Полный текст (1 059 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ أَوْ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فَإِنَّ الْقَتْلَ الْغَالِبَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقَعَ فِي الْأَوْلَادِ إلَّا لِتَوَقُّعِ ضَرَرٍ كَالْإِمْلَاقِ الَّذِي هُوَ الْفَقْرُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْفَضِيحَةِ فَلَا تَكُونُ لَهُ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْإِمْلَاقِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ» وَالْغَالِبُ عَلَى الْغَنَمِ السَّوْمُ لَا سِيَّمَا أَغْنَامُ الْحِجَازِ فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ وَكَذَلِكَ هَهُنَا الْغَالِبُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقْدِمُ عَلَى زَوَاجِ نَفْسِهَا إلَّا خُفْيَةً عَنْ وَلِيِّهَا وَهُوَ غَيْرُ آذِنٍ لَهَا فِي ذَلِكَ وَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِذَلِكَ فَإِذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّهَا لَا تَكُونُ وَلِيًّا عَلَى امْرَأَةٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا تَكُونُ وَلِيَّةً عَلَى عَبِيدِهَا وَمَنْ وُصِّيَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَصَاغِرِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَالْفَرْقُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ
(أَحَدُهَا) أَنَّ لِلصَّبِيِّ أَهْلِيَّةَ الْعَقْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ بَعْدَ الْعِتْقِ
(وَثَانِيهَا) أَنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَى رَفْعِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ بِالطَّلَاقِ
(وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْوِلَايَةَ عَلَيْهِمَا لَيْسَتْ لِطَلَبِ الْكَفَاءَةِ الْمُحْتَاجَةِ لِدَقِيقِ النَّظَرِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى فِي ذَلِكَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
فِي الْعَفْوِ عَنْ الصَّدَاقِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ يَعْفُوَ النِّسَاءُ عَنْ النِّصْفِ الَّذِي وَجَبَ لَهُنَّ فَيَسْقُطُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] قَالَ مَالِكٌ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْمُشَارُ إلَيْهِ هُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ هُوَ الزَّوْجُ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ صَرِيحًا
(وَثَانِيهِمَا) أَنَّ الْأَصْلَ يَقْتَضِي عَدَمَ تَسْلِيطِ الْوَلِيِّ عَلَى مَالِ مُوَلِّيَتِهِ
(وَالْجَوَابُ) عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا تَقُوم بِهِ حُجَّةٌ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ بَلْ إخْبَارٌ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ
(وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ قَاعِدَةَ الْوِلَايَةِ تَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ لِلْمَوْلَى عَلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَفْوُ أَحْسَنَ لِلْمَرْأَةِ لِاطِّلَاعِ الْوَلِيِّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِيهَا لِهَذَا الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَحْصِيلِ أَضْعَافِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَيُفْعَلُ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ فَمَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَفْوِيتٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ لَا رِفْقٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى غَيْرِ الزَّوْجِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا مَرَّ اُسْتُثْنِيَ كَذَلِكَ ثَلَاثُ زَوْجَاتٍ يُضَارُّ بِهِنَّ زَوْجَةٌ أُخْرَى هَذَا فِي الْأَجْنَبِيَّاتِ وَالْبَعِيدِ مِنْ الْقَرَابَاتِ.
أَمَّا الْقَرَابَاتُ الْقَرِيبَةُ فَقَدْ حَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى زِيَادَةِ صَوْنِهَا عَنْ التَّفَرُّقِ وَالشَّحْنَاءِ فَمَنَعَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَأُمِّهَا حِفْظًا لِبِرِّ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمَا أَعْظَمُ الْقَرَابَاتِ وَبَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّ قَرَابَتَهُمَا تَلِي ذَلِكَ فِي الْقُرْبِ ثُمَّ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا لِكَوْنِهَا مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ الَّتِي بِرُّهَا آكَدُ مِنْ بِرِّ الْأَبِ ثُمَّ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا لِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْأَبِ ثُمَّ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَةِ أُمِّهَا ثُمَّ بَيْنَهَا وَخَالَةِ أَبِيهَا ثُمَّ بَيْنَهَا وَعَمَّةِ أُمِّهَا ثُمَّ بَيْنَهَا وَعَمَّةِ أَبِيهَا وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ الْأُمُّ أَشَدَّ بِرًّا بِبِنْتِهَا مِنْ الْبِنْتِ بِأُمِّهَا لَمْ يَجْعَلْ الشَّرْعُ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ كَافِيًا فِي بُغْضِهَا لِبِنْتِهَا إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا لِضَعْفِ مَيْلِ الْأُمِّ لِلزَّوْجِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَعَدَمِ مُخَالَطَتِهِ بَلْ اشْتَرَطَ فِي التَّحْرِيمِ إضَافَةَ الدُّخُولِ إلَى الْعَقْدِ وَجَعَلَ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ كَافِيًا فِي بُغْضِهَا لِأُمِّهَا فَحَرَّمَ الْأُمَّ عَلَى مَنْ عَقَدَ عَلَى الْبِنْتِ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لِئَلَّا تَعُقَّ أُمَّهَا نَعَمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يُشْتَرَطُ فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ الدُّخُولُ عَلَى الْبِنْتِ كَمَا اشْتَرَطَ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ الدُّخُولَ عَلَى الْأُمِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قَالَ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] صِفَةٌ تَعَقَّبَتْ الْجُمْلَتَيْنِ فَتَعُمَّهُمَا كَمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ وَالشَّرْطَ إذَا تَعَقَّبَا الْجُمَلَ عَمَّا.
وَلَا يَرُدُّ هَذَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّهُ يَرَى تَرْجِيحَ الْقَرِيبِ فِي الْجُمَلِ وَهِيَ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ فَيَخُصُّهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ لَا سِيَّمَا وَالْقَرِيبُ هَاهُنَا هُوَ مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ فَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ بِاللَّفْظِ عَنْ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ بَلْ الْمُوجِبُ وَهُوَ الْقُرْبُ يُصْرَفُ إلَى مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَرُجِّحَتْ الثَّانِيَةُ الَّتِي هِيَ مَوْضِعُ الْإِجْمَاعِ بِالْقُرْبِ فَلَمْ يَكُنْ حَمْلُ اللَّفْظِ هَاهُنَا عَلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ طَلَبًا لِمُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُنَا هَاهُنَا طَلَبُ مُسْتَنَدِ الْإِجْمَاعِ فِي اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ إذْ لَا يَلْزَمُنَا طَلَبُ دَلِيلٍ لِلْإِجْمَاعِ وَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُسْتَنَدٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْأَوْفَقُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ بِأَنْ يُجْعَلَ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] نَعْتًا عَائِدًا لِلْجُمْلَةِ الْأُولَى وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] دَالًّا عَلَى اشْتِرَاطِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْأُمِّ كَمَا أَنَّ الدُّخُولَ شَرْطٌ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ بِالْإِجْمَاعِ إذْ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي شَرْطِيَّةِ الدُّخُولِ فِي تَحْرِيمِ الْبِنْتِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمَانِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ
стр. 597
بِهَا ثُمَّ الْآيَةُ تَدُلُّ لَنَا مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ
(أَحَدُهَا) أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَالْمُتَقَدِّمُ قَبْلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ إثْبَاتُ النِّصْفِ فَعَلَى رَأْيِنَا تَعْفُو الْمَرْأَةُ فَيَسْقُطَ فَتَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَعْفُو الزَّوْجُ فَيَثْبُتَ مَعَ هَذَا النِّصْفُ الَّذِي تَشَطَّرَ بِالطَّلَاقِ فَلَا تَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ بِوُقُوعِ الْإِثْبَاتِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ
(وَثَانِيهَا) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ بِأَوْ التَّشْرِيكُ فِي الْمَعْنَى فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عَلَى رَأْيِنَا الْإِسْقَاطُ فَيَحْصُلُ التَّشْرِيكُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ الْإِثْبَاتُ فَلَا يَحْصُلُ التَّشْرِيكُ فَيَكُونُ قَوْلُنَا أَرْجَحَ
(وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا تَنْوِيعٌ لِذَلِكَ الْكَائِنِ إلَى نَوْعَيْنِ وَالتَّنْوِيعُ فَرْعُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى وَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِعْطَاءِ حَتَّى يَحْسُنَ تَنْوِيعُهُ وَعَلَى رَأْيِنَا الْمُتَنَوِّعُ الْإِسْقَاطُ إلَى إسْقَاطِ الْمَرْأَةِ وَإِسْقَاطِ الْوَلِيِّ فَكَانَ قَوْلُنَا أَرْجَحَ
(وَرَابِعُهَا) أَنَّ الْعَفْوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِسْقَاطِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَكُونُ الْتِزَامُ مَا سَقَطَ بِالطَّلَاقِ وَالْتِزَامُ مَا لَمْ يَجِبْ لَا يُسَمَّى عَفْوًا
(وَخَامِسُهَا) أَنَّ إقَامَةَ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّوْجَ لَقِيلَ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ تَعْفُوَ عَمَّا اسْتَحَقَّ لَكُمْ فَلَمَّا عَدَلَ إلَى الظَّاهِرِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الزَّوَاجِ
(وَسَادِسُهُمَا) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا بِيَدِهِ كَذَا أَيْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَالزَّوْجُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي الْوَطْءِ بِالْحِلِّ وَالْوَلِيُّ الْآنَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْعَقْدِ فَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ دُونَ الزَّوْجِ
(وَسَابِعُهَا) سَلَّمْنَا أَنَّ الزَّوْجَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَمَضَى فَهُوَ مَجَازٌ وَالْوَلِيُّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْآنَ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَالْحَقِيقَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ
(وَثَامِنُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الرَّشِيدَاتُ إجْمَاعًا إذَا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِنَّ لَا يُنَفِّذُ الشَّرْعُ تَصَرُّفَهُنَّ فَاَلَّذِي يَحْسُنُ مُقَابَلَتُهُنَّ بِهِنَّ الْمَحْجُورَاتُ عَلَى أَيْدِي الْأَوْلِيَاءِ أَمَّا الْأَزْوَاجُ فَلَا مُنَاسَبَةَ فِيهِمْ لِلرَّشِيدَاتِ
(وَتَاسِعُهَا) أَنَّ الْخِطَابَ كَانَ مَعَ الْأَزْوَاجِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهُوَ خِطَابُ مُشَافَهَةٍ فَلَوْ كَانُوا مُرَادَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] لَقَالَ أَوْ تَعْفُوَ بِلَفْظِ تَاءِ الْخِطَابِ فَلَمَّا قَالَ ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَهُوَ خِطَابُ غَيْبَةٍ لَزِمَ تَغَيُّرُ الْكَلَامِ مِنْ الْخِطَابِ إلَى الْغَيْبَةِ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ
(وَعَاشِرُهَا) أَنَّ وُجُوبَ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضَهُ قَبْلَ الْمَسِيسِ خِلَافُ الْأَصْلِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ مَهْمَا أَمْكَنَ تَكْثِيرُ فَوَائِدِ كَلَامِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَجَعْلُ مَدْلُولٍ لِكُلِّ دَلِيلٍ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّرَادُفِ وَالتَّأْكِيدِ وَلَا يُرَدُّ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ إذَا ثَبَتَ حُكْمُ الْمَجَازِ بِالْإِجْمَاعِ.
وَوَرَدَ لَفْظٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ حُمِلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ اللَّفْظُ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ مَثَلًا قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] حَمَلُوا النِّكَاحَ فِيهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي هِيَ الْوَطْءُ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ مُسْتَنَدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ يُحَرِّمُ عَلَى الِابْنِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْأَصْلِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَمِنْ عَدَمِ التَّرَادُفِ فَعَلَى هَذَا إذَا وَطِئَهَا الْأَبُ وَطْئًا حَلَالًا أَوْ حَرَامًا مَا حَرُمَتْ عَلَى الِابْنِ وَتَحْرُمُ بِالْعَقْدِ أَيْضًا وَذَلِكَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ فِيمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ جَاءَ فِي الْمَجَازِ الْمَرْجُوحِ عَلَى خِلَافِ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَعَدَلْنَا بِاللَّفْظِ إلَى ظَاهِرِهِ الَّذِي هُوَ الْحَقِيقَةُ لِأَجْلِ مُعَارَضَةِ مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ وَالْإِجْمَاعُ هَاهُنَا جَاءَ فِي مَوْضِعِ الظَّاهِرِ الَّذِي هُوَ الْقُرْبُ فَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهُ فَافْهَمْ وَإِنَّمَا يَرُدُّ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] صِفَةٌ تَعَقَّبَتْ الْجُمْلَتَيْنِ إلَخْ عَلَى مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ الَّذِينَ يَرَوْنَ تَعْمِيمَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالصِّفَةِ فِي الْجُمَلِ وَلَا يُرَجِّحُونَ جُمْلَةً بِالْقُرْبِ فَإِنَّ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ الْحَمْلُ عَلَى الْجُمْلَتَيْنِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ.
وَلَا يَتَأَتَّى الْجَوَابُ عَنْهُمْ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ الْجَمْعَ بَيْنَ عَامِلَيْنِ فِي النَّعْتِ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَعْرَابِ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي النَّعْتِ هُوَ الْعَامِلُ الْمَنْعُوتُ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ النُّحَاةِ خِلَافًا لِمَنْ يَرَى مِنْهُمْ الْجَمْعَ بَيْنَ عَامِلَيْنِ فِي النَّعْتِ مَعَ اتِّفَاقِ الْأَعْرَابِ وَلِمَنْ يَرَى أَنَّ الْعَامِلَ فِي النَّعْتِ التَّبَعِيَّةُ لِلْمَوْصُوفِ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عَنْهُمْ صَحَّ الْجَوَابُ أَيْضًا عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فَإِنَّهُمْ حِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ الْحَمْلُ عَلَى إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ لَا عَلَيْهِمَا وَلَا سَبِيلَ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا هِيَ الْبَعِيدَةُ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِالْعَوْدِ عَلَى جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَقُلْ هِيَ الْبَعِيدَةُ بَلْ انْفِرَادُ الْبَعِيدَةِ بِالْحَمْلِ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ قَائِلٌ بِالتَّعْمِيمِ فِي الْجُمَلِ وَقَائِلٌ بِالْجُمْلَةِ الْقَرِيبَةِ وَحْدَهَا وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْحَمْلِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْبَعِيدَةِ وَحْدَهَا وَلَكِنْ تَقْدِيرُ ثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُمْ مُتَعَذِّرٌ إذْ مِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِمَا ﵃ كَانَ فِي النَّحْوِ لَا يَجْتَمِعُ عَامِلَانِ عَلَى مَعْمُولٍ وَاحِدٍ وَأَنَّ الْعَامِلَ فِي الصِّفَةِ هُوَ الْعَامِلُ فِي الْمَوْصُوفِ فَلَعَلَّ مَذْهَبَهُمَا أَنَّ عَامِلَ النَّعْتِ هُوَ التَّبَعِيَّةُ لِلْمَوْصُوفِ كَمَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ النُّحَاةِ لَا عَامِلُ الْمَنْعُوتِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا صَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ وَفِي كِتَابِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي
стр. 598
يَقْتَضِي بَقَاءَ الْمُعَوَّضِ قَابِلًا لِلتَّسْلِيمِ أَمَّا مَعَ تَعَذُّرِهِ فَلَا بِشَهَادَةِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ كَذَلِكَ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ فَإِسْقَاطُ الْأَوْلِيَاءِ النِّصْفَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَتَكْمِيلُ الزَّوْجِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأَبِ قَبْلَ الطَّلَاقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا بِوَجْهِ نَظَرٍ مِنْ عُسْرِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يَلْحَقُ الْوَصِيُّ بِالْأَبِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْهُ وَفِي الْجَلَّابِ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ الْعَفْوُ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَلَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَسُلِّطَ الْأَبُ عَلَيْهِ إذَا رَآهُ نَظَرًا بِخِلَافِ الدُّخُولِ لِتَعَيُّنِ الِاسْتِحْقَاقِ فَغَلَبَ حَقُّ الزَّوْجَةِ
(فَائِدَةٌ) يُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ فَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
يَجِدْ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ ... قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ
قَدْ كُنَّ يُخَبِّئَانِ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا ... وَالْآنَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ
فَقَالَ كَيْفَ تَقُولُ بَدَأْنَ بِالْهَمْزِ أَوْ بَدَيْنَ بِالْيَاءِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَقُولُ بَدَيْنَ وَلَا بَدَأْنَ بَلْ بَدَوْنَ فَقَالَ لَهُ أَصَبْت وَقَصَدَ غُرَّتَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ صَدْرَ الْبَيْتِ بِالْهَمْزِ فِي قَوْلِهِ يُخَبِّئَانِ الْوُجُوهَ فَقِيَاسُهُ أَنْ يَقُولَ بَدَأْنَ مِثْلَ يُخَبِّئَانِ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا فَخَطَرَ لَهُ أَنَّهُ يَغْتَرُّ بِذَلِكَ فَيَخْطَأُ فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
(وَثَانِيهِمَا) قَصْدُ التَّخْطِئَةِ أَنَّ الْوَاوَ تَكُونُ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ الْمُذَكَّرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بَدَوْنَ بِالْوَاوِ لِأَنَّ ضَمِيرَ النِّسْوَةِ لَا يَكُونُ بِالْوَاوِ فَمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ نَطَقَ بِالصَّوَابِ وَهُوَ الْوَاوُ وَمَا ذَكَرْت هَذِهِ الْأَبْيَاتِ إلَّا لِتَعَلُّقِهَا بِالْآيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي النِّسَاءِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بِالْوَاوِ فَضَعَّفَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ يَجِيءُ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ بِالْوَاوِ وَلَيْسَ كَمَا خَطَرَ لَهُ وَلَيْسَ الْوَاوُ هُنَا ضَمِيرًا بَلْ مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ مِنْ عَفَا يَعْفُو بِالْوَاوِ وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْأَبْيَاتِ هُوَ مِنْ بَدَا يَبْدُو بِالْوَاوِ وَشَأْنُ ضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ الَّذِي هُوَ النُّونُ يُحَقِّقُ آخِرَ الْفِعْلِ فَإِنْ كَانَ يَاءً بَقِيَ يَاءً وَإِنْ كَانَ وَاوًا بَقِيَ وَاوًا وَإِنْ كَانَ هَمْزَةً بَقِيَ هَمْزَةً وَأَيَّ حَرْفٍ كَانَ بَقِيَ عَلَى حَالِهِ مِثَالُ الْيَاءِ قَوْلُك رَمْي يَرْمِي فَنَقُولُ النِّسْوَةُ رَمَيْنَ بِالْيَاءِ وَالْوَاوِ كَقَوْلِك دَعَا يَدْعُو وَالنِّسْوَةُ دَعَوْنَ وَالْهَمْزَةُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ لَا يُحَرِّمُ الْأُمَّ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْأُمِّ لَا يُحَرِّمُ الْبِنْتَ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ وَالصَّحَابَةِ إنَّ الْعَقْدَ عَلَى الْبِنْتِ يُحَرِّمُ الْأُمَّ وَلَا تَحْرُمُ الْبِنْتُ حَتَّى يُدْخَلَ بِالْأُمِّ وَاخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي الْوَصْفِ فِي قَوْلِهِ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى الرَّبَائِبِ وَالْأُمَّهَاتِ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَقِيلَ يَرْجِعُ إلَى الرَّبَائِبِ خَاصَّةً.
وَهُوَ اخْتِيَارُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَجَعَلُوا رُجُوعَ الْوَصْفِ إلَى الْمَوْصُوفَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْ الْعَامِلِ مَمْنُوعًا كَالْعَطْفِ عَلَى عَامِلَيْنِ وَجَوَّزَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ وَرَأَوْا أَنَّ عَامِلَ الْإِضَافَةِ غَيْرُ عَامِلِ الْخَفْضِ بِحَرْفِ الْجَرِّ وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِ: مُلْجِئَةُ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ وَقَدْ رَدَّ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ الرِّوَايَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَاَلَّذِي اسْتَقَرَّ أَنَّهُ مَذْهَبُ عَلِيٍّ خَاصَّةً كَمَا اسْتَقَرَّ الْيَوْمَ فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَقْطَارِ أَنَّ الرَّبَائِبَ وَالْأُمَّهَاتِ فِي هَذَا الْحُكْمِ مُخْتَلِفَاتٌ وَأَنَّ الشَّرْطَ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّبَائِبِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ غَوَامِضِ الْعِلْمِ وَأَخْذُهَا مِنْ طَرِيقِ النَّحْوِ يَضْعُفُ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الْعَرَبَ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلُغَتِهِمْ أَعْرَفُ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمَقْطَعِ الْمَقْصُودِ مِنْهُمْ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَخُصُوصًا عَلَى مِقْدَارِهِ فِي الْعِلْمَيْنِ وَلَوْ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لَكَانَ فَصَاحَتُهَا بِالْأَعْجَمِيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحَاوَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ وَالْمَأْخَذُ فِيهِ يَرْجِعُ إلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ الْوَصْفُ إلَى الرَّبَائِبِ خَاصَّةً وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمَا جَمِيعًا فَيُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ عَلَى التَّحْلِيلِ فِي بَابِ الْفُرُوجِ وَهَكَذَا هُوَ مَقْطُوعُ السَّلَفِ فِيهَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ عَلَيْهَا
(الْوَجْهُ الثَّانِي) رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ أُمِّهَا وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بِهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحْهَا» . وَهَذَا إنْ صَحَّ حُجَّةٌ ظَاهِرَةٌ لَكِنَّ رِوَايَةَ الْمُثَنَّيْ بْنِ الصَّبَّاحِ تُضَعَّفُ
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ قَوْلَهُ مِنْ نِسَائِكُمْ لَفْظَةٌ عَرَبِيَّةٌ لِأَنَّهُ جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بَلْ وَاحِدَهُ امْرَأَةٌ وَلَمَّا كَانَ قَوْلُك امْرُؤٌ وَامْرَأَةٌ كَقَوْلِك آدَمِيٌّ وَآدَمِيَّةٌ كَانَ قَوْلُهُ امْرَأَتُك كَقَوْلِهِ آدَمِيَّتُك فِي احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الَّتِي تُشْبِهُك أَوْ تُجَاوِرُك أَوْ تَمْلِكُهَا أَوْ تَمْلِكُك أَوْ تَحِلُّ لَهَا أَوْ تَحِلُّ لَك وَالْإِضَافَةُ عَلَى مَعْنَى الشَّبَهِ وَالْجَوَازُ مُحَالٌ فَلَمْ نَجِدْ وَجْهًا إلَّا بَابَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ وَيَشْهَدُ لَهُ
стр. 599
نَحْوُ قَرَأَ يَقْرَأُ وَالنِّسْوَةُ قَرَأْنَ فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَعْفُونَ بِالْوَاوِ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
بَدَوْنَ لِلنَّاظِرِ
وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ الْمَشْهُورِينَ طُرِحَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فَأَخْطَأَ فِيهَا وَقَالَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ فَخَطِئَ وَفِي الْأَبْيَاتِ سُؤَالٌ آخَرُ مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَصَدَ شَيْئًا وَهُوَ إخْمَالُ الشَّمَاتَةِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي تَقْوِيَتَهَا فَإِنَّ قَوْلَهُ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِوَقْعَةِ مَالِكٍ أَوْ بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
وَذَكَرَ مِنْ حَالِ النِّسْوَةِ مَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الشَّمَاتَةِ وَتَحَقُّقَ الْمُصِيبَةِ وَهَتْكِ الْعِيَالِ وَتَهَتُّكِ الْوُجُوهِ وَهَذَا يَزِيدُ الشَّامِتَ شَمَاتَةً
(وَالْجَوَابُ) عَنْهُ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ أَنَّهَا لَا تُقِيمُ مَأْتَمًا وَلَا تَفْعَلُ النِّسْوَةُ هَذَا الْفِعْلَ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ ثَأْرِ مَنْ يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَمَنْ لَا يُؤْخَذُ بِثَأْرِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُمَا أَنْ يُقَامَ لَهُ مَأْتَمٌ وَلَا يُبْكَى عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَالَ أَيُّهَا الشَّامِتُ اُنْظُرْ كَيْفَ حَالُ النِّسْوَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّا أَخَذْنَا بِثَأْرِهِ وَذَهَبَتْ شَمَاتَةُ الشَّامِتِ بِهِ عِنْدَهُمْ أَوْ خَفَّتْ فَهَذَا وَجْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ تَتَقَرَّرُ بِالْعُقُودِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَنْكِحَةِ لَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِالْعُقُودِ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ)
وَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ
(أَحَدُهَا) عَدَمُ التَّقَرُّرِ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ
(وَثَانِيهَا) التَّقَرُّرُ مُطْلَقًا وَالطَّلَاقُ مُشَطَّرٌ
(وَثَالِثُهَا) النِّصْفُ يَتَقَرَّرُ بِالْعَقْدِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ حَتَّى يَسْقُطَ بِالطَّلَاقِ أَوْ يَثْبُتَ بِالدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ وَأَمَّا أَثْمَانُ الْبَيْعَانِ فَلَمْ أَعْلَمْ فِيهَا خِلَافًا وَسِرُّ الْفَرْقِ أَنَّ الصَّدَاقَ فِي النِّكَاحِ شَرْطٌ فِي الْإِبَاحَةِ وَشَأْنُ الشَّرْطِ أَنْ يَتَعَيَّنَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمَشْرُوطِ وَلَيْسَ النَّاسُ يَقْصِدُونَ بِالصَّدَاقِ الْمُعَاوَضَةَ بَلْ التَّجَمُّلُ وَصَاحِبُ الشَّرْعِ أَيْضًا لَمْ يُرِدْ الْمُعَاوَضَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ شُرُوطَ الْإِعْرَاضِ مِنْ نَفْيِ الْجَهَالَةِ لِلْمَرْأَةِ بَلْ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَجْهُولَةِ مُطْلَقًا وَلَا يَتَعَرَّضُ لِتَحْدِيدِ مُدَّةِ الِانْتِفَاعِ أَيْضًا وَذَلِكَ وَشَبَهُهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْقَصْدِ إلَى الْمُعَاوَضَةِ بَلْ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ فَلَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ إلَّا عِنْدَ الدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إنَّمَا اُلْتُزِمَ إلَى أَقْصَرِ الزَّوْجَيْنِ عُمُرًا وَلَيْسَ الْوَطْأَةُ الْأُولَى هِيَ مُقَابَلَةُ الصَّدَاقِ بِالْعِوَضِيَّةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَقْصُودَ الْعُقَلَاءِ بِالصَّدَاقِ بِشَهَادَةِ الْعَادَةِ وَإِنَّمَا الشَّرْعُ جَعَلَهُ شَرْطًا لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
سِيَاقُ الْآيَةِ فَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْبَيَانِ فَإِذَا حَلَّتْ لَهُ أَوْ مَلَكَهَا فَقَدْ تَحَقَّقَتْ الْإِضَافَةُ الْمَقْصُودَةُ فَوَجَبَ فِي الْأُمَّهَاتِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَكَذَلِكَ فِي الْبَنَاتِ لَوْلَا التَّقْيِيدُ بِشَرْطِ الدُّخُولِ وَلَمْ تُحْمَلْ الْأُمَّهَاتُ عَلَى الْبَنَاتِ فِي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ تَغْلِيبًا لِمُعَارَضَةٍ مِنْ التَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي الْفُرُوجِ فَلِذَا لَمَّا تَعَارَضَ فِي الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ غَلَّبَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ التَّحْرِيمَ
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ قَدْ قِيلَ إنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخُولِ هَاهُنَا النِّكَاحُ فَعَلَى هَذَا الرَّبَائِبُ وَالْأُمَّهَاتُ سَوَاءٌ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ غَلَبَ عَلَى الرَّبَائِبِ بِاشْتِرَاطِ الْوَطْءِ فِي أُمَّهَاتِهِنَّ لِتَحْرِيمِهِنَّ
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْصُوفَيْنِ قَدْ انْقَطَعَ عَنْ صَاحِبِهِ بِوَصْفِهِ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] فَالْوَصْفُ الَّذِي يَتْلُوهُ يَتْبَعُهُ وَلَا يَرْجِعُ إلَى الْأَوَّلِ لِبُعْدِهِ مِنْهُ وَانْقِطَاعِهِ عَنْهُ. اهـ بِتَصَرُّفٍ
(فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ) قَالَ الشَّيْخُ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي كِتَابِهِ تَوْشِيحُ التَّرْشِيحِ حِكَايَةً عَنْ وَالِدِهِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ أَنَّ السِّرَّ فِي إبَاحَةِ نِكَاحِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ أَرَادَ نَقْلَ بَوَاطِنِ الشَّرِيعَةِ وَظَوَاهِرِهَا وَمَا يَتَحَسَّى وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَشَدَّ النَّاسِ حَيَاءً فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ نِسْوَةً يَنْقُلْنَ مِنْ الشَّرْعِ مَا يَرَيْنَهُ مِنْ أَفْعَالِهِ وَيَسْمَعْنَ مِنْ أَقْوَالِهِ الَّتِي قَدْ يَسْتَحِي مِنْ الْإِفْصَاحِ بِهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ فَيَكْمُلُ نَقْلُ الشَّرِيعَةِ وَكَثُرَ عَدَدُ النِّسَاءِ لِتَكْثِيرِ النَّاقِلِينَ لِهَذَا النَّوْعِ وَمِنْهُنَّ عُرِفَ غَالِبُ مَسَائِلِ الْغُسْلِ وَالْحَيْضِ وَالْعِدَّةِ وَنَحْوِهَا قَالَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ لِشَهْوَةٍ مِنْهُ ﷺ فِي النِّكَاحِ وَلَا كَانَ يُحِبُّ الْوَطْءَ لِلَذَّةِ الْبَشَرِ مَعَاذَ اللَّهِ بَلْ إنَّمَا حُبِّبَ إلَيْهِ النِّسَاءُ لِتُظْهِرَ عَنْهُ مَا يَسْتَحِي هُوَ مِنْ الْإِمْعَانِ فِي التَّلَفُّظِ بِهِ فَأَحَبَّهُنَّ لِمَا فِيهِنَّ مِنْ الْإِعَانَةِ عَلَى نَقْلِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ وَأَيْضًا فَقَدْ نَقَلْنَ مَا لَمْ يَكُنْ يَنْقُلُهُ غَيْرُهُنَّ مِمَّا رَأَيْنَهُ فِي مَنَامِهِ وَحَالَةِ خَلْوَتِهِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَمِنْ جِدِّهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الْعِبَادَةِ وَمِنْ أُمُورٍ يَشْهَدُ كُلُّ ذِي لُبٍّ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِنَبِيٍّ وَمَا كَانَ يُشَاهِدُهُ غَيْرُهُنَّ فَحَصَلَ بِذَلِكَ خَيْرٌ عَظِيمٌ أَفَادَهُ الْعَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مَحَلِّيٍّ جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ لَوَاحِقِهَا]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتَبِ الْأُولَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ لَوَاحِقِهَا)
الْمُصَاهَرَةُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى عِبَارَةٌ عَنْ الْمُنْدَرِجِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ
стр. 600
بِعَدَمِ التَّقَرُّرِ مُطْلَقًا إلَّا بِمَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ دُخُولٍ وَمَنْ لَاحَظَ قَاعِدَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْوَاضِ وُجُوبُهَا بِالْعُقُودِ فَإِنَّهَا أَسْبَابُهَا وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا فَيَجِبُ الْجَمِيعُ بِالْعَقْدِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَمَنْ لَاحَظَ قَاعِدَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى سَبَبِيَّتِهِ لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَرَتَّبَ النِّصْفَ عَلَى الطَّلَاقِ فَيَكُونُ سَبَبَهُ فَيَجِبُ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ خَاصَّةً وَيَبْقَى التَّكْمِيلُ مَوْقُوفًا عَلَى سَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْ الدُّخُولُ فَهَذَا تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْبَيْعِ وَقَاعِدَةُ مَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْفُقَهَاءَ جَمَعُوا أَسْمَاءَ الْعُقُودِ الَّتِي لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهَا مَعَ الْبَيْعِ فِي قَوْلِك جَصَّ مُشْنِقٌ فَالْجِيمُ لِلْجَعَالَةِ وَالصَّادُ لِلصَّرْفِ وَالْمِيمُ لِلْمُسَاقَاةِ وَالشَّيْنُ لِلشَّرِكَةِ وَالنُّونُ لِلنِّكَاحِ وَالْقَافُ لِلْقِرَاضِ وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ أَنَّ الْعُقُودَ أَسْبَابٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَحْصِيلِ حِكْمَتِهَا فِي مُسَبَّبَاتِهَا بِطَرِيقِ الْمُنَاسَبَةِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِالِاعْتِبَارِ الْوَاحِدِ لَا يُنَاسِبُ الْمُتَضَادَّيْنِ فَكُلُّ عَقْدَيْنِ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ لَا يَجْمَعُهُمَا عَقْدٌ وَاحِدٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَّتْ الْعُقُودُ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَجْتِمَاعُهَا مَعَ الْبَيْعِ كَالْإِجَارَةِ بِخِلَافِ الْجَعَالَةِ لِلُّزُومِ الْجَهَالَةِ فِي عَمَلِ الْجَعَالَةِ وَذَلِكَ يُنَافِي الْبَيْعَ وَالْإِجَازَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى نَفْيِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ لَهُ وَذَلِكَ مُوَفَّقٌ لِلْبَيْعِ وَلَا يَجْتَمِعُ النِّكَاحُ وَالْبَيْعُ لِتَضَادِّهِمَا فِي الْمُكَايَسَةِ فِي الْعِوَضِ الْمُعَوَّضِ بِالْمُسَامَحَةِ فِي النِّكَاحِ وَالْمُشَاحَّةِ فِي الْبَيْعِ فَحَصَلَ التَّضَادُّ، وَالصَّرْفُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّشْدِيدِ وَامْتِنَاعِ الْخِيَارِ وَالتَّأْخِيرِ وَأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا تُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ فَضَادَّ الْبَيْعُ الصَّرْفَ وَالْمُسَاقَاةَ وَالْقِرَاضُ فِيهِمَا الْغَرَرُ وَالْجَهَالَةُ كَالْجَعَالَةِ وَذَلِكَ مُضَادٌّ لِلْبَيْعِ وَالشَّرِكَةُ فِيهَا صَرْفُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ فَهُوَ صَرْفٌ غَيْرُ نَاجِزٍ وَفِي الشَّرِكَةِ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ وَالْبَيْعُ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ فَهُمَا مُتَضَادَّانِ وَمَا لَا تَضَادَّ فِيهِ يَجُوزُ جَمْعُهُ مَعَ الْبَيْعِ فَهَذَا وَجْهُ الْفَرْقِ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعُ أَيْ زَوْجَاتُ الْآبَاءِ وَزَوْجَاتُ الْأَبْنَاءِ وَأُمَّهَاتُ النِّسَاءِ وَبَنَاتُ الزَّوْجَاتِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ اثْنَيْنِ مِنْهُنَّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَهُمَا زَوْجَاتُ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ أَيْ لِأَنَّ اتِّفَاقَ الرِّجَالِ وَحَمِيَّاتِهِمْ تَنْهَضُ بِالْغَضَبِ وَالْبَغْضَاءِ بِمُجَرَّدِ نِسْبَةِ الْمَرْأَةِ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَيَخْتَلُّ نِظَامُ وُدِّ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ وَوُدٍّ الْأَبْنَاءِ لِلْآبَاءِ وَهُوَ سِيَاجٌ عَظِيمٌ قَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ ﷺ خَرْقَهُ مِنْ الْكَبَائِرِ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ «مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ قَالُوا أَوَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ» فَإِنَّهُ جَعَلَ التَّسَبُّبَ لِسَبِّ الْأَبِ بِسَبِّ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ فَكَيْفَ لَوْ سَبَّهُ مُبَاشَرَةً عَلَى تَحْرِيمِ وَاحِدَةٍ بِالدُّخُولِ وَهِيَ ابْنَةُ الزَّوْجَةِ أَيْ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَلَفُوا فِي أُمِّ الزَّوْجَةِ هَلْ تَحْرُمُ بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْعَقْدِ كَمَا تَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ وَلَوَاحِقُ الْمُصَاهَرَةِ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى عِبَارَةٌ عَنْ غَيْرِ الْمُنْدَرِجِ فِيمَا ذُكِرَ مِمَّنْ تَحَقَّقَ فِيهِ إلَيْهِ بِالْمُنْدَرِجِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَصْلُ وَالْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّاطِّ فِي أَمْرَيْنِ:
(الْأَمْرُ الْأَوَّلِ) الْمُنْدَرِجِ فِيمَا ذُكِرَ فَزَعَمَ الْأَصْلُ أَنَّ الْمُنْدَرِجَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُنَّ الْحَرَائِرُ مُدَّعِيًا أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ نِسَائِنَا فِي غَالِبِ الْعَادَةِ الْحَرَائِرُ الْمَنْسُوبَاتُ إلَيْنَا بِمُبِيحِ الْوَطْءِ وَهُوَ الْعَقْدُ فَلَا يُفْهَمُ مِنْ النِّسَاءِ فِيمَا ذُكِرَ وَفِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٣٠] إلَّا الزَّوْجَاتُ الْحَرَائِرُ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الدُّخُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُنَّ قَدْ يَتَحَقَّقْنَ مَعَ عَدَمِ الدُّخُولِ وَعَلَيْهِ فَيُلْحَقُ بِهِنَّ الْإِمَاءُ الْمَنْكُوحَاتُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فِي التَّحْرِيمِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي مُبِيحِ الْوَطْءِ وَالْفِرَاشِ بِشَرْطِهِ وَلُحُوقِ الْوَلَدِ بِشَرْطِهِ وَلِأَنَّ الْأَنَفَاتِ تَحْصُلُ مِنْ وَطْءِ الْغَيْرِ مَا وَطِئَهُ الْإِنْسَانُ بِالْمِلْكِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ أَمَتَهُ غَيْرُهُ فَكَانَ وَطْؤُهَا مُحَرَّمًا كَالْوَطْءِ بِالْعَقْدِ وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ لَا أَعْرِفُ صِحَّةَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ نِسَائِنَا فِي غَالِبِ الْعَادَةِ الْحَرَائِرُ الْمَنْسُوبَاتُ إلَيْنَا بِمُبِيحِ الْوَطْءِ وَهُوَ الْعَقْدُ بَلْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الْمُرَادَ بِنِسَائِنَا إمَّا جَمِيعُ الْمَنْكُوحَاتِ بِعَقْدٍ كَانَ نِكَاحُهُنَّ أَوْ بِمِلْكٍ، حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ مَمْلُوكَاتٍ وَإِمَّا الْمَنْكُوحَاتُ بِخُصُوصِ الْعَقْدِ وَلَوْ كُنَّ غَيْرَ حَرَائِرَ وَلَا وَجْهَ لِقَيْدِ كَوْنِهِنَّ حَرَائِرَ عِنْدِي قَالَ وَقَوْلُهُ وَلَا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ الدُّخُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] إلَخْ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَفْهُومِ فَيَخْتَصُّ بِمَنْ يَرَاهُ حُجَّةً فَيَتَحَصَّلُ أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْإِمَاءِ الْمَنْكُوحَاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَكَذَلِكَ بِعَقْدٍ إلَّا أَنَّ الْمَنْكُوحَاتِ بِالْعَقْدِ مِنْ الْمُنْدَرِجِ لَا مِنْ لَوَاحِقِهِ عَلَى كِلَا التَّرَدُّدَيْنِ فِي كَلَامِ ابْنِ الشَّاطِّ بِخِلَافِ الْمَنْكُوحَاتِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُنَّ مِنْ الْمُنْدَرِجِ عَلَى التَّرْدِيدِ الْأَوَّلِ فِي كَلَامِهِ وَمِنْ اللَّوَاحِقِ عَلَى الثَّانِي فَافْهَمْ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) الْحَقِيقَةُ فِي لَفْظِ الْأَبِ وَلَفْظِ الْأُمِّ وَلَفْظِ الِابْنِ وَلَفْظِ
стр. 601
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبَيْعِ تَوَسَّعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ حَتَّى جَوَّزَ مَالِكٌ الْبَيْعَ بِالْمُعَاطَاةِ وَهِيَ الْأَفْعَالُ دُونَ شَيْءٍ مِنْ الْأَقْوَالِ وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ كُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ وَقَاعِدَةُ النِّكَاحِ وَقَعَ التَّشْدِيدُ فِيهَا فِي اشْتِرَاطِ الصِّيَغِ حَتَّى لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ وُجِدَ لِمَالِكٍ الْقَوْلُ بِالْمُعَاطَاةِ فِيهِ أَلْبَتَّةَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ)
قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْيِيدِ كَالنِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَلَفْظُ الصَّدَقَةِ وَقَالَ الْأَصْحَابُ إنْ قَصْدَ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ النِّكَاحَ صَحَّ وَيَضْمَنُ الْمَهْرَ فَيَكْفِي قَوْلُ الزَّوْجِ قَبِلْت بَعْدَ الْإِيجَابِ مِنْ الْوَلِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبِلْت نِكَاحَهَا وَلَوْ قَالَ لِلْأَبِ فِي الْبِكْرِ أَوْ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الثَّيِّبِ زَوِّجْنِي فَقَالَ فَعَلْت أَوْ زَوَّجْتُك فَقَالَ لَا أَرْضَى لَزِمَهُ النِّكَاحُ لِاجْتِمَاعِ جُزْأَيْ الْعَقْدِ فَإِنَّ السُّؤَالَ رِضًى فِي الْعَادَةِ أَيْضًا وَقَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُقُودِ وَفِي الْهِبَةِ قَوْلَانِ الْمَنْعُ كَمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْجَوَازُ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَأَنَّ النِّكَاحَ مُفْتَقِرٌ إلَى الصَّرِيحِ لِيَقَعَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ الِاسْتِذْكَارِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِحْلَالِ وَالْإِبَاحَةِ فَتُقَاسُ عَلَيْهِ الْهِبَةُ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ بِكُلِّ لَفْظٍ يَفْهَمُ الْمُتَنَاكِحَانِ مَقْصُودَهُمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالنِّكَاحِ لِأَنَّهُمَا الْمَذْكُوَّانِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَجَابُوا عَمَّا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ مِمَّا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «مَلَّكْتُكهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» أَنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ فَيَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهَا بَلْ الْوَاقِعُ أَحَدُهَا وَالرَّاوِي رَوَى بِالْمَعْنَى فَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ أَبُو حَنِيفَةَ غَيْرَ الْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِحْلَالِ وَجَوَّزَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَجَوَّزَ الْجَوَابَ مِنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْبِنْتِ فِي النُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقَالَ الْأَصْلُ أَنَّ حَقَائِقَهَا الْمُبَاشِرُ وَأَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ بِهَا غَيْرُ الْمُبَاشِرِ كَانَتْ مَجَازَاتٍ وَأَنَّ الِانْدِرَاجَاتِ فِي قَوْلِ اللَّخْمِيِّ تَحْرُمُ امْرَأَةُ الْجَدِّ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ لِلْأُمِّ لِانْدِرَاجِهِمَا فِي لَفْظِ الْآبَاءِ كَمَا تَنْدَرِجُ جَدَّاتُ امْرَأَتِهِ وَجَدَّاتُ أُمِّهَا مِنْ قِبَلِ أُمِّهَا وَأَبِيهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَبِنْتُ بِنْتِ الزَّوْجَةِ وَبِنْتُ ابْنِهَا وَكُلُّ مَنْ يُنْسَبُ إلَيْهَا بِالْبُنُوَّةِ وَإِنْ سَفَلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ [النساء: ٢٣] اهـ. لَيْسَ بِمُقْتَضَى الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَإِلَّا لَمَا صَرَّحَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ بِالثُّلُثِ لِلْأُمِّ وَلَمْ يُعْطِهِ الصَّحَابَةُ ﵃ لِلْجَدَّةِ بَلْ حَرَمُوهَا حَتَّى رُوِيَ لَهُمْ الْحَدِيثُ فِي السُّدُسِ وَلَمَّا صَرَّحَ فِي الْكِتَابِ بِالنِّصْفِ لِلْبِنْتِ وَبِالثُّلُثَيْنِ لِلْبِنْتَيْنِ عَلَى السَّوِيَّةِ وَرِثَتْ بِنْتُ الِابْنِ مَعَ الْبِنْتِ السُّدُسَ بِالسُّنَّةِ لَا بِالْكِتَابِ وَلَمَّا كَانَ ابْنُ الِابْنِ كَالِابْنِ فِي الْحَجْبِ وَالْجَدُّ لَيْسَ كَالْأَبِ فِي الْحَجْبِ وَلَمَّا كَانَتْ الْإِخْوَةُ يَحْجُبُونَ الْأُمَّ وَبَنُوهُمْ لَا يَحْجُبُونَهَا فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ هَذِهِ الِانْدِرَاجَاتِ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِالْإِجْمَاعِ لَا بِالنَّصِّ فَإِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ تَعَذُّرٌ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَجَازِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَالْفَقِيهُ الَّذِي يَعْتَقِدُ ذَلِكَ وَيَسْتَدِلُّ بِاللَّفْظِ غَالَطَ. اهـ
وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ لَا أَعْرِفُ صِحَّةَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي لَفْظِ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالِابْنِ وَالْبِنْتِ الْمُبَاشِرُ وَأَنَّهُ مَتَى أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْمُبَاشِرِ فَهُوَ مَجَازٌ لَعَلَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِالْعَكْسِ وَأَنَّ الْحَقِيقَةَ فِي لَفْظِ الْأَبِ مَثَلًا كُلُّ مَنْ لَهُ وِلَادَةٌ وَالْمَجَازُ الْمُبَاشِرُ لَكِنْ غَلَبَ هَذَا الْمَجَازُ حَتَّى صَارَ عُرْفًا فَكَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ فِي اقْتِصَارِ الصَّحَابَةِ فِيمَا اقْتَصَرُوا بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى الْمُبَاشِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ
وَعَلَيْهِ فَتَكُونُ الِانْدِرَاجَاتُ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ بِالنَّصِّ لَا بِالْإِجْمَاعِ فَافْهَمْ وَفِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ إنَّ لَفْظَ الْأَوْلَادِ يَتَنَاوَلُ حَقِيقَةَ كُلِّ وَلَدٍ مِنْ صُلْبِ الرَّجُلِ دَنِيًّا أَوْ بَعِيدًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ» وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢] فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ كَانَ لِصُلْبِ الْمَيِّتِ دَانِيًا أَوْ بَعِيدًا وَيُقَالُ بَنُو تَمِيمٍ فَيَعُمُّ الْجَمِيعَ فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ هَذَا الْقَوْلَ فَقَدْ غَلَبَ مَجَازُ الِاسْتِعْمَالِ فِي ذَلِكَ إطْلَاقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ الْأَدْنَيْنَ عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ وَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَقِيقَةً فِي الْأَدْنَيْنَ مَجَازٌ فِي الْأَبْعَدِينَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ فَيُقَالُ لَيْسَ بِوَلَدٍ وَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً لَمَا سَاغَ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّ وَلَدَ الْأَعْيَانِ يُسَمَّى وَلَدًا وَلَا يُسَمَّى وَلَدَ الْوَلَدِ وَكَيْفَمَا دَارَتْ الْحَالُ فَقَدْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ هَاهُنَا أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الْآيَةَ عَلَى أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْجَمِيعِ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ
стр. 602
الزَّوْجِ بِقَوْلِهِ فَعَلْت فَهَذِهِ نُصُوصُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهَا لَمْ يَقُلْ فِيهَا أَحَدٌ بِالْمُعَاطَاةِ كَمَا قَالُوهُ فِي الْبَيْعِ وَالْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ إمَّا مُقَارِنَةً لِلْعَقْدِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَزْوِيجٌ لَا زِنًى وَسِفَاحٌ وَالْبَيْعُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْإِشْهَادُ فِيهِ شَرْطًا جَوَّزُوا فِيهِ الْمُنَاوَلَةَ
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا عَظُمَ قَدْرُهُ شُدِّدَ فِيهِ وَكَثُرَتْ شُرُوطُهُ وَبَالَغَ إبْعَادَهُ إلَّا لِسَبَبٍ قَوِيٍّ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَرَفْعًا لِقَدْرِهِ وَهُوَ شَأْنُ الْمُلُوكِ فِي الْعَوَائِدِ وَلِذَلِكَ إنَّ الْمَرْأَةَ النَّفِيسَةَ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا وَنَسَبِهَا لَا يُوصَلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْمَهْرِ الْكَثِيرِ وَالتَّوَسُّلِ الْعَظِيمِ وَكَذَلِكَ الْمَنَاصِبُ الْجَلِيلَةُ وَالرُّتَبُ الْعَلِيَّةُ فِي الْعَادَةِ وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لَمَّا كَانَا رُءُوسَ الْأَمْوَالِ وَقِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ شَدَّدَ الشَّرْعُ فِيهِمَا فَاشْتَرَطَ الْمُسَاوَاةَ وَالتَّنَاجُزَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي الْبَيْعِ فِي سَائِرِ الْعُرُوضِ وَالطَّعَامُ لَمَّا كَانَ قِوَامَ بِنْيَةِ الْإِنْسَانِ مَنَعَ بَيْعَهُ نَسِيئَةً بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَمَنَعَ مَالِكٌ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ السِّلَعِ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ عَظِيمُ الْخَطَرِ جَلِيلُ الْمِقْدَارِ لِأَنَّهُ سَبَبُ بَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الْمُكَرَّمِ الْمُفَضَّلِ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَسَبَبُ الْعَفَافِ الْحَاسِمِ لِمَادَّةِ الْفَسَادِ وَاخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَسَبَبُ الْمَوَدَّةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَالسُّكُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ فَلِذَلِكَ شَدَّدَ الشَّرْعُ فِيهِ فَاشْتَرَطَ الصَّدَاقَ وَالشَّهَادَةَ وَالْوَلِيَّ وَخُصُوصَ الْأَلْفَاظِ دُونَهُ الْبَيْعُ
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَإِبَاحَةُ الْمَرْأَةِ حُكْمٌ فَلَهُ سَبَبٌ يَجِبُ تَلَقِّيه مِنْ السَّمْعِ فَمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْ الشَّرْعِ لَا يَكُونُ سَبَبًا وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ وَالْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ الْمَذْهَبِ
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) الشَّرْعُ قَدْ يُنَصِّبُ خُصُوصَ الشَّيْءِ سَبَبًا كَالزَّوَالِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَوُجُوبِ الصَّوْمِ وَالْقَتْلُ الْعَمْدُ وَالْعُدْوَانُ سَبَبُ الْقِصَاصِ وَقَدْ يُنَصِّبُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَشْيَاءَ سَبَبًا وَيَبْغِي خُصُوصَاتِهَا كَأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ فَإِنَّ الْمَنْصُوبَ مِنْهَا سَبَبًا مَا دَلَّ عَلَى انْطِلَاقِ الْمَرْأَةِ مِنْ عِصْمَةِ الرَّجُلِ وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ الْمَنْصُوبِ مِنْهَا سَبَبًا مَا دَلَّ عَلَى نِسْبَةِ الْمَقْذُوفِ إلَى الزِّنَى أَوْ اللِّوَاطِ وَأَلْفَاظُ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ الْمَنْصُوبُ مِنْهَا سَبَبًا مَا دَلَّ عَلَى مَقْصُودِ الرِّسَالَةِ النَّبَوِيَّةِ وَالنِّكَاحُ عِنْدَنَا عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَوْ حَبَسَ رَجُلٌ عَلَى وَلَدِهِ لَا تُنْقَلُ إلَى أَبْنَائِهِمْ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا فِيمَا لَوْ قَالَ صَدَقَةً هَلْ تُنْقَلُ إلَى أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَكَذَلِكَ فِي الْوَصِيَّةِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَهُ حَفَدَةٌ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ ذَلِكَ فِي أَقْوَالِ الْمَخْلُوقِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ لِوَجْهَيْنِ
(إحْدَاهُمَا) أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ كَمَا يُحْمَلُ كَلَامُ الْبَارِي أَوْ لَا يُحْمَلُ كَلَامُ النَّاسِ عَلَى الْعُمُومِ بِحَالٍ وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ
(الثَّانِي) أَنَّ كَلَامَ النَّاسِ يَرْتَبِطُ بِالْأَغْرَاضِ وَالْمَقَاصِدِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْحَبْسِ التَّعْقِيبُ فَدَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْوَلَدِ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّدَقَةِ التَّمْلِيكُ فَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِ غَيْرُ الْأَدْنَى إلَّا بِدَلِيلٍ وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ الْعُمُومَ هَاهُنَا أَيْ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَهُ وَلَا يُوَلِّيهِ ﴿لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] فَدَخَلَ فِيهِ آبَاءٌ فَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْأَوْلَادِ هَاهُنَا أَوْلَادُ الْأَوْلَادِ ثُمَّ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] هَذَا قَوْلٌ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ مَنْ عَلَا مِنْ الْآبَاءِ دُخُولَ مَنْ سَفَلَ مِنْ الْأَبْنَاءِ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ الْقَوْلَ هَاهُنَا مَثْنَى وَالْمَثْنَى لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ وَالْجَمْعَ
(الثَّانِي) أَنَّهُ قَالَ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] وَالْأُمُّ الْعُلْيَا هِيَ الْجَدَّةُ وَلَا يُفْرَضُ لَهَا الثُّلُثُ بِإِجْمَاعٍ فَخُرُوجُ الْجَدَّةِ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَتَنَاوُلُهُ لِلْأَبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ
(الثَّالِثُ) أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بَيَانَ الْعُمُومِ وَقَصَدَ هُنَا بَيَانُ النَّوْعَيْنِ مِنْ الْآبَاءِ وَهُمَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى وَتَفْصِيلُ فَرْضِهِمَا دُونَ الْعُمُومِ فَأَمَّا الْجَدُّ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبًا وَحَجَبَ بِهِ الْإِخْوَةَ أَخْذًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] وَأَمَّا الْجَدَّةُ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْجَدَّةَ أُمَّ الْأُمِّ جَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ فَقَالَ لَهَا لَا أَجِدُ لَك فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا. اهـ
الْمُرَادُ بِتَصَرُّفٍ وَإِصْلَاحٍ فَافْهَمْ (وَقَدْ وَافَقَ) ابْنُ الشَّاطِّ الْأَصْلَ فِي مَسَائِلَ قَائِلًا: مَا قَالَهُ فِي الْأُولَى صَحِيحٌ ظَاهِرٌ وَمَا قَالَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَكْثَرُهُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَإِشَارَةٌ إلَى تَوْجِيهَاتٍ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ. اهـ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
شُبْهَتَا الْعَقْدِ وَالْمِلْكِ تَلْحَقُ بِهِمَا فِي التَّحْرِيمِ لِلْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ لِأَنَّ الْوَطْءَ بِالشُّبْهَةِ قَدْ أُلْحِقَ بِالْوَطْءِ بِهِمَا فِي لُحُوقِ الْوَلَدِ وَسُقُوطِ الْحَدِّ وَغَيْرِهَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
يَلْحَقُ بِالشُّبْهَةِ فِي الرُّتْبَةِ الرَّابِعَةِ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الزِّنَى الْمَحْضُ لِكَوْنِهِ يُوجِبُ مِسَبَّةً اخْتِصَاصًا وَرُبَّمَا أَوْجَبَ مَيْلًا شَدِيدًا يُوجِبُ وُقُوعَ الشَّحْنَاءِ بِالْمُشَارَكَةِ فِيهِ كَمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي الْمُشَارَكَةِ بِالْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ وَالْمِلْكِ بَلْ بَالَغَ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا الْتَذَّ بِهَا حَرَامًا كَانَ كَالْوَطْءِ وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ نَعَمْ قَالَ
стр. 603
مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ اعْتِبَارِ الْخُصُوصِ فَيَتَعَيَّنُ الْعُمُومُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
(الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ) يَحْتَاطُ الشَّرْعُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْإِبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْإِبَاحَةِ إلَى الْحُرْمَةِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ فَيَتَعَيَّنُ الِاحْتِيَاطُ لَهُ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى مَحَلٍّ فِيهِ الْمَفْسَدَةُ إلَّا بِسَبَبٍ قَوِيٍّ يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ أَوْ يُعَارِضُهَا وَيَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ بِأَيْسَرِ الْأَسْبَابِ دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلِذَلِكَ حَرُمَتْ الْمَرْأَةُ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْأَبِ وَلَا تَحِلُّ الْمَبْتُوتَةُ إلَّا بِعَقْدٍ وَوَطْءٍ حَلَالٍ وَطَلَاقٍ وَانْقِضَاءِ عِدَّةٍ مِنْ عَقْدِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ حُرْمَةٍ إلَى إبَاحَةٍ فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ بِالْكِنَايَاتِ وَإِنْ بَعُدَتْ حَتَّى أَوْقَعَهُ مَالِكٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ إذَا قَصَدَ بِهَا الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْحِلِّ فَيَكْفِي فِيهِ أَدْنَى سَبَبٍ وَلَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ بِكُلِّ لَفْظٍ بَلْ بِمَا فِيهِ قُرْبٌ مِنْ مَقْصُودِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ وَجَوَّزْنَا الْبَيْعَ بِجَمِيعِ الصِّيَغِ وَالْأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَى بِنَقْلِ الْمَالِكِ فِي الْعَرْضَيْنِ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّلَعِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى تُمْلَكَ بِخِلَافِ النِّسَاءِ الْأَصْلُ فِيهِنَّ التَّحْرِيمُ حَتَّى يُعْقَدَ عَلَيْهِنَّ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ وَلِعُمُومِ الْحَاجَةِ لِلْبَيْعِ وَلِقُصُورِهِ فِي الِاحْتِيَاطِ عَنْ الْفُرُوجِ فَإِذَا أَحَطْت بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ ظَهَرَ لَك سَبَبُ اخْتِلَافِ مَوَارِدِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَنَشَأَتْ لَك الْفُرُوقُ وَالْحِكَمُ وَالتَّعَالِيلُ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ يُنْظَرُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعْسِرِ بِنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ لَا يُنْظَرُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْسِرَ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ يُفْسَخُ عَلَيْهِ نِكَاحُهُ بِطَلَاقٍ فِي حَقِّ مَنْ ثَبَتَ لَهَا الْإِنْفَاقُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ إنْظَارَ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَهَهُنَا أَوْلَى لِأَنَّ بَقَاءَ الزَّوْجِيَّةِ مَطْلُوبٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ وَقِيَاسًا عَلَى النَّفَقَةِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي فَإِنَّهُ لَا تَطْلُقُ بِهَا إجْمَاعًا وَلِأَنَّ عَجْزَهُ عَنْ نَفَقَةِ أُمِّ وَلَدِهِ لَا يُوجِبُ بَيْعَهَا وَلَا خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ فَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ
(وَالْجَوَابُ) عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَمْ نُلْزِمْهُ النَّفَقَةَ مَعَ الْعُسْرَةِ وَهُوَ نَظِيرُ الْإِلْزَامِ بِالدَّيْنِ وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهُ بِرَفْعِ ضَرَرٍ يَقْدِرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِسَبَبِ أَنَّ الزِّنَى مَطْلُوبُ الْعَدَمِ وَالْإِعْدَامِ فَلَوْ رُتِّبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَقَاصِدِ لَكَانَ مَطْلُوبَ الْإِيجَادِ فَلَا يَثْبُتُ لَهُ تَحْرِيمٌ فِي أَثَرِ الْمُصَاهَرَةِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ وَطْءَ الْأُمِّ بِالْعَقْدِ أَوْ الْمِلْكِ أَوْ الشُّبْهَةِ يُحَرِّمُ بِنْتَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] لِأَنَّ الْوَطْءَ هُوَ الْأَصْلُ فِي الدُّخُولِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّلَذُّذِ بِمَا دُونَ الْوَطْءِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمِثْلُ الْوَطْءِ اللَّمْسُ لِلَّذَّةِ لِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ مِثْلُهُ يَحِلُّ بِحِلِّهِ وَيَحْرُمُ بِحُرْمَتِهِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِهِ وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا اللَّمْسُ لِلَّذَّةِ مِنْ الْبَالِغِ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ وَمِنْ غَيْرِ الْبَالِغِ قَوْلَانِ وَبِغَيْرِ لَذَّةٍ لَا يَنْشُرُ مُطْلَقًا وَفِي نَظَرِ الْبَالِغِ مَا عَدَا الْوَجْهَ مِنْ بَاطِنِ الْجَسَدِ لِلَّذَّةِ قَوْلَانِ الْمَشْهُورُ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَوَاسِّ وَالشَّاذُّ لَا يَنْشُرُ وَلَا يُحَرِّمُ النَّظَرُ إلَى الْوَجْهِ اتِّفَاقًا وَفِي الْأَحْكَامِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَأَمَّا النَّظَرُ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُحَرِّمُ وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يُحَرِّمُ لِأَنَّهُ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ شَبَهُهُ فِي الزِّنَى ذَرِيعَةُ الذَّرِيعَةِ لَكِنَّ الْأَمْوَالَ تَارَةً يَغْلِبُ فِيهَا التَّحْلِيلُ وَتَارَةً يَغْلِبُ فِيهَا التَّحْرِيمُ فَأَمَّا الْفُرُوجُ فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ فِيهَا عَلَى تَغْلِيبِ التَّحْرِيمِ فَكَمَا أَنَّ النَّظَرَ لَا يَحِلُّ إلَّا إذَا حَلَّ أَصْلُهُ اللَّمْسُ وَالْوَطْءُ بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ شِرَاءٍ وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ إذَا حَرُمَ أَصْلُهُ. اهـ
وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَالنَّظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ كَاللَّمْسِ إذَا كَانَ نَظَرَ تَلَذُّذٍ إلَى أَيِّ عُضْوٍ كَانَ وَفِيهِ عَنْهُ خِلَافٌ وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النَّظَرِ إلَى الْفَرْجِ فَقَطْ وَقَالَ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يُنْزِلَ لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى الْمَقْصِدِ الَّذِي هُوَ الْوَطْءُ وَهُوَ إنَّمَا حَرُمَ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ وَالْوَسِيلَةُ إذَا لَمْ تُفْضِ لِمَقْصِدِهَا سَقَطَ اعْتِبَارُهَا وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ التَّحْرِيمَ بِالْمُلَامَسَةِ لِلَّذَّةِ وَالنَّظَرِ مُطْلَقًا وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ وَقَوْلُهُ الثَّانِي لَمْ يُوجِبْ فِي النَّظَرِ شَيْئًا وَوَاجِبٌ فِي اللَّمْسِ. اهـ
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَصْلُ اعْتَبَرَ مَالِكٌ قَاعِدَةَ حَمْلِ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى عُرْفِ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْهُورِ مَذَاهِبِهِمْ فِي آيَةِ التَّحْلِيلِ لِلزَّوْجَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثَ حَيْثُ حُمِلَ النِّكَاحُ فِيهَا عَلَى الْوَطْءِ الْحَلَالِ وَجَعَلَهُ شَرْطًا لِمُوَافَقَتِهَا قَاعِدَةَ الِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ وَخَالَفَهَا فِي قَوْله تَعَالَى فِي أُمَّهَاتِ الرَّبَائِبِ ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] حَيْثُ حَمَلَ الدُّخُولَ فِيهَا عَلَى خِلَافِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الدُّخُولِ الْمُبَاحِ فَاعْتُبِرَ مُطْلَقُ الْوَطْءِ وَلَوْ حَرَامًا لِمُعَارِضِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْفُرُوجِ اهـ. وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ يَحْتَاجُ مَا قَالَهُ إلَى نَظَرٍ. اهـ
قُلْت لَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ حَقِيقَةً فِي وَطْءٍ مُطْلَقًا لَا فِي خُصُوصِ الْوَطْءِ الْحَلَالِ فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]
стр. 604
عَلَيْهِ وَهُوَ إطْلَاقُهَا لِمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ النَّفَقَةِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي
(وَالْجَوَابُ) عَنْ الثَّالِثِ إنْ وَقَعَ الضَّرَرُ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ تَزْوِيجُهَا وَهَذَا الطَّرِيقُ مُتَعَذِّرٌ هَهُنَا فَيَتَعَيَّنُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمَقْصِدَ إذَا كَانَ لَهُ وَسِيلَتَانِ فَأَكْثَرَ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا عَيْنًا بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا كَالْجَامِعِ إذَا كَانَ لَهُ طَرِيقَانِ مُسْتَوِيَانِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا يَجِبُ سُلُوكُ أَحَدِهِمَا عَيْنًا بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ الْمُتَيَسِّرَيْنِ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرْعِيَّةِ وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ تَعَدَّتْ أَسْبَابُ زَوَالِ الضَّرَرِ عَنْهَا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ خُرُوجُهَا عَنْ مِلْكِهِ وَفِي الزَّوْجَاتِ اتَّحَدَتْ الْوَسِيلَةُ وَسَبَبُ الْخُرُوجِ عَنْ الضَّرَرِ فَأُمِرَ بِهِ عَيْنًا وَيُؤَيِّدُ مَا قُلْنَاهُ مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ تَقُولُ الْمَرْأَةُ إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُولُ الْوَلَدُ إلَى مَنْ تَدَعُنِي» وَقَوْلُهُ ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَالْإِمْسَاكُ عَلَى الْجُوعِ وَالْعُرْيِ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَيَتَعَيَّنُ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَالْأَبَوَيْنِ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ لَهُمْ خَاصَّةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَرَابَاتِ)
اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا أَوْجَبَ النَّفَقَةَ لِأَوْلَادِ الصُّلْبِ وَالْأَبَوَيْنِ خَاصَّةً وَأَوْجَبَهَا الشَّافِعِيُّ لِكُلِّ مَنْ هُوَ بَعْضٌ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادِ وَإِنْ سَفَلُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَلَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ تَرْكُهُمَا بِالْجُوعِ وَالْعُرْيِ وَلِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْبُخَارِيِّ يَقُولُ لَك وَلَدُك إلَى مَنْ تَكِلُنِي الْحَدِيثَ وَأَبُ الْأَبِ أَبٌ وَأُمُّ الْأُمِّ أُمٌّ وَابْنُ الِابْنِ ابْنٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ تَجِبُ النَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] وَأَجْمَعْنَا عَلَى تَخْصِيصِ مَنْ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَبَقِيَ مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْعُمُومِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَالْأَبَوَيْنِ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ لَهُمْ خَاصَّةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَرَابَاتِ إلَى قَوْلِهِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]
قُلْت مَا قَالَهُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَمُسْتَنَدِهَا وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَيْ مَا وَطِئُوهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ فَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ مَزْنِيَّةُ أَبِيهِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيِّ عَلَى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَحْوُهُ عَنْ الْأَصْلِ فِي الْفَرْقِ الرَّابِعِ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَةِ فَلَا تَغْفُلْ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مِنْ الثَّانِي وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا الثَّانِي لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَالنِّكَاحُ الْعَقْدُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ بَلْ هُوَ هُنَا الْوَطْءُ لِأَنَّهُ ﷺ شَرَطَ ذَوْقَ الْعُسَيْلَةِ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْوَطْءِ نَعَمْ يَرِدُ عَلَى مَذْهَبِنَا أَنَّ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْحُكْمَ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِأَوَائِلِ الْأَسْمَاءِ لَزِمَنَا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِأَوَاخِرِ الْأَسْمَاءِ لَزِمَنَا أَنْ نَشْتَرِطَ الْإِنْزَالَ مَعَ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ فِي الْإِحْلَالِ لِأَنَّهُ آخِرُ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ وَلِذَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْ الْحُرَّةِ إلَّا بِإِذْنِهَا وَلَمْ يُشْتَرَطْ عِنْدَنَا فِي التَّحْلِيلِ الْإِنْزَالُ فَصَارَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ بَلْ مَا مَرَّ بِي فِي الْفِقْهِ أَعْسَرُ مِنْهَا. اهـ مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَحْرُمُ بِالنَّسَبِ)
الْمُحَرَّمُ بِالنَّسَبِ عَلَى الْإِنْسَانِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ
(النَّوْعُ الْأَوَّلُ) أُصُولُهُ وَهُمَا الْآبَاءُ وَالْأُمَّهَاتُ وَإِنْ عَلَوْا
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي) فُصُولُهُ وَهُمْ الْأَبْنَاءُ وَأَبْنَاءُ الْأَبْنَاءِ وَإِنْ سَفَلُوا
(وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ) فُصُولُ أَوَّلِ أُصُولِهِ وَهُمْ الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَاتُ وَأَوْلَادُهُمْ وَإِنْ سَفَلُوا وَأَمَّا فُصُولُ ثَانِي الْأُصُولِ وَثَالِثِهَا وَإِنْ عَلَا ذَلِكَ وَهُمْ أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ فَمُبَاحَاتٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]
(النَّوْعُ الرَّابِعُ) أَوَّلُ فَصْلٍ مِنْ كُلِّ أَصْلٍ وَيَنْدَرِجُ فِيهِ أَوْلَادُ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ وَهُمْ الْأَعْمَامُ وَالْعَمَّاتُ وَالْأَخْوَالُ وَالْخَالَاتُ وَأَمَّا ثَانِي فَصْلٍ مِنْ أَوَّلِ الْأُصُولِ وَهُمْ أَوْلَادُ الْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ فَمُبَاحَاتٌ كَمَا عَلِمْت وَدَلِيلُ هَذَا الضَّابِطِ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣] وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِلَفْظِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَاللَّفْظُ صَالِحٌ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا بَنِي آدَمَ - يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢٦ - ٤٠] ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ فِيمَا يَحْرُمُ بِالرَّضَاعِ ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ الْمُحَرَّمِ بِالرَّضَاعِ فِي الْقُرْآنِ سِوَاهُمَا وَالْأُمُّ أَصْلٌ
стр. 605
وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوَّلًا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالِابْنِ يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ مِنْ هَذِهِ الْفِرَقِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ وَلَمْ تَسْحَقْهُ الْجَدَّةُ وَحَجَبَ الْإِخْوَةَ بِالْأَبِ وَلَمْ يَحْجُبْهُمْ بِالْجَدِّ وَأَنَّ بِنْتَ الِابْنِ لَهَا السُّدُسُ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ بِخِلَافِ بِنْتِ الصُّلْبِ مَعَ أُخْتِهَا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا بِطَرِيقِ التَّوَاطُؤِ حَقِيقَةً لَزِمَ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ فِيهَا كُلِّهَا عَلَى السَّوَاءِ وَإِلَّا لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الطَّوَائِفَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَيْهِ بَلْ يَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْحَقِيقَةِ وَالِاقْتِصَارِ عَلَيْهَا حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى غَيْرِهَا ثُمَّ اللَّازِمُ هُنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَهُوَ مَجَازٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَلْ يَجُوزُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَمْ لَا وَنَحْنُ الْمَجَازُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ لَا نَعْدِلُ بِاللَّفْظِ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ قَطْعًا فَهَهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِكَوْنِهِ ضَعِيفًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَجَازٌ وَأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ لُغَةً وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ.
وَهُوَ فَرْقٌ جَلِيٌّ جِدًّا وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَمَرَ بِمَا هُوَ حَقٌّ لِذَوِي الْقُرْبَى وَالنِّزَاعُ فِي النَّفَقَةِ هَلْ هِيَ حَقٌّ لَهُمْ أَمْ لَا فَلَا نُسَلِّمُ تَنَاوُلَ اللَّفْظِ لَهَا حِينَئِذٍ فَلَا دَلِيلَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوَّلًا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالِابْنِ يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ إلَى قَوْلِهِ بَلْ يَجِبُ التَّمَسُّكُ بِالْحَقِيقَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى غَيْرِهَا) قُلْت لَا دَلِيلَ لَهُ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مُرَادِهِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ وَمَا مَعَهُ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ إلَّا مَجَازًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ بِعَكْسِ دَعْوَاهُ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ يَتَنَاوَلُ الْأَدْنَيْنَ وَغَيْرَهُمْ لَكِنْ وَقَعَ التَّجَوُّزُ بِقَصْرِهَا عَلَى الْأَدْنَيْنَ فَيَحْتَاجُ إذْ ذَاكَ إلَى قَرِينَةٍ تَخُصُّهَا بِالْأَدْنَيْنَ أَوْ إلَى دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَجَازَ انْتَهَى إلَى أَنْ صَارَ عُرْفًا.
قَالَ (ثُمَّ اللَّازِمُ هُنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَهُوَ مَجَازٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَلْ يَجُوزُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَمْ لَا إلَى قَوْلِهِ وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ وَهُوَ فَرْقٌ جَلِيٌّ جِدًّا) قُلْت مَا قَالَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى دَعْوَى أَنَّ تَنَاوُلَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لِغَيْرِ الْأَدْنَيْنَ مَجَازٌ وَقَدْ تَبَيَّنَ احْتِمَالُ عَكْسِ ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ مُسَلَّمٌ لَكِنْ لَوْ سُلِّمَ لَهُ أَنْ تَنَاوُلَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لِغَيْرِ الْأَدْنَيْنَ مَجَازٌ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ الْجَوَابِ عَمَّا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ مُسَلَّمٌ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالْأُخْتُ فَرْعٌ فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ «قَالَ يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ» . اهـ
قَالَ فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ يَعْنِي أَنَّ الْمُرْضِعَةَ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْأُمِّ فَتَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضَعِ هِيَ وَكُلُّ مَنْ يَحْرُمُ عَلَى الِابْنِ مِنْ قِبَلِ أُمِّ النَّسَبِ. اهـ
وَقَالَ تَعَالَى قَبْلَ ذَلِكَ فِيمَا يُحَرِّمُ الْمُصَاهَرَةَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] يُرِيدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ زَوْجَاتِ أَبْنَاءِ التَّبَنِّي قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ وَابْنُ التَّبَنِّي كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ إذْ تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ﵎ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَهَذِهِ هِيَ الْفَائِدَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] لِيَسْقُطَ وَلَدُ التَّبَنِّي وَيَذْهَبَ اعْتِرَاضُ الْجَاهِلِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي نِكَاحِ زَيْنَبَ زَوْجِ زَيْدٍ وَقَدْ كَانَ يُدَّعَى لَهُ فَنَهَجَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ بِبَيَانِهِ اهـ وَلَمْ يَحْتَرِزْ بِهِ مِنْ زَوْجَاتِ ابْنِ الرَّضَاعِ لِجَرَيَانِهِ مَجْرَى ابْنِ النَّسَبِ فِي جُمْلَةٍ مِنْ الْأَحْكَامِ مُعْظَمُهَا التَّحْرِيمُ لِقَوْلِهِ ﷺ «يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ» ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] وَفِي أَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣] حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ النَّسَبِ سَبْعًا وَمِنْ الصِّهْرِ سَبْعًا وَهَذَا صَحِيحٌ وَهُوَ أَصْلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَوَرَدَتْ مِنْ جِهَةٍ مُبَيِّنَةٍ لِجَمِيعِهَا بِأَخْصَرِ لَفْظٍ وَأَدَلِّ مَعْنًى فَهِمَتْهُ الصَّحَابَةُ الْعَرَبُ وَخَبَّرَ بِهِ الْعُلَمَاءُ وَنَحْنُ نُفَصِّلُ ذَلِكَ الْبَيَانَ فَنَقُولُ (أَمَّا الْأَصْنَافُ) النِّسْبِيَّةُ السَّبْعَةُ (فَالْأُمُّ) عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لَهَا عَلَيْك وِلَادَةٌ وَيَرْتَفِعُ نَسَبُك إلَيْهَا بِالْبُنُوَّةِ كَانَتْ عَلَى عَمُودِ الْأَبِ أَوْ عَلَى عَمُودِ الْأُمِّ وَكَذَلِكَ مَنْ فَوْقَك (وَالْبِنْتُ) عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لَك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ تَنْتَسِبُ إلَيْك بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إذَا كَانَ مَرْجِعُهَا إلَيْك (وَالْأُخْتُ) عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ شَارَكَتْك فِي أَصْلَيْك أَبِيك وَأُمِّك وَلَا تَحْرُمُ أُخْتُ الْأُخْتِ إذَا لَمْ تَكُنْ لَك أُخْتًا فَقَدْ يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَدٌ ثُمَّ يُقَدَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ قَالَ سَحْنُونٌ هُوَ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ مِنْ غَيْرِهَا بِنْتَهَا مِنْ غَيْرِهِ وَتَصْوِيرُهَا أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ اسْمُهُ زَيْدٌ زَوْجَتَانِ عَمْرَةُ وَخَالِدَةُ وَلَهُ مِنْ عَمْرَةَ وَلَدٌ اسْمُهُ عُمَرُ وَمِنْ خَالِدَةَ بِنْتٌ اسْمُهَا سَعَادَةُ وَلِخَالِدَةَ زَوْجٌ اسْمُهُ بَكْرٌ وَلَهُ مِنْهَا بِنْتٌ اسْمُهَا
стр. 606
فِي الْآيَةِ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّهُ عَامٌّ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ مُطْلَقٌ فِيمَا هُمْ فِيهِ أَوْلَى فَإِنَّ لَفْظَ أَوْلَى نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَذَلِكَ لَا عُمُومَ فِيهِ فَنَحْمِلُهُ عَلَى وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْمُعَاوَضَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِنَصْرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَالْإِحْسَانِ إلَى بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالنُّصْرَةِ إجْمَاعًا وَإِذَا أَجَمَعَ عَلَى إعْمَالِ الْمُطْلَقِ فِي صُورَةٍ وَأَنَّهَا مُرَادَةٌ مِنْ النَّصِّ سَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ إجْمَاعًا إذْ لَوْ عُدِّيَ حُكْمُهُ إلَى صُورَةٍ أُخْرَى لَكَانَ عَامًّا لَا مُطْلَقًا وَالتَّقْدِيرُ أَنَّهُ مُطْلَقٌ وَهَذَا خَلْفٌ وَكَمَا يَمْتَنِعُ جَعْلُ الْعَامِّ مُطْلَقًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَمْتَنِعُ جَعْلُ الْمُطْلَقِ عَامًّا بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةِ صِحَّةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَتَفْضِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ أَيْضًا مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا.
(الْفَرْقُ السِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ شَيْئًا لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يُقَدَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ)
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا اخْتَلَفَا وَهُمَا زَوْجَانِ أَوْ عِنْدَ الطَّلَاقِ أَوْ الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالزَّوْجَانِ حُرَّانِ أَوْ عَبْدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قُضِيَ لِلْمَرْأَةِ بِمَا هُوَ شَأْنُ النِّسَاءِ وَلِلرَّجُلِ بِمَا هُوَ شَأْنُ الرِّجَالِ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا قُضِيَ بِهِ لِلرَّجُلِ لِأَنَّ الْبَيْتَ بَيْتُهُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ فَهُوَ تَحْتَ يَدِهِ فَيُقَدَّمُ لِأَجْلِ الْيَدِ وَوَافَقَ مَالِكًا أَبُو حَنِيفَةَ وَالْفُقَهَاءُ ﵃ أَجْمَعِينَ - وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ كَسَائِرِ الْمُدَّعِينَ وَقِيَاسًا عَلَى الصَّبَّاغِ وَالْعَطَّارِ إذَا تَدَاعَيَا آلَةَ الْعِطْرِ أَوْ الصَّبْغِ فَإِنَّهُ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَإِنْ شَهِدَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ آلَةَ الْعِطْرِ لِلْعَطَّارِ وَآلَةَ الصَّبْغِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (فَظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ وَهَذِهِ الْأَجْوِبَةِ صِحَّةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَتَفْضِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ أَيْضًا مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا) قُلْت لَمْ يَظْهَرْ مَا قَالَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ تَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ وَوَقَعَ التَّجَوُّزُ بِقَصْرِهَا عَلَى الْأَدْنَيْنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (الْفَرْقُ السِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ شَيْئًا لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يُقَدَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَهُمَا فِيمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ إلَى قَوْلِهِ هَذَا تَقْرِيرُ الْمَنْقُولَاتِ) قُلْت لَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حَسْنَاءُ فَزَوَّجَ زَيْدٌ وَلَدَهُ عُمَرَ حَسْنَاءَ وَهِيَ أُخْتُ أُخْتِ عَمْرٍو فَمِنْ هُنَا قَالَ اللَّخْمِيُّ كُلُّ أُمٍّ حَرُمَتْ بِالنَّسَبِ حَرُمَتْ أُخْتُهَا وَكُلُّ أُخْتٍ حَرُمَتْ لَا تَحْرُمُ أُخْتُهَا إذَا لَمْ تَكُنْ خَالَةً وَكُلُّ عَمَّةٍ حَرُمَتْ قَدْ لَا تَحْرُمُ أُخْتُهَا لِأَنَّهَا قَدْ لَا تَكُونُ أُخْتَ أَبِيهِ وَلَا أُخْتَ جَدِّهِ. اهـ
(وَالْعَمَّةُ) عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ شَارَكَتْ أَبَاك فِي مَا عَلَا مِنْ أَصْلِهِ
(وَالْخَالَةُ) هِيَ كُلُّ امْرَأَةٍ شَارَكَتْ أُمَّك فِيمَا عَلَيْت مِنْ أَصْلَيْهَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الْأُمُومَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْ تَفْصِيلِهِ تَحْرِيمُ عَمَّةِ الْأَبِ وَخَالَتِهِ لِأَنَّ عَمَّةَ الْأَبِ أُخْتُ الْجَدِّ وَالْجَدُّ أَبٌ وَأُخْتُهُ عَمَّةٌ وَخَالَةُ الْأَبِ أُخْتُ جَدَّتِهِ لِأُمِّهِ وَالْجَدَّةُ أُمٌّ وَأُخْتُهَا خَالَةٌ وَكَذَلِكَ عَمَّةُ الْأُمِّ أُخْتُ جَدِّهَا لِأَبِيهَا وَجَدُّهَا أَبٌ وَأُخْتُهُ عَمَّةٌ وَخَالَةُ الْأُمِّ أُخْتُ جَدَّتِهَا وَالْجَدَّةُ أُمٌّ وَأُخْتُهَا خَالَةٌ وَتَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ عَمَّةُ الْعَمَّةِ لِأَنَّهَا عَمَّةُ الْأَبِ كَذَلِكَ وَخَالَةُ الْعَمَّةِ خَالَةُ الْأُمِّ كَذَلِكَ وَخَالَةُ الْخَالَةِ خَالَةُ الْأُمِّ كَذَلِكَ وَعَمَّةُ الْخَالَةِ عَمَّةُ الْأُمِّ كَذَلِكَ وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا كُلُّهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] بِالْحَجْرِ فِي التَّحْرِيمِ وَلَمْ يَتَضَمَّنْهُ آيَةُ الْفَرَائِضِ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْمَوَارِثِ لِسَعَةِ الْحَجْرِ فِي التَّحْرِيمِ وَضِيقِ الِاشْتِرَاكِ فِي الْأَمْوَالِ فَعِرْقُ التَّحْرِيمِ يَسْرِي حَيْثُ اطَّرَدَ وَسَبَبُ الْمِيرَاثِ يَقِفُ أَيْنَ وَرَدَ وَلَا تَحْرُمُ أُخْتُ الْعَمَّةِ وَلَا أُخْتُ الْخَالَةِ وَصُورَةُ ذَلِكَ كَمَا قَرَّرَنَا لَك فِي الْأُخْتِ وَبِنْتِ الْأَخِ وَبِنْتُ الْأُخْتِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ امْرَأَةٍ لِأَخِيك أَوْ لِأُخْتِك عَلَيْهَا وِلَادَةٌ وَتَرْجِعُ إلَيْهَا بِنِسْبَةٍ وَأَمَّا الْأَصْنَافُ الصِّهْرِيَّةُ السَّبْعَةُ
(فَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي) أُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَهُمَا مُحَرَّمَانِ بِالْقُرْآنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا هُنَا وَإِنْ أَرَدْت بَسْطَهُ فَعَلَيْك بِبِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَأَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ
(وَالثَّالِثُ) أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا
(وَالرَّابِعُ) رَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ جَمْعُ رَبِيبَةٍ كَفَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ مِنْ رَبَّهَا يَرُبُّهَا إذَا تَوَلَّى أَمْرَهَا وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ كَانَتْ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ أَوْ فِي حِجْرِ حَاضِنَتِهَا غَيْرِ أُمِّهَا فَالَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ تَأْكِيدٌ لِلْوَصْفِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْحُكْمِ وَمَا رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَنَّهَا لَا تَحْرُمُ حَتَّى تَكُونَ فِي حِجْرِهِ فَبَاطِلٌ وَكَمَالُ الْكَلَامِ عَلَيْهِمَا قَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ قَبْلُ
(وَالْخَامِسُ) حَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ جَمْعُ حَلِيلَةٍ كَفَعِيلَةٍ بِمَعْنَى مُحَلَّةٍ
(وَالسَّادِسُ) أَزْوَاجُ آبَائِكُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] فَكَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْآبَاءِ نِكَاحَ أَزْوَاجِ أَبْنَائِكُمْ كَذَلِكَ حَرَّمَ عَلَى الْأَبْنَاءِ نِكَاحَ أَزْوَاجِ آبَائِهِمْ فَكُلُّ فَرْجٍ حَلَّ لِلِابْنِ حَرُمَ عَلَى
стр. 607
لِلصَّبَّاغِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا قَالَ ابْنُ يُونُسَ إذَا فَرَّعْنَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ يَحْلِفُ مَنْ قُضِيَ لَهُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ مَا عُرِفَ لِأَحَدِهِمَا لَا يَحْلِفُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَا كَانَ شَأْنُ الرِّجَالِ وَشَأْنُ النِّسَاءِ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْيَدِ وَمَا وَلِيَ الرَّجُلُ شِرَاءَهُ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ وَشَهِدَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَخَذَهُ بَعْدَ يَمِينِهِ مَا اشْتَرَاهُ إلَّا لَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْتِ نَفْسِهِ فَهُوَ لِلرَّجُلِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ فِي غَالِبِ الْعَادَةِ وَلِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ نَحْوُ الْعِمَامَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ الْمَرْأَةُ إرْثَهُ فَيَحْلِفَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ هَذَا لِي لِأَنَّهُ مَتَاعُ الْبَيْتِ حَتَّى يَقُولَ هَذَا مِلْكِي قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ لَوْ تَنَازَعَا فِي رِدَاءٍ فَقَالَ هُوَ لَهَا إلَّا الْكَتَّانَ بِأَنْ قَالَ اشْتَرَيْته فَقَالَ أَصْبَغُ لَهُ بِقَدْرِ كِتَابِهِ وَلَهَا بِقَدْرِ عَمَلِهَا لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَاهُ صُدِّقَ هَذَا تَقْرِيرُ الْمَنْقُولَاتِ وَأَمَّا وَجْهُ الْجَوَابِ وَالْفَرْقِ فَنَقُولُ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَكُلُّ مَا شَهِدَ بِهِ الْعَادَةُ قُضِيَ بِهِ لِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ بَيِّنَةٌ وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْعَادَةِ فِي مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ.
وَأَمَّا مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَهُوَ الْقِيَاسُ عَلَى الْعَطَّارِ وَالصَّبَّاغِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ الْتَزَمَ التَّسْوِيَةَ أَيْضًا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَصَّارِ فِي عُيُونِ الْأَدِلَّةِ وَعَلَى هَذَا يَبْطُلُ الْقِيَاسُ وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ التَّسْوِيَةِ فَالْفَرْقُ أَنَّ الْإِشْهَادَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَتَعَذَّرُ لِأَنَّهُمَا لَوْ اعْتَمَدَا ذَلِكَ وَإِنَّ مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ أَشْهَدَ عَلَيْهِ أَدَّى ذَلِكَ إلَى الْمُنَافَرَةِ وَعَدَمِ الْوِدَادِ بَيْنَهُمَا وَرُبَّمَا أَفْضَى ذَلِكَ إلَى الطَّلَاقِ وَالْقَطِيعَةِ فَهُمَا مَعْذُورَانِ فِي عَدَمِ الْإِشْهَادِ وَمُلْجَآنِ إلَيْهِ وَإِذَا أُلْجِئَ لِعَدَمِ إشْهَادٍ فَلَمْ يُقْضَ بَيْنَهُمَا بِالْعَادَةِ لَا نَسُدُّ الْبَابَ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْعَطَّارِ وَالصَّبَّاغِ إذَا كَانَا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ لَا ضَرُورَةً تَدْعُوهُمَا لِعَدَمِ الْإِشْهَادِ فَإِنَّهُمَا أَجْنَبِيَّانِ لَا يَتَأَلَّمَانِ مِنْ ضَبْطِ أَمْوَالِهِمَا بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَا فِي حَانُوتَيْنِ أَوْ تَدَاعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ فَنَقُولُ الْفَرْقُ أَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو لِلْمُلَابَسَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ فَسَلَكَ بِهِمَا أَقْرَبَ الطُّرُقِ فِي إثْبَاتِ أَمْوَالِهِمَا وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِمُلَابَسَةِ الْعَطَّارِ وَالصَّبَّاغِ فَجَرَيَا عَلَى قَاعِدَةِ الدَّعْوَى وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَأَمَّا وَجْهُ الْجَوَابِ وَالْفَرْقِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ) قُلْت فِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَتَمَسُّكُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَدِيثِ ظَاهِرٌ وَجَوَابُ الْمَالِكِيَّةِ بِتَفْسِيرِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا فَسَرُّوا لَا بَأْسَ بِهِ وَجَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ الْيَدَ لَهُمَا أَعْنِي الزَّوْجَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الرَّجُلَ جَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ دَرَكٌ لَا يَخْفَى وَبِالْجُمْلَةِ الْمَسْأَلَةُ مَحَلُّ نَظَرٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَبِ أَبَدًا وَبِالْعَكْسِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهَا فِي الْفَرْقِ قَبْلُ
(السَّابِعُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِهِ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأُخْتِ فِي عِدَّةِ الْأُخْتِ وَالْخَامِسَة فِي عِدَّةِ الرَّابِعَةِ وَقَالَ إنَّ هَذَا مُحَرَّمٌ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا فِي حِلٍّ فَهُوَ فِي حَبْسٍ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ الْفَرْجِ وَهُوَ إذَا تَزَوَّجَ أُخْتَهَا فَقَدْ حَبَسَ الْمُتَزَوِّجَةَ بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَهُوَ الْحِلُّ وَالْوَطْءُ وَقَدْ حَبَسَ أُخْتَهَا بِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ وَهُوَ اسْتِبْرَاءُ الرَّحِمِ لِحِفْظِ النَّسَبِ فَحَرُمَ ذَلِكَ بِالْعُمُومِ وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الطَّوِيلَةِ وَقَدْ مَهَّدْنَا الْخِلَافَ فِيهَا هُنَالِكَ وَاَلَّذِي نَجْتَزِي بِهِ الْآنَ أَنَّ اللَّهَ نَهَاهُ أَنْ يَجْمَعَ وَهَذَا لَيْسَ بِجَمْعٍ مِنْهُ لِأَنَّ النِّكَاحَ اكْتَسَبَهُ وَالْعِدَّةُ إلْزَامِيَّةٌ فَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا هُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِحِلْمِهِ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ فِي هَذَا الْجَمْعِ كَسْبٌ يَرْجِعُ النَّهْيُ بِالْخِطَابِ إلَيْهِ وَلَيْسَ قَوْله تَعَالَى هُنَا ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] فِي نِكَاحِ مَنْكُوحَاتِ الْآبَاءِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِشَرْعٍ وَإِنَّمَا كَانَتْ جَاهِلِيَّةً جَهْلَاءَ وَفَاحِشَةً شَائِعَةً وَنِكَاحُ الْأُخْتَيْنِ كَانَ شَرْعًا لِمَنْ قَبْلَنَا فَنَسَخَهُ اللَّهُ فِينَا بِقَوْلِهِ هُنَا ﴿إِلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] . اهـ
كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ بِتَصَرُّفٍ وَحَذْفٍ وَزِيَادَةٍ
(فَائِدَةٌ) وَجْهُ قَوْلِ الْعُلَمَاءِ الْآبَاءُ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَبْنَاءُ وَإِنْ سَفَلُوا مَعَ أَنَّهُ لَوْ عُكِسَ لَاسْتَقَامَ فَإِنَّ الْأَبْنَاءَ فُرُوعٌ وَشَأْنُ الْفَرْعِ أَنْ يَكُونَ أَعْلَى مِنْ صُلْبِهِ وَفَرْعُ الْفَرْعِ أَعْلَى مِنْ الْفَرْعِ فِي شَجَرَةِ النَّسَبِ وَالْأَصْلُ أَسْفَلُ وَأَصْلُ الْأَصْلِ أَسْفَلُ مِنْ الْأَصْلِ وَهُوَ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ مَبْدَأَ الْإِنْسَانِ مِنْ نُطْفَةٍ وَالنُّطْفَةُ تَنْزِلُ مِنْ الْأَبِ وَالنَّازِلُ مِنْ الشَّيْءِ يَكُونُ أَسْفَلَ مِنْهُ وَابْنُ الِابْنِ يَنْزِلُ مِنْ الِابْنِ فَلَفْظُ الْأَبْنَاءِ وَإِنْ سَفَلُوا وَلَفْظُ الْآبَاءِ وَإِنْ عَلَوْا مَجَازٌ اصْطَلَحُوا عَلَيْهِمَا إشَارَةً لِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ التَّخَيُّلِ وَلَا مُشَاحَّةَ فَلِي الِاصْطِلَاحِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَصَانَةِ لَا تَعُودُ بِالْعَدَالَةِ وَقَاعِدَةُ الْفُسُوقِ يَعُودُ بِالْجِنَايَةِ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَصَانَةِ لَا تَعُودُ بِالْعَدَالَةِ وَقَاعِدَةِ الْفُسُوقِ تَعُودُ بِالْجِنَايَةِ)
وَذَلِكَ أَنَّ عَوْدَ الْفُسُوقِ بِعَوْدِ الْجِنَايَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الْفُسُوقِ هُوَ مُلَابَسَةُ الْكَبِيرَةِ أَوْ الْإِصْرَارُ عَلَى الصَّغِيرَةِ مِنْ حَيْثُ هُوَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ قَيْدٍ وَلَا شَرْطٍ مَعْقُولِ الْمَعْنَى بِحَيْثُ إنَّ الْإِنْسَانَ إذَا جَنَى بِكَبِيرَةٍ أَوْ بِإِصْرَارٍ عَلَى صَغِيرَةٍ بَعْدَ أَنْ زَالَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِالْفُسُوقِ بِتَوْبَتِهِ وَإِنَابَتِهِ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَعُودَ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِالْفُسُوقِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ صُورَةٍ مِنْ صُورَةٍ عَمَلًا بِطَرْدِ الْعِلَّةِ وَوُجُودِ الْمُوجِبِ وَأَمَّا الْمُحْصَنُ بِعَدَمِ مُبَاشَرَةِ الزِّنَى إذَا زَالَ إحْصَانُهُ بِمُبَاشَرَتِهِ الزِّنَى لَمْ تَعُدْ حَصَانَتُهُ بِعَدَالَتِهِ بَعْدَ مُبَاشَرَتِهِ الزِّنَى
стр. 608
بِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَكُلُّ مَنْ ادَّعَى مِنْ الزَّوْجَيْنِ كَانَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ قَاعِدَةَ الْمُدَّعِي هُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى وَفْقِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ فَالْمُدَّعِي بِالدَّيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَالْمَطْلُوبُ الْمُنْكَرُ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ وَالْمُدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةَ وَقَدْ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةِ قَوْلِهِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفِ بِسَبَبِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ قَبَضَ بِبَيِّنَةٍ لَا يَرُدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ فَدَعْوَى الرَّدِّ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَالْمُدَّعِي عَدَمَ قَبْضِهَا عَلَى وَفْقِ الظَّاهِرِ وَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ هَذَا ضَابِطُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ مُقْنِعَةً وَشَبَهَهَا كَانَ قَوْلُهَا عَلَى وَفْقِ الظَّاهِرِ.
وَقَوْلُ الزَّوْجِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ فَالزَّوْجُ مُدَّعٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَهِيَ مُدَّعَى عَلَيْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْنَا وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ لَوْ كَانَ الْمُتَدَاعِيَانِ امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلَيْنِ لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَةً لَمْ يُقَدَّمْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالصَّلَاحِيَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا إذَا كَانَ فِي يَدِ ثَالِثٍ وَيُؤَكِّدُ أَنَّ حُكْمَ الْيَدِ لَا يَسْقُطُ بِالصَّلَاحِيَةِ أَنَّ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ خَلْخَالٌ فَادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْخَلْخَالُ لَا يَصْلُحُ مِنْ لِبَاسِهِ لِأَجْلِ أَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ سَيْفٌ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لَهَا لِأَجْلِ أَنَّ يَدَهَا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا إذَا كَانَا فِي الدَّارِ وَفِيهَا مَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّ يَدَهُمَا عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْيَدِ بِصَلَاحِيَتِهِ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ
(وَالْجَوَابُ) أَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَبَيْنَ الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْمُشَاهَدَةِ فَلَوْ تَعَلَّقَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ بِخَلْخَالٍ وَأَيْدِيهِمَا جَمِيعًا عَلَيْهِ يَتَجَاذَبَانِهِ قَضَيْنَا بِهِ لِلْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا وَلَوْ تَجَاذَبَا سَيْفًا كَانَ لِلرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ يَدٌ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَإِنَّ الْمُسْتَنَدَ عِنْدَنَا الْيَدُ مَعَ الصَّلَاحِيَةِ فَإِنْ قَالُوا مَا ذَكَرْتُمُوهُ يَبْطُلُ بِأَنَّ مَا يَصْلُحُ لَهُمَا يَكُونُ لِلزَّوْجِ مَعَ أَنَّهُ لَا ظَاهِرَ يَشْهَدُ لَهُ وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ فَقَدْ نَقَضْتُمْ أَصْلَكُمْ وَرَجَّحْتُمْ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ فَإِنَّ الْيَدَ مُشْتَرَكَةٌ.
وَالظَّاهِرُ مِنْ جِهَةِ الصَّلَاحِيَةِ مَنْفِيٌّ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قُلْنَا بَلْ يَدُ الزَّوْجِ أَقْوَى وَهُوَ الْمُرَجَّحُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ حَوْزِهِ وَالدَّارَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا وَأَنْ يُجِيرَهَا وَأَنْ يَخْدُمَهَا فَالدَّارُ هِيَ مِنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَلِذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِذَا قَذَفَهُ بَعْدَ إنْ صَارَ عَدْلًا لَمْ يُحَدَّ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبَا الْجَوَاهِرِ وَالنَّوَادِرِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وَفِي الْجَوَاهِرِ أَيْضًا لَوْ لَاعَنَ الْمَرْأَةَ وَأَبَانَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ لَمْ يُحَدَّ وَلَمْ يُلَاعَنْ لِاسْتِيفَاءِ مُوجِبِ اللِّعَانِ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَالَ رَبِيعَةُ يُحَدُّ وَإِنْ قَذَفَهَا بِزَنْيَةٍ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُلَاعِنْ وَحُدَّتْ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ لِسُقُوطِ إحْصَانِهَا الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي حَدِّ الْقَذْفِ بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ بِمُوجِبِ لِعَانِهِ وَإِنْ لَاعَنَتْ وَجَبَ الْحَدُّ أَيْ لِلزَّوْجِ الْقَاذِفِ فَأَوْلَى بِالْحَدِّ الْأَجْنَبِيُّ إذَا قَذَفَهَا بِهَا أَيْ مُطْلَقًا لِأَنَّ أَثَرَ لِعَانِ الزَّوْجِ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْقَذْفِ إذَا قَذَفَ مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ الزِّنَا وَحَسُنَتْ حَالُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُحَدَّ لِأَنَّ الْحَصَانَةَ لَا تَعُودُ بِالْعَدَالَةِ فَمَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ بِالزِّنَا ذَهَبَتْ حَصَانَتُهُ وَذَلِكَ إنَّمَا قَالُوهُ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتَيْنِ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا نَصَّبَ سَبَبًا لِحِكْمَةٍ فَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى تِلْكَ الْحِكْمَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنَصِّبْهَا سَبَبًا لِذَلِكَ الْحُكْمِ بَلْ سَبَبٌ وَسَبَبُهُ وَقَدْ لَا يَصِحُّ سَبَبُ سَبَبِهِ سَبَبًا لَهُ لِعَدَمِ الْمُنَاسَبَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ الزَّوَاجِ حُكْمٌ سَبَبُهُ خَوْفُ الزِّنَى وَالزَّوَاجُ سَبَبُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ سَبَبُ وُجُوبِ الزَّوَاجِ الَّذِي هُوَ خَوْفُ الزِّنَى لَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّبَ السَّرِقَةَ سَبَبًا لِلْقَطْعِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْمَالِ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ الْقَطْعُ عَلَى مَنْ أَخَذَ مَالًا بِغَيْرِ السَّرِقَةِ نَظَرًا لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ بَلْ مُنِعَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ السَّرِقَةُ وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّبَ الزِّنَى سَبَبًا لِلرَّجْمِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَنْسَابِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ وَلَمْ يَتَرَتَّبْ الرَّجْمُ عَلَى مَنْ سَعَى فِي الْتِبَاسِ الْأَنْسَابِ بِغَيْرِ الزِّنَى بِأَنْ يَجْمَعَ الصِّبْيَانَ وَيُغَيِّبَهُمْ صِغَارًا أَوْ يَأْتِيَ بِهِمْ كِبَارًا فَلَا يَعْرِفُهُمْ آبَاؤُهُمْ نَظَرًا لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَنْسَابِ بَلْ مَنَعُوا رَجْمَهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ الزِّنَى وَمِنْهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الرَّضَاعَ سَبَبًا لِلتَّحْرِيمِ بِسَبَبِ أَنَّ جُزْءَ الْمُرْضِعَةِ وَهُوَ اللَّبَنُ صَارَ جُزْءَ الرَّضِيعِ بِاغْتِذَائِهِ بِهِ وَصَيْرُورَتِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ فَأَشْبَهَ ذَلِكَ مَنِيَّهَا وَلَحْمَتَهَا فِي النَّسَبِ لِأَنَّهُمَا جُزْءُ الْجَنِينِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ ﵊ «الرَّضَاعُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» وَلَمْ يَتَرَتَّبْ ذَلِكَ التَّحْرِيمُ عَلَى سَبَبِ سَبَبِهِ الَّذِي هُوَ صَيْرُورَةُ نَحْوِ دَمِ الْمَرْأَةِ أَوْ قِطْعَةٍ مِنْ لَحْمِهَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ مَنْ شَرِبَ دَمَهَا أَوْ أَكَلَ قِطْعَةً مِنْ لَحْمِهَا إذْ لَمْ يَقُولُوا بِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَوْ تَحْرُمُ هِيَ عَلَيْهِ بَلْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا تَقَعُ الْحُرْمَةُ بِاللَّبَنِ إذَا اُسْتُهْلِكَ وَعَدِمُ بِحَيْثُ لَا يُسَمِّي رَضَاعًا وَلَبَنًا وَتَنَاوَلَهُ الصَّبِيُّ إعْرَاضًا عَنْ التَّعْلِيلِ بِالْحِكْمَةِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ اللَّبَنُ الْمَغْلُوبُ بِالْمَاءِ أَوْ الدَّوَاءِ وَالْمُخْتَلَطُ بِالطَّعَامِ وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ غَالِبًا لَا يُحَرِّمُ لِأَنَّ الطَّعَامَ أَصْلٌ وَاللَّبَنَ تَابِعٌ نَعَمْ قَالَ مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِنَا تَقَعُ الْحُرْمَةُ
стр. 609
قِبَلِهِ كَحَوْزِ امْرَأَتِهِ فَلِذَلِكَ قُضِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ كَالْمُتَدَاعَيَيْنِ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ وَالْآخَرُ لَا يَدَ لَهُ قَالُوا مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الظَّاهِرِ إنَّمَا يَشْهَدُ بِالِاسْتِعْمَالِ فَقَطْ فَإِنَّ السَّيْفَ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ الرِّجَالُ وَالْحُلِيُّ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ النِّسَاءُ وَنِزَاعُنَا إنَّمَا هُوَ فِي الْمِلْكِ لَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَقَدْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ مَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ بِعَارِضٍ مِنْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَصْدَقَ عَلِيٌّ ﵁ فَاطِمَةَ ﵂ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ وَقَدْ يَمْلِكُ الرِّجَالُ مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ قُلْنَا الظَّاهِرُ فِيمَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَصْلُحُ لَهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ وَغَيْرُهُ نَادِرٌ وَإِذَا دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْلَى أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ هُوَ سَاكِنٌ فِي دَارٍ وَيَدُهُ عَلَيْهَا يُقْضَى لَهُ بِالْمِلْكِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَظَاهِرِ الْيَدِ فَكَذَلِكَ هَهُنَا وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَكِنَّهُ قَالَ مَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرِّجَالِ إنْ كَانَ حَيًّا وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِهِ هُوَ لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ كَقَوْلِنَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ تَدَاعَيَاهُ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا مُشَاهَدَةً قُسِّمَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا إذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ يَسْكُنَانِ مَعًا فَتَدَاعَيَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ فَهُوَ لَهُ وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ فَهُوَ لَهَا وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا.
وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَطَّارُ وَالدَّبَّاغُ فِي الْمِسْكِ وَالْجِلْدِ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا وَتَنَاقَضَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مُوَافِقًا لَنَا وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَطَرِيقَتُهُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا تَدَاعَيَا شَيْئًا فَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً فَهُوَ لَهُ كَمَا قُلْنَاهُ وَإِلَّا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيَّانِ إذَا سَكَنَا دَارًا وَاحِدَةً وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنَّ سُلْطَانَهُ زَالَ عَنْ الْمَرْأَةِ بِالْمَوْتِ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ أَرْجَحَ فِيمَا تَدَّعِيهِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَارِثَ شَأْنُهُ أَنْ يَنْتَقِلَ لَهُ مَا كَانَ لِمُوَرِّثِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ لَهُ بِدَلِيلِ الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ (تَفْرِيعٌ) قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَيُقْضَى لَهَا بِهِ لِأَجْلِ الصَّلَاحِيَةِ الْحُلِيُّ وَثِيَابُ النِّسَاءِ وَجَمِيعُ الْجِهَازِ مِنْ الطَّسْتِ وَالْمَنَارَةِ وَالثِّيَابِ وَالْقَبْقَابِ وَالْبُسُطِ وَالْوَسَائِدِ وَالْمَرَافِقِ وَالْعُرُشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ الَّذِي يُقْضَى بِهِ لِلرَّجُلِ السِّلَاحُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْخَاتَمُ الْفِضَّةُ وَثِيَابُ الرَّجُلِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَصْلُحُ لَهُمَا كَالدَّارِ الَّتِي يَسْكُنَانِهَا وَالرَّقِيقِ وَأَمَّا أَصْنَافُ الْمَاشِيَةِ فَلِمَنْ حَازَهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ وَكَذَلِكَ مَا فِي الْمَرَابِطِ مِنْ خَيْلٍ أَوْ بِغَالٍ أَوْ حَمِيرٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِاللَّبَنِ الْمُسْتَهْلَكِ بِنَاءً أَنَّهُ عَلَى مُقَابِلِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْحِكْمَةِ (وَمِنْهَا) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَعَ الْقَذْفَ سَبَبًا لِلْجَلْدِ لِحِكْمَةِ حِفْظِ الْأَعْرَاضِ وَصَوْنِ الْقُلُوبِ عَنْ الْإِذَايَاتِ لَكِنْ اشْتَرَطَ فِيهِ الْإِحْصَانَ وَمِنْ جُمْلَتِهِ عَدَمُ مُبَاشَرَةِ الزِّنَى فَمَنْ بَاشَرَ فَقَدْ انْتَفَى فِي حَقِّهِ عَدَمُ مُبَاشَرَةِ الزِّنَى فَإِنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يُصَدَّقَانِ وَالْعَدَالَةُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تُنَافِي كَوْنَهُ مُبَاشِرًا فَإِنْ لَاحَظْنَا الْحِكْمَةَ بِدُونِ السَّبَبِ حَسُنَ إعَادَةُ الْحُكْمِ بِحَدِّ قَاذِفِهِ وَإِنْ اقْتَصَرْنَا عَلَى خُصُوصِ السَّبَبِ وَلَمْ نُرَتِّبْ الْحُكْمَ عَلَى حِكْمَتِهِ بِدُونِهِ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ حَدِّ قَاذِفِهِ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْحُدُودَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا التَّعَبُّدُ مِنْ جِهَةِ مَقَادِيرِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى مِنْ جِهَةِ أُصُولِهَا وَالتَّعَبُّدُ لَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ فَمِنْ هُنَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاسْتِوَاءِ فِي الْآفَةِ الِاسْتِوَاءُ فِي الْحَدِّ بَلْ يُعَزَّرُ إنْ آذَاهُ بِالْقَذْفِ عَلَى قَاعِدَةِ السَّبِّ وَالشَّتْمِ فَلَا تَضِيعُ الْمَصْلَحَةُ وَلَا تُسْتَبَاحُ الْأَعْرَاضُ بَلْ تَنْعَصِمُ بِالتَّعْزِيرِ وَقَدْ يَزِيدُ التَّعْزِيرُ عَلَى الْحَدِّ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يَسْتَنْكِرُ إسْقَاطَ الْحَدِّ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ عَنْ الْمَازِرِيِّ فِي الْمُعَلِّمِ دَلِيلُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ جَوَازِ زِيَادَةِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْحَدِّ فِعْلُ سَيِّدُنَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي ضَرْبِ الَّذِي نَقَشَ خَاتَمَهُ مِائَةً وَنَقَلَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ أَنَّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ صَاحِبَ الْقَضِيَّةِ مَعْنُ بْنُ زِيَادٍ زَوَّرَ كِتَابًا عَلَى عُمَرَ وَنَقَشَ خَاتَمَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً فَشَفَعَ فِيهِ قَوْمٌ فَقَالَ أَذَكَّرْتُمُونِي الطَّعْنَ وَكُنْت نَاسِيًا فَجَلَدَهُ مِائَةً أُخْرَى ثُمَّ جَلَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِائَةً أُخْرَى وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ فَكَانَ إجْمَاعًا وَضَرَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ضُبَيْعًا أَكْثَرَ مِنْ الْحَدِّ اهـ
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ مَا وَرَدَ مُطْلَقًا يُحْمَلُ عَلَى مَا وَرَدَ مُقَيَّدًا حَيْثُ كَانَ الْقَيْدُ وَاحِدًا وَإِلَّا حُمِلَ مَا وَرَدَ مُقَيَّدًا عَلَى الْمُطْلَقِ لِئَلَّا يَحْصُلَ التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ فَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] الْآيَةَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ وَرَدَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِوَصْفِ الْغَفْلَةِ بِخِلَافِ قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣] فَإِنَّهُ قَيَّدَ بِوَصْفِ الْغَفْلَةِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْمُبَاشِرُ لِلزِّنَا لَيْسَ بِغَافِلٍ عَنْهُ فَلَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ لِأَنَّهُ لَوْ حُدَّ لَحَصَلَ مَعْنَى اللَّعْنِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ جِهَةِ مَفْهُومِهَا الَّذِي هُوَ مَفْهُومُ الصِّفَةِ لِأَنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّ مَنْ لَيْسَ بِغَافِلٍ لَا يُحَدُّ قَاذِفُهُ وَلَا يُلْعَنُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ يُلْعَنُ بِالتَّعْزِيرِ وَالْعُقُوبَةِ الْمُؤْلِمَةِ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْمَقْذُوفِ
стр. 610
فَلِمَنْ حَازَهُ قَالَ مَالِكٌ وَالْحُصْرُ كَالدَّارِ إلَّا أَنْ يَعْرِفَ لِلزَّوْجَةِ وَقَالَ مَالِكٌ مَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَخْذُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ إنَّمَا الْيَمِينُ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا يُقْضَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ.
وَقَالَ الْمُغِيرَةُ مَا يَصْلُحُ لَهُمَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتَلَفَا قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ خُلْعٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ إيلَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ وَالزَّوْجَانِ حُرَّانِ أَوْ عَبْدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَالْآخَرُ عَبْدٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً أَمْ لَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ كَانَتْ عَلَيْهِ يَدٌ مُشَاهَدَةٌ أَوْ حُكْمِيَّةٌ فَالْيَدُ الْمُشَاهَدَةُ أَنْ يَكُونَا قَابِضَيْنِ عَلَى الشَّيْءِ فَيَتَجَاذَبَانِهِ وَيَتَنَازَعَانِهِ وَالْحُكْمِيَّةُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَسْكُنَانِهَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ الزَّوْجَانِ وَالْأَجْنَبِيَّانِ إذَا سَكَنَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي دَارٍ وَذَوَاتُ الْمَحَارِمِ الْكُلُّ سَوَاءٌ وَهَذَا أَصْلٌ لَا مُنَاقَضَةَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ حَتَّى قَالَ أَئِمَّتُنَا لَوْ اخْتَلَفَ عَطَّارٌ وَدَبَّاغٌ فِي الْمِسْكِ وَالْجِلْدِ وَاخْتَلَفَ الْقَاضِي وَالْحَدَّادُ فِي الْقَلَنْسُوَةِ وَالْكِيرِ وَكَانَتْ لَهُمَا عَلَيْهِ يَدٌ حُكْمِيَّةٌ فِي دَارٍ يَسْكُنَانِهَا أَوْ مُشَاهَدَةً أَوْ تَنَازَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ رُمْحًا وَهُمَا يَتَجَاذَبَانِهِ فَالْقَوْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ فَيُحْكَمُ لِلرَّجُلِ بِالرُّمْحِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ دُمْلُجًا قُضِيَ بِهِ لِلْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا وَيُقْضَى لِلْعَطَّارِ بِالْمِسْكِ مَعَ يَمِينِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ فَجَازَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِهِ وَقَبْضَتِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْآخَرِ دُونَهُ قَالَ فَاَلَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي فِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ حَازَهُ دُونَ الْآخَرِ
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ) اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَ الصَّرِيحِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ لَبَنٌ صَرِيحٌ إذَا لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ وَنَسَبٌ صَرِيحٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْبُعْدِ فَهُوَ صَرِيحٌ وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ لِلْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ فِي الصَّرِيحِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَعِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ)
قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا ذِكْرُ اشْتِقَاقٍ وَحِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ وَنَحْوُ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ» إلَخْ مُقَيَّدٌ وَكَذَا قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ» إلَخْ فَيُحْمَلَانِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِذِكْرِ اللَّهِ» إلَخْ عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ حَمْلِ الْمُقَيَّدَيْنِ عَلَى الْمُطْلَقِ الْوَاحِدِ لَا الْعَكْسُ لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّحَكُّمُ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَلْحَقُ فِيهِ الْوَلَدُ بِالْوَطْءِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَلْحَقُ فِيهِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَلْحَقُ فِيهِ الْوَلَدُ بِالْوَاطِئِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَلْحَقُ بِهِ)
فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَقَلُّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فَإِذَا أَسْقَطْت حَوْلَيْنِ مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا بَقِيَتْ مِنْهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَهِيَ مُدَّةُ الْحَمْلِ وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الِاسْتِنْبَاطِ اهـ.
فَمِنْ هُنَا أَطْلَقَ الْعُلَمَاءُ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ بِالْوَاطِئِ إلَّا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَكَلَامُهُمْ هَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] قَالَ وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدِي بِمَا حَكَاهُ الشِّهَابُ عَنْ الْأَطِبَّاءِ حَيْثُ قَالَ ذَكَرَ ابْنُ جُمَيْعٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَطِبَّاءِ فِي التَّحَدُّثِ عَلَى الْأَجِنَّةِ أَنَّ الْجَنِينَ يَتَحَرَّكُ لِمِثْلِ مَا يُخْلَقُ فِيهِ وَيُوضَعُ لَمِثْلَيْ مَا تَحَرَّكَ فِيهِ قَالُوا وَتَخَلُّقُهُ فِي الْعَادَةِ تَارَةً يَكُونُ لِشَهْرٍ وَتَارَةً يَكُونُ لِشَهْرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ وَتَارَةً يَكُونُ لِشَهْرٍ وَنِصْفٍ فَإِذَا تَخَلَّقَ فِي شَهْرٍ بِمَعْنَى تَصَوَّرَتْ أَعْضَاؤُهُ تَحَرَّكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَيَتَحَرَّكُ فِي شَهْرَيْنِ وَيُوضَعُ لِمِثْلَيْ مَا تَحَرَّكَ فِيهِ وَمِثْلَا الشَّهْرَيْنِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعَةٌ مَعَ شَهْرَيْنِ سِتَّةٌ فَيُوضَعُ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ تَخَلَّقَ لِشَهْرٍ وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ تَحَرَّكَ فِي مِثْلَيْ ذَلِكَ وَهُوَ شَهْرَانِ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ وَمِثْلَا ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَإِذَا أُضِيفَ ذَلِكَ لِمُدَّةِ التَّحَرُّكِ كَانَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ فَيُوضَعُ الْوَلَدُ لِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ وَإِنْ تَخَلَّقَ لِشَهْرٍ وَنِصْفٍ تَحَرَّكَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَيُوضَعُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ عَلَى التَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ فَلِذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْوَضْعُ الطَّبِيعِيُّ إلَّا لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ تِسْعَةٍ قَالُوا وَلِهَذَا السَّبَبِ يَعِيشُ الْوَلَدُ الَّذِي يُوضَعُ لِسَبْعَةٍ وَلَا يَعِيشُ الَّذِي يُوضَعُ لِثَمَانِيَةٍ.
وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ لِلْقُوَّةِ وَلِمُدَّةِ التِّسْعَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يُوضَعُ لِسَبْعَةٍ وُضِعَ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ سَلِيمًا عَلَى قَاعِدَةِ الْوِلَادَةِ وَاَلَّذِي يُوضَعُ لِثَمَانِيَةٍ يَكُونُ بِهِ آفَةٌ مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ عَجَّلَتْهُ
стр. 611
وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ الصَّرِيحُ الطَّلَاقُ وَمَا اشْتَهَرَ مَعَهُ كَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَنَحْوِهِمَا، وَقِيلَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ كَالطَّلَاقِ وَالسَّرَاحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَالْفِرَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَبِمَاذَا يَلْزَمُ هَلْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ لِمَالِكٍ وَيُرِيدُ بِالنِّيَّةِ التَّطْلِيقَ بِالْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ، وَقِيلَ بِاللَّفْظِ فَقَطْ قَالَ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا هَذَا فِي الْفُتْيَا.
وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ وَلَا يُصَدَّقُ اتِّفَاقًا وَالْكِنَايَةُ أَصْلُهَا مَا فِيهِ خَفَاءٌ وَمِنْهُ كَنَيْتَهُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَأَنَّك أَخْفَيْت الِاسْمَ بِالْكُنْيَةِ تَعْظِيمًا لَهُ وَمِنْهُ الْكِنُّ لِإِخْفَائِهِ الْأَجْسَامَ وَمَا يُوضَعُ فِيهِ فَالْكِنَايَةُ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لُغَةً وَفِي الصِّحَاحِ يُقَالُ كَنَيْت وَكَنَوْتُ وَكُنْيَةٌ بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَضَابِطُ مَشْهُورِ كَلَامِ الْأَصْحَابِ أَنَّ اللَّفْظَ إنْ دَلَّ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فَهُوَ صَرِيحٌ. وَهَذَا هُوَ الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهُ لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ يُقَالُ لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَوَجْهٌ طَلْقٌ وَحَلَالٌ طَلْقٌ وَانْطَلَقَتْ بَطْنُهُ وَأُطْلِقَ فُلَانٌ مِنْ السِّجْنِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، وَقَدْ طَلَّقْتُك أَوْ الطَّلَاقُ لَازِمٌ أَوْ قَدْ أَوْقَعْت عَلَيْك الطَّلَاقَ وَأَنَا طَالِقٌ مِنْك وَالْكِنَايَةُ مَا لَيْسَ مَوْضُوعًا لَهُ لُغَةً لَكِنْ يَحْسُنُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ مَجَازًا لِوُجُودِ الْعَلَاقَةِ الْقَرِيبَةِ بَيْنَهُمَا
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْكِنَايَاتِ نَحْوَ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَتَّةٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَالْكِنَايَةُ أَصْلُهَا مَا فِيهِ خَفَاءٌ وَمِنْهُ الْكِنُّ لِإِخْفَائِهِ الْأَجْسَامَ وَمَا يُوضَعُ فِيهِ) ، قُلْت هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ الْمُسَمَّى عِنْدَ النُّحَاةِ بِالِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ مُحَقِّقِيهِمْ وَمَا أَرَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَصِحُّ عِنْدَ مَنْ صَحَّحَهُ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ ثَالِثَ حُرُوفِهَا يَاءٌ أَوْ وَاوٌ وَالْكِنُّ ثَالِثُ حُرُوفِهِ نُونٌ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ إبْدَالَ النُّونِ وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (فَالْكِنَايَةُ هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لُغَةً إلَى قَوْلِهِ مِنْ السِّجْنِ) ، قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ، بَلْ لِإِزَالَةِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ خَاصَّةً وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يُقَالُ لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَوَجْهٌ طَلْقٌ إشَارَةٌ إلَى الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ كَمَا سَبَقَ.
قَالَ (قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ إلَى قَوْلِهِ وَأَنَا طَالِقٌ مِنْك) ، قُلْت مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ صَحِيحٌ وَهُوَ الصَّرِيحُ وَمَا قَالَ شِهَابُ الدِّينِ بَعْدُ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تِلْكَ الْآفَةُ عَنْ التِّسْعَةِ أَوْ أَخَّرَتْهُ عَنْ السَّبْعَةِ وَاَلَّذِي بِهِ آفَةٌ لَا يَعِيشُ فَالْمَوْلُودُ لِثَمَانِيَةٍ لَا يَعِيشُ هَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْعَامُّ وَالْعَادَةُ الْغَالِبَةُ قَالُوا وَقَدْ يَحْصُلُ عَارِضٌ إمَّا مِنْ جِهَةِ الْمَنِيِّ فِي مِزَاجِهِ وَبَرْدِهِ وَيَبَسِهِ وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الرَّحِمِ فِي بَرْدِهِ أَوْ هَيْئَةٍ فِيهِ تَمْنَعُ مِنْ جَرَيَانِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَيَقْعُدُ الْوَلَدُ إلَى اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَقَالَ الْفُقَهَاءُ وَالْمُؤَرِّخُونَ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْعَارِضَةُ قَدْ تُؤَخِّرُ الْوَلَدَ إلَى سَنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ أَوْ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ وَهُوَ مَشْهُورُ قَوْلِ الشَّافِعِيَّةِ أَوْ إلَى خَمْسِ سِنِينَ وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ وَوَقَعَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ ﵄ إلَى سَبْعَةٍ قَالَ صَاحِبُ الِاسْتِقْصَاءِ وَلَدَتْ امْرَأَةٌ بِوَاسِطَ لِسَبْعِ سِنِينَ وَلَدًا لَهُ وَفْرَةٌ مِنْ الشَّعْرِ فَجَاءَ عِنْدَ الْوِلَادَةِ بِجَنْبِهِ طَائِرٌ فَقَالَ لَهُ كِشْ، وَقَالَ مَالِكٌ إنَّ امْرَأَةَ الْعَجْلَانِيِّ دَائِمًا لَا تَضَعُ إلَّا لِخَمْسِ سِنِينَ وَهَذَا مِنْ الْعَوَارِضِ النَّادِرَةِ الْغَرِيبَةِ فِي هَذِهِ الْمَحَالِّ وَالْغَالِبُ هُوَ الْأَوَّلُ. اهـ
كَلَامُ الشِّهَابِ وَوَجْهُ عَدَمِ اعْتِبَارِ مَا حَكَاهُ عَنْ الْأَطِبَّاءِ هُوَ أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا عَلَى مُقْتَضَى الْحِسِّ مُخَالِفٌ لِمُقْتَضَى الْآيَةِ وَمُقْتَضَى الشَّرْعِ مُقَدَّمٌ وَلَا تَضُرُّ مُخَالَفَتُهُ لِمُقْتَضَى الْحِسِّ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ إبْطَالُ مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ مِنْ ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا نُطْفَةً ثُمَّ أَرْبَعِينَ عَلَقَةً ثُمَّ أَرْبَعِينَ مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ الْحَرَكَةَ فِي جَمِيعِ الْأَجِنَّةِ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالْوَضْعَ لِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَهُوَ يَقْتَضِي تَكْذِيبَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ وَلَا حَاجَةَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِأَنْ يُقَالَ إنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْأَطْوَارِ الثَّلَاثَةِ تَقْرِيبًا فَإِنَّ الْأَرْبَعِينَ تَقْرُبُ مِنْ الثَّلَاثِينَ وَالْخَمْسَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْخَمْسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ وَهِيَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَطْوَارِ مُتَوَسِّطَةٌ تَكَادُ تَشْتَمِلُ عَلَى الْجَمِيعِ بِتَوَسُّطِهَا وَدَعْوَى أَنَّ كَوْنَ الْحَرَكَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالْوَضْعِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا وَإِنْ كَانَ صُورَةً وَاقِعَةً صَحِيحَةً غَيْرَ أَنَّهَا نَادِرَةٌ.
وَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى النَّادِرِ خِلَافُ الظَّاهِرِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ نَظَرًا لِأَنَّ الْمُبَاشِرَ لِصُوَرِ التَّخْلِيقِ وَالتَّحَرُّكِ وَالْوَضْعِ الْمُتَقَدِّمِ تَقْدِيرُهُ مُشَرِّحُونَ كَانُوا يُشَرِّحُونَ الْحَبَالَى وَيَشُقُّونَ أَجْوَافَهُمْ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَيَطَّلِعُونَ عَلَى ذَلِكَ حِسًّا وَعِيَانًا وَالْحِسُّ يُؤَوَّلُ لِأَجْلِهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ قَوْلَهُ ﵇ يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ صِيغَةٌ مُطْلَقَةٌ لَا عُمُومَ فِيهَا فَيَتَأَدَّى بِصُورَةٍ وَقَدْ وَقَعَتْ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ وَحَصَلَ الْوَضْعُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَحَصَلَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَصَدَقَ الْخَبَرُ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْعُدُولِ بِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ دَعْوَى غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ فَإِنَّ
стр. 612
أَوْ بَتْلَةٌ أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ كَالْمَيِّتَةِ أَوْ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ الْفِرَاقُ أَوْ السَّرَاحُ أَوْ اعْتَدِّي وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ فَالْخَلِيَّةُ الْفَارِغَةُ وَالْفَرَاغُ حَقِيقَةٌ فِي خُلُوِّ جِسْمٍ مِنْ جِسْمِ فَشَبَّهَ بِهِ خُلُوَّ الْمَرْأَةِ مِنْ عِصْمَةِ النِّكَاحِ وَالْبَرِيَّةُ مِنْ الْبَرَاءَةِ وَهُوَ مُطْلَقُ السَّلْبِ كَيْفَ كَانَ الْمَسْلُوبُ وَالْبَائِنُ مِنْ الْبَيْنِ وَهُوَ الْبُعْدُ بَيْنَ الْأَجْسَامِ وَيُقَالُ فِي الْمَعَانِي بَوْنٌ لَا بَيْنٌ شَبَّهَ الْبُعْدَ مِنْ الْعِصْمَةِ بِالْبُعْدِ بَيْنَ الْجِسْمَيْنِ وَالْبَتُّ الْقَطْعُ فِي جِسْمٍ شَبَّهَ بِهِ قَطْعَ الْعِصْمَةِ، وَكَذَلِكَ الْبَتْلَةُ وَمِنْهُ فَاطِمَةُ الْبَتُولُ ﵂ لِانْقِطَاعِهَا فِي الشَّرَفِ عَنْ النِّسَاءِ، وَقِيلَ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ الْأَزْوَاجِ إلَّا عَلِيًّا ﵁ وَمِنْهُ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك؛ لِأَنَّ عَادَةَ الدَّابَّةِ فِي الرَّعْيِ إذَا أَمْسَكَ صَاحِبُهَا حَبْلَهَا لَا تَتَهَنَّى فِي الرَّعْيِ لِتَوَهُّمِهَا أَنَّهُ يَجُرُّهَا بِهِ.
وَإِذَا أَرَادَ تَهْنِئَتَهَا بِالرَّعْيِ أَلْقَى حَبْلَهَا عَلَى كَتِفِهَا وَهُوَ غَارِبُهَا فَتَطْمَئِنُّ حِينَئِذٍ فَشَبَّهَ بِهِ طَلَاقَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى مُخْلَاةً لِنَفْسِهَا، وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي وَمَا لَيْسَ فِي عَلَاقَةٍ قَرِيبَةٍ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ مَجَازًا وَيُسَمَّى مَجَازَ التَّعْقِيدِ إذَا اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاقَةِ الْبَعِيدَةِ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى مَنْعِهِ كَقَوْلِهِ تَزَوَّجْت بِنْتَ الْأَمِيرِ وَيُفَسِّرُ ذَلِكَ بِرُؤْيَتِهِ لِوَالِدِ عَاقِدِ الْأَنْكِحَةِ بِالْمَدِينَةِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مِنْ لَوَازِمِهِ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ مُبِيحُهُ؛ وَالْعَقْدُ مِنْ لَوَازِمِهِ الْعَاقِدُ لِأَنَّهُ فَاعِلُهُ؛ وَالْعَاقِدُ مِنْ لَوَازِمِهِ أَبُوهُ لِأَنَّهُ وَلَدُهُ فَهَذَا الْقِسْمُ وَمَا لَيْسَ فِيهِ عَلَاقَةُ الْبَتَّةِ لَا قَرِيبَةً وَلَا بَعِيدَةً هُوَ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ اسْقِنِي الْمَاءَ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ فَالْمَشْهُورُ لُزُومُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي تَعْلِيلِهِ فَقِيلَ هُوَ الطَّلَاقُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ، بَلْ بِاللَّفْظِ كَأَنَّ الْمُسْتَعْمِلَ وَضَعَهُ الْآنَ لِلطَّلَاقِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ إنْشَاءَ الْوَضْعِ لَا نَجِدُهُ يَخْطِرُ بِبَالِ النَّاسِ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ، وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّيَّةِ لَا يَلْزَمُ وَاللَّفْظَ لَا يَصْلُحُ وَتَحْتَاجُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللُّغَاتِ هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ أَوْ اصْطِلَاحِيَّةٌ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّوْقِيفِ وَأَنَّ اللُّغَاتِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَتَحْتَاجُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ اللُّغَاتِ هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ أَوْ اصْطِلَاحِيَّةٌ إلَى قَوْلِهِ قَالَا وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ اللُّغَاتِ اصْطِلَاحِيَّةٌ جَازَ جَمِيعُ ذَلِكَ) ، قُلْت لَا أَدْرِي مَا دَلِيلُهُمَا عَلَى الْمَنْعِ مِنْ وَضْعِ لَفْظِ اسْقِنِي الْمَاءَ لِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِاسْتِدْعَاءِ سَقْيِ الْمَاءِ بِوَضْعِ اللَّهِ تَعَالَى
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُشَرِّحِينَ الْمَذْكُورِينَ قَوْمٌ كُفَّارٌ لَا عِبْرَةَ بِقَوْلِهِمْ فِي الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ فَلَا يَنْبَنِي عَلَى قَوْلِهِمْ لُحُوقُ الْوَلَدِ وَعَدَمُ لُحُوقِهِ حَتَّى يُقَالَ إنْ كَانَ الْوَلَدُ قَدْ وُلِدَ تَامًّا فَلَا يَتِمُّ بَعْدَ الْوَطْءِ إلَّا فِي سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ مِنْهَا أَمَّا أَقَلُّ فَلَا وَإِذَا لَمْ تَلِدْهُ تَامًّا نُظِرَتْ نِسْبَةُ تِلْكَ الْمُدَّةِ لِذَلِكَ التَّخَلُّقِ فَإِنْ كَانَتْ الْمُدَّةُ تَصْلُحُ لَهُ أَلْحَقَتْهُ بِالْوَاطِئِ.
وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لَهُ لَمْ يَلْحَقْ فَقَدْ يَلْحَقُ بِهِ لِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مَثَلًا إذَا كَانَتْ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ تَصْلُحُ لِذَلِكَ التَّخَلُّقِ وَقَبُولُ قَوْلِ الْكَافِرِ فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي فِي الْفَرْقِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأُمُورِ الْغَائِبَةِ مِنْ الطِّبِّيَّاتِ وَالْجِرَاحَاتِ وَكُلِّ مَا هُوَ عِلْمُهُمْ وَدِرَايَتُهُمْ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ لَا الشَّهَادَةِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ فِي مَوَاطِنِ إلْجَاءِ الضَّرُورَةِ إلَى قَبُولِ قَوْلِهِمْ وَلَيْسَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ لُحُوقِ الْوَلَدِ مِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ لِأَنَّ الْآيَةَ يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا تَعْيِينَ الْمُدَّةِ الَّتِي يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ تَكْذِيبَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ كَمَا عَلِمْت. اهـ
كَلَامَ ابْنِ الشَّاطِّ بِتَوْضِيحٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّاطِّ اعْتَبَرَ ظَاهِرَ الْآيَةِ وَظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَبَنَى عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ الْوَاطِئَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِدًا وَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ مُقْتَضَى الْحِسِّ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ لَا يُقَدَّمُ عَلَى مُقْتَضَى ظَاهِرِ الشَّرْعِ إذْ لَا تَضُرُّ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ لِمُقْتَضَى الْحِسِّ
(الثَّانِي) أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ أَمْرِ لُحُوقِ الْوَلَدِ لَيْسَ مِنْ مَوَاطِنِ إلْجَاءِ الضَّرُورَةِ إلَى قَبُولِ أَقْوَالِ الْكُفَّارِ حَتَّى يُقْبَلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُشَرِّحِينَ مِنْ الْأَطِبَّاءِ الْكُفَّارِ وَالْعَلَّامَةُ الشِّهَابُ اعْتَبَرَ مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبَّاءُ نَظَرًا لِكَوْنِهِمْ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا قَدْ شَرَّحُوا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ مِنْ الْحَبَالَى وَشَقُّوا أَجْوَافَهُمْ وَاطَّلَعُوا عَلَى ذَلِكَ حِسًّا وَعِيَانًا وَقَوْلُ الْفُقَهَاءِ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْكُفَّارِ وَلَا شَهَادَتُهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّهَادَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ قَضَايَا الْحُكَّامِ أَمَّا مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطِّبِّيَّاتِ وَالْجِرَاحَاتِ وَالْأُمُورِ الَّتِي هِيَ عِلْمُهُمْ وَدِرَايَتُهُمْ فَقَدْ لِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ قَوْلٌ عَلَى قَوْلِ الْكَافِرِ فِي ذَلِكَ وَيُثَرِّبُ عَلَيْهِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ كَمَا مَرَّ فِي الْفَرْقِ الْأَوَّلِ وَبَنَى عَلَيْهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ الْوَاطِئَ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ حَيْثُ لَمْ تَلِدْهُ تَامًّا فِي مُدَّةٍ تَصْلُحُ لِلتَّخَلُّقِ الَّذِي وُلِدَ عَلَيْهِ وَأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ مَحْمُولٌ عَلَى صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الْغَالِبَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْأَطِبَّاءُ وَأَمَّا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَإِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ غَيْرِ الْغَالِبَةِ وَإِنْ كَانَتْ نَادِرَةً لِيَحْصُلَ مُقْتَضَاهُ وَتَصْدُقُ صِيغَةُ إطْلَاقِهِ بِصُورَةٍ مَا بِلَا احْتِيَاجٍ إلَى الْعُدُولِ بِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْأَطْوَارِ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى الْغَائِبِ لَا عَلَى النَّادِرِ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَنُظِرَ فِي ذَلِكَ إلَى أَنَّ الْحِسَّ
стр. 613
وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَضَعَ لَفْظًا لِمَعْنًى أَلْبَتَّةَ، بَلْ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضَعَ لَفْظَ السَّقْيِ أَوْ الْأَكْلِ أَوْ غَيْرَهُمَا لِلطَّلَاقِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُقَ أَلْفًا وَيُعَبِّرَ عَنْهُ بِأَلْفَيْنِ لِلتَّجَمُّلِ بَيْنَ النَّاسِ كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ الْغَزَالِيُّ فِي مَسْأَلَةِ الصَّدَاقِ فِي كِتَابِهِ الْبَسِيطِ قَالَ.
وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ اللُّغَاتِ اصْطِلَاحِيَّةٌ جَازَ جَمِيعُ ذَلِكَ وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ عَدَمَ الْجَزْمِ بِالتَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ جَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يُعَبَّرَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ أَوْ أَيِّ لَفْظٍ كَانَ عَنْ الطَّلَاقِ إمَّا وَضْعًا لِلطَّلَاقِ وَإِمَّا تَعْبِيرًا مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ وَلَا يَكُونُ هَذَا التَّعْبِيرُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا، وَقَدْ نَصَّ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ فِي اسْتِعْمَالِهِ قَدْ يُعَرَّى عَنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَمَثَّلُوهُ بِالتَّعْبِيرِ عَنْ الْأَرْضِ بِالسَّمَاءِ وَبِالسَّمَاءِ عَنْ الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا أَطْلَقَ الْمُسْتَعْمِلُ لَفْظَ الْأَكْلِ وَأَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ وَغَايَتُهُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ كَلَامًا عَرَبِيًّا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ عَدَمَ الْجَزْمِ بِالتَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ جَوَّزَ مَالِكٌ أَنْ يُعَبَّرَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ أَوْ أَيِّ لَفْظٍ كَانَ عَنْ الطَّلَاقِ إمَّا وَضْعًا لِلطَّلَاقِ وَإِمَّا تَعْبِيرًا مِنْ غَيْرِ وَضْعٍ) ، قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ كَوْنِ مَالِكٍ إنَّمَا جَوَّزَ التَّعْبِيرَ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ عَنْ الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الْمُحَقِّقِينَ مَذْهَبُهُمْ عَدَمُ الْجَزْمِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَيْسَ بِالْبَيِّنِ، بَلْ اللَّائِقُ بِتَحَرِّي مَالِكٍ وَاحْتِيَاطِهِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ بِنَائِهِ عَلَى عَدَمِ الْجَزْمِ أَنْ لَا يُجَوِّزَ التَّعْبِيرَ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُتَوَقَّفَ، وَأَمَّا أَنْ يُجَوِّزَ بِنَاءَهُ عَلَى عَدَمِ الْجَزْمِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ لَا أَرَاهُ صَحِيحًا.
وَالصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَالِكًا وَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَلَمْ يَقُمْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ أَوْ جَزَمَ بِأَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ أَوْ جَزَمَ بِأَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُمْ عِنْدَهُ دَلِيلُ الْمَنْعِ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وَضَعَهُ اللَّهُ إذْ لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِهَا تَوْقِيفِيَّةً أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ وَضْعِنَا إيَّاهَا لِمَعْنًى غَيْرِ مَا لَهُ وَضْعُهَا وَلَا مِنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي ذَلِكَ، بَلْ مَعْنَى كَوْنِهَا تَوْقِيفِيَّةً أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا لِمَعَانِيهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَنَا مِنْ وَضْعِ كُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا لِغَيْرِ مَا وَضَعَهُ لَهُ أَوْ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ النَّقْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَلَا يَكُونُ هَذَا التَّعْبِيرُ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلطَّلَاقِ) ، قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ بَعْدَهُ صَحِيحٌ أَيْضًا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يُؤَوَّلُ لِأَجْلِهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ قِيَافَتِهِ ﵇ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ قِيَافَةِ الْمُدْلِجِيِّينَ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ قِيَافَتِهِ ﵇ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ قِيَافَةِ الْمُدْلِجِينَ)
وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ اللِّعَانِ الْمَشْهُورُ «لَمَّا لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ وَامْرَأَتِهِ وَكَانَتْ حَامِلًا إنْ جَاءَتْ بِهِ أَحْمَرَ قَصِيرًا كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أَرَاهَا إلَّا قَدْ صَدَقَتْ وَكَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ أَعْيَنَ ذَا أَلْيَتَيْنِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى الْمَكْرُوهِ مِنْ ذَلِكَ» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الْبُخَارِيِّ «كَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصْفَرًّا قَلِيلَ اللَّحْمِ سَبْطَ الشَّعْرِ وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَ أَهْلِهِ خَدْلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحْمِ جَعْدًا قَطَطًا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ بَيِّنْ فَجَاءَتْ بِهِ شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوْجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِنْدَهَا» وَالْوَحَرَةُ: بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ دُوَيْبَّةٌ حَمْرَاءُ تَلْصَقُ بِالْأَرْضِ. وَالْأَعْيَنُ: الْوَاسِعُ الْعَيْنَيْنِ: وَالْآدَمُ: الشَّدِيدُ الْأُدْمَةِ وَهِيَ سُمْرَةٌ بِحُمْرَةٍ.
وَالْخَدْلُ: الْكَثِيرُ اللَّحْمِ فِي السَّاقَيْنِ يُقَالُ رَجُلٌ خَدْلٌ وَامْرَأَةٌ خَدْلَاءُ. وَالْقَطَطُ الشَّدِيدُ: الْجُعُودَةِ كَشُعُورِ السُّودَانِ فَهَذَا الْحَدِيثُ كَالْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي الصَّحِيحِ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ ﵂ لَمَّا قَالَتْ أَوَ تَجِدُ الْمَرْأَةُ مَا يَجِدُ الرَّجُلُ يَعْنِي مِنْ إنْزَالِ الْمَنِيِّ وَاللَّذَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْغُسْلِ فَقَالَ لَهَا ﵇ تَرِبَتْ يَدَاك وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» يَقْتَضِي أَنَّ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ وَمَنِيَّ الرَّجُلِ يُحْدِثُ شَبَهًا فِي الْوَلَدِ بِالْأَبَوَيْنِ فَيَأْتِي فِي الْخِلْقَةِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْمَحَاسِنِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَنْسَابِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى عَلَى خِلْقَةٍ مَخْصُوصَةٍ أَنَّهَا تُوجِبُ أَنَّهُ مِنْ وَاطِئٍ مَخْصُوصٍ وَأَنَّهُ يُوجِبُ النَّسَبَ إنْ جَاءَتْ بِهِ يُشْبِهُ صَاحِبَ الْفِرَاشِ وَجَاءَ فِي مُسْلِمٍ أَنَّ «عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا فَقَالَ يَا عَائِشَةُ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» وَسَبَبُ سُرُورِهِ ﷺ كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُد وَهُوَ عِلْمُهُ بِذَلِكَ ﷺ بِتَرْكِ الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ ذَلِكَ الطَّعْنِ عَلَى زَيْدٍ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ وَابْنُهُ أُسَامَةُ كَانَ شَدِيدَ السَّوَادِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُسَرُّ إلَّا بِسَبَبٍ حَقٍّ فَتَكُونُ الْقِيَافَةُ حَقًّا فَالْقَافَةُ كَمَا تَثْبُتُ بِحَدِيثِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ كَذَلِكَ تَثْبُتُ بِحَدِيثِ اللِّعَانِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ بَلْ ثُبُوتُهَا بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ أَوْلَى ضَرُورَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -
стр. 614
لَيْسَ عَرَبِيًّا أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقًا بِالنَّصْبِ أَوْ الْخَفْضِ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا عَرَبِيًّا وَمَعَ ذَلِكَ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا إذَا تَحَرَّرَ هَذَا ظَهَرَ أَنَّ اللَّفْظَ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا، وَقَدْ يَكُونُ كِنَايَةً، وَقَدْ يَعْرَى عَنْهُمَا إذَا فُقِدَتْ الْعَلَاقَةُ فِيهِ وَهُوَ غَيْرُ مَوْضُوعٍ لِلطَّلَاقِ، ثُمَّ الْكِنَايَةُ تَنْقَسِمُ إلَى مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعُرْفِ فِي الطَّلَاقِ فَيُلْحِقُهُ بِالصَّرِيحِ فِي اسْتِغْنَائِهِ عَنْ النِّيَّةِ قَالَ فِي الْكِتَابِ كَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَجُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ إلَى قَوْلِهِ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ لِقِيَامِ الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ مَقَامَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَالنِّيَّةُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا لِتَمْيِيزِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ عَنْ غَيْرِ الْمُرَادِ فِي اللَّفْظِ الْمُتَرَدِّدِ أَمَّا مَا هُوَ صَرِيحٌ بِوَضْعٍ لُغَوِيٍّ أَوْ عُرْفِيٍّ فَيَنْصَرِفُ بِصَرَاحَتِهِ لِمَا وُضِعَ لَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى نِيَّةٍ وَمَا لَمْ يَغْلِبْ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ الْكِنَايَاتِ فَهُوَ مَجَازٌ عَلَى أَصْلِهِ وَالْمَجَازُ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ النَّاقِلَةِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَلَمْ يَنْسَخْهَا عُرْفٌ.
وَاللَّفْظُ يَنْصَرِفُ إلَيْهَا بِصَرَاحَةٍ، ثُمَّ الْمَنْقُولُ مِنْ الْكِنَايَاتِ قَدْ يَنْتَقِلُ لِأَصْلِ الطَّلَاقِ فَقَطْ فَيَصِيرُ فِي الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ مِثْلَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي اللُّغَةِ فَيَلْزَمُ بِهَذِهِ الْكِنَايَةِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَقَدْ يَنْتَقِلُ لِأَصْلِ الطَّلَاقِ مَعَ الْبَيْنُونَةِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ فَيَلْزَمُ بِهِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُسَمَّاهُ الْعُرْفِيُّ، وَقَدْ يَنْتَقِلُ لِلطَّلَاقِ وَالْبَيْنُونَةِ مَعَ وَصْفِ الْعَدَدِ الثَّلَاثِ وَيَصِيرُ النُّطْقُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ عُرْفًا كَالنُّطْقِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لُغَةً، ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الثَّلَاثِ غَالِبًا وَفِي الثَّلَاثِ نَادِرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقْصِدُ الِاحْتِيَاطَ فَيُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلْهُ عَلَى الْغَالِبِ فَيَلْزَمُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَحَيْثُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ فَلِاخْتِلَافِهِمْ فِي الضَّوَابِطِ هَلْ وُجِدَتْ أَمْ لَا وَإِلَّا فَكُلُّ مَنْ سَلَّمَ ضَابِطًا سُلِّمَ حُكْمُهُ وَيَكُونُ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ مَنْ صَادَفَ الضَّابِطَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالضَّعِيفُ الْفِقْهِ مَنْ تَوَهَّمَ وُجُودَهُ أَوْ عَدَمَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَعَلَى الْفَقِيهِ اسْتِيفَاءُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرَامِ فَمِنْ قَائِلٍ لَمْ يَحْصُلْ فِيهَا نَقْلٌ أَلْبَتَّةَ فَهِيَ كَذِبٌ فَلَا يَلْزَمُ بِهَا شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ حَصَلَ فِيهَا النَّقْلُ وَلَكِنَّ الْأَصْلَ الطَّلَاقُ فَيَلْزَمُ بِهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَمِنْ قَائِلٍ يَقُولُ حَصَلَ فِيهَا النَّقْلُ لِلطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ تَتَخَرَّجُ جَمِيعُ الصِّيَغِ هَذَا تَلْخِيصُ مَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ
(تَنْبِيهٌ) الطَّلَاقُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ
(تَنْبِيهٌ الطَّلَاقُ لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَى قَوْلِهِ؛ وَلِأَنَّا عِنْدَ سَمَاعِ طَالِقٍ لَا نَفْهَمُ انْتِفَاءَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ صَرَّحَ بِالْقِيَافَةِ وَصَدَرَتْ عَنْهُ ﷺ قَوْلًا وَفِعْلًا وَفِي حَدِيثِ الْمُدْلِجِيِّ إنَّمَا صَدَرَ مِنْهُ ﷺ الْإِقْرَارُ عَلَى مَا قَالَهُ الْمُدْلِجِيُّ وَأَيْنَ إقْرَارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْلِ رَجُلٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ مُعَرَّضٍ لِلصَّوَابِ وَالْخَطَأِ مِمَّا فَعَلَهُ هُوَ بِنَفْسِهِ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ﷺ وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْ الْخَطَأِ وَمَعَ هَذَا فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ لَمَّا قَالَا بِالْقَافَةِ فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ وَخَصَّصَهُ مَالِكٌ فِي مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ بِالْإِمَاءِ دُونَ الْحَرَائِرِ مُخَالِفَيْنِ لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْقَافَةِ أَصْلًا فِي صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ لِأَنَّهُ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ وَالْحَزْرُ وَالتَّخْمِينُ كَالِاعْتِمَادِ عَلَى النُّجُومِ وَعَلَى عِلْمِ الرَّمْلِ وَالْفَأْلِ وَالزَّجْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ لَا يَجُوزُ وَالْكُبْرَى لَا شَكَّ فِي ظُهُورِهَا.
وَدَلِيلُ الصُّغْرَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْخَلْقِ عَلَى الْأَنْسَابِ اسْتِدْلَالٌ بِمَا لَمْ يَطَّرِدْ وَلَمْ يَنْعَكِسْ إذْ مَعَ طُولِ الْأَيَّامِ قَدْ يُولَدُ لِلشَّخْصَيْنِ مَنْ لَا يُشْبِهُهُمَا فِي خَلْقٍ وَلَا فِي خُلُقٍ أَلَا تَرَى إلَى «قَوْلِهِ ﵇ لِلَّذِي أَنْكَرَ وَلَدَهُ مِنْ لَوْنِهِ لَعَلَّهُ عِرْقٌ نَزَعَ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا أَلْوَانُهَا قَالَ بِيضٌ قَالَ هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمِنْ أَيْنَ ذَلِكَ الْأَوْرَقُ قَالَ لَعَلَّهُ عِرْقٌ نَزَعَ قَالَ لَهُ ﵇ لَعَلَّهُ عِرْقٌ نَزَعَ» يُشِيرُ إلَى أَنَّ صِفَاتِ الْأَجْدَادِ وَأَجْدَادِ الْأَجْدَادِ وَالْجَدَّاتِ قَدْ تَظْهَرُ فِي الْأَبْنَاءِ فَيَأْتِي الْوَلَدُ يُشْبِهُ غَيْرَ أَبَوَيْهِ وَقَدْ يَأْتِي الْوَلَدُ يُشْبِهُ أَبَوَيْهِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْهُمَا لِأَنَّ الْوَاطِئَ الزَّانِيَ بِأُمِّهِ كَانَ يُشْبِهُ أَبَاهُ وَجَدًّا مِنْ أَجْدَادِهِ أَوْ خَالًا مِنْ أَخْوَالِهِ يُشْبِهُ أَبَاهُ الَّذِي أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِهِ وَلَيْسَ هُوَ بِأَبٍ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالِاسْتِدْلَالُ بِمَا لَمْ يَطَّرِدْ وَلَمْ يَنْعَكِسْ مِنْ بَابِ الْحَزْرِ وَالتَّخْمِينِ الْبَعِيدِ فَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لَمْ يَحْتَجَّا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي ثُبُوتِ الْقَافَةِ بِحَدِيثِ اللِّعَانِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ بَلْ إنَّمَا احْتَجَّا بِحَدِيثِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فَعَدَلَا عَنْ مُدْرَكٍ فِي غَايَةِ الْقُوَّةِ وَالشُّهْرَةِ إلَى مَا هُوَ أَضْعَفُ بِكَثِيرٍ بَلْ لَمْ يُعَرِّجْ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ بِصِحَّةِ الْقِيَافَةِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْقَوِيِّ أَلْبَتَّةَ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِمُوجِبٍ حَسَنٍ هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وُفُورِ الْعَقْلِ وَصَفَاءِ الذِّهْنِ وَجَوْدَةِ الْفِرَاسَةِ أَمْرًا عَظِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أُمَّتِهِ فِي ذَلِكَ فَرْقٌ لَا يُدَانَى وَلَا يُقَارَبُ وَكَذَلِكَ فِي حَوَاسِّهِ وَقُوَى جَسَدِهِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِهِ فَكَانَ يَرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَيَرَى فِي الثُّرَيَّا أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَنَحْنُ لَا نَرَى فِيهَا إلَّا سِتَّةً فَلَوْ اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ بِقِيَافَتِهِ ﵇ لَمْ تَقُمْ الْحُجَّةُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ إذْ كَانَ لَهُ
стр. 615
لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمُطْلَقُ الْقَيْدِ أَعَمُّ مِنْ قَيْدِ النِّكَاحِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الدَّالَّ عَلَى إزَالَةِ الْأَعَمِّ دَالٌّ عَلَى إزَالَةِ الْأَخَصِّ بِالِالْتِزَامِ لَا بِاللَّفْظِ، فَلَيْسَ الطَّلَاقُ مَوْضُوعًا لِإِزَالَةِ خُصُوصِ قَيْدِ النِّكَاحِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْفُقَهَاءِ.
بَلْ التَّحْقِيقُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الطَّلَاقَ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ يَعْنِي أَيَّ قَيْدٍ كَانَ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ كُلِّ قَيْدٍ حَتَّى يَنْدَرِجَ فِيهِ قَيْدٌ النِّكَاحِ، وَإِذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِأَيِّ قَيْدٍ كَانَ مِنْ غَيْرِ عُمُومٍ فَيُصَدَّقُ أَنَّهَا طَالِقٌ بِاعْتِبَارِ قَيْدِ الْحَدِيدِ وَإِنْ بَقِيَتْ فِي الْعِصْمَةِ لِأَنَّ طَالِقٌ اسْمُ فَاعِلٍ وَاسْمَ الْفَاعِلِ يَكْفِي فِيهِ فَرْدٌ وَاحِدٌ مِنْ الْمُسَمَّى الَّذِي اُشْتُقَّ مِنْهُ فَلَا يَدُلُّ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى إزَالَةِ الْعِصْمَةِ مُطَابَقَةً وَلَا الْتِزَامًا، بَلْ لَا إشْعَارَ لَهُ بِهِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ أَلْبَتَّةَ وَوِزَانُ الطَّلَاقِ الْخُرُوجُ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا انْتِقَالٌ مِنْ إحَاطَةٍ فَكَمَا أَنَّ الْخُرُوجَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا بِأَيِّ فَرْدٍ كَانَ فَيَصْدُقُ أَنَّهَا خَارِجَةٌ بِاعْتِبَارِ حَيِّزٍ مُعَيَّنٍ وَإِنْ بَقِيَتْ فِي غَيْرِهِ كَذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا طَالِقٌ بِاعْتِبَارِ قَيْدٍ مُعَيَّنٍ.
وَإِنْ بَقِيَتْ فِي غَيْرِهِ نَعَمْ لَوْ كَانَ طَالِقٌ مُفِيدَ الْعُمُومِ لَحَصَلَ مَقْصُودُ الْأَصْحَابِ أَوْ يُفِيدُ إزَالَةَ الْقَيْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ جَمِيعِ الْقُيُودِ حَتَّى يَلْزَمَ مِنْهُ انْتِفَاءُ كُلِّ قَيْدٍ حَصَلَ أَيْضًا، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمَا صَدَقَ عَلَى الْمُنْطَلِقَةِ مِنْ قَيْدِ الْحَدِيدِ أَوْ مِنْ طَلْقِ الْوَلَدِ أَنَّهَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَمْ يَحْصُلْ وَإِزَالَةُ الْمُشْتَرَكِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ كُلِّ قَيْدٍ لَمْ يَحْصُلْ لَكِنَّا نَجِدُ أَهْلَ اللُّغَةِ وَأَهْلَ الْعُرْفِ يَسْتَعْمِلُونَهُ بِاعْتِبَارِ قَيْدٍ مَخْصُوصٍ وَإِنْ بَقِيَتْ جَمِيعُ الْقُيُودِ فَيُقَالُ لِمَنْ طَلِقَتْ مِنْ وَلَدٍ طَالِقٌ وَمِنْ قَيْدِ الْحَدِيدِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَجَازِ؛ وَلِأَنَّ عِنْدَ سَمَاعِ طَالِقٌ لَا نَفْهَمُ انْتِفَاءَ كُلِّ قَيْدٍ أَلْبَتَّةَ، بَلْ قَيْدًا مَخْصُوصًا لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَلِهَذَا الْمُدْرَكِ لَمْ يَعْتَبِرْ ابْنُ الْقَصَّارِ خُصُوصَ لَفْظِ الطَّلَاقِ، بَلْ أَعْرَضَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
كُلِّ قَيْدٍ أَلْبَتَّةَ، بَلْ قَيْدًا مَخْصُوصًا لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا) ، قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا التَّنْبِيهِ فَاسِدٌ جِدًّا، بَلْ لَفْظُ طَالِقٍ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ لُغَةً، وَقَدْ تَقَدَّمَ الرَّدُّ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذَا فِي مِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ وَكُلُّ مَا ذَكَرَهُ فِي تَقْرِيرِ ذَلِكَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا غَيْرُ مَا اسْتَرْوَحَ مِنْ الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ (قَالَ وَلِهَذَا الْمُدْرَكِ لَمْ يَعْتَبِرْ ابْنُ الْقَصَّارِ خُصُوصَ لَفْظِ الطَّلَاقِ إلَى قَوْلِهِ وَاعْتُبِرَ مَا وُضِعَ فِي الْعُرْفِ لِإِزَالَةِ الْعِصْمَةِ) ، قُلْت لَا دَلِيلَ لَهُ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْقَصَّارِ اعْتَبَرَ مَا وُضِعَ فِي الْعُرْفِ لِإِزَالَةِ الْعِصْمَةِ بِنَاءً عَلَى مَا زَعَمَ، بَلْ إنَّمَا اعْتَبَرَ ذَلِكَ تَسْوِيَةً بَيْنَ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ وَذَلِكَ هُوَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنْ يَقُولَ إذَا صَحَّتْ الْقِيَافَةُ مِنْ تِلْكَ الْفِرَاسَةِ النَّبَوِيَّةِ الْقَوِيَّةِ الْمَعْصُومَةِ عَنْ الْخَطَأِ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ فِرَاسَةَ الْخَلْقِ الضَّعِيفَةِ تُدْرِكُ مِنْ الْخَلْقِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْأَنْسَابِ وَلَعَلَّهَا عَمْيَاءُ عَنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ لِقُصُورِهَا وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا إلَّا حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ بَاطِلٌ كَمَا أَنَّا عَمِينَا فِي بَقِيَّةِ كَوَاكِبِ الثُّرَيَّا لَا نُدْرِكُهَا أَلْبَتَّةَ لِضَعْفِنَا وَالْبَصَرِ وَكَيْفَ يَتَأَتَّى لَكُمْ مَا تَقْصِدُونَهُ بِهَذَا الِاسْتِدْلَالِ مِنْ ثُبُوتِ حُكْمِ الْقِيَافَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَإِذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ تَعَذَّرَ جَوَابُهُ وَبَطَلَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ أَمَّا إذَا اسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ عَلَيْهِ بِقَضِيَّةِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ فَقَدْ اسْتَدَلُّوا بِشَيْءٍ يُمْكِنُ وُجُودُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ يُمْكِنُ فِيهَا ذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْقَبِيلَةِ فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِذَلِكَ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْقِيَافَةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ اسْتِدْلَالًا صَحِيحًا بِخِلَافِ الْأَوَّلِ لِتَعَذُّرِ مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِثْلِ فِرَاسَتِهِ الْقَوِيَّةِ نَعَمْ بَحَثَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ بِوَجْهَيْنِ
(الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُرُورُهُ ﷺ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْجَاهِلِيَّةِ بِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا وَقَدْ يُؤَيِّدُ اللَّهُ الْحَقَّ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ وَبِمَا شَاءَ فَإِخْمَالُ الْبَاطِلِ وَدَحْضُهُ يُوجِبُ السُّرُورَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ
(الثَّانِي) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُرَّ بِوُجُودِ آيَةِ الرَّجْمِ فِي التَّوْرَاةِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ صِحَّتَهَا بَلْ لِقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ وَظُهُورِ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ فَلِمَ لَا يَكُونُ سُرُورُهُ ﷺ بِقَضِيَّةِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ كَذَلِكَ
(وَأَجَابَ) الْفُقَهَاءُ
(عَنْ الْأَوَّلِ) بِحَدِيثِ اللِّعَانِ وَحَدِيثِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِدَلَالَتِهَا عَلَى أَنَّهُ ﷺ قَدْ اسْتَدَلَّ الْخَلْقُ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ عَلَى الْأَنْسَابِ فَيَكُونُ ثُبُوتُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْخَلْقِ الْمُشَاهَدِ أَوْلَى ضَرُورَةَ أَنَّ الْحِسَّ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاسِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَثْبَتَ هَذَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي صُورَةٍ لَيْسَ فِيهَا غَرَضٌ لِلْمُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَاعِدَةَ حَقٌّ فِي نَفْسِهَا وَأَنَّ سُرُورَهُ ﵇ لَمْ يَكُنْ إلَّا بِحَقٍّ لَا لِأَجْلِ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ
(وَعَنْ الثَّانِي) بِأَنَّ رَجْمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودِيَّيْنِ بَيِّنٌ إنَّمَا كَانَ بِوَحْيٍ وَصَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّوْرَاةِ فِي آيَةِ الرَّجْمِ وَتَجْوِيزِ أَنَّهَا مِنْ الْمُحَرَّفَاتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إخْبَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ آيَةَ الرَّجْمِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ صَحِيحًا لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ إنَّمَا أَخْبَرَ بِأَنَّهُ رَآهَا مَكْتُوبَةً فِي نُسَخِ التَّوْرَاةِ وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهَا مَرْوِيَّةٌ عِنْدَهُ بِالطَّرِيقِ الصَّحِيحِ إلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي النُّسَخِ شَيْءٌ مَكْتُوبٌ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مِنَّا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ وَجَدَ فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ
стр. 616
عَنْ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَاعْتَبَرَ مَا وُضِعَ فِي الْعُرْفِ لِإِزَالَةِ الْعِصْمَةِ وَإِلَيْهِ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُرُودِ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَصِيرَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ فَإِنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ يَرِدُ بِالْكِنَايَاتِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ كَمَا يَرِدُ بِالْحَقَائِقِ وَالْمَجَازِ كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى جِدًّا وَيُعْتَمَدُ فِي حُكْمِهِ عَلَى الْقَرَائِنِ وَالتَّصْرِيحُ بِالْمُرَادِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلِيقُ أَنْ يُجْعَلَ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ كَانَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي وَرَدَ فِيهِ وَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ الْوُرُودِ عَلَى الصَّرَاحَةِ وَالْوَضْعِ نَعَمْ يَحْسُنُ الِاسْتِدْلَال بِالْوُرُودِ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ.
أَمَّا الْوَضْعُ فَلَا فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُدْرَكَ هُوَ الِاشْتِهَارُ الْعُرْفِيُّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الِانْطِلَاقُ صَرِيحًا.
وَإِنْ كَانَ فِيهِ الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ وَفِيهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الشَّأْنُ فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا فِي اللُّغَةِ لِمَعْنًى وَكَانَ لَفْظٌ آخَرُ فِيهَا مَوْضُوعًا فِيهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، ثُمَّ صَارَ فِي الْعُرْفِ مَنْقُولًا لَهُ فَلَا فَرْقَ فَإِنَّ النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ كَالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ وَيَصِيرُ إذْ ذَاكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَصِرْ اللَّفْظُ الثَّانِي مَنْقُولًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَلَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ وَالتَّجَوُّزِ فَهَا هُنَا يَكُونُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ يَكُونُ الْأَوَّلُ صَرِيحًا وَالثَّانِي كِنَايَةً فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ الْمُعَيِّنَةِ لَهُ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَإِلَيْهِ جَنَحَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَكِنْ يَرُدُّ عَلَى الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُرُودِ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَصِيرَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ) ، قُلْت بَلْ إذَا وَرَدَ شَيْءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ.
قَالَ (فَإِنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ يَرِدُ بِالْكِنَايَاتِ إلَى قَوْلِهِ نَعَمْ يَحْصُلُ الِاسْتِدْلَال بِالْوُرُودِ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ أَمَّا الْوَضْعُ فَلَا) ، قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ يَرِدُ بِالْكِنَايَاتِ وَالْمَجَازَاتِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى أَصْلًا أَوْ عُرْفًا، بَلْ مَجَازًا حَتَّى لَا يُسْتَدَلَّ بِوُرُودِهِ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ أَوْ عُرْفِهَا أَوْ عُرْفِ الشَّرْعِ فَإِنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ كَمَا يَرِدُ بِالْكِنَايَاتِ وَالْمَجَازَاتِ يَرِدُ أَيْضًا بِالْحَقَائِقِ وَهِيَ الْأَصْلُ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّجَوُّزِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (فَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى أَنَّ الْمُدْرَكَ هُوَ الِاشْتِهَارُ الْعُرْفِيُّ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الِانْطِلَاقُ صَرِيحًا وَإِنْ كَانَ فِيهِ الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ إلَى قَوْلِهِ انْطَلِقِي مِنِّي وَأَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ)
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حِكَايَاتٍ وَأُمُورًا كَثِيرَةً وَلَا يَقْضِي بِصِحَّتِهَا فَكَذَلِكَ هُنَا وَإِذَا كَانَ ﵇ حَكَمَ بِالْوَحْيِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْنَا هَاهُنَا فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْوَحْيِ بَلْ ظَاهِرُ الْأَمْرِ خِلَافُهُ فَظَهَرَ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ هَذَا مُدْرَكٌ صَحِيحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَزْرِ الْبَاطِلِ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ وَقَاعِدَةُ مَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ]
(الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ وَقَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ)
فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْهُ ﵊ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَوَاتُرِهِ عَنْهُ ﵊ مِنْ أَنَّهُ قَالَ ﵊ «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَمَّةَ هَاهُنَا هِيَ كُلُّ أُنْثَى هِيَ أُخْتٌ لِذَكَرٍ لَهُ عَلَيْك وِلَادَةٌ إمَّا بِنَفْسِهِ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ ذَكَرٍ آخَرَ وَأَنَّ الْخَالَةَ هِيَ كُلُّ أُنْثَى هِيَ أُخْتٌ لِكُلِّ أُنْثَى لَهَا عَلَيْك وِلَادَةٌ إمَّا بِنَفْسِهَا وَإِمَّا بِتَوَسُّطِ أُنْثَى غَيْرِهَا وَهُنَّ الْحُرَّاتُ مِنْ قِبَلِ الْأُمِّ وَاخْتَلَفُوا أَوَّلًا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَالْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْعِهِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] مُعَارِضٌ لِعُمُومِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي آخِرِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ لِجَمِيعِ مَا تَضَمَّنَتْهُ الْآيَةُ مِنْ التَّحْرِيمِ إلَّا مَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ أَيْ: مِنْ الْمُحَرَّمِ بِالْمُصَاهَرَةِ فَيَخْرُجُ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] مِلْكُ الْيَمِينِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَعُودَ إلَّا إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ فَيَبْقَى قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] عَلَى عُمُومِهِ وَلَا سِيَّمَا إنْ عَلَّلْنَا ذَلِكَ بِعِلَّةِ الْأُخُوَّةِ أَوْ بِسَبَبٍ مَوْجُودٍ فِيهِمَا وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَعْنِي مَنْعَ الْجَمْعِ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ وَبَقَاءِ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا إذَا كَانَتْ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ بِنِكَاحٍ وَالْأُخْرَى بِمِلْكِ يَمِينِ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَاخْتَلَفُوا ثَانِيًا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هَلْ هُوَ خَاصٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ فَقَطْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَعَلَيْهِ فَالتَّحْرِيمُ لَا يَتَعَدَّى إلَى مَنْ نَصَّ عَلَيْهِ أَوْ هُوَ خَاصٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْعُمُومُ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا فِي تَفْسِيرِ الْعُمُومِ فَقَالَ قَوْمٌ يُفَسَّرُ الْعُمُومُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا رَحِمٌ مُحَرَّمَةٌ أَوْ غَيْرُ مُحَرَّمَةٍ فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ ابْنَتِي عَمٍّ أَوْ عَمَّةٍ وَلَا بَيْنَ
стр. 617
مَعْنَى إزَالَةِ الْقَيْدِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَهِرَ هُوَ الطَّلَاقُ دُونَ الِانْطِلَاقِ، وَكَذَلِكَ أَطْلَقْتُك وَانْطَلَقْت مِنْك وَانْطَلِقِي مِنِّي وَأَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ، وَقَدْ خَالَفْنَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵄ فِي أَنَا طَالِقٌ مِنْك؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحْبُوسًا بِالنِّكَاحِ، بَلْ هِيَ الْمَحْبُوسَةُ وَقِيَاسًا عَلَى قَوْلِهِ أَنَا طَالِقٌ فَلَوْ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لَوَقَعَ كَالْمَرْأَةِ؛ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ لَا يُوصَفُ بِهِ فَلَا يُقَالُ زَيْدٌ مُطَلَّقٌ وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنَّا ذَلِكَ وَوَافَقَ الْمَشْهُورَ الشَّافِعِيُّ
(وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّهُ مَحْبُوسٌ عَنْ عَمَّتِهَا وَأُخْتِهَا وَالزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ لَازِمٌ فَيَخْرُجُ عَنْ لُزُومِهِ
(وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ وَصْفَهُ بِطَالِقٍ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ امْرَأَةٍ فَلَمْ يُعَيِّنْهَا اللَّفْظُ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِصْمَتِهِ لِتَعَذُّرِ تَعَدُّدِ الْأَزْوَاجِ دُونَ الزَّوْجَاتِ
(وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ مُطَلَّقٌ اسْمُ مَفْعُولٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لِطَلَاقِهِ غَيْرَهُ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِسُكُونِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنِّسَاءِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْتِ الطَّلَاقُ كِنَايَةٌ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمَصْدَرِ عَنْ اسْمِ الْفَاعِلِ مَجَازٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ
(وَجَوَابُهُ) أَنَّهُ مَجَازٌ تَعَيَّنَ بِقَرِينَةٍ تَعَذَّرَ أَنَّهَا عَيْنُ الطَّلَاقِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ لِاسْمِ الْفَاعِلِ اسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ مَانِعٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
، قُلْت فِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ الِاشْتِقَاقِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ رَدُّهُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً صَحِيحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الِانْطِلَاقَ لَيْسَ مِنْ الطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَا مِنْ مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ (وَقَدْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي أَنَا طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحْبُوسًا بِالنِّكَاحِ إلَى آخِرِ جَوَابِهِ الْأَوَّلِ) لَيْسَ مَعْنَى الطَّلَاقِ مَعْنَى الِانْطِلَاقِ حَتَّى يَلْزَمَ مَا جَاوَبَ بِهِ، بَلْ الطَّلَاقُ حِلُّ الْعِصْمَةِ فَقَطْ وَهُوَ أَمْرٌ يَصْدُرُ مِنْ الرَّجُلِ وَيَقَعُ بِالْمَرْأَةِ فَإِذَا قَالَ أَنَا طَالِقٌ مِنْك فَقَدْ عَكَسَ الْمَعْنَى فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَعَنْ الثَّانِي إلَى آخِرِهِ) ، قُلْت هُوَ جَوَابٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْطِرُ بِالْبَالِ قَالَ
(وَعَنْ الثَّالِثِ إلَى آخِرِهِ) ، قُلْت وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا حَقِيقَةً، فَلَيْسَ بِمُتَعَذِّرٍ مَجَازًا قَالَ (وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِسُكُونِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ لَا يَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنِّسَاءِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ) ، قُلْت هُوَ كَمَا قَالَ، ثُمَّ قَالَ (وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنْتِ الطَّلَاقُ إلَى آخِرِ جَوَابِهِ) ، قُلْت الْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ابْنَتَيْ خَالٍ أَوْ خَالَةٍ وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبِنْتِ عَمِّهَا أَوْ بِنْتِ عَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ بِنْتِ خَالَتِهَا وَقَالَ قَوْمٌ يُفَسَّرُ الْعُمُومُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ كُلِّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ مُحَرَّمَةٌ أَعْنِي لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكَحَا وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا الْمَعْنَى فَقِيلَ بِاعْتِبَارِهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا بَلْ كَانَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَعَلَيْهِ فَيُمْنَعُ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا الْمَعْنَى اخْتَارَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَنَّ الْمَعْنَى الْمَذْكُورَ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا إذَا كَانَ مِنْ الطَّرَفَيْنِ جَمِيعًا بِحَيْثُ إنَّهُ إذَا جُعِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ذَكَرًا وَالْآخَرُ أُنْثَى لَمْ يَجُزْ لَهُمَا أَنْ يَتَنَاكَحَا فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ الْجَمْعُ بَيْنَ امْرَأَةِ الرَّجُلِ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ إنْ وَضَعْنَا الْبِنْتَ ذَكَرًا لَمْ يَحِلَّ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ مِنْهُ لِأَنَّهَا زَوْجُ أَبِيهِ وَإِنْ جَعَلْنَا الْمَرْأَةَ ذَكَرًا حَلَّ لَهَا نِكَاحُ ابْنَةِ الزَّوْجِ لِأَنَّهَا تَكُونُ ابْنَةَ الْأَجْنَبِيِّ. اهـ
بِتَصَرُّفٍ وَتَوْضِيحٍ وَقَالَ الْأَصْلُ لَا يَكُونُ ضَابِطُ مَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ مَانِعًا مِنْ انْدِرَاجِ مَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ كَالْمَرْأَةِ وَابْنَةِ زَوْجِهَا وَالْمَرْأَةِ وَأُمِّ زَوْجِهَا إلَّا إذَا قِيلَ كُلُّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ مَا يَمْنَعُ تَنَاكُحَهُمَا لَوْ قُدِّرَ إحْدَاهُمَا رَجُلًا وَالْأُخْرَى أُنْثَى لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْوَطْءِ بِعَقْدٍ وَلَا مِلْكٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ ﵃ أَجْمَعِينَ - إذْ لَوْلَا قَيْدُ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ لَانْدَرَجَ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَابْنَةُ زَوْجِهَا وَالْمَرْأَةُ وَأُمُّ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ لَوْ فُرِضَ إحْدَاهُمَا رَجُلًا وَالْأُخْرَى امْرَأَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ حِينَئِذٍ إمَّا أُمُّ امْرَأَةِ الرَّجُلِ أَوْ رَبِيبَتُهُ فَتَحْرُمُ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ الضَّابِطُ بَاطِلًا فَإِذَا قُلْنَا مِنْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ مَا يَمْنَعُ التَّنَاكُحَ خَرَجَا مِنْ الضَّابِطِ وَبَقِيَ جَيِّدًا. اهـ
قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَرْأَةَ حِينَئِذٍ إمَّا امْرَأَةُ الرَّجُلِ أَوْ رَبِيبَتُهُ فَبِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ أَمَّا أُمُّ امْرَأَةِ الرَّجُلِ لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْمَرْأَةَ رَجُلٌ وَأَنَّ أُمَّ زَوْجِهَا زَوْجَتُهُ فَيَتَعَيَّنُ الْمُعَرَّفُ وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَحَقُّهُ أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ لِأَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ بِتَغَيُّرِ فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ أَوْ رَبِيبَتُهُ فَيَصِحُّ نَظَرًا لِلِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ رَبِيبَتِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ عَلَى زَوْجَةِ الْأَبِ فِي الْعُرْفِ الْجَارِي الْآنَ وَعَلَى بِنْتِ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ. اهـ
قُلْت وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ تَقْدِيرَ أَحَدِ الطَّرْقِينَ أُنْثَى وَالْآخَرِ ذَكَرًا بِدُونِ تَعْيِينٍ لِذَلِكَ الْأَحَدِ كَمَا هُوَ الشَّرْطُ لَا يَتَأَتَّى فِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ وَأُمِّ زَوْجِهَا وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى فِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ وَابْنَةِ زَوْجِهَا نَظَرًا لِلِاشْتِرَاكِ فِي لَفْظِ الرَّبِيبَةِ فِي الْعُرْفِ الْجَارِي الْآنَ وَقَدْ عَلِمْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ عَدَمَ تَأَتِّي ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ الْمَرْأَةِ وَابْنَةِ زَوْجِهَا أَيْضًا ثُمَّ لَا يَخْفَاك أَنَّ قَيْدَيْ النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ فِي الضَّابِطِ الَّذِي
стр. 618
مِنْ التَّرَدُّدِ، وَالنِّيَّةُ إنَّمَا تَصْلُحُ حَالَةَ التَّرَدُّدِ
(تَنْبِيهٌ) يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ مَا يَقْتَضِي طَلَاقَ الْمَرْأَةِ أَلْبَتَّةَ وَلَا لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا شَيْءٌ لَا يَكَادُ يَخْطِرُ بِالْبَالِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا هَذَا أَعْظَمُ مَا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ صَرِيحٌ لُغَةً، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هَذَا لَا يُوجِبُ طَلَاقًا أَلْبَتَّةَ بِسَبَبِ أَنَّ اللُّغَةَ إنَّمَا تَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَضَعَتْهَا الْعَرَبُ لِلْإِخْبَارِ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ الْوَضْعِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كَذِبًا لَا عِبْرَةَ بِهِ وَالطَّلَاقُ لَا يَلْزَمُ بِالْخَبَرِ الْكَذِبِ إجْمَاعًا وَمِنْ هَاهُنَا افْتَرَقَ النَّاسُ فَرِيقَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) الْحَنَفِيَّةُ قَالَتْ هِيَ بَاقِيَةٌ إخْبَارَاتٍ عَلَى حَالِهَا وَإِنَّمَا الشَّرْعُ يُقَدِّرُ وُقُوعَ مُخْبَرِهَا قَبْلَ النُّطْقِ بِهَا بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ لِضَرُورَةِ تَصْدِيقِهِ، وَإِذَا صَارَ صَادِقًا لَزِمَهُ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي صِيَغِ الْعِتْقِ وَجَمِيعِ صِيَغِ الْعُقُودِ مِنْ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَالْفَرِيقُ الْآخَرُ) وَهُوَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ هَذِهِ الصِّيَغُ انْتَقَلَتْ فِي الْعُرْفِ عَنْ الْخَبَرِ لِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ وَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِالْإِنْشَاءِ وَمَتَى قُصِدَ الْخَبَرُ وَعُدِلَ عَنْ الْإِنْشَاءِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ الْعُرْفُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ فَهَذِهِ هِيَ الْمَذَاهِبُ الْوَاقِعَةُ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ كُلِّهَا وَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ تَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ مِنْ حَيْثُ هِيَ لُغَوِيَّةٌ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ التَّقْدِيرِ كَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ أَوْ النَّقْلِ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُمْ.
وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَلْزَمُ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الطَّلَاقِ صَرِيحًا مُسْتَغْنِيًا عَنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ لُغَةً عَلَى الْإِخْبَارِ عَنْ إزَالَةِ قَيْدِ النِّكَاحِ بِخُصُوصِهِ، بَلْ عَلَى إزَالَةِ قَيْدٍ كَيْفَ كَانَ قَيْدُ النِّكَاحِ أَوْ قَيْدُ الْحَدِيدِ أَوْ غَيْرُهُمَا فَلَا يَنْصَرِفُ لِقَيْدِ النِّكَاحِ إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إخْبَارًا عَنْهُ بِخُصُوصِهِ فَصَارَ كِنَايَةً وَصَارَتْ الْأَلْفَاظُ بِجُمْلَتِهَا كِنَايَةً
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ
(تَنْبِيهٌ إلَى قَوْلِهِ أَوْ النَّقْلُ كَمَا قَالَهُ غَيْرُهُمْ) ، قُلْت لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الصِّيَغَ وَقَعَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ إخْبَارَاتٌ وَوَقَعَتْ فِيهِ إنْشَاءَاتٌ وَمَا قَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَلَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي كَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ أَوْ مَنْقُولَةً مِنْ الْخَبَرِ إلَى الْإِنْشَاءِ وَكِلَاهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَيَلْزَمُ عَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ لَفْظُ الطَّلَاقِ صَرِيحًا إلَى قَوْلِهِ لَمْ يَقْصِدْ الْإِخْبَارَ عَنْ زَوَالِ الْعِصْمَةِ) ، قُلْت إنْ قَالَتْ الْحَنَفِيَّةُ مِثْلَ قَوْلِهِ مِنْ أَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ لَا يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ بِخُصُوصِهِ لَزِمَهُمْ مَا أَلْزَمَهُمْ وَإِلَّا فَلَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَهُ الْأَصْلُ يُغْنِي عَنْهُمَا فِي إخْرَاجِ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ قَوْلُهُ لَوْ قُدِّرَ أَحَدُهُمَا رَجُلًا إلَخْ حَيْثُ جُعِلَ مِنْ تَتِمَّةِ الضَّابِطِ عَلَى أَنَّهُ بِالْقَدْرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لَا يَمْنَعُ انْدِرَاجَ مَسْأَلَةٍ مَا إذَا كَانَتْ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ بِنِكَاحٍ وَالْأُخْرَى بِمِلْكِ يَمِينٍ مَعَ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَمَا عَلِمْت مِنْ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ وَالْأَصْلُ قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ ضَابِطٌ لِمَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ بِإِنْصَافٍ هَذَا وَيَتَعَلَّقُ بِمَنْعِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الَّذِي أَدْرَجَهُ الْأَصْلُ فِي ضَابِطِ مَا يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ مَسْأَلَتَانِ تَحْتَاجَانِ إلَى تَدْقِيقٍ فِي الْبَحْثِ قَالَ الْأَصْلُ: فَلِذَلِكَ أَفْرَدْتهمَا عَنْ سَائِرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي فِي الْبَابِ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ فِيمَا إذَا أَبَانَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ هَلْ تَحِلُّ لَهُ فِي عِدَّتِهَا أُخْتُهَا وَالْخَامِسَةُ نَظَرًا لِانْقِطَاعِ الْعِصْمَةِ وَالْمَوَارِيثِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا الْعِدَّةُ لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵄ أَوْ لَا تَحِلُّ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ لِأَمْرَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْعِدَّةَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ
(وَثَانِيهِمَا) قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ» وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ ﵄
(وَأَجَابَ) الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَنْ الْأَمْرَيْنِ بِأَنَّ لُحُوقَ الْوَلَدِ بَعْدَ أَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ وَلَا قَائِلَ بِالتَّحْرِيمِ إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ وَإِنَّمَا الْمُعْتَبَرُ الِاخْتِصَاصُ بِالزَّوْجِ حَتَّى تَحْصُلَ الْقَطِيعَةُ بَيْنَ الْأَقَارِبِ بِسَبَبِ الْجَمْعِ وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مَنْفِيٌّ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ عُثْمَانُ ﵁ أَحَلَّتْ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ آيَةٌ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَعَمُّ مِنْ الْأُخْرَى مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ فَتَسْتَوِيَانِ لِتَنَاوُلِ الْأُولَى الْمَمْلُوكَتَيْنِ وَالْحُرَّتَيْنِ وَتَتَنَاوَلُ الثَّانِيَةُ الْأُخْتَيْنِ وَغَيْرَهُمَا وَلَكِنْ تَرْجِيحُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ التَّحْرِيمَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ
(أَحَدُهَا) أَنَّ الْأُولَى سِيقَتْ لِلتَّحْرِيمِ فَيُسْتَدَلُّ بِهَا فِيهِ وَالثَّانِيَةَ سِيقَتْ لِلْمَدْحِ بِحِفْظِ الْفُرُوجِ فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا فِي التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا سِيقَ لِمَعْنًى لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي غَيْرِهِ فَتَكُونُ آيَةُ التَّحْرِيمِ سَالِمَةً عَنْ الْمُعَارَضَةِ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ فَتَقَدَّمَ وَقَدْ مَرَّ فِي كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ مَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَارَضَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] لِلْآيَةِ الْأُولَى فَلَا تَغْفُلْ
(وَثَانِيهِمَا) أَنَّ الْأُولَى لَمْ يُجْمَعْ عَلَى تَخْصِيصِهَا وَالثَّانِيَةَ أُجْمِعَ عَلَى تَخْصِيصِهَا مِمَّا لَا يَقْبَلُ الْوَطْءَ مِنْ الْمَمْلُوكَاتِ وَبِمَا يَقْبَلُهُ لَكِنَّهُ مُحَرَّمُ إجْمَاعًا كَالذُّكُورِ وَأَخَوَاتِ الرَّضَاعَةِ وَمَوْطُوءَاتِ الْآبَاءِ مِنْ الْإِمَاءِ
стр. 619
فَإِنْ نَوَى بِهَا الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ إزَالَةُ قَيْدِ النِّكَاحِ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّصْدِيقِ وَإِلَّا فَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيرُ صِدْقِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْإِخْبَارَ عَنْ زَوَالِ الْعِصْمَةِ وَيَلْزَمُ عَلَى رَأْيِنَا الْقَائِلِينَ بِالْإِنْشَاءِ أَنْ يَكُونَ ضَابِطُ الصَّرِيحِ مَا نُقِلَ لِإِنْشَاءِ إزَالَةِ الْقَيْدِ وَصَارَ مُسْتَغْنِيًا عَنْ النِّيَّةِ وَمَا لَمْ يَصِرْ بِالنَّقْلِ كَذَلِكَ وَيُمْكِنُ اسْتِعْمَالُهُ فِي إزَالَةِ الْعِصْمَةِ مَجَازًا لِعَلَاقَةٍ بَيْنَهُمَا فَهُوَ كِنَايَةٌ وَمَا لَا عَلَاقَةَ فِيهِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ أَوْ يَكُونُ لَا صَرِيحًا وَلَا كِنَايَةً، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَيَكُونُ لَفْظُ الْحَرَامِ وَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا اُدُّعِيَ فِيهِ النَّقْلُ صَرِيحًا فَلَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ كِنَايَةٌ أُلْحِقَتْ بِالصَّرِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا صَرِيحَ إلَّا بِالنَّقْلِ حِينَئِذٍ فَأَيُّ لَفْظٍ نُقِلَ كَانَ هُوَ الصَّرِيحُ مِنْ غَيْرِ امْتِيَازِ لَفْظٍ عَنْ لَفْظٍ فِي ذَلِكَ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي عَدَمِ إفَادَةِ زَوَالِ الْعِصْمَةِ لُغَةً.
وَفِي إفَادَةِ زَوَالِهَا بِالنَّقْلِ فَلَا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ إذَا حَصَلَ فِيهَا النَّقْلُ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَيْضًا بَحْثٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّقْلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْعُرْفِ فَإِذَا تَحَوَّلَ الْعُرْفُ إلَى الضِّدِّ فَصَارَ الْمُشْتَهِرُ خَفِيًّا وَالْخَفِيُّ مُشْتَهِرًا أَنْ يَكُونَ مَا قَضَيْنَا بِأَنَّهُ صَرِيحٌ يَصِيرُ كِنَايَةً وَمَا قَضَيْنَا بِأَنَّهُ كِنَايَةٌ يَصِيرُ صَرِيحًا بِحَسَبِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَيَلْزَمُ عَلَى رَأْيِنَا الْقَائِلِينَ بِالْإِنْشَاءِ إلَى قَوْلِهِ فَلَا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ إذَا حَصَلَ فِيهَا النَّقْلُ) ، قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ لَفْظَ طَالِقٍ يُفِيدُ زَوَالَ الْعِصْمَةِ إمَّا لُغَةً عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ وَإِمَّا عُرْفًا عَلَى مَذْهَبِهِ، وَلَفْظُ أَنْتِ طَالِقٌ يُفِيدُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ عُرْفًا أَيْضًا وَلَفْظُ الْخَلِيَّةِ لَا يُفِيدُ ذَلِكَ عُرْفًا، بَلْ مَجَازًا وَلَفْظُ أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ عُرْفًا فِي الْإِنْشَاءِ مَعَ أَنَّ لَفْظَ خَلِيَّةٍ لَيْسَ عُرْفًا فِي الطَّلَاقِ لَا يُفِيدُ بِجُمْلَتِهِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ عُرْفًا فَبَيْنَ لَفْظِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ خَلِيَّةٌ فَرْقٌ ظَاهِرٌ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ أَنْتِ طَالِقٌ صَرِيحًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ طَالِقٍ عَلَى انْفِرَادِهِ وَلَفْظَ أَنْتِ طَالِقٌ بِجُمْلَتِهِ كِلَاهُمَا مَنْقُولٌ عُرْفًا هَذَا لِزَوَالِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ بِخُصُوصِهِ وَالْآخَرُ لِإِنْشَاءِ زَوَالِ ذَلِكَ الْقَيْدِ وَلَفْظُ خَلِيَّةٍ عَلَى انْفِرَادِهِ لَمْ يَنْقُلْهُ الْعُرْفُ لِزَوَالِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ أَنْتِ قَدْ نَقَلَهُ الْعُرْفُ لِلْإِنْشَاءِ، فَيَكُونُ كِنَايَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ) (وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَيْضًا بَحْثٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ النَّقْلَ إنَّمَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْعُرْفِ) (قُلْت) مَا قَالَهُ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ إلَّا مَا قَالَهُ فِي الْإِنْشَاءَاتِ فَفِيهِ نَظَرٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَغَيْرُ الْمَخْصُوصِ أَرْجَحُ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَى تَخْصِيصِهِ
(وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْفُرُوجِ التَّحْرِيمُ حَتَّى يُتَيَقَّنَ الْحِلُّ فَتَكُونَ الْأُولَى عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ رُجْحَانُ الثَّانِيَةِ عَلَيْهَا فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَى الْأُولَى مُوَافَقَةً لِلْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِبَاحَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى سَبَبٍ مَخْصُوصٍ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِبَاحَةِ الْمَنْسُوبَةِ إلَى سَبَبٍ مَخْصُوصٍ)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَسْبَابَ إذَا تَعَلَّقَ بِهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مِنْ إبَاحَةٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ مَنْعٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَتَعَلَّقَ تِلْكَ الْأَحْكَامُ بِمُسَبَّبَاتِهَا بِحَيْثُ إنَّ الْأَمْرَ بِالسَّبَبِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِالْمُسَبَّبِ وَالنَّهْيَ عَنْ السَّبَبِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ الْمُسَبَّبِ وَالتَّخْيِيرَ فِي السَّبَبِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّخْيِيرَ فِي الْمُسَبَّبِ مَثَلًا الْأَمْرُ بِإِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ وَالْأَمْرُ بِالنِّكَاحِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِحِلِّيَّةِ الْبُضْعِ وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ فِي الْقِصَاصِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِإِزْهَاقِ الرُّوحِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْقَتْلِ الْعُدْوَانِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ الْإِزْهَاقِ وَالنَّهْيُ عَنْ التَّرَدِّي فِي الْبِئْرِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ تَهَتُّكِ الْمُرْدِي فِيهَا وَالنَّهْيُ عَنْ جَعْلِ الثُّبُوتِ فِي النَّارِ لَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ نَفْسِ الْإِحْرَاقِ وَالْإِبَاحَةُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ بِالْعَقْدِ لَا يَسْتَلْزِمُ إبَاحَةَ وَطْئِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَانِ
(الْأَوَّلُ) عَقْلِيٌّ وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الْكَلَامِ مِنْ أَنَّ الَّذِي لِلْمُكَلَّفِ تَعَاطِيَ الْأَسْبَابِ لَا الْمُسَبَّبَاتِ لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمِهِ وَلَا كَسْبَ فِيهِ لِلْمُكَلَّفِ
(وَالثَّانِي) سَمْعِيٌّ وَهُوَ أَنَّ اسْتِقْرَاءَ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَقْطُوعٌ بِهِ أَمَّا الْكِتَابُ فَمِنْهُ مَا هُوَ عَامٌّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] وَمِنْهُ مَا هُوَ خَاصٌّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] إلَى آخِرِ الْآيَةِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ - أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَقَوْلِهِ ﷺ «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ» الْحَدِيثَ وَقَوْلُهُ ﷺ «قَيِّدْهَا وَتَوَكَّلْ» وَلَا يَرِدُ أَنَّ إبَاحَةَ عُقُودِ الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ تَسْتَلْزِمُ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ الْخَاصِّ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَأَنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ بِهَا التَّحْرِيمُ كَبَيْعِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ اسْتَلْزَمَ تَحْرِيمَ الِانْتِفَاعِ الْمُسَبَّبِ عَنْهَا وَأَنَّ التَّعَدِّيَ وَالْغَصْبَ وَالسَّرِقَةَ وَنَحْوَهَا وَالذَّكَاةَ فِي الْحَيَوَانِ إذَا كَانَتْ عَلَى وَفْقِ الْمَشْرُوعِ تَكُونُ
стр. 620
الْعُرْفِ الطَّارِئِ.
وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَنْتَقِلْ الْعُرْفُ لِلضِّدِّ، بَلْ بَطَلَ فَقَطْ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِيرَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَرِيحًا، بَلْ تَحْتَاجُ جَمِيعُ الْأَلْفَاظِ فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ بِهَا إلَى النِّيَّةِ وَيَلْزَمُ أَمْرٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُفْتِي لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدًا بِالطَّلَاقِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْعُرْفِ الَّذِي رُتِّبَتْ الْفُتْيَا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ الْعُرْفُ أَفْتَاهُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ حَالِ عُرْفِ بَلَدِهِ مِنْ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ عَلَى الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ الْعَوَائِدَ لَا يَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا بَيْنَ الْبِلَادِ خُصُوصًا الْبَعِيدَةِ الْأَقْطَارِ وَيَكُونُ الْمُفْتِي فِي كُلِّ زَمَانٍ يَتَبَاعَدُ عَمَّا قَبْلَهُ يَتَفَقَّدُ الْعُرْفَ هَلْ هُوَ بَاقٍ أَمْ لَا فَإِنْ وَجَدَهُ بَاقِيًا أَفْتَى بِهِ وَإِلَّا تَوَقَّفَ عَنْ الْفُتْيَا، وَهَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعَوَائِدِ كَالنُّقُودِ وَالسِّكَكِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَالْوَصَايَا وَالنُّذُورِ فِي الْإِطْلَاقَاتِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَقَدْ غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَوَجَدُوا الْأَئِمَّةَ الْأُوَلَ قَدْ أَفْتَوْا بِفَتَاوَى بِنَاءً عَلَى عَوَائِدَ لَهُمْ وَسَطَّرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ بِنَاءً عَلَى عَوَائِدِهِمْ، ثُمَّ الْمُتَأَخِّرُونَ وَجَدُوا تِلْكَ الْفَتَاوَى فَأَفْتَوْا بِهَا.
وَقَدْ زَالَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ فَكَانُوا مُخْطِئِينَ خَارِقِينَ لِلْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْفُتْيَا بِالْحُكْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى مُدْرِكٍ بَعْدَ زَوَالِ مُدْرِكِهِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ لَفْظُ الْحَرَامِ وَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ مَسْطُورٌ لِمَالِكٍ أَنَّهُ يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ بِنَاءً عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ فَأَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ الْيَوْمَ يُفْتِي بِلُزُومِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِنَاءً عَلَى الْمَنْقُولِ فِي الْكُتُبِ عَنْ مَالِكٍ وَتِلْكَ الْعَوَائِدُ قَدْ زَالَتْ فَلَا نَجِدُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ بِالْخَلِيَّةِ وَلَا بِالْبَرِيَّةِ وَلَا بِحَبْلِك عَلَى غَارِبِك وَلَا بِوَهَبْتُكِ لِأَهْلِك، وَلَوْ وَجَدْنَاهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْلًا يُوجِبُ لُزُومَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ كَثِيرُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ إنَّهُ مَنْقُولٌ إلَيْهِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ فِي ذَوَاتِ الْجَمَالِ وَالْبَحْرِ وَالْغَيْثِ وَالنَّدَى وَنَحْوِهَا فِي الْكِرَامِ الْبَاذِلِينَ لِلْمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَصِرْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَنْقُولَةً لِهَذِهِ الْمَعَانِي، بَلْ ضَابِطُ الْمَنْقُولِ أَنْ يَصِيرَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَعْنَى بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ لَا تُفْهَمُ مِنْهَا هَذِهِ الْمَعَانِي إلَّا بِالْقَرِينَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَصِرْ مَنْقُولَةً فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَيَظْهَرُ لَك مَا عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ الْفَتَاوَى الْفَاسِدَةِ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَيَظْهَرُ لَك بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّرِيحِ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ عَلَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مُبَاحَةً وَتَسْتَلْزِمُ إبَاحَةَ الِانْتِفَاعِ وَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى غَيْرِ الْمَشْرُوعِ كَانَتْ مَمْنُوعَةً وَمُسْتَلْزِمَةً مَنْعَ الِانْتِفَاعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ مِنْ هَذَا النَّحْوِ لِأَنَّا نَقُولُ مَا ذُكِرَ فِي حُكْمِ الْإِنْفَاقِ لَا عَلَى حُكْمِ الِالْتِزَامِ بِدَلِيلِ تَخَلُّفِهِ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَمْثِلَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ كُلًّا مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى الْمَبِيعِ إذَا كَانَ حَيَوَانًا وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ الْمُتَمَلَّكَةِ وَاجِبٌ وَمُسَبَّبٌ عَنْ عَقْدِ الْمَبِيعِ الْمُبَاحِ وَأَنَّ الذَّكَاةَ إذَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ كَالْخِنْزِيرِ وَالسِّبَاعِ الْعَادِيَةِ وَالْكَلْبِ وَنَحْوِهَا لَا تُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ مَعَ الِانْتِفَاعِ إمَّا مُحَرَّمٌ جَمِيعُهَا وَإِمَّا مُحَرَّمٌ فِي بَعْضِهَا وَمَكْرُوهٌ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ هَذَا فِي الْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ وَأَسْهَلُ مِنْهَا الْأَسْبَابُ الْمَمْنُوعَةِ لِأَنَّ مَعْنَى تَحْرِيمِهَا أَنَّهَا فِي الشَّرْعِ لَيْسَتْ بِأَسْبَابٍ فَلَمْ تَكُنْ لَهَا مُسَبَّبَاتٌ فَبَقِيَ الْمُسَبَّبُ عَنْهَا عَلَى أَصْلِهَا مِنْ الْمَنْعِ لَا أَنَّ الْمَنْعَ تَسَبَّبَ عَنْ وُقُوعِ أَسْبَابٍ مَمْنُوعَةٍ فَثَبَتَ اطِّرَادُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَيَنْبَنِي عَلَيْهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي تَعَاطِي الْأَسْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْمُكَلَّفِ الِالْتِفَاتُ إلَى الْمُسَبَّبَاتِ وَلَا الْقَصْدِ إلَيْهَا بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْجَرَيَانُ تَحْتَ الْأَحْكَامِ الْمَوْضُوعَةِ لَا غَيْرُ، أَسْبَابًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ أَسْبَابٍ مُعَلَّلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مُعَلَّةٍ وَلِلْمُكَلَّفِ تَرْكُ الْقَصْدِ إلَى الْمُسَبَّبِ وَلَهُ الْقَصْدُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْمَصَالِحِ الَّتِي تُوجَدُ عَنْ السَّبَبِ لِأَنَّهُ الْتِفَاتٌ إلَى الْعَادَاتِ الْجَارِيَةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الجاثية: ١٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ [الطلاق: ١١] وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ وَلِلِالْتِفَاتِ إلَى الْمُسَبَّبَاتِ بِالْأَسْبَابِ الَّذِي هُوَ الْقِسْم الثَّانِي ثَلَاثُ مَرَاتِبَ
(إحْدَاهَا) أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فَاعِلٌ لِلْمُسَبَّبِ أَوْ مَدْلُولِهِ وَهَذَا شِرْكٌ أَوْ مُضَاهٍ لَهُ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى إذْ السَّبَبُ وَالْعِلَّةُ فِي الشَّرْعِ غَيْرُ فَاعِلٍ بِنَفْسِهِ بَلْ دَلِيلٌ وَأَمَارَةٌ فَلِذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ لَا تُمْنَعُ فِي الشَّرْعِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ عَامَّةً وَالْحُكْمُ خَاصًّا أَوْ أُرِيدَ مِنْ الْعِلَّةِ. اهـ
(وَالثَّانِيَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ عَلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ يَكُونُ عِنْدَهُ عَادَةً كَمَا هُوَ الْجَارِي عَلَى مُقْتَضَى عَادَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَهُوَ غَالِبُ أَحْوَالِ الْخَلْقِ فِي الدُّخُولِ فِي الْأَسْبَابِ
(وَالثَّالِثَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ عَلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسَبِّبُ وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ السَّبَبِ فِي الْمُسَبِّبِ مِنْ جِهَةِ نَفْسِهِ وَاعْتِبَارِهِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللَّهَ مُسَبِّبٌ وَذَلِكَ صَحِيحٌ وَلِتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمُسَبِّبِ الَّذِي هُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ أَيْضًا
(إحْدَاهَا) أَنْ يَدْخُلَ فِي السَّبَبِ مِنْ حَيْثُ هُوَ ابْتِلَاءٌ لِلْعِبَادِ وَامْتِحَانٌ لَهُمْ فَإِنَّهَا طَرِيقٌ إلَى السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالْآخِذُ لَهَا مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ آخِذٌ لَهَا مِنْ حَيْثُ وُضِعَتْ مَعَ التَّحَقُّقِ بِذَلِكَ فِيهَا وَهَذَا صَحِيحٌ وَصَاحِبُ هَذَا الْقَصْدِ مُتَعَبِّدٌ لِلَّهِ بِمَا تَسَبَّبَ بِهِ مِنْهَا حِينَئِذٍ تَسَبَّبَ بِالْإِذْنِ فِيمَا أُذِنَ فِيهِ لِيُظْهِرَ عُبُودِيَّتَهُ لِلَّهِ فِيهِ
стр. 621
الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ.
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ النِّيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُشْتَرَطُ)
اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّرِيحِ إجْمَاعًا، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ إجْمَاعًا وَفِي اشْتِرَاطِهَا قَوْلَانِ، وَهَذَا هُوَ مُتَحَصِّلُ الْكَلَامِ الَّذِي فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّنَاقُضِ وَلَا تَنَاقُضَ فِيهِ فَحَيْثُ قَالَ الْفُقَهَاءُ إنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّرِيحِ فَيُرِيدُونَ الْقَصْدَ لِإِنْشَاءِ الصِّيغَةِ احْتِرَازًا مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ لِمَا لَمْ يَقْصِدْ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهَا طَارِقًا فَيُنَادِيهَا فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ فَيَقُولُ لَهَا يَا طَالِقُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ اللَّفْظَ وَحَيْثُ قَالُوا النِّيَّةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّرِيحِ فَمُرَادُهُمْ الْقَصْدُ لِاسْتِعْمَالِ الصِّيغَةِ فِي مَعْنَى الطَّلَاقِ فَإِنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ فِي الصَّرِيحِ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الْكِنَايَاتِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَعْنَى الطَّلَاقِ.
وَأَمَّا الصَّرِيحُ فَلَا وَحَيْثُ قَالُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الصَّرِيحِ قَوْلَانِ فَيُرِيدُونَ بِالنِّيَّةِ هَاهُنَا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ النِّيَّةَ وَيُرِيدُونَ الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَإِلَّا فَمَنْ قَصَدَ وَعَزَمَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ لَا يَلْزَمُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إذَا أَنْشَأَ طَلَاقَهَا بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا يُنْشِئُهُ بِكَلَامِهِ اللِّسَانِيِّ فَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْجَلَّابِ بِاعْتِقَادٍ بِقَلْبِهِ فَقَالَ، وَمَنْ اعْتَقَدَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ فَفِي لُزُومِ الطَّلَاقِ لَهُ قَوْلَانِ وَالِاعْتِقَادُ لَا يَلْزَمُ بِهِ طَلَاقٌ إجْمَاعًا
فَلَوْ اعْتَقَدَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ. ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ اعْتِقَادِهِ بَقِيَتْ لَهُ زَوْجَةً إجْمَاعًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ فَالْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ بِلِسَانِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُطَلِّقَ أَيْضًا بِقَلْبِهِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي كَلَامِهِمْ وَأَنَّهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ وَفِي الْفَرْقِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ تُوَضِّحُهُ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَوْ أَرَادَ التَّلَفُّظَ بِالطَّلَاقِ فَقَالَ اشْرَبِي أَوْ نَحْوَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْوِيَ طَلَاقَهَا بِمَا تَلَفَّظَ بِهِ فَيَجْتَمِعُ اللَّفْظُ وَالنِّيَّةُ، وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَنِيَّتُهُ وَاحِدَةٌ فَسَبَقَ لِسَانُهُ لِلْبَتَّةِ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ قَالَ سَحْنُونٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْوِهِ يُرِيدُ أَنَّ اللَّفْظَ وَحْدَهُ لَا يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نِيَّةٌ مَعَ لَفْظِ الثَّلَاثِ فَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ ثَلَاثٌ فِي الْفُتْيَا وَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْقَضَاءِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى مِنْ وَثَاقِ وِلَايَتِهِ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا طَلُقَتْ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ بَرِيَّةٌ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا وَيُؤْخَذُ النَّاسُ بِأَلْفَاظِهِمْ وَلَا تَنْفَعُهُمْ نِيَّتُهُمْ إلَّا أَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا مُلْتَفِتًا إلَى مُسَبَّبَاتِهَا وَإِنْ انْجَرَّتْ مَعَهَا فَهُوَ كَالْمُتَسَبِّبِ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ
(وَالثَّانِيَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِحُكْمِ قَصْدِ التَّجَرُّدِ عَنْ الِالْتِفَاتِ إلَى الْمُسَبَّبَاتِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَفْرِيدَ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ أَنْ لَا يُشْرَكَ مَعَهُ فِي قَصْدِهِ سِوَاهُ وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ خُرُوجٌ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ بِالْعِبَادَةِ لِأَنَّ بَقَاءَ الِالْتِفَاتِ إلَى ذَلِكَ كُلِّهِ بَقَاءٌ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ وَرُكُونٌ إلَى الْأَعْيَانِ وَهُوَ تَدْقِيقٌ فِي نَفْيِ الشِّرْكَةِ وَهَذَا أَيْضًا فِي مَوْضِعِهِ صَحِيحٌ
(وَالثَّالِثَةُ) أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِحُكْمِ الْإِذْنِ الشَّرْعِيِّ مُجَرَّدًا عَنْ النَّظَرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَوَجَّهَهُ إلَى السَّبَبِ تَلْبِيَةً لِلْآمِرِ لِتَحْقِيقِهِ بِمَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ وَهَذَا شَامِلٌ لِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ لَمَّا عَلِمَ قَصْدَ الشَّارِعِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ تَوَخَّى قَصْدَهُ مِنْ غَيْرِ نَظِيرٍ فِي غَيْرِهِ فَحَصَلَ لَهُ كُلُّ مَا فِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْمُتَسَبَّبِ مِمَّا عُلِمَ وَمِمَّا لَمْ يُعْلَمْ فَهُوَ طَالِبٌ لِلْمُسَبَّبِ مِنْ طَرِيقِ السَّبَبِ وَعَالِمٌ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَبِّبُ وَهُوَ الْمُبْتَلِي بِهِ وَمُتَحَقِّقٌ فِي صِدْقِ التَّوَجُّهِ بِهِ إلَيْهِ فَقَصْدُهُ مُطْلَقٌ وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ قَصْدُ الْمُسَبَّبِ لَكِنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْأَغْيَارِ مُصَفًّى مِنْ الْأَكْدَارِ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ مُرَتَّبَةٌ عَلَى فِعْلِ الْأَسْبَابِ شَرْعًا وَأَنَّ الشَّارِعَ يَعْتَبِرُ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْخِطَابِ بِالْأَسْبَابِ وَيَتَرَتَّبُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِ إذَا اعْتَبَرَهُ أُمُورٌ: (مِنْهَا) أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْمُسَبَّبَاتِ فِي الْعَادَةِ تَجْرِي عَلَى وِزَانِ الْأَسْبَابِ فِي الِاسْتِقَامَةِ أَوْ الِاعْوِجَاجِ فَإِذَا كَانَ السَّبَبُ تَامًّا وَالتَّسَبُّبُ عَلَى مَا يَنْبَغِي كَانَ الْمُسَبَّبُ كَذَلِكَ وَبِالضِّدِّ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْمُسَبَّبَاتِ قَدْ تَكُونُ خَاصَّةً بِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ بِحَسَبِ وُقُوعِ السَّبَبِ كَالْبَيْعِ الْمُتَسَبَّبِ بِهِ إلَى إبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَبِيعِ وَالنِّكَاحِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ حِلِّيَّةٌ الِاسْتِمَاعِ وَالذَّكَاةِ الَّتِي بِهَا يَحْصُلُ حِلُّ الْأَكْلِ وَكَالسُّكْرِ النَّاشِئِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِزْهَاقِ الرُّوحِ الْمُسَبَّبِ عَنْ حَزِّ الرَّقَبَةِ وَقَدْ تَكُونُ عَامَّةً كَالطَّاعَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ بِالْفَوْزِ فِي النَّعِيمِ وَالْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ سَبَبٌ فِي دُخُولِ الْجَحِيمِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُسَبَّبُ إنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ التَّقْوِيَةُ لِلسَّبَبِ وَالتَّكْمِلَةُ لَهُ وَالتَّحْرِيضُ فِي الْمُبَالَغَةِ فِي إكْمَالِهِ فَهُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الْمَصْلَحَةَ وَإِنْ كَانَ مِنْ شَأْنِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ أَنْ يَكِرَّ عَلَى السَّبَبِ بِالْإِبْطَالِ أَوْ بِالْإِضْعَافِ أَوْ بِالتَّهَاوُنِ بِهِ فَهُوَ الَّذِي يَجْلِبُ الْمَفْسَدَةَ وَهَذَانِ الْقِسْمَانِ عَلَى ضَرْبَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُقَوِّي السَّبَبَ أَوْ يُضَعِّفُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ زَمَانٍ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ حَالٍ يَكُونُ عَلَيْهَا الْمُكَلَّفُ
(وَالثَّانِي) مَا شَأْنُهُ ذَلِكَ لَا بِإِطْلَاقٍ بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ دُونَ بَعْضٍ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَعْضِ أَحْوَالِ الْمُكَلَّفِ دُونَ بَعْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قِسْمَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) مَا يَكُونُ فِي التَّقْوِيَةِ وَالتَّضْعِيفِ مَقْطُوعًا بِهِ
(وَالثَّانِي) مَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ مَظْنُونًا
стр. 622
تَكُونَ قَرِينَةٌ مُصَدِّقَةٌ قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ فِي التَّحَدُّثِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قِيلَ يُدَيَّنُ، وَقِيلَ لَا إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوَابًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْكِتَابِ قَالَ وَيَتَخَرَّجُ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلْزَامُ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ وَمِنْ قَوْلِهِ فِي الَّذِي أَرَادَ وَاحِدَةً فَسَبَقَ لِسَانُهُ لِلْبَتَّةِ وَمِنْ هَزْلِ الطَّلَاقِ أَيْضًا وَيُؤْخَذُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ مَعَ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فِي الْكِتَابِ يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَرَادَ تَعْلِيقَهُ.
ثُمَّ بَدَا لَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ نَظَائِرُ فِي الْمَذْهَبِ وَوَافَقَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ اللَّخْمِيَّ عَلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَثَاقِ طَلَاقٌ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَإِلْزَامُ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ إذَا طَلَّقَ بِلِسَانِهِ غَيْرَ مُطَلِّقٍ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا قَالَ فِي مَسْأَلَةِ أَلْبَتَّةَ أَمَّا إذَا صَرَفَ اللَّفْظَ بِقَصْدِهِ عَنْ إزَالَةِ الْعِصْمَةِ إلَى غَيْرِهِ نَحْوَ مَسْأَلَةِ الْوَثَاقِ فَإِلْزَامُ الطَّلَاقِ بِهِ لَوْ قِيلَ إنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأَنَّهُ نَظِيرُ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقِيلَ لَهُ مَا صَنَعْت فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ وَأَرَادَ الْإِخْبَارَ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْفُتْيَا إجْمَاعًا وَنَظِيرُهُ أَيْضًا مَنْ لَهُ أَمَةٌ وَزَوْجَةٌ اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِكْمَةُ، وَقَالَ حِكْمَةُ طَالِقٌ، وَقَالَ نَوَيْت الْأَمَةَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ فِي الْفُتْيَا اتِّفَاقًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَثَاقِ عَلَى اللُّزُومِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الْفُتْيَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَإِنْ أَوْهَمَ اللُّزُومَ فِي الْفُتْيَا فَمُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ يُؤْخَذُ النَّاسُ بِأَلْفَاظِهِمْ وَلَا تَنْفَعُهُمْ نِيَّتُهُمْ وَالْأَخْذُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْحَاكِمِ دُونَ الْمُفْتِي، وَكَذَلِكَ اشْتِرَاطُهُ الْقَرِينَةَ فَإِنَّ الْمُفْتِي يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ وَالْمَقَاصِدَ دُونَ الْقَرَائِنِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ وَيَتَعَذَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا ذَكَرَ مِنْ النَّظَائِرِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك وَنَوَى عَدَدًا لَزِمَهُ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵄ إذَا نَوَى الثَّلَاثَ لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يُفِيدُ إلَّا أَصْلَ الْمَعْنَى فَالزَّائِدُ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ لَا تُوجِبُ طَلَاقًا وَجَوَابُهُ أَنَّ لَفْظَ ثَلَاثًا إذَا لَفَظَ بِهَا تَبَيَّنَ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ نَحْوُ قَوْلِهِ قَبَضْت عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَقَوْلُهُ دِرْهَمًا يُفِيدُ اخْتِصَاصَ الْعَدَدِ بِالدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً فَكَذَلِكَ ثَلَاثًا يُخَصِّصُ اللَّفْظَ بِالْبَيْنُونَةِ وَكُلُّ مَا كَانَ يَحْصُلُ مَعَ الْمُفَسِّرِ وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُفَسَّرَ إنَّمَا جُعِلَ لِفَهْمِ السَّامِعِ لَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى أُقِيمُوا الصَّلَاةَ الشَّرْعِيَّةَ لَكِنْ لَمَّا وَرَدَ الْبَيَانُ مِنْ السُّنَّةِ فِي خُصُوصِيَّاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا عُدَّ ذَلِكَ ثَابِتًا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ مَشْرُوعَةٌ بِالْقُرْآنِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ بَيَانٍ لِمُجْمَلٍ يُعَدُّ مَنْطُوقًا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَوْ مَشْكُوكًا فِيهِ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَتَأَمُّلٍ فَيُحْكَمُ بِمُقْتَضَى الظَّنِّ وَيُوقَفُ عِنْدَ تَعَارُضِ الظُّنُونِ اُنْظُرْ الْمُوَافَقَاتِ لِلْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ فَإِذَا عَلِمْت هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْإِبَاحَةَ إنْ كَانَتْ مَنْسُوبَةً إلَى سَبَبٍ تَامٍّ وَتَسَبُّبُهَا عَنْهُ عَلَى مَا يَنْبَغِي ثَبَتَتْ بِهِ مُطْلَقَةً أَيْ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهَا التَّحْرِيمُ أَصْلًا فَلَا يَكُونُ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَرَجٌ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى الْفِعْلِ مُطْلَقًا وَإِنْ كَانَتْ مَنْسُوبَةً إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ تَامٍّ وَسَبَبُهَا عَنْهُ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي ثَبَتَتْ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُعَيَّنِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ عَلَيْهِ حَرَجٌ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْ جِهَةِ ذَلِكَ السَّبَبِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ حَرَجٌ فِي الْإِقْدَامِ بِاعْتِبَارِ سَبَبٍ آخَرَ فَيَجْتَمِعُ التَّحْرِيمُ مَعَهَا وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ أَسْبَابَ التَّحْرِيمِ قَدْ يَجْتَمِعُ.
وَقَدْ تَفْتَرِقُ وَإِنْ اجْتَمَعَتْ وَلَمْ يَرْتَفِعْ مِنْهَا وَاحِدٌ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا وَإِنْ ارْتَفَعَتْ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا وَاحِدٌ ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ وَإِنْ ارْتَفَعَ مِنْ سَبَبَيْ التَّحْرِيمِ أَوْ أَسْبَابِهِ وَاحِدٌ ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُرْتَفِعِ خَاصَّةً وَبَقِيَ الْفِعْلُ مُحَرَّمًا بِاعْتِبَارِ مَا بَقِيَ مِنْ السَّبَبَيْنِ وَالْأَسْبَابِ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِلتَّحْرِيمِ سَبَبٌ وَاحِدٌ فَزَالَ وَخَلَفَهُ سَبَبٌ آخَرُ صَدَقَتْ الْإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِ زَوَالِ ذَلِكَ السَّبَبِ الْأَوَّلِ وَصَدَقَ التَّحْرِيمُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَجَدِّدِ وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَبِمَعْرِفَةِ هَذَا الْفَرْقِ وَالِالْتِفَاتِ إلَى الْمُسَبَّبَاتِ مَعَ أَسْبَابِهَا تَنْدَفِعُ إشْكَالَاتٌ تَرِدُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى الْفِقْهِ وَعَلَى النُّصُوصِ بِسَبَبِ تَعَارُضِ أَحْكَامِ أَسْبَابٍ تَقَدَّمَتْ مَعَ أَسْبَابٍ أُخَرٍ حَاضِرَةٍ (مِنْهَا) أَنَّ مُقْتَضَى حَتَّى الَّتِي هِيَ حَرْفُ غَايَةٍ أَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَهَا مُخَالِفًا لِمَا بَعْدَهَا وَيَكُونَ مَا بَعْدَهَا نَقِيضَ مَا قَبْلَهَا وَيَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ حَلَالًا إذَا عَقَدَ عَلَيْهَا زَوْجٌ آخَرُ وَوَطِئَهَا مَعَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ إجْمَاعًا بَلْ هِيَ حَرَامٌ عَلَى حَالِهَا حَتَّى يُطَلِّقَهَا هَذَا الزَّوْجُ.
وَإِذَا طَلَّقَهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا لَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ حَتَّى يَعْقِدَ عَلَيْهَا وَإِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا أَيْ الزَّوْجُ الْأَوَّلُ لَا تَحِلُّ حَتَّى تَنْتَفِي مَوَانِعُ الْوَطْءِ مِنْ الْحَيْضِ وَالصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْصُلْ مُقْتَضَى الْغَايَةِ وَحَاصِلُ دَفْعِهِ أَنَّ مُقْتَضَى الْغَايَةِ قَدْ حَصَلَ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا قَدْ زَالَ تَحْرِيمُهَا الْحَاصِلُ بِكَوْنِهَا مُطَلَّقَةً ثَلَاثًا لَمَّا تَزَوَّجَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي إلَّا أَنَّهُ بَقِيَ تَحْرِيمُهَا النَّاشِئُ عَنْ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً وَتَجَدَّدَ مَعَهُ سَبَبٌ آخَرُ لِلتَّحْرِيمِ صَارَ خَلَفًا عَنْ السَّبَبِ الزَّائِلِ وَهُوَ كَوْنُهَا زَوْجَةً لِغَيْرِهِ وَإِذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي زَالَ السَّبَبُ الْمُتَجَدِّدُ وَخَلَفَهُ سَبَبٌ آخَرُ مُتَجَدِّدٌ مَعَ سَبَبِ كَوْنِهَا أَجْنَبِيَّةً وَهُوَ كَوْنُهَا فِي الْعِدَّةِ وَإِذَا كَمَّلَتْ الْعِدَّةَ وَعَقَدَ عَلَيْهَا الزَّوْجُ الْأَوَّلُ زَالَ سَبَبَا التَّحْرِيمِ وَبَقِيَتْ مُحَرَّمَةً بِسَبَبِ مَا تَجَدَّدَ مِنْ حَيْضٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ إحْرَامٍ أَوْ غَيْرِهَا
стр. 623
بِهِ فِي ذَلِكَ الْمُجْمَلِ كَذَلِكَ هَاهُنَا وَإِنْ كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ وَافَقَنَا عَلَى قَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ وَأَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا وَطَلَّقْتُك وَطَلِّقِي نَفْسَك أَنَّهُ إذَا نَوَى بِهَا الثَّلَاثَ لَزِمَتْهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ حَكَى صَاحِبُ كِتَابِ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الرَّشِيدَ كَتَبَ إلَى قَاضِيهِ أَبِي يُوسُفَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَبَعَثَ بِهَا إلَيْهِ يَمْتَحِنُهُ بِهَا:
فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ ... وَإِنْ تَخْرِقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ
فَأَنْتَ طَالِقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ ... ثَلَاثًا وَمَنْ يَخْرِقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ
فَبِينِي بِهَا أَنْ كُنْتِ غَيْرَ رَفِيقَةٍ ... وَمَا لِامْرِئٍ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ مُقَدَّمُ
وَقَالَ لَهُ إذَا نَصَبْنَا ثَلَاثًا كَمْ يَلْزَمُهُ، وَإِذَا رَفَعْنَا كَمْ يَلْزَمُهُ فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَحَمَلَ الرُّقْعَةَ لِلْكِسَائِيِّ وَكَانَ مَعَهُ فِي الدَّرْبِ فَقَالَ لَهُ الْكِسَائِيُّ اُكْتُبْ لَهُ فِي الْجَوَابِ يَلْزَمُهُ بِالرَّفْعِ وَاحِدَةٌ وَبِالنَّصْبِ ثَلَاثٌ يَعْنِي أَنَّ الرَّفْعَ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ الثَّانِي وَيَكُونُ مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ فَتَلْزَمُهُ وَاحِدَةٌ وَبِالنَّصْبِ يَكُونُ تَمْيِيزًا لِقَوْلِهِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فَإِنْ، قُلْت إذَا نَصَبْنَاهُ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ تَمْيِيزًا عَنْ الْأَوَّلِ كَمَا، قُلْت وَأَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ مِنْ الثَّانِي أَيْ الطَّلَاقُ مَعْزُومٌ عَلَيْهِ فِي حَالِ كَوْنِهِ ثَلَاثًا أَوْ تَمْيِيزًا لَهُ فَلِمَ خَصَصْته بِالْأَوَّلِ، قُلْت: الطَّلَاقُ الْأَوَّلُ مُنَكَّرٌ يَحْتَمِلُ بِسَبَبِ تَنْكِيرِهِ جَمِيعَ مَرَاتِبِ الْجِنْسِ وَأَعْدَادِهِ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ التَّنْكِيرِ فَاحْتَاجَ لِلتَّمْيِيزِ لِيَحْصُلَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْمُنَكَّرِ الْمَجْهُولِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَمُعَرِّفُهَا اسْتَغْنَى بِتَعْرِيفِهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ النَّاشِئِ عَنْ لَامِ التَّعْرِيفِ عَنْ الْبَيَانِ فَهَذَا هُوَ الْمُرَجَّحُ وَيُحْكَى أَنَّ الرَّشِيدَ بَعَثَ لَهُ بِهَذِهِ الرُّقْعَةِ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَبَعَثَ أَبُو يُوسُفَ الْجَوَابَ بِهَا أَوَّلَ اللَّيْلِ عَلَى حَالِهِ وَجَاءَهُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ بِغَالٌ مُوسَقَةٌ قُمَاشًا وَتُحَفًا جَائِزَةً عَلَى جَوَابِهِ فَبَعَثَ بِهَا أَبُو يُوسُفَ إلَى الْكِسَائِيّ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا شَيْئًا بِسَبَبِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَعَانَهُ عَلَى الْجَوَابِ فِيهَا.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ أَيْضًا ثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ وَكَانَ الثَّابِتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْإِبَاحَةَ الْمَنْسُوبَةَ إلَى سَبَبٍ مَخْصُوصٍ فَظَهَرَ أَنَّ الْغَايَةَ عَلَى بَابِهَا لَمْ تُخَالِفْ مُقْتَضَاهَا بَلْ هِيَ مَعْمُولٌ بِهَا وَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ عَنْ الْآيَةِ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ الِامْتِثَالُ مَعَ بَقَاءِ الْعِصْيَانِ إمَّا فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ وَإِمَّا فِي فِعْلٍ مُتَعَدِّدٍ فَكَانَ عَاصِيًا مُمْتَثِلًا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَأْمُورًا مَنْهِيًّا مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ تَكْلِيفٌ بِالْمُحَالِ لَا يُمْكِنُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا بِالْخُرُوجِ وَالتَّوْبَةِ فِي وَجْهٍ يُمْكِنُهُ وَلَا يُمْكِنُ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ النَّهْيِ فِي نَفْسِ الْخُرُوجِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَرْتَفِعَ حُكْمُ النَّهْيِ فِي الْخُرُوجِ وَذَلِكَ فِي مَسَائِلَ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً بِهِ ثُمَّ تَابَ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا قَالَ أَبُو هَاشِمٍ هُوَ عَلَى حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِانْفِصَالِهِ عَنْ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَرَدَّ النَّاسُ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَنْ تَابَ عَنْ الْقَتْلِ بَعْدَ رَمْيِ السَّهْمِ عَنْ الْقَوْسِ وَقَبْلَ وُصُولِهِ إلَى الرَّمِيَّةِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) مَنْ تَابَ مِنْ بِدْعَتِهِ بَعْدَمَا بَثَّهَا فِي النَّاسِ وَقَبْلَ أَخْذِهِمْ بِهَا أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَبْلَ رُجُوعِهِمْ عَنْهَا
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) مَنْ رَجَعَ عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِهَا وَقَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ وَبِالْجُمْلَةِ بَعْدَ تَعَاطِي السَّبَبِ عَلَى كَمَالِهِ وَقَبْلَ تَأْثِيرِهِ وَوُجُودِ مَفْسَدَتِهِ أَوْ بَعْدَ وُجُودِهَا وَقَبْلَ ارْتِفَاعِهَا إنْ أَمْكَنَ ارْتِفَاعُهَا فَقَدْ اجْتَمَعَ عَلَى الْمُكَلَّفِ هُنَا الِامْتِثَالُ مَعَ بَقَاءِ الْعِصْيَانِ وَقَدْ أَشَارَ الْإِمَامُ فِي الْبُرْهَانِ إلَى تَصْوِيرِ هَذَا الِاجْتِمَاعِ وَصِحَّتِهِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ عِصْيَانٌ فَانْسَحَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ التَّسَبُّبِ وَإِنْ ارْتَفَعَ بِالتَّوْبَةِ لِأَنَّ أَصْلَ التَّسَبُّبِ أَنْتَجَ مُسَبَّبَاتٍ خَارِجَةً عَنْ نَظَرِهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا مُمْتَثِلًا هُنَا إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لَا يَتَوَارَدَانِ عَلَيْهِ فِي هَذَا التَّصْوِيرِ لِأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْعِصْيَانِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ لِأَنَّهُ مُسَبَّبٌ غَيْرُ دَاخِلٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَلَا نَهْيَ إذْ ذَاكَ، وَمِنْ جِهَةِ الِامْتِثَالِ مُكَلَّفٌ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْخُرُوجِ وَمُمْتَثِلٌ بِهِ فَلَوْ نَظَرَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْمُسَبَّبَ خَارِجٌ عَنْ نَظَرِ الْمُكَلَّفِ لَمْ يَسْتَبْعِدُوا اجْتِمَاعَ الِامْتِثَالِ مَعَ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ الْمَعْصِيَةِ إلَى الِانْفِصَالِ عَنْ الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ بَلْ وَجَدُوا نَفْسَ الْخُرُوجِ ذَا وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) وَجْهُ كَوْنِهِ سَبَبًا فِي الْخُلُوصِ عَنْ التَّعَدِّي بِالدُّخُولِ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ مِنْ كَسْبِهِ
(وَالثَّانِي) كَوْنُهُ نَتِيجَةَ دُخُولِهِ ابْتِدَاءً وَلَيْسَ مِنْ كَسْبِهِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ إذْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْكَفِّ عَنْهُ فَاتَّضَحَ حِينَئِذٍ مَعْنَى مَا أَرَادَهُ الْإِمَامُ وَأَبُو هَاشِمٍ وَأَنَّ مَا اعْتَرَضَ بِهِ عَلَيْهِمَا لَا يَرِدُ مَعَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إذَا تَأَمَّلَهَا أَفَادَهُ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِي الْمُوَافَقَاتِ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْمُكَلَّفَ إذَا تَرَكَ الصَّلَاةَ وَزَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَتَلَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فَقَدْ أُبِيحَ دَمُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَإِذَا
стр. 624
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الذَّوَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الصِّفَاتِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْبَابَيْنِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ غَيْرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الصِّفَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى فِيهِ بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ فِي الظَّاهِرِ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الذَّوَاتِ وَبَيَانُ ذَلِكَ بِمَسْأَلَتَيْنِ
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى نَقْلُ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ، وَقَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ إنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً إنْ كَانَ مُسْتَفْتِيًا.
وَقَالَ نَوَيْت ذَلِكَ وَفِي مَوْضِعٍ لَوْ سَكَتَ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيَخْتَلِفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ آتٍ بِمَا لَا يُشْبِهُ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ، وَيَخْتَلِفُ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَوَّلِ وَإِنْ قَالَ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً وَأَعَادَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يَقَعُ عَلَيْهِ اثْنَتَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ طَلْقَتَانِ إنْ أَعَادَهُ عَلَى طَلْقَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ إنْ أَعَادَهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمَسَائِلِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَتَقْرِيرُهَا وَإِيضَاحُهَا أَنْ تَقُولَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعْنَاهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَالطَّلَاقُ مَصْدَرٌ قَدْ وَصَفَهُ بِالْوَحْدَةِ فَهَاهُنَا حِينَئِذٍ صِفَةٌ وَمَوْصُوفٌ فِي كَلَامِهِ فَإِنْ قَصَدَ رَفْعَ الصِّفَةِ دُونَ الْمَوْصُوفِ فَقَدْ رَفَعَ بَعْضَ مَا نَطَقَ بِهِ فَيَصِحُّ وَلَنَا قَاعِدَةٌ عَقْلِيَّةٌ أَنَّ كُلَّ ضِدَّيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا إذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ ثُبُوتُ الْآخَرِ كَقَوْلِك هَذَا الْعَدَدُ لَيْسَ بِزَوْجٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ فَرْدًا.
وَلَيْسَ بِفَرْدٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا؛ لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ فِي الْعَدَدِ، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ فِي حَقِيقَةِ الْمَصْدَرِ فَإِذَا رَفَعَ الْوَحْدَةَ مِنْ مَصْدَرِ الطَّلَاقِ تَعَيَّنَ ضِدُّهَا وَهُوَ الْكَثْرَةُ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْكَثْرَةِ اثْنَانِ فَيَلْزَمُهُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ عَلَيْهِمَا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا سِتُّ حَالَاتٍ الْحَالَةُ الْأُولَى مَا تَقَدَّمَ الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ وَاحِدَةً قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ الصِّفَةَ وَحْدَهَا.
ثُمَّ يَسْتَثْنِيَهَا فَاسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ جُمْلَةَ مَا وَضَعَهُ أَوَّلًا الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ وَاحِدَةً نَفْسَ الطَّلَاقِ مِنْ حَيْثُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الذَّوَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الصِّفَاتِ)
قُلْت هَذَا الْفَرْقُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقَانِ اللَّذَانِ بَعْدَهُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَفَا الْأَوْلِيَاءُ عَنْ الْقِصَاصِ ذَهَبَتْ الْإِبَاحَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ الْقَتْلِ وَثَبَتَتْ الْإِبَاحَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمَذْكُورَةِ فَصَارَ مُبَاحَ الدَّمِ وَغَيْرَ مُبَاحِهِ لَكِنْ بِاعْتِبَارَيْنِ فَتَأَمَّلْ (وَمِنْهَا) اجْتِمَاعُ التَّحْرِيمِ مُضَاعَفًا فِي أَئِمَّةٍ، وَتَعَلُّقَاتُ الْخِطَابِ فِيهِ بِتَصَوُّرٍ مِنْ حَيْثُ إنَّ الزِّنَى مُحَرَّمٌ وَبِالْبِنْتِ أَشَدُّ وَبِهَا فِي الصَّوْمِ أَشَدُّ وَمَعَ الْإِحْرَامِ أَشَدُّ وَفِي الْكَعْبَةِ أَشَدُّ فَيَكُونُ هَذَا الْفِعْلُ مُحَرَّمًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ وَأَنَّهُ مُضَاعَفٌ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَخِطَابُ التَّحْرِيمِ قَدْ حَصَلَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَرْبَعَ تَعْلِيقَاتٍ فَإِذَا تَصَوَّرْت اجْتِمَاعَ التَّحْرِيمَاتِ تَصَوَّرْت ارْتِفَاعَ بَعْضِهَا وَحُصُولَ الْإِبَاحَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُرْتَفِعِ مَعَ التَّحْرِيمِ بِالنِّسْبَةِ لِبَاقِي الْأَسْبَابِ وَتَصَوَّرْت أَيْضًا اجْتِمَاعَ الْوُجُوبَاتِ بِتَظَافُرِ أَسْبَابِهَا عَلَى الْفِعْلِ وَأَنَّهُ قَدْ يَرْتَفِعُ بَعْضُهَا فَيَحْصُلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى ذَلِكَ السَّبَبِ الْمُرْتَفِعِ وَالْوُجُوبُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَسْبَابِ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ تَارَةً تَثْبُتُ مُطْلَقَةً وَتَارَةً بِالنِّسْبَةِ إلَى سَبَبٍ مُعَيَّنٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُقَرُّ مِنْ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وَقَاعِدَةُ مَا لَا يُقَرُّ مِنْهَا]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُقَرُّ مِنْ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُقَرُّ مِنْهَا)
فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ إذَا كَانَ مِنْ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَقَدْ كَانَ انْعَقَدَ النِّكَاحُ عَلَى مَنْ يَصِحُّ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُصَحِّحُ ذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا انْعَقَدَ النِّكَاحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعٍ كَعَشْرٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْإِسْلَامِ كَالْأُخْتَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَمِنْ الْأُخْتَيْنِ وَاحِدَةً أَيَّتَهمَا شَاءَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى يَخْتَارُ الْأَوَائِلَ مِنْهُمْ فِي الْعَقْدِ فَإِنْ تَزَوَّجَهُنَّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ فَارَقَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَأْنَفَ نِكَاحَ أَيَّتِهِمَا شَاءَ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ غَيْرُهُ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ أَثَرَانِ
(أَحَدُهُمَا) مُرْسَلُ مَالِكٍ أَنَّ «غَيْلَانَ بْنَ سَلَامَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَسْلَمْنَ مَعَهُ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُمْ أَرْبَعًا»
(الْحَدِيثُ الثَّانِي) حَدِيثُ «قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ أَسْلَمَ عَلَى الْأُخْتَيْنِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اخْتَرْ أَيَّتَهمَا شِئْت» (وَأَمَّا) الْقِيَاسُ الْمُخَالِفُ لِلْأَثَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَتَشْبِيهُ الْعَقْدِ عَلَى الْأَوَاخِرِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِالْعَقْدِ عَلَيْهِنَّ بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَعْنِي أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْعَقْدَ عَلَيْهِنَّ فَاسِدٌ فِي الْإِسْلَامِ كَذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفِيهِ ضَعْفٌ. اهـ
بِتَصَرُّفٍ وَوَجْهُ الضَّعْفِ يَتَّضِحُ مِمَّا سَيَأْتِي فَتَنَبَّهْ وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ يَخْتَارُ أَرْبَعًا مِنْ الْعَشَرَةِ مُطْلَقًا وَأَيَّ وَاحِدَةٍ شَاءَ
стр. 625
هُوَ طَلَاقٌ وَلَا يَأْخُذُهُ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَلَا بِقَيْدِ الْكَثْرَةِ، ثُمَّ يُورِدُ الِاسْتِثْنَاءَ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَ مَا وَضَعَهُ
(الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ) أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا الْمَصْدَرَ الْمَوْصُوفَ بِالْوَحْدَةِ وَيَقْصِدَ بِقَوْلِهِ إلَّا وَاحِدَةً الطَّلَاقَ الْمَوْصُوفَ بِالْوَحْدَةِ فَلَا يَنْفَعُهُ أَيْضًا اسْتِثْنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ جُمْلَةَ مَا وَضَعَهُ
(الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ) أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِ الْأَوَّلِ الطَّلَاقَ الْمَوْصُوفَ بِالْوَحْدَةِ وَيَقْصِدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَوْصُوفِ وَهُوَ مَفْهُومُ الطَّلَاقِ دُونَ الْوَحْدَةِ فَهَذَا مُسْتَثْنًى لِبَعْضِ مَا نَطَقَ بِهِ مُطَابَقَةً غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ أَصْلِ الطَّلَاقِ نَفْيُ صِفَاتِهِ مِنْ الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ فَتَنْتَفِي الصِّفَةُ أَيْضًا مَعَ الْمَوْصُوفِ فَيَبْطُلُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَيَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بِالْمُطَابَقَةِ وَالِالْتِزَامِ
(الْحَالَةُ السَّادِسَةُ) أَنْ يَسْتَعْمِلَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي الطَّلَاقِ بِوَصْفِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُ الْجِنْسِ وَإِرَادَةُ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا وَاحِدَةً يُرِيدُ بِهَا بَعْضَ ذَلِكَ الْعَدَدِ الَّذِي كَانَ يَقْصِدُهُ لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ وَهُمَا اللَّتَانِ بَقِيَتَا فِي الْأُولَى وَخَرَجَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ الثَّلَاثِ بِالِاسْتِثْنَاءِ فَهَذَا تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبِهَا ظَهَرَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً كَيْف تَلْزَمُهُ اثْنَتَانِ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً إنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَحَدَ هَذِهِ الثَّلَاثِ لَزِمَهُ اثْنَتَانِ.
وَإِنْ أَرَادَ اسْتِثْنَاءَ الصِّفَةِ وَهِيَ الْوَحْدَةِ عَنْ طَلْقَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْبَعُ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّهُ رَفَعَ صِفَةَ الْوَحْدَةِ عَنْ طَلْقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ فَيَقَعُ فِيهَا الْكَثْرَةُ فَتَصِيرُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ طَلْقَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى لُزُومِ أَرْبَعٍ بِالْإِجْمَاعِ اقْتَصَرْنَا عَلَى ثَلَاثٍ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعَ تَطْلِيقَاتٍ وَمِنْ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الصِّفَاتِ قَوْلُ الشَّاعِرِ (:
قَاتَلَ ابْنَ الْبَتُولِ إلَّا عَلِيًّا)
قَالَ الْأُدَبَاءُ مَعْنَاهُ قَاتَلَ ابْنَ فَاطِمَةَ الْبَتُولِ أَيْ الْمُنْقَطِعَةِ عَنْ الْأَزْوَاجِ إلَّا عَنْ عَلِيٍّ فَاسْتَثْنَى مِنْ صِفَتِهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا غَيْرَ أَنَّهُ فِي هَذَا الْكَلَامِ لَمْ يَسْتَثْنِ جُمْلَةَ الصِّفَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ، بَلْ مِنْ مُتَعَلِّقِهَا فَإِنَّ الِانْقِطَاعَ الَّذِي هُوَ التَّبَتُّلُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ الْأَزْوَاجِ كُلِّهَا فَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى مِنْ مُتَعَلِّقِ التَّبَتُّلِ عَلِيًّا ﵁ وَمِنْ التَّبَتُّلِ قَوْلُهُ ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أَيْ انْقَطِعْ إلَيْهِ انْقِطَاعًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ - إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨ - ٥٩] فَهَذَا اسْتِثْنَاءُ نَوْعٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ الْأُخْتَيْنِ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ لِأَنَّا نَحْمِلُ عُقُودَهُمْ عَلَى الصِّحَّةِ مُطْلَقًا تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا سَقَطَ عَنْهُمْ الْقِصَاصُ وَالْغُصُوبُ وَمَا جَنَوْهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَيَثْبُتُ مَا اكْتَسَبُوهُ بِعُقُودِ الرِّبَا وَغَيْرِهِ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُمْ لَوْ فَهِمُوا الْمُؤَاخَذَةَ بِذَلِكَ لَنَفَرُوا عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنْكِحَتُهُمْ عِنْدَهُمْ فَاسِدَةٌ وَإِنَّمَا الْإِسْلَامُ يُصَحِّحُهَا أَيْ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَفْسَدَةٍ تَدُومُ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ أَوْ لَا تَدُومُ لَكِنْ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ كَالزَّوَاجِ فِي الْعِدَّةِ فَيُسْلِمُ فِيهَا أَيْ فِي الْعِدَّةِ فَهُوَ يَبْطُلُ وَإِنْ عَرَى نِكَاحُهُمْ عَنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ صَحَّ بِالْإِسْلَامِ وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا لَا نَقْهَرُهُمْ عَلَى مَا هُوَ فَاسِدٌ عِنْدَ هُمْ إلَّا أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا عِنْدَنَا وَلَوْ اعْتَقَدُوا غَصْبَ امْرَأَةِ أَوْ رِضَاهَا بِالْإِقَامَةِ مَعَ الرَّجُلِ بِغَيْرِ عَقْدٍ أَقْرَرْنَاهُمْ. اهـ
قَالَ الْأَصْلُ سَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْقَضَاءُ بِبُطْلَانِ أَنْكِحَتِهِمْ مُطْلَقًا مُشْكِلٌ مِنْ وُجُوهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) وِلَايَةُ الْكَافِرِ لِلْكَافِرَةِ صَحِيحَةٌ وَالشَّهَادَةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الْعَقْدِ حَتَّى نَقُولَ لَا تَصِحُّ شَهَادَتُهُمْ لِكُفْرِهِمْ عَلَى أَنَّا لَوْ قُلْنَا إنَّهَا شَرْطٌ وَأَشْهَدَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ وَالْمُسْلِمُ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ شُهُودٍ لَهُ أَنْ يُشْهِدَ بَعْدَ الْعَقْدِ وَيَسْتَقِرَّ عَقْدُهُ وَإِنَّمَا غَايَةُ مَا فِي الْبَابِ أَنَّ صَدَاقَهُمْ قَدْ يَقَعُ بِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ الْخَمْرِ وَهَذَا قَدْ يَقَعُ فِي أَنْكِحَةِ عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ وَجُهَّالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ بِحَيْثُ تُحْمَلُ بَعْضُ الشُّرُوطِ أَوْ كُلُّهَا فَكَمَا لَا نَقْضِي بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ نُفَصِّلُ وَنَقُولُ مَا صَادَفَ الْأَوْضَاعَ الشَّرْعِيَّةَ وَاجْتَمَعَتْ شَرَائِطُهُ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِلَّا فَلَا كَذَلِكَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا نَقْضِي بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ نُفَصِّلُ بِالتَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ بِأَنْ نَقُولَ بِصِحَّةِ مَا صَادَفَ سَوَاءٌ أَسْلَمُوا أَمْ لَا وَمَا لَمْ يُصَادِفْ فَهُوَ بَاطِلٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَقَدْ يَصِحُّ بِالْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَذْهَبَ تَقْرِيرُ رِضَاهُمْ بِالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقَانُونِ أَنْ لَا يُخَيَّرَ بَيْنَ الْأُمِّ وَابْنَتِهَا إذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِمَا بَلْ نَقُولُ إنْ تَقَدَّمَ عَقْدُ الْبِنْتِ صَحِيحًا تَعَيَّنَتْ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَإِذَا أَسْلَمَ عَلَى عَشْرِ نِسْوَةٍ لَا نَقْضِي بِالتَّخْبِيرِ مُطْلَقًا بَلْ نُفَرِّقُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ وَقَعَ مِنْهَا أَرْبَعٌ أَوَّلًا عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ تَعَيَّنَتْ دُونَ مَا بَعْدَهَا وَإِنْ عَقَدَ عَلَى الْعَشَرَةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً خُيِّرَ بَيْنَهُنَّ لِشُمُولِ الطَّلَاقِ لَهُنَّ
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّا إذَا حَكَمْنَا بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ مُطْلَقًا كَانَ يَلِيقُ أَنْ لَا يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمَوَانِعِ الْمَاضِيَةِ وَمَا بَقِيَ
стр. 626
مِنْ الصِّفَةِ وَهِيَ الْمُونَةُ الْأُولَى، وَقَوْلُهُ بِمَيِّتِينَ لَفْظٌ يَشْمَلُهُمْ بِصِفَةِ الْمَوْتِ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَحَدًا، بَلْ بَعْضَ أَنْوَاعِ الصِّفَةِ فَصَارَ الِاسْتِثْنَاءُ تَارَةً يُقْطَعُ فِي جُمْلَةِ الصِّفَةِ كَمَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ وَفِي بَعْضِ أَنْوَاعِهَا كَالْآيَةِ وَفِي بَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِهَا كَالشِّعْرِ الْمُتَقَدِّمِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ تَقُولُ مَرَرْت بِالسَّاكِنِ إلَّا السَّاكِنَ فَتَسْتَثْنِي الصِّفَةَ مِنْ الصِّفَةِ وَهُوَ السُّكُونُ فَقَطْ وَتَتْرُكُ الْمَوْصُوفَ فَتَتَعَيَّنُ لَهُ الْحَرَكَةُ، فَيَكُونُ مُرُورُك بِالْمُتَحَرِّكِ، وَكَذَلِكَ مَرَرْت بِالْمُتَحَرِّكِ إلَّا الْمُتَحَرِّكَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّك مَرَرْت بِالسَّاكِنِ كَمَا تَقَدَّمَ التَّقْرِيرُ، وَقَدْ بَسَطْتُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِثْنَاءِ.
وَهُوَ مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ وَاحِدٌ وَخَمْسُونَ بَابًا وَأَرْبَعُمِائَةِ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا الِاسْتِثْنَاءُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الصِّفَةِ مِنْ أَغْرَبِ أَبْوَابِهِ، وَقَدْ بَسَطْته لَك هَاهُنَا بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَظَهَرَ لَك مَعْنَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الطَّلَاقِ بِسَبَبِهِ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يُفْهَمْ أَصْلًا أَلْبَتَّةَ فَنَفَائِسُ الْقَوَاعِدِ لِنَوَادِرِ الْمَسَائِلِ وَجَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ هَدَانَا اللَّهُ سَوَاءَ السَّبِيلِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءِ الْوَحَدَاتِ مِنْ الطَّلَاقِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ إلَّا خَالِدًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ جُمْلَةٍ مَنْطُوقٍ بِهِ فِي الْمَعْطُوفِ وَالِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا جُعِلَ لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ مُعَرِّضًا لِلنِّسْيَانِ فَيَنْدَرِجُ فِي الْكَلَامِ سَهْوًا فَيَخْرُجُ بِالِاسْتِثْنَاءِ، وَإِذَا قَصَدَ إلَى شَيْءٍ فِي الْمَعْطُوفِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْكَلَامِ الْمُسْتَقِلِّ الْمَقْصُودِ وَعَلَى سِيَاقِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَمْتَنِعُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ جُمْلَةٍ مَنْطُوقٌ بِهِ وَهُوَ الْمَعْطُوفُ كَمَا تَقَدَّمَ غَيْرَ أَنَّ الْأَصْحَابَ جَوَّزُوهُ وَمَا عَلِمْت فِيهِ خِلَافًا وَيُعَلِّلُونَهُ بِأَنَّ الثَّلَاثَ لَهَا عِبَارَتَانِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَكَمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الثَّلَاثِ يَصِحُّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْأُخْرَى وَالْفَرْضُ أَيْضًا أَنَّ خُصُوصَ الْوَحَدَاتِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ بِخِلَافِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خُصُوصٌ لَيْسَ لِلْآخَرِ.
وَأَمَّا الْوَحَدَاتُ فَمُسْتَوِيَةٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَحَدَاتٌ فَصَارَ إجْمَالُهَا وَتَفْصِيلُهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي تَقْرِيرِ فَاسِدِ عُقُودِهِمْ إنْ كَانَ هُوَ التَّرْغِيبَ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَجْهُ لِلتَّفْرِيقِ إذْ لَا يَزِيدُ الزَّوَاجُ فِي الْعِدَّةِ عَلَى قَتْلِ النَّفْسِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَإِنْ كَانَ هُوَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ كَانَ هُنَاكَ وَجْهٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَاضِي مِنْ الْمَوَانِعِ وَالْمُقَارِنِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي إذَا وَطِئَ فِي الْكُفْرِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ مُجْتَمِعِ الشُّرُوطِ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الْإِحْصَانَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْإِسْلَامُ
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ إطْلَاقَ الْخِيَارِ فِي حَدِيثِ غَيْلَانَ الْمُتَقَدِّمِ وَفِيمَا فِي أَبِي دَاوُد عَنْ «أَنَسِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قَالَ أَسْلَمْت وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَأَتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْت لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ اخْتَرْ أَرْبَعًا بِعَامَّتِهِنَّ» كَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَنْكِحَةُ فَاسِدَةً كَمَا قُلْت كَذَلِكَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُفْسِدَاتُ الْوَاقِعَةُ فِي الْكُفْرِ لَا تُعْتَبَرُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُمْ لَوْ اعْتَقَدُوا غَصْبَ الْمَرْأَةِ وَمُجَرَّدَ رِضَاهَا بِغَيْرِ عَقْدٍ ثُمَّ أَسْلَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَقْرَرْنَاهُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ يَمْنَعُ تَأْثِيرَ الْمُفْسِدَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ هَذَا النَّحْوِ فَهَكَذَا كَوْنُهَا خَامِسَةً مَفْسَدَةٌ فِي الْإِسْلَامِ وَإِذَا قَارَنَ الْكُفْرَ اعْتَبَرَهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ تَرْغِيبًا فِي الْإِسْلَامِ وَإِذَا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَلْزَمْ مَا ذَكَرْته مِنْ فَسَادِ الْعُقُودِ بَلْ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَطْ وَهَذَا مُجْمَلٌ فِيمَا ذَكَرْته مِنْ الْفَسَادِ وَالصِّحَّةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ عِلْمِهِ ﷺ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ غَيْلَانَ وَأَنَسِ بْنِ الْحَارِثِ عَقَدَ عَلَيْهِنَّ عَقَدَا وَاحِدًا أَوْ أَنَّهُنَّ عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الْغَصْبِ فَأَقَرَّهُ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ بِالْغَصْبِ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مَذْهَبًا لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَبَيَّنَهُ ﵇ إنِّي إنَّمَا حَكَمْت فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِهَذَا الْحُكْمِ لِأَنِّي أَعْلَمُ مِنْ أَمْرِهَا أَمْرًا يَقْتَضِي هَذَا الْحُكْمَ لِأَنَّهُ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ فَيَتَعَيَّنُ إيضَاحُهَا وَإِزَالَةُ اللَّبْسِ عَنْهَا وَزَوَالُ كُلِّ مَا يُوجِبُ وَهْمًا فِيهَا فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ ﵇ ذَلِكَ عَلِمْنَا أَنَّ الْمُدْرَكَ غَيْرُ عِلْمِهِ بِأَمْرٍ يَخُصُّهَا بَلْ الْحُكْمُ عَامٌّ فِي جَمِيعِ صُوَرِ مَنْ يُسْلِمُ كَيْفَ كَانَتْ عُقُودُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵁ تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ يَقُومُ مَقَامَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ إذْ مَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ جَمِيعَ الصُّوَرِ حُكْمُهَا كَذَلِكَ فَظَهَرَ أَنَّ الْحَقَّ الْأَبْلَجَ الْقَضَاءُ عَلَى عُقُودِهِمْ بِالصِّحَّةِ حَتَّى يُعْلَمَ فَسَادُهَا كَالْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنْ عَقْدِ النِّكَاحِ وَقَادِحٌ فِي صِحَّتِهِ إذْ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً كَافِرَةً لَهَا أَخَوَانِ كَافِرٌ وَمُؤْمِنٌ فَأَرَادَتْ الزَّوَاجَ مَنَعْنَا الْمُسْلِمَ مِنْ تَزْوِيجِهَا وَقُلْنَا لِأَخِيهَا الْكَافِرِ زَوِّجْهَا
لِأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى الْكَافِرَةِ بَلْ الْكُفَّارُ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فَلَوْ أَنَّ نِكَاحَ الْكَافِرِ فَاسِدٌ لَقُلْنَا لِهَذِهِ الْكَافِرَةِ لَا سَبِيلَ لَك إلَى الزَّوَاجِ حَتَّى تُسْلِمِي لِأَنَّ
стр. 627
سَوَاءٌ وَيَلْزَمُ عَلَى سِيَاقِ هَذَا التَّعْلِيلِ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ عِنْدَهُمْ لَا تَتَعَيَّنُ وَإِنْ عُيِّنَتْ فَإِنَّ خُصُوصَ دِرْهَمٍ لَا مَزِيَّةَ لَهُ عَلَى خُصُوصِ دِرْهَمٍ آخَرَ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ فِي هَذَا نَقْلًا فَإِنْ طَرَدُوا أَصْلَهُمْ فَهُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ ظَاهِرًا فِي مَنْعِ الِاسْتِثْنَاءِ مُطْلَقًا وَحَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ الْمَنْعَ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْدُومِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ)
اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ ﵄ اتَّفَقَا عَلَى جَوَازِ التَّعْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ قَبْلَ الْمِلْكِ فَيَقُولُ لِلْأَجْنَبِيَّةِ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلِلْعَبْدِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ فَيَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ إذَا تَزَوَّجَ وَاشْتَرَى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَوَافَقَنَا عَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِالنَّذْرِ قَبْلَ الْمِلْكِ فَيَقُولُ إنْ مَلَكْت دِينَارًا فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي الذِّمَّةِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ فَتَمَسُّكُ الْأَصْحَابِ بِوُجُوهٍ
(أَحَدُهَا) الْقِيَاسُ عَلَى النَّذْرِ فِي غَيْرِ الْمَمْلُوكِ بِجَامِعِ الِالْتِزَامِ بِالْمَعْدُومِ
(وَثَانِيهَا) قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عَقْدَانِ عَقَدَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِمَا
(وَثَالِثُهَا) قَوْلُهُ ﵊ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» ، وَهَذَانِ شَرْطَانِ فَوَجَبَ الْوُقُوفُ مَعَهُمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْكُفْرَ أَحَدُ مَوَانِعِ صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْك فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ عُقُودِهِمْ. اهـ بِتَغْيِيرٍ وَتَوْضِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ زَوَاجِ الْإِمَاءِ فِي مِلْكِ غَيْرِ الزَّوْجِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ زَوَاجِ الْإِنْسَانِ لِإِمَائِهِ الْمَمْلُوكَاتِ لَهُ وَالْمَرْأَةِ لِعَبْدِهَا]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ زَوَاجِ الرَّجُلِ الْإِمَاءَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ وَالْمَرْأَةِ الْعَبْدَ فِي مِلْكِ غَيْرِهَا وَقَاعِدَةِ نِكَاحِ الرَّجُلِ الْإِمَاءَ فِي مِلْكِهِ وَالْمَرْأَةِ الْعَبْدَ فِي مِلْكِهَا)
حَيْثُ إنَّ الثَّانِيَ بَاطِلٌ اتِّفَاقًا فَيُفْسَخُ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ إذَا مَلَكَتْ زَوْجَهَا وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ بِشَرْطِهِ وَهُوَ فِي الرَّجُلِ عَدَمُ الطَّوْلِ وَخَوْفُ الْعَنَتِ كَمَا هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَقَالَ قَوْمٌ يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ أَنْ تَرْضَى هِيَ وَأَوْلِيَاؤُهَا بِذَلِكَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَمْرَيْنِ أَوَّلُهُمَا مَبْنَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بِالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ وَثَانِيهِمَا السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ إذَا نَكَحَ الْحُرُّ أَمَةً وَعَدَمِهِ
(أَمَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) أَيْ مَبْنَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ بِالصِّحَّةِ وَالْبُطْلَانِ فَثَلَاثُ قَوَاعِدَ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَقْصُودُهُ لَا يُشْرَعُ وَنَظَائِرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَثِيرَةٌ (مِنْهَا) أَنَّ الْجَانِيَ فِي صِحَّةِ عَقْلِهِ لَا يُحَدُّ حَالَ جُنُونِهِ أَوْ سُكْرِهِ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِّ الزَّجْرُ بِمَا يُشَاهِدُهُ الْمُكَلَّفُ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ وَالْمُذِلَّاتِ وَالْمَهَانَاتِ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمِرْآةِ الْعَقْلِ (وَمِنْهَا) أَنَّ اللِّعَانَ لِنَفْيِ النَّسَبِ لَا يُشْرَعُ فِي حَقِّ الْمَجْبُوبِ وَمَنْ لَا يُولَدُ لَهُ لِأَنَّ النَّسَبَ لَا يَلْحَقُ بِهِ فَلَا يُفِيدُ اللِّعَانُ شَيْئًا (وَمِنْهَا) أَنَّ عَقْدَ الْبَيْعِ لَا يُشْرَعُ مَعَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَنْمِيَةُ الْمَالِ وَتَحْصِيلُ مَقَاصِدِ الْعِوَضَيْنِ وَذَلِكَ مَعَ الْجَهَالَةِ وَالْغَرَرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ بَلْ هُوَ بَعِيدٌ (وَمِنْهَا) مَا هُنَا مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ نِكَاحُ الرَّجُلِ أَمَتَهُ لِأَنَّ مَقَاصِدَ النِّكَاحِ حَاصِلَةٌ بِالْمِلْكِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَمْ يُحَصِّلُ الْعَقْدُ شَيْئًا
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ مُقْتَضَى الزَّوْجِيَّةِ يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الِاسْتِرْقَاقِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُقْتَضَى الزَّوْجِيَّةِ قِيَامُ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ بِالْحِفْظِ وَالصَّوْنِ وَالتَّأْدِيبِ لِإِصْلَاحِ الْإِحْلَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] وَمُقْتَضَى الِاسْتِرْقَاقِ قِيَامُ السَّادَاتِ عَلَى الرَّقِيقِ بِالْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِهَانَةِ لِلْأَعْمَالِ وَإِصْلَاحِ الْأَخْلَاقِ وَمَعَ تَنَاقُضِ آثَارِ الْحُقُوقِ يَتَعَذَّرُ أَنْ تَكُونَ أَمَةُ الْإِنْسَانِ زَوْجَتَهُ وَعَبْدُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ كُلَّ أَمْرَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ يُقَدِّمُ الشَّرْعُ أَقْوَاهُمَا عَلَى أَضْعَفِهِمَا فَمِنْ ذَلِكَ الرِّقُّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَقْتَضِي مَعَ مِلْكِ الرَّقَبَةِ صِحَّةَ الْإِيجَارِ وَالْإِخْدَامِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ الْمَنَافِعِ الَّتِي بَعْضُهَا حِلُّ الْوَطْءِ يَكُونُ أَيْ الرِّقُّ أَقْوَى مِنْ النِّكَاحِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ إنْ طَرَأَ هُوَ عَلَيْهِ كَمَا إذَا اشْتَرَى الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ وَلَا يَبْطُلُ إنْ طَرَأَ النِّكَاحُ عَلَيْهِ كَمَا إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ لِيَتَحَقَّقَ أَثَرُ قُوَّتِهِ عَلَيْهِ فَلَا يُقَالُ كَانَ يَنْبَغِي حَيْثُ فُسِخَ النِّكَاحُ بِطُرُوِّهِ عَلَيْهِ لِوُرُودِ الْمُنَافِي أَنْ يَبْطُلَ الْمِلْكُ بِطُرُوِّ النِّكَاحِ عَلَيْهِ لِذَلِكَ فَافْهَمْ وَأَمَّا
(الْأَمْرُ الثَّانِي) أَيْ السَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي كَوْنِ نِكَاحِ الْحُرِّ الْأَمَةَ يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ الطَّوْلِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ أَمْ لَا فَهُوَ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ﴾ [النساء: ٢٥] الْآيَةَ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النور: ٣٢] الْآيَةَ الْأَوْلَى يَقْتَضِي أَنْ لَا يَحِلَّ نِكَاحُ الْأَمَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) عَدَمُ الطَّوْلِ إلَى الْحُرَّةِ وَالثَّانِي خَوْفُ الْعَنَتِ وَعُمُومُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ لَكِنْ دَلِيلُ الْخِطَابِ أَقْوَى هَاهُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ الْعُمُومِ لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِيهِ إلَى صِفَاتِ الزَّوْجِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي نِكَاحِ الْإِمَاءِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ بِهِ الْأَمْرُ
стр. 628
وَأَجَابَ الشَّافِعِيَّةُ
(عَنْ الْأَوَّلِ) بِأَنَّ النَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضَ يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَمِ فَوَقَعَ الِالْتِزَامُ بِنَاءً عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ لَا يَثْبُتَانِ فِي الذِّمَمِ وَالتَّصَرُّفُ يَعْتَمِدُ الْمَوْجُودَ الْمُعَيَّنَ أَوْ مَا فِي الذِّمَّةِ، وَإِذَا انْتَفَيَا مَعًا بَطَل التَّصَرُّفُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَيْعَ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى مُعَيَّنٍ وَلَا فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ كَذَلِكَ هَاهُنَا
(وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] أَمْرٌ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَالْأَوَامِرُ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ وَالْعَقْدُ قَدْ وَقَعَ وَصَارَ مَاضِيًا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ إلَّا بِالْوَفَاءِ بِهِ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْأَمْرَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَفَاءِ بِمُقْتَضَاهُ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ أَوْفُوا بِمُقْتَضَيَاتِ الْعُقُودِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ وَيُوَفَّى بِمُقْتَضَاهُ وَلَكِنَّ النِّزَاعَ فِي مُقْتَضَاهُ مَا هُوَ هَلْ لُزُومُ الطَّلَاقِ أَمْ لَا فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْآيَةِ، وَهَذَا هُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَإِنَّ الْكَوْنَ عِنْدَ الشُّرُوطِ إنَّمَا هُوَ الْوَفَاءُ بِمُقْتَضَاهَا وَكَوْنَ الطَّلَاقِ مِنْ مُقْتَضَاهَا هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَلِلْمَالِكِيَّةِ أَنْ يُجِيبُوا عَنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ بِأَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَمُقْتَضَى الشَّرْطِ هُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ لُغَةً؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَاهُ إجْمَاعًا.
وَأَمَّا الْمُقْتَضَى الشَّرْعِيُّ فَهُوَ صُورَةُ النِّزَاعِ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَمَسَّكُ بِالْمُقْتَضَى اللُّغَوِيِّ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُقْتَضَى اللُّغَوِيَّ فِي الْعَقْدِ وَالشَّرْطِ هُوَ لُزُومُ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُقْتَضَى الشَّرْعِيِّ لَكَانَ التَّقْدِيرُ أَوْفُوا بِمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ شَرْعًا الْوَفَاءُ بِهِ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ الْوُجُوبَ إلَّا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى الْمُقْتَضَى اللُّغَوِيِّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِإِنْكَاحِهِنَّ وَهُوَ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ إرْقَاقِ الرَّجُلِ وَلَدَهُ. اهـ
كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ مُلَخَّصًا قَالَ وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ لَمْ يُجِيزُوا النِّكَاحَ إلَّا بِالشَّرْطَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا فِي فَرَعَيْنَ مَشْهُورَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) هَلْ الْحُرَّةُ إذَا كَانَتْ تَحْتَهُ طُولٌ أَوْ لَيْسَتْ بِطُولٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هِيَ طُولٌ وَقَالَ غَيْرُهُ لَيْسَتْ بِطُولٍ وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْقَوْلَانِ
(وَالْفَرْعُ الثَّانِي) هَلْ يَجُوزُ لِمَنْ فِيهِ هَذَانِ الشَّرْطَانِ نِكَاحُ أَكْثَرَ مِنْ أَمَةٍ وَاحِدَةٍ وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي الْفَرْعَيْنِ هُوَ أَنَّ خَوْفَ الْعَنَتِ هَلْ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا فِي الْعَزَبِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَزَبًا بَلْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكَاحُ الْأَمَةِ لَوْ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ عَزَبًا أَوْ مُتَأَهِّلًا لِأَنَّهُ قَدْ لَا تَكُونُ الزَّوْجَةُ الْأُولَى حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً مَانِعَةً مِنْ الْعَنَتِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ عَلَى حُرَّةٍ تَمْنَعُهُ مِنْ الْعَنَتِ فَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ عَلَى الْأُولَى وَلَوْ حُرَّةً أَمَةً لِأَنَّ مَعَ هَذِهِ الْحُرَّةِ فِي خَوْفِ الْعَنَتِ كَحَالِهِ قَبْلَهَا وَبِخَاصَّةِ إذَا خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْ الْأَمَةِ الَّتِي يُرِيدُ نِكَاحَهَا لَكِنْ اعْتِبَارُ خَوْفِ الْعَنَتِ مُطْلَقًا فِيهِ نَظَرٌ وَإِذَا قُلْنَا إنَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَى الْحُرَّةِ أَمَةً فَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا فَهَلْ لَهَا الْخِيَارُ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ أَوْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ؟
قَوْلَانِ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إذَا وَجَدَ طَوْلًا بِحُرَّةٍ هَلْ يُفَارِقُ الْأَمَةَ أَمْ لَا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيمَا إذَا ارْتَفَعَ عَنْهُ خَوْفُ الْعَنَتِ أَنَّهُ لَا يُفَارِقُهَا. اهـ مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَجْرِ عَلَى النِّسْوَانِ فِي الْإِبْضَاعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَجْرِ عَلَيْهِمْ فِي الْأَمْوَالِ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَجْرِ عَلَى النِّسْوَانِ فِي الْإِبْضَاعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ الْحَجْرِ عَلَيْهِنَّ فِي الْأَمْوَالِ)
قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ لَا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَعْقِدَ لِنَفْسِهَا وَلَا لِغَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا رَشِيدَةً فِي مَالِهَا أَوْ سَفِيهَةً دَنِيَّةً عَفِيفَةً أَوْ فَاجِرَةً أَذِنَ لَهَا الْوَلِيُّ أَوْ لَا وَيَجُوزُ لَهَا إنْ كَانَتْ رَشِيدَةً التَّصَرُّفُ فِي مَالِهَا وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلِيِّ وَإِنْ كَانَ أَبَاهَا الَّذِي لَهُ وِلَايَةُ الْجَبْرِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا إلَّا إذَا كَانَتْ سَفِيهَةً قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَقَالَ بِاشْتِرَاطِ الْوَلِيِّ فِي الْبِكْرِ وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهِ فِي الثَّيِّبِ مُحْتَجًّا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» اهـ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ يَجُوزُ لِلرَّشِيدَةِ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا مُحْتَجًّا عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ خَمْسَةٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَجْرِ عَلَى الْعَاقِلِ الْبَالِغِ وَهِيَ عَاقِلَةٌ بَالِغَةٌ فَيَزُولُ الْحَجْرُ عَنْهَا مُطْلَقًا فِي نَفْسِهَا
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ كَمَا يُكْتَفَى بِالرُّشْدِ فِي التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ كَذَلِكَ يُكْتَفَى بِهِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ تَصَرُّفُهَا فِي نَفْسِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَعْلَمُ بِأَغْرَاضِهَا مِنْ وَلِيِّهَا أَوْلَى مِنْ تَصَرُّفِهَا فِي مَالِهَا لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْمَالِ الَّتِي هِيَ التَّنْمِيَةُ مَعْلُومَةٌ لِلْوَلِيِّ كَمَا هِيَ مَعْلُومَةٌ لِلْمَرْأَةِ
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى نَفْسِهَا
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَضَافَ إلَيْهِنَّ فِي غَيْرِ مَا آيَةٍ مِنْ الْكِتَابِ الْفِعْلَ فَقَالَ ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] وَقَالَ ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وَلَمْ يُضِفْهُ إلَى الْوَلِيِّ وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي إذْنِ الشَّرْعِ لَهُنَّ فِي الْمُبَاشَرَةِ
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ مَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ وَإِذَا دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِيهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَإِنْ اسْتَدَلَّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ
стр. 629
لَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ اللُّغَةِ عَلَى الشَّرَائِعِ وَهَاهُنَا قَاعِدَةٌ يُشْكِلُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ بِاعْتِبَارِهَا وَهُوَ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ شَرَّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِحِكْمَةٍ لَا يُشَرِّعُهُ عِنْدَ عَدَمِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ كَمَا شَرَّعَ التَّعْزِيرَاتِ وَالْحُدُودَ لِلزَّجْرِ وَلَمْ يُشَرِّعْهَا فِي حَقِّ الْمَجَانِينِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُمْ حَالَةَ التَّكْلِيفِ لِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِمَقَادِير انْخِرَاقِ الْحُرْمَةِ وَالذِّمَّةِ وَالْمَهَانَةِ فِي حَالَةِ الْغَفْلَةِ فَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ وَشَرَّعَ الْبَيْعَ لِلِاخْتِصَاصِ بِالْمَنَافِعِ فِي الْغَرَضَيْنِ وَلَمْ يُشَرِّعْهُ فِيمَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ وَلَا فِيمَا كَثُرَ غَرَرُهُ أَوْ جَهَالَتُهُ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الِانْتِفَاعِ مَعَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ الْمُخِلَّيْنِ بِالْأَرْبَاحِ وَحُصُولِ الْأَعْيَانِ وَشَرَّعَ اللِّعَانَ لِنَفْيِ النَّسَبِ وَلَمْ يُشَرِّعْهُ لِلْمَجْبُوبِ وَالْخَصِيِّ لِانْتِفَاءِ النَّسَبِ بِغَيْرِ لِعَانٍ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَضَابِطُهُ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ لَا يُشَرَّعُ وَالنِّكَاحُ سَبَبٌ شُرِّعَ لِلتَّنَاسُلِ وَالْمُكَارَمَةِ وَالْمَوَدَّةِ فَمَنْ قَالَ بِشَرْعِيَّتِهِ فِي صُورَةِ التَّعْلِيقِ قَبْلَ الْمِلْكِ فَقَدْ الْتَزَمَ شَرْعِيَّتَهُ مَعَ انْتِفَاءِ حِكْمَتِهِ فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَلَيْهَا الْعَقْدُ أَلْبَتَّةَ لَكِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ إجْمَاعًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ تَحْصِيلًا لِحِكْمَةِ الْعَقْدِ.
وَأَمَّا وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَتَبْعِيضُ الطَّلَاقِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ فَأُمُورٌ تَابِعَةٌ لِمَقْصُودِ الْعَقْدِ لَا أَنَّهَا مَقْصُودُ الْعَقْدِ فَلَا يُشَرَّعُ الْعَقْدُ لِأَجْلِهَا فَحَيْثُ أَجْمَعْنَا عَلَى شَرْعِيَّتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ حِكْمَتِهِ وَهُوَ بَقَاءُ النِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَقَاصِدِهِ، وَهَذَا مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ عَلَى أَصْحَابِنَا فَتَأَمَّلْهُ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك أَيْضًا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبَحْثِ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَتَرَتَّبُ فِي الذِّمَمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا أَذِنَ لَهَا يَجُوزُ عَقْدُهَا وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَقْدَهَا عَلَى نَفْسِهَا إذَا صَحَّ مَعَ الْإِذْنِ صَحَّ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ
(وَالْجَوَابُ) عَنْ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ أَنَّ الدَّلِيلَ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ قَدْ دَلَّ عَلَى مُخَالَفَةِ ذَلِكَ الْأَصْلِ أَمَّا مِنْ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] فَخَاطَبَ الْأَوْلِيَاءَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ لَتَعَذَّرَ ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ لِلْأَوْلِيَاءِ بِيعُوا أَمْوَالَ النِّسَاءِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ فِي الْأَمْوَالِ لَهُنَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ خِطَابًا لِلْأَزْوَاجِ خِلَافُ الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ قَالَ أَنْكِحُوا بِالْهَمْزَةِ وَلَوْ أَرَادَ الْأَزْوَاجَ لَقَالَ ذَلِكَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَكَانَتْ الْأَلْفُ لِلْوَصْلِ وَإِنْ كَانَ بِالْهَمْزِ فِي الْأَزْوَاجِ لَهُ وَجْهٌ فَالظَّاهِرُ أَوْلَى فَلَا يُعْدَلُ إلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ. اهـ
قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْأَحْكَامِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ النِّكَاحُ بِوَلِيٍّ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَلا تَنْكِحُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] إلَخْ بِضَمِّ التَّاءِ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ وَدَلَالَةٌ صَحِيحَةٌ اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ كَوْنَهُ خِطَابًا لِلْأَوْلِيَاءِ أَظْهَرُ مِنْ كَوْنِهِ خِطَابًا لِأُولِي الْأَمْرِ لِوَجْهَيْنِ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَوْلِيَاءِ إذْ السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ
(الثَّانِي) أَنَّ الضَّرَرَ بِزَوَاجِ غَيْرِ الْأَكْفَاءِ إنَّمَا يَتَعَدَّى بِالْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ الشَّنْعَاءِ لِلْأَوْلِيَاءِ لَا وَلِيِّ الْأَمْرِ مِنْهُمْ فَهُمْ أَحَقُّ بِخِطَابِ الْإِرْشَادِ مِنْهُ فَافْهَمْ وقَوْله تَعَالَى ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ نَهْيِ قَرَابَةِ الْمَرْأَةِ وَعَصَبَتِهَا مِنْ أَنْ يَمْنَعُوهَا النِّكَاحَ إلَّا أَنَّهُ يَقْتَضِيَ أَنَّ لَهُمْ حَقًّا فِي مَنْعِهَا مِنْ النِّكَاحِ عَلَى غَيْرِ الْأَكْفَاءِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِنَهْيِهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى وَثُبُوتُ حَقٍّ لَهُمْ فِي الْمَنْعِ الْمَذْكُورِ يَسْتَلْزِمُ اشْتِرَاطَ إذْنِهِمْ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَأَمَّا مِنْ السُّنَّةِ فَقَوْلُهُ ﵊ «لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا» خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
٢ -
(وَعَنْ الْوَجْهِ الثَّانِي) بِأَنَّ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِبْضَاعِ وَقَاعِدَةِ الْأَمْوَالِ ثَلَاثَةَ فُرُوقٍ
(الْفَرْقُ الْأَوَّلُ) أَنَّ الْإِبْضَاعَ أَشَدُّ خَطَرًا وَأَعْظَمُ قَدْرًا فَنَاسَبَ أَنْ لَا تُفَوَّضَ إلَّا لِكَامِلِ الْعَقْلِ يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِهَا وَالْأَمْوَالُ لَمَّا كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا خَسِيسَةً جَازَ أَنْ نُفَوِّضَ لِمَالِكِهَا إذْ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَتَصَرَّفَ فِي الْمَالِ إلَى مَالِكُهُ
(وَالْفَرْقُ الثَّانِي) أَنَّ الْإِبْضَاعَ يَعْرِضُ لَهَا تَنْفِيذُ الْأَغْرَاضِ فِي تَحْصِيلِ الشَّهَوَاتِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي يُبْذَلُ لِأَجْلِهَا عَظِيمُ الْمَالِ فَيُغَطِّي مِثْلُ هَذَا الْهَوَى عَلَى عَقْلِ الْمَرْأَةِ لِضَعْفِهِ وُجُوهَ الْمَصَالِحِ فَتُلْقِي نَفْسَهَا لِأَجْلِ هَوَاهَا فِيمَا يُرْدِيهَا فِي دُنْيَاهَا وَأُخْرَاهَا فَحُجِرَ عَلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ لِاحْتِمَالِ تَوَقُّعِ مِثْلِ هَذَا الْهَوَى الْمُفِيدِ وَلَا يَحْصُلُ فِي الْمَالِ مِثْلُ ذَلِكَ
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا حَصَلَتْ فِي الْإِبْضَاعِ بِسَبَبِ زَوَاجِ غَيْرِ الْأَكْفَاءِ وَحَصَلَ الضَّرَرُ لِلْمَرْأَةِ تَعَدَّى مِنْهَا لِلْأَوْلِيَاءِ بِالْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ الشَّنْعَاءِ وَإِذَا حَصَلَ الْفَسَادُ فِي الْأَمْوَالِ وَحَصَلَ الضَّرَرُ عَلَى الْمَرْأَةِ لَا يَكَادُ يَتَعَدَّاهَا وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْعَارِ وَالْفَضِيحَةِ مَا فِي الْإِبْضَاعِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا مِنْ الْأَرَاذِلِ الْأَخِسَّاءِ فَهَذِهِ فُرُوقٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فَمِنْ هُنَا لَمَّا سُئِلَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَنْ الْمَرْأَةِ تُزَوِّجُ نَفْسَهَا قَالَ فِي الْجَوَابِ الْمَرْأَةُ مَحَلُّ الزَّلَلِ، وَالْعَارُ إذَا وَقَعَ لَمْ يَزُلْ، وَعَنْ
(الْوَجْهِ الثَّالِثِ) بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلَخْ النَّهْيُ عَنْ التَّثْرِيبِ عَلَيْهِنَّ فِيمَا اسْتَبْدَدْنَ بِفِعْلِهِ دُونَ أَوْلِيَائِهِنَّ وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْءٌ يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَبِدَّ بِهِ الْمَرْأَةُ دُونَ الْوَلِيِّ إلَّا عَقْدُ النِّكَاحِ فَظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ لَهَا أَنْ تَعْقِدَ النِّكَاحَ وَلِلْأَوْلِيَاءِ الْفَسْخَ إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَعْرُوفِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الشَّرْعِ فَالِاحْتِجَاجُ بِهَا عَلَى أَنَّ لَهَا الْعَقْدَ وَلَيْسَ لِأَوْلِيَائِهَا فَسْخُهُ مُطْلَقًا احْتِجَاجٌ بِبَعْضِ ظَاهِرِ
стр. 630
وَبَيْنَ مَا لَا يَتَرَتَّبُ (وَأَمَّا) تَهْوِيلُ الشَّافِعِيَّةِ بِقَوْلِهِمْ الطَّلَاقُ حِلٌّ وَالنِّكَاحُ عَقْدٌ وَالْحِلُّ لَا يَكُونُ قَبْلَ الْعَقْدِ وَبِمَا يَرْوُونَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ وَلَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» (فَالْجَوَابُ) أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ نَقُلْ بِهِ فِي غَيْرِ عَقْدٍ؛ لِأَنَّا لَمْ نَقُلْ بِلُزُومِ الطَّلَاقِ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ الْعَقْدِ لَا قَبْلَهُ فَمَا قُلْنَا بِالْحِلِّ إلَّا بَعْدَ الْعَقْدِ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْحَدِيثِ فَإِنَّ طَلَاقَ ابْنِ آدَمَ وَعِتْقَهُ إنَّمَا وَقَعَا فِيمَا مَلَكَهُ وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ التَّعْلِيقُ وَرَبْطُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ لَا نَفْسُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي يَتَقَدَّمُهَا سَبَبٌ تَامٌّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْإِيجَابَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ التَّامَّ تَقَدَّمَهُ وَقِسْمٌ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ جُزْءُ السَّبَبِ وَقِسْمٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَهُوَ مَا تَقَدَّمَهُ سَبَبٌ تَامٌّ فَيَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إجْمَاعًا عَنْ السَّبَبِ كَالْخِيَارِ فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ وَعُيُوبِ السِّلَعِ فِي الْبَيْعِ وَمَضَاءِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَخِيَارِ الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي الَّذِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي يَتَقَدَّمُهَا سَبَبٌ تَامٌّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ فِيهِ نَظَرٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْآيَةِ دُونَ بَعْضِهَا الْآخَرِ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَلَيْسَ فِي إضَافَةِ النِّكَاحِ إلَيْهِنَّ اخْتِصَاصُهُنَّ نَعَمْ الْأَصْلُ الِاخْتِصَاصُ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ إلَّا أَنَّ الدَّلِيلَ الْمُتَقَدِّمَ وَهُوَ الْحَدِيثُ وَالْآيَاتُ السَّابِقَةُ قَدْ قَامَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ الْأَصْلِ فَلَا تَغْفُلْ
(وَعَنْ الْوَجْهِ الرَّابِعِ) بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ بَلْ إنَّمَا يَقُولُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْوَطْءَ لَهَا دُونَ وَلِيِّهَا وَكَوْنُ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ هُوَ الزَّوْجُ دُونَ الْمَرْأَةِ مُسَلَّمٌ إلَّا أَنَّ التَّمْكِينَ مِنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَهَا وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مَجَازًا كَالْحَمْلِ عَلَى الْعَقْدِ إلَّا أَنَّهُ أَقْرَبُ لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْعَقْدِ وَالْأَقْرَبُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ وَيُوَضِّحُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] وَحَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيِّ السَّابِقَانِ فَافْهَمْ
(وَعَنْ الْوَجْهِ الْخَامِسِ) أَنَّ الْقَاعِدَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ الْوَصْفَ إذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً إجْمَاعًا وَضَابِطُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ غَالِبًا عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلَخْ فَإِنَّ كَوْنَ بِنْتِ الزَّوْجَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا فِي حِجْرِ زَوْجِ الْأُمِّ غَالِبٌ عَلَى وُقُوعِ تَحْرِيمِهَا عَلَى زَوْجِ الْأُمِّ فَلَا تَكُونُ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِهَا لَهُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ فِي حِجْرِهِ فَافْهَمْ أَوْ غَالِبًا عَلَى تِلْكَ الْحَقِيقَةِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] فَإِنَّ الْقَتْلَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَقَعَ فِي الْأَوْلَادِ إلَّا لِتَوَقُّعِ ضَرُورَةِ الْإِمْلَاقِ الَّذِي هُوَ الْفَقْرُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْفَضِيحَةِ فَلَا تَكُونُ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ عِنْدَ عَدَمِ خَوْفِ الْإِمْلَاقِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا هُنَا مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقْدِمُ عَلَى زَوَاجِ نَفْسِهَا فِي الْغَالِبِ لَا خُفْيَةً عَنْ وَلِيِّهَا وَهُوَ غَيْرُ آذِنٍ لَهَا فِي ذَلِكَ وَالْعَادَةُ قَاضِيَةٌ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُ قَيْدِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فِي الْحَدِيثِ حُجَّةً إجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْوَلِيَّ إذَا أَذِنَ لَهَا يَجُوزُ عَقْدُهَا وَأَنَّهُ إذَا صَحَّ مَعَ الْإِذْنِ صَحَّ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَاحْتِجَاجُ دَاوُد بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ لِقَوْلِهِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ فِي الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثَّيِّبِ وَالْبِكْرِ يُسْتَأْذَنُ وَيَتَوَلَّى الْعَقْدَ عَلَيْهِمَا الْوَلِيُّ فَبِمَاذَا وَلَيْتَ شِعْرِي تَكُونُ الْأَيِّمُ أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا لَكِنَّ احْتِجَاجَهُ بِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ الْتِزَامِ الظَّوَاهِرِ إمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ لَا يَلْتَزِمُهَا فَلَا يَنْهَضُ حُجَّةً عَلَى ذَلِكَ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي السُّكُوتِ وَالنُّطْقِ فَقَطْ وَيَكُونُ السُّكُوتُ كَافِيًا فِي الْعَقْدِ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ وَفِي الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِيِّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْأَيِّمُ أَحَقُّ إلَخْ الْأَيِّمُ هِيَ الَّتِي لَا زَوْجَ لَهَا قَطُّ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ خَصَّهُ بِالثَّيِّبِ وَالْأَظْهَرُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِوَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ زِيَادَ بْنَ سَعْدٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ قَالَ «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا»
(وَثَانِيهِمَا) أَنَّ اللَّفْظَ عَلَيْهِ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ بِدُونِ تَخْصِيصٍ بِخِلَافِهِ عَلَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ وَمَعْنَى كَوْنِهَا أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ وَلَا إنْكَاحُهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يُزَوِّجَهَا بِإِذْنِهِ مِمَّنْ تَرْضَاهُ وَلَيْسَ لَهَا هِيَ أَنْ تَعْقِدَ لِنَفْسِهَا نِكَاحًا وَلَا تُبَاشِرُهُ وَلَا أَنْ تَضَعَ نَفْسَهَا عِنْدَ غَيْرِ كُفْءٍ وَلَا أَنْ تُوَلِّيَ ذَلِكَ غَيْرَ وَلِيِّهَا فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا حَقٌّ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَوَجْهُ كَوْنِهَا أَحَقَّ بِهِ أَنَّهَا إنْ كَرِهَتْ النِّكَاحَ لَمْ يَنْعَقِدْ بِوَجْهٍ وَإِنْ كَرِهَهُ الْوَلِيُّ وَرَغِبَتْهُ الْأَيِّمُ عُرِضَ عَلَى الْوَلِيِّ الْعَقْدُ فَإِنْ أَبَى عَقَدَهُ غَيْرُهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ السُّلْطَانُ فَهَذَا وَجْهُ كَوْنِهَا أَحَقَّ بِهِ مِنْ وَلِيِّهَا وَفِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ إلَخْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْمُرَادُ بِهَا الْبِكْرُ الَّتِي لَا أَبَ لَهَا لَا الَّتِي لَهَا أَبٌ وَإِنْ رَوَى زِيَادٌ هَذَا
стр. 631
هُوَ جُزْءُ السَّبَبِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ كَالْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ هَذَا الْقِسْمِ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ مِنْهُمَا عَنْ الْعَقْدِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّشَاجُرِ وَالْخُصُومَاتِ بِإِنْشَاءِ عَقْدٍ آخَرَ مَعَ شَخْصٍ آخَرَ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ الْجَوَابُ فِي التَّمْلِيكِ اخْتَلَفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ التَّأَخُّرُ أَوْ مِنْ الثَّانِي فَيَقْدَحُ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى إمْهَالَ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَالْمُصَرَّاةِ وَالشُّفْعَةِ لِمَا فِي الْفَرْقِ مِنْ الصُّعُوبَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لِلْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ كَالْمُبَايَعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهَا وَإِنْ افْتَرَقَا لِاحْتِيَاجِهَا لِلْمُشَاوَرَةِ، وَهَذَا إذَا بَاشَرَهَا أَوْ وَكِيلُهُ فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا أَوْ عَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي تَمَادِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَطُلْ طُولًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى بِالْإِسْقَاطِ نَحْوَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ سُؤَالٌ يَتَّصِلُ بِهِ جَوَابُهُ وَجَوَابُهُ لِلرِّسَالَةِ مَعَ مُرْسِلِهِ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ التَّمْلِيكِ فِي الزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ)
أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ إذَا غِبْت عَنْك فَأَمْرُك بِيَدِك فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ مَتَى غِبْت عَنِّي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ الْأَمَةِ يَحْلِفُ سَيِّدُهَا بِحُرِّيَّتِهَا فَتَقُولُ إنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وُجُوهٌ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ مَالِكًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمَامٌ إذَا انْفَرَدَ وَقَوْلُهُ غُلِّبَ قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ فَكَيْفَ إذَا اتَّفَقَا عَلَى خِلَافِهِ (الثَّانِي) أَنَّ صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ فَقَالَ فِيهِ: وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ وَقَوْلُهُ أَيْضًا أَوْلَى مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْفَضْلِ لِعِلْمِهِ بِالْمُرَادِ بِهِ كَانَ مَرَّةً يَقُولُ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» وَمَرَّةً يَقُولُ «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» (الثَّالِث) أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» بِمِثْلِ رِوَايَةِ مَالِكٍ
(الرَّابِعُ) أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ رِوَايَةِ زِيَادٍ لَحَمَلْنَا عَلَى الْبِكْرِ الْمُعْنِسِ وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ. اهـ مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَسْأَلَتَانِ مِنْهَا فِقْهِيَّتَانِ الْأُولَى مِنْهُمَا هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ دُونَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةُ نَحْوِيَّةٌ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ يَعْفُوَ النِّسَاءُ عَنْ النِّصْفِ الَّذِي وَجَبَ لَهُنَّ مِنْ الصَّدَاقِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ فَيَسْقُطُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَقَالَ مَالِكٌ هُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ هُوَ الزَّوْجُ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لُبَابُهَا أَرْبَعَةٌ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الصَّدَاقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرًا مُجْمَلًا مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَحُمِلَ عَلَى الْمُعْسِرِ فِي غَيْرِهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] فَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِلزَّوْجِ فِي قَبُولِ الصَّدَاقِ إذَا طَابَتْ نَفْسُ الْمَرْأَةِ بِتَرْكِهِ وَقَالَ أَيْضًا ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] إلَى آخِرِهَا فَنَهَى اللَّهُ الزَّوْجَ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا آتَى الْمَرْأَةَ إنْ أَرَادَ طَلَاقَهَا
(الثَّانِي) أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ صَرِيحًا
(الثَّالِثُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي هِبَةِ مَالِ آخَرَ فَضْلٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيهَا يَهَبُهُ الْمُفَضَّلُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَسَلُّطِ الْوَلِيِّ عَلَى مَالِ مُوَلِّيَتِهِ
(الرَّابِعُ) أَنَّ عَفَا كَمَا يُقَالُ بِمَعْنَى أَسْقَطَ كَذَلِكَ يُقَالُ بِمَعْنَى بَذَلَ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنَيَيْهِ أَبْلُغُ وَأَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي إحْدَاهُمَا لِأَنَّ فِيهِ حِينَئِذٍ شَبَهَ اسْتِخْدَامٍ وَلِأَنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْقَطَتْ مَا وَجَبَ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ إبْقَاءً لِلْمُرُوءَةِ وَاتِّقَاءً فِي الدِّيَانَةِ قَائِلَةً لَمْ يَنَلْ مِنِّي شَيْئًا وَلَا أَدْرَكَ مَا بَذَلَ فِيهِ هَذَا الْمَالَ كَانَ مِنْ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ أَنَا أَتْرُكُ الْمَالَ لَهَا لِأَنِّي قَدْ نِلْت الْحِلَّ وَابْتَذَلْتهَا بِالطَّلَاقِ فَتَرْكُهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَخْلَصُ مِنْ اللَّائِمَةِ
(وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّ جَعْلَ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اسْتَشْهَدُوا بِهِمَا تَفْسِيرًا لِمُجْمَلِ هَذِهِ الْآيَةِ ضَعِيفٌ يُسْقِطُ حُكْمَ الْوَلِيِّ بِخِلَافِ جَعْلِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَزْوَاجِ وَهَذِهِ الْآيَةَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْوَلِيِّ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُمَيِّزَ الْوَلِيَّ فِيهَا عَنْ الزَّوْجِ بِمَعْنَى يَخُصُّهُ فَكَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً مُسْتَحْسَنَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْفَصَاحَةِ وَأَتَمُّ فِي الْمَعْنَى وَأَجْمَعُ لِلْفَوَائِدِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَجِيءَ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا مُبَيِّنَةً وَالْفَوَائِدُ الثَّلَاثَةُ مُعْتَبَرَةٌ
(وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ لَكِنْ
стр. 632
فَعَلْت فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ وَسَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ مَالِكًا عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ وَدَارُ قُدَامَةَ يُلْعَبُ فِيهَا بِالْحَمَامِ بِالْمَدِينَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّوْجَ أَذِنَ لِلْحُرَّةِ فِي الْقَضَاءِ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَالْحَلِفُ بِحُرِّيَّةِ الْأَمَةِ لَمْ يَأْذَنْ وَإِنَّمَا قَصَدَ حَثَّ نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ زَجْرَهَا عَنْهُ وَإِنَّمَا يَسْتَوِيَانِ إذَا قَالَتْ الْحُرَّةُ إنْ مَلَكْتنِي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي (وَيُرَدُّ عَلَيْهِ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِلْأَمَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَهُوَ الْعِتْقُ كَمَا أَذِنَ لِلزَّوْجِ
(وَجَوَابُهُ) إذْنُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّقَادِيرِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ قَبْلَ وُجُودِ التَّقَادِيرِ بِدَلِيلِ إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْإِذْنِ مِنْ الْوَارِثِ فِي التَّصَرُّفِ قَبْلَ مَرَضِ الْمَوْتِ وَصَرْفِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ فَإِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حِينَئِذٍ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ رَتَّبَهَا وَأَذِنَ فِيهَا عَلَى تِلْكَ التَّقَادِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَقَعَ قَبْلَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَعْدَهُمَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَيْنَهُمَا فِي النُّفُوذِ قَوْلَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَبْسُوطَةً فَالْحُرَّةُ وُجِدَ فِي حَقِّهَا سَبَبٌ وَهُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ إذْنِ الشَّرْعِ الْمُقَدَّرِ وَالْأَمَةُ انْفَرَدَ فِي حَقِّهَا الْإِذْنُ الْمُقَدَّرُ فَقَطْ؛ وَلِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَيْضًا أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ إنَّمَا تَسْقُطُ بِإِذْنِ الْعِبَادِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَيْضًا هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَنُظِرَتْ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ إذَا هَلَكَتْ بِإِذْنِ رَبِّهَا لَا يَضْمَنُ وَبِإِذْنِ صَاحِبِ الشَّرْعِ يَضْمَنُ وَمَسَائِلَ مَعَهَا قَالَ اللَّخْمِيُّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ بَلْ إخْبَارٌ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ
(وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ قَاعِدَةَ الْوِلَايَةِ تَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَفْوُ أَحْسَنَ لِلْمَرْأَةِ لِاطِّلَاعِ الْوَلِيِّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِيهَا لِهَذَا الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَحْصِيلٍ إضْعَافِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ فَمَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَفْوِيتٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ لَا رِفْقٌ بِهَا وَالْإِفْضَالُ الَّذِي لَا يَكُونُ بِمَالِ أَحَدٍ إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى بَذْلِ مَا تَمْلِكُهُ يَدُهُ أَمَّا الْإِفْضَالُ بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ مَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ فَهَذَا نَافِذٌ لِأَنَّهُ نَظِيرُ تَفَضُّلِهِ عَلَى الزَّوْجِ بِأَنْ يُزَوِّجَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى نُفُوذِهِ
(وَعَنْ الرَّابِعِ) بِأَنَّ مَجِيءَ الْعَفْوِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ أَبْلَغُ فِي الْفَصَاحَةِ وَأَوْفَى فِي الْمَعْنَى مِنْ مَجِيئِهِ بِمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ أَحَدِ الْعَافِيَيْنِ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْمُسْتَفَادُ إذَا كَانَ الْعَفْوُ بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَأَمَّا نَدْبُ الزَّوْجِ إلَى إعْطَاءِ الصَّدَاقِ كُلِّهِ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوا فَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ مَا خُلَاصَتُهُ أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] احْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ
(أَحَدُهُمَا) أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الزَّوْجِ فَيَكُونَ يَعْفُو بِمَعْنَى يَهَبُ
(وَثَانِيهِمَا) أَنْ يَعُودَ عَلَى الْوَلِيِّ وَيَكُونَ يَعْفُو بِمَعْنَى يُسْقِطُ لَكِنْ مَنْ جَعَلَهُ الزَّوْجَ فَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا زَائِدًا فِي الْآيَةِ أَيْ شَرْعًا زَائِدًا لِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ وَمَنْ جَعَلَهُ الْوَلِيَّ فَقَدْ زَادَ شَرْعًا فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ الْآيَةَ أَظْهَرُ فِي الْوَلِيِّ مِنْهَا فِي الزَّوْجِ وَذَلِكَ شَيْءٌ يَعْسُرُ قُلْت قَالَ الْأَصْلُ الْآيَةُ تَدُلُّ لِمَا قُلْنَا مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَالْمُتَقَدِّمُ قَبْلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ إثْبَاتُ النِّصْفِ فَعَلَى رَأْيِنَا تَعْفُو الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا فَيَسْقُطُ فَتَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَعْفُو الزَّوْجُ فَيَثْبُتُ مَعَ هَذِهِ النِّصْفُ الَّذِي تَشَطَّرَ بِالطَّلَاقِ فَلَا تَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ بِوُقُوعِ الْإِثْبَاتِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ أَوْ التَّشْرِيكِ فِي الْمَعْنَى فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عَلَى رَأْيِنَا الْإِسْقَاطُ فَيَحْصُلُ التَّشْرِيكُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ الْإِثْبَاتُ فَلَا يَحْصُلُ التَّشْرِيكُ فَيَكُونُ قَوْلُنَا أَرْجَحَ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا تَنْوِيعٌ لِذَلِكَ الْكَائِنِ إلَى نَوْعَيْنِ وَالتَّنْوِيعُ فَرْعُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى وَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِعْطَاءِ حَتَّى يَحْسُنَ تَنْوِيعُهُ وَعَلَى رَأْيِنَا الْمُتَنَوِّعُ إلَى إسْقَاطِ الْمَرْأَةِ وَإِسْقَاطِ الْوَلِيِّ هُوَ مُطْلَقُ الْإِسْقَاطِ فَكَانَ قَوْلُنَا أَرْجَحَ
(وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْعَفْوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِسْقَاطِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَكُونُ مَعَ صَدَقَةٍ عَلَى الْتِزَامِ مَا وَجَبَ بِالطَّلَاقِ أَيْضًا صَادِقًا عَلَى الْتِزَامِ مَا سَقَطَ بِالطَّلَاقِ، وَالْتِزَامُ مَا لَمْ يَجِبْ لَا يُسَمَّى عَفْوًا
(وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ إقَامَةَ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّوْجَ لَقِيلَ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ عَمَّا اسْتَحَقَّ لَكُمْ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] كَانَ مَعَ الْأَزْوَاجِ فَلَمَّا عَدَلَ الظَّاهِرُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ كَمَا عَلِمْت
(وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا بِيَدِهِ كَذَا أَيْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَالزَّوْجُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي الْوَطْءِ بِالْحِلِّ وَالْوَلِيُّ الْآنَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْعَقْدِ فَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ دُونَ الزَّوْجِ
(وَالْوَجْهُ السَّابِعُ) سَلَّمْنَا أَنَّ الزَّوْجَ
стр. 633
وَسَوَّى أَصْبَغُ الْإِمَاءَ بِالزَّوْجَاتِ وَسَوَّى أَشْهَبُ الزَّوْجَاتِ بِالْإِمَاءِ لِعَدَمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ)
اعْلَمْ أَنَّ مَوْضُوعَ التَّمْلِيكِ عِنْدَ مَالِكٍ أَصْلُ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِالْبَيْنُونَةِ وَلَا بِالْعَدَدِ فَلَهَا أَنْ تَقْضِيَ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءَتْ وَمَوْضُوعُ التَّخْيِيرِ عِنْدَنَا الثَّلَاثُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَمَقْصُودَهُ الْبَيْنُونَةُ فَلِذَلِكَ تُقْبَلُ نِيَّةُ الزَّوْجِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ بِالْوَاحِدَةِ حِينَئِذٍ دُونَ مَا بَعْدَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْبَيْنُونَةِ لَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ كَالثَّلَاثِ إذَا نُطِقَ بِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهَاتِ فِي التَّخْيِيرِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ الْمَشْهُورُ هُوَ الثَّلَاثُ نَوَتْهَا الْمَرْأَةُ أَمْ لَا فَإِنْ قَضَتْ بِدُونِهَا فَهَلْ يَسْقُطُ خِيَارُهَا خِلَافٌ وَالثَّلَاثُ.
وَإِنْ نَوَتْ دُونَهَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَلِلزَّوْجِ الْمُنَاكَرَةُ فِي الثَّلَاثِ وَطَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْجَهْمِ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ وَثَلَاثٌ إنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ رَدَّتْ الْخِيَارَ عَلَيْهِ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَطَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ حُكْمَهُ مُطْلَقًا وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ عَلَى أَنَّهُ كِنَايَةٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْمِائَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ)
قُلْت أَكْثَرُ مَا قَالَهُ فِيهِ حِكَايَةُ خِلَافٍ وَتَوْجِيهٍ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا بَنَى عَلَى عُرْفِ زَمَانِهِ هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا قَالَهُ مِنْ لُزُومِ تَغَيُّرِ الْفَتْوَى عِنْدَ تَغَيُّرِ الْعُرْفِ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَمَضَى فَهُوَ مَجَازٌ وَالْوَلِيُّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْآنَ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَالْحَقِيقَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ
(وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ) أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الرَّشِيدَاتُ إجْمَاعًا إذْ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِنَّ لَا يُنْفِذُ الشَّرْعُ تَصَرُّفَهُنَّ فَاَلَّذِي يُحْسِنُ مُقَابِلَتَهُنَّ بِالْمَحْجُورَاتِ عَلَى أَيْدِي الْأَوْلِيَاءِ إلَّا بِالْأَزْوَاجِ إذْ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِمْ لِلرَّشِيدَاتِ
(وَالْوَجْهُ التَّاسِعُ) أَنَّ وُجُوبَ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضِهِ قَبْلَ الْمَسِيسِ خِلَافُ الْأَصْلِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْعِوَضِ قَابِلًا لِلتَّسْلِيمِ أَمَّا مَعَ تَعَذُّرِهِ فَلَا بِشَهَادَةِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَوْ الْمُتْعَةِ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ فَإِسْقَاطُ الْأَوْلِيَاءِ النِّصْفَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَتَكْمِيلُ الزَّوْجِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأَبِ قَبْلَ الطَّلَاقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا بِوَجْهِ نَظَرٍ مِنْ عُسْرِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يُلْحَقُ الْوَصِيُّ بِالْأَبِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْهُ وَفِي الْجَلَّابِ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ الْعَفْوُ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَلَا يُعَدُّ الدُّخُولُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَسُلِّطَ الْأَبُ عَلَيْهِ إذَا رَآهُ نَظَرًا بِخِلَافِ الدُّخُولِ لِتَعْيِينِ الِاسْتِحْقَاقِ فَغَلَبَ حَقُّ الزَّوْجِيَّةِ فَالْحُكْمُ هُنَا كَمَا خُصَّ عُمُومٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِالصَّغِيرَةِ وَالْمَحْجُورَةِ كَذَلِكَ خُصَّ عِنْدَنَا بِالْأَبِ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالسَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ لِكَمَالِ نَظَرِهِمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الصَّغِيرَةَ وَالْمَحْجُورَةَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَهَبَ مِنْ صَدَاقِهَا النِّصْفَ الْوَاجِبَ لَهَا وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا يَجُوزُ أَنْ تَهَبَ مَعَهُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . اهـ
فَافْهَمْ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي الْأَصْلِ وَأَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مَعَ زِيَادَةٍ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّةِ هِبَةِ الْمُشَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لِلْمَرْأَةِ بِالطَّلَاقِ نِصْفَ الصَّدَاقِ فَعَفْوُهَا لِلرَّجُلِ عَنْ جَمِيعِهِ كَعَفْوِ الرَّجُلِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مُشَاعٍ وَمَقْسُومٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ عُمُومُ الْآيَةِ وَأَرَادَ عُلَمَاءُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ الِانْفِصَالَ عَنْهَا بِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا بَيَّنَ تَكْمِيلًا ثَبَتَ بِنَفْسِ الْعَفْوِ دُونَ شَرْطِ قَبْضِ ذَلِكَ فِي عَفْوِ الْمَرْأَةِ فَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يَكْمُلُ الْعَفْوُ فِيهِ إلَّا بِقَبْضٍ مُتَّصِلٍ بِهِ أَوْ قَبْضٍ قَائِمٍ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ وَلَئِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى عَقْدِ شَرْطِ زِيَادَةِ الْقَبْضِ فَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ إلَّا تَمَامَهُ وَتَمَامُهُ بِالْقِسْمَةِ فَآلَ الِاخْتِلَافُ إلَى كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ لَكِنَّ هَذَا الِانْفِصَالَ إنَّمَا يَسْتَمِرُّ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ فِي الْهِبَةِ الْقَبْضَ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَرَى ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ هَذَا الِانْفِصَالُ مَعَنَا فَإِنَّ نَفْسَ الْعَفْوِ مِمَّنْ عَفَا يَخْلُصُ مِلْكًا لِمَنْ عُفِيَ لَهُ وَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ هَذَا مَعَهُمْ إلَّا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْآيَةَ بِمُطْلَقِهَا تُفِيدُ صِحَّةَ هِبَةِ الْمُشَاعِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُشَاعًا، وَافْتِقَارُ الْهِبَةِ إلَى الْقَبْضِ نَظَرٌ آخَرُ يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ يَخُصُّ تِلْكَ النَّازِلَةَ فَمُشْتَرِطُ الْقِسْمَةِ مُفْتَقِرٌ إلَى دَلِيلٍ وَلَمْ يَجِدُوهُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى الْمَبْنِيِّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُهُ وَلَيْسَ التَّمْيِيزُ مِنْ الْقَبْضِ أَصْلًا فِي وَرْدٍ وَلَا صَدْرٍ فَصَحَّ تَعَلُّقُنَا بِالْآيَةِ وَعُمُومِهَا وَسَلِمَتْ مِنْ تَشْغِيلِهِمْ اهـ بِتَصَرُّفٍ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) ضَعَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَوْله تَعَالَى فِي النِّسَاءِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بِالْوَاوِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ يَجِيءُ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ بِالْوَاوِ وَلَيْسَ كَمَا خَطَرَ لَهُ إذْ الْوَاوُ هُنَا لَيْسَ ضَمِيرًا وَإِلَّا لَحَذَفَ النَّاصِبُ النُّونَ بَلْ الضَّمِيرُ النُّونُ، وَالْوَاوُ لَامُ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ مِنْ عَفَا يَعْفُو بِالْوَاوِ وَشَأْنُ ضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ الَّذِي هُوَ النُّونُ وَكَذَا كُلُّ ضَمِيرٍ بَارِزٍ أَنْ يَلْحَقَ آخِرَ الْفِعْلِ عَلَى حَالِهِ الْأَصْلِيِّ أَيُّ
стр. 634
إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّخْيِيرِ يَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرَهُ فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَيَحْتَمِلُ الْوَحْدَةَ وَالْكَثْرَةَ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَنْوِيَ، وَقَدْ اعْتَمَدَ الْأَصْحَابُ عَلَى مَدَارِكَ
(أَحَدُهَا) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] الْآيَةَ قَالُوا هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَيُونَةِ بِالثَّلَاثِ، وَقَدْ أَجَابَ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ ﵇ كَانَ الْمُطَلِّقُ لَا النِّسَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨]
وَثَانِيهَا سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَزْوَاجَ كُنَّ اللَّائِي طُلِّقْنَ لَكِنَّ السَّرَاحَ لَا يُوجِبُ إلَّا وَاحِدَةً كَمَا لَوْ قَالَ سَرَّحْتُك
(وَثَالِثُهَا) سَلَّمْنَا أَنَّهُ الثَّلَاثُ لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ ﵇؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مُعَلَّلٌ بِالنَّدَمِ وَهُوَ ﵇ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنَّا
(وَرَابِعُهَا) أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالدَّارِ الْآخِرَةِ
(وَثَانِيهَا) أَنَّ إحْدَى نِسَائِهِ ﵇ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَكَانَتْ أَلْبَتَّةَ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْخِيَارِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُهُ مِثْلَ ذَلِكَ
(وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عَادَةً إنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ فِي الْكَوْنِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُفَارَقَتِهَا هَذَا هُوَ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ خَيَّرْتُك وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ عَادَةً وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لُغَةً لَا مِرْيَةَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّ مَالِكًا ﵀ أَفْتَى بِالثَّلَاثِ وَالْبَيُونَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بِنَاءً عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ أَوْجَبَتْ نَقْلَ اللَّفْظِ عَنْ مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حَرْفٍ كَانَ فَيُبْقِيهِ فِي نَحْوِ رَمَى يَرْمِي يَاءً تَقُولُ النِّسْوَةُ رَمَيْنَ وَأَنَا قَضَيْت وَفِي نَحْوِ دَعَا يَدْعُو وَاوًا تَقُولُ النِّسْوَةُ دَعَوْنَ وَأَنَا عَفَوْت وَفِي نَحْوِ قَرَأَ يَقْرَأُ هَمْزَةً تَقُولُ النِّسْوَةُ قَرَأْنَ وَأَنَا أَبْرَأْت وَهَكَذَا فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بِالْوَاوِ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
يَجِدْ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ ... قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ
قَدْ كُنَّ يُخْبِئْنَ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا ... وَالْآنَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ
فَمِنْ هُنَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ لَمَّا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ وَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ قَالَ لَهُ كَيْفَ تَقُولُ بَدَأْنَ بِالْهَمْزِ وَبَدَيْنَ بِالْيَاءِ مَرِيدًا غُرَّتَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ صَدْرَ الْبَيْتِ يُخْبِئْنَ الْوُجُوهَ بِالْهَمْزِ فَقِيَاسُهُ أَنْ يَقُولَ بَدَأْنَ مِثْلُ يُخْبِئْنَ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْوَاوَ تَكُونُ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ عَلَى الْمُذَكِّرِ لَا ضَمِيرَ النِّسْوَةِ فَمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ نَطَقَ بِالصَّوَابِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَقُولُ بَدَيْنَ وَلَا بَدَأْنَ بَلْ بَدَوْنَ فَقَالَ لَهُ أَصَبْت وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ الْمَشْهُورِينَ طُرِحْت عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فَأَخْطَأَ فِيهَا وَقَالَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ فَأَخْطَأَ وَفِي الْأَبْيَاتِ سُؤَالٌ آخَرُ عَنْ مُشْكِلٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ كَيْفَ يَقْصِدُ إخْمَالَ الشَّمَاتَةِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي تَقْوِيَتَهَا فَإِنَّ قَوْلَهُ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِوَقْعَةِ مَالِكٍ أَوْ بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارٍ
وَذَكَرَ مِنْ حَالِ النِّسْوَةِ مَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الشَّمَاتَةِ وَتَحْقِيقَ الْمُصِيبَةِ وَهَتْكَ الْعِيَالِ وَتَهَتُّكَ الْوُجُوهِ وَهَذَا يَزِيدُ الشَّامِتَ شَمَاتَةً وَجَوَابُهُ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ أَنَّهَا لَا تُقِيمُ مَأْتَمًا وَلَا تَفْعَلُ النِّسْوَةُ هَذَا الْفِعْلَ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ ثَأْرِ مَنْ يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَمَنْ لَا يُؤْخَذُ بِثَأْرِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَامَ لَهُ مَأْتَمٌ وَلَا يُبْكَى عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَالَ أَيُّهَا الشَّامِتُ اُنْظُرْ كَيْفَ حَالُ النِّسْوَةِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّا أَخَذْنَا بِثَأْرِهِ وَذَهَبَتْ شَمَاتَةُ الشَّامِتِ بِهِ عِنْدَهُمْ أَوْ خَفَّتْ فَهَذَا وَجْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ تَتَقَرَّرُ بِالْعُقُودِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَنْكِحَةِ لَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِالْعُقُودِ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ تَتَقَرَّرُ بِالْعُقُودِ بِلَا خِلَافٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَنْكِحَةِ لَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْعُقُودِ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ)
وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا التَّقَرُّرُ مُطْلَقًا وَالطَّلَاقُ مُشَطَّرٌ وَثَانِيهِمَا النِّصْفُ يَتَقَرَّرُ بِالْعَقْدِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ حَتَّى يَسْقُطَ بِالطَّلَاقِ أَوْ يَثْبُتَ بِالدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ (فَالنَّظَرُ هُنَا) فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الصَّدَاقِ وَالْأَمْرُ الثَّانِي سَبَبُ الْخِلَافِ وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ (أَمَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) فَهُوَ أَنَّ الْمَشْهُورَ لَاحِظْ أَنَّ الصَّدَاقَ شَرْطٌ فِي الْإِبَاحَةِ لَا عِوَضٌ عَنْ الْوَطْأَةِ الْأُولَى لِوَجْهَيْنِ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ النَّاسَ لَا يَقْصِدُونَ بِهِ الْمُعَاوَضَةَ بَلْ التَّحَمُّلَ بِشَهَادَةِ الْعَادَةِ أَنَّ الْعُقَلَاءَ لَا يَقْصِدُونَ الْوَطْأَةَ الْأُولَى بِالصَّدَاقِ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَيْضًا لَمْ يُرِدْ الْمُعَاوَضَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ شُرُوطَ الْأَعْوَاضِ مِنْ نَفْيِ الْجَهَالَةِ لِلْمَرْأَةِ بَلْ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَجْهُولَةِ مُطْلَقًا وَلَا نَعْرِضُ لِتَحْدِيدِ مُدَّةِ الِانْتِفَاعِ أَيْضًا وَذَلِكَ وَشَبَهُهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ صَاحِبِ الشَّرْعِ إلَى الْمُعَاوَضَةِ وَأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ شَرْطًا لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَقَاعِدَةُ الشَّرْطِ أَنْ يَتَعَيَّنَ
стр. 635
إلَى هَذَا الْمَفْهُومِ فَصَارَ صَرِيحًا فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ بَطَل وَتَغَيَّرَتْ الْفُتْيَا وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى اللُّغَةِ كَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ وَتَصِيرُ كِنَايَةً مَحْضَةً بِسَبَبِ أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ تَغَيَّرَ حَتَّى لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَضْلًا عَنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ الَّتِي تُصَيِّرُهُ مَنْقُولًا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُضَافًا لِنَقْلٍ عَادِيٍّ بَطَلَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ بُطْلَانِ تِلْكَ الْعَادَةِ وَتَغَيَّرَ إلَى حُكْمٍ آخَرَ إنْ شَهِدَتْ لَهُ عَادَةٌ أُخْرَى فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الْمُتَّجَهُ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ضَمِّ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَقْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ ضَمِّهَا فِي الْأَفْعَالِ)
اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا ﵀ قَالَ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ وَأَنَّهُ دَخَلَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ حَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى مُتَعَلِّقٍ وَاحِدٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِتْقِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَالَ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمَكَّةَ فِي رَمَضَانَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمِصْرَ فِي صَفَرٍ طَلُقَتْ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ضَمِّ الشَّهَادَةِ فِي الْأَقْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ ضَمِّهَا فِي الْأَفْعَالِ)
، قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا كَلَامَ فِيهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمَشْرُوطِ فَلِذَا قَالَ فِي الْمَشْهُورِ بِعَدَمِ التَّقَرُّرِ مُطْلَقًا إلَّا بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْمَوْتِ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إنَّمَا الْتَزَمَ إلَى أَقْصَرِ الزَّوْجَيْنِ عُمْرًا أَوْ بِالْفِرَاقِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ كَالثَّمَنِ
(وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي) فَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يُعَارِضُهَا قَاعِدَتَانِ أُخْرَيَانِ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْوَاضِ وُجُوبُهَا بِالْعُقُودِ فَإِنَّهَا أَسْبَابُهَا وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ يَجِبُ الْجَمِيعُ بِالْعَقْدِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ
(وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى سَبِيبَتِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَرَتَّبَ النِّصْفَ عَلَى الطَّلَاقِ فَيَكُونُ سَبَبُهُ فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ يَجِبُ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ خَاصَّةً وَيَبْقَى التَّكْمِيلُ مَوْقُوفًا عَلَى سَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْ الدُّخُولُ كَذَا فِي الْأَصْلِ
(وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ مَا يَعْرِضُ لِلصَّدَاقِ مِنْ التَّغْيِيرَاتِ قَبْلَ الطَّلَاقِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِهَا أَوْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَلَفًا لِلْكُلِّ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً وَنَقْصًا مَعًا وَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ بِتَفْوِيتٍ مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ أَوْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ فِي مَنَافِعِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا أَوْ فِيمَا تَتَجَهَّزُ بِهِ إلَى زَوْجِهَا فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُمَا فِي التَّلَفِ وَفِي الزِّيَادَةِ وَفِي النُّقْصَانِ شَرِيكَانِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي النُّقْصَانِ وَالتَّلَفِ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ وَلَا يَرْجِعُ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا أَوْ لَا تَمْلِكُهُ فَمَنْ قَالَ إنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا قَالَ هُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ مَا لَمْ تَتَعَدَّ فَتُدْخِلُهُ فِي مَنَافِعِهَا وَمَنْ قَالَ تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَالتَّشْطِيرُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ أَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ مَا ذَهَبَ عِنْدَهَا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إذَا صَرَفَتْهُ فِي مَنَافِعِهَا ضَامِنَةً لِلنِّصْفِ وَاخْتَلَفُوا إذَا اشْتَرَتْ بِهِ مَا يُصْلِحُهَا لِلْجِهَازِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ أَمْ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ فَقَالَ مَالِكٌ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ الصَّدَاقُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْبَيْعِ وَقَاعِدَةُ مَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْبَيْعِ مِنْ نَحْوِ الْإِجَارَةِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ)
مِنْ الْعُقُودِ السِّتَّةِ الَّتِي رَمَزَ الْفُقَهَاءُ لَهَا بِقَوْلِهِمْ جِصّ مُشْنِق فَالْجِيمُ لِلْجَعَالَةِ وَالصَّادُ لِلصَّرْفِ وَالْمِيمُ لِلْمُسَاقَاةِ وَالشَّيْنُ لِلشَّرِكَةِ وَالنُّونُ لِلنِّكَاحِ وَالْقَافُ لِلْقِرَاضِ وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ الْعُقُودَ أَسْبَابٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَحْصِيلِ حِكْمَتِهَا فِي مُسَبَّبَاتِهَا الْمُتَنَافِيَةِ بِطَرِيقِ الْمُنَاسَبَةِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِاعْتِبَارِ الْوَاحِدِ لَا يُنَاسِبُ الْمُتَضَادَّيْنِ لِأَنَّ تَنَافِيَ اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومَاتِ وَكُلُّ عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتَّةِ يُضَادُّ الْبَيْعَ فَلِذَا اخْتَصَّتْ فِي الْمَشْهُورِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ وَاحِدًا مِنْهُمَا مَعَ الْبَيْعِ عَقْدٌ وَاحِدٌ بَلْ قَالَ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ كَمَا لَا يَجْتَمِعُ الْبَيْعُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ بِزِيَادَةِ الْقَرْضِ فَكَذَلِكَ لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِافْتِرَاقِ أَحْكَامِهَا قَالَ وَقَدْ قُلْت فِي ذَلِكَ:
عُقُودٌ مَنَعْنَا اثْنَيْنِ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ ... لِكَوْنِ مَعَانِيهَا مَعًا تَتَفَرَّقُ
следующие страницы →