْ يُدْخَلْ بِهَا كَانَ لَهُ أَخْذُهَا وَقِيلَ لَا يُفِيتُهُنَّ الدُّخُولُ وَالْمَرْأَةُ تَطْلُقُ لِلْغَيْبَةِ ثُمَّ يُقْدِمُ بِحِجَّةٍ. فَإِنْ وَجَدَهَا تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا فَاتَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ تَفُتْ عَلَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ تُسْلِمُ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُبَيِّنُ تَقَدُّمَ إسْلَامِهِ عَلَيْهَا، وَخُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي أَرْبَعِ مَسَائِلَ فِي الْمَذْهَبِ أَيْضًا الْمَرْأَةُ يُنْعَى لَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَتَبَيَّنُ حَيَاتُهُ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ فَإِنَّهَا لَا يُفِيتُهَا الدُّخُولُ وَقِيلَ يُفِيتُهَا الدُّخُولُ، وَالْمُطَلَّقَةُ بِسَبَبِ الْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي، وَالرَّجُلُ يَقُولُ عَائِشَةُ طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ حَاضِرَةٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ وَقَالَ لَمْ أُرِدْهَا وَلِي امْرَأَةٌ أُخْرَى تُسَمَّى عَائِشَةَ بِبَلَدٍ آخَرَ وَهِيَ الَّتِي أَرَدْت فَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ هَذِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ امْرَأَةٍ أُخْرَى فَإِنْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَلَا يُفْتِيهَا الدُّخُولُ وَالْأَمَةُ تَخْتَارُ نَفْسَهَا تَتَزَوَّجُ وَيَدْخُلُ بِهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَتَبَيَّنُ عِتْقُ زَوْجِهَا قَبْلَهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَقِيلَ يُفِيتُهَا فَالشَّافِعِيُّ ﵁ يُسَوِّي بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَجَعَلَ الْعَقْدَ السَّابِقَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ وَمَا بَعْدَهُ بَاطِلٌ حَصَلَ دُخُولٌ أَمْ لَا فَهَذَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فِي النِّكَاحِ فِي الْمَسَائِلِ الثَّمَانِي الَّتِي ذَكَرَ الْفَرْقَ فِيهَا وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَالْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَ عَدَمَ الْفَوْتِ فِيهَا وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ تَيْنِكَ الْقَاعِدَتَيْنِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (فَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُسَوِّي بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ إلَى قَوْلِهِ يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ لَا لِلِاسْتِقْلَالِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يُسَوِّي بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ يُشْعِرُ بِأَنَّ مَالِكًا لَا يُسَوِّي ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِيهِ الْمَصْلَحَةَ اسْتَحَقَّ الْمَثُوبَةَ وَكُلُّ زَمَانٍ مُعَيَّنٍ ضَيَّعَ فِيهِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةَ اسْتَحَقَّ الْعُقُوبَةَ وَتُعْتَبَرُ الْقِلَّةُ فِي ذَلِكَ وَالْكَثْرَةُ فَقَدْ شَهِدَتْ قَاعِدَةُ الْأَمْرِ لِقَاعِدَةِ النَّهْيِ كَمَا شَهِدَتْ قَاعِدَةُ خَبَرِ الثُّبُوتِ فِي الْيَمِينِ لِقَاعِدَةِ خَبَرِ النَّفْيِ فِيهِ فَأَوْضَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْأُخْرَى وَاتَّضَحَ لَك أَنَّ سِرَّ الْفَرْقِ فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْخَبَرِ الصَّادِقِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ هُوَ نَقِيضُهُ الْكَاذِبُ دُونَ أَفْرَادِ الْفِعْلِ وَأَفْرَادِ التَّرْكِ بِشَهَادَةِ النَّفْيِ لِلْإِيجَابِ وَالْإِيجَابِ لِلنَّفْيِ وَالْمُعْتَبَرُ لِلنَّهْيِ وَالْأَمْرِ أَفْرَادُ الْأَفْعَالِ وَالتُّرُوكِ دُونَ النَّقِيضِ بِشَهَادَةِ كُلٍّ مِنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لِلْآخَرِ (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) كَوْنُ الْحِنْثِ كَذِبًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ فِي هَذَا الْوَجْهِ الْأَخِيرِ لَيْسَ فِيهِ تَقْوِيَةٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّ الْحِنْثَ مُحَرَّمٌ وَأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ سَاتِرَةً لِذَنْبِ تَحْرِيمِ الْمُخَالَفَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الْحِنْثَ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا أَنَّهُ لَيْسَ بِكَذِبٍ شَرْعِيٍّ مِنْ جِهَةِ الْإِثْمِ وَالنَّهْيِ الشَّرْعِيِّ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيُتَّجَهُ بِهِ مَذْهَبُهُمْ بَلْ إنَّمَا هُوَ كَذِبٌ مِنْ جِهَةِ مُسَمَّى الْكَذِبِ لُغَةً وَذَلِكَ أَنَّ الْخَبَرَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي الْيَمِينِ خَبَرُ وَعْدٍ وَخَبَرُ الْوَعْدِ لَا يَأْثَمَ حَالِفُهُ وَإِلَّا لَوَجَبَ الْوَفَاءُ بِكُلِّ وَعْدٍ وَلَيْسَ قَوْلُهُ ﵊ «عِدَّةُ الْمُؤْمِنِ دَيْنٌ» يُرِيدُ مِثْلَ الدَّيْنِ وَلِذَلِكَ قَيَّدَ الْحُكْمَ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ الْحَاثِّ عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَافِ وَلَوْ كَانَ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ مُطْلَقًا وَاجِبًا لَقَالَ ﵊ الْوَعْدُ دَيْنٌ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُخَالَفَةَ هَذِهِ الْإِخْبَارَاتِ فِي الْوَعْدِ وَالْحَلِفِ لَيْسَتْ بِكَذِبٍ مُحَرَّمٍ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ» فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْخَبَرُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ لَمَا جَازَ تَرْكُهُ لِمُجَرَّدِ الْخَيْرِيَّةِ الَّتِي يَكْفِي فِيهَا مُطْلَقُ الْمَصْلَحَةِ بَلْ كَانَتْ مُخَالَفَةً تَتَوَقَّفُ عَلَى مَصْلَحَةٍ عَظِيمَةٍ تُسَاوِي مَفْسَدَةَ التَّحْرِيمِ كَفَوَاتِ أَمْرٍ وَاجِبٍ عَظِيمٍ فَإِنَّ الْمُحَرَّمَ لَا يُعَارَضُ إلَّا بِالْوَاجِبِ وَلَا يُعَارَضُ بِمُطْلَقِ الْخَيْرِيَّةِ الَّتِي هِيَ تَصْدُقُ بِأَدْنَى مَرَاتِبِ النَّدْبِ فَلَيْسَ الْحِنْثُ حِينَئِذٍ بِمُحَرَّمٍ وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّهُ ﵊ «حَلَفَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ لَا يَحْمِلُهُمْ ثُمَّ حَمَلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك حَلَفْت فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ

стр. 563

هُوَ الْقِيَاسُ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ عَقْدِ النِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً عَنْ زَوْجٍ وَهَذِهِ ذَاتُ زَوْجٍ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا وَاعْتَمَدَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قَضَاءِ عُمَرَ ﵁ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَقَضَاءِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْعَةِ وَأَفَاتُوا الْمَرْأَةَ بِالدُّخُولِ وَهَذَا مُدْرَكٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَيْسَ بِمُدْرَكٍ لِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ لَا لِلِاسْتِقْلَالِ وَوَجْهُ الْحُجَّةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ الْمَقْصُودِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَهُوَ إبْطَالُ أَثَرِ الْعَقْدِ السَّابِقِ وَتَسْلِيطُ الشَّفِيعِ عَلَى إبْطَالِهِ لِأَجْلِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَى الشَّرِيكِ مِنْ تَوَقُّعِ الْقِسْمَةِ. وَإِذَا قَضَى بِتَقْدِيمِ الضَّرَرِ عَلَى الْقَعَدِ هُنَالِكَ وَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ هَهُنَا بِتَقْدِيمِ الضَّرَرِ عَلَى الْعَقْدِ السَّابِقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ ضَرَرَ الشُّفْعَةِ مُتَوَقَّعٌ فَإِنَّ الْقِسْمَةَ قَدْ تَحْصُلُ وَقَدْ لَا تَقَعُ أَلْبَتَّةَ وَأَمَّا الضَّرَرُ هَهُنَا فَنَاجِزٌ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا طَلَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ حَصَلَ لَهُ بِهَا تَعَلُّقٌ فِي الْغَالِبِ وَحَصَلَ لَهَا هِيَ أَيْضًا تَعَلُّقٌ فَإِنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يَتَزَوَّجُ فِي الْغَالِبِ مَنْ مَالَتْ نَفْسُهُ إلَيْهَا وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا مَعَ الْمَيْلِ الْمُتَقَدِّمِ وُجِدَتْ الرُّؤْيَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ فَالْغَالِبُ حُصُولُ الْمَيْلِ كَذَا هِيَ أَيْضًا إنَّمَا رَضِيَتْ بِهِ بَعْدَ مَيْلِ نَفْسِهَا إلَيْهِ فَإِذَا بَاشَرَتْهُ مَعَ الْمَيْلِ الْمُتَقَدِّمِ وَحُصُولِ الْإِرْبِ فَالْغَالِبُ حُصُولُ الْمَيْلِ وَإِذَا كَانَ الظَّاهِرُ حُصُولَ الْمَيْلِ إمَّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَإِمَّا مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَوْ قَضَيْنَا بِالْفِرَاقِ بَعْدَ هَذَا الْمَيْلِ النَّاشِئِ مِنْ الدُّخُولِ وَقَضَاءِ الْأَوْطَارِ لَحَصَلَ الضَّرَرُ النَّاجِزُ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ الْمَيْلُ بِأَلَمِ الْفِرَاقِ فَعُلِمَ أَنَّ ضَرَرَ الشُّفْعَةِ مُتَوَقَّعٌ وَضَرَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاقِعٌ وَالْوَاقِعُ أَقْوَى مِنْ الْمُتَوَقَّعِ الْوَجْهُ (الثَّانِي) فِي مُوجِبِ الْقِيَاسِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَنَّ الشَّرِيكَ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بِغَيْرِ عَقْدٍ أُضِيفَ إلَيْهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الضَّرَرِ وَهَهُنَا الزَّوْجُ الثَّانِي مَعَهُ عَقْدٌ يُقَابِلُ بِهِ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ فَصَارَ دَفْعُ ضَرَرِهِ مَعْضُودًا بِعَقْدٍ وَدَفْعُ ضَرَرِ الشَّرِيكِ غَيْرُ مَعْضُودٍ بِعَقْدٍ فَكَانَ الْمَعْضُودُ أَوْلَى فَإِنْ قُلْت وُجُودُ هَذَا الْعَقْدِ كَعَدَمِهِ لِأَنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ قَابِلٍ لَهُ فَلَا يَصِحُّ لِلتَّرْجِيحِ قُلْت كَوْنُ وُجُودِهِ كَعَدَمِهِ هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ نَحْنُ نَقُولُ لَيْسَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ بَلْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ مَالِكٌ أَيْضًا يُسَوِّي بَيْنَهُمَا غَيْرَ أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَسَائِلَ مِنْ فُرُوعِ الْقَاعِدَتَيْنِ فَيُطْلَبُ وَجْهُ ذَلِكَ الْفَرْقِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا كَفَّرْت وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» فَلَوْ كَانَ هَذَا كَذِبًا مُحَرَّمًا لَمَا أَقْدَمَ ﵊ عَلَيْهِ فَإِنَّ مَنْصِبَهُ ﵊ يَأْبَى ذَلِكَ إبَاءً شَدِيدًا فَيَقْطَعُ الْفَقِيهُ حِينَئِذٍ بِأَنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ فِي الْأَيْمَانِ لَيْسَتْ كَذِبًا مُحَرَّمًا بَلَّ يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْكَذِبِ وَلَا يَكُونُ مُحَرَّمًا كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ الَّذِي يَقَعُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَنْ أَخْبَرَ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُعْتَقِدًا مَا أَخْبَرَ بِهِ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَإِنْ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ كَذِبٌ لُغَةً خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي اشْتِرَاطِهِمْ الْقَصْدَ فِي حَقِيقَةِ الْكَذِبِ وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ أَهْلِ السَّنَةِ قَوْلُهُ ﵊ كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ فَجَعَلَهُ ﵇ كَذِبًا مَعَ أَنَّهُ يَعْتَقِدُ صِدْقَ مَا سَمِعَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ قَدْ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعَمْدِ فَظَهَرَ أَنَّ الْكَذِبَ يَكُونُ لَا مَعَ الْإِثْمِ وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْأَيْمَانِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (التَّنْبِيهُ الثَّانِي) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إذَا خَالَفَ مُقْتَضَى الْيَمِينِ حَالَةَ النِّسْيَانِ أَوْ حَالَةَ الْجَهْلِ أَوْ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ اعْتِبَارُ الْحِنْثِ حَالَةَ النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ دُونَ الْإِكْرَاهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الْحِنْثِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ اعْتِبَارُ الْحِنْثِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ فَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَلَى الْإِكْرَاهِ وَخَالَفَانَا فِي النِّسْيَانِ وَالْجَهْلِ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِعَكْسِ ذَلِكَ، وَتَلْخِيصُ مُدْرَكِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْحَالَاتِ أَنَّ مُقْتَضَى اللُّغَةِ حُصُولُ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ لِحُصُولِ مُسَمَّى الْمُخَالَفَةِ بِمُقْتَضَى مَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْيَمِينُ إنَّمَا يَقْصِدُ بِهَا النَّاسُ حَثَّهُمْ عَلَى الْإِقْدَامِ أَوْ الْإِحْجَامِ وَالْحَثُّ إنَّمَا يَقَعُ فِي الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَحُثُّ نَفْسَهُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ اخْتِيَارِهِ وَصُنْعِهِ. وَأَمَّا الْمَعْجُوزُ عَنْهُ فَلَا يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ حَثُّ نَفْسِهِ عَلَى الصُّعُودِ إلَى السَّمَاءِ وَلَا عَلَى أَنْ يَعْمَلَ لِنَفْسِهِ يَدًا زَائِدَةً أَوْ عَيْنًا زَائِدَةً وَلَا يَحُثُّ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا أَوْ مُنْتَصِبَ الْقَامَةِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتَعَذِّرٌ عَلَيْهِ وَالثَّانِي وَاقِعٌ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَإِنَّمَا يَحُثُّ نَفْسَهُ عَلَى مَا هُوَ مِنْ صُنْعِهِ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ حِينَئِذٍ فَتَخْرُجُ حَالَةُ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْحِنْثِ لِأَنَّ الدَّاعِيَةَ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ لَيْسَتْ لِلْفَاعِلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ بَلْ نَشَأَتْ عَنْ أَسْبَابِ الْإِكْرَاهِ فَهِيَ مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ فِي الْمَعْنَى فَلَا جَرَمَ لَمْ تَنْدَرِجْ هَذِهِ الْحَالَةُ فِي الْيَمِينِ وَأَمَّا الْجَهْلُ وَالنِّسْيَانُ فَالْإِنْسَانُ فِي الْجَهْلِ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ جَاهِلًا بِأَنَّهُ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ كَمَنْ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَلْبَسَ ثَوْبًا فَيَلْتَبِسُ ذَلِكَ الثَّوْبُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ فَيَلْبَسُهُ

стр. 564

مِثْلَ هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ الْعَقْدِ مُوجِبَةٌ لِلْعِصْمَةِ فِي غَيْرِ صُورَةِ النِّزَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُنَا كَذَلِكَ عَمَلًا بِوُجُودِ الصُّورَةِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَرِضَى الْوَلِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَكَوْنُ تُقَدَّمْ الْعَقْدِ مَانِعًا صُورَةَ النِّزَاعِ. وَهَذَا وَجْهُ التَّرْجِيحِ فَإِنْ قُلْت مَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَمَسْأَلَةِ الْوَكِيلَيْنِ وَكُلًّا عَلَى أَنْ يُزَوِّجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِامْرَأَةٍ فَزَوَّجَاهُ بِامْرَأَتَيْنِ فَدَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا خَامِسَةٌ فَإِنَّهَا لَا يُفْتِيهَا الدُّخُولُ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَالْجَامِعُ بُطْلَانُ الْعَقْدِ قُلْت بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ عَشْرِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) الْمَانِعُ مِنْ الصِّحَّةِ فِي الْخَامِسَةِ هُوَ عَقْدُ الرَّابِعَةِ مَعَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الْعُقُودِ وَالْمَانِعُ فِي الْوَلِيَّيْنِ عَقْدٌ وَاحِدٌ فَهُوَ أَخَفُّ فَسَادًا وَأَقَلُّ مَوَانِعَ فَفَاتَتْ بِالدُّخُولِ بِخِلَافِ الْخَامِسَةِ (الثَّانِي) أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الْكَثْرَةُ دُونَ الْوَلَاءِ فَصُورَةُ الْوَلِيَّيْنِ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهَا فَالْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ الثَّانِي بَعْدَ الدُّخُولِ يُؤَدِّي إلَى كَثْرَةِ الْفَسَادِ وَالْخَامِسَةُ نَادِرَةٌ لِأَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا النَّاشِئَ عَنْ الِاطِّلَاعِ وَالْكَشْفِ قَلِيلٌ (الثَّالِثُ) أَنَّ الزَّوْجَ كَالْمُشْتَرِي الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الصَّدَاقِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ وَالْمَرْأَةُ كَالْبَائِعِ لِأَنَّهَا صَاحِبَةُ السِّلْعَةِ وَالسِّلَعُ مَقَاصِدُ وَالْأَثْمَانُ وَسَائِلُ وَرُتْبَتُهَا أَخْفَضُ مِنْ رُتْبَةِ الْمَقَاصِدِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَبْطُلْ عَقْدُ الرَّابِعَةِ لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِمَقْصِدٍ وَإِبْطَالُ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ إبْطَالٌ لِصَاحِبِ وَسِيلَةِ التَّعَارُضِ إنَّمَا وَقَعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا صَاحِبَا وَسِيلَةٍ وَبَيْنَ الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ فِي صَاحِبَيْ مَقْصِدٍ فَاجْتَمَعَ فِي الرَّابِعَةِ كَوْنُهُ مَقْصِدًا وَمُوَافَقَةُ الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ فَامْتَنَعَ إبْطَالُهُ لِقُوَّتِهِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ (الرَّابِعُ) أَنَّ وَلُوعَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَشَغَفَهُمْ بِهِنَّ أَكْثَرُ مِنْهُنَّ بِهِمْ وَالْعَادَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ فَإِنَّ الرِّجَالَ هُمْ الْبَاذِلُونَ وَالْخَاطِبُونَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ عَلَى فَرْطِ الْمَيْلِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ لِضَعْفِ طَبْعِهِنَّ وَغَلَبَةِ الْحَيَاءِ عَلَيْهِنَّ وَإِذَا كَانَ شَغَفُ الرِّجَالِ بِهِنَّ أَعْظَمَ صَعُبَ التَّفْرِيقُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ بِالزَّوْجِ الثَّانِي الَّذِي حَصَلَ لَهُ الشَّغَفُ بِالدُّخُولِ وَالْخَامِسَةُ إنَّمَا يُتَوَقَّعُ فِيهَا دَاعِيَةٌ ضَعِيفَةٌ فَكَانَ الْفَسَادُ أَقَلَّ (الْخَامِسُ) أَنَّ دَاعِيَةَ الرِّجَالِ فِي السُّؤَالِ عَنْ الْوَاقِعِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ ضَعِيفٌ وَعَنْ الْوَاقِعِ مِنْ الْوُكَلَاءِ فِي التَّزْوِيجِ قَوِيٌّ فَكَثُرَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي فَكَانَ مُخَالَفَةُ الْقَاعِدَةِ فِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَوَجْهُ الْحُجَّةِ عَلَى الشَّافِعِيِّ إلَى مَا ذَكَرَ فِي الْفَرْقِ) قُلْت مَا قَالَهُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلْيَمِينِ جَاهِلٌ بِعَيْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَفِي النِّسْيَانِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ الْجَهْلِ يَفْعَلُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَالِمًا بِحَقِيقَتِهِ نَاسِيًا لِلْيَمِينِ وَفِي الْإِكْرَاهِ قَدْ يَكُونُ ذَاكِرًا لَهُمَا فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَقَائِقِ الثَّلَاثِ فَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ إنَّ الْحِنْثَ الْمَقْصُودَ مِنْ الْيَمِينِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ ذِكْرِ الْيَمِينِ وَالْمَعْرِفَةِ بِعَيْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقْصِدَ الْحَالِفُ بِالْيَمِينِ تَرْكَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ الْيَمِينِ وَهَذَا لَا يَتَصَوَّرُ إلَّا مَعَ الْقَصْدِ إلَى الْيَمِينِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَالْمَعْرِفَةِ بِهِمَا فَلَمَّا جَهِلَ الْيَمِينَ فِي صُورَةِ النِّسْيَانِ وَالْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ الْجَهْلِ خَرَجَ هَاتَانِ الْحَالَتَانِ عَمَّا يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ التَّرْكُ لِأَجْلِ الْيَمِينِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَإِذَا خَرَجَا عَنْ ذَلِكَ خَرَجَا عَنْ الْيَمِينِ وَالْخَارِجُ عَنْ الْيَمِينِ لَا يَقَعُ فِيهِ حِنْثٌ وَحَالَةُ الْإِكْرَاهِ قَدْ خَرَجَتْ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» أَيْ فِي إكْرَاهٍ فَيُقَاسُ عَلَى الطَّلَاقِ غَيْرُهُ فَلَا يَلْزَمُ فَخَرَجَتْ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَة: الْإِكْرَاهُ وَالنِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَإِذَا خَالَفَ الْحَالِفُ الْيَمِينَ فِي حَالَةٍ مِنْ هَذِهِ الْحَالَاتِ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ كَفَّارَةٌ بَلْ لَا بُدَّ فِي لُزُومِهَا مِنْ الْمُخَالَفَةِ مَرَّةً أُخْرَى فِي حَالَةِ الِاخْتِيَارِ وَاسْتِحْضَارِ الْيَمِينِ وَالْعِلْمِ بِالْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ. فَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ التَّكَرُّرَ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَمَالِكٌ يَقُولُ الْحَلِفُ وَقَعَ عَلَى الْفِعْلِ الْمُخْتَارِ الْمُكْتَسَبِ وَمُقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِكْرَاهُ وَحْدَهُ. وَيَبْقَى النِّسْيَانُ وَالْجَهْلُ لِأَنَّ النَّاسِيَ لِلْيَمِينِ مُخْتَارٌ لِلْفِعْلِ غَيْرَ أَنَّهُ نَسِيَ الْيَمِينَ وَالْجَاهِلُ مُخْتَارٌ لِلْفِعْلِ غَيْرَ أَنَّهُ جَهِلَ أَنَّ هَذَا غَيْرُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَإِذَا وُجِدَ الِاخْتِيَارُ وَالْفِعْلُ الْمُكْتَسِبُ فَقَدْ وُجِدَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَوُجِدَتْ حَقِيقَةُ الْمُخَالَفَةِ فَتَلْزَمُ الْكَفَّارَةُ فَإِذَا وَقَعَ الْفِعْلُ فِي حَالَةِ النِّسْيَانِ أَوْ حَالَةِ الْجَهْلِ انْحَلَّتْ الْيَمِينُ وَلَزِمَتْ الْكَفَّارَةُ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّكَرُّرُ مَرَّةً أُخْرَى وَرَأَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْحِنْثِ لَا يُؤَثِّرَ فَيَحْنَثُ الْمُكْرَهُ كَمَا يَحْنَثُ النَّاسِي وَالْجَاهِلُ قَالَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ عِنْدَنَا بِسَبَبِ أَنَّ الْبَاعِثَ لِلْحَالِفِ عَلَى الْحَلِفِ إنَّمَا هُوَ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ حَاثَّةً لَهُ عَلَى التَّرْكِ وَإِلَّا كَانَ يَكْفِيهِ الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَكَانَ يَسْتَرِيحُ مِنْ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ وَإِنَّمَا أَقْدَمَ عَلَى الْيَمِينِ لِيَكُونَ اسْتِحْضَارُهَا فِي نَفْسِهِ مَانِعًا مِنْ الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ فَإِذَا نَسِيَهَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَذِهِ الْحَالَةِ حَالَةَ الْحَلِفِ الَّتِي هِيَ حَالَةُ حُضُورِهَا فِي نَفْسِهِ حَتَّى تَمْنَعَهُ مِنْ الْإِقْدَامِ أَوْ الْإِحْجَامِ وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِعَيْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرْطٌ فِي الْحِنْثِ بِهِ فَإِذَا جَهِلَهُ اسْتَحَالَ مَعَ الْجَهْلِ الْحِنْثُ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ فَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ يُعْلَمُ خُرُوجُهُمَا عَنْ الْيَمِينِ بِقَصْدِ الْحَالِفِينَ فَلَا يُلْتَزَمُ فِيهِمَا حِنْثٌ وَيُشْتَرَطُ التَّكَرُّرُ. وَأَمَّا

стр. 565

الْوَلِيَّيْنِ أَقَلَّ (السَّادِسُ) أَنَّهُ يُتَّهَمُ فِي الْخَامِسَةِ أَنْ يَكُونَ عَدَلَ إلَيْهَا عَنْ الرَّابِعَةِ مَعَ عَمَلِهِ بِهَا لِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ لِلدُّخُولِ وَالْمَرْأَةُ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا لَا خِيَرَةَ لَهَا (السَّابِعُ) أَنَّ الْخَامِسَةَ عَلَى خِلَافِ الْقَاعِدَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَعَظُمَتْ أَسْبَابُ إبْطَالِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ثَلَاثًا مُسْتَثْنَيَاتٍ فَتَجُوزُ الْهِجْرَةُ ثَلَاثًا وَالْإِحْدَادُ ثَلَاثًا وَأَيَّامُ الْخِيَارِ ثَلَاثًا وَالضَّرَّاتُ ثَلَاثًا ثُمَّ يَلْزَمُ وَيَمْكُثُ الْهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا وَجَعَلَ الْمَرْأَةَ تُضَرُّ بِثَلَاثٍ مِنْ النِّسَاءِ وَالْخَامِسَةُ لَوْ صَحَّحْنَاهَا وَقَعَ الْإِضْرَارُ بِأَرْبَعٍ وَلَمْ يُوجَدْ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ مُخَالَفَةُ قَاعِدَةٍ إلَّا مَا اشْتَرَكَا فِيهِ (الثَّامِنُ) إنْ شَاءَ أَوْلِيَاءُ السُّؤَالِ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ وَلَيْسَ شَأْنُ أَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ السُّؤَالَ عَنْ حَالِ الْمَرْأَةِ فَضَعُفَتْ الشُّبْهَةُ فِي الْخَامِسَةِ بِكَشْفِ أَوْلِيَائِهَا (التَّاسِعُ) أَنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ جَاءَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَلِأَنَّ الْمُكَلَّفَ يُنْشِئُهُ فَيَكُونُ ضَعِيفًا كَالنَّذْرِ مَعَ الْوَاجِبِ الْمُتَأَصِّلِ بِخِلَافِ الْأَوْلِيَاءِ (الْعَاشِرُ) أَنَّ فِي الْخَامِسَةِ مَفْسَدَةً انْدَفَعَتْ بِالْفَسْخِ وَهِيَ أَنَّهَا عَلَى ضَرَّاتٍ أَرْبَعٍ لَهَا وَالْفَائِتُ عَلَى ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ صُحْبَةُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ فَإِنْ قُلْت فِي صُورَةِ الشُّفْعَةِ الشَّرِيكُ مُخَيَّرٌ وَهَهُنَا الزَّوْجُ الثَّانِي لَيْسَ مُخَيَّرًا بَلْ أَنْتُمْ تُعَيِّنُونَ الْمَرْأَةَ لَهُ جَزْمًا فَقَدْ زَادَتْ صُورَةُ الْفَرْعِ الْمَقِيسِ عَلَى صُورَةِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ اللُّزُومِ فَلَيْسَ الْحُكْمُ مِثْلَ الْحُكْمِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ لِتَبَايُنِ الْأَحْكَامِ قُلْت الْوَجْهُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْقِيَاسُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ لِأَنَّ الْقِيَاسَ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ جِهَةِ تَقْدِيمِ الْمَضَرَّةِ عَلَى الْعَقْدِ السَّابِقِ وَالصُّورَتَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُسْتَوِيَتَانِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمَا وَإِنَّمَا جُعِلَ اللُّزُومُ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ دُونَ صُورَةِ الشُّفْعَةِ لِامْتِنَاعِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ لِئَلَّا تَكُونَ الْمُخَدِّرَاتُ بِذِلَّةِ بِالْخِيَارِ فَلِذَلِكَ حَصَلَ اللُّزُومُ وَالتَّعْيِينُ لِلزَّوْجِ الثَّانِي وَلَمَّا كَانَتْ السِّلَعُ وَالْعَقَارُ قَابِلَةً لِلتَّخْيِيرِ وَالْخِيَارِ ثَبَتَ لِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ مِنْ غَيْرِ لُزُومٍ، فَإِنْ قُلْت إنَّمَا أَبْطَلْنَا الْعَقْدَ فِي الشُّفْعَةِ لِضَرَرِ الشَّفِيعِ لِأَنَّ الْعَقَارَ مَالٌ وَرُتْبَةُ الْأَمْوَالِ أَخْفَضُ مِنْ رُتْبَةِ الْإِبْضَاعِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْعَقْدِ الْمُقْتَضِي لِمَا هُوَ أَدْنَى مُخَالَفَةُ الْعَقْدِ الْمُقْتَضِي لِمَا هُوَ أَعْلَى وَهَذَا فَرْقٌ يُبْطِلُ الْقِيَاسَ قُلْت هَذَا بِعَيْنِهِ مُسْتَنَدُنَا فِي أَوْلَوِيَّةِ الْقِيَاسِ وَذَلِكَ أَنَّكُمْ إذَا سَلَّمْتُمْ أَنَّ الْإِبْضَاعَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ الْأَمْوَالِ يَكُونُ الضَّرَرُ بِفَوَاتِ مَقَاصِدِهَا أَعْظَمَ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِيكِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْمُرَاعَاةِ فَإِنْ قُلْت الزَّوْجُ الثَّانِي كَمَا حَصَلَ لَهُ تَعَلَّقَ بِالدُّخُولِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ فَالزَّوْجُ الْأَوَّلُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْإِكْرَاهُ عَلَى الْيَمِينِ فَلِقَوْلِهِ ﵇ «لَا طَلَاقَ فِي إغْلَاقٍ» أَيْ فِي إكْرَاهٍ فَيُقَاسُ عَلَى الطَّلَاقِ غَيْرُهُ فَلَا يَلْزَمُ أهـ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ (التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) إذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْحِنْثِ يَمْنَعُ مِنْ لُزُومِ مُوجِبِ الْيَمِينِ فَأُكْرِهَ عَلَى أَوَّلِ مَرَّةٍ مِنْ الْفِعْلِ ثُمَّ فَعَلَهُ مُخْتَارًا حَنِثَ. قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَهُوَ مُقْتَضَى الْفِقْهِ بِسَبَبِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ لَمْ يَنْدَرِجْ فِي الْيَمِينِ فَالْمَرَّةُ الْأُولَى مِنْ الْفِعْلِ لِكَوْنِهَا حَصَلَتْ بِالْإِكْرَاهِ لَا عِبْرَةَ بِهَا فَلَا تَحْصُلُ بِهَا مُخَالَفَةُ الْيَمِينِ وَمَا وَقَعَ بَعْدَهَا مِنْ الْفِعْلِ بِالِاخْتِيَارِ هُوَ أَوَّلُ مَرَّةٍ صَدَرَتْ مُخَالَفَةً لِلْيَمِينِ فَهِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ مَا قَبْلَهَا فَلَمْ تَتَكَرَّرْ الْمُخَالَفَةُ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَتَقَعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْفَتَاوَى كَثِيرًا وَيَقَعُ الْغَلَطُ فِيهَا لِلْمُفْتِينَ يَقُولُ السَّائِلُ حَلَفْتُ بِالطَّلَاقِ لَا أَخْدُمَ الْأَمِيرَ الْفُلَانِيَّ فِي إقْطَاعِهِ وَقَدْ أُكْرِهَتْ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ عَلَى خِدْمَتِهِ فَيَقُولُ لَهُ الْمُفْتِي لَا حِنْثَ عَلَيْك مَعَ أَنَّ ذَلِكَ الْحَالِفَ مُسْتَمِرٌّ عَلَى الْخِدْمَةِ مَعَ زَوَالِ سَبَبِ الْإِكْرَاهِ وَإِمْكَانِ الْهُرُوبِ مِنْهُ وَالتَّغَيُّبِ عَنْ ذَلِكَ الْأَمِيرِ مَعَ أَنَّهُ يَحْنَثُ بِسَبَبِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ زَمَنٌ يُمْكِنُهُ التَّغَيُّبُ عَنْ خِدْمَةِ ذَلِكَ الْأَمِيرِ وَلَمْ يَتَغَيَّبْ فَقَدْ خَدَمَهُ مُخْتَارًا فَيَحْنَثُ وَمِثْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا فَخَالَعَ امْرَأَتَهُ وَكَلَّمَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ بِهَذَا الْكَلَامِ فَلَوْ رَدَّ امْرَأَتَهُ وَكَلَّمَهُ حَنِثَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ بِسَبَبِ أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ الْحَلِفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يُحِثَّهُ الطَّلَاقُ عَلَى عَدَمِ كَلَامِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ حِينَئِذٍ فَمَا حَلَفَ إلَّا عَلَى نَفْيِ كَلَامٍ يَلْزَمُهُ بِهِ الطَّلَاقُ وَالْكَلَامُ حَالَةَ الْخُلْعِ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالطَّلَاقِ لِعَدَمِ قَبُولِ الْمَحَلِّ لَهُ فَلَا يَكُونُ مِنْ الْكَلَامِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَأَوَّلُ كَلَامٍ يَقَعُ بَعْدَ رَدِّ امْرَأَتِهِ هُوَ أَوَّلُ مُخَالَفَةِ الْيَمِينِ فِيهِ فَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِهِ لَا بِمَا قَبْلَهُ لِمَا قُلْنَاهُ فِي الْإِكْرَاهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ الصُّوَرُ الثَّلَاثُ الْمُتَقَدِّمَةُ يَحْصُلُ فِيهَا التَّكَرُّرُ فِي صُورَةِ الْمُخَالَفَةِ مُطْلَقًا لَا فِي الْمُخَالَفَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِسَبَبِ مَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُتَكَرِّرِ فِي الْعُرْفِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِعْمَالِ الْمُتَكَرِّرِ فِي الْعُرْفِ) النِّسْبَةُ بَيْنَ الْمَنْقُولِ الْعُرْفِيِّ وَالْمُتَكَرِّرِ الْعُرْفِيِّ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ الْعُرْفِيَّ هُوَ الَّذِي يُفْهَمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ لَهُ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمُتَكَرِّرُ الْعُرْفِيُّ هُوَ مَا اُسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَاهُ وَفِي غَيْرِ مَعْنَاهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ الْقَرِينَةِ الصَّارِفَةِ لَهُ عَنْ مَعْنَاهُ أَوْ كَانَ بِدُونِهَا فَكُلُّ مَنْقُولٍ مُتَكَرِّرٌ وَلَيْسَ كُلُّ مُتَكَرِّرٍ مَنْقُولًا لِصِدْقِ الْمُتَكَرِّرِ بِدُونِ الْمَنْقُولِ عَلَى الْأَسَدِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَعَلَى لَفْظِ الْغَزَالِ وَالشَّمْسِ

стр. 566

وَقَدْ حَصَلَ لَهُ أَيْضًا تَعَلُّقٌ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْعَةِ وَالْمَفْقُودِ وَغَيْرِهِمَا فَلِمَ كَانَ دَفْعُ ضَرَرِ الثَّانِي أَوْلَى مِنْ الْأَوَّلِ لَا سِيَّمَا وَصُحْبَةُ الْأَوَّلِ أَطْوَلُ وَمُعَاهَدٌ قَضَاءُ الْأَوْطَارِ بَيْنَهُمَا أَكْثَرُ قَالَ الشَّاعِرُ: " مَا الْحُبُّ إلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ " قُلْت بَلْ ضَرَرُ الثَّانِي هُوَ الْأَوْلَى بِالْمُرَاعَاةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَعْرَضُ بِالطَّلَاقِ، وَتَوَحُّشُ الْعِصْمَةِ إمَّا بِالطَّلَاقِ وَإِمَّا بِالْفِرَاقِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَإِمَّا بِحُصُولِ السَّآمَةِ مِنْ طُولِ الْمُبَاشَرَةِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ طُولَ صُحْبَةِ الْمَرْأَةِ تُوجِبُ قِلَّةَ وَقْعِهَا فِي النَّفْسِ وَأَنَّ جِدَّتَهَا تُوجِبُ شِدَّةَ وَقْعِهَا فِي النَّفْسِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ ضَرَرَ الثَّانِي أَقْوَى وَأَوْلَى بِالْمُرَاعَاةِ فَهَذَا هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَنْكِحَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكَالَاتِ فِي السِّلَعِ وَالْإِجَارَاتِ فَإِنْ قُلْت قَدْ سَرَدْت ثِنْتَيْ عَشَرَةَ مَسْأَلَةً مِنْهَا ثَمَانِيَةٌ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمِنْهَا أَرْبَعٌ تُعَارِضُهَا وَهِيَ نَقْضٌ عَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ الْفَرْقِ وَالنَّقْضُ مُوجِبٌ لِعَدَمِ الِاعْتِبَارِ فَيُلْغَى مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الْفَرْقِ مَا لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا قُلْت مَا ذَكَرْتَهُ سُؤَالٌ حَسَنٌ مَسْمُوعٌ وَبَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَالثَّمَانِيَةِ يَتَّضِحُ بِأَنْ تُعَيِّنَ أَقْرَبَ الثَّمَانِيَةِ لِلْأَرْبَعَةِ وَتُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ تِلْكَ الصُّورَةِ وَتِلْكَ الْأَرْبَعَةِ فَيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ وَالثَّمَانِيَةِ أَوْ تَعَيَّنَ أَقْرَبُ الصُّوَرِ الثَّمَانِيَةِ لِعَدَمِ الْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ وَأَقْرَبُ الْأَرْبَعَةِ لِلْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ وَتُفَرِّقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فَيَكُونُ الْفَرْقُ قَدْ حَصَلَ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّهُ إذَا حَصَلَ بِاعْتِبَارٍ الْأَبْعَدِ حَصَلَ بِاعْتِبَارِ الْأَقْرَبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَنَقُولُ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ دَخَلَ فِيهَا حُكْمُ حَاكِمٍ مِنْ هَذِهِ الثَّمَانِي فَهِيَ أَقْرَبُ إلَى التَّفْوِيتِ بِالدُّخُولِ مِنْ الصُّورَةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا حُكْمُ حَاكِمٍ بِسَبَبِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ فَسْخِ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ إنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِالطَّلَاقِ بِشَهَادَةِ زُورٍ نَفَذَ الطَّلَاقُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ بِالنِّكَاحِ وَالزَّوْجِيَّةِ بِشُهُودِ زُورٍ ثَبَتَ النِّكَاحُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَجَازَ لِأَحَدِ تِلْكَ الشُّهُودِ الزُّورِ أَنْ يَتَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي شَهِدَ بِطَلَاقِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِ نَفْسِهِ وَأُبِيحَتْ الزَّوْجَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَقْدًا وَلَا طَلَاقًا لَكِنَّ حُكْمَهُ نَفْسَهُ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَلِهَذَا الْمُدْرَكِ عَمَّمَ نُفُوذَ الْأَحْكَامِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ دُونَ الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْقَضَايَا فَإِنَّ الدَّيْنَ وَنَحْوَهُ لَا يَدْخُلُ حُكْمَ الْحَاكِمِ فَتَسْتَقِلُّ الذِّمَّةُ بِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْبَدْرِ فِي الْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ وَلَفْظِ الْغَيْثِ وَالْبَحْرِ وَالْغَمَامِ فِي الرَّجُلِ السَّخِيِّ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَنْصَرِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى الْمَجَازِ إلَّا بِقَرِينَةٍ صَارِفَةٍ إلَيْهِ فَالنَّقْلُ أَخَصُّ مِنْ التَّكَرُّرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّكَرُّرِ النَّقْلُ لِأَنَّ الْأَعَمَّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَخَصَّ وَإِذَا لَمْ يَصِرْ اللَّفْظُ مَنْقُولًا بِمُجَرَّدِ التَّكَرُّرِ لَا يَجُوزُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى شَيْءٍ تَكَرَّرَ اللَّفْظُ فِيهِ وَلَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لَهُ إلَّا بِقَرِينَةٍ وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى مُطْلَقِ التَّكَرُّرِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ وَبِهِ يَظْهَرُ بُطْلَانُ مَا وَقَعَ فِي مَذْهَبِنَا فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا أَفْعَلُ شَيْئًا حِينًا أَوْ زَمَنًا أَوْ دَهْرًا وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ ذَلِكَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] أَيْ فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَاهُ بَلْ النَّخْلَةُ مِنْ ابْتِدَاءِ حَمْلِهَا إلَى نِهَايَتِهِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ تُعْطِي ثَمَرَهَا حِينَئِذٍ وَهُوَ أَحَدُ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّتِي وَقَعَتْ الْمُشَابَهَةُ فِيهَا بَيْنَ النَّخْلَةِ وَبَيْنَ بَنَاتِ آدَمَ وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﵊ «أَكْرِمُوا عَمَّتَكُمْ النَّخْلَةَ» قَالُوا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينَةِ آدَمَ فَهِيَ عَمَّةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ تَرَدُّدًا فِي الدَّهْرِ هَلْ هُوَ سَنَةٌ أَمْ لَا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَنَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥] إشَارَةً إلَى أَنَّ النَّخْلَةَ إذَا حَمَلَتْ بِالثَّمَرَةِ فِي وَقْتِ لَا تَحْمِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَهَذِهِ الْإِشَارَاتُ كُلُّهَا إلَى أَصْلِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ أَصْلِ الِاسْتِعْمَالِ أَنْ يُحْمَلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ وَالْمَنْقُولُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْحِينَ اسْمٌ لِجُزْءٍ مَا مِنْ الزَّمَانِ وَإِنْ قَلَّ فَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنْ قَبِيلِ صِدْقِ الْمُتَوَاطِئِ عَلَى أَفْرَادِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُتَوَاطِئِ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ مَرَّاتٍ أَنْ يُقَالَ لَهُ شَرْعِيٌّ وَلَا عُرْفِيٌّ بَلْ ذَلِكَ شَأْنُ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْمُتَوَاطِئِ يَنْتَقِلُ فِي أَفْرَادِهِ فَالْمُتَّجَهُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَقَاعِدَةِ النَّقْلِ وَظَهَرَ بِظُهُورِهِ الْحَقُّ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَذُّرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَقْلًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَذُّرِهِ عَادَةً أَوْ شَرْعًا] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَذُّرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عَقْلًا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَعَذُّرِهِ عَادَةً أَوْ شَرْعًا) وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ إنَّمَا يَقْصِدُونَ بِأَيْمَانِهِمْ الْحَثَّ عَلَى الْفِعْلِ الْمُمْكِنِ لَهُمْ فَالْحَلِفُ عَلَى الشَّيْءِ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِهِ وَالْمُتَعَذِّرُ عَقْلًا لَيْسَ بِمُمْكِنٍ فَلَمْ يُوضَعْ اللَّفْظُ فِي الْقِسْمِ حَاثًّا عَلَيْهِ فَلَا يُوجِبُ حِنْثًا لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ يُوجِبُ عَدَمَ الْمَشْرُوطِ فَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ

стр. 567

وَالْفَسْخُ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهِ الْحَاكِمُ فِي صُوَرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ يَسْتَقِلُّ بِالْعَقْدِ وَلَا تَسْتَقِلُّ الذِّمَمُ بِالْمَالِ إلَّا أَخْذُهُ بِالْفَرْضِ أَوْ غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ عُمِّمَ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَمُنِعَ غَيْرُهُمَا وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِهَذَا الْمُدْرَكِ وَقُلْنَا لَا يَنْفُذُ هَذَا الْحُكْمُ غَيْرَ أَنَّهُ يَبْقَى فَارِقًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بَيْنَ مَا فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ فَيَكُونُ مَا فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ أَقْرَبُ إلَى الْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَأَقُولُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْمَفْقُودِ وَمَسْأَلَةُ الْمَرْأَةِ تَطْلُقُ بِسَبَبِ طُولِ الْغَيْبَةِ وَمَسْأَلَةُ الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ تَقَدُّمُ إسْلَامِ زَوْجِهَا فَهَذِهِ الثَّلَاثُ الْمَسَائِلُ فِيهَا حُكْمُ الْحَاكِمِ يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا وَالْخَمْسُ الْمَسَائِلُ الْبَاقِيَةُ مِنْهَا مَا بُنِيَ فِيهَا عَلَى ظَاهِرٍ فَانْكَشَفَ خِلَافُهُ وَمِنْهَا مَا لَا يُبْنَى فِيهَا عَلَى ظَاهِرٍ فَاَلَّتِي يُبْنَى فِيهَا عَلَى ظَاهِرٍ انْكَشَفَ خِلَافُهُ الْمَرْأَةُ فِيهَا مَعْذُورَةٌ بِسَبَبِ الظَّاهِرِ مَأْذُونٌ لَهَا فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ الثَّانِي بِسَبَبِ الظَّاهِرِ وَكَذَلِكَ وَلِيُّهَا بِخِلَافِ مَا لَا ظَاهِرَ فِيهِ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَاَلَّتِي فِيهَا ظَاهِرٌ هِيَ الْمَرْأَةُ الْحُرَّةُ تَعْلَمُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الرَّجْعَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الطَّلَاقِ يُبِيحُ الْعَقْدَ وَالْأَمَةُ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَامْرَأَةُ الْمُرْتَدِّ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْكُفْرِ يُبِيحُ الْعَقْدَ وَالرَّجُلُ يُسَلِّمُ عَلَى كَثِيرِ نِسْوَةٍ فَإِنَّ ظَاهِرَ حَالِهِنَّ يَقْتَضِي الِاخْتِيَارَ وَتَزَوُّجُهُنَّ بَنَاهُ عَلَى ظَاهِرِ الِاخْتِيَارِ فَهُنَّ مَعْذُورَاتٌ فَهَذِهِ أَرْبَعٌ فِيهَا عُذْرٌ يُبِيحُ وَفِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ لَيْسَ فِيهَا حُكْمُ حَاكِمٍ وَلَا ظَاهِرَ فَهِيَ أَبْعَدُ الْمَسَائِلِ عَنْ الْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ فَنُعَيِّنُهَا لِلْبَحْثِ وَالْفَرْقِ وَأَمَّا الْأَرْبَعُ وَهِيَ الْمَرْأَةُ يُنْعَى لَهَا زَوْجُهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ أَنَّ الْمَوْتَ شَأْنُهُ الشُّهْرَةُ وَالظُّهُورُ فَالْخَطَأُ فِيهِ نَادِرٌ فَيَضْعُفُ الْعُذْرُ. فَلَا يَفُوتُ بِالدُّخُولِ وَعَقْدُ الْوَلِيِّ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَرْأَةِ لَيْسَ اشْتِهَارُهُ فِي الْوُجُودِ كَاشْتِهَارِ الْمَوْتِ وَلَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي لِلْإِخْبَارِ بِهِ كَتَوَفُّرِهِ عَلَى الْإِخْبَارِ بِمَوْتِ إنْسَانٍ وَالتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ وَالْعَوَائِدُ شَهَادَةٌ بِذَلِكَ وَمَسْأَلَةُ التَّطْلِيقِ بِالْإِعْسَارِ فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ أَنَّ الْمَرْأَةَ هُنَا ظَالِمَةٌ قَاصِدَةٌ لِلْفَسَادِ فَنَاسَبَ أَنْ تُعَاقَبَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهَا فِي إبْطَالِ تَصَرُّفِهَا بِالزَّوَاجِ لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ النَّفَقَةَ وَأَنَّهَا مُبْطِلَةٌ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفِهَا وَدَعْوَاهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا عِلْمٌ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الَّذِي يَقُولُ عَائِشَةُ طَالِقٌ فَإِنَّ الْحُكْمَ هُنَا يَبْنِي عَلَى اسْتِصْحَابِ الْحَالِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ زَوَاجِهِ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى وَاسْتِصْحَابِ الْوَلِيِّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَذَا وَتَعَذَّرَ الْفِعْلُ عَقْلًا لَمْ يَحْنَثْ إلَّا إذَا أَمْكَنَهُ الْفِعْلُ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ تَعَذَّرَ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَالْمُرَادُ بِالْمُتَعَذِّرِ عَقْلًا مَا كَانَ فِعْلُهُ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ فَلِذَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالشَّافِعِيُّ إذَا حَلَفَ لَيَذْبَحَنَّ الْحَمَامَةَ فَقَامَ مَكَانَهُ فَوَجَدَهَا مَيِّتَةً لَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ الْحَالِفُ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ إلَى سَنَةٍ فَتَمُوتُ قَبْلَ السَّنَةِ لَمْ يَحْنَثْ بِمَوْتِهَا وَهُوَ عَلَى بِرٍّ فَجَعَلُوا مَوْتَ الْحَمَامِ وَالْحَيَوَانِ مِنْ الْمُتَعَذِّرِ عَقْلًا مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ عَقْلًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِ الْحَمَامَ وَالْحَيَوَانَ حَتَّى يَتَأَتَّى فِيهِ أَفْعَالُ الْأَحْيَاءِ لَكِنَّ ذَلِكَ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ أَمَّا الْمُتَعَذِّرُ عَادَةً وَهُوَ مَا يَكُونُ الْفِعْلُ مَعَهُ مُمْكِنًا شَرْعًا وَعَقْلًا أَوْ الْمُتَعَذِّرُ شَرْعًا وَهُوَ مَا يَكُونُ الْفِعْلُ مَعَهُ مُمْكِنًا عَادَةً وَعَقْلًا فَهُمَا مُنْدَرِجَانِ فِي الْيَمِينِ عَمَلًا بِظَاهِرِ اللَّفْظِ فَإِنَّ الْحَلِفَ اقْتَضَى الْفِعْلَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا مَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى إخْرَاجِهِ وَقِيلَ الْمُتَعَذِّرَاتُ كُلُّهَا سَوَاءٌ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ إنْ حَلَفَ لَيَرْكَبَنَّ الدَّابَّةَ فَتُسْرَقُ يَحْنَثُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنَّ الْفِعْلَ أَيْ فِي ذَاتِهِ مُمْكِنٌ عَادَةً وَإِنَّمَا مَنَعَهُ السَّارِقُ بِخِلَافِ مَوْتِ الْحَمَامِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ أَيْ عَادَةً بِسَبَبِ السَّرِقَةِ فَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ بَرَّ لِتَعَذُّرِ الْفِعْلِ عَقْلًا وَمَنْعُ الْغَاصِبِ وَالْمُسْتَحِقِّ كَالسَّارِقِ وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ فَكَاتَبَهُ أَوْ لَيَبِيعَنَّ أَمَتَهُ فَوَجَدَهَا حَامِلًا يَحْنَثُ لِأَنَّ الْمَانِعَ شَرْعِيٌّ وَالْفِعْلُ أَيْ فِي ذَاتِهِ مُمْكِنٌ أَيْ عَادَةً وَعَقْلًا. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّهُ مُتَعَذِّرٌ أَيْ شَرْعًا وَإِنْ حَلَفَ لِيَطَأهَا فَوَجَدَهَا حَائِضًا يُخَرَّجُ الْحِنْثُ عَلَى الْخِلَافِ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ رَمَضَانَ وَشَوَّالًا إنْ صَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ بَرَّ وَإِلَّا حَنِثَ وَلَيْسَ الْفِعْلُ مَعَ السَّارِقِ وَنَحْوِهِ بِمُسْتَحِيلٍ عَادَةً لِأَنَّ مِنْ الْمُمَكَّنِ عَادَةً الْقُدْرَةَ عَلَى السَّارِقِ وَالْغَاصِبِ وَيَفْعَلُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْأَصْلِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَفِي الْمَجْمُوعِ وَشَرْحِهِ وَحَاشِيَتَيْهِ مَا حَاصِلُهُ وَحَنِثَ بِفَوْتِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا نِيَّةَ لَهُ إنْ قَدَرَ مَثَلًا وَلَا بِسَاطَ بِذَلِكَ وَلَوْ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ مُطْلَقًا أَيْ تَأَخَّرَ أَمْ لَا فَرَّطَ أَمْ لَا أَقَتَّ أَمْ لَا وَمِنْ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يَحْلِفَ لَيَصُومَنَّ غَدًا فَمَرِضَ فَإِنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ الْعَادِي حَيْثُ لَمْ يُطْلِقْهُ وَالشَّرْعِيُّ لِحُرْمَةِ ضَرَرِ نَفْسِهِ وَأَمَّا إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ عِيدٌ فَنَقَلَ السَّيِّدُ عِنْدَ قَوْلِهِ أَنْ يُكْرَهَ عَنْ عج عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ عَدَمُ الْحِنْثِ لِأَنَّ بِسَاطَ يَمِينِهِ إنْ كَانَ يُصَامُ وَمِنْ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا حَلِفُهُ لَيَبِيعَنَّ الْأَمَةَ فَوَجَدَهَا حَمَلَتْ مِنْهُ أَوْ لَيَطَأَنَّهَا اللَّيْلَةَ فَحَاضَتْ فِيهَا فَيَحْنَثُ فِيهِمَا وَأَمَّا لَيَطَأَنَّهَا وَأَطْلَقَ فَيَنْتَظِرُ طُهْرَهَا وَانْظُرْ لِمَ لَا يَجْعَلُونَهُمَا كَمَسْأَلَةِ يَوْمِ الْعِيدِ السَّابِقَةِ. وَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْحَمْلُ وَالْحَيْضُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَطْرَأُ أَرْجَعُوهُمَا لِلْمَوَانِعِ وَأَمَّا الْعِيدِيَّةُ فَذَاتِيَّةُ يَوْمِ الْعِيدِ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ عَلَى أَنَّ مَسَائِلَ الْأَيْمَانِ خِلَافِيَّةٌ جِدًّا فَرُبَّمَا وَقَعَ فِيهَا تَلْفِيقٌ مِنْ قَوْلَيْنِ فَلَمْ تَجْرِ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ كَعَادِيٍّ مُتَأَخِّرٍ

стр. 568

بِعَدَمِ الْعَقْدِ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ فَإِنَّ الْعُقُودَ لِأَوْلِيَائِهَا غَالِبًا بِخِلَافِ عُقُودِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ لَا يَشْتَهِرُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَإِنْ قُلْت الطَّلَاقُ بِسَبَبِ الْغَيْبَةِ أَيْضًا اعْتَمَدَ الْحَاكِمُ فِيهِ عَلَى الْأَصْلِ الْعَدَمِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إيصَالِ حُقُوقِهَا إلَيْهَا قُلْت الْغَيْبَةُ صُورَةٌ ظَاهِرَةٌ تَشْهَدُ بِعَدَمِ زَوَاجِ امْرَأَةٍ أُخْرَى تُسَمَّى عَائِشَةُ فَإِذَا تَقَرَّرَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا وَقَعَ فِيهِ حُكْمٌ فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ أَنَّ الْوَلِيَّ الْعَاقِدَ لِلْعَقْدِ الثَّانِي مَا دُوِّنَ لَهُ فِي الْعَقْدِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ لَهُ مُعَارِضٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ وَالْمَرْأَةُ لَمَّا تَزَوَّجَتْ هَهُنَا مَعَ قَوْلِ الزَّوْجِ لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى تُسَمَّى عَائِشَةَ قَوْلٌ ظَاهِرُهُ الصِّدْقُ فَإِنَّهُ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ مُمْكِنٍ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ فِيهِ كَمَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا وَسَقْطِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِأَنَّهَا أُمُورٌ لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهَا فَكَذَلِكَ هَهُنَا قَوْلُ الزَّوْجِ مُعَارَضٌ بِتَصَرُّفِ الْمَرْأَةِ وَتَصَرُّفِ وَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ وَالْوَلِيُّ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ لَا ظَاهِرَ يُعَارِضُهُ فَكَانَ بِالنُّفُوذِ أَوْلَى. وَأَمَّا الْأَمَةُ تَخْتَارُ نَفْسَهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ أَنَّ زَوْجَهَا مُتَهَافِتٌ عَلَيْهَا مُتَعَلِّقٌ بِهَا غَايَةَ التَّعَلُّقِ بِسَبَبِ أَنَّهَا نَزَعَتْ عِصْمَتَهَا مِنْهُ قَهْرًا وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَا مُنِعَتْ مِنْهُ فَنَاسَبَ ذَلِكَ الرَّدَّ إلَيْهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ لَمْ يَحْصُلْ لِلزَّوْجِ الْمَعْقُودِ لَهُ أَوَّلًا هَذَا التَّعَلُّقَ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يُبَاشِرْهَا فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْفَوَاتِ عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الرَّافِعُ لِلنُّقُوضِ الْأَرْبَعَةِ وَإِذَا انْدَفَعَتْ النُّقُوضُ بِالْفَرْقِ صَحَّ الْمُدْرَكُ وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكَالَاتِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَقَاعِدَةِ الْوَكَالَاتِ فِي الْأَنْكِحَةِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الْحُجَّةِ مَا لَمْ أَرَهُ قَطُّ لِأَحَدٍ فَإِنَّ الْمَكَانَ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ وَالْقَلَقِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْقَوَاعِدِ غَيْرَ أَنَّهُ إذَا لُوحِظَتْ هَذِهِ الْمَبَاحِثُ قَرُبَتْ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَظَهَرَ وَجْهُ الصَّوَابِ فِيهَا لَا سِيَّمَا وَجَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ أَفْتَوْا بِهَا فَلَا بُدَّ لِعُقُولِهِمْ الصَّافِيَةِ مِنْ قَوَاعِدَ يُلَاحِظُونَهَا وَلَعَلَّهُمْ لَاحَظُوا مَا ذَكَرْته وَبِهَذَا ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيَّيْنِ وَالْوَكِيلَيْنِ فِي عُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِهَا فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَطْ الْتَحَقَ بِالثَّانِي تَسْلِيمٌ أَمْ لَا وَقَدْ وَقَعَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَلَّابِ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْمُوَكِّلَ إذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ انْعَقَدَ عَقْدُ السَّابِقِ إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِالثَّانِي تَسْلِيمٌ قَالَ الْأَصْحَابُ هَذَا قِيَاسٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا عِبْرَةَ بِالتَّسْلِيمِ وَالْفَرْقُ أَنَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَنْ الْيَمِينِ فَرَّطَ أَمْ لَا أَقَتَّ أَمْ لَا كَسَرِقَةِ الْحَمَامِ فِي لَيَذْبَحَنَّهُ كَعَقْلِيٍّ تَشْبِيهٌ بِالْعَادِي فِي الْحِنْثِ مَعَ التَّأَخُّرِ وَقَوْلُهُ إنْ فَرَّطَ وَلَمْ يُؤَقِّتْ قَيْدٌ فِي الْمُشَبَّهِ فَإِنْ بَادَرَ وَأَقَّتَ وَلَمْ يُبَادِرْ فَلَا حِنْثَ قَالَ الْبَلِيدِي وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا إذَا حَلَفَ ضَيْفٌ عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ لَا يَذْبَحُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ أَوْ لَيَفْتَضِنَّ زَوْجَتَهُ فَوَجَدَ عُذْرَتَهَا سَقَطَتْ فَلَا حِنْثَ أَيْ لِأَنَّ رَفْعَ الْوَاقِعِ وَتَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ عَقْلًا فَهُوَ مَانِعٌ مُتَقَدِّمٌ وَمِنْ حُسْنِ نَظْمِ عَجَّ: إذَا فَاتَ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ لِمَانِعٍ ... إذَا كَانَ شَرْعِيًّا فَحِنْثُهُ مُطْلَقَا كَعَقْلِيٍّ أَوْ عَادٍ إنْ يَتَأَخَّرَ ... وَفَرَّطَ حَتَّى فَاتَ دَامَ لَك الْبَقَا وَإِنْ وَقَّتَ أَوْ قَدْ كَانَ مِنْهُ تَبَادُرٌ ... فَحِنْثُهُ بِالْعَادِي لَا غَيْرُ حُقِّقَا وَإِنْ كَانَ كُلٌّ قَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُمَا ... فَلَا حِنْثَ فِي حَالٍ فَخُذْهُ مُحَقَّقَا اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الفرق بَيْن قَاعِدَةِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ الْمَشْيُ إلَيْهَا وَالصَّلَاةُ فِيهَا إذَا نَذْرَهَا وَقَاعِدَة غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ لَا يَجِبُ الْمَشْيُ إلَيْهَا إذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهِمَا] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ الْمَشْيُ إلَيْهَا وَالصَّلَاةُ فِيهَا إذَا نَذَرَهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ لَا يَجِبُ الْمَشْيُ إلَيْهَا إذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ فِيهَا) مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي النَّذْرِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِعْلُ الْأَعْلَى عَنْ فِعْلِ الْأَدْنَى إذَا نَذَرَهُ فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِرَغِيفٍ لَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ أَعْظَمَ مِنْهُ وَقْعًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَعِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يُصَلِّيَهُ بَدَلًا عَنْ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ أَفْضَلَ فِي نَظَرِ الشَّرْعِ وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ لَمْ يُجْزِهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِآلَافٍ مِنْ الدَّنَانِيرِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ وَالضُّعَفَاءِ وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ السِّتِّينَ مَعَ أَنَّ الصَّلَاةَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ فِعْلُ الْأَعْلَى عَنْ فِعْلِ الْأَدْنَى وَإِنْ كَانَ الْأَعْلَى أَعْظَمَ قَدْرًا لِأَنَّ فِي تَرْكِ الْأَدْنَى الْمَنْذُورِ مُخَالَفَةَ النَّذْرِ وَإِذَا خُولِفَ الْمَنْذُورُ حَصَلَ ارْتِكَابُ الْمَمْنُوعِ وَهُوَ عَدَمُ الْوَفَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَا الْتَزَمَ لِوَجْهِهِ فَمَا وَجْهُ مُخَالَفَةِ الْفُقَهَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ فِيمَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَفِيمَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَهُوَ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ حَيْثُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا قَالَ عَلَى أَنْ آتِيَ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ الْمَشْيَ إلَيْهِمَا فَلَا يَأْتِي إلَيْهِمَا حَتَّى يَنْوِيَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا أَوْ مَا يُلَازِمُ ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَسَاجِدِ صَلَّى بِمَوْضِعِهِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ نَاذِرُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ إذَا نَذَرَهُ قَالَ وَالْمَشْيُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْمَشْيَ فِي الْقُرَبِ أَفْضَلُ وَهُوَ قُرْبَةٌ وَهُوَ مُقْتَضَى أَصْلِ مَالِكٍ أَنْ يَأْتِيَ الْمَكِّيُّ

стр. 569

كَشْفَ النِّكَاحِ مَضَرَّةٌ عَظِيمَةٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالتَّخْرِيجُ مَعَ قِيَامِ الْفَارِقِ بَاطِلٌ إجْمَاعًا وَلَمْ أَجِدْ لِمَالِكٍ وَلَا لِأَصْحَابِهِ نَصًّا فِي الْوَكِيلَيْنِ أَنَّ التَّسْلِيمَ يُفِيتُ بَلْ فِي الْمُوَكِّلِ. وَالْوَكِيلِ خَاصَّةً فَلَوْ رَامَ مَخْرَجَ تَخْرِيجِ الْوَكِيلَيْنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ لَتَعَذَّرَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْفَرْقِ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالْوَكِيلَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ فَهُوَ فَرْعٌ فَإِنْ تَأَخَّرَ عَقْدُهُ وَوَقَعَ التَّسْلِيمُ فِي عَقْدِ الْمُوَكِّلِ أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ مَالِكٌ ذَلِكَ عِنْدِي مُضَافٌ لِلتَّسْلِيمِ وَكَوْنُهُ مُتَصَرِّفًا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالْأَصَالَةُ لَهَا قُوَّةٌ وَلَهُ أَيْضًا قُوَّةُ الْعَزْلِ وَالتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ مَفْقُودٌ فِي الْوَكِيلَيْنِ فَإِنَّ كُلِيهِمَا فَرْعٌ لَا أَصَالَةَ لَهُ فَلَا يَنْعَقِدُ عَقْدُ اللَّاحِقِ مِنْهُمَا مُطْلَقًا اتَّصَلَ بِهِ قَبْضٌ أَمْ لَا وَمَهْمَا وَجَدْنَا مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يُلَاحِظَهُ الْإِمَامُ امْتَنَعَ التَّخْرِيجُ عَلَى مَحَلِّ ذَلِكَ الْفَارِقِ كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذَا وَجَدَ مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَارِقًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ فَالْمُقَلِّدُ مَعَ الْمُجْتَهِدِ كَالْمُجْتَهِدِ مَعَ الشَّارِعِ فَإِنْ قُلْت الْوَكِيلَانِ فِي النِّكَاحِ فَرْعَانِ لَا مُتَأَصِّلَ فِيهِمَا فَيَسْقُطُ مَا ذَكَرْته مِنْ الْمُنَاسَبَةِ قُلْت مَا ذَكَرْته مُسَلَّمٌ غَيْرَ أَنَّ الْمَرْأَةَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا الِاسْتِقْلَالُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ التَّأَصُّلِ وَهَهُنَا يُمْكِنُ الِاسْتِقْلَالُ فَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ إمْكَانُ الِاسْتِقْلَالِ فَرْقًا يُلَاحِظُهُ الْإِمَامُ فَيَتَعَذَّرُ التَّخْرِيجُ، وَالصَّوَابُ عَدَمُ التَّخْرِيجِ مُطْلَقًا فِي الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَالْوَكِيلَيْنِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِمَاءِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ عَدَدٍ أَيِّ عَدَدٍ شَاءَ مِنْهُنَّ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوْجَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ) وَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْوَسَائِلَ تَتَّبِعُ الْمَقَاصِدَ فِي أَحْكَامِهَا فَوَسِيلَةُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ وَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِمَاءِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ عَدَدٍ أَيِّ عَدَدٍ شَاءَ مِنْهُنَّ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوْجَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت كُلُّ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ: إنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْوَسَائِلَ تَتْبَعُ الْمَقَاصِدَ فِي الْأَحْكَامِ فَإِنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ أَعْنِي الْوَسَائِلَ الْعَادِيَّةَ أَمَّا الْوَسَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ فَذَلِكَ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَغَيْرُ قَوْلِهِ إنَّ الْوَسَائِلَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ الْمَقَاصِدِ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ وَتِلْكَ مَقَاصِدُ فَهَذَا كَلَامٌ لَيْسَ مَعَنَا إلَّا أَنَّ هَذِهِ وَسَائِلُ وَتِلْكَ مَقَاصِدُ فَلَا فَائِدَةَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَدِينَةَ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ فَإِتْيَانُهَا مِنْ مَكَّةَ قُرْبَةٌ بِخِلَافِ الْإِتْيَانِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ وَقَدَّمَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ عَلَيْهَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ يَمْشِي إلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ الْمَسَاجِدِ مِنْ الْمَسَاجِدِ إنْ كَانَ قَرِيبًا كَالْأَمْيَالِ الْيَسِيرَةِ مَاشِيًا وَيُصَلِّي فِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إذَا كَانَ بِمَوْضِعِهِ مَسْجِدُ جُمُعَةٍ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَيْهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَبِهِ أَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ بِمَسْجِدٍ قُبَاءَ وَهُوَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ وَفِي الْجَوَاهِرِ النَّاذِرُ إنْ كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ وَنَذَرَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ مَوْضِعِهِ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ بِالْأَقْصَى مَضَى إلَيْهِمَا وَيَمْشِي الْمَكِّيُّ إلَى الْمَدِينَةِ وَالْمَدَنِيُّ إلَى مَكَّةَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ مَسْجِدِي هَذَا وَمَسْجِدِ إيلِيَاءَ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» إنَّمَا وَرَدَ بِعَدَمِ إعْمَالِ الْمَطِيّ لَا بِعَدَمِ الْمَشْيِ جُمْلَةً وَإِعْمَالُ الْمَطِيِّ أَخَصُّ مِنْ الْمَشْيِ مُطْلَقًا وَنَفْيُ الْأَخَصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْأَعَمِّ فَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَتَحَمَّلَ مَشَقَّةَ السَّفَرِ الَّذِي يُحْوِجُ إلَى إعْمَالِ الْمَطِيِّ إلَّا لِهَذِهِ الْمَسَاجِدِ فَيَتَبَقَّى السَّفَرُ الَّذِي لَا يُحْوِجُ إلَى إعْمَالِ الْمَطِيِّ. وَمَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ سَفَرًا مَسْكُوتٌ عَنْهُ فِي الْحَدِيثِ قُلْت لَمْ يُخَالِفْ الْفُقَهَاءُ الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي مَسْأَلَةِ نَاذِرِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَوْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ إنَّمَا اقْتَضَتْ مَنْعَ نِيَابَةِ الْجِنْسِ الْأَعْلَى مِنْ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْجِنْسِ الْأَدْنَى مِنْهَا وَكَذَلِكَ نِيَابَةِ الْجِنْسِ الْأَعْلَى مِنْ مُتَعَلَّقِ الْعِبَادَاتِ عَنْ الْجِنْسِ الْأَدْنَى مِنْهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مُخَالَفَةَ النَّذْرِ فَلَمْ يَنُبْ الْقَمْحُ عَنْ الشَّعِيرِ وَلَا الصَّلَاةُ عَنْ الصَّوْمِ مَثَلًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْذُرْ الْقَمْحَ وَلَا الصَّلَاةَ فَلَوْ فَعَلَ التَّصَدُّقَ بِالْقَمْحِ بَدَلَ الشَّعِيرِ أَوْ فَعَلَ الصَّلَاةَ بَدَلَ الصَّوْمِ لَكَانَ قَدْ خَالَفَ مَا الْتَزَمَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لِلنَّذْرِ أَثَرٌ إلَّا فِي تَصْيِيرِ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْدُوبٌ خَاصَّةً وَاجِبًا وَأَمَّا نِيَابَةُ الصِّفَةِ الْعُلْيَا مِنْ صِفَاتِ مُتَعَلَّقِ الْعِبَادَةِ عَنْ الدُّنْيَا فَلَا تَقْتَضِي الْقَاعِدَةُ مَنْعَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلنَّذْرِ فَيَجُوزُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ جِنْسَ الْعِبَادَةِ أَوْ جِنْسَ مُتَعَلَّقِهَا هُوَ جِنْسٌ مَقْصُودٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ وَأَمَّا صِفَةُ مُتَعَلِّقِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لَيْسَتْ مَقْصُودًا لِلشَّارِعِ وَعَلَى الصِّفَةِ تَتَخَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ فَلَا إشْكَالَ أَصْلًا قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ. قَالَ وَتَلْخِيصُ الْقَوْلِ فِي الْمَنْذُورَاتِ عِنْدِي أَنَّ النَّاذِرَ عَمَلًا إذَا نَذَرَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَنْذُورُهُ ذَلِكَ مُعَيَّنَ الشَّخْصِ كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا الثَّوْبِ أَوْ لَا يَكُونَ مَنْذُورُهُ ذَلِكَ مُعَيَّنَ الشَّخْصِ فَإِنْ كَانَ مَنْذُورُهُ ذَلِكَ مُعَيَّنَ الشَّخْصِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ النَّذْرِ إلَّا ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْذُورُهُ ذَلِكَ مُعَيَّنَ الشَّخْصِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنَ النَّوْعِ كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ أَوْ لَا يَكُونَ

стр. 570

وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ غَيْرَ أَنَّهَا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْهَا وَوَسِيلَةُ أَقْبَحِ الْمُحَرَّمَاتِ أَقْبَحُ الْوَسَائِلِ وَوَسِيلَةُ أَفْضَلِ الْوَاجِبَاتِ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَبْسُوطَةً وَمُضَارَّةُ الْمَرْأَةِ تَجْمَعُهَا مَعَ امْرَأَةٍ أُخْرَى فِي عِصْمَةٍ وَسِيلَةٌ لِلشَّحْنَاءِ فِي الْعَادَةِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا وَقَدْ جُعِلَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ عِيسَى ﵇ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عِنْدَهُمْ فَلَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ إلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ عَلَى مَصْلَحَةِ الرِّجَالِ بِنَفْيِ الْمُضَارَّةِ وَالشَّحْنَاءِ. وَيُقَالُ إنَّ ذَلِكَ شُرِعَ عَكْسُهُ فِي التَّوْرَاةِ لِمُوسَى ﵇ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ زَوَاجُ عَدَدٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُنَّ تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ الرِّجَالِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ عَلَى مَصْلَحَةِ النِّسَاءِ فِي الشَّحْنَاءِ وَالْمُضَارَّةِ وَلَمَّا كَانَتْ شَرِيعَتُنَا أَفْضَلَ الشَّرَائِعِ جُمِعَ فِيهَا بَيْنَ مَصْلَحَتَيْ الْفَرِيقَيْنِ فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَيَحْصُلَ لَهُ بِذَلِكَ قَضَاءُ إرْبِهِ وَيَخْرُجَ بِهِ عَنْ حَيِّزِ الْحَجْرِ وَيُضَافُ لِذَلِكَ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ وَرُوعِيَتْ أَيْضًا مَصَالِحُ النِّسَاءِ فَلَا تُضَارَّ زَوْجَةٌ مِنْهُنَّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَسِرُّ الِاقْتِصَارِ فِي الْمُضَارَّةِ عَلَى ثَلَاثٍ أَنَّ الثَّلَاثَةَ اُغْتُفِرَتْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ فَتَجُوزُ الْهِجْرَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْإِحْدَادُ عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْخِيَارُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَهَذِهِ الصُّوَرُ كُلُّهَا الثَّلَاثُ مُسْتَثْنَاةٌ عَلَى خِلَافِ الْأُصُولِ فَكَذَلِكَ لَمَّا كَانَتْ الشَّحْنَاءُ وَالْمُضَارَّةُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ اسْتَثْنَى ثَلَاثَ زَوْجَاتٍ يُضَارُّ بِهِنَّ زَوْجَةٌ أُخْرَى هَذَا فِي الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْبَعِيدِ مِنْ الْقَرَابَاتِ وَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى الْقَرَابَاتِ الْقَرِيبَةِ وَصَوْنِهَا عَنْ التَّفَرُّقِ وَالشَّحْنَاءِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا وَلَا أُمِّهَا لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقَرَابَاتِ حِفْظًا لِبِرِّ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَيَلِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَيَلِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا لِكَوْنِهَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ وَبِرُّهَا آكِدٌ مِنْ بِرِّ الْأَبِ يَلِيهِ الْمَرْأَةُ وَعَمَّتُهَا لِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ثُمَّ خَالَةُ أُمِّهَا ثُمَّ خَالَةُ أَبِيهَا ثُمَّ عَمَّةُ أُمِّهَا ثُمَّ عَمَّةُ أَبِيهَا فَهَذَا مِنْ بَابِ تَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ لَا مِنْ بَابِ تَحْرِيمِ الْمَقَاصِدِ وَلَمَّا كَانَتْ الْأُمُّ أَشَدَّ بِرًّا بِابْنَتِهَا مِنْ الِابْنَةِ بِأُمِّهَا لَمْ يَكُنْ الْعَقْدُ عَلَيْهَا كَافِيًا فِي بَعْضِهَا لِابْنَتِهَا إذَا عُقِدَ عَلَيْهَا لِضَعْفِ مَيْلِهَا لِلزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَعَدَمِ مُخَالَطَتِهِ فَاشْتُرِطَ فِي التَّحْرِيمِ إضَافَةُ الدُّخُولِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فِيهِ وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْوَسَائِلَ الْمُحَرَّمَةَ مَثَلًا أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنْ مَقَاصِدِهَا فِيمَا تَرْجِعُ إلَى الْعِقَابِ عَلَيْهَا فَذَلِكَ دَعْوَى لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا بِحُجَّةٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنَ النَّوْعِ فَلَا يَخْلُو مَعَ كَوْنِهِ مُعَيَّنَ النَّوْعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنَ الصِّفَةِ أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنَ الصِّفَةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ أَوْ لَا تَكُونَ كَذَلِكَ. فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنَ النَّوْعِ فَقَطْ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا ذَلِكَ النَّوْعُ بِأَيِّ صِفَةٍ كَانَ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنَ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ وَالصِّفَةُ مُتَعَلِّقُ الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ فَلَا يُجْزِئُهُ إلَّا كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُعَيَّنَ النَّوْعِ وَالصِّفَةِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ فَلَا يُجْزِئُهُ بِأَدْنَى مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ وَيُجْزِئُهُ بِأَعْلَى مِنْهَا وَعَلَى هَذَا الْقِسْمِ تَتَخَرَّجُ الْمَسْأَلَةُ الْمَذْكُورَةُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنِ النَّوْعِ كَمَا إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ أَيُّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ عَمِلَهُ اهـ وَمِنْهُ يَتَّضِحُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ وُجُوبِ الْمَشْيِ عَلَى مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ بِغَيْرِهَا وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ وُجُوبِ الْمَشْيِ عَلَى مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ لِمَسْجِدٍ مِنْ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ. وَهُوَ فِي أَحَدِهَا لِأَنَّ الْقَاعِدَتَيْنِ مِنْ قِسْمِ مَا تَعَيَّنَ فِيهِ النَّوْعُ الْمَنْذُورُ وَصِفَتُهُ الَّتِي هِيَ زِيَادَةُ مُضَاعَفَةِ ذَلِكَ النَّوْعِ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مُضَاعَفَتِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ مَعَ كَوْنِ تِلْكَ الصِّفَةِ مِمَّا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ وَالْحُكْمُ فِي هَذَا الْقِسْمِ كَمَا عَلِمْت أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ بِأَدْنَى مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ وَيُجْزِئُ بِأَعْلَى مِنْهَا فَوَجَبَ الْمَشْيُ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى لِكَوْنِ النَّوْعِ الْمُعَيَّنِ الْمَنْذُورِ فِيهَا أَعْلَى مُضَاعَفَةً فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مِنْ مُضَاعَفَتِهِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ فَيُجْزِئُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ شَأْنَ النَّذْرِ تَصْيِيرُ الْمَنْدُوبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَنْدُوبٌ وَاجِبًا وَوَسِيلَةُ الْوَاجِبِ وَاجِبَةٌ فَلِذَا وَجَبَ الْمَشْيُ هُنَا وَلَمْ يَجِبْ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ لِكَوْنِ النَّوْعِ الْمُعَيَّنِ الْمَنْذُورِ فِيهَا أَدْنَى مُضَاعَفَةً فِي مَسْجِدٍ مِنْ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ مِنْ مُضَاعَفَتِهِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا فَلَا يُجْزِئُ إلَّا فِعْلُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ فِيهِ أَعْلَى مُضَاعَفَةً فَلِذَا لَمْ يَجِبْ الْمَشْيُ هُنَا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَنْصُورُ بْنُ إدْرِيسَ الْحَنْبَلِيُّ فِي شَرْحِهِ كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى مَتْنِ الْإِقْنَاعِ عِنْدَ قَوْلِهِ وَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ اُسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ ﵄ مَا نَصُّهُ لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي» وَفِي رِوَايَةٍ «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ سَعِيدٌ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ لَازِمُ اسْتِحْبَابِ زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ ﵊ اسْتِحْبَابُ شَدِّ الرِّحَالِ إلَيْهَا لِأَنَّ زِيَارَةَ الْحَاجِّ بَعْدَ حَجِّهِ لَا تُمْكِنُ بِدُونِ شَدِّ الرَّحْلِ فَهَذَا كَالتَّصْرِيحِ بِاسْتِحْبَابِ شَدِّ الرَّحْلِ لِزِيَارَتِهِ ﵊ اهـ قُلْت وَلَعَلَّ إمَامَنَا مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يُشِيرُ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِبَارَةِ الْمُدَوَّنَةِ فَلَا يَأْتِي إلَيْهِمَا حَتَّى يَنْوِيَ

стр. 571

إلَى الْعَقْدِ وَكَانَ الْعَقْدُ كَافِيًا فِي بُغْضِ الْبِنْتِ لِضَعْفِ وُدِّهَا فَتَحْرُمُ بِالْعَقْدِ لِئَلَّا تَعُقَّ أُمَّهَا فَهَذَا تَلْخِيصُ أَمْرِ الزَّوْجَاتِ. وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَلَمَّا كُنَّ فِي الْغَالِبِ لِلْخِدْمَةِ وَالْهَوَانِ لَا لِلْوَطْءِ وَالِاصْطِفَاءِ بَعُدَتْ مُنَاسَبَتُهُنَّ فِي شَيْءٍ لَيْسَ هُوَ وَصْفُهُنَّ وَوُقُوعُهُ نَادِرٌ فِيهِنَّ وَالْمَهَانَةُ مِنْ جِهَةِ ذُلِّ الرِّقِّ تَمْنَعُ مِنْ الْإِبَاءِ وَالْأَنَفَةِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْحُظُوظِ بِخِلَافِ الزَّوَاجِ مَبْنِيٍّ عَلَى الْعِزِّ وَالِاصْطِفَاءِ وَالْإِعْزَازِ وَالتَّخْصِيصِ بِالْوَطْءِ وَالْخِدْمَةُ إنَّمَا تَقَعُ فِيهِ تَبَعًا عَكْسُ بَابِ الْإِمَاءِ الْخِدْمَةُ أَصْلٌ وَالْوَطْءُ إنَّمَا يَقَعُ فِيهِ تَبَعًا فَلِذَلِكَ لَمْ يَقَعْ الْعَدَدُ مَحْصُورًا فِي جَوَازِ وَطْءِ الْإِمَاءِ لِعَدَمِ الْمُنَافَسَة وَالشَّحْنَاءِ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي بَابِ الزَّوَاجِ وَإِنْ وُجِدَتْ كَانَتْ ضَعِيفَةً عَنْ وُجُودِهَا فِي بَابِ الزَّوَاجِ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَرْقَيْنِ وَبَيَانُ السِّرِّ فِي ذَلِكَ (فَائِدَةٌ) قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُشْتَرَطُ فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ الدُّخُولُ كَمَا اُشْتُرِطَ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قَالَ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقَوْلُهُ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] صِفَةٌ تَعَقَّبَتْ الْجُمْلَتَيْنِ فَتَعُمَّهُمَا كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ إذَا تَعَقَّبَا الْجُمَلَ عَمَّا وَالْعَجَبُ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالصِّفَةَ إذَا تَعَقَّبَا جُمَلًا عَمَّهَا وَخَالَفَ أَصْلَهُ هَهُنَا وَلَمْ يَقُلْ بِهِ هَهُنَا فَقَدْ خَالَفَ أَصْلَهُ. وَجَوَابُهُ أَنَّا نَمْنَعُ الْعَوْدَ هَهُنَا عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَعُودُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ بِسَبَبِ أَنَّ النِّسَاءَ فِي الْجُمْلَةِ الْأُولَى مَخْفُوضٌ بِالْإِضَافَةِ وَالنِّسَاءَ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ مَخْفُوضٌ بِحَرْفِ الْجَرِّ الَّذِي هُوَ مِنْ وَالْعَامِلُ فِي الصِّفَةِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ عَلَى الْأَصَحِّ فَلَوْ كَانَ صِفَةً لِلْجُمْلَتَيْنِ لَعَمِلَ فِي الصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ عَامِلَانِ وَهُوَ الْإِضَافَةُ وَحَرْفُ الْجَرِّ وَاجْتِمَاعُ عَامِلَيْنِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ مُمْتَنِعٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّحْوِ فَهَذَا هُوَ الْمَانِعُ لِلشَّافِعِيِّ مِنْ إجْرَاءِ صِلَةٍ فَإِنْ قُلْت نَعْتُ الْمَجْرُورَيْنِ أَوْ الْمَنْصُوبَيْنِ أَوْ الْمَرْفُوعَيْنِ مَعَ اخْتِلَافِ الْعَامِلِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ بَيْنَ الْبَصْرِيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ. وَلَوْ اجْتَمَعَ بَصْرِيٌّ وَكُوفِيٌّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَتَنَاظَرَانِ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَحْتَجَّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَذْهَبِهِ لِأَنَّ مَذْهَبَ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْآخَرِ وَهَذَا فِي بَصَرِيٍّ وَكُوفِيٍّ فَكَيْفَ يُحْتَجُّ بِمَذْهَبِ الْبَصْرِيِّينَ أَوْ بِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ قَوْلُهُ حُجَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَإِنْ قَصَدَ بِهَذَا الْكَلَامِ قِيَامَ الْحُجَّةِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَا يَسْتَقِيمُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الِاعْتِذَارَ عَنْ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا أَوْ مَا يُلَازِمُ ذَلِكَ اهـ وَإِنَّ مِمَّا يُلَازِمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ زِيَارَةَ قَبْرِهِ ﷺ وَأَنَّهُ إذَا قَالَ عَلَيَّ أَنْ آتِيَ إلَى الْمَدِينَةِ وَنَوَى زِيَارَةَ قَبْرِهِ ﷺ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ إلَيْهَا لِذَلِكَ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُسْتَحَبُّ يَجِبُ بِالنَّذْرِ فَاحْفَظْ ذَلِكَ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَنْذُورَاتِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَنْذُورَاتِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ الْمُتَأَصِّلَةِ فِي الشَّرِيعَةِ) وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) قُصُورُ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ عَنْ مَصْلَحَةِ الْوَاجِبِ الْمُتَأَصِّلِ فِي الشَّرِيعَةِ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ مَصْلَحَةُ الْمَنْدُوبِ وَالِالْتِزَامُ لَا يُغَيِّرُ الْمَصَالِحَ (وَثَانِيهِمَا) إنَّ سَبَبَ الْوَاجِبِ بِالنَّذْرِ لَا يُنَاسِبُ الْوُجُوبَ لِكَوْنِهِ قَدْ يَعْرَى عَنْ الْمَصَالِحِ رَأْسًا كَطَيَرَانِ الْغُرَابِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ إنْ طَارَ الْغُرَابُ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ دِرْهَمٌ بِخِلَافِ الْأَسْبَابِ الْمُقَرَّرَةِ فِي أَصْلِ الشَّرِيعَةِ يَتَّضِحُ لَك هَذَا الْفَرْقُ بِأَرْبَعِ قَوَاعِدَ (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) إنَّ الْأَوَامِرَ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ وَالنَّوَاهِي تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ وَكُلُّ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ إنْ كَانَ فِي أَدْنَى الرُّتَبِ كَانَ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ النَّدْبَ وَعَلَى الْمَفْسَدَةِ الْكَرَاهَةَ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي أَعْلَى الرُّتَبِ كَانَ الْمُرَتَّبُ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الْوُجُوبَ وَعَلَى الْمَفْسَدَةِ التَّحْرِيمَ ثُمَّ أَنَّ كُلًّا مِنْ مَصْلَحَةِ النَّدْبِ وَمَفْسَدَةِ الْكَرَاهَةِ تَتَرَقَّى فَيَرْتَقِي النَّدْبُ بِارْتِقَاءِ مَصْلَحَتِهِ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مَرَاتِبِ النَّدْبِ يَلِي أَدْنَى مَرَاتِبِ الْوُجُوبِ وَيَرْتَقِي الْمَكْرُوهُ بِارْتِقَاءِ مَفْسَدَتِهِ حَتَّى يَكُونَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمُكَرَّرَةِ يَلِي أَدْنَى مَرَاتِبِ التَّحْرِيمِ فَالْمَصْلَحَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِلنَّدَبِ لَا تَصْلُحُ لِلْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ النَّدْبُ فِي الرُّتْبَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ الْمَرْتَبَةَ الْعُلْيَا مِنْ الْمَصَالِحِ بِالْوُجُوبِ وَحَثَّ عَلَيْهَا بِالزَّوَاجِرِ صَوْنًا لِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ عَنْ الضَّيَاعِ كَمَا أَنَّ الْمَفْسَدَةَ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْمَكْرُوهِ لَا تَصْلُحُ لِلتَّحْرِيمِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْمَكْرُوهُ فِي الرُّتْبَةِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ الْمَفَاسِدَ الْعَظِيمَةَ بِالزَّجْرِ وَالْوَعِيدِ حَسْمًا لِمَادَّةِ الْفَسَادِ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْوُجُودِ تَفَضُّلًا مِنْهُ تَعَالَى عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَا وُجُوبًا عَقْلِيًّا كَمَا قَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُرَتِّبْ ذَلِكَ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَمْ يَجْعَلْ شَيْئًا سَبَبَ وُجُوبِ فِعْلٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ إلَّا وَذَلِكَ السَّبَبُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَصْلَحَةٍ تُنَاسِبُ الْوُجُوبَ فَإِنْ قَصُرَتْ مَصْلَحَتُهُ عَنْ ذَلِكَ جَعَلَهُ سَبَبَ النَّدْبِ كَمَا أَنَّهُ لَنْ يَجْعَلَ شَيْئًا سَبَبَ تَحْرِيمِ فِعْلٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ إلَّا وَذَلِكَ السَّبَبُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَفْسَدَةٍ تُنَاسِبُ التَّحْرِيمَ فَإِنْ قَصُرَتْ مَفْسَدَتُهُ عَنْ ذَلِكَ جَعَلَهُ سَبَبَ الْكَرَاهَةِ مَثَلًا بَذْلُ الرَّغِيفِ لِلْجَوْعَانِ الْمُشْرِفِ عَلَى الْهَلَاكِ وَاجِبٌ وَسَبَبُ الْوُجُوبِ الضَّرُورَةُ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى حِفْظِ حَيَاتِهِ وَهِيَ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ تَصْلُحُ لِلْوُجُوبِ وَبَذْلُ الرَّغِيفِ لِمَنْ يَتَوَسَّعُ بِهِ عَلَى عَائِلَتِهِ مِنْ غَيْرِ

стр. 572

فَلَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِ أَنَّ ذَلِكَ الْإِمَامَ كَانَ يَعْتَقِدُ هَذَا الْمَذْهَبَ فِي النَّحْوِ حَتَّى يُقَالَ أَصْلُهُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي النَّحْوِ كَذَلِكَ بَطَلَ أَيْضًا الِاعْتِذَارُ بِهِ عَنْ صَاحِبِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ. وَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵄ كَانَ فِي النَّحْوِ لَا يَجْتَمِعُ عَامِلَانِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي الصِّفَةِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ فَلَعَلَّ مَذْهَبَهُمَا أَنَّ النَّعْتَ يَرْتَفِعُ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِلْمَوْصُوفِ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ النُّحَاةِ لَا بِالْعَامِلِ فِي الْمَنْعُوتِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ التَّقَادِيرِ وَهِيَ مُتَعَذِّرَةٌ قُلْت كَلَامٌ صَحِيحٌ مُتَّجَهٌ فَإِنْ قُلْت أُعِيدَ النَّعْتُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَيَكُونُ الدُّخُولُ شَرْطًا فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَيَكُونُ الدُّخُولُ شَرْطًا فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي شَرْطِيَّةِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمَانِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْآيَةِ وَيَكُونُ هَذَا أَوْلَى لِئَلَّا يَتَرَادَفَ الْإِجْمَاعُ وَالْآيَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّرَادُفِ وَمَهْمَا أَمْكَنَ تَكْثِيرُ فَوَائِدِ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَجَعْلُ مَدْلُولٍ لِكُلِّ دَلِيلٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّرَادُفِ وَالتَّأْكِيدِ وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْمَجَازِ بِالْإِجْمَاعِ وَوَرَدَ لَفْظٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ حُمِلَ حَقِيقَتِهِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُسْتَنَدُ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا يَلْزَمُنَا أَنْ نُعَيِّنَ لِلْإِجْمَاعِ مُسْتَنَدًا بَلْ هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُنَا طَلَبُ دَلِيلٍ لِلْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذَلِكَ هَهُنَا لَا يَلْزَمُنَا طَلَبُ مُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ فِي اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ وَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى فَائِدَةِ زَائِدَةٍ تَكْثِيرًا لِفَوَائِدِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَقَدْ مَثَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يُحَرِّمُ عَلَى الِابْنِ فَنَحْمِلُ نَحْنُ الْآيَةَ عَلَى الْوَطْءِ فَعَلَى هَذَا إذَا وَطِئَهَا حَلَالًا أَوْ حَرَامًا حَرُمَتْ عَلَى الِابْنِ وَتَحْرُمُ بِالْعَقْدِ أَيْضًا. وَيَكُونُ هَذَا أَوْلَى لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ التَّرَادُفِ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ هَهُنَا قُلْت أَمَّا هَذَا السُّؤَالُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا فِي آيَةِ الرَّبَائِبِ نَحْمِلُ اللَّفْظَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ طَلَبًا لِمُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ بَلْ لِأَنَّ الْقُرْبَ يُوجِبُ الرُّجْحَانَ فَإِنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَرُجِّحَتْ الثَّانِيَةُ بِالْقُرْبِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا السُّؤَالِ وَبَيْنَ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فَإِنَّ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ جَاءَ الْإِجْمَاعُ فِي الْمَجَازِ الْمَرْجُوحِ عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ضَرُورَةٍ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَسَبَبُ هَذَا النَّدْبِ التَّوْسِعَةُ فَقَطْ لَا مَعَ دَفْعِ ضَرُورَةٍ حَتَّى تَقْتَضِيَ الْوُجُوبَ وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي بَقِيَّةِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ فِي بَابَيْ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ كَمَا جَعَلَ الْأَحْكَامَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ قَرَّرَهُ فِي أَصْلِ شَرْعِهِ وَلَمْ يَكِلْهُ إلَى خِيَرَةِ خَلْقِهِ كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِسْمٌ وَكَلَ وُجُوبَهُ إلَى خِيَرَةِ خَلْقِهِ فَإِنْ شَاءُوا أَوْجَبُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِإِنْشَاءِ سَبَبِهِ وَهُوَ النَّذْرُ وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ جَعَلَ الْأَسْبَابَ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ قَرَّرَهُ فِي أَصْلِ شَرْعِهِ وَلَمْ يَكِلْهُ إلَى خِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ كَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَمِلْكِ النِّصَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقِسْمٌ وَكَلَهُ لِلْعِبَادِ فَإِنْ شَاءُوا جَعَلُوهُ سَبَبًا وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يَجْعَلُوهُ سَبَبًا وَهُوَ شَرْطُ النُّذُورِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا أَسْبَابٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ كَمَا هُوَ حَقِيقَةُ السَّبَبِ (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) إنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ حَصَرَ مَا وَكَلَ وُجُوبَهُ إلَى خِيَرَةِ الْخَلْقِ مِنْ قِسْمَيْ الْأَحْكَامِ وَهُوَ النَّذْرُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ فَلَا يُؤَثِّرُ النَّذْرُ الْوُجُوبَ إلَّا فِي نَقْلِ مَنْدُوبٍ وَلَمْ يَحْصُرْ مَا وَكَلَ جَعَلَهُ سَبَبًا إلَى خِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ مِنْ قِسْمَيْ الْأَسْبَابِ فِي شَيْءٍ بَلْ عَمَّمَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُمَكَّنَاتِ الْمُسْتَقْبَلَاتِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ وَغَيْرِهَا مِمَّا لَيْسَ مِنْ الْمُكْتَسَبَاتِ كَهُبُوبِ الرِّيَاحِ وَنُزُولِ الْأَمْطَارِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَا اكْتِسَابٌ اخْتِيَارِيٌّ فَأَيُّ ذَلِكَ شَاءَ الْمُكَلَّفُ جَعَلَهُ سَبَبًا لِوُجُوبِ مَنْذُورِ عَلَيْهِ أَوْ لَزِمَ طَلَاقٌ أَوْ عَتَاقٌ لَهُ فَهَذِهِ الْأَسْبَابُ الْمَوْكُولُ جَعْلُهَا سَبَبًا إلَى خِيَرَةِ الْمُكَلَّفِ أَشَدُّ بُعْدًا عَنْ الْقَوَاعِدِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَوْكُولِ وُجُوبُهَا لِخِيَرَةِ الْخَلْقِ وَهُوَ النَّذْرُ مَعَ بُعْدِ الْأَحْكَامِ فِي أَنْفُسِهَا عَنْ الْقَوَاعِدِ أَيْضًا لِأَنَّ الْأَحْكَامَ وَإِنْ انْتَقَلَتْ فِيهَا الْمَنْدُوبَاتُ لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتُ فِيهَا أَصْلُ الْمَصْلَحَةِ إلَّا أَنَّهَا بَعُدَتْ أَيْضًا بِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ النَّدْبِ لِلْوُجُوبِ عَنْ قَاعِدَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ تَتْبَعُ الْمَصَالِحَ عَلَى اخْتِلَافِ رُتَبِهَا كَمَا هُوَ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الشَّرَائِعِ وَأَمَّا الْأَسْبَابُ فَقَدْ يَجْعَلُ الْمُكَلَّفُ مَا هُوَ عَرِيٌّ عَنْ الْمَصْلَحَةِ أَلْبَتَّةَ كَطَيَرَانِ الْغُرَابِ وَصَرِيرِ الْبَابِ سَبَبًا لِنَذْرِهِ مَثَلًا عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ أَنَّ الْأَسْبَابَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَشْتَمِلَ عَلَى مَصْلَحَةِ مُسَبَّبَاتِهَا كَأَنْ يَقُولُ إنْ طَارَ الْغُرَابُ فَعَلَيَّ صَدَقَةٌ دِرْهَمٌ أَوْ امْرَأَتُهُ طَالِقٌ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ مَا عَلَّقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ إذَا وَجَدَ وَمَا اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ اعْتِبَارَ مَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ مِنْ الْأَسْبَابِ وَإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ النَّدْبِ لِلْوُجُوبِ فِي النَّذْرِ وَخُرُوجِ مَسْأَلَةِ النُّذُورِ عَنْ الْقَوَاعِدِ مِنْ ذَيْنِكَ الْوَجْهَيْنِ إلَّا لِأَنَّهَا رَجَعَتْ إلَى الْقَوَاعِدِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْأَسْبَابَ يَخْلُفُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَعِظَمُ الْمَصْلَحَةِ الَّذِي

стр. 573

خِلَافِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَعَدَلْنَا بِاللَّفْظِ إلَى ظَاهِرِهِ لِأَجْلِ مُعَارَضَةِ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ مَوْضِعَ الْإِجْمَاعِ وَأَمَّا هَهُنَا فَمَوْضِعُ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْبُ مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ فَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ بِاللَّفْظِ عَنْ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ بَلْ الْمُوجِبُ يُصْرَفُ إلَى مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ فَافْتَرَقَا. وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْجَوَابَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَرَى تَرْجِيحَ الْقَرِيبِ فِي الْجُمَلِ وَهِيَ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ فَيَخُصُّهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ الَّذِينَ يَرَوْنَ تَعْمِيمَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فِي جُمْلَةِ الْجُمَلِ وَلَا يُرَجِّحُونَ بِالْقُرْبِ فَلَا يَتَأَتَّى هَذَا الْجَوَابُ بَلْ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ الْحَمْلُ عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ حَتَّى يَثْبُتُ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْجَمْعَ بَيْنَ عَامِلَيْنِ فِي النَّعْتِ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَعْرَابِ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي النَّعْتِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَنْعُوتِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَنْهُمْ صَحَّ الْجَوَابُ أَيْضًا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْحَمْلُ عَلَى إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ لَا عَلَيْهِمَا وَلَا سَبِيلَ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا هِيَ الْبَعِيدَةُ. وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالْعَوْدِ عَلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَقُلْ هِيَ الْبَعِيدَةُ بَلْ انْفِرَادُ الْبَعِيدَةِ بِالْحَمْلِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ قَائِلٌ بِالتَّعْمِيمِ فِي الْجُمَلِ وَقَائِلٌ بِالْجُمْلَةِ الْقَرِيبَةِ وَحْدَهَا أَمَّا الْحَمْلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْبَعِيدَةِ وَحْدَهَا فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَهَذَا تَلْخِيصُ هَذَا الْمَوْضُوعِ وَتَحْرِيكُ الْبَحْثِ فِيهِ بِحَسَبِ مَا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ فَضْلِهِ. (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ لَوَاحِقِهَا) اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى تَحْرِيمِ أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبِ وَمَنْ مَعَهُنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ لَوَاحِقِهَا إلَى قَوْلِهِ لَا يُفْهَمُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا الزَّوْجَاتُ الْحَرَائِرُ) قُلْت لَا أَعْرِفُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ نِسَائِنَا فِي غَالِبِ الْعَادَةِ الْحَرَائِرُ الْمَنْسُوبُونَ إلَيْنَا بِمُبِيحِ الْوَطْءِ وَهُوَ الْعَقْدُ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُرَادَ بِنِسَائِنَا جَمِيعُ الْمَنْكُوحَاتِ بِعَقْدٍ كَانَ نِكَاحُهُنَّ أَوْ مِلْكٍ، حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ مَمْلُوكَاتٍ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الْمُرَادُ بِهِنَّ الْمَنْكُوحَاتُ بِعَقْدٍ وَتَدْخُلُ فِيهِنَّ الْإِمَاءُ الْمُتَزَوِّجَاتُ أَمَّا قَيْدُ كَوْنِهِنَّ حَرَائِرَ فَلَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي وَأَمَّا قَوْلُهُ الْمَنْسُوبُونَ فَصَوَابُهُ الْمَنْسُوبَاتُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] هُوَ سَبَبُ الْوُجُوبِ فِي عَادَةِ الشَّارِعِ وَإِنْ فُقِدَ هَاهُنَا مَعَ فَقْدِ الْمَصْلَحَةِ فِي سَبَبِهِ رَأْسًا إلَّا أَنَّهُ خَلَفَهُ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ مَعْنًى عَظِيمٌ مُتَحَقِّقٌ بِأَمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ مَصْلَحَةَ أَدَبِ الْعَبْدِ مَعَ الرَّبِّ بِحُسْنِ الْوَفَاءِ فِيمَا وَعَدَ رَبَّهُ بِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ الْتَزَمَهُ وَصَمَّمَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ الْمَصَالِحِ إذْ لَا مَصْلَحَةَ أَعْظَمُ مِنْ الْأَدَبِ حَتَّى قَالَ رُوَيْمٌ: لِابْنِهِ يَا بُنَيَّ اجْعَلْ عَمَلَك مِلْحًا وَأَدَبَك دَقِيقًا أَيْ اسْتَكْثِرْ مِنْ الْأَدَبِ حَتَّى تَكُونَ نِسْبَتُهُ فِي الْكَثْرَةِ نِسْبَةَ الدَّقِيقِ إلَى الْمِلْحِ فَإِنَّ كَثِيرَ الْأَدَبِ مَعَ قَلِيلٍ مِنْ الْعَمَلِ الصَّالِحِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعَمَلِ مَعَ قِلَّةِ الْأَدَبِ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ لَا تَنْفَعُهُ الطَّاعَةُ وَلَا تَضُرُّهُ الْمَعْصِيَةُ كَانَ الْمُمْكِنُ فِي عِبَادَتِهِ تَعَالَى هُوَ الْأَدَبُ (وَثَانِيهِمَا) إنَّ صِدْقَ الْوَعْدِ وَالْوَفَاءَ بِالِالْتِزَامِ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ بَيْنَ الْعِبَادِ وَفِي مُعَامَلَةِ الْمُلُوكِ فَلِعَظَمِ الْمَعْنَى فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ صَحَّ جَعْلُهُمَا سَبَبَ الْوُجُوبِ بَدَلًا مِنْ الْمَصَالِحِ فِي أَنْفُسِ الْأَفْعَالِ وَلَمْ يَعْرَ الْوُجُوبُ هَاهُنَا عَنْ مَصْلَحَةٍ تُنَاسِبُهُ فَكَانَ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْذُورَاتِ وَالشُّرُوطِ كَمَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَاجِبَاتِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَدَارِكَهَا غَيْرُ مَدَارِك الْأَسْبَابِ وَالْوَاجِبَاتِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ مَصَالِحُ غَيْرِ مَصَالِحِ نَفْسِ الْأَفْعَالِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ لِصِفَتِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ لِسَبَبِهِ] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ لِصِفَتِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ لِسَبَبِهِ) وَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مَا حَرُمَ لِصِفَتِهِ كَالْمَيْتَةِ حَرُمَتْ لِصِفَتِهَا وَهِيَ اشْتِمَالُهَا عَلَى الْفَضَلَاتِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَالْخَمْرِ حَرُمَ لِصِفَتِهِ وَهُوَ الْإِسْكَارُ فَلَا يُبَاحُ إلَّا بِسَبَبِهِ كَالْإِضْرَارِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا تُبَاحُ الْمَيْتَةُ إلَّا بِهَا وَكَالْغُصَّةِ الَّتِي لَا يُبَاحُ الْخَمْرُ إلَّا بِهَا، وَمَا يُبَاحُ لِصِفَتِهِ كَالْبُرِّ وَلُحُومِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ أُبِيحَتْ لِصِفَاتِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ فَلَا يَحْرُمُ إلَّا بِسَبَبِهِ كَالْغَصْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ أَسْبَابِ تَحْرِيمِ الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ الْمُبَاحَةِ لِصِفَاتِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْمَصَالِحِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ مُتَنَاوَلَاتِ الْبَشَرِ فِي هَذَا الْعَالَمِ عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ يَحْرُمُ لِصِفَتِهِ وَهُوَ مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَفْسَدَةٍ تُنَاسِبُ التَّحْرِيمَ فَيَحْرُمُ كَالسَّمُومِ تَحْرُمُ لِعَظْمِ مَفْسَدَتِهَا وَالْكَرَاهَةَ فَيُكْرَهُ كَسِبَاعِ الطَّيْرِ أَوْ الضَّبُعِ مِنْ الْوَحْشِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَقِسْمٌ يُبَاحُ لِصِفَتِهِ إمَّا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ كَالْبُرِّ وَاللَّحْمِ الطَّيِّبِ مِنْ الْأَنْعَامِ وَإِمَّا لِعَدَمِ مَفْسَدَتِهِ وَمَصْلَحَتِهِ وَهُوَ قَلِيلٌ فِي الْعَالَمِ فَلَا يَكَادُ يُوجَدُ شَيْءٌ إلَّا وَفِيهِ مَصْلَحَةٌ أَوْ مَفْسَدَةٌ نَعَمْ يُمْكِنُ تَنْظِيرُهُ بِأَكْلِ شَعْرَةٍ مِنْ قُطْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرَ فِي جَسَدِ ابْنِ آدَمَ فَالْمَوْجُودَاتُ

стр. 574

﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] الْآيَةَ حَمْلٌ عَلَى الْعَقْدِ فِي الْحَرَائِرِ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ نِسَائِنَا فِي غَالِبِ الْعَادَةِ الْحَرَائِرُ الْمَنْسُوبُونَ إلَيْنَا بِمُبِيحِ الْوَطْءِ وَهُوَ الْعَقْدُ وَكَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] لَا يُفْهَمُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا الزَّوْجَاتُ الْحَرَائِرُ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الدُّخُولُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُنَّ قَدْ يَتَحَقَّقْنَ مَعَ عَدَمِ الدُّخُولِ فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُنْدَرِجَ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى إنَّمَا هُنَّ الْحَرَائِرُ أُلْحِقَ بِهِنَّ الْمَمْلُوكَاتُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مُبِيحِ الْوَطْءِ وَالْفِرَاشِ بِشَرْطِهِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ بِشَرْطِهِ وَلِأَنَّ الْأَنَفَاتِ تَحْصُلُ مِنْ وَطْءِ الْغَيْرِ مَا وَطِئَهُ الْإِنْسَانُ بِالْمِلْكِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ أَمَتَهُ غَيْرُهُ فَكَانَ وَطْؤُهَا مُحَرَّمًا كَالْوَطْءِ بِالْعَقْدِ وَأَلْحَقَ بِالْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ شُبْهَتَيْهِمَا فِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِالشُّبْهَةِ أُلْحِقَ بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ فِي لُحُوقِ الْوَلَدِ وَسُقُوطِ الْحَدِّ وَغَيْرِهِمَا. وَأَمَّا الزِّنَى الْمَحْضُ قَدْ أُلْحِقَ بِالشُّبْهَةِ فِي الرُّتْبَةِ الرَّابِعَةِ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ لِكَوْنِهِ يُوجِبُ نِسْبَةً وَاخْتِصَاصًا وَرُبَّمَا أَوْجَبَ مَيْلًا شَدِيدًا يُوجِبُ وَقْعَ الشَّحْنَاءِ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ كَمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي الْمُشَارَكَةِ بِالْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ أَوْ الْمِلْكِ وَبَالَغَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا الْتَذَّ بِهَا حَرَامًا كَانَ كَالْوَطْءِ وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ إنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِسَبَبِ أَنَّ الزِّنَى مَطْلُوبُ الْعَدَمِ وَالْإِعْدَامِ فَلَوْ رُتِّبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَقَاصِدِ لَكَانَ مَطْلُوبَ الْإِيجَادِ فَلَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الدُّخُولُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُنَّ قَدْ يَتَحَقَّقْنَ مَعَ عَدَمِ الدُّخُولِ) قُلْت هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْمَفْهُومِ فَهُوَ يَخْتَصُّ بِمَنْ يَرَاهُ حُجَّةً. قَالَ (فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُنْدَرِجَ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى إلَى قَوْلِهِ فَكَانَ وَطْؤُهَا مُحَرَّمًا كَالْوَطْءِ بِالْعَقْدِ) قُلْت أُلْحِقَ الْإِمَاءُ الْمَنْكُوحَاتُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ بِالْمُتَزَوِّجَاتِ بِنَاءً عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنْ أَنَّ لَفْظَ نِسَائِنَا لَا يَتَنَاوَلُهُنَّ بَلْ يَخْتَصُّ بِالْمُتَزَوِّجَاتِ وَقَدْ يَحْتَمِلُ بِهِ لِسَبْقِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُنَّ اللَّفْظُ إلَّا إنْ صَحَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْعُرْفِ وَلَا أَعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ. قَالَ (وَأَلْحَقَ بِالْإِمَاءِ وَالْحَرَائِرِ شُبْهَتَيْهِمَا فِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِالشُّبْهَةِ أُلْحِقَ بِالْعَقْدِ وَذَلِكَ فِي لُحُوقِ الْوَلَدِ وَسُقُوطِ الْحَدِّ وَغَيْرِهِمَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَمَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَكْثَرُهُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَإِشَارَةٌ إلَى تَوْجِيهِهَا وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي هَذَا الْعَالَمِ إمَّا حَرَامٌ لِصِفَتِهِ أَوْ مُبَاحٌ لِصِفَتِهِ وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْفَرْقِ انْبَنَتْ عَلَى هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ سِبَاعِ الْوَحْشِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ سِبَاعِ الطَّيْرِ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ سِبَاعِ الْوَحْشِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ سِبَاعِ الطَّيْرِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ الْفُقَهَاءَ جَزَمُوا جَمِيعًا بِتَحْرِيمِ أَكْلِ سِبَاعِ الْوَحْشِ وَتَرَدَّدُوا فِي تَحْرِيمِ أَكْلِ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ وَسِرُّ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ فَرْطَ الظُّلْمِ وَقِلَّةَ الرَّحْمَةِ مُتَوَفِّرٌ فِي سِبَاعِ الْوَحْشِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي سِبَاعِ الطَّيْرِ إذْ هُوَ فِي الْأَسَدِ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي الْعُقَابِ وَالصَّقْرِ وَفِي النَّمِرِ وَالْفَهْدِ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي الضَّبُعِ وَالنَّسْرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْحِدَآتِ وَالْغِرْبَانِ وَنَحْوِهَا فَلَمَّا عَظُمَتْ الْمَفْسَدَةُ وَالظُّلْمُ فِي سِبَاعِ الْوَحْشِ بِحَيْثُ إنَّهَا تَثِبُ عَلَى الْحَيَوَانَاتِ وَثْبًا شَدِيدًا فَتَأْكُلُهَا وَتُهْلِكُهَا وَتُفْسِدُ أَبْنِيَتَهَا بِتَمْزِيقِ أَعْضَائِهَا وَلَا تَكْتَرِثُ بِهَلَاكِهَا وَلَا فَسَادِ أَبْنِيَتِهَا وَلَا مَا تَجِدُهُ مِنْ الْأَلَمِ فِي تَمْزِيقِ أَعْضَائِهَا مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فِي ذَلِكَ عَلَى الْحَاجَةِ بَلْ شَأْنُهَا ذَلِكَ لِحَاجَةٍ وَلِغَيْرِ حَاجَةٍ وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ عَادَتْهُ أَنَّ الْأَغْذِيَةَ تَنْقُلُ خُلُقَ الْحَيَوَانَاتِ الْمَأْكُولَةِ لِخُلُقِ الْحَيَوَانِ الْمُتَغَذِّي بِهِ حَتَّى يُقَالَ إنَّ أَرْبَعًا أَكَلَتْ أَرْبَعًا فَأَفَادَتْهَا أَرْبَعًا أَكَلَتْ السُّودَانُ الْقُرُودَ فَأَفَادَتْهَا الرَّقْصَ وَأَكَلَتْ الْفِرِنْجُ الْخَنَازِيرَ فَأَفَادَتْهَا عَدَمَ الْغَيْرَةِ وَأَكَلَتْ التُّرْكُ الْخَيْلَ فَأَفَادَتْهَا الْقَسَاوَةَ وَأَكَلَتْ الْعَرَبُ لُحُومَ الْإِبِلِ فَأَفَادَتْهَا الْحِقْدَ أَيْ وَالْإِيثَارَ لِلضَّيْفِ مَا لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ إذْ كَمَا أَنَّ شَأْنَ الْجَمَلِ الْحِقْدُ بِحَيْثُ يَأْخُذُ ثَأْرَهُ مِمَّنْ آذَاهُ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ كَذَلِكَ شَأْنُ الْإِبِلِ الْإِيثَارُ بِأَقْوَاتِهَا بِحَيْثُ يَجُوعُ الْجَمْعُ مِنْهَا الْأَيَّامَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهَا مَا تَأْكُلُهُ مُجْتَمَعَةً فَيَضَعُ كُلٌّ مِنْهَا فَمَهُ فَيَتَنَاوَلُ حَاجَتَهُ مِنْ غَيْرِ مُدَافَعَةِ بَعْضِهَا بَعْضًا بَلْ مُعْرِضَةً عَنْ ذَلِكَ وَعَنْ مِقْدَارِ مَا أَكَلَهُ غَيْرُهَا مِمَّا يُجَاوِرُهَا بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ فَإِنَّهَا تُقَاتِلُ عِنْدَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى حَوْزِ الْغِذَاءِ وَتَمْنَعُ مَنْ يَأْكُلُ مَعَهَا أَنْ يَتَنَاوَلَ شَيْئًا كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي السِّبَاعِ وَالْكِلَابِ وَالْأَغْنَامِ وَغَيْرِهَا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ النَّوَاهِيَ تَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ فَمَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا لِمَفْسَدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُ ذَلِكَ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ جَزَمَ الْفُقَهَاءُ بِتَحْرِيمِ سِبَاعِ الْوَحْشِ لِئَلَّا يَتَنَاوَلَهَا بَنُو آدَمَ فَتَصِيرَ أَخْلَاقُهُمْ مِثْلَ أَخْلَاقِهِمْ فَتَعْظُمَ الْمَفْسَدَةُ وَلَمَّا قَصُرَتْ مَفْسَدَةُ سِبَاعِ الطَّيْرِ عَنْ ذَلِكَ تَرَدَّدَ الْفُقَهَاءُ فِي تَحْرِيمِهَا فَمِنْهُمْ مَنْ نَهَضَ عِنْدَهُ ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ سُوءِ الْأَخْلَاقِ وَإِنْ قَلَّتْ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَنْهَضْ عِنْدَهُ ذَلِكَ لِلتَّحْرِيمِ لِخِفَّةِ أَمْرِهِ فَاقْتَصَرَ بِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ هَاتَيْنِ

стр. 575

يَثْبُتُ لَهُ تَحْرِيمٌ فِي أَثَرِ الْمُصَاهَرَةِ وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْمِلْكِ وَالْعَقْدِ وَالشُّبْهَةِ وَوَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُلَامَسَةِ بِلَذَّةٍ وَالنَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى الْمَقْصِدِ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ وَهُوَ إنَّمَا حَرُمَ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ وَالْوَسِيلَةُ إذَا لَمْ تُفْضِ لِمَقْصِدِهِ سَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ التَّحْرِيمَ بِالْمُلَامَسَةِ لِلَّذَّةِ وَالنَّظَرِ مُطْلَقًا قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا اللَّمْسُ بِلَذَّةٍ مِنْ الْبَالِغِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَمِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ قَوْلَانِ وَبِغَيْرِ لَذَّةٍ لَا يَنْشُرُ مُطْلَقًا وَفِي نَظَرِ الْبَالِغِ لِلَّذَّةِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَوَاسِّ وَالشَّاذُّ لَا يَنْشُرُ لِأَنَّ النَّظَرَ إلَى الْوَجْهِ لَا يُحَرِّمُ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي بَاطِنِ الْجَسَدِ وَاكْتَفَى فِي تَحْرِيمِ زَوْجَاتِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ بِالْعَقْدِ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الرِّجَالِ وَحَمِيَّاتِهِمْ تَنْهَضُ بِالْغَضَبِ وَالْبَغْضَاءِ بِمُجَرَّدِ نِسْبَةِ الْمَرْأَةِ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَيَخْتَلُّ نِظَامُ وُدِّ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَوُدُّ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ وَهُوَ سِيَاجٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الشَّرْعِ حَتَّى جُعِلَ خَرْقُهُ مِنْ الْكَبَائِرِ قَالَ ﵊ «مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ قَالُوا أَوَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ» فَجَعَلَ التَّسَبُّبَ لِسَبِّ الْأَبِ بِسَبِّ الْأَجْنَبِيِّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ فَكَيْفَ لَوْ سَبَّهُ مُبَاشَرَةً قَالَ اللَّخْمِيُّ تَحْرُمُ امْرَأَةُ الْجَدِّ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ لِلْأُمِّ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي لَفِّ الْآبَاءِ كَمَا تَنْدَرِجُ جَدَّاتُ امْرَأَتِهِ وَجَدَّاتُ أُمِّهَا مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَبِنْتُ بِنْتِ الزَّوْجَةِ وَبِنْتُ ابْنِهَا وَكُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهَا بِالْبُنُوَّةِ. وَإِنْ سَفَلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] (تَنْبِيهٌ) اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الِانْدِرَاجَاتِ لَيْسَتْ بِمُقْتَضَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَلِذَلِكَ صَرَّحَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ بِالثُّلُثِ لِأُمٍّ وَلَمْ يُعْطِهِ الصَّحَابَةُ ﵃ لِلْجَدَّةِ بَلْ حَرَمُوهَا حَتَّى رُوِيَ لَهُمْ الْحَدِيثُ فِي السُّدُسِ وَصَرَّحَ بِالنِّصْفِ لِلْبِنْتِ وَلِلِابْنَتَيْنِ بِالثُّلُثَيْنِ عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (قَالَ اللَّخْمِيُّ تَحْرُمُ امْرَأَةُ الْجَدِّ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ لِلْأُمِّ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي لَفْظِ الْآبَاءِ إلَى قَوْلِ الشِّهَابِ فِي تَنْبِيهِهِ فَإِنْ دَلَّ إجْمَاعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَإِلَّا أُلْغِيَ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ) قُلْت لَا أَعْرِفُ صِحَّةَ مَا قَالَ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي لَفْظِ الْأَبِ وَشَبَهِهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُبَاشِرُ وَأَنَّهُ يُغْنِي أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْمُبَاشِرِ فَهُوَ مَجَازٌ وَلَعَلَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِالْعَكْسِ وَأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي لَفْظِ الْأَبِ كُلُّ مَنْ لَهُ وِلَادَةٌ وَالْمَجَازُ الْمُبَاشِرُ لَكِنْ غَلَبَ هَذَا الْمَجَازُ حَتَّى صَارَ عُرْفًا فَكَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ فِي اقْتِصَارِ الصَّحَابَةِ فِيمَا اقْتَصَرُوا بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى الْمُبَاشِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَاعِدَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ذَكَاةِ الْحَيَّاتِ وَقَاعِدَةِ ذَكَاةِ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ذَكَاةِ الْحَيَّاتِ وَقَاعِدَةِ ذَكَاةِ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ) قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ الْحَيَوَانُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِي أَكْلِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) حَيَوَانٌ لَا يَحِلُّ إلَّا بِذَكَاةٍ (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) حَيَوَانٌ يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ ذُو الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ وَلَا مَيْئُوسٍ مِنْهُ بِوَقْذٍ أَوْ نَطْحٍ أَوْ تَرَدٍّ أَوْ افْتِرَاسِ سَبْعٍ أَوْ مَرَضٍ وَمِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْبَحْرِيُّ وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) الْحَيَوَانُ الَّذِي لَيْسَ بِذِي دَمٍ مِمَّا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِثْلُ الْجَرَادِ وَغَيْرِهِ اخْتَلَفُوا هَلْ لَهُ ذَكَاةٌ أَمْ لَا (وَالنَّوْعُ الثَّانِي) الْحَيَوَانُ ذُو الدَّمِ الَّذِي يَكُونُ تَارَةً فِي الْبَحْرِ وَتَارَةً فِي الْبِرِّ مِثْلُ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهِ اخْتَلَفُوا هَلْ لَهُ ذَكَاةٌ أَمْ لَا (وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ) أَصْنَافُ الْمُنْخَنِقَةِ وَالْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَمَا أَكَلَ السَّبْعُ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي آيَةِ التَّحْرِيمِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِيهَا (وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ) مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِيهَا أَعْنِي فِي تَحْلِيلِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا وَسَلْبِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا اهـ بِتَصَرُّفٍ وَقَاعِدَةُ تَذْكِيَةِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ إلَخْ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِقَصْدِ اسْتِخْرَاجِ الْفَضَلَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ أَجْسَادِهَا الْمُحَلَّلَةِ الْأَكْلِ وَهِيَ الدِّمَاءُ وَالْأَخْلَاطُ كُلُّهَا بِأَسْهَلِ الطُّرُقِ عَلَى الْحَيَوَانِ كَقَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ فَإِنَّ قَطْعَ الْأَوْدَاجِ خَفِيفٌ عَلَى الْحَيَوَانِ فِي إخْرَاجِ الْفَضَلَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّوَسُّطِ أَوْ ضَرْبِ الْعُنُقِ وَقَطْعُ الْحُلْقُومِ يُوجِبُ قَطْعَ النَّفْسِ لِأَنَّهُ مَجْرَاهُ فَيَخْتَنِقُ الْحَيَوَانُ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ الْمَوْتُ وَأَمَّا قَاعِدَةُ تَذْكِيَةِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْحَيَّاتِ إذَا ذُكِيَتْ فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا جَازَ أَكْلُهَا لِمَنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ اهـ فَتُفَارِقُ الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْ وَجْهَيْنِ (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) فِي صِفَةِ الذَّكَاةِ فَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ ﵀ مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا أَنَّ صِفَةَ ذَكَاةِ الْحَيَّاتِ هُوَ مَا اخْتَارَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْأَطِبَّاءِ إذَا أَرَادُوا اسْتِعْمَالَهَا فِي التِّرْيَاقِ الْفَارُوقِ أَوْ لِمُدَاوَاةِ الْجُذَامِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ أَنْ تُمْسَكُ الْحَيَّةُ بِرَأْسِهَا وَذَنَبِهَا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَحْصُلَ لَهَا غَيْظٌ فَيَدُورَ السُّمُّ فِي جَسَدِهَا فَإِذَا أُخِذَتْ كَذَلِكَ ثُنِّيَتْ عَلَى مِسْمَارٍ مَضْرُوبٍ فِي لَوْحٍ ثُمَّ تُضْرَبُ بِآلَةٍ وَزَبْنَةٍ حَادَّةٍ كَالْقُدُومِ الَّذِي مِثْلُ الْمُوسَى فِي الْحِدَآتِ وَهِيَ مَمْدُودَةٌ عَلَى تِلْكَ الْخَشَبَةِ وَيَقْصِدُ بِتِلْكَ الضَّرْبَةِ آخِرَ الرَّقَبَةِ وَالذَّنَبِ مِنْ جِهَةِ رَقَبَتِهَا فَإِنَّ بَيْنَ رَأْسِهَا وَوَسَطِهَا مِقْدَارًا رَقِيقًا وَبَيْنَ ذَنَبِهَا وَوَسَطِهَا مِقْدَارًا رَقِيقًا فَيَتَجَاوَزُ ذَلِكَ الرَّقِيقَ مِنْ الْجِهَتَيْنِ حَتَّى يَصِلَ الْمِقْدَارُ الْغَلِيظُ الَّذِي فِي وَسَطِهَا فَلَا يَتْرُكُ غَيْرَهُ بَلْ يُحَازَ

стр. 576

السَّوِيَّةِ وَوَرِثَتْ بِنْتُ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ السُّدُسَ بِالسُّنَّةِ لَا بِالْكِتَابِ وَابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ فِي الْحَجْبِ وَالْجَدُّ لَيْسَ كَالْأَبِ فِي الْحَجْبِ وَالْإِخْوَةُ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ وَبَنُوهُمْ لَا يَحْجُبُونَهَا فَتَعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْأَبَ حَقِيقَةً فِي الْأَبِ الْقَرِيبِ مَجَازًا فِي آبَائِهِ وَلَفْظُ الِابْنِ حَقِيقَةٌ فِي الْقَرِيبِ مَجَازًا فِي أَبْنَائِهِ فَإِنْ دَلَّ إجْمَاعٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْمَجَازِ وَإِلَّا أُلْغِيَ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ هَذِهِ الِانْدِرَاجَاتِ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالنَّصِّ وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ مُتَعَذِّرٌ وَأَنَّ الْفَقِيهَ الَّذِي يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ بِاللَّفْظِ غَالَطَ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَجَازِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَقِيقَةِ سُؤَالُ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْلِيلِ الزَّوْجَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثَ اشْتِرَاطُ الْوَطْءِ الْحَلَالِ وَحَمْلُ آيَةِ التَّحْلِيلِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ مُتَكَلِّمٍ لَهُ عُرْفٌ فَإِنَّ لَفْظَهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى عُرْفِهِ فَحُمِلَ النِّكَاحُ فِي الْآيَةِ عَلَى النِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا لِأَجْلِ الْعُرْفِ وَخُولِفَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي قَوْله تَعَالَى فِي أُمَّهَاتِ الرَّبَائِبِ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ مُطْلَقَ الْوَطْءِ كَانَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا وَهُوَ خِلَافُ الْقَاعِدَةِ فِي حَمْلِ الدُّخُولِ عَلَى الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ الدُّخُولُ الْمُبَاحُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ احْتَاطَ فِي الصُّورَتَيْنِ فَخُولِفَتْ الْقَاعِدَةُ لِمُعَارِضِ الِاحْتِيَاطِ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّسَبُ أُصُولُهُ وَفُصُولُهُ وَفُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَإِنْ عَلَا فَالْأُصُولُ الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ وَإِنْ عَلَوْا وَالْفُصُولُ الْأَبْنَاءُ وَأَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ وَإِنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ هَذِهِ الِانْدِرَاجَاتِ فِي تَحْرِيمِ مُصَاهَرَةٍ بِإِجْمَاعٍ لَا بِالنَّصِّ وَأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ مُتَعَذِّرٌ) قُلْت مَا قَالَ فِي ذَلِكَ يُوَافَقُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي الْمُبَاشِرِ بَلْ لِأَنَّ الْمَجَازَ الصَّائِرَ عُرْفًا فِيهِ قَالَ (سُؤَالُ الْمَشْهُورِ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي تَحْلِيلِ الزَّوْجَةِ بَعْدَ الطَّلَقَاتِ الثَّلَاثِ اشْتِرَاطُ الْوَطْءِ الْحَلَالِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت يَحْتَاجُ مَا قَالَهُ إلَى نَظَرٍ وَمَا قَالَ فِي الْفَرْقَيْنِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الرَّقِيقَانِ إلَى جِهَةِ الرَّأْسِ وَالذَّنَبِ وَيَقْطَعُ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي فَوْرٍ وَاحِدٍ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَجِيزَةٍ لِأَنَّهُ مَتَى بَقِيَتْ جِلْدَةٌ يَسِيرَةٌ لَمْ تُقْطَعْ مَعَ الْجُمْلَةِ قَتَلَتْ آكِلَهَا لِأَنَّ السُّمَّ حِينَئِذٍ يَجْرِي مِنْ جِهَةِ الرَّأْسِ وَالذَّنَبِ فِي تِلْكَ الْجِلْدَةِ الْيَسِيرَةِ إلَى بَقِيَّةِ جَسَدِهِ الَّذِي هُوَ الْجُزْءُ الْغَلِيظُ بِسَبَبِ مَا يَحْدُثُ لَهَا مِنْ الْغَضَبِ عِنْدَ الْإِحْسَاسِ بِأَلَمِ الْحَدِيدِ (الْوَجْهُ الثَّانِي) فِي مَعْنَى الذَّكَاةِ فَإِنَّ الذَّكَاةَ شُرِعَتْ فِي الْحَيَّاتِ لِأَجْلِ السَّلَامَةِ مِنْ سُمِّ رَأْسِهَا وَذَنَبِهَا لَا لِإِخْرَاجِ الْفَضَلَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ فَإِنَّ الْحَيَّاتِ لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْهَا دَمٌ عِنْدَ ذَكَاتِهَا أَلْبَتَّةَ وَلِذَلِكَ تُذَكَّى مِنْ وَسَطِهَا لَا بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَالْحُلْقُومِ (وَصْلٌ) يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الذَّكَاةِ سِتُّ مَسَائِلَ أُصُولٍ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي بَيَانِ تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي بَيَانِ تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُحَرَّمِ الْأَكْلِ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ فِي بَيَانِ تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْمَرِيضَةِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ فِي بَيَانِ هَلْ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَمْ لَا الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي بَيَانِ هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ فِي بَيَانِ هَلْ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يَأْوِي فِي الْبَرِّ تَارَةً وَفِي الْبَحْرِ تَارَةً ذَكَاةٌ أَمْ لَا (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ أَمَّا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبْعَ فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ عَامِلَةٌ فِيهَا إذَا لَمْ يُصَبْ لَهَا مَقْتَلٌ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا تَعِيشُ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أُصِيبَ لَهَا مَقْتَلٌ وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا لَا تَعِيشُ فَقَالَ قَوْمٌ تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ قَوْمٌ لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا. وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْوَجْهَانِ وَلَكِنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيْئُوسِ مِنْهَا وَبَعْضُهُمْ أَوَّلَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَيْئُوسَ مِنْهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ مَيْئُوسَةٌ مَشْكُوكٌ فِيهَا وَمَيْئُوسَةٌ مَقْطُوعٌ بِمَوْتِهَا وَهِيَ الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي الْمَقَاتِلِ قَالَ فَأَمَّا الْمَيْئُوسَةُ الْمَشْكُوك فِيهَا فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَأَمَّا الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ الْمَنْقُولِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا وَإِنْ كَانَ يَتَخَرَّجُ فِيهَا الْجَوَازُ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ فَيَخْرُجُ مِنْ الْجِنْسِ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلهُ اللَّفْظُ وَهُوَ الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى عَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ أَمْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْفَصِلٌ لَا تَأْثِيرَ فِي الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُتَّصِلٌ قَالَ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ مُحْتَجًّا بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي الْمَرْجُوِّ مِنْهَا فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيهَا فَهُوَ مُتَّصِلٌ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُنْفَصِلٌ. قَالَ الذَّكَاةُ لَا تَعْمَلُ فِيهَا مُحْتَجًّا بِأَنَّ التَّحْرِيمَ

стр. 577

سَفَلُوا وَفُصُولُ الْأَوَّلِ أَوَّلُ الْأُصُولِ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا احْتِرَازًا مِنْ فُصُولِ ثَانِي الْأُصُولِ وَثَالِثِهَا وَإِنْ عَلَا ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ وَهُنَّ مُبَاحَاتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وَأَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ أَوْلَادُ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَهُمْ الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ وَقَوْلُنَا أَوَّلُ فَصْلٍ احْتِرَازًا مِنْ ثَانِي فَصْلٍ مِنْ أَوَّلِ الْأُصُولِ فَإِنَّ ثَانِي فَصْلٍ فَصْلُ أَوْلَادِ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَأَوْلَادِ الْخَالِ وَالْخَالَاتِ فَإِنَّهُنَّ مُبَاحَاتٌ فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ فِي الضَّابِطِ فِي الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَالْفُصُولِ مُطْلَقًا لِيَنْدَرِجُوا هُمْ وَأَوْلَادُهُمْ وَقِيلَ فِي غَيْرِ أَوَّلِ فُصُولِ أَوَّلِ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ لِهَذَا الْمَعْنَى فَانْضَبَطَ الْمُحَرَّمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِهَذَا الضَّابِطِ وَدَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ وَاللَّفْظُ صَالِحٌ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ - يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٦ - ٤٠] ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] . ثُمَّ قَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] احْتِرَازًا مِنْ زَوْجَاتِ أَبْنَاءِ التِّبْنَيْ دُونَ الرَّضَاعِ ثُمَّ قَالَ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] يُرِيدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ «وَحَرَّمَ ﵇ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» (تَنْبِيهٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ كُلُّ أُمٍّ حَرُمَتْ بِالنَّسَبِ حَرُمَتْ أُخْتُهَا وَكُلُّ أُخْتٍ حَرُمَتْ لَا تَحْرُمُ أُخْتُهَا إذَا لَمْ تَكُنْ خَالَةً فَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ فَالْوَلَدُ مِنْهُمَا تَحِلُّ لَهُ ابْنَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ وَكُلُّ عَمَّةٍ حَرُمَتْ قَدْ لَا تَحْرُمُ أُخْتُهَا لِأَنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ أُخْتَ أَبِيهِ وَلَا أُخْتَ جَدِّهِ (فَائِدَةٌ) قَوْلُ الْعُلَمَاءِ الْآبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَبْنَاءُ وَإِنْ سَفَلُوا مَعَ أَنَّهُ لَوْ عُكِسَ لَاسْتَقَامَ فَإِنَّ الْأَبْنَاءَ فُرُوعٌ وَالْفَرْعُ شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ أَصْلِهِ وَفَرْعُ الْفَرْعِ أَعْلَى مِنْ الْفَرْعِ فِي الشَّجَرَةِ وَالْأَصْلُ أَسْفَلُ وَأَصْلُ الْأَصْلِ أَسْفَلُ مِنْ الْأَصْلِ وَهَذَا يُنَاسِبُ عَكْسَ مَا قَالُوهُ فَمَا مُسْتَنَدُ قَوْلِهِمْ (وَالْجَوَابُ) أَنَّ قَوْلَهُمْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَعْيَانِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِيهَا وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊ «مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَعْنَى الْآيَةِ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ لَحْمُ الْمَيْتَةِ الَّتِي تَمُوتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا فَتُسَمَّى مَيْتَةً فِي أَكْثَرِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَوْ بِالْحَقِيقَةِ وَكَذَلِكَ لَحْمُ الْمَيْتَةِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ قَالُوا فَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ تَعْلِيقُ التَّحْرِيمِ بِأَعْيَانِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] اسْتِثْنَاءً مُنْفَصِلًا لَكِنَّ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَاجِبَ كَيْفَ مَا كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ أَنْ تَكُونَ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِيهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ عَلَّقْنَا التَّحْرِيمَ بِهَذِهِ الْأَصْنَافِ فِي الْآيَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَجَبَ أَنْ تَدْخُلَ الْأَصْنَافُ الْخَمْسَةُ فِي التَّذْكِيَةِ حَالَ الْحَيَاةِ لِأَنَّهَا مَا دَامَتْ حَيَّةً مُسَاوِيَةٌ لِغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ دُخُولِهَا حِينَئِذٍ بَيْنَ كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْفَصِلًا أَوْ مُتَّصِلًا إذْ لَا خَفَاءَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ إنْ قُلْنَا إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ عُمُومَ التَّحْرِيمِ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ تَنَاوُلُ أَعْيَانِ هَذِهِ الْخَمْسَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَبْلَهُ كَالْحَالِ فِي الْخِنْزِيرِ الَّذِي لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَا رَفْعًا لِتَحْرِيمِ أَعْيَانِهَا بِالتَّنْصِيصِ عَلَى عَمَلِ الذَّكَاةِ فِيهَا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مَا اعْتَرَضَ بِهِ ذَلِكَ الْمُعْتَرِضُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الِاسْتِثْنَاءِ مُنْفَصِلًا. وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ وَالْمَشْكُوكِ فِيهَا فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْفَصِلٌ وَأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ تَأْثِيرُ الذَّكَاةِ فِي الْمَرْجُوَّةِ بِالْإِجْمَاعِ وَقَاسَ الْمَشْكُوكَةَ عَلَى الْمَرْجُوَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ وَلَكِنَّ اسْتِثْنَاءَ هَذَا الصِّنْفِ أَعْنِي الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ أَنَّ الذَّكَاةَ إنَّمَا يَجِبُ أَنْ تَعْمَلَ فِي حِينَ يَقْطَعُ أَنَّهَا سَبَبُ الْمَوْتِ فَأَمَّا إذَا شَكَّ هَلْ كَانَ مُوجِبُ الْمَوْتِ الزَّكَاةَ أَوْ الْوَقْذَ أَوْ النَّطْحَ أَوْ سَائِرَهَا فَلَا يَجِبُ أَنْ تَعْمَلَ فِي ذَلِكَ وَهَذِهِ هِيَ حَالَةِ الْمَنْفُوذَةِ الْمَقَاتِلِ وَلَهُ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمَنْفُوذَةَ الْمَقَاتِلِ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ وَالذَّكَاةُ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَرْفَعَ الْحَيَاةَ الثَّابِتَةَ لَا الْحَيَاةَ الذَّاهِبَةَ اهـ بِتَلْخِيصٍ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ أَيْضًا وَأَمَّا هَلْ تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِي الْحَيَوَانَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ الْأَكْلِ حَتَّى تَطْهُرَ بِالذَّكَاةِ جُلُودُهَا فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي السِّبَاعِ وَغَيْرِهَا مَا عَدَا الْخِنْزِيرَ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي كَوْنِ السِّبَاعِ فِيهِ مُحَرَّمَةً أَوْ مَكْرُوهَةً وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ فَيَجُوزُ بَيْعُ جَمِيعِ أَجْزَائِهِ وَالِانْتِفَاعُ

стр. 578

إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَبْدَأَ الْإِنْسَانِ مِنْ نُطْفَةِ أَبِيهِ. وَالنُّطْفَةُ تَنْزِلُ مِنْ الْأَبِ وَالنَّازِلُ مِنْ الشَّيْءِ يَكُونُ أَسْفَلَ مِنْهُ وَابْنُ الِابْنِ مِنْ الِابْنِ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ تَقُولَ الْأَبْنَاءُ وَإِنْ سَفَلُوا وَالْآبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا وَاللَّفْظَانِ مَجَازَانِ إشَارَةً لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ التَّخَيُّلِ لِمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ وَقَدْ يُلَاحَظُ فِي اللَّفْظِ عَلَاقَةٌ هِيَ ضِدُّ عَلَاقَةٍ أُخْرَى ذَلِكَ لِاخْتِيَارِ الْمُتَكَلِّمِ الْمُتَجَوِّزِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ اصْطِلَاحٌ وَلَهُمْ فِي اصْطِلَاحِهِمْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَصَانَةِ لَا تَعُودُ بِالْعَدَالَةِ وَقَاعِدَةُ الْفُسُوقِ يَعُودُ بِالْجِنَايَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا حُكِمَ لَهُ بِالْفُسُوقِ ثُمَّ تَابَ وَأَنَابَ ذَهَبَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِالْفُسُوقِ فَإِذَا جَنَى بَعْدَ ذَلِكَ كَبِيرَةً عَادَ الْفُسُوقُ لَهُ وَإِذَا كَانَ مُحْصَنًا بِعَدَمِ مُبَاشِرِ الزِّنَى ثُمَّ زَنَى ذَهَبَ الْإِحْصَانُ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَمَنْ قَذَفَ مَنْ لَيْسَ بِمُحْصَنٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فَإِذَا صَارَ بَعْدَ الزِّنَى عَدْلًا لَمْ تَعُدْ الْحَصَانَةُ بِالْعَدَالَةِ وَفِي الْقَاعِدَتَيْنِ قَدْ وَرَدَ الضِّدُّ بَعْدَ الضِّدِّ الْمُنَافِي لِحُكْمِهِ ظَاهِرًا قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا قَذَفَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ عَدْلًا لَمْ يُحَدَّ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَصَاحِبُ النَّوَادِرِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ لَاعَنَ الْمَرْأَةَ وَأَبَانَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يُلَاعَنْ لِاسْتِيفَاءِ مُوجِبِ اللِّعَانِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَالَ رَبِيعَة يُحَدُّ وَإِنْ قَذَفَهَا بِزِنْيَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُلَاعِنْ وَحُدَّتْ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ لِسُقُوطِ حَصَانَتِهَا بِتِلْكَ الزِّينَةِ بِمُوجِبِ لِعَانِهِ. وَإِنْ لَاعَنَتْ وَجَبَ الْحَدُّ وَإِنْ قَذَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَأَوْلَى بِالْحَدِّ لِأَنَّ أَثَرَ لِعَانِ الزَّوْجِ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ إذْ قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَى وَحَسُنَتْ حَالَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُحَدُّ لِأَنَّ الْحَصَانَةَ لَا تَعُودُ بِالْعَدَالَةِ فَمَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ بِالزِّنَى ذَهَبَتْ حَصَانَتُهُ وَهَذَا مَقَامٌ تَزَلْزَلَتْ فِيهِ الْفِكَرُ وَاضْطَرَبَتْ فِيهِ الْعِبَرُ وَكَيْفَ يَصِيرُ الْمَقْذُوفُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ وَالْعَدَالَةِ وَجَانِبُهُ مُهْتَضِمٌ وَعِرْضُهُ مُطَّرِحٌ وَالزَّنْيَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي رَمَاهُ بِهَا أَوْ رَمَى الْمَرْأَةَ بِهَا لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا مُصَدِّقٌ لِلرَّمْيِ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ هَذِهِ الْأَذِيَّةِ هَهُنَا وَبَيْنَ أَذِيَّةِ مَنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ زِنًى وَهُمَا مُؤْلِمَانِ مُؤْذِيَانِ لِلْمَرْمِيِّ أَذِيَّةً ظَاهِرُهَا الْكَذِبُ، أَمَّا إذَا رَمَاهَا بِالزَّنْيَةِ الْأُولَى لَهُوَ صَادِقٌ فَلَا يَلْحَقُ بِمَحَلِّ الْإِجْمَاعِ فِي الْحَدِّ لِقُصُورِهِ عَنْهُ بَلْ التَّعْزِيرُ لِمُطْلَقِ الْأَذِيَّةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِهَا مَا عَدَا اللَّحْمَ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ جَمِيعُ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ تَابِعَةٌ لِلَّحْمِ فِي الْحِلِّيَّةَ وَالْحُرْمَةِ أَمْ لَيْسَتْ تَابِعَةً لِلَّحْمِ فَمَنْ قَالَ إنَّهَا تَابِعَةٌ لِلَّحْمِ قَالَ إذَا لَمْ تَعْمَلْ الذَّكَاةُ فِي اللَّحْمِ لَمْ تَعْمَلْ فِيمَا سِوَاهُ وَمَنْ قَالَ إنَّهَا لَيْسَتْ بِتَابِعَةٍ. قَالَ إنَّهَا تَعْمَلُ فِي سَائِرِ أَجْزَائِهِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلْ فِي لَحْمِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهَا تَعْمَلُ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهِ فَإِذَا ارْتَفَعَ بِالدَّلِيلِ الْمُحَرَّمِ لِلَّحْمِ عَمَلُهَا فِي اللَّحْمِ بَقِيَ عَمَلُهَا فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى ارْتِفَاعِهِ فِيهَا أَيْضًا اهـ (فَرْعٌ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الدَّابَّةُ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا إذَا طَالَ مَرَضُهَا أَوْ تَعِبَتْ مِنْ السَّيْرِ فِي أَرْضٍ لَا عَلَفَ فِيهَا ذَبْحُهَا أَوْلَى مِنْ بَقَائِهَا لِتَحْصُلَ رَاحَتُهَا مِنْ الْعَذَابِ وَقِيلَ تُعْقَرُ لِئَلَّا يُغْرِيَ النَّاسَ ذَبْحُهَا عَلَى أَكْلِهَا وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ لَا تُذْبَحُ وَلَا تُعْقَرُ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ فَإِذَا تَرَكَهَا صَاحِبُهَا لِذَلِكَ فَعَلَفَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدَهَا قَالَ مَالِكٌ هُوَ أَحَقُّ بِهَا لِأَنَّهُ مُكْرَهٌ عَلَى تَرْكِهَا بِالِاضْطِرَارِ لِذَلِكَ وَيَدْفَعُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا وَقِيلَ هِيَ لِعَالِفِهَا لِإِعْرَاضِ الْمَالِكِ عَنْهَا أَفَادَهُ الْأَصْلُ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ وَأَمَّا تَأْثِيرُ الذَّكَاةِ فِي الْبَهِيمَةِ الَّتِي أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى عَمَلِ الذَّكَاةِ فِي الَّتِي لَمْ تُشْرِفْ عَلَى الْمَوْتِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِيهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ فَأَمَّا الْأَثَرُ فَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ «أَمَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسِلَعٍ فَأُصِيبَتْ شَاةٌ مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ كُلُوهَا» وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّ الْمَعْلُومَ مِنْ الذَّكَاةِ أَنَّهَا إنَّمَا تُفْعَلُ فِي الْحَيِّ وَهَذِهِ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ وَاتَّفَقَ كُلُّ مَنْ أَجَازَ ذَبْحَهَا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا إلَّا إذَا كَانَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاةِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ الدَّلِيلُ الْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ فَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ الْحَرَكَةَ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَعْتَبِرْهَا وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالثَّانِي مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَبَعْضُهُمْ اعْتَبَرَ فِيهَا ثَلَاثَ حَرَكَاتٍ: طَرَفُ الْعَيْنِ وَتَحْرِيكُ الذَّنَبِ وَالرَّكْضُ بِالرِّجْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ وَبَعْضُهُمْ شَرَطَ مَعَ هَذِهِ التَّنَفُّسَ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَبِيبٍ اهـ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ أَيْضًا وَأَمَّا هَلْ تَعْمَلُ ذَكَاةُ الْأُمِّ فِي جَنِينِهَا أَمْ لَا تَعْمَلُ فِيهِ فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ ذَكَاةَ الْأُمِّ ذَكَاةٌ لِجَنِينِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ خَرَجَ حَيًّا ذُبِحَ وَأُكِلَ

стр. 579

بَلْ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ أَنَّ الْعِرْضَ إذَا صَارَ مَثْلُومًا بِمُعَاوَدَةِ الْجِنَايَةِ أَنْ يَصِيرَ مَعْصُومًا بِمُعَاوَدَةِ الْعَدَالَةِ وَالْوِلَايَةِ (وَالْجَوَابُ) وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّ الْبَحْثَ هَهُنَا يَظْهَرُ بِقَاعِدَتَيْنِ (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا نَصَّبَ سَبَبًا لِحُكْمِهِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَجُوزُ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الْحِكْمَةِ حَيْثُ وُجِدَتْ لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي اعْتِبَارِ ذَلِكَ السَّبَبِ أَوْ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنَصِّبْهَا سَبَبًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ بَلْ سَبَبُ سَبَبِهِ وَقَدْ لَا يَصِحُّ سَبَبُ سَبَبِ الْحُكْمِ سَبَبًا لِلْحُكْمِ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ خَوْفَ الزِّنَى سَبَبُ وُجُوبِ الزَّوَاجِ وَالزَّوَاجَ سَبَبُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ خَوْفُ الزِّنَى سَبَبَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ كَمَا نَصَّبَ اللَّهُ تَعَالَى السَّرِقَةَ سَبَبًا لِلْقَطْعِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْمَالِ وَمَنْ أَخَذَ مَالًا بِغَيْرِ السَّرِقَةِ لَا يَجُوزُ قَطْعُهُ وَنَصَّبَ الزِّنَى سَبَبًا لِلرَّجْمِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَنْسَابِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ فَمَنْ سَعْي فِي الْتِبَاسِ الْأَنْسَابِ بِغَيْرِ الزِّنَى بِأَنْ يَجْمَعَ الصِّبْيَانَ وَيُغَيِّبَهُمْ صِغَارًا وَيَأْتِيَ بِهِمْ كِبَارًا فَلَا يَعْرِفُهُمْ آبَاؤُهُمْ لَا يَجُوزُ رَجْمُهُ لِذَلِكَ وَكَذَلِكَ شَرَعَ الرَّضَاعَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ بِسَبَبِ أَنَّ جُزْءَ الْمُرْضِعَةِ وَهُوَ اللَّبَنُ صَارَ جُزْءَ الرَّضِيعِ بِاغْتِذَائِهِ بِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَنِيَّهَا وَلَحْمَتَهَا فِي النَّسَبِ لِأَنَّهُمَا جُزْءُ الْجَنِينِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ «الرَّضَاعُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» . فَإِذَا أَخَذْنَا نُعَلِّلُ بِهَذَا الْحِكْمَةَ لَزِمَنَا أَنَّ مَنْ شَرِبَ دَمَ امْرَأَةٍ أَوْ أَوْ أَكَلَ قِطْعَةً مِنْ لَحْمِهَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَلِأَجْلِ مُلَاحَظَةِ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ إذَا اُسْتُهْلِكَ اللَّبَنُ وَعُدِمَ مَا يُسَمَّى رَضَاعًا وَلَبَنًا وَتَنَاوَلَهُ الصَّبِيُّ فَمَنْ عَلَّلَ بِالْحِكْمَةِ أَوْقَعَ بِهِ الْحُرْمَةَ قَالَهُ مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تَقَعُ بِهِ الْحُرْمَةُ إعْرَاضًا عَنْ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ اللَّبَنُ الْمَغْلُوبُ بِالْمَاءِ وَالْمُخْتَلِطُ بِالطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا لَا يُحَرِّمُ لِأَنَّ الطَّعَامَ أَصْلٌ وَاللَّبَنُ تَابِعٌ وَالدَّوَاءُ كَالْمَاءِ عِنْدَهُ وَهَهُنَا فِي بَابِ الْقَذْفِ شُرِعَ سَبَبًا لِلْجَلْدِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَعْرَاضِ وَصَوْنِ الْقُلُوبِ عَنْ الْأَذِيَّاتِ لَكِنْ اُشْتُرِطَ فِيهِ الْإِحْصَانُ وَمِنْ جُمْلَةِ عَدَمِ مُبَاشَرَةِ الزِّنَى فَمَنْ بَاشَرَ فَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ عَدَمُ الْمُبَاشَرَةِ فَإِنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَصْدُقَانِ وَالْعَدَالَةُ بَعْدُ ذَلِكَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ مُبَاشِرًا فَإِنْ لَاحَظْنَا الْحِكْمَةَ دُونَ السَّبَبِ حَسُنَ إعَادَةُ الْحَدِّ وَإِنْ اقْتَصَرْنَا عَلَى خُصُوصِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَإِنْ خَرَجَ مَيِّتًا فَهُوَ مَيْتَةٌ وَبَعْضُ مَنْ قَالَ إنَّ ذَكَاةَ الْأُمِّ ذَكَاةٌ لَهُ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ تَمَامَ خِلْقَتِهِ وَنَبَاتَ شَعْرِهِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي صِحَّةِ الْأَثَرِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ «سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْبَقَرَةِ أَوْ النَّاقَةِ أَوْ الشَّاةِ يَنْحَرُهَا أَحَدُنَا فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا أَنَأْكُلُهُ أَمْ نُلْقِيهِ فَقَالَ كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» وَخَرَّجَ مِثْلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْأُصُولِ فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي صِحَّتِهِ فَبَعْضِهِمْ لَمْ يُصَحِّحُهُ وَبَعْضُهُمْ صَحَّحَهُ وَمِنْهُمْ التِّرْمِذِيُّ وَأَمَّا مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ فِي هَذَا الْبَابِ لِلْأَثَرِ فَهُوَ أَنَّ الْجَنِينَ إذَا كَانَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ بِمَوْتِ أُمِّهِ فَإِنَّمَا يَمُوتُ خَنْقًا فَهُوَ مِنْ الْمُنْخَنِقَةِ الَّتِي وَرَدَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهَا وَإِلَى تَحْرِيمِهِ ذَهَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ حَزْمٍ وَلَمْ يَرْضَ سَنَدَ الْحَدِيثَ وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِ الْقَائِلِينَ بِاشْتِرَاطِ نَبَاتِ الشَّعْرِ فِي حَيَّتِهِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فَمُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ. وَذَلِكَ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﵇ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» يَقْتَضِي أَنْ لَا يَقَعَ هُنَالِكَ تَفْصِيلٌ وَكَوْنُهُ مَحَلًّا لِلذَّكَاةِ يَقْتَضِي أَنْ يَشْتَرِطَ فِيهِ الْحَيَاةَ قِيَاسًا عَلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَعْمَلُ فِيهَا التَّذْكِيَةُ وَالْحَيَاةُ لَا تُوجَدُ فِيهِ إلَّا إذَا نَبَتَ شَعْرُهُ وَتَمَّ حَلْقُهُ وَيُعَضِّدُ هَذَا الْقِيَاسَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقُولُونَ إذَا شَعَرَ الْجَنِينُ فَذَكَاتُهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ» إلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى سَيِّئُ الْحِفْظِ عِنْدَهُمْ وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ ذَكَاتُهُ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الْحَيَاةِ فِيهِ فَيَضْعُفُ أَنْ يُخَصَّصَ الْعُمُومُ الْوَارِدُ فِي ذَلِكَ بِالْقِيَاسِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ اهـ. وَقَالَ الْأَصْلُ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا لَمْ تَجْرِ فِي الْجِنْسَيْنِ حَيَاةٌ لَمْ تَصِحَّ فِيهِ ذَكَاةٌ لَا مِنْ قِبَلِهِ وَلَا مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ وَلَا يُؤْكَلُ وَإِنْ جَرَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ وَعَلَامَةُ ذَلِكَ عِنْدَنَا كَمَالُ الْخَلْقِ وَنَبَاتُ الشَّعَرِ فَإِنْ ذُكِّيَتْ الْأُمُّ وَخَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ عَلَى الْفَوْرِ كَرِهَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَوَقَعَ فِي الْجَلَّابِ تَحْرِيمُهُ وَإِنْ اسْتَهَلَّ صَارِخًا انْفَرَدَ بِحُكْمِ نَفْسِهِ وَإِنْ لَمْ تُذَكَّ الْأُمُّ وَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا أَوْ حَيًّا حَيَاةً لَا يَعِيشُ مَعَهَا عَلِمَ ذَلِكَ أَوْ شَكَّ فِيهِ لَمْ يُؤْكَلْ. وَإِنْ ذُكِيَتْ الْأُمُّ فَخَرَجَ مَيِّتًا فَذَكَاتُهَا ذَكَاتُهُ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَكَاةٍ تَخُصُّهُ وَلَا يَكْفِي فِيهِ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَمَّا

стр. 580

السَّبَبِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُودَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا التَّعَبُّدُ مِنْ جِهَةِ مَقَادِيرِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ أُصُولِهَا وَالتَّعَبُّدُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فِي الْأَذِيَّةِ الِاسْتِوَاءُ فِي الْحَدِّ بَلْ يُعَزَّرُ إنْ آذَاهُ بِالْقَذْفِ عَلَى قَاعِدَةِ السَّبِّ وَالشَّتْمِ فَلَا تَضِيعُ الْمَصْلَحَةُ وَلَا تُسْتَبَاحُ الْأَعْرَاضُ وَتَنْعَصِمُ بِالتَّعْزِيرِ وَقَدْ يَزِيدُ التَّعْزِيرُ عَلَى الْحَدِّ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ ﵀ فَلَا يَسْتَنْكِرُ إسْقَاطَ الْحَدِّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) قَاعِدَةُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] فَالْآيَةُ الْأُولَى مُطْلَقَةٌ وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ بِوَصْفِ الْغَفْلَةِ فَتُحْمَلُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمُبَاشِرُ لِلزِّنَى لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْهُ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لِأَنَّهُ لَوْ حُدَّ لَحَصَلَ مَعْنَى اللَّعْنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِهَا الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الصِّفَةِ لِأَنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِغَافِلٍ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَلَا يُلْعَنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ يُلْعَنُ بِالتَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَةِ الْمُؤْلِمَةِ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمَقْذُوفِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ أَمَّا عَوْدُ الْفُسُوقِ بِعَوْدِ الْجِنَايَةِ فَلِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْفُسُوقِ هُوَ مُلَابَسَةُ الْكَبِيرَةِ أَوْ الْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَلَا شَرْطٍ وَهُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى بِحَيْثُ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِفِسْقِ مُلَابِسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ صُورَةٍ عَنْ صُورَةٍ عَمَلًا بِطَرْدِ الْعِلَّةِ وَوُجُودِ الْمُوجِبِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ. (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَلْحَقُ فِيهِ الْوَلَدُ بِالْوَطْءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَلْحَقُ فِيهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَدْ أَطْلَقُوا الْقَوْلَ بِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ بِالْوَطْءِ إلَّا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَهَذَا الْكَلَامُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَلْحَقُ فِيهِ الْوَلَدُ بِالْوَطْءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَلْحَقُ فِيهِ إلَى قَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكْمُلُ خَلَفُهُ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ لَيْسَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ بَلْ كَلَامُهُمْ عَلَى إطْلَاقِهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ حَيْثُ الْقَوَاعِدُ فَلِأَنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ تُسْرِعُ زَهُوقَ نَفْسِهِ بِسُهُولَةٍ فَإِنَّهُ كَالْجُزْءِ مِنْهَا فَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةٍ أَوْ يُلَاحَظُ أَنَّهُ حَيَوَانٌ مُسْتَقِلُّ الْأَعْضَاءِ وَالْفَضَلَاتِ فَيَحْتَاجُ إلَى ذَكَاةِ تَخُصُّهُ وَمَوْتُهُ بِمَوْتِ أُمِّهِ مَوْتٌ لَهُ بِالْغَمِّ وَالْآفَاتِ الْحَاصِلَةِ لَهُ فِي مَحَلِّهِ وَالْمَوْتُ بِذَلِكَ لَا يُبِيحُ فِي غَيْرِ صُورَةِ النِّزَاعِ فَكَذَلِكَ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّصُّ فَقَوْلُهُ ﵇ «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَدْ مَرَّ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالسِّتِّينَ أَنَّهُ رُوِيَ بِرَفْعِ الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَا تَمَسَّكَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلِهِمْ بِاسْتِغْنَاءِ الْجَنِينِ عَنْ الذَّكَاةِ وَأَنَّهُ يُؤْكَلُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تَقْتَضِي حَصْرَ ذَكَاتِهِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ بِمَعْنَى أَنَّ ذَكَاةَ أُمِّهِ تُبِيحُهُ فَيَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ الذَّكَاةِ الَّتِي هِيَ فِي الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّبْحِ الْخَاصِّ فِي حَلْقِهِ فَبَيْنُهُ وَبَيْنَ أُمِّهِ مُلَابَسَةٌ تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ ذَكَاةُ أُمِّهِ هِيَ عَيْنُ ذَكَاتِهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ أَنَّ إضَافَةَ الْمَصَادِرِ مُخَالِفَةٌ لِإِسْنَادِ الْأَفْعَالِ فِي أَنَّهُ يَكْفِي فِي كَوْنِهَا حَقِيقَةً لُغَوِيَّةً أَدْنَى مُلَابَسَةٍ كَقَوْلِنَا صَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ بِخِلَافِ إسْنَادِ الْأَفْعَالِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ لِكَوْنِهِ حَقِيقَةً مُرَاعَاةُ الْفَاعِلِ الْحَقِيقِيِّ لَا مُطْلَقُ مُلَابِسٍ وَرُوِيَ بِنَصْبِ الذَّكَاةِ الثَّانِيَةِ وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ تَمَسَّكَ الْحَنَفِيَّةُ فِي قَوْلِهِمْ بِاحْتِيَاجِ الْجَنِينِ لِلذَّكَاةِ. وَأَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ بِذَكَاةِ أُمِّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ فَحُذِفَ الْمُضَافُ مَعَ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ فَأُعْرِبَ كَإِعْرَابِهِ عَلَى قَاعِدَةِ حَذْفِ الْمُضَافِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ ذَكَاةُ الْجَنِينِ دَاخِلَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ فَخُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ فَانْتَصَبَ الذَّكَاةُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ عَلَى حَدِّ دَخَلْت الدَّارَ بَلْ هَذَا التَّقْدِيرُ أَرْجَحُ مِمَّا قَدَّرَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا قِلَّةُ الْحَذْفِ وَثَانِيهِمَا الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَدَفْعُ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا اهـ بِتَلْخِيصٍ وَإِصْلَاحٍ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ يَقْتَضِي الْحَصْرَ وَاسْتِغْنَاءِ الْجَنِينِ عَنْ الذَّكَاةِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ تَرْجِيحِ التَّقْدِيرِ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِقِلَّةِ الْحَذْفِ وَإِنْ سُلِّمَ إلَّا أَنَّهُ يَضْعُفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَسَاقِ الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ ذَكَاةِ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ كَمَا أَنَّ التَّقْدِيرَ عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنْ ضَعُفَ بِكَثْرَةِ الْحَذْفِ إلَّا أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِأَنَّهُ مِنْ مُقْتَضَى مَسَاقِ الْكَلَامِ وَمَا قَالَهُ مِنْ تَرْجِيحِ التَّقْدِيرِ عَلَى مَا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ بِالْجَمْعِ لَا يَتِمُّ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ عَلَى مَا لِلْحَنَفِيَّةِ مَعَ أَنَّ الْجَمْعَ مُتَّجَهٌ عَلَى الْمَذْهَبَيْنِ مَعًا وَالشَّأْنُ إنَّمَا هُوَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْجَمْعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَبَسْطُهُ يَطُولُ فَتَأَمَّلْ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ أَيْضًا وَأَمَّا هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ

стр. 581

لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ إذَا كَانَ الْوَلَدُ قَدْ وُلِدَ تَامًّا فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ بَعْدَ الْوَطْءِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا أَمَّا أَقَلُّ فَلَا وَعَلَى هَذَا إذَا لَمْ تَلِدْهُ تَامًّا نُظِرَتْ نِسْبَةُ تِلْكَ الْمُدَّةِ لِذَلِكَ التَّخَلُّقِ إنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ تَصْلُحُ لَهُ أَلْحَقَتْهُ بِالْوَطْءِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لَهُ لَمْ يَلْحَقْ فَقَدْ يَلْحَقُ بِهِ لِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إذَا كَانَتْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ تَصْلُحُ لِذَلِكَ التَّخَلُّقِ وَعَلَى هَذَا الْمِنْهَاجِ يَكُونُ إلْحَاقُ الْوَلَدِ بِنِسْبَةِ الْمُدَّةِ إلَى صُورَةِ التَّخَلُّقِ فَقَوْلُهُمْ حِينَئِذٍ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ بَلْ مُرَادُهُمْ إذَا كَانَ كَامِلَ الْخَلْقِ فَإِنَّهُ لَا يَكْمُلُ خَلْقُهُ فِي أَقَلَّ مِنْ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَسَبَبُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جُمَيْعٍ وَغَيْرُهُ فِي التَّحَدُّثِ عَلَى الْأَجِنَّةِ أَنَّ الْجَنِينَ يَتَحَرَّكُ لِمِثْلِ مَا يُخْلَقُ فِيهِ وَبِوَضْعٍ لِمِثْلَيْ مَا تَحَرَّكَ فِيهِ قَالُوا وَتَخَلُّقُهُ فِي الْعَادَةِ تَارَةً يَكُونُ لِشَهْرٍ وَتَارَةً يَكُونُ لِشَهْرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ وَتَارَةً يَكُونُ لِشَهْرٍ وَنِصْفٍ فَإِذَا تَخَلَّقَ فِي شَهْرٍ بِمَعْنَى تَصَوَّرَتْ أَعْضَاؤُهُ تَحَرَّكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَتَحَرَّكُ فِي شَهْرَيْنِ وَيُوضَعُ لِمِثْلَيْ مَا تَحَرَّكَ فِيهِ وَمِثْلَا الشَّهْرَيْنِ أَرْبَعُ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةٌ مَعَ شَهْرَيْنِ سِتَّةٌ فَيُوضَعُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ تَخَلَّقَ لِشَهْرٍ وَخَمْسَةٍ أَمْ تَحَرَّكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَهُوَ شَهْرَانِ وَعَشْرَةُ أَيَّامٍ مِثْلَا ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَإِذَا أُضِيفَ ذَلِكَ لِمُدَّةِ التَّحَرُّكِ كَانَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ فَيُوضَعُ الْوَلَدُ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ تَخَلَّقَ لِشَهْرٍ وَنِصْفٍ تَحَرَّكَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَوُضِعَ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى التَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ فَلِذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْوَضْعُ الطَّبِيعِيُّ إلَّا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ تِسْعَةٍ قَالُوا وَلِهَذَا السَّبَبِ يَعِيشُ الْوَلَدُ الَّذِي يُوضَعُ لِسَبْعَةٍ وَلَا يَعِيشُ الَّذِي يُوضَعُ لِثَمَانِيَةٍ. وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ لِلْقُوَّةِ وَلِمُدَّةِ التِّسْعَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الَّذِي يُوضَعُ لِسَبْعَةٍ وُضِعَ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ سَلِيمًا عَلَى قَاعِدَةِ الْوِلَادَةِ وَاَلَّذِي وُضِعَ لِثَمَانِيَةٍ يَكُونُ بِهِ آفَةٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ عَجَّلَهُ عَنْ التِّسْعَةِ آفَةٌ أَوْ أَخَّرَتْهُ عَنْ السَّبْعَةِ آفَةٌ وَاَلَّذِي بِهِ آفَةٌ لَا يَعِيشُ فَالْمَوْلُودُ لِثَمَانِيَةٍ لَا يَعِيشُ فَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الْمَهْيِعُ الْعَامُّ وَالْعَادَةُ الْغَالِبَةُ قَالُوا وَقَدْ يَحْصُلُ عَارِضٌ مِنْ جِهَةِ الْمَنِيِّ فِي مِزَاجِهِ وَبَرْدِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَسَبَبُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ جُمَيْعٍ وَغَيْرُهُ فِي التَّحَدُّثِ عَلَى الْأَجِنَّةِ) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَتَقْرِيرُ كَلَامِ الْأَطِبَّاءِ فِي تَصَرُّفِ أَحْوَالٍ فَأَمَّا حِكَايَةُ الْأَقْوَالِ فَلَا كَلَامَ فِيهِ وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ الْأَطِبَّاءِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ عِنْدِي عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا لِمُخَالَفَتِهِ لِمُقْتَضَى الْآيَةِ وَلَا تَضُرُّ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ لِمُقْتَضَى الْحُسْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَا يُؤْكَلُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ وَذَكَاتُهُ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يُقْتَلَ إمَّا بِقَطْعِ رَأْسِهِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ يَجُوزُ أَكْلُ مَيْتَتِهِ وَبِهِ قَالَ مُطَرِّفٌ وَذَكَاةُ مَا لَيْسَ بِذِي دَمٍ عِنْدَ مَالِكٍ كَذَكَاةِ الْجَرَادِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَيْتَةِ الْجَرَادِ هُوَ هَلْ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَيْتَةِ أَمْ لَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَلِلْخِلَافِ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ هَلْ نَثْرَةُ حُوتٍ أَوْ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ اهـ. وَقَالَ الْأَصْلُ لَمْ يُشْتَرَطْ الذَّكَاةُ فِي الْجَرَادِ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مَنْ لَاحَظَ عَدَمَ الْفَضَلَاتِ فِيهَا بَلْ جَعَلَ اسْتِخْرَاجَ الْفَضَلَاتِ أَصْلًا وَإِرَاحَةَ الْحَيَوَانِ تَبَعًا وَأَجَازَ مَيْتَةَ ذَلِكَ كُلِّهِ وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَالدَّمَانِ الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ وَالْمَيْتَتَانِ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ» وَأَمَّا مَنْ لَاحَظَ سُرْعَةَ زَهُوقِ الرُّوحِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا فِي نَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُجْزِهَا إلَّا بِذَكَاةٍ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ أَيْضًا وَأَمَّا هَلْ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يَأْوِي فِي الْبَرِّ تَارَةً وَفِي الْبَحْرِ تَارَةً ذَكَاةٌ أَمْ لَا فَقَدْ غَلَّبَ قَوْمٌ فِيهِ حُكْمَ الْبَرِّ وَآخَرُونَ حُكْمَ الْبَحْرِ وَاعْتَبَرَ آخَرُونَ حَيْثُ يَكُونُ عَيْشُهُ وَمُتَصَرِّفُهُ مِنْهُمَا غَالِبًا اهـ. وَقَالَ الْأَصْلُ مَنْ لَاحَظَ قَاعِدَةَ إلْحَاقِ النَّادِرِ بِالْغَالِبِ فِي الشَّرِيعَةِ أَسْقَطَ ذَكَاةَ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ كَالتِّمْسَاحِ وَالتُّرْسِ وَغَيْرِهِمَا نَظَرًا لِغَالِبِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ وَمَنْ لَاحَظَ قَاعِدَةَ تَذْكِيَةِ الْحَيَوَانِ وَجَعَلَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَمْ يُسْقِطْ الذَّكَاةَ فِي هَذَا النَّوْعِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَهَذِهِ مَيْتَةٌ إلَّا أَنْ يُلَاحِظَ قَاعِدَةَ حَمْلِ اللَّفْظِ الْعَامِّ عَلَى سَبَبِهِ دُونَ عُمُومِهِ فَيَخْتَصُّ بِالْمَيْتَةِ الَّتِي وَرَدَتْ الْآيَةُ فِيهَا وَهِيَ الْمَيْتَةُ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَهَا مِنْ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ وَيَقُولُونَ تَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَ اللَّهُ اهـ (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) مَا ذَكَرَ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الذَّكَاةِ الْقَصْدُ إلَى اسْتِخْرَاجِ الدَّمِ الْحَرَامِ الْمُسْتَخْبَثِ مِنْ اللَّحْمِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ بِأَسْهَلِ الطُّرُقِ عَلَى الْحَيَوَانِ إنَّمَا يَتَيَسَّرُ فِي الْحَيَوَانِ الْإِنْسِيِّ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ أَمَّا الْوَحْشِيُّ فَقَدْ تَعَذَّرَ فِيهِ اسْتِخْرَاجُ الدَّمِ وَسُهُولَةُ الطَّرِيقِ وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقَصْدُ وَالْآلَةُ وَنُزِّلَ السَّهْمُ مَنْزِلَةَ الْمُدْيَةِ لِضَرُورَةِ الْفِرَارِ وَالتَّوَحُّشِ فَهُوَ أَيْ السَّهْمُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ وَيَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ الْجَارِحُ لِأَنَّ لَهُ اخْتِيَارًا يَبْعُدُ بِسَبَبِهِ عَنْ كَوْنِهِ آلَةً لِأَنَّهُ يَجُوزُ لِنَفْسِهِ لَكِنْ عَارَضَ كَوْنُهُ مُخْتَارًا عَدَمَ الْعَقْلِ فِيهِ فَعَدَمُ عَقْلِهِ مُخِلٌّ بِاخْتِيَارِهِ مُضَافًا إلَى التَّعْلِيمِ الْحَاصِلِ فِيهِ وَالْأَوْهَامُ الَّتِي حَصَّلَهَا فِيهِ الْآدَمِيُّ بِسَبَبِ التَّعْلِيمِ وَالسِّيَاسَةِ الْخَاصَّةِ فَصَارَ ذَلِكَ مُقَرَّبًا لِكَوْنِهِ آلَةً لَهُ وَلِذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَجُوسِيُّ آلَةً لِعَقْلِهِ وَكَمَالِ اخْتِيَارِهِ وَإِنْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ ذَبِيحَتَهُ مَيْتَةً كَافْتِرَاسِ الْوُحُوشِ كَمَا جَعَلَ نِسَاءَهُمْ كَالْبَهَائِمِ يَحْرُمُ وَطْؤُهُنَّ بِسَبَبِ عَدَمِ تَعْظِيمِهِمْ الْكُتُبَ

стр. 582

أَوْ يَبَسِهِ أَوْ مِنْ الرَّحِمِ فِي بَرْدِهِ أَوْ هَيْئَةٍ فِيهِ تَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَيَقْعُدُ الْوَلَدُ إلَى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا وَقَالَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْعَارِضَةُ قَدْ تُؤَخِّرُ الْوَلَدَ إلَى سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ أَوْ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَوْ إلَى خَمْسِ سِنِينَ وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ. وَوَقَعَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ ﵄ إلَى سَبْعَةٍ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ بِوَاسِطَ لِسَبْعِ سِنِينَ وَلَدًا لَهُ وَفْرَةٌ مِنْ الشَّعْرِ فَجَاءَ عِنْدَ الْوِلَادَةِ بِجَنْبِهِ طَائِرٌ فَقَالَ لَهُ كِشْ. وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ امْرَأَةَ الْعَجْلَانِيُّ دَائِمًا لَا تَضَعُ إلَّا لِخَمْسِ سِنِينَ وَهَذَا مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ الْغَرِيبَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَالْغَالِبُ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَدْ ظَهَرَ السِّرُّ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُلْحَقُ الْوَلَدُ فِيهِ وَبَيْنَ مَا لَا يُلْحَقُ فِيهِ (تَنْبِيهٌ) فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ ﵇ «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا نُطْفَةً ثُمَّ أَرْبَعِينَ عَلَقَةً ثُمَّ أَرْبَعِينَ مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» إشَارَةً إلَى الْأَطْوَارِ الثَّلَاثَةِ تَقْرِيبًا فَإِنَّ الْأَرْبَعِينَ تَقْرُبُ مِنْ الثَّلَاثِينَ وَالْخَمْسَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْخَمْسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ وَهِيَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَطْوَارِ مُتَوَسِّطَةٌ تَكَادُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْجَمِيعِ بِتَوَسُّطِهَا فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي جَمِيعِ الْأَجِنَّةِ وَلَوْ كَانَ عَلَى ظَاهِرِهِ لَكَانَتْ الْحَرَكَةُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَيَكُونُ الْوَضْعُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَهِيَ صُورَةٌ وَاقِعَةٌ صَحِيحَةٌ غَيْرَ أَنَّهَا نَادِرَةٌ فَلَكَ أَنْ تَقُولَ إنَّ قَوْلَهُ ﵇ يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ صِيغَةٌ مُطْلَقَةٌ لَا عُمُومَ فِيهَا فَيَتَأَدَّى بِصُورَةٍ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ وَحَصَلَ الْوَضْعُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَحَصَلَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَصِدْقُ الْخَبَرُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْعُدُولِ بِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى النَّادِرِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ وَيَكُونُ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْأَطْوَارِ كَمَا تَقَدَّمَ وَحَمَلْنَا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْمُبَاشِرَ لِصُوَرِ التَّخْلِيقِ وَالتَّحَرُّكِ وَالْوَضْعُ الْمُتَقَدِّمُ تَقْدِيرُهُ مُشَرِّحُونَ كَانُوا يُشَرِّحُونَ الْحَبَالَى وَيَشُقُّونَ أَجْوَافَهُمْ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَيَطَّلِعُونَ عَلَى ذَلِكَ حِسًّا وَعِيَانًا وَالْحِسُّ يُؤَوَّلُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (تَنْبِيهٌ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ ﵊ «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا نُطْفَةً ثُمَّ أَرْبَعِينَ عَلَقَةً ثُمَّ أَرْبَعِينَ مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» إشَارَةً إلَى الْأَطْوَارِ الثَّلَاثَةِ تَقْرِيبًا إلَى قَوْلِهِ وَالْحِسُّ مُؤَوَّلٌ لِأَجْلِهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ) قُلْت لَا حَاجَةَ إلَى تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ ذَلِكَ لَا تَتَحَقَّقُ صِحَّتُهُ وَالْأَصَحُّ إبْطَالُ مَا ذُكِرَ لِمُخَالَفَتِهِ الْحَدِيثَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْآلِهِيَّةَ وَالرُّسُلَ الرَّبَّانِيَّةَ فَاهْتُضِمُوا إلَى حَيْثُ جُعِلُوا كَالْبَهَائِمِ وَمَيَّزَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَيْهِمْ لِتَعْظِيمِهِمْ الرُّسُلَ وَالرَّسَائِلَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ (التَّنْبِيهُ الثَّانِي) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي الْبِدَايَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ فِي بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ نَحْرٌ وَذَبْحٌ وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ الذَّبْحُ وَأَنَّ مِنْ سُنَّةِ الْإِبِلِ النَّحْرُ وَأَنَّ الْبَقَرَ يَجُوزُ فِيهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ وَالذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ فِي الْغَنَمِ وَالطَّيْرِ وَلَا الذَّبْحُ فِي الْإِبِلِ إلَّا فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَقَالَ قَوْمٌ يَجُوزُ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ نُحِرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذُبِحَ مَا يُنْحَرُ أُكِلَ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ وَفَرَّقَ ابْنُ بِكِيرٍ بَيْنَ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ فَقَالَ يُؤْكَلُ الْبَعِيرُ بِالذَّبْحِ وَلَا تُؤْكَلُ الشَّاةُ بِالنَّحْرِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْفِعْلِ لِلْعُمُومِ فَأَمَّا الْعُمُومُ فَقَوْلُهُ ﵊ «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا» وَأَمَّا الْفِعْلُ فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ وَذَبَحَ الْغَنَمَ» وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ ذَبْحِ الْبَقَرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] وَعَلَى ذَبْحِ الْغَنَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْكَبْشِ ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَنْكِحَةِ الصَّبِيَّانِ تَنْعَقِدُ إذَا كَانُوا مُطِيقِينَ لِلْوَطْءِ وَلِلْوَلِيِّ الْإِجَازَةُ وَالْفَسْخُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ طَلَاقِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ] (الْفَرْقُ الْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَنْكِحَةِ الصِّبْيَانِ تَنْعَقِدُ إذَا كَانُوا مُطِيقِينَ لِلْوَطْءِ وَلِلْوَلِيِّ الْإِجَازَةُ وَالْفَسْخُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ طَلَاقِهِمْ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ) مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ سَبَبٌ لِشَيْءٍ فَالنِّكَاحُ سَبَبٌ لِلْإِبَاحَةِ وَالطَّلَاقُ سَبَبٌ لِلْبَيْنُونَةِ فَهُمَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ خِطَابَ الْوَضْعِ هُوَ الْخِطَابُ بِالْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالتَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَقَدَّمَ بَسْطُهَا وَأَنَّهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْلِيفُ وَلَا الْعِلْمُ وَلِذَلِكَ نُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَنُطَلِّقُ بِالْإِعْسَارِ وَإِنْ كَانَ مَعْجُوزًا عَنْهُ وَغَيْرَ مَشْعُورٍ بِهِ وَكَذَلِكَ بِالْإِضْرَارِ بِالْأَنْسَابِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ الْوَارِثُ وَلَا هُوَ مِنْ مَقْدُورِهِ فَإِنَّ مَعْنَى خِطَابِ الْوَضْعِ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ قَالَ إذَا وَقَعَ هَذَا فِي الْوُجُودِ فَاعْلَمُوا أَنِّي قَدْ حَكَمْت بِهَذَا فَكَانَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ طَلَاقُ الصِّبْيَانِ كَمَا انْعَقَدَتْ أَنْكِحَتُهُمْ إذَا كَانُوا مُطِيقِينَ لِلْوَطْءِ وَلِلْوَلِيِّ الْإِجَازَةُ وَالْفَسْخُ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا كَمَا أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ كَوْنِ إتْلَافِ الصَّبِيِّ سَبَبًا لِضَمَانِهِ وَعَقْدِ الْبَيْعِ سَبَبًا لِلُزُومِ الْبَيْعِ وَلَا بَيْنَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ إلَّا أَنَّ الْعَلَّامَةَ الْأَمِيرَ فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ ذَكَرَ سِرَّ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ إنَّمَا صَحَّ نِكَاحُ الصَّغِيرِ وَتَوَقَّفَ عَلَى النَّظَرِ وَلَمْ يَصِحَّ طَلَاقُهُ أَصْلًا لِأَنَّ الطَّلَاقَ كَمَا قَالَ الْمَشَذَّالِيُّ مِنْ قَبِيلِ الْحُدُودِ وَلِذَلِكَ تُشْطَرُ عَلَى الْعَبْدِ وَفِي الْقُرْآنِ

стр. 583

لِأَجْلِهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. (فَإِنْ قُلْت) هُمْ قَوْمٌ كُفَّارٌ لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِمْ فِي الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ فَلَا يُبْنَى عَلَى قَوْلِهِمْ لُحُوقُ الْوَلَدِ وَعَدَمُ لُحُوقِهِ. (قُلْت) قَدْ اعْتَبَرْنَا قَوْلَ الْكُفَّارِ فِي الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ مِنْ الطِّبِّيَّاتِ فَلَوْ شَهِدُوا بِعَدَمِ الْعَيْبِ قَبِلْنَا شَهَادَتَهُمْ وَقَضَيْنَا بِالرَّدِّ عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ وَلَوْ شَهِدُوا بِأَنَّ الْمَرَضَ مَخُوفٌ قَضَيْنَا بِرَدِّ التَّصَرُّفَاتِ وَالتَّبَرُّعَاتِ وَوَرَّثْنَا الْمُطَلَّقَةَ الثَّلَاثَ فِي ذَلِكَ الْمَرَضِ إذَا مَاتَ الْمُطَلِّقُ فِيهِ وَلَوْ شَهِدُوا بِأَنَّ هَذَا الدَّوَاءَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَا يَصْلُحُ بِهَذَا الْمَرَضِ وَإِنْ دَافَعَهُ لَهُ مُخْطِئٌ ضَمَّنَّاهُ بِشَهَادَتِهِمْ وَلَوْ شَهِدُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطِّبِّيَّاتِ وَالْجِرَاحَاتِ وَالْأُمُورِ الَّتِي هِيَ عِلْمُهُمْ وَدِرَايَتُهُمْ قَبِلْنَاهُ فَكَذَلِكَ هَهُنَا فَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ وَلَا شَهَادَتُهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ قَضَايَا الْحُكَّامِ أَمَّا فِي هَذَا الْبَابِ فَلَا وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ يُقْبَلُ قَوْلُ الْكَافِرِ فِي الذَّبِيحَةِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَهُوَ جَوَازُ التَّنَاوُلِ وَنَصُّوا أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ إذَا جَاءُوا بِهَا وَأَخْبَرُوا أَنَّ فُلَانًا بَعَثَ بِهَا مَعَهُمْ وَيُبَاحُ أَكْلُهَا بِذَلِكَ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَقْوَالِ الْكَفَّارَةِ فِي مَوَاطِنِهَا. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ قِيَافَتِهِ ﵇ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ قِيَافَةِ الْمُدْلِجِيِّينَ) اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ ﵄ قَالَا بِالْقَافَةِ فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ وَخَصَّصَهُ مَالِكٌ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ بِالْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْقَافَةِ أَصْلًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (فَإِنْ قُلْت هُمْ قَوْمٌ كُفَّارٌ لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِمْ فِي الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ فَلَا يَنْبَغِي عَلَى أَقْوَالِهِمْ لُحُوقُ الْوَلَدِ وَعَدَمُ لُحُوقِهِ) قُلْت السُّؤَالُ وَارِدٌ وَقَوْلُ السَّائِلِ عِنْدِي صَحِيحٌ قَالَ (قُلْت قَدْ اعْتَبَرْنَا قَوْلَ الْكُفَّارِ فِي الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ عَنَّا مِنْ الطِّبِّيَّاتِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) قُلْت مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْكُفَّارِ فِي الْمَوْطِنِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَحِيحٌ وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ بَلْ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ فِي مَوَاطِنِ إلْجَاءِ الضَّرُورَةِ إلَى قَبُولِ أَقْوَالِهِمْ وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ لُحُوقِ الْوَلَدِ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ لِأَنَّ الْآيَةَ يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا تَعْيِينَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ تَكْذِيبَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلَاقِ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَلَا حَدَّ عَلَى الصَّبِيِّ، وَالنِّكَاحُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ فَيَنْظُرُ الْوَلِيُّ الْأَصْلَحَ. اهـ بِلَفْظِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا قَالَهُ الْأَصْلُ فِي سِرِّ الْفَرْقِ هُنَا مِنْ أَنَّ عَقْدَ الْأَنْكِحَةِ سَبَبُ إبَاحَةِ الْوَطْءِ وَهُوَ أَصْلٌ لِلْخِطَابِ بِالْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ دُونَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ لِأَنَّهُمَا تَكْلِيفٌ وَمَشَقَّةٌ مِنْ جِهَةِ لُزُومِ اسْتِحْقَاقِ الْعِقَابِ الْمَحْمُولِ عَنْ الصِّبْيَانِ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ وَالطَّلَاقُ سَبَبُ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ بِإِسْقَاطِ الْعِصْمَةِ فِي الزَّوْجَةِ وَالصَّبِيُّ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّحْرِيمِ فَلِذَا لَمْ يَنْعَقِدْ الطَّلَاقُ سَبَبًا فِي حَقِّهِ فَهُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّهُمَا سَبَبَانِ وَخِطَابُ وَضْعٍ إلَّا أَنَّ أَحَدَهُمَا وَهُوَ الطَّلَاقُ لَمَّا انْضَافَ إلَيْهِ تَكْلِيفٌ دُونَ الْآخَرِ انْتَفَى عَنْهُ دُونَهُ الِانْعِقَادُ فِي حَقِّهِ وَالْإِتْلَافُ وَإِنْ انْعَقَدَ فِي حَقِّهِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَالْوُجُوبُ تَكْلِيفٌ حَتَّى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ الْإِخْرَاجُ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ الْمُتْلِفِ فَإِنْ تَأَخَّرَ ذَلِكَ الْبُلُوغُ وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ وَخُوطِبَ هُوَ حِينَئِذٍ إلَّا أَنَّ تَأْخِيرَ مُسَبَّبِ الْإِتْلَافِ عَنْهُ إلَى بَعْدِ الْبُلُوغِ عِنْدَ حُصُولِ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لِإِمْكَانِ الْإِخْرَاجِ حَالَةَ الْإِتْلَافِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ أَوْ مِمَّنْ يَتَبَرَّعُ بِهِ عَنْهُ بَلْ هَذَا هُوَ الْغَالِبُ وَالْعَجْزُ عَنْ إخْرَاجِ الضَّمَانِ مِنْ مَالِهِ فِي الْحَالِ نَادِرٌ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ وَانْعَقَدَ الْإِتْلَافُ سَبَبًا مُطْلَقًا وَأَمَّا الطَّلَاقُ فَإِنَّهُ لَوْ انْعَقَدَ فِي حَقِّهِ لَكَانَ يَتَعَيَّنُ تَأْخِيرُ التَّحْرِيمِ فِيهِ الْأَمَدَ الطَّوِيلَ وَالسِّنِينَ الْكَثِيرَةَ إلَى حِينِ الْبُلُوغِ عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ فَلَا جَرَمَ لَمْ يَنْعَقِدْ فِي حَقِّهِ اهـ. لِقَوْلِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ الشَّاطِّ فِيمَا فَرَّقَ بِهِ هُنَا نَظَرٌ. اهـ قُلْت وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالْعِشْرِينَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِعَيْنِهِ مَشَقَّةٌ لِأَنَّهُ مَنْعُ الْإِنْسَانِ مِنْ الِاسْتِرْسَالِ مَعَ دَوَاعِي نَفْسِهِ وَهُوَ أَمْرٌ نِسْبِيٌّ وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ سُمِّيَ تَكْلِيفًا وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ حَتَّى الْإِبَاحَةِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُقَرَّرَةَ كَمَا فِي الْمُوَافَقَاتِ أَنَّ الشَّرَائِعَ إنَّمَا جِيءَ بِهَا لِمَصَالِح الْعِبَادِ فَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالتَّخْيِيرُ جَمِيعًا رَاجِعَةٌ إلَى حَظِّ الْمُكَلَّفِ وَمَصَالِحِهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنْ الْحُظُوظِ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَعْرَاضِ غَيْرَ أَنَّ الْحَظَّ إنْ أَخَذَهُ الْعَبْدُ مِنْ جِهَةِ الطَّلَبِ فَقَطْ كَالْوَاجِبِ وَالْمُحَرَّمِ لَمْ يَكُنْ سَاعِيًا فِي حَظِّهِ وَإِنْ لَمْ يَفُتْهُ حَظُّهُ وَإِنْ أَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ بَاعِثُ نَفْسِهِ فَإِمَّا أَنْ يَطْلُبَهُ مَعَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ دَاخِلًا تَحْتَ الطَّلَبِ أَيْضًا كَالْمَنْدُوبِ وَالْمَكْرُوهِ فَيَلْحَقُ بِمَا قَبْلَهُ فِي التَّجَرُّدِ عَنْ الْحَظِّ وَيُسَمَّى بِاسْمِهِ وَإِمَّا أَنْ يَطْلُبَهُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ تَحْتَ الطَّلَبِ كَالْمُبَاحِ فَلَا يَكُونُ آخِذًا لَهُ إلَّا مِنْ جِهَةِ إرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ لِأَنَّ الطَّلَبَ مَرْفُوعٌ عَنْهُ بِالْفَرْضِ فَلِهَذَا يُقَالُ إنَّ الْمُبَاحَ هُوَ الْعَمَلُ الْمَأْذُونُ فِيهِ الْمَقْصُودُ بِهِ مُجَرَّدُ الْحَظِّ الدُّنْيَوِيِّ خَاصَّةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ فِيهِ الْحَظُّ الْمَذْكُورُ

стр. 584

فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ فَلَا يَجُوزُ كَالِاعْتِمَادِ عَلَى النُّجُومِ وَعَلَى عِلْمِ الرَّمْلِ وَالْفَأْلِ وَالزَّجْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْخَلْقِ عَلَى الْأَنْسَابِ مِنْ بَابِ الْحَزْرِ الْبَعِيدِ وَمَعَ طُولِ الْأَيَّامِ يُولَدُ لِلشَّخْصِ مَنْ لَا يُشْبِهُهُمَا فِي خَلْقٍ وَلَا فِي خُلُقٍ وَقَدْ «قَالَ ﵇ لِلَّذِي أَنْكَرَ وَلَدَهُ مِنْ لَوْنِهِ لَعَلَّهُ عِرْقٌ نَزَعَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا أَلْوَانُهَا قَالَ بِيضٌ قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ الْأَوْرَقُ قَالَ لَعَلَّهُ عِرْقٌ نَزَعَ قَالَ لَهُ ﵇ لَعَلَّهُ عِرْقٌ نَزَعَ» يُشِيرُ إلَى أَنَّ صِفَاتِ الْأَجْدَادِ وَأَجْدَادِ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ قَدْ تَظْهَرُ فِي الْأَبْنَاءِ فَيَأْتِي الْوَلَدُ يُشْبِهُ غَيْرَ أَبَوَيْهِ وَقَدْ يَأْتِي يُشْبِهُ أَبَوَيْهِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْوَاطِئَ الزَّانِي بِأُمِّهِ كَانَ يُشْبِهُ أَبَاهُ أَوْ جَدًّا مِنْ أَجْدَادِهِ أَوْ خَالًا مِنْ أَخْوَالِهِ يُشْبِهُ أَبَاهُ الَّذِي أَلْحَقَتْهُ بِهِ الْقَافَةُ وَلَيْسَ بَابٌ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِذَا لَمْ يَطَّرِدْ وَلَمْ يَنْعَكِسْ لَمْ يَجُزْ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ الْبَعِيدِ وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ بِمَا فِي مُسْلِمٍ «قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤْسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» فَقَالَ أَبُو دَاوُد كَانَ أُسَامَةُ شَدِيدَ السَّوَادِ وَأَبُوهُ شَدِيدَ الْبَيَاضِ فَطَعَنَتْ الْجَاهِلِيَّةُ عَلَى زَيْدٍ بِذَلِكَ فَسُرَّ ﵇ لِعِلْمِهِ بِتَرْكِ الطَّعْنِ عِنْدَ ذَلِكَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُسَرُّ إلَّا بِسَبَبٍ حَقٍّ فَتَكُونُ الْقِيَافَةُ حَقًّا وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. أَجَابَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِوَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ سُرَّ لِكَوْنِ الْقِيَافَةِ حَقًّا بَلْ جَازَ أَنْ يُسَرَّ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْجَاهِلِيَّةِ بِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَالْحُجَّةُ قَدْ تَقُومُ عَلَى الْخَصْمِ بِمَا يَعْتَقِدُهُ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَقَدْ يُؤَيِّدُ اللَّهُ الْحَقَّ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِمَا شَاءَ فَإِخْمَالُ الْبَاطِلِ وَدَحْضُهُ يُوجِبُ السُّرُورَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ (الثَّانِي) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُرَّ بِوُجُودِهِ آيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهَا بَلْ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَظُهُورِ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فَلِمَ لَا يَكُونُ هُنَا كَذَلِكَ. أَجَابَ الْفُقَهَاءُ عَنْ الْأَوَّلِ بِمَا جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ الْمَشْهُورِ «لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ بِوَاسِطَةِ الْحَجْرِ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ إلَّا بِمُقْتَضَى الْإِذْنِ لَمْ يَخْلُ عَنْ كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا عَنْ الْعَلَّامَةِ الْأَمِيرِ أَنَّ التَّكْلِيفَ كَمَا يُفَسَّرُ بِإِلْزَامِ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ فَلَا يَشْمَلُ النَّدْبَ وَالْكَرَاهَةَ كَذَلِكَ يُفَسَّرُ بِالطَّلَبِ فَيَشْمَلُهُمَا وَعَلَى الْأَوَّلِ يَظْهَرُ مَا رَجَّحَهُ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ تَعَلُّقِ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ بِالصَّبِيِّ كَأَمْرِهِ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ مِنْ الشَّارِعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ أَمْرٌ وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَلَيْسَتْ تَكْلِيفًا عَلَيْهَا وَعَدَّهَا فِي أَحْكَامِهِ إمَّا تَغْلِيبًا وَإِمَّا لِأَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِالْمُكَلَّفِ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ الصَّبِيِّ وَنَحْوِهِ كَالْبَهَائِمِ مُهْمَلَةٌ وَلَا يُقَالُ إنَّهَا مُبَاحَةٌ إذْ الْمُبَاحَةُ مَا لَا إثْمَ فِي فِعْلِهَا وَلَا فِي تَرْكِهَا وَلَا يُنْفَى الشَّيْءُ إلَّا حَيْثُ يَصِحُّ ثُبُوتُهُ. اهـ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يَلُونَ عَقْدَ الْأَنْكِحَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَصَبَةِ فَإِنَّهُمْ يَلُونَ الْعَقْدَ فِي النِّكَاحِ] (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ لَا يَلُونَ عَقْدَ الْأَنْكِحَةِ وَهُمْ أَخُو الْأُمِّ وَعَمُّ الْأُمِّ وَجَدُّ الْأُمِّ وَبَنُو الْأَخَوَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَنَحْوُهُمْ مِمَّنْ يُدْلِي بِأُنْثَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَصَبَةِ فَإِنَّهُمْ يَلُونَ الْعَقْدَ فِي النِّكَاحِ وَهُمْ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْجُدُودُ وَالْعُمُومَةُ وَالْإِخْوَةُ الشَّقَائِقُ وَإِخْوَةُ الْأَبِ) وَهُوَ أَنَّ الْوَلَاءَ شُرِعَ لِحِفْظِ النَّسَبِ فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ كَذَوِي الْأَرْحَامِ وَإِنَّمَا يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ يَكُونُ لَهُ نَسَبٌ حَتَّى تَحْصُلَ الْحِكْمَةُ لِمُحَافَظَتِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ يَكُونُ أَبْلَغَ فِي اجْتِهَادِهِ فِي نَظَرِهِ فِي تَحْصِيلِ الْإِكْفَاءِ وَرَدِّهِ الْعَارَ عَنْ النَّسَبِ وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي الِابْنِ فَقَالَ لَا وِلَايَةَ لَهُ مُحْتَجًّا عَلَى ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ (أَحَدُهَا) قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» وَالِابْنُ لَا يُسَمَّى مَوْلًى (وَثَانِيهَا) أَنَّهُ يُدْلِي بِهَا فَلَا يُزَوِّجُهَا كَتَزْوِيجِهَا لِنَفْسِهَا فَإِنَّ الْفَرْعَ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ وَلَمَّا أَدْلَى بِهَا صَارَ فِي مَعْنَاهَا (وَثَالِثُهَا) أَنَّهُ شَخْصٌ لَا تَصِحُّ مِنْ أَبِيهِ الْوِلَايَةُ فَلَا تَصِحُّ مِنْهُ كَابْنِ الْخَالِ مَعَ الْخَالِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الثَّلَاثَةِ الْوُجُوهِ أَمَّا عَنْ الْأَوَّلِ فَبِوَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الْحَدِيثَ كَمَا رُوِيَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهَا كَذَلِكَ رُوِيَ «بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا» وَالِابْنُ وَلِيُّ أُمِّهِ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ مِنْ الْقُرْبِ لِقَوْلِ الْعَرَبِ هَذَا يَلِي هَذَا أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ ابْنَهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ جُزْؤُهَا وَجُزْءُ الشَّيْءِ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ الْمَوْلَى فِي الْحَدِيثِ عَلَى رِوَايَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ خُصُوصُ السَّيِّدِ حَتَّى يَصِحَّ أَنْ يُقَالَ لَا يُسَمَّى الِابْنُ مَوْلًى بَلْ الْمَوْلَى لَهُ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ

стр. 585

وَكَانَتْ حَامِلًا إنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحِرَةٌ فَلَا أَرَاهَا إلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الْبُخَارِيِّ «كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعْرِ. وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدِلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ جَعْدًا قَطَطًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَجَاءَتْ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا» (فَائِدَةٌ) الْوَحِرَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ دُوَيْبَّةٌ حَمْرَاءُ تَلْصَقُ بِالْأَرْضِ وَالْأَعْيَنُ الْوَاسِعُ الْعَيْنَيْنِ وَالْآدَمُ الشَّدِيدُ الْأُدْمَةِ وَهِيَ سُمْرَةٌ بِحُمْرَةٍ وَالْخَدْلُ الْكَثِيرُ اللَّحْمِ فِي السَّاقَيْنِ يُقَالُ رَجُلٌ خَدْلٌ وَامْرَأَةٌ خَدْلَاءُ وَالْقَطَطُ الشَّدِيدُ الْجُعُودَةِ كَشَوْرِ السُّودَانِ وَبِمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ لَمَّا قَالَتْ أَوَ تَجِدُ الْمَرْأَةُ مَا يَجِدُ الرَّجُلُ يَعْنِي مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ وَاللَّذَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ فَقَالَ لَهَا ﵇ تَرِبَتْ يَدَاك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ وَمَنِيَّ الرَّجُلِ يُحْدِثُ شَبَهًا فِي الْوَلَدِ بِالْأَبَوَيْنِ فَيَأْتِي فِي الْخِلْقَةِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمَحَاسِنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَنْسَابِ وَحَدِيثُ اللِّعَانِ أَيْضًا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى عَلَى خِلْقَةٍ مَخْصُوصَةٍ أَنَّهَا تُوجِبُ أَنَّهُ مِنْ وَاطِئٍ مَخْصُوصٍ وَأَنَّهُ يُوجِبُ النَّسَبَ إنْ جَاءَتْ بِهِ يُشْبِهُ صَاحِبَ الْفِرَاشِ وَإِذَا اسْتَدَلَّ ﵇ بِالْخَلْقِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ عَلَى الْأَنْسَابِ فَالْأَوْلَى ثُبُوتُ الدَّلِيلِ بِالْخَلْقِ الْمُشَاهَدِ فَإِنَّ الْحِسَّ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَثْبَتَ هَذَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي صُورَةٍ لَيْسَ فِيهَا غَرَضٌ لِلْمُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا وَأَنَّ سُرُورَهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِحَقٍّ لَا لِأَجْلِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ رَجْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودِيَّيْنِ إنَّمَا كَانَ بِوَحْيٍ وَصَلَ إلَيْهِ ﷺ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّوْرَاةِ فِي آيَةِ الرَّجْمِ وَتَجْوِيزِ أَنَّهَا مِنْ الْمُحَرَّفَاتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ آيَةَ الرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَحِيحًا لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ إنَّمَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ رَآهَا مَكْتُوبَةً فِي نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ عِنْدَهُ بِالطَّرِيقِ الصَّحِيحِ إلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي النُّسَخِ شَيْءٌ مَكْتُوبًا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنَّا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ وَجَدَ فِي كُتُبِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ مِنْهَا النَّاصِرَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] أَيْ نَاصِرُهُ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] أَيْ لَا نَاصِرَ لَهُمْ وَهُوَ كَثِيرٌ وَالِابْنُ نَاصِرُ أُمِّهِ فَيَكُونُ هُوَ مَوْلَاهَا بَلْ هَذَا الِاحْتِمَالُ أَوْلَى لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ (وَأَمَّا عَنْ الثَّانِي) فَبِالْفَرْقِ بِقُوَّةِ عَقْلِهِ النَّاشِئِ عَنْ الذُّكُورِيَّةِ وَضَعْفِ عَقْلِهَا النَّاشِئِ عَنْ الْأُنُوثَةِ (وَأَمَّا عَنْ الثَّالِثِ) فَبِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَيَتَعَلَّقُ بِهِ عَارُهَا بِخِلَافِ أَبِيهِ وَابْنِ الْخَالِ فَإِنَّ ابْنَ الْخَالِ بَعِيدٌ عَنْهَا لَا تَنْكِيهِ فَضِيحَتُهَا كَمَا تَنْكِي ابْنَهَا بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الِابْنُ مُقَدَّمًا عَلَى جَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ حَتَّى الْأَبِ لِأَنَّهُ جُزْؤُهَا وَجُزْؤُهَا أَمَسُّ بِهَا مِنْ الْأُمُورِ الْخَارِجَةِ نَعَمْ فِي شب أَنَّ أَبَ الْمَجْنُونَةِ مُقَدَّمٌ فِي الْجَبْرِ عَلَى ابْنِهَا وَالِابْنُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ فِي الْوِلَايَةِ. اهـ لَكِنَّهُ غَيْرُ الْمَعْقُولِ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ بِأَنَّ فِي سَبَبِيَّتِهِ أَيْ مُقَدَّمٌ بِسَبَبِ الْجَبْرِ عَلَى ابْنِ الْمَجْنُونَةِ وَالِابْنِ مَنْ زِنًى مَثَلًا لِأَنَّ الْجَبْرَ وِلَايَةٌ وَزِيَادَةٌ فَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الِابْنَ لَهُ جَبْرٌ، وَالِابْنُ مُقَدَّمٌ فِي الْوِلَايَةِ الَّتِي لَا جَبْرَ فِيهَا وَهِيَ الْآتِيَةُ فِي الْعَصَبَاتِ أَفَادَهُ الْأَمِيرُ فِي شَرْحِ الْمَجْمُوعِ وُضُوءِ الشُّمُوعِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي كُلِّ وِلَايَةٍ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا وَلِذَلِكَ قُدِّمَ فِي الْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَيْقَظُ وَأَكْثَرُ تَفَطُّنًا لِوُجُوهِ الْحِجَاجِ وَسِيَاسَةِ الْخُصُومِ وَأَضْبَطُ لِلْفِقْهِ وَفِي الْحُرُوبِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَكَايِدِهَا وَسِيَاسَةِ الْجُنْدِ أَوْ الْجُيُوشِ وَفِي الْفُتْيَا مَنْ هُوَ أَوْرَعُ وَأَضْبَطُ لِمَنْقُولَاتِ الْفِقْهِ وَفِي أَمَانَةِ الْحُكْمِ عَلَى الْأَيْتَامِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِتَنْمِيَةِ الْأَمْوَالِ وَمَقَادِيرِ النَّفَقَاتِ وَالْكُلَفِ وَالْجِدَالِ فِي الْخِصَامِ لِيُنَاضِلَ عَنْ الْأَيْتَامِ وَفِي سِعَايَةِ الزَّكَاةِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِنِصَابِهَا وَالْوَاجِبِ فِيهَا وَأَحْكَامِ الزَّكَاةِ مِنْ الِاخْتِلَاطِ وَالِافْتِرَاقِ وَأَقْوَى خَرْصًا لِلثِّمَارِ وَرُبَّمَا كَانَ الْمُقَدَّمُ فِي بَابٍ مُؤَخَّرًا فِي بَابٍ آخَرَ كَمَا قُدِّمَ الرِّجَالُ فِي الْحُرُوبِ وَالْإِمَامَةِ وَأُخِّرُوا فِي الْحَضَانَةِ فَإِنَّ مَزِيدَ إنْفَاقِهِمْ يَمْنَعُهُمْ مِنْ تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الْأَطْفَالِ وَأُخِّرَ النِّسَاءُ فِي الْحُرُوبِ وَالْإِمَامَةِ وَقُدِّمْنَ فِي الْحَضَانَةِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُنَّ بِسَبَبِ مَزِيدِ شَفَقَتِهِنَّ وَصَبْرِهِنَّ عَلَى الْأَطْفَالِ أَكْمَلُ فِيهَا مِنْهُمْ فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ يُقَدَّمُ كُلُّ وَلِيٍّ تَكُونُ صِفَتُهُ أَقْرَبَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ صِفَةَ أَقْرَبِيَّتِهِ تَكُونُ حَاثَّةً عَلَى حُسْنِ النَّظَرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ أَشْفَقُ عَلَيْهِ مِنْ ابْنِ عَمِّهِ لَا سِيَّمَا إذَا بَعُدَ وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اعْتَبَرَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْ عَصَبَتِهَا لِحَدِيثِ عُمَرَ «لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا أَوْ ذِي الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ السُّلْطَانِ» وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ مَالِكٌ فِي الِابْنِ لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ

стр. 586

التَّوَارِيخِ حِكَايَاتٍ وَأُمُورًا كَثِيرَةً وَلَا يَقْضِي بِصِحَّتِهَا فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِذَا كَانَ ﵇ حَكَمَ بِالْوَحْيِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْنَا هَهُنَا فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَحْيِ بَلْ ظَاهِرُ الْأَمْرِ خِلَافُهُ فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ هَذَا مُدْرَكٌ صَحِيحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَزْرِ الْبَاطِلِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ (سُؤَالٌ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ الْعَجَبُ مِنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵄ كَوْنُهُمَا لَمْ يَسْتَدِلَّا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي ثُبُوتِ الْقِيَافَةِ إلَّا بِحَدِيثِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ آحَادِ النَّاسِ مُعَرَّضٌ لِلصَّوَابِ وَالْخَطَأِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَرَّحَ بِالْقِيَافَةِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَكَانَ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا صَدَرَ عَنْهُ ﵇ قَوْلًا وَفِعْلًا وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ أَوْلَى مِمَّا أَقَرَّ عَلَيْهِ فَإِنَّ حَدِيثَ الْمُدْلِجِيِّ إنَّمَا وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْإِقْرَارِ عَلَى مَا قَالَهُ وَأَيْنَ إقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا فَعَلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ ﷺ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِأَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ اسْتِدْلَالٌ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَافَةِ وَهَذَا عَجَبٌ عَظِيمٌ فِي عُدُولِهِمْ عَنْ مُدْرَكٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشُّهْرَةِ إلَى مَا هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ بِكَثِيرٍ وَلَمْ يُعَرِّجْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْقَوِيِّ أَلْبَتَّةَ (جَوَابُهُ) أَنَّ لِذَلِكَ مُوجِبًا حَسَنًا وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وُفُورِ الْعَقْلِ وَصَفَاءِ الذِّهْنِ وَجَوْدَةِ الْفِرَاسَةِ أَمْرًا عَظِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ فَرْقٌ لَا يُدَانَى وَلَا يُقَارَبُ وَكَذَلِكَ فِي حَوَاسِّهِ وَقُوَى جَسَدِهِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ فَكَانَ يَرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَيَرَى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَنَحْنُ لَا نَرَى فِيهَا إلَّا سِتَّةً فَلَوْ اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِقِيَافَتِهِ ﵇ لَمْ تَقُمْ الْحُجَّةُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ إذْ كَانَ لَهُ أَنْ يَقُولَ إذَا صَحَّتْ الْقِيَافَةُ مِنْ تِلْكَ الْفِرَاسَةِ. النَّبَوِيَّةِ الْقَوِيَّةِ الْمَعْصُومَةِ عَنْ الْخَطَأِ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ فِرَاسَةَ الْخَلْقِ الضَّعِيفَةَ تُدْرِكُ مِنْ الْخَلْقِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْأَنْسَابِ وَلَعَلَّهَا عَمْيَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ لِقُصُورِهَا وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا إلَّا حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ بَاطِلٌ كَمَا أَنَّا عَمِينَا فِي بَقِيَّةِ كَوَاكِبِ الثُّرَيَّا لَا نُدْرِكُهَا أَلْبَتَّةَ لِضَعْفِنَا وَالْبَصَرُ كَالْبَصَرِ وَأَنْتُمْ تَقْصِدُونَ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ ثُبُوتَ حُكْمِ الْقِيَافَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يَتَأَتَّى لَكُمْ ذَلِكَ وَإِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ تَعَذَّرَ جَوَابُهُ وَبَطَلَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ أَمَّا إذَا اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ بِقَضِيَّةِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فَقَدْ اسْتَوْلَوْا بِشَيْءٍ يُمْكِنُ وُجُودُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْقَبِيلَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ﷺ أَمَرَ ابْنَهَا أَنْ يُنْكِحَهَا إيَّاهُ» وَلِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَعْنِي مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ عَلَى أَنَّ الِابْنَ يَرِثُ الْوَلَاءَ الْوَاجِبَ لِلْأُمِّ، وَالْوَلَاءُ لِلْعَصَبَةِ اهـ. فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الفرق بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَجْدَادِ فِي الْمَوَارِيثِ يُسَوُّونَ بِالْإِخْوَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَتِهِمْ فِي النِّكَاحِ وَمِيرَاثِ الْوَلَاءِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ تُقَدِّمُ الْإِخْوَةُ عَلَيْهِمْ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَجْدَادِ فِي الْمَوَارِيثِ يُسَوُّونَ بِالْإِخْوَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَتِهِمْ فِي النِّكَاحِ وَمِيرَاثِ الْوَلَاءِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ تَقَدَّمَ الْإِخْوَةُ عَلَيْهِمْ) مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْعَصَبَةِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَفِيمَا إذَا وَصَّى لِأَقْرَبِ عَصَبَةٍ وَفِي مِيرَاثِ الْوَلَاءِ وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَفِي النِّكَاحِ وَفِي تَكْمِيلِ عَدَدِ الْعَاقِلَةِ هَكَذَا ابْنٌ وَإِنْ سَفَلَ فَأَبٌ فَأَخٌ فَابْنُهُ فَجَدٌّ أَدْنَى فَعَمٌّ أَدْنَى فَابْنُهُ فَأَبُو الْجَدِّ فَعَمُّ الْأَبِ وَهَكَذَا يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَى فَرْعِهِ وَالْفَرْعُ عَلَى أَصْلِ أَصْلِهِ وَابْنُ الْأَخِ الشَّقِيقِ عَلَى ابْنِ الْأَخِ لِلْأَبِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ كَمَا فِي ضَوْءِ الشُّمُوعِ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ يُقَدَّمُ الْجَدُّ عَلَى الْأَخِ لِأَنَّهُ أَبٌ. اهـ وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَبَ أَوْلَى مِنْ الِابْنِ وَهُوَ أَحْسَنُ وَقَالَ أَيْضًا الْجَدُّ أَوْلَى مِنْ الْأَخِ وَبِهِ قَالَ الْمُغِيرَةُ وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ مَالِكًا فِي وِلَايَةِ الْبُنُوَّةِ فَلَمْ يُجِزْهَا أَصْلًا بَلْ قَالَ لَا وِلَايَةَ لِلِابْنِ وَفِي تَقْدِيمِ الْإِخْوَةِ عَلَى الْجَدِّ اهـ. وَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْحَضَانَةِ أَنْ يُتَوَسَّطَ الْأَجْدَادُ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَأَبْنَائِهِمْ وَفِي الْمَوَارِيثِ وَاسْتِيفَاءِ الدَّمِ مِنْ الْجَانِي أَنْ يُسَوَّى الْأَجْدَادُ بِالْإِخْوَةِ بِأَنْ يُقَدَّمَ الْأَخُ ثُمَّ الْجَدُّ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُ الْعَمِّ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلِ عج - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: بِغُسْلٍ وَإِيصَاءٍ وَلَاءٍ جِنَازَةٍ ... نِكَاحٍ أَخًا وَابْنًا عَلَى الْجَدِّ قَدِّمْ وَعَقْلٍ وَوَسَطِهِ بِبَابِ حَضَانَةٍ ... وَسَوِّهِ مَعَ الْأَبَاءِ فِي الْإِرْثِ وَالدَّمْ وَمُرَادُهُ بِالْآبَاءِ الْإِخْوَةُ دُونَ أَبْنَائِهِمْ قَالَ الْأَصْلُ وَسِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَوَارِيثِ وَبَيْنَ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ أَعْنِي النِّكَاحَ وَمِيرَاثَ الْوَلَاءِ وَمِنْهُ الْإِيصَاءُ وَتَكَمُّلُ عَدَدِ الْعَاقِلَةِ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَمِنْهُ غُسْلُ الْمَيِّتِ هُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَتْ الْعُمْدَةُ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَنَّ حُجَّةَ الْجَدِّ فِي بَابِ الْمَوَارِيثِ أَنْ يَقُولَ أَنَا أَبُو أَبِيهِ وَالْأُبُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُخُوَّةِ قَطْعًا وَمِنْ حُجَّةِ الْأَخِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ أَنْ يَقُولَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُدْلِي بِالْبُنُوَّةِ عَارَضَهَا فِي بَابِ ابْنِ أَبِيهِ وَالْبُنُوَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْأُبُوَّةِ قَطْعًا فَقَدْ حَجَبَ الِابْنُ الْأَبَ عَنْ جُمْلَةِ الْمَالِ إلَى سُدُسِهِ إلَّا أَنَّ حُجَّةَ الْأُخُوَّةِ بِالْبُنُوَّةِ لَمَّا عَارَضَهَا فِي بَابِ مِيرَاثِ النَّسَبِ وَجْهَانِ لَمْ تَحْصُلْ مُعَارَضَتُهُمَا لَهُمَا فِي الثَّلَاثَةِ الْأَبْوَابِ الْأُخَرِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْجَدَّ يُسْقِطُ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ بِهِ وَلَا تُقَدَّرُ الْإِخْوَةُ أَشِقَّاءً كَانُوا أَوْ لِأَبٍ عَلَى ذَلِكَ (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ الْجَدَّ يَرِثُ مَعَ الِابْنِ بِخِلَافِ الْإِخْوَةِ أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَبِسَبَبِ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِلْأُمِّ

стр. 587

فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْقِيَافَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ اسْتِلَالًا صَحِيحًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِتَعَذُّرِ وُجُودِ مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِثْلِ فِرَاسَتِهِ الْقَوِيَّةِ وَهَذَا سَبَبٌ عَظِيمٌ يُوجِبُ الْعُدُولَ عَنْ قِيَافَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى قِيَافَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْآحَادِ وَهَذَا الْمَوْضِعُ سُؤَالًا وَجَوَابًا هُوَ الْمَقْصُودُ بِذِكْرِ هَذَا الْفَرْقِ لِأَجْلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْغَرَابَةِ وَصُعُوبَةِ الْجَوَابِ فَذَكَرْته لِلتَّنْبِيهِ عَلَيْهِ سُؤَالًا وَجَوَابًا. (الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ وَقَاعِدَةُ مَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ) وَهُوَ أَنَّ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنْ النَّسَبِ أَوْ الرَّضَاعِ مَا يَمْنَعُ تَنَاكُحَهُمَا لَوْ قُدِّرَ إحْدَاهُمَا رَجُلًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ بِعَقْدٍ وَلَا مِلْكٍ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَقَدْ خَرَجَ بِقَيْدَيْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ الْمَرْأَةُ وَابْنَةُ زَوْجِهَا وَالْمَرْأَةُ وَأُمُّ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ إحْدَاهُمَا رَجُلًا وَالْأُخْرَى امْرَأَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ حِينَئِذٍ إمَّا أُمُّ امْرَأَةِ الرَّجُلِ أَوْ رَبِيبَتُهُ فَتَحْرُمُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَإِذَا قُلْنَا مِنْ النَّسَبِ أَوْ الرَّضَاعِ مَا يَمْنَعُ التَّنَاكُحَ خَرَجَا مِنْ الضَّابِطِ وَبَقِيَ جَيِّدًا وَقَبْلَ خُرُوجِهِمَا كَانَ الضَّابِطُ غَيْرَ مَانِعٍ لِانْدِرَاجِهِمَا فِيهِ فَيَكُونُ بَاطِلًا وَفِي الضَّابِطِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ وَقَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ حِينَئِذٍ إمَّا أُمُّ امْرَأَةِ الرَّجُلِ أَوْ رَبِيبَتُهُ فَإِنَّ قَوْلَهُ إمَّا أُمُّ امْرَأَةِ الرَّجُلِ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ رَجُلٌ وَأَنَّ أُمَّ زَوْجِهَا أُمُّ زَوْجَتِهِ فَيَتَعَيَّنُ الْمُعَرَّفُ وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَحَقُّهُ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ لِأَنَّهُ إذًا تَعَيَّنَ بِتَعَيُّنِ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا الِاعْتِرَاضُ مُخْتَصٌّ بِالْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ وَأَمَّا الْأُولَى فَيَسْقُطُ عَنْهَا مِثْلُ هَذَا الِاعْتِرَاضِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ رَبِيبَتِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ عَلَى زَوْجَةِ الْأَبِ فِي الْعُرْفِ الْجَارِي الْآنَ وَعَلَى بِنْتِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ غَيْرُ مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَمُطْلَقِ الْإِبَاحَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ فِيهِ وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوقِ السَّبْعَةِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَلَا فِي مِيرَاثِ الْوَلَاءِ وَلَا فِي صَلَاةِ الْجَنَائِزِ لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ بِالْعَصَبَةِ، وَأَخُ الْأُمِّ خَارِجٌ عَنْ الْعَصَبَةِ وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ الْجَدِّ لِلْإِخْوَةِ أَنْتُمْ عَاجِزُونَ عَنْ دَفْعِ هَؤُلَاءِ وَأَنَا لَا أَعْجِزُ عَنْ دَفْعِهِمْ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُعَارِضَهُمْ بِذَلِكَ بَقِيَتْ حُجَّةُ الْأُخُوَّةِ بِالْبُنُوَّةِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْأُبُوَّةِ سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ فَقُدِّمُوا فِي الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ بِخِلَافِ مِيرَاثِ النَّسَبِ. اهـ بِتَصَرُّفٍ وَتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ قُلْت وَيَبْقَى سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ بَابِ الْحَضَانَةِ وَبَيْنَ الْأَبْوَابِ الْأَرْبَعَةِ مُفْتَقِرًا لِلْبَيَانِ ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكَالَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكَالَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ فِي النِّكَاحِ) وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ قَالَ لَمْ أَجِدْ لِمَالِكٍ وَلَا لِأَصْحَابِهِ نَصًّا فِي أَنَّ الْوَكِيلَيْنِ إذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ سِلْعَةً وَاتَّصَلَ بِالثَّانِي تَسْلِيمٌ انْعَقَدَ عَقْدُهُ وَفَاتَ عَقْدُ الْأَوَّلِ بَلْ إنَّمَا قَالُوا النَّافِذُ مِنْ الْبَيْعَيْنِ هُوَ الْأَوَّلُ مُطْلَقًا نَعَمْ وَقَعَ لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَلَّابِ أَنَّ الْوَكِيلَ وَالْمُوَكِّلَ خَاصَّةً إذَا بَاعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ انْعَقَدَ عَقْدُ السَّابِقِ إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِالثَّانِي تَسْلِيمٌ فَقَالَ الْأَصْحَابُ هَذَا قِيَاسٌ عَلَى مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ تَجْعَلُ الْمَرْأَةُ أَمْرَهَا لَهُمَا فَيُزَوِّجَاهَا مِنْ رَجُلَيْنِ كُفْأَيْنِ فَالْمُعْتَبَرُ أَوَّلُهُمَا إنْ عُرِفَ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ بِهَا الْأَخِيرُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا لِقَضَاءِ عُمَرَ ﵁ بِذَلِكَ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ يَقُولَ: الصَّحَابِيُّ الْوَاحِدُ كَمَا يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ كَذَلِكَ يَصْلُحُ لِلِاسْتِقْلَالِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ لِحَدِيثِ «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَعَلَى قَوْلِهِ الْجَدِيدِ يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ لَا لِلِاسْتِقْلَالِ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ اتِّفَاقًا وَلَا عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ الصَّحَابَةِ كَمَا فِي شَرْحِ الْحَطَّابِ عَلَى وَرَقَاتِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مَعَ الْمَتْنِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا عِبْرَةَ بِالتَّسْلِيمِ بَلْ إنَّمَا يَنْعَقِدُ عَقْدُ الْأَوَّلِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ فِي النِّكَاحِ وَمَسْأَلَةِ الْوَكِيلِ وَمُوَكِّلِهِ فِي الْبَيْعِ أَنَّ كَشْفَ النِّكَاحِ مَضَرَّةٌ عَظِيمَةٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالتَّخْرِيجُ مَعَ قِيَامِ الْفَارِقِ بَاطِلٌ إجْمَاعًا فَلَوْ رَامَ مُخَرِّجٌ تَخْرِيجَ الْوَكِيلَيْنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ عَلَى مَا لِمَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَالْجَلَّابِ لَتَعَذَّرَ ذَلِكَ بِسَبَبِ الْفَرْقِ أَيْضًا وَهُوَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ وَالْوَكِيلَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ فَهُوَ فَرْعٌ فَإِنْ تَأَخَّرَ عَقْدُهُ وَوَقَعَ التَّسْلِيمُ فِي عَقْدِ الْمُوَكِّلِ

стр. 588

مَسْأَلَتَانِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) مَنْ أَبَانَ امْرَأَتَهُ حَلَّتْ لَهُ أُخْتُهَا فِي عِدَّتِهَا وَحَلَّتْ لَهُ الْخَامِسَةُ لِانْقِطَاعِ الْمُوَارَثَةِ بَيْنَهُمَا وَالْعِصْمَةِ وَإِنَّمَا الْعِدَّةُ لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ وَوَافَقْنَا الشَّافِعِيُّ ﵁ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄ تَحْرُمُ الْأُخْتُ وَالْخَامِسَةُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ لِأَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعُ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ لُحُوقَ الْوَلَدِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ وَلَا قَائِلَ بِالتَّحْرِيمِ إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ إنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الِاخْتِصَاصُ بِالزَّوْجِ حَتَّى تَحْصُلَ الْقَطِيعَةُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ بِسَبَبِ الْجَمْعِ وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَنْفِيٌّ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا فِي الرِّجَالِ وَالْأُخْتَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فِي الزَّمَانِ فَنَحْمِلُهُ عَلَى زَمَانِ الِاخْتِصَاصِ قَبْلَ الْبَيْنُونَةِ وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ فِي عِدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ اتِّفَاقًا لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ وَالِاخْتِصَاصُ بِالْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْأُخْتَانِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَرُمَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وَأُحِلَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَلَيْسَتْ إحْدَاهُمَا أَخَصَّ مِنْ الْأُخْرَى حَتَّى يُقَدَّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّ الْأُولَى تَتَنَاوَلُ الْمَمْلُوكَتَيْنِ وَالْحُرَّتَيْنِ فَهِيَ أَعَمُّ مِنْ الثَّانِيَةِ وَالثَّانِيَةَ تَتَنَاوَلُ الْأُخْتَيْنِ وَغَيْرَهُمَا فَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْأُخْرَى مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصَّ مِنْ وَجْهٍ فَتَسْتَوِيَانِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُثْمَانُ ﵁ أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ لِلتَّحْرِيمِ كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ ثَلَاثَة أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْأُولَى سِيقَتْ لِلتَّحْرِيمِ وَالثَّانِيَةَ سِيقَتْ لِلْمَدْحِ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا سِيقَ لِمَعْنًى لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي غَيْرِهِ فَلَا تُعَارِضُ الْأُولَى الثَّانِيَةَ فَتَكُونُ آيَةُ التَّحْرِيمِ سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارِضِ فَتُقَدَّمُ (وَثَانِيهَا) أَنَّ الْأُولَى لَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَخْصِيصِهَا وَالثَّانِيَةَ أُجْمِعَ عَلَى تَخْصِيصِهَا بِمَا لَا يَقْبَلُ الْوَطْءَ مِنْ الْمَمْلُوكَاتِ وَبِمَا يَقْبَلُهُ لَكِنَّهُ مُحَرَّمٌ إجْمَاعًا كَالذُّكُورِ وَأَخَوَاتِ الرَّضَاعِ وَمَوْطُوآتِ الْآبَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ وَغَيْرُ الْمَخْصُوصِ أَرْجَحُ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى تَخْصِيصِهِ (وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفُرُوجِ التَّحْرِيمُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْحِلُّ فَتَكُونُ الْأُولَى عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ رُجْحَانُ الثَّانِيَةِ عَلَيْهَا فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهَا مُوَافَقَةً لِلْأَصْلِ فَهَاتَانِ الْمَسْأَلَتَانِ هُمَا اللَّتَانِ تَحْتَاجَانِ إلَى تَدْقِيقٍ فِي الْبَحْثِ فَلِذَلِكَ أَفْرَدْتهمَا عَنْ سَائِرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي فِي الْبَابِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَمْكَنَ أَنْ يَقُولَ مَالِكٌ ذَلِكَ عِنْدِي مُضَافٌ لِلتَّسْلِيمِ وَكَوْنُهُ مُتَصَرِّفًا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ، وَالْأَصَالَةُ لَهَا قُوَّةٌ وَلَهُ أَيْضًا قُوَّةُ الْعَزْلِ وَالتَّصَرُّفِ بِنَفْسِهِ وَهُوَ مَعْنًى مُنَاسِبٌ مَفْقُودٌ فِي الْوَكِيلَيْنِ فَإِنَّ كِلَيْهِمَا فَرْعٌ لَا أَصَالَةَ لَهُ فَلَا يَنْعَقِدُ عَقْدُ اللَّاحِقِ مِنْهُمَا مُطْلَقًا اتَّصَلَ بِهِ قَبْضٌ أَمْ لَا وَمَهْمَا وَجَدْنَا مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يُلَاحِظَهُ الْإِمَامُ امْتَنَعَ التَّخْرِيجُ عَلَى مَحَلِّ ذَلِكَ الْفَارِقِ كَمَا أَنَّ الْمُجْتَهِدَ إذْ وَجَدَ مَعْنًى يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَارِقًا امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ فَالْمُقَلِّدُ مَعَ الْمُجْتَهِدِ كَالْمُجْتَهِدِ مَعَ الشَّارِعِ وَالْوَلِيَّانِ فِي النِّكَاحِ وَإِنْ كَانَا فَرَعَيْنَ لَا مُتَأَصِّلَ فِيهِمَا إلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي النِّكَاحِ لَمَّا كَانَ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا الِاسْتِقْلَالُ سَقَطَ اعْتِبَارُ التَّأَصُّلِ فِيهَا بِخِلَافِ الْمُوَكِّلِ فِي الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ إمْكَانُ اسْتِقْلَالِهِ فَرْقًا يُلَاحِظُهُ الْإِمَامُ فَيَتَعَذَّرُ التَّخْرِيجُ وَالصَّوَابُ عَدَمُ التَّخْرِيجِ مُطْلَقًا فِي الْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ وَالْوَكِيلَيْنِ أَيْضًا فَتَكُونُ قَاعِدَةُ الْوَكِيلَيْنِ وَالْمُوَكِّلِ وَالْوَكِيلِ عِنْدَ مَالِكٍ تُخَالِفُ قَاعِدَةَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَالسَّبْعُ الْمَسَائِلُ نَظَائِرُهَا عِنْدَهُ فِي أَنَّ دُخُولَ الْأَخِيرِ بِالْمَرْأَةِ فِيهَا يُفِيتُهَا عَلَى مَنْ قَبْلَهُ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ تَتَزَوَّجُ بَعْدَ الْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ فَإِنْ قَدِمَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِلَّا فَاتَتْ عَلَيْهِ بِالدُّخُولِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْمَرْأَةُ تَعْلَمُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الرَّجْعَةِ فَتَتَزَوَّجُ ثُمَّ ثَبَتَتْ رَجْعَةُ الْأَوَّلِ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي كَانَ أَحَقَّ بِهَا وَأُلْغِيَتْ الرَّجْعَةُ لِقَضَاءِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ بِذَلِكَ وَأَفَاتَاهَا بِالدُّخُولِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا طَلَّقَ زَوْجُ الْأَمَةِ الْأَمَةَ طَلَاقًا رَجْعِيًّا فَرَاجَعَهَا فِي السَّفَرِ فَلَمْ تَعْلَمْ بِذَلِكَ فَوَطِئَهَا السَّيِّدُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ مَعَ عَدَمِ عِلْمِهِ بِالرَّجْعَةِ كَانَ وَطْءُ السَّيِّدِ مُفِيتًا لَهَا كَالْوَطْءِ بِالزَّوْجِ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) امْرَأَةُ الرَّجُلِ يَرْتَدُّ فَيُشَكُّ فِي كُفْرِهِ بِالْأَرْضِ الْبَعِيدَةِ هَلْ هُوَ إكْرَاهٌ أَوْ اخْتِيَارٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ إكْرَاهٌ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ امْرَأَتُهُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ كُفْرِهِ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَهِيَ لِلْأَوَّلِ (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الرَّجُلُ يُسْلِمُ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ فَاخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَوَجَدَهُنَّ ذَوَاتِ مَحَارِمَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ وَيَخْتَارُ مِنْ الْبَوَاقِي مَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ وَيَدْخُلْ بِهِنَّ أَزْوَاجُهُنَّ فَمَنْ دَخَلَ بِهَا فَاتَ الْأَمْرُ فِيهَا بِالدُّخُولِ وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا كَانَ لَهُ أَخْذُهَا وَقِيلَ لَا يُفِيتُهُنَّ الدُّخُولُ (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) الْمَرْأَةُ تَطْلُقُ لِلْغَيْبَةِ ثُمَّ يَقْدَمُ بِحُجَّةٍ فَإِنْ وَجَدَهَا تَزَوَّجَتْ وَدُخِلَ بِهَا فَاتَتْ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لَمْ تُفْتِ عَلَيْهِ (الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) الْمَرْأَةُ تُسْلِمُ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يُبَيِّنُ تَقَدُّمَ إسْلَامِهِ عَلَيْهَا فَتَفُوتُ عَلَيْهِ إنْ تَزَوَّجَتْ وَدُخِلَ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُدْخَلْ بِهَا لَمْ تَفُتْ عَلَيْهِ وَتُخَالِفُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَعْنِي قَاعِدَةَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَنَظَائِرِهَا السَّبْعِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ فِي الْمَذْهَبِ

стр. 589

(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِبَاحَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى سَبَبٍ مَخْصُوصٍ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ قَدْ تَثْبُتُ مُطْلَقًا فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَرَجٌ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ مُطْلَقًا وَقَدْ تَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَرَجٌ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل مِنْ جِهَة ذَلِكَ السَّبَب وَيَكُون عَلَيْهِ حَرَج فِي الْإِقْدَام بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ آخَرَ فَالتَّحْرِيمُ يَجْتَمِعُ مَعَ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ وَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْإِبَاحَةِ الْأُولَى وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ أَسْبَابَ التَّحْرِيمِ قَدْ تَجْتَمِعُ وَقَدْ تَفْتَرِقُ فَإِنْ اجْتَمَعَ اجْتَمَعَ سَبَبَانِ فَأَكْثَرُ لِتَحْرِيمٍ فَارْتَفَعَ أَحَدُهُمَا ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ السَّبَبِ خَاصَّةً وَبَقِيَ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الْآخَرِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ سَبَبٌ وَاحِدٌ لِلتَّحْرِيمِ فَزَالَ وَخَلَفَهُ سَبَبٌ آخَرُ صَدَقَتْ الْإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَصَدَقَ التَّحْرِيمُ بِاعْتِبَارِ السَّبَبِ الْمُتَجَدِّدِ وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَبِمَعْرِفَةِ هَذَا الْفَرْقِ تَحْصُلُ أَجْوِبَةٌ عَنْ أَسْئِلَةٍ كَثِيرَةٍ فِي الْفِقْهِ وَالنُّصُوصِ وَأَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مُقْتَضَى حَتَّى الَّتِي هِيَ حَرْفُ غَايَةٍ أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهَا مُخَالِفًا لِمَا بَعْدَهَا وَيَكُونَ مَا بَعْدَهَا نَقِيضَ مَا قَبْلَهَا وَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَلَالًا إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا زَوْجٌ آخَرُ وَوَطِئَهَا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إجْمَاعًا بَلْ هِيَ حَرَامٌ عَلَى حَالِهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا هَذَا الزَّوْجُ وَإِذَا طَلَّقَهَا لَا تَحِلُّ حَتَّى يَعْقِدَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ وَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ لَا تَحِلُّ حَتَّى تُنْفَى مَوَانِعُ الْوَطْءِ مِنْ الْحَيْضِ وَالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَوَانِعِ فَلَمْ يَحْصُلْ مُقْتَضَى الْغَايَةِ فَهَلْ هَذِهِ هِيَ الْغَايَةُ بَاقِيَةٌ عَلَى بَابِهَا مُقْتَضِيَةٌ لِثُبُوتِ النَّقِيضِ أَوْ هِيَ مُسْتَثْنَاةٌ عَنْ قَاعِدَةِ الْغَايَاتِ بِالْإِجْمَاعِ (وَالْجَوَابُ) أَنَّهَا بَاقِيَةٌ عَلَى بَابِهَا وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً بِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً وَبِكَوْنِهَا مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا فَلَمَّا تَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي صَارَتْ مُبَاحَةً مِنْ جِهَةِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثَ وَزَالَ التَّحْرِيمُ النَّاشِئُ عَنْهُ وَبَقِيَ التَّحْرِيمُ بِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً وَتَجَدَّدَ سَبَبٌ آخَرُ لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ كَوْنُهَا زَوْجَةً لِغَيْرِهِ فَقَدْ خَلَفَ السَّبَبَ الزَّائِلَ سَبَبٌ آخَرُ وَزَالَ التَّحْرِيمُ الْكَائِنُ بِسَبَبِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثَ وَثَبَتَ مُقْتَضَى الْغَايَةِ وَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي بَقِيَتْ مُحَرَّمَةً بِالْعِدَّةِ وَهُوَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَيْضًا (الْأُولَى) الْمَرْأَةُ يُنْعَى لَهَا زَوْجُهَا ثُمَّ يَتَبَيَّنُ حَيَاتُهُ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ فَإِنَّهَا لَا يُفِيتُهَا الدُّخُولُ وَقِيلَ يُفِيتُهَا الدُّخُولُ (الثَّانِيَةُ) الْمُطَلَّقَةُ بِسَبَبِ الْإِعْسَارِ لِلنَّفَقَةِ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْهَا عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ فَإِنَّهَا تَرْجِعُ إلَيْهِ وَإِنْ دَخَلَ بِهَا الثَّانِي (الثَّالِثَةُ الرَّجُلُ) يَقُولُ عَائِشَةُ طَالِقٌ وَلَهُ امْرَأَةٌ حَاضِرَةٌ اسْمُهَا عَائِشَةُ وَقَالَ لَمْ أُرِدْهَا وَلِي امْرَأَةٌ أُخْرَى تُسَمَّى عَائِشَةَ بِبَلَدٍ آخَرَ وَهِيَ الَّتِي أَرَدْت فَإِنَّهَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحَاضِرَةُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ امْرَأَةٍ أُخْرَى فَإِنْ تَبَيَّنَ صِدْقُهُ وَقَدْ تَزَوَّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا زَوْجُهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَلَا يُفِيتُهَا الدُّخُولُ (الرَّابِعَةُ) الْأَمَةُ تَعْتِقُ وَتَخْتَارُ نَفْسَهَا وَتَتَزَوَّجُ وَيَدْخُلُ بِهَا زَوْجُهَا ثُمَّ تَبَيَّنَ عِتْقُ زَوْجِهَا قَبْلَهَا رُدَّتْ إلَيْهِ وَقِيلَ يُفِيتُهَا الدُّخُولُ وَسَوَّى الشَّافِعِيُّ ﵁ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فِي اعْتِبَارِ الْعَقْدِ السَّابِقِ فِي بَابَيْ الْبَيْعِ كَالنِّكَاحِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِهِ وَالْعَقْدُ الَّذِي بَعْدَهُ بَاطِلٌ حَصَلَ دُخُولٌ أَمْ لَا وَهُوَ الْقِيَاسُ فَإِنَّ مِنْ شَرْطِ عَقْدِ النِّكَاحِ أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً عَنْ زَوْجٍ وَهَذِهِ ذَاتُ زَوْجٍ فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَمَدَ عَلَى قَضَاءِ عُمَرَ ﵁ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَقَضَاءِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْعَةِ وَأَفَاتُوا الْمَرْأَةَ بِالدُّخُولِ وَهَذَا مُدْرَكٌ عِنْدَهُ لَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَحْتَاجُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ لِأَمْرَيْنِ (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) بَيَانُ سِرِّ الْفَرْقِ الْمَقْصُودِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بِأَنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَهُوَ إبْطَالُ أَثَرِ الْعَقْدِ السَّابِقِ، وَتَسْلِيطُ الشَّفِيعِ عَلَى إبْطَالِهِ لِأَجْلِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَى الشَّرِيكِ مِنْ تَوَقُّعِ الْقِسْمَةِ وَإِذَا قُضِيَ بِتَقْدِيمِ مُجَرَّدِ الضَّرَرِ الْمُتَوَقَّعِ غَيْرِ النَّاجِزِ بِدُونِ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ عَقْدٌ عَلَى الْعَقْدِ هُنَالِكَ وَجَبَ أَنْ يُقْضَى هَاهُنَا بِتَقْدِيمِ الضَّرَرِ النَّاجِزِ الْمُنْضَمِّ إلَيْهِ عَقْدٌ عَلَى الْعَقْدِ السَّابِقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى أَمَّا كَوْنُ ضَرَرِ الشَّرِيكِ فِي الشُّفْعَةِ مُتَوَقَّعًا لَا نَاجِزًا فَلِأَنَّهَا قَدْ تَحْصُلُ وَقَدْ لَا تَقَعُ أَلْبَتَّةَ وَأَمَّا كَوْنُ ضَرَرِ فِرَاقِ الثَّانِي إذَا دَخَلَ هُنَا نَاجِزًا لَا مُتَوَقَّعًا فَلِأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا يَتَزَوَّجُ فِي الْغَالِبِ مَنْ مَالَتْ نَفْسُهُ إلَيْهَا وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا مَعَ الْمَيْلِ الْمُتَقَدِّمِ وُجِدَتْ الرُّؤْيَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ فَالْغَالِبُ حُصُولُ الْمَيْلِ وَكَذَلِكَ هِيَ أَيْضًا إنَّمَا رَضِيَتْ بِهِ بَعْدَ مَيْلِ نَفْسِهَا إلَيْهِ فَإِذَا بَاشَرَتْهُ مَعَ الْمَيْلِ الْمُتَقَدِّمِ وَحُصُولِ الْأَرَبِ فَالْغَالِبُ حُصُولُ الْمَيْلِ وَإِذَا كَانَ الظَّاهِرُ حُصُولُ الْمَيْلِ إمَّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَإِمَّا مِنْ أَحَدِهِمَا فَلَوْ قَضَيْنَا بِالْفِرَاقِ بَعْدَ هَذَا الْمَيْلِ النَّاشِئِ مِنْ الدُّخُولِ وَقَضَاءِ الْأَوْطَارِ لَحَصَلَ الضَّرَرُ النَّاجِزُ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ الْمَيْلُ بِأَلَمِ الْفِرَاقِ فَضَرَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّمَانِي وَاقِعٌ وَضَرَرُ الشُّفْعَةِ مُتَوَقَّعٌ وَالْوَاقِعُ أَقْوَى مِنْ الْمُتَوَقَّعِ وَأَمَّا كَوْنُ الضَّرَرِ هُنَا مَعْضُودًا بِعَقْدٍ بِخِلَافِهِ فِي الشُّفْعَةِ فَلِأَنَّ الشَّرِيكَ الشَّفِيعَ

стр. 590

سَبَبٌ مُتَجَدِّدٌ وَبِكَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً فَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ زَالَ التَّحْرِيمُ بِسَبَبِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً وَبَقِيَتْ مُحَرَّمَةً بِسَبَبِ مَا تَجَدَّدَ مِنْ حَيْضٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ وَكَانَ الثَّابِتُ قَبْلَ ذَلِكَ مُطْلَقُ الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ مُطْلَقِ الْإِبَاحَةِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ فَظَهَرَ أَنَّ الْغَايَةَ عَلَى بَابِهَا لَمْ تُخَالِفْ مُقْتَضَاهَا بَلْ هِيَ مَعْمُولٌ بِهَا وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ عَنْ الْآيَةِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ وَزَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَهَذَا قَدْ أُبِيحَ دَمُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَإِذَا عَفَا الْأَوْلِيَاءُ عَنْ الْقِصَاصِ ذَهَبَتْ الْإِبَاحَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ الْقَتْلِ وَثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ فَالْإِبَاحَةُ الْمُرْتَفِعَةُ هَهُنَا نَظِيرُ الْإِبَاحَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ مُطْلَقُ الْإِبَاحَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ غَيْرَ أَنَّهَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى حَاصِلَةٌ وَهَهُنَا ذَاهِبَةٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي تَصْوِيرِ اجْتِمَاعِ التَّحْرِيمِ مُضَاعَفًا فِي أَئِمَّةٍ وَتَعَلُّقَاتِ الْخِطَابِ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الزِّنَى مُحَرَّمٌ وَبِالْبِنْتِ أَشَدُّ وَبِهَا فِي الصَّوْمِ أَشَدُّ وَمَعَ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ وَفِي الْكَعْبَةِ أَشَدُّ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَسْبَابٍ مِنْ التَّحْرِيمِ اجْتَمَعَتْ فَيَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ مُحَرَّمًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَيَكُونُ الْإِثْمُ مُضَاعَفًا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَيَكُونُ خِطَابُ التَّحْرِيمِ قَدْ حَصَلَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَرْبَعَ تَعْلِيقَاتٍ فَإِذَا تَصَوَّرْت اجْتِمَاعَ التَّحْرِيمَاتِ تَصَوَّرْت ارْتِفَاعَ بَعْضِهَا وَحُصُولَ مُطْلَقِ الْإِبَاحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُرْتَفِعِ وَتَصَوَّرْت أَيْضًا اجْتِمَاعَ الْوُجُوبَاتِ بِتَظَافُرِ أَسْبَابِهَا عَلَى الْفِعْلِ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ تَارَةً تَثْبُتُ مُطْلَقَةً وَتَارَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُقَرُّ مِنْ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وَقَاعِدَةُ مَا لَا يُقَرُّ مِنْهَا) قَالَ ابْنُ يُونُسَ أَنْكِحَتُهُمْ عِنْدَنَا فَاسِدَةٌ وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ يُصَحِّحُهَا وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ لَا يُقِرُّهُمْ عَلَى مَا هُوَ فَاسِدٌ عِنْدَهُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا عِنْدَنَا وَلَوْ اعْتَقَدُوا غَصْبَ امْرَأَةٍ أَوْ رِضَاهَا بِالْإِقَامَةِ مَعَ الرَّجُلِ بِغَيْرِ عَقْدٍ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ كَمَا سَقَطَ عَنْهُمْ الْقِصَاصُ وَالْغُصُوبُ وَمَا جَنَوْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَيَثْبُتُ مَا اكْتَسَبُوهُ بِعُقُودِ الرِّبَا وَغَيْرِهِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ كُلُّ ذَلِكَ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ لَوْ فَهِمُوا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَأْخُذُ بِغَيْرِ عَقْدٍ أُضِيفَ إلَيْهِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الضَّرَرِ وَهَاهُنَا الزَّوْجُ الثَّانِي مَعَهُ عَقْدٌ يُقَابِلُ بِهِ الْعَقْدَ الْأَوَّلَ وَبِالْجُمْلَةِ فَسَيْرُ مُخَالَفَةِ قَاعِدَةِ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَنَظَائِرِهَا السَّبْعِ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَاعِدَةِ الْوَكِيلَيْنِ فِي الْبَيْعِ هُوَ تَحَقُّقُ الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ فِي الْقَاعِدَةِ الْأُولَى دُونَ الثَّانِيَةِ. (الْأَمْرُ الثَّانِي) بَيَانُ مَا يَرِدُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَمَا يُجَابُ بِهِ عَنْهَا (فَالسُّؤَالُ الْأَوَّلُ) أَنَّ وُجُودَ الْعَقْدِ مَعَ الزَّوْجِ الثَّانِي هُنَا لَا يَصْلُحُ مُرَجِّحًا ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَحَلَّ غَيْرُ قَابِلٍ لَهُ لِأَنَّ عَقْدَ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ مَانِعٌ مِنْهُ فَهُوَ مَعْدُومٌ شَرْعًا وَالْمَعْدُومُ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا (وَجَوَابُهُ) أَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لِأَنَّا لَمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ وُجُودَ مِثْلِ صُورَةِ هَذَا الْعَقْدِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَرِضَى الْوَلِيِّ وَالْمَرْأَةِ مُوجِبَةٌ لِلْعِصْمَةِ فِي غَيْرِ صُورَةِ النِّزَاعِ وَجَبَ هُنَا الْعَمَلُ بِالصُّورَةِ أَيْضًا فِي التَّرْجِيحِ وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ لِمَا فِي صُورَةِ النِّزَاعِ مِنْ كَوْنِ عَقْدِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ مَانِعًا مِنْ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِهَذَا الْعَقْدِ حَتَّى يُقَالَ إنَّهُ كَعَدَمِهِ (وَالسُّؤَالُ الثَّانِي) لِمَ اعْتَبَرْتُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْوَكِيلَيْنِ يُوَكِّلُهُمَا الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِامْرَأَةٍ فَزَوَّجَاهُ بِامْرَأَتَيْنِ فَدَخَلَ بِإِحْدَاهُمَا فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا خَامِسَةٌ كَوْنَ عَقْدِ مَا قَبْلَ الْمَدْخُولِ بِهَا مَانِعًا حَيْثُ قُلْتُمْ لَا يُفِيتُهَا الدُّخُولُ إجْمَاعًا وَلَمْ تَعْتَبِرُوا فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَنَظَائِرِهَا السَّبْعِ كَوْنَ عَقْدِ الْأَوَّلِ مَانِعًا حَيْثُ قُلْتُمْ يُفِيتُهَا دُخُولُ الثَّانِي فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا (وَجَوَابُهُ) أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْمَانِعَ هُنَا عَقْدٌ وَاحِدٌ وَفِي الْخَامِسَةِ عَقْدُ الرَّابِعِ مَعَ مَا تَقَدَّمَهُ مِنْ الْعُقُودِ (الثَّانِي) أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ الْكَثْرَةُ فَيُؤَدِّي الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ الثَّانِي بَعْدَ الدُّخُولِ فِي صُورَتِهِمَا إلَى كَثْرَةِ الْفَسَادِ وَعَلَى الْوُكَلَاءِ النُّدْرَةُ فَلَا يُؤَدِّي إلَى كَثْرَةِ الْفَسَادِ الْقَوْلُ بِفَسَادِ الْخَامِسَةِ النَّاشِئِ عَنْ الِاطِّلَاعِ وَالْكَشْفِ النَّادِرِ (الثَّالِثُ) أَنَّ التَّعَارُضَ فِي الْوَلِيَّيْنِ وَقَعَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا صَاحِبَا وَسِيلَةٍ ضَرُورَةَ أَنَّ الزَّوْجَ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الصَّدَاقِ كَالْمُشْتَرِي الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الثَّمَنِ وَالْأَثْمَانُ وَسَائِلُ وَفِي الْوَكِيلَيْنِ وَقَعَ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ الرَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ اللَّتَيْنِ كَالْبَائِعِ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا صَاحِبَةَ سِلْعَةٍ وَالسِّلَعُ مَقَاصِدُ وَرُتْبَةُ الْوَسَائِلِ أَخْفَضُ مِنْ رُتْبَةِ الْمَقَاصِدِ فَلَمْ يَكُنْ فِي إبْطَالِ عَقْدِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ إلَّا إبْطَالَ مَا رَافَقَ الْأَوْضَاعَ الشَّرْعِيَّةَ بِخِلَافِ عَقْدِ الرَّابِعَةِ فَقَدْ اجْتَمَعَ فِي إبْطَالِهِ مَا هُوَ مَقْصِدٌ وَمَا هُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ فَلِذَا امْتَنَعَ إبْطَالُهُ لِقُوَّتِهِ وَلَمْ يَمْتَنِعْ إبْطَالُ عَقْدِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ لِضَعْفِهِ (الرَّابِعُ) أَنَّ الْعَادَةَ شَاهِدَةٌ بِوَلُوعِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَشَغَفِهِمْ بِهِنَّ أَكْثَرَ مِنْهُنَّ بِهِمْ أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّجَالَ هُمْ الْبَاذِلُونَ وَالْخَاطِبُونَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الدَّلَائِلِ

стр. 591

الْمُؤَاخَذَةَ بِذَلِكَ لَنَفَرُوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَضَابِطُ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ كُلَّ مَفْسَدَةٍ تَدُومُ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أَوْ لَا تَدُومُ لَكِنْ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ كَالزَّوَاجِ فِي الْعِدَّةِ فَيُسْلِمُ فِيهَا فَهُوَ يُبْطِلُ وَإِنْ عَرَى نِكَاحُهُمْ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ صَحَّ بِالْإِسْلَامِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄ عُقُودُهُمْ صَحِيحَةٌ وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَنَا أَيُّهَا الْمَالِكِيَّةُ إنَّ أَنْكِحَتَهُمْ فَاسِدَةٌ مُشْكِلٌ فَإِنَّ وِلَايَةَ الْكَافِرِ لِلْكَافِرِ صَحِيحَةٌ وَالشَّهَادَةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ حَتَّى نَقُولَ لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمْ لِكُفْرِهِمْ فَلَوْ قُلْنَا إنَّهَا شَرْطٌ فَأَشْهَدَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ وَالْمُسْلِمُ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُودٍ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَيَسْتَقِرَّ عَقْدُهُ فَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ فِي عُقُودِهِمْ بَيْنَ مَا يَكُونُ مُخْتَلَّ الشَّرْطِ وَبَيْنَ مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ. وَأَمَّا الْفَضَاءُ بِالْبُطْلَانِ مُطْلَقًا فَمُشْكِلٌ غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ صَدَاقَهُمْ قَدْ يَقَعُ بِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ فَتَخْتَلُّ بَعْضُ الشُّرُوطِ أَوْ كُلُّهَا فِي بَعْضِ الْعُقُودِ فَكَمَا لَا نَقْضِي بِفَسَادِ أَنْكِحَةِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ وَجُهَّالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ نُفَصِّلُ وَنَقُولُ مَا صَادَفَ الْأَوْضَاعَ الشَّرْعِيَّةَ وَاجْتَمَعَتْ شَرَائِطُهُ فَهُوَ صَحِيحٌ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَمْ لَا وَمَا لَمْ يُصَادِفْ فَهُوَ بَاطِلٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ يَصِحُّ بِالْإِسْلَامِ كَمَا نُقَدِّمُ رِضَاهُمْ بِالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ وَعَلَى هَذَا الْقَانُونِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَيَّرَ بَيْنَ الْأُمِّ وَابْنَتِهَا إذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِمَا بَلْ يَقُولُ إنْ تَقَدَّمَ عَقْدُ الْبِنْتِ صَحِيحًا تَعَيَّنَتْ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ لَا نَقْضِي بِالتَّخْيِيرِ مُطْلَقًا بَلْ نُفَرِّقُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ وَقَعَ مِنْهَا أَرْبَعٌ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ تَعَيَّنَتْ دُونَ مَا بَعْدَهَا وَإِنْ عَقَدَ عَلَى الْعَشْرِ جُمْلَةً وَاحِدَةً خُيِّرَ بَيْنَهُنَّ لِشُمُولِ الْبُطْلَانِ لَهُنَّ وَكَانَ يَلِيقُ إذَا حَكَمْنَا بِفَسَادِهَا مُطْلَقًا أَنْ لَا نُفَرِّقَ بَيْنَ الْمَوَانِعِ الْمَاضِيَةِ وَمَا بَقِيَ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْكُلَّ فَاسِدٌ إنْ كَانَ الْمَقْصُودُ هُوَ التَّرْغِيبُ فِي الْإِسْلَامِ بِسَبَبِ تَقْرِيرِ فَاسِدِ عُقُودِهِمْ لِأَنَّ الزَّوَاجَ فِي الْعَقْدِ لَا يَزِيدُ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَإِنْ كَانَ السَّبَبُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ فَنَاسَبَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمَاضِي مِنْ الْمَوَانِعِ وَالْمُقَارِنِ وَيَنْبَغِي إذًا وَطْءٌ فِي الْكُفْرِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ مُجْتَمِعِ الشُّرُوطِ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْإِحْصَانَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِسْلَامُ قَالَ قُلْت «قَوْلُهُ ﷺ لِغَيْلَانَ لَمَّا أَسْلَمَ عَنْ عَشْرِ نِسْوَةٍ اخْتَرْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ» . وَفِي أَبِي دَاوُد «قَالَ أَنَسُ بْنُ الْحَارِثِ أَسْلَمْت ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَى فَرْطِ الْمَيْلِ وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ لِضَعْفِ طَبْعِهِنَّ وَغَلَبَةِ الْحَيَاءِ عَلَيْهِنَّ وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] حَيْثُ إنَّهُ قَدَّمَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ تَنْبِيهًا عَلَى ظُهُورِ احْتِيَاجِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ وَعَدَمِ صَبْرِهِ عَنْهَا لِأَنَّهُ هُوَ الْبَادِئُ بِطَلَبِ ذَلِكَ وَكَنَّى بِاللِّبَاسِ لِشِدَّةِ الْمُخَالَطَةِ كَمَا فِي الْجَمَلِ عَلَى الْجَلَالَيْنِ فَيَكُونُ ضَرَرُ التَّفْرِيقِ بِالزَّوْجِ الثَّانِي الَّذِي حَصَلَ لَهُ الشَّغَفُ بِالدُّخُولِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ أَصْعَبَ مِنْهُ بِالْخَامِسَةِ إذْ لَا يُتَوَقَّعُ فِيهَا إلَّا دَاعِيَةٌ ضَعِيفَةٌ (الْخَامِسُ) أَنَّ مُخَالَفَةَ الْقَاعِدَةِ فِي الْوَلِيَّيْنِ أَقَلُّ مِنْ مُخَالَفَتِهَا فِي الْوَكِيلَيْنِ إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الْوَاقِعِ مِنْ الْوُكَلَاءِ فِي التَّزْوِيجِ قَوِيٌّ وَعَنْ الْوَاقِعِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ ضَعِيفٌ (السَّادِسُ) أَنَّ الْمَرْأَةَ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا وَلَا خِيَرَةَ لَهَا لَا تُتَّهَمُ وَالرَّجُلُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ الْمُخْتَارُ لِلدُّخُولِ يُتَّهَمُ أَنْ يَكُونَ عَدَلَ عَنْ الرَّابِعَةِ إلَى الْخَامِسَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِهَا (السَّابِعُ) أَنَّ دُخُولَ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَإِنْ شَارَكَ دُخُولَ الزَّوْجِ بِالْخَامِسَةِ فِي مُخَالَفَةِ قَاعِدَةِ مَنْعِ الْعَقْدِ السَّابِقِ إلَّا أَنَّ الدُّخُولَ بِالْخَامِسَةِ مَعَ ذَلِكَ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ الْمُعْتَبَرَةَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ ثَلَاثًا وَمُسْتَثْنَيَاتٍ فَتَجُوزُ الْهِجْرَةُ ثَلَاثًا وَالْإِحْدَادُ ثَلَاثًا، وَأَيَّامُ الْخِيَارِ ثَلَاثٌ وَالضَّرَّاتُ ثَلَاثٌ ثُمَّ يَلْزَمُ فَعَظُمَتْ أَسْبَابُ الْإِبْطَالِ فِي الْخَامِسَةِ دُونَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ (الثَّامِنُ) أَنَّ شَأْنَ أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ السُّؤَالُ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ فَتَضْعُفُ الشُّبْهَةُ فِي الْخَامِسَةِ بِكَشْفِ أَوْلِيَائِهَا وَلَيْسَ شَأْنُ أَوْلِيَاءِ الرَّجُلِ السُّؤَالَ عَنْ حَالِ الْمَرْأَةِ فَتَقْوَى الشُّبْهَةُ فِي ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ وَنَحْوِهَا (التَّاسِعُ) أَنَّ عَقْدَ الْوَكَالَةِ ضَعِيفٌ كَالنَّذْرِ مَعَ الْوَاجِبِ الْمُتَأَصِّلِ لِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ جَاءَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْمُكَلَّفَ يُنْشِئُهُ بِخِلَافِ الْأَوْلِيَاءِ (الْعَاشِرُ) أَنَّ فِي الْخَامِسَةِ مَفْسَدَةً أَنَّهَا عَلَى ضَرَّاتٍ أَرْبَعٍ لَهَا انْدَفَعَتْ بِالْفَسْخِ وَالْفَائِتُ عَلَى ذَوَاتِ الْوَلِيَّيْنِ صُحْبَةُ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ تَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ (وَالسُّؤَالُ الثَّالِثُ) أَنَّ قِيَاسَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَنَظَائِرِهَا عَلَى مَسْأَلَةِ الشُّفْعَةِ لِلشَّرِيكِ لَا يَصِحُّ لِتَبَايُنِ الْأَحْكَامِ ضَرُورَةَ أَنَّ الشَّرِيكَ فِي صُورَةِ الشُّفْعَةِ مُخَيَّرٌ وَالزَّوْجُ الثَّانِي هَاهُنَا لَيْسَ مُخَيَّرًا بَلْ أَنْتُمْ قَدْ عَيَّنْتُمْ الْمَرْأَةَ لَهُ جَزْمًا فَقَدْ زَادَتْ صُورَةُ الْفَرْعِ الْمَقِيسِ عَلَى صُورَةِ الْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ اللُّزُومِ (وَجَوَابُهُ) أَنَّ لِلْأَصْلِ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ جِهَتَيْنِ (إحْدَاهُمَا) جِهَةُ التَّخْيِيرِ وَهِيَ خَاصَّةٌ بِالْأَصْلِ الْمَذْكُورِ لِكَوْنِ السِّلَعِ وَالْعَقَارِ قَابِلَةً لِلتَّخَيُّرِ وَالْخِيَارِ فَلِذَا ثَبَتَ لِلشَّفِيعِ الْخِيَارُ مِنْ غَيْرِ لُزُومٍ وَتَمْتَنِعُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي هُوَ صُورَةُ النِّزَاعِ لِامْتِنَاعِ الْخِيَارِ فِي النِّكَاحِ لِئَلَّا تَكُونَ الْمُخَدَّرَاتُ بَذْلَةً بِالْخِيَارِ فَلِذَلِكَ

стр. 592

وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ اخْتَرْ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ فَهَذِهِ» الْأَحَادِيثُ تَقْتَضِي أَنَّ عُقُودَهُنَّ فَاسِدَةٌ إذْ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَكَانَ السَّابِقُ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْمُتَأَخِّرُ هُوَ الْمُتَعَيِّنُ لِلْفَسَادِ الْخَامِسَةُ فَمَا زَادَ عَلَيْهَا وَكَانَ الِاخْتِيَارُ لَا يَكُونُ إلَّا إذْ عَقَدَ عَقْدًا وَاحِدًا حَتَّى لَا يَكُونَ الْبَعْضُ أَوْلَى بِالْبَقَاءِ دُونَ الْبَعْضِ الْآخَرِ لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَيَّرَ مُطْلَقًا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْعُقُودِ أَوْ اتَّحَدَتْ الْعُقُودُ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ فِي تَأْسِيسِ قَاعِدَةٍ وَتَقْرِيرِ أَصْلٍ عَامٍّ فِي النَّاسِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَوْ كَانَ يَخْتَلِفُ الْحَالُ فِيهِ لَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَزِمَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهَذَا مُسْتَنَدٌ ظَاهِرٌ فِي فَسَادِ عُقُودِهِنَّ وَأَنَّ الْأَوَائِلَ فِي حُكْمِ الْأَوَاخِرِ عَلَى السَّوِيَّةِ وَالْأَوَاخِرَ الْمُتَأَخِّرَاتِ الْعُقُودِ فَاسِدَةُ الْعُقُودِ فَكَذَلِكَ الْأَوَائِلُ قُلْت إطْلَاقُ الْخِيَارِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ الْأَنْكِحَةُ فَاسِدَةً كَمَا قُلْت وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْمُفْسِدَاتُ الْوَاقِعَةُ فِي الْكُفْرِ لَا تُعْتَبَرُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُمْ لَوْ اعْتَقَدُوا غَصْبَ الْمَرْأَةِ وَمُجَرَّدَ رِضَاهَا بِغَيْرِ عَقْدٍ ثُمَّ أَسْلَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَمْنَعُ مِنْ تَأْثِيرِ الْمُفْسِدَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فَهَكَذَا كَوْنُهَا خَامِسَةً وَنَحْوُ ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَإِذَا قَارَنَ الْكُفْرُ اعْتَبَرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَلْزَمْ مَا ذَكَرْته مِنْ فَسَادِ الْعُقُولِ بَلْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَطْ وَهَذَا مُجْمَلٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ. وَهَذَا جَوَابٌ سَدِيدٌ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ قَوْلِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عَقْدًا وَاحِدًا فَلِذَلِكَ خَيَّرَهُ أَوْ وَكَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُنَّ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ وَالتَّقْرِيرِ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ بِالْغَصْبِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَذْهَبًا لَهُمْ فَإِنَّ هَذَا فَاسِدٌ لِوَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ عِلْمِهِ ﵇ (الثَّانِي) لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَبَيَّنَهُ ﵇ لِأَنَّهُ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ فَيَتَعَيَّنُ إيضَاحُهَا وَإِزَالَةُ اللَّبْسِ عَنْهَا وَزَوَالُ كُلِّ مَا يُوجِبُ وَهُمَا فِيهَا وَلَمَّا لَمْ يَبِينُ ﵇ أَنِّي إنَّمَا حَكَمْت فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنِّي أَعْلَمَ أَنَّ مَنْ أَمَرَهَا أَمْرًا يَقْتَضِي هَذِهِ لِلْحُكْمِ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُدْرَكَ غَيْرُ عِلْمِهِ بِأَمْرٍ يَخُصُّهَا بَلْ الْحُكْمُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ مَنْ يُسْلِمُ كَيْفَ كَانَتْ عُقُودُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيُّ ﵁ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ يَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] حَصَلَ اللُّزُومُ وَالتَّعْيِينُ لِلزَّوْجِ الثَّانِي وَلَمْ تُلَاحَظْ فِي الْقِيَاسِ هَذِهِ الْجِهَةُ (الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ) جِهَةُ تَقْدِيمِ الْمَضَرَّةِ عَلَى الْعَقْدِ السَّابِقِ وَصُورَةُ النِّزَاعِ الَّتِي هِيَ الْفَرْعُ مُسَاوِيَةٌ لِصُورَةِ الشُّفْعَةِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْجِهَةِ الَّتِي وَقَعَ الْقِيَاسُ بِاعْتِبَارِهَا (وَالسُّؤَالُ الرَّابِعُ) أَنَّ ضَرَرَ الشَّفِيعِ إنَّمَا أَبْطَلَ الْعُقْدَةَ فِي الشُّفْعَةِ الْمُقْتَضِي إبَاحَةَ الْأَمْوَالِ الَّتِي رُتْبَتُهَا أَخْفَضُ مِنْ رُتْبَةِ الْإِبْضَاعِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضَرَرُ الزَّوْجِ الثَّانِي مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ الْمُقْتَضِي إبَاحَةَ الْإِبْضَاعِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى رُتْبَةً فَبَطَلَ الْقِيَاسُ بِهَذَا الْفَرْقِ (وَجَوَابُهُ) أَنَّكُمْ إذَا سَلَّمْتُمْ أَنَّ الْإِبْضَاعَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ الْأَمْوَالِ يَكُونُ الضَّرَرُ بِفَوَاتِ مَقَاصِدِهَا أَعْظَمَ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِيكِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالْمُرَاعَاةِ فَكَيْفَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُبْطِلًا لِلْعَقْدِ فِي صُورَةِ النِّزَاعِ حَتَّى يُسَلَّمَ بُطْلَانُ الْقِيَاسِ بِهَذَا الْفَرْقِ (السُّؤَالُ الْخَامِسُ) لِمَ رَجَّحْتُمْ ضَرَرَ الزَّوْجِ الثَّانِي فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ عَلَى ضَرَرِ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْعِيَّةِ وَالْمَفْقُودِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِي كَمَا حَصَلَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدُّخُولِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ كَذَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ قَدْ حَصَلَ لَهُ أَيْضًا تَعَلُّقٌ فِي مَسْأَلَةِ الرَّجْعَةِ وَالْمَفْقُودِ وَغَيْرِهِمَا لَا سِيَّمَا وَصُحْبَةُ الْأَوَّلِ أَطْوَلُ وَأَكْثَرُ وَمُعَاهَدٌ قَضَاءُ الْأَوْطَارِ بَيْنَهُمَا قَالَ الشَّاعِرُ: مَا الْحُبُّ إلَّا لِلْحَبِيبِ الْأَوَّلِ (وَجَوَابُهُ) أَنَّا رَجَّحْنَا ضَرَرَ الثَّانِي لِكَوْنِهِ أَوْلَى بِالْمُرَاعَاةِ مِنْ ضُرِّ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَعْرَضَ بِالطَّلَاقِ وَتُوحَشُ الْعِصْمَةُ إمَّا بِالطَّلَاقِ وَإِمَّا الْفِرَاقِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ وَإِمَّا بِحُصُولِ السَّآمَةِ مِنْ طُولِ الْمُبَاشَرَةِ وَقَدْ جَرَتْ الْعَادَةُ أَنَّ طُولَ صُحْبَةِ الْمَرْأَةِ تُوجِبُ قِلَّةَ وَقْعِهَا فِي النَّفْسِ وَأَنَّ جِدَّتَهَا تُوجِبُ شِدَّةَ وَقْعِهَا فِي النَّفْسِ وَبِهَذَا يَظْهَرُ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَنْكِحَةِ فِي هَذَا الْبَابِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكَالَاتِ فِي السِّلَعِ وَالْإِجَارَاتِ (وَالسُّؤَالُ السَّادِسُ) لِمَ اُعْتُبِرَ ثَمَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ وَنَظَائِرِهَا السَّبْعِ وَلَمْ تَعْتَبِرُوهَا فِي الْأَرْبَعِ الْمَسَائِلِ حَيْثُ قُلْتُمْ فِيهَا إنَّ الزَّوْجَةَ لَا يُفِيتُهَا دُخُولُ الثَّانِي وَهَذَا نَقْضٌ لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْفَرْقِ مُوجِبٌ لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ وَإِلْغَائِهِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْفَرْقُ بَيْنَ الثَّمَانِ الْمَسَائِلِ الَّتِي اُعْتُبِرَتْ فِيهَا الْقَاعِدَةُ وَالْأَرْبَعِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَمْ تُعْتَبَرْ فِيهَا (وَجَوَابُهُ) أَنَّ أَبْعَدَ الثَّمَانِيَةِ عَنْ الْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ مَسْأَلَةُ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ إذْ لَيْسَ فِيهَا حُكْمُ حَاكِمٍ وَلَا ظَاهِرٌ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ مَا فِيهَا حُكْمُ حَاكِمٍ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَفْقُودِ وَمَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ تَطْلُقُ بِسَبَبِ طُولِ الْغَيْبَةِ وَمَسْأَلَةِ تُسْلِمُ ثُمَّ يَتَبَيَّنُ تَقَدُّمُ إسْلَامِ زَوْجِهَا فَإِنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ فَسْخِ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ قَالَ إنَّ الْحَاكِمَ إذَا حَكَمَ بِالطَّلَاقِ بِشَهَادَةِ زُورٍ نَفَذَ الطَّلَاقُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ بِالنِّكَاحِ

стр. 593

الْمَقَالِ مَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ جَمِيعَ الصُّوَرِ حُكْمُهَا كَذَلِكَ وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا الْجَوَابُ ظَهَرَ أَنَّ الْحَقَّ الْأَبْلَجَ الْقَضَاءُ عَلَى عُقُودِهِمْ بِالصِّحَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ فَسَادُهَا كَالْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَقَادِحٌ فِي صِحَّتِهِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً كَافِرَةً لَهَا أَخَوَانِ كَافِرٌ وَمُؤْمِنٌ فَأَرَادَتْ الزَّوَاجَ مَنَعْنَا الْمُسْلِمَ مِنْ تَزْوِيجِهِمَا وَقُلْنَا لِأَخِيهَا الْكَافِرِ زَوِّجْهَا لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْكَافِرَةِ بَلْ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ وَلَوْ أَنَّ نِكَاحَ الْكَافِرِ فَاسِدٌ لَقُلْنَا لِهَذِهِ الْكَافِرَةِ لَا سَبِيلَ لَك إلَى الزَّوَاجِ حَتَّى تُسْلِمِي لِأَنَّ الْكُفْرَ أَحَدُ مَوَانِعِ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْك وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ عُقُودِهِمْ. (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ زَوَاجِ الْإِمَاءِ فِي مِلْكِ غَيْرِ الزَّوْجِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ زَوَاجِ الْإِنْسَانِ لِإِمَائِهِ الْمَمْلُوكَاتِ لَهُ وَالْمَرْأَةِ لِعَبْدِهَا أَوْ فِي غَيْرِ مِلْكِهَا فَإِنَّ الْأَوَّلَ يَصِحُّ بِشَرْطِهِ وَالثَّانِي بَاطِلٌ وَالْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوَاعِدَ) (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ لَا يُشْرَعُ وَلِذَلِكَ لَا يُحَدُّ الْمَجْنُونُ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ فِي الصِّحَّةِ وَلَا السَّكْرَانُ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِّ الزَّجْرُ بِمَا يُشَاهِدُ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ وَالْمَذَلَّاتِ وَالْمَهَانَاتِ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمِرْآةِ الْعَقْلِ وَكَذَلِكَ لَا يُشْرَعُ اللِّعَانُ لِنَفْيِ النَّسَبِ فِي حَقِّ الْمَجْبُوبِ وَلَا مَنْ لَا يُولَدُ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِهِ ذَلِكَ النَّسَبُ وَلَا يُفِيدُ اللِّعَانُ شَيْئًا وَكَذَلِكَ لَا يُشْرَعُ عَقْدُ الْبَيْعِ مَعَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَنْمِيَةُ الْمَالِ وَتَحْصِيلُ مَقَاصِدِ الْعِوَضَيْنِ وَذَلِكَ بَعِيدُ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ وَيَكْفِي أَنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ فَلَا يُشْرَعُ الْبَيْعُ وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَثِيرَةٌ فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَا يُشْرَعُ نِكَاحُ الرَّجُلِ أَمَتَهُ لِأَنَّ مَقَاصِدَ النِّكَاحِ حَاصِلَةٌ قَبْلَ الْعَقْدِ بِالْمِلْكِ فَلَمْ يَحْصُلْ الْعَقْدُ لَهُ فِي أَمَتِهِ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) مِنْ مُقْتَضَى الزَّوْجِيَّةِ قِيَامُ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْحِفْظِ وَالصَّوْنِ وَالتَّأْدِيبِ لِإِصْلَاحِ الْأَخْلَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وَالِاسْتِرْقَاقُ يَقْتَضِي قَهْرَ السَّادَاتِ وَالْقِيَامَ عَلَى الرَّقِيقِ لِلْأَعْمَالِ وَإِصْلَاحِ الْأَخْلَاقِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَالِاسْتِيلَاءَ بِالِاسْتِهَانَةِ فَيَتَعَذَّرُ أَنْ تَكُونَ أَمَةُ الْإِنْسَانِ زَوْجَتَهُ وَعَبْدُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا لِتَنَاقُضِ آثَارِ الْحُقُوقِ (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) كُلُّ أَمْرَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ يُقَدِّمُ الشَّرْعُ أَقْوَاهُمَا عَلَى أَضْعَفِهِمَا وَكَذَلِكَ الْعَقْلُ وَالْعُرْفُ وَالرِّقُّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالزَّوْجِيَّةِ بِشُهُودِ زُورٍ ثَبَتَ النِّكَاحُ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ وَجَازَ لِأَحَدِ تِلْكَ الشُّهُودِ الزُّورِ أَنْ يَتَزَوَّجَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ الَّتِي شَهِدَ بِطَلَاقِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِ نَفْسِهِ وَأُبِيحَتْ الزَّوْجَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَجُعِلَ حُكْمُهُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَقْدًا وَلَا طَلَاقًا بِمَنْزِلَةِ الطَّلَاقِ وَالنِّكَاحِ وَلِهَذَا الْمُدْرَكِ عُمِّمَ نُفُوذُ الْأَحْكَامِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِهِ فِي صُوَرٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهَا مِنْ الْفُسُوخِ وَالْعُقُودِ دُونَ مَا لَا يَدْخُلُهُ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَتَسْتَقِلُّ بِهِ الذِّمَّةُ مِنْ الدُّيُونِ وَنَحْوِهَا وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِهَذَا الْمُدْرَكِ بَلْ قُلْنَا لَا يَنْفَدُ هَذَا الْحُكْمُ لَا أَنَّهُ لَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ نُبْقِيَهُ فَارِقًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بَيْنَ مَا فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ وَبَيْنَ مَا لَيْسَ فِيهِ حُكْمُ حَاكِمٍ فَيَكُونُ مَا فِيهِ أَقْرَبَ إلَى الْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَبِخِلَافِ مَا فِيهَا ظَاهِرٌ يَنْكَشِفُ خِلَافُهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ تَعْلَمُ بِالطَّلَاقِ دُونَ الرَّجْعَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الطَّلَاقِ يُبِيحُ الْعَقْدَ وَمِنْ مَسْأَلَةِ الْأَمَةِ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ ظَاهِرَ الطَّلَاقِ يُبِيحُ وَطْئًا سَيِّدِهَا وَمِنْ مَسْأَلَةِ امْرَأَةِ الْمُرْتَدِّ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْكُفْرِ يُبِيحُ الْعَقْدَ وَمِنْ مَسْأَلَةِ الرَّجُلِ يُسْلِمُ عَلَى كَثِيرِ نِسْوَةٍ فَإِنَّ ظَاهِرَ حَالِهِنَّ يَقْتَضِينَ الِاخْتِيَارَ وَتَزَوَّجَهُنَّ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الِاخْتِيَارِ فِيهِنَّ فَالْمَرْأَةُ وَكَذَلِكَ وَلِيُّهَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ مَعْذُورَةٌ مَأْذُونٌ لَهَا فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْعَقْدِ الثَّانِي بِسَبَبِ الظَّاهِرِ فَيَكُونُ مَا فِيهِ ظَاهِرٌ أَقْرَبَ إلَى الْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ وَحَيْثُ كَانَتْ مَسْأَلَةُ ذَاتِ الْوَلِيَّيْنِ أَبْعَدَ الْمَسَائِلِ الثَّمَانِ الَّتِي اُعْتُبِرَتْ فِيهَا الْقَاعِدَةُ عَنْ الْفَوَاتِ بِالدُّخُولِ فَلْنُعَيِّنْهَا لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي لَمْ تُعْتَبَرْ فِيهَا الْقَاعِدَةُ لِيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَاقِي الثَّمَانِيَةِ وَبَيْنَ الْأَرْبَعَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَنَقُولُ: أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ يُنْعَى لَهَا زَوْجُهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ فَهُوَ أَنَّ الْمَوْتَ شَأْنُهُ الشُّهْرَةُ وَالظُّهُورُ وَلَيْسَ اشْتِهَارُ عَقْدِ الْوَلِيِّ الْأَوَّلِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الْوُجُودِ كَاشْتِهَارِ الْمَوْتِ وَلَا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى الْإِخْبَارِ بِهِ كَتَوَفُّرِهَا عَلَى الْإِخْبَارِ بِمَوْتِ إنْسَانٍ وَالتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ كَمَا تَشْهَدُ الْعَوَائِدُ بِذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْخَطَأَ فِيمَا الشَّأْنُ فِيهِ الشُّهْرَةُ وَالظُّهُورُ التَّامُّ نَادِرٌ فَيَضْعُفُ الْعُذْرُ فَلَا يَفُوتُ بِالدُّخُولِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ التَّطْلِيقِ بِالْإِعْسَارِ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ فَهُوَ أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي الْأُولَى ظَالِمَةٌ قَاصِدَةُ الْفَسَادِ فَنَاسَبَ أَنْ تُعَاقَبَ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهَا فِي إبْطَالِ تَصَرُّفِهَا بِالزَّوَاجِ لِأَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهَا أَسْقَطَتْ النَّفَقَةَ وَأَنَّهَا مُبْطِلَةٌ فِي جَمِيعِ تَصَرُّفِهَا وَدَعْوَاهَا بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا عِلْمٌ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ مَنْ يَقُولُ عَائِشَةُ طَالِقٌ وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ فَهُوَ مِنْ جِهَتَيْنِ الْأُولَى أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأُولَى يُبْنَى عَلَى اسْتِصْحَابِ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ زَوَاجِهِ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى وَاسْتِصْحَابُ الْأَصْلِ أَضْعَفُ مِنْ

стр. 594

أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ لِكَوْنِهِ يُوجِبُ التَّمَكُّنَ مِنْ الْمَنَافِعِ الَّتِي بَعْضُهَا حِلُّ النِّكَاحِ مَعَ صِحَّةِ الْإِيجَارِ وَالْإِخْدَامِ مَعَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ وَلَا يَقْتَضِي النِّكَاحُ غَيْرَ إبَاحَةِ الْوَطْءِ فَيَكُونُ لِذَلِكَ أَقْوَى فَيُقَدَّمُ عَلَى النِّكَاحِ وَبِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ نُجِيبُ عَنْ قَوْلِ السَّائِلِ إذَا اشْتَرَى امْرَأَتَهُ انْفَسَخَ النِّكَاحُ السَّابِقُ لِطُرُوءِ الْمُنَافِي عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَ أَمَتَهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ الْمِلْكُ لِوُرُودِ الْمُنَافِي عَلَيْهِ فَنَقُولُ فِي الْجَوَابِ إنَّ الْمُدْرَكَ لَيْسَ تَقْدِيمَ الطَّارِئِ عَلَى السَّابِقِ بَلْ الْمُدْرَكُ أَنَّ الرِّقَّ أَقْوَى وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْحَالَتَيْنِ إنْ تَقَدَّمَ قُدِّمَ وَإِنْ تَأَخَّرَ قُدِّمَ فَإِنْ سَبَقَ لَا يَبْطُلُ وَإِنْ طَرَأَ أَبْطَلَ وَهَذَا هُوَ أَثَرُ الْقُوَّةِ وَالرُّجْحَانِ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ وَبِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثَّلَاثِ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ اجْتِمَاعِ النِّكَاحِ وَالرِّقِّ الْكَائِنِ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ وَبَيْنَ امْتِنَاعِ اجْتِمَاعِهِمَا إذَا كَانَ الرِّقُّ لِلزَّوْجَيْنِ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَجْرِ عَلَى النِّسْوَانِ فِي الْإِبْضَاعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَمْوَالِ) اعْلَمْ أَنَّ النِّسَاءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَتَتَصَرَّفَ فِي بُضْعِهَا كَانَتْ ثَيِّبًا أَوْ بِكْرًا رَشِيدَةً فِي مَالِهَا أَمْ لَا دَنِيَّةً عَفِيفَةً أَمْ فَاخِرَةً وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَيُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الرَّشِيدَةِ الثَّيِّبِ وَغَيْرِهَا فَيَجُوزُ لَهَا التَّصَرُّفُ وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا وَإِنْ كَانَ أَبَاهَا الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْأَوْلِيَاءِ لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةَ الْجَبْرِ وَالْفَرْقُ مِنْ وُجُوهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْإِبْضَاعَ أَشَدُّ خَطَرًا وَأَعْظَمُ قَدْرًا فَنَاسَبَ أَنْ لَا تُفَوِّضَ إلَّا لِكَامِلِ الْعَقْلِ يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِهَا وَالْأَمْوَالُ خَسِيسَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا فَجَازَ تَفْوِيضُهَا لِمَالِكِهَا إذْ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي الْمَالِ إلَّا مَالِكُهُ (وَثَانِيهَا) أَنَّ الْإِبْضَاعَ يُعْرِضُ لَهَا تَنْفِيذَ الْأَغْرَاضِ فِي تَحْصِيلِ الشَّهَوَاتِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي يُبْذَلُ لِأَجْلِهَا عَظِيمُ الْمَالِ وَمِثْلُ هَذَا الْهَوَى يُغَطِّي عَلَى عَقْلِ الْمَرْأَةِ وُجُوهَ الْمَصَالِحِ لِضَعْفِهِ فَتُلْقِي نَفْسَهَا لِأَجْلِ هَوَاهَا فِيمَا يُرْدِيهَا فِي دُنْيَاهَا وَأُخْرَاهَا فَحُجِرَ عَلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِاحْتِمَالِ تَوَقُّعِ مِثْلِ هَذَا الْهَوَى الْمُفْسِدِ وَلَا يَحْصُلُ فِي الْمَالِ مِثْلُ هَذَا الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي رُبَّمَا حَصَلَ الْجُنُونُ وَذَهَابُ الْعَقْلِ بِسَبَبِ فَوَاتِهَا (وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا حَصَلَتْ فِي الْإِبْضَاعِ بِسَبَبِ زَوَاجِ غَيْرِ الْأَكْفَاءِ حَصَلَ الضَّرَرُ وَتَعَدَّى لِلْأَوْلِيَاءِ بِالْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ الشَّنْعَاءِ وَإِذَا حَصَلَ الْفَسَادُ فِي الْمَالِ لَا يَكَادُ يَتَعَدَّى الْمَرْأَةَ وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ مَا فِي الْإِبْضَاعِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا مِنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اسْتِصْحَابِ عَدَمِ عَقْدِ الْوَلِيِّ عَلَى مُوَلِّيَتِهِ فَإِنَّ الْعُقُودَ لِأَوْلِيَائِهَا غَالِبًا وَعُقُودُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ لَا تَشْتَهِرُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَالْحَاكِمُ وَإِنْ اعْتَمَدَ فِي الطَّلَاقِ بِسَبَبِ الْغَيْبَةِ عَلَى الْأَصْلِ الْعَدَمِيِّ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ إيصَالِ حُقُوقِهَا إلَيْهَا إلَّا أَنَّ الْغَيْبَةَ هُنَاكَ صُورَةٌ ظَاهِرَةٌ شَاهِدَةٌ عَلَى الزَّوْجِ بِدَعْوَى الْمَرْأَةِ وَلَيْسَ هُنَا صُورَةٌ ظَاهِرَةٌ تَشْهَدُ بِعَدَمِ زَوَاجِ امْرَأَةٍ أُخْرَى تُسَمَّى عَائِشَةَ. الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْوَلِيَّ الْعَاقِدَ لِلْعَقْدِ الثَّانِي مَأْذُونٌ لَهُ فِي الْعَقْدِ إجْمَاعًا وَلَيْسَ لَهُ مُعَارِضٌ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرُ فَكَانَ عَقْدُهُ بِالنُّفُوذِ أَوْلَى بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ هَاهُنَا فَإِنَّهَا لَمَّا تَزَوَّجَتْ مَعَ قَوْلِ الزَّوْجِ لِي امْرَأَةٌ أُخْرَى تُسَمَّى عَائِشَةَ وَهُوَ قَوْلٌ ظَاهِرُهُ الصِّدْقُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُسْلِمٌ عَاقِلٌ وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ مُمْكِنٌ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُصَدَّقَ فِيهِ كَمَا تُصَدَّقُ الْمَرْأَةُ فِي حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا وَسَقْطِهَا وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا لِأَنَّهَا أُمُورٌ لَا تُعْلَمُ إلَّا مِنْ قِبَلِهَا، كَانَ قَوْلُ الزَّوْجِ مَا ذُكِرَ مُعَارِضًا لِتَصَرُّفِ الْمَرْأَةِ وَتَصَرُّفِ وَلِيِّهَا فِي الْعَقْدِ. وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمَةِ تَعْتِقُ فَتَخْتَارُ نَفْسَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ فَهُوَ أَنَّ زَوْجَ الْأَمَةِ مُتَهَافِتٌ عَلَيْهَا مُتَعَلِّقٌ بِهَا غَايَةَ التَّعَلُّقِ بِسَبَبِ أَنَّهَا نَزَعَتْ عِصْمَتَهَا مِنْهُ قَهْرًا وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَا مُنِعَتْ مِنْهُ فَنَاسَبَ ذَلِكَ الرَّدَّ إلَيْهِ وَلَمْ يَحْصُلْ فِي مَسْأَلَةِ الْوَلِيَّيْنِ لِلزَّوْجِ الْمَعْقُودِ أَوَّلًا هَذَا التَّعَلُّقُ بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَرَ الْمَرْأَةَ وَلَمْ يُبَاشِرْهَا فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْفَوَاتِ عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الدَّافِعُ لِلنُّقُوضِ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَبِهِ يَصِحُّ الْمُدْرَكُ وَيَتَبَيَّنُ مَا قَالَهُ مَالِكٌ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْوَكِيلَيْنِ فِي عُقُودِ الْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ هُوَ الْأَوَّلُ فَقَطْ الْتَحَقَ بِالثَّانِي تَسْلِيمٌ أَوْ لَا وَقَاعِدَةُ الْوَكِيلَيْنِ فِي الْأَنْكِحَةِ مِنْ كَوْنِ الْمُعْتَبَرِ عَقْدَ الثَّانِي إنْ حَصَلَ دُخُولٌ وَإِلَّا فَعَقْدُ الْأَوَّلِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَفْتَى جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ فَلَا بُدَّ لِعُقُولِهِمْ الصَّافِيَةِ مِنْ قَوَاعِدَ يُلَاحِظُونَهَا وَلَعَلَّهُمْ لَاحَظُوا مَا ذُكِرَ مِنْ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ فَإِنَّ بِمُلَاحَظَتِهِمَا يَقْرُبُ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ مِنْ الْقَوَاعِدِ وَيَظْهَرُ وَجْهُ الصَّوَابِ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ يَسَّرَ فِي هَذِهِ الْمَبَاحِثِ مِنْ الْحُجَّةِ مَا لَمْ أَرَهُ قَطُّ لِأَحَدٍ حَتَّى آلَ الْفَرْقُ بِهَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ الْقُرْبِ وَالظُّهُورِ بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ وَالْقَلَقِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْقَوَاعِدِ اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ بِتَنْقِيحٍ وَزِيَادَةٍ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِوَجْهَيْنِ (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي سِرِّ الْفَرْقِ بَيْنَ تِلْكَ الْقَاعِدَتَيْنِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ مَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ: إنَّ الشَّافِعِيَّ يُسَوِّي بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ مِنْ أَنَّ مَالِكًا لَا يُسَوِّي بَيْنَهُمَا لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُسَوِّي بَيْنَهُمَا أَيْضًا إذْ كَمَا أَنَّ السِّلْعَةَ فِي الْبَيْعِ إذَا هَلَكَتْ كَانَ هَلَاكُهَا فَوْتًا وَنُفُوذًا لِلْعَقْدِ الثَّانِي عِنْدَهُ كَذَلِكَ الْمَرْأَةُ فِي النِّكَاحِ فِي الْمَسَائِلِ

стр. 595

الْأَرْذَالِ الْأَخِسَّاءِ فَهَذِهِ فُرُوقٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ الْمَرْأَةِ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا فَقَالَ فِي الْجَوَابِ الْمَرْأَةُ مَحَلُّ الزَّلَلِ وَالْعَارِ إذَا وَقَعَ لَمْ يَزُلْ وَفِي الْفَرْقِ مَسْأَلَتَانِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ لَا يَجُوزُ عَقْدُ الْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا وَلَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا رَشِيدَةً أَوْ سَفِيهَةً أَذِنَ لَهَا الْوَلِيُّ أَمْ لَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَجُوزُ لِلرَّشِيدَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ أَحَدُهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فَأَضَافَ الْعَقْدَ إلَيْهَا دُونَ الْوَلِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَأَذِنَ الشَّرْعُ لَهَا فِي ذَلِكَ (وَثَانِيهَا) أَنَّهَا مُتَصَرِّفَةٌ فِي مَالِهَا فَفِي نَفْسِهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهَا أَعْلَمُ بِأَغْرَاضِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَمَصْلَحَةُ الْمَالِ الَّتِي هِيَ التَّنْمِيَةُ مَعْلُومَةٌ لِلْوَلِيِّ كَمَا هِيَ مَعْلُومَةٌ لِلْمَرْأَةِ (وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَجْرِ عَلَى الْعَاقِلِ وَالْبَالِغِ وَهِيَ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ فَيَزُولُ الْحَجْرُ عَنْهَا مُطْلَقًا فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا (وَرَابِعُهَا) قَوْلُهُ ﵊ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا أَذِنَ لَهَا يَجُوزُ عَقْدُهَا وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَقْدَهَا عَلَى نَفْسِهَا إذَا صَحَّ مَعَ الْإِذْنِ صَحَّ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِالْفَرْقِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّ الْوَطْءَ لَهَا دُونَ وَلِيِّهَا فَإِنْ قُلْت الزَّوْجُ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ دُونَ الْمَرْأَةِ قُلْت مُسَلَّمٌ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّمْكِينِ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْعَقْدِ وَالْمَجَازُ الْأَقْرَبُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَيُوَضِّحُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَخَاطَبَ الْأَوْلِيَاءَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لَتَعَذَّرَ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلْأَوْلِيَاءِ بِيعُوا أَمْوَالَ النِّسَاءِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْأَمْوَالِ لَهُنَّ وَقَوْلُهُ ﵇ «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَعَنْ الثَّانِي) الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِبْضَاعِ وَالْأَمْوَالِ مَا تَقَدَّمَ (وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ الدَّلِيلَ دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ الْأَصْلِ وَهُوَ الْحَدِيثُ وَالْآيَاتُ السَّابِقَةُ (وَعَنْ الرَّابِعِ) أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي أَصْلِ الْفِقْهِ أَنَّ الْوَصْفَ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ غَالِبًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الثَّمَانِي الَّتِي ذُكِرَ الْفَرْقُ فِيهَا إذَا دَخَلَ الثَّانِي بِهَا كَانَ دُخُولُهُ بِهَا فَوْتًا وَنُفُوذًا لِلْعَقْدِ الثَّانِي نَعَمْ يَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الثَّمَانِي وَالْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي ذُكِرَ عَدَمُ الْفَوْتِ فِيهَا فَلِذَا كَانَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْقِيَاسَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ صَحِيحًا اهـ. بِتَوْضِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِمَاءِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ عَدَدٍ مِنْهُنَّ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوْجَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِمَاءِ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ عَدَدٍ أَيِّ عَدَدٍ شَاءَ مِنْهُنَّ كَثُرَ أَوْ قَلَّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الزَّوْجَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَرْبَعٍ مِنْهُنَّ) وَذَلِكَ أَنَّ بَابَ الزَّوَاجِ لَمَّا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْعِزِّ وَالِاصْطِفَاءِ وَكَانَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّخْصِيصَ بِالْوَطْءِ وَلَا تَقَعُ الْخِدْمَةُ فِيهِ إلَّا تَبَعًا بِعَكْسِ بَابِ الْإِمَاءِ فَإِنَّ الْخِدْمَةَ وَالْهَوَانَ فِيهِ أَصْلٌ وَلَا يَقَعُ الْوَطْءُ فِيهِ إلَّا تَبَعًا كَانَتْ الشَّحْنَاءُ وَالْمُضَارَّةُ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي بَابِ الزَّوَاجِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِيهِ مِنْ الْإِعْزَازِ وَالِاصْطِفَاءِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي بَابِ الْإِمَاءِ لِأَنَّهَا وَإِنْ وُجِدَتْ فِيهِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ فِيهِ بَلْ عَلَى الْأَصْلِ فِيهِ مِنْ الْهَوَانِ وَالْخِدْمَةِ كَانَتْ ضَعِيفَةً عَنْ وُجُودِهَا فِي بَابِ الزَّوَاجِ فَلَمَّا بَعُدَتْ مُنَاسَبَةُ الْإِمَاءِ فِيمَا لَيْسَ هُوَ وَصْفُهُنَّ بَلْ وُقُوعُهُ نَادِرٌ فِيهِنَّ مِنْ الْوَطْءِ وَالِاصْطِفَاءِ كَانَتْ الْمَهَانَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِنَّ مِنْ جِهَةِ ذُلِّ الرِّقِّ تَمْنَعُ مِنْ الْإِبَاءِ وَالْأَنَفَةِ وَالْمُنَافَسَةِ فِي الْحُظُوظِ وَلَمَّا بَعُدَتْ مُنَاسَبَةُ الزَّوْجَاتِ فِيمَا لَيْسَ هُوَ وَصْفُهُنَّ بَلْ وُقُوعُهُ نَادِرٌ فِيهِنَّ مِنْ الْمَهَانَةِ وَالْخِدْمَةِ كَانَ الْوَطْءُ وَالِاصْطِفَاءُ الْغَالِبُ فِيهِنَّ مِنْ جِهَةِ عِزِّ الزَّوَاجِ يَقْتَضِي الْإِبَاءَ وَالْأَنَفَةَ وَالْمُنَافَسَةَ فِي الْحُظُوظِ وَكَانَ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا لِجَمْعِ امْرَأَةِ مَعَ أُخْرَى فِي عِصْمَةٍ هُوَ مُقْتَضِي أَنَّ مُضَارَّةَ الْمَرْأَةِ بِذَلِكَ الْجَمْعِ وَسِيلَةٌ لِلشَّحْنَاءِ فِي الْعَادَةِ وَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ عِيسَى ﵇ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عِنْدَهُمْ فَلَا يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ إلَّا امْرَأَةً وَاحِدَةً. وَإِنْ كَانَتْ مَصْلَحَةُ الرَّجُلِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِتَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ تَقْدِيمًا لِمَصْلَحَةِ النِّسَاءِ فِي نَفْيِ الْمُضَارَّةِ وَالشَّحْنَاءِ عَلَى مَصْلَحَةِ الرِّجَالِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ وَيُقَالُ إنَّهُ قَدْ شُرِعَ عَكْسُ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ لِمُوسَى ﵇ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ زَوَاجُ عَدَدٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ يَجْمَعُ بَيْنَهُنَّ تَغْلِيبًا لِمَصْلَحَةِ الرِّجَالِ فِي الِاسْتِمْتَاعِ عَلَى مَصْلَحَةِ النِّسَاءِ فِي نَفْيِ الشَّحْنَاءِ وَالْمُضَارَّةِ وَلَمَّا كَانَتْ شَرِيعَتُنَا أَفْضَلَ الشَّرَائِعِ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ مَصْلَحَتَيْ الْفَرِيقَيْنِ إذْ كَمَا أَنَّهُ رَوْعِي فِيهَا مَصْلَحَةُ الرِّجَالِ فَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَيَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ قَضَاءُ إرَبِهِ وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ حَيِّزِ الْحَجْرِ وَيُضَافُ لِذَلِكَ التَّسَرِّي بِمَا شَاءَ كَذَلِكَ رُوعِيَ فِيهَا مَصَالِحُ النِّسَاءِ فَلَا تُضَارُّ زَوْجَةٌ مِنْهُنَّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَسِرُّ الِاقْتِصَارِ فِي جَوَازِ الْمُضَارَّةِ وَالشَّحْنَاءِ عَلَى ثَلَاثٍ هُوَ أَنَّ الْمُضَارَّةَ وَالشَّحْنَاءَ لَمَّا كَانَتْ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى خِلَافِ الْأُصُولِ قَدْ اُسْتُثْنِيَتْ فِي صُوَرٍ مِنْهَا جَوَازُ الْهَجْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْإِحْدَادِ

стр. 596

عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ أَوْ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فَإِنَّ الْقَتْلَ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقَعَ فِي الْأَوْلَادِ إلَّا لِتَوَقُّعِ ضَرَرٍ كَالْإِمْلَاقِ الَّذِي هُوَ الْفَقْرُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْفَضِيحَةِ فَلَا تَكُونُ لَهُ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْإِمْلَاقِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» وَالْغَالِبُ عَلَى الْغَنَمِ السَّوْمُ لَا سِيَّمَا أَغْنَامُ الْحِجَازِ فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَكَذَلِكَ هَهُنَا الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقْدِمُ عَلَى زَوَاجِ نَفْسِهَا إلَّا خُفْيَةً عَنْ وَلِيِّهَا وَهُوَ غَيْرُ آذِنٍ لَهَا فِي ذَلِكَ وَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِذَلِكَ فَإِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ وَلِيًّا عَلَى امْرَأَةٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا تَكُونُ وَلِيَّةً عَلَى عَبِيدِهَا وَمَنْ وُصِّيَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَصَاغِرِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْفَرْقُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ لِلصَّبِيِّ أَهْلِيَّةَ الْعَقْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ (وَثَانِيهَا) أَنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَى رَفْعِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِالطَّلَاقِ (وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمَا لَيْسَتْ لِطَلَبِ الْكَفَاءَةِ الْمُحْتَاجَةِ لِدَقِيقِ النَّظَرِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى فِي ذَلِكَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي الْعَفْوِ عَنْ الصَّدَاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ يَعْفُوَ النِّسَاءُ عَنْ النِّصْفِ الَّذِي وَجَبَ لَهُنَّ فَيَسْقُطُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قَالَ مَالِكٌ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ هُوَ الزَّوْجُ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ صَرِيحًا (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ الْأَصْلَ يَقْتَضِي عَدَمَ تَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى مَالِ مُوَلِّيَتِهِ (وَالْجَوَابُ) عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا تَقُوم بِهِ حُجَّةٌ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ بَلْ إخْبَارٌ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ (وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ قَاعِدَةَ الْوِلَايَةِ تَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَفْوُ أَحْسَنَ لِلْمَرْأَةِ لِاطِّلَاعِ الْوَلِيِّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِيهَا لِهَذَا الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَحْصِيلِ أَضْعَافِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَيُفْعَلُ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ فَمَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَفْوِيتٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ لَا رِفْقٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا مَرَّ اُسْتُثْنِيَ كَذَلِكَ ثَلَاثُ زَوْجَاتٍ يُضَارُّ بِهِنَّ زَوْجَةٌ أُخْرَى هَذَا فِي الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْبَعِيدِ مِنْ الْقَرَابَاتِ. أَمَّا الْقَرَابَاتُ الْقَرِيبَةُ فَقَدْ حَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى زِيَادَةِ صَوْنِهَا عَنْ التَّفَرُّقِ وَالشَّحْنَاءِ فَمَنَعَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا حِفْظًا لِبِرِّ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمَا أَعْظَمُ الْقَرَابَاتِ وَبَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمَا تَلِي ذَلِكَ فِي الْقُرْبِ ثُمَّ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا لِكَوْنِهَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ الَّتِي بِرُّهَا آكَدُ مِنْ بِرِّ الْأَبِ ثُمَّ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا لِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ثُمَّ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَةِ أُمِّهَا ثُمَّ بَيْنَهَا وَخَالَةِ أَبِيهَا ثُمَّ بَيْنَهَا وَعَمَّةِ أُمِّهَا ثُمَّ بَيْنَهَا وَعَمَّةِ أَبِيهَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْأُمُّ أَشَدَّ بِرًّا بِبِنْتِهَا مِنْ الْبِنْتِ بِأُمِّهَا لَمْ يَجْعَلْ الشَّرْعُ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ كَافِيًا فِي بُغْضِهَا لِبِنْتِهَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا لِضَعْفِ مَيْلِ الْأُمِّ لِلزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَعَدَمِ مُخَالَطَتِهِ بَلْ اشْتَرَطَ فِي التَّحْرِيمِ إضَافَةَ الدُّخُولِ إلَى الْعَقْدِ وَجَعَلَ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ كَافِيًا فِي بُغْضِهَا لِأُمِّهَا فَحَرَّمَ الْأُمَّ عَلَى مَنْ عَقَدَ عَلَى الْبِنْتِ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لِئَلَّا تَعُقَّ أُمَّهَا نَعَمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يُشْتَرَطُ فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ الدُّخُولُ عَلَى الْبِنْتِ كَمَا اشْتَرَطَ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ الدُّخُولَ عَلَى الْأُمِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قَالَ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] صِفَةٌ تَعَقَّبَتْ الْجُمْلَتَيْنِ فَتَعُمَّهُمَا كَمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالشَّرْطَ إذَا تَعَقَّبَا الْجُمَلَ عَمَّا. وَلَا يَرُدُّ هَذَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ يَرَى تَرْجِيحَ الْقَرِيبِ فِي الْجُمَلِ وَهِيَ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ فَيَخُصُّهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ لَا سِيَّمَا وَالْقَرِيبُ هَاهُنَا هُوَ مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ فَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ بِاللَّفْظِ عَنْ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ بَلْ الْمُوجِبُ وَهُوَ الْقُرْبُ يُصْرَفُ إلَى مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَرُجِّحَتْ الثَّانِيَةُ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ بِالْقُرْبِ فَلَمْ يَكُنْ حَمْلُ اللَّفْظِ هَاهُنَا عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ طَلَبًا لِمُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا هَاهُنَا طَلَبُ مُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ فِي اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ إذْ لَا يَلْزَمُنَا طَلَبُ دَلِيلٍ لِلْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْأَوْفَقُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ بِأَنْ يُجْعَلَ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] نَعْتًا عَائِدًا لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دَالًّا عَلَى اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ كَمَا أَنَّ الدُّخُولَ شَرْطٌ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ إذْ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي شَرْطِيَّةِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمَانِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ

стр. 597

بِهَا ثُمَّ الْآيَةُ تَدُلُّ لَنَا مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَالْمُتَقَدِّمُ قَبْلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ إثْبَاتُ النِّصْفِ فَعَلَى رَأْيِنَا تَعْفُو الْمَرْأَةُ فَيَسْقُطَ فَتَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَعْفُو الزَّوْجُ فَيَثْبُتَ مَعَ هَذَا النِّصْفُ الَّذِي تَشَطَّرَ بِالطَّلَاقِ فَلَا تَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ بِوُقُوعِ الْإِثْبَاتِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ (وَثَانِيهَا) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ بِأَوْ التَّشْرِيكُ فِي الْمَعْنَى فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عَلَى رَأْيِنَا الْإِسْقَاطُ فَيَحْصُلُ التَّشْرِيكُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ الْإِثْبَاتُ فَلَا يَحْصُلُ التَّشْرِيكُ فَيَكُونُ قَوْلُنَا أَرْجَحَ (وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا تَنْوِيعٌ لِذَلِكَ الْكَائِنِ إلَى نَوْعَيْنِ وَالتَّنْوِيعُ فَرْعُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى وَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِعْطَاءِ حَتَّى يَحْسُنَ تَنْوِيعُهُ وَعَلَى رَأْيِنَا الْمُتَنَوِّعُ الْإِسْقَاطُ إلَى إسْقَاطِ الْمَرْأَةِ وَإِسْقَاطِ الْوَلِيِّ فَكَانَ قَوْلُنَا أَرْجَحَ (وَرَابِعُهَا) أَنَّ الْعَفْوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِسْقَاطِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَكُونُ الْتِزَامُ مَا سَقَطَ بِالطَّلَاقِ وَالْتِزَامُ مَا لَمْ يَجِبْ لَا يُسَمَّى عَفْوًا (وَخَامِسُهَا) أَنَّ إقَامَةَ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّوْجَ لَقِيلَ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ تَعْفُوَ عَمَّا اسْتَحَقَّ لَكُمْ فَلَمَّا عَدَلَ إلَى الظَّاهِرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الزَّوَاجِ (وَسَادِسُهُمَا) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا بِيَدِهِ كَذَا أَيْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَالزَّوْجُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي الْوَطْءِ بِالْحِلِّ وَالْوَلِيُّ الْآنَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْعَقْدِ فَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ دُونَ الزَّوْجِ (وَسَابِعُهَا) سَلَّمْنَا أَنَّ الزَّوْجَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَمَضَى فَهُوَ مَجَازٌ وَالْوَلِيُّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْآنَ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَالْحَقِيقَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ (وَثَامِنُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الرَّشِيدَاتُ إجْمَاعًا إذَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِنَّ لَا يُنَفِّذُ الشَّرْعُ تَصَرُّفَهُنَّ فَاَلَّذِي يَحْسُنُ مُقَابَلَتُهُنَّ بِهِنَّ الْمَحْجُورَاتُ عَلَى أَيْدِي الْأَوْلِيَاءِ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَلَا مُنَاسَبَةَ فِيهِمْ لِلرَّشِيدَاتِ (وَتَاسِعُهَا) أَنَّ الْخِطَابَ كَانَ مَعَ الْأَزْوَاجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهُوَ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ فَلَوْ كَانُوا مُرَادَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لَقَالَ أَوْ تَعْفُوَ بِلَفْظِ تَاءِ الْخِطَابِ فَلَمَّا قَالَ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهُوَ خِطَابُ غَيْبَةٍ لَزِمَ تَغَيُّرُ الْكَلَامِ مِنْ الْخِطَابِ إلَى الْغَيْبَةِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ (وَعَاشِرُهَا) أَنَّ وُجُوبَ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ خِلَافُ الْأَصْلِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَهْمَا أَمْكَنَ تَكْثِيرُ فَوَائِدِ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَجَعْلُ مَدْلُولٍ لِكُلِّ دَلِيلٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّرَادُفِ وَالتَّأْكِيدِ وَلَا يُرَدُّ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْمَجَازِ بِالْإِجْمَاعِ. وَوَرَدَ لَفْظٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَثَلًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] حَمَلُوا النِّكَاحَ فِيهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي هِيَ الْوَطْءُ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يُحَرِّمُ عَلَى الِابْنِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْأَصْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمِنْ عَدَمِ التَّرَادُفِ فَعَلَى هَذَا إذَا وَطِئَهَا الْأَبُ وَطْئًا حَلَالًا أَوْ حَرَامًا مَا حَرُمَتْ عَلَى الِابْنِ وَتَحْرُمُ بِالْعَقْدِ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِيمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ جَاءَ فِي الْمَجَازِ الْمَرْجُوحِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَعَدَلْنَا بِاللَّفْظِ إلَى ظَاهِرِهِ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ لِأَجْلِ مُعَارَضَةِ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْإِجْمَاعُ هَاهُنَا جَاءَ فِي مَوْضِعِ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْبُ فَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ فَافْهَمْ وَإِنَّمَا يَرُدُّ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] صِفَةٌ تَعَقَّبَتْ الْجُمْلَتَيْنِ إلَخْ عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ الَّذِينَ يَرَوْنَ تَعْمِيمَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فِي الْجُمَلِ وَلَا يُرَجِّحُونَ جُمْلَةً بِالْقُرْبِ فَإِنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ الْحَمْلُ عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ. وَلَا يَتَأَتَّى الْجَوَابُ عَنْهُمْ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْجَمْعَ بَيْنَ عَامِلَيْنِ فِي النَّعْتِ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَعْرَابِ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي النَّعْتِ هُوَ الْعَامِلُ الْمَنْعُوتُ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ خِلَافًا لِمَنْ يَرَى مِنْهُمْ الْجَمْعَ بَيْنَ عَامِلَيْنِ فِي النَّعْتِ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَعْرَابِ وَلِمَنْ يَرَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي النَّعْتِ التَّبَعِيَّةُ لِلْمَوْصُوفِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَنْهُمْ صَحَّ الْجَوَابُ أَيْضًا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْحَمْلُ عَلَى إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ لَا عَلَيْهِمَا وَلَا سَبِيلَ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا هِيَ الْبَعِيدَةُ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالْعَوْدِ عَلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَقُلْ هِيَ الْبَعِيدَةُ بَلْ انْفِرَادُ الْبَعِيدَةِ بِالْحَمْلِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ قَائِلٌ بِالتَّعْمِيمِ فِي الْجُمَلِ وَقَائِلٌ بِالْجُمْلَةِ الْقَرِيبَةِ وَحْدَهَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْحَمْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْبَعِيدَةِ وَحْدَهَا وَلَكِنْ تَقْدِيرُ ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُمْ مُتَعَذِّرٌ إذْ مِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ كَانَ فِي النَّحْوِ لَا يَجْتَمِعُ عَامِلَانِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي الصِّفَةِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ فَلَعَلَّ مَذْهَبَهُمَا أَنَّ عَامِلَ النَّعْتِ هُوَ التَّبَعِيَّةُ لِلْمَوْصُوفِ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ النُّحَاةِ لَا عَامِلُ الْمَنْعُوتِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا صَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ وَفِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي

стр. 598

يَقْتَضِي بَقَاءَ الْمُعَوَّضِ قَابِلًا لِلتَّسْلِيمِ أَمَّا مَعَ تَعَذُّرِهِ فَلَا بِشَهَادَةِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ كَذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ فَإِسْقَاطُ الْأَوْلِيَاءِ النِّصْفَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَتَكْمِيلُ الزَّوْجِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأَبِ قَبْلَ الطَّلَاقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا بِوَجْهِ نَظَرٍ مِنْ عُسْرِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَلْحَقُ الْوَصِيُّ بِالْأَبِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْهُ وَفِي الْجَلَّابِ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ الْعَفْوُ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَلَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَسُلِّطَ الْأَبُ عَلَيْهِ إذَا رَآهُ نَظَرًا بِخِلَافِ الدُّخُولِ لِتَعَيُّنِ الِاسْتِحْقَاقِ فَغَلَبَ حَقُّ الزَّوْجَةِ (فَائِدَةٌ) يُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ فَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ: مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ يَجِدْ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ ... قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ قَدْ كُنَّ يُخَبِّئَانِ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا ... وَالْآنَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ فَقَالَ كَيْفَ تَقُولُ بَدَأْنَ بِالْهَمْزِ أَوْ بَدَيْنَ بِالْيَاءِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَقُولُ بَدَيْنَ وَلَا بَدَأْنَ بَلْ بَدَوْنَ فَقَالَ لَهُ أَصَبْت وَقَصَدَ غُرَّتَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ صَدْرَ الْبَيْتِ بِالْهَمْزِ فِي قَوْلِهِ يُخَبِّئَانِ الْوُجُوهَ فَقِيَاسُهُ أَنْ يَقُولَ بَدَأْنَ مِثْلَ يُخَبِّئَانِ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا فَخَطَرَ لَهُ أَنَّهُ يَغْتَرُّ بِذَلِكَ فَيَخْطَأُ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ (وَثَانِيهِمَا) قَصْدُ التَّخْطِئَةِ أَنَّ الْوَاوَ تَكُونُ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ الْمُذَكَّرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بَدَوْنَ بِالْوَاوِ لِأَنَّ ضَمِيرَ النِّسْوَةِ لَا يَكُونُ بِالْوَاوِ فَمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ نَطَقَ بِالصَّوَابِ وَهُوَ الْوَاوُ وَمَا ذَكَرْت هَذِهِ الْأَبْيَاتِ إلَّا لِتَعَلُّقِهَا بِالْآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي النِّسَاءِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بِالْوَاوِ فَضَعَّفَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ يَجِيءُ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ بِالْوَاوِ وَلَيْسَ كَمَا خَطَرَ لَهُ وَلَيْسَ الْوَاوُ هُنَا ضَمِيرًا بَلْ مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ مِنْ عَفَا يَعْفُو بِالْوَاوِ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْأَبْيَاتِ هُوَ مِنْ بَدَا يَبْدُو بِالْوَاوِ وَشَأْنُ ضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ الَّذِي هُوَ النُّونُ يُحَقِّقُ آخِرَ الْفِعْلِ فَإِنْ كَانَ يَاءً بَقِيَ يَاءً وَإِنْ كَانَ وَاوًا بَقِيَ وَاوًا وَإِنْ كَانَ هَمْزَةً بَقِيَ هَمْزَةً وَأَيَّ حَرْفٍ كَانَ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ مِثَالُ الْيَاءِ قَوْلُك رَمْي يَرْمِي فَنَقُولُ النِّسْوَةُ رَمَيْنَ بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ كَقَوْلِك دَعَا يَدْعُو وَالنِّسْوَةُ دَعَوْنَ وَالْهَمْزَةُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ لَا يُحَرِّمُ الْأُمَّ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحَابَةِ إنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّ وَلَا تَحْرُمُ الْبِنْتُ حَتَّى يُدْخَلَ بِالْأُمِّ وَاخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي الْوَصْفِ فِي قَوْلِهِ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى الرَّبَائِبِ وَالْأُمَّهَاتِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى الرَّبَائِبِ خَاصَّةً. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَجَعَلُوا رُجُوعَ الْوَصْفِ إلَى الْمَوْصُوفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْ الْعَامِلِ مَمْنُوعًا كَالْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَرَأَوْا أَنَّ عَامِلَ الْإِضَافَةِ غَيْرُ عَامِلِ الْخَفْضِ بِحَرْفِ الْجَرِّ وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ: مُلْجِئَةُ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ وَقَدْ رَدَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ الرِّوَايَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ أَنَّهُ مَذْهَبُ عَلِيٍّ خَاصَّةً كَمَا اسْتَقَرَّ الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَقْطَارِ أَنَّ الرَّبَائِبَ وَالْأُمَّهَاتِ فِي هَذَا الْحُكْمِ مُخْتَلِفَاتٌ وَأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّبَائِبِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ غَوَامِضِ الْعِلْمِ وَأَخْذُهَا مِنْ طَرِيقِ النَّحْوِ يَضْعُفُ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الْعَرَبَ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ أَعْرَفُ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمَقْطَعِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمْ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَخُصُوصًا عَلَى مِقْدَارِهِ فِي الْعِلْمَيْنِ وَلَوْ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَكَانَ فَصَاحَتُهَا بِالْأَعْجَمِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَاوَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ وَالْمَأْخَذُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الْوَصْفُ إلَى الرَّبَائِبِ خَاصَّةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَيُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ عَلَى التَّحْلِيلِ فِي بَابِ الْفُرُوجِ وَهَكَذَا هُوَ مَقْطُوعُ السَّلَفِ فِيهَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَلَيْهَا (الْوَجْهُ الثَّانِي) رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحْهَا» . وَهَذَا إنْ صَحَّ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَكِنَّ رِوَايَةَ الْمُثَنَّيْ بْنِ الصَّبَّاحِ تُضَعَّفُ (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ نِسَائِكُمْ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ لِأَنَّهُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ وَاحِدَهُ امْرَأَةٌ وَلَمَّا كَانَ قَوْلُك امْرُؤٌ وَامْرَأَةٌ كَقَوْلِك آدَمِيٌّ وَآدَمِيَّةٌ كَانَ قَوْلُهُ امْرَأَتُك كَقَوْلِهِ آدَمِيَّتُك فِي احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الَّتِي تُشْبِهُك أَوْ تُجَاوِرُك أَوْ تَمْلِكُهَا أَوْ تَمْلِكُك أَوْ تَحِلُّ لَهَا أَوْ تَحِلُّ لَك وَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى الشَّبَهِ وَالْجَوَازُ مُحَالٌ فَلَمْ نَجِدْ وَجْهًا إلَّا بَابَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَيَشْهَدُ لَهُ

стр. 599

نَحْوُ قَرَأَ يَقْرَأُ وَالنِّسْوَةُ قَرَأْنَ فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْفُونَ بِالْوَاوِ وَقَالَ الشَّاعِرُ: بَدَوْنَ لِلنَّاظِرِ وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ الْمَشْهُورِينَ طُرِحَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فَأَخْطَأَ فِيهَا وَقَالَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ فَخَطِئَ وَفِي الْأَبْيَاتِ سُؤَالٌ آخَرُ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَصَدَ شَيْئًا وَهُوَ إخْمَالُ الشَّمَاتَةِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي تَقْوِيَتَهَا فَإِنَّ قَوْلَهُ: مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِوَقْعَةِ مَالِكٍ أَوْ بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ وَذَكَرَ مِنْ حَالِ النِّسْوَةِ مَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الشَّمَاتَةِ وَتَحَقُّقَ الْمُصِيبَةِ وَهَتْكِ الْعِيَالِ وَتَهَتُّكِ الْوُجُوهِ وَهَذَا يَزِيدُ الشَّامِتَ شَمَاتَةً (وَالْجَوَابُ) عَنْهُ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ أَنَّهَا لَا تُقِيمُ مَأْتَمًا وَلَا تَفْعَلُ النِّسْوَةُ هَذَا الْفِعْلَ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ ثَأْرِ مَنْ يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَمَنْ لَا يُؤْخَذُ بِثَأْرِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُمَا أَنْ يُقَامَ لَهُ مَأْتَمٌ وَلَا يُبْكَى عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَالَ أَيُّهَا الشَّامِتُ اُنْظُرْ كَيْفَ حَالُ النِّسْوَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّا أَخَذْنَا بِثَأْرِهِ وَذَهَبَتْ شَمَاتَةُ الشَّامِتِ بِهِ عِنْدَهُمْ أَوْ خَفَّتْ فَهَذَا وَجْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ. (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ تَتَقَرَّرُ بِالْعُقُودِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَنْكِحَةِ لَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِالْعُقُودِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ) وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) عَدَمُ التَّقَرُّرِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَثَانِيهَا) التَّقَرُّرُ مُطْلَقًا وَالطَّلَاقُ مُشَطَّرٌ (وَثَالِثُهَا) النِّصْفُ يَتَقَرَّرُ بِالْعَقْدِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ حَتَّى يَسْقُطَ بِالطَّلَاقِ أَوْ يَثْبُتَ بِالدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ وَأَمَّا أَثْمَانُ الْبَيْعَانِ فَلَمْ أَعْلَمْ فِيهَا خِلَافًا وَسِرُّ الْفَرْقِ أَنَّ الصَّدَاقَ فِي النِّكَاحِ شَرْطٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَشَأْنُ الشَّرْطِ أَنْ يَتَعَيَّنَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمَشْرُوطِ وَلَيْسَ النَّاسُ يَقْصِدُونَ بِالصَّدَاقِ الْمُعَاوَضَةَ بَلْ التَّجَمُّلُ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ أَيْضًا لَمْ يُرِدْ الْمُعَاوَضَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ شُرُوطَ الْإِعْرَاضِ مِنْ نَفْيِ الْجَهَالَةِ لِلْمَرْأَةِ بَلْ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَجْهُولَةِ مُطْلَقًا وَلَا يَتَعَرَّضُ لِتَحْدِيدِ مُدَّةِ الِانْتِفَاعِ أَيْضًا وَذَلِكَ وَشَبَهُهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إلَى الْمُعَاوَضَةِ بَلْ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ إلَّا عِنْدَ الدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إنَّمَا اُلْتُزِمَ إلَى أَقْصَرِ الزَّوْجَيْنِ عُمُرًا وَلَيْسَ الْوَطْأَةُ الْأُولَى هِيَ مُقَابَلَةُ الصَّدَاقِ بِالْعِوَضِيَّةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَ الْعُقَلَاءِ بِالصَّدَاقِ بِشَهَادَةِ الْعَادَةِ وَإِنَّمَا الشَّرْعُ جَعَلَهُ شَرْطًا لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] سِيَاقُ الْآيَةِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ فَإِذَا حَلَّتْ لَهُ أَوْ مَلَكَهَا فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْإِضَافَةُ الْمَقْصُودَةُ فَوَجَبَ فِي الْأُمَّهَاتِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَكَذَلِكَ فِي الْبَنَاتِ لَوْلَا التَّقْيِيدُ بِشَرْطِ الدُّخُولِ وَلَمْ تُحْمَلْ الْأُمَّهَاتُ عَلَى الْبَنَاتِ فِي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ تَغْلِيبًا لِمُعَارَضَةٍ مِنْ التَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي الْفُرُوجِ فَلِذَا لَمَّا تَعَارَضَ فِي الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ غَلَّبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ التَّحْرِيمَ (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ هَاهُنَا النِّكَاحُ فَعَلَى هَذَا الرَّبَائِبُ وَالْأُمَّهَاتُ سَوَاءٌ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ غَلَبَ عَلَى الرَّبَائِبِ بِاشْتِرَاطِ الْوَطْءِ فِي أُمَّهَاتِهِنَّ لِتَحْرِيمِهِنَّ (الْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْصُوفَيْنِ قَدْ انْقَطَعَ عَنْ صَاحِبِهِ بِوَصْفِهِ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَالْوَصْفُ الَّذِي يَتْلُوهُ يَتْبَعُهُ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ لِبُعْدِهِ مِنْهُ وَانْقِطَاعِهِ عَنْهُ. اهـ بِتَصَرُّفٍ (فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ) قَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ تَوْشِيحُ التَّرْشِيحِ حِكَايَةً عَنْ وَالِدِهِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ أَنَّ السِّرَّ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ نَقْلَ بَوَاطِنِ الشَّرِيعَةِ وَظَوَاهِرِهَا وَمَا يَتَحَسَّى وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ نِسْوَةً يَنْقُلْنَ مِنْ الشَّرْعِ مَا يَرَيْنَهُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَيَسْمَعْنَ مِنْ أَقْوَالِهِ الَّتِي قَدْ يَسْتَحِي مِنْ الْإِفْصَاحِ بِهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ فَيَكْمُلُ نَقْلُ الشَّرِيعَةِ وَكَثُرَ عَدَدُ النِّسَاءِ لِتَكْثِيرِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا النَّوْعِ وَمِنْهُنَّ عُرِفَ غَالِبُ مَسَائِلِ الْغُسْلِ وَالْحَيْضِ وَالْعِدَّةِ وَنَحْوِهَا قَالَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ لِشَهْوَةٍ مِنْهُ ﷺ فِي النِّكَاحِ وَلَا كَانَ يُحِبُّ الْوَطْءَ لِلَذَّةِ الْبَشَرِ مَعَاذَ اللَّهِ بَلْ إنَّمَا حُبِّبَ إلَيْهِ النِّسَاءُ لِتُظْهِرَ عَنْهُ مَا يَسْتَحِي هُوَ مِنْ الْإِمْعَانِ فِي التَّلَفُّظِ بِهِ فَأَحَبَّهُنَّ لِمَا فِيهِنَّ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى نَقْلِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلْنَ مَا لَمْ يَكُنْ يَنْقُلُهُ غَيْرُهُنَّ مِمَّا رَأَيْنَهُ فِي مَنَامِهِ وَحَالَةِ خَلْوَتِهِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَمِنْ جِدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَمِنْ أُمُورٍ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي لُبٍّ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِنَبِيٍّ وَمَا كَانَ يُشَاهِدُهُ غَيْرُهُنَّ فَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ عَظِيمٌ أَفَادَهُ الْعَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مَحَلِّيٍّ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ لَوَاحِقِهَا] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتَبِ الْأُولَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ لَوَاحِقِهَا) الْمُصَاهَرَةُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى عِبَارَةٌ عَنْ الْمُنْدَرِجِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ

стр. 600

بِعَدَمِ التَّقَرُّرِ مُطْلَقًا إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ دُخُولٍ وَمَنْ لَاحَظَ قَاعِدَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْوَاضِ وُجُوبُهَا بِالْعُقُودِ فَإِنَّهَا أَسْبَابُهَا وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا فَيَجِبُ الْجَمِيعُ بِالْعَقْدِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَمَنْ لَاحَظَ قَاعِدَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّتِهِ لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَرَتَّبَ النِّصْفَ عَلَى الطَّلَاقِ فَيَكُونُ سَبَبَهُ فَيَجِبُ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ خَاصَّةً وَيَبْقَى التَّكْمِيلُ مَوْقُوفًا عَلَى سَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْ الدُّخُولُ فَهَذَا تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْبَيْعِ وَقَاعِدَةُ مَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ) اعْلَمْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ جَمَعُوا أَسْمَاءَ الْعُقُودِ الَّتِي لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ الْبَيْعِ فِي قَوْلِك جَصَّ مُشْنِقٌ فَالْجِيمُ لِلْجَعَالَةِ وَالصَّادُ لِلصَّرْفِ وَالْمِيمُ لِلْمُسَاقَاةِ وَالشَّيْنُ لِلشَّرِكَةِ وَالنُّونُ لِلنِّكَاحِ وَالْقَافُ لِلْقِرَاضِ وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْعُقُودَ أَسْبَابٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَحْصِيلِ حِكْمَتِهَا فِي مُسَبَّبَاتِهَا بِطَرِيقِ الْمُنَاسَبَةِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِالِاعْتِبَارِ الْوَاحِدِ لَا يُنَاسِبُ الْمُتَضَادَّيْنِ فَكُلُّ عَقْدَيْنِ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ لَا يَجْمَعُهُمَا عَقْدٌ وَاحِدٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ الْعُقُودُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَجْتِمَاعُهَا مَعَ الْبَيْعِ كَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ لِلُّزُومِ الْجَهَالَةِ فِي عَمَلِ الْجَعَالَةِ وَذَلِكَ يُنَافِي الْبَيْعَ وَالْإِجَازَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى نَفْيِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ لَهُ وَذَلِكَ مُوَفَّقٌ لِلْبَيْعِ وَلَا يَجْتَمِعُ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ لِتَضَادِّهِمَا فِي الْمُكَايَسَةِ فِي الْعِوَضِ الْمُعَوَّضِ بِالْمُسَامَحَةِ فِي النِّكَاحِ وَالْمُشَاحَّةِ فِي الْبَيْعِ فَحَصَلَ التَّضَادُّ، وَالصَّرْفُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّشْدِيدِ وَامْتِنَاعِ الْخِيَارِ وَالتَّأْخِيرِ وَأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا تُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ فَضَادَّ الْبَيْعُ الصَّرْفَ وَالْمُسَاقَاةَ وَالْقِرَاضُ فِيهِمَا الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ كَالْجَعَالَةِ وَذَلِكَ مُضَادٌّ لِلْبَيْعِ وَالشَّرِكَةُ فِيهَا صَرْفُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ فَهُوَ صَرْفٌ غَيْرُ نَاجِزٍ وَفِي الشَّرِكَةِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ وَالْبَيْعُ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ فَهُمَا مُتَضَادَّانِ وَمَا لَا تَضَادَّ فِيهِ يَجُوزُ جَمْعُهُ مَعَ الْبَيْعِ فَهَذَا وَجْهُ الْفَرْقِ. ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعُ أَيْ زَوْجَاتُ الْآبَاءِ وَزَوْجَاتُ الْأَبْنَاءِ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُ الزَّوْجَاتِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ اثْنَيْنِ مِنْهُنَّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَهُمَا زَوْجَاتُ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ أَيْ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الرِّجَالِ وَحَمِيَّاتِهِمْ تَنْهَضُ بِالْغَضَبِ وَالْبَغْضَاءِ بِمُجَرَّدِ نِسْبَةِ الْمَرْأَةِ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَيَخْتَلُّ نِظَامُ وُدِّ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَوُدٍّ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ وَهُوَ سِيَاجٌ عَظِيمٌ قَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ ﷺ خَرْقَهُ مِنْ الْكَبَائِرِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ «مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ قَالُوا أَوَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ» فَإِنَّهُ جَعَلَ التَّسَبُّبَ لِسَبِّ الْأَبِ بِسَبِّ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَكَيْفَ لَوْ سَبَّهُ مُبَاشَرَةً عَلَى تَحْرِيمِ وَاحِدَةٍ بِالدُّخُولِ وَهِيَ ابْنَةُ الزَّوْجَةِ أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَلَفُوا فِي أُمِّ الزَّوْجَةِ هَلْ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ وَلَوَاحِقُ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى عِبَارَةٌ عَنْ غَيْرِ الْمُنْدَرِجِ فِيمَا ذُكِرَ مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِيهِ إلَيْهِ بِالْمُنْدَرِجِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْلُ وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّاطِّ فِي أَمْرَيْنِ: (الْأَمْرُ الْأَوَّلِ) الْمُنْدَرِجِ فِيمَا ذُكِرَ فَزَعَمَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمُنْدَرِجَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُنَّ الْحَرَائِرُ مُدَّعِيًا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ نِسَائِنَا فِي غَالِبِ الْعَادَةِ الْحَرَائِرُ الْمَنْسُوبَاتُ إلَيْنَا بِمُبِيحِ الْوَطْءِ وَهُوَ الْعَقْدُ فَلَا يُفْهَمُ مِنْ النِّسَاءِ فِيمَا ذُكِرَ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] إلَّا الزَّوْجَاتُ الْحَرَائِرُ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الدُّخُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُنَّ قَدْ يَتَحَقَّقْنَ مَعَ عَدَمِ الدُّخُولِ وَعَلَيْهِ فَيُلْحَقُ بِهِنَّ الْإِمَاءُ الْمَنْكُوحَاتُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي التَّحْرِيمِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مُبِيحِ الْوَطْءِ وَالْفِرَاشِ بِشَرْطِهِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ بِشَرْطِهِ وَلِأَنَّ الْأَنَفَاتِ تَحْصُلُ مِنْ وَطْءِ الْغَيْرِ مَا وَطِئَهُ الْإِنْسَانُ بِالْمِلْكِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ أَمَتَهُ غَيْرُهُ فَكَانَ وَطْؤُهَا مُحَرَّمًا كَالْوَطْءِ بِالْعَقْدِ وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ لَا أَعْرِفُ صِحَّةَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ نِسَائِنَا فِي غَالِبِ الْعَادَةِ الْحَرَائِرُ الْمَنْسُوبَاتُ إلَيْنَا بِمُبِيحِ الْوَطْءِ وَهُوَ الْعَقْدُ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُرَادَ بِنِسَائِنَا إمَّا جَمِيعُ الْمَنْكُوحَاتِ بِعَقْدٍ كَانَ نِكَاحُهُنَّ أَوْ بِمِلْكٍ، حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ مَمْلُوكَاتٍ وَإِمَّا الْمَنْكُوحَاتُ بِخُصُوصِ الْعَقْدِ وَلَوْ كُنَّ غَيْرَ حَرَائِرَ وَلَا وَجْهَ لِقَيْدِ كَوْنِهِنَّ حَرَائِرَ عِنْدِي قَالَ وَقَوْلُهُ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الدُّخُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] إلَخْ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَفْهُومِ فَيَخْتَصُّ بِمَنْ يَرَاهُ حُجَّةً فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِمَاءِ الْمَنْكُوحَاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَكَذَلِكَ بِعَقْدٍ إلَّا أَنَّ الْمَنْكُوحَاتِ بِالْعَقْدِ مِنْ الْمُنْدَرِجِ لَا مِنْ لَوَاحِقِهِ عَلَى كِلَا التَّرَدُّدَيْنِ فِي كَلَامِ ابْنِ الشَّاطِّ بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَاتِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْمُنْدَرِجِ عَلَى التَّرْدِيدِ الْأَوَّلِ فِي كَلَامِهِ وَمِنْ اللَّوَاحِقِ عَلَى الثَّانِي فَافْهَمْ (الْأَمْرُ الثَّانِي) الْحَقِيقَةُ فِي لَفْظِ الْأَبِ وَلَفْظِ الْأُمِّ وَلَفْظِ الِابْنِ وَلَفْظِ
следующие страницы →