← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

بِحَالٍ وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَوَرِّعِينَ عَلَى مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ أَكْثَرَ مُلَاحَظَةً لِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالْفَرِيقَيْنِ. (الْفَرْقُ الثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمِلْكِ وَقَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ أُشْكِلَ ضَبْطُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُ عَامٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ التَّصَرُّفُ؛ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ يَمْلِكُ وَلَا يَتَصَرَّفُ فَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ التَّصَرُّفِ فَالتَّصَرُّفُ وَالْمِلْكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ فَقَدْ يُوجَدُ التَّصَرُّفُ بِدُونِ الْمِلْكِ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمْ يَتَصَرَّفُونَ وَلَا مِلْكَ لَهُمْ وَيُوجَدُ الْمِلْكُ بِدُونِ التَّصَرُّفِ كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَغَيْرِهِمْ يَمْلِكُونَ وَلَا يَتَصَرَّفُونَ وَيَجْتَمِعُ الْمِلْكُ وَالتَّصَرُّفُ فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ الرَّاشِدِينَ النَّافِذِينَ لِلْكَلِمَةِ الْكَامِلِينَ الْأَوْصَافِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْأَعَمِّ مِنْ وَجْهٍ وَالْأَخَصِّ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي صُورَةٍ وَيَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ فِي صُورَةٍ كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ، وَالْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمِلْكِ وَقَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ إلَى قَوْلِهِ كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (وَالْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ يَقْتَضِي تَمَكُّنَ مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَالْعَرْضِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ) قُلْت هَذَا الْحَدُّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ذَلِكَ وَلَعَلَّ الْإِمَامَ ابْنَ الشَّاطِّ لِهَذَا قَالَ وَيَكُونُ تَمَامُ الْفَرْقِ مُبَيَّنًا عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ هُوَ مُقْتَضَاهُمَا الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ قَالَ هَذَا الْفَرْقُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ اهـ بِلَفْظِهِ (مَسْأَلَةٌ) وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ بِشَرْطِ التَّزْوِيجِ وَإِنْ وَافَقَ مَالِكٌ فِيهِ أَبَا حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ فِيمَا إذَا عَمَّمَ الْمُطَلِّقُ جَمِيعَ النِّسَاءِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَاسْتَحْسَنَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ حِينَئِذٍ بِنَاءً عَلَى الْمَصْلَحَةِ وَهِيَ أَنَّهُ إذَا عَمَّمَ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى النِّكَاحِ الْحَلَالِ فَكَانَ ذَلِكَ عَنَتًا بِهِ وَحَرَجًا وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ فَقَالُوا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ مُطْلَقًا عَمَّمَ جَمِيعَ النِّسَاءِ أَوْ خَصَّصَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ بَلَدِ كَذَا أَوْ فِي وَقْتِ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي يَتَقَدَّمُهَا سَبَبٌ تَامٌّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي يَتَقَدَّمُهَا سَبَبٌ تَامٌّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ) هُوَ أَنَّ الْإِيجَابَاتِ (الْأُولَى) يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إجْمَاعًا فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا التَّأْخِيرُ كَالْخِيَارِ فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ وَعُيُوبِ السِّلَعِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِيجَابَاتِ (الثَّانِيَةُ) لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا فَيَقْدَحُ فِيهَا التَّأْخِيرُ كَالْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيجَابَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ التَّامَّ تَقَدَّمَهُ وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ التَّأْخِيرُ كَخِيَارِ الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَإِمْضَاءِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَغَيْرُهُ (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ جُزْءُ السَّبَبِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ فَيَقْدَحُ فِيهِ التَّأْخِيرُ كَالْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فِي نَحْوِ النِّكَاحِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَيْعِ إلَخْ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ التَّأْخِيرُ أَوْ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي فَيَقْدَحُ وَهُوَ الْجَوَابُ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ الْمُطْلَقَيْنِ فَفِيهِمَا عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لِلْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ كَالْمُبَايَعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهَا وَإِنْ افْتَرَقَا لِاحْتِيَاجِهَا لِلْمُشَاوَرَةِ. وَهَذَا إذَا بَاشَرَهَا أَوْ وَكِيلُهُ فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا أَوْ عَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي تَمَادِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَطُلْ طُولًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْإِسْقَاطِ بِأَنْ يَطُولَ نَحْوَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ سُؤَالٌ يَتَّصِلُ بِهِ جَوَابُهُ وَجَوَابُهُ لِلرِّسَالَةِ مَعَ مُرْسَلِهِ، قَالَ الْخَرَشِيُّ إذَا مَلَكَهَا تَمْلِيكًا مُطْلَقًا أَوْ خَيَّرَهَا تَخْيِيرًا مُطْلَقًا أَيْ عَارِيًّا عَنْ التَّقْيِيدِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَلِمَالِكٍ قَوْلَانِ مَرْوِيَّانِ عَنْهُ قَوْلٌ رَجَعَ إلَيْهِ أَنَّهُمَا بِيَدِهَا مَا لَمْ تُوقَفُ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ تُوطَأُ أَيْ تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ طَائِعَةً قَالَتْ فِي الْمَجْلِسِ قَبِلْت أَمْ لَا وَاَلَّذِي رَجَعَ عَنْهُ أَنَّهُمَا بِيَدِهَا فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ فَلَا شَيْءَ لَهَا وَإِنْ وَثَبَ أَيْ قَامَ حِينَ مَلَكَهَا يُرِيدُ قَطْعَ ذَلِكَ عَنْهَا لَمْ يَنْفَعْهُ، وَحَدُّ ذَلِكَ إذَا قَعَدَ مَعَهَا قَدْرَ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا تَخْتَارُ فِي مِثْلِهِ وَلَمْ يَقُمْ فِرَارًا وَإِنْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ وَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ تَرَكَا ذَلِكَ وَخَرَجَا إلَى غَيْرِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَالْمَدَارُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ الْمُتَيْطِيُّ وَبِهِ الْعَمَلُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ رَجَعَ مَالِكٌ آخِرًا إلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ اهـ بِتَصَرُّفٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى إمْهَالَ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَالْمُصَرَّاةِ

стр. 667

يَقْتَضِي يُمْكِنُ مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْمُلُوكِ وَالْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ أَمَّا قَوْلُنَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَبِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ، وَأَمَّا إنَّهُ مُقَدَّرٌ فَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ إذْنِ الشَّرْعِ، وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ لَيْسَ وَصْفًا حَقِيقِيًّا، بَلْ يُقَدَّرُ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ الْمُفِيدَةِ لِلْمِلْكِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْمِلْكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِكِ لَا الْمَمْلُوكِ لَكِنَّهُ وَصْفٌ مُتَعَلِّقٌ وَالْمَمْلُوكُ هُوَ مُتَعَلِّقُهُ (وَثَانِيهَا) أَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضِيًا لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، بَلْ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ كَلَامُ الشَّارِعِ (ثَالِثُهَا) أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِالْمَمْلُوكِ وَبِالْعَرْضِ، بَلْ بِأَحَدِهِمَا (رَابِعُهَا) أَنَّ الْمَمْلُوكَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمِلْكِ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وَالصَّحِيحُ فِي حَدِّ الْمِلْكِ أَنَّهُ تَمَكُّنُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِيَابَةٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الضِّيَافَةَ وَنَحْوَهَا لَا يَمْلِكُهَا مَنْ سُوِّغَتْ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَمْلِكُهَا زِدْنَا فِي الْحَدِّ فَقُلْنَا إنَّهُ تَمَكُّنُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِيَابَةٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ خَاصَّةً وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى بَيَانِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ الْمُنْصِفِ قَالَ (أَمَّا قَوْلُنَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَبِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَحَدُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ عَلَى الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ. (وَأَمَّا أَنَّهُ مَقْدُورٌ فَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ إذْنِ الشَّرْعِ إلَى قَوْلِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ الْمُفِيدَةِ لِلْمِلْكِ) قُلْت قَوْلُهُ إنَّهُ عَدَمِيٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسَبَ أُمُورٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالشُّفْعَةِ لِمَا فِي الْفِرَاقِ مِنْ الصُّعُوبَةِ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ فَتَرَقَّبْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ التَّمْلِيكِ فِي الزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ التَّمْلِيكِ فِي الزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ إذَا غِبْت عَنْك فَأَمْرُك بِيَدِك فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ مَتَى غِبْت عَنِّي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ فِي الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ سَيِّدُ الْأَمَةِ بِحُرِّيَّتِهَا بِأَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ أَصُمْ فَأَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ إنْ زَنَيْت فَتَقُولُ إنْ فَعَلْت فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مَبْسُوطَةٌ هِيَ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَقَعَ قَبْلَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَعْدَهُمَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَيْنَهُمَا فِي النُّفُوذِ قَوْلَانِ وَالْحُرَّةُ وُجِدَ فِي حَقِّهَا سَبَبٌ وَهُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ الْمُقْتَضِي إذْنَهَا فِي الْقَضَاءِ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَعَ إذْنِ الشَّرْعِ الْمُقَدَّرِ فَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهَا إلَّا بَعْدَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ وَالْأَمَةُ انْفَرَدَ فِي حَقِّهَا الْإِذْنُ الْمُقَدَّرُ فَقَطْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَهُوَ الْعِتْقُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى حُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَوَقَعَ قَضَاؤُهَا بَعْدَ شَرْطِهِ وَقَبْلَ سَبَبِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَالِفَ بِحُرِّيَّتِهَا لَمْ يَأْذَنْ وَإِنَّمَا قَصَدَ حَثَّ نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ زَجْرَهَا عَنْهُ. وَأَمَّا الزَّوْجُ فَأَذِنَ لِلْحُرَّةِ الْقَضَاءَ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَهُوَ غَيْبَتُهُ عَنْهَا وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ أَيْضًا أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ إنَّمَا تَسْقُطُ بِإِذْنِ الْعِبَادِ فَلِذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي نُفُوذِ قَضَائِهَا كَالزَّوْجَاتِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَسَوَّى أَصْبَغُ الْإِمَاءَ بِالزَّوْجَاتِ وَعَدَمُ نُفُوذِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ الْفَرْقُ، وَقَدْ سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ مَالِكًا عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ؟ وَدَارُ قُدَامَةَ يُلْعَبُ فِيهَا بِالْحَمَامِ بِالْمَدِينَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ نَعَمْ سَوَّى أَشْهَبُ الزَّوْجَاتِ بِالْإِمَاءِ لِعَدَمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِاخْتِيَارُ فَافْهَمْ وَلَا يَسْتَوِيَانِ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا إذَا قَالَتْ الْحُرَّةُ إنْ مَلَكْتنِي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ. وَوَجْهُهُ مَا عَلَّلَ بِهِ أَشْهَبُ قَوْلَهُ بِتَسْوِيَةِ الزَّوْجَاتِ بِالْإِمَاءِ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ) عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ التَّمْلِيكَ جَعْلُ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ حَقًّا لِلزَّوْجَةِ، وَكَذَا لِغَيْرِهَا رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ يَخُصُّ بِمَا دُونَهَا بِنِيَّةٍ وَالتَّخْيِيرُ جَعْلُهُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا حُكْمًا أَوْ نَصًّا عَلَيْهَا حَقًّا لَهَا، وَكَذَا لِغَيْرِهَا كَمَا لِابْنِ عَرَفَةَ فَمَوْضُوعُ التَّمْلِيكِ عَلَى هَذَا أَصْلُ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِالْبَيْنُونَةِ وَلَا بِالْعَدَدِ فَلَهَا أَنْ تَقْضِيَ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءَتْ وَمَوْضُوعُ التَّخْيِيرِ عَلَى هَذَا الثَّلَاثُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَمَقْصُودُهُ الْبَيْنُونَةُ فَلِذَلِكَ تُقْبَلُ نِيَّةُ الزَّوْجِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ بِالْوَاحِدَةِ حِينَئِذٍ دُونَ مَا بَعْدَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّخْيِيرَ حِينَئِذٍ صَرِيحٌ فِي الْبَيْنُونَةِ لَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ كَالثَّلَاثِ إذَا نَطَقَ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ الْعِصْمَةِ. وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ قَالَ الْحَطَّابُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوَكَالَةِ عَمَّنْ وَكَّلَهُ وَالْمُمَلَّكُ وَالْمُخَيَّرُ إنَّمَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَلَكَا مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ اهـ. قَالَ حَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ فَرَأْيُ مَالِكٍ أَنَّ قَوْلَهُ لَهَا اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك أَنَّهُ ظَاهِرٌ بِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي مَعْنَى

стр. 668

وَقَوْلُنَا فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ كَالْبَيْعِ وَالْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَاتِ وَقَوْلُنَا يَقْتَضِي انْتِفَاعَهُ بِالْمَمْلُوكِ لِيَخْرُجَ التَّصَرُّفُ بِالْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ وَتَصَرُّفُ الْقُضَاةِ فِي أَمْوَالِ الْغَائِبِينَ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ مِلْكٍ وَقَوْلُنَا وَالْعِوَضُ عَنْهُ لِيَخْرُجَ عَنْهُ الْإِبَاحَاتُ فِي الضِّيَافَاتِ فَإِنَّ الضِّيَافَةَ مَأْذُونٌ فِيهَا، وَلَيْسَتْ مَمْلُوكَةً عَلَى الصَّحِيحِ وَيَخْرُجُ أَيْضًا الِاخْتِصَاصَاتُ بِالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَالْخَوَانِقِ وَمَوَاضِعِ الْمَطَافِ وَالسِّكَكِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا مِلْكَ فِيهَا مَعَ الْمُكْنَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] عَدَمِيَّةٌ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْمَالِكِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ. قَالَ (وَقَوْلُنَا فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَالْمَنَافِعُ كَالْإِجَارَاتِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ مِنْ الْمُسَامَحَةِ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ هُوَ بَعْدَ هَذَا عَنْ الْمَازِرِيِّ قَالَ (وَقَوْلُنَا يَقْتَضِي انْتِفَاعَهُ بِالْمَمْلُوكِ إلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ مِلْكٍ) قُلْت هَذَا التَّحَرُّزُ صَحِيحٌ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ حَدِّهِ. قَالَ (وَقَوْلُنَا وَالْعِوَضُ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِ مَعَ الْمُكْنَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ) قُلْت جُعِلَ التَّصَرُّفُ بَدَلَ الِانْتِفَاعِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ قَبْلَ هَذَا مِنْ تَصَرُّفِ الْأَوْصِيَاءِ وَالْحَاكِمِ حَيْثُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ دُونَ الِانْتِفَاعِ وَكُلُّ مَنْ ذُكِرَ هُنَا مِنْ ضَيْفٍ وَشَبَهِهِ لَيْسَ لَهُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ، بَلْ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالِانْتِفَاعِ خَاصَّةً ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْبَيْنُونَةِ بِتَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ إنَّمَا كَانَ الْبَيْنُونَةَ وَرَأَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي التَّمْلِيكِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلَاقًا إذَا زَعَمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا قَالَ وَصَارَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ وَالتَّمْلِيكَ وَاحِدٌ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ مِنْ عُرْفِ دَلَالَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مَنْ مَلَّكَ إنْسَانًا أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ إنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ فَإِنَّهُ قَدْ خَيَّرَهُ اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ الَّذِي وَقَعَ اشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ اخْتَارِي وَأَمْرُك بِيَدِك سَوَاءٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَإِنْ نَوَاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ إنْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ فَلَهُ عِنْدَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِي الطَّلَاقِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَدَدِ فِي الْخِيَارِ أَوْ التَّمْلِيكِ نَعَمْ التَّمْلِيكُ عِنْدَهُ إذَا أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَالْوَكَالَةِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ مَتَى أَحَبَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ الْخِيَارُ وَالتَّمْلِيكُ وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (وَقَدْ قِيلَ) الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي أَعْدَادِ الطَّلَاقِ فِي التَّمْلِيكِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ. (وَقَدْ قِيلَ) إنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِي التَّمْلِيكِ إلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ ﵄ رُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ فَقَالَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَتْ لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِك مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتَ كَيْفَ أَصْنَعُ، قَالَ فَإِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِنْ أَمْرِك بِيَدِك، قَالَتْ فَأَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَالَ أَرَاهَا وَاحِدَةً وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا وَسَأَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ صَنَعَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ وَفَعَلَ يَعْمِدُونَ إلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ بِأَيْدِي النِّسَاءِ بِفِيهَا التُّرَابُ مَاذَا قُلْت فِيهَا قَالَ، قُلْت أَرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا قَالَ وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَوْ رَأَيْت غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّك لَمْ تُصِبْ، وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ التَّمْلِيكُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَ الشَّرْعُ بِيَدِ الرَّجُلِ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى يَدِ الْمَرْأَةِ بِجَعْلِ جَاعِلٍ، وَكَذَلِكَ التَّخْيِيرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ قَالَ وَمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ تَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ أَنَّهُنَّ لَوْ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا أَنَّهُنَّ كُنَّ يُطَلَّقْنَ بِنَفْسِ اخْتِيَارِ الطَّلَاقِ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي قِيلَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ (إمَّا) عَدَمُ لُزُومِ شَيْءٍ إلَّا مَا أَرَادَهُ إنْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ فَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِي الطَّلَاقِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَدَدِ (وَإِمَّا) مَا قَالَتْهُ مِنْ الْعَدَدِ، وَلَيْسَ لَهُ مُنَاكَرَتُهَا وَإِمَّا لُزُومُ طَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ (وَإِمَّا) أَنَّهُ لَغْوٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ مُطْلَقًا وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ مَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَهُمَا مَشْهُورُ مَالِكٍ فَقَالُوا الْخِيَارُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ أَيْ لَا صَرِيحٍ وَلَا ظَاهِرٍ، بَلْ كِنَايَةٍ خَفِيَّةٍ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا التَّمْلِيكُ فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنَةٌ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَفَرَّقَ ابْنُ حَنْبَلٍ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ قَالَ الشَّيْخُ مَنْصُورُ بْنُ إدْرِيسَ الْحَنْبَلِيُّ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى الْإِقْنَاعِ مَعَ الْمَتْنِ. وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك فَهُوَ تَوْكِيلٌ مِنْهُ لَهَا فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِيهِ وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ، بَلْ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَمَلُّكٍ فِي الطَّلَاقِ، فَمَلَكَهُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لِأَجْنَبِيٍّ وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا أَفْتَى بِهِ أَحْمَدُ مِرَارًا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عُثْمَانَ. وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ

стр. 669

وَقَوْلُنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَانِعٍ يَعْرِضُ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ لَهُمْ الْمِلْكُ، وَلَيْسَ لَهُمْ الْمُكْنَةُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْأَمْلَاكَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ لِوُجُودِ النَّظَرِ إلَيْهَا اقْتَضَتْ مُكْنَةَ التَّصَرُّفِ وَإِنَّمَا جَاءَ الْمَنْعُ مِنْ أُمُورٍ خَارِجَةٍ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَبُولِ الذَّاتِيِّ وَالِاسْتِحَالَةِ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ وَلِذَلِكَ نَقُولُ إنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ لَهَا الْقَبُولُ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَوَاتِهَا وَهِيَ إمَّا وَاجِبَةٌ لِغَيْرِهَا إنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُجُودَهَا أَوْ مُسْتَحِيلَةٌ لِغَيْرِهَا إنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَمَهَا، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمِلْكِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ وَبِالنَّظَرِ لِمَا عَرَضَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْخَارِجَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَقَوْلُنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَانِعٍ يَعْرِضُ إلَى قَوْلِهِ وَبِالنَّظَرِ لِمَا عَرَضَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْخَارِجَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ) قُلْت كَلَامُهُ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ هُوَ مُوجِبُ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ مُوجِبُهُ الِانْتِفَاعُ، ثُمَّ الِانْتِفَاعُ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ انْتِفَاعٌ يَتَوَلَّاهُ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ وَانْتِفَاعٌ يَتَوَلَّاهُ النَّائِبُ عَنْهُ، ثُمَّ النَّائِبُ قَدْ يَكُونُ بِاسْتِنَابَةِ الْمَالِكِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ اسْتِنَابَتِهِ فَغَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ بِنَفْسِهِ وَنِيَابَتِهِ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ إلَّا بِنِيَابَتِهِ وَنَائِبِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاسْتِنَابَتِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَفَضَالَةُ وَنَضْرَةُ فِي الشَّرْحِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هُوَ ثَلَاثٌ» قَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ فَيَتَنَاوَلُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ كَقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك مَا شِئْت وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْت وَاحِدَةً وَلَا يُدَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِ غَيْرِهَا أَيْ الزَّوْجَةِ بِأَنْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ زَيْدٍ مَثَلًا فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ. (وَإِنْ) قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَتَقَعُ رَجْعِيَّةً حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِأَنَّ اخْتَارِي تَفْوِيضٌ مُعَيَّنٌ فَيَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَهُوَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلَافِ أَمْرُك بِيَدِك فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَمْرِهَا إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ جَعَلَهُ بِلَفْظِهِ بِأَنْ يَقُولَ اخْتَارِي مَا شِئْت أَوْ اخْتَارِي الطَّلْقَاتِ إنْ شِئْت أَوْ جَعَلَهُ بِنِيَّةٍ بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ اخْتَارِي عَدَدًا اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ فَيَرْجِعُ فِيمَا يَقَعُ بِهَا إلَى نِيَّتِهِ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ ثَلَاثًا فَطَلُقَتْ أَقَلَّ مِنْهَا أَيْ مِنْ ثَلَاثٍ كَاثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدَةٍ وَقَعَ مَا طَلَّقَتْهُ دُونَ مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِتَطْلِيقِهَا وَلِذَا لَوْ لَمْ تُطَلِّقْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ عِنْدَنَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ التَّفَرُّقِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّخْيِيرَ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَتْ دُونَهَا وَثَانِيهِمَا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّخْيِيرَ ثَلَاثٌ إنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ رَدَّتْ الْخِيَارَ عَلَيْهِ حَكَاهَا الْأَصْلُ عَنْ عِيَاضٍ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهَاتِ ، وَأَمَّا التَّمْلِيكُ فَعَلَى مَا مَرَّ عَنْ مَالِكٍ فَالتَّشْهِيرُ فِيمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ التَّخْيِيرِ لَا التَّمْلِيكِ فَإِنَّ مَوْضُوعَهُ عِنْدَنَا أَصْلُ الطَّلَاقِ فَقَطْ كَمَا عَلِمْت فَهُوَ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ يَلْزَمُ بِهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ إنْ لَمْ تُوقِعْ أَكْثَرَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ كَالتَّخْيِيرِ يُرْجَعُ فِيمَا يَقَعُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ قِيلَ هُوَ عَلَى مَا تَقُولُهُ مِنْ إعْدَادِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا كَالتَّخْيِيرِ، وَقِيلَ هُوَ كَالتَّخْيِيرِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ، وَقِيلَ هُوَ كَالتَّخْيِيرِ لَغْوًا لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ أَصْلًا. وَقِيلَ هُوَ خِلَافُ التَّخْيِيرِ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ إلَّا مَا نَوَاهُ، وَقِيلَ هُوَ غَيْرُ التَّخْيِيرِ يَلْزَمُ بِهِ مَا قَالَتْهُ مِنْ إعْدَادِ الطَّلَاقِ فَإِنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَبَائِنَةٌ فَالْأَقْوَالُ فِيهِ سَبْعَةٌ شَارَكَ التَّخْيِيرُ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَالَفَهُ فِي ثَلَاثَةٍ وَحُكِيَ الْأَصْلُ فِي التَّخْيِيرِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهَاتِ سَبْعَةَ أَقْوَالٍ أَيْضًا (الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا الثَّلَاثُ نَوَتْهَا الْمَرْأَةُ أَمْ لَا فَإِنْ قَضَتْ بِدُونِهَا فَهَلْ يَسْقُطُ خِيَارُهَا خِلَافٌ (الْقَوْلُ الثَّانِي) لِعَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثُ وَإِنْ نَوَتْ دُونَهَا (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ الثَّلَاثُ إنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ أَرَادَتْ الْخِيَارَ عَلَيْهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُقَابِلَا الْمَشْهُورِ عِنْدَنَا وَعَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ التَّخْيِيرُ خِلَافُ التَّمْلِيكِ فَإِنَّ مَوْضُوعَ التَّمْلِيكِ أَصْلُ الطَّلَاقِ كَمَا عَلِمْت (الْقَوْلُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَلِلزَّوْجِ الْمُنَاكَرَةُ فِي الثَّلَاثِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ عِيَاضٌ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إلَّا كَوْنُ التَّمْلِيكِ بِخِلَافِهِ فَقَطْ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِهَذَا الْقَوْلِ فِيهِ فَافْهَمْ (الْقَوْلُ الْخَامِسُ) لِابْنِ الْجَهْمِ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ الْمُنَاكَرَةُ فِي الثَّلَاثِ كَمَا مَرَّ عَنْ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ فِي التَّمْلِيكِ مِنْ أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ فِيهِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ هُوَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي أَعْدَادِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا فَتَأَمَّلْ (الْقَوْلُ السَّادِسُ) أَنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ وَهُوَ إمَّا أَنْ

стр. 670

وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْأَوْقَافُ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْبَيْعُ وَمِلْكُ الْعِوَضِ عَنْهَا بِسَبَبِ مَا عَرَضَ مِنْ الْوَقْفِ الْمَانِعِ مِنْ الْبَيْعِ كَالْحَجْرِ الْمَانِعِ مِنْ الْبَيْعِ فَقَدْ انْطَبَقَ هَذَا الْحَدُّ عَلَى الْمِلْكِ فَإِنْ، قُلْت قَدْ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ إنَّ الضِّيَافَةَ تُمْلَكُ وَهَلْ بِالْمَضْغِ أَوْ بِالْبَلْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى خِلَافٍ عِنْدَهُمْ، فَهَذَا مِلْكٌ مَعَ أَنَّ الضَّيْفَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى مَا قُدِّمَ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ إطْعَامِهِ لِغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ إنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمْلِكُ أَنْ يَمْلِكَ وَهَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَوْ لَا قَوْلَانِ فَمَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَلَا أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَهُ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، وَقَدْ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ فَقَطْ كَبُيُوتِ الدَّارِسِ وَالْأَوْقَافِ وَالرُّبُطِ وَنَحْوِهَا مَعَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ قُلْت أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الضِّيَافَاتِ أَنَّهَا إبَاحَاتٌ لَا تَمْلِيكٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْأَوْقَافُ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِينَ إلَى قَوْلِهِ فَقَدْ انْطَبَقَ هَذَا الْحَدُّ عَلَى الْمِلْكِ) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ صَحِيحٍ قَالَ (فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى قَوْلِهِ مَعَ إنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ) ، قُلْت ذَلِكَ حِكَايَةُ سُؤَالَاتٍ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ قَالَ (قُلْت أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الضِّيَافَاتِ أَنَّهَا إبَاحَاتٌ لَا تَمْلِيكٌ) قُلْت مَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلِانْتِفَاعِ بِالْأَكْلِ خَاصَّةً سَوَاءٌ أَوَقَعَ الْبِنَاءُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ارْتَضَيْته أَوْ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يُنْسَبَ لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَعَلَيْهِ فَهُوَ إمَّا بِخِلَافِ التَّمْلِيكِ فَإِنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِمَّا كَالتَّمْلِيكِ كَمَا مَرَّ عَنْ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ رَوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّمْلِيكُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ ثَلَاثًا وَإِمَّا أَنْ يُنْسَبَ لِابْنِ حَنْبَلٍ، فَيَكُونُ خِلَافَ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ كَالتَّوْكِيلِ يَلْزَمُ بِهِ مَا قَالَتْهُ فَإِنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَبَائِنَةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخِ مَنْصُورِ بْنِ إدْرِيسَ الْحَنْبَلِيِّ فَتَنَبَّهْ (الْقَوْلُ السَّابِعُ) أَنَّهُ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَحُكِيَ الْأَصْلُ عَنْ عِيَاضٍ أَنَّهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَأَنَّهُمْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ لَفْظَ التَّخْيِيرِ يَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَيَحْتَمِلُ الْوَحْدَةَ وَالْكَثْرَةَ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَنْوِيَ اهـ. وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مُعْتَمَدَ مَذْهَبِ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ مَنْصُورٍ الْحَنْبَلِيِّ وَأَنَّهُ خِلَافُ التَّمْلِيكِ إذْ التَّمْلِيكُ كَالتَّوْكِيلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيمَا تُوقِعُهُ، فَإِنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَبَائِنَةٌ وَأَنَّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَى هَذَا إنَّمَا هُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا مَعَ ذَلِكَ فِي التَّمْلِيكِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ كَالتَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا إنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فِيهِ فَهِيَ بَائِنَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاعْتَمَدَ أَصْحَابُنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمَشْهُورِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَدَارَكَ (الْمُدْرَكُ الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] . الْآيَةَ. قَالُوا هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ بِالثَّلَاثِ (الْمُدْرَكُ الثَّانِي) أَنَّ إحْدَى نِسَائِهِ ﵇ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَكَانَتْ أَلْبَتَّةَ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْخِيَارِ (الْمُدْرَكُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عَادَةً إنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ فِي الْكَوْنِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُفَارَقَتُهَا هَذَا هُوَ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ خَيَّرْتُك وَتَعَقَّبَ اللَّخْمِيُّ الْمُدْرَكَ الْأَوَّلَ بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ ﵇ كَانَ الْمُطَلِّقُ لَا النِّسَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨] (الْوَجْهُ الثَّانِي) سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَزْوَاجَ كُنَّ اللَّاتِي طَلَّقْنَ لَكِنَّ السَّرَاحَ لَا يُوجِبُ إلَّا وَاحِدَةً كَمَا لَوْ قَالَ سَرَّحْتُك (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) سَلَّمْنَا أَنَّهُ الثَّلَاثُ لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ ﵇؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مُعَلَّلٌ بِالنَّدَمِ وَهُوَ ﵇ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنَّا (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَتَعَقَّبَ الْمُدْرَكَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُهُ مِثْلَ ذَلِكَ» وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ هَذَا أَيْ التَّخْيِيرَ فِي الْكَوْنِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُفَارَقَتِهَا هُوَ الْمَفْهُومُ عَادَةً لَكِنْ فِي شَرْحِ الْحَطَّابِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ عَلَى ابْنِ عبق أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ قِيلَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ لَا مُشَارَكَةَ لِلُّغَةِ فِيهِ فَقَوْلُهُمْ فِي الْمَشْهُورِ إنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ دُونَ الْمُخَيَّرَةِ إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْعُرْفِ وَعَلَى هَذَا يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ بِانْعِكَاسِ الْعُرْفِ، وَقِيلَ هُوَ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لِلْعُرْفِ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ تَابِعٌ لِلُّغَةِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ إعْطَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنَاكِرَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ بِيَدِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا اعْتَرَفَ أَنَّهُ إعْطَاءٌ. وَأَمَّا التَّخْيِيرُ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ خُيِّرَ فُلَانٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ، فَيَكُونُ تَخْيِيرُ الزَّوْجَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَ فَوَّضَ إلَيْهَا الْبَقَاءَ عَلَى الْعِصْمَةِ وَالذَّهَابَ عَنْهَا، وَذَلِكَ

стр. 671

كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ السَّمَكَ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ وَالْحَشِيشَ وَالصَّيْدَ فِي الْفَلَاةِ لِمَنْ أَرَادَ تَنَاوُلَهُ وَلَا يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَمْلُوكَةٌ لِلنَّاسِ كَذَلِكَ الضَّيْفُ جُعِلَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ إنْ أَرَادَ أَوْ يَتْرُكَ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِ التَّصَرُّفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَبَعْدُ إنْ بَلَعَ الطَّعَامَ كَيْفَ يَبْقَى سُلْطَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْأَعْيَانِ؛ لِأَنَّهَا فَسَدَتْ عَادَةً وَلَمْ تَبْقَ مَقْصُودَةَ التَّصَرُّفِ أَلْبَتَّةَ فَالْحَقُّ إذًا أَنَّهَا إبَاحَاتٌ لَا تَمْلِيكَاتٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] ارْتَضَاهُ هُوَ أَمَّا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ارْتَضَيْته فَلِأَنَّ مُقَدَّمَ الضِّيَافَةِ قَدْ مَكَّنَهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِأَكْلِهَا، وَأَمَّا عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ارْتَضَاهُ هُوَ فَلِأَنَّهُ قَالَ حُكْمٌ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ يَقْتَضِي تَمْكِينَ مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَبِالْعِوَضِ عَنْهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِهِمَا فَيَبْقَى الِانْتِفَاعُ مُطْلَقًا. قَالَ (كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَكَ فِي الْمَاءِ إلَى قَوْلِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَمْلُوكَةٌ لِلنَّاسِ) قُلْت هِيَ مَمْلُوكَةٌ بَعْدَ التَّنَاوُلِ وَإِبَاحَةُ التَّنَاوُلِ سَبَبُ مِلْكِهَا قَالَ (كَذَلِكَ الضَّيْفُ جُعِلَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ إنْ أَرَادَ أَوْ يَتْرُكَ) قُلْت إبَاحَةُ صَاحِبِ الطَّعَامِ لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْكُلَ سَبَبُ مِلْكِهِ أَنْ يَأْكُلَ وَمِلْكُهُ أَنْ يَأْكُلَ هُوَ تَمَكُّنُهُ شَرْعًا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ (وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْمَالِكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِ التَّصَرُّفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ إلَى قَوْلِهِ فَالْحَقُّ إذًا أَنَّهَا إبَاحَاتٌ لَا تَمْلِيكَاتٌ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ مُشْكِلٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ وَتَعْلِيلُهُ بِأَنَّ الْمِلْكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِ التَّصَرُّفِ لَيْسَ كَمَا. قَالَ بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِ الِانْتِفَاعِ لَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إنَّمَا يَتَأَتَّى لَهَا إذَا حَصَلَتْ عَلَى حَالٍ لَا يَبْقَى لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا حُكْمٌ وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي إيقَاعِ الثَّلَاثِ، نَظَرَ ضَيْح وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ اهـ. وَقَالَ الْأَصْلُ وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لُغَةً لَا مِرْيَةَ فِي ذَلِكَ وَأَنَّ مَالِكًا ﵀ أَفْتَى بِالثَّلَاثِ وَالْبَيْنُونَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بِنَاءً عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ أَوْجَبَتْ نَقْلَ اللَّفْظِ عَنْ مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ إلَى هَذَا الْمَفْهُومِ فَصَارَ صَرِيحًا فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ وَقَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ بُطْلَانُ هَذَا الْحُكْمِ الْيَوْمَ وَوُجُوبُ الرُّجُوعِ إلَى اللُّغَةِ وَيَكُونُ كِنَايَةً مَحْضَةً كَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ بِسَبَبِ أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ تَغَيَّرَ حَتَّى لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَضْلًا عَنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ الَّتِي تُصَيِّرُهُ مَنْقُولًا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُضَافًا لِحُكْمٍ عَادِيٍّ بَطَلَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ بُطْلَانِ تِلْكَ الْعَادَةِ وَتَغَيَّرَ إلَى حُكْمٍ آخَرَ إنْ شَهِدَتْ لَهُ عَادَةٌ أُخْرَى فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الْمُتَّجَهُ اهـ وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ الشَّاطِّ مَا نَصُّهُ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا بَنَى عَلَى عُرْفِ زَمَانِهِ هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا قَالَهُ مِنْ لُزُومِ تَغَيُّرِ الْفَتْوَى عِنْدَ تَغَيُّرِ الْعُرْفِ صَحِيحٌ اهـ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الْخَرَشِيُّ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي جَوَازِ التَّخْيِيرِ قَوْلَانِ أَيْ وَكَرَاهَتِهِ، وَهَذَا يَجْرِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّ مَوْضِعَهُ الثَّلَاثُ. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُنَاكِرُ غَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهَا فَهَذَا شَيْءٌ آخَرُ وَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى كَرَاهَتِهِ مَعَ أَنَّ مَوْضِعَهُ الثَّلَاثُ نَظَرًا لِمَقْصُودِهِ إذْ هُوَ الْبَيْنُونَةُ الَّتِي قَدْ تَكُونُ بِوَاحِدَةٍ كَمَا فِي الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَإِنْ كَانَتْ بِحَسَبِ مَا هُنَا إنَّمَا تَكُونُ بِالثَّلَاثِ وَيَنْبَغِي جَرْيُ الْخِلَافِ فِي التَّمْلِيكِ إذَا قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ وَإِلَّا فَهُوَ مُبَاحٌ وَانْظُرْ التَّوْكِيلَ إذَا قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ، وَالظَّاهِرُ الْكَرَاهَةُ قَطْعًا اهـ. قَالَ الْعَدَوِيُّ عَلَيْهِ وَوَجْهُهُ إمَّا أَنَّ الْمُوَكِّلَ دَاخِلٌ عَلَى الثَّلَاثِ بِخِلَافِ الْمُخَيَّرِ، وَكَذَا الْمِلْكُ إذَا قُيِّدَ بِالثَّلَاثِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَخْيِيرِهَا أَوْ تَمْلِيكِهَا كَوْنُهَا تُوقِعُ الطَّلَاقَ؛ لِأَنَّ الشَّأْنَ أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرَيْنَ الْفِرَاقَ فَلِذَا كَانَ الرَّاجِحُ فِيهِمَا الْإِبَاحَةَ وَيُكْرَهُ فِي حَقِّهَا قَطْعًا وُقُوعُ الثَّلَاثِ كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ، وَإِمَّا أَنَّ الْمُوَكِّلَ لَمَّا كَانَ لَهُ الْعَزْلُ فِي التَّوْكِيلِ صَارَ كَأَنَّهُ الْمُوقِعُ لِلثَّلَاثِ فَلِذَا كُرِهَ قَطْعًا بِخِلَافِ التَّمْلِيكِ فَإِنَّهَا الْمُوقِعَةُ لَهَا اهـ بِبَعْضِ تَصَرُّفٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ضَمِّ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَقْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ ضَمِّهَا فِي الْأَفْعَالِ] الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ضَمِّ الشَّهَادَةِ فِي الْأَقْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ ضَمِّهَا فِي الْأَفْعَالِ) عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَدْ قَالَ إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ وَأَنَّهُ دَخَلَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ حَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى مُتَعَلِّقٍ وَاحِدٍ، وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِتْقِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. وَقَالَ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمَكَّةَ فِي رَمَضَانَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمِصْرَ فِي صَفَرٍ طَلُقَتْ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ يُمْكِنُ قَطْعُهَا فِي الْأَجَلِ الَّذِي بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَتُضْبَطُ عِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ شَهَادَةِ الْأَخِيرِ اهـ. قَالَ الْأَصْلُ وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِهِ أَيْ ابْنِ يُونُسَ عَلَى الْعِدَّةِ فِي الْقَضَاءِ أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَمَا تَعْتَقِدُهُ الزَّوْجَةُ تَارِيخُ الطَّلَاقِ اهـ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالثَّلَاثِ قَبْلَ أَمْسِ وَالثَّانِي بِاثْنَتَيْنِ أَمْسِ وَالثَّالِثُ بِوَاحِدَةٍ الْيَوْمَ لَزِمَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ ضَمَّ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ يُوجِبُ اثْنَتَيْنِ قَبْلَ سَمَاعِ الثَّالِثِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ الثَّالِثُ ضُمَّ لِلْبَاقِي مِنْ الْأَوَّلِ، وَكَذَلِكَ

стр. 672

(وَأَمَّا) السُّؤَالُ الثَّانِي فَقَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ إنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَوْ لَا قَوْلَانِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ رَدِيئَةٌ جِدًّا وَأَنَّهَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا فَلَا يَصِحُّ إيرَادُ النَّقْضِ بِهَا عَلَى الْحَدِّ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهَا (وَأَمَّا) السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَالِكُ الِانْتِفَاعِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ فَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا فِي الضِّيَافَةِ، فَتِلْكَ الْمَسَاكِنُ مَأْذُونٌ فِيهَا لِمَنْ قَامَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] التَّصَرُّفُ وَالسُّلْطَانُ هُوَ التَّمَكُّنُ بِعَيْنِهِ، وَقَدْ بَيَّنَ هُوَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِمْ لَا يَتَصَرَّفُونَ مَعَ أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ فَكَيْفَ يَقُولُ لَا بُدَّ فِي الْمِلْكِ مِنْ سُلْطَانِ التَّصَرُّفِ هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إذَا بَلَعَ الطَّعَامَ كَيْفَ يَبْقَى سُلْطَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ اسْتِبْعَادٌ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ يَمْلِكُ، الْبَلْعِ وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا قَالَ، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّعَامَ بِالتَّنَاوُلِ حَتَّى إذَا تَنَاوَلَ لُقْمَةً لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ انْتِزَاعُهَا مِنْ يَدِهِ فَإِنْ قَالَ ابْتَلَعَهَا فَقَدْ كَانَ سَبَقَ مِلْكُهُ لَهَا قَبْلَ الْبَلْعِ وَإِنْ لَمْ يَبْتَلِعْهَا وَنَبَذَهَا مِنْ يَدِهِ فَقَدْ عَادَتْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَجَازَ لِغَيْرِهِ تَنَاوُلُهَا؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْهَا إلَّا لِيَأْكُلَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَأْكُلْهَا بَقِيَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَإِنْ كَانَ تَنَاوَلَهَا عَادَتْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَ مِنْ إنَّهَا إبَاحَاتٌ لَا تَمْلِيكَاتٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بَلْ الْإِبَاحَاتُ هِيَ التَّمْلِيكَاتُ أَوْ أَسْبَابٌ لِلتَّمْلِيكَاتِ. قَالَ (وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي فَقَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ إنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَوْ لَا قَوْلَانِ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهَا) قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ (وَأَمَّا السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَهُوَ مِلْكُ الِانْتِفَاعِ دُونَ الْمَنْفَعَةِ إلَى قَوْلِهِ لِمَنْ قَامَ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ) قُلْت وَإِذَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَوْ شَهِدَ الثَّانِي بِوَاحِدَةٍ وَالْأَخِيرُ بِاثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ مَعَ الْأَوَّلِ طَلْقَتَانِ يَضُمُّ إلَيْهِمَا طَلْقَةً أُخْرَى، وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْأَوَّلُ بِاثْنَتَيْنِ وَالثَّانِي بِثَلَاثٍ وَالْأَخِيرُ بِوَاحِدَةٍ هَذَا إذَا عُلِمَتْ التَّوَارِيخُ فَإِنْ جُهِلَتْ يُخْتَلَفُ فِي لُزُومِ الثَّلَاثِ أَوْ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِمَا مِنْ بَابِ الطَّلَاقِ بِالشَّكِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِطَلْقَةٍ وَالْآخَرُ بِاثْنَتَيْنِ لَمْ يُحْكَمْ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ حُصُولِ النِّصَابِ فِي شَهَادَةٍ مِنْهُمَا فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِبَائِنَةٍ وَالْآخَرُ بِرَجْعِيَّةٍ ضُمَّتْ الشَّهَادَتَانِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هَا هُنَا إنَّمَا هُوَ فِي الصِّفَةِ قَالَ الْأَصْلُ وَاعْتَمَدَ الْأَصْحَابُ فِي الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ عَلَى أَنَّ الْأَقْوَالَ يُمْكِنُ تَكَرُّرُهَا وَيَكُونُ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ وَالْأَفْعَالَ لَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهَا إلَّا مَعَ التَّعَدُّدِ وَقَاعِدَةُ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْإِنْشَاءُ وَتَجْدِيدَ الْمَعَانِي بِتَجَدُّدِ الِاسْتِعْمَالَاتِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْوَضْعِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّأْكِيدِ وَإِنْ كَانَتْ مُقْتَضَى عَدَمِ ضَمِّ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ لِعَدَمِ وُجُودِ نِصَابِ الشَّهَادَةِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنَّهُ قَدْ عَارَضَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَاعِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ أَصْلَ قَوْلِنَا أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ الْخَبَرُ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ قَبْلَ زَمَنِ النُّطْقِ، وَكَذَلِكَ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَسَائِرُ صِيَغِ الْعُقُودِ فَإِذَا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى الَّذِي فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْأَوَّلِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنْشَاءِ لَا عَلَى الْخَبَرِ ضَرُورَةَ الْقَضَاءِ فِيهِ بِالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْخَبَرَ دُونَ الْإِنْشَاءِ أَوْ أَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يُقْضَ بِطَلَاقٍ وَلَا بِعَتَاقٍ أَلْبَتَّةَ كَمَا نَفْعَلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَدِّدَةِ كَانَ الْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ الَّذِي فِي شَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْآخَرِ صَالِحًا لِلْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنْصَرِفُ عَنْ أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ إلَى إنْشَاءِ هَذِهِ الْمَعَانِي وَاسْتِحْدَاثِهَا بِالْقَرَائِنِ أَوْ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ، وَشَهَادَتُهُمَا بِالْقَرَائِنِ شَهَادَةٌ بِقَوْلٍ يَصْلُحُ لَهُمَا فَيُحْمَلُ عَلَى الْإِخْبَارِ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ تَرْجِيحِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى وَلِذَلِكَ شَبَّهَهُ الْأَصْحَابُ بِمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَيْ لِاحْتِمَالِ تَكَرُّرِ الْإِقْرَارِ بِمَالٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ. وَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ عَبْدِي فُلَانٍ حُرٌّ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ الْقَوْلَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ خَبَرٌ عَنْ الْأَوَّلِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ الْخَبَرُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الشَّاهِدَانِ شَهِدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إنْشَاءُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي سُمِّيَ، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْإِنْشَاءِ وَلَفْظُ الْخَبَرِ صُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ شُرِّعَ ضَمُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ فَيَجْتَمِعُ نِصَابُ الشَّهَادَةِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ. وَأَمَّا الْفِعْلُ الثَّانِي فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَيْنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ فَإِنَّ الْخَبَرَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَقْوَالِ فَصَارَ مَشْهُودًا بِهِ غَيْرَ الْأَوَّلِ فَيَحْتَاجُ إلَى نِصَابٍ كَامِلٍ فِي نَفْسِهِ هَذَا هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ نَعَمْ لَوْ فَرَضْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ صَمَّمَ عَلَى الْإِنْشَاءِ فِيمَا سَمِعَهُ كَانَتْ الْأَقْوَالُ كَالْأَفْعَالِ فِي مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ بِتَهْذِيبٍ وَتَعَقَّبَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الشَّاطِّ بِوُجُوهٍ (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَصْلَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ الْخَبَرُ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ زَمَانِ النُّطْقِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْخَبَرَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ الْمُطَلِّقِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْحَالِ اهـ بِلَفْظِهِ وَفِيهِ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ اتِّفَاقًا فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ لِقَوْلِ الْعَلَّامَةِ الْخَفَاجِيِّ فِي طِرَازِ الْمَجَالِسِ ذَهَبَ قَوْمٌ إلَى أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ أَيْ لِاسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى زَمَانٍ أَصْلًا وَآخَرُونَ

стр. 673

إلَّا أَنَّهَا فِيهَا مِلْكٌ لِغَيْرِ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ مَا يُطْلَقُ مِنْ الْجَامَكِيَّاتِ فَإِنَّ الْمَالِكَ فِيهَا يَحْصُلُ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فَلَا جَرَمَ صَحَّ أَخْذُ الْعَرْضِ بِهَا أَوْ عَنْهَا (فَإِنْ، قُلْت) إذَا اتَّضَحَ حَدُّ الْمِلْك فَهَلْ هُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَوْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ (قُلْت) الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ مِنْ أَحَدِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَهُوَ إبَاحَةٌ خَاصَّةً فِي تَصَرُّفَاتٍ خَاصَّةٍ، وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ ذَلِكَ الْمَمْلُوكِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] كَانَتْ مَأْذُونًا فِيهَا فَمَنْ أَذِنَ فَتَمَكَّنَ مِنْ الِانْتِفَاعِ فَهُوَ مَالِكٌ لِلِانْتِفَاعِ قَالَ (لَا أَنَّهَا فِيهَا مِلْكٌ لِغَيْرِ الْوَاقِفِ) قُلْت أَمَّا الِانْتِفَاعُ فَفِيهِ الْمِلْكُ لِغَيْرِ الْوَاقِف وَهُوَ مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْوَقْفِ، وَأَمَّا عَيْنُ الْمَوْقُوفِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا مَالِكَ عَلَيْهِ لَا لِلْوَاقِفِ وَلَا لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ وَلَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَلَا مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْهَا وَإِذْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا مِلْكَ إذْ لَا مَعْنَى لِلْمِلْكِ إلَّا التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ مِنْ الِانْتِفَاعِ خَاصَّةً. قَالَ (بِخِلَافِ مَا يُطْلَقُ مِنْ الْجَامَكِيَّاتِ إلَى قَوْلِهِ صَحَّ أَخْذُ الْعِوَضِ بِهَا أَوْ عَنْهَا) قُلْت إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْوَقْفِ إنْ كَانَ سُكْنَى الْمَوْضِعِ الْمَوْقُوفِ فَلَا يَتَعَدَّى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَوَّغْ لَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِغْلَالُ فَالْعِلَّةُ مُسَوَّغَةٌ بِعَيْنِهَا فَيَصِحُّ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا. قَالَ (فَإِنْ، قُلْت إذَا اتَّضَحَ حَدُّ الْمِلْكِ فَهَلْ هُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ أَوْ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ إلَى قَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَهُوَ بَعِيدٌ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَالْمَاضِي مَجَازٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ وَالْمُسْتَقْبَلِ وَقَوْمٌ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ فَقَطْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. ثُمَّ إنَّهُ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ مُطْلَقًا أَمْ إذَا رُكِّبَ مَعَ غَيْرِهِ أَمْ إذَا كَانَ مَحْمُولًا ذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ إذَا عَمِلَ النَّصْبَ فَقَطْ، وَآخَرُونَ فَرَّقُوا بَيْنَ الْأَعْرَاضِ السَّيَّالَةِ وَالْقَارَّةِ وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ صِفَاتِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا اهـ كَمَا فِي حَاشِيَةِ كَنُونٍ عَلَى عبق قَالَ وَعَلَى قَوْلِهِ أَمْ إذَا كَانَ مَحْمُولًا يَأْتِي مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْخَطِيبِ فِي الْإِحَالَةِ وَالسُّودَانِيُّ فِي نَيْلِ الِابْتِهَاجِ وَالْمُقْرِي فِي نَفْحِ الطِّيبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي قَالَ شَهِدْت مَجْلِسًا بَيْنَ يَدَيْ السُّلْطَانِ ابْنِ تَاشِفِينَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُوسَى بْنِ حَمُّو سُلْطَانِ تِلِمْسَانَ الَّذِي اسْتَوْلَى عَلَى مِلْكِهِ أَبُو الْحَسَنِ الْمَرِينِيُّ بَعْدَ قَتْلِهِ قَرَأَ عَلَى أَبِي زَيْدٍ ابْنِ الْإِمَامِ حَدِيثَ مُسْلِمٍ «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ» إلَخْ فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقُ بْنُ حَكَمٍ السَّلْوَى هَذَا الْمُلَقَّنُ مُحْتَضَرٌ حَقِيقَةً مَيِّتٌ مَجَازًا فَمَا وَجْهُ تَرْكِ مُحْتَضَرِيكُمْ إلَى مَوْتَاكُمْ وَالْأَصْلُ الْحَقِيقَةُ فَأَجَابَهُ أَبُو زَيْدٍ بِجَوَابٍ لَمْ يُقْنِعْهُ وَكُنْت قَرَأْت عَلَى الْأُسْتَاذِ بَعْضَ التَّنْقِيحِ فَقُلْت زَعَمَ الْقَرَافِيُّ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ مَجَازًا فِي الِاسْتِقْبَالِ مُخْتَلَفًا فِيهِ فِي الْمَاضِي إذَا كَانَ مَحْكُومًا بِهِ أَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَلِّقَ الْحُكْمِ كَمَا هُنَا فَهُوَ حَقِيقَةٌ مُطْلَقًا إجْمَاعًا وَعَلَى هَذَا لَا مَجَازَ فَلَا سُؤَالَ لَا يُقَالُ إنَّهُ احْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي لَا يُطَالَبُ مُدَّعِيهَا بِالدَّلِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ أَيْضًا، بَلْ نَقُولُ إنَّهُ أَسَاءَ حَيْثُ احْتَجَّ فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ كَمَا أَسَاءَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى وُجُوبِ الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا، بَلْ هَذَا أَشْنَعُ لِكَوْنِهِ مِمَّا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ. ثُمَّ إنَّا لَوْ سَلَّمْنَا نَفْيَ الْإِجْمَاعِ فَلَنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى ظُهُورِ الْعَلَامَاتِ الَّتِي يَعْقُبُهَا الْمَوْتُ عَادَةً؛ لِأَنَّ تَلْقِينَهُ قَبْلَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يُدْهِشْ فَهُوَ يُوحِشُ فَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى وَقْتِ التَّلْقِينِ أَيْ لَقِّنُوا مَنْ تَحْكُمُونَ بِأَنَّهُ مَيِّتٌ أَوْ نَقُولَ إنَّمَا عَدَلَ عَنْ الِاحْتِضَارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِبْهَامِ أَلَا تَرَى إلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هَلْ أُخِذَ مِنْ حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ حَالَةٌ خَفِيَّةٌ نَحْتَاجُ فِي نَصْبِهَا دَلِيلَ الْحُكْمِ إلَى وَصْفٍ ظَاهِرٍ يَضْبِطُهَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوْ مِنْ حُضُورِ الْمَوْتِ وَهُوَ أَيْضًا مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِنَفْسِهِ، بَلْ بِالْعَلَامَاتِ، فَلَمَّا وَجَبَ اعْتِبَارُهَا وَجَبَ كَوْنُ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ إشَارَةً إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَذَكَرَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ أَيْضًا فِي نَوَازِلِ الْجَنَائِزِ مِنْ الْمِعْيَارِ وَزَادَ مَا نَصُّهُ: وَقَالَ سَيِّدِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مق لَعَلَّهُ مِنْ الْإِيمَاءِ إلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ وَالْإِشَارَةِ إلَى وَقْتِ نَفْعِ تِلْكَ الْكَلِمَةِ النَّفْعَ التَّامَّ وَهُوَ الْمَوْتُ عَلَيْهَا لَا حَالَ الْحَيَاةِ مِنْ احْتِضَارٍ أَوْ غَيْرِهِ أَيْ لَقِّنُوهُمْ إيَّاهَا لِيَمُوتُوا عَلَيْهَا وَتَنْفَعُ، وَمِثْلُهُ وَلَا تَمُوتُونَ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَيْ دُومُوا عَلَيْهِ لِتَمُوتُوا عَلَيْهِ فَيَتِمَّ نَفْعُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. انْتَهَى كَلَامُ كنون بِلَفْظِهِ وَإِنْ أَرَادَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَرَدَ أَنَّ الْمُرَادَ حَالُ التَّلَبُّسِ لَا حَالُ النُّطْقِ كَمَا زَعَمَ الْقَرَافِيُّ فَفِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ فِي كَوْنِ الْمُشْتَقِّ حَقِيقَةً إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَآخِرُ جُزْءٍ وَثَالِثُهَا الْوَقْفُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ اسْمُ الْفَاعِلِ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ أَيْ حَالِ التَّلَبُّسِ لَا النُّطْقِ خِلَافًا لِلْقَرَافِيِّ اهـ. كَمَا فِي حَاشِيَةِ كنون عَلَى عبق وَلَا شَكَّ أَنَّ حَالَ تَلَبُّسِهَا بِالطَّلَاقِ وَالْحُرِّيَّةِ هُوَ الزَّمَنُ الْمَاضِي الَّذِي أَنْشَأَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ فِيهِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا الْحَامِلُ عَلَى تَكَلُّفِ تَقْدِيرِهِ كَوْنَ الْقَوْلِ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ بِقَرِينَةِ حَالِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْقَوْلِ الثَّانِي تَأْكِيدَ الْإِنْشَاءِ لِعِتْقِ ذَلِكَ الْعَبْدِ لَكَمُلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ بِذَلِكَ الْعِتْقِ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَيَّنَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّهُ كَانَ

стр. 674

عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ كَمَا تَقَرَّرَتْ قَوَاعِدُ الْمُعَاوَضَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ وَشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَخُصُوصِيَّاتُ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمَالِكِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَقَائِقِ وَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّهُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ يُرِيدُ أَنَّهُ مُتَعَلِّقُ الْإِبَاحَةِ. وَالتَّعْلِيقُ عَدَمِيٌّ مِنْ بَابِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ، بَلْ فِي الْأَذْهَانِ فَهِيَ أَمْرٌ يَفْرِضُهُ الْعَقْلُ كَسَائِرِ النِّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَنَا أَنْ نُغَيِّرَ عِبَارَةَ الْحَدِّ فَنَقُولَ إنَّ الْمِلْكَ إبَاحَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ تَقْتَضِي تَمَكُّنَ صَاحِبِهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُمَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ وَيَسْتَقِيمُ الْحَدُّ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا وَيَكُونُ الْمِلْكُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ أَنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْمَشْهُورَةُ وَخِطَابُ الْوَضْعِ هُوَ نَصْبُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالتَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا، بَلْ هُوَ إبَاحَةٌ خَاصَّةٌ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَهُوَ بَعِيدٌ (فَإِنْ قُلْت) الْمِلْكُ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ، فَيَكُونُ سَبَبًا، فَيَكُونُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] إنَّهُ إبَاحَةٌ لَيْسَ عِنْدِي بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْإِبَاحَةَ هِيَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْحُكْمُ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابُهُ كَلَامُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ صِفَةٌ لِلْمَالِكِ عَلَى مَا ارْتَضَيْته أَوْ صِفَةٌ لِلْمَمْلُوكِ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا مَا لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ أَصْلًا فَالصَّحِيحُ أَنَّ مُسَبِّبَ الْإِبَاحَةِ هُوَ التَّمَكُّنُ وَالْإِبَاحَةُ هِيَ التَّمْكِينُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (فَإِنْ، قُلْت الْمِلْكُ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ إلَى ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَقْدَ عِتْقِهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَيْضًا كَذَلِكَ لَحَصَلَتْ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ بِعِتْقِهِ فَلَا فَرْقَ إذًا بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْقَوْلَانِ إنْشَاءً أَوْ كَانَا خَبَرًا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا خَبَرًا وَالْآخَرُ إنْشَاءً مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ وُقُوعُ عِتْقِهِ إيَّاهُ قَدْ حَصَلَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْ تِلْكَ التَّقَادِيرِ نَعَمْ إذَا تَبَيَّنَ بِالْقَرَائِنِ أَوْ احْتَمَلَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ تَأْسِيسُ إنْشَاءٍ كَالْأَوَّلِ فَهَا هُنَا لَا يَصِحُّ ضَمُّ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى عَقْدِ الْعِتْقِ إلَّا شَاهِدٌ وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّمَا شَهِدَ بِمَا لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْعِتْقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ لَا يَنْعَقِدُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ عِتْقُهُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا خَبَرًا وَالْآخَرُ إنْشَاءً يَصْدُقُ بِمَا إذَا كَانَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ خَبَرًا عَنْ أَنَّهُ كَانَ عَقْدَ عِتْقِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي إنْشَاءً لِعِتْقِ ذَلِكَ الْعَبْدِ كَمَا يَصْدُقُ بِالْعَكْسِ مَعَ أَنَّ كَمَالَ نِصَابِ الشَّهَادَةِ إنَّمَا يَظْهَرُ عَلَى صِدْقِهِ عَلَى الثَّانِي أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ الثَّانِي عَلَيْهِ تَأْسِيسَ إنْشَاءٍ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ بِهِ شَهَادَةً بِمَا لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْعِتْقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ إلَخْ نَعَمْ لَوْ قَامَتْ قَرِينَةُ مَقَالِهِ أَوْ حَالِهِ عَلَى أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْقَوْلِ الثَّانِي تَأْكِيدَ الْإِنْشَاءِ لِعِتْقِ ذَلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي شَهِدَ الشَّاهِدُ الْأَوَّلُ بِإِقْرَارِهِ بِهِ لَكَمُلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ بِذَلِكَ الْعِتْقِ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنَّ قَوْلَهُ نَعَمْ إنْ تَبَيَّنَ بِالْقَرَائِنِ أَوْ احْتَمَلَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ تَأْسِيسُ إلَخْ يَشْمَلُ احْتِمَالَ التَّأْسِيسِ عَلَى هَذَا الْأَوَّلِ أَيْضًا فَتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ وَإِنْصَافٍ (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ مِنْ كَوْنِ الْقَوْلِ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ لَا أَحْسَبُهُ صَحِيحًا، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ سَوَاءٌ كَانَتْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَمْ كَيْفَمَا كَانَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا فَإِنْ قَبِلَتْ الضَّمَّ ضُمَّتْ وَإِلَّا فَلَا فَبَقِيَ الْقَوْلُ كَمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ بِمَالٍ كَمَنْ يَقُولُ فِي رَمَضَانَ لِفُلَانٍ عِنْدِي دِينَارٌ فَسَمِعَهُ شَاهِدٌ، ثُمَّ يَقُولُ فِي شَوَّالٍ لِفُلَانٍ عِنْدِي دِينَارٌ فَسَمِعَهُ آخَرُ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ يَقْبَلُ الضَّمَّ فَتَكْمُلُ الشَّهَادَةُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالدِّينَارِ وَفِي الْفِعْلِ كَمَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي شَوَّالٍ فَيُشَاهِدُهُ شَاهِدٌ، ثُمَّ يَشْرَبُهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَيُشَاهِدُهُ آخَرُ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ يَقْبَلُ الضَّمَّ فَإِنَّ الشَّاهِدَيْنِ مَعًا قَدْ اجْتَمَعَا عَلَى مُشَاهَدَتِهِمَا إيَّاهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَتُمْكِنُ الشَّهَادَةُ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ. وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الضَّمَّ فَكَمَا إذَا قَالَ فِي رَمَضَانَ عَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ عَلَى قَصْدِ تَأْسِيسِ الْإِنْشَاءِ لِعَقْدِهِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَاهِدٌ، ثُمَّ قَالَ فِي شَوَّالٍ عَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ بِعَيْنِهِ فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَاهِدٌ آخَرُ وَتَعَذَّرَ قَبُولُ الضَّمِّ هُنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَقْدَ الْعِتْقِ لَا يَتَعَدَّدُ، وَأَمَّا الْفِعْلُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الضَّمَّ فَكَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ شَاهَدَ زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا فِي شَوَّالٍ وَشَهِدَ شَاهِدٌ آخَرُ أَنَّهُ شَاهَدَ قَتْلَهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَتَعَذَّرَ قَبُولُ الضَّمِّ هُنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَعَدَّدُ (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمَكَّةَ فِي رَمَضَانَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمِصْرَ فِي صَفَرٍ طَلُقَتْ تُشْكِلُ عَلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ رَمَضَانَ وَصَفَرٍ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَعَلَى تَقْدِيرِ قَصْدِهِ تَأْسِيسَ الْإِنْشَاءِ، فَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ بِهِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ انْحَلَّتْ عِصْمَتُهُ عَنْهَا قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ بِمُقْتَضَى شَهَادَةِ الْأَوَّلِ وَعَلَى تَقْدِيرِ قَصْدِ الْخَبَرِ فَالْقَوْلُ الثَّانِي يُبْعِدُ اطِّلَاعَ الشَّاهِدِ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ لِاحْتِمَالِ الْقَوْلِ الثَّانِي قَصْدَ تَأْسِيسِ الْإِنْشَاءِ وَقَصْدَ تَأْكِيدِهِ وَقَصْدَ الْخَبَرِ وَتَرْجِيحُ قَصْدِ الْخَبَرِ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ

стр. 675

مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ قُلْت وَكَذَلِكَ كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ سَبَبٌ لِمُسَبَّبَاتٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَثُوبَاتٍ وَتَعْزِيرَاتٍ وَمُؤَاخَذَاتٍ وَكَفَّارَاتٍ وَغَيْرِهَا أَوْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِخِطَابِ الْوَضْعِ مُطْلَقُ التَّرَتُّبِ، بَلْ نَقُولُ الزَّوَالُ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ، وَوُجُوبُ الظُّهْرِ سَبَبٌ لَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ سَبَبَ الثَّوَابِ وَتَرْكُهُ سَبَبَ الْعِقَابِ وَوُجُوبُهُ سَبَبٌ لِتَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَرَتَّبَ عَلَى الْوُجُوبِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَبَبًا وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، بَلْ الضَّابِطُ لِلْبَابَيْنِ أَنَّ الْخِطَابَ مَتَى كَانَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ مُكَلَّفٍ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ فَهُوَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَحَدِ الْأُمُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُوَ خِطَابُ الْوَضْعِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ خِطَابُ الْوَضْعِ وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُرُوقِ (فَإِنْ قُلْت) الْمِلْكُ حَيْثُ وُجِدَ هَلْ يُتَصَوَّرُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَوْلُهُ وَكَفَّارَاتٍ وَغَيْرِهَا) قُلْت لَمَّا فَسَّرَ الْمِلْكَ بِالْإِبَاحَةِ مُسَلَّمٌ أَنَّهُ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ الْمِلْكُ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ وَهُوَ التَّمْكِينُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَالِانْتِفَاعُ مُتَعَلِّقُ الْمِلْكِ وَلَا يُقَالُ فِي الْمُتَعَلِّقِ أَنَّهُ سَبَبُ الْمُتَعَلِّقِ إلَّا عَلَى وَجْهِ التَّوَسُّعِ فِي الْعِبَارَاتِ لَا عَلَى الْمُتَقَرِّرِ فِي الِاصْطِلَاحِ قَالَ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِخِطَابِ الْوَضْعِ مُطْلَقُ التَّرَتُّبِ إلَى قَوْلِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُرُوقِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ بَعْدُ عَنْ الْمَازِرِيِّ مَا عَدَا قَوْلَهُ إنَّ الْمِلْكَ هُوَ التَّصَرُّفُ فَإِنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْمُؤَلِّفُ قَبْلَ هَذَا. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَا يَخْفَى ضَعْفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ بِلَفْظِهِ. هَذَا وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ الْمَذْكُورِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ كُلُّهَا لِمَالِكٍ ﵀ حَكَاهَا اللَّخْمِيُّ قَالَ قِيلَ تُضَمُّ الشَّهَادَتَانِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَوْلٌ وَالْآخَرُ فِعْلٌ وَيَقْضِي بِهَا، وَقِيلَ لَا يُضَمَّانِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يُضَمَّانِ فِي الْأَقْوَالِ فَقَطْ، وَقِيلَ يُضَمَّانِ إذَا كَانَتَا عَلَى فِعْلٍ فَإِنْ كَانَ إحْدَاهُمَا عَلَى قَوْلٍ وَالْأُخْرَى عَلَى فِعْلٍ لَمْ يُضَمَّا اهـ قَالَ الْأَصْلُ وَالْقَوْلُ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ لَاحِظْ قَاعِدَةَ الْإِنْشَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنْشَاءِ لَا عَلَى الْخَبَرِ وَأَنَّهُ لَا يَقْضِي إلَّا بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْخَبَرُ دُونَ الْإِنْشَاءِ أَوْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَقْضِ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ أَلْبَتَّةَ كَمَا نَفْعَلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَدِّدَةِ وَضَمُّ الْأَفْعَالِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالرَّابِعِ مَعَ تَعَذُّرِ الْإِخْبَارِ فِيهَا مُلَاحَظَةً لِلْمَعْنَى دُونَ حُصُولِ السَّبَبِ فَإِنَّ كُلَّ شَاهِدٍ شَهِدَ بِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ وَبِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ لَا يُعْرَجُ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَرَّحَا بِالطَّلَاقِ هَكَذَا انْضَمَّتْ الشَّهَادَاتُ. وَأَمَّا عَدَمُ الضَّمِّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ، الرَّابِعُ إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى قَوْلٍ وَالْأُخْرَى عَلَى فِعْلِ فُلَانٍ ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الْجِنْسِ وَالضَّمُّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَضَمُّ الشَّيْءِ إلَى جِنْسِهِ أَقْرَبُ مِنْ ضَمِّهِ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ فَافْهَمْ (تَنْبِيهٌ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ فِي مُحَرَّمٍ إنْ فَعَلْت فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي صَفَرٍ وَشَهِدَا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا بِالْفِعْلِ بَعْدَ صَفَرٍ طَلُقَتْ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى التَّعْلِيقِ وَالْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَرِّ بِهِ وَلَهُ وَاخْتَلَفَا فِي زَمَنِ الْإِقْرَارِ وَإِنْ شَهِدَا فِي مَجْلِسٍ عَلَى التَّعْلِيقِ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَعَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الشَّرْطَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ فَعَلَهُ يَوْمَ السَّبْتِ طَلُقَتْ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى التَّعْلِيقِ وَوُقُوعِ الشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَسَبَا قَوْلَهُ لِمَكَانَيْنِ اهـ قَالَ الْأَصْلُ وَإِنَّمَا تَصِحُّ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتُ إذَا حُمِلَ الثَّانِي عَلَى الْخَبَرِ أَمَّا لَوْ صَمَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى الْإِنْشَاءِ فَلَا يُوجَدُ فِي هَذَا التَّقْدِيرِ الضَّمُّ فِي الشَّهَادَاتِ وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي الْإِطْلَاقَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عَلَى تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَالَ فَالْقَوْلُ فِي أَلْفَاظِ التَّعَالِيقِ كَالْقَوْلِ فِي أَلْفَاظِ الْإِنْشَاءَاتِ حَرْفًا بِحَرْفٍ فَإِذَا شَهِدَا بِتَعْلِيقَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانَيْنِ كَرَمَضَانَ وَصَفَرٍ كَمَا قَالَ يَعْنِي مَالِكًا فِي أَلْفَاظِ الْإِنْشَاءَاتِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ التَّعْلِيقَ الثَّانِيَ خَبَرًا عَنْ التَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ أَيْ عَنْ ارْتِبَاطِ الطَّلَاقِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى لَا إنْشَاءً لِلرَّبْطِ وَفِي الْأَوَّلِ إنْشَاءُ الرَّبْطِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا قَالَهُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْخَبَرِ أَيْ حَمْلِ التَّعْلِيقِ الثَّانِي عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ أَيْ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَمَا قَالَهُ فِيمَا إذَا شَهِدَ لَهُ الْإِنْشَاءُ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَلْزَمُهُ] (الْفَرْقُ السَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَلْزَمُهُ) مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ وَضَابِطُ الْفَرْقِ وَسِرُّهُ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ لَا تَلْزَمُهُ مُطْلَقًا كَانَتْ مِمَّا رَضِيَ بِهِ كَالنُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ أَوْ مِمَّا لَمْ يَرْضَ بِهِ كَالصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ كَانَ هُوَ حَرْبِيًّا أَوْ ذِمِّيًّا كَمَا لَمْ يَرْضَ الْحَرْبِيُّ حَالَةَ كُفْرِهِ بِدَفْعِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ مِنْ الْعِبَادِ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّتِي دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُوَفِّيهَا أَهْلَهَا فَهَذَا كُلُّهُ يَسْقُطُ عَنْ الْكَافِرِ بِإِسْلَامِهِ أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ فَلِأَمْرَيْنِ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ﷺ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» الْأَمْرُ الثَّانِي الْفَرْقُ بَيْنَ حُقُوقِ

стр. 676

فِي الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ أَمْ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي الْمَنَافِعِ خَاصَّةً. (قُلْت) قَالَ الْمَازِرِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ الْمِلْكُ فِي الْمَبِيعِ يَحْصُلُ فِي الْأَعْيَانِ وَفِي الْإِجَارَاتِ يَحْصُلُ فِي الْمَنَافِعِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ، بَلْ الْأَعْيَانُ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُوَ التَّصَرُّفُ وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي الْأَعْيَانِ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْأَمَانَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَصَرُّفُ الْخَلْقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنَافِعِ فَقَطْ بِأَفْعَالِهِمْ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُحَاوَلَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ قَالَ وَتَحْقِيقُ الْمِلْكِ أَنَّهُ إنْ وَرَدَ عَلَى الْمَنَافِعِ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ فَهُوَ الْإِجَارَةُ وَفُرُوعُهَا مِنْ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُجَاعَلَةِ وَالْقِرَاضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِنْ وَرَدَ عَلَى الْمَنَافِعِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرِدُ الْعَيْنُ، بَلْ يَبْذُلُهَا لِغَيْرِهِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَالْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَنْفَعَةَ فَقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الْمَبَاحِثِ وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةُ حَقِيقَةُ الْمِلْكِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفَاتِ وَمَا يُتَوَهَّمُ الْتِبَاسُهُ بِهِ. (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْعَقْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوُ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَعْتَقْت وَنَحْوُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ) قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ﵀ يَثْبُتُ مُسَبِّبُ هَذَا الْقِسْمِ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهُ تَشْبِيهًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْعَقْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ إلَى قَوْلِهِ فَالْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ) قُلْت هُوَ فَرْقٌ لَا طَائِلَ وَرَاءَهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ تَعَمُّقٌ فِي ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اللَّهِ وَحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْإِسْلَامَ وَنَحْوَ الْعِبَادَاتِ لَمَّا كَانَا حَقَّيْنِ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ جِهَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ الْإِسْلَامُ أَصْلًا لِلْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا بِحَيْثُ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَيْهِ نَاسَبَ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهَا بِالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِإِسْقَاطِهَا نَظَرًا لِكَوْنِهِ حَقًّا حَاصِلًا لِجِهَةِ الْحَقِّ السَّاقِطِ فَتُقَدَّمُ مَصْلَحَتُهُ عَلَى مَصْلَحَةِ مَا اتَّحَدَ مَعَهُ فِي الْجِهَةِ لِأَصَالَتِهِ لَا عَلَى مَا خَالَفَهُ فِيهَا كَحَقِّ الْآدَمِيِّينَ إذْ الْمُنَاسِبُ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهُمْ بِتَحْصِيلِ حَقِّ غَيْرِهِمْ (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ جَوَادٌ تُنَاسِبُ رَحْمَتُهُ الْمُسَامَحَةَ وَسُقُوطَ حُقُوقِهِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الْعَبْدِ فَإِنَّهُ بَخِيلٌ ضَعِيفٌ يُنَاسِبُ التَّمَسُّكَ بِحَقِّهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنَّهُ جَرَى فِيهِ التَّفْصِيلُ الْآتِي لِمَا سَتَعْرِفُهُ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَرْضَ الْحَرْبِيُّ حَالَةَ كُفْرِهِ بِدَفْعِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ مِنْ الْعِبَادِ كَالْغُصُوبِ وَالنُّهُوبِ وَالْغَارَاتِ وَنَحْوِهَا مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ الَّتِي دَخَلَ إلَخْ فَلِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ مَا لَمْ يَعْتَقِدْ لُزُومَهُ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقُدِّمَتْ مَصْلَحَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى مَصْلَحَةِ ذَوِي الْحُقُوقِ، وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ الَّتِي رَضِيَ حَالَةَ كُفْرِهِ بِدَفْعِهَا لِمُسْتَحِقِّهَا مِنْ الْعِبَادِ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ فَهَذَا يَلْزَمُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ إلْزَامَهُ إيَّاهُ لَيْسَ مُنَفِّرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ لِرِضَاهُ بِهِ لَكِنْ هَذَا يَخْتَلِفُ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَرْبِيِّ وَالذِّمِّيِّ فَالذِّمِّيُّ كَمَا يَلْزَمُهُ ثَمَنُ الْبِيَاعَاتِ وَأَجْرُ الْإِجَارَاتِ وَدَفْعُ الدُّيُونِ الَّتِي اقْتَرَضَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ كَذَلِكَ يَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَظَالِمِ وَرَدُّهَا كَالْغُصُوبِ وَالنُّهُوبِ وَالْغَارَاتِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الذِّمَّةَ وَهُوَ رَاضٍ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ وَالْحَرْبِيُّ إنَّمَا يَلْزَمُهُ ثَمَنُ الْبِيَاعَاتِ وَأَجْرُ الْإِجَارَاتِ وَدَفْعُ الدُّيُونِ الَّتِي اقْتَرَضَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا رَضِيَ بِهِ حَالَةَ كُفْرِهِ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ بِهِ، وَأَمَّا الْغُصُوبُ وَالنُّهُوبُ وَالْغَارَاتُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَمْ يَرْضَ بِهِ حَالَةَ كُفْرِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ، بَلْ يَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ لِمَا عَلِمْت أَفَادَهُ الْأَصْلُ، وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ إنَّهُ صَحِيحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ الْغَيْرِ عَنْهُ] الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ غَيْرِ مُكَلَّفٍ عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ الْغَيْرِ عَنْهُ) قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الشَّاطِّ الْفَرْقُ الْعَاشِرُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْلُ قَبْلَ هَذَا الْفَرْقِ هُوَ هَذَا الْفَرْقُ بِعَيْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا مَسَائِلَ لَمْ يَذْكُرْهَا هُنَاكَ اهـ فَلْنَقْتَصِرْ هُنَا عَلَى الْمَسَائِلِ الَّتِي لَمْ يَذْكُرْهَا هُنَاكَ لِتَكُونَ تَوْضِيحًا لِلْفَرْقِ السَّابِقِ وَنَخْلُصَ مِنْ وَصْمَةِ التَّكْرَارِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الزَّكَاةُ إنْ أَخْرَجَهَا أَحَدٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ فِي ذَلِكَ فَعَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا تَمَسُّكًا بِقِيَاسِهَا عَلَى الدُّيُونِ وَيَأْخُذُ الْإِمَامُ لَهَا كُرْهًا وَالْإِكْرَاهُ مَعَ النِّيَّةِ مُتَنَافِيَانِ يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَ فِعْلُ الْغَيْرِ فِيهَا مُطْلَقًا كَالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الْمُجْمَعِ عَلَى صِحَّةِ فِعْلِ غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَنْ الْمَأْمُورِ وَعَلَى مَا قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃ مِنْ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ شَائِبَةِ التَّعَبُّدِ مِنْ جِهَةِ مَقَادِيرِهَا فِي نَصْبِهَا وَالْوَاجِبِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ غَيْرَ الْإِمَامِ فَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ يَذْبَحُهَا غَيْرُ رَبِّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَإِذْنِهِ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ إنْ كَانَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ صَدِيقَهُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ لِتَمَكُّنِ الصَّدَاقَةِ بَيْنَهُمَا أَنْ يَجْرِيَ مِثْلُهُ هُنَا فَيُقَالُ إنَّ الزَّكَاةَ تُجْزِئُهُ إنْ كَانَ مَخْرَجُهَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ ضَرُورَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا مُفْتَقِرَةٌ لِلنِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ الْفَاعِلُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا يُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا

стр. 677

لِلْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ لَا تُوجِبُ مَعْلُولَهَا إلَّا حَالَةَ وُجُودِهَا. وَإِذَا عُدِمَتْ لَا يُوجَدُ مَعْلُولُهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ وَالْإِرَادَةِ مَعَ الْمُرِيدِيَّةِ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّارِ مَعَ الْإِحْرَاقِ وَالْمَاءِ مَعَ الْإِرْوَاءِ مِنْ الْعَادِيَّاتِ فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّاتُ إذَا عُدِمَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهَا عُدِمَتْ جُمْلَتُهَا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُوجِبَ حِينَئِذٍ حُكْمًا، بَلْ تُقَدَّرُ مُسَبَّبَاتُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مَعَ آخِرِ حُرُوفِهَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُسَبَّبُ حَالَةَ وُجُودِ سَبَبِهِ لَا حَالَةَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ آخِرِ حَرْفٍ هُوَ الْوُجُودُ الْمُمْكِنُ فِي الصِّيَغِ؛ لِأَنَّهَا مَصَادِرُ سَيَّالَةٌ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا بِجُمْلَتِهَا فَيُكْتَفَى بِوُجُودِ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الْقُدْرَةُ الْمُمْكِنُ فِيهَا فَيَحْصُلُ بِهِ الشَّبَهُ بَيْنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ. وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ تَقْدِيرُ مُسَبَّبَاتِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ إلَّا عَقِيبَ حَرْفٍ وَإِنْ عُدِمَتْ جُمْلَةُ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عَادَةً حِينَئِذٍ فَالْفَرْقُ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَحْصُلُ الْفَرْقُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوجِبُ مُسَبِّبُهُ إنْشَاءً نَحْوُ عِتْقِ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ وَالْبَيْعِ النَّاجِزِ وَالطَّلَاقِ النَّاجِزِ وَإِلَى مَا يُوجِبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الدِّينِ وَتَكَلُّفٌ وَلَا يُتَوَصَّلُ فِيهِ إلَى الْيَقِينِ قَالَ (وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَحْصُلُ الْفَرْقُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْقَسِمُ إلَى مَا يُوجِبُ مُسَبِّبُهُ إنْشَاءً إلَى قَوْلِهِ وَلِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ الْمُعْتَقِ عَنْهَا) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ تَقْدِيرِ الْمِلْكِ قَبْلَ النُّطْقِ بِالصِّيغَةِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ وَهُوَ صِحَّةُ الْعِتْقِ عَنْ الْمَيِّتِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَمْلِكَ، ثُمَّ إنَّ الْعِتْقَ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَقْصِدْ إلَى ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِافْتِقَارِهَا لِلنِّيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كُرْهًا وَهُوَ عَدْلٌ أَجْزَأَتْ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى اعْتِمَادًا عَلَى فِعْلِ الصِّدِّيقِ وَتَمَسُّكًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ الَّذِي أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ الْإِذْنُ وَالْإِجْزَاءُ؛ وَلِأَنَّ الْإِمَامَ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ فَلَهُ أَخْذُ حَقِّهِمْ قَهْرًا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ كُرْهًا لَكِنْ يُلْجِئُهُ إلَى دَفْعِهَا بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ لِافْتِقَارِهَا لِلنِّيَّةِ وَالْإِكْرَاهُ مَعَ النِّيَّةِ مُتَنَافِيَانِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الصَّوْمُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا فَرَّطَ فِيهِ جَوَّزَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَرَوَى الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِهِمْ أَيْضًا لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ أَيْضًا وَسَيَأْتِي زِيَادَةُ تَحْقِيقٍ لِهَذَا فَتَرَقَّبْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي الْعِتْقِ عَنْ الْغَيْرِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْإِجْزَاءُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَعَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِأَشْهَبَ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ أَذِنَ فِي الْعِتْقِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ اهـ. وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ ظِهَارِ غَيْرِهِ عَلَى جُعْلٍ جَعَلَهُ لَهُ فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْجُعْلُ وَلَا يُجْزِئُهُ أَيْ عَنْ ظِهَارِهِ كَالْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْعِتْقِ أَيْ فِي عَدَمِ إجْزَاءِ عِتْقِهِ عَنْ الظِّهَارِ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجُعْلِ وَضِيعَةٌ عَنْ الثَّمَنِ جَازَ أَيْ عِتْقُهُ عَنْ الظِّهَارِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ هِبَتُهُ أَيْ هِبَةُ مَنْ يُعْتَقُ فِي الظِّهَارِ فَبَيْعُهُ أَوْلَى، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْ ظِهَارِ الْغَيْرِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ أَبًا لِلْمُعْتَقِ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بَيْنَ عِتْقِ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ وَبَيْنَ دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْهُ فَلَا يُجْزِئُ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ فِي الذِّمَّةِ وَيُجْزِئُ فِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الذِّمَّةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْحَقُّ الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَالدَّيْنِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ بَيْنَ أَرْبَعِ قَوَاعِدَ (الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) قَاعِدَةُ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ وَهِيَ إمَّا إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ كَالْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ إذَا قَلَّا أَوْ تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُمَا كَأَسَاسِ الدَّارِ وَقُطْنِ الْجُبَّةِ وَرَدَاءَةِ بَوَاطِنِ الْفَوَاكِهِ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَجَاسَةِ ثَوْبِ الْمُرْضِعِ، وَالْوَارِثُ الْكَافِرُ أَوْ الْعَبْدُ يُقَدَّرُ عِتْقُهُ فَلَا يُحْجَبُ، وَأَمَّا إعْطَاءُ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ كَتَقْدِيرِ الْإِيمَانِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ حَتَّى يَنْعَصِمَ الدَّمُ وَالْمَالُ وَتَقْدِيرِ الْكُفْرِ فِي الْكَافِرِ النَّائِمِ وَالْغَافِلِ حَتَّى تَصِحَّ إبَاحَةُ الدَّمِ وَالْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ (الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ الْكَفَّارَاتِ عِبَادَةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا، وَقِيلَ لَا تَجِبُ فِيهَا النِّيَّةُ (الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) أَنَّ الْهِبَةَ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا قَبْضٌ بَطَلَتْ (الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) قَاعِدَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَصَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ وَهِيَ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَوْ أَوْصَلَ نَفْعًا لِغَيْرِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ نَفَذَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ أَوْ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ وَهُوَ مَنْفَعَةٌ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ أَوْ مَالٌ فَلَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ دَفَعَهُ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْمَدْفُوعِ عَنْهُ كَالدَّيْنِ أَوْ مِمَّا لَا يَجِبُ كَغُسْلِ الثَّوْبِ وَخِيَاطَتِهِ وَرَمْيِ التُّرَابِ مِنْ الدَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي عَدَمِ التَّبَرُّعِ، لَكِنَّ شَرْطَ الْغُرْمِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْمُولُ لَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ بِالِاسْتِئْجَارِ أَوْ إنْفَاقِ الْمَالِ أَمَّا إنْ كَانَ شَأْنُهُ فِعْلَهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ اسْتِئْجَارٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغُلَامِهِ وَتَحْصُلُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ بِغَيْرِ مَالٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ فَمَالِكٌ يَجْعَلُ لِسَانَ الْحَالِ قَائِمًا مَقَامَ لِسَانِ الْمَقَالِ فَكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ بِلِسَانِ مَقَالِهِ وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَجَعَلَ

стр. 678

اسْتِلْزَامًا كَالْعِتْقِ عَنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْمِلْكَ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ بِأَنْ يُقَدَّرَ الْمِلْكُ قَبْلَ النُّطْقِ بِالصِّيغَةِ بِالزَّمَنِ مِنْ الْفَرْدِ لِضَرُورَةِ ثُبُوتِ الْوَلَاءِ لَهُ وَلِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ الْمُعْتَقِ عَنْهَا وَمِثْلُهُ الْعِتْقُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ بِسَبَبِ عِتْقِهِ الْتِزَامًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَشْهَرِ حَتَّى يَنْتَقِلَ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ الْمُشْتَرِي نَحْوُ قَوْلُهُ قَبِلْت أَوْ اخْتَرْت الْإِمْضَاءَ فَهَذِهِ مُطَابَقَةٌ أَوْ يُعْتِقُ أَوْ يَطَأُ الْأَمَةَ أَوْ نَحْوُهُ بِمَا يَقْتَضِي الْتِزَامَ الْمِلْكِ وَنَقَلَهُ لَهُ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يُقَدَّرُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ قَبْلَ الْعِتْقِ حَتَّى يَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ الْغَيْرِ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] ذَلِكَ الْمُقَدَّرَ، وَلَوْ قَصَدَ إلَيْهِ لَمَا صَحَّ عِتْقُهُ إيَّاهُ لِأَنَّهُ كَأَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ مُعْتِقًا مِلْكَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. وَذَلِكَ لَا يَصِحُّ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ تَقَدُّمِ تَوْكِيلِ الْمُعْتَقِ عَنْهُ إنَّمَا يُتَّجَهُ إذَا كَانَ الْعِتْقُ بِإِذْنِهِ أَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا يُتَّجَهُ وَبِالْجُمْلَةِ الْقَوْلُ بِتِلْكَ التَّقْدِيرَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يَصِحُّ. قَالَ (وَمِثْلُهُ الْعِتْقُ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إلَى قَوْلِهِ مِمَّا يَقْتَضِي الْتِزَامَ الْمِلْكِ وَنَقْلَهُ لَهُ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ اسْتِلْزَامِ الْعِتْقِ وَالْوَطْءِ إمْضَاءُ الْبَيْعِ الْمُحَصِّلِ لِلْمِلْكِ صَحِيحٌ وَحُصُولُ الْمِلْكِ هُنَا مُحَقَّقٌ لَا مُقَدَّرٌ قَالَ (فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ يُقَدَّرُ ثُبُوتُ الْمِلْكِ قَبْلَ الْعِتْقِ حَتَّى يَقَعَ الْعِتْقُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ) قُلْت إنْ أَرَادُوا بِالْعِتْقِ إنْشَاءَ الصِّيغَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ حُصُولِ الْعِتْقِ فَقَوْلُهُمْ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنْ أَرَادُوا بِهِ حُصُولَ الْعِتْقِ بِنَفْسِهِ فَقَوْلُهُمْ صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ إنْشَاءَ الصِّيغَةِ بِعَيْنِهِ هُوَ الْمُسْتَلْزِمُ لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الْمِلْكُ إذَا لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْمُشْتَرِي غَيْرُ ذَلِكَ فَالْمِلْكُ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِحُصُولِهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْأَصْلَ فِي فِعْلِ الْغَيْرِ التَّبَرُّعَ وَأَنَّهُ لَا يُرْجَعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ فَمَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَمَّا لَاحَظَا هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَا الْمُعْتَقُ قَامَ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ إمَّا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ عِبَادَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا حِينَئِذٍ إلَى الْإِذْنِ وَلَا إلَى تَقْدِيرِ الْمِلْكِ وَالْوَكَالَةِ وَلَا يَكُونُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَا فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعِتْقُ عَنْ الْغَيْرِ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ إشْكَالٌ أَصْلًا كَمَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الرَّهُونِيِّ وَالصَّوَابُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الْمُدَوَّنَةِ يَعْنِي قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمَالِكٍ الْمُتَقَدِّمَيْنِ مَا قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى وَنَصُّهُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إنَّهُ مَعْنًى يَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ؛ لِأَنَّ طَرِيقَهُ الْمَالُ وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يُعْتَقَ عَنْ الْمَيِّتِ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَعْتِقَهُ هُوَ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ. وَلَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ ظِهَارِهِ لَمْ يُجْزِهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهُ عَنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَدْ مَلَكَ الْوَاهِبُ أَوْ الْبَائِعُ الْعِتْقَ فِي ذَلِكَ الْعَبْدِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وَلَزِمَ الْمُوهَبَ لَهُ إيقَاعُهُ بِالشَّرْطِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ بِشَرْطِ عِتْقِهِ عَنْهُ أَوْ وَهَبَهُمْ إيَّاهَا بِذَلِكَ الشَّرْطِ لَمْ يُجْزِهِ الَّذِي أَنْفَذَ عِتْقَهُ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ أَعْتَقَهُ وَلِذَلِكَ أَنْ يُعْتِقَهُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَقَدْ رَوَى فِي الْعُتْبِيَّةِ أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَرْأَةِ تُعْطِي زَوْجَهَا الرَّقَبَةَ يُعْتِقُهَا عَنْ ظِهَارِهِ أَوْ عَنْ الْوَجْهِ إنْ كَانَ بِشَرْطِ الْعِتْقِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَرْطٍ أَجْزَاهُ وَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَرَوَاهُ فِي الْمَدِينَةِ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ كِنَانَةَ اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَقَدْ أَغْفَلَهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ، وَإِمَّا بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ التَّقَادِيرِ فَيُقَدَّرُ انْتِقَالُ مِلْكِهِ عَنْهُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ قَبْلَ صُدُورِ الْعِتْقِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى يَثْبُتَ الْوَلَاءُ وَتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ فَيُرَدُّ الْإِشْكَالُ بِقَاعِدَةِ النِّيَّةِ فَإِنَّ مَالِكًا وَابْنَ الْقَاسِمِ يَشْتَرِطَانِهَا. وَهِيَ مُتَعَذِّرَةٌ مَعَ الْغَفْلَةِ وَلَا يَدْفَعُهُ الْجَوَابُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْعِتْقِ عَنْ الْمَيِّتِ لِلْفَرْقِ بِأَنَّ الْحَيَّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْعِتْقِ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بَابُ التَّقَرُّبِ فَنَاسَبَ أَنْ يُوَسِّعَ الشَّرْعُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا بِالْقِيَاسِ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ كُرْهًا مَعَ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا لِلْفَرْقِ أَيْضًا بِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ لِأَجْلِ امْتِنَاعِ الْمَالِكِ وَهَا هُنَا الْمُعْتَقُ عَنْهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَبِأَنَّ مَصْلَحَةَ الزَّكَاةِ عَامَّةٌ فَيُوَسَّعُ فِيهَا لِعُمُومِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ وَهِيَ خَاصَّةٌ فَلَا يُخَالِفُ فِيهَا قَاعِدَةَ النِّيَّةِ فَتَبْقَى الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً عَلَى قَوْلِهِمَا لَا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَبِرُ قَاعِدَةَ النِّيَّةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ حَالَةَ عَدَمِ الْإِذْنِ وَلَا عَلَى قَوْلِ أَشْهَبَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ الْإِذْنُ مِنْ بَابِ الْكَلَامِ وَالْإِبَاحَةُ وَالنِّيَّةُ مِنْ بَابِ الْمَقَاصِدِ وَالْإِرَادَةِ فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَصْدُ الْإِنْسَانِ لِعِتْقِ مِلْكِ غَيْرِهِ وَلَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ إنْ دَفَعَ لَهُ جُعْلًا أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا لِلْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ فَتَخْرُجُ بِالْجُعْلِ عَنْ الْهِبَةِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى قَصْدٍ وَأَشْكَلَ مِنْهَا عَلَى قَوْلِهِمَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ مِنْ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعِتْقُ عَنْ الْغَيْرِ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ دَلَالَةُ الْحَالِ دُونَ الْمَقَالِ وَهَا هُنَا لَا دَلَالَةَ حَالٍ وَلَا مَقَالٍ فَلَا يُتَّجَهُ وَيَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الْعِتْقِ عَنْ الْوَاجِبِ، وَمَنْ يَشْتَرِطُ الْإِذْنَ يَقُولُ الْإِذْنُ تَضَمَّنَ الْوَكَالَةَ فِي نَقْلِ مِلْكِهِ لِلْآذِنِ وَعَتَقَ عَنْهُ بَعْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَيَكُونُ الْمَأْذُونُ لَهُ وَكِيلًا فِي الْأَمْرَيْنِ وَمُتَوَلِّيًا لِطَرَفَيْ الْعَقْدِ كَمَا قَالَ الْأَصْلُ قَالَ وَالْمُوجِبُ بِهَذِهِ التَّقَادِيرِ كُلِّهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّصَرُّفُ

стр. 679

وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَثْبُتُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَالضَّرُورَةُ دَعَتْ لِوُقُوعِ الْعِتْقِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَالْمُقَارَنَةُ تَكْفِي فِي دَفْعِ تِلْكَ الضَّرُورَةِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ غَيْرُ مُتَّجَهٍ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُضَادٌّ لِلْمِلْكِ وَاجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ وَتَنْقَسِمُ أَيْضًا الْأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ إلَى مَا يَقْتَضِي ثُبُوتًا كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَإِلَى مَا يَقْتَضِي إبْطَالًا لِمُسَبِّبِ سَبَبٍ آخَرَ كَفَوَاتِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَقْتَضِي إبْطَالَ مُسَبِّبِ السَّبَبِ السَّابِقِ وَهُوَ الْمَبِيعُ، وَكَذَلِكَ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ يَقْتَضِيَانِ إبْطَالَ الْعِصْمَةِ السَّابِقَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى النِّكَاحِ، وَالْمِلْكُ الْمُرَتَّبُ فِي الرَّقِيقِ عَلَى سَبَبِهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْفَوَاتَ يُوجِبُ الْفَسْخَ فَهَلْ يَقْتَضِيهِ مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقَدُّمِ عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَثْبُتُ مَعَهُ إلَى قَوْلِهِ وَاجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ) قُلْت مَا قَالَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ صَحِيحٌ، وَقَوْلُهُ هُوَ أَنَّ الْعِتْقَ مُضَادُّ الْمِلْكِ إنْ أَرَادَ بِالْعِتْقِ دُخُولَ الْحُرِّيَّةِ فِي الْعَبْدِ فَلِذَلِكَ صَحِيحٌ وَلَا يَلْزَمُ عَنْهُ مَقْصُودُهُ وَإِنْ أَرَادَ بِالْعِتْقِ إنْشَاءَ الصِّيغَةِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ حُصُولِ حُرِّيَّةِ الْعَبْدِ فَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ كَيْفَ، وَقَدْ قَالَ هُوَ قُبَيْلَ هَذَا حَاكِيًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُقَدِّرُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ قَبْلَ الْعِتْقِ حَتَّى يَقَعَ الْعِتْقُ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ وَصَوَّبَ هُوَ قَوْلَهُمْ فِي اللَّهِ مَا أَسْرَعَ مَا نَسِيَ. قَالَ (وَتَنْقَسِمُ أَيْضًا الْأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ إلَى مَا يَقْتَضِي ثُبُوتًا كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَإِلَى مَا يَقْتَضِي إبْطَالًا لِمُسَبِّبِ سَبَبٍ آخَرَ كَفَوَاتِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَبِمَا سَلَفَ مِنْ الْقَوْلِ يَتَبَيَّنُ أَيُّ مَذْهَبَيْ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَعِيَّةِ أَوْ الْقَبْلِيَّةِ أَصَحُّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ قَالَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إلَّا بِهَا وَمَا تَعَذَّرَ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ إلَّا بِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِلْغَاءِ اهـ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمَسْأَلَةَ إذَا بُنِيَتْ عَلَى قَاعِدَةِ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى تَقْدِيرٍ وَلَا غَيْرِهِ كَمَا لِابْنِ الشَّاطِّ فَهَذَا تَحْرِيرُ مَسَائِلِ هَذَا الْفَرْقِ الَّذِي سَبَقَ تَحْرِيرُهُ فِي الْفَرْقِ الْعَاشِرِ وَالْمِائَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِلُ ثَوَابُهُ إلَى الْمَيِّتِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَصِلُ ثَوَابُهُ إلَيْهِ) الْقُرُبَاتُ بِاعْتِبَارِ وُصُولِ ثَوَابِهَا لِلْغَيْرِ اتِّفَاقًا وَعَدَمِ وُصُولِ ثَوَابِهَا لِلْغَيْرِ اتِّفَاقًا وَالْخِلَافُ فِي وُصُولِهِ لَهُ وَعَدَمِ وُصُولِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَجَرَ عَلَى عِبَادِهِ فِي ثَوَابِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ نَقْلَهُ لِغَيْرِهِمْ كَالْإِيمَانِ وَالتَّوْحِيدِ وَالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ لِلَّهِ ، وَكَذَلِكَ حُكِيَ فِي الصَّلَاةِ الْإِجْمَاعُ نَظَرًا فِي الْخِلَافِ الَّذِي نُقِلَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِيهَا عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ قَدْ يُقَالُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي نَقْلِ ثَوَابِهِ لِلْمَيِّتِ وَهُوَ الدُّعَاءُ وَالْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ فِيهِ حَجْرٌ أَمْ لَا كَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَقِيلَ لَا يَصِلُ ثَوَابُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ أَهْدَى لَهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَكَذَا هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَطْ، وَقِيلَ يَصِلُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي الْحَجِّ عَنْ الْمَيِّتِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ. وَكَذَا حَجُّ تَطَوُّعٍ أَوْصَى بِهِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُ فِي الصَّوْمِ عَمَّنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ، وَقَالَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَطْ قَالَ كَنُونٍ قَالَ أَبُو زَيْدٍ الْفَاسِيُّ وَلَعَلَّ قَوْلَ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْوَرْيَاجِلِيِّ. وَأَمَّا الْإِجَارَةُ عَلَى الْقِرَاءَةِ فَلَا تَجُوزُ وَذَلِكَ جُرْحَةٌ فِي آكِلِهَا إلَّا أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ وَيُعْطِيَهُ وَلِيَّ الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِ الصِّلَةِ وَالْعَطِيَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِجَارَةِ اهـ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ النَّفْعِ كَمَا حَكَاهُ عَنْ مَعْرُوفِ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَفِي جَوَابٍ لِلْعَبْدِينِيِّ الْمَيِّتُ يَنْتَفِعُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالْخِلَافُ فِيهِ مَشْهُورٌ وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ جَائِزَةٌ اهـ. وَحُجَّةُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْوُصُولِ الْقِيَاسُ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنْ لَا يَنُوبَ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَحَدِيثِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَصَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» وَحُجَّةُ الْقَوْلِ بِالْوُصُولِ أَوَّلًا الْقِيَاسُ عَلَى الدُّعَاءِ الْمُجْمَعِ عَلَى وَصْلِهِ لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ الَّتِي مِنْهَا حَدِيثُ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ» إلَخْ إذْ الْكُلُّ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ وَثَانِيًا قَوْلُهُ ﵇ «صَلِّ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِك وَصُمْ لَهُمَا مَعَ صِيَامِك يَعْنِي أَبَوَيْهِ» ، وَقَوْلُهُ أَيْضًا «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وَنَصُّ السُّنَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ الْمَفْرُوضَ يَسْقُطُ عَنْ الْمَيِّتِ بِحَجِّ وَلِيِّهِ، وَكَذَا الْحَجُّ الْمَنْذُورُ يَسْقُطُ عَنْ الْمَيِّتِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ وَظَاهِرُ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ كَمَا فِي الْمَوَاهِبِ وَغَيْرِهَا، «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْك فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ صَلَاتِي قَالَ مَا شِئْت، قُلْت الرُّبْعَ قَالَ مَا شِئْت وَإِنْ زِدْت فَهُوَ خَيْرٌ لَك. قُلْت النِّصْفَ قَالَ مَا شِئْت وَإِنْ زِدْت فَهُوَ خَيْرٌ لَك، قُلْت أَجْعَلُ صَلَاتِي كُلَّهَا لَك قَالَ إذًا تُكْفَى هَمَّك وَيُغْفَرَ ذَنْبُك» وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْعُهُودِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَنْ أَبِي الْمَوَاهِبِ الشَّاذِلِيِّ مِنْ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ لَهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيَّ

стр. 680

السَّبَبِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الِانْقِلَابَ وَالْفَسْخَ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ مَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ تُحَصِّلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى بَعْضِ الْمَذَاهِبِ فَبَطَلَ الشَّبَهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْآخَرِ يَحْصُلُ الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا. (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَتَقَدَّمُ مُسَبَّبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ) اعْلَمْ أَنَّ أَزْمِنَةَ ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، مَا يَتَقَدَّمُ وَمَا يَتَأَخَّرُ وَمَا يُقَارِنُ وَمَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فَأَمَّا مَا يُقَارِنُ فَكَالْأَسْبَابِ الْفِعْلِيَّةِ فِي حِيَازَةِ الْمُبَاحِ كَالْحَشِيشِ وَالصَّيْدِ وَالسَّلَبِ فِي الْجِهَادِ حَيْثُ سَوَّغْنَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى رَأْيِنَا أَوْ مُطْلَقًا عَلَى رَأْيِ الشَّافِعِيَّةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ لِلْحُدُودِ وَمِنْ ذَلِكَ التَّعَالِيقُ اللُّغَوِيَّةُ فَإِنَّهَا كُلُّهَا أَسْبَابٌ فَإِذَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطِ الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَا يَتَقَدَّمُ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِ فَكَإِتْلَافِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَإِنَّك تُقَدِّرُ الِانْفِسَاخَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ تَلَفِهِ لِيَكُونَ الْمَحَلُّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَتَقَدَّمُ مُسَبَّبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَتَقَدَّمُ مُسَبَّبُهُ إلَى آخِرِ هَذَا الْقِسْمِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ قَالَ (وَأَمَّا مَا تَتَقَدَّمُ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِ فَكَإِتْلَافِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ إلَى قَوْلِهِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْفَرْقِ) قُلْت لَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ الِانْفِسَاخِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ تَلَفِهِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ أَمَّا عَدَمُ صِحَّتِهِ فَلِأَنَّ الصَّحِيحَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَتُهْدِيَ ثَوَابَ ذَلِكَ إلَيَّ لَا إلَى نَفْسِك وَثَالِثًا دُخُولُ أَوْلَادِ الْمُؤْمِنِينَ الْجَنَّةَ بِعَمَلِ آبَائِهِمْ وَانْتِفَاعِ الْغُلَامَيْنِ الْيَتِيمَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ اللَّهُ فِي قِصَّتِهِمَا ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] بِصَلَاحِ أَبِيهِمَا وَالنَّفْعُ بِالْجَارِ الصَّالِحِ فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ كَمَا فِي الْأَثَرِ وَرَحْمَةُ جَلِيسِ أَهْلِ الذِّكْرِ وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ وَلَمْ يَجْلِسْ لِذَلِكَ، بَلْ لِحَاجَةٍ عَرَضَتْ لَهُ وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وقَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ [الفتح: ٢٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥١] فَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ الْعَذَابَ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ بِسَبَبِ بَعْضٍ وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِانْتِفَاعِهِمْ بِأَعْمَالِ غَيْرِهِمْ الصَّالِحَةِ وَأَجَابَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاعِ الْإِنْسَانِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ، وَعَنْ الْآيَةِ إمَّا بِأَنَّهَا عَامَّةٌ قَدْ خُصِّصَتْ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ وَإِمَّا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِنْسَانِ الْكَافِرِ وَالْمَعْنَى لَيْسَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ إلَّا مَا عَمِلَ هُوَ فَيُثَابُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا بِأَنْ يُوَسَّعَ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ وَيُعَافَى فِي بَدَنِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَإِلَّا بِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] مِنْ بَابِ الْعَدْلِ، وَأَمَّا مِنْ بَابِ الْفَضْلِ فَجَائِزٌ أَنْ يَزِيدَهُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ فَضْلِهِ، وَأَمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ الْجَمْلِ عَلَى الْجَلَالَيْنِ، وَعَنْ حَدِيثِ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» إلَخْ وَنَحْوُهُ مِمَّا وَرَدَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقُلْ انْقَطَعَ انْتِفَاعُهُ. وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ انْقِطَاعِ عَمَلِهِ، وَأَمَّا عَمَلُ غَيْرِهِ فَهُوَ لِعَامِلِهِ فَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ فَقَدْ وَصَلَ إلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِ الْعَامِلِ لَا ثَوَابُ عَمَلِهِ هُوَ فَالْمُنْقَطِعُ شَيْءٌ وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ آخَرُ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمَيِّتَ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَعَمَلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَمَلًا عَمِلَهُ وَنَشَرَهُ أَوْ وَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ أَوْ مُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَكْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ» فَإِنَّهُ لَمْ يَنْفِ أَنْ يَلْحَقَهُ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ غَيْرِهِ وَحَسَنَاتِهِ قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ وَأَجَابَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَنْ الْقِيَاسِ عَلَى الدُّعَاءِ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ فِي الدُّعَاءِ أَمْرَيْنِ (أَحَدَهُمَا) مُتَعَلِّقُهُ كَالْمَغْفِرَةِ فِي قَوْلِك اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُرْجَى حُصُولُهُ لِلْمَدْعُوِّ لَهُ إذْ لَهُ طُلِبَ لَا لِلدَّاعِي وَإِنْ وَرَدَ أَنَّ الْمَلَكَ يَقُولُ لَهُ وَلَك مِثْلُهُ (وَالْأَمْرُ الثَّانِي) ثَوَابُهُ وَهُوَ لِلدَّاعِي فَقَطْ وَعَمَّا وَرَدَ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِالِانْتِفَاعِ بِعَمَلِ الْغَيْرِ الْبَدَنِيِّ مِنْ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالصَّلَاةِ بِأَنَّهَا مَعَ احْتِمَالِهَا التَّأْوِيلَ مُعَارَضَةٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمَعْضُودَةِ بِأَنَّهَا عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ فَتَقَدَّمَ، وَعَنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ وَحُصُولِ الرَّحْمَةِ وَرَفْعِ الْعَذَابِ بِعَمَلِ الْغَيْرِ الصَّالِحِ بِأَنَّ الْحَاصِلَ فِي نَحْوِ هَذَا بَرَكَةُ الْمُؤْمِنِينَ لَا ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ وَبَرَكَةُ صَلَاحِ الْأَبِ لَا ثَوَابُ عَمَلِهِ وَبَرَكَةُ أَهْلِ الذِّكْرِ لَا ثَوَابُ عَمَلِهِمْ وَبَرَكَةُ الرَّسُولِ لَا ثَوَابُ عَمَلِهِ وَهَكَذَا وَالْبَرَكَاتُ لِعَدَمِ تَوَقُّفِهَا عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ لَا يُنْكَرُ حُصُولُهَا لِلْغَيْرِ حَتَّى لِلْبَهَائِمِ الَّتِي لَا يَتَأَتَّى فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْصُلُ بَرَكَتُهُ لِلْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبَهَائِمِ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ضَرَبَ فَرَسًا بِسَوْطٍ فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُسْبَقُ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بَطِيءَ الْحَرَكَةِ وَرُوِيَ أَنَّ حِمَارَهُ ﷺ كَانَ يَذْهَبُ إلَى بُيُوتِ أَصْحَابِهِ ﵇ فَيَنْطَحُ بِرَأْسِهِ الْبَابَ يَسْتَدْعِيهِمْ إلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَرْوِيٌّ فِي مُعْجِزَاتِهِ وَكَرَامَاتِهِ ﵇ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا الثَّوَابُ فَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِدَلِيلِ الْمُبَاحَاتِ وَأَهْلِ الْفَتَرَاتِ لَا يَحْصُلُ إلَّا لِمَنْ تَوَجَّهَ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَمِنْ هُنَا يَتَّضِحُ

стр. 681

قَابِلًا لِلِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ الصَّرْفُ لَا يَقْبَلُ انْقِلَابَهُ لِمِلْكِ الْبَائِعِ عَلَى الْخِلَافِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْفَرْقِ وَكَمِثْلِ الْخَطَأِ فَإِنَّ لَهُ حُكْمَيْنِ (أَحَدُهُمَا) يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِالزُّهُوقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ وَالْإِرْثُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ مِلْكُ الْمَيِّتِ فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ مِلْكُهُ لَهَا حَالَةَ حَيَاتِهِ فِي حَالَةٍ تَقْبَلُ الْمِلْكَ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَقْبَلُهُ، وَثَانِيهِمَا يَقْتَرِنُ بِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْقَتْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدِّيَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فِي الْأَسْبَابِ الْمُطَّرِدِ فِيهَا أَنَّ تَعَقُّبَهَا مُسَبَّبَاتُهَا أَوْ تُقَارِنُهَا. وَأَمَّا عَدَمُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَلِأَنَّ انْقِلَابَ الْمَبِيعِ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى ادِّعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى انْقِلَابِهِ إلَى مِلْكِهِ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ ضَمَانِهِ مِنْهُ وَكَوْنُ ضَمَانِهِ مِنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنُهُ عَلَى مِلْكِهِ لِلُزُومِ الضَّمَانِ بِدُونِ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْمُعْتَدِي وَإِنَّمَا كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقُّ التَّوْفِيَةِ. قَالَ (وَكَقَتْلِ الْخَطَأِ فَإِنَّ لَهُ حُكْمَيْنِ إحْدَاهُمَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ وُجُوبُ الدِّيَةِ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالزَّهُوقِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا) قُلْت مَا قَالَهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ، بَلْ تَجِبُ بِإِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ الَّذِي يَئُولُ إلَى الزُّهُوقِ قَالَ (وَمِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ إلَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَقْبَلُهُ) قُلْت لَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ مِلْكِ الدِّيَةِ، بَلْ هُوَ مُحَقَّقٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِنْفَاذُ لَا الزَّهُوق قَالَ (وَثَانِيهمَا يَقْتَرِنُ بِهِ وَهُوَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْقَتْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الدِّيَةِ) قُلْت قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِيهِمَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَدَمُ صِحَّةِ قَوْلِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَأَبَا حَنِيفَةَ كَمَا فِي الْمِعْيَارِ إذَا قُرِئَ عِنْدَ الْقَبْرِ حَصَلَ لِلْمَيِّتِ أَجْرُ الْمُسْتَمِعِ إذْ الْمَوْتَى قَدْ انْقَطَعَتْ عَنْهَا الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي فَكَمَا أَنَّ الْبَهَائِمَ تَسْمَعُ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَا ثَوَابَ لَهَا لِعَدَمِ الْأَمْرِ لَهَا بِالِاسْتِمَاعِ كَذَلِكَ الْمَوْتَى لَا يَكُونُ لَهُمْ ثَوَابٌ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَمِعِينَ لِعَدَمِ الْأَمْرِ لَهُمْ بِالِاسْتِمَاعِ وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ وَلَا يَقَعُ فِيهِ خِلَافٌ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الْقِرَاءَةِ لَا ثَوَابُهَا كَمَا تَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُدْفَنُ عِنْدَهُمْ أَوْ يُدْفَنُونَ عِنْدَهُ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِخِلَافِ الثَّوَابِ كَمَا عَلِمْت لَكِنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يُهْمِلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَلَعَلَّ الْحَقَّ هُوَ الْوُصُولُ إلَى الْمَوْتَى فَإِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مَغِيبَةٌ عَنَّا، وَلَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافٌ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَمْرٍ وَاقِعٍ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ التَّهْلِيلُ الَّذِي جَرَتْ عَادَةُ النَّاسِ يَعْمَلُونَهُ الْيَوْمَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ، وَيُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يُيَسِّرُهُ وَيُلْتَمَسُ فَضْلُ اللَّهِ بِكُلِّ سَبَبٍ مُمْكِنٍ وَمِنْ اللَّهِ الْجُودُ وَالْإِحْسَانُ اهـ. قَالَ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونٌ وَنُقِلَ هَذَا عَنْ الْقَرَافِيِّ صَاحِبِ الْمِعْيَارِ وَابْنِ الْفُرَاتِ وَالشَّيْخِ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيِّ قَالَ كَنُونِ وَنَقَلَ أَبُو زَيْدٍ الْفَاسِيُّ فِي بَابِ الْحَجِّ مِنْ جَوَابٍ لِلْفَقِيهِ الْمُحَدِّثِ أَبِي الْقَاسِمِ الْعَبْدُوسِيِّ، وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَدْ نَصَّ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْأَجْوِبَةِ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَالْقُرْطُبِيِّ فِي التَّذْكِرَةِ عَلَى أَنَّ الْمَيِّتَ يَنْتَفِعُ بِالْقِرَاءَةِ قُرِئَتْ عَلَى الْقَبْرِ أَوْ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي بِلَادٍ إلَى بِلَادٍ وَوُهِبَ الثَّوَابُ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ نَعَمْ قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ فِي الْمَدْخَلِ مَنْ أَرَادَ وُصُولَ قِرَاءَتِهِ بِلَا خِلَافٍ فَلْيَجْعَلْ ذَلِكَ دُعَاءً بِأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَوْصِلْ ثَوَابَ مَا أَقْرَأُ إلَى فُلَانٍ اهـ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ وَكَنُونٍ قَالَ الرَّهُونِيُّ وَالتَّهْلِيلُ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْقَرَافِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ هُوَ فِدْيَةُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ سَبْعِينَ أَلْفِ مَرَّةٍ حَسْبَمَا ذَكَرَهُ السَّنُوسِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الَّذِي فَهِمَهُ مِنْهُ الْأَئِمَّةُ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ هُنَا أَيْ فِي بَابِ الْجَنَائِزِ وَمُصْطَفَى الرَّمَاصِيَّ فِي بَابِ الْإِجَارَةِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ مِنْ التَّهْلِيلِ عِنْدَ حَمْلِ الْمَيِّتِ وَتَوَجُّهِهِمْ بِهِ إلَى الدَّفْنِ فَجَزَمَ فِي الْمِعْيَارِ فِي الْفَصْلِ الَّذِي عَقَدَهُ فِي الْبِدَعِ قُبَيْلَ نَوَازِلِ النِّكَاحِ أَنَّهُ بِدْعَةٌ وَنُقِلَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ مِنْ الْمِعْيَارِ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الشُّيُوخِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ لُبٍّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ سَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدُوسِيِّ مَا هُوَ شَاهِدٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ فِي الْفَصْلِ الْمَذْكُورِ وَانْظُرْ تَقْيِيدَهُ الْمُسَمَّى بِالتَّحَصُّنِ وَالْمَنَعَةِ مِمَّنْ اعْتَقَدَ أَنَّ السُّنَّةَ بِدْعَةٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ. (فَائِدَةٌ) قَالَ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونٌ فِي الْمِعْيَارِ عَنْ الْإِمَامِ الْمَنْثُورِيِّ مَا نَصُّهُ حَدَّثَنِي الْأُسْتَاذُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْحَسَنِ الْقُرْطُبِيِّ عَنْ الرَّاوِيَةِ أَبِي عَمْرِ بْنِ حَوْطِ اللَّهِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بَشْكُوَالَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ يَرْبُوعٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْخَزْرَجِيِّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَرَوِيُّ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِقُرْطُبَةَ قَالَ كُنْت بِمِصْرَ فَأَتَانِي نَعْيُ أَبِي فَوَجَدْت عَلَيْهِ وَجْدًا شَدِيدًا فَبَلَغَ ذَلِكَ الشَّيْخَ أَبَا الطَّيِّبِ بْنَ غَلْبُونٍ الْمُقْرِي فَوَجَّهَ لِي فَأَتَيْته فَجَعَلَ يُصَبِّرُنِي وَيَذْكُرُ ثَوَابَ الصَّبْرِ عَنْ الْمُصِيبَةِ وَالرَّزِيَّةِ، ثُمَّ قَالَ لِي ارْجِعْ إلَى مَا هُوَ أَعْوَدُ عَلَيْك وَعَلَى الْمَيِّتِ مِنْ أَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ مِثْلُ الصَّدَقَةِ وَمَا شَاكَلَهَا وَأَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَنْهُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] عَشْرَ مَرَّاتٍ كُلَّ لَيْلَةٍ. ثُمَّ قَالَ لِي أُحَدِّثُك فِي ذَلِكَ بِحَدِيثٍ قَالَ كَانَ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ بِالْخَيْرِ وَالْفَضْلِ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّهُ فِي مَقْبَرَةِ مِصْرَ وَكَأَنَّ النَّاسَ نُشِرُوا مِنْ مَقَابِرِهِمْ وَكَأَنَّهُ مَشَى خَلْفَهُمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَمَّا أَوْجَبَ نُهُوضَهُمْ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَوَجَّهُوا إلَيْهَا فَوَجَدَ

стр. 682

وَأَمَّا مَا تَتَأَخَّرُ عَنْهُ أَحْكَامُهُ فَكَبَيْعِ الْخِيَارِ يَتَأَخَّرُ فِيهِ نَقْلُ الْمِلْكِ عَنْ الْعَقْدِ إلَى الْإِمْضَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَكَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مَعَ الْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَتَنْصِيصِ الْعِدَدِ فَإِنَّهَا تُقَارِنُ وَكَالْوَصِيَّةِ يَتَأَخَّرُ نَقْلُهَا لِلْمِلْكِ فِي الْمُوصَى بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَكَذَلِكَ السَّلَمُ وَالْبَيْعُ إلَى أَجَلٍ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ تَوَجُّهُ الْمُطَالَبَةِ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ، وَأَمَّا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَالْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ نَحْوِ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِبْرَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالشَّهَادَاتِ فَهَلْ تَقَعُ مُسَبَّبَاتُهَا مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْأَجِلَّةِ كَمَا كَانَ شَيْخُ الْمُتَكَلِّمِينَ هَذَا مَذْهَبُهُ فِي الْفِقْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ تَقَعُ مُسَبَّبَاتُهَا عَقِيبَ آخِرِ حَرْفٍ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ خِلَافٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَأَمَّا مَا تَتَأَخَّرُ عَنْهُ أَحْكَامُهُ فَكَبَيْعِ الْخِيَارِ يَتَأَخَّرُ فِيهِ نَقْلُ الْمِلْكِ عَنْ الْعَقْدِ إلَى الْإِمْضَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ) قُلْت إنَّمَا تَأَخَّرَ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا ثَبَتَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَهُوَ عَقْدٌ غَيْرُ تَامٍّ فَتَأَخَّرَ مُسَبَّبُهُ إلَى تَمَامِهِ. قَالَ (وَكَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ إلَى قَوْلِهِ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ تَوَجُّهُ الْمُطَالَبَةِ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ) قُلْت جَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ أَسْبَابٌ لَمْ تَتِمَّ فَلَمْ تَتَرَتَّبْ عَلَيْهَا مُسَبَّبَاتُهَا حَتَّى تَمُتْ وَاسْتَوْفَتْ شُرُوطَهَا فَلَمْ يَأْتِ بِمِثَالٍ صَحِيحٍ لِمَا يَتَأَخَّرُ عَنْ سَبَبِهِ قَالَ (وَأَمَّا مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ فَكَالْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ نَحْوِ الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ إلَى قَوْلِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ خِلَافٌ) قُلْت الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ الْخِلَافِ قَرِيبٌ وَلَا أَرَاهُ يَئُولُ إلَى طَائِلٍ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] رَجُلًا عَلَى حُفْرَتِهِ قَدْ تَخَلَّفَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فَسَأَلَهُ عَنْ الْقَوْمِ إلَى أَيْنَ يُرِيدُونَ فَقَالَ إلَى رَحْمَةٍ جَاءَتْهُمْ يَقْتَسِمُونَهَا فَقَالَ لَهُ فَهَلَّا مَضَيْت مَعَهُمْ فَقَالَ إنِّي قَدْ قَنَعْت بِمَا يَأْتِينِي مِنْ وَلَدِي عَنْ أَنْ أُقَاسِمَ فِيمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْت لَهُ وَمَا الَّذِي يَأْتِيك مِنْ وَلَدِك فَقَالَ يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ وَيُهْدِي إلَيَّ ثَوَابَهَا فَذَكَرَ الشَّيْخُ ابْنُ غَلْبُونٍ لِي أَنَّهُ مُنْذُ سَمِعَ هَذِهِ الْحِكَايَةَ كَانَ يَقْرَأُ عَنْ وَالِدَيْهِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فِي كُلِّ يَوْمٍ عَشْرَ مَرَّاتٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَمْ يَزَلْ بِهَذِهِ الْحَالَةِ إلَى أَنْ مَاتَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْخَيَّاطُ فَجَعَلَ يَقْرَأُ عَنْهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] عَشْرَ مَرَّاتٍ وَيُهْدِي إلَيْهِ ثَوَابَهَا قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ غَلْبُونٍ فَمَكَثْت عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ مُدَّةً، ثُمَّ عَرَضَ لِي فُتُورٌ قَطَعَنِي عَنْ ذَلِكَ فَرَأَيْت أَبَا الْعَبَّاسِ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي يَا أَبَا الطَّيِّبِ لِمَ قَطَعْت عَنَّا ذَلِكَ الشُّكْرَ الْخَالِصَ الَّذِي كُنْت تُوَجِّهُ بِهِ إلَيْنَا فَانْتَبَهْت مِنْ مَنَامِي وَقُلْت الْخَالِصُ كَلَامُ اللَّهِ وَإِنَّمَا كُنْت أُوَجِّهُ إلَيْهِ ثَوَابَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فَرَجَعْت أَقْرَؤُهَا عَنْهُ ﵀ اهـ. وَلَا يَخْفَاك أَنْ تَمَسُّكَ مِثْلَ الشَّيْخِ ابْنِ غَلْبُونٍ بِالرُّؤْيَا الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ الرَّجُلِ الْمَعْرُوفِ بِالْخَيْرِ وَالْفَضْلِ وَبِرُؤْيَاهُ الَّتِي رَآهَا بَعْدُ إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّأْيِيدِ وَالِاسْتِئْنَاسِ لِلْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا مَنْ قَالَ بِوُصُولِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْقُرَبِ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَمْوَاتِ فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا وَقَعَ لِابْنِ ذِكْرِيٍّ، بَلْ أَوْلَى مِنْ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى قَوْلِ الْحَطَّابِ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي بَابِ الْحَجِّ وَتَطَوَّعَ وَلِيُّهُ عَنْهُ مَا نَصُّهُ وَجُلُّهُمْ أَيْ الْعُلَمَاءِ أَجَابَ بِالْمَنْعِ أَيْ مَنْعِ إهْدَاءِ ثَوَابِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْقُرَبِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا شَيْءٌ عَمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ مِنْ السَّلَفِ اُنْظُرْهُ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ اسْتَنَدَ إلَى مَا نَقَلَهُ عَنْ الْعُهُودِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَنْ أَبِي الْمَوَاهِبِ الشَّاذِلِيِّ مِنْ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَنَامِ عَنْ مَعْنَاهُ إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ لِكَلَامِ الْعُهُودِ فَهُوَ أَقْوَى وَأَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ زَرُّوقٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ كَالْحَافِظِ الْمُنْذِرِيِّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ إنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أُكْثِرُ الدُّعَاءَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَك مِنْ دُعَائِي صَلَاةً عَلَيْك إذْ لَوْ أُرِيدَ لَقِيلَ فَكَمْ أَصْرِفُ لَك مِنْ وَقْتِ دُعَائِي مَثَلًا قَالَ الشَّيْخُ كنون بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ كَلَامَهُ فِي بَابِ الْحَجِّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَتَطَوَّعَ عَنْهُ وَلِيُّهُ مَا نَصُّهُ فَأَنْتَ تَرَاهُ إنَّمَا ذَكَرَ رُؤْيَا أَبِي الْمَوَاهِبِ وَغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّأْيِيدِ وَالِاسْتِئْنَاسِ لِظَاهِرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَا عَلَى وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ أَنَّ رُؤْيَتَهُ ﷺ وَإِنْ كَانَتْ حَقًّا وَلَا سِيَّمَا مِنْ مِثْلِ أَبِي الْمَوَاهِبِ لَكِنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَثْبُتُ بِالرُّؤْيَا فَلِذَلِكَ قَبِلَ كَلَامَهُ الْمَذْكُورَ تِلْمِيذُهُ جَسُّوسُ وَغَيْرُهُ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَبْطُلُ التَّتَابُعُ] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ) وَذَلِكَ أَنَّ مَا يُبْطِلُهُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ (الْأَوَّلُ) وَطْءُ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا حَصَلَ مِنْهُ ابْتَدَأَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا أَوَّلَ صَوْمِهِ أَوْ آخِرَهُ نَاسِيًا كَانَ لِظِهَارِهِ أَوْ عَامِدًا وَوَافَقَهُ فِي ذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَإِنْ أَصَابَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ مَعَ عُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ أَيْ كَمَرَضٍ وَسَفَرٍ انْقَطَعَ أَيْ التَّتَابُعُ اهـ. وَكَذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ الْعَمْدَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَسْتَأْنِفُ عَلَى حَالٍ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ

стр. 683

تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَفَعَلَتْ طَلُقَتْ وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى أَصْلِهِ جِدًّا فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْإِعْطَاءِ الْإِقْبَاضَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ أَقْبَضْتنِي وَإِنْ أَرَادَ بِالْإِعْطَاءِ التَّمْلِيكَ فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمْلِيكُ عَلَى أَصْلِهِ بِمُجَرَّدِ الْمُنَاوَلَةِ، وَقَاعِدَتُهُ أَنَّ الْمُعَاطَاةَ وَالْفِعْلَ وَالْمُنَاوَلَةَ لَا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ انْتِقَالَ مِلْكٍ فَهَذِهِ الصُّورَةُ تَعْضُدُ الْمَالِكِيَّةَ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهَا وَيَكُونُ نَقْضًا عَلَى أَصْلِهِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ اللَّفْظُ السَّابِقُ فِي التَّعْلِيقِ حَصَلَ بِهِ انْتِقَالُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّعْلِيقِ إنَّمَا اقْتَضَى رَبْطَ الطَّلَاقِ بِالْإِعْطَاءِ وَلَمْ يَقْتَضِ حُصُولَ الْمِلْكِ فِي الْمُعْطِي وَلَعَلَّهَا لَا تُعْطِيهِ شَيْئًا فَإِنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْمِلْكِ لَمْ يُوجَدْ أَلْبَتَّةَ فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (تَنْبِيهٌ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ وَأَلْزَمَهُ الشَّافِعِيُّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] تَشْبِيهُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالشَّرْطُ الَّذِي وَرَدَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ أَعْنِي أَنْ تَكُونَ قَبْلَ الْمَسِيسِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ كَذَا قَبْلَ كَذَا أَنَّ التَّقَدُّمَ شَرْطٌ وَلِذَلِكَ يَصْدُقُ لَنَا اسْتَأْذِنْ الْمَرْأَةَ فِي النِّكَاحِ وَأَحْضِرْ الْوَلِيَّ قَبْلَ الْعَقْدِ أَنَّ هَذَيْنِ شَرْطَانِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُنَا اسْتَتِرْ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَتَطَهَّرْ وَانْوِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ شُرُوطٌ فَمَنْ اعْتَبَرَ هَذَا الشَّرْطَ قَالَ يَسْتَأْنِفُ الصَّوْمَ إذْ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنْ يَتَقَدَّمَ الصَّوْمُ وَطْءَ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا بَعْدَ الظِّهَارِ، وَمَنْ شَبَّهَهُ بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَالَ لَا يَسْتَأْنِفُ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ تَرْفَعُ الْحِنْثَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِاتِّفَاقٍ اهـ بِتَوْضِيحٍ (النَّوْعُ الثَّانِي) الِاسْتِمْتَاعُ بِالْمُظَاهَرِ مِنْهَا بِمَا دُونَ الْوَطْءِ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ أَيْضًا قَالَ حَفِيدُ ابْن رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ فَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ كَمَا يَحْرُمُ الْجِمَاعُ يَحْرُمُ مَا دُونَهُ مِنْ الْوَطْءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَاللَّمْسُ وَالتَّقْبِيلُ وَالنَّظَرُ لِلَّذَّةِ مَا عَدَا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا وَيَدَيْهَا مِنْ سَائِرِ بَدَنِهَا وَمَحَاسِنِهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ إنَّمَا كُرِهَ النَّظَرُ لِلْفَرْجِ فَقَطْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا يَحْرُمُ الظِّهَارُ لِوَطْءٍ فِي الْفَرْجِ فَقَطْ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ لَا مَا عُدَّ بِذَلِكَ اهـ. وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ مَا فِي الْإِقْنَاعِ وَشَرْحِهِ مِنْ أَنَّهُ إنْ لَمَسَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا أَوْ بَاشَرَهَا دُونَ الْفَرْجِ عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ بِهِ بِأَنْ أَنْزَلَ قُطِعَ التَّتَابُعُ لِفَسَادِ صَوْمِهِ وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى وَجْهٍ يُفْطِرُ بِهِ بِأَنْ لَمْ يُنْزِلْ فَلَا يُقْطَعُ التَّتَابُعُ لِعَدَمِ فَسَادِ الصَّوْمِ اهـ قَالَ حَفِيدُ ابْنِ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ وَدَلِيلُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِ التَّمَاسِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] يَقْتَضِي الْمُبَاشَرَةَ فَمَا فَوْقَهَا؛ وَلِأَنَّهُ أَيْ الظِّهَارُ لَفْظٌ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِهِ فَأَشْبَهَ لَفْظَ الطَّلَاقِ، وَدَلِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ أَوَّلًا أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ وَإِنْ كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى مَا فَوْقَ الْجِمَاعِ إلَّا أَنَّهَا دَلَالَةٌ مَجَازِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى الْجِمَاعِ، فَيَكُونُ هُوَ الْحَقِيقَةُ الَّتِي تَنْتَفِي بِهَا الدَّلَالَةُ الْمَجَازِيَّةُ إذْ لَا يَدُلُّ لَفْظٌ وَاحِدٌ دَلَالَتَيْنِ حَقِيقَةً وَمَجَازًا نَعَمْ لَا يَبْعُدُ عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُشْتَرَكَ لَهُ عُمُومٌ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ يَتَضَمَّنُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَجْرِ بِهِ عَادَةٌ لِلْعَرَبِ حَتَّى عُدَّ الْقَوْلُ بِهِ لِذَلِكَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ لَكِنْ لَوْ عُلِمَ أَنَّ لِلشَّرْعِ فِيهِ تَصَرُّفًا لَجَازَ وَثَانِيًا أَنَّ الظِّهَارَ مُشَبَّهٌ عِنْدَهُمْ بِالْإِيلَاءِ فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ عِنْدَهُمْ بِالْفَرْجِ اهـ مُلَخَّصًا. قُلْت وَدَلِيلُ قَوْلِ أَحْمَدَ أَنَّ الْجِمَاعَ يُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مُوجِبِ الْغُسْلِ وَفَسَادِ الصَّوْمِ فَتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ (النَّوْعُ الثَّالِثُ) وَطْءُ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَالْأَكْلُ نَهَارًا عَلَى خِلَافٍ فِيهِ أَيْضًا فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا تَعَمَّدَ الْأَكْلَ فِي صَوْمِ الظِّهَارِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ النَّذْرِ الْمُتَتَابِعِ نَهَارًا أَوْ تَعَمَّدَ وَطْءَ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا نَهَارًا ابْتَدَأَهُ اهـ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَفِي إلْحَاقِ الْجَاهِلِ أَيْ بِالْعَامِدِ قَوْلَانِ وَفِي السَّهْوِ وَالْخَطَأِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السَّهْوِ فَيُجْزِئُ وَالْخَطَأِ فَلَا يُجْزِئُ وَيَبْتَدِئُ؛ لِأَنَّ مَعَهُ تَمْيِيزَهُ بِخِلَافِ السَّهْوِ وَمِثْلُ مَا لِمَالِكٍ فِي الْجُمْلَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الْإِقْنَاعِ الْآتِي، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ الْفِطْرُ يُبْطِلُ التَّتَابُعَ مُطْلَقًا أَيْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا؛ لِأَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ فَقَطْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَبِخِلَافِ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ كَالْإِغْمَاءِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْأَصْلُ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ التَّتَابُعُ مَأْمُورٌ بِهِ فَيَقْدَحُ فِيهِ النِّسْيَانُ أَوْ التَّفْرِيقُ مُحَرَّمٌ فَلَا تَضُرُّ مُلَابَسَتُهُ سَهْوًا فَإِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ بِمُلَابَسَتِهَا مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ كَشُرْبِ الْخَمْرَ سَاهِيًا أَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً جَاهِلًا بِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَوَأَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا أَوْ حَرَامًا مَغْصُوبًا غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ اهـ. مِنْهُ بِلَفْظِهِ يَعْنِي أَنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ بَشِيرٍ وَسَيَأْتِي مَا فِي الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَتَرَقَّبْ (وَأَنَّ مَا لَا يُبْطِلُهُ) فَأَنْوَاعٌ أَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ فَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا أَكَلَ نَهَارًا فِي صَوْمِ الظِّهَارِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ النَّذْرِ الْمُتَتَابِعِ نَاسِيًا أَوْ مُجْتَهِدًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ وَطِئَ نَهَارًا غَيْرَ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا نَاسِيًا قَضَى يَوْمًا مُتَّصِلًا بِصَوْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ابْتَدَأَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِهِ. اهـ فَأَوْلَى إذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حِكَايَةُ الْخِلَافِ فِي الْجَهْلِ وَالسَّهْوِ وَالْخَطَأِ عَنْ أَبِي الطَّاهِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَمِثْلُ مَا لِمَالِكٍ فِي الْجُمْلَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ فِي الْإِقْنَاعِ وَإِنْ تَخَلَّلَ صَوْمَهُمَا أَيْ الشَّهْرَيْنِ صَوْمُ رَمَضَانَ أَوْ فِطْرٌ وَاجِبٌ كَفِطْرِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ الْحَيْضُ أَوْ نِفَاسٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ إغْمَاءٌ أَوْ مَرَضٌ، وَلَوْ غَيْرَ مَخُوفٍ أَوْ لِسَفَرٍ مُبِيحَانِ أَيْ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ الْفِطْرَ أَوْ فِطْرُ الْحَامِلِ أَوْ الْمُرْضِعِ

стр. 684

(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ) اعْلَمْ أَنَّ الذِّمَّةَ قَدْ أُشْكِلَتْ مَعْرِفَتُهَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٌ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا أَهْلِيَّةُ الْمُعَامَلَةِ فَإِذَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] صَحِيحٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ فَفَعَلْت أَيْ مَلَّكْته الْأَلْفَ بِشَرْطِ التَّمْلِيكِ الَّذِي هُوَ التَّلَفُّظُ بِمَا يَقْتَضِيهِ فَيَنْدَفِعُ الْإِلْزَامُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ] قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الذِّمَّةِ وَقَاعِدَةِ أَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ إلَى قَوْلِهِ، وَهَذَا هُوَ ضَابِطُ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ مِنْ وَجْهٍ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ بَعْدُ مِنْ حِكَايَةِ أَقْوَالٍ لَا كَلَامَ فِيهِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا ذِمَّةَ لَهُ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنْ كَانَتْ الذِّمَّةُ كَوْنَ الْإِنْسَانِ قَابِلًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ وَالْتِزَامِهَا شَرْعًا فَالصَّبِيُّ لَا ذِمَّةَ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الذِّمَّةُ كَوْنَهُ قَابِلًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ دُونَ الْتِزَامِهَا فَالصَّبِيُّ لَهُ ذِمَّةٌ لِلُزُومِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَم الْمُتْلَفَاتِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِخَوْفِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا أَوْ فِطْرٌ لِإِكْرَاهٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ لِخَطَأٍ لَا لِجَهْلٍ أَوْ وَطِئَ غَيْرَ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا لَيْلًا، وَلَوْ عَمْدًا أَوْ نَهَارًا نَاسِيًا لِلصَّوْمِ أَوْ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ لَمْ يَنْقَطِعْ التَّتَابُعُ أَيْ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فَيُبْنَى عَلَى مَا قَدَّمَهُ وَيُتِمُّهُ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْفِطْرُ لِمَرَضٍ لَا يُبْطِلُهُ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ الْإِغْمَاءُ كَالْمَرَضِ وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ كَالْمَرِيضِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْبِدَايَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنْ وَطِئَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَا يَسْتَأْنِفُ عَلَى حَالٍ نَظَرًا لِكَوْنِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ تَرْفَعُ الْحِنْثَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِاتِّفَاقٍ وَحَكَى الْأَصْلُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إنْ وَطِئَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلًا لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ. اهـ. فَحَرِّرْ هَذَا تَوْضِيحُ الْفَتَاوَى عَلَى الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ فَتْوَى مَذْهَبٍ مِنْهَا إلَّا أَنَّ سِرَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا عَلَى الْفَتْوَى مِنْ مَذْهَبَيْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا جَعَلَا وَطْءَ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا مُطْلَقًا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوَّلَ الصَّوْمِ أَوْ آخِرَهُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا مُوجِبًا لِابْتِدَاءِ الصَّوْمِ، وَوَطْءَ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَالْأَكْلَ نَهَارًا عَمْدًا فَقَطْ مُوجِبًا لِابْتِدَائِهِ، وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَعَلَى عَكْسِ ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَا وَطْءَ غَيْرِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا وَالْأَكْلَ نَهَارًا مُطْلَقًا أَيْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا مُوجِبًا لِابْتِدَاءِ الصَّوْمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَطْءَ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا عَمْدًا فَقَطْ لِابْتِدَائِهِ وَالشَّافِعِيُّ وَطْؤُهَا إمَّا لَا يُوجِبُ الِابْتِدَاءَ عَلَى حَالٍ، وَأَمَّا لَيْلًا فَقَطْ لَا يُوجِبُهُ كَمَا تَوَضَّحَ وَسِرُّ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ التَّتَابُعَ صِفَةُ الصَّوْمِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ وَصِفَةَ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ مُكَلَّفٌ بِوُجُوبِهَا وَعَدَمَ وَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ عَنْ الظَّاهِرِ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ كَذَا أَنَّ التَّقَدُّمَ شَرْطٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مَبْسُوطَةٌ أَنَّ الْوُجُوبَ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ فَمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ لَا يُكَلَّفُ لَك وَكَذِبُهُ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يَعْلَمَ بِهِ. غَيْرَ أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْعِلْمِ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي التَّكْلِيفِ فَيَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْمَرَضِ وَالْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهَا لِمُنَافَاتِهَا التَّكْلِيفَ بِمُنَافَاتِهَا لِشَرْطِهِ لُطْفًا مِنْ اللَّهِ بِالْعِبَادِ وَأَنَّ الشَّرْطَ كَالسَّبَبِ وَالْمَانِعِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ وَلَا إرَادَةٌ كَالتَّوْرِيثِ بِالْأَنْسَابِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ وَلَا هُوَ مِنْ قُدْرَتِهِ وَلَا إرَادَتِهِ فَيَقْدَحُ فِيهِ النِّسْيَانُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ يَثْبُتُ مُطْلَقًا وَمَا يَثْبُتُ مُطْلَقًا اُعْتُبِرَ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ شَرْطًا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٤] أَنَّهُ بَعْدَ الظِّهَارِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ لَيْسَ قَبْلَهُمَا وَطْءٌ وَلَا فِي أَثْنَائِهِمَا وَطْءٌ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ إمَّا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَيْ لِيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَإِمَّا خَبَرٌ بَاقٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ حُذِفَ مِنْهُ إمَّا الْمُبْتَدَأُ أَيْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَإِمَّا الْخَبَرُ أَيْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَكَوْنُهُمَا لَيْسَ قَبْلَهُمَا وَطْءٌ وَلَا فِي أَثْنَائِهِمَا وَطْءٌ أَمْرَانِ قَدْ يَتَغَيَّرُ أَحَدُهُمَا بِتَقَدُّمِ الْوَطْءِ فَيَسْتَحِلُّ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ بَعْدَ تَغَيُّرِ أَحَدِهِمَا بِتَقَدُّمِ الْوَطْءِ أَنْ يُصَدَّقَ أَنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ قَبْلَهُمَا وَطْءٌ وَيَبْقَى الْآخَرُ وَهُوَ أَنْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ فِي خِلَالِهِمَا وَطْءٌ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُتَعَذِّرَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ وَالْمُمْكِنَ يُسْتَصْحَبُ فِيهِ التَّكْلِيفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَلِذَلِكَ قُلْنَا نَحْنُ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَبْتَدِئُ الصَّوْمَ مُتَتَابِعَيْنِ إذَا وَطِئَهَا قَبْلَهُ مُطْلَقًا وَأَبُو حَنِيفَةَ عَمْدًا فَقَطْ. وَإِنْ كَانَ وَصْفُ تَقَدَّمْ عَدَمِ الْوَطْءِ قَدْ تَعَذَّرَ؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّتَابُعَ هُوَ الْمُمْكِنُ الْبَاقِي، وَأَمَّا فِي فِطْرِهِ نَاسِيًا النَّذْرُ الْمُتَتَابِعَ وَنَحْوَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الصَّوْمِ الْمُتَتَابِعِ فَيَأْتِي بِيَوْمٍ غَيْرِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا يَصِلُهُ بِآخِرِ صِيَامِهِ تَكْمِلَةً لِلْعِدَّةِ لَا لِتَحْصِيلِ وَصْفِ التَّتَابُعِ فِي جَمِيعِ الصَّوْمِ، بَلْ فِي آخِرِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ قَدْ تَعَذَّرَ وَبَقِيَ تَحْصِيلُهُ فِي آخِرِهِ مُمْكِنًا فَوَجَبَ الْمُمْكِنُ وَسَقَطَ الْمُتَعَذِّرُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ الْوَارِدُ هُنَا عَلَى الْفَتَاوَى الْمَذْكُورَةِ كُلِّهَا مِنْ جِهَةِ

стр. 685

قُلْنَا زَيْدٌ لَهُ ذِمَّةٌ مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَهْلٌ لَأَنْ يُعَامَلَ وَهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ بِمَعْنَى أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَتَانِ وَتَحْقِيقُ التَّغَايُرِ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَاتَيْنِ الْحَقِيقَتَيْنِ أَعَمُّ مِنْ الْأُخْرَى مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّ التَّصَرُّفَ يُوجَدُ بِدُونِ الذِّمَّةِ، وَالذِّمَّةُ تُوجَدُ بِدُونِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَيَجْتَمِعَانِ مَعًا كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ يُوجَدُ الْحَيَوَانُ وَلَا أَبْيَضُ كَالْأَسْوَدَانِ وَالْأَبْيَضِ وَلَا حَيَوَانَ كَالْجِيرِ وَالثَّلْجِ وَيَجْتَمِعَانِ مَعًا كَالصَّقَالِبَةِ وَالطُّيُورِ الْبِيضِ، وَهَذَا هُوَ ضَابِطُ الْأَعَمِّ وَالْأَخَصِّ مِنْ وَجْهٍ فَالصِّبْيَانُ عِنْدَنَا الْمُمَيِّزُونَ يَصِحُّ بَيْعُهُمْ وَشِرَاؤُهُمْ وَيَقِفُ اللُّزُومُ عَلَى إجَازَةِ الْوَلِيِّ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يَنْعَقِدُ أَصْلًا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنْ عَقَدَ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ وَقَفَ عَلَى إجَازَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ إنْ عَقَدَهُ بِإِذْنٍ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى عَدَمِ الذِّمَّةِ فِي حَقِّهِ فَهَذَا الْقِسْمُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤] عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْ التَّقَادِيرِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْنِي كَوْنَهُ خَبَرًا بِمَعْنَى الْأَمْرِ أَوْ عَلَى حَقِيقَتِهِ حُذِفَ مِنْهُ الْمُبْتَدَأُ أَوْ الْخَبَرُ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِطَلَبٍ لَا يُدْفَعُ فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ التَّفْرِيقِ، فَيَكُونُ مُحَرَّمًا. وَالْمُحَرَّمُ لَا يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ بِمُلَابَسَتِهِ مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ كَمَا هُوَ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ عَنْ ابْنِ بَشِيرٍ وَيَبْعُدُ الِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّتَابُعَ إذَا كَانَ وَاجِبًا كَانَ تَرْكُهُ مُحَرَّمًا فَإِنَّ كُلَّ وَاجِبٍ تَرْكُهُ مُحَرَّمٌ وَكُلَّ مُحَرَّمٍ تَرْكُهُ وَاجِبٌ فَالْوُجُوبُ مِنْ لَوَازِمِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْرِيمُ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُوبِ فِي النَّقِيضِ الْمُقَابِلِ فَاَلَّذِي يَصِحُّ فِي الْآيَةِ أَنَّ التَّتَابُعَ مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ وَأَنَّ الْمَطْلُوبَ طَلَبًا أَكِيدًا صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَالْمُكَلَّفُ النَّاسِيَ وَالْمُجْتَهِدُ وَالْمَكْرُوهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ فَرَّقَ وَلَمْ يَقَعْ فِعْلُهُ مُطَابِقًا لِمُقْتَضَى الطَّلَبِ فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِي الْعُهْدَةِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَلَبَ الصَّلَاةَ بِالنِّيَّةِ وَالطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الشُّرُوطِ فَمَنْ نَسِيَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فِيهَا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ أَوْ الشُّرْبِ فِي رَمَضَانَ أَوْ نَسِيَ أَوْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَإِنَّ صَوْمَهُ يَبْطُلُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَمَا بَالُ التَّتَابُعِ خَرَجَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا النَّمَطِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ فِي الْإِغْمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ التَّتَابُعُ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِالْإِغْمَاءِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُبْطِلَا التَّتَابُعَ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِهِمَا، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِمَا فِي الْمَرَضِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّ التَّفْرِيقَ مَتَى حَصَلَ أَيَّ طَرِيقٍ كَانَ وَجَبَ ابْتِدَاءُ الصَّوْمِ كَمَا قُلْنَا فِي جَمِيعِ النَّظَائِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ بِوَصْفِ التَّتَابُعِ لَمْ يَحْصُلْ وَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ الْمَطْلُوبُ الشَّرْعِيُّ مَعَ إمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِهِ وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ هَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ النَّظَائِرَ الْمَذْكُورَةَ شُرُوطٌ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَلَا قُدْرَتُهُ وَلَا إرَادَتُهُ فَهِيَ شُرُوطٌ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ فَيُؤَثِّرُ فَقْدُهَا وَالتَّتَابُعُ الْمَذْكُورُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صِفَةُ الصَّوْمِ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ وَصِفَةُ الْمُكَلَّفِ بِوُجُوبِهِ مُكَلَّفٌ بِوُجُوبِهَا فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ. وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُتَعَذِّرَ مِنْهُ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ وَالْمُمْكِنَ مِنْهُ يُسْتَصْحَبُ فِيهِ التَّكْلِيفُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (مَسْأَلَةٌ) قَالَ مَالِكٌ ﵀ إذَا تَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ أَوْ بِالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ أَيْ مِنْ النَّوَافِلِ السَّبْعِ الْمَجْمُوعَةِ فِي قَوْلِ ابْنِ كَمَالِ بَاشَا: مِنْ النَّوَافِلِ سَبْعٌ تَلْزَمُ الشَّارِعَ ... أَخْذًا لِذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ الشَّارِعُ صَوْمٌ صَلَاةٌ عُكُوفٌ حَجَّهُ الرَّابِعُ ... طَوَافُهُ عُمْرَةٌ إحْرَامُهُ السَّابِعُ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ إحْرَامُهُ السَّابِعُ الِائْتِمَامُ فِي قَوْلِ ابْنِ عَرَفَةَ السَّابِقِ: صَلَاةٌ وَصَوْمٌ ثُمَّ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ ... طَوَافٌ عُكُوفٌ وَائْتِمَامٌ تَحَتُّمًا وَفِي غَيْرِ ذَا كَالْوَقْفِ وَالطُّهْرِ خَيِّرْنَ ... فَمَنْ شَاءَ فَلْيَقْطَعْ وَمَنْ شَاءَ تَمَّمَا وَعَرَضَ عَارِضٌ يَقْتَضِي فَسَادَهُ نَاسِيًا أَوْ مُجْتَهِدًا لَمْ يَجِبْ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ وَجَبَ الْقَضَاءُ اهـ. وَهَذَا وَإِنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ إشْكَالٌ كَبِيرٌ هُوَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مَا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ نَظِيرَ الْوَاجِبِ الْمُتَّصِلِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ فِي كَوْنِ مَا فَسَدَ مِنْ كُلٍّ يَقْضِي بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ فَإِنَّ الْوَاجِبَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حَالُهُ إلَّا أَنَّ وَجْهَهُ هُوَ أَنَّ وُجُوبَ التَّطَوُّعَاتِ عِنْدَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] حَيْثُ نَهَى عَنْ الْإِبْطَالِ، فَيَكُونُ الْإِكْمَالُ وَاجِبًا مُكَلَّفًا بِهِ وَالتَّكْلِيفُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ. وَإِذَا لَمْ يَجِبْ الْإِتْمَامُ حَالَةَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ فَإِذَا تَعَمَّدَ الْإِفْسَادَ وَلَمْ يَحْصُلْ الْإِتْمَامُ حَالَةَ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَجَبَ

стр. 686

حَصَلَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ مِنْ غَيْرِ ذِمَّةٍ لَهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ وَتُوجَدُ الذِّمَّةُ بِدُونِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ كَالْعَبِيدِ فَإِنَّهُمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِمْ لِحَقِّ السَّادَاتِ. وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُمْ يَمْلِكُونَ فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ إلَّا بِإِذْنِ السَّادَاتِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ إفْسَادِ مَا لَهُمْ وَحَقُّ السَّادَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَلَوْ جَنَوْا جِنَايَةً وَلَمْ يَقَعْ الْحَدِيثُ فِيهَا وَلَا الْحُكْمُ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّتِهِ إذَا عَتَقَ طُولِبَ بِهَا بِخِلَافِ الصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ لَا يُطَالَبُ بِمَا تَقَرَّرَ فِي ذِمَّتِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَكِنْ بِمَا تَقَدَّمَ سَبَبُهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَيُطَالَبُ بِهِ الْآنَ. وَأَمَّا الْعَبْدُ يُطَالَبُ بِمَا تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ، فَيَكُونُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَقِّ الْعَبْدِ السَّبَبُ وَالْمَلْزُومُ وَفِي حَقِّ الصَّبِيِّ السَّبَبُ دُونَ اللُّزُومِ، وَكَذَلِكَ إذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَفُسِخَ نِكَاحُهُ بَقِيَ الصَّدَاقُ فِي ذِمَّتِهِ يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَاللُّزُومُ سَابِقٌ وَالْمُطَالَبَةُ مُتَأَخِّرَةٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَضَاءُ لِانْدِرَاجِ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي التَّكْلِيفِ نَعَمْ لَمَّا كَانَ الْمَشْهُورُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَيَتْبَعُ ذَلِكَ الْأَمْرَ عَلَى حَسَبِ وُرُودِهِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ مَعَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ فِي الْوَاجِبِ الْمُتَّصِلِ كَالصَّوْمِ فِي رَمَضَانَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ مَعَ الْمَرَضِ وَهُوَ عُذْرٌ وَلَمْ يَرِدْ لَنَا فِي التَّطَوُّعَاتِ الَّتِي تَجِبُ بِالشُّرُوعِ مِثْلُ ذَلِكَ، بَلْ إنَّمَا وَرَدَ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْعُذْرِ خَاصَّةً لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﵄ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ «اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» وَكَانَتَا عَامِدَتَيْنِ لِإِفْسَادِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَالَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا التَّكْلِيفُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ فِي الْوَاجِبِ الْمُتَّصِلِ مُطْلَقًا وَاقْتَصَرْنَا عَلَى الْقَضَاءِ بِصُورَةِ عَدَمِ الْعُذْرِ خَاصَّةً فِي التَّطَوُّعَاتِ الَّتِي تَجِبُ بِالشُّرُوعِ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُبْطِلُهُ وَشَرْطُ قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَقَاعِدَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مَعَ تَنْقِيحِ كَلَامِ الْأَصْلِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَشَرْحِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الفرق بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُطَلَّقَاتِ يَقْضِي قَبْلَ عِلْمِهِنَّ بِالطَّلَاقِ وَأَمَدِ الْعِدَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُرْتَابَاتِ يَتَأَخَّرُ الْحَيْضُ وَلَا يُعْلَمُ لِتَأَخُّرِهِ سَبَبٌ] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُطَلَّقَاتِ يَقْضِي بِالطَّلَاقِ وَأَمَدِ الْعِدَّةِ قَبْلَ عِلْمِهِنَّ بِذَلِكَ فَيَكْتَفِينَ بِمَا تَقَدَّمَ عَلَى عِلْمِهِنَّ مِنْ أَمَدِهَا وَلَا يَلْزَمُهُنَّ اسْتِئْنَافُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُرْتَابَاتِ يَتَأَخَّرُ الْحَيْضُ وَلَا يُعْلَمُ لِتَأْخِيرِهِ سَبَبٌ فَيَمْكُثْنَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ غَالِبَ مُدَّةِ الْحَمْلِ اسْتِبْرَاءً) فَإِنْ حِضْنَ فِي خِلَالِهَا احْتَسَبْنَ بِذَلِكَ الْحَيْضِ وَانْتَظَرْنَ بَقِيَّةَ الْأَقْرَاءِ إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَلَا يَزَلْنَ كَذَلِكَ حَتَّى يَكْمُلَ لَهُنَّ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ أَوْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ فَإِذَا انْقَضَتْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لَيْسَ فِي خِلَالِهَا حَيْضٌ اسْتَأْنَفْنَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ كَمَالَ السَّنَةِ فَإِنْ حِضْنَ قَبْلَ السَّنَةِ، وَلَوْ بِلَحْظَةٍ اسْتَأْنَفْنَ الْأَقْرَاءَ حَتَّى يَنْقَضِيَ الْأَقْرَاءُ أَوْ سَنَةً لَا حَيْضَ فِيهَا قَالَ حَفِيدٌ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ مَتَى تَعْتَدُّ بِتِسْعَةِ الْأَشْهُرِ فَقِيلَ مِنْ يَوْمِ طَلُقَتْ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْمُوَطَّإِ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ مِنْ يَوْمِ رَفْعَتِهَا حَيْضَتُهَا اهـ بِلَفْظِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى تَنْتَظِرُ الْحَيْضَ إلَى سِنِّ الْإِيَاسِ وَقَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنْ كَانَتْ حُجَّتُهُمَا عَلَيْهِ بِأَمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا) قَوْلُ عُمَرَ ﵁ أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلُقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ رُفِعَتْ عَنْهَا حَيْضَتُهَا فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَاكَ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ بِثَلَاثَةٍ أَشْهُرٍ (وَثَانِيهِمَا) أَنَّهُنَّ بَعْدَ التِّسْعَةِ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ إذْ لَوْ كَانَ لَظَهَرَ غَالِبًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْحَامِلَ قَدْ تَحِيضُ فَحَيْثُ لَمْ تَحِضْ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ كَانَتْ مُدَّةُ الْحَمْلِ كَافِيَةً فِي الْعِلْمِ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ الْمَقْصُودِ بِالْعِدَّةِ، بَلْ هِيَ قَاطِعَةٌ عَلَى ذَلِكَ فَيَنْدَرِجْنَ فِي ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] إلَّا أَنَّهُ يُقَالُ عَلَيْهِ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ تَمْضِي قَبْلَ الْعِلْمِ وَالْمَقْصُودُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا حَمْلٌ، وَقَدْ حَصَلَتْ فِي كِلَا الْبَابَيْنِ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ النِّسْوَةَ الْمُرْتَابَاتِ وَإِنْ انْكَشَفَ الْغَيْبُ عَنْ إيَاسِهِنَّ، إلَّا أَنَّ الْعِدَّةَ لَمَّا كَانَتْ لَا تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْعِلْمِ بِحُصُولِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَإِلَّا لَحَصَلَتْ لِامْرَأَةِ مَنْ غَابَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْعَشَرَةِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا حَيْثُ إنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ قَدْ دَلَّتْ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إجْمَاعًا، بَلْ إنَّمَا تَحْصُلُ بِالْعِلْمِ بِحُصُولِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ بَعْدَ سَبَبِهَا لَا قَبْلَ سَبَبِهَا إذْ الْوَاقِعُ قَبْلَ السَّبَبِ مِنْ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالصَّوْمِ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ فَإِذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ امْرَأَةَ مَنْ غَابَ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْعَشْرِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ إلَّا أَنَّهَا وَقَعَتْ قَبْلَ سَبَبِ الْعِدَّةِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ كَانَ الْوَاقِعُ لِلْمُرْتَابَاتِ مِنْ الْأَشْهُرِ قَبْلَ كَمَالِ التِّسْعَةِ وَاقِعًا قَبْلَ إيَاسِنَا وَإِيَاسِهِنَّ مِنْ الْحَيْضِ، وَاَللَّهُ جَعَلَ الْإِيَاسَ سَبَبًا لِلْعِدَّةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤]

стр. 687

وَكِلَاهُمَا مُتَأَخِّرٌ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِعَدَمِ الذِّمَّةِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ وَوُجُودُهَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ وَتُوجَدُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ وَالذِّمَّةِ مَعًا فِي حَقِّ الْحُرِّ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ فَإِنَّ لَهُ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَلَهُ ذِمَّةٌ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ الذِّمَّةَ وَأَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُفْلِسَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ الَّذِي حَازَهُ الْحَاكِمُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ وَلَهُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ فِي مَالٍ يَسْتَدِينُهُ مِنْ قَوْمٍ آخَرِينَ أَوْ يَرِثُهُ أَوْ يُوهَبُ لَهُ فَقَدْ اخْتَصَّتْ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ بِبَعْضِ الْأَمْوَالِ، وَأَمَّا ذِمَّتُهُ فَثَابِتَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَمِيعِ فِي الْمَالَيْنِ فَقَدْ صَارَتْ الذِّمَّةُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَعَمَّ مِنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَأَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ أَخَصُّ مِنْ الذِّمَّةِ لِحُصُولِهَا فِي الْبَعْضِ مِنْ الْأَمْوَالِ دُونَ الْبَعْضِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ فِي الْإِيَاسِ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَهُ عَلَى عِدَّةِ ثَلَاثَةِ الْأَشْهُرِ بِفَاءِ الْجَزَاءِ (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ الْمَوْصُولَ مَعَ صِلَتِهِ فِي قُوَّةِ الْمُشْتَقِّ، وَقَدْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُ عِدَّةِ ثَلَاثَةِ الْأَشْهُرِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الْمُشْتَقِّ عَلَيْهِ مَأْمِنَةٌ يَدُلُّ عَلَى الِاشْتِقَاقِ وَهُوَ الْمَصْدَرُ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَنَحْوُ اقْطَعُوا السَّارِقَ وَاجْلِدُوا الزَّانِيَ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ السَّرِقَةِ لِلْقَطْعِ وَالزِّنَا لِلْجَلْدِ فَكَذَلِكَ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ الْإِيَاسِ لِعِدَّةِ ثَلَاثَةِ الْأَشْهُرِ، فَيَكُونُ الْوَاقِعُ مِنْ الْأَشْهُرِ قَبْلَ كَمَالِ التِّسْعَةِ لِلْمُرْتَابَاتِ وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي عِدَّةِ ثَلَاثَةِ الْأَشْهُرِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَ سَبَبِهَا فَيَتَعَيَّنُ اسْتِئْنَافُ ثَلَاثَةٍ بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْإِيَاسُ. وَأَمَّا الْمُطَلَّقَاتُ تَمْضِي لَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ يَمْضِي لَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ بَعْدَ الْوَفَاةِ وَقَبْلَ عِلْمِهِنَّ بِهَا فَإِنَّهُنَّ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْنَ بِأَنَّ تِلْكَ الْآجَالَ عِدَدٌ وَقَعَتْ بَعْدَ أَسْبَابِهَا الَّتِي هِيَ الْوَفَاةُ وَالطَّلَاقُ إلَّا إنَّهُنَّ يَعْتَدِدْنَ بِتِلْكَ الْآجَالِ فِي عِدَدِهِنَّ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ بِسَبَبٍ إجْمَاعًا، وَالسَّبَبُ إنَّمَا هُوَ الْوَفَاةُ وَالطَّلَاقُ، وَقَدْ وَقَعَتْ تِلْكَ الْآجَالُ بَعْدَهُ فَظَهَرَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَالتَّبَايُنُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ عَلَى مَذْهَبَيْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ فَقَالَ حَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ إنَّهُمْ صَارُوا إلَى ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] وَاَلَّتِي هِيَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحَيْضِ لَيْسَتْ بِيَائِسَةٍ. وَهَذَا الرَّأْيُ فِيهِ عُسْرٌ وَحَرَجٌ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهَا تَعْتَدُّ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَكَانَ جَيِّدًا إذَا فُهِمَ مِنْ الْيَائِسَةِ الَّتِي لَا يُقْطَعُ بِانْقِطَاعِ حَيْضَتِهَا وَكَانَ قَوْلُهُ إنْ ارْتَبْتُمْ رَاجِعًا إلَى الْحُكْمِ لَا إلَى الْحَيْضِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مَالِكٌ عَلَيْهِ فَكَأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُطَابِقْ مَذْهَبُهُ تَأْوِيلَهُ الْآيَةَ فَإِنَّهُ فَهِمَ مِنْ الْيَائِسَةِ هُنَا مَنْ انْقَطَعَ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحَيْضِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قِبَلِ السِّنِّ وَلِذَلِكَ جَعَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] رَاجِعًا إلَى الْحُكْمِ لَا إلَى الْحَيْضِ أَيْ إنْ شَكَكْتُمْ فِي حُكْمِهِنَّ، ثُمَّ قَالَ فِي الَّتِي تَبْقَى تِسْعَةً لَا تَحِيضُ وَهِيَ فِي سِنِّ مَنْ تَحِيضُ إنَّهَا تَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ، وَأَمَّا إسْمَاعِيلُ وَابْنُ بُكَيْر مِنْ أَصْحَابِهِ أَيْ مَالِكٍ فَذَهَبُوا إلَى أَنَّ الرِّيبَةَ هَا هُنَا فِي الْحَيْضِ وَأَنَّ الْيَائِسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ مَا لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِمَا يَئِسَ مِنْهُ بِالْقَطْعِ فَطَابَقُوا بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مَذْهَبَهُمْ الَّذِي هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَنِعْمَ مَا فَعَلُوا؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ هَا هُنَا مِنْ الْيَائِسِ الْقَطْعَ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تَنْتَظِرَ الدَّمَ وَتَعْتَدَّ بِهِ حَتَّى تَكُونَ فِي هَذَا السِّنِّ أَعْنِي سِنَّ الْيَائِسِ وَإِنْ فُهِمَ مِنْ الْيَائِسِ مَا لَا يَقْطَعُ بِذَلِكَ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تَعْتَدَّ الَّتِي قُطِعَ دَمُهَا عَنْ الْعَادَةِ وَهِيَ فِي سِنِّ مَنْ تَحِيضُ بِالْأَشْهُرِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَهْلِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْيَائِسَةَ فِي الطَّرَفَيْنِ لَيْسَتْ هِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِدَّةِ لَا بِالْأَقْرَاءِ وَلَا بِالشُّهُورِ، وَأَمَّا الْفَرْقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا قَبْلَ التِّسْعَةِ وَمَا بَعْدَهَا فَاسْتِحْسَانٌ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الفرق بَيْنَ فَائِدَةِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ مِنْ جِنْسِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إلْحَاقِ الْأَوْلَادِ بِالْأَزْوَاجِ إلَى خَمْسِ سِنِينَ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبُ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ مِنْ جِنْسِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إلْحَاقِ الْأَوْلَادِ بِالْأَزْوَاجِ إلَى خَمْسِ سِنِينَ) وَقِيلَ إلَى أَرْبَعِ سِنِينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَقِيلَ إلَى تِسْعِ سِنِينَ وَكُلُّهَا رِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ أَيْ سَنَتَيْنِ حَيْثُ إنَّ الشَّارِعَ هَاهُنَا قَدَّمَ النَّادِرَ عَلَى الْغَالِبِ دُونَ الْعَكْسِ وَإِلَّا لَمَّا لَحِقَ هَذَا الْحَمْلُ الْآتِي بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ بِالْأَزْوَاجِ وَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَطْءِ السَّابِقِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزِّنَا وَوُقُوعُ الزِّنَى فِي الْوُجُودِ أَكْثَرُ وَأَغْلَبُ مِنْ تَأَخُّرِ الْحَمْلِ هَذِهِ الْمُدَّةَ، بَلْ كَانَ مُقْتَضَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَنْ يُجْعَلَ زِنًى عَمَلًا بِالْغَالِبِ لَكِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لُحُوقَهُ بِالزَّوْجِ لُطْفًا بِعِبَادِهِ وَسِتْرًا عَلَيْهِمْ وَحِفْظًا لِلْأَنْسَابِ وَسَدِّ الْبَابِ ثُبُوتُ الزِّنَى كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى اشْتَرَطَ مَعَ ثُبُوتِهِ أَرْبَعَةٌ مُجْتَمِعِينَ سَدًّا لِبَابِهِ حَتَّى يَبْعُدَ ثُبُوتُهُ وَأُمِرْنَا أَنْ لَا نَتَعَرَّضَ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فِيهِ وَأُمِرْنَا إذَا تَحَمَّلْنَاهَا أَنْ لَا نُؤَدِّيَهَا وَأَنْ نُبَالِغَ فِي السِّتْرِ عَلَى الزَّانِي مَا اسْتَطَعْنَا فَإِنَّهُ تَعَالَى كَمَا شُرِعَ كُلُّ ذَلِكَ طَلَبًا لِلسَّتْرِ عَلَى الْعِبَادِ وَمِنَّةً عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ شُرِعَ لُحُوقُ الْحَمْلِ الْآتِي بَعْدَ تِلْكَ الْمُدَّةِ بِالْأَزْوَاجِ وَهُوَ نَادِرٌ لِذَلِكَ بِخِلَافِ جَمِيعِ الْحُقُوقِ فَطَلَبُ

стр. 688

فَإِنْ قُلْت الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالرَّدِّ وَالْقَبُولِ فَرْعٌ عَنْ كَوْنِهِ مَعْقُولًا وَمَعْنَى الذِّمَّةِ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ فَكَيْفَ يُقْضَى عَلَيْهَا بِالْعُمُومِ أَوْ الْخُصُوصِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الْحَقِيقَتَيْنِ وَإِلَّا فَلَا يَتَحَصَّلُ مِنْ هَذِهِ الْعُمُومَاتِ وَالْخُصُوصَاتِ مَقْصُودٌ قُلْت الْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْ الذِّمَّةِ أَنَّهَا مَعْنًى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (فَإِنْ قُلْت الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ بِالرَّدِّ وَالْقَبُولِ فَرْعٌ عَنْ كَوْنِهِ مَعْقُولًا وَمَعْنَى الذِّمَّةِ غَيْرُ تَعَبُّدٍ مَعْقُولٌ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الذِّمَّةِ وَبَسَطَهَا وَالْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْهَا وَالسَّبَبُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يُقَدِّرُ الشَّرْعُ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الذِّمَّةُ) قُلْت الْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إنَّ الذِّمَّةَ قَبُولُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ دُونَ الْتِزَامِهَا وَعَلَى هَذَا تَكُونُ لِلصَّبِيِّ ذِمَّةٌ أَوْ يُقَالُ قَبُولِي الْإِنْسَانِ شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ وَالْتِزَامِهَا فَعَلَى هَذَا لَا تَكُونُ لِلصَّبِيِّ ذِمَّةٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] السِّتْرِ وَمَا تَقَدَّمَ مَعَهُ هُوَ سَبَبُ اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ قَاعِدَةِ جَمِيعِ الْحُقُوقِ وَجَعْلِهَا عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ الْإِلْحَاقِ بِالْغَالِبِ دُونَ النَّادِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَدَدِ وَقَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعِدَدِ وَقَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ) مِنْ حَيْثُ إنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ وَإِنْ عُلِمَتْ الْبَرَاءَةُ لِلرَّحِمِ كَبِنْتِ الْمَهْدِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَكَمَنْ طَلَّقَهَا أَوْ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا الْغَائِبُ عَنْهَا بَعْدَ عَشَرِ سِنِينَ وَالِاسْتِبْرَاءُ لَا يَجِبُ حَيْثُ عُلِمَتْ الْبَرَاءَةُ لِلرَّحِمِ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لَا يَجْرِي الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ الْبَيْعِ إلَّا فِيمَنْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِلِاسْتِبْرَاءِ أَوْ وَدِيعَةً وَسَيِّدُهَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَسَكَنِهِ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ سَيِّدِهَا عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ الْغَيْبَةِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ أَوْ أَخْرَجَتْ حَائِضًا أَوْ الشَّرِيكَ يَشْتَرِي مِنْ شَرِيكِهِ وَهِيَ تَحْتَ يَدِ الْمُشْتَرِي. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كُلُّ مَنْ أُمِنَ عَلَيْهَا الْحَمْلُ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حَمْلُهَا أَوْ شُكَّ فِيهَا اسْتَبْرَأَتْ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بَرَاءَتُهَا مَعَ جَوَازِ الْحَمْلِ فَقَوْلَانِ كَالصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ تُسْتَبْرَآنِ لِسُوءِ الظَّنِّ وَالْوَحْشِ مِنْ الرَّقِيقِ، وَمَنْ بَاعَهَا مَجْبُوبٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَالْمَشْهُورُ إيجَابُهُ وَأَشْهَبُ يَنْفِيهِ وَيَجُوزُ اتِّفَاقُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى اسْتِبْرَاءٍ وَاحِدٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ اهـ. وَسِرُّ الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ الْعِدَّةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا شُرِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَعَدَمِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ هِيَ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى إلَّا إنَّهَا لَمَّا كَانَ فِيهَا شَائِبَةُ التَّعَبُّدِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا تَجِبُ فِي الْوَفَاةِ عَلَى بِنْتِ الْمَهْدِ وَفِي الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ الْمَعْلُومِ بَرَاءَتُهَا بِسَبَبٍ وَغَيْرِهَا وَجَبَ فِعْلُهَا بَعْدَ سَبَبِهَا مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ عُلِمَتْ الْبَرَاءَةُ أَمْ لَا تَوْفِيَةً لِشَائِبَةِ التَّعَبُّدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ لِمَا لَمْ تَرِدْ فِيهِ هَذِهِ الشَّائِبَةُ، بَلْ إنَّمَا شُرِعَ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَعَدَمِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَعْقُولُ الْمَعْنَى لَمْ يَجِبْ حَيْثُ حَصَلَ الْمَعْنَى وَهُوَ الْبَرَاءَةُ ضَرُورَةً أَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فَتَسْقُطُ حَيْثُ حَصَلَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَبِدُونِهَا هَذَا هُوَ الْمُوجِبُ لِخُرُوجِ تِلْكَ الصُّوَرِ عَنْ الْحَاجَةِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَعَدَمِ خُرُوجِ مِثْلِهَا فِي قَاعِدَةِ الْعِدَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ بِالْأَقْرَاءِ يَكْفِي قُرْءٌ وَاحِدٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ بِالشُّهُورِ لَا يَكْفِي شَهْرٌ] الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ بِالْأَقْرَاءِ يَكْفِي قُرْءٌ وَاحِدٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ بِالشُّهُورِ) لَا يَكْفِي شَهْرٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ الشَّهْرَ الْوَاحِدَ وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ قُرْءٌ وَاحِدٌ فِي حَقِّ مَنْ يَحِيضُ فَيَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِهِ كَمَا اكْتَفَى بِقُرْءٍ وَاحِدٍ نَظَرًا لِكَوْنِ غَالِبِ النِّسَاءِ ذَوَاتَ حَيْضٍ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَحِيضُ لَا يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ وَعَدَمُ الْحَمْلِ، بَلْ جَوْفُ الْحَامِلِ فِيهِ مُسَاوٍ فِي الظَّاهِرِ لِغَيْرِ الْحَامِلِ لِأَنَّ الْمَنِيَّ يَمْكُثُ مَنِيًّا فِي الرَّحِمِ نَحْوَ الشَّهْر، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً بَعْدَ أَنْ صَارَ عَلَقَةً فَلَا يَظْهَرُ الْحَمْلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَتَكْبُرُ الْجَوْفُ وَتَحْصُلُ مَبَادِئُ الْحَرَكَةِ لَمْ يُعْتَبَرْ الشَّهْرُ الْوَاحِدُ وَاعْتُبِرَ الْقُرْءُ الْوَاحِدُ مِنْ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَعَدَمِ الْحَمْلِ عَادَةً إذْ لَا يَجْتَمِعُ الْحَيْضُ مَعَ الْحَمْلِ غَالِبًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ٢ - (مَسْأَلَةٌ) فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدٍ ابْنِ رُشْدٍ اُخْتُلِفَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ يُتَوَفَّى عَنْهَا سَيِّدُهَا الَّذِي أَوْلَدَهَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَاللَّيْثُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ اعْتَدَّتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَلَهَا السُّكْنَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ عِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَالَ قَوْمٌ عِدَّتُهَا نِصْفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَالَ قَوْمٌ عِدَّتُهَا عِدَّةُ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرٌ وَحُجَّةُ مَالِكٍ أَنَّهَا لَيْسَتْ زَوْجَةً فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَلَا مُطَلَّقَةً فَتَعْتَدُّ ثَلَاثَ حَيْض فَلَمْ تَبْقَ إلَّا اسْتِبْرَاءُ رَحِمِهَا وَذَلِكَ يَكُونُ بِحَيْضَةٍ تَشْبِيهًا بِالْأَمَةِ يَمُوتُ عَنْهَا سَيِّدُهَا وَذَلِكَ مَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْعِدَّةَ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا وَهِيَ حُرَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَلَا بِأَمَةٍ فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ أَمَةٍ فَوَجَبَ أَنْ تُسْتَبْرَأَ رَحِمُهَا بِعِدَّةِ الْأَحْرَارِ. وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا لَهَا عِدَّةَ الْوَفَاةِ فَاحْتَجُّوا بِحَدِيثٍ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لَا تُلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرٌ وَضَعَّفَ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ، وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ

стр. 689

شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْمُكَلَّفِ قَابِلٌ لِلِالْتِزَامِ وَاللُّزُومِ، وَهَذَا الْمَعْنَى جَعَلَهُ الشَّرْعُ مُسَبَّبًا عَلَى أَشْيَاءَ خَاصَّةٍ مِنْهَا الْبُلُوغُ وَمِنْهَا الرُّشْدُ فَمَنْ بَلَغَ سَفِيهًا لَا ذِمَّةَ لَهُ، وَمِنْهَا تَرْكُ الْحَجْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُفْلِسِ فَمَنْ اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ رَتَّبَ الشَّرْعُ عَلَيْهَا تَقْدِيرَ مَعْنًى فِيهِ يَقْبَلُ إلْزَامَهُ أَرْشَ الْجِنَايَاتِ وَأَجْرَ الْإِجَارَاتِ وَأَثْمَانَ الْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ وَيَقْبَلُ الْتِزَامَهُ إذَا الْتَزَمَ أَشْيَاءَ اخْتِيَارًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ لَزِمَهُ، وَإِذَا فُقِدَ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ لَمْ يُقَدِّرْ الشَّرْعُ هَذَا الْمَعْنَى الْقَابِلَ لِلْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى الْمُقَدَّرُ هُوَ الَّذِي تُقَدَّرُ فِيهِ الْأَجْنَاسُ الْمُسَلَّمُ فِيهَا مُسْتَقِرَّةً حَتَّى يَصِحَّ مُقَابَلَتُهَا بِالْأَعْوَاضِ الْمَقْبُوضَةِ نَاجِزًا فِي ثَمَنِهَا، وَفِيهِ تُقَدَّرُ أَثْمَانُ الْبِيَاعَاتِ بِثَمَنٍ إلَى آجَالٍ بَعِيدَةٍ أَوْ قَرِيبَةٍ وَصَدَقَاتِ الْأَنْكِحَةِ وَالدُّيُونِ فِي الْحَوَالَاتِ وَالْحُقُوقِ فِي الضَّمَانَاتِ وَغَيْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَيْهَا نِصْفَ عِدَّةِ الْحُرَّةِ فَشَبَّهَهَا بِالزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فَسَبَبُ الْخِلَافِ إنَّهَا مَسْكُوتٌ عَنْهَا وَهِيَ مُتَرَدِّدَةُ الشَّبَهِ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ، وَأَمَّا مَنْ شَبَّهَهَا بِالزَّوْجَةِ الْأَمَةِ فَضَعِيفٌ وَأَضْعَفُ مِنْهُ مَنْ شَبَّهَهَا بِعِدَّةِ الْحُرَّةِ الْمُطَلَّقَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبُو حَنِيفَةَ اهـ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَضَانَةِ يُقَدَّمُ فِيهَا النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ بِخِلَافِ جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ يُقَدَّمُ فِيهَا الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَضَانَةِ يُقَدَّمُ فِيهَا النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ بِخِلَافِ جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ يُقَدَّمُ فِيهَا الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ) وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ التَّامَّةُ الْبَالِغَةُ كَثْرَةَ بُكَاءِ الْأَطْفَالِ مَنْفَعَةً لَهُمْ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ فِي أَدْمِغَتِهِمْ رُطُوبَاتٍ لَوْ بَقِيَتْ فِيهَا لَأَحْدَثَتْ أَحْدَاثًا عَظِيمَةً وَالْبُكَاءُ يُسِيلُ ذَلِكَ وَيَحْدُرُهُ مِنْ أَدْمِغَتِهِمْ فَتَقْوَى أَدْمِغَتُهُمْ وَتَصِحُّ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْبُكَاءَ وَالْعِيَاطَ يُوَسِّعُ عَلَيْهِمْ مَجَارِي النَّفَسِ وَيَفْتَحُ الْعُرُوقَ وَيُصَلِّبُهَا وَيُقَوِّي الْأَعْصَابَ وَاقْتَضَتْ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الدَّارُ الدُّنْيَا مَمْزُوجَةً عَافِيَتُهَا بِبَلَائِهَا وَرَاحَتُهَا بِعَنَائِهَا وَلَذَّتُهَا بِآلَامِهَا وَصِحَّتُهَا بِسَقَمِهَا وَفَرَحُهَا بِغَمِّهَا وَأَنَّهَا دَارُ ابْتِلَاءٍ تَدْفَعُ بَعْضَ آفَاتِهَا بِبَعْضٍ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: أَصْبَحَتْ فِي دَارِ بَلِيَّاتٍ ... أَدْفَعُ آفَاتٍ بِآفَاتِ حَتَّى صَارَتْ آلَامُ الْأَطْفَالِ كَآلَامِ الْبَالِغِينَ مِنْ لَوَازِمِ النَّشْأَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا الْإِنْسَانُ وَلَا الْحَيَوَانُ كَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالتَّعَبِ وَالنَّصَبِ وَالْهَمِّ وَالْغَمِّ وَالضَّعْفِ وَالْعَجْزِ بِحَيْثُ إنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ تَجَرَّدَ عَنْهَا لَمْ يَكُنْ إنْسَانًا، بَلْ كَانَ مَلَكًا أَوْ خَلْقًا آخَرَ إلَّا أَنَّ الْبَالِغِينَ لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ عَادَةٌ سَهُلَ مَوْقِعُهَا عِنْدَهُمْ بِخِلَافِ الْأَطْفَالِ كَمَا فِي مِفْتَاحِ السَّعَادَةِ لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ افْتَقَرَتْ حَضَانَتُهُمْ إلَى وُفُورِ الصَّبْرِ عَلَيْهِمْ فِي كَثْرَةِ بُكَائِهِمْ وَتَضَجُّرِهِمْ مِنْ الْهَيْئَاتِ الْعَارِضَةِ لَهُمْ وَإِلَى مَزِيدِ الشَّفَقَةِ وَالرِّقَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ وَلَمَّا كَانَتْ النِّسْوَةُ أَتَمَّ مِنْ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَنَفَاتِ الرِّجَالِ وَإِبَايَةَ نُفُوسِهِمْ وَعُلُوِّ هِمَمِهِمْ تَمْنَعُهُمْ مِنْ الِانْسِلَاكِ فِي أَطْوَارِ الصِّبْيَانِ وَمَا يَلِيقُ بِهِمْ مِنْ اللُّطْفِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَمُلَابَسَةِ الْقَاذُورَاتِ وَتَحَمُّلِ الدَّنَاءَاتِ وَقَاعِدَةُ الشَّرْعِ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَكُلِّ وِلَايَةٍ تَقْدِيمُ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا قَدَّمَهُنَّ الشَّرْعُ عَلَى الرِّجَالِ فِي الْحَضَانَةِ كَمَا قَدَّمَ الرِّجَالَ عَلَيْهِنَّ فِي غَيْرِهَا مِنْ جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ عَلَى حَسَبِ أَحْوَالِهِمْ الْمُنَاسِبَةِ لِأَيِّ وِلَايَةٍ مِنْ الْوِلَايَاتِ فَقَدَّمَ فِي الْخِلَافَةِ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ هُوَ كَامِلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَافِرُ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ قَوِيُّ النَّفْسِ شَدِيدُ الشُّجَاعَةِ عَارِفٌ بِأَهْلِيَّاتِ الْوِلَايَاتِ حَرِيصٌ عَلَى مَصَالِحِ الْأُمَّةِ قُرَشِيٌّ مِنْ قَبِيلَةِ النُّبُوءَةِ الْمُعَظَّمَةِ كَامِلُ الْحُرْمَةِ وَالْهَيْبَةِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَقَدَّمَ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِ الْحُرُوبِ مِنْ سِيَاسَةِ الْجُيُوشِ وَمُكَائَدَةِ الْعَدُوِّ، وَقَدَّمَ فِي الْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ تَفَطُّنًا لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَقَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ وَوُجُودِ الْخُدَعِ مِنْ النَّاسِ وَقَدَّمَ فِي الْفَتْوَى مَنْ هُوَ أَنْقَلُ لِلْأَحْكَامِ وَأَشْفَقُ عَلَى الْأُمَّةِ وَأَحْرَصُهُمْ عَلَى إرْشَادِهَا لِحُدُودِ الشَّرِيعَةِ وَقَدَّمَ فِي سِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ وَجِبَايَةِ الزَّكَاةِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِنُصُبِ الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الْوَاجِبِ فِيهَا وَأَحْكَامِ اخْتِلَاطِهَا وَافْتِرَاقِهَا وَضَمِّ أَجْنَاسِهَا وَقَدَّمَ فِي أَمَانَةِ الْحُكْمِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَقَادِيرِ النَّفَقَاتِ وَأَهْلِيَّاتِ الْكَفَّارَاتِ وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْمُنَاضَلَةِ عَنْهُمْ وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْوِلَايَاتِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَضَانَاتِ وَقَاعِدَةِ غَيْرِهَا مِنْ الْوِلَايَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَقَاعِدَةِ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَة مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَقَاعِدَةِ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ) وَذَلِكَ إنَّ لِمُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ حَالَتَيْنِ (الْحَالَةُ الْأُولَى) مَا إذْ لَمْ يَظْهَرْ الرِّبَا بَيْنَهُمْ (وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) مَا إذَا ظَهَرَ الرِّبَا بَيْنَهُمْ فِي الْحَالَةِ الْأُولَى رَجَّحَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ مُعَامَلَتَهُمْ عَلَى مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ قَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ الصَّيْرَفِيَّ مِنْ صَيَارِفَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] . وَقَالَ وَأَكْرَهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ لِلْحَرْبِيِّ بِالرِّبَا أَيْ؛ لِأَنَّ الرِّبَا مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ الْجَمِيعِ؛ وَلِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَعُمُومُ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَتَنَاوَلُ

стр. 690

ذَلِكَ وَلَا جَرَمَ مَنْ لَا يَكُونُ هَذَا الْمَعْنَى مُقَدَّرًا فِي حَقِّهِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّهِ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا يَنْعَقِدُ فِي حَقِّهِ سَلَمٌ وَلَا ثَمَنٌ إلَى أَجَلٍ وَلَا حَوَالَةٌ وَلَا حَمَالَةٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الذِّمَّةِ وَبَسَطَهَا وَالْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْهَا وَالسَّبَبُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يُقَدِّرُ الشَّرْعُ عِنْدَهُ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الذِّمَّةُ، وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ فَحَقِيقَتُهَا عِنْدَنَا قَبُولٌ يُقَدِّرُهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي الْمَحَلِّ وَسَبَبُ هَذَا الْقَبُولِ الْمُقَدَّرِ التَّمْيِيزُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ التَّمَيُّزُ مَعَ التَّكْلِيفِ. وَهَذَا الْقَبُولُ الَّذِي هُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِنْدَنَا الْإِبَاحَةُ فَإِنَّ الْفُضُولِيَّ عِنْدَنَا لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ وَتَصَرُّفُهُ حَرَامٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا هُوَ نَفْسُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمَحَلِّ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْحَرْبِيَّ وَفِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا مُعَامَلَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فَلَا يَكُونُ مَا أَخَذَهُ الرِّبَا مُحَرَّمًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ فَإِنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفَرْعِ الشَّرِيعَةِ قَوْلًا وَاحِدًا فَكَانَتْ مُعَامَلَتُهُ إذَا كَانَ يَتَعَاطَى الرِّبَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَذِّرٍ أَشَدَّ مِنْ الذِّمِّيِّ الْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ ثَبَتَ مِلْكُهُ عَلَى مَا اكْتَسَبَهُ بِالرِّبَا وَالْغَصْبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِذَا تَابَ الْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَمَا هُوَ بِصَدَدِ الثُّبُوتِ الْمُسْتَمِرِّ وَقَابِلٌ لِلثُّبُوتِ أَوْلَى مِمَّا لَا يَقْبَلُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ عَلَيْهِ بِحَالٍ وَلِمُلَاحَظَةِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ اعْتَمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَوَرِّعِينَ عَلَى مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ أَكْثَرَ وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الرِّبَا مَعَ الْحَرْبِيِّ أَيْ مُطْلَقًا ظَهَرَ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَمْ لَا لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا رِبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ لَا رِبَا إلَّا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» وَالْحَرْبِيُّ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمِلْكِ وَقَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ] الْفَرْقُ الثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمِلْكِ وَقَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ) الْمِلْكُ سَبَبٌ عَامٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُهَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ بِحَيْثُ يَجْتَمِعَانِ فِي صُورَةٍ وَيَنْفَرِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ فِي صُورَةٍ كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ فَيَجْتَمِعَانِ فِي الْبَالِغَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ النَّافِذَيْنِ لِلْكَلِمَةِ الْكَامِلَيْنِ الْأَوْصَافِ وَيَنْفَرِدُ الْمِلْكُ عَنْ التَّصَرُّفِ فِي الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَ وَلَا يَتَصَرَّفُونَ وَيَنْفَرِدُ التَّصَرُّفُ عَنْ الْمِلْكِ فِي الْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَتَصَرَّفُونَ وَلَا مِلْكَ لَهُمْ وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الْمِلْكَ صِفَةٌ لِلْمَمْلُوكِ أَوْ صِفَةٌ لِلْمَالِكِ وَفِي أَنَّهُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ أَوْ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمَا الْأَصْلُ وَإِلَى الثَّانِي مِنْهُمَا ابْنُ الشَّاطِّ وَخُلَاصَةُ كَلَامِ الْأَصْلِ أَنَّ الْمِلْكَ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ يَقْتَضِي تَمْكِينَ مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَالْعِوَضُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ وَأَنَّ دَلِيلَ كَوْنِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا أَمْرَانِ (أَحَدُهُمَا) الْإِجْمَاعُ (وَثَانِيهِمَا) أَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ وَكُلُّ مَا يَتْبَعُهَا فَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ قَالَ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مِنْ أَحَدِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَهُوَ الْإِبَاحَةُ الْخَاصَّةُ فِي التَّصَرُّفَاتِ الْخَاصَّةِ وَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْ ذَلِكَ الْمَمْلُوكِ عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ كَمَا تَقَرَّرَتْ قَوَاعِدُ الْمُعَاوَضَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ وَشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَخُصُوصِيَّاتُ هَذِهِ الْأَيَّامِ هِيَ الْمُوجِبَةُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمِلْكِ وَغَيْرِهِ مِنْ جَمِيعِ الْحَقَائِقِ، وَأَمَّا إنَّهُ مُقَدَّرٌ فَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ إذْنِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ الْإِبَاحَةُ وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ مِنْ بَابِ النَّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ الَّتِي لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ، بَلْ فِي الْأَذْهَانِ فَهِيَ أَمْرٌ يَفْرِضُهُ الْعَقْلُ كَسَائِرِ النَّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ كَالْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَلِأَجْلِ ذَلِكَ لَنَا أَنْ نُغَيِّرَ عِبَارَةَ الْحَدِّ فَنَقُولُ إنَّ الْمِلْكَ إبَاحَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ تَقْتَضِي تَمَكُّنَ صَاحِبِهَا مِنْ الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ أَوْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْهُمَا مِنْ حَيْثُ هِيَ كَذَلِكَ وَيَسْتَقِيمُ الْحَدُّ بِهَذَا اللَّفْظِ أَيْضًا وَيَكُونُ الْمِلْكُ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الِاصْطِلَاحَ إنَّ خِطَابَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْمَشْهُورَةُ وَخِطَابَ الْوَضْعِ هُوَ نَصْبُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالتَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْهَا، بَلْ هُوَ إبَاحَةٌ خَاصَّةٌ وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ إنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الِانْتِفَاعِ بَعِيدٌ ضَرُورَةً أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ سَبَبٌ لِمُسَبَّبَاتٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَثُوبَاتٍ وَتَعْزِيرَاتٍ وَمُؤَاخَذَاتٍ وَكَفَّارَاتٍ وَغَيْرِهَا. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِخِطَابِ الْوَضْعِ مُطْلَقُ التَّرْتِيبِ أَلَا تَرَى أَنَّ وُجُوبَ الظُّهْرِ مَعَ كَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَلَى الزَّوَالِ هُوَ سَبَبٌ لَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ سَبَبُ الثَّوَابِ وَتَرْكُهُ سَبَبُ الْعِقَابِ وَوُجُوبُهُ سَبَبًا لِتَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَنْدُوبَاتِ وَمَعَ ذَلِكَ وَهُوَ لَا يُسَمَّى سَبَبًا وَلَا يُقَالُ إنَّهُ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، بَلْ الضَّابِطُ لِلْبَابَيْنِ أَنَّ الْخِطَابَ

стр. 691

وَلِلْمَالِكِ عِنْدَنَا إمْضَاءُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ آخَرَ يَنْفُذُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْمُتَقَدِّمَ قَابِلٌ لِلِاعْتِبَارِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ كَتَصَرُّفِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، ثُمَّ إنَّ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ قَدْ تُوجَدُ فِي النِّكَاحِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ كَتَصَرُّفِ الْأَوْلِيَاءِ فِي الْمُوَلَّيَاتِ لَهُ وَتُوجَدُ فِي الْأَحْكَامِ فِيمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَمِ، وَأَنْوَاعُ التَّصَرُّفَاتِ كَثِيرٌ فِيمَا لَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَأَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفَاتِ أَهْلِيَّةٌ وَقَبُولٌ خَاصٌّ كَمَا تَقَدَّمَ لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ وَلَا الْتِزَامٌ وَالذِّمَّةُ مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمَحَلِّ قَابِلٌ لَهُمَا فَهَذَا هُوَ نَفْسُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا مَعْنًى مُقَدَّرٌ فِي الْمَحَلِّ وَوَقَعَ الْفَرْقُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ السَّبَبُ فَإِنَّ الذِّمَّةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْلِيفُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (وَوَقَعَ الْفَرْقُ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ السَّبَبُ فَإِنَّ الذِّمَّةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْلِيفُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مَتَى كَانَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ مُكَلَّفٍ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ أَوْ التَّخْيِيرِ فَهُوَ مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَهُوَ مِنْ أَحَدِ الْأُمُورِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ خِطَابُ الْوَضْعِ وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُرُوقِ وَإِنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فِي مَنَافِعِ الْعَيْنِ مَعَ عَدَمِ رَدِّ الْعَيْنِ أَوْ فِي الْمَنْفَعَةِ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ لِمَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ ﵀ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ مِنْ أَنَّ تَحْقِيقَ الْمِلْكِ أَنَّهُ إنْ وَرَدَ عَلَى الْمَنَافِعِ مَعَ عَدَمِ رَدِّ الْعَيْنِ، بَلْ يَبْذُلُهَا لِغَيْرِهِ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَهُوَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ وَإِنْ وَرَدَ عَلَى الْمَنَافِعِ مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ فَهُوَ الْإِجَارَةُ وَفُرُوعُهَا مِنْ الْمُسَاقَاتِ وَالْمُجَاعَلَةِ وَالْقِرَاضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْعَقْدُ فِي الْجَمِيعِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ الْمَنْفَعَةَ دُونَ الْأَعْيَانِ لِأَنَّهَا لَا يَمْلِكُهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَتَصَرُّفُ الْخَلْقِ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَنَافِعِ فَقَطْ بِأَفْعَالِهِمْ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْمُحَاوَلَاتِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَتَاتِ اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ وَإِنْ قُيِّدَ يَقْتَضِي انْتِفَاعَهُ بِالْمَمْلُوكِ لِإِخْرَاجِ التَّصَرُّفِ بِالْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ وَتَصَرُّف الْقُضَاةِ فِي أَمْوَالِ الْغَائِبِينَ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ مِلْكٍ وَقَيْدٍ وَالْعِوَضُ عَنْهُ لِإِخْرَاجِ الْإِبَاحَاتِ فِي الضِّيَافَاتِ فَإِنَّ الضِّيَافَةَ مَأْذُونٌ فِيهَا. وَلَيْسَتْ مَمْلُوكَةً عَلَى الصَّحِيحِ وَلِإِخْرَاجِ الِاخْتِصَاصَاتِ بِالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَالْخَوَانِقِ وَمَوَاضِعِ الْمَطَافِ وَالسِّكَكِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا مِلْكَ فِيهَا مَعَ الْمُكْنَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَقُيِّدَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ لِإِدْخَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ الْمِلْكُ، وَلَيْسَ لَهُمْ الْمُكْنَةُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ إلَّا أَنَّ الْأَمْلَاكَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهَا وَقَطْعُ النَّظَرِ عَمَّا عُرِضَ لَهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْخَارِجَةِ عَنْهَا تَقْتَضِي مُكْنَةَ التَّصَرُّفِ الْمَذْكُورِ وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقَبُولِ الذَّاتِيِّ وَالِاسْتِحَالَةِ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ أَلَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ لَهَا الْقَبُولُ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمُ بِالنَّظَرِ إلَى ذَوَاتِهَا مَعَ أَنَّهَا إنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُجُودَهَا كَانَتْ وَاجِبَةً لِغَيْرِهَا وَإِنْ عَلِمَ اللَّهُ عَدَمَهَا كَانَتْ مُسْتَحِيلَةً لِغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ لِإِدْخَالِ الْأَوْقَافِ إذَا قُلْنَا إنَّهَا عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِينَ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْبَيْعُ وَمِلْكُ الْعِوَضِ عَنْهَا بِسَبَبِ مَا عَرَضَ مِنْ الْوَقْفِ الَّذِي هُوَ كَالْحَجْرِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْبَيْعِ إلَّا أَنَّ مِلْكَهُمْ بِالنَّظَرِ لِذَاتِهِ وَقَطْعُ النَّظَرِ عَنْ ذَلِكَ الْمَانِعِ يَجُوزُ لَهُمْ الْبَيْعُ وَمِلْكُ الْعِوَضِ عَنْهَا فَقَدْ انْطَبَقَ هَذَا الْحَدُّ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الْمِلْكِ وَمُنِعَ غَيْرُهَا وَالْحَقُّ أَنَّ الضِّيَافَاتِ لَيْسَتْ بِتَمْلِيكَاتٍ لَا بِالْمَضْغِ وَلَا بِالْبَلْعِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ. بَلْ هِيَ إبَاحَاتٌ كَمَا أَبَاحَ اللَّهُ السَّمَكَ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرَ فِي الْهَوَاءِ وَالْحَشِيشَ وَالصَّيْدَ فِي الْفَلَاةِ لِمَنْ أَرَادَ تَنَاوُلَهُ فَكَمَا لَا يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ مَمْلُوكَةٌ لِلنَّاسِ كَذَلِكَ لَا يُقَالُ إنَّ الضِّيَافَاتِ مَمْلُوكَةٌ لِلضُّيُوفِ وَإِنَّمَا الضَّيْفُ أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا إنْ أَرَادَ أَوْ يَتْرُكَ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَمْلِكُ لَا سِيَّمَا بَعْدَ الْبَلْعِ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْمِلْكَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِ التَّصَرُّفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَبَعْدُ إنْ بَلَعَ الطَّعَامَ كَيْفَ يَبْقَى سُلْطَانٌ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْأَعْيَانِ لِأَنَّهَا فَسَدَتْ عَادَةً وَلَمْ تَبْقَ مَقْصُودَةَ التَّصَرُّفِ أَلْبَتَّةَ وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَمْ لَا قَوْلَانِ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا عِبَارَةٌ رَدِيئَةٌ جِدًّا أَوْ أَنَّهَا لَا حَقِيقَةَ لَهَا فَلَا يَصِحُّ إيرَادُ النَّقْضِ بِهَا عَلَى الْحَدِّ بِأَنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ تَصْرِيحُهُمْ بِحَقِيقَةِ مِلْكِ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَلَا أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُ الْحُكْمَ فِيهَا وَالْمِلْكُ فِي قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ بُيُوتَ الْمَدَارِسِ وَالْأَوْقَافَ وَالرُّبُط وَنَحْوَهَا يَمْلِكُ مَنْ قَامَ بِهِ شَرْطٌ وَاقِفِيهَا الِانْتِفَاعَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ وَيَرْجِعُ إلَى الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ كَمَا فِي الضِّيَافَةِ فَتِلْكَ الْمَسَاكِنُ مَأْذُونٌ فِيهَا لِمَنْ قَامَ بِهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ لَا إنَّهَا فِيهَا لِغَيْرِ الْوَاقِفِ بِخِلَافِ مَا يُطْلَقُ مِنْ الْجَامَكِيَّاتِ فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهَا يَحْصُلُ لِمَنْ حَصَلَ لَهُ شَرْطُ الْوَاقِفِ فَلَا جَرَمَ صَحَّ أَخْذُ الْعِوَضِ بِهَا أَوْ عَنْهَا اهـ. وَخُلَاصَةُ كَلَامِ ابْنِ الشَّاطِّ أَنَّ حَدَّ الْأَصْلِ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ (أَحَدُهَا) أَنَّ الْمِلْكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِكِ لَا الْمَمْلُوكِ لَكِنَّهُ وَصْفٌ مُتَعَلِّقٌ وَالْمَمْلُوكُ هُوَ مُتَعَلِّقُهُ (وَثَانِيهَا) أَنَّ الْمِلْكَ وَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَصِحُّ أَنَّهُ الْإِبَاحَةُ الَّتِي هِيَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى إلَخْ كَمَا هُوَ مَعْنَى سَائِرِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ

стр. 692

بِخِلَافِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَقَدْ وَضَحَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ قُلْت هَلْ هُمَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالتَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ الْوُجُوبُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بِخِلَافِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَقَدْ وُضِعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا) قُلْت إذَا صَحَّ الِاتِّفَاقُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا ذِمَّةَ لِلصَّبِيِّ وَيَتَعَيَّنُ حَدُّ الذِّمَّةِ أَوْ رَسْمُهَا بِأَنَّهَا قَبُولُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ دُونَ الْتِزَامِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ (فَإِنْ قُلْت هَلْ هُمَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُمَا مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ هُوَ الظَّاهِرُ، وَكَذَلِكَ الْمِلْكُ عِنْدِي بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِيهِ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهَا مِنْ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ فِيهِ نَظَرٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ النَّسَبَ أُمُورٌ سَلْبِيَّةٌ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَوْلُهُ كَمَا تَقَدَّرَ الْمِلْكُ فِي الْعِتْقِ وَهُوَ مَعْدُومٌ إنْ كَانَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى الْعِتْقِ عَنْ الْغَيْرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ خِلَافُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابُهُ كَلَامُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ الْمِلْكُ الَّذِي هُوَ صِفَةُ الْمَالِكِ عَلَى مَا ارْتَضَيْته أَوْ صِفَةُ الْمَمْلُوكِ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا مَا لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ أَصْلًا فَالصَّحِيحُ أَنَّ مُسَبِّبَ الْإِبَاحَةِ هُوَ التَّمَكُّنُ وَالْإِبَاحَةُ هِيَ التَّمْكِينُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَالِانْتِفَاعُ مُتَعَلِّقُ الْمِلْكِ وَالْمِلْكُ سَبَبُ الْإِبَاحَةِ فَهُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا مِنْ خِطَابِ التَّكْلِيفِ (وَثَالِثُهَا) إنَّ فِي قَوْلِهِ مُقَدَّرٌ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ إذْنِ الشَّرْعِ وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ إلَخْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ النَّسَبَ وَالْإِضَافَاتِ السَّبْعَ وَهِيَ مَا عَدَا الْجَوْهَرَ وَالْكَمَّ وَالْكَيْفَ مِنْ الْمَقُولَاتِ الْعَشَرِ أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ نَظَرًا يُرِيدُ أَنَّ وَجْهَهُ هُوَ أَنَّ مَسَائِلَ التَّعَارِيفِ اصْطِلَاحٌ لِلْفَلَاسِفَةِ لَا لِلْمُتَكَلِّمِينَ فَالْوَاجِبُ بِنَاؤُهَا عَلَى قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ أَنَّ النَّسَبَ وَالْإِضَافَاتِ السَّبْعَ الْمَذْكُورَةَ أَعْرَاضٌ مَوْجُودَةٌ فَافْهَمْ (وَرَابِعُهَا) أَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضِيًا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، بَلْ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ كَلَامُ الشَّارِعِ (وَخَامِسُهَا) أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِالْمَمْلُوكِ وَبِالْعِوَضِ، بَلْ بِأَحَدِهِمَا (وَسَادِسُهَا) أَنَّ الْمَمْلُوكَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمِلْكِ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ أَيْ؛ لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَمَعْرِفَةُ الْمُشْتَقِّ فَرْعُ مَعْرِفَةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ وَهُوَ الْمَصْدَرُ عَلَى الصَّحِيحِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ أَيْ تَوَقُّفُ الْمِلْكِ عَلَى الْمَمْلُوكِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ تَعْرِيفِهِ وَبِالْعَكْسِ لِمَا ذُكِرَ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْمَمْلُوكِ الذَّاتُ فَافْهَمْ وَالصَّحِيحُ فِي حَدِّ الْمِلْكِ أَنَّهُ تَمَكُّنُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِيَابَتِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الضِّيَافَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ السَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالْحَشِيشِ وَالصَّيْدِ فِي الْفَلَاةِ وَبُيُوتِ الْمَدَارِسِ وَالْأَوْقَافِ وَالرُّبُطِ وَكُلِّ مَا فِيهِ الْإِذْنُ بِالِانْتِفَاعِ فَقَطْ لَا يَمْلِكُهَا مَنْ سُوِّغَتْ لَهُ. وَأَمَّا إنْ قُلْنَا إنَّهُ يَمْلِكُهَا بِالتَّنَاوُلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ التَّنَاوُلِ هُوَ تَمَكُّنُهُ شَرْعًا مِنْ التَّنَاوُلِ فَهُوَ سَبَبُ مِلْكِهَا إذْ الْمِلْكُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ سُلْطَانِ الِانْتِفَاعِ لَا التَّصَرُّفِ وَالسُّلْطَانُ هُوَ التَّمَكُّنُ بِعَيْنِهِ فَإِذَا تَنَاوَلَ الضَّيْفَ مَثَلًا لُقْمَةً مِنْ الضِّيَافَةِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ انْتِزَاعُهَا مِنْ يَدِهِ فَإِنْ ابْتَلَعَهَا فَقَدْ كَانَ سَبَقَ مِلْكُهُ لَهَا قَبْلَ الْبَلْعِ وَإِنْ لَمْ يَبْتَلِعْهَا وَنَبَذَهَا مِنْ يَدِهِ فَقَدْ عَادَتْ إلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَجَازَ لِغَيْرِهِ تَنَاوُلُهَا لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْهَا إلَّا لِيَأْكُلَهَا، فَلَمَّا لَمْ يَأْكُلْهَا بَقِيَتْ عَلَى مِلْكِ صَاحِبِهَا وَالِانْتِفَاعُ الْمَوْقُوفُ فِيهِ الْمِلْكُ لِغَيْرِ الْوَاقِفِ وَهُوَ مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْوَقْفِ. وَأَمَّا عَيْنُ الْمَوْقُوفِ فَلَا مِلْكَ عَلَيْهِ إلَّا لِلْوَاقِفِ وَلَا لِغَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ أَحَدٌ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِتِلْكَ الْعَيْنِ وَلَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهَا وَلَا مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا مِلْكَ إذْ لَا مَعْنَى لِلْمِلْكِ إلَّا التَّمَكُّنُ مِنْ الِانْتِفَاعِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ نَعَمْ إنَّ أَوْ مِنْ الِانْتِفَاعِ خَاصَّةً مَنْ كَانَ مُقْتَضَى الْوَقْفِ سُكْنَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمَوْضِعَ الْمَوْقُوفَ فَلَا يَتَعَدَّى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَوَّغْ لَهُ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ الِاسْتِغْلَالُ فَالْعِلَّةُ مُسَوِّغَةٌ بِعَيْنِهَا فَيَصِحُّ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فَافْهَمْ فَإِنَّا حِينَئِذٍ نَزِيدُ فِي الْحَدِّ وَنَقُولُ أَنَّهُ يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ شَرْعًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِيَابَتِهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ خَاصَّةً وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى بَيَانِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ الْمُنْصِفِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ مَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ هَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَوْ لَا قَوْلَانِ فَلَا تَغْفُلْ وَبِالْجُمْلَةِ فَمُوجِبُ الْمِلْكِ الِانْتِفَاعُ وَالِانْتِفَاعُ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ انْتِفَاعٌ يَتَوَلَّاهُ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ وَانْتِفَاعٌ يَتَوَلَّاهُ النَّائِبُ عَنْهُ وَالنَّائِبُ قَدْ يَكُونُ بِاسْتِنَابَةِ الْمَالِكِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ اسْتِنَابَتِهِ فَغَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ بِنَفْسِهِ وَنِيَابَتِهِ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ إلَّا بِنِيَابَتِهِ وَنَائِبِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاسْتِنَابَتِهِ وَالِانْتِفَاعُ إمَّا مَعَ أَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ بِدُونِهِ وَإِمَّا مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ أَوْ بِدُونِهِ اهـ وَالسَّيِّدُ الْجُرْجَانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ جَعَلَ الْمِلْكَ صِفَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ فَقَالَ فِي تَعْرِيفَاتِهِ وَالْمِلْكُ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ اتِّصَالٌ شَرْعِيٌّ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ شَيْءٍ يَكُونُ مُطْلَقًا لِيَتَصَرَّفَهُ فِيهِ وَحَاجِزًا عَنْ تَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ اهـ. وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدَّ لَا يَكُونُ جَامِعًا إلَّا بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ النَّعِيمُ فِي قَوْلِهِ لِتَصَرُّفِهِ فِيهِ بِأَنْ يُقَالَ بِالِانْتِفَاعِ أَمَّا مَعَ أَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ بِدُونِهِ وَأَمَّا مَعَ رَدِّ الْعَيْنِ أَوْ

стр. 693

وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ كَمَا، قُلْته فِي الْمِلْكِ إنَّهُ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ عِنْدَ أَسْبَابٍ خَاصَّةٍ وَإِبَاحَةٍ خَاصَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي ذَلِكَ. قُلْت الَّذِي يَظْهَرُ لِي وَأَجْزِمُ بِهِ أَنَّ الذِّمَّةَ وَأَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ دُونَ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَأَنَّهُمَا يَرْجِعَانِ إلَى التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالتَّقَادِيرُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَالْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْخِطَابَيْنِ وَالذِّمَّةُ وَأَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ إعْطَاءُ الْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ فِي الْمَحَلِّ مِنْ الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ كَالْأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَنَحْوِهِمَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمَوْجُودَةِ وَإِنَّمَا هُوَ نِسْبَةٌ خَاصَّةٌ يُقَدِّرُهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ عِنْدَ سَبَبِهَا مَوْجُودَةً وَهِيَ لَا وُجُودَ لَهَا، بَلْ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ التَّقْدِيرِ فَقَطْ كَمَا يُقَدَّرُ الْمِلْكُ فِي الْعِتْقِ وَهُوَ مَعْدُومٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِدُونِهِ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ وَالثَّانِي التَّقْيِيدُ فِي قَوْلِهِ عَنْ تَصَرُّفِ غَيْرِهِ فِيهِ بِأَنْ يُقَالَ بِدُونِ اسْتِنَابَتِهِ فَتَأَمَّلْ، وَقَالَ عَقِبَ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ فَالشَّيْءُ يَكُونُ مَمْلُوكًا وَلَا يَكُونُ مَرْفُوقًا، وَلَكِنْ لَا يَكُونُ مَرْفُوقًا إلَّا وَيَكُونُ مَمْلُوكًا اهـ يُرِيدُ أَنَّ الْمَمْلُوكَ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ الْمَرْفُوقِ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ الْحَدُّ وَالْمِلْكُ فِي إصْلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ حَالَةٌ تَعْرِضُ لِلشَّيْءِ بِسَبَبِ مَا يُحِيطُ بِهِ وَيَنْتَقِلُ بِانْتِقَالِهِ كَالتَّعْمِيمِ وَالتَّقَمُّصِ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَالَةٌ لِشَيْءٍ بِسَبَبِ إحَاطَةِ الْعِمَامَةِ بِرَأْسِهِ وَالْقَمِيصِ بِبَدَنِهِ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْعَقْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ] الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الْعَقْلِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ نَحْوُ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَأَنْتِ طَالِقٌ وَأَعْتَقْت وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَسْبَابِ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَةِ غَيْرِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ إبْطَالِ الشَّبَهِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ تَقْدِيرُ مُسَبَّبَاتِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ إلَّا عَقِيبَ آخِرِ حَرْفٍ وَإِنْ عُدِمَتْ جُمْلَةُ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ عَادَةً حِينَئِذٍ بِخِلَافِ الْأَسْبَابِ الْعَقْلِيَّةِ فَإِنَّ الْعِلَلَ الْعَقْلِيَّةَ لَا تُوجِبُ مَعْلُولَهَا إلَّا حَالَةَ وُجُودِهَا، وَإِذَا عُدِمَتْ لَا يُوجَدُ مَعْلُولُهَا كَالْعِلْمِ مَعَ الْعَالَمِيَّةِ وَالْإِرَادَةِ مَعَ الْمُرِيدِيَّةِ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَالنَّارِ مَعَ الْإِحْرَاقِ وَالْمَاءِ مَعَ الْإِرْوَاءِ مِنْ الْعَادِيَّاتِ. وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ﵀ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ حُصُولِ الشَّبَهِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُوجَدَ الْأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ حُكْمًا إذَا عُدِمَ آخِرُ جُزْءٍ مِنْهَا حَتَّى عُدِمَتْ جُمْلَتُهَا، بَلْ تُقَدَّرُ مُسَبَّبَاتُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ آخِرِ حُرُوفِهَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمُسَبَّبُ حَالَةَ وُجُودِ سَبَبِهِ لَا حَالَةَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ آخِرِ حَرْفٍ هُوَ الْوُجُودُ الْمُمْكِنُ فِي الصِّيَغِ؛ لِأَنَّهَا مَصَادِرُ سَيَّالَةٌ يَسْتَحِيلُ وُجُودُهَا بِجُمْلَتِهَا فَيُكْتَفَى بِوُجُودِ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الْمُمْكِنُ فِيهَا فَيَحْصُلُ بِهِ الشَّبَهُ بَيْنَ الْعَقْلِيَّاتِ وَالشَّرْعِيَّاتِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فَرْقٌ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَا طَائِلَ وَرَاءَهُ وَالْكَلَامُ فِيهِ تَعَمُّقٌ فِي الدِّينِ وَتَكَلُّفٌ وَلَا يُتَوَصَّلُ فِيهِ إلَى الْيَقِينِ نَعَمْ يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا إلَى مَا يُوجِبُ مُسَبَّبُهُ إنْشَاءً نَحْوَ عِتْقِ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ وَالْبَيْعِ النَّاجِزِ وَالطَّلَاقِ النَّاجِزِ وَإِلَى مَا يُوجِبُ اسْتِلْزَامًا كَالْعِتْقِ أَوْ الْوَطْءِ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ إذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي فَإِنَّ الْمِلْكَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ بِسَبَبِ عِتْقِهِ أَوْ وَطْئِهِ الْأَمَةَ الْتِزَامًا؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْأَشْهَرُ حَتَّى يَنْتَقِلَ بِالتَّصْرِيحِ مِنْ الْمُشْتَرِي بِنَحْوِ قَوْلِهِ قَبِلْت أَوْ اخْتَرْت الْإِمْضَاءَ مِمَّا يَقْتَضِي الْمِلْكَ مُطَابَقَةً أَوْ يُعْتِقُ أَوْ يَطَأُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي الْمِلْكَ الْتِزَامًا وَفِي كَوْنِ الْمِلْكِ فِي هَذَا يُقَدَّرُ ثُبُوتُهُ قَبْلَ الْعِتْقِ حَتَّى يَقَعَ الْعِتْقُ عَنْ الْغَيْرِ وَهُوَ فِي مِلْكِهِ أَوْ يَثْبُتُ مَعَهُ؛ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ خِلَافٌ بَيْنَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَفْظِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْعِتْقِ عَلَى الْأَوَّلِ دُخُولُ الْحُرِّيَّةِ فِي الرَّقِيقِ لَا إنْشَاءُ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ إنْشَاءَ الصِّيغَةِ بِعَيْنِهِ هُوَ الْمُسْتَلْزِمُ لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ الَّذِي بِهِ يَحْصُلُ الْمِلْكُ إذْ لَمْ يَصْدُرْ مِنْ الْمُشْتَرِي غَيْرُ ذَلِكَ فَالْمِلْكُ لَا يَحْصُلُ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ لَا مُوجِبَ لِحُصُولِهِ وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عَلَى الثَّانِي نَفْسَ إنْشَاءِ الصِّيغَةِ لَا دُخُولَ الْحُرِّيَّةِ فِي الرَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ مُضَادُّ الْمِلْكِ وَاجْتِمَاعُ الضِّدَّيْنِ مُحَالٌ فَعَلَيْك بِتَأَمُّلِ الْمُنَصَّفِ وَثَانِيًا إلَى مَا يَقْتَضِي ثُبُوتًا كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَإِلَى مَا يَقْتَضِي إبْطَالًا لِمُسَبِّبِ سَبَبٍ آخَرَ كَفَوَاتِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَقْتَضِي إبْطَالَ مُسَبِّبِ السَّبَبِ السَّابِقِ وَهُوَ الْبَيْعُ وَكَالطَّلَاقِ يَقْتَضِي إبْطَالَ الْعِصْمَةِ السَّابِقَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى النِّكَاحِ وَكَالْعَتَاقِ يَقْتَضِي إبْطَالَ الْمِلْكِ الْمُتَرَتِّبِ فِي الرَّقِيقِ عَلَى سَبَبِهِ، وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ الْفَوَاتَ يُوجِبُ الْفَسْخَ فَهَلْ يَقْتَضِيهِ مَعَهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّقَدُّمِ عَلَى السَّبَبِ أَوْ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الِانْقِلَابَ وَالْفَسْخَ يَقْتَضِي تَحَقُّقَ مَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعِلَلُ الْعَقْلِيَّةُ لَا تَنْقَسِمُ كَذَلِكَ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَتَقَدَّمُ مُسَبَّبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ] الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَتَقَدَّمُ مُسَبَّبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا لِلْأَصْلِ مِنْ وُقُوعِ مَا يَتَقَدَّمُ مُسَبَّبُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَمْثِيلُهُ بِمِثَالَيْنِ (الْمِثَالُ الْأَوَّلُ) إتْلَافُ الْمَبِيعِ قَبْلَ

стр. 694

وَكَذَلِكَ هَذِهِ التَّقَادِيرُ تَذْهَبُ عِنْدَ ذَهَابِ أَسْبَابِهَا وَتَثْبُتُ عِنْدَ تَثْبِيتِ أَسْبَابِهَا كَمُتَعَلِّقَاتِ الْخِطَابِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْإِبَاحَةِ وَغَيْرِهِمَا وَالتَّعَلُّقَاتُ أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ تُقَدَّرُ فِي الْمَحَالِّ مَوْجُودَةً فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ مَعْنَى الذِّمَّةِ وَأَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَتَأَمَّلْهُ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَقْبَلُهُ) اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْيَانَ مِنْهَا مَا لَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ إمَّا لِعَدَمِ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةٍ كَالْخُشَاشِ أَوْ مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ كَالْخَمْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقْبَلُ الْمَالِكُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَقْبَلُهُ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ مِنْ الْأَعْيَانِ مِنْ الْمُسَامَحَةِ عَلَى مَا سَبَقَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَبْضِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يُوجِبُ الْفَسْخَ قَبْلَهُ بِأَنْ تُقَدِّرَ الِانْفِسَاخَ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ تَلَفِهِ لِيَكُونَ الْمَحَلُّ قَابِلًا لِلِانْفِسَاخِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ الصَّرْفُ لَا يَقْبَلُ انْقِلَابَهُ لِمِلْكِ الْبَائِعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا الْفَرْقِ (وَالْمِثَالُ الثَّانِي) الْقَتْلُ خَطَأً بِالنِّسْبَةِ لِوُجُوبِ الدِّيَةِ لَا لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا تَجِبُ بِالزُّهُوقِ لَا بِإِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ وَأَنَّ الزُّهُوقَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مَوْرُوثَةً وَالْإِرْثُ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا تَقَدَّمَ فِيهِ مِلْكُ الْمَيِّتِ فَتَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى أَنْ يُقَدِّرَ تَقْدِيرَ مِلْكِهِ لَهَا فِي حَالَةٍ تَقْبَلُ الْمِلْكَ وَهِيَ حَالَةُ حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَقْبَلُهُ وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِتَقْدِيمِ لُزُومِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْقَتْلِ الْخَطَأِ وَأَنَّ مَا لَا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مُسَبَّبُهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا سَبَبٌ فِعْلِيٌّ تَامٌّ فَيُقَارِنُهُ مُسَبَّبُهُ كَالْأَسْبَابِ فِي حِيَازَةِ الْمُبَاحِ كَالْحَشِيشِ وَالصَّيْدِ وَالسَّلَبِ فِي الْجِهَادِ حَيْثُ سَوَّغْنَاهُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ عَلَى رَأَيْنَا أَوْ مُطْلَقًا عَلَى رَأْيِ الشَّافِعِيَّةِ وَكَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَى وَالسَّرِقَةِ لِلْحُدُودِ وَكَالتَّعَالِيقِ اللُّغَوِيَّةِ فَإِنَّهَا كُلُّهَا أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ فَإِذَا عُلِّقَ عَلَى شَرْطِ الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ قَارَنَ لُزُومُ الْمُعَلَّقِ وُقُوعَ ذَلِكَ الشَّرْطِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ أَعْطَيْتنِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَفَعَلَتْ طَلُقَتْ لَكِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ تُشْكِلُ جِدًّا عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ وَقَاعِدَتُهُ مِنْ أَنَّ الْمُعْطَاةَ وَالْفِعْلَ وَالْمُنَاوَلَةَ لَا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ انْتِقَالَ مِلْكٍ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِالْإِعْطَاءِ الْإِقْبَاضَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَطْلُقَ وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ أَقَبَضْتنِي وَهُوَ بَعِيدٌ وَإِنْ أَرَادَ بِالْإِعْطَاءِ التَّمْلِيكَ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَانَ تَمْلِيكًا بِمُجَرَّدِ الْمُنَاوَلَةِ فَيُعَضِّدُ الْمَالِكِيَّةُ فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ بِالْقِيَاسِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَيَكُونُ نَقْضًا عَلَى أَصْلِهِ. وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ اللَّفْظُ السَّابِقُ فِي التَّعْلِيقِ حَصَلَ بِهِ انْتِقَالُ الْمِلْكِ لِأَنَّ لَفْظَ التَّعْلِيقِ إنَّمَا اقْتَضَى رَبْطَ الطَّلَاقِ بِالْإِعْطَاءِ وَلَمْ يَقْتَضِ حُصُولَ الْمِلْكِ فِي الْمُعْطِي وَلَعَلَّهَا لَا تُعْطِيهِ شَيْئًا فَإِنَّ اللَّفْظَ الدَّالَّ عَلَى الْمِلْكِ لَمْ يُوجَدْ أَلْبَتَّةَ فَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يُرِيدَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ فَفَعَلَتْ أَيْ مَلَّكَتْهُ الْأَلْفَ بِشَرْطِ التَّمْلِيكِ الَّذِي هُوَ التَّلَفُّظُ بِمَا يَقْتَضِيهِ فَيَنْدَفِعُ الْإِلْزَامُ عَنْهُ. وَأَمَّا سَبَبٌ فِعْلِيٌّ غَيْرُ تَامٍّ فَيَتَأَخَّرُ مُسَبَّبُهُ إلَى تَمَامِهِ كَبَيْعِ الْخِيَارِ يَتَأَخَّرُ فِيهِ نَقْلُ الْمِلْكِ عَنْ الْعَقْدِ إلَى الْإِمْضَاءِ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا ثَبَتَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ دُونَ الْآخَرِ فَهُوَ عَقْدٌ غَيْرُ تَامٍّ فَتَأَخَّرَ مُسَبَّبُهُ إلَى تَمَامِهِ وَكَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ مَعَ الْبَيْنُونَةِ فَإِنَّهَا تَتَأَخَّرُ إلَى خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ الْعِدَّةِ وَكَالْوَصِيَّةِ يَتَأَخَّرُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الْمُوصَى بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَكَالسَّلَمِ وَالْبَيْعِ إلَى أَجَلٍ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ بِوَجْهِ الْمُطَالَبَةِ إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ. وَأَمَّا سَبَبٌ قَوْلِيٌّ تَامٌّ كَالْعِتْقِ وَالْبَيْعِ وَالْإِبْرَاءِ وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَتَنْصِيصِ الْعَدَدِ فِي الطَّلَاقِ وَكَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالشَّهَادَاتِ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ السَّابِقُ بَيْنَ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الإِسْفِرايِينِي وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ هَلْ تَقَعُ مُسَبَّبَاتُهُ مَعَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهُ أَوْ عَقِيبَ آخِرِ حَرْفٍ مِنْهُ وَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ أَيْضًا الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْأَجِلَّةِ كَمَا كَانَ شَيْخُ الْمُتَكَلِّمِينَ هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِ الْأَصْلِ مَعَ تَنْقِيحٍ وَزِيَادَةٍ وَكَتَبَ عَلَيْهِ ابْنُ الشَّاطِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُطَّرِدِ فِيهَا أَنْ تَعْقُبَهَا مُسَبَّبَاتُهَا أَوْ تُقَارِنَهَا فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُ الِانْفِسَاخِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ تَلَفِهِ وَلَا تَقْدِيرَ مِلْكِ الدِّيَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى تَقْدِيرِ الِانْفِسَاخِ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ تَلَفِهِ؛ لِأَنَّ انْقِلَابَ الْمَبِيعِ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ لَا حَاجَةَ؛ لِأَنَّ الدَّاعِيَ إلَى ادِّعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى انْقِلَابِهِ إلَى مِلْكِهِ إنَّمَا هُوَ كَوْنُ ضَمَانِهِ مِنْهُ وَكَوْنُ ضَمَانِهِ مِنْهُ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ عَلَى مِلْكِهِ لِلُزُومِ الضَّمَانِ بِدُونِ الْمِلْكِ كَمَا فِي الْمُتَعَدِّي. وَإِنَّمَا كَانَ ضَمَانُهُ مِنْ الْبَائِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى مِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ فِيهِ حَقُّ التَّوْفِيَةِ وَلَا إلَى تَقْدِيمِ مِلْكِ الدِّيَةِ، بَلْ هُوَ مُحَقَّقٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّبَبَ هُوَ الْإِنْفَاذُ لَا الزُّهُوقُ فَلَا ضَرُورَةَ لِتَقْدِيمِهَا كَمَا لَا ضَرُورَةَ لِتَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ قَالَ وَالْأَمْرُ فِي الْخِلَافِ فِي الْأَسْبَابِ الْقَوْلِيَّةِ قَرِيبٌ وَلَا أَرَاهُ يَئُولُ إلَى طَائِلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 695

وَالْمُطْرِبَاتِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ مَنْفَعَةٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ كَالْحُرِّ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمَسَاجِدِ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمِلْكَ إذْنٌ شَرْعِيٌّ خَاصٌّ وَالْإِذْنُ فِي غَيْرِ مُنْتَفَعٍ بِهِ عَبَثٌ وَفِي الْمُحَرَّمِ مُتَنَاقِضٌ وَفِيمَا هُوَ حَقٌّ لِلْغَيْرِ مُبْطِلٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ فَيَمْتَنِعُ الْمَالِكُ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ وَمِنْهَا مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ فَيَقْبَلُ الْمَالِكُ لِأَجْلِ مَنْفَعَةٍ وَهُوَ قِسْمَانِ مَا يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ إمَّا صَوْنًا لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ عَنْ الْفَسَادِ كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَإِجَارَةِ الْأَرْضِ إذَا قُلْنَا بِأَنَّهَا لَا يُؤَجَّرُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدِيمًا مِنْ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ يَمْنَحْهَا أَخَاهُ» فَإِنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ عَادِيٌّ وَإِمَّا لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ كَأُمِّ الْوَلَدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِالْعِتْقِ وَالْحُرِّ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَالْوَقْفِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَوْقُوفِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ أَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ) وَهُوَ أَنَّهُمَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي جِهَتَيْنِ جِهَةِ كَوْنِهِمَا تَعَلَّقَا وَنِسْبَةٍ خَاصَّةٍ فِي الْمَحَلِّ وَجِهَة كَوْنِهِمَا مِنْ بَابِ خِطَابِ الْوَضْعِ لَا مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ فِي شَيْءٍ كَمَا سَيُفْتَحُ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا تَعَلُّقٌ وَنِسْبَةٌ خَاصَّةٌ وَالتَّعَلُّقَاتُ أُمُورٌ عَدَمِيَّةٌ فَيُقَدِّرُهَا صَاحِبُ الشَّرْعِ فِي الْمَحَلِّ عِنْدَ سَبَبِهَا مَوْجُودَةً وَتَكُونُ مِنْ قَبِيلِ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَالْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ خِلَافًا لِلْأَصْلِ لَكِنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ جِهَتَيْنِ أَيْضًا (إحْدَاهُمَا) أَنَّ الذِّمَّةَ أَمَّا كَوْنُ الْإِنْسَانِ قَابِلًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ وَالْتِزَامِهَا شَرْعًا، فَيَكُونُ الصَّبِيُّ لَازِمَةً لَهُ، وَأَمَّا كَوْنُهُ قَابِلًا شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ دُونَ الْتِزَامِهَا، فَيَكُونُ الصَّبِيُّ لَهُ ذِمَّةً لِلُزُومِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ وَأَهْلِيَّةِ الْمُعَامَلَةِ وَالتَّصَرُّفَاتِ قَبُولٌ خَاصٌّ لَيْسَ فِيهِ إلْزَامٌ وَلَا الْتِزَامٌ (وَالْجِهَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ الذِّمَّةَ قَالَ الْأَصْلُ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّكْلِيفُ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ بِخِلَافِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيُّ فِيهِمَا أَيْضًا التَّمْيِيزَ وَالتَّكْلِيفَ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ التَّمْيِيزَ فَقَطْ وَابْنُ حَنْبَلٍ التَّمْيِيزَ مَعَ إذْنِ الْوَلِيِّ فَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُ تَصَرُّفُهُ بِدُونِ إذْنِهِ. وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ إذَا صَحَّ الِاتِّفَاقُ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ فِي الذِّمَّةِ فَلَا ذِمَّةَ لِلصَّبِيِّ وَيَتَعَيَّنُ حَدُّ الذِّمَّةِ أَوْ رَسْمُهَا بِأَنَّهَا قَبُولُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا لِلُزُومِ الْحُقُوقِ دُونَ الْتِزَامِهَا اهـ. أَيْ حَتَّى تَكُونُ لِلصَّبِيِّ ذِمَّةٌ لِلُزُومِ أُرُوشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ لَهُ كَمَا عَلِمْت فَبَيْنَ الذِّمَّةِ وَأَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ يَجْتَمِعَانِ مَعًا فِي حَقِّ الْحُرِّ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ فَإِنَّ لَهُ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ وَلَهُ ذِمَّةٌ كَمَا لَا يَخْفَى وَتَنْفَرِدُ الذِّمَّةُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ فِي الْعَبِيدِ فَإِنَّهُمْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِمْ لِحَقِّ السَّادَاتِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ إفْسَادِ مَا لَهُمْ وَحَقُّ السَّادَاتِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَلَوْ جَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً وَلَمْ يَقَعْ الْحَدِيثُ فِيهَا وَلَا الْحُكْمُ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِذِمَّتِهِ إذَا عَتَقَ طُولِبَ بِهَا، فَيَكُونُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي حَقِّهِ السَّبَبُ وَاللُّزُومُ وَتَأَخَّرَتْ الْمُطَالَبَةُ. وَإِذَا تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَفُسِخَ نِكَاحُهُ بَقِيَ الصَّدَاقُ فِي ذِمَّتِهِ يُطَالَبُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَاللُّزُومُ سَابِقٌ وَالْمُطَالَبَةُ مُتَأَخِّرَةٌ فِي حَقِّهِ وَتَنْفَرِدُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ عَنْ الذِّمَّةِ فِي الصِّبْيَانِ الْمُمَيِّزِينَ فَإِنَّ فِي الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أَهْلِيَّةَ التَّصَرُّفِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ حَنْبَلٍ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ ذِمَّةٍ لَهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الِاتِّفَاقِ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ فِي الذِّمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ، قُلْت وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَ السَّيِّدِ الْجُرْجَانِيِّ فِي تَعْرِيفَاتِهِ الذِّمَّةُ لُغَةً الْعَهْدُ؛ لِأَنَّ نَقْضَهُ يُوجِبُ الذَّمَّ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا وَصْفًا فَعَرَّفَهَا بِأَنَّهَا وَصْفٌ يَصِيرُ الشَّخْصُ بِهِ أَهْلًا لِلْإِيجَابِ لَهُ وَعَلَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا ذَاتًا فَعَرَّفَهَا بِأَنَّهَا نَفْسٌ لَهَا عَهْدٌ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ اهـ. بِلَفْظٍ كَمَا أَنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ قَوْلِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُولَدُ وَلَهُ ذِمَّةٌ. وَقَوْلُهُ صَالِحَةٌ لِلْوُجُوبِ لَهُ وَعَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهَا مِنْ الطَّبَائِعِ الْمُلَازِمَةِ لِلْإِنْسَانِ كَالنَّاطِقِيَّةِ بِمَعْنَى مَبْدَئِيَّةِ النُّطْقِ وَالْإِدْرَاكِ وَإِنْ مَنَعَ مِنْ تَحَقُّقِهَا فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ مَانِعٌ كَمَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ فَتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَسَبَبُ الْقَبُولِ الَّذِي هُوَ الذِّمَّةُ عِنْدَ الْجَمِيعِ التَّمْيِيزُ مَعَ التَّكْلِيفِ وَسَبَبُ الْقَبُولِ الَّذِي هُوَ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ التَّمْيِيزُ دُونَ الْإِجَازَةِ وَالتَّكْلِيفِ وَدُونَ الْإِبَاحَةِ أَيْضًا عِنْدَنَا فَإِنَّ الْفُضُولِيَّ عِنْدَنَا لَهُ أَهْلِيَّةُ التَّصَرُّفِ وَتَصَرُّفُهُ حَرَامٌ وَلِلْمَالِكِ عِنْدَنَا إمْضَاءُ ذَلِكَ التَّصَرُّفِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ آخَرَ يَنْفُذُ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ الْمُتَقَدِّمَ قَابِلٌ لِلِاعْتِبَارِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ آدَمِيٌّ كَتَصَرُّفِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ وَالصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَلِيِّ فَإِنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى إجَازَةِ السَّيِّدِ وَالْوَلِيِّ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ ابْنِ حَنْبَلٍ التَّمْيِيزُ مَعَ الْإِجَازَةِ دُونَ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ عَقْدُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ بِإِذْنِ الْوَلِيِّ صَحَّ وَإِلَّا فَلَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ التَّمْيِيزُ مَعَ التَّكْلِيفِ فَلَا يَنْعَقِدُ عَقْدُ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أَصْلًا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَقْبَلُهُ] الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقْبَلُ الْمِلْكَ مِنْ الْأَعْيَانِ وَالْمَنَافِعِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَقْبَلُهُ مِنْهُمَا) يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَمْرَانِ (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمِلْكَ إذْنٌ شَرْعِيٌّ خَاصٌّ وَأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تَقْبَلُهُ إلَّا بِاعْتِبَارِ مَنَافِعِهَا فَمَا

стр. 696

عَلَيْهِ بِهِ. وَأَمَّا مَا سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَانِعِ فَهُوَ الْقَابِلُ لِلْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ بِأَسْبَابِ الْمِلْكِ عَلَى اخْتِلَافِهَا وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَالْبُرِّ وَالْأَنْعَامِ وَغَيْرِهِمَا فَهَذَا تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَهَا هُنَا قَاعِدَةٌ أُخْرَى تُلَاحَظُ فِي هَذَا الْفَرْقِ وَهِيَ إنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ كَانَ مِنْ الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ أَوْ غَيْرِ الْعُقُودِ كَالتَّعْزِيرَاتِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ فَإِنَّهُ لَا يُشْرَعُ وَيَبْطُلُ إنْ وَقَعَ، فَلِذَلِكَ امْتَنَعَ بَيْعُ الْحُرِّ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَنِكَاحِ الْمَحْرَمِ وَذَوَاتِ الْمَحْرَمِ فَإِنَّ مَقَاصِدَ هَذِهِ الْعُقُودِ لَا تَحْصُلُ بِهَا. وَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ عَلَى الْأَفْعَالِ الْمُحَرَّمَةِ وَتَعْزِيرُ مَنْ يَعْقِلُ الزَّجْرَ كَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ الزَّجْرَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا هُوَ انْتِفَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاوِضَيْنِ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ فَإِذَا كَانَ عَدِيمَ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مُحَرَّمًا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ فَيَبْطُلُ عَقْدُهُ وَالْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَيْضًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَا مَنْفَعَةَ لَهُ كَالْخُشَاشِ وَمَا لَهُ مَنْفَعَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَالْخَمْرِ وَالْمُطْرِبَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَمَا لَهُ مَنْفَعَةٌ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ كَالْحُرِّ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِنَفْسِهِ وَكَأُمِّ الْوَلَدِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهَا بِالْعِتْقِ وَكَالْوَقْفِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِهِ فَلَا يَقْبَلُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْمِلْكَ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِذْنَ فِيهِ عَبَثٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْإِذْنَ فِيهِ مُتَنَاقِضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِأَنَّ الْإِذْنَ فِيهِ مُبْطِلٌ لِذَلِكَ الْحَقِّ وَبَقِيَ النَّوْعُ الرَّابِعُ وَهُوَ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَيْسَتْ مُحَرَّمَةً وَلَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ فَيَقْبَلُ الْمِلْكَ لِأَجْلِ مَنْفَعَتِهِ إلَّا أَنَّهُ قِسْمَانِ قِسْمٌ يَمْتَنِعُ صَوْنًا لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ عَنْ الْفَسَادِ كَكَلْبِ الصَّيْدِ وَإِجَارَةِ الْأَرْضِ إذَا قُلْنَا بِإِنَّهَا لَا تُؤَجَّرُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَدِيمًا مِنْ الْأُمُورِ الْمُنَافِيَةِ لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ يَمْنَحْهَا أَخَاهُ» فَإِنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ عَادِيٌّ وَقِسْمٌ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ الْمَوَانِعِ فَهُوَ الْقَابِلُ لِلْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفُ بِأَسْبَابِ الْمِلْكِ عَنْ اخْتِلَافِهَا وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ كَالْبُرِّ وَالْأَنْعَامِ وَغَيْرِهِمَا (الْأَمْرُ الثَّانِي) قَاعِدَةُ إنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ كَانَ مِنْ الْعُقُودِ كَالْبَيْعِ أَوْ غَيْرِ الْعُقُودِ كَالتَّعْزِيرَاتِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ لَا يُشْرَعُ وَيَبْطُلُ إنْ وَقَعَ وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إنَّمَا هُوَ انْتِفَاعُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَارِضَيْنِ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ فَإِذَا كَانَ عَدِيمَ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مُحَرَّمَهَا أَوْ تَعَلَّقَ بِمَنْفَعَتِهِ حَقُّ الْغَيْرِ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ فَيَبْطُلُ عَقْدُهُ وَالْمُعَارَضَةُ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ كَمَا يَمْتَنِعُ نِكَاحُ ذَوَاتِ الْمَحْرَم؛ لِأَنَّ مَقَاصِدَ عَقْدِهِ لَا تَحْصُلُ بِهَا وَيَمْتَنِعُ تَعْزِيرُ مَنْ لَا يَعْقِلُ الزَّجْرَ كَالسَّكْرَانِ وَالْمَجْنُونِ وَنَحْوِهِمَا؛ لِأَنَّ الزَّجْرَ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) وَهُوَ أَنَّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِبَارَةً عَمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا فِي صِحَّتِهِ وَجَوَازِهِ وَلُزُومِهِ مَعًا (الْأَوَّلُ) الطَّهَارَةُ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» الشَّرْطُ (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ انْتِفَاعًا شَرْعِيًّا حَالًا أَوْ مَآلًا لِيَصِحَّ مُقَابَلَةُ الثَّمَنِ لَهُ (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ حَذَرًا مِنْ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِمَا لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (الشَّرْطُ الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلْعَاقِدَيْنِ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ (وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ وَالْمَبِيعُ مَمْلُوكَيْنِ لِلْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ لَهُ أَوْ مَنْ أُقِيمَا مَقَامَهُ شَرْطٌ فِي الْجَوَازِ وَاللُّزُومِ مَعًا دُونَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ وَشِرَاءَهُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عَلِمَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ فُضُولِيٌّ أَمْ لَا كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ إلَّا أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمَشْهُورِ وَغَيْرُ لَازِمٍ يَتَوَقَّفُ لُزُومُهُ عَلَى رِضَا الْمَالِكِ كَمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ وَبَقِيَ شَرْطٌ سَادِسٌ أَخَذَهُ عبق مِنْ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي الْمُخْتَصَرِ وَوَقْفُ مَرْهُونٍ عَلَى رِضَا مُرْتَهِنِهِ اهـ. وَعَدَّهُ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ لِغَيْرِ الْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ لَهُ أَوْ مَنْ أُقِيمَا مَقَامَهُ حَقٌّ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا وَتَعَقَّبَهُ الشَّيْخُ مُصْطَفَى الرَّمَاصِيُّ كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ بِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ فَقَطْ أَيْ دُونَ الصُّحْبَةِ، وَكَذَا دُونَ الْجَوَازِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَيْ خَلِيلًا لِذَلِكَ لَمْ يَجْرِ فِيهِ عَلَى أُسْلُوبِ مَا قَبْلَهُ فَلَمْ يُدْرِجْهُ فِي شُرُوطِ الصِّحَّةِ اهـ. يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ فَافْهَمْ وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عِبَارَةٌ عَمَّا فُقِدَ مِنْهُ أَحَدُ شُرُوطِ الْجَوَازِ الْخَمْسَةِ الْأُوَلِ فَتَحَقُّقُ الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ وَعَدَمُ تَحَقُّقِهَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِالشُّرُوطِ الْمَذْكُورَةِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ قَالَ حَفِيدِ بْنِ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ النَّجَاسَاتُ عَلَى ضَرْبَيْنِ الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مَا لَا تَدْعُوا الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ (الْأَوَّلُ) الْخَمْرُ وَلِذَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا نَجِسَةٌ إلَّا خِلَافًا شَاذًّا (الثَّانِي) الْمَيْتَةُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ (الثَّالِثُ) الْخِنْزِيرُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ الَّتِي تَقْبَلُ الْحَيَاةَ وَاخْتُلِفَ فِي

стр. 697

تُحَصِّلُ فَرْقًا بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ. (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) فَقَاعِدَةُ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ شُرُوطٌ خَمْسَةٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَا فُقِدَ مِنْهُ أَحَدُ هَذِهِ الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ فَالشُّرُوطُ الْخَمْسَةُ هِيَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَهِيَ (الطَّهَارَةُ) لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَى قَوْلِهِ وَفِي الشُّرُوطِ مَسْأَلَتَانِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الِانْتِفَاعِ بِشَعْرِهِ فَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمَنَعَهُ أَصْبَغُ (الضَّرْبُ الثَّانِي) مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ كَالتَّرْجِيعِ وَالزِّبْلِ الَّذِي يُتَّخَذُ فِي الْبَسَاتِينِ فَاخْتُلِفَ فِي بَيْعِهِ فِي الْمَذْهَبِ فَقِيلَ بِمَنْعِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعَذِرَةِ وَالزِّبْلِ أَعْنِي إبَاحَةَ الزِّبْلِ، وَمَنْعِ الْعَذِرَةِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْ أَنْيَابِ الْفِيلِ لِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ نَابٌ جَعَلَهُ مَيْتَةً، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ قَرْنٌ مَعْكُوسٌ جَعَلَ حُكْمَهُ حُكْمَ الْقَرْنِ وَالْخِلَافُ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ اهـ بِتَصَرُّفٍ. قَالَ الْبُنَانِيُّ: وَقَدْ حَصَّلَ الْحَطَّابُ فِي بَيْعِ الْعَذِرَةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعُ لِمَالِكٍ عَلَى فَهْمِ الْأَكْثَرِ لِلْمُدَوَّنَةِ وَالْكَرَاهَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَفَهْمِ أَبِي الْحَسَنِ لَهَا وَالْجَوَازُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاضْطِرَارِ لَهَا فَيَجُوزُ وَعَدَمُهُ فَيُمْنَعُ لِأَشْهَبَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ. وَأَمَّا الزِّبْلُ فَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ قِيَاسُهُ عَلَى الْعَذِرَةِ فِي الْمَنْعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِجَوَازِهِ وَقَوْلُ أَشْهَبَ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ وَتُزَادُ الْكَرَاهَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الْعَذِرَةِ وَفَهْمِ أَبِي الْحَسَنِ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ ﵀ وَفِي التُّحْفَةِ: وَنَجِسُ صَفْقَتِهِ مَحْظُورَةٌ ... وَرَخَّصُوا فِي الزِّبْلِ لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ يُفِيدُ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى بَيْعِ الزِّبْلِ دُونَ الْعَذِرَةِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ لُبٍّ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمِعْيَارِ أَوَّلَ نَوَازِلِ الْمُعَاوَضَاتِ وَهُوَ الَّذِي بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا لِلضَّرُورَةِ اهـ. مِنْهُ بِلَفْظِهِ وَفِي حَاشِيَةِ كنون قَالَ الْحَطَّابُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ النَّجِسِ نَهْيُهُ تَعَالَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِ أَصْلًا أَوْ حُكْمًا وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَ «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ» الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُورِ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِ «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيُسْتَصْبَحُ بِهَا فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَّلُوهَا، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» وَمَعْنَى أَجْمَلُوهُ أَذَابُوهُ، وَقَوْلُهُ حَرَّمَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ بِإِسْنَادِهِ إلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ تَأَدُّبًا مِنْهُ ﵊ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ فِي ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ كَمَا رَدَّ عَلَى الْخَطِيبِ قَوْلَهُ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَالَ لَهُ بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ قُلْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ اُنْظُرْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. وَفِي الْإِكْمَالِ مَا نَصُّهُ. وَأَمَّا شَحْمُ الْمَيْتَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّهَا نَجِسَةُ الْعَيْنِ وَلِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْمَيْتَةِ إلَّا مَا خَصَّصَتْهُ السُّنَّةُ مِنْ الْجِلْدِ وَأَجَازَ عَطَاءٌ الِاسْتِصْبَاحَ بِشَحْمِهَا وَأَنْ يُطْلَى بِهِ السُّفُنُ اهـ. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ ابْنِ الْجَهْمِ وَالْأَبْهَرِيِّ لَا بَأْسَ بِوَقِيدِهِ إذَا تُحُفِّظَ مِنْهُ اهـ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الْبَيْعِ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ رَاجِعْ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَيُنْتَفَعُ بِمُتَنَجِّسٍ إلَخْ وَمِنْ شَحْمِ الْمَيْتَةِ مَا يُجْلَبُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ مِنْ الصَّابُونِ وَالشَّمْعِ الْمَصْنُوعَيْنِ مِنْ شَحْمِ غَيْرِ الْحَيَوَانِ الْبَحْرِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي الشَّرْطِ الثَّانِي قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ يَكْفِي أَصْلُ الْمَنْفَعَةِ وَإِنْ قَلَّتْ وَقَلَّتْ قِيمَتُهَا فَيَصِحُّ بَيْعُ التُّرَابِ وَالْمَاءِ اهـ. أَيْ بِمَكَانِهَا الْمُعَدِّ لَهُمَا وَهُوَ التَّلُّ وَالْبَحْرُ وَقَيَّدَ الْمَحَلِّيُّ وَالرَّمْلِيُّ وَابْنُ حَجَرٍ صِحَّةَ بَيْعِهِمَا فِيهِ بِأَنْ يَجُوزَ الْمَاءُ فِي قِرْبَةٍ مَثَلًا أَوْ يُكَوَّمَ التُّرَابُ فَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ بَاعَ قِرْبَةَ مَاءٍ مَثَلًا عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْبُجَيْرَمِيِّ عَلَى شَرْحِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ إمْكَانُ تَحْصِيلِ مِثْلِهِمَا بِلَا تَعَبٍ وَلَا مُؤْنَةٍ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَالْحَشَرَاتِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَهِيَ صِغَارُ دَوَابِّ الْأَرْضِ كَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَفَأْرَةٍ وَخُنْفُسَاءَ لَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ وَلَا بَيْعُهُ إذْ لَا نَفْعَ فِي الْحَشَرَاتِ الْمَذْكُورَةِ يُقَابِلُ بِالْمَالِ وَإِنْ ذَكَرَ لَهَا مَنَافِعَ فِي الْخَوَاصِّ بِخِلَافِ مَا يَنْفَعُ كَضَبٍّ لِمَنْفَعَةِ أَكْلِهِ وَعَلَّقَ لِمَنْفَعَةِ امْتِصَاصِ الدَّمِ كَمَا فِي شَرْحِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَنْهَجِ قَالَ الْبُنَانِيُّ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُمَا إنَّ مِثْلَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مَا مَنَافِعُهُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ كَالدَّمِ أَوْ جُلُّ الْمَقْصُودِ مِنْهَا مُحَرَّمٌ كَالزَّيْتِ النَّجِسِ بِخِلَافِ مَا مَنَافِعُهُ كُلُّهَا أَوْ جُلُّهَا مُحَلَّلَةٌ كَالزَّبِيبِ فَإِنْ كَانَتْ الْمَنَافِعُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا مُحَلَّلٌ وَمِنْهَا مُحَرَّمٌ كَكَلْبِ الصَّيْدِ أُشْكِلَ الْأَمْرُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقَ بِالْمَمْنُوعِ اهـ. وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ يَعْنِي خَلِيلًا ﵀ لِإِشْكَالِ

стр. 698

وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ لِيَصِحَّ مُقَابَلَةُ الثَّمَنِ لَهُ (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ حَذَرًا مِنْ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهَا لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ (الشَّرْطُ الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا لِلْمُتَعَاقِدَيْنِ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ (الشَّرْطُ الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ وَالْمَبِيعُ مَمْلُوكَيْنِ لِلْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ لَهُ أَوْ مَنْ أُقِيمَا مَقَامَهُ فَهَذِهِ شُرُوطٌ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ دُونَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِ وَشِرَاءَهُ مُحَرَّمٌ وَفِي الشُّرُوطِ مَسْأَلَتَانِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي الشَّرْطِ الثَّانِي قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ يَكْفِي أَصْلُ الْمَنْفَعَةِ وَإِنْ قَلَّتْ وَقَلَّتْ قِيمَتُهُمَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى إلَى آخِرِهَا) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ فَرْقَ الْحَنَفِيَّةِ يَنْدَفِعُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا أَرْضَعَتْ كَبِيرًا فَحَرُمَ عَلَيْهَا لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ لِجَعْلِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ لِقَصْدِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] هَذَا لَمْ يَقْنَعْ بِأَخْذِهِ مِنْ شَرْطِ الِانْتِفَاعِ لِخَفَائِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ اهـ. أَيْ فَاحْتَاجَ إلَى زِيَادَةِ شَرْطِ الْإِبَاحَةِ لِكَوْنِ أَخْذِهِ مِنْهُ ظَاهِرًا لَا خَفَاءَ فِيهِ وَفِي حَاشِيَةِ كنون وَقَوْلِ الْبُنَانِيِّ مَا مَنَافِعُهُ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ أَيْ فَلَا يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَمِثْلُهُ التَّدَاوِي بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَآلَةِ اللَّهْوِ، وَقَالَ الْحَطَّابُ مَثَّلَهُ الْقَرَافِيُّ بِالْخَمْرِ وَالْمُطْرِبَاتِ، وَقَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ، وَمَنْ اشْتَرَى مِنْ آلَةِ اللَّهْوِ شَيْئًا كَبُوقٍ وَغَيْرِهِ فُسِخَ بَيْعُهُ وَأُدِّبَ أَهْلُهُ وَفِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَشْيَاءَ مِنْهَا الصُّوَرُ وَالْقِرْدُ وَآلَةُ الْمَلَاهِي اهـ. وَقَالَ ابْنُ جُزَيٍّ فِي قَوَانِينِهِ مَا نَصُّهُ وَإِنْ كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لَا تَجُوزُ فَهِيَ كَالْعَدَمِ كَآلَاتِ اللَّهْوِ اهـ. وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ وَمِنْ مَسَائِلِهِمْ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ لَبَنِ الْآدَمِيَّةِ إذَا حُلِبَ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُجَوِّزَانِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجَوِّزُهُ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ أَقْيِسَةِ الشَّبَهِ وَذَلِكَ أَنَّ عُمْدَةَ الْمُجِيزِ أَنَّهُ لَبَنٌ أُبِيحَ شُرْبُهُ فَأُبِيحَ بَيْعُهُ قِيَاسًا عَلَى لَبَنِ سَائِرِ الْأَنْعَامِ وَعُمْدَةُ الْمَانِعِ أَنَّ الْإِنْسَانَ حَيَوَانٌ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِهِ قِيَاسًا عَلَى لَبَنِ الْخِنْزِيرِ وَالْأَتَانِ وَإِنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ شُرْبُهُ لِمَكَانِ ضَرُورَةِ الطِّفْلِ إلَيْهِ اهـ مُلَخَّصًا. وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ أَوْ يَصِحُّ بَيْعُ لَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ أَيْ فِي مَذْهَبِنَا، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ قِيَاسًا عَلَى لَبَنِ الْغَنَمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ - لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ حَيَوَانٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَبَنِ الْغَنَمِ بِشَرَفِ الْآدَمِيِّ أَيْ فَلَا يَتِمُّ الْقِيَاسُ الْمُتَقَدِّمُ وَلَا يُرَدُّ إبَاحَةُ لَبَنِهِ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ مِنْ الرَّضَاعِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْأَنْعَامِ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ تَشْرِيفًا لَهُ نَعَمْ يَنْدَفِعُ الْفَرْقُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَرْضَعَتْ كَبِيرًا فَحَرُمَ عَلَيْهَا فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا عَلَى إلْغَاءِ هَذَا الْفَرْقِ اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَنْدَفِعُ بِذَلِكَ لِجَعْلِ رَضَاعِ الْكَبِيرِ لِقَصْدِ ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ دَاخِلًا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ لِلضَّرُورَةِ اهـ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مُقْتَضَى مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ إنَّ هَذَا الشَّرْطَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ أَيْ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ شَرْطٌ فِي الشِّرَاءِ فِي صِحَّتِهِ دُونَ الْبَيْعِ اهـ. وَأَطْلَقَ الْأَصْحَابُ صِحَّةَ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَشِرَائِهِ وَالْأَصْلُ بَعْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْجَوَاهِرِ إثْرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً لَيْسَتْ فِي مِلْكِهِ وَيُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ تَحْصِيلَ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ نَزَلَ ذَلِكَ فَلِرَبِّهَا إمْضَاءُ الْبَيْعِ كَمَنْ غَصَبَ سِلْعَةً وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ بِالْغَصْبِ وَمَنَعَ أَشْهَبُ ذَلِكَ فِي الْغَصْبِ لِدُخُولِهِمَا عَلَى الْفَسَادِ وَالْغَرَرِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ أَيْ الْمَنْعُ الْقِيَاسُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْ مَسْأَلَتَيْ الْفُضُولِيِّ وَالْغَصْبِ اهـ. قَالَ ظَاهِرٌ، وَهَذَا النَّقْلُ يَقْتَضِي أَنَّ إطْلَاقَ الْأَصْحَابِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالِمٍ بِعَدَمِ الْمِلْكِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ لَهُ الْإِمْضَاءَ أَمَّا إذَا عَلِمَ أَيْ بِعَدَمِ الْمِلْكِ فَلَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَيْ، فَلَيْسَ لَهُ الْإِمْضَاءُ اهـ. وَفِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ وَمِلْكُ غَيْرِ عَلَى رِضَاهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي قَالَ عبق مَا حَاصِلُهُ أَيْ وَتَصَرُّفُ مِلْكِ غَيْرٍ أَيْ فِيهِ أَوَّلُهُ فَيَشْمَلُ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُمَا وَاحِدٌ كَمَا فِي الْإِرْشَادِ قَالَهُ التَّتَّائِيُّ وَالْمُعْتَمَدُ حُرْمَةُ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ كَمَا قَالَ الْقَرَافِيُّ إنَّهُ الْمَشْهُورُ لَا جَوَازُهُ وَلَا بُدَّ بِهِ كَمَا لِلطَّرَّازِ قَالَهُ الْحَطَّابُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْمَقَاصِدِ وَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِ الْمَالِكِ إنَّهُ الْأَصْلَحُ لَهُ فَإِذَا تَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرٍ فَهُوَ لَازِمٌ مِنْ جِهَتِهِ مُنْحَلٌّ مِنْ جِهَةِ الْمَالِكِ فَلَهُ إجَازَتُهُ، وَلَوْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّهُ فُضُولِيٌّ وَيَطْلُبُ الْفُضُولِيَّ فَقَطْ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ بِإِجَازَتِهِ بَيْعَهُ صَارَ وَكِيلًا وَيَأْتِي فِي الْوَكَالَةِ وَطُولِبَ بِثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِالْبَرَاءَةِ وَلَا طَلَبَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَهُ رَدُّهُ لَكِنْ بِالْقُرْبِ فَإِنْ سَكَتَ مَعَ الْعِلْمِ عَامًا فَلَا رَدَّ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا طَلَبُ الثَّمَنِ فَإِنْ سَكَتَ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ (أَحَدُهَا) أَنْ لَا يَكُونَ الْمَالِكُ حَاضِرًا بَيْعَ الْفُضُولِيِّ فَإِنْ حَضَرَهُ وَسَكَتَ لَزِمَهُ الْبَيْعُ فَإِنْ سَكَتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمَجْلِسِ الْحَاضِرِ لَهُ حَتَّى مَضَى عَامٌ وَنَحْوُهُ وَلَمْ يُطَالِبْ بِالثَّمَنِ فَلَا شَيْءَ لَهُ

стр. 699

فَيَصِحُّ بَيْعُ التُّرَابِ وَالْمَاءِ وَلَبَنِ الْآدَمِيَّاتِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ قِيَاسًا عَلَى لَبَنِ الْغَنَمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ -: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءُ حَيَوَانٍ مُنْفَصِلٍ عَنْهُ فِي حَيَاتِهِ فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ فَيَمْتَنِعُ بَيْعُهُ وَجَوَابُهُ الْقِيَاسُ الْمُتَقَدِّمُ وَفَرَّقَ هُوَ بِشَرَفِ الْآدَمِيِّ وَإِبَاحَةِ لَبَنِهِ هُوَ أَنَّهُ اُسْتُثْنِيَ مِنْهُ الرَّضَاعُ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ بِخِلَافِ الْأَنْعَامِ بِدَلِيلِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ تَشْرِيفًا لَهُ وَيَنْدَفِعُ الْفَرْقُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا أَرْضَعَتْ كَبِيرًا فَحَرُمَ عَلَيْهَا فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا عَلَى إلْغَاءِ هَذَا الْفَرْقِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ دَاخِلًا فِيمَا اُسْتُثْنِيَ لِلضَّرُورَةِ وَمَا قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَتَوْجِيهٌ وَتَرْجِيحٌ لَا كَلَامَ فِيهِ مَعَهُ وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوقِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ. ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] عَلَى الْبَائِعِ (ثَانِيهَا) فِي غَيْرِ الصَّرْفِ، وَأَمَّا فِيهِ فَيُفْسَخُ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ يُخْبِرْ الْمُصْطَرِفُ (ثَالِثُهَا) فِي غَيْرِ الْوَقْفِ. وَأَمَّا فِيهِ فَبَاطِلٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رِضَا وَاقِفِهِ وَإِنْ كَانَ الْمِلْكُ لَهُ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَهُ فِي شَيْءٍ خَاصٍّ وَهُوَ مَا أَشَارَ لَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّهُ وَلِوَارِثِهِ مَنْعُ مَنْ يُرِيد إصْلَاحَهُ وَإِنْ تَصَرَّفَ لِمِلْكِ غَيْرٍ أَيْ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ وَلَمْ يُجِزْهُ لَزِمَ الشِّرَاءُ لِلْمُشْتَرِي وَلَا يَرْجِعُ رَبُّ الْمَالِ عَلَى الْبَائِعِ بِمَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي أَشْهَدَ أَنَّ الشِّرَاءَ لِفُلَانٍ بِمَالِهِ وَالْبَائِعُ يَعْلَمُ ذَلِكَ أَوْ صَدَقَ الْمُشْتَرِي فِيهِ أَوْ تَقُومُ بَيِّنَةٌ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ مِلْكٌ لِلْمُشْتَرِي لَهُ فَإِنْ أَخَذَ الْمُشْتَرِي لَهُ مَالَهُ وَلَمْ يُجِزْ الشِّرَاءَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِيمَا إذَا صُدِّقَ الْبَائِعُ أَنَّهُ اشْتَرَى لِغَيْرِهِ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّ الْبَائِعَ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْتَقَضْ مَعَ قِيَامِ الْبَيِّنَةِ أَنَّ الْمَالَ لِلْمُشْتَرِي لَهُ، بَلْ يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَلْزَمُهُ الْبَيْعُ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ اهـ. وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ وَالتَّاوُدِيُّ وَالرَّهُونِيُّ وكنون فَهُوَ الْمَذْهَبُ وَأَصْلُ قَوْلِهِ وَالْمُعْتَمَدُ حُرْمَةُ بَيْعِهِ وَشِرَائِهِ إلَخْ قَوْلُ الْأَصْلِ ظَاهِرُ كَلَامِ الطِّرَازِ الْجَوَازُ لِحَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ الْآتِي وَالْمُرَادُ بِالْجَوَازِ النَّدْبُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] لَكِنَّ قَوْلَ الْقَاضِي أَيْ عِيَاضٍ فِي التَّنْبِيهَاتِ أَنَّ مَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ كَبَيْعِ الْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا وَبَيْعِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ اهـ. يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، بَلْ قَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْرِيمِ مِنْ مَالِكٍ وَالْأَبْهَرِيِّ فِي قَوْلِ الْأَبْهَرِيِّ قَالَ مَالِكٌ يَحْرُمُ بَيْعُ السِّلَعِ أَيَّامَ الْخِيَارِ حَتَّى يَخْتَارَ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَضْمَنْ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَقَرَّرَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا قَالَ وَمَعْنَى نَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَضْمَنْ بَيْعَ الْإِنْسَانِ لِمِلْكِ غَيْرِهِ اهـ. وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ بِأَنَّ حَالَةَ الصُّحْبَةِ أَوْجَبَتْ الْإِذْنَ بِلِسَانِ الْحَالِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ التَّوْكِيلِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ الْمُوجِبِ لِلْإِبَاحَةِ وَنَفْيِ الْإِثْمِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا اهـ. وَحُجَّةُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ (الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ ﵇ «لَا بَيْعَ وَلَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» (الْأَمْرُ الثَّانِي) قَاعِدَةُ أَنَّ وُجُودَ السَّبَبِ بِكَمَالِهِ بِدُونِ آثَارِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ (الْأَمْرُ الثَّالِثُ) الْقِيَاسُ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَوَجْهُ الْفَرْقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ أَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لِلْمُبَاشَرَةِ فَيَفْتَقِرُ نَقْلُ الْمِلْكِ إلَى عَقْدٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عِنْدَهُ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مُخْرِجٌ لِلسِّلْعَةِ لَا جَالِبٌ لَهَا وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ (الْحَدِيثِ) بِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ لَا شَيْءَ مِنْ الثَّلَاثَةِ لَازِمٌ فِيمَا إلَخْ قُلْنَا بِمُوجِبِهِ وَإِنْ أُرِيدَ لَا شَيْءَ مِنْهَا صَحِيحٌ فِيمَا إلَخْ حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ سَلَّمْنَا عُمُومَهُ فِي الْأَحْوَالِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ ﵇ «دَفَعَ لِعُرْوَةِ الْبَارِقِيِّ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَى بِهِ أُضْحِيَّتَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِدِينَارٍ وَأُضْحِيَّةٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَك فِي صَفْقَةِ يَمِينِك فَكَانَ إذَا اشْتَرَى التُّرَابَ رَبِحَ» فِيهِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، وَعَنْ الْقَاعِدَةِ بِأَنَّهَا تُنْتَقَضُ بِبَيْعِ الْخِيَارِ، وَعَنْ الْقِيَاسِ بِالْفَرْقِ بِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ لَا يَقْبَلَانِ الْخِيَارَ فَكَذَلِكَ لَا يَقْبَلَانِ الْإِيقَافَ وَالْبَيْعُ يَقْبَلُ الْخِيَارَ فَيَقْبَلُ الْإِيقَافَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا) فِي حَاشِيَةِ الْبُنَانِيِّ عَلَى عبق قَالَ فِي الْمَسَائِلِ الْمَلْقُوطَةِ الْجُزَافُ مُثَلَّثٌ الْجِيمُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَهُوَ بَيْعُ الشَّيْءِ بِلَا كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ وَلَا عَدَدٍ اهـ. وَحَدَّ ابْنُ عَرَفَةَ بَيْعَ الْجُزَافِ بِأَنَّهُ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ دُونَ أَنْ يُعْلَمَ وَالْأَصْلُ مَنْعُهُ وَخُفِّفَ فِيمَا شَقَّ عِلْمُهُ أَوْ قَلَّ جَهْلُهُ اهـ. فَقَوْلُهُ شَقَّ عِلْمُهُ يُرِيدُ فِي الْمَعْدُودِ وَقَلَّ جَهْلُهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إذْ لَا تُشْتَرَطُ الْمَشَقَّةُ فِيهِمَا كَمَا يَأْتِي اهـ. مِنْهَا بِلَفْظِهَا وَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا عِبَارَةٌ عَمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ شُرُوطُ جَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ مَعًا سَوَاءٌ كَانَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ كَانَ مِمَّا يُعَدُّ فَلَا يُعَدُّ مِنْ شُرُوطِ الْجَوَازِ كَوْنُهُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ خِلَافًا لِلَّخْمِيِّ حَيْثُ عَدَّهُ مِنْ شُرُوطِ الْجَوَازِ. وَقَالَ لَا يَجُوزُ فِي الْمَعْدُودِ غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ بَيْعَ صِغَارِ الْحِيتَانِ

стр. 700

بَيْعُ الْفُضُولِ فِي الشَّرْطِ الْخَامِسِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مُقْتَضَى مَا حَكَاهُ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ هُوَ شَرْطٌ فِي الشِّرَاءِ دُونَ الْبَيْعِ، وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً لَيْسَتْ فِي مِلْكِهِ وَيُوجِبُ عَلَى نَفْسِهِ تَحْصِيلَ ثَمَنِهَا؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ. وَقَالَ سَحْنُونٌ إنْ نَزَلَ ذَلِكَ فَلِرَبِّهَا إمْضَاءُ الْبَيْعِ كَمَنْ غَصَبَ سِلْعَةً وَالْمُشْتَرِي يَعْلَمُ بِالْغَصْبِ وَمَنَعَ أَشْهَبُ ذَلِكَ فِي الْغَاصِبِ لِدُخُولِهِمَا عَلَى الْفَسَادِ وَالْغَرَرِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قُلْت فَظَاهِرُ هَذَا النَّقْلِ يَقْتَضِي أَنَّ إطْلَاقَ الْأَصْحَابِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَ عَالِمٍ بِعَدَمِ الْمِلْكِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّ لَهُ الْإِمْضَاءَ أَمَّا إذَا عَلِمَ فَلَا عَلَى هَذَا الْخِلَافِ احْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِقَوْلِهِ ﵇ «لَا بَيْعَ وَلَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» ؛ وَلِأَنَّ وُجُودَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالْعَصَافِيرِ جُزَافًا إذَا ذُبِحَتْ؛ لِأَنَّ الْحَيَّةَ يَدْخُلُ بَعْضُهَا تَحْتَ بَعْضٍ وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ يُقْصَدُ كَثْرَتُهُ وَقِلَّتُهُ وَالْمُحَصِّلُ لَهُمَا الْحَزْرُ وَمَا يُقْصَدُ آحَادُ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا كَالثِّيَابِ فَإِنَّ الْغَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِثَوْبٍ دُونَ ثَوْبٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِقَمْحَةٍ دُونَ قَمْحَةٍ، بَلْ الْمَطْلُوبُ الْجِنْسُ وَالْمِقْدَارُ دُونَ الْآحَادِ بِخُصُوصِيَّاتِهَا اهـ. وَإِنْ اقْتَصَرَ الْأَصْلُ عَلَى كَلَامِهِ نَعَمْ يَخْتَصُّ جَوَازُ بَيْعِ الْمَعْدُودِ، وَكَذَا صِحَّتُهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ عبق وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِشَرْطَيْنِ ذَكَرَهُمَا خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ وَلَمْ تَقْصِدْ إفْرَادَهُ إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ اهـ. قَالَ عبق مَنْطُوقُ قَوْلِهِ وَلَمْ يُعَدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ أَنْ يُعَدَّ بِمَشَقَّةٍ اهـ. قَالَ الْبُنَانِيُّ جَرَى عَلَى قَوْلِهِمْ: قَاعِدَةُ النَّفِيَّيْنِ إنْ تَكَرَّرَا ... حَذَفَهُمَا مَنْطُوقُ قَوْلٍ قَدْ جَرَى وَحَذْفُ وَاحِدٍ فَقَطْ مَفْهُومٌ ... فَافْهَمْ فَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَعْلُومُ لَكِنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَيْسَتْ عَلَى إطْلَاقِهَا، بَلْ هِيَ مَقْصُورَةٌ عَلَى سَلْبِ السَّلْبِ نَحْوِ لَيْسَ زَيْدٌ لَيْسَ هُوَ بِعَالِمٍ، وَلَيْسَتْ عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ إلَّا مِنْ قَبِيلِ السَّالِبَةِ الْمَعْدُولَةِ وَهِيَ الَّتِي جُعِلَ فِيهَا السَّلْبُ جُزْأَهُ مِنْ مَدْخُولِهَا، وَقَدْ صَرَّحُوا أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي وُجُودًا لِمَوْضُوعٍ فَمَنْطُوقُهَا أَعَمُّ مِمَّا ذَكَرَهُ لِصِدْقِهِ بِهِ وَيَكُونُ الْمَبِيعُ مِمَّا لَا يُعَدُّ أَصْلًا وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ. ثُمَّ قَالَ قَالَ الْقَبَّابُ فِي شَرْحِ بُيُوعِ ابْنِ جَمَاعَةَ مَا نَصُّهُ قَيَّدُوا الْجَوَازَ فِي الْمَعْدُودِ بِمَا تَلْحَقُ الْمَشَقَّةُ فِي عَدِّهِ لِكَثْرَتِهِ وَتَسَاوِي أَفْرَادِهِ كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ أَوْ يَكُونُ الْمَقْصُودُ مَبْلَغَهُ لَا آحَادَهُ كَالْبِطِّيخِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْجُزَافُ فِيهِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ آحَادُهُ وَالنُّصُوصُ بِذَلِكَ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ اهـ. وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ قَوْلِ سَحْنُونٍ مَا نَصُّهُ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَا يُبَاعُ الْجَوْزُ جُزَافًا إذَا بَاعَهُ، وَقَدْ عَرَفَ عَدَدَهُ وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُبَاعَ الْقِثَّاءُ جُزَافًا؛ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ وَيَكُونُ الْعَدْلُ الَّذِي هُوَ أَقَلُّ عَدَدٍ أَكْبَرَ مِنْ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ عَدَدًا اهـ. ابْنُ رُشْدٍ مَعْرِفَةُ عَدَدِ الْقِثَّاءِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ جُزَافًا إذْ لَا يُعْرَفُ قَدْرُ وَزْنِهِ بِمَعْرِفَةِ عَدَدِهِ لِاخْتِلَافِهِ فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ بِخِلَافِ الْجَوْزِ الَّذِي يَقْرُبُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وَهَذَا أَهْوَنُ. قَالَ: وَعَلَى ظَاهِرِ ابْنِ بَشِيرٍ يَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهُ فَلَهُ جُمْلَةُ ثَمَنِهِ لَا قِلَّةُ ثَمَنِ تَفَاوُتِ الْأَفْرَادِ فِيمَا بَيْنَهَا وَنَصُّهُ الْمَعْدُودَاتُ إنْ قَلَّتْ جَازَ بَيْعُهَا جُزَافًا اهـ. وَهُوَ أَيْضًا ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِعَدَدِهِ يَمْتَنِعُ بَيْعُهُ جُزَافًا إلَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُ هَذَا النَّوْعِ فَقَدْ وَقَعَ فِي الْمَذْهَبِ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ جُزَافًا اهـ. قُلْت، بَلْ مَآلُ قَوْلِ اللَّخْمِيِّ غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ إلَخْ يَرْجِعُ لِمَا ذُكِرَ مِنْ جَوَابِ بَيْعِ الْمَعْدُودِ جُزَافًا بِزِيَادَةِ الشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا يُبَاعُ جُزَافًا مِنْ الْمَعْدُودِ إمَّا أَنْ يُعَدَّ بِمَشَقَّةٍ أَمْ لَا وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يُقْصَدَ أَفْرَادُهُ أَمْ لَا وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ يَقِلَّ ثَمَنُهَا أَمْ لَا فَمَتَى عُدَّ بِلَا مَشَقَّةٍ لَمْ يَجُزْ جُزَافًا قُصِدَتْ أَفْرَادُهُ أَمْ لَا قَلَّ ثَمَنُهَا أَمْ لَا وَمَتَى عُدَّ بِمَشَقَّةٍ فَإِنْ لَمْ نَقْصِدْ أَفْرَادَهُ جَازَ بَيْعُهُ جُزَافًا قَلَّ ثَمَنُهَا أَمْ لَا وَإِنْ قُصِدَتْ جَازَ جُزَافًا إنْ قَلَّ ثَمَنُهَا وَمُنِعَ إنْ لَمْ يَقِلَّ فَالْمَنْعُ فِي خَمْسَةٍ وَالْجَوَازُ فِي ثَلَاثَةٍ كَمَا فِي عبق وَشُرُوطُ الْجَوَازِ وَالصِّحَّةِ مَعًا فِي الْمَبِيعِ جُزَافًا مُطْلَقًا مَعْدُودًا كَانَ أَوْ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا سَبْعَةٌ وَافَقَ خَلِيلٌ فِي مُخْتَصَرِهِ الْأَصْلُ فِي ثَلَاثَةٍ وَوَافَقَهُ عبق فِي الرَّابِعِ وَزَادَ الْأَصْلُ عَلَيْهِمَا الْخَامِسَ وَزَادَ خَلِيلٌ عَلَى الْأَصْلِ السَّادِسَ وَالسَّابِعَ (الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) الرُّؤْيَةُ لِمَبِيعِ الْجُزْءِ فِي حِينِ الْعَقْدِ كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنَ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ. وَاعْتَمَدَهُ الْحَطَّابُ وَحُمِلَ عَلَيْهِ قَوْلُ خَلِيلٍ إنْ رَأَى فَقَالَ مُرَادُهُمْ الْمَرْئِيُّ الْحَاضِرُ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ضَيْح وَيَلْزَمُ مِنْ حُضُورِهِ رُؤْيَتُهُ أَوْ رُؤْيَةُ بَعْضِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاضِرَ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِالصِّفَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ إلَّا لِعُسْرِ الرُّؤْيَةِ كَقِلَالِ الْخَلِّ الْمَخْتُومَةِ إذَا كَانَ فِي فَتْحِهَا مَشَقَّةٌ وَفَسَادٌ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا دُونَ فَتْحٍ اهـ. وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ مُعِينًا لِلْحِسِّ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى بَاطِنِهِ لَا مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ فَلَا تَكْفِي الرُّؤْيَةُ السَّابِقَةُ عَلَى الْعَقْدِ خِلَافًا لِمَا لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْوَاضِحَةِ نَعَمْ اخْتَلَفَ كَلَامُ الْأَصْحَابِ فِي بَيْعِ الزَّرْعِ الْقَائِمِ وَالثِّمَارِ فِي رُءُوسِ الْأَشْجَارِ لَا عَلَى الْكَيْلِ بِنَاءً عَلَى قَبُولِ غَيْرِ وَاحِدٍ قَوْلَ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ حَوَائِطُ الثَّمَرِ الْغَائِبَةِ يُبَاعُ ثَمَرُهَا كَيْلًا أَوْ جُزَافًا وَهِيَ عَلَى خَمْسَةِ

стр. 701

السَّبَبِ بِكَمَالِهِ بِدُونِ آثَارِهِ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ وَقِيَاسًا عَلَى الطَّلَاقِ وَالْفَرْقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ لِلْمُبَاشِرِ فَيَفْتَقِرُ نَقْلُ الْمِلْكِ إلَى عَقْدٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ عِنْدَهُ يَقَعُ الْعَقْدُ لَهُ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ بِخِلَافِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ مُخْرِجٌ لِلسِّلْعَةِ لَا جَالِبٌ لَهَا وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ أَوْ نَحْمِلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ الْإِجَازَةِ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ مُطْلَقٌ فِي الْأَحْوَالِ سَلَّمْنَا عُمُومَهُ فِي الْأَحْوَالِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَنَّهُ ﵇ «دَفَعَ لِعُرْوَةِ الْبَارِقِيِّ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَى بِهِ أُضْحِيَّتَيْنِ، ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَ بِدِينَارٍ وَأُضْحِيَّةٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَك فِي صَفْقَةِ يَمِينِك فَكَانَ إذَا اشْتَرَى التُّرَابَ رَبِحَ فِيهِ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّهُ تَعَاوُنٌ عَلَى الْبِرِّ، فَيَكُونُ مَشْرُوعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِبَيْعِ الْخِيَارِ، وَعَنْ الثَّالِثِ الْفَرْقُ بِأَنَّ الطَّلَاقَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا بِشَرْطٍ اهـ. الْمُقْتَضِي جَوَازُ بَيْعِهَا غَائِبَةً جُزَافًا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَيَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي الزَّرْعِ الْغَائِبِ هَلْ هُوَ مِنْ بَيْعِ الْجُزَافِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي شَرَطَ لَهُ أَئِمَّتُنَا الشُّرُوطَ الْمَعْرُوفَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْمُخْتَصَرِ وَشُرُوحِهِ أَوْ هُوَ أَصْلٌ مُسْتَقِلٌّ خَارِجٌ عَنْ الْجُزَافِ الْحَقِيقِيِّ وَإِنَّمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِالْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّة وَالْمَجَازِ الْعُرْفِيِّ وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَهُوَ كَبَيْعِ الْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَبِهَذَا الثَّانِي جَزَمَ الرَّهُونِيُّ لِوَجْهَيْنِ (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّهُ يَتَّضِحُ بِهِ مَا. رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْمَدِينَةِ وَسَلَّمَهُ وَيَظْهَرُ وَجْهُهُ وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَصْلًا بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَيْهِ أَوَّلًا اعْتِرَاضُ ابْنِ رُشْدٍ عَلَى الْإِمَامِ بِأَنَّ تَفْرِقَتَهُ بَيْنَ حَوَائِطِ الثَّمَرِ الْغَائِبَةِ يَجُوزُ بَيْعُ ثَمَرِهَا جُزَافًا. وَكَذَا الزَّرْعُ الْغَائِبُ وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا إلَّا بِشَرْطِ الرُّؤْيَةِ حِينَ الْعَقْدِ تَفْرِقَةً لَا حَظَّ لَهَا مِنْ النَّظَرِ وَثَانِيًا اعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِهِمْ الرُّؤْيَةَ لِلْجُزَافِ حِينَ الْعَقْدِ مَعَ قَبُولِهِمْ قَوْلَ الْإِمَامِ يَجُوزُ بَيْعُ الزَّرْعِ الْقَائِمِ وَالثَّمَرِ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ وَذَلِكَ غَائِبٌ تَنَافِيًا قَالَ الرَّهُونِيُّ وَجَوَابُ الْحَطَّابِ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِ الْمَدِينَةِ أَنَّهُ يُغْتَفَرُ عَدَمُ حُضُورِ الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ حَالَةَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا جُزَافًا لِظُهُورِ التَّغَيُّرِ فِيهِمَا إنْ حَصَلَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إلَخْ فِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ سَلَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الرُّؤْيَةِ حِينَ الْعَقْدِ عِنْدَ مَنْ اشْتَرَطَهَا حُصُولُ الْمَعْرِفَةِ بِالْمَبِيعِ وَانْتِفَاءُ الْجَهَالَةِ عَنْهُ حِينَ حُصُولِ الْعَقْدِ وَانْبِرَامِهِ، وَهَذَا يَسْتَوِي فِيهِ الصُّبْرَةُ وَالزَّرْعُ الْقَائِمُ وَالثَّمَرَةُ فِي رُءُوسِ الْأَشْجَارِ وَكَوْنُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ إذَا أُخِذَ مِنْهُمَا شَيْءٌ بَعْدَ الْعَقْدِ يُدْرَكُ بِخِلَافِ الصُّبْرَةِ شَيْءٌ آخَرُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إدْرَاكِ النَّقْصِ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ إنْ وَقَعَ فِيهِمَا مَعْرِفَةُ قَدْرِهِمَا وَقْتَ الْعَقْدِ وَغَايَةُ مَا يُدْرَكُ إذْ ذَاكَ إنَّ هَذَا الْمَبِيعَ الْآنَ نَقَصَ عَنْ حَالِهِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ عَلَى الْعَقْدِ وَهَلْ الْأَخْذُ مِنْهُمَا وَقَعَ قَبْلَ الْعَقْدِ أَوْ بَعْدَهُ وَهَلْ نَقَصَ مِنْهُمَا قَدْرُ وَسْقٍ مَثَلًا أَوْ مَا أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ لَا دَلِيلَ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أَنَّهُ يُدْرِكُ بِذَلِكَ قَدْ كَانَا رَمَّا عَلَيْهِ حَالَ الْعَقْدِ مَعْرِفَةً حَادِثَةً مُتَأَخِّرَةً عَنْ الْعَقْدِ وَهِيَ لَا تُفِيدُ قَطْعًا وَلَا يَرْتَفِعُ بِهَا الْفَسَادُ لِلْجَهَالَةِ الْوَاقِعَةِ حِينَ الْعَقْدِ، وَهَذَا أَمْرٌ بَدِيهِيٌّ عِنْدَ مَنْ لَهُ فِي الْإِنْصَافِ أَدْنَى نَصِيبٍ اهـ قَالَ كنون وَفِي نَظَرِهِ نَظَرٌ تَأَمَّلْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الرَّهُونِيُّ وَجَوَابُ مَنْ كَتَبَ عَلَى طُرَّةِ ابْنِ عَرَفَةَ عَنْ اعْتِرَاضِهِ بِمَا نَصُّهُ لَا مُنَافَاةَ؛ لِأَنَّهَا تُبَاعُ عَلَى رُؤْيَةٍ تَقَدَّمَتْ إذْ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجُزَافِ عَلَى صِفَتِهِ قَالَهُ عِيَاضٌ آخِرَ الْجُعْلِ مِنْ تَنْبِيهَاتِهِ اهـ. وَجَوَابُ شَيْخِنَا حَيْثُ قَالَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ كَلَامَ الْمُدَوَّنَةِ مَا نَصُّهُ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ رَآهَا قَبْلَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ فِي التَّحْصِيلِ وَالْبَيَانِ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ فَاعْتِرَاضُ ابْنِ عَرَفَةَ مَدْفُوعٌ اهـ. وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ يَرُدُّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ مَا لِأَبِي الْحَسَنِ وَنَصُّهُ اُنْظُرْ إنْ كَانَ حَبًّا فَيَجُوزُ عَلَى الْكَيْلِ إذَا كَانَ عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَوْ صِفَةٍ وَإِنْ كَانَ جُزَافًا لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى رُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ اُنْظُرْ تَمَامَهُ اهـ. كُلُّهَا تَرْجِعُ فِي الْمَعْنَى إلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَمَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ رُشْدٍ عَنْ الْوَاضِحَةِ مِنْ أَنَّ الرُّؤْيَةَ السَّابِقَةَ عَلَى الْعَقْدِ كَافِيَةٌ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ وَبَحْثُ ابْنُ عَرَفَةَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُخْتَارِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الرُّؤْيَةِ حِينَ الْعَقْدِ لِأَنَّ لِذَلِكَ تَأْثِيرًا وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ الْإِمَامِ فِي الْمَدِينَةِ وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَ الْحَطَّابُ وَسَلَّمَهُ الْبُنَانِيُّ وَشَيْخُنَا ج وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْبَحْثَ الْمَبْنِيَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّؤْيَةِ الْوَاقِعَةِ حِينَ الْعَقْدِ لَا يَنْدَفِعُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الرُّؤْيَةُ مُطْلَقًا فَالْمُنَافَاةُ حَاصِلَةٌ قَطْعًا لَا تَنْدَفِعُ بِهَا فَكَيْفَ يُحْمَلُ بِمَنْ سَلَّمَ مَا لِلْحَطَّابِ تَبَعًا لِابْنِ عَرَفَةَ أَنْ يُقْبَلَ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ اهـ. وَسَلَّمَهُ كنون (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ يَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهِمَا أَمَّا ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنَّ حَدَّهُ لِلْجُزَافِ لَا يَصْدُقُ عَلَى مَا ذُكِرَ لِقَوْلِهِ فِي حَدِّهِ بَيْعُ مَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِهِ إلَخْ إذْ لَا يُمْكِنُ عِلْمُ قَدْرِ مَا ذُكِرَ حِينَ الْبَيْعِ وَإِنْ أَمْكَنَ فِي ثَانِي حَالٍ وَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي نَقْلِ التَّوْضِيحِ فَأَمَّا الْمُدَوَّنَةُ فَفِيهَا إلَخْ، وَأَمَّا كَلَامُ غَيْرِهِمَا فَفِي ضَيْح إلَخْ وَسَاقَ النُّصُوصَ عَلَى التَّرْتِيبِ فَانْظُرْهُ (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِيَ وَالْبَائِعُ جَاهِلَيْنِ بِقَدْرِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵄؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ إذْ عُدُولُهُمَا عَنْ

стр. 702

وَالْعَتَاقَ لَا يَقْبَلَانِ الْخِيَارَ فَكَذَلِكَ لَا يَقْبَلَانِ الْإِيقَافَ وَالْبَيْعُ يَقْبَلُ الْخِيَارَ فَيَقْبَلُ الْإِيقَافَ (فَرْعٌ مُرَتَّبٌ) إذْ قُلْنَا إنَّ بَيْعَ الْفُضُولِ يَصِحُّ وَيَتَوَقَّفُ عَلَى الْإِجَازَةِ فَهَلْ يَجُوزُ الْإِقْدَامُ ابْتِدَاءً قَالَ الْقَاضِي فِي التَّنْبِيهَاتِ مَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ لِعَدِّهِ إيَّاهُ مَعَ مَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ. وَقَالَ ذَلِكَ كَبَيْعِ الْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا وَبَيْعِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَبَيْعِ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الطِّرَازِ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ مَالِكٌ يَحْرُمُ بَيْعُ السِّلَعِ أَيَّامَ الْخِيَارِ حَتَّى يَخْتَارَ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَضْمَنْ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ يَحْرُمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَقَرَّرَ مِلْكُهُ عَلَيْهَا قَالَ وَمَعْنَى نَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يَضْمَنْ بَيْعَ الْإِنْسَانِ لِمِلْكِ غَيْرِهِ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ مَالِكٍ وَالْأَبْهَرِيِّ بِالتَّحْرِيمِ وَيُجَابُ عَنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ بِأَنَّ حَالَةَ الصُّحْبَةِ أَوْجَبَتْ الْإِذْنَ بِلِسَانِ الْحَالِ الَّذِي يَقُومُ مَقَامَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْكَيْلِ أَيْ مَعَ عِلْمِهَا بِهِ يُشْعِرُ بِطَلَبِ الْمُغَابَنَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ مَنْ عَلِمَ كَيْلَ طَعَامٍ فَلَا يَبِعْهُ جُزَافًا حَتَّى يُبَيِّنَهُ قَالَ الرَّهُونِيُّ إنَّمَا اُحْتُرِزَ بِهَذَا الشَّرْطِ عَنْ عِلْمِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ بِقَرِينَتَيْنِ إحْدَاهُمَا مَعْنَوِيَّةٌ وَهِيَ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ كَغَيْرِهِ مِنْ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ فِي الصِّحَّةِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِرَازُ بِهِ عَنْ عِلْمِهَا مَعًا بِهِ حِينَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْبَيْعِ فِيهَا وَلَا وَجْهَ لَهُ حَتَّى عَلَى حَدِّ غَيْرِ ابْنِ عَرَفَةَ لِلْجُزَافِ وَثَانِيهِمَا لَفْظِيَّةٌ وَهِيَ قَوْلُ خَلِيلٍ فِي مُحْتَرَزِهِ فَإِنْ عُلِمَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ بِعِلْمِ الْآخَرِ بِقُدْرَةٍ خُيِّرَ وَإِنْ أَعْلَمَهُ أَوَّلًا فَسَدَ كَالْمُغْنِيَةِ اهـ. (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ يُعْتَادَ الْحَزْرُ فِي ذَلِكَ وَأَنْ يَحْذَرَا بِالْفِعْلِ فَإِنْ لَمْ يُعْتَدْ أَوْ اعْتَادَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِي اكْتِفَائِهِ بِالرُّؤْيَةِ فَإِنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَنْفِي الْغَرَرَ فِي الْمِقْدَارِ نَعَمْ قَالَ عبق إنْ اخْتَلَفَتْ عَادَتُهُمَا فِي حَزْرِ قَدْرِ كَيْلِهِ وَوَكَّلَا مَنْ يَحْزِرُهُ بِالْفِعْلِ جَازَ كَذَا يَظْهَرُ اهـ. وَسَلَّمَهُ مَحْشُوَّهُ (الشَّرْطُ الرَّابِعُ) عَدَمُ الْمُزَابَنَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَهِيَ بَيْعُ الْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ مِنْ جِنْسِهِ كَبَيْعِ صُبْرَةٍ جِيرٍ أَوْ جِبْسٍ بِمَكِيلَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ (الشَّرْطُ الْخَامِسُ) نَفْيُ مَا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ الرِّبَا فَلَا يُبَاعُ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ جُزَافًا وَلَا طَعَامٌ بِطَعَامٍ مِنْ جِنْسِهِ جُزَافًا (الشَّرْطُ السَّادِسُ) أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا لَا جِدًّا فَإِنْ كَثُرَ جِدًّا بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ حَزْرُهُ أَوْ قَلَّ جِدًّا بِحَيْثُ يَسْهُلُ عَدَدُهُ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ جُزَافًا، وَأَمَّا مَا قَلَّ جِدًّا بِحَيْثُ يَسْهُلُ كَيْلُهُ أَوْ وَزْنُهُ فَيَجُوزُ جُزَافًا؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ لَا تُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ جُزَافًا كَمَا تَقَدَّمَ (الشَّرْطُ السَّابِعُ) أَنْ تَسْتَوِيَ أَرْضُهُ فَإِذَا عَلِمَا أَوَّلًا عَدَمَ الِاسْتِوَاءِ فَسَدَ، وَإِذَا دَخَلَا عَلَى الِاسْتِوَاءِ فَظَهَرَ عَدَمُهُ فَالْخِيَارُ كَمَا فِي الْحَطَّابِ وَالْمَوَّاقِ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وكنون وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا عِبَارَةٌ عَمَّا فَقَدَ وَاحِدًا مِنْ الشُّرُوطِ السَّبْعَةِ مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَمِنْ الشُّرُوطِ التِّسْعَةِ مِنْ الْمَعْدُودِ فَتَحَقُّقُ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَعَدَمُ تَحَقُّقِهَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (مَسْأَلَةٌ) فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ قَالَ الْبُنَانِيّ أَحْوَالُ الزَّرْعِ خَمْسَةٌ قَائِمٌ وَغَيْرُ قَائِمٍ وَغَيْرُ الْقَائِمِ إمَّا قَتٌّ وَإِمَّا مَنْفُوشٌ وَإِمَّا فِي تِبْنٍ وَإِمَّا مُخَلَّصٌ وَالْمَبِيعُ إمَّا الْحَبُّ وَحْدَهُ وَإِمَّا السُّنْبُلُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْحَبِّ فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ لِحَبٍّ وَحْدَهُ جَازَ جُزَافًا فِي الْمُخَلَّصِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لِلْحِسِّ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى بَاطِنِهِ فَيُمْكِنُ حَزْرُهُ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ السُّنْبُلَ بِمَا فِيهِ مِنْ الْحَبِّ جَازَ بَيْعُهُ جُزَافًا فِي الْقَتِّ وَالْقَائِمِ دُونَ الْمَنْفُوشِ وَمَا فِي تِبْنِهِ الْبَاجِيَّ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرِد الْحِنْطَةَ فِي سُنْبُلِهَا بِالشِّرَاءِ دُونَ السُّنْبُلِ، وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِالْبَيْعِ دُونَ قِشْرِهِ عَلَى الْجُزَافِ مَا دَامَ فِيهِ. وَأَمَّا شِرَاءُ السُّنْبُلِ إذَا يَبِسَ وَلَمْ يَنْقَعْهُ الْمَاءَ فَجَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الْجَوْزُ وَاللَّوْزُ وَالْبَاقِلَّا اهـ. نَقَلَهُ الْمَوَّاقُ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي التَّدَاخُلِ وَصَحَّ بَيْعُ ثَمَرٍ وَنَحْوِهِ بَعْدَ إصْلَاحِهِ أَهُوَ فِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ وَالْمَنْفُوشُ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ هُوَ الْمَخْلُوطُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى سُنْبُلُهُ لِنَاحِيَةٍ كَمَا هُوَ مُحَقَّقٌ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ قَالَ، وَمَنْ خَدَمَ الزَّرْعَ وَمَارَسَ خِدْمَتَهُ عُلِمَ أَنَّ مَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ حَقٌّ لَا مَرِيَّةَ فِيهِ وَذَلِكَ أَنَّ الزَّرْعَ إذَا خُلِطَ فِي الْأَنْدَرِ وَهُوَ الْقَاعَةُ فِي لُغَتِنَا لَا يُمْكِنُ حَزْرُهُ وَالْقَتُّ فِي لُغَتِنَا إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْقَلِيلِ فَإِذَا جُمِعَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فِي مَحَلِّهِ سُمِّيَ مَطًّا فَإِذَا جُعِلَ فِي الْقَاعَةِ سُمِّيَ نَادِرًا وَالْحَزْرُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقَتِّ كَمَا لَا يَخْفَى فَافْهَمْهُ اهـ مِنْهُ مُلَخَّصًا بِلَفْظِهِ وَهُوَ حَقٌّ لَا شَكَّ فِيهِ فَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ الصَّوَابَ جَوَازُ بَيْعِ الْقَمْحِ فِي أَنْدَرِهِ قَبْلَ دَرْسِهِ لِأَنَّهُ يُحْزَرُ وَيُرَى سُنْبُلُهُ وَيُعْرَفُ قَدْرُهُ قَالَ وَهُوَ نَقْلُ الْجَلَّابُ عَنْ الْمَذْهَبِ اهـ. إنَّمَا هُوَ فِيمَا يُرَى سُنْبُلُهُ وَهُوَ مَا كَانَ فُرْشَةً وَاحِدَةً أَوْ حُزَمًا أَوْ قَبْضًا بِدَلِيلِ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُحْزَرُ إلَخْ وَهُوَ الَّذِي يُفِيدُهُ أَيْضًا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ عِيَاضٍ وَنَصُّهُ وَالْحَبُّ إذَا اخْتَلَطَ فِي أَنْدَرِهِ وَكَدَسِّ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ قَالَ عِيَاضٌ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَإِنْ كَانَ حُزَمًا أَوْ قَبْضًا يَأْخُذُهَا الْحَزْرُ فَقَوْلَانِ وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُبَاعُ الْقَمْحُ فِي أَنْدَرِهِ بَعْدَ مَا يُحْصَدُ فِي تِبْنِهِ وَهُوَ غَرَرٌ ابْنِ رُشْدٍ يُرِيدُ فِي تِبْنِهِ بَعْدَ دَرْسِهِ، وَأَمَّا قَبْلَ دَرْسِهِ فَجَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ يُحْزَرُ وَيُرَى سُنْبُلُهُ وَيُعْرَفُ قَدْرُهُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ. وَقَالَهُ التُّونُسِيُّ وَحَمْلُ غَيْرِ السَّمَاعِ عَلَيْهِ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ نَقْلُ الْجَلَّابُ عَنْ

стр. 703

التَّوْكِيلِ بِلِسَانِ الْمَقَالِ الْمُوجِبِ لِنَفْيِ الْإِثْمِ وَالْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا. (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا) فَقَاعِدَةُ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا مَا اجْتَمَعَ فِيهِ شَرَائِطُ سِتَّةٌ أَنْ يَكُونَ مُعَيِّنًا لِلْحِسِّ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِظَاهِرِهِ عَلَى بَاطِنِهِ. (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ جَاهِلَيْنِ بِالْكَيْلِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵄؛ لِأَنَّهُ غِشٌّ؛ لِأَنَّ عُدُولَهُمَا عَنْ الْكَيْلِ يُشْعِرُ بِطَلَبِ الْمُغَابَنَةِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «مَنْ عَلِمَ كَيْلَ طَعَامٍ فَلَا يَبِعْهُ جُزَافًا حَتَّى يُبَيِّنَهُ» (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَا اعْتَادَا الْحَزْرَ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَعْتَادَا أَوْ اعْتَادَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَجُزْ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ فِي اكْتِفَائِهِ بِالرُّؤْيَةِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَنْفِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْمَذْهَبِ اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَأَمَّا قَبْلَ دَرْسِهِ فَجَائِزٌ إلَخْ، وَقَوْلُهُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ، وَقَالَهُ التُّونُسِيُّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا الْقَوْلَانِ فِي كَلَامِ عِيَاضٍ فِيمَا كَانَ حُزَمًا أَوْ قَبْضًا يَأْخُذُهَا الْحَزْرُ وَلِنِسْبَةِ مُقَابِلِ الْجَوَازِ لِلتُّونُسِيِّ وَهُوَ يَقُولُ بِالْمَنْعِ فِيمَا كَانَ حُزَمًا أَوْ قَبْضًا كَمَا فِي ضَيْح عِنْدَ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَبِخِلَافِ الزَّرْعِ قَائِمًا، وَكَذَا مَحْصُودًا عَلَى الْأَشْهَرِ وَنَصُّهُ وَالْأَشْهَرُ فِي الْمَحْصُودِ الْجَوَازُ قِيَاسًا عَلَى الْقَائِمِ، وَقِيلَ بِالْمَنْعِ قِيَاسًا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ حَالَ الدَّرْسِ وَهُوَ قَوْلُ التُّونُسِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْجَوَازَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُزَمًا أَمْ لَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ بِمَا إذَا كَانَ حُزَمًا فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إذَا خُلِطَ فِي الْأَنْدَرِ اهـ. وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَهُوَ نَقْلُ الْجَلَّابُ عَنْ الْمَذْهَبِ وَمُرَادُهُ بِالْأَوَّلِ الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ حُزَمًا وَنَحْوَهَا مِمَّا يَأْخُذُهُ الْحَزْرُ بِدَلِيلِ عَزْوِهِ لِلْجَلَّابِ وَنَصَّ الْجَلَّابُ وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الزَّرْعِ إذَا يَبِسَ وَاشْتَدَّ وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ بَعْدَ جِزَازِهِ إذَا كَانَ حُزَمًا اهـ. مِنْهُ بِلَفْظِهِ اهـ. كَلَامُ الرَّهُونِيِّ مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ) وَهُوَ أَنَّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّفَةِ قَالَ إلَّا الْأَصْلُ عِبَارَةً عَمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةُ (شُرُوطٍ الْأَوَّلُ) أَنْ لَا يَكُونَ قَرِيبًا جِدًّا تُمْكِنُ الرُّؤْيَةُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ كَأَنْ يَكُونَ بِبَلَدِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْيَقِينِ إلَى تَوَقُّعِ الْغَرَرِ (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ لَا يَكُونَ بَعِيدًا جِدًّا لِتَوَقُّعِ تَغَيُّرِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَصِفَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الْأَغْرَاضُ بِهَا وَهِيَ شُرُوطُ التَّسْلِيمِ لِيَكُونَ مَقْصُودُ الْمَالِيَّةِ حَاصِلًا اهـ. وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ لَكِنْ الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ أَوْ وَصَفَهُ غَيْرُ بَائِعِهِ إنْ لَمْ يَعُدْ كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ وَلَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ اهـ. أَنَّ شُرُوطَ الْجَوَازِ الْمُعْتَمَدَةَ اثْنَانِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فِي كَلَامِ الْأَصْلِ وَإِنَّ اشْتِرَاطَ أَنْ يَكُونَ الْوَاصِفُ لَهُ غَيْرَ بَائِعِهِ ضَعِيفٌ فَقَدْ قَالَ عبق وَالرَّهُونِيُّ فِي حَلِّهِ قَوْلُهُ أَوْ وَصْفُهُ غَيْرَ بَائِعه هُوَ مَصْدَرٌ مَجْرُورٌ بِالْعَطْفِ عَلَى الْمَصْدَرِ قَبْلَهُ فَهُوَ مَدْخُولٌ لِلنَّفْيِ أَيْ وَجَازَ بَيْعُ غَائِبٍ، وَلَوْ بِلَا وَصْفِهِ غَيْرِ بَائِعِهِ بِأَنْ وَصَفَهُ بَائِعُهُ وَمَا ذَهَبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ قَالَ فِي ضَيْح هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَأَخَذَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ ابْنُ الْعَطَّارِ وَبِهِ الْعَمَلُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ وَالْعُتْبِيَّةِ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَا يُوثَقُ بِصِفَتِهِ إذْ قَدْ يُقْصَدُ الزِّيَادَةُ فِي الصِّفَةِ لِتُنْفَقَ سِلْعَتُهُ اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ اهـ. فَالْمُصَنِّفُ رَدَّ بِلَوْ عَلَى مَنْ قَالَ بِالْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَتَجَاوَزُ فِي وَصْفِهِ لِنِفَاقِ سِلْعَتِهِ اهـ. وَتَعَقَّبَهُ عبق وَالرَّهُونِيُّ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ تُمْكِنْ رُؤْيَتُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ فَقَالَ الرَّهُونِيُّ تَبِعَ الْمُصَنِّفُ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ مَعَ قَبُولِهِ فِي ضَيْح قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فَالْأَشْهَرُ الْجَوَازُ أَيْ جَوَازُ بَيْعِ غَيْرِ حَاضِرٍ مَجْلِسَ الْعَقْدِ بِالصِّفَةِ، وَلَوْ بِالْبَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي إحْضَارِهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ اهـ. وَمَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ ذَلِكَ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي التَّوْضِيحِ الْمَوَاضِعِ الْخَمْسَةِ وَكُلُّهَا تُقَيِّدُ مَا قَالُوهُ إلَّا الْأَوَّلُ مِنْهَا فِي كَلَامِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَفِي آخِرِ السَّلَمِ الثَّالِثِ وَإِنْ بِعْت مِنْ رَجُلٍ رِطْلَ حَدِيدٍ بِعَيْنِهِ فِي بَيْتِك، ثُمَّ افْتَرَقْتُمَا قَبْلَ قَبْضِهِ وَزِنَتِهِ جَازَ ذَلِكَ اهـ فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ وَقَعَ عَلَى رِطْلٍ مُعَيَّنٍ سَبَقَتْ رُؤْيَتُهُ فَتَأَمَّلْهُ اهـ. كَلَامُ الرَّهُونِيِّ بِتَوْضِيحٍ. وَأَمَّا حَاضِرُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَتِهِ إلَّا مَا فِي فَتْحِهِ ضَرَرًا وَفَسَادًا كَمَا مَرَّ اهـ. عبق، وَأَمَّا شَرْطُ أَنْ يَصِفَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الْأَغْرَاضُ بِهَا فَلَمْ يَعُدُّوهُ مِنْ شُرُوطِ الْجَوَازِ كَمَا فَعَلَ الْأَصْلُ، بَلْ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ يُشْتَرَطُ فِي لُزُومِ بَيْعِ الْغَائِبِ وَصْفُهُ بِمَا تَخْتَلِفُ الْأَغْرَاضُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُعْتَبَرُ فِي السَّلَمِ الْمَقِيسِ هَذَا عَلَيْهِ اهـ. كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ عَنْ الرَّمَاصِيِّ. وَقَدْ قَالَ حَفِيدِ بْنِ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ التَّقْدِيرَ فِي السَّلَمِ يَكُونُ بِالْوَزْنِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْوَزْنُ وَبِالْكَيْلِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْكَيْلُ وَبِالذَّرْعِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الذَّرْعُ وَبِالْعَدَدِ فِيمَا يُمْكِنُ فِيهِ الْعَدَدُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فِيهِ أَحَدُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ انْضَبَطَ بِالصِّفَاتِ الْمَقْصُودَةِ مِنْ الْجِنْسِ مِنْ ذِكْرِ الْجِنْسِ إنْ كَانَ

стр. 704

الْغَرَرَ فِي الْمِقْدَارِ (الشَّرْطُ الرَّابِعُ) قَالَ اللَّخْمِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ وَلَا يَجُوزُ فِي الْمَعْدُودِ غَيْرَ أَنَّ مَالِكًا أَجَازَ بَيْعَ صِغَارِ الْحِيتَانِ وَالْعَصَافِيرِ جُزَافًا إذَا ذُبِحَتْ؛ لِأَنَّ الْحَيَّةَ يَدْخُلُ بَعْضُهَا تَحْتَ بَعْضٍ وَالْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ يُقْصَدُ كَثْرَتُهُ وَقِلَّتُهُ وَالْمُحَصِّلُ لَهُمَا الْحَزْرُ وَمَا يُقْصَدُ آحَادُ جِنْسِهِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ جُزَافًا كَالثِّيَابِ فَإِنَّ الْغَرَضَ يَتَعَلَّقُ بِثَوْبٍ دُونَ ثَوْبٍ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْغَرَضُ بِقَمْحَةٍ دُونَ قَمْحَةٍ، بَلْ الْمَطْلُوبُ الْجِنْسُ وَالْمِقْدَارُ دُونَ الْآحَادِ بِخُصُوصِيَّاتِهَا (الشَّرْطُ الْخَامِسُ) نَفْيُ مَا يُتَوَقَّعُ مَعَهُ الرِّبَا فَلَا يُبَاعُ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ جُزَافًا وَلَا طَعَامٌ بِطَعَامٍ مِنْ جِنْسِهِ جُزَافًا (الشَّرْطُ السَّادِسُ) عَدَمُ الْمُزَابَنَةِ كَبَيْعِ صُبْرَةِ جِيرٍ أَوْ جِبْسٍ بِمَكِيلَةٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ لِلْمَعْلُومِ بِالْمَجْهُولِ مِنْ جِنْسِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، وَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ جَازَ الْبَيْعُ جُزَافًا وَمَتَى فُقِدَ وَاحِدٌ مِنْهَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ جُزَافًا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً أَوْ مَعَ تَرْكِهِ إنْ كَانَ وَاحِدًا اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ شَرْطًا فِي اللُّزُومِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الْجَوَازِ فَافْهَمْ، وَقَدْ قَالَ الْأَصْلُ فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْجِنْسَ أَيْ مَعَ صِفَاتِ الْمَقْصُودَةِ فِيمَا كَانَ أَنْوَاعًا مُخْتَلَّةً بِأَنْ يَقُولَ ثَوْبٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَنَعَ إجْمَاعًا وَاخْتُلِفَ فِيمَا إذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْجِنْسِ فَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا عَيَّنَهُ بِمَكَانِهِ فَقَطْ فَيَقُولُ بِعْتُك ثَوْبًا فِي مَخْزَنِي بِالْبَصْرَةِ أَوْ بِعْتُك مَا فِي كُمِّي وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ فَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ، وَمَنْعُ بَيْعِ ثَوْبٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَجَازَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالْوَسَطِ وَالرَّابِعُ إذَا انْضَافَ إلَيْهَا غَرَرٌ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَكَذَلِكَ أَجَازَ خِيَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَقَطْ وَمَنَعَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْجِنْسِ فَقَطْ لِبُعْدِ الْعَقْدِ عَنْ اللُّزُومِ بِسَبَبِ تَوَقُّعِ مُخَالَفَةِ الْغَرَضِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ وَوَافَقَ مَالِكٌ وَابْنُ حَنْبَلٍ أَبَا حَنِيفَةَ عَلَى الْجَوَازِ إذَا أَضَافَ لِلْجِنْسِ صِفَاتِ السَّلَمِ إلَّا أَنَّهُمَا أَلْزَمَا الْبَيْعَ إذَا رَآهُ مُوَافِقًا وَأَثْبَتَ أَبُو حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارَ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ وَافَقَ الصِّفَةَ وَمُنِعَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ عَلَى الصِّفَةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِهِ بِالصِّفَةِ وَهِيَ سَبَبُ نَفَاسَتِهِ وَخَسَاسَتِهِ وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ صِحَّةَ بَيْعِ الْغَائِبِ بِالصِّفَةِ مُطْلَقًا وَبِالْجُمْلَةِ فَالصِّفَةُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ تُوجِبُ الصِّحَّةَ دُونَ اللُّزُومِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا تُوجِبُهَا مُطْلَقًا، وَعِنْدَنَا تُوجِبُهُمَا مُطْلَقًا اهـ، وَقَالَ حَفِيدِ بْنِ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَبِيعٍ غَائِبٍ أَوْ مُتَعَذِّرِ الرُّؤْيَةِ فَقَالَ قَوْمٌ بَيْعُ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ لَا وُصِفَ وَلَا لَمْ يُوصَفْ، وَهَذَا أَشْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يُجَوِّزُ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ مِمَّا يُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِ صِفَتِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ، ثُمَّ لَهُ إذَا رَآهَا الْخِيَارُ فَإِنْ شَاءَ أَنْفَذَ الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ، وَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَهُمْ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ إذَا جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ فَهُوَ لَازِمٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَصْلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ عَلَى الصِّفَةِ وَعَلَى غَيْرِ الصِّفَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَنْكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَقَالَ هُوَ مُخَالِفٌ لِأُصُولِنَا اهـ. لَكِنْ قَالَ عبق أَوْ أَبَاعَهُ عَلَى خِيَارِهِ بِالرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ وَصْفٍ وَلَا تَقَدُّمُ رُؤْيَةٍ فَلَا يَجُوزُ، وَلَوْ بَعُدَ جِدًّا اُنْظُرْ الْحَطَّابَ اهـ. وَفِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ قَالَ الْحَطَّابُ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وضيح مَا نَصُّهُ وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِمَا إنَّ ذَلِكَ مَعَ الصِّفَةِ. وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْوَصْفِ إذَا بِيعَ بِالْخِيَارِ فَلَا وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ اهـ. وَتَبِعَهُ أَبُو عَلِيٍّ قَائِلًا مَا نَصُّهُ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْمُقَدِّمَاتِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ اهـ. وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ هُوَ قَوْلُهُ، وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي مُقَدِّمَاتِهِ وَبَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ جَائِزٌ مَا لَمْ يَتَفَاحَشْ بَعْدَهُ اهـ. وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا اهـ. كَلَامُ أَبِي عَلِيٍّ بِلَفْظِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ كَلَامُ الْمُقَدِّمَاتِ هَذَا دَلِيلًا عَلَى مَا زَعَمَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ أَيْ عَدَمُ الْبُعْدِ جِدًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ شَرْطًا فِي بَيْعِ الْخِيَارِ الْحَقِيقِيِّ مَعَ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى جَوَازِهِ فَكَيْفَ بِهَذَا الْخِيَارِ الَّذِي مَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَفِيهِ فِي الْمَذْهَبِ مَا قَدْ عَلِمْت مِنْ ظُهُورِ وَجْهِ مَنْعِهِ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ بِالْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ عَنْ مَحَالِّهَا وَعَبَثٌ وَأَفْعَالُ الْعُقَلَاءِ تُصَانُ عَنْهُ وَقِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى بَيْعِ الْحَاضِرِ بِخِيَارٍ لَهُمَا لَا يَصِحُّ وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الْبُنَانِيُّ أَشَارَ إلَى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ بَيْعِ الْخِيَارِ بِمَنْزِلَةِ جَعْلِهِ لَهُمَا لِوُضُوحِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الْخِيَارِ الْمَجْعُولِ لَهُمَا مَعًا لَيْسَ فِيهَا غَرَرٌ وَالتَّأْخِيرُ فِيهَا لِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ بِاخْتِيَارِهِمَا فَعَلَاهُ لِمَصْلَحَةِ التَّرَوِّي وَهُمَا حِينَ الْعَقْدِ قَادِرَانِ عَلَى بَتِّهِ وَإِمْضَائِهِ وَمَا مِنْ لَحْظَةٍ تَمْضِي بَعْدَ الْعَقْدِ إلَّا وَهُمَا قَادِرَانِ فِيهَا عَلَى إبْرَامِهِ وَإِمْضَائِهِ فَالتَّأْخِيرُ حَقٌّ لَهُمَا لَا حَقٌّ لِلَّهِ فِيهِ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا فَهُمَا مَمْنُوعَانِ لِحَقِّ اللَّهِ مِنْ إمْضَائِهِ حَالَ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ إلَّا إذَا حَصَلَتْ الرُّؤْيَةُ فَافْتَرَقَا فَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. فَظَهَرَ أَنَّ مَا وَقَعَ فِي الْمُدَوَّنَةِ هُوَ الْمَذْهَبُ بِشَرْطِ عَدَمِ الْبُعْدِ جِدًّا وَلَا عِبْرَةَ بِإِنْكَارِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ وَصَفَهُ بِصِفَاتِهِ الْمَقْصُودَةِ شَرْطٌ فِي اللُّزُومِ لَا فِي الْجَوَازِ فَتَنَبَّهْ قَالَ الْأَصْلُ وَحُجَّةُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) إنَّ الْجَهْلَ إنَّمَا وَقَعَ فِي الصِّفَاتِ

стр. 705

(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ) فَقَاعِدَةُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَى الصِّفَةِ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَنْ لَا يَكُونَ قَرِيبًا جِدًّا تُمْكِنُ رُؤْيَتُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَإِنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْيَقِينِ إلَى تَوَقُّعِ الْغَرَرِ وَأَنْ لَا يَكُونَ بَعِيدًا جِدًّا لِتَوَقُّعِ تَغَيُّرِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ أَوْ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَصِفَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الْأَغْرَاضُ بِهَا وَهِيَ شُرُوطُ التَّسْلِيمِ لِيَكُونَ مَقْصُودُ الْمَالِيَّةِ حَاصِلًا فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْجِنْسَ بِأَنْ يَقُولَ ثَوْبٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَنَعَ إجْمَاعًا وَإِنْ ذَكَرَ الْجِنْسَ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا عَيَّنَهُ بِمَكَانِهِ فَقَطْ، فَيَقُولُ بِعْتُك ثَوْبًا فِي مَخْزَنِي بِالْبَصْرَةِ أَوْ بِعْتُك مَا فِي كُمِّي وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، وَمَنَعَ بَيْعَ ثَوْبٍ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَجَازَهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى الْجَيِّدِ وَالرَّدِيءِ وَالْوَسَطِ، وَالرَّابِعُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] دُونَ الذَّوَاتِ وَنَهْيُهُ ﵇ عَنْ بَيْعِ الْمَجْهُولِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا جُهِلَتْ ذَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْجَهْلَ بِالذَّاتِ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَبَعٌ لِلذَّاتِ (وَجَوَابُهُ) إنَّ تَفَاوُتَ الْمَالِيَّةِ إنَّمَا هُوَ بِتَفَاوُتِ الصِّفَاتِ دُونَ الذَّوَاتِ وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ حِفْظُ الْمَالِ عَنْ الضَّيَاعِ (الْأَمْرُ الثَّانِي) قَوْلُهُ ﵇ «مَنْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ» (وَجَوَابُهُ) الدَّارَقُطْنِيُّ هُوَ مَوْضُوعٌ (الْأَمْرُ الثَّالِثُ) إنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الصِّفَةُ كَالنِّكَاحِ وَبَاطِنِ الصُّبْرَةِ وَالْفَوَاكِهِ فِي قِشْرِهَا (وَجَوَابُهُ) إنَّا نَقْلِبُهُ عَلَيْهِمْ فَنَقُولُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ كَالنِّكَاحِ وَكُلُّ مَنْ قَالَ بِانْتِفَاءِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ قَالَ بِاشْتِرَاطِ الصِّفَةِ فَنَشْتَرِطُ، ثُمَّ الْفَرْقُ سُتْرَةُ الْمُخَدَّرَاتِ عَنْ الْكَشْفِ لِكُلِّ خَاطِبٍ لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِنَّ السُّفَهَاءُ وَبَاطِنُ الصُّبْرَةِ مُسَاوٍ لِظَاهِرِهَا وَالْعِلْمُ بِأَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ عِلْمٌ بِالْآخَرِ، وَلَيْسَتْ صِفَاتُ الْمَبِيعِ مُسَاوِيَةً لِجِنْسِهِ (الْأَمْرُ الرَّابِعُ) الْقِيَاسُ عَلَى الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ لَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ أَوْصَافِهِ (وَجَوَابُهُ) أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ دَفْعٌ لِلضَّرَرِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَحُجَّةُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَمْرَانِ (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) الْقِيَاسُ عَلَى السَّلَمِ فِي الْمُعَيَّنِ وَإِنْ وُصِفَ (وَجَوَابُهُ) الْفَرْقُ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ فِي الذِّمَّةِ وَالْمُعَيَّنُ لَا يَكُونُ فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ رَآهُ وَأَسْلَمَ فِيهِ لَمْ يَصِحَّ (الْأَمْرُ الثَّانِي) نَهْيُهُ ﵇ بَيْعَ الْمَجْهُولِ (وَجَوَابُهُ) بِوَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الصِّفَةَ تَنْفِي الْجَهَالَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهُمْ لِأَجْلِ الْإِحَاطَةِ بِصِفَتِهِ فِي كُتُبِهِمْ (الْوَجْهُ الثَّانِي) الْقِيَاسُ عَلَى السَّلَمِ اهـ. أَيْ فِي أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي السَّلَمِ فِيهِ أَنْ يَصِفَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ الْأَغْرَاضُ بِهَا كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمُ، وَقَالَ حَفِيدُ ابْنِ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَيْ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ هَلْ نُقْصَانُ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالصِّفَةِ عَنْ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحِسِّ هُوَ جَهْلٌ مُؤَثِّرٌ فِي بَيْعِ الشَّيْءِ، فَيَكُونُ مِنْ الْغَرَرِ الْكَثِيرِ أَمْ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ وَأَنَّهُ مِنْ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ رَآهُ مِنْ الْغَرَرِ الْكَثِيرِ وَمَالِكٌ رَآهُ مِنْ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ. وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ أَنَّهُ لَا غَرَرَ هُنَاكَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ رُؤْيَةٌ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَأَى أَنَّ الْجَهْلَ الْمُقْتَرِنَ بِعَدَمِ الصِّفَةِ مُؤَثِّرٌ فِي انْعِقَادِ الْمَبِيعِ وَلَا خِلَافَ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الصِّفَةَ إنَّمَا تَنُوبُ عَنْ الْمُعَايَنَةِ لِمَكَانِ غَيْبَةِ الْمَبِيعِ أَوْ لِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي فِي نَشْرِهِ وَمَا يُخَافُ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنْ الْفَسَادِ بِتَكْرَارِ النَّشْرِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا أَجَازَ الْبَيْعَ عَلَى الْبَرْنَامَجِ عَلَى الصِّفَةِ وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي جِرَابِهِ وَلَا الثَّوْبُ الْمَطْوِيُّ فِي طَيِّهِ حَتَّى يُنْشَرَ أَوْ يُنْظَرَ إلَى مَا فِي جِرَابِهَا وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَدِدْنَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَبَايَعَا حَتَّى نَعْلَمَ أَيَّهُمَا أَعْظَمَ جِدًّا فِي التِّجَارَةِ فَاشْتَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَرَسًا بِأَرْضٍ لَهُ أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا أَوْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ وَفِيهِ بَيْعُ الْغَائِبِ مُطْلَقًا وَلَا بُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ اشْتِرَاطِ الْجِنْسِ وَيَدْخُلُ الْبَيْعُ عَلَى الصِّفَةِ أَوْ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ غَائِبٌ غَرَرٌ آخَرُ وَهُوَ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ مَعْدُومٌ وَلِذَلِكَ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا كَالْعَقَارِ وَمِنْ هَاهُنَا أَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ الشَّيْءِ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ أَعْنِي إذَا كَانَ مِنْ الْقُرْبِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ فِيهِ صِفَتُهُ فَأَعْلَمَهُ اهـ. وَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ عَلَى الصِّفَةِ عِبَارَةٌ عَمَّا فَقَدَ وَاحِدًا مِنْ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ عَلَى مَا لِلْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ وَعَمَّا فَقَدَ شَرْطًا أَنْ لَا يَكُونَ بَعِيدًا جِدًّا كَخُرَاسَانَ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ بِأَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ فِيهِ صِفَتُهُ عَلَى مَا حَقَّقْته وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ الَّذِي قَدَّمْته فَتَحَقَّقَ الثَّلَاثَةُ الشُّرُوطُ الَّتِي فِي كَلَامِ الْأَصْلِ أَوْ هَذَا الشَّرْطُ فَقَطْ وَعَدَمُ تَحَقُّقِ ذَلِكَ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَصْلُ حَيْثُ اشْتَرَطْنَا الصِّفَاتِ فِي الْغَائِبِ وَالسَّلَمِ كَانَ الْمُعْتَبَرُ أَنْ يُنَزَّلَ كُلُّ وَصْفٍ عَلَى أَدْنَى رُتْبَةٍ يَصْدُقُ مُسَمَّاهُ لُغَةً عَلَيْهَا لِعَدَمِ انْضِبَاطِ مَرَاتِبِ الْأَوْصَافِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ لِلْخِصَامِ وَالْقِتَالِ وَالْجَهَالَةِ بِالْمَبِيعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
следующие страницы →