Полный текст (1 059 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
هُوَ جُزْءُ السَّبَبِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ كَالْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ هَذَا الْقِسْمِ إلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ مِنْهُمَا عَنْ الْعَقْدِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّشَاجُرِ وَالْخُصُومَاتِ بِإِنْشَاءِ عَقْدٍ آخَرَ مَعَ شَخْصٍ آخَرَ وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ الْجَوَابُ فِي التَّمْلِيكِ اخْتَلَفَ فِيهِ هَلْ هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ التَّأَخُّرُ أَوْ مِنْ الثَّانِي فَيَقْدَحُ رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى إمْهَالَ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَالْمُصَرَّاةِ وَالشُّفْعَةِ لِمَا فِي الْفَرْقِ مِنْ الصُّعُوبَةِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لِلْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ كَالْمُبَايَعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهَا وَإِنْ افْتَرَقَا لِاحْتِيَاجِهَا لِلْمُشَاوَرَةِ، وَهَذَا إذَا بَاشَرَهَا أَوْ وَكِيلُهُ فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا أَوْ عَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي تَمَادِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَطُلْ طُولًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى بِالْإِسْقَاطِ نَحْوَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ سُؤَالٌ يَتَّصِلُ بِهِ جَوَابُهُ وَجَوَابُهُ لِلرِّسَالَةِ مَعَ مُرْسِلِهِ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ التَّمْلِيكِ فِي الزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ)
أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ إذَا غِبْت عَنْك فَأَمْرُك بِيَدِك فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ مَتَى غِبْت عَنِّي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ بِخِلَافِ الْأَمَةِ يَحْلِفُ سَيِّدُهَا بِحُرِّيَّتِهَا فَتَقُولُ إنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْحَدِيثَ فَقَالَ فِيهِ وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ وُجُوهٌ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ مَالِكًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إمَامٌ إذَا انْفَرَدَ وَقَوْلُهُ غُلِّبَ قَوْلُهُ عَلَى قَوْلِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ فَكَيْفَ إذَا اتَّفَقَا عَلَى خِلَافِهِ (الثَّانِي) أَنَّ صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ رَوَاهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ فَقَالَ فِيهِ: وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ وَهُوَ أَثْبَتُ مِنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ وَقَوْلُهُ أَيْضًا أَوْلَى مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَلَعَلَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْفَضْلِ لِعِلْمِهِ بِالْمُرَادِ بِهِ كَانَ مَرَّةً يَقُولُ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» وَمَرَّةً يَقُولُ «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ شُعْبَةُ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ «وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ» (الثَّالِث) أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ «وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» بِمِثْلِ رِوَايَةِ مَالِكٍ
(الرَّابِعُ) أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا صِحَّةَ رِوَايَةِ زِيَادٍ لَحَمَلْنَا عَلَى الْبِكْرِ الْمُعْنِسِ وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ. اهـ مُلَخَّصًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَسْأَلَتَانِ مِنْهَا فِقْهِيَّتَانِ الْأُولَى مِنْهُمَا هِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ دُونَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةُ نَحْوِيَّةٌ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أَيْ يَعْفُوَ النِّسَاءُ عَنْ النِّصْفِ الَّذِي وَجَبَ لَهُنَّ مِنْ الصَّدَاقِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ فَيَسْقُطُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنِ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَقَالَ مَالِكٌ هُوَ الْأَبُ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالسَّيِّدُ فِي أَمَتِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ هُوَ الزَّوْجُ وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لُبَابُهَا أَرْبَعَةٌ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ الصَّدَاقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ذِكْرًا مُجْمَلًا مِنْ الزَّوْجَيْنِ فَحُمِلَ عَلَى الْمُعْسِرِ فِي غَيْرِهَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] فَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِلزَّوْجِ فِي قَبُولِ الصَّدَاقِ إذَا طَابَتْ نَفْسُ الْمَرْأَةِ بِتَرْكِهِ وَقَالَ أَيْضًا ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠] إلَى آخِرِهَا فَنَهَى اللَّهُ الزَّوْجَ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا آتَى الْمَرْأَةَ إنْ أَرَادَ طَلَاقَهَا
(الثَّانِي) أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ صَرِيحًا
(الثَّالِثُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِي هِبَةِ مَالِ آخَرَ فَضْلٌ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِيهَا يَهَبُهُ الْمُفَضَّلُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ وَالْأَصْلُ يَقْتَضِي عَدَمَ تَسَلُّطِ الْوَلِيِّ عَلَى مَالِ مُوَلِّيَتِهِ
(الرَّابِعُ) أَنَّ عَفَا كَمَا يُقَالُ بِمَعْنَى أَسْقَطَ كَذَلِكَ يُقَالُ بِمَعْنَى بَذَلَ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي مَعْنَيَيْهِ أَبْلُغُ وَأَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي إحْدَاهُمَا لِأَنَّ فِيهِ حِينَئِذٍ شَبَهَ اسْتِخْدَامٍ وَلِأَنَّ حِكْمَةَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَسْقَطَتْ مَا وَجَبَ مِنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ إبْقَاءً لِلْمُرُوءَةِ وَاتِّقَاءً فِي الدِّيَانَةِ قَائِلَةً لَمْ يَنَلْ مِنِّي شَيْئًا وَلَا أَدْرَكَ مَا بَذَلَ فِيهِ هَذَا الْمَالَ كَانَ مِنْ الْمُنَاسِبِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ أَنَا أَتْرُكُ الْمَالَ لَهَا لِأَنِّي قَدْ نِلْت الْحِلَّ وَابْتَذَلْتهَا بِالطَّلَاقِ فَتَرْكُهُ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَخْلَصُ مِنْ اللَّائِمَةِ
(وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّ جَعْلَ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ اسْتَشْهَدُوا بِهِمَا تَفْسِيرًا لِمُجْمَلِ هَذِهِ الْآيَةِ ضَعِيفٌ يُسْقِطُ حُكْمَ الْوَلِيِّ بِخِلَافِ جَعْلِ الْآيَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ لِبَيَانِ حُكْمِ الْأَزْوَاجِ وَهَذِهِ الْآيَةَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْوَلِيِّ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُمَيِّزَ الْوَلِيَّ فِيهَا عَنْ الزَّوْجِ بِمَعْنَى يَخُصُّهُ فَكَنَّى عَنْهُ كِنَايَةً مُسْتَحْسَنَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْفَصَاحَةِ وَأَتَمُّ فِي الْمَعْنَى وَأَجْمَعُ لِلْفَوَائِدِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي مَجِيءَ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا مُبَيِّنَةً وَالْفَوَائِدُ الثَّلَاثَةُ مُعْتَبَرَةٌ
(وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّهُ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ لَكِنْ
стр. 632
فَعَلْت فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ وَسَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ مَالِكًا عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ وَدَارُ قُدَامَةَ يُلْعَبُ فِيهَا بِالْحَمَامِ بِالْمَدِينَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّوْجَ أَذِنَ لِلْحُرَّةِ فِي الْقَضَاءِ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَالْحَلِفُ بِحُرِّيَّةِ الْأَمَةِ لَمْ يَأْذَنْ وَإِنَّمَا قَصَدَ حَثَّ نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ زَجْرَهَا عَنْهُ وَإِنَّمَا يَسْتَوِيَانِ إذَا قَالَتْ الْحُرَّةُ إنْ مَلَكْتنِي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي (وَيُرَدُّ عَلَيْهِ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ لِلْأَمَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَهُوَ الْعِتْقُ كَمَا أَذِنَ لِلزَّوْجِ
(وَجَوَابُهُ) إذْنُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى التَّقَادِيرِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ صِحَّةُ التَّصَرُّفِ قَبْلَ وُجُودِ التَّقَادِيرِ بِدَلِيلِ إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالْإِذْنِ مِنْ الْوَارِثِ فِي التَّصَرُّفِ قَبْلَ مَرَضِ الْمَوْتِ وَصَرْفِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحِنْثِ فِي الْيَمِينِ فَإِنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ حِينَئِذٍ كُلُّهَا بَاطِلَةٌ وَإِنْ كَانَ الشَّارِعُ رَتَّبَهَا وَأَذِنَ فِيهَا عَلَى تِلْكَ التَّقَادِيرِ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَقَعَ قَبْلَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَعْدَهُمَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَيْنَهُمَا فِي النُّفُوذِ قَوْلَانِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَبْسُوطَةً فَالْحُرَّةُ وُجِدَ فِي حَقِّهَا سَبَبٌ وَهُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ مَعَ إذْنِ الشَّرْعِ الْمُقَدَّرِ وَالْأَمَةُ انْفَرَدَ فِي حَقِّهَا الْإِذْنُ الْمُقَدَّرُ فَقَطْ؛ وَلِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَيْضًا أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ إنَّمَا تَسْقُطُ بِإِذْنِ الْعِبَادِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَيْضًا هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَنُظِرَتْ الْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ إذَا هَلَكَتْ بِإِذْنِ رَبِّهَا لَا يَضْمَنُ وَبِإِذْنِ صَاحِبِ الشَّرْعِ يَضْمَنُ وَمَسَائِلَ مَعَهَا قَالَ اللَّخْمِيُّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْآيَةِ بَلْ إخْبَارٌ عَنْ حَالِ الزَّوْجِ قَبْلَ الطَّلَاقِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ
(وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ قَاعِدَةَ الْوِلَايَةِ تَقْتَضِي تَصَرُّفَ الْوَلِيِّ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ وَقَدْ يَكُونُ الْعَفْوُ أَحْسَنَ لِلْمَرْأَةِ لِاطِّلَاعِ الْوَلِيِّ عَلَى التَّرْغِيبِ فِيهَا لِهَذَا الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى تَحْصِيلٍ إضْعَافِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ فَمَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ تَفْوِيتٌ لِمَصْلَحَةِ الْمَرْأَةِ لَا رِفْقٌ بِهَا وَالْإِفْضَالُ الَّذِي لَا يَكُونُ بِمَالِ أَحَدٍ إنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى بَذْلِ مَا تَمْلِكُهُ يَدُهُ أَمَّا الْإِفْضَالُ بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ مَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ فَهَذَا نَافِذٌ لِأَنَّهُ نَظِيرُ تَفَضُّلِهِ عَلَى الزَّوْجِ بِأَنْ يُزَوِّجَهُ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى نُفُوذِهِ
(وَعَنْ الرَّابِعِ) بِأَنَّ مَجِيءَ الْعَفْوِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ مِنْ الْجِهَتَيْنِ أَبْلَغُ فِي الْفَصَاحَةِ وَأَوْفَى فِي الْمَعْنَى مِنْ مَجِيئِهِ بِمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ أَحَدِ الْعَافِيَيْنِ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْمُسْتَفَادُ إذَا كَانَ الْعَفْوُ بِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَأَمَّا نَدْبُ الزَّوْجِ إلَى إعْطَاءِ الصَّدَاقِ كُلِّهِ فِي الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرُوا فَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ مَا خُلَاصَتُهُ أَنَّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] احْتِمَالَيْنِ عَلَى السَّوَاءِ
(أَحَدُهُمَا) أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الزَّوْجِ فَيَكُونَ يَعْفُو بِمَعْنَى يَهَبُ
(وَثَانِيهِمَا) أَنْ يَعُودَ عَلَى الْوَلِيِّ وَيَكُونَ يَعْفُو بِمَعْنَى يُسْقِطُ لَكِنْ مَنْ جَعَلَهُ الزَّوْجَ فَلَمْ يُوجِبْ حُكْمًا زَائِدًا فِي الْآيَةِ أَيْ شَرْعًا زَائِدًا لِأَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ مَعْلُومٌ مِنْ ضَرُورَةِ الشَّرْعِ وَمَنْ جَعَلَهُ الْوَلِيَّ فَقَدْ زَادَ شَرْعًا فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِدَلِيلٍ يُبَيِّنُ بِهِ أَنَّ الْآيَةَ أَظْهَرُ فِي الْوَلِيِّ مِنْهَا فِي الزَّوْجِ وَذَلِكَ شَيْءٌ يَعْسُرُ قُلْت قَالَ الْأَصْلُ الْآيَةُ تَدُلُّ لِمَا قُلْنَا مِنْ تِسْعَةِ أَوْجُهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَالْمُتَقَدِّمُ قَبْلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ إثْبَاتُ النِّصْفِ فَعَلَى رَأْيِنَا تَعْفُو الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا فَيَسْقُطُ فَتَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَعْفُو الزَّوْجُ فَيَثْبُتُ مَعَ هَذِهِ النِّصْفُ الَّذِي تَشَطَّرَ بِالطَّلَاقِ فَلَا تَطَّرِدُ الْقَاعِدَةُ بِوُقُوعِ الْإِثْبَاتِ بَعْدَ الْإِثْبَاتِ
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَطْفِ أَوْ التَّشْرِيكِ فِي الْمَعْنَى فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عَلَى رَأْيِنَا الْإِسْقَاطُ فَيَحْصُلُ التَّشْرِيكُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ الْإِثْبَاتُ فَلَا يَحْصُلُ التَّشْرِيكُ فَيَكُونُ قَوْلُنَا أَرْجَحَ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا تَنْوِيعٌ لِذَلِكَ الْكَائِنِ إلَى نَوْعَيْنِ وَالتَّنْوِيعُ فَرْعُ الِاشْتِرَاكِ فِي الْمَعْنَى وَلَا مُشْتَرَكَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَالْإِسْقَاطِ وَالْإِعْطَاءِ حَتَّى يَحْسُنَ تَنْوِيعُهُ وَعَلَى رَأْيِنَا الْمُتَنَوِّعُ إلَى إسْقَاطِ الْمَرْأَةِ وَإِسْقَاطِ الْوَلِيِّ هُوَ مُطْلَقُ الْإِسْقَاطِ فَكَانَ قَوْلُنَا أَرْجَحَ
(وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْعَفْوَ ظَاهِرٌ فِي الْإِسْقَاطِ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَعَلَى رَأْيِهِمْ يَكُونُ مَعَ صَدَقَةٍ عَلَى الْتِزَامِ مَا وَجَبَ بِالطَّلَاقِ أَيْضًا صَادِقًا عَلَى الْتِزَامِ مَا سَقَطَ بِالطَّلَاقِ، وَالْتِزَامُ مَا لَمْ يَجِبْ لَا يُسَمَّى عَفْوًا
(وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ إقَامَةَ الظَّاهِرِ مَقَامَ الْمُضْمَرِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الزَّوْجَ لَقِيلَ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ عَمَّا اسْتَحَقَّ لَكُمْ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧] كَانَ مَعَ الْأَزْوَاجِ فَلَمَّا عَدَلَ الظَّاهِرُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الزَّوْجِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ إلَّا أَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ كَمَا عَلِمْت
(وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِنَا بِيَدِهِ كَذَا أَيْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ وَالزَّوْجُ لَا يَتَصَرَّفُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ بَلْ كَانَ يَتَصَرَّفُ فِي الْوَطْءِ بِالْحِلِّ وَالْوَلِيُّ الْآنَ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي الْعَقْدِ فَيَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ دُونَ الزَّوْجِ
(وَالْوَجْهُ السَّابِعُ) سَلَّمْنَا أَنَّ الزَّوْجَ
стр. 633
وَسَوَّى أَصْبَغُ الْإِمَاءَ بِالزَّوْجَاتِ وَسَوَّى أَشْهَبُ الزَّوْجَاتِ بِالْإِمَاءِ لِعَدَمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْإِخْبَارُ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ)
اعْلَمْ أَنَّ مَوْضُوعَ التَّمْلِيكِ عِنْدَ مَالِكٍ أَصْلُ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِالْبَيْنُونَةِ وَلَا بِالْعَدَدِ فَلَهَا أَنْ تَقْضِيَ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءَتْ وَمَوْضُوعُ التَّخْيِيرِ عِنْدَنَا الثَّلَاثُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَمَقْصُودَهُ الْبَيْنُونَةُ فَلِذَلِكَ تُقْبَلُ نِيَّةُ الزَّوْجِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ بِالْوَاحِدَةِ حِينَئِذٍ دُونَ مَا بَعْدَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْبَيْنُونَةِ لَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ كَالثَّلَاثِ إذَا نُطِقَ بِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهَاتِ فِي التَّخْيِيرِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ الْمَشْهُورُ هُوَ الثَّلَاثُ نَوَتْهَا الْمَرْأَةُ أَمْ لَا فَإِنْ قَضَتْ بِدُونِهَا فَهَلْ يَسْقُطُ خِيَارُهَا خِلَافٌ وَالثَّلَاثُ.
وَإِنْ نَوَتْ دُونَهَا قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَلِلزَّوْجِ الْمُنَاكَرَةُ فِي الثَّلَاثِ وَطَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْجَهْمِ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ وَثَلَاثٌ إنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ رَدَّتْ الْخِيَارَ عَلَيْهِ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَطَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَأَسْقَطَ أَبُو حَنِيفَةَ حُكْمَهُ مُطْلَقًا وَاتَّفَقَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ عَلَى أَنَّهُ كِنَايَةٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ بَعْدَ الْمِائَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ)
قُلْت أَكْثَرُ مَا قَالَهُ فِيهِ حِكَايَةُ خِلَافٍ وَتَوْجِيهٍ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّمَا بَنَى عَلَى عُرْفِ زَمَانِهِ هُوَ الظَّاهِرُ وَمَا قَالَهُ مِنْ لُزُومِ تَغَيُّرِ الْفَتْوَى عِنْدَ تَغَيُّرِ الْعُرْفِ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ وَمَضَى فَهُوَ مَجَازٌ وَالْوَلِيُّ بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْآنَ فَهُوَ حَقِيقَةٌ وَالْحَقِيقَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَجَازِ
(وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ) أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الرَّشِيدَاتُ إجْمَاعًا إذْ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِنَّ لَا يُنْفِذُ الشَّرْعُ تَصَرُّفَهُنَّ فَاَلَّذِي يُحْسِنُ مُقَابِلَتَهُنَّ بِالْمَحْجُورَاتِ عَلَى أَيْدِي الْأَوْلِيَاءِ إلَّا بِالْأَزْوَاجِ إذْ لَا مُنَاسَبَةَ فِيهِمْ لِلرَّشِيدَاتِ
(وَالْوَجْهُ التَّاسِعُ) أَنَّ وُجُوبَ الصَّدَاقِ أَوْ بَعْضِهِ قَبْلَ الْمَسِيسِ خِلَافُ الْأَصْلِ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ تَسْلِيمِ الْعِوَضِ يَقْتَضِي بَقَاءَ الْعِوَضِ قَابِلًا لِلتَّسْلِيمِ أَمَّا مَعَ تَعَذُّرِهِ فَلَا بِشَهَادَةِ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّهُ إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ أَوْ الْمُتْعَةِ لَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْعِوَضِ فِي ذَلِكَ فَإِسْقَاطُ الْأَوْلِيَاءِ النِّصْفَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ وَتَكْمِيلُ الزَّوْجِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْأَبِ قَبْلَ الطَّلَاقِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَّا بِوَجْهِ نَظَرٍ مِنْ عُسْرِ الزَّوْجِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَا يُلْحَقُ الْوَصِيُّ بِالْأَبِ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَنْهُ وَفِي الْجَلَّابِ لَا يَجُوزُ لِلْأَبِ الْعَفْوُ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَلَا يُعَدُّ الدُّخُولُ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْفَرْقُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَهُ بَعْدَ الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ خِلَافُ الْأَصْلِ فَسُلِّطَ الْأَبُ عَلَيْهِ إذَا رَآهُ نَظَرًا بِخِلَافِ الدُّخُولِ لِتَعْيِينِ الِاسْتِحْقَاقِ فَغَلَبَ حَقُّ الزَّوْجِيَّةِ فَالْحُكْمُ هُنَا كَمَا خُصَّ عُمُومٌ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِالصَّغِيرَةِ وَالْمَحْجُورَةِ كَذَلِكَ خُصَّ عِنْدَنَا بِالْأَبِ فِي ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالسَّيِّدِ فِي أَمَتِهِ لِكَمَالِ نَظَرِهِمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ وَالْجُمْهُورُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الصَّغِيرَةَ وَالْمَحْجُورَةَ لَيْسَ لَهَا أَنْ تَهَبَ مِنْ صَدَاقِهَا النِّصْفَ الْوَاجِبَ لَهَا وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا يَجُوزُ أَنْ تَهَبَ مَعَهُ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] . اهـ
فَافْهَمْ هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي الْأَصْلِ وَأَحْكَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مَعَ زِيَادَةٍ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ هَذِهِ الْآيَةُ حُجَّةٌ عَلَى صِحَّةِ هِبَةِ الْمُشَاعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ لِلْمَرْأَةِ بِالطَّلَاقِ نِصْفَ الصَّدَاقِ فَعَفْوُهَا لِلرَّجُلِ عَنْ جَمِيعِهِ كَعَفْوِ الرَّجُلِ وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مُشَاعٍ وَمَقْسُومٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ فَوَرَدَ عَلَيْهِ عُمُومُ الْآيَةِ وَأَرَادَ عُلَمَاءُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ الِانْفِصَالَ عَنْهَا بِقَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا بَيَّنَ تَكْمِيلًا ثَبَتَ بِنَفْسِ الْعَفْوِ دُونَ شَرْطِ قَبْضِ ذَلِكَ فِي عَفْوِ الْمَرْأَةِ فَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا يَكْمُلُ الْعَفْوُ فِيهِ إلَّا بِقَبْضٍ مُتَّصِلٍ بِهِ أَوْ قَبْضٍ قَائِمٍ يَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الْهِبَةِ وَلَئِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ عَلَى عَقْدِ شَرْطِ زِيَادَةِ الْقَبْضِ فَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ إلَّا تَمَامَهُ وَتَمَامُهُ بِالْقِسْمَةِ فَآلَ الِاخْتِلَافُ إلَى كَيْفِيَّةِ الْقَبْضِ لَكِنَّ هَذَا الِانْفِصَالَ إنَّمَا يَسْتَمِرُّ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ يَشْتَرِطُونَ فِي الْهِبَةِ الْقَبْضَ فَأَمَّا نَحْنُ فَلَا نَرَى ذَلِكَ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ هَذَا الِانْفِصَالُ مَعَنَا فَإِنَّ نَفْسَ الْعَفْوِ مِمَّنْ عَفَا يَخْلُصُ مِلْكًا لِمَنْ عُفِيَ لَهُ وَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ لَهُمْ هَذَا مَعَهُمْ إلَّا مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْآيَةَ بِمُطْلَقِهَا تُفِيدُ صِحَّةَ هِبَةِ الْمُشَاعِ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ مُشَاعًا، وَافْتِقَارُ الْهِبَةِ إلَى الْقَبْضِ نَظَرٌ آخَرُ يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ يَخُصُّ تِلْكَ النَّازِلَةَ فَمُشْتَرِطُ الْقِسْمَةِ مُفْتَقِرٌ إلَى دَلِيلٍ وَلَمْ يَجِدُوهُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى الْمَبْنِيِّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ وَنَحْنُ لَا نُسَلِّمُهُ وَلَيْسَ التَّمْيِيزُ مِنْ الْقَبْضِ أَصْلًا فِي وَرْدٍ وَلَا صَدْرٍ فَصَحَّ تَعَلُّقُنَا بِالْآيَةِ وَعُمُومِهَا وَسَلِمَتْ مِنْ تَشْغِيلِهِمْ اهـ بِتَصَرُّفٍ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) ضَعَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ قَوْله تَعَالَى فِي النِّسَاءِ ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بِالْوَاوِ بِقَوْلِهِ كَيْفَ يَجِيءُ ضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ بِالْوَاوِ وَلَيْسَ كَمَا خَطَرَ لَهُ إذْ الْوَاوُ هُنَا لَيْسَ ضَمِيرًا وَإِلَّا لَحَذَفَ النَّاصِبُ النُّونَ بَلْ الضَّمِيرُ النُّونُ، وَالْوَاوُ لَامُ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ مِنْ عَفَا يَعْفُو بِالْوَاوِ وَشَأْنُ ضَمِيرِ الْمُؤَنَّثِ الَّذِي هُوَ النُّونُ وَكَذَا كُلُّ ضَمِيرٍ بَارِزٍ أَنْ يَلْحَقَ آخِرَ الْفِعْلِ عَلَى حَالِهِ الْأَصْلِيِّ أَيُّ
стр. 634
إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّخْيِيرِ يَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرَهُ فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَيَحْتَمِلُ الْوَحْدَةَ وَالْكَثْرَةَ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَنْوِيَ، وَقَدْ اعْتَمَدَ الْأَصْحَابُ عَلَى مَدَارِكَ
(أَحَدُهَا) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] الْآيَةَ قَالُوا هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَيُونَةِ بِالثَّلَاثِ، وَقَدْ أَجَابَ اللَّخْمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ ﵇ كَانَ الْمُطَلِّقُ لَا النِّسَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨]
وَثَانِيهَا سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَزْوَاجَ كُنَّ اللَّائِي طُلِّقْنَ لَكِنَّ السَّرَاحَ لَا يُوجِبُ إلَّا وَاحِدَةً كَمَا لَوْ قَالَ سَرَّحْتُك
(وَثَالِثُهَا) سَلَّمْنَا أَنَّهُ الثَّلَاثُ لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ ﵇؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مُعَلَّلٌ بِالنَّدَمِ وَهُوَ ﵇ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنَّا
(وَرَابِعُهَا) أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالدَّارِ الْآخِرَةِ
(وَثَانِيهَا) أَنَّ إحْدَى نِسَائِهِ ﵇ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَكَانَتْ أَلْبَتَّةَ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْخِيَارِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُهُ مِثْلَ ذَلِكَ
(وَثَالِثُهَا) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عَادَةً إنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ فِي الْكَوْنِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُفَارَقَتِهَا هَذَا هُوَ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ خَيَّرْتُك وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ عَادَةً وَالصَّحِيحُ الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ قَوْلَ الْأَئِمَّةِ هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ لُغَةً لَا مِرْيَةَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّ مَالِكًا ﵀ أَفْتَى بِالثَّلَاثِ وَالْبَيُونَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بِنَاءً عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ أَوْجَبَتْ نَقْلَ اللَّفْظِ عَنْ مُسَمَّاهُ اللُّغَوِيِّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
حَرْفٍ كَانَ فَيُبْقِيهِ فِي نَحْوِ رَمَى يَرْمِي يَاءً تَقُولُ النِّسْوَةُ رَمَيْنَ وَأَنَا قَضَيْت وَفِي نَحْوِ دَعَا يَدْعُو وَاوًا تَقُولُ النِّسْوَةُ دَعَوْنَ وَأَنَا عَفَوْت وَفِي نَحْوِ قَرَأَ يَقْرَأُ هَمْزَةً تَقُولُ النِّسْوَةُ قَرَأْنَ وَأَنَا أَبْرَأْت وَهَكَذَا فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِلا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بِالْوَاوِ وَقَالَ الشَّاعِرُ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ
يَجِدْ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ ... قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ
قَدْ كُنَّ يُخْبِئْنَ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا ... وَالْآنَ حِينَ بَدَوْنَ لِلنُّظَّارِ
فَمِنْ هُنَا رُوِيَ أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ لَمَّا دَخَلَ عَلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ وَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ قَالَ لَهُ كَيْفَ تَقُولُ بَدَأْنَ بِالْهَمْزِ وَبَدَيْنَ بِالْيَاءِ مَرِيدًا غُرَّتَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ صَدْرَ الْبَيْتِ يُخْبِئْنَ الْوُجُوهَ بِالْهَمْزِ فَقِيَاسُهُ أَنْ يَقُولَ بَدَأْنَ مِثْلُ يُخْبِئْنَ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْوَاوَ تَكُونُ ضَمِيرَ الْفَاعِلِ عَلَى الْمُذَكِّرِ لَا ضَمِيرَ النِّسْوَةِ فَمَا حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى الْخَطَأِ بَلْ نَطَقَ بِالصَّوَابِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَقُولُ بَدَيْنَ وَلَا بَدَأْنَ بَلْ بَدَوْنَ فَقَالَ لَهُ أَصَبْت وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْأُدَبَاءِ الْمَشْهُورِينَ طُرِحْت عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فَأَخْطَأَ فِيهَا وَقَالَ بَدَأْنَ لِلنُّظَّارِ فَأَخْطَأَ وَفِي الْأَبْيَاتِ سُؤَالٌ آخَرُ عَنْ مُشْكِلٍ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ كَيْفَ يَقْصِدُ إخْمَالَ الشَّمَاتَةِ وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي تَقْوِيَتَهَا فَإِنَّ قَوْلَهُ:
مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِوَقْعَةِ مَالِكٍ أَوْ بِمَصْرَعِ مَالِكٍ ... فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارٍ
وَذَكَرَ مِنْ حَالِ النِّسْوَةِ مَا يَقْتَضِي زِيَادَةَ الشَّمَاتَةِ وَتَحْقِيقَ الْمُصِيبَةِ وَهَتْكَ الْعِيَالِ وَتَهَتُّكَ الْوُجُوهِ وَهَذَا يَزِيدُ الشَّامِتَ شَمَاتَةً وَجَوَابُهُ أَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ أَنَّهَا لَا تُقِيمُ مَأْتَمًا وَلَا تَفْعَلُ النِّسْوَةُ هَذَا الْفِعْلَ إلَّا بَعْدَ أَخْذِ ثَأْرِ مَنْ يُفْعَلُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ وَمَنْ لَا يُؤْخَذُ بِثَأْرِهِ لَا يَسْتَحِقُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَامَ لَهُ مَأْتَمٌ وَلَا يُبْكَى عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَالَ أَيُّهَا الشَّامِتُ اُنْظُرْ كَيْفَ حَالُ النِّسْوَةِ فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّا أَخَذْنَا بِثَأْرِهِ وَذَهَبَتْ شَمَاتَةُ الشَّامِتِ بِهِ عِنْدَهُمْ أَوْ خَفَّتْ فَهَذَا وَجْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ تَتَقَرَّرُ بِالْعُقُودِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَنْكِحَةِ لَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ مِنْهُمَا بِالْعُقُودِ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْأَثْمَانِ فِي الْبِيَاعَاتِ تَتَقَرَّرُ بِالْعُقُودِ بِلَا خِلَافٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الصَّدَقَاتِ فِي الْأَنْكِحَةِ لَا يَتَقَرَّرُ شَيْءٌ مِنْهَا بِالْعُقُودِ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ)
وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا التَّقَرُّرُ مُطْلَقًا وَالطَّلَاقُ مُشَطَّرٌ وَثَانِيهِمَا النِّصْفُ يَتَقَرَّرُ بِالْعَقْدِ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ غَيْرُ مُتَقَرِّرٍ حَتَّى يَسْقُطَ بِالطَّلَاقِ أَوْ يَثْبُتَ بِالدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ (فَالنَّظَرُ هُنَا) فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي الصَّدَاقِ وَالْأَمْرُ الثَّانِي سَبَبُ الْخِلَافِ وَالْأَمْرُ الثَّالِثُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ (أَمَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) فَهُوَ أَنَّ الْمَشْهُورَ لَاحِظْ أَنَّ الصَّدَاقَ شَرْطٌ فِي الْإِبَاحَةِ لَا عِوَضٌ عَنْ الْوَطْأَةِ الْأُولَى لِوَجْهَيْنِ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ النَّاسَ لَا يَقْصِدُونَ بِهِ الْمُعَاوَضَةَ بَلْ التَّحَمُّلَ بِشَهَادَةِ الْعَادَةِ أَنَّ الْعُقَلَاءَ لَا يَقْصِدُونَ الْوَطْأَةَ الْأُولَى بِالصَّدَاقِ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَيْضًا لَمْ يُرِدْ الْمُعَاوَضَةَ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِ شُرُوطَ الْأَعْوَاضِ مِنْ نَفْيِ الْجَهَالَةِ لِلْمَرْأَةِ بَلْ يَجُوزُ الْعَقْدُ عَلَى الْمَجْهُولَةِ مُطْلَقًا وَلَا نَعْرِضُ لِتَحْدِيدِ مُدَّةِ الِانْتِفَاعِ أَيْضًا وَذَلِكَ وَشَبَهُهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ صَاحِبِ الشَّرْعِ إلَى الْمُعَاوَضَةِ وَأَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَهُ شَرْطًا لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَقَاعِدَةُ الشَّرْطِ أَنْ يَتَعَيَّنَ
стр. 635
إلَى هَذَا الْمَفْهُومِ فَصَارَ صَرِيحًا فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُتَّجَهُ وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ قَدْ بَطَل وَتَغَيَّرَتْ الْفُتْيَا وَيَجِبُ الرُّجُوعُ إلَى اللُّغَةِ كَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ وَتَصِيرُ كِنَايَةً مَحْضَةً بِسَبَبِ أَنَّ الْعُرْفَ قَدْ تَغَيَّرَ حَتَّى لَمْ يَصِرْ أَحَدٌ يَسْتَعْمِلُ هَذَا اللَّفْظَ إلَّا فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَضْلًا عَنْ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ الَّتِي تُصَيِّرُهُ مَنْقُولًا وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اللَّفْظَ مَتَى كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ مُضَافًا لِنَقْلٍ عَادِيٍّ بَطَلَ ذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ بُطْلَانِ تِلْكَ الْعَادَةِ وَتَغَيَّرَ إلَى حُكْمٍ آخَرَ إنْ شَهِدَتْ لَهُ عَادَةٌ أُخْرَى فَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ الْمُتَّجَهُ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ضَمِّ الشَّهَادَتَيْنِ فِي الْأَقْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ ضَمِّهَا فِي الْأَفْعَالِ)
اعْلَمْ أَنَّ مَالِكًا ﵀ قَالَ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الدَّارَ وَأَنَّهُ دَخَلَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ حَلَفَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَإِنْ نَكَلَ سُجِنَ؛ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى مُتَعَلِّقٍ وَاحِدٍ.
وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِتْقِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَالَ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمَكَّةَ فِي رَمَضَانَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمِصْرَ فِي صَفَرٍ طَلُقَتْ، وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ قَالَ ابْنُ يُونُسَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ ضَمِّ الشَّهَادَةِ فِي الْأَقْوَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ ضَمِّهَا فِي الْأَفْعَالِ)
، قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا كَلَامَ فِيهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمَشْرُوطِ فَلِذَا قَالَ فِي الْمَشْهُورِ بِعَدَمِ التَّقَرُّرِ مُطْلَقًا إلَّا بِالدُّخُولِ أَوْ بِالْمَوْتِ لِأَنَّ الصَّدَاقَ إنَّمَا الْتَزَمَ إلَى أَقْصَرِ الزَّوْجَيْنِ عُمْرًا أَوْ بِالْفِرَاقِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ كَالثَّمَنِ
(وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي) فَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ يُعَارِضُهَا قَاعِدَتَانِ أُخْرَيَانِ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَعْوَاضِ وُجُوبُهَا بِالْعُقُودِ فَإِنَّهَا أَسْبَابُهَا وَالْأَصْلُ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ يَجِبُ الْجَمِيعُ بِالْعَقْدِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ
(وَالْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى سَبِيبَتِهِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فَرَتَّبَ النِّصْفَ عَلَى الطَّلَاقِ فَيَكُونُ سَبَبُهُ فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَالَ يَجِبُ النِّصْفُ بِالطَّلَاقِ خَاصَّةً وَيَبْقَى التَّكْمِيلُ مَوْقُوفًا عَلَى سَبَبٍ آخَرَ وَهُوَ الْمَوْتُ أَوْ الدُّخُولُ كَذَا فِي الْأَصْلِ
(وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّالِثُ) قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ مَا يَعْرِضُ لِلصَّدَاقِ مِنْ التَّغْيِيرَاتِ قَبْلَ الطَّلَاقِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِهَا أَوْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ تَلَفًا لِلْكُلِّ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَقْصًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ زِيَادَةً وَنَقْصًا مَعًا وَمَا كَانَ مِنْ قِبَلِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ بِتَفْوِيتٍ مِثْلُ الْبَيْعِ وَالْعِتْقِ وَالْهِبَةِ أَوْ يَكُونَ تَصَرُّفُهَا فِيهِ فِي مَنَافِعِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا أَوْ فِيمَا تَتَجَهَّزُ بِهِ إلَى زَوْجِهَا فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُمَا فِي التَّلَفِ وَفِي الزِّيَادَةِ وَفِي النُّقْصَانِ شَرِيكَانِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِي النُّقْصَانِ وَالتَّلَفِ عَلَيْهَا بِالنِّصْفِ وَلَا يَرْجِعُ بِنِصْفِ الزِّيَادَةِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ الصَّدَاقَ قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ الْمَوْتِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا أَوْ لَا تَمْلِكُهُ فَمَنْ قَالَ إنَّهَا لَا تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا قَالَ هُمَا فِيهِ شَرِيكَانِ مَا لَمْ تَتَعَدَّ فَتُدْخِلُهُ فِي مَنَافِعِهَا وَمَنْ قَالَ تَمْلِكُهُ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا وَالتَّشْطِيرُ حَقٌّ وَاجِبٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهَا عِنْدَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمِلْكِ أَوْجَبَ الرُّجُوعَ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ مَا ذَهَبَ عِنْدَهَا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا إذَا صَرَفَتْهُ فِي مَنَافِعِهَا ضَامِنَةً لِلنِّصْفِ وَاخْتَلَفُوا إذَا اشْتَرَتْ بِهِ مَا يُصْلِحُهَا لِلْجِهَازِ مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ هَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ أَمْ بِنِصْفِ الصَّدَاقِ الَّذِي هُوَ الثَّمَنُ فَقَالَ مَالِكٌ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ مَا اشْتَرَتْهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ يَرْجِعُ عَلَيْهَا بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي هُوَ الصَّدَاقُ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْبَيْعِ وَقَاعِدَةُ مَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْبَيْعِ مِنْ نَحْوِ الْإِجَارَةِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَهُ)
مِنْ الْعُقُودِ السِّتَّةِ الَّتِي رَمَزَ الْفُقَهَاءُ لَهَا بِقَوْلِهِمْ جِصّ مُشْنِق فَالْجِيمُ لِلْجَعَالَةِ وَالصَّادُ لِلصَّرْفِ وَالْمِيمُ لِلْمُسَاقَاةِ وَالشَّيْنُ لِلشَّرِكَةِ وَالنُّونُ لِلنِّكَاحِ وَالْقَافُ لِلْقِرَاضِ وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ هُوَ أَنَّ الْعُقُودَ أَسْبَابٌ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى تَحْصِيلِ حِكْمَتِهَا فِي مُسَبَّبَاتِهَا الْمُتَنَافِيَةِ بِطَرِيقِ الْمُنَاسَبَةِ وَالشَّيْءُ الْوَاحِدُ بِاعْتِبَارِ الْوَاحِدِ لَا يُنَاسِبُ الْمُتَضَادَّيْنِ لِأَنَّ تَنَافِيَ اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومَاتِ وَكُلُّ عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ السِّتَّةِ يُضَادُّ الْبَيْعَ فَلِذَا اخْتَصَّتْ فِي الْمَشْهُورِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ وَاحِدًا مِنْهُمَا مَعَ الْبَيْعِ عَقْدٌ وَاحِدٌ بَلْ قَالَ الشَّيْخُ مَيَّارَةُ كَمَا لَا يَجْتَمِعُ الْبَيْعُ مَعَ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ بِزِيَادَةِ الْقَرْضِ فَكَذَلِكَ لَا يَجْتَمِعُ اثْنَانِ مِنْهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِافْتِرَاقِ أَحْكَامِهَا قَالَ وَقَدْ قُلْت فِي ذَلِكَ:
عُقُودٌ مَنَعْنَا اثْنَيْنِ مِنْهَا بِعُقْدَةٍ ... لِكَوْنِ مَعَانِيهَا مَعًا تَتَفَرَّقُ
стр. 636
يَكُونَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ يُمْكِنُ قَطْعُهَا فِي الْأَجَلِ الَّذِي بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ وَتُضْبَطُ عِدَّتُهَا مِنْ يَوْمِ شَهَادَةِ الْأَخِيرِ، قُلْت وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى الْعِدَّةِ فِي الْقَضَاءِ أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَمَا تَعْتَقِدُهُ الزَّوْجَةُ فِي تَارِيخِ الطَّلَاقِ.
وَقَالَ اللَّخْمِيُّ قِيلَ تُضَمُّ الشَّهَادَتَانِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أَوْ إحْدَاهُمَا قَوْلٌ وَالْأُخْرَى فِعْلٌ وَيَقْضِي بِهَا، وَقِيلَ لَا يُضَمَّانِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ يُضَمَّانِ فِي الْأَقْوَالِ فَقَطْ، وَقِيلَ يُضَمَّانِ إذَا كَانَتَا عَلَى فِعْلٍ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى قَوْلٍ وَالْأُخْرَى عَلَى فِعْلٍ لَمْ يُضَمَّا وَالْأَقْوَالُ كُلُّهَا لِمَالِكٍ ﵀ وَاعْتَمَدَ الْأَصْحَابُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أَنَّ الْأَقْوَالَ يُمْكِنُ تَكَرُّرُهَا وَيَكُونُ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ وَالْأَفْعَالَ لَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهَا إلَّا مَعَ التَّعَدُّدِ، وَهَذَا الْفَرْقُ فِيهِ بَحْثٌ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْإِنْشَاءُ وَتَجْدِيدَ الْمَعَانِي بِتَجَدُّدِ الِاسْتِعْمَالَاتِ وَالتَّأْسِيسِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّأْكِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودُ الْوَضْعِ وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ عَدَمُ ضَمِّ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ لِعَدَمِ وُجُودِ النِّصَابِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ مِنْهَا لَكِنْ عَارَضَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ قَاعِدَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ أَصْلَ قَوْلِنَا أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ الْخَبَرُ عَنْ وُقُوعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَاعْتَمَدَ الْأَصْحَابُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أَنَّ الْأَقْوَالَ يُمْكِنُ تَكَرُّرُهَا وَيَكُونُ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ وَالْأَفْعَالَ لَا يُمْكِنُ تَكَرُّرُهَا إلَّا مَعَ التَّعَدُّدِ إلَى قَوْلِهِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى) ، قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى مَا أُصِّلَ إلَّا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَصْلَ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتَ حُرٌّ الْخَبَرُ عَنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ زَمَانِ النُّطْقِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ الْخَبَرَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ الْمُطْلَقِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْحَالِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَجُعْلٌ وَصَرْفٌ وَالْمُسَاقَاةُ شَرِكَةٌ ... نِكَاحٌ قِرَاضٌ قَرْضٌ بَيْعٌ مُحَقَّقُ
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ وَابْنُ نَاجِي وَنَقَلَهُ الْحَطَّابُ كَذَا فِي الْبُنَانِيِّ عَلَى عبق وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الدَّرْدِيرُ فِي شَرْحِ أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ، لَك أَنْ تَزِيدَ عَلَى هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ:
فَهَذِي عُقُودٌ سَبْعَةٌ قَدْ عَلِمْتهَا ... وَيَجْمَعُهَا فِي الرَّمْزِ جبص مُشْنِق
اهـ
وَأَشَارَ بِالْبَاءِ فِي جَبْصِ لِلْبَيْعِ وَالصَّوَابُ أَنْ يُبْدِلَهَا بِقَافٍ بِأَنْ يَقُولَ جَقْصٌ لِتَكُونَ إشَارَةً لِلْقَرْضِ وَتَكُونَ السَّبْعَةُ الْمَرْمُوزُ لَهَا هِيَ مَا عَدَا الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ الَّتِي يَمْتَنِعُ جَمْعُهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ مَعَهُ كَمَا يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُ اثْنَيْنِ مِنْهَا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِتَضَادِّ أَحْكَامِهَا أَمَّا تَضَادُّ الْجَعَالَةِ لِلْبَيْعِ فَمِنْ جِهَةِ لُزُومِ الْجَهَالَةِ فِي عَمَلِهَا وَلُزُومِ عَدَمِهَا فِي عَمَلِهِ وَأَمَّا تَضَادُّ النِّكَاحِ لَهُ فَمِنْ جِهَةِ لُزُومِ الْمُسَامَحَةِ فِي الْبَيْعِ دُونَ النِّكَاحِ فَتَجُوزُ فِيهِ الْمُكَايَسَةُ فِي الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ بِالْمُسَامَحَةِ وَيَكُونُ حَاصِلُ الصُّوَرِ الْعَقْلِيَّةِ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ مِنْ ضَرْبِ ثَمَانِيَةٍ فِي مِثْلِهَا الْمُكَرَّرُ مِنْهَا سِتٌّ وَثَلَاثُونَ وَالْبَاقِي ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ لِأَنَّك تَأْخُذُ كُلَّ وَاحِدٍ مَعَ مَا بَعْدَهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ الْعَدَدَ فَلْيُفْهَمْ. وَأَمَّا تَضَادُّ الصَّرْفِ لَهُ فَمِنْ جِهَةِ بِنَاءِ الصَّرْفِ عَلَى التَّشْدِيدِ وَامْتِنَاعِ الْخِيَارِ وَالتَّأْخِيرِ وَأُمُورٍ كَثِيرَةٍ لَا تُشْتَرَطُ فِي الْبَيْعِ وَأَمَّا تَضَادُّ الْمُسَاقَاةِ وَالْقِرَاضِ لَهُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهِمَا الْغَرَرَ وَالْجَهَالَةَ كَالْجَعَالَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَأَمَّا تَضَادُّ الشَّرِكَةِ لَهُ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عَلَى وَفْقِ الْأُصُولِ وَفِي الشَّرِكَةِ مُخَالَفَةُ الْأُصُولِ وَأَمَّا تَضَادُّ الْقِرَاضِ لَهُ فَلِقَوْلِ الْخَرَشِيِّ الَّذِي يُفِيدُهُ كَلَامُ الْغِرْيَانِيِّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي التَّصْدِيقِ إذَا وَقَعَ فِي الْقَرْضِ الْفَسْخُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْبَيْعِ لِأَجَلٍ عَدَمُ الْفَسْخِ عَلَى ظَاهِرِهَا كَمَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ إنَّهُ الْأَشْبَهُ بِظَاهِرِهَا. اهـ
يَعْنِي أَنَّ الْأَرْجَحَ فِي الْقَرْضِ الْفَسْخُ إذَا وَقَعَ التَّصْدِيقُ فِي الْمُقْرَضِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَفِي الْبَيْعِ لِأَجَلٍ الْأَرْجَحُ عَدَمُهُ إذَا وَقَعَ التَّصْدِيقُ فِي الْمَبِيعِ وَمِمَّا ذُكِرَ يُعْلَمُ وَجْهُ تَضَادِّ أَحْكَامِ كُلٍّ مِمَّا عَدَا الْبَيْعِ مِنْ الْعُقُودِ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ لِأَحْكَامِ الْآخَرِ مِنْهَا نَعَمْ الْقِرَاضُ وَالْمُسَاقَاةُ وَالْجَعَالَةُ وَإِنْ عُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ اتِّحَادُهَا فِي جَوَازِ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ إلَّا أَنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ أَبْوَابِهَا أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ لَازِمٌ وَلَا يَنْعَقِدُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَّا بِلَفْظِ سَاقَيْت وَعِنْدَ سَحْنُونٍ إلَّا بِهِ وَبِلَفْظِ آجَرْت أَوْ عَامَلْت دُونَ لَفْظِ شَرِكَةٍ أَوْ بَيْعٍ بِخِلَافِهِمَا وَأَنَّ لِصِحَّةِ الْقِرَاضِ شُرُوطًا غَيْرَ شُرُوطِ صِحَّةِ الْجَعَالَةِ فَافْهَمْ وَأَمَّا نَحْوُ الْإِجَارَةِ وَالْهِبَةِ مِمَّا يُمَاثِلُ الْبَيْعَ فِي الْأَحْكَامِ وَالشُّرُوطِ وَلَا يُضَادُّهُ فِيهِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مَعَ الْبَيْعِ كَمَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ لِعَدَمِ التَّنَافِي فَهَذَا وَجْهُ الْفَرْقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَصْلٌ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ وَتُوَضِّحُهُ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ الرَّهُونِيُّ ابْنُ عَرَفَةَ الصَّرْفُ وَالْبَيْعُ فِي جَوَازِهِ وَمَنْعِهِ ثَالِثُهَا بِقَيْدِ التَّبَعِيَّةِ لِأَشْهَبَ مَعَ اللَّخْمِيِّ عَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ جَوَازُ بَيْعِ مِائَةِ ثَوْبٍ كُلُّ ثَوْبٍ بِدِينَارٍ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَسَمَاعُ عِيسَى رِوَايَةَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ صَرْفٌ وَبَيْعٌ وَلَا نِكَاحٌ وَبَيْعٌ وَالْمَشْهُورُ ثُمَّ قَالَ فَفِي تَبَعِيَّةِ الصَّرْفِ بِكَوْنِهِ أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ أَوْ دِينَارًا فَأَقَلَّ الْمَشْهُورُ وَقَوْلُ الصَّقَلِّيِّ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. اهـ
وَقُدِّمَ قَوْلُ أَشْهَبَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا عَلَى الْمَشْهُورِ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَقَوْلُ أَشْهَبَ أَظْهَرُ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ وَإِنْ
стр. 637
الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ زَمَنٍ مِنْ النُّطْقِ، وَكَذَلِكَ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَسَائِرُ صِيَغِ الْعُقُودِ وَإِنَّمَا يَنْصَرِفُ لِاسْتِحْدَاثِ هَذِهِ الْمَعَانِي بِالْقَرَائِنِ أَوْ النَّقْلِ الْعُرْفِيِّ.
وَإِنَّمَا الْأَصْلُ الْخَبَرُ فَشَهَادَتُهُمَا بِالْقَرَائِنِ شَهَادَةٌ بِقَوْلٍ يَصْلُحُ لِلْإِخْبَارِ وَالْإِنْشَاءِ فَيُحْمَلُ الْقَوْلُ الثَّانِي عَلَى الْإِخْبَارِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَمَلًا بِقَاعِدَةِ تَرْجِيحِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْخَبَرُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى وَلِذَلِكَ شَبَّهَ الْأَصْحَابُ بِمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ مَا أَقَرَّ بِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَلِذَلِكَ شَبَّهَ الْأَصْحَابُ بِمَا لَوْ أَقَرَّ بِمَالٍ فِي مَجَالِسَ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّدُ عَلَيْهِ مَا أَقَرَّ بِهِ) ، قُلْت إنَّمَا لَمْ يَتَعَدَّدْ عَلَيْهِ مَا أَقَرَّ بِهِ لِاحْتِمَالِ تَكَرُّرِ الْإِقْرَارِ بِمَالٍ وَاحِدٍ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ، وَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ عَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ، ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ الْقَوْلَ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الثَّانِيَ خَبَرٌ عَنْ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى مَا أُصِّلَ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ الْخَبَرُ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ الشَّاهِدَانِ شَهِدَا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ إنْشَاءُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ الَّذِي سُمِّيَ، قُلْت لَا أَدْرِي مَا الْحَامِلُ عَلَى تَكَلُّفِ تَقْدِيرِهِ كَوْنَ الْقَوْلِ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ بَيَّنَ بِقَرِينَةِ مَقَالِهِ أَوْ بِقَرِينَةِ حَالِهِ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْقَوْلِ الثَّانِي تَأْكِيدَ الْإِنْشَاءِ لِعِتْقِ ذَلِكَ الْعَبْدِ لَكَمُلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِدَيْنِ بِذَلِكَ الْعِتْقِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَبَيَّنَ بِالْقَرَائِنِ أَنَّ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّهُ كَانَ عَقْدَ عِتْقِهِ وَالْقَوْلَ الثَّانِي أَيْضًا كَذَلِكَ لَحَصَلَتْ شَهَادَةُ شَاهِدَيْنِ عَلَى إقْرَارِهِ بِعِتْقِهِ فَلَا فَرْقَ إذًا بَيْنَ مَا إذَا كَانَ الْقَوْلَانِ إنْشَاءً أَوْ كَانَا خَبَرًا أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا خَبَرًا وَالْآخَرُ إنْشَاءً مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَقْصُودَ وَهُوَ وُقُوعُ عِتْقِهِ إيَّاهُ قَدْ حَصَلَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مِنْ تِلْكَ التَّقَادِيرِ نَعَمْ إذَا تَبَيَّنَ بِالْقَرَائِنِ أَوْ احْتَمَلَ أَنَّ الْقَوْلَ الثَّانِيَ تَأْسِيسُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كَانَ خِلَافَ الْمَشْهُورِ. اهـ
أَيْ لَا نَظَرَ إلَى أَنَّ الْعَقْدَ الَّذِي جَمَعَهُمَا احْتَوَى عَلَى أَمْرَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا جَائِزٌ عَلَى انْفِرَادِهِ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ حَرَّمَهُ قَالَ وَإِنَّمَا الَّذِي حَرَّمَهُ الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا سِلْعَةٌ وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا سِلْعَةٌ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الصَّاوِيِّ عَلَى شَرْحِ أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ ثُمَّ قَالَ الرَّهُونِيُّ وَلَمَّا ذُكِرَ فِي التُّحْفَةِ مَنْعُ اجْتِمَاعِ السِّتَّةِ الَّتِي فِي الْمَوَّاقِ وَالْحَطَّابِ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ مَعَ الْبَيْعِ أَيْ وَفِي الْأَصْلِ وَهِيَ الرُّمُوزُ لَهَا بِقَوْلِهِمْ جِصّ مُشْنِق قَالَ. وَأَشْهَبُ الْجَوَازُ عَنْهُ مَاضٍ قَالَ: قَالَ التَّاوَدِيُّ فِي شَرْحِهَا مَا نَصُّهُ وَمُفَادُ النَّاظِمِ أَنَّ خِلَافَهُ جَارٍ فِي الْجَمِيعِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُهُ وَفِي الْحَطَّابِ عَنْ اللَّخْمِيِّ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. اهـ
مِنْهُ بِلَفْظِهِ قُلْت وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْحَطَّابِ هُوَ كَذَلِكَ فِيهِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِي اجْتِمَاعِ الْبَيْعِ وَالْمُسَاقَاةِ مَنْصُوصٌ وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي ابْنِ نَاجِي عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَنَصُّهُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي جَمِيعِهَا إلَّا أَنَّ اجْتِمَاعَ الْبَيْعِ وَالْمُسَاقَاةِ الْخِلَافُ بِالتَّخْرِيجِ خَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ فِي بَيْعِ بَتٍّ وَخِيَارٍ فِي عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ اهـ بِلَفْظِهِ.
وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ الثَّانِي ذِكْرُ الِاخْتِلَافِ فِي النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَفِي كِتَابِ الْجُعْلِ ذَكَرَ الِاخْتِلَافَ فِي الْبَيْعِ وَالْجُعْلَ وَفِي كِتَابِ الْبَيِّعَيْنِ بِالْخِيَارِ الِاخْتِلَافُ فِي بَيْعِ بَتٍّ وَخِيَارٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ وَيُخْتَلَفُ فِي الْبَيْعِ وَالْمُسَاقَاةِ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ مِنْهُ بِلَفْظِهِ. اهـ
كَلَامُ الرَّهُونِيُّ وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ وَاخْتَلَفُوا أَيْ الْفُقَهَاءُ إذَا اقْتَرَنَ بِالْمَهْرِ بَيْعٌ مِثْلُ أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ عَبْدًا وَيَدْفَعَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَنْ الصَّدَاقِ وَعَنْ ثَمَنِ الْعَبْدِ وَلَا يُسَمِّي الثَّمَنَ مِنْ الصَّدَاقِ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَأَجَازَهُ أَشْهَبُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَفَرَّقَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ إنْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْبَيْعِ رُبْعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا بِأَمْرٍ فَصَاعِدًا بِأَمْرٍ لَا يَشُكُّ فِيهِ جَازَ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَمَرَّةً قَالَ ذَلِكَ جَائِزٌ وَمَرَّةً قَالَ فِيهِ مَهْرُ الْمِثْلِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ النِّكَاحُ فِي ذَلِكَ شَبِيهٌ بِالْبَيْعِ أَمْ لَيْسَ بِشَبِيهٍ فَمَنْ شَبَّهَهُ فِي ذَلِكَ بِالْبَيْعِ مَنَعَهُ وَمَنْ جَوَّزَ فِي النِّكَاحِ مِنْ الْجَهْلِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ قَالَ يَجُوزُ اهـ بِلَفْظِهَا.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ كَنُونِ وَأَوْلَى مِنْ مَنْعِ بَيْعٍ وَصَرْفٍ مَنْعِ بَيْعٍ وَبَدَلٍ وَكَمَا اسْتَثْنَوْا مِنْ الْأَوَّلِ مَا أَشَارَ لَهُ فِي الْمُخْتَصَرِ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ دِينَارًا أَوْ يَجْتَمِعَا فِيهِ كَذَلِكَ يُسْتَثْنَى مِنْ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْجَمِيعُ دِرْهَمًا كَمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ أَيْ خَلِيلٍ وَبِخِلَافِ دِرْهَمٍ أَيْ بِنِصْفٍ وَفُلُوسٍ أَوْ غَيْرِهِ فِي بَيْعٍ وَسَكًّا وَاتَّحَدَتْ وَعَرَفَ الْوَزْنَ وَانْتَقَدَ الْجَمِيعَ اهـ بِتَوْضِيحٍ وَقَالَ عبق عَلَى خَلِيلٍ وَمِنْ الْجُعْلِ الْمُفَارَسَةُ. اهـ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ كنون وَقَوْلُ الزَّرْقَانِيِّ وَالْهِبَةُ كَالْبَيْعِ أَيْ فَلَا يَجُوزُ جَمْعُهَا مَعَ الصَّرْفِ وَأَمَّا مَعَ الْبَيْعِ فَيَجُوزُ وَمَا فِي الشَّبْرَخِيتِيِّ مِنْ الْمَنْعِ مَرْدُودٌ عَقْلًا وَنَقْلًا اُنْظُرْ الْأَصْلَ أَيْ الرَّهُونِيِّ حَيْثُ قَالَ أَمَّا نَقْلًا فَلِقَوْلِ اللَّخْمِيِّ أَجَازَ ابْنُ الْقَاسِمِ سَلَّمَ فُسْطَاطِيَّةً فِي فُسْطَاطِيَّتَيْنِ مِثْلِهَا إحْدَاهُمَا مُعَجَّلَةٌ وَالْأُخْرَى مُؤَجَّلَةٌ جَعَلَ الْمُعَجَّلَةَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعَجَّلَةِ وَالْمُؤَجَّلَةَ هِبَةً. اهـ
وَنَقَلَهُ الْمَوَّاقُ قُبَيْلَ قَوْلِهِ وَمُؤَخَّرٌ فِقْهًا مُسَلَّمًا وَفِي الْمُفِيدِ أَثْنَاءَ كَلَامِهِ عَلَى مَنْ بَاعَ دَارًا بِالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ حَيَاتَهُ مَا نَصُّهُ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ يَنْبَغِي عِنْدِي إنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ سَرَفًا أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى النَّفَقَةِ الْمُتَوَسِّطَةِ إنَّمَا هُوَ كَهِبَةٍ مِنْ أَجْلِ الْبَيْعِ جَائِزَةٌ فَإِذَا انْتَقَضَ الْبَيْعُ وَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهَا وَكَذَلِكَ هُنَا. اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ.
وَأَمَّا مَعْنًى أَيْ عَقْلًا فَإِنَّ الْهِبَةَ الْمُقَارِنَةَ لِلْبَيْعِ إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ تَسْمِيَةٍ فَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ أَشْتَرِي مِنْك دَارَك بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تَهَبَنِي ثَوْبَك فَفَعَلَ فَالدَّارُ وَالثَّوْبُ مَبِيعَانِ مَعًا بِمِائَةٍ وَإِذَا قَالَ شَخْصٌ لِآخَرَ أَبِيعُك
стр. 638
أَمَّا لَوْ فَرَضْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ صَمَّمَ عَلَى الْإِنْشَاءِ فِيمَا سَمِعَهُ كَانَتْ الْأَقْوَالُ كَالْأَفْعَالِ فِي مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَمُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ، فَيَكُونُ سِرُّ الْفَرْقِ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّهُ أَنْشَأَ أَوَّلًا وَأَخْبَرَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
إنْشَاءٍ كَالْأَوَّلِ فَهَا هُنَا لَا يَصِحُّ ضَمُّ الشَّهَادَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ عَلَى عَقْدِ الْعِتْقِ إلَّا شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّمَا شَهِدَ بِمَا لَا يَصِحُّ عَقْدُ الْعِتْقِ بِهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَنْعَقِدُ فِيمَنْ تَقَدَّمَ عِتْقُهُ.
قَالَ (أَمَّا لَوْ فَرَضْنَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ صَمَّمَ عَلَى الْإِنْشَاءِ فِيمَا سَمِعَهُ كَانَتْ الْأَقْوَالُ كَالْأَفْعَالِ إلَى قَوْلِهِ كَالْقَوْلِ فِي أَلْفَاظِ الْإِنْشَاءَاتِ حَرْفًا بِحَرْفٍ) ، قُلْت لَا أَحْسِبُ مَا بُنِيَ عَلَيْهِ الْفَرْقُ مِنْ كَوْنِ الْقَوْلِ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ الْأَوَّلِ صَحِيحًا، بَلْ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَصْلًا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ سَوَاءٌ كَانَتْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا أَمْ كَيْفَمَا كَانَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا فَإِنْ قَبِلَتْ الضَّمَّ ضُمَّتْ وَإِلَّا فَلَا فَفِي الْقَوْلِ كَمَسْأَلَةِ الْإِقْرَارِ بِمَالٍ كَمَنْ يَقُولُ فِي رَمَضَانَ لِفُلَانٍ عِنْدِي دِينَارٌ فَسَمِعَهُ شَاهِدٌ، ثُمَّ يَقُولُ فِي شَوَّالٍ لِفُلَانٍ عِنْدِي دِينَارٌ فَسَمِعَهُ آخَرُ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ يَقْبَلُ الضَّمَّ فَتَكْمُلُ الشَّهَادَةُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِالدِّينَارِ وَفِي الْفِعْلِ كَمَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي شَوَّالٍ فَيُشَاهِدُهُ شَاهِدٌ.
ثُمَّ يَشْرَبُهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَيُشَاهِدُهُ آخَرُ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ يَقْبَلُ الضَّمَّ، فَإِنَّ الشَّاهِدَيْنِ مَعًا قَدْ اجْتَمَعَا مَعًا عَلَى مُشَاهَدَتِهِمَا إيَّاهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ فَتَكْمُلُ الشَّهَادَةُ فَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ.
وَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الضَّمَّ فَكَمَا إذَا قَالَ فِي رَمَضَانَ عَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ عَلَى قَصْدِ تَأْسِيسِ الْإِنْشَاءِ لِعِتْقِهِ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
دَارِي بِمِائَةٍ عَلَى أَنْ تَهَبَنِي ثَوْبَك فَالدَّارُ مَبِيعَةٌ بِالْمِائَةِ وَالثَّوْبِ، وَالتَّسْمِيَةُ لَا أَثَرَ لَهُ وَكَلَامُ الْمُدَوَّنَةِ فِي مَوَاضِعَ شَاهِدٌ لِذَلِكَ مِنْهَا قَوْلُهَا فِي كِتَابِ الْغَرَرِ وَمَنْ قَالَ أَبِيعُك سُكْنَى دَارِي سَنَةً فَذَلِكَ غَلَطٌ فِي اللَّفْظِ وَهُوَ كِرَاءٌ صَحِيحٌ. اهـ
وَمِنْهَا قَوْلُهَا فِي كِتَابِ الصَّرْفِ وَلَوْ صَرَفْت مِنْهُ دِينَارًا بِدَرَاهِمَ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ بِهَا مِنْهُ سَمْنًا أَوْ زَيْتًا نَقْدًا وَمُؤَجَّلًا أَوْ عَلَى أَنْ تَنِضَّهَا ثُمَّ تَشْتَرِيَ بِهَا هَذِهِ السِّلْعَةَ فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ رُدَّتْ السِّلْعَةُ بِعَيْبٍ رَجَعْت بِدِينَارِك لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ بِالسِّلْعَةِ وَاللَّفْظُ لَغْوٌ وَإِنَّمَا يَنْظُرُ مَالِكٌ إلَى فِعْلِهِمَا لَا إلَى قَوْلِهِمَا وَلَيْسَ هَذَا مَنْ يَتَعَيَّنُ فِي بَيْعَةِ اهـ مِنْهَا بِلَفْظِهَا وَمِنْهَا قَوْلُهَا فِيهِ أَيْضًا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ مُعَجَّلًا بِدِينَارٍ إلَى شَهْرٍ وَالدِّينَارَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا إلَى شَهْرَيْنِ لِأَنَّ الْبَيْعَ إنَّمَا وَقَعَ بِالدَّرَاهِمِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قُبْحِ كَلَامِهِمَا إذَا صَحَّ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا كَمَا لَا يُنْظَرُ إلَى حَقِّ كَلَامِهِمَا إذَا قَبُحَ الْعَمَلُ بَيْنَهُمَا. اهـ
إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النُّصُوصِ الْمُوَافِقَةِ لِهَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا وَبِهَذَا تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ عَيْنُ الْحَقِّ وَالصَّوَابِ وَيَكْفِي فِي رَدِّ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الشَّبْرَاخِيتِيُّ كَلَامُ أَهْلِ الْمَذْهَبِ عَلَى الْمُحَابَاةِ اُنْظُرْ نُصُوصَهُمْ فِيمَا يَأْتِي آخِرَ الْحَجْرِ إنْ شَاءَ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبَيْعِ وَقَاعِدَةُ النِّكَاحِ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبَيْعِ تَوَسَّعَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ حَتَّى جَوَّزَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ الْبَيْعَ بِالْمُعَاطَاةِ وَهِيَ الْأَفْعَالُ دُونَ شَيْءٍ مِنْ الْأَقْوَالِ وَزَادُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَالُوا: كُلُّ مَا عَدَّهُ النَّاسُ بَيْعًا فَهُوَ بَيْعٌ نَعَمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَكْفِي الْمُعَاطَاةُ دُونَ قَوْلٍ وَقَاعِدَةُ النِّكَاحِ وَوَقَعَ التَّشْدِيدُ فِيهَا فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِ الصِّيَغِ فِيهِ حَتَّى لَا يُعْلَمَ أَنَّهُ وُجِدَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَوْلٌ بِالْمُعَاطَاةِ فِيهِ أَلْبَتَّةَ)
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالنِّكَاحِ أَوْ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِخُصُوصِ لَفْظِهِمَا فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى الْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْقَبَسِ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ قَالَ الْأَصْلُ وَلَمْ يَسْتَثْنِ غَيْرَ الْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْإِحْلَالِ وَجَوَّزَهُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ وَجَوَّزَ الْجَوَابَ مِنْ الزَّوْجِ بِقَوْلِهِ فَعَلْت وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ إلَى الثَّانِي فَقَالَا لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالنِّكَاحِ كَمَا فِي الْقَبَسِ لِابْنِ الْعَرَبِيِّ وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِلَفْظِ النِّكَاحِ أَوْ التَّزْوِيجِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعُقُودِ وَفِي الْهِبَةِ قَوْلَانِ الْمَنْعُ كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ النِّكَاحِ فَكَذَلِكَ النِّكَاحُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَأَنَّ النِّكَاحَ مُفْتَقِرٌ إلَى الصَّرِيحِ لِيَقَعَ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ بَلْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِحْلَالِ وَالْإِبَاحَةِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ الْهِبَةُ وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ كَالنِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجِ وَالتَّمْلِيكِ وَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ وَلَفْظُ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ الْأَصْحَابُ إنْ قَصَدَ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ النِّكَاحَ صَحَّ وَيَضْمَنُ الْمَهْرَ فَيَكْفِي قَوْلُ الزَّوْجِ قَبِلْت بَعْدَ الْإِيجَابِ مِنْ الْوَلِيِّ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبِلْت نِكَاحَهَا وَلَوْ قَالَ لِلْأَبِ فِي الْبِكْرِ أَوْ بَعْدَ الْإِذْنِ فِي الثَّيِّبِ زَوِّجْنِي فَقَالَ فَعَلْت أَوْ زَوَّجْتُك فَقَالَ لَا أَرْضَى لَزِمَهُ النِّكَاحُ لِاجْتِمَاعِ جُزْأَيْ الْعَقْدِ فَإِنَّ السُّؤَالَ رِضًى فِي الْعَادَةِ أَيْضًا وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ أَمْرَانِ
(الْأَوَّلُ) تَعَارُضُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] لَمْ يَذْكُرْ فِيهِمَا إلَّا لَفْظَ التَّزْوِيجِ وَالنِّكَاحِ وَقَوْلُهُ ﷺ «مَلَّكْتُكهَا
стр. 639
ثَانِيًا عَنْ ذَلِكَ الْإِنْشَاءِ وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْإِنْشَاءِ وَلَفْظُ الْخَبَرِ صُورَتُهُمَا وَاحِدَةٌ شُرِّعَ ضَمُّ الثَّانِي إلَى الْأَوَّلِ فَيَجْتَمِعُ النِّصَابُ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ فَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ، وَأَمَّا الْفِعْلُ الثَّانِي فَلَا يُمْكِنُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
شَاهِدٌ، ثُمَّ قَالَ فِي شَوَّالٍ عَبْدِي فُلَانٌ حُرٌّ عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ بِعَيْنِهِ فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ شَاهِدٌ آخَرُ وَتَعَذَّرَ قَبُولُ الضَّمِّ هُنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ عَقْدَ الْعِتْقِ لَا يَتَعَدَّدُ، وَأَمَّا الْفِعْلُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الضَّمَّ فَكَمَا إذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَنَّهُ شَاهَدَ زَيْدًا قَتَلَ عَمْرًا فِي شَوَّالٍ وَشَهِدَ شَاهِدٌ آخَرُ أَنَّهُ شَاهَدَ قَتْلَهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَتَعَذَّرَ قَبُولُ الضَّمِّ هُنَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَعَدَّدُ وَعَلَى مَا تَقَرَّرَ تُشْكِلُ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي نُقِلَ عَنْ مَالِكٍ ﵀ مِنْ أَنَّهُ إذَا شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمَكَّةَ فِي رَمَضَانَ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا بِمِصْرَ فِي صَفَرٍ طَلُقَتْ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُدَّةَ الَّتِي بَيْنَ رَمَضَانَ وَصَفَرٍ أَكْثَرُ مِنْ مُدَّةِ الْعِدَّةِ فَعَلَى تَقْدِيرِ قَصْدِهِ تَأْسِيسُ الْإِنْشَاءِ فَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا يَنْعَقِدُ بِهِ طَلَاقٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ انْحَلَّتْ عِصْمَتُهُ عَنْهَا قَبْلَ هَذَا التَّارِيخِ بِمُقْتَضَى شَهَادَةِ الْأَوَّلِ وَعَلَى تَقْدِيرِ قَصْدِ الْخَبَرِ فَالْقَوْلُ الثَّانِي يَبْعُدُ إطْلَاعُ الشَّاهِدِ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ لِاحْتِمَالِ الْقَوْلِ الثَّانِي قَصْدَ تَأْسِيسِ الْإِنْشَاءِ وَقَصْدَ تَأْكِيدِهِ وَقَصْدَ الْخَبَرِ وَتَرْجِيحُ قَصْدِ الْخَبَرِ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ لَا يَخْفَى ضَعْفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ بَعْدُ حِكَايَةُ أَقْوَالٍ وَلَا كَلَامَ فِيهَا وَمَا قَالَهُ مِنْ الْحَمْلِ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ وَمَا قَالَهُ فِيمَا إذَا شَهِدَ لَهُ الْإِنْشَاءُ صَحِيحٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ أَيْضًا.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ» وَزِدْ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ فَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ قَالَ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ لَفْظِهِمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا لَفْظُهُمَا وَالْحَدِيثُ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ فَيَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهَا بَلْ الْوَاقِعُ أَحَدُهَا وَالرَّاوِي رَوَى بِالْمَعْنَى فَلَا حُجَّةَ فِيهِ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) تَعَارُضُ قَاعِدَتَيْنِ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) كُلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَإِبَاحَةُ الْمَرْأَةِ حُكْمٌ فَلَهُ سَبَبٌ يَجِبُ تَلَقِّيهِ مِنْ السَّمْعِ فَمَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْ الشَّرْعِ لَا يَكُونُ سَبَبًا
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) الشَّرْعُ قَدْ يُنَصِّبُ خُصُوصَ الشَّيْءِ سَبَبًا كَالزَّوَالِ لِوُجُوبِ الظُّهْرِ وَرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِوُجُوبِ الصَّوْمِ وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ لِلْقِصَاصِ وَقَدْ يُنَصَّبُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ أَشْيَاءَ سَبَبًا وَيُلْغِي خُصُوصَاتِهَا كَأَلْفَاظِ الطَّلَاقِ فَإِنَّ الْمَنْصُوبَ مِنْهَا سَبَبًا مَا دَلَّ عَلَى انْطِلَاقِ الْمَرْأَةِ مِنْ عِصْمَةِ الرَّجُلِ وَأَلْفَاظِ الْقَذْفِ فَإِنَّ الْمَنْصُوبَ مِنْهَا سَبَبًا مَا دَلَّ عَلَى نِسْبَةِ الْمَقْذُوفِ إلَى الزِّنَى أَوْ اللِّوَاطِ وَأَلْفَاظِ الدُّخُولِ فِي السَّلَامِ فَإِنَّ الْمَنْصُوبَ مِنْهَا سَبَبًا مَا دَلَّ عَلَى مَقْصُودِ الرِّسَالَةِ النَّبَوِيَّةِ فَعَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُولَى اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَالْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالنِّكَاحُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَنَا عَلَى مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مِنْ الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْأَصْلُ فِيهَا عَدَمُ اعْتِبَارِ الْخُصُوصِ فَيَتَعَيَّنُ الْعُمُومُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْبَيْعِ وَقَاعِدَةِ النِّكَاحِ عَلَى هَذَا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ النِّكَاحَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ لَفْظٍ يَشْهَدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ تَزْوِيجٌ لَا زِنًى وَسِفَاحٌ بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الشَّهَادَةَ شَرْطٌ فِي النِّكَاحِ إمَّا مُقَارِنَةً لِلْعَقْدِ كَمَا قَالَ الثَّلَاثَةُ أَوْ قَبْلَ الدُّخُولِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا بُدَّ مِنْ لَفْظٍ إلَخْ وَلَيْسَ الْإِشْهَادُ شَرْطًا فِي الْبَيْعِ فَلِذَا جَوَّزُوا فِيهِ الْمُنَاوَلَةَ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ النِّكَاحَ عَظِيمُ الْخَطَرِ جَلِيلُ الْمِقْدَارِ لِأَنَّهُ سَبَبُ بَقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ الْمُكَرَّمِ الْمُفَضَّلِ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وَسَبَبٌ لِلْعَفَافِ الْحَاسِمِ لِمَادَّةِ الْفَسَادِ وَاخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ وَسَبَبٌ لِلْمَوَدَّةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَالسُّكُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا عَظُمَ قَدْرُهُ شُدِّدَ فِيهِ وَكَثُرَتْ شُرُوطُهُ وَبُولِغَ فِي أَبْعَادِهِ إلَّا لِسَبَبٍ قَوِيٍّ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وَرَفْعًا لِقَدْرِهِ وَهُوَ شَأْنُ الْمُلُوكِ فِي الْعَوَائِدِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ النَّفِيسَةَ فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا وَدِينِهَا وَنَسَبِهَا لَا يُوصَلُ إلَيْهَا إلَّا بِالْمَهْرِ الْكَثِيرِ وَالتَّوَسُّلِ الْعَظِيمِ وَأَنَّ الْمَنَاصِبَ الْجَلِيلَةَ وَالرُّتَبَ الْعَلِيَّةَ كَذَلِكَ فِي الْعَادَةِ وَأَنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ لَمَّا كَانَ رُءُوسَ الْأَمْوَالِ وَقِيَمَ الْمُتْلَفَاتِ شَدَّدَ الشَّرْعُ فِيهِمَا فَاشْتِرَاطُ الْمُسَاوَاةِ وَالتَّنَاجُزِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي لَمْ يَشْتَرِطْهَا فِي الْبَيْعِ فِي سَائِرِ الْعُرُوضِ وَأَنَّ الطَّعَامَ لَمَّا كَانَ قِوَامَ بِنْيَةِ الْإِنْسَانِ مَنَعَ الشَّرْعُ بَيْعَهُ نَسِيئَةً بَعْضَهُ بِبَعْضٍ وَمَنَعَ مَالِكٌ بَيْعَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ السِّلَعِ فَلِذَلِكَ شَدَّدَ الشَّرْعُ فِي النِّكَاحِ فَاشْتَرَطَ الصَّدَاقَ وَالشَّهَادَةَ وَالْوَلِيَّ وَخُصُوصَ الْأَلْفَاظِ دُونَ الْبَيْعِ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّلَعِ الْإِبَاحَةُ حَتَّى تُمْلَكَ وَالْأَصْلُ فِي النِّسَاءِ التَّحْرِيمُ حَتَّى يُعْقَدَ عَلَيْهِنَّ بِمِلْكٍ أَوْ نِكَاحٍ (وَالْقَاعِدَةُ) أَنَّ الشَّرْعَ يَحْتَاطُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْإِبَاحَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْإِبَاحَةِ إلَى الْحُرْمَةِ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ فَيَتَعَيَّنُ الِاحْتِيَاطُ لَهُ فَلَا يُقَدَّمُ عَلَى مَحَلٍّ فِيهِ الْمَفْسَدَةُ إلَّا بِسَبَبٍ قَوِيٍّ يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ أَوْ يُعَارِضُهَا وَيَمْنَعُ الْإِبَاحَةَ مَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ بِأَيْسَرِ الْأَسْبَابِ دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَرْأَةَ حَرُمَتْ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الْأَبِ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ إبَاحَةٍ إلَى حُرْمَةٍ وَأَنَّ الْمَبْتُوتَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا بِعَقْدٍ وَوَطْءٍ حَلَالٍ وَطَلَاقٍ وَانْقِضَاءِ عِدَّةٍ مِنْ عِدَدِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ حُرْمَةٍ
стр. 640
أَنْ يَكُونَ عَيْنَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ فَإِنَّ الْخَبَرَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَقْوَالِ فَصَارَ مَشْهُودًا بِهِ آخَرَ يَحْتَاجُ إلَى نِصَابٍ كَامِلٍ فِي نَفْسِهِ فَهَذَا هُوَ سِرُّ الْفَرْقِ، وَمَنْ لَاحَظَ قَاعِدَةَ الْإِنْشَاءِ قَالَ بِعَدَمِ الضَّمِّ فِيهِمَا وَهُوَ ظَاهِرٌ لِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِنْشَاءِ لَا عَلَى الْخَبَرِ وَمَا يَقْضِي إلَّا بِهِ.
وَلَوْ كَانَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْخَبَرُ دُونَ الْإِنْشَاءِ أَوْ هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ لَمْ يَقْضِ بِالطَّلَاقِ وَلَا بِالْعَتَاقِ أَلْبَتَّةَ كَمَا نَفْعَلُهُ فِي جَمِيعِ الْأَلْفَاظِ الْمُتَرَدِّدَةِ، وَأَمَّا ضَمُّ الْأَفْعَالِ مَعَ تَعَذُّرِ الْإِخْبَارِ فِيهَا فَمُلَاحَظَةٌ لِلْمَعْنَى دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ فَإِنْ كُلُّ شَاهِدٍ شَهِدَ بِأَنَّهَا مُطَلَّقَةٌ وَبِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ لَا يُعْرَجُ عَلَيْهِ، وَلَوْ صَرَّحَا بِالطَّلَاقِ هَكَذَا انْضَمَّتْ الشَّهَادَاتُ.
وَأَمَّا عَدَمُ الضَّمِّ إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى قَوْلٍ وَالْأُخْرَى عَلَى فِعْلٍ فَلِأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفُ الْجِنْسِ وَالضَّمُّ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ وَضَمُّ الشَّيْءِ إلَى جِنْسِهِ أَقْرَبُ مِنْ ضَمِّهِ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ، وَإِذَا شَهِدَ بِتَعْلِيقَيْنِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فِي زَمَانَيْنِ كَرَمَضَانَ وَصَفَرٍ كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ يُجْعَلُ التَّعْلِيقُ الثَّانِي خَبَرًا عَنْ التَّعْلِيقِ الْأَوَّلِ لَا إنْشَاءً لِلرَّبْطِ، بَلْ إخْبَارًا عَنْ ارْتِبَاطِ الطَّلَاقِ بِذَلِكَ الْمَعْنَى وَفِي الْأَوَّلِ أَنْشَأَ الرَّبْطَ بِهِ فَالْقَوْلُ فِي أَلْفَاظِ التَّعَالِيقِ كَالْقَوْلِ فِي أَلْفَاظِ الْإِنْشَاءَاتِ حَرْفًا بِحَرْفٍ (تَفْرِيعٌ) قَالَ اللَّخْمِيُّ لَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِالثَّلَاثِ قَبْلَ أَمْسِ وَالثَّانِي بِاثْنَتَيْنِ أَمْسِ وَالثَّالِثُ بِوَاحِدَةٍ الْيَوْمَ لَزِمَ الثَّلَاثُ؛ لِأَنَّ ضَمَّ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ يُوجِبُ اثْنَتَيْنِ قَبْلَ سَمَاعِ الثَّالِثِ، فَلَمَّا سَمِعَهُ الثَّالِثُ ضُمَّ لِلْبَاقِي مِنْ الْأَوَّلِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إلَى إبَاحَةٍ وَأَنَّا أَوْقَعْنَا الطَّلَاقَ بِالْكِنَايَاتِ وَإِنْ بَعُدَتْ حَتَّى أَوْقَعَهُ مَالِكٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَجَمِيعِ الْأَلْفَاظِ إذَا قَصَدَ بِهَا الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحُرْمَةِ فَيَكْفِي فِيهِ أَدْنَى سَبَبٍ فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ لَمْ يَجُزْ النِّكَاحُ بِكُلِّ لَفْظٍ بَلْ بِمَا فِيهِ قُرْبٌ مِنْ مَقْصُودِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْحُرْمَةِ إلَى الْحِلِّ وَجَوَّزْنَا الْبَيْعَ بِجَمِيعِ الصِّيَغِ وَالْأَفْعَالِ الدَّالَّةِ عَلَى الرِّضَى بِنَقْلِ الْمِلْكِ فِي الْعِوَضَيْنِ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحُرْمَةِ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِقُصُورِهِ فِي الِاحْتِيَاطِ عَنْ الْفُرُوجِ
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) عُمُومُ الْحَاجَةِ إلَى الْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَا غِنَى لِلْإِنْسَانِ عَنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَلِبَاسٍ بِحَيْثُ لَا يَخْلُو مُكَلَّفٌ غَالِبًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ بِخِلَافِ النِّكَاحِ
(وَالْقَاعِدَةُ) فِي الْمِلَّةِ السَّمْحَةِ تَخْفِيفٌ فِي كُلِّ مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى وَالتَّشْدِيدُ فِيمَا لَمْ تَعُمَّ الْبَلْوَى بِهِ كَمَا وَضَّحْت ذَلِكَ فِي رِسَالَتِي شَمْسِ الْإِشْرَاقِ فِي حُكْمِ التَّعَامُلِ بِالْأَوْرَاقِ فَإِذَا أَحَطْت بِهَذِهِ الْقَوَاعِدِ عِلْمًا ظَهَرَ لَك سَبَبُ اخْتِلَافِ مَوَارِدِ الشَّرْعِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ وَنَشَأَتْ لَك الْفُرُوقُ وَالْحِكَمُ وَالتَّعَالِيلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ يُنْظَرُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعْسِرِ بِنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ لَا يُنْظَرُ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ يُنْظَرُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُعْسِرِ بِنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ لَا يُنْظَرُ)
عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاعَةٍ بَلْ يُفْسَخُ عَلَيْهِ نِكَاحُهُ بِطَلَاقٍ فِي حَقِّ مَنْ ثَبَتَ لَهَا الْإِنْفَاقُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَدَلِيلُ هَذَا الْقَوْلِ أُمُورٌ
(الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) اسْتِصْحَابُ الْحَالِ وَذَلِكَ أَنَّ الْعِصْمَةَ ثَبَتَتْ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا تَنْحَلُّ إلَّا بِإِجْمَاعٍ أَوْ بِدَلِيلٍ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ لَا بِالْقِيَاسِ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ إنْظَارَ الْمُعْسِرِ بِالدَّيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فَهَاهُنَا أَوْلَى لِأَنَّ بَقَاءَ الزَّوْجِيَّةِ مَطْلُوبٌ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ
(الْأَمْرُ الثَّالِثُ) أَنَّ النَّفَقَةَ كَمَا لَا يُطَلَّقُ بِهَا فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي إجْمَاعًا كَذَلِكَ لَا يُطَلَّقُ بِهَا بِهَا فِي الْحَالِ
(الْأَمْرُ الرَّابِعُ) أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ النَّفَقَةِ فِي الْحَالِ كَمَا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَا خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ كَذَلِكَ لَا يُوجِبُ تَطْلِيقَ الزَّوْجَةِ وَدَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَيْضًا أُمُورٌ
(الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) أَنَّا لَمْ نَقُلْ بِحَلِّ الْعِصْمَةِ الثَّابِتَةِ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ الْمُعْسِرِ بِالْإِنْفَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمْسَاكَ عَلَى الْجُوعِ وَالْعُرْيِ لَيْسَ مِنْ الْمَعْرُوفِ فَيَتَعَيَّنُ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ وَمَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ تَقُولُ الْمَرْأَةُ إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي وَيَقُولُ الْوَلَدُ إلَى مَنْ تَدَعُنِي» وَفِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى الْإِقْنَاعِ وَقَوْلُهُ ﷺ «امْرَأَتُك تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الرَّجُلِ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو الزِّنَادِ لِسَعِيدٍ: سُنَّةً؟ قَالَ سَعِيدٌ: سُنَّةٌ اهـ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنَّا إنَّمَا أَمَرْنَاهُ بِرَفْعِ ضَرَرٍ عَلَيْهِ وَهُوَ إطْلَاقُهَا لِمَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَلَمْ تَلْزَمْهُ النَّفَقَةُ مَعَ الْعُسْرَةِ حَتَّى يَرِدَ أَنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ إنْظَارَ الْمُعْسِرِ
(الْأَمْرُ الثَّالِثُ) أَنَّ الضَّرَرَ الْوَاقِعَ مِنْ ذَلِكَ شَبَهُهُ بِالضَّرَرِ الْوَاقِعِ مِنْ الْعُنَّةِ وَالتَّطْلِيقِ
стр. 641
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الثَّانِي بِوَاحِدَةٍ وَالْأَخِيرُ بِاثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ طَلْقَتَانِ يُضَمُّ إلَيْهِمَا طَلْقَةٌ أُخْرَى.
وَكَذَلِكَ لَوْ شَهِدَ الْأَوَّلُ بِاثْنَتَيْنِ وَالثَّانِي بِثَلَاثٍ وَالْأَخِيرُ بِوَاحِدَةٍ هَذَا إذَا عُلِمَتْ التَّوَارِيخُ فَإِنْ جُهِلَتْ يُخْتَلَفُ فِي لُزُومِ الثَّلَاثِ أَوْ اثْنَتَيْنِ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهِمَا مِنْ بَابِ الطَّلَاقِ بِالشَّكِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِطَلْقَةٍ وَالْآخَرُ بِأَكْثَرَ لَمْ يُحْكَمْ بِشَيْءٍ لِعَدَمِ حُصُولِ النِّصَابِ فِي شَهَادَةٍ مِنْهُمَا فَلَوْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِبَائِنَةٍ وَالْآخَرُ بِرَجْعِيَّةٍ ضُمَّتْ الشَّهَادَتَانِ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ فِي الصِّفَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ قَالَ فِي مُحَرَّمٍ إنْ فَعَلْتُ كَذَا فَامْرَأَتِي طَالِقٌ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي صَفَرٍ وَشَهِدَا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا بِالْفِعْلِ بَعْدَ صَفَرٍ طَلُقَتْ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى التَّعْلِيقِ وَالْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ اتَّفَقَا عَلَى الْمُقَرِّ بِهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي زَمَنِ الْإِقْرَارِ وَإِنْ شَهِدَا فِي مَجْلِسِ التَّعْلِيقِ وَشَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ فَعَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الشَّرْطَ وَالْآخَرُ أَنَّهُ فَعَلَهُ يَوْمَ السَّبْتِ طَلُقَتْ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى التَّعْلِيقِ وَوُقُوعِ الشَّرْطِ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَسَبَا قَوْلَهُ لِمَكَانَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ إنَّمَا تَصِحُّ إذَا حُمِلَ الثَّانِي عَلَى الْخَبَرِ أَمَّا لَوْ صَمَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى الْإِنْشَاءِ فَلَا يُوجَدُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ الضَّمُّ فِي الشَّهَادَاتِ وَإِنَّمَا وُجِدَ فِي الْإِطْلَاقَاتِ الْمُحْتَمَلَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عَلَى تِلْكَ الْقَوَاعِدِ الْمُتَقَدِّمَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى الْعِنِّينِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ بَلْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ إنَّهُ إجْمَاعٌ
(الْأَمْرُ الرَّابِعُ) أَنَّ النَّفَقَةَ قَالُوا فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّ النَّاشِزَ لَا نَفَقَةَ لَهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَإِذَا لَمْ يَجِدْ النَّفَقَةَ سَقَطَ الِاسْتِمْتَاعُ فَوَجَبَ الْخِيَارُ
(الْأَمْرُ الْخَامِسُ) الْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمَفْصِدَ إذَا اتَّحَدَتْ وَسِيلَتُهُ أُمِرَ بِهِ عَيْنًا وَإِذَا تَعَدَّدَتْ بِأَنْ كَانَ لَهُ وَسِيلَتَانِ فَأَكْثَرَ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا وَلَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا عَيْنًا (وَلِمُتَعَدِّدِ الْوَسِيلَةِ) فِي الشَّرِيعَةِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ (مِنْهَا) رَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ أُمِّ الْوَلَدِ غَيْرُ بَيْعِهَا طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ تَزْوِيجُهَا (وَمِنْهَا) الْجَامِعُ يَكُونُ لَهُ طَرِيقَانِ مُسْتَوِيَانِ لَا يَجِبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سُلُوكُ إحْدَاهُمَا عَيْنًا بَلْ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا (وَمِنْهَا) السَّفَرُ إلَى الْحَجِّ يَتَيَسَّرُ فِيهِ الْبَرُّ وَالْبَحْرُ لَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُهُمَا (وَلِمُتَّحِدِ) الْوَسِيلَةِ فِي الشَّرِيعَةِ أَيْضًا فُرُوعٌ (مِنْهَا) زَوَالُ الضَّرَرِ عَنْ الزَّوْجَاتِ الْوَاقِعِ مِنْ ذَلِكَ اتَّحَدَتْ وَسِيلَتُهُ أَيْ سَبَبُ الْخُرُوجِ عَنْ ضَرَرِ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ وَهُوَ التَّطْلِيقُ فَأُمِرَ بِهِ عَيْنًا هَذَا خُلَاصَةُ مَا فِي الْأَصْلِ وَبِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ مَعَ زِيَادَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(مَسْأَلَةٌ) كَمَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِعْسَارِ بِنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْإِعْسَارِ بِالصَّدَاقِ فَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ كَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ يُخَيَّرُ إذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي قَدْرِ التَّلَوُّمِ لَهُ فَقِيلَ لَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ حَدٌّ وَقِيلَ سَنَةٌ وَقِيلَ سَنَتَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ غَرِيمُ الْغُرَمَاءِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا وَيُؤْخَذُ بِالنَّفَقَةِ وَلَهَا أَنْ تَمْنَعَ نَفْسَهَا حَتَّى يُعْطِيَهَا الْمَهْرَ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَغْلِيبُ شَبَهِ النِّكَاحِ فِي ذَلِكَ بِالْبَيْعِ أَوْ تَغْلِيبُ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ لِلْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ عَدَمِ الْوَطْءِ تَشْبِيهًا بِالْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ. اهـ بِلَفْظِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ مَنْصُورُ بْنُ إدْرِيس الْحَنْبَلِيُّ فِي كَشَّافِهِ وَإِذَا أَعْسَرَ الزَّوْجُ بِالْمَهْرِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ فِي آخِرِ الصَّدَاقِ خُيِّرَتْ عَلَى التَّرَاخِي بَيْنَ الْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ انْتِظَارٍ أَيْ تَأْجِيلٍ ثَلَاثًا خِلَافًا لِابْنِ الْبَنَّاءِ وَبَيْنَ الْمُقَامِ مَعَهُ عَلَى النِّكَاحِ اهـ الْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَالْأَبَوَيْنِ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ لَهُمْ خَاصَّةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَرَابَاتِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَوْلَادِ الصُّلْبِ وَالْأَبَوَيْنِ الْأَدْنَيْنَ فِي إيجَابِ النَّفَقَةِ لَهُمْ خَاصَّةً وَبَيْنَ قَاعِدَةِ غَيْرِهِمْ مِنْ الْقَرَابَاتِ)
لَا تَجِبُ لَهُمْ النَّفَقَةُ عِنْدَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا عِنْدَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى بِإِيجَابِهَا لِكُلٍّ مَنْ هُوَ بَعْضٌ مِنْ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْا وَالْأَوْلَادُ وَإِنْ سَفَلُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: ٨٣] وَمِنْ الْإِحْسَانِ الْإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا عِنْدَ حَاجَتِهِمَا إذْ لَيْسَ مِنْ الْإِحْسَانِ تَرْكُهُمَا بِالْجُوعِ وَالْعُرْيِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] وَمِنْ الْمَعْرُوفِ قِيَامٌ بِكِفَايَتِهِمَا وَلِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَلِقَوْلِهِ ﵊ فِي الْبُخَارِيِّ يَقُولُ لَك وَلَدُك إلَى مَنْ تَكِلُنِي الْحَدِيثَ وَأَبُ الْأَبِ أَبٌ وَأُمُّ الْأُمِّ أُمٌّ وَابْنُ الِابْنِ ابْنٌ قَالَ الشَّيْخُ مَنْصُورُ بْنُ إدْرِيس الْحَنْبَلِيُّ فِي كَشَّافِهِ مِنْ الْمَتْنِ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوْا وَنَفَقَةُ وَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وَلِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَزَوْجَتِهِ فَكَذَا عَلَى بَعْضِهِ وَأَصْلِهِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إكْمَالُ مَا عَجَزُوا عَنْ إكْمَالِهَا حَتَّى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ وَالِدَيْهِ وَإِنْ عَلَوْا وَوَلَدِهِ وَإِنْ سَفَلُوا وَلَوْ حَجَبَهُ مُعْسِرٌ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ حَلَالٍ إذَا كَانُوا أَيْ الْأُصُولُ وَالْفُرُوعُ فُقَرَاءَ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَجِبُ النَّفَقَةُ لِكُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحْرَمٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] وَأَجْمَعْنَا
стр. 642
(الْفَرْقُ السَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَلْزَمُ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَلْزَمُهُ)
اعْلَمْ أَنَّ أَحْوَالَ الْكَافِرِ مُخْتَلِفَةٌ إذَا أَسْلَمَ فَيَلْزَمُهُ ثَمَنُ الْبِيَاعَاتِ وَأَجْرُ الْإِجَارَاتِ وَدَفْعُ الدُّيُونِ الَّتِي اقْتَرَضَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْقِصَاصُ وَلَا الْغَصْبُ وَالنَّهْبُ إنْ كَانَ حَرْبِيًّا، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ فَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الْمَظَالِمِ وَرَدُّهَا؛ لِأَنَّهُ عَقَدَ الذِّمَّةَ وَهُوَ رَاضٍ بِمُقْتَضَى عَقْدِ الذِّمَّةِ.
وَأَمَّا الْحَرْبِيُّ فَلَمْ يَرْضَ بِشَيْءٍ فَلِذَلِكَ أَسْقَطَا عَنْهُ الْغُصُوبَ وَالنُّهُوبَ وَالْغَارَاتِ وَنَحْوَهَا، وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا تَلْزَمُهُ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي كُفْرِهِ لَا ظِهَار وَلَا نَذْرَ وَلَا يَمِينَ مِنْ الْأَيْمَانِ وَلَا قَضَاءَ الصَّلَوَاتِ وَلَا الزَّكَوَاتِ وَلَا شَيْءَ فَرَّطَ فِيهِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ ﵊ «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» وَضَابِطُ الْفَرْقِ أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ قِسْمَانِ مِنْهَا مَا رَضِيَ بِهِ حَالَةَ كُفْرِهِ وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ بِدَفْعِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ فَهَذَا لَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ إلْزَامَهُ إيَّاهُ لَيْسَ مُنَفِّرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ لِرِضَاهُ وَمَا لَمْ يَرْضَ بِدَفْعِهِ لِمُسْتَحِقِّهِ كَالْقَتْلِ وَالْغَصْبِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ إنَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّهُ لَا يُوَفِّيهَا أَهْلَهَا فَهَذَا كُلُّهُ يَسْقُطُ؛ لِأَنَّ فِي إلْزَامِهِ مَا لَمْ يَعْتَقِدْ لُزُومَهُ تَنْفِيرًا لَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقُدِّمَتْ مَصْلَحَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى مَصْلَحَةِ ذَوِي الْحُقُوقِ، وَأَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى فَتَسْقُطُ مُطْلَقًا رَضِيَ بِهَا أَمْ لَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَالْعِبَادَاتِ وَنَحْوَهَا حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَمَّا كَانَ الْحَقَّانِ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ نَاسَبَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى تَخْصِيصِ مَنْ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَبَقِيَ مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْعُمُومِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] .
(وَسَبَبُ) الِاخْتِلَافِ (أَمَّا أَوَّلًا) فَهُوَ أَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْوَالِدَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا كَسْبَ لَهُمَا وَلَا مَالَ وَاجِبٌ فِي مَالِ الْوَلَدِ كَمَا حَكَاهُ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَكَذَا عَلَى أَنَّ نَفَقَةَ الْأَوْلَادِ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ لَا كَسْبَ لَهُمْ وَلَا مَالَ وَاجِبٌ فِي مَالِ الْأَبِ لِمَا سَبَقَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَالِابْنِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْأَدِلَّةِ هَلْ تَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ وَحِينَئِذٍ التَّجَوُّزُ بِقَصْرِهَا عَنْ الْأَدْنَيْنَ يَحْتَاجُ إلَى قَرِينَةٍ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَجَازَ انْتَهَى إلَى أَنْ صَارَ عُرْفًا وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ وَجَبَ التَّمَسُّكُ بِالْحَقِيقَةِ وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا أَوْ لَا تَتَنَاوَلُ بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ وَلَمْ تَسْتَحِقَّهُ الْجَدَّةُ وَحُجِبَ الْإِخْوَةُ بِالْأَبِ وَلَمْ يَحْجُبْهُمْ بِالْجَدِّ وَأَنَّ بِنْتَ الِابْنِ لَهَا السُّدُسُ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ مَعَ أُخْتِهَا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الطَّبَقَاتِ عَلَى اخْتِلَافِهَا بِطَرِيقِ التَّوَاطُؤِ حَقِيقَةً لَزِمَ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ فِيهَا كُلِّهَا عَلَى السَّوَاءِ وَإِلَّا لَزِمَ تَرْكُ الْعَمَلِ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ هَذِهِ الطَّوَائِفَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَيَلْزَمُهُ هُنَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ وَهُوَ مَجَازٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ هَلْ يَجُوزُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَمْ لَا وَنَحْنُ فِي الْمَجَازِ الْمُجْمَعِ عَلَى جَوَازِهِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ لَا نَعْدِلُ بِاللَّفْظِ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ خَطَأٌ قَطْعًا فَهَاهُنَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِكَوْنِهِ ضَعِيفًا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَجَازٌ وَأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهِ بِلُغَةٍ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّ النَّفَقَةَ هَلْ هِيَ حَقٌّ لِذَوِي الْقُرْبَى فَيَتَنَاوَلُهَا لَفْظُ الْحَقِّ فِي الْآيَةِ أَمْ لَا فَلَا يَتَنَاوَلُهَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَأَمَّا ثَالِثًا فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّ أَوْلَى فِي الْآيَةِ وَإِنْ كَانَ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ لَا عُمُومَ فِيهِ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ فِيمَا ذَوُو الْأَرْحَامِ فِيهِ أَوْلَى مِنْ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَمِنْ الْمُعَاضَدَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ إلَى بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالنُّصْرَةِ إجْمَاعًا فَهَلْ يَمْتَنِعُ جَعْلُهُ عَامًّا بِأَنْ يُعَدَّى حُكْمُهُ إلَى صُورَةٍ أُخْرَى بِغَيْرِ دَلِيلٍ كَمَا يَمْتَنِعُ جَعْلُ الْعَامِّ مُطْلَقًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ لَا يَمْتَنِعُ.
قَالَ الْأَصْلُ فَظَهَرَ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِدْلَالَاتِ أَيْ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ صِحَّةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَتَفْضِيلُهُ عَلَى غَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَظَهَرَ الْفَرْقُ أَيْضًا مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ ظُهُورًا بَيِّنًا لَكِنْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ لَمْ يَظْهَرْ مَا قَالَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ تَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ أَيْضًا بِالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ لَكِنْ وَقَعَ التَّجَوُّزُ بِقَصْرِهَا عَلَى الْأَدْنَيْنَ فَيَحْتَاجُ هَذَا الْمَجَازُ إلَى قَرِينَةٍ أَوْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ انْتَهَى إلَى أَنْ صَارَ عُرْفًا وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِيمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَبِ وَمَا مَعَهُ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَ الْأَدْنَيْنَ إلَّا مَجَازًا فَافْهَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ شَيْئًا لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يُقَدَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ]
(الْفَرْقُ السِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فِي غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ شَيْئًا لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ يُقَدَّمُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ)
عِنْدَ مَالِكٍ وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَفُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ ﵃ أَجْمَعِينَ - نَعَمْ خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِي بَعْضِ فُرُوعِ الْمَسْأَلَةِ وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ الْمَنْقُولَاتِ فِيهَا فَتَرَقَّبْ لَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ قَالَ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ كَسَائِرِ الْمُدَّعِينَ مُحْتَجًّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ
(الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَكُلُّ مَنْ ادَّعَى مِنْ الزَّوْجَيْنِ
стр. 643
أَنْ يُقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ وَيُسْقِطَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لِحُصُولِ الْحَقِّ الثَّانِي لِجِهَةِ الْحَقِّ السَّاقِطِ.
وَأَمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّينَ فَجِهَةُ الْآدَمِيِّينَ وَالْإِسْلَامُ لَيْسَ حَقًّا لَهُمْ، بَلْ لِجِهَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَنَاسَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ حَقُّهُمْ بِتَحْصِيلِ حَقِّ غَيْرِهِمْ
(وَثَانِيهِمَا) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ جَوَادٌ تُنَاسِبُ رَحْمَتُهُ الْمُسَامَحَةَ وَالْعَبْدُ بَخِيلٌ ضَعِيفٌ فَنَاسَبَ ذَلِكَ التَّمَسُّكَ بِحَقِّهِ فَسَقَطَتْ حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى مُطْلَقًا وَإِنْ رَضِيَ بِهَا كَالنُّذُورِ وَالْأَيْمَانِ أَوْ لَمْ يَرْضَ بِهَا كَالصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامِ وَلَا يَسْقُطُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ إلَّا مَا تَقَدَّمَ الرِّضَى بِهِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ.
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ الْغَيْرِ عَنْهُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمَأْمُورَ بِهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ (قِسْمٌ) اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى صِحَّةِ فِعْلِ غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَنْ الْمَأْمُورِ وَذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُجْزِئُ فِيهِ فِعْلُ الْغَيْرِ عَنْهُ)
قُلْت قَدْ ذُكِرَ قَبْلَ هَذَا الْفَرْقُ الْعَاشِرُ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ وَهُوَ هَذَا بِعَيْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ هُنَا مَسَائِلَ لَمْ يَذْكُرْهَا هُنَاكَ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا فِي الْفَرْقِ السَّادِسَ عَشَرَ وَالْمِائَتَيْنِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْهُ أَوْ هُوَ هُوَ وَمَا قَالَهُ بَعْدُ إلَى آخِرِ الْقَوَاعِدِ نَقْلٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كَانَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) الْقِيَاسُ عَلَى الصَّبَّاغِ وَالْعَطَّارِ فَكَمَا أَنَّهُمَا إذَا تَدَاعَيَا آلَةَ الْعِطْرِ وَالصَّبْغِ لَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ إلَّا بِحُجَّةٍ ظَاهِرَةٍ وَإِنْ شَهِدَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ آلَةَ الْعِطْرِ لِلْعَطَّارِ وَآلَةَ الصَّبْغِ لِلصَّبَّاغِ كَذَلِكَ هَاهُنَا
(الْأَمْرُ الثَّالِثُ) أَنَّ حُكْمَ الْيَدِ كَمَا لَا يَسْقُطُ بِالصَّلَاحِيَةِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي يَدِ ثَالِثٍ غَيْرِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ كَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ بِهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَكُونُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِهِمَا امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَةً أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ خَلْخَالٌ فَادَّعَتْهُ امْرَأَةٌ أَجْنَبِيَّةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ الْخَلْخَالُ لَا يَصْلُحُ مِنْ لِبَاسِهِ لِأَجْلِ أَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْمَرْأَةَ لَوْ كَانَ بِيَدِهَا سَيْفٌ فَادَّعَاهُ رَجُلٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لَهَا لِأَجْلِ أَنَّ يَدَهَا عَلَيْهِ فَالزَّوْجَانِ إذَا كَانَا فِي الدَّارِ وَفِيهَا مَا يَصْلُحُ لِأَحَدِهِمَا وَيَدُهُمَا عَلَيْهِ كَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُ الْيَدِ بِصَلَاحِيَتِهِ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
وَوَجْهُ الْجَوَابِ وَالْفَرْقِ إمَّا عَنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ خِلَافَ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى وَفْقِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ مَثَلًا الْمُدَّعِي بِالدَّيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءُ الذِّمَّةِ وَالْمَطْلُوبُ الْمُنْكَرُ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ لِمَا عَلِمْت وَالْمُدَّعِي رَدَّ الْوَدِيعَةَ وَقَدْ قَبَضَهَا بِبَيِّنَةٍ هُوَ الْمُدَّعِي لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفِ بِسَبَبِ أَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَنْ قَبَضَ بِبَيِّنَةٍ لَا يَرُدُّ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَالْمُدَّعِي عَدِمَ قَبْضَهَا لِكَوْنِ قَوْلِهِ عَلَى وَفْقِ الظَّاهِرِ وَالْعُرْفُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ادَّعَتْ مُقَنَّعَةً وَشِبْهَهَا كَانَ قَوْلُهَا عَلَى وَفْقِ الظَّاهِرِ وَقَوْلُ الزَّوْجِ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ فَالزَّوْجُ مُدَّعٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَهِيَ مُدَّعَى عَلَيْهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا تَقُولُ بِمُوجِبِ الْحَدِيثِ لَا أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَيْنَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَتَمَسُّكُ الشَّافِعِيِّ بِالْحَدِيثِ ظَاهِرٌ وَجَوَابُ الْمَالِكِيَّةِ بِتَفْسِيرِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا فَسَرُّوا بِهِ لَا بَأْسَ بِهِ. اهـ
(وَأَمَّا عَنْ الْقِيَاسِ) عَلَى الصَّبَّاغِ وَالْعَطَّارِ فَهُوَ بَاطِلٌ أَمَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا بِالْتِزَامِ مُسَاوَاةِ مَسْأَلَةِ الصَّبَّاغِ وَالْعَطَّارِ لِمَسْأَلَةِ الزَّوْجَيْنِ فِي تَقْدِيمِ مَا شَهِدَتْ الْعَادَةُ لَهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَصَّارِ فِي عُيُونِ الْأَدِلَّةِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] مِنْ أَنَّ كُلَّ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْعَادَةُ قُضِيَ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ بَيِّنًا وَلِأَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مُدَّعِي الْعَادَةَ فِي مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَلِأَنَّ الْقِيَاسَ لَا يَصِحُّ مَعَ الْفَارِقِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ إمَّا مَعَ كَوْنِ الصَّبَّاغِ وَالْعَطَّارِ فِي حَانُوتَيْنِ أَوْ تَدَاعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ فَهُوَ أَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو لِلْمُلَابَسَةِ فِي حَقِّ الزَّوْجَيْنِ فَسَلَكَ بِهِمَا أَقْرَبَ الطُّرُقِ فِي إثْبَاتِ أَمْوَالِهِمَا وَلَا ضَرُورَةَ تَدْعُو لِمُلَابَسَةِ الْعَطَّارِ وَالصَّبَّاغِ فَجَرَيَا عَلَى قَاعِدَةِ الدَّعَاوَى وَأَمَّا مَعَ كَوْنِهِمَا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ فَهُوَ أَنَّ الْإِشْهَادَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يَتَعَذَّرُ لِأَنَّهُمَا لَوْ اعْتَمَدَا ذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ أَشْهَدَ عَلَيْهِ لَأَدَّى ذَلِكَ إلَى الْمُنَافَرَةِ وَعَدَمِ الْوِدَادِ بَيْنَهُمَا وَرُبَّمَا أَفْضَى ذَلِكَ إلَى الطَّلَاقِ وَالْقَطِيعَةِ فَهُمَا مَعْذُورَانِ فِي عَدَمِ الْإِشْهَادِ كَالْغِفَارَةِ إلَى ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يُقْضَ بَيْنَهُمَا مَعَ ذَلِكَ الْإِلْجَاءِ بِالْعَادَةِ لَاسْتَدَّ الْبَابُ عَلَيْهِمَا بِخِلَافِ الْعَطَّارِ وَالصَّبَّاغِ إذَا كَانَا فِي حَانُوتٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ لَا ضَرُورَةَ تَدْعُوهُمَا لِعَدَمِ الْإِشْهَادِ لِكَوْنِهِمَا أَجْنَبِيَّيْنِ لَا يَتَأَلَّمَانِ مِنْ ضَبْطِ أَمْوَالِهِمَا بِذَلِكَ (وَأَمَّا عَنْ الْقِيَاسِ) عَلَى مَا إذَا كَانَ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ بِيَدِ ثَالِثٍ فَهُوَ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْمُسْتَنَدَ عِنْدَنَا فِي مَسْأَلَتِنَا أَمْرَانِ: الْيَدُ مَعَ الصَّلَاحِيَةِ إذْ لَا فَرْقَ عِنْدَنَا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الرَّجُلَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَبَيْنَ الْيَدِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْمُشَاهَدَةِ فَلَوْ تَعَلَّقَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ بِخَلْخَالٍ وَأَيْدِيهِمَا جَمِيعًا يَتَجَاذَبَانِهِ
стр. 644
كَدَفْعِ الْمَغْصُوبِ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ الْغَاصِبُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسُدُّ الْمَسَدَ وَيُزِيلُ التَّكْلِيفَ وَدَفْعِ النَّفَقَاتِ لِلزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَالدَّوَابِّ فَإِنْ دَفَعَهَا غَيْرُ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ أَجْزَأَتْ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ الْمَأْمُورُ بِهَا مِنْ زَوْجٍ أَوْ قَرُبَتْ، وَكَذَلِكَ دَفْعُ اللُّقَطَةِ لِمُسْتَحِقِّهَا وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ مُلْتَقِطُهَا، وَهَذَا النَّحْوُ (وَقِسْمٌ) اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى عَدَمِ إجْزَاءِ فِعْلِ غَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِيهِ وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالتَّوْحِيدُ وَالْإِجْلَالُ وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ .
وَكَذَلِكَ حُكِيَ فِي الصَّلَاةِ الْإِجْمَاعُ وَنُقِلَ الْخِلَافُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَيُقَالُ إنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ (وَقِسْمٌ) مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ يُجْزِئُ فِعْلُ غَيْرِ الْمَأْمُورِ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ وَيَسُدُّ الْمَسَدَ أَمْ لَا وَفِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الزَّكَاةُ إنْ أَخْرَجَهَا أَحَدٌ بِغَيْرِ عِلْمِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِ إذْنِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْإِمَامِ فَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا فِي الْأُضْحِيَّةِ يَذْبَحُهَا غَيْرُ رَبِّهَا بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَإِذْنِهِ إنْ كَانَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ صَدِيقَهُ وَمِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ لِأَنَّهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لَا كَلَامٌ فِيهِ وَصَحِيحٌ ظَاهِرٌ إلَّا قَوْلَهُ بِتَقْدِيرِ مِلْكِ الْمَقْتُولِ خَطَأً لِلدِّيَةِ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِيهَا عِنْدِي أَنَّهُ يَمْلِكُهَا بِإِنْفَاذِ الْمَقَاتِلِ لَا بِالزُّهُوقِ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بِالزُّهُوقِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ إلَى أَجَلٍ يَدْخُلُ فِي مِلْكِ الْبَائِعِ بِالْعَقْدِ، ثُمَّ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ إلَّا عِنْدَ تَمَامِ الْأَجَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِلَّا قَوْلَهُ يُقَدَّرُ انْتِقَالُ مِلْكِهِ عَنْهُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ قَبْلَ صُدُورِ الْعِتْقِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ صِحَّةِ النِّيَابَةِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِهِ قَضَيْنَا بِهِ لِلْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا وَلَوْ تَجَاذَبَا سَيْفًا كَانَ لِلرَّجُلِ مَعَ يَمِينِهِ وَالْمُسْتَنَدُ فِيمَا إذَا كَانَ بِيَدِ ثَالِثٍ الصَّلَاحِيَةُ فَقَطْ إذْ لَيْسَ لِأَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ عَلَيْهِ يَدٌ وَقَوْلُنَا مَا يَصْلُحُ لِلزَّوْجَيْنِ يَكُونُ لِلزَّوْجِ مَعَ أَنَّهُ لَا ظَاهِرَ يَشْهَدُ لَهُ وَيَدُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَيْهِ لَيْسَ نَقْضًا لَا سَلْبًا وَلَا تَرْجِيحًا بِلَا مُرَجِّحَ نَظَرًا لِكَوْنِ الْيَدِ مُشْتَرَكَةً بَلْ هُوَ جَارٍ عَلَى أَصْلِنَا مِنْ التَّرْجِيحِ بِمُرَجِّحٍ لِأَنَّ يَدَ الزَّوْجِ أَقْوَى وَهُوَ الْمُرَجَّحُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي يَدِهِ وَتَحْتَ حَوْزِهِ وَالدَّارَ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسْكِنَهَا وَأَنْ يَجْبُرَهَا وَأَنْ يَخْدُمَهَا فَالدَّارُ هِيَ مِنْ قِبَلِهِ كَحَوْزِ امْرَأَتِهِ فَلِذَلِكَ قُضِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ كَالْمُدَاعِيَيْنِ لِأَحَدِهِمَا يَدٌ دُونَ الْآخَرِ وَكَوْنُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الظَّاهِرِ إنَّمَا يَشْهَدُ بِالِاسْتِعْمَالِ فَقَطْ فَإِنَّ السَّيْفَ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ الرِّجَالُ، وَالْحُلِيَّ إنَّمَا يَسْتَعْمِلُهُ النِّسَاءُ، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمِلْكِ لَا فِي الِاسْتِعْمَالِ وَقَدْ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ مَا يَصْلُحُ لِلرِّجَالِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ بِعَارِضٍ مِنْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ فَقَدْ أَنَكَحَ عَلِيٌّ ﵁ فَاطِمَةَ ﵂ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ وَقَدْ يَمْلِكُ الرِّجَالُ مَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ التَّمْلِيكِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْغَالِبَ فِيمَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ مِمَّا يَصْلُحُ لَهُ أَنَّهُ مِلْكُهُ وَيَنْدُرُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ وَإِذَا دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ فَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى الْغَالِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ هُوَ سَاكِنٌ فِي دَارٍ وَيَدُهُ عَلَيْهَا يُقْضَى لَهُ بِالْمِلْكِ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ وَظَاهِرِ الْمِلْكِ كَذَا فِي الْأَصْلِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَجَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ الْيَدَ لَهُمَا أَعْنِي الزَّوْجَيْنِ مَعَ قَوْلِهِمْ إنَّ الرَّجُلَ حَائِزٌ لِلْمَرْأَةِ فِيهِ دَرَكٌ لَا يَخْفَى وَبِالْجُمْلَةِ الْمَسْأَلَةُ مَحَلُّ نَظَرٍ اهـ بِلَفْظٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(وَصْلٌ) فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ بِأَرْبَعِ مَسَائِلَ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا اخْتَلَفَا وَهُمَا زَوْجَانِ أَوْ عِنْدَ الطَّلَاقِ أَوْ الْوَرَثَةُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالزَّوْجَانِ حُرَّانِ أَوْ عَبْدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قُضِيَ لِلْمَرْأَةِ بِمَا هُوَ شَأْنُ النِّسَاءِ وَلِلرَّجُلِ بِمَا هُوَ شَأْنُ الرِّجَالِ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا قُضِيَ بِهِ لِلرَّجُلِ لِأَنَّ الْبَيْتَ بَيْتُهُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ فَهُوَ تَحْتَ يَدِهِ فَيُقَدَّمُ لِأَجْلِ الْيَدِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَا يَكْفِي
أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ هَذَا لِي لِأَنَّهُ مَتَاعُ الْبَيْتِ حَتَّى يَقُولَ هَذَا مِلْكِي قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي تَهْذِيبِ الطَّالِبِ لَوْ تَنَازَعَا فِي رِدَاءٍ فَقَالَ هُوَ لَهَا إلَّا الْكَتَّانَ بِأَنْ قَالَ اشْتَرَيْته فَقَالَ أَصْبَغُ لَهُ بِقَدْرِ كَتَّانِهِ، وَلَهَا لِأَنَّهُ بِقَدْرِ عَمَلِهَا لَوْ ادَّعَاهُ صَدَقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّبَّاغِ وَالْعَطَّارِ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ مَالِكٌ مَا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَخَذَهُ مَعَ يَمِينِهِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يَمِينَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَصْلُحُ لَهُ إنَّمَا الْيَمِينُ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا يَصْلُحُ لَهُمَا وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ يُونُسَ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ نَحْوُ الْعِمَامَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ إلَّا أَنْ تَدَّعِي الْمَرْأَةُ إرْثَهُ فَيَحْلِفُ وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ لَا يُقْضَى لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ إلَّا بَعْدَ يَمِينِهِ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ مَا يَصْلُحُ لَهُمَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ اخْتَلَفَا قَبْلَ الطَّلَاقِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ بَعْدَ خُلْعٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ فِرَاقٍ أَوْ إيلَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مَاتَا أَوْ أَحَدُهُمَا وَاخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ وَالزَّوْجَانِ حُرَّانِ أَوْ عَبْدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا حُرٌّ وَالْآخَرُ عَبْدٌ كَانَتْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً أَمْ لَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ كَانَتْ لَهَا عَلَيْهِ يَدٌ مُشَاهَدَةٌ أَوْ حُكْمِيَّةٌ فَالْيَدُ الْمُشَاهَدَةُ أَنْ يَكُونَا قَابِضَيْنِ عَلَى الشَّيْءِ فَيَتَجَاذَبَانِهِ وَيَتَنَازَعَانِ وَالْحُكْمِيَّةُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ الَّتِي يَسْكُنَانِهَا وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ الزَّوْجَانِ وَالْأَجْنَبِيَّانِ وَذَوَاتُ الْمَحَارِمِ إذَا سَكَنَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فِي دَارٍ وَهَذَا الْأَصْلُ لَا مُنَاقَضَةَ فِيهِ عَلَى الْمَذْهَبِ حَتَّى قَالَ أَئِمَّتُنَا لَوْ اخْتَلَفَ عَطَّارٌ وَدَبَّاغٌ فِي الْمِسْكِ وَالْجِلْدِ وَاخْتَلَفَ الْقَاضِي وَالْحَدَّادُ فِي الْقَلَنْسُوَةِ وَالْكِيرِ وَكَانَتْ لَهُمَا عَلَيْهِ يَدٌ حُكْمِيَّةٌ فِي دَارٍ يَسْكُنَانِهَا أَوْ مُشَاهَدَةٍ
стр. 645
بِمَنْزِلَةِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ لِتَمَكُّنِ الصَّدَاقَةِ بَيْنَهُمَا أَجْزَأَتْهُ الْأُضْحِيَّةُ إنْ كَانَ مَخْرَجُ الزَّكَاةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنَّ الزَّكَاةَ تُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّ كِلَيْهِمَا عِبَادَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا مُفْتَقِرَةٌ لِلنِّيَّةِ وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا تُجْزِئُ عَنْ رَبِّهَا لِافْتِقَارِهَا لِلنِّيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ لِأَجْلِ شَائِبَةِ الْعِبَادَةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَ فِعْلُ الْغَيْرِ فِيهَا مُطْلَقًا كَالدَّيْنِ الْوَدِيعَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَعْنِي عَدَمَ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَاسَهَا عَلَى الدُّيُونِ وَاسْتَدَلَّ بِأَخْذِ الْإِمَامِ لَهَا كُرْهًا عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ وَبِاشْتِرَاطِهَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵄ لِمَا فِيهَا مِنْ شَائِبَةِ التَّعَبُّدِ مِنْ جِهَةِ مَقَادِيرِهَا فِي نَصْبِهَا وَالْوَاجِبِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ وَإِنْ أَخَذَهَا الْإِمَامُ كُرْهًا وَهُوَ عَدْلٌ أَجْزَأَتْ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى اعْتِمَادًا عَلَى فِعْلِ الصِّدِّيقِ ﵁ وَلِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ الَّذِي أَقَلُّ مَرَاتِبِهِ الْإِذْنُ وَالْإِجْزَاءُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ فَلَهُ أَخْذُ حَقِّهِمْ قَهْرًا كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَأْخُذُهَا الْإِمَامُ كُرْهًا لَكِنْ يُلْجِئُهُ إلَى دَفْعِهَا بِالْحَبْسِ وَغَيْرِهِ لِافْتِقَارِهَا لِلنِّيَّةِ وَإِلَّا كُرِهَ مَعَ النِّيَّةِ مُتَنَافِيَانِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) الْحَجُّ عَنْ الْغَيْرِ مَنَعَهُ مَالِكٌ وَجَوَّزَهُ الشَّافِعِيُّ ﵄ بِنَاءً عَلَى شَائِبَةِ الْمَالِ وَالْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةِ يَدْخُلُهَا النِّيَابَاتُ وَمَالِكٌ يُلَاحِظُ أَنَّ الْمَالَ فِيهِ عَارِضٌ بِدَلِيلِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَوْ تَنَازَعَ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ رُمْحًا وَهُمَا يَتَجَاذَبَانِهِ فَالْقَوْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ قَوْلُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ فَيُحْكَمُ لِلرَّجُلِ بِالرُّمْحِ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ دُمْلُجًا قُضِيَ بِهِ لِلْمَرْأَةِ مَعَ يَمِينِهَا وَيُقْضَى لِلْعَطَّارِ بِالْمِسْكِ مَعَ يَمِينِهِ وَأَمَّا إنْ كَانَ الزَّوْجَانِ فِي الْبَيْتِ فَحَازَ أَحَدُهُمَا فِي يَدِهِ وَقَبْضَتِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْآخَرِ دُونَهُ قَالَ فَاَلَّذِي يَتَبَيَّنُ لِي فِيهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ مَنْ حَازَهُ دُونَ الْآخَرِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ الَّذِي تُقَدَّمُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَيُقْضَى لَهَا بِهِ لِأَجْلِ الصَّلَاحِيَةِ الْحُلِيُّ وَثِيَابُ النِّسَاءِ وَجَمِيعُ الْجِهَازِ مِنْ الطَّسْتِ وَالْمَنَارَةِ وَالثِّيَابِ وَالْقَبْقَابِ وَالْبُسُطِ وَالْوَسَائِدِ وَالْمَرَافِقِ وَالْفُرُشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يُقْضَى بِهِ لِلرَّجُلِ السِّلَاحُ وَالْمِنْطَقَةُ وَالْخَاتَمُ الْفِضِّيَّةُ وَثِيَابُ الرَّجُلِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَاَلَّذِي يَصْلُحُ لَهُمَا كَالدَّارِ الَّتِي يَسْكُنَانِهَا وَالرَّقِيقِ.
وَأَمَّا أَصْنَافُ الْمَاشِيَةِ فَلِمَنْ حَازَهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ وَكَذَلِكَ مَا فِي الْمَرَابِطِ مِنْ خَيْلٍ أَوْ بِغَالٍ أَوْ حَمِيرٍ فَلِمَنْ حَازَهُ قَالَ مَالِكٌ وَالْحُصْرُ كَالدَّارِ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ لِلزَّوْجَةِ، هَذَا تَقْرِيرُ الْمَنْقُولَاتِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَتَنَاقَضَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ وَإِنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ مُوَافِقًا لَنَا فَقَالَ مَا يَصْلُحُ لَهُمَا فَهُوَ لِلرَّجُلِ إنْ كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَهُوَ لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ أَصْحَابِهِ هُوَ لِوَرَثَةِ الزَّوْجِ كَقَوْلِنَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ تَدَاعَيَاهُ وَهُوَ فِي أَيْدِيهِمَا مُشَاهَدٌ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا إذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ يَسْكُنَانِ مَعًا فَتَدَاعَيَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ فَهُوَ لَهُ وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لِلْمَرْأَةِ فَهُوَ لَهَا وَمَا كَانَ يَصْلُحُ لَهُمَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا وَإِنْ اخْتَلَفَ الْعَطَّارُ وَالدَّبَّاغُ فِي الْمِسْكِ وَالْجِلْدِ فَإِنَّهُ يُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ فِيمَا إذَا مَاتَ الرَّجُلُ أَنَّ سُلْطَانَهُ زَالَ عَنْ الْمَرْأَةِ بِالْمَوْتِ فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ أَرْجَحَ فِيمَا تَدَعِّيهِ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَارِثَ شَأْنُهُ أَنْ يَنْتَقِلَ لَهُ مَا كَانَ لِمُوَرِّثِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ لَهُ بِدَلِيلِ الْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ الشَّرْطِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَطَرِيقَتُهُ وَاحِدَةٌ وَهِيَ أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إذَا تَدَاعَيَا شَيْئًا فَمَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ فَهُوَ لَهُ كَمَا قُلْنَاهُ وَإِلَّا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيَّانِ إذَا سَكَنَا دَارًا وَاحِدَةً
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ عبق الْمَسْأَلَةُ الَّتِي أَشَارَ لَهَا الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ وَفِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَلِلْمَرْأَةِ إلَخْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهَا كَوْنُ الشَّيْءِ لِأَحَدِهِمَا وَسَوَاءٌ كَانَ التَّنَازُعُ بَيْنَهُمَا أَوْ بَيْنَ وَرَثَةِ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ أَوْ بَيْنَ وَرَثَّتَيْهِمَا وَأَمَّا مَسْأَلَةُ مَنْ حَلَّى زَوْجَتَهُ تَزَيُّنًا بِحُلِيٍّ فِي مِلْكِهِ بِبَيِّنَةٍ وَلَمْ تُقِمْ هِيَ بَيِّنَةً عَلَى هِبَتِهِ لَهَا فَإِنَّهُ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِالنِّسَاءِ لَمْ تَخْتَصَّ بِهِ عَنْ الْوَرَثَةِ إذَا مَاتَ وَلَا تَأْخُذُهُ إذَا طَلَّقَهَا وَلَوْ طَالَ تَحَلِّيهَا بِهِ فِيهِمَا كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ عج فِي بَابِ الْهِبَةِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِتَحْلِيَةِ وَلَدِهِ وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ ذَلِكَ بِمِصْرَ وَإِنْ كَانَ الْمُشَاعُ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَمَتَّعَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ فَهُوَ لَهَا لِثُبُوتِ مِلْكِ الْحُلِيِّ لِلرَّجُلِ وَلَكِنْ حَلَّاهَا بِهِ كَمَا مَرَّ وَأَوْلَى مِنْ التَّحْلِيَةِ الْفُرُشُ وَنَحْوُهَا ثُمَّ لَا يُعَارِضُ هَذَا قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي الْهِبَةِ وَهِبَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ مَتَاعًا لِأَنَّهُ فِيمَا يَثْبُتُ أَنَّهُ وَهَبَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِصِيغَةٍ أَوْ مُفْهِمِهَا وَمَا هُنَا لَمْ يَقَعْ إلَّا التَّحْلِيَةُ أَوْ التَّمَتُّعُ بِالْفُرُشِ فَقَطْ. اهـ
بِتَصَرُّفٍ قَالَ الرَّهُونِيُّ وَمَا رَجَّحَهُ عج بِاقْتِصَارِهِ عَلَيْهِ هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ نَقْلًا وَمَعْنًى أَمَّا نَقْلًا فَلِقَوْلِ صَاحِبِ الْفَائِقِ وَأَفْتَى ابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ رُشْدٍ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الزَّوْجِ فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْ الْحُلِيِّ وَالثِّيَابِ وَأَعْطَاهُ لِزَوْجَتِهِ تَلْبَسُهُ وَتَتَزَيَّنُ بِهِ أَنَّهُ عَارِيَّةٌ لَا هِبَةٌ وَتَمْلِيكٌ وَكَذَلِكَ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ وَرَثَتِهِ فِي ذَلِكَ مَعَ أَيْمَانِهِمْ إلَّا أَنَّهُمْ يَحْلِفُونَ عَلَى الْعِلْمِ لَا عَلَى الْبَتِّ اهـ.
٢ -
وَفِي نَوَازِلِ النِّكَاحِ مِنْ الْمِعْيَارِ أَنَّ ابْنَ سِرَاجٍ
стр. 646
الْمَكِّيِّ يَحُجُّ بِغَيْرِ مَالٍ، بَلْ عُرُوضُ الْمَالِ فِي الْحَجِّ كَعُرُوضِ الْمَالِ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِمَنْ دَارُهُ بَعِيدَةٌ عَنْ الْمَسْجِدِ فَيَكْتَرِي دَابَّةً يَصِلُ عَلَيْهَا لِلْمَسْجِدِ وَلَمَّا لَمْ تَجُزْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ عَنْ الْغَيْرِ فَكَذَلِكَ الْحَجُّ وَلِلشَّافِعِيِّ الْفَرْقُ بِأَنَّ عُرُوضَ الْمَالِ فِي الْحَجِّ أَكْثَرُ وَلِمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ الْحَجِّ عَنْ الصِّبْيَانِ وَالْمَرْضَى يُحْرِمُ عَنْهُمْ غَيْرُهُمْ وَيَفْعَلُ أَفْعَالَ الْحَجِّ وَالْعِبَادَاتِ أَمْرٌ مُتَّبَعٌ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الصَّوْمُ عَنْ الْمَيِّتِ إذَا فَرَّطَ فِيهِ جَوَّزَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَرَوَى الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي مَذْهَبِهِمْ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ لَمْ يَصُمْ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» وَلَمْ يُجَوِّزْهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] وَقِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ أَيْضًا
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) عِتْقُ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ ظِهَارِ غَيْرِهِ عَلَى جُعْلٍ جَعَلَهُ لَهُ فَالْوَلَاءُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ وَعَلَيْهِ الْجُعْلُ وَلَا يُجْزِئُهُ كَالْمُشْتَرِي بِشَرْطِ الْعِتْقِ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْجُعْلِ وَضِيعَةٌ عَنْ الثَّمَنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ هِبَتُهُ فَبَيْعُهُ أَوْلَى.
وَقَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي الْعِتْقِ عَنْ الْغَيْرِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْإِجْزَاءُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَلِأَشْهَبَ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ أَذِنَ فِي الْعِتْقِ أَجْزَأَ عَنْهُ وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ قَالَ اللَّخْمِيُّ يُجْزِئُ الْعِتْقُ عَنْ ظِهَارِ الْغَيْرِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَإِنْ كَانَ أَبًا لِلْمُعْتِقِ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ بَيْنَ عِتْقِ الْإِنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ وَبَيْنَ دَفْعِ الزَّكَاةِ عَنْهُ فَلَا يُجْزِئُ فِي الثَّانِي؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الذِّمَّةِ وَالْكَفَّارَةُ فِي الذِّمَّةِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَالْحَقُّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَجَابَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى لِزَوْجِهِ جُمْلَةَ حَوَائِجَ مِنْ قَصَبِ ذَهَبٍ وَثَوْبَيْ حَرِيرٍ وَعِقْدِ جَوْهَرٍ وَفَرْخَةِ شُرْبٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَدَفَعَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِزَوْجِهِ الْمَذْكُورَةِ وَأَلْبَسَهَا إيَّاهَا عَلَى وَجْهِ الْمُتْعَةِ لَا التَّمْلِيكِ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اشْتَرَى قَطِيفَتَيْنِ وَمَطْرَحَيْنِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَبَقِيَتْ الزَّوْجَةُ تَلْبَسُ مَا سَاقَ لَهَا وَتَتَزَيَّنُ وَتَمْتَهِنُ الْقَطِيفَتَيْنِ وَالْمَطْرَحَيْنِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مُدَّةً أَزْيَدَ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ فَلَمَّا تُوُفِّيَ الزَّوْجُ فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْقَرِيبَةِ قَامَ بَعْضُ وَرَثَتِهِ يَطْلُبُ مِيرَاثَهُ فِي جُمْلَةِ مَا ذُكِرَ وَيَدَّعِيهِ مِلْكًا لِمُوَرِّثِهِ فَهَلْ يَجِبُ لِذَلِكَ الطَّالِبِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ مَعَ بَقَاءِ ذَلِكَ بِيَدِ الزَّوْجَةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ وَسُكُوتِ الزَّوْجِ مَعَ عِلْمِهِ بِامْتِهَانِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَدَفْعِهِ أَوَّلًا عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ بِمَا نَصَّهُ إنْ يَثْبُتْ أَنَّ الزَّوْجَ مَلَّكَ زَوْجَهُ تِلْكَ الْحَوَائِجَ كَانَتْ لَهَا وَإِلَّا حَلَفَ الْوَرَثَةُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَلَّكَهَا إيَّاهَا وَوَقَعَ فِيهَا الْمِيرَاثُ وَأَنَّ أَبَا عُثْمَانَ سَعِيدَ بْنَ ضُمَيْرٍ أَجَابَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَلَا يُعْرَفُ لَهَا جِهَازٌ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ وَتَدْخُلُ عَلَى جِهَازِ امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهُ قَبْلَ هَذِهِ وَيَشْتَرِي الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا يَكُونُ لِلنِّسَاءِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَيُقِيمُ الزَّوْجُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْتَاعَ ذَلِكَ كُلَّهُ بَعْدَ الْبِنَاءِ بِزَمَانٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ. وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ ذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ وَتَتَزَيَّنُ بِهِ فَيَنْزِلُ بَيْنَهُمَا فِرَاقٌ أَوْ مَوْتٌ فَتَدَّعِي الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ
بِمَا نَصَّهُ لَيْسَ لَهَا مِمَّا ذَكَرَتْ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ أَنَّهَا خَرَجَتْ بِهِ مِنْ بَيْتِهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهَا وَأَفَادَتْ مَالًا وَعُرِفَ ذَلِكَ وَاسْتَبَانَ وَاتَّضَحَ وَأَنَّهُ يَكُونُ كَمَا وَصَفَتْ وَمَا لَمْ يُعْرَفْ لَهَا مَالٌ وَلَا تَصَدَّقَ عَلَيْهَا وَلَا أَفَادَتْ فَلَيْسَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَقُولُ أَرَدْت جَمَالَ بَيْتِي وَجَمَالَ امْرَأَتِي وَزَيَّنْتهَا بِذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَقَوْلُ وَرَثَتِهِ بَعْدَهُ وَقِيلَ لِابْنِ ضُمَيْرٍ فَمَا تَرَى إنْ قَالَتْ إنِّي اكْتَسَبْته وَجَمَعْته فَقَالَ لَيْسَ يُعْرَفُ الْكَسْبُ لِلنِّسَاءِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِيرَاثًا أَوْ هِبَةً أَوْ صَدَقَةً وَيُعْرَفُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَجُوزُ مَا تَقُولُ إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ لَا يُعْرَفُ لَهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ مِنْ قَبْلِ دُخُولِهَا عَلَيْهِ وَأَجَابَ ابْنُ لُبَابَةَ أَمَّا مَا عُرِفَ مِمَّا ابْتَاعَهُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْبِنَاءِ لِامْرَأَتِهِ مِنْ حُلِيٍّ أَوْ مَتَاعٍ يُعْرَفُ لِلنِّسَاءِ وَيُزَيِّنُ امْرَأَتَهُ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَمْ يُشْهِدْ لَهَا عَلَى عَطِيَّةٍ وَلَا هِبَةٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ أَيْضًا وَلَا شَيْءَ لِلثَّانِيَةِ فِيهِ وَالْوَرَثَةُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهَا بَيِّنَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهَا. اهـ
وَفِي نَوَازِلِ الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ الْمِعْيَارِ فِي جَوَابٍ لِأَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ مَا نَصُّهُ دَعْوَى الْمَرْأَةِ فِي الثِّيَابِ أَنَّ زَوْجَهَا سَاقَهَا لَهَا لَا تُسْمَعُ إلَّا إذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الثِّيَابَ بِأَعْيَانِهَا مِنْ جُمْلَةِ السِّيَاقَةِ أَوْ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهَا عَلَى الْخُصُوصِ فَإِنْ لَمْ تُقِمْ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَعْلَمُونَ تِلْكَ الثِّيَابَ مِنْ مَالِ الْمَرْأَةِ وَلَا مَتَاعِهَا إلَى آخِرِ نَصِّ الْيَمِينِ وَلَا تَدْخُلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي مَسْأَلَةِ الِاخْتِلَافِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي لِبَاسِهَا تِلْكَ الثِّيَابَ وَامْتِهَانِهَا لَهَا فَهَلْ تَسْتَحِقُّهَا بِذَلِكَ أَمْ لَا وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْتَجِعَ كِسْوَةَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ فِرَاقِهَا إذَا كَانَتْ مُبْتَذَلَةً فَإِنْ لَمْ تُبْتَذَلْ كَانَ لَهُ ارْتِجَاعُهَا فَهَذِهِ الثِّيَابُ مِثْلُهَا إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ قَدْ ابْتَذَلَتْهَا فَهِيَ لَهَا وَإِلَّا صَارَتْ مِيرَاثًا اهـ.
وَأَمَّا مَعْنًى فَلِمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْإِنْسَانَ أَعْرَفُ بِكَيْفِيَّةِ خُرُوجِ مِلْكِهِ مِنْ يَدِهِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا كَانَ وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يَجِبُ أَنْ يُجَمِّلَ زَوْجَتَهُ لِيَسْتَمْتِعَ بِهَا وَيَخْشَى أَنْ يُمَلِّكَهَا ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا مَا يُوجِبُ الْفِرَاقَ أَوْ يَمُوتَ فَتَذْهَبَ بِمَالِهِ لِزَوْجٍ آخَرَ فَيَجْعَلُ
стр. 647
الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا كَالدَّيْنِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَائِرَةٌ بَيْنَ قَوَاعِدَ
(الْقَاعِدَةُ الْأُولَى) قَاعِدَةُ التَّقَادِيرِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إعْطَاءُ الْمَوْجُودِ حُكْمَ الْمَعْدُومِ وَالْمَعْدُومِ حُكْمَ الْمَوْجُودِ فَالْأَوَّلُ كَالْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ فِي الْعُقُودِ إذَا قَلَّا أَوْ تَعَذَّرَ الِاحْتِرَازُ عَنْهُمَا نَحْوُ أَسَاسِ الدَّارِ وَقُطْنِ الْجُبَّةِ وَرَدَاءَةِ بَوَاطِنِ الْفَوَاكِهِ وَدَمِ الْبَرَاغِيثِ وَنَجَاسَةِ ثَوْبِ الْمُرْضِعِ وَالْوَارِثِ الْكَافِرِ أَوْ الْعَبْدِ يُقَدَّرُ عَدَمُهُ فَلَا يُحْجَبُ وَالثَّانِي كَتَقْدِيرِ الْمِلْكِ فِي الدِّيَةِ مُقَدَّمًا قَبْلَ زُهُوقِ الرُّوحِ فِي الْمَقْتُولِ خَطَأً حَتَّى يَصِحَّ فِيهَا الْإِرْثُ فَإِنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا بِالزُّهُوقِ وَحِينَئِذٍ لَا يُقْبَلُ الْمَحَلُّ الْمِلْكَ وَالْمِيرَاثُ فَرْعُ مِلْكِ الْمَوْرُوثِ فَيُقَدِّرُ الشَّارِعُ الْمِلْكَ مُتَقَدِّمًا قَبْلَ الزُّهُوقِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى يَصِحَّ الْإِرْثُ وَكَتَقْدِيرِ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْعِبَادَاتِ مُمْتَدَّةً إلَى آخِرِهَا وَكَتَقْدِيرِ الْإِيمَانِ فِي حَقِّ النَّائِمِ الْغَافِلِ حَتَّى تَنْعَصِمَ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ وَتَقْدِيرِ الْكُفْرِ فِي الْكَافِرِ الْغَافِلِ حَتَّى تَصِحَّ إبَاحَةُ الدَّمِ وَالْمَالِ وَالذُّرِّيَّةِ وَقَاعِدَةُ التَّقَادِيرِ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي خِطَابِ الْوَضْعِ
(الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ الْهِبَةَ إذَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا قَبْضٌ بَطَلَتْ
(الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ) الْكَفَّارَاتُ عِبَادَةٌ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا، وَقِيلَ لَا تَجِبُ النِّيَّةُ
(الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ) كُلُّ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ نَفَذَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مُتَبَرِّعًا لَمْ يَرْجِعْ بِهِ أَوْ غَيْرَ مُتَبَرِّعٍ وَهُوَ مَنْفَعَةٌ فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ أَوْ مَالٌ فَلَهُ أَخْذُهُ مِمَّنْ دَفَعَهُ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَعْمُولُ لَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عَمَلِ ذَلِكَ بِالِاسْتِئْجَارِ أَوْ إنْفَاقِ ذَلِكَ الْمَالِ أَمَّا إنْ كَانَ شَأْنُهُ فِعْلَهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ اسْتِئْجَارٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغُلَامِهِ وَتَحْصُلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ذَلِكَ بِيَدِهَا عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ فَيَحْصُلُ لَهُ مَا أَحَبَّ وَيَأْمَنُ مِمَّا يَخْشَاهُ فَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ وَقِيلَ الْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجَةِ مُطْلَقًا وَقِيلَ بِالتَّفْصِيلِ فَفِي الْفَائِقِ مَا نَصُّهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ مَا اشْتَرَاهُ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ مِنْ الثِّيَابِ فَلَبِسَتْهَا فِي غَيْرِ الْبِذْلَةِ ثُمَّ نَزَلَ بَيْنَهُمَا فِرَاقٌ وَادَّعَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَارِيَّةٌ وَأَنْكَرَتْهُ نُظِرَ فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِثْلُهُ يَشْتَرِي الثِّيَابَ لِزَوْجِهِ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُ فِي مُلَائِهِ وَشَرَفِهِ لَا يَشْتَرِي ذَلِكَ لِلْعَارِيَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا مَعَ يَمِينِهَا قَالَ وَسَوَاءٌ كَانَ لِبَاسُهَا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا. اهـ
وَذَكَرَ ابْنُ عَاتٍ فِي طُرَرِهِ قَوْلَ الدَّاوُدِيِّ وَزَادَ مَا نَصُّهُ قَالَ ابْنُ تُلَيْدٍ وَإِنْ ابْتَاعَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ كِسْوَةً مِثْلَ ثَوْبٍ أَوْ فَرْوٍ ثُمَّ تَمُوتُ فَيُرِيدُ أَخْذَهَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ وَهُوَ مَوْرُوثٌ عَنْهَا وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ فِي الْمَوْتِ وَالطَّلَاقِ وَبِهِ الْعَمَلُ وَهَذَا إذَا كَانَتْ لِغَيْرِ الْبِذْلَةِ اهـ وَجَرَيَانُ الْعَمَلِ بِهَذَا الْقَوْلِ لَا يَقْتَضِي تَقْدِيمَهُ عَلَى الرَّاجِحِ لِأَنَّ لِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ شُرُوطًا مِنْهَا اسْتِمْرَارُ الْعَمَلِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا إذْ كَثِيرٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِمَّنْ بَعْدَ صَاحِبِ الطِّرَازِ لَمْ يُعَرِّجُوا عَلَيْهِ وَأَفْتَوْا بِغَيْرِهِ سَيِّدِي عَبْدُ الْقَادِرِ الْفَاسِيُّ فِي أَجْوِبَتِهِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ وَلَدُهُ فِي نَظْمِ الْعَمَلِ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ تَعَرَّضُوا لِعَدِّ مَا بِهِ الْعَمَلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي قَوْلِ الْإِمَامِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ لَكِنْ يَبْقَى النَّظَرُ فِي لِبَاسِهَا تِلْكَ الثِّيَابَ وَامْتِهَانِهَا فَهَلْ تَسْتَحِقُّهَا بِذَلِكَ أَمْ لَا إلَخْ نَظَرٌ ظَاهِرٌ وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ الْإِمَامَانِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَسَيِّدِي عَبْدُ الْقَادِرِ الْفَاسِيُّ.
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا اعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقِيَاسِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ الَّتِي جَعَلَهَا أَصْلًا لِهَذِهِ مُبَايِنَةٌ لِهَذِهِ أَشَدَّ الْمُبَايَنَةِ لِأَنَّ مَسْأَلَتَنَا هَذِهِ قَدْ سَلَّمَ هُوَ نَفْسُهُ أَنَّ دَفْعَ الزَّوْجِ لِمَا ذُكِرَ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْعَارِيَّةِ وَعَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ وَهَبَهَا مَثَلًا وَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ بَلْ وَلَا خَارِجَهُ فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّ الْعَارِيَّةَ لَا تُمْلَكُ بِطُولِ الِانْتِفَاعِ بِهَا وَلَا بِامْتِهَانِ الْمُعَارِ إيَّاهَا وَدَفْعُ الزَّوْجِ الْكِسْوَةَ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ كَانَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ التَّمْلِيكِ أَدَاءً لِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ الِاسْتِمْتَاعِ فَرَّقُوا بَيْنَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ عَنْ قُرْبٍ فَتَرْجِعُ لَهُ أَوْ بُعْدٍ فَلَا وَحَدُّوا الْبُعْدَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَمَا أَشَارَ لَهُ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي بِقَوْلِهِ لَا الْكِسْوَةَ بَعْدَ أَشْهُرٍ فَيَلْزَمُ عَلَى قِيَاسِهِ هَذَا أَنَّهَا مَهْمَا أَقَامَتْ بِيَدِهَا الْعَارِيَّةُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فَهُوَ لَهَا وَالنُّصُوصُ مُصَرِّحَةٌ بِرَدِّ ذَلِكَ فَرَاجِعْهَا مُتَأَمِّلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَتَأَمَّلْهُ بِإِنْصَافٍ.
وَعَكْسُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِثْلُهَا وَهِيَ أَنْ تَكْسُوَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فَفِي الْفَائِقِ مَا نَصُّهُ كَتَبَ إلَى الْقَاضِي أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ ﵀ مَا تَقُولُ فِيمَا تُخْرِجُهُ الْمَرْأَةُ أَوْ وَلِيُّهَا فِي شُورَتِهَا بِاسْمِ الزَّوْجِ كَالْغِفَارَةِ وَالْمَحْشُوِّ وَالْقَمِيصِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَرُبَّمَا لَبِسَ ذَلِكَ الزَّوْجُ بَعْدَ بِنَائِهِ بِالْأَيَّامِ الْيَسِيرَةِ أَوْ الْكَثِيرَةِ وَرُبَّمَا لَمْ يَلْبَسْهَا ثُمَّ تَذْهَبُ الزَّوْجَةُ وَوَلِيُّهَا إلَى أَخْذِ الثِّيَابِ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا كَانَتْ عَارِيَّةً وَأَنَّهَا جَعَلَتْ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّزَيُّنِ لَا عَلَى طَرِيقِ الْعَطِيَّةِ فَهَلْ تَرَى ذَلِكَ لِلزَّوْجِ أَمْ لَا فَأَجَابَ إنْ كَانَ فِي هَذِهِ الثِّيَابِ الْمُخْرَجَةِ فِي الشُّورَةِ عُرْفُ الْبَلَدِ قَدْ جَرَى بِهِ الْأَمْرُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ حُكِمَ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ عُرْفٌ مَعْلُومٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيُّهَا فِيمَا يَدَّعِيَانِ مِنْ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّزْيِينِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا رَبَّ سِوَاهُ. اهـ
وَنَحْوُهُ فِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ وَنَسَبَهُ لِمُخْتَصَرِ الْخُدَيْرِيَّةِ وَنَحْوُهُ فِي الدُّرِّ النَّثِيرِ وَنَسَبَهُ لِمُخْتَصَرِ الْخُدَيْرِيَّةِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْمَوَّاقُ
стр. 648
تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ بِغَيْرِ مَالٍ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ فِي عَدَمِ التَّبَرُّعِ وَهَذِهِ قَاعِدَةُ مَذْهَبِ مَالِكٍ نَصَّ عَلَيْهَا ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَصَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ وَلَا تَخْتَصُّ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِمَا يَجِبُ عَلَى الْمَدْفُوعِ عَنْهُ كَالدَّيْنِ، بَلْ يَنْدَرِجُ فِيهَا غُسْلُ الثَّوْبِ وَخِيَاطَتُهُ وَرَمْيُ التُّرَابِ مِنْ الدَّارِ وَنَحْوُ ذَلِكَ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَيَجْعَلُ مَالِكٌ لِسَانَ الْحَالِ قَائِمًا مَقَامَ لِسَانِ الْمَقَالِ فَكَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ بِلِسَانِ مَقَالِهِ وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَجَعَلَ الْأَصْلَ فِي فِعْلِ الْغَيْرِ التَّبَرُّعَ.
وَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمَدْفُوعُ عَنْهُ بِلِسَانِ الْمَقَالِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَهُوَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فَيَقُولُ الْمُعْتِقُ قَامَ عَنْ الْمُعْتَقِ عَنْهُ بِوَاجِبٍ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَفْعَلَهُ وَيُقَدَّرُ انْتِقَالُ مِلْكِهِ عَنْهُ لِلْمُعْتَقِ عَنْهُ قَبْلَ صُدُورِ الْعِتْقِ بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ حَتَّى يَثْبُتَ الْوَلَاءُ وَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ بِقَاعِدَةِ النِّيَّةِ فَإِنَّهُ يَشْتَرِطُهَا وَهِيَ مُتَعَذِّرَةٌ مَعَ الْغَفْلَةِ وَنُجِيبُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْعِتْقِ عَنْ الْمَيِّتِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْفَرْقُ بِأَنَّ الْحَيَّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ الْعِتْقِ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الْمَيِّتِ، وَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ بَابُ التَّقَرُّبِ فَنَاسَبَ أَنْ يُوَسِّعَ الشَّرْعُ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَهُ الْقِيَاسُ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ كُرْهًا مَعَ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهَا وَيُفَرَّقُ أَيْضًا بِأَنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ لِأَجْلِ امْتِنَاعِ الْمَالِكِ وَهَاهُنَا الْمُعْتَقُ عَنْهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ وَبِأَنَّ مَصْلَحَةَ الزَّكَاةِ عَامَّةٌ فَيُوَسَّعُ فِيهَا لِعُمُومِ الضَّرُورَةِ بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ وَهِيَ خَاصَّةٌ فَلَا يُخَالِفُ فِيهَا قَاعِدَةَ النِّيَّةِ وَالشَّافِعِيُّ يَعْتَبِرُ قَاعِدَةَ النِّيَّةِ وَهِيَ مَنْفِيَّةٌ حَالَةَ عَدَمِ الْإِذْنِ وَأَشْهَبُ يَقُولُ الْإِذْنُ مِنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عِنْدَ قَوْلِهِ قَبْلُ إلَّا أَنْ يُسْتَحَقَّ شَيْءٌ فَيَلْزَمَ وَكُلُّهُمْ سَاقُوهُ كَأَنَّهُ الْمَذْهَبُ وَلَمْ يَحْكُوا غَيْرَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ كَلَامُ الرَّهُونِيِّ بِتَصَرُّفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(خَاتِمَةٌ) نَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَهَا اعْلَمْ رَحِمَك اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ اعْتِبَارَ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ هُنَا عِنْدَ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ تَارَةً وَعَدَمَ اعْتِبَارِهَا تَارَةً كَمَا عَلِمْت مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ الَّذِي فَاتَ الْأَصْلَ ذِكْرُهُ فِي فُرُوقِهِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَادَةِ الْمُحَكَّمَةِ وَالْعَادَةِ الْغَيْرِ الْمُحْكَمَةِ وَأَنَا أُحَرِّرُهُ لَك هُنَا لِيَتَّضِحَ لَك الْمَقَامُ بِحَوْلِ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ فَأَقُولُ قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فِي كِتَابِهِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ الْفِقْهِيَّةِ مَا خُلَاصَتُهُ إنَّ الْعَادَةَ الْمُحَكَّمَةَ مَا تَحَقَّقَ فِيهَا شَرْطَانِ
(الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) الِاطِّرَادُ فَلَا تُعْتَبَرُ الْمُطَرِّبَةُ وَفِي اعْتِبَارِ مَا تَعَارَضَتْ فِي اعْتِبَارِهَا لِظُنُونٍ خِلَافٌ
(الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ لَا تَتَعَارَضَ مَعَ شَرْعٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ وَالْإِقْدَامُ عَلَيْهَا قَطْعًا مَثَلًا إذَا أَوْصَى لِأَقَارِبِهِ لَمْ يَدْخُلْ وَرَثَتُهُ عَمَلًا بِتَخْصِيصِ الشَّرْعِ إذْ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ قَالَ وَأَصْلُهَا قَالَ الْقَاضِي قَوْلُهُ ﷺ «مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ» قَالَ الْعَلَائِيُّ وَلَمْ أَجِدْهُ مَرْفُوعًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ أَصْلًا وَلَا بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ بَعْدَ طُولِ الْبَحْثِ وَكَثْرَةِ الْكَشْفِ وَالسُّؤَالِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَاعْتِبَارُ الْعَادَةِ وَالْعُرْفِ رَاجِعٌ إلَيْهِ مَسَائِلُ فِي الْفِقْهِ لَا تُعَدُّ كَثْرَةً قَالَ فَتُعْتَبَرُ وَتُقَدَّمُ حَتَّى عَلَى الشَّرْعِ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حُكْمٌ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّمَكِ وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ لَحْمًا أَوْ لَا يَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ أَوْ تَحْتَ سَقْفٍ أَوْ فِي ضَوْءِ سِرَاجٍ لَمْ يَحْنَثْ بِالْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ بِسَاطًا وَلَا تَحْتَ السَّمَاءِ وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سَقْفًا وَلَا فِي الشَّمْسِ وَإِنْ سَمَّاهَا اللَّهُ سِرَاجًا أَوْ لَا يَضَعُ رَأْسَهُ عَلَى وَتَدٍ لَمْ يَحْنَثْ بِوَضْعِهَا عَلَى جَبَلٍ وَإِنْ سَمَّاهُ اللَّهُ وَتَدًا أَوْ لَا يَأْكُلُ مَيْتَةً أَوْ دَمًا لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ فَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ يُقَدَّمُ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ عَلَى الشَّرْعِ لِأَنَّهَا اسْتَعْمَلَتْ فِيهِ تَسْمِيَةٌ بِلَا تَعَلُّقِ حُكْمٍ وَتَكْلِيفٍ قَالَ وَفِي تَقْدِيمِهِ عَلَى اللُّغَةِ إذَا تَعَارَضَ مَعَهَا لِأَنَّهُ مُحْكَمٌ فِي التَّصَرُّفَاتِ سِيَّمَا الْأَيْمَانُ أَوْ تَقْدِيمُ اللُّغَةِ عَمَلًا بِالْوَضْعِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ فِي حَقِّ الْعَرَبِيِّ فَقَطْ أَمَّا الْعَجَمِيُّ فَيُعْتَبَرُ عُرْفُهُ قَطْعًا إذْ لَا وَضْعَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ وَأَمَّا الْعُرْفُ الْخَاصُّ فَإِنْ كَانَ مَحْصُورًا لَمْ تُؤَثِّرْ مُعَارَضَتُهُ لِلْعُرْفِ الْعَامِّ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ اُعْتُبِرَ وَنَزَلَ مَنْزِلَةَ الْعَامِّ فِي الْأَصَحِّ فَافْهَمْ اهـ.
وَمِنْهُ تَعْلَمُ أَنَّ الْعَادَةَ الْغَيْرَ الْمُحْكَمَةَ مَا انْتَفَى عَنْهَا أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمُطْرِبَةَ لَمْ تَتَقَرَّرْ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى تُعْتَبَرَ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِمُعَارَضَتِهَا لِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ فَيَكُونُ حُكْمُهَا مُنْكَرًا مِنْ بَقَايَا الْجَاهِلِيَّةِ فِي كُفْرِهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ وَعُكُوفِهِمْ عَلَى عَوَائِدِهِمْ الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِإِبْطَالِهَا فَمَنْ اسْتَحَلَّهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ حُكِمَ بِكُفْرِهِ وَارْتِدَادِهِ كَمَا فِي بُغْيَةِ الْمُسْتَرْشِدِينَ عَنْ أَحْكَامِ النَّوَازِلِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَنْ فَتَاوَى بَامَخْرَمَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ) .
وَذَلِكَ أَنَّ الصَّرِيحَ لُغَةً كَمَا فِي الْمُخْتَارِ كُلُّ خَالِصٍ أَيْ لِقَوْلِ الْعَرَبِ لَبَنٌ صَرِيحٌ إذَا لَمْ يُخَالِطْهُ شَيْءٌ وَنَسَبٌ صَرِيحٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ فَاللَّفْظُ الصَّرِيحُ مَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْبُعْدِ وَشَرْعًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ
стр. 649
بَابِ الْكَلَامِ وَالْإِبَاحَةِ وَالنِّيَّةُ مِنْ بَابِ الْمَقَاصِدِ وَالْإِرَادَةِ فَلَا يَقُومُ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَصْدُ الْإِنْسَانِ لِعِتْقِ مِلْكِ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ إنْ دَفَعَ لَهُ جُعْلًا أَجْزَأَ وَإِلَّا فَلَا لِلْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ فَتَخْرُجُ بِالْجُعْلِ عَنْ الْهِبَةِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى قَصْدٍ فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ هِيَ سِرُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مُشْكِلَةٌ وَأَشْكَلَ مِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعِتْقُ عَنْ الْغَيْرِ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَهَذَا أَشْكَلُ مِنْ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ دَلَالَةُ الْحَالِ دُونَ الْمَقَالِ وَهَاهُنَا لَا دَلَالَةَ حَالٍ وَلَا يُقَالُ فَلَا يُتَّجَهُ وَيَكُونُ أَبْعَدَ مِنْ الْعِتْقِ عَنْ الْوَاجِبِ.
وَمَنْ يَشْتَرِطُ الْإِذْنَ يَقُولُ الْإِذْنُ تَضَمَّنَ الْوَكَالَةَ فِي نَقْلِ مِلْكِهِ لِلْآذِنِ وَعِتْقِهِ عَنْهُ بَعْدَ انْتِقَالِ الْمِلْكِ وَيَكُونُ الْمَأْذُونُ لَهُ وَكِيلًا فِي الْأَمْرَيْنِ وَمُتَوَلِّيًا لِطَرَفَيْ الْعَقْدِ وَالْمُوجِبُ لِهَذِهِ التَّقَادِيرِ كُلِّهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا التَّصَرُّفُ إلَّا بِهَا وَمَا تَعَذَّرَ تَصْحِيحُ الْكَلَامِ إلَّا بِهِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ صَوْنًا لِلْكَلَامِ عَنْ الْإِلْغَاءِ فَهَذَا تَحْرِيرُ هَذَا الْفَرْقِ وَتَحْرِيرُ مَسَائِلِهِ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ هِيَ سِرُّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ مُشْكِلَةٌ وَأَشْكَلُ مِنْهَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّهُ يَجُوزُ الْعِتْقُ عَنْ الْغَيْرِ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَهَذَا أَشْكَلُ مِنْ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ دَلَالَةُ الْحَالِ دُونَ الْمَقَالِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) ، قُلْت لَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ جَوَازِ النِّيَابَةِ فِي الْأُمُورِ الْمَالِيَّةِ عِبَادَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا وَلَا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى الْإِذْنِ وَلَا إلَى تَقْدِيرِ الْمِلْكِ وَالْوَكَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَمَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدُ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي الْمُقَدِّمَاتِ فِي الصَّرِيحِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فَعِنْدَ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ لَفْظُ الطَّلَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ الصَّرِيحُ الطَّلَاقُ وَمَا اشْتَهَرَ مَعَهُ كَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِّيَّةِ وَنَحْوِهِمَا، وَقِيلَ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ كَالطَّلَاقِ وَالسَّرَاحِ وَالْفِرَاقِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] وقَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَبِمَاذَا يَلْزَمُ هَلْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ لِمَالِكٍ وَيُرِيدُ بِالنِّيَّةِ التَّطْلِيقَ بِالْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ، وَقِيلَ بِاللَّفْظِ فَقَطْ قَالَ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا هَذَا فِي الْفُتْيَا، وَأَمَّا فِي الْقَضَاءِ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَكِنَايَتِهِ وَلَا يُصَدَّقُ اتِّفَاقًا اهـ
(وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ) مِنْ الثَّلَاثَةِ فِي الصَّرِيحِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ فَفِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ وَلَفْظَةُ طَلَّقْت وَأَنَا طَالِقٌ أَوْ أَنْتِ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ الطَّلَاقُ لِي لَازِمٌ لَا مُنْطَلِقَةٌ وَتَلْزَمُ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ اهـ قَالَ الْبُنَانِيُّ أَيْ لَفْظُ الصَّرِيحِ مَحْصُورٌ فِي الْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا فِي ضج عَنْ الْقَرَافِيِّ مِنْ أَنَّ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّرِيحَ هُوَ مَا كَانَ فِيهِ الْحُرُوفُ الثَّلَاثَةُ الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ وَهُوَ مُشْكِلٌ لِشُمُولِهِ نَحْوُ مُنْطَلِقَةٍ وَمَطْلُوقَةٍ فَلِذَا عَدَلَ هُنَا عَنْ ضَبْطِ الصَّرِيحِ بِمَا ذَكَرَ إلَى ضَبْطِهِ بِالْأَلْفَاظِ الْأَرْبَعَةِ اهـ بِلَفْظِهِ أَيْ وَنَحْوِ مُنْطَلِقَةٍ وَمَطْلُوقَةٍ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ لَا الظَّاهِرَةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ مِنْ الصَّرِيحِ كَمَا سَيَأْتِي فَمِنْ هُنَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْتِ مُطْلَقَةٌ بِسُكُونِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ لَا تَكُونُ طَلَاقًا إلَّا بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنِّسَاءِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ
(وَالْقَوْلُ الثَّانِي) مِنْ الثَّلَاثَةِ فِي الَّذِي يَلْزَمُ بِهِ الصَّرِيحُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْخَرَشِيِّ عِنْدَ قَوْلِ الْخَرَشِيِّ قَوْلُهُ وَفِي لُزُومِهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ خِلَافٌ يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَنْشَأَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا يُنْشِئُهُ بِلِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ بِلِسَانِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِذَلِكَ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ خِلَافٌ فِي التَّشْهِيرِ، وَلَيْسَ مَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ أَنْ يَنْوِيَ الطَّلَاقَ وَيُصَمِّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَبْدُوَ لَهُ، وَلَا أَنْ يَعْتَقِدَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ بِلِسَانِهِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ طَلَاقٌ إجْمَاعًا اهـ بِلَفْظِهِ.
وَالْكِنَايَةُ لُغَةً مَا فِيهِ خَفَاءٌ وَمِنْهُ كَنَيْتَهُ أَبَا عَبْد اللَّهِ كَأَنَّك أَخْفَيْت الِاسْمَ بِالْكُنْيَةِ تَعْظِيمًا لَهُ وَفِي الصِّحَاحِ يُقَالُ كَنَيْت وَكَنَوْتُ وَكُنْيَتُهُ بِضَمِّ الْكَافِّ وَكَسْرِهَا وَاصْطِلَاحًا هِيَ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِهِ لُغَةً وَسِرُّ الْفَرْقِ إمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الْمَشْهُورِ مِنْ الثَّلَاثَةِ فِي الصَّرِيحِ فَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ إمَّا أَنْ يَدُلَّ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَإِمَّا أَنْ لَا يَدُلَّ بِالْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ فَإِنْ دَلَّ اللَّفْظُ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ صِيغَةُ الطَّلَاقِ كَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ، نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ مُطَلَّقَةٌ، وَقَدْ طَلَّقْتُك أَوْ الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي أَوْ قَدْ أَوْقَعْت عَلَيْك الطَّلَاقَ وَأَنَا طَالِقٌ مِنْك كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ وَتَقَدَّمَ مِثْلُهُ لِخَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ فَهُوَ الصَّرِيحُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الطَّلَاقِ فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعٌ لِإِزَالَةِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ خَاصَّةً عَلَى الصَّحِيحِ لَا لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ وَخَصَّهُ الْعُرْفُ بِإِزَالَةِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ خَاصَّةً كَمَا زَعَمَ الْأَصْلُ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَكَوْنُ هَذِهِ الصِّيَغِ وَقَعَتْ فِي الِاسْتِعْمَالِ اللُّغَوِيِّ إخْبَارَاتٌ لَا يَضُرُّ إمَّا لِأَنَّ الشَّرْعَ يُقَدِّرُ وُقُوعَ مُخْبَرِهَا قَبْلَ النُّطْقِ بِهَا بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ لِضَرُورَةِ تَصْدِيقِهِ، وَإِذَا صَارَ صَادِقًا لَزِمَهُ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ كَمَا لِلْحَنَفِيَّةِ، وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي صِيَغِ الْعِتْقِ وَجَمِيعِ صِيَغِ الْعُقُودِ مِنْ بِعْت وَاشْتَرَيْت وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِمَّا لِأَنَّهَا كَمَا وَقَعَتْ فِيهِ إخْبَارَاتٌ كَذَلِكَ وَقَعَتْ فِيهِ إنْشَاءَاتٌ كَمَا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ فَيَبْقَى النَّظَرُ فِي كَوْنِهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ
стр. 650
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ)
الْقُرُبَاتُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ حَجَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ فِي ثَوَابِهِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ نَقْلَهُ لِغَيْرِهِمْ كَالْإِيمَانِ فَلَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَهَبَ قَرِيبَهُ الْكَافِرَ إيمَانَهُ لِيَدْخُلَ الْجَنَّةَ دُونَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ إنْ كَفَرَ الْحَيُّ هَلَكَا مَعًا أَمَّا هِبَةُ الثَّوَابِ مَعَ بَقَاءِ الْأَصْلِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ، وَقِيلَ الْإِجْمَاعُ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا، وَقِيلَ الْإِجْمَاعُ فِيهَا وَقِسْمٌ اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ فِي نَقْلِ ثَوَابِهِ لِلْمَيِّتِ وَهُوَ الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ وَقِسْمٌ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ فِيهِ حَجْرٌ أَمْ لَا وَهُوَ الصِّيَامُ وَالْحَجُّ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵄.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ لِلْمَيِّتِ فَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ﵄ يَحْتَجَّانِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا هُوَ فِعْلٌ بَدَنِيٌّ وَالْأَصْلُ فِي الْأَفْعَالِ الْبَدَنِيَّةِ أَنْ لَا يَنُوبَ أَحَدٌ فِيهَا عَنْ الْآخَرِ وَلِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَصَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ» وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ بِالْقِيَاسِ عَلَى الدُّعَاءِ فَإِنَّا أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الدُّعَاءَ يَصِلُ لِلْمَيِّتِ فَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ وَالْكُلُّ عَمَلٌ بَدَنِيٌّ وَلِظَاهِرِ قَوْلِهِ ﵇ لِلسَّائِلِ «صَلِّ لَهُمَا مَعَ صَلَاتِك وَصُمْ لَهُمَا مَعَ صَوْمِك يَعْنِي أَبَوَيْهِ» وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى الدُّعَاءِ لَا يَسْتَقِيمُ فَإِنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَمْرَانِ
(أَحَدُهُمَا) مُتَعَلِّقُهُ الَّذِي هُوَ مَدْلُولُهُ نَحْوَ الْمَغْفِرَةِ فِي قَوْلِهِمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ أَوْ مَنْقُولَةً مِنْ الْخَبَرِ إلَى الْإِنْشَاءِ وَكِلَاهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ اللَّفْظُ بِالْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ لَكِنَّهُ إمَّا أَنْ يُحْسِنَ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ مَجَازًا لِوُجُودِ الْعَلَاقَةِ الْقَرِيبَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، نَحْوُ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ بَائِنٌ أَوْ بَتَّةٌ أَوْ بَتْلَةٌ أَوْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ كَالْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ الْفِرَاقُ أَوْ السَّرَاحُ أَوْ اعْتَدِّي فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ كُلُّهَا مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ فَالْخَلِيَّةُ الْفَارِغَةُ وَالْفَرَاغُ حَقِيقَةٌ فِي خُلُوِّ جِسْمٍ مِنْ جِسْمٍ فَشَبَّهَ بِهِ خُلُوَّ الْمَرْأَةِ مِنْ عِصْمَةِ النِّكَاحِ وَالْبَرِيَّةُ مِنْ الْبَرَاءَةِ وَهُوَ مُطْلَقُ السَّلْبِ كَيْفَ كَانَ الْمَسْلُوبُ وَالْبَائِنُ مِنْ الْبَيْنِ وَهُوَ الْبُعْدُ بَيْنَ الْأَجْسَامِ وَيُقَالُ فِي الْمَعَانِي بَوْنٌ لَا بَيْنٌ شَبَّهَ الْبُعْدَ مِنْ الْعِصْمَةِ بِالْبُعْدِ بَيْنَ الْجِسْمَيْنِ، وَالْبَتُّ الْقَطْعُ فِي جِسْمٍ شَبَّهَ بِهِ قَطْعَ الْعِصْمَةِ، وَكَذَلِكَ الْبَتْلَةُ وَمِنْهُ فَاطِمَةُ الْبَتُولُ ﵂ لِانْقِطَاعِهَا فِي الشَّرَفِ عَنْ النِّسَاءِ، وَقِيلَ لِانْقِطَاعِهَا عَنْ الْأَزْوَاجِ إلَّا عَلِيًّا ﵁ وَمِنْهُ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك؛ لِأَنَّ عَادَةَ الدَّابَّةِ فِي الرَّعْيِ إذَا أَمْسَكَ صَاحِبُهَا حَبْلَهَا لَا تَتَهَنَّى فِي الرَّعْيِ لِتَوَهُّمِهَا أَنَّهُ يَجُرُّهَا بِهِ، وَإِذَا أَرَادَ تَهْنِئَتَهَا بِالرَّعْيِ أَلْقَى حَبْلَهَا عَلَى كَتِفِهَا وَهُوَ غَارِبُهَا فَتَطْمَئِنُّ حِينَئِذٍ فَشَبَّهَ بِهِ طَلَاقَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّهَا تَبْقَى مُخَلَّاةً لِنَفْسِهَا، وَكَذَلِكَ الْبَوَاقِي، وَإِمَّا أَنْ لَا يُحْسِنَ اسْتِعْمَالَهُ فِيهِ مَجَازًا لِعَدَمِ وُجُودِ الْعَلَاقَةِ الْقَرِيبَةِ، بَلْ إمَّا أَنْ تُوجَدَ بَيْنَهُمَا الْعَلَاقَةُ الْبَعِيدَةُ فَإِذَا اعْتَمَدَ فِيهِ عَلَيْهَا سُمِّيَ مَجَازُ التَّعْقِيدِ.
وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى مَنْعِهِ كَقَوْلِهِ تَزَوَّجْت بِنْتَ الْأَمِيرِ مُرِيدًا رَأَيْت وَالِدَ عَاقِدِ الْأَنْكِحَةِ بِالْمَدِينَةِ مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مِنْ لَوَازِمِهِ الْعَاقِدُ؛ لِأَنَّهُ مُبِيحُهُ وَالْعَاقِدُ مِنْ لَوَازِمِهِ أَبُوهُ؛ لِأَنَّهُ مُوَلِّدُهُ.
وَأَمَّا أَنْ لَا تُوجَدَ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةٌ أَلْبَتَّةَ لَا قَرِيبَةٌ وَلَا بَعِيدَةٌ، وَهَذَا الْقِسْمُ بِنَوْعَيْهِ هُوَ مَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَلَا كِنَايَةٍ أَيْ ظَاهِرَةٍ، بَلْ هُوَ الْكِنَايَةُ الْخَفِيَّةُ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ هَذَا نَحْوُ قَوْلِهِ اسْقِنِي الْمَاءَ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ لُزُومُهُ وَاخْتَلَفَ الْأَصْحَابُ فِي تَعْلِيلِهِ فَقِيلَ هُوَ طَلَاقٌ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ اللَّفْظِ، وَقِيلَ بَلْ اللَّفْظُ كَانَ الْمُسْتَعْمَلُ وَضْعَهُ الْآنَ لِلطَّلَاقِ وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ إنْشَاءَ الْوَضْعِ لَا تَجِدُهُ يَخْطِرُ بِبَالِ النَّاسِ فِي الْعَادَةِ عِنْدَ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ وَصَحَّحَ ابْنُ الشَّاطِّ تَعْلِيلَ الْأَصْلِ بِأَنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِ نَحْوِ اسْقِنِي عَنْ الطَّلَاقِ لَا عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ وَلَا عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ عَلَى حَدِّ التَّعْبِيرِ عَنْ الْأَرْضِ بِالسَّمَاءِ، وَعَنْ السَّمَاءِ بِالْأَرْضِ وَنَحْوِهِ مِمَّا نَصَّ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّهُ مِمَّا عُرِّيَ فِي اسْتِعْمَالِهِ عَنْ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ هَا هُنَا أَنْ يُقَالَ إنَّ لَفْظَ نَحْوِ الْأَكْلِ أَوْ السَّقْيِ إذَا أَطْلَقَهُ الْمُسْتَعْمِلُ وَأَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا عَرَبِيًّا وَلَا يَلْزَمُهُ مِنْ كَوْنِهِ لَيْسَ عَرَبِيًّا أَنْ لَا يَقَعَ بِهِ الطَّلَاقُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقًا بِالنَّصْبِ أَوْ الْخَفْضِ لَمْ يَكُنْ كَلَامًا عَرَبِيًّا وَمَعَ ذَلِكَ يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ قَالَ الْخَطَّابُ أَيْ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ جَاهِلًا فَوَاضِحٌ وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فَهَازِلٌ وَهَزْلُهُ جَدٌّ أَفَادَهُ عَبَقٌ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَقِيلَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ بِالنِّيَّةِ لَا يَلْزَمُ وَاللَّفْظُ لَا يَصْلُحُ إمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّوْقِيفِ وَأَنَّ اللُّغَاتِ وَضَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَلِقَوْلِ الْمَازِرِيِّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْبَسِيطِ لَا يَجُوزُ أَيْ عَلَى التَّوْقِيفِ لِأَحَدٍ أَنْ يَضَعَ لَفْظًا لِمَعْنًى أَلْبَتَّةَ، بَلْ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ فِي الْبَسِيطِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَصْدُقَ أَلْفًا أَيْ يُسَلِّمَهُ صَدَاقًا وَيُعَبِّرَ عَنْهُ بِأَلْفَيْنِ لِلتَّجَمُّلِ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِالِاصْطِلَاحِ وَأَنَّ اللُّغَاتِ وَضَعَهَا أَهْلُ اللُّغَةِ أَوْ عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ عَدَمِ الْجَزْمِ بِالتَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ فَلِعَدَمِ الْعَلَاقَةِ الْقَرِيبَةِ الْمُصَحِّحَةِ
стр. 651
وَالْآخَرُ ثَوَابُهُ فَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي يُرْجَى حُصُولُهُ لِلْمَيِّتِ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا لَهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا دَعَا لِلْمَيِّتِ بِالْمَغْفِرَةِ
(وَالثَّانِي) وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى الدُّعَاءِ فَهُوَ الدَّاعِي فَقَطْ، وَلَيْسَ لِلْمَيِّتِ مِنْ الثَّوَابِ عَلَى الدُّعَاءِ شَيْءٌ فَالْقِيَاسُ عَلَى الدُّعَاءِ غَلَطٌ وَخُرُوجٌ مِنْ بَابٍ إلَى بَابٍ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِمَّا أَنْ نَجْعَلَهُ خَاصًّا بِذَلِكَ الشَّخْصِ أَوْ نُعَارِضَهُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَنُعَضِّدَهَا بِأَنَّهَا عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِقَالِ وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ إذَا قُرِئَ عِنْدَ الْقَبْرِ حَصَلَ لِلْمَيِّتِ أَجْرُ الْمُسْتَمِعِ وَهُوَ لَا يَصِحُّ أَيْضًا لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ يَتْبَعُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ فَمَا لَا أَمْرَ فِيهِ وَلَا نَهْيَ لَا ثَوَابَ فِيهِ بِدَلِيلِ الْمُبَاحَاتِ وَأَرْبَابِ الْفَتَرَاتِ وَالْمَوْتَى انْقَطَعَ عَنْهُمْ الْأَوَامِرُ وَالنَّوَاهِي.
وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ لَا يَكُونُ لَهُمْ ثَوَابٌ وَإِنْ كَانُوا مُسْتَمِعِينَ أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَهَائِمَ تَسْمَعُ أَصْوَاتَنَا بِالْقِرَاءَةِ وَلَا ثَوَابَ لَهَا لِعَدَمِ الْأَمْرِ لَهَا بِالِاسْتِمَاعِ فَكَذَلِكَ الْمَوْتَى وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ وَلَا يَقَعُ فِيهِ خِلَافٌ أَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الْقِرَاءَةِ لَا ثَوَابُهَا كَمَا تَحْصُلُ لَهُمْ بَرَكَةُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُدْفَنُ عِنْدَهُمْ أَوْ يُدْفَنُونَ عِنْدَهُ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْأَمْرِ فَإِنَّ الْبَهِيمَةَ يَحْصُلُ لَهَا بَرَكَةُ رَاكِبِهَا أَوْ مُجَاوِرِهَا وَأَمْرُ الْبَرَكَاتِ لَا يُنْكَرُ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْصُلُ بَرَكَتُهُ لِلْبَهَائِمِ مِنْ الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ضَرَبَ فَرَسًا بِسَوْطٍ فَكَانَ لَا يُسْبَقُ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ كَانَ بَطِيءَ الْحَرَكَةِ وَحِمَارُهُ ﵇ كَانَ يَذْهَبُ إلَى بُيُوتِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَدْعِيهِمْ إلَيْهِ بِنَطْحِ رَأْسِهِ الْبَابَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ بَرَكَاتِهِ ﵇
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِلِاسْتِعْمَالِ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الشِّقِّ الْأَخِيرِ يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ تَعْلِيلِ الْأَصْلِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
وَأَمَّا عَنْ الشِّقِّ الْأَوَّلِ فَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا أَدْرِي مَا دَلِيلُ أَيْ الْمَازِرِيِّ وَالْغَزَالِيِّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ وَضْعِ لَفْظِ اسْقِنِي الْمَاءَ لِإِنْشَاءِ الطَّلَاقِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ لِاسْتِدْعَاءِ سَقْيِ الْمَاءِ بِوَضْعِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ وَالصَّحِيحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ مَالِكًا وَإِنْ لَمْ يَجْزِمْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ أَيْ التَّوْقِيفِ وَالِاصْطِلَاحِ فَلَمْ يَقُمْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى الْمَنْعِ أَوْ جَزْمٌ بِأَنَّهَا اصْطِلَاحِيَّةٌ أَوْ جَزْمٌ بِأَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُمْ عِنْدَهُ دَلِيلُ الْمَنْعِ مِنْ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وَضَعَهُ اللَّهُ لَهُ إذْ لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِهَا تَوْقِيفِيَّةً أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ مِنْ وَضْعِنَا إيَّاهَا لِمَعْنًى غَيْرِ مَا لَهُ وَضَعَهَا وَلَا مِنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي ذَلِكَ، بَلْ مَعْنَى كَوْنِهَا تَوْقِيفِيَّةً أَنَّ اللَّهَ وَضَعَ الْأَلْفَاظَ كُلَّهَا لِمَعَانِيهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَنَعَنَا مِنْ وَضْعِ كُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا لِغَيْرِ مَا وَضَعَهُ لَهُ أَوْ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ النَّقْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ بِلَفْظِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَإِنْ كَانَ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالٌ فَتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَفْظُ الطَّلَاقِ أَوْ طَالِقٍ أَوْ مُطَلَّقَةٍ يُفِيدُ زَوَالَ الْعِصْمَةِ إمَّا لُغَةً عَلَى الْمَذْهَبِ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
وَإِمَّا عُرْفًا عَلَى مَذْهَبِ الْأَصْلِ وَلَفْظُ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ مُطَلَّقَةٌ أَوْ الطَّلَاقُ لَازِمٌ لِي يُفِيدُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ عُرْفًا أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَلَا يُفِيدُ ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَإِنَّمَا يُفِيدُ الْخَبَرَ لُغَةً وَالشَّرْعُ يُقَدِّرُ وُقُوعَ مُخْبَرِهَا قَبْلَ النُّطْقِ بِهَا بِالزَّمَنِ الْفَرْدِ لِضَرُورَةِ تَصْدِيقِهِ، وَإِذَا صَارَ صَادِقًا لَزِمَهُ مَا نَطَقَ بِهِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَأَمَّا لَفْظُ خَلِيَّةٍ عَلَى انْفِرَادِهِ فَلَا يُفِيدُ زَوَالَ الْعِصْمَةِ لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا، بَلْ مَجَازًا وَمِثْلُهُ سَائِرُ الْأَلْفَاظِ وَالْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ وَلَفْظُ أَنْتِ خَلِيَّةٌ وَإِنْ كَانَ يُفِيدُ بِجُمْلَتِهِ عُرْفًا الْإِنْشَاءَ إلَّا أَنَّ لَفْظَ خَلِيَّةٍ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بِمُفْرَدِهِ يُفِيدُ عُرْفًا الطَّلَاقَ وَإِزَالَةَ الْعِصْمَةِ لَمْ يَكُنْ بِجُمْلَتِهِ يُفِيدُ عُرْفًا إنْشَاءَ الطَّلَاقِ وَإِزَالَةَ قَيْدِ الْعِصْمَةِ بِخُصُوصِهِ، وَكَذَا سَائِرُ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ.
وَإِنَّمَا غَلَبَ فِي الْعُرْفِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ وَإِزَالَةُ الْعِصْمَةِ فَأُلْحِقَ لِذَلِكَ بِالصَّرِيحِ فِي اسْتِغْنَائِهِ عَنْ النِّيَّةِ لِقِيَامِ الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ مَقَامَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا يَنْصَرِفُ بِصَرَاحَتِهِ لِمَا وُضِعَ لَهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى نِيَّةٍ إذْ النِّيَّةُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي اللَّفْظِ الْمُتَرَدِّدِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْمُرَادِ وَغَيْرِهِ لِتَمْيِيزِ الْمُرَادِ مِنْهُ عَنْ غَيْرِ الْمُرَادِ كَمَا فِي نَحْوِ اسْقِنِي الْمَاءَ مِمَّا لَمْ يَغْلِبْ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ وَإِنَّمَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ مَجَازًا وَالْمَجَازُ يَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ النَّاقِلَةِ عَنْ الْحَقِيقَةِ الَّتِي يَنْصَرِفُ إلَيْهَا اللَّفْظُ بِصَرَاحَتِهِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَلَمْ يَنْسَخْهَا عُرْفٌ فَكِنَايَةُ الطَّلَاقِ قِسْمَانِ ظَاهِرَةٌ وَهِيَ مَا غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْعُرْفِ فِي الطَّلَاقِ فَأُلْحِقَ بِالصَّرِيحِ فِي اسْتِغْنَائِهِ عَنْ النِّيَّةِ وَخَفِيَّةٌ وَهِيَ مَا لَمْ يَغْلِبْ فِي الْعُرْفِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الطَّلَاقِ، بَلْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ مَجَازًا فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ النَّاقِلَةِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَيْهِ فَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَنْقُولٌ فِي الْعُرْفِ مِنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ لِلطَّلَاقِ أَيْ إزَالَةِ الْعِصْمَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مُسْتَعْمَلٌ فِي الطَّلَاقِ مَجَازًا وَالْمَنْقُولُ إمَّا أَنْ يُنْقَلَ لِأَصْلِ الطَّلَاقِ فَقَطْ فَيَصِيرُ فِي الْوَضْعِ الْعُرْفِيِّ مِثْلُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي اللُّغَةِ فَيَلْزَمُهُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِمَّا أَنْ يُنْقَلَ لِأَصْلِ الطَّلَاقِ مَعَ الْبَيْنُونَةِ مِنْ غَيْرِ عَدَدٍ فَيَلْزَمُ بِهِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ؛ لِأَنَّهَا مُسَمَّاهُ الْعُرْفِيُّ وَإِمَّا أَنْ يُنْقَلَ لِلطَّلَاقِ وَالْبَيْنُونَةِ مَعَ وَصْفِ الْعَدَدِ الثَّلَاثِ فَيَلْزَمُهُ بِهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ وَيَصِيرُ النُّطْقُ بِذَلِكَ اللَّفْظِ عُرْفًا كَالنُّطْقِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لُغَةً إلَّا أَنَّ هَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ الثَّلَاثِ غَالِبًا وَفِي الثَّلَاثِ نَادِرًا فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقْصِدُ الِاحْتِيَاطَ فَيَحْمِلُهُ عَلَى الثَّلَاثِ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى الْغَالِبِ فَيَلْزَمُهُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ.
فَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الصِّيَغِ
стр. 652
كَمَا هُوَ مَرْوِيٌّ فِي مُعْجِزَاتِهِ وَكَرَامَاتِهِ ﵇ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلَفًا فِيهَا فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ لَا يُهْمِلَهَا فَلَعَلَّ الْحَقَّ هُوَ الْوُصُولُ إلَى الْمَوْتَى فَإِنَّ هَذِهِ أُمُورٌ مُغَيَّبَةٌ عَنَّا، وَلَيْسَ الْخِلَافُ فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إنَّمَا هُوَ فِي أَمْرٍ وَاقِعٍ هَلْ هُوَ كَذَلِكَ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ التَّهْلِيلُ الَّذِي عَادَةُ النَّاسِ يَعْمَلُونَهُ الْيَوْمَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْمَلَ وَيُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يُيَسِّرُهُ وَيُلْتَمَسَ فَضْلُ اللَّهِ بِكُلِّ سَبَبٍ مُمْكِنٍ وَمِنْ اللَّهِ الْجُودُ وَالْإِحْسَانُ هَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْعَبْدِ.
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَبْطُلُ التَّتَابُعُ)
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمُشْكِلَةِ فَإِنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ إذَا أَكَلَ فِي صَوْمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ)
قُلْت جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ فَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أَنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ قَبْلَهُمَا وَطْءٌ وَلَا فِي أَثْنَائِهَا وَطْءٌ فَإِنَّهُ ظَهَرَ مِنْهُ بِحَسَبِ مَسَاقِ كَلَامِهِ أَنَّ الْآيَةَ تَقْتَضِي عَدَمَ تَقَدُّمِ الْوَطْءِ مُطْلَقًا.
وَهَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ تَقْتَضِيَهُ الْآيَةُ لِاشْتِمَالِ الْآيَةِ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ وَطْؤُهَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْآيَةِ أَنْ لَا يَتَقَدَّمَ الصَّوْمَ وَطْءٌ بَعْدَ الظِّهَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ بَعْدَهُ فِي الْفُرُوقِ السِّتَّةِ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إنَّمَا هُوَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الضَّوَابِطِ هَلْ وُجِدَتْ أَمْ لَا وَإِلَّا فَكُلُّ مَنْ سَلَّمَ ضَابِطًا سُلِّمَ حُكْمُهُ وَيَكُونُ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ مَنْ صَادَفَ الضَّابِطَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالضَّعِيفُ الْفِقْهِ مَنْ تَوَهَّمَ وُجُودَهُ أَوْ عَدَمَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَعَلَى الْفَقِيهِ اسْتِيفَاءُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْحَرَامِ فَمِنْ قَائِلٍ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ نَقْلٌ أَلْبَتَّةَ فَهِيَ كَذِبٌ فَلَا يَلْزَمُ بِهَا شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَمِنْ قَائِلٍ حَصَلَ فِيهَا النَّقْلُ لِأَصْلِ الطَّلَاقِ فَيَلْزَمُ بِهَا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ.
وَمِنْ قَائِلٍ حَصَلَ فِيهَا النَّقْلُ لِلطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فَيَلْزَمُ بِهَا الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ تَتَخَرَّجُ جَمِيعُ الصُّوَرِ هَذَا تَلْخِيصُ مَا عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فَمِنْ هُنَا فِي الْخَرَشِيِّ وَحَاشِيَةِ الْعَدَوِيِّ عَلَيْهِ وَشَرْحِ أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ وَالصَّاوِي عَلَيْهِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ أَلْفَاظَ الطَّلَاقِ تَنْقَسِمُ إلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا يَلْزَمُ بِهِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ إلَّا لِنِيَّةِ أَكْثَرَ وَهُوَ لَفْظُ التَّصْرِيحِ كَأَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوُ اعْتَدِّي مِنْ الْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا يَلْزَمُ بِهِ الثَّلَاثُ وَلَا يَنْوِي مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا وَهُوَ نَحْوُ بَتَّةٍ وَحَبْلُك عَلَى غَارِبِك؛ لِأَنَّ الْبَتَّ هُوَ الْقَطْعُ فَكَأَنَّ الزَّوْجُ قَطَعَ الْعِصْمَةَ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَلَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ؛ وَلِأَنَّ الْحَبْلَ كِنَايَةٌ عَنْ الْعِصْمَةِ الَّتِي بِيَدِ الزَّوْجِ أَيْ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِصْمَةِ وَكَوْنُهَا عَلَى غَارِبِهَا أَيْ كَتِفِهَا كِنَايَةٌ عَنْ مِلْكِهَا بِالطَّلَاقِ
٢ -
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَوَاحِدَةٌ فِي غَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ وَهُوَ نَحْوُ وَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ نَظَرًا لِبَائِنَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَبِغَيْرِ لَفْظِ الْخُلْعِ إنَّمَا تَكُونُ ثَلَاثًا وَلَمْ يُنْظَرْ وَالْوَاحِدَةُ إمَّا لِكَوْنِهِ صِفَةً لِمَرَّةٍ مَحْذُوفًا أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدُ بَائِنَةٌ وَإِمَّا لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ فِي الْفُرُوجِ مَا لَا يُحْتَاطُ فِي غَيْرِهَا فَاعْتُبِرَ لَفْظُ بَائِنَةٍ وَأُلْغِيَ لَفْظُ وَاحِدَةٍ قَالَ الصَّاوِيُّ لَكِنَّ مَحَلَّ هَذَا إذَا كَانَ عُرْفُ التَّحَالُفِ أَنَّ مَعْنَى الْبَائِنَةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَمَّا إذَا كَانَ مَعْنَاهَا الظَّاهِرَةَ الَّتِي لَا خَفَاءَ فِيهَا وَقَصَدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فَالظَّاهِرُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَتَكُونُ بَعْدَ الدُّخُولِ رَجْعِيَّةً اهـ فَتَنَبَّهْ.
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَغَيْرِهَا إنْ لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ وَهُوَ نَحْوُ أَنْتِ عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ أَوْ الدَّمِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ وَهَبْتُك لِأَهْلِك أَوْ لَا عِصْمَةَ لِي عَلَيْك أَوْ أَنْتِ حَرَامٌ أَوْ أَوْ خَلِيَّةٌ أَيْ مِنْ الزَّوْجِ أَوْ بَرِيَّةٌ أَوْ خَالِصَةٌ أَيْ مِنِّي أَوْ بَائِنَةٌ أَوْ أَنَا بَائِنٌ مِنْك أَوْ خَلِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ أَوْ خَالِصٌ
(الْقِسْمُ الْخَامِسُ) مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ مُطْلَقًا مَا لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ وَهُوَ خَلَّيْت سَبِيلَك
(الْقِسْمُ السَّادِسُ) مَا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَيَنْوِي فِي غَيْرِهَا وَهُوَ نَحْوُ وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ أَوْ وَجْهِي عَلَى وَجْهِك حَرَامٌ أَوْ لَا نِكَاحَ بَيْنِي وَبَيْنَك أَوْ لَا مِلْكَ لِي عَلَيْك أَوْ أَنْتِ سَائِبَةٌ أَوْ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَك حَرَامٌ وَلَا حَلَالٌ، أَوْ مَا انْقَلَبَ إلَيْهِ مِنْ أَهْلٍ حَرَامٌ كَقَوْلِهِ يَا حَرَامُ إنْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ وَكَقَوْلِهِ الْحَلَالُ حَرَامٌ أَوْ حَرَامٌ عَلَيَّ أَوْ جَمِيعُ مَا أَمْلِكُ حَرَامٌ وَقَصَدَ إدْخَالَ الزَّوْجَةِ
(الْقِسْمُ السَّابِعُ) مَا يَلْزَمُ فِيهِ وَاحِدَةٌ إلَّا لِنِيَّةٍ أَكْثَرَ وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَهُوَ فَارَقْتُك قَالَ الدَّرْدِيرُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَدُلَّ الْبِسَاطُ وَالْقَرَائِنُ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ الطَّلَاقِ وَأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ بِلَفْظٍ مِمَّا ذَكَرَ لَيْسَتْ فِي مَعْرِضِ الطَّلَاقِ بِحَالٍ وَإِلَّا صَدَقَ فِي نَفْيِ الطَّلَاقِ فِي جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّرِيحِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ فِي نَفْيِهِ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرَائِنِ كَمَا لَوْ أَخَذَهَا الطَّلْقُ عِنْدَ وِلَادَتِهَا فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إعْلَامًا أَوْ اسْتِعْلَامًا أَوْ كَانَتْ مَرْبُوطَةً فَقَالَتْ لَهُ هِيَ أَوْ غَيْرُهَا أَطْلِقْنِي فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ أَيْ اسْتَطْلِقِي وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا فَيَقَعُ الطَّلَاقُ كَمَا فِي الْعَدَوِيِّ عَلَى الْخَرَشِيِّ قَالَ الدَّرْدِيرُ
стр. 653
الظِّهَارِ أَوْ الْقَتْلِ أَوْ النَّذْرِ الْمُتَتَابِعِ نَاسِيًا أَوْ مُجْتَهِدًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ وَطِئَ نَهَارًا غَيْرُ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا نَاسِيًا قَضَى يَوْمًا مُتَّصِلًا بِصَوْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ابْتَدَأَ الصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِهِ فَإِنْ وَطِئَ الْمُظَاهَرَ مِنْهَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا أَوَّلَ صَوْمِهِ أَوْ آخِرَهُ نَاسِيًا أَوْ عَامِدًا ابْتَدَأَ الصَّوْمَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إنْ وَطِئَهَا لَيْلًا لَمْ يَبْطُلْ صَوْمُهُ وَوَافَقْنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ الْفِطْرُ يُبْطِلُ التَّتَابُعَ مُطْلَقًا وَخَالَفَهُمَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَعَلَّلَا ذَلِكَ بِأَنَّ الْفِطْرَ بِاخْتِيَارِهِ بِخِلَافِ الْمَرَضِ وَالْإِغْمَاءِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَالْمَرَضِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَكَذَلِكَ الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ كَالْمَرِيضِ عِنْدَهُ.
وَقَالَ أَبُو الطَّاهِرِ مِنْ أَصْحَابِنَا إنْ أَفْطَرَ جَاهِلًا فَقَوْلَانِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْجَاهِلَ هَلْ يَلْحَقُ بِالْعَامِدِ أَمْ لَا وَفِي السَّهْوِ وَالْخَطَأِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ثَالِثُهَا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ السَّهْوِ فَيُجْزِئُ وَالْخَطَأِ فَلَا يُجْزِئُ وَيَبْتَدِي لِأَنَّ مَعَهُ تَمْيِيزَهُ بِخِلَافِ السَّهْوِ وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ التَّتَابُعُ مَأْمُورٌ بِهِ فَيَقْدَحُ فِيهِ النِّسْيَانُ أَوْ التَّفْرِيقُ مُحَرَّمٌ فَلَا تَضُرُّ مُلَابَسَتُهُ سَهْوًا فَإِنَّ الْمُحَرَّمَاتِ لَا يَأْثَمُ الْإِنْسَانُ بِمُلَابَسَتِهَا مَعَ عَدَمِ الْقَصْدِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ سَاهِيًا أَوْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّةً جَاهِلًا بِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ أَكَلَ طَعَامًا نَجِسًا أَوْ حَرَامًا مَغْصُوبًا غَيْرَ عَالِمٍ بِهِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا عَلَى عَدَمِ الْإِثْمِ (قُلْت) وَهَذِهِ الْفَتَاوَى كُلُّهَا مُشْكِلَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ لَفْظَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ أَمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِطَلَبٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] وَمَعْنَاهُ لِيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَيَكُونُ خَبَرًا مَعْنَاهُ الْأَمْرُ أَوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرَيْنِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالضَّابِطُ فِي الظَّاهِرَةِ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي غَيْرِ وَاحِدَةٍ بَائِنَةٍ أَنَّ اللَّفْظَ إنْ دَلَّ عَلَى قَطْعِ الْعِصْمَةِ بِالْمَرَّةِ لَزِمَ فِيهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا وَلَا يَنْوِي وَذَلِكَ مِثْلُ بَتَّةٍ وَحَبْلِك عَلَى غَارِبِك مِنْ نَحْوِ قَطَعْت الْعِصْمَةَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَعِصْمَتُك عَلَى كَتِفِك أَوْ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ دَلَّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ وَالْبَيْنُونَةُ لِغَيْرِ خُلْعٍ ثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَصَادِقَةٌ بِوَاحِدَةٍ فِي غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي الْبَيْنُونَةِ ظُهُورًا رَاجِحًا فَثَلَاثٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا جَزْمًا كَغَيْرِهَا مَا لَمْ يَنْوِ الْأَقَلَّ كَحَرَامٍ وَمَيِّتَةٍ وَخَلِيَّةٍ وَبَرِيَّةٍ وَوَهَبْتُك لِأَهْلِك وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي الْبَيْنُونَةِ ظُهُورًا مُسَاوِيًا فَثَلَاثٌ مُطْلَقًا إلَّا لِنِيَّةٍ أَقَلَّ كَخَلَّيْتُ سَبِيلَك وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ ظَاهِرًا فِي الْبَيْنُونَةِ ظُهُورًا مَرْجُوحًا بِأَنْ كَانَ ظُهُورُهُ فِي غَيْرِ الْبَيْنُونَةِ رَاجِحًا لَزِمَهُ الْوَاحِدَةُ مَا لَمْ يَنْوِ أَكْثَرَ كَفَارَقْتُكِ
(الْقِسْمُ الثَّامِنُ) مَا يَنْوِي فِيهِ وَفِي عَدَدِهِ وَهُوَ نَحْوُ اذْهَبِي وَانْصَرِفِي وَانْطَلِقِي أَوْ أَنْتِ مَطْلُوقَةٌ أَوْ مُنْطَلِقَةٌ مِمَّا لَيْسَ مِنْ صَرِيحِهِ وَلَا مِنْ كِنَايَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لِاسْتِعْمَالِهَا فِي الْعُرْفِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ، بَلْ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ إنْ قَصَدَ بِهَا الطَّلَاقَ لَزِمَهُ وَإِلَّا فَلَا اهـ.
فَالِانْطِلَاقُ لَيْسَ مِنْ الطَّلَاقِ وَإِنْ كَانَا مِنْ مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ الطَّاءُ وَاللَّامُ وَالْقَافُ قِيلَ وَإِنْ كَانَا فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى إزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ يُقَالُ لَفْظٌ مُطْلَقٌ وَوَجْهٌ طَلْقٌ وَحَلَالٌ طَلْقٌ وَانْطَلَقَتْ بَطْنُهُ وَأُطْلِقَ فُلَانٌ مِنْ السِّجْنِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَهِرَ عُرْفًا فِي إزَالَةِ خُصُوصِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ هُوَ الطَّلَاقُ دُونَ الِانْطِلَاقِ وَمَا اُشْتُقَّ مِنْهُ نَحْوُ أَطْلَقْتُك وَانْطَلَقْت مِنْك وَانْطَلِقِي مِنِّي وَأَنْتِ مُنْطَلِقَةٌ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الطَّلَاقَ فِي اللُّغَةِ لِإِزَالَةِ مُطْلَقِ الْقَيْدِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ لِإِزَالَةِ قَيْدِ الْعِصْمَةِ خَاصَّةً كَمَا عَلِمْت
(وَثَانِيهِمَا) الْقَوْلُ بِصِحَّةِ مَا يُسَمِّيهِ النُّحَاةُ بِالِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ أَيْ بِصِحَّةِ الْمُنَاسَبَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ لَفْظَيْنِ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي جَمِيعِ الْحُرُوفِ الْأُصُولِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ مَعَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى أَوْ تَنَاسُبِهِ كَالْحَمْدِ وَالْمَدْحِ الْمُسَمَّاةِ عِنْدَ النُّحَاةِ بِالِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ لِكَثْرَةِ أَفْرَادِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّغِيرِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُنَاسَبَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ لَفْظَيْنِ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي جَمِيعِ الْحُرُوفِ الْأُصُولِ وَالتَّرْتِيبِ مَعَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ لِلْمَادَّةِ كَالضَّارِبِ وَالضَّرْبِ لِاخْتِصَاصِ هَذَا بِالْأَفْعَالِ وَالصِّفَاتِ وَهُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ وَإِنْ قَلَّتْ أَفْرَادُ الْكَبِيرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَكْبَرِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْمُنَاسَبَةِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ لَفْظَيْنِ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَكْثَرِ الْحُرُوفِ الْأُصُولِ فَقَطْ مَعَ اتِّحَادِ الْمَعْنَى أَوْ تَنَاسُبِهِ كَالْفَلْقِ وَالْفَلْجِ بِالْجِيمِ وَهُمَا الشِّقُّ وَزْنًا وَمَعْنًى وَالْقَوْلُ بِصِحَّةِ الِاشْتِقَاقِ الْكَبِيرِ ضَعِيفٌ، اهـ بِتَوْضِيحٍ مِنْ الْأَبْيَارِيِّ عَلَى حَوَاشِي الْمُغْنِي.
قُلْت وَمِنْ الْأَكْبَرِ لَا مِنْ الْكَبِيرِ قَوْلُ الْأَصْلِ وَمِنْ الْكِنَايَةِ الَّتِي أَصْلُهَا مَا فِيهِ خَفَاءٌ لَكِنْ لِإِخْفَائِهِ الْأَجْسَامَ وَمَا يُوضَعُ فِيهِ فَسَقَطَ قَوْلُ ابْنِ الشَّاطِّ وَمَا أَرَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَصِحُّ عِنْدَ مَنْ صَحَّحَ الِاشْتِقَاقَ الْكَبِيرَ مِنْ النُّحَاةِ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ ثَالِثُ حُرُوفِهَا يَاءٌ أَوْ وَاوٌ وَلَكِنَّ ثَالِثَ حُرُوفِهِ نُونٌ إلَّا أَنْ يُدَّعَى إبْدَالُ النُّونِ وَفِي ذَلِكَ بُعْدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ فَتَأَمَّلْ مُنْصِفًا.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِالْقَافِ فَقَالَ الْعَلَّامَةُ الرَّهُونِيُّ إنْ قَصَدَ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ كَذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ مُرِيدًا بِهِ الطَّلَاقَ كَانَ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ فَيَلْزَمُ بِالنِّيَّةِ كَقَوْلِهِ لَهَا أَنْتِ قَالِقٌ بِإِبْدَالِ الطَّاءِ قَافًا أَوْ مُثَنَّاةً فَوْقِيَّةً حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لُغَتُهُ كَذَلِكَ كَمَا قَالَهُ عج وَتَبِعَهُ عبق وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ تَامًّا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَتَرَكَ النُّطْقَ بِالْقَافِ كَانَ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْخَطَّابُ عَنْ الرَّمَّاحِ وَسَلَّمَهُ مِنْ الْجَرَيَانِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ أَيْ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ اهـ بِتَوْضِيحٍ وَاخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ فِيمَا
стр. 654
مُتَتَابِعَيْنِ.
وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ لِمُوَافَقَتِهِ الظَّاهِرَ مِنْ بَقَاءِ الْخَبَرِ خَبَرًا عَلَى حَالِهِ وَنَسْتَفِيدُ الْوُجُوبَ مِنْ قَوْله تَعَالَى فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ وَاللَّفْظُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ مُتَعَلِّقٌ بِطَلَبٍ لَا يُدْفَعُ فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا ابْنُ بَشِيرٍ وَلَا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّتَابُعَ إذَا كَانَ وَاجِبًا كَانَ تَرْكُهُ مُحَرَّمًا فَإِنَّ كُلَّ وَاجِبٍ تَرْكُهُ مُحَرَّمٌ وَكُلَّ مُحَرَّمٍ تَرْكُهُ وَاجِبٌ فَالْوُجُوبُ مِنْ لَوَازِمِ التَّحْرِيمِ وَالتَّحْرِيمُ مِنْ لَوَازِمِ الْوُجُوبِ فِي النَّقِيضِ الْمُقَابِلِ فَاَلَّذِي يَصِحُّ فِي الْآيَةِ أَنَّ التَّتَابُعَ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْمُحَرَّمِ وَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ هَذَا بَعِيدٌ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ بَقِيَ الْإِشْكَالُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِمَا الْمُكَلَّفُ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ كُلِّهَا النَّاسِي وَالْمُجْتَهِدُ وَالْمُكْرَهُ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ فَرَّقُوا وَلَمْ يَقَعْ فِعْلُهُمْ مُطَابِقًا لِمُقْتَضَى الطَّلَبِ فَوَجَبَ الْبَقَاءُ فِي الْعُهْدَةِ كَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى طَلَب الصَّلَاةَ بِالنِّيَّةِ وَالطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ الشُّرُوطِ فَمَنْ نَسِيَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَوْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فِيهَا أَوْ أُكْرِهَ عَلَى عَدَمِهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، وَكَذَلِكَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي رَمَضَانَ أَوْ نَسِيَ أَوْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَإِنَّ صَوْمَهُ يَبْطُلُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَمَا بَالُ التَّتَابُعِ خَرَجَ عَنْ هَذَا النَّمَطِ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْمَنْذُورَاتِ هَذَا وَجْهُ الْإِشْكَالِ.
وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الْإِغْمَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ التَّتَابُعُ كَمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ بِالْإِغْمَاءِ، وَكَذَلِكَ الْمَرَضُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِثْلُهُ فَالْكُلُّ مُشْكِلٌ وَاَلَّذِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إذَا قَالَ لَهَا أَنَا طَالِقٌ مِنْك أَوْ أَنْتِ الطَّلَاقُ هَلْ هُوَ مِنْ الصَّرِيحِ أَوْ مِنْ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ
(الْأَوَّلُ) فِي الصِّيغَتَيْنِ هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ فِي الْأُولَى مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا مَا فِي الثَّانِيَةِ فَمَذْهَبُهُ الثَّانِي قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمَصْدَرِ عَنْ اسْمِ الْفَاعِلِ مَجَازٌ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَأَجَابَ الْأَصْلُ بِأَنَّهُ مَجَازٌ تَعَيَّنَ بِقَرِينَةٍ تَعَذَّرَ أَنَّهَا عَيْنُ الطَّلَاقِ، وَإِذَا تَعَيَّنَ لِاسْمِ الْفَاعِلِ اسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّعَيُّنَ مَانِعٌ مِنْ التَّرَدُّدِ وَالنِّيَّةُ إنَّمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهَا حَالَةَ التَّرَدُّدِ اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵄ فِي الْأُولَى
(الثَّانِي) تَمَسُّكًا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ الْأَمْرُ
(الْأَوَّلُ) أَنَّهُ لَيْسَ مَحْبُوسًا بِالنِّكَاحِ، بَلْ هِيَ الْمَحْبُوسَةُ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) الْقِيَاسُ عَلَى قَوْلِهِ أَنَا طَالِقٌ فَلَوْ كَانَ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ لَوَقَعَ كَالْمَرْأَةِ
(الْأَمْرُ الثَّالِثُ) أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُوصَفُ بِهِ فَلَا يُقَالُ زَيْدٌ مُطَلَّقٌ وَنَقَلَ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مِنْهُ وَأَجَابَ الْأَصْلُ عَنْ الْأَمْرِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ عَنْ عَمَّتِهَا وَأُخْتِهَا وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِ وَالنَّفَقَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ لَازِمٌ بِالنِّكَاحِ فَيَخْرُجُ عَنْ لُزُومِهِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ وَصْفَهُ بِطَالِقٍ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ امْرَأَةٍ فَلَمْ يُعَيِّنْهَا اللَّفْظُ، وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ تَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ عِصْمَتِهِ لِتَعَذُّرِ تَعَوُّدِ الْأَزْوَاجِ دُونَ الزَّوْجَاتِ أَيْ فَثَبَتَ الْفَارِقُ فَلَا قِيَاسَ وَبَطَلَتْ الْمُلَازَمَةُ بَيْنَ طَرَفَيْ الشَّرْطِيَّةِ فَافْهَمْ، وَعَنْ الثَّالِثِ بِأَنَّ مُطَلَّقَ اسْمُ مَفْعُولٍ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لِطَلَاقِهِ غَيْرَهُ وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ اهـ.
وَتَعَقَّبَ ابْنُ الشَّاطِّ جَوَابَهُ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ مَعْنَى الطَّلَاقِ مَعْنَى الِانْطِلَاقِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ الطَّلَاقُ حَلُّ الْعِصْمَةِ فَقَطْ وَهُوَ أَمْرٌ يَصْدُرُ مِنْ الرَّجُلِ وَيَقَعُ بِالْمَرْأَةِ فَإِذَا قَالَ أَنَا طَالِقٌ مِنْك فَقَدْ عَكَسَ الْمَعْنَى أَيْ جَعَلَ صُدُورَ حَلِّ الْعِصْمَةِ مِنْهَا وَاقِعًا بِهِ فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا أَيْ فَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ وَجَوَابُهُ الثَّانِي بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْطِرُ بِالْبَالِ أَيْ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ وَصْفُهُ بِطَالِقٍ عَنْ امْرَأَةٍ لَمْ يُعَيِّنْهَا اللَّفْظُ حَتَّى يَثْبُتَ الْفَارِقُ وَتَبْطُلَ الْمُلَازَمَةُ الْمَذْكُورَةُ فَافْهَمْ وَجَوَابُهُ الثَّالِثُ بِأَنْ يَكُونَ الْمُقْتَضِي لِطَلَاقِهِ غَيْرَهُ وَإِنْ كَانَ مُتَعَذِّرًا حَقِيقَةً، فَلَيْسَ بِمُتَعَذِّرٍ مَجَازًا اهـ.
(قَالَ الْأَصْلُ) وَيَلْزَمُ عَلَى رَأْيِنَا الْقَائِلِينَ بِأَنَّ أَلْفَاظَ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ الظَّاهِرَةِ بِجُمْلَتِهَا كَلَفْظِ صَرِيحِهِ بِجُمْلَتِهِ نُقِلَتْ مِنْ الْخَبَرِ إلَى الْإِنْشَاءِ بِخِلَافِ أَلْفَاظِ كِنَايَاتِهِ الْخَفِيَّةِ وَالنَّقْلُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْعُرْفِ أَمْرَانِ
(الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) أَنَّ الْعُرْفَ إذَا تَحَوَّلَ إلَى الضِّدِّ تَحَوَّلَتْ تِلْكَ إلَى الْأَلْفَاظِ بِتَحَوُّلِهِ فَصَارَ الْمُشْتَهِرُ الظَّاهِرُ خَفِيًّا وَالْخَفِيُّ مُشْتَهِرًا ظَاهِرًا وَمَا قَضَيْنَا بِأَنَّهُ صَرِيحٌ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ بِأَنَّهُ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ صَرِيحًا بِحَسَبِ الْعُرْفِ الطَّارِئِ، وَإِذَا بَطَلَ الْعُرْفُ فَقَطْ وَلَمْ يُنْقَلْ لِلضِّدِّ لَزِمَ أَنْ لَا يَصِيرَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ صَرِيحًا، بَلْ وَلَا كِنَايَةً ظَاهِرَة، بَلْ تَحْتَاجُ جَمِيعُ الْأَلْفَاظِ فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ بِهَا إلَى النِّيَّةِ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنَّ الْمُفْتِيَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ أَحَدًا بِالطَّلَاقِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ ذَلِكَ الْعُرْفِ الَّذِي رُتِّبَتْ الْفُتْيَا عَلَيْهِ فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَلَدٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ الْعُرْفُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتِيَهُ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ حَالِ عُرْفِ بَلَدِهِ مِنْ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ عَلَى الضَّابِطِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ الْعَوَائِدَ لَا يَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِيهَا بَيْنَ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ الْأَقْطَارِ كَمَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُفْتِي فِي كُلِّ زَمَانٍ يَتَبَاعَدُ عَمَّا قَبْلَهُ أَنْ يَتَفَقَّدَ الْعُرْفَ هَلْ هُوَ بَاقٍ أَمْ لَا فَإِنْ وَجَدَهُ بَاقِيًا أَفْتَى بِهِ وَإِلَّا تَوَقَّفَ عَنْ الْفُتْيَا، وَهَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعَوَائِدِ كَالنُّقُودِ وَالسِّكَكِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَاتِ وَالْأَيْمَانِ
стр. 655
يَظْهَرُ فِي بَادِي الرَّأْيِ أَنَّ التَّفْرِيقَ مَتَى حَصَلَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَأَنْ وَجَبَ ابْتِدَاءً الصَّوْمُ كَمَا قُلْنَاهُ فِي جَمِيعِ النَّظَائِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّ الصَّوْمَ بِوَصْفِ التَّتَابُعِ لَمْ يَحْصُلْ وَمَتَى لَمْ يَحْصُلْ الْمَطْلُوبُ الشَّرْعِيُّ مَعَ إمْكَانِ الْإِتْيَانِ بِهِ وَجَبَ الْإِتْيَانُ بِهِ هَذَا هُوَ الْقَاعِدَةُ
(وَالْجَوَابُ) عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ بِبَيَانِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى قِسْمَيْنِ خِطَابُ وَضْعٍ وَخِطَابُ تَكْلِيفٍ فَخِطَابُ الْوَضْعِ هُوَ نَصْبُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ وَالتَّقْدِيرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ هُوَ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالنَّدْبُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْإِبَاحَةُ فَأَمَّا خِطَابُ الْوَضْعِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عِلْمُ الْمُكَلَّفِ وَلَا قُدْرَتُهُ وَلَا إرَادَتُهُ كَالتَّوْرِيثِ بِالْأَنْسَابِ وَالْإِنْسَانُ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ وَلَا هُوَ مِنْ قُدْرَتِهِ وَلَا إرَادَتِهِ فَيَدْخُلُ الْمِيرَاثُ فِي مِلْكِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ وَلِذَلِكَ نُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْغَافِلِينَ وَنُطَلِّقُ بِالْإِضْرَارِ وَنُوجِبُ الظُّهْرَ بِالزَّوَالِ وَالصَّوْمَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ خِطَابِ الْوَضْعِ وَخِطَابُ التَّكْلِيفِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ فَمَا لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ لَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَكَذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ لَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يَعْلَمَ بِهِ غَيْرَ أَنَّ التَّمَكُّنَ مِنْ الْعِلْمِ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي التَّكْلِيفِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ مَبْسُوطَةً فَإِذَا وَضَحَتْ فَنَقُولُ الْمُتَابَعَةُ مِنْ بَابِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مُكَلَّفٌ بِهِ وَصِفَةُ الْمُكَلَّفِ بِهِ مُكَلَّفٌ بِهَا وَالتَّتَابُعُ صِفَةُ الصَّوْمِ فَتَكُونُ مُكَلَّفًا بِهَا، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ فَلِذَلِكَ يَسْقُطُ التَّكْلِيفُ بِهَا فِي تِلْكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالْوَصَايَا وَالنُّذُورِ فِي الْإِطْلَاقَاتِ،
فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ يَظْهَرْ لَك أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ إذَا وَجَدُوا الْأَئِمَّةَ الْأُوَلَ قَدْ أَفْتَوْا بِفَتَاوَى وَسَطَرُوهَا فِي كُتُبِهِمْ بِنَاءً عَلَى عَوَائِدَ لَهُمْ قَدْ زَالَتْ لَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُفْتُوا بِتِلْكَ الْفَتَاوَى فَإِنَّ فَتْوَاهُمْ بِهَا وَقَدْ زَالَتْ تِلْكَ الْعَوَائِدُ خَطَأٌ ضَرُورَةَ أَنَّهَا فُتْيَا بِالْحُكْمِ الْمَبْنِيِّ عَلَى مُدْرَكٍ بَعْدَ زَوَالِ مُدْرَكِهِ وَالْفُتْيَا بِذَلِكَ الْحُكْمِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَمِنْ ذَلِكَ فَتْوَى أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ الْيَوْمَ بِلُزُومِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ فِي لَفْظِ الْحَرَامِ وَالْخَلِيَّةِ وَالْبَرِّيَّةِ وَنَحْوِهَا بِنَاءً عَلَى عَادَةٍ كَانَتْ فِي زَمَانِهِ ﵁ وَتِلْكَ الْعَادَةُ قَدْ زَالَتْ فَإِنَّا لَا نَجِدُ الْيَوْمَ أَحَدًا يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ بِالْخَلِيَّةِ وَلَا بِالْبَرِيَّةِ وَلَا بِحَبْلِك عَلَى غَارِبِك وَلَا بِوَهَبْتُكِ لِأَهْلِك، وَلَوْ وَجَدْنَاهُ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ مَرَّاتٍ كَثِيرَةً لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْلًا عُرْفِيًّا يُوجِبُ لُزُومَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ كَثِيرُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الرَّجُلِ الشُّجَاعِ وَلَفْظَ الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ كَثِيرُ الِاسْتِعْمَالِ فِي ذَوَاتِ الْجَمَالِ وَلَفْظَ الْبَحْرِ وَالْغَيْثِ وَالنَّدَى كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْكِرَامِ الْبَاذِلِينَ الْمَالَ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ تَصِرْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَنْقُولَةً لِهَذِهِ الْمَعَانِي إذْ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَيْهَا ضَابِطُ الْمَنْقُولِ وَهُوَ أَنْ يَصِيرَ اللَّفْظُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْمَعْنَى بِغَيْرِ قَرِينَةٍ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَعَ كَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي هَذِهِ الْمَعَانِي لَا تُفْهَمُ مِنْهَا هَذِهِ الْمَعَانِي إلَّا بِالْقَرِينَةِ اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ اهـ.
(وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ) وَالثَّانِي الْمُقَابِلَيْنِ لِلْمَشْهُورِ فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ وَمَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِيهِ هُوَ أَنَّ ابْنَ الْقَصَّارِ الْقَائِلَ بِالثَّانِي وَالشَّافِعِيَّ الْقَائِلَ بِالثَّالِثِ قَدْ أَعْرَضَا عَنْ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ وَاعْتَبَرَا مَا وُضِعَ فِي الْعُرْفِ لِإِزَالَةِ الْعِصْمَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّأْنَ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالْعُرْفِ فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ مَوْضُوعًا فِي اللُّغَةِ لِمَعْنًى وَكَانَ لَفْظٌ آخَرُ مَوْضُوعًا فِيهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى، ثُمَّ صَارَ فِي الْعُرْفِ مَنْقُولًا لَهُ فَلَا فَرْقَ فَإِنَّ النَّقْلَ الْعُرْفِيَّ كَالْوَضْعِ الْأَصْلِيِّ وَيَصِيرُ إذْ ذَاكَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ اللَّفْظَيْنِ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى فَإِنْ لَمْ يَصِرْ اللَّفْظُ الثَّانِي مَنْقُولًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَلَكِنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَالِاسْتِعَارَةِ فَهَا هُنَا يَكُونُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَرْقٌ وَأَنَّ الْأَوَّلَ صَرِيحٌ وَالثَّانِيَ كِنَايَةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ الْمُعَيِّنَةِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِيرَادُ الْأَصْلِ عَلَى الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُرُودِ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَصِيرَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ فَإِنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ كَمَا يَرِدُ بِالْحَقَائِقِ كَذَلِكَ يَرِدُ بِالْمَجَازَاتِ وَبِالْكِنَايَاتِ الْقَرِيبَةِ وَالْبَعِيدَةِ كَثِيرًا جِدًّا وَيَعْتَمِدُ فِي حُكْمِهِ عَلَى الْقَرَائِنِ وَالتَّصْرِيحِ بِالْمُرَادِ فَلَا يَلِيقُ أَنْ يُجْعَلَ مَا وَرَدَ فِيهِ كَيْفَ كَانَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي وَرَدَ فِيهِ وَلَا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلَال بِمُجَرَّدِ الْوُرُودِ عَلَى الصَّرَاحَةِ وَالْوَضْعِ وَإِنَّمَا يَحْسُنُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ اهـ.
رَدَّهُ ابْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا وَرَدَ فِيهِ شَيْءٌ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي الشَّرْعِ أَوْ الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُرُودِهِ بِالْكِنَايَاتِ وَالْمَجَازَاتِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّفْظُ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ الْمَعْنَى أَصْلًا أَوْ عُرْفًا، بَلْ مَجَازًا حَتَّى لَا يُسْتَدَلَّ بِوُرُودِهِ عَلَى أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ أَوْ عُرْفِهَا أَوْ عُرْفِ الشَّرْعِ فَإِنَّ الْكِتَابَ الْعَزِيزَ كَمَا يَرِدُ بِالْكِنَايَاتِ وَالْمَجَازَاتِ يَرِدُ أَيْضًا بِالْحَقَائِقِ وَهِيَ الْأَصْلُ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى التَّجَوُّزِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ النِّيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُشْتَرَطُ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّلَاقِ مِنْ النِّيَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُشْتَرَطُ)
لِلنِّيَّةِ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي صَرِيحِ الطَّلَاقِ وَالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ ثَلَاثُ إطْلَاقَاتٍ
(الْإِطْلَاقُ الْأَوَّلُ) بِمَعْنَى الْقَصْدِ لِإِنْشَاءِ الصِّيغَةِ
стр. 656
الْأَحْوَالِ لِمُنَافَاةِ النِّسْيَانِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْمَرَضِ وَالْإِغْمَاءِ وَنَحْوِهَا التَّكْلِيفُ لُطْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادِ وَعَدَمِ وَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ افْعَلْ كَذَا قَبْلَ كَذَا أَنَّ التَّقَدُّمَ شَرْطٌ وَلِذَلِكَ يَصْدُقُ قَوْلُنَا اسْتَأْذِنْ الْمَرْأَةَ فِي النِّكَاحِ وَأَحْضِرْ الْوَلِيَّ قَبْلَ الْعَقْدِ أَنَّ هَذَيْنِ شَرْطَانِ، وَكَذَلِكَ اسْتَتِرْ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَتَطَهَّرْ وَانْوِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ شُرُوطٌ، وَإِذَا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ يُفِيدُ الشَّرْطِيَّةَ كَانَ تَقَدُّمُ الْعَدَمِ شَرْطًا فَلِذَلِكَ قَدَحَ فِيهِ النِّسْيَانُ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ يَثْبُتُ مُطْلَقًا وَمَا يَثْبُتُ مُطْلَقًا اُعْتُبِرَ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ شَرْطًا فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ فَيُؤَثِّرُ فَقْدُهُ وَالتَّكْلِيفُ لَمَّا كَانَ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ شَرْطَيْنِ فِيهِ فُقِدَ التَّكْلِيفُ عِنْدَ عَدَمِهِمَا فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَالْمَفْهُومُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] أَنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ قَبْلَهُمَا وَطْءٌ وَلَا فِي أَثْنَائِهِمَا وَطْءٌ فَهَذَانِ أَمْرَانِ قَدْ يَتَغَيَّرُ أَحَدُهُمَا بِتَقَدُّمِ الْوَطْءِ فَاسْتَحَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَدَّقَ أَنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ قَبْلَهُمَا وَطْءٌ لِأَجْلِ تَقَدُّمِ الْوَطْءِ وَبَقِيَ الْآخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ لَيْسَ فِي خِلَالِهِمَا وَطْءٌ وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْمُتَعَذِّرَ يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ وَالْمُمْكِنَ يُسْتَصْحَبُ فِيهِ التَّكْلِيفُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» فَلِذَلِكَ قُلْنَا يَبْتَدِي الصَّوْمَ فِي الظِّهَارِ مُتَتَابِعًا إذَا وَطِئَهَا قَبْلَهُ وَإِنْ كَانَ وَصْفُ تَقَدُّمِ عَدَمِ الْوَطْءِ قَدْ تَعَذَّرَ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ الْبَاقِي.
وَأَمَّا فِي النَّذْرِ وَنَحْوِهِ فَيَأْتِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي قَوْلِهِمْ إنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الصَّرِيحِ إجْمَاعًا احْتِرَازًا مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ لِمَا لَمْ يُقْصَدْ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُهَا طَارِقًا فَيُنَادِيهَا فَيَسْبِقُ لِسَانُهُ فَيَقُولُ لَهَا يَا طَالِقُ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ اللَّفْظَ وَمِثْلُ الصَّرِيحِ الْكِنَايَاتُ الظَّاهِرَةُ فَفِي الْخَرَشِيِّ وَحَاشِيَةِ الْعَدَوِيِّ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ وَرُكْنُهُ أَهْلٌ وَقَصْدٌ إلَخْ الْمُرَادُ بِالْقَصْدِ قَصْدُ النُّطْقِ بِاللَّفْظِ الدَّالِّ عَلَيْهِ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ مَدْلُولَهُ وَهُوَ حَلُّ الْعِصْمَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ وَلَزِمَ، وَلَوْ هَزَلَ وَقَصَدَ حَلَّهَا فِي الْكِنَايَةِ الْخَفِيَّةِ اهـ
(الْإِطْلَاقُ الثَّانِي) بِمَعْنَى الْقَصْدِ لِاسْتِعْمَالِ الصِّيغَةِ فِي قَوْلِهِمْ النِّيَّةُ لَيْسَتْ شَرْطًا فِي الصَّرِيحِ إجْمَاعًا وَمِثْلُهُ الْكِنَايَةُ الظَّاهِرَةُ كَمَا عَلِمْت فَقَوْلُ الْأَصْلِ وَإِنَّمَا مِنْ خَصَائِصِ الْكِنَايَاتِ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا مَعْنَى الطَّلَاقِ أَيْ وَهُوَ حَلُّ الْعِصْمَةِ يُرِيدُ الْخَفِيَّةَ لَا الظَّاهِرَةَ
(الْإِطْلَاقُ الثَّالِثُ) بِمَعْنَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فِي قَوْلِهِمْ فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ قَوْلَانِ فَأَطْلَقُوا النِّيَّةَ هَا هُنَا عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ يُرِيدُونَ هَلْ يَلْزَمُ إذَا أَنْشَأَ طَلَاقَهَا بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا يُنْشِئُهُ بِكَلَامِهِ اللِّسَانِيِّ أَمْ لَا يَلْزَمُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ قَوْلَانِ فَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ وَإِلَّا فَمَنْ قَصَدَ وَعَزَمَ عَلَى طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ عَدَمُهُ لَا يَلْزَمُهُ بِذَلِكَ طَلَاقٌ إجْمَاعًا، وَقَدْ عَبَّرَ ابْنُ الْجَلَّابِ عَنْ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ بِالِاعْتِقَادِ بِقَلْبِهِ فَقَالَ، وَمَنْ اعْتَقَدَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَلْفِظْ بِلِسَانِهِ فَفِي لُزُومِ الطَّلَاقِ لَهُ قَوْلَانِ وَلَمْ يَرِدْ حَقِيقَةُ الِاعْتِقَادِ إذْ لَا يَلْزَمُ بِهِ طَلَاقٌ إجْمَاعًا فَمَنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ بُطْلَانُ اعْتِقَادِهِ بَقِيَتْ لَهُ زَوْجَةً اتِّفَاقًا فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِي كَلَامِهِمْ وَأَنَّهَا أَحْوَالٌ مُخْتَلِفَةٌ هَكَذَا يَنْبَغِي تَقْرِيرُ هَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْلِ فِي الْإِطْلَاقِ الثَّالِثِ وَحَيْثُ قَالُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الصَّرِيحِ قَوْلَانِ فَيُرِيدُونَ بِالنِّيَّةِ هَا هُنَا الْكَلَامَ النَّفْسِيَّ وَأَنَّهُمْ يُطْلِقُونَ النِّيَّةَ هَا هُنَا وَمُرَادُهُمْ أَنَّهُ إذَا أَنْشَأَ طَلَاقَهَا بِكَلَامِهِ اللِّسَانِيِّ فَفِي اشْتِرَاطِ إنْشَائِهِ أَيْضًا بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ قَوْلَانِ وَالْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَ بِلِسَانِهِ لَا بُدَّ أَنْ يُطَلِّقَ بِقَلْبِهِ اهـ بِتَوْضِيحٍ لِلْمُرَادِ فَقَدْ نَظَرَ فِيهِ ابْنُ الشَّاطِّ بِقَوْلِهِ مَا قَالَهُ فِي الْإِنْشَاءَاتِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ
وَوَجْهُهُ أَنَّهُ يُفِيدُ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِي لُزُومِ الطَّلَاقِ إذَا أَنْشَأَهُ بِكَلَامِهِ اللِّسَانِيِّ فَقَطْ وَعَدَمِ لُزُومِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ خِلَافُ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ إنَّمَا هُمَا فِي لُزُومِهِ إذَا أَنْشَأَهُ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ فَقَطْ وَعَدَمِ لُزُومِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَالَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ فَفِي مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ وَفِي لُزُومِهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ خِلَافٌ قَالَ الْبُنَانِيُّ (تَوْضِيحُ) الْخِلَافِ إنَّمَا هُوَ إذَا أَنْشَأَ الطَّلَاقَ بِقَلْبِهِ بِكَلَامِهِ النَّفْسَانِيِّ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ اللُّزُومِ لِمَالِكٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ أَهْلُ الْمَذْهَبِ الْقَرَافِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْقَوْلُ بِاللُّزُومِ لِمَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ وَهُوَ الصَّحِيحُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ وَهُوَ الْأَشْهَرُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ حَلَّ الْعِصْمَةَ الْمُنْعَقِدَةَ بِالنِّيَّةِ وَالْقَوْلِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حَلُّهَا كَذَلِكَ إنَّمَا يَكْفِي بِالنِّيَّةِ فِي التَّكَالِيفِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّيَّةِ لَا فِيمَا بَيْنَ الْآدَمِيِّينَ اهـ انْتَهَى كَلَامُ الْبُنَانِيِّ بِلَفْظِهِ، بَلْ يُشْعِرُ بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْأَصْلِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ إذَا أَنْشَأَ طَلَاقَهَا بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا يُنْشِئُهُ بِكَلَامِهِ اللِّسَانِيِّ فَيُعَبِّرُونَ عَنْهُ بِالنِّيَّةِ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْجَلَّابِ بِالِاعْتِقَادِ بِقَلْبِهِ فَقَالَ، وَمَنْ اعْتَقَدَ عَلَى أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ بِالْكَلَامِ اللِّسَانِيِّ فَقَطْ لَا يَتَأَتَّى كَمَا
стр. 657
بِيَوْمٍ غَيْرِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ نَاسِيًا يَصِلُهُ بِآخِرِ صِيَامِهِ تَكْمِلَةً لِلْعِدَّةِ لَا لِتَحْصِيلِ وَصْفِ التَّتَابُعِ فِي جَمِيعِ الصَّوْمِ، بَلْ فِي آخِرِهِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ قَدْ تَعَذَّرَ فَأَفْطَرَ نَاسِيًا وَبَقِيَ تَحْصِيلُهُ فِي آخِرِهِ مُمْكِنًا فَوَجَبَ الْمُمْكِنُ وَسَقَطَ الْمُتَعَذِّرُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ وَأَنْوَاعِ الصَّوْمِ الْمُتَتَابِعِ فَانْدَفَعَ الْإِشْكَالُ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ مَالِكٌ ﵀ إذَا تَطَوَّعَ بِالصَّوْمِ أَوْ بِالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَجِبُ بِالشُّرُوعِ وَعَرَضَ عَارِضٌ يَقْتَضِي فَسَادَهُ نَاسِيًا أَوْ مُجْتَهِدًا لَمْ يَجِبْ قَضَاءُ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَإِنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا أَوْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى قَاعِدَةِ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ مَعَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْوُجُوبِ بِالشُّرُوعِ تَقْتَضِي الْقَضَاءَ مُطْلَقًا أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَصَوْمَ رَمَضَانَ يَقْضِيهِمَا إذَا فَسَدَا بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ فَكَانَ يَلْزَمُهُ هُنَا كَذَلِكَ وَهُوَ إشْكَالٌ كَبِيرٌ فَإِنَّ الْوَاجِبَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْتَلِفَ حَالُهُ
(وَالْجَوَابُ) عَنْهُ أَنَّ وُجُوبَ التَّطَوُّعَاتِ عِنْدَهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] نَهَى عَنْ الْإِبْطَالِ، فَيَكُونُ الْإِكْمَالُ وَاجِبًا مُكَلَّفًا بِهِ وَالتَّكْلِيفُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَالْعِلْمُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَلَا يَجِبُ الْإِتْمَامُ حَالَةَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ فَلَا يَجِبُ الْقَضَاءُ كَذَلِكَ.
وَإِذَا تَعَمَّدَ الْإِفْسَادَ انْدَرَجَتْ هَذِهِ الْحَالَةُ فِي التَّكْلِيفِ لِحُصُولِ الْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ فَوَجَبَ الْقَضَاءُ لِقَوْلِهِ ﵇ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ﵄ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ «اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» وَكَانَتَا عَامِدَتَيْنِ لِإِفْسَادِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يَشْهَدُ لَهُ أَوَّلًا قَوْلُ الْأَخْطَلِ:
إنَّ الْكَلَامَ لَفِي الْفُؤَادِ وَإِنَّمَا ... جُعِلَ اللِّسَانُ عَلَى الْفُؤَادِ دَلِيلًا
بِخِلَافِ الْعَكْسِ وَثَانِيًا تَعْلِيلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَظَهْرِيَّةَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ لُزُومِهِ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَقَطْ بِمَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ الْبُنَانِيِّ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّ التَّعْلِيلَ الْمَذْكُورَ هُوَ مَنْشَأُ تَعْبِيرِ الْأَصْلِ فِي الْإِطْلَاقِ الثَّالِثِ بِمَا ذَكَرَ أَوْ يَقُولُ سَيَأْتِي لِلْأَصْلِ نَقْلُهُ عَلَى أَنَّ إلْزَامَ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ إذَا نَطَقَ بِلِسَانِهِ غَيْرَ مُطَلِّقٍ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا قَالَ أَيْ مَالِكٌ فِي مَسْأَلَةِ الْبَتَّةِ أَيْ الْآتِيَةِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ
(وَصْلٌ) فِي تَوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقِ وَاَلَّذِي قِيلَ بِمَسَائِلَ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَوْ أَرَادَ التَّلَفُّظَ بِالطَّلَاقِ فَقَالَ اشْرَبِي أَوْ نَحْوَهَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَنْوِيَ طَلَاقَهَا بِمَا تَلَفَّظَ بِهِ فَيَجْتَمِعُ اللَّفْظُ وَالنِّيَّةُ اهـ يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَصَدَ أَنْ يَتَلَفَّظَ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ فَسَبَقَ لِسَانُهُ بِلَفْظٍ لَا يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ بِأَنْ قَالَ اسْقِنِي الْمَاءَ أَوْ اُدْخُلِي أَوْ اُخْرُجِي فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ بِلَفْظٍ يُرَادُ الطَّلَاقُ بِهِ وَهُوَ أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا بِنِيَّةِ اسْقِنِي أَيْ بِاسْقِنِي الْمُصَاحِبِ لِنِيَّةِ حُصُولِ الطَّلَاقِ حَتَّى يَلْزَمَ الطَّلَاقُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْلُولُهُ الِالْتِزَامِيُّ الطَّلَاقَ وَالْكِنَايَةَ اصْطِلَاحًا اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ فِي لَازِمِ مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ مَعًا لَا مِنْ بَابِ الطَّلَاقِ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ اللَّفْظِ حَتَّى يُقَالَ لَا يَلْزَمُ بِهَا طَلَاقٌ إجْمَاعًا اهـ.
خَرَشِيٌّ بِتَوْضِيحٍ عَلَى أَنَّهُ تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِنَايَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي مَعْنًى غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ، فَلَيْسَتْ حَقِيقَةً وَلَا مَجَازًا وَلَا كِنَايَةً فَافْهَمْ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ مَالِكٌ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ وَنِيَّتُهُ وَاحِدَةٌ فَسَبَقَ لِسَانُهُ لِلْبَتَّةِ لَزِمَهُ الثَّلَاثُ قَالَ سَحْنُونٌ إذَا كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْوِهِ قَالَ الْأَصْلُ يُرِيدُ أَيْ سَحْنُونٌ أَنَّ اللَّفْظَ وَحْدَهُ لَا يَلْزَمُ بِهِ الطَّلَاقُ وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ نِيَّةٌ مَعَ لَفْظِ الثَّلَاثِ فَلِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ ثَلَاثٌ فِي الْفُتْيَا وَيَلْزَمُهُ الثَّلَاثُ فِي الْقَضَاءِ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ يُؤْخَذُ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ مَعَ اللَّفْظِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فِي الْكِتَابِ أَيْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَأَرَادَ تَعْلِيقَهُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَيْ عَدَمُ التَّعْلِيقِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَهُ نَظَائِرُ قَالَ وَيَتَخَرَّجُ مِنْ قَوْلِهِ أَيْ مَالِكٍ فِي الَّذِي أَرَادَ وَاحِدَةً فَسَبَقَ لِسَانُهُ لِلْبَتَّةِ وَمِنْ هَزْلِ الطَّلَاقِ أَيْضًا إلْزَامُ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، وَكَذَا مَسْأَلَةُ مَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى مِنْ وَثَاقِ وِلَايَتِهِ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا طَلُقَتْ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ بَرِّيَّةٌ وَلَمْ يَنْوِ بِهِ طَلَاقًا وَلَا يُدَيِّنُ إذْ يُؤْخَذُ النَّاسُ بِأَلْفَاظِهِمْ وَلَا تَنْفَعُهُمْ نِيَّتُهُمْ إلَّا أَنْ تَكُونَ قَرِينَةٌ مُصَدَّقَةٌ كَأَنْ يَكُونَ جَوَابًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْكِتَابِ، وَقِيلَ يُدَيِّنُ مُطْلَقًا اهـ بِتَصَرُّفٍ.
قَالَ الْأَصْلُ وَوَافَقَ صَاحِبَ التَّنْبِيهَاتِ عَلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ الْوَثَاقِ طَلَاقٌ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ اللَّخْمِيُّ مَعَ أَنَّ إلْزَامَ الطَّلَاقِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ إنَّمَا هُوَ إذَا نَطَقَ بِلِسَانِهِ غَيْرَ مُطَلِّقٍ بِكَلَامِهِ النَّفْسِيِّ كَمَا قَالَ أَيْ مَالِكٌ فِي مَسْأَلَةِ الْبَتَّةِ أَمَّا إذَا صُرِفَ اللَّفْظُ بِقَصْدِهِ عَنْ إزَالَةِ الْعِصْمَةِ إلَى غَيْرِهِ نَحْوُ مَسْأَلَةِ الْوَثَاقِ فَإِلْزَامُ الطَّلَاقِ بِهِ لَوْ قِيلَ إنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ لَمْ يَبْعُدْ؛ لِأَنَّهُ نَظِيرُ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَقِيلَ لَهُ: مَا صَنَعْت فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ وَأَرَادَ الْإِخْبَارَ، وَقَدْ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ لَا يَلْزَمُهُ فِي الْفُتْيَا إجْمَاعًا وَنَظِيرُهُ أَيْضًا مَنْ لَهُ أَمَةٌ وَزَوْجَةٌ اسْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حِكْمَةُ، وَقَالَ حِكْمَةُ طَالِقٌ، وَقَالَ نَوَيْت الْأَمَةَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ فِي الْفُتْيَا اتِّفَاقًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ فِي مَسْأَلَةِ الْوَثَاقِ عَلَى اللُّزُومِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الْفُتْيَا، وَقَوْلُهُ وَجَاءَ مُسْتَفْتِيًا وَإِنْ أَوْهَمَ اللُّزُومَ فِي الْفُتْيَا مُعَارَضٌ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ يُؤْخَذُ النَّاسُ بِأَلْفَاظِهِمْ وَلَا تَنْفَعُهُمْ نِيَّتُهُمْ إذْ الْأَخْذُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْحَاكِمِ
стр. 658
ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَالَةٍ يَثْبُتُ فِيهَا التَّكْلِيفُ فَبَقِيَتْ الْحَالَةُ الَّتِي لَا يَثْبُتُ فِيهَا التَّكْلِيفُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَيَقْتَصِرُ بِهِ حَيْثُ وَرَدَ (فَإِنْ قُلْت) الصَّوْمُ فِي رَمَضَانَ وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ يُقْضَيَانِ مُطْلَقًا فَلِمَ لَا أَقْضِي هَذَا مُطْلَقًا، قُلْت الْمَشْهُورُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ فَيُتَّبَعُ ذَلِكَ الْأَمْرُ عَلَى حَسَبِ وُرُودِهِ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِالْقَضَاءِ فِي الْوَاجِبِ الْمُتَّصِلِ مَعَ الْعُذْرِ وَعَدَمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وَالْمَرَضُ عُذْرٌ، وَقَدْ وَجَبَ مَعَهُ الْقَضَاءُ فَلِذَلِكَ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ مُطْلَقًا وَلَمْ يَرِدْ لَنَا فِي التَّطَوُّعَاتِ مِثْلُ ذَلِكَ، بَلْ فِي صُورَةِ عَدَمِ الْعُذْرِ خَاصَّةً فَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ تَبَعٌ لِلْأَمْرِ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبْطِلُ التَّتَابُعَ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُبْطِلُهُ وَشَرْطُ قَاعِدَةِ خِطَابِ الْوَضْعِ وَقَاعِدَةِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُطَلَّقَاتِ يَقْضِي قَبْلَ عِلْمِهِنَّ بِالطَّلَاقِ وَأَمَدِ الْعِدَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُنَّ اسْتِئْنَافهَا وَيَكْتَفِينَ بِمَا تَقَدَّمَ قَبْلَ عِلْمُهُنَّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُرْتَابَاتِ يَتَأَخَّرُ الْحَيْضُ وَلَا يُعْلَمُ لِتَأَخُّرِهِ سَبَبٌ)
فَإِنَّهُنَّ يَمْكُثْنَ عِنْدَ مَالِكٍ ﵀ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ غَالِبَ مُدَّةِ الْحَمْلِ اسْتِبْرَاءً فَإِنْ حِضْنَ فِي خِلَالِهَا احْتَسَبْنَ بِذَلِكَ الْحَيْضِ وَانْتَظَرْنَ بَقِيَّةَ الْأَقْرَاءِ إلَى تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَلَا يَزَلْنَ كَذَلِكَ حَتَّى يَكْمُلَ لَهُنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
دُونَ الْمُفْتِي وَثَانِيًا بِاشْتِرَاطِهِ الْقَرِينَةَ فَإِنَّ الْمُفْتِيَ يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ وَالْمَقَاصِدَ دُونَ الْقَرَائِنِ وَإِلَّا فَيَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْقَوَاعِدِ وَيَتَعَذَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ أَيْ مَسْأَلَةِ الْوَثَاقِ وَبَيْنَ مَا ذَكَرَ مِنْ النَّظَائِرِ فَافْهَمْ
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) ذَهَبَ إمَامُنَا وَالشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك وَنَوَى عَدَدًا لَزِمَهُ مَا نَوَاهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا نَوَى الثَّلَاثَ لَزِمَهُ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ مُحْتَجًّا بِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ لَا يُفِيدُ إلَّا أَصْلَ الْمَعْنَى فَالزَّائِدُ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَالنِّيَّةُ لَا تُوجِبُ طَلَاقًا وَاحْتِجَاجُهُ هَذَا مَدْفُوعٌ بِوَجْهَيْنِ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ لَفْظَ ثَلَاثًا مَعَ صَرِيحِ الطَّلَاقِ كَلَفْظِ دِرْهَمًا مَعَ نَحْوِ عِشْرِينَ مِنْ أَلْفَاظِ الْعَدَدِ، فَكَمَا أَنَّ لَفْظَ دِرْهَمًا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ عِنْدِي عِشْرِينَ دِرْهَمًا يُفِيدُ اخْتِصَاصَ الْعَدَدِ بِالدَّرَاهِمِ وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لُغَةً كَذَلِكَ لَفْظُ ثَلَاثًا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا يُخَصَّصُ اللَّفْظُ بِالْبَيْنُونَةِ وَكُلُّ مَا كَانَ يَحْصُلُ مَعَ الْمُفَسَّرِ كَتَخْصِيصِ صَرِيحِ الطَّلَاقِ بِالْبَيْنُونَةِ مَعَ لَفْظِ ثَلَاثًا وَجَبَ أَنْ يَحْصُلَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُفَسَّرَ إنَّمَا جُعِلَ لِفَهْمِ السَّامِعِ لَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَوَجَبَ أَنْ يُعَدَّ مَنْطُوقًا بِهِ فِيهِ إذْ الْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ بَيَانٍ لِمُجْمَلٍ يُعَدُّ مَنْطُوقًا بِهِ فِي ذَلِكَ الْمُجْمَلِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] لَا يَدُلُّ عَلَى خُصُوصِ الصَّلَوَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لَكِنْ لَمَّا وَرَدَ الْبَيَانُ مِنْ السُّنَّةِ فِي خُصُوصِيَّاتِهَا وَهَيْئَتِهَا وَأَحْوَالِهَا عُدَّ ذَلِكَ ثَابِتًا بِلَفْظِ الْقُرْآنِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ مَشْرُوعَةٌ بِالْقُرْآنِ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَافَقْنَا عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ أَنْتِ بَائِنٌ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا أَوْ طَلَّقْتُك أَوْ طَلِّقِي نَفْسَك وَنَوَى الثَّلَاثَ لَزِمَتْهُ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا وَإِلَّا فَمَا الْفَارِقُ
(الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) حَكَى صَاحِبُ كِتَابِ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ وَصَاحِبُ الْمُغْنِي أَنَّ الرَّشِيدَ كَتَبَ لَيْلَةً إلَى قَاضِيهِ أَبِي يُوسُفَ يَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ:
فَإِنْ تَرْفُقِي يَا هِنْدُ فَالرِّفْقُ أَيْمَنُ ... وَإِنْ تَخْرِقِي يَا هِنْدُ فَالْخَرْقُ أَشْأَمُ
فَأَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ ... ثَلَاثًا وَمَنْ يَخْرِقْ أَعَقُّ وَأَظْلَمُ
فَبِينِي بِهَا أَنْ كُنْتِ غَيْرَ رَفِيقَةٍ ... وَمَا لِامْرِئٍ بَعْدَ الثَّلَاثِ مُقَدَّمُ
فَقَالَ مَاذَا يَلْزَمُهُ إذَا رَفَعَ الثَّلَاثَ، وَإِذَا نَصَبَهَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ فَقُلْت هَذِهِ مَسْأَلَةٌ نَحْوِيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ وَلَا آمَنُ الْخَطَأَ فِيهَا إنْ قُلْت فِيهَا بِرَأْيِي فَأَتَيْت الْكِسَائِيَّ وَهُوَ فِي فِرَاشِهِ فَسَأَلْته فَقَالَ إنْ رَفَعَ ثَلَاثٌ طَلُقَتْ وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَلَاقٌ وَأَخْبَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ التَّامَّ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَصْبَهَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَمَا بَيْنَهُمَا جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ فَكَتَبْت بِذَلِكَ إلَى الرَّشِيدِ أَوَّلَ اللَّيْلِ إثْرَ إرْسَالِهِ بِالسُّؤَالِ فَأَرْسَلَ إلَيَّ آخِرَ اللَّيْلِ بِغَالًا مُوسَقَةً قُمَاشًا وَتُحَفًا جَائِزَةً عَلَى الْجَوَابِ فَوَجَّهْت بِهَا إلَى الْكِسَائِيّ بِسَبَبِ أَنَّهُ أَعَانَنِي عَلَى الْجَوَابِ اهـ.
قَالَ الْأَمِيرُ عَلَى الْمُغْنِي وَالْأَبْيَارِيُّ عَلَيْهِ تَخْرِقِي مِنْ بَابِ فَتَحَ وَكَرَمَ وَأَيْمَنَ تَفْضِيلٌ مِنْ الْيُمْنِ الْبَرَكَةِ ضِدَّ أَشْأَمَ وَالْخَرْقُ الْعُنْفُ وَزْنًا وَمَعْنًى هُنَا اسْمٌ لَا غَيْرُ وَبِفَتْحِ الْخَاءِ وَالرَّاءِ مَصْدَرٌ وَاسْمٌ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ الْقَامُوسِ وَيَأْتِي بِمَعْنَى الدَّهْشِ لِخَوْفٍ أَوْ حَيَاءٍ وَعَدَمِ إتْقَانِ الْعَمَلِ بِالْيَدِ أَيْضًا، وَمَنْ يَخْرِقْ جَعَلَهَا ابْنُ يَعِيشَ شَرْطِيَّةً حَذَفَ صَدْرَ جَوَابِهَا أَيْ فَهُوَ أَعَقُّ، وَقَالَ الدَّمَامِينِيُّ مَوْصُولَةٌ خَبَرُهَا أَعَقُّ وَتَسْكِينُ يَخْرِقْ لِلتَّخْفِيفِ كَقِرَاءَةِ أَبِي عَمْرٍو فِي نَحْوِ يَأْمُرْكُمْ فَأَصْلُهُ الرَّفْعُ، وَقَوْلُهُ أَنْ كُنْت بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَلَامُ الْعِلَّةِ مُقَدَّرَةٌ مَعَهَا فَالْمَعْنَى بِينِي أَيْ ابْعَدِي عَنِّي وَفَارِقِينِي بِهَذِهِ التَّطْلِيقَاتِ لِأَجْلِ أَنْ كُنْت غَيْرَ رَفِيقَةٍ أَيْ لَمْ يَكُنْ فِيك رِفْقٌ وَلِينٌ، بَلْ شُؤْمٌ وَعُنْفٌ وَمُقَدَّمُ اسْمُ مَفْعُولٍ بِمَعْنَى التَّقَدُّمِ أَيْ الْمَصْدَرِ فَهُوَ مِنْ قَدَّمَ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ فَالْمَعْنَى لَيْسَ لِأَحَدٍ تَقَدُّمٌ إلَى الْخَمْسَةِ مَثَلًا بَعْدَ إيقَاعِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهَا نِهَايَةُ الطَّلَاقِ اهـ وَبُحِثَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِوُجُوهٍ
(الْوَجْهُ
стр. 659
ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ أَوْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ فَإِذَا انْقَضَتْ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لَيْسَ فِي خِلَالِهَا حَيْضٌ اسْتَأْنَفْنَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ كَمَالَ السَّنَةِ فَإِنْ حِضْنَ قَبْلَ السَّنَةِ بِلَحْظَةٍ اسْتَأْنَفْنَ الْأَقْرَاءَ حَتَّى تَمْضِيَ سَنَةٌ لَا حَيْضَ فِيهَا وَوَافَقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄ تَنْتَظِرُ الْحَيْضَ إلَى سِنِّ الْإِيَاسِ حُجَّةُ مَالِكٍ ﵀ قَوْلُ عُمَرَ ﵁ أَيُّمَا امْرَأَةٍ طَلُقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ ثُمَّ رُفِعَتْ عَنْهَا حَيْضَتُهَا فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَاكَ وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ؛ وَلِأَنَّهُنَّ بَعْدَ التِّسْعَةِ يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ إذْ لَوْ كَانَ لَظَهَرَ غَالِبًا فَيَنْدَرِجْنَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤] إذَا تَقَرَّرَ هَذَا بَقِيَ السُّؤَالُ الْمُحْوِجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَقَاعِدَةِ تَقَدُّمِ الْعَدَدِ قَبْلَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُنَّ إذَا مَضَى لَهُنَّ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لَا حَيْضَ فِيهَا فَقَدْ مَضَى لَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ فِي خِلَالِهَا فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَةِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أُخَرَ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ وَبَيْنَ الثَّلَاثَةِ تَمْضِي قَبْلَ الْعِلْمِ وَالْمَقْصُودُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ بِمُضِيِّ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا حَمْلٌ.
وَقَدْ حَصَلَتْ فَالْمَوْضِعُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ وَجَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ النِّسْوَةَ وَإِنْ انْكَشَفَ الْغَيْبُ عَنْ إيَاسِهِنَّ إلَّا أَنَّ الْعِدَّةَ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ بَعْدَ سَبَبِهَا وَإِنْ عُلِمَ حُصُولُ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ قَبْلَ السَّبَبِ فَإِنَّ مَنْ غَابَ عَنْ امْرَأَةٍ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ طَلَّقَهَا بَعْدَ الْعَشْرِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهَا فَإِنَّهَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ وَهِيَ الْعَشْرُ سِنِينَ وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ الْمُدَّةَ وَقَعَتْ قَبْلَ السَّبَبِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَوَّلُ) لِصَاحِبِ الْمُغْنِي أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُنْظَرَ لِمَا أَرَادَهُ هَذَا الشَّاعِرُ الْمُعَيَّنُ فَيُقَالُ هُوَ إنَّمَا أَرَادَ الثَّلَاثَ لِقَوْلِهِ بَعْدُ فَبِينِي بِهَا، الْبَيْتَ، وَإِمَّا أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ قَوَاعِدِ الْفُقَهَاءِ وَاسْتِحْسَانَاته م فَيُقَالُ الصَّوَابُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ مُحْتَمِلٌ لِوُقُوعِ الثَّلَاثِ وَلِوُقُوعِ الْوَاحِدَةِ أَمَّا الرَّفْعُ فَلِأَنَّ " الـ " فِي الطَّلَاقِ إمَّا لِمَجَازِ الْجِنْسِ كَمَا تَقُولُ الرَّجُلُ الْمُعْتَدُّ بِهِ وَإِمَّا لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ مِثْلُهَا فِي ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أَيْ، وَهَذَا الطَّلَاقُ الْمَذْكُورُ عَزِيمَةً ثَلَاثٌ وَلَا تَكُونُ لِلْجِنْسِ الْحَقِيقِيِّ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْعَامِّ بِالْخَاصِّ كَمَا يُقَالُ الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ وَذَلِكَ بَاطِلٌ إذْ لَيْسَ كُلُّ حَيَوَانٍ إنْسَانٌ وَلَا كُلُّ طَلَاقٍ عَزِيمَةٌ وَلَا ثَلَاثٌ فَعَلَى الْجِنْسِيَّةِ الْمَجَازِيَّةِ تَقَعُ وَاحِدَةٌ كَمَا قَالَ الْكِسَائِيُّ وَعَلَى الْعَهْدِيَّةِ تَقَعُ الثَّلَاثُ، وَهَذَا مِمَّا فَاتَ الْكِسَائَيَّ.
وَأَمَّا النَّصْبُ فَلِأَنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ فَيَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ حَيْثُ جُعِلَ مَعْمُولًا لِطَلَاقِ الْأَوَّلِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ إذْ الْمَعْنَى فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَاعْتُرِضَ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ وَالطَّلَاقُ عَزِيمَةٌ أَوْ جُعِلَ مَعْمُولًا لِلطَّلَاقِ الثَّانِي وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ أَمَّا إذَا جُعِلَ مَفْعُولًا لِطَلَاقِ الثَّانِي وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ فَلَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الثَّلَاثِ، بَلْ وَاحِدَةٍ وَلَأَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ الضَّمِيرِ الْمُسْتَتِرِ فِي عَزِيمَةٍ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ مَصْدَرًا مُؤَوَّلَةٌ بِاسْمِ الْمَفْعُولِ كَمَا أَنَّ طَلَاقَ مُؤَوَّلٌ بِطَالِقٍ فَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُ الثَّلَاثِ وَإِنْ احْتَمَلَهَا بِجَعْلِ " الـ " لِلْعَهْدِ الذِّكْرِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى وَالطَّلَاقَ عَزِيمَةٌ إذَا كَانَ ثَلَاثًا بِمَعْنَى أَنَّ الْفِرَاقَ بِهِ حَالَ كَوْنِهِ ثَلَاثًا فَإِنَّمَا يَقَعُ مَا نَوَاهُ اهـ بِتَصَرُّفٍ وَتَوْضِيحٍ قَالَ الْبُنَانِيُّ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ وَهُوَ تَحْرِيرٌ عَجِيبٌ اهـ.
وَبَقِيَ أَنَّهُ إمَّا أَنْ يُنْظَرَ إلَى مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ مَعَ النَّظَرِ إلَى قَوَاعِدِ الْفُقَهَاءِ وَاسْتِحْسَانَاته م وَغَيْرِ ذَلِكَ فَيُقَالُ إنَّ مِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَقُولُ إذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ الْوَاحِدَةَ وَغَيْرَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا وَاحِدَةٌ رَفَعَ أَوْ نَصَبَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ إذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ ذَلِكَ مُرَاعَاةً لِلِاحْتِيَاطِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا الثَّلَاثُ رَفَعَ أَوْ نَصَبَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ حَوَاشِي الْمُغْنِي لِلْأَمِيرِ وَالْأَبْيَارِيِّ قَالَ عبق عَلَى خَلِيلٍ مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا لُزُومُ الثَّلَاثِ فِي الرَّفْعِ وَالنَّصْبِ احْتِيَاطًا اهـ أَيْ وَلَا يُلْتَفَتُ لِمُطَابَقَةِ النَّحْوِ وَلِذَا قَالَ الشَّيْخُ الْعِمَادِيُّ مُجِيبًا لِلشَّيْخِ أَحْمَدَ الدَّمَنْهُورِيِّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ هَذَا:
وَمَذْهَبُنَا الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ مَالِكٍ ... وُقُوعُ ثَلَاثٍ مُطْلَقًا وَهُوَ أَسْلَمُ
إلَى أَنْ قَالَ:
، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُغْنِي خِلَافَ الَّذِي جَرَى ... كَمَا لِلدَّمَامِينِيِّ بِنَصٍّ يُتَرْجَمُ
وَإِنْ انْتِصَابًا وَارْتِفَاعًا كِلَاهُمَا ... يُفِيدُ احْتِمَالَيْهِ بِذَلِكَ صَمَّمُوا
فَيُحْتَمَلُ التَّوْحِيدُ دُونَ ثَلَاثَةٍ ... وَيُحْتَمَلُ التَّوْقِيفُ وَالْوَقْفُ أَفْخَمُ
اهـ كَنُونٍ.
وَأَجَابَ ابْنُ الصَّائِغُ عَنْ الِاحْتِمَالِ مَعَ الرَّفْعِ بِاخْتِيَارِ الشِّقِّ الْأَوَّلِ وَاعْتِمَادِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ الْوَاحِدَةَ وَغَيْرَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا وَاحِدَةٌ فَصَحَّ أَنَّهُ عَلَى الرَّفْعِ طَلُقَتْ وَاحِدَةٌ كَمَا فِي حَوَاشِي الْأَمِيرِ عَلَى الْمُغْنِي وَأَيَّدَهُ فِي الْقَصْرِ بِأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ اخْتِيَارَهُ الشِّقَّ الْأَوَّلَ دُونَ الثَّانِي كَمَا زَعَمَ الشُّمُنِّيُّ هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ تَعْبِيرِ الْمُغْنِي بِالصَّوَابِ الْمُقْتَضِي أَنَّ مَا فَعَلَهُ الْكِسَائِيُّ خَطَأٌ، الثَّانِي أَنَّ السَّائِلَ لَهُ أَجَلُّ فَقِيهٍ فَلَا يَحْسُنُ قَطْعُ النَّظَرِ عَنْ قَوَاعِدِ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَابِهِ وَالْكِسَائِيُّ لَمْ يَكُنْ غَرًّا فِي تِلْكَ الْقَوَاعِدِ
стр. 660
وَالْوَاقِعُ قَبْلَ السَّبَبِ مِنْ جَمِيعِ الْأَحْكَامِ لَا يُعْتَدُّ بِهِ كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَالصَّوْمِ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ قَبْلَ مِلْكِ النِّصَابِ وَاَللَّهُ جَعَلَ الْإِيَاسَ سَبَبًا لِلْعِدَّةِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى رَتَّبَهُ عَلَيْهَا بِصِيغَةِ الْفَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] فَتَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى السَّبَبِيَّةِ فِي الْإِيَاسِ مِنْ وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ كَقَوْلِنَا اقْطَعُوا السَّارِقَ وَاجْلِدُوا الزَّانِيَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الْمُتَقَدِّمَةَ أَسْبَابٌ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهَا كَذَلِكَ هَاهُنَا يَكُونُ الْإِيَاسُ سَبَبًا لِلِاعْتِدَادِ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَالْوَاقِعُ مِنْ الْأَشْهُرِ قَبْلَ كَمَالِ التِّسْعَةِ وَاقِعٌ قَبْلَ إيَاسِنَا وَإِيَاسِهِنَّ مِنْ الْحَيْضِ، فَيَكُونُ وَاقِعًا قَبْلَ سَبَبِهِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ وَيَتَعَيَّنُ اسْتِئْنَافُ ثَلَاثَةٍ بَعْدَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ.
وَأَمَّا الْمُطَلَّقَاتُ تَمْضِي لَهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَقَبْلَ الْعِلْمِ بِهِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ يَمْضِي لَهُنَّ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ بَعْدَ الْوَفَاةِ وَقَبْلَ عِلْمِهِنَّ بِأَنَّ تِلْكَ الْآجَالَ عِدَدٌ وَقَعَتْ بَعْدَ أَسْبَابِهَا وَهِيَ الْوَفَاةُ وَالطَّلَاقُ وَالْعِلْمُ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ لَيْسَ سَبَبًا إجْمَاعًا وَالْإِيَاسُ هُنَا سَبَبٌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَحَقَّقَ كَمَا تَحَقَّقَتْ الْوَفَاةُ وَالطَّلَاقُ فَلِذَلِكَ لَمْ تَحْصُلْ الْعِدَّةُ قَبْلَهُ كَمَا لَا تَعْتَدُّ قَبْلَ الْوَفَاةِ وَالطَّلَاقِ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَالتَّبَايُنُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَإِنَّمَا كَانَتْ الْعَرَبِيَّةُ وَالْقِرَاءَةُ أَغْلَبَ عَلَيْهِ اهـ.
وَأَجَابَ الْأَصْلُ عَنْ الِاحْتِمَالِ مَعَ النَّصْبِ بِأَنَّ الْمُرَجِّحَ لِجَعْلِهِ مَعْمُولًا لِطَلَاقِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ تَمْيِيزٌ هُوَ أَنَّهُ مُنَكَّرٌ يَحْتَمِلُ سَبَبُ تَنَكُّرِهِ جَمِيعَ مَرَاتِبِ الْجِنْسِ وَأَعْدَادِهِ وَأَنْوَاعِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ التَّنْكِيرِ فَاحْتَاجَ لِلتَّمْيِيزِ لِيَحْصُلَ الْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ الْمُنَكَّرِ الْمَجْهُولِ،
وَأَمَّا الطَّلَاقُ الثَّانِي فَبِتَعْرِيفِهِ وَاسْتِغْرَاقِهِ النَّاشِئِ عَنْ لَامِ التَّعْرِيفِ يُسْتَغْنَى عَنْ الْبَيَانِ اهـ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِغْرَاقُ الْمَجَازِيُّ الْحَقِيقِيُّ لِمَا عَلِمْته فِي كَلَامِ الْمُغْنِي الْمُتَقَدِّمِ فَلَا تَغْفُلْ نَعَمْ قَالَ ابْنُ الضَّائِعِ يُمْكِنُ عَلَى إرَادَةِ الْكُلِّ الْمَجْمُوعِيِّ أَيْ لَا كُلُّ فَرْدٍ فَرْدٍ فَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنَّ مَجْمُوعَ أَفْرَادِ الطَّلَاقِ ثَلَاثٌ وَالْمَجْمُوعُ خَاصٌّ، فَيَكُونُ إخْبَارًا عَنْ خَاصٍّ بِخَاصٍّ وَرَدَّهُ الشُّمُنِّيُّ بِأَنَّ الِاسْتِغْرَاقَ عِنْدَهُمْ مِنْ بَابِ الْكُلِّيَّةِ أَيْ الْحُكْمِ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ وَلِهَذَا امْتَنَعَ وَصْفُ الْمُفْرَدِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ حَرْفُ الِاسْتِغْرَاقِ بِنَعْتِ الْجَمْعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنْ حَكَاهُ الْأَخْفَشُ فِي نَحْوِ الدِّينَارِ الصُّفْرِ وَالدَّرَاهِمِ الْبِيضِ أَمِيرٌ بِتَوْضِيحٍ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) قَالَ الْأَمِيرُ فِي حَوَاشِي الْمُغْنِي شَنَّعَ الْكَمَالُ بْنُ الْهُمَامِ عَلَى الْمُصَنِّفِ يَعْنِي ابْنَ هِشَامٍ بِأَنَّهُ جَهِلَ بِمَقَامِ الِاجْتِهَادِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ أَسَالِيبِ الْكَلَامِ فَلَا يَحْتَاجُ أَبُو يُوسُفَ إلَى مُرَاجَعَةِ الْكِسَائِيُّ قُلْنَا أَيْ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ هَذَا مِنْ تَعَاوُنِ الْعُلَمَاءِ وَمُشَارَكَتِهِمْ خُصُوصًا أَهْلَ دَوْلَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ هُوَ عَيْنُ إمَامِيَّةِ أَبِي يُوسُفَ وَكَمَالِهِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِرَأْيِهِ مَعَ عَدَمِ احْتِيَاجِهِ وَهَكَذَا شَأْنُ السَّلَفِ وَلَعَمْرِي الْكِسَائِيّ أَحَدُ الْقُرَّاءِ السَّبْعَةِ وَإِمَامُ الْعَرَبِيَّةِ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ اهـ بِلَفْظِ الْوَجْهِ الثَّالِثِ قَالَ الْأَمِيرُ أَيْضًا قِيلَ الصَّوَابُ أَنَّ السُّؤَالَ مِنْ الْكِسَائِيّ لِمُحَمَّدٍ قُلْنَا أَيْ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ تَعَدُّدُ الْوَاقِعَةِ مُمْكِنٌ اهـ بِلَفْظِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) فِي بِدَايَةِ ابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ لَا يُقْبَلُ عِنْدَ مَالِكٍ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ دُونِ الثَّلَاثِ فِي الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك وَمِثْلُ الْبَتَّةِ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ أَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ حَيْثُ قَالَ ذَلِكَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَهُ فِي الْخُلْعِ.
وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا فَيُصَدِّقُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ دُونِ الثَّلَاثِ فِيهَا؛ لِأَنَّ طَلَاقَ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بَائِنٌ وَيُقْبَلُ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ دُونِ الثَّلَاثِ فِيهَا مُطْلَقًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مُذَاكَرَةِ الطَّلَاقِ فَإِنَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِالْكِنَايَاتِ كُلِّهَا مَعَ هَذِهِ الْقَرِينَةِ إلَّا بِأَرْبَعٍ حَبْلُك عَلَى غَارِبِك وَاعْتَدِّي وَاسْتَبْرِي وَتَقَنَّعِي؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ الْمُحْتَمَلَةِ غَيْرِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُحْتَمَلَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا إنَّهُ يَعْتَبِرُ فِي الْمُحْتَمَلَةِ نِيَّةً اهـ مُلَخَّصًا وَلَا يَخْفَاك أَنَّ إطْلَاقَهُ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَاتِ الظَّاهِرَةِ يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَقْسِيمِهَا مِنْ أَنَّ بَتَّةً وَحَبْلَك عَلَى غَارِبِك مِمَّا يَلْزَمُ بِهِ ثَلَاثٌ وَلَا يَنْوِي مُطْلَقًا مِثْلُ وَأَنْتِ خَلِيَّةٌ أَوْ بَرِيَّةٌ مِمَّا يَلْزَمُ فِيهِ الثَّلَاثُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَغَيْرِهَا إنْ لَمْ يَنْوِ أَقَلَّ نَعَمْ قَدْ مَرَّ عَنْ الْأَصْلِ أَنَّ الْمَدَارَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ الْعُرْفُ فَلَعَلَّ مَا تَقَدَّمَ مَبْنِيٌّ عَلَى عُرْفٍ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى عُرْفٍ آخَرَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
٢ -
(الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ) فِي حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ قَالَ الْقَرَافِيُّ، قُلْت يَوْمًا لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْقُرَّاءَ الْتَزَمُوا قَاعِدَةَ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ لِلْعُمُومِ فِي الْأُصُولِ وَخَالَفُوهَا فِي الْفُرُوعِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَبَبُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْأَيْمَانَ تَتْبَعُ الْمَنْقُولَاتِ الْعُرْفِيَّةَ دُونَ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا تَعَارَضَا، وَقَدْ انْتَقَلَ اللَّامُ فِي الْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ لِحَقِيقَةِ
стр. 661
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ يُلْحَقُ بِالْغَالِبِ مِنْ جِنْسِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ إلْحَاقِ الْأَوْلَادِ بِالْأَزْوَاجِ إلَى خَمْسِ سِنِينَ) وَقِيلَ إلَى أَرْبَعٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀، وَقِيلَ إلَى سَبْعِ سِنِينَ وَكُلُّهَا رِوَايَاتٌ عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ إلَى سَنَتَيْنِ فَإِنَّ هَذَا الْحَمْلَ الْآتِي بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوَطْءِ السَّابِقِ مِنْ الزَّوْجِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الزِّنَى وَوُقُوعُ الزِّنَى فِي الْوُجُودِ أَكْثَرُ وَأَغْلَبُ مِنْ تَأَخُّرِ الْحَمْلِ هَذِهِ الْمُدَّةَ فَقَدَّمَ الشَّارِعُ هَا هُنَا النَّادِرَ عَلَى الْغَالِبِ وَكَانَ مُقْتَضَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ أَنْ يُجْعَلَ زِنًى لَا يَلْحَقُ بِالزَّوْجِ عَمَلًا بِالْغَالِبِ لَكِنَّ اللَّهَ شَرَّعَ لُحُوقَهُ بِالزَّوْجِ لُطْفًا بِعِبَادِهِ وَسِتْرًا عَلَيْهِمْ وَحِفْظًا لِلْأَنْسَابِ وَسَدًّا لِبَابِ ثُبُوتِ الزِّنَى كَمَا اشْتَرَطَ تَعَالَى فِي ثُبُوتِهِ أَرْبَعَةً مُجْتَمِعِينَ سَدًّا لِبَابِهِ حَتَّى يَبْعُدَ ثُبُوتُهُ وَأُمِرْنَا أَنْ لَا نَتَعَرَّضَ لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ فَبِهِ، وَإِذَا تَحَمَّلْنَاهَا أُمِرْنَا بِأَنْ لَا نُؤَدِّيَ بِهَا وَأَنْ نُبَالِغَ فِي السِّتْرِ عَلَى الزَّانِي مَا اسْتَطَعْنَا بِخِلَافِ جَمِيعِ الْحُقُوقِ كُلُّ ذَلِكَ شُرِعَ طَلَبًا لِلسِّتْرِ عَلَى الْعِبَادِ وَمِنَّةً عَلَيْهِمْ فَهَذَا هُوَ سَبَبُ اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مِنْ تِلْكَ الْقَوَاعِدِ وَإِلَّا فَهِيَ عَلَى خِلَافِ الْإِلْحَاقِ بِالْغَالِبِ دُونَ النَّادِرِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ وَاعْلَمْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَهُوَ طَلَبُ السَّتْرِ وَمَا تَقَدَّمَ مَعَهُ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَدَدِ وَقَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ) إنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ وَإِنْ عُلِمَتْ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ كَمَنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا غَائِبًا عَنْهَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَكَذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْجِنْسِ دُونَ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ فَلِذَا كَانَ الْحَالِفُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا الْمَاهِيَّةُ الْمُشْتَرَكَةُ فَلَا تَزِيدُ اللَّامُ لَهُ عَلَى الْوَاحِدِ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ قَالَ الشِّرْبِينِيُّ لَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّ الَّذِي يَتْبَعُ الْعُرْفَ مُطْلَقًا هُوَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ الطَّلَاقِ أَمَّا بِهِ فَيَتْبَعُ اللُّغَةَ مَتَى اشْتَهَرَتْ وَإِنْ اشْتَهَرَ الْعُرْفُ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ هُنَا غَيْرُ مَشْهُورٍ اهـ وَلَعَلَّ مُرَادَهُ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ وَإِلَّا فَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْحَلِفَ مُطْلَقًا يَتْبَعُ الْعُرْفَ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الذَّوَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الصِّفَاتِ]
الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الذَّوَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الصِّفَاتِ)
وَذَلِكَ أَنَّ الْبَابَيْنِ وَإِنْ اسْتَوَيَا فِي صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَّا أَنَّهُمَا افْتَرَقَا فِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الذَّوَاتِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى فِيهِ بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ بِأَنْ يَسْتَغْرِقَ الْمُسْتَثْنَى لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤْتَى فِيهِ بِلَفْظٍ دَالٍّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ فِي الظَّاهِرِ وَذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الصِّفَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقَعَ فِي جُمْلَةِ الصِّفَةِ كَأَنْ تَقُولَ مَرَرْت بِالسَّاكِنِ إلَّا السَّاكِنَ أَوْ مَرَرْت بِالْمُتَحَرِّكِ إلَّا الْمُتَحَرِّكَ فَتَسْتَثْنِي الصِّفَةَ مِنْ الصِّفَةِ وَهُوَ السُّكُونُ فَقَطْ فِي الْأَوَّلِ وَالْحَرَكَةُ فَقَطْ فِي الثَّانِي وَتَتْرُكُ الْمَوْصُوفَ فَتَتَعَيَّنُ لَهُ الْحَرَكَةُ فِي الْأَوَّلِ، فَيَكُونُ مُرُورُك بِالْمُتَحَرِّكِ وَيَتَعَيَّنُ السُّكُونُ فِي الثَّانِي، فَيَكُونُ مُرُورُك بِالسَّاكِنِ وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الصِّفَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ - إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات: ٥٨ - ٥٩] فَقَوْلُهُ بِمَيِّتِينَ لَفْظٌ يَشْمَلُهُمْ بِصِفَةِ الْمَوْتِ وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَحَدًا، بَلْ بَعْضَ أَنْوَاعِ الصِّفَةِ.
وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ أَيْ الِاسْتِثْنَاءُ فِي بَعْضِ مُتَعَلِّقَاتِ الصِّفَةِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
قَاتَلَ ابْنَ الْبَتُولِ إلَّا عَلِيًّا
فَمَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْأُدَبَاءُ قَاتَلَ ابْنَ فَاطِمَة الْبَتُول أَيْ الْمُنْقَطِعَةِ عَنْ الْأَزْوَاجِ إلَّا عَنْ عَلِيٍّ فَاسْتَثْنَى مِنْ صِفَتِهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ جُمْلَةَ الصِّفَةِ وَلَا نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِهَا، بَلْ اسْتَثْنَى مُتَعَلِّقًا مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا فَإِنَّ التَّبَتُّلَ الَّذِي هُوَ الِانْقِطَاعُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ [المزمل: ٨] أَيْ انْقَطِعْ عَلَيْهَا انْقِطَاعًا لَمَّا كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَنْ الْأَزْوَاجِ كُلِّهَا اسْتَثْنَى مِنْ مُتَعَلِّقِ التَّبَتُّلِ عَلِيًّا ﵁ وَمِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مَا قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مِنْ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَ مُسْتَفْتِيًا، وَقَالَ نَوَيْت ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَفِي مَوْضِعٍ لَوْ سَكَتَ لَمْ يَكُنْ طَلَاقًا؛ لِأَنَّهُ طَلَاقٌ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ آتٍ بِمَا لَا يُشْبِهُ كَمَا لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ هَذَا الْحَجَرُ وَيَخْتَلِفُ إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ إلَّا وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَثْنِيًا لِلْأَوَّلِ وَإِنْ قَالَ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً وَأَعَادَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْوَاحِدَةِ يَقَعُ عَلَيْهِ اثْنَانِ.
وَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ أَيْضًا إنْ أَعَادَهُ عَلَى طَلْقَةٍ وَثَلَاثٌ إنْ أَعَادَهُ عَلَى الْوَاحِدَةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مُشْكِلَاتِ الْمَسَائِلِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَتَقْرِيرُهَا وَإِيضَاحُهَا أَنْ تَقُولَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعْنَاهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَالطَّلَاقُ مَصْدَرٌ قَدْ وَصَفَهُ بِالْوَحْدَةِ فَصَارَ فِي كَلَامِهِ حِينَئِذٍ صِفَةٌ وَمَوْصُوفٌ فَإِذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ إلَّا وَاحِدَةً كَانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا سِتَّ حَالَاتٍ
(الْحَالَةُ الْأُولَى) أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ وَاحِدَةً الصِّفَةَ وَالْمَوْصُوفَ مَعًا، ثُمَّ يَقْصِدَ رَفْعَ الصِّفَةِ دُونَ الْمَوْصُوفِ، فَيَكُونُ قَدْ رَفَعَ مَصْدَرَ الطَّلَاقِ الْوَحْدَةِ فَيَتَعَيَّنُ ضِدُّهَا وَهُوَ الْكَثْرَةُ إذْ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا وَالْقَاعِدَةُ الْعَقْلِيَّةُ أَنَّ كُلَّ ضِدَّيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا إذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا تَعَيَّنَ ثُبُوتُ الْآخَرِ أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ هَذَا الْعَدَدُ لَيْسَ بِزَوْجٍ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ فَرْدًا أَوْ لَيْسَ
стр. 662
إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا وَالِاسْتِبْرَاءُ لَيْسَ كَذَلِكَ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لَا يَجْرِي الِاسْتِبْرَاءُ قَبْلَ الْبَيْعِ إلَّا فِيمَنْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِهِ لِلِاسْتِبْرَاءِ أَوْ وَدِيعَةً وَسَيِّدُهَا لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ امْرَأَتِهِ أَوْ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ الَّذِي فِي عِيَالِهِ وَسَكَنِهِ أَوْ اشْتَرَاهَا مِنْ سَيِّدِهَا عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ الْغَيْبَةِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إلَيْهِ أَوْ خَرَجَتْ حَائِضًا أَوْ الشَّرِيكُ يَشْتَرِي مِنْ شَرِيكِهِ وَهِيَ تَحْتَ يَدَيْ الْمُشْتَرِي.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كُلُّ مَنْ أُمِنَ عَلَيْهَا الْحَمْلُ فَلَا اسْتِبْرَاءَ فِيهَا، وَمَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ حَمْلُهَا أَوْ شُكَّ فِيهَا اُسْتُبْرِئَتْ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بَرَاءَتُهَا مَعَ جَوَازِ الْحَمْلِ فَقَوْلَانِ كَالصَّغِيرَةِ وَالْآيِسَةِ تُسْتَبْرَآنِ لِسُوءِ الظَّنِّ وَالْوَخْشِ مِنْ الرَّقِيقِ، وَمَنْ بَاعَهَا مَجْبُوبٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَالْمَشْهُورُ إيجَابُهُ وَأَشْهَبُ يَنْفِيهِ وَيَجُوزُ اتِّفَاقُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عَلَى اسْتِبْرَاءٍ وَاحِدٍ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ فَهَذِهِ فُرُوعٌ فِي الِاسْتِبْرَاءِ لَا يَجُوزُ فِي الْعِدَدِ مِثْلُهَا فَلَوْ عُلِمَتْ بَرَاءَةُ الْمُعْتَدَّةِ قَبْلَ الْإِطْلَاقِ أَوْ الْوَفَاءِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْعِدَّةِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ الْعِدَّةَ يَغْلِبُ عَلَيْهَا شَائِبَةُ التَّعَبُّدِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَإِنْ كَانَتْ مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَعَدَمِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ هِيَ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى وَمِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعِدَّةَ تَجِبُ فِي الْوَفَاةِ عَلَى بِنْتِ الْمَهْدِ وَتَجِبُ فِي الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ عَلَى الْكَبِيرَةِ الْمَعْلُومِ بَرَاءَتُهَا بِسَبَبِ الْغَيْبَةِ وَغَيْرِهَا هَذِهِ شَائِبَةُ التَّعَبُّدِ، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعِدَّةِ شَائِبَةُ التَّعَبُّدِ وَجَبَ فِعْلُهَا بَعْدَ سَبَبِهَا مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ عُلِمَتْ الْبَرَاءَةُ أَمْ لَا تَوْفِيَةً لِشَائِبَةِ التَّعَبُّدِ وَالِاسْتِبْرَاءِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِفَرْدٍ فَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ زَوْجًا؛ لِأَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الزَّوْجِ وَالْفَرْدِ وَأَقَلُّ مَرَاتِبِ الْكَثْرَةِ اثْنَانِ فَيَلْزَمُهُ طَلْقَتَانِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الزَّائِدِ
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ وَاحِدَةً قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ الصِّفَةَ وَحْدَهَا، ثُمَّ يَسْتَثْنِيهَا فَاسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ جُمْلَةَ مَا وَضَعَهُ أَوَّلًا
(الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ وَاحِدَةً نَفْسَ الطَّلَاقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ طَلَاقٌ وَلَا يَأْخُذُهُ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ وَلَا بِقَيْدِ الْكَثْرَةِ، ثُمَّ يُورِدَ الِاسْتِثْنَاءَ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ فَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ عَيْنَ مَا وَضَعَهُ
(الْحَالَةُ الرَّابِعَةُ) أَنْ يَقْصِدَ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا الْمَصْدَرَ الْمَوْصُوفَ بِالْوَحْدَةِ وَيَقْصِدَ بِقَوْلِهِ إلَّا وَاحِدَةً الطَّلَاقَ الْمَوْصُوفَ بِالْوَحْدَةِ فَلَا يَنْفَعُهُ أَيْضًا اسْتِثْنَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ جُمْلَةَ مَا وَضَعَهُ
(الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ) أَنْ يُرِيدَ بِلَفْظِ الْأَوَّلِ الطَّلَاقَ الْمَوْصُوفَ بِالْوَحْدَةِ وَيَقْصِدَ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمَوْصُوفَ وَهُوَ مَفْهُومُ الطَّلَاقِ دُونَ الْوَحْدَةِ فَهَذَا مُسْتَثْنًى لِبَعْضِ مَا نَطَقَ بِهِ مُطَابَقَةً غَيْرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ أَصْلِ الطَّلَاقِ نَفْيُ صِفَاتِهِ مِنْ الْوَحْدَةِ وَالْكَثْرَةِ فَتَنْتَفِي الصِّفَةُ أَيْضًا مَعَ الْمَوْصُوفِ فَيَبْطُلُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَيَلْزَمُهُ طَلْقَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ بِالْمُطَابَقَةِ وَالِالْتِزَامِ
(الْحَالَةُ السَّادِسَةُ) أَنْ يَسْتَعْمِلَ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً فِي الطَّلَاقِ بِوَصْفِ الثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إطْلَاقُ الْجِنْسِ وَإِرَادَةُ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ فَإِذَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا وَاحِدَةً يُرِيدُ بِهَا بَعْضَ ذَلِكَ الْعَدَدِ الَّذِي كَانَ يَقْصِدُهُ لَزِمَهُ طَلْقَتَانِ وَهُمَا اللَّتَانِ بَقِيَتَا مِنْ الثَّلَاثِ الَّتِي أَرَادَهَا بِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ بَعْدَ إخْرَاجِ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ فَظَهَرَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ كَيْفَ تَلْزَمُهُ اثْنَتَانِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً إنْ أَرَادَ بِالِاسْتِثْنَاءِ إحْدَى هَذِهِ الثَّلَاثِ لَزِمَهُ اثْنَتَانِ وَإِنْ أَرَادَ اسْتِثْنَاءَ الصِّفَةِ وَهِيَ الْوَحْدَةُ عَنْ طَلْقَةٍ مِنْ هَذِهِ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَلْزَمَهُ أَرْبَعُ تَطْلِيقَاتٍ؛ لِأَنَّهُ رَفَعَ صِفَةَ الْوَحْدَةِ عَنْ طَلْقَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ فَيَقَعُ فِيهَا الْكَثْرَةُ فَتَصِيرُ تِلْكَ الطَّلْقَةُ طَلْقَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى لُزُومِ أَرْبَعٍ بِالْإِجْمَاعِ اقْتَصَرْنَا عَلَى ثَلَاثٍ كَمَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَرْبَعَ تَطْلِيقَاتٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كَذَا قَالَ الْأَصْلُ قَالَ، وَقَدْ بَسَطْت هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي كِتَابِ الِاسْتِغْنَاءِ فِي أَحْكَامِ الِاسْتِثْنَاءِ وَهُوَ مُجَلَّدٌ كَبِيرٌ أَحَدٌ وَخَمْسُونَ بَابًا وَأَرْبَعُمِائَةِ مَسْأَلَةٍ لَيْسَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إلَّا الِاسْتِثْنَاءُ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الصِّفَةِ مِنْ أَغْرَبِ أَبْوَابِهِ، وَقَدْ بَسَطْته لَك هَا هُنَا بِهَذِهِ الْمَسَائِلِ وَظَهَرَ لَك مَعْنَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الطَّلَاقِ بِسَبَبِهِ، وَلَوْلَاهُ لَمْ يُفْهَمْ أَصْلًا أَلْبَتَّةَ فَنَفَائِسُ الْقَوَاعِدِ لِنَوَادِرِ الْمَسَائِلِ وَجَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ هَدَانَا اللَّهُ سَوَاءَ السَّبِيلِ فِي الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ اهـ بِلَفْظِهِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ هَذَا الْفَرْقُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ اهـ بِلَفْظِهِ.
وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّ مَسْأَلَةَ الطَّلَاقِ الَّتِي بَنَى هَذَا الْفَرْقَ عَلَيْهَا نَظِيرُ مَا نَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ الْمَدْخَلِ لِابْنِ طَلْحَةَ الْمَالِكِيِّ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ كَمَا فِي مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي اعْتِبَارِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ، وَقَدْ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَنَقَلَ هَذَا الْقَوْلَ الْقَرَافِيُّ وَأَنْكَرَهُ فَقَالَ الْأَقْرَبُ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ يَعْنِي الْإِجْمَاعَ الَّذِي حَكَاهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ كَالْقَرَافِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ فِي الْحُكْمِ لِلِاسْتِثْنَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ مُطْلَقًا كَانَ فِي الصِّفَاتِ أَوْ فِي الذَّوَاتِ فَلَوْ قَالَ لَهُ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً لَزِمَهُ عَشَرَةٌ، وَلَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا وَقَعَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ إلَّا أَنْ
стр. 663
لَمْ تَرِدْ فِيهِ هَذِهِ الشَّائِبَةُ، بَلْ هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَعَدَمِ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ فَلِذَلِكَ حَيْثُ حَصَلَ الْمَعْنَى وَهُوَ الْبَرَاءَةُ سَقَطَتْ الْوَسِيلَةُ إلَيْهِ وَهِيَ الِاسْتِبْرَاءُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ وَهُوَ الْمُوجِبُ لِخُرُوجِ تِلْكَ الصُّوَرِ عَنْ الْحَاجَةِ لِلِاسْتِبْرَاءِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِثْلُهَا فِي قَاعِدَةِ الْعِدَدِ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ بِالْأَقْرَاءِ يَكْفِي قُرْءٌ وَاحِدٌ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الِاسْتِبْرَاءِ بِالشُّهُورِ لَا يَكْفِي شَهْرٌ) مَعَ أَنَّ غَالِبَ النِّسَاءِ يَحْصُلُ لَهُنَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ قُرْءٌ كَأَنْ يُكْتَفَى بِشَهْرٍ كَمَا اُكْتُفِيَ بِقُرْءٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ أَنَّ الْقُرْءَ الْوَاحِدَ وَهُوَ الْحَيْضُ دَالٌّ عَادَةً عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْحَمْلِ غَالِبًا فَكَانَ الْقُرْءُ الْوَاحِدُ مِنْ الْحَيْضِ دَالًّا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَعَدَمِ الْحَمْلِ، وَالشَّهْرُ الْوَاحِدُ وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ قُرْءًا وَاحِدًا فِي حَقِّ مَنْ تَحِيضُ لَكِنَّهُ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَحِيضُ لَا يَحْصُلُ بِهِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ؛ لِأَنَّ الْمَنِيَّ يَمْكُثُ مَنِيًّا فِي الرَّحِمِ نَحْوَ الشَّهْرِ، ثُمَّ يَصِيرُ مُضْغَةً بَعْدَ أَنْ صَارَ عَلَقَةً فَلَا يَظْهَرُ الْحَمْلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَتُكْبِرُ الْجَوْفَ وَتَحْصُلُ مَبَادِئُ الْحَرَكَةِ أَمَّا الشَّهْرُ الْوَاحِدُ فَجَوْفُ الْحَامِلِ فِيهِ مُسَاوٍ فِي الظَّاهِرِ لِغَيْرِ الْحَامِلِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ الشَّهْرُ الْوَاحِدُ وَاعْتُبِرَ الْقُرْءُ الْوَاحِدُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يُعَقِّبَ بِاسْتِثْنَاءٍ آخَرَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ عَشَرَةٌ إلَّا عَشَرَةً إلَّا أَرْبَعَةً فَفِي جَوَازِهِ وَأَنَّ لَهُ أَثَرًا فِي الْحُكْمِ إمَّا اعْتِبَارُ الِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ وَإِمَّا اعْتِبَارُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ فَيَلْزَمُهُ سِتَّةٌ وَعَدَمُ جَوَازِهِ وَأَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهُ فَيَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ لِبُطْلَانِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي خِلَافٌ كَمَا فِي مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ نَعَمْ صَرَّحَ السُّيُوطِيّ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ بِأَنَّ لَهُ فِي الْوَصِيَّةِ أَثَرًا فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الرُّجُوعُ عَنْهَا فَلَوْ قَالَ أَوْصَيْت لَهُ بِعَشَرَةٍ إلَّا عَشَرَةً كَانَ رُجُوعًا عَنْ الْوَصِيَّةِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ فَتَأَمَّلْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءِ الْوَحَدَاتِ مِنْ الطَّلَاقِ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءِ الْكُلِّ مِنْ الْكُلِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءِ الْوَحَدَاتِ مِنْ الطَّلَاقِ)
قَاعِدَةُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إنَّمَا جُعِلَ لِإِخْرَاجِ مَا كَانَ مُعَرَّضًا لِلنِّسْيَانِ فَيَنْدَرِجُ فِي الْكَلَامِ سَهْوًا فَيَخْرُجُ بِالِاسْتِثْنَاءِ تَقْتَضِي أَنَّ الْعَطْفَ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ ظَاهِرٌ فِي مَنْعِ الِاسْتِثْنَاءِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ خُصُوصُ الْمَعْطُوفِ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ نَحْوُ قَامَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو وَخَالِدٌ إلَّا خَالِدًا أَوْ غَيْرَ مَقْصُودٍ لِلْعُقَلَاءِ نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً وَنَحْوُ لِلَّهِ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا ضَرُورَةَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي مُطْلَقِ الْقَصْدِ إلَى شَيْءٍ فِي الْمَعْطُوفِ، وَإِذَا قَصَدَ إلَى شَيْءٍ فِي الْمَعْطُوفِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْكَلَامِ الْمُسْتَقِلِّ الْمَقْصُودِ غَيْرَ أَنَّ الْأَصْحَابَ جَوَّزُوا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَّا وَاحِدَةً قَالَ الْأَصْلُ وَمَا عَلِمْت فِيهِ خِلَافًا وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الثَّلَاثَ لَهَا عِبَارَتَانِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَأَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً فَكَمَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْ الثَّلَاثِ يَصِحُّ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الْأُخْرَى وَالْفَرْضُ أَيْضًا أَنَّ خُصُوصَ الْوَحَدَاتِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِلْعُقَلَاءِ بِخِلَافِ زَيْدٍ وَعَمْرٍو فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خُصُوصًا لَيْسَ لِلْآخَرِ، وَالْوَحَدَاتُ مُسْتَوِيَةٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَحَدَاتٌ فَصَارَ إجْمَالُهَا وَتَفْصِيلُهَا سَوَاءً لَكِنْ كَانَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ أَنَّ الْعِلَّةَ تَدُورُ مَعَ الْمَعْلُولِ وُجُودًا وَعَدَمًا أَنْ يَقُولُوا بِجَوَازِ: لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا وَأَنَّهُ إذَا قَالَ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دِرْهَمَانِ؛ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ عِنْدَهُمْ لَا تَتَعَيَّنُ وَإِنْ عُيِّنَتْ فَإِنَّ خُصُوصَ دِرْهَمٍ لَا مَزِيَّةَ لَهُ عَلَى خُصُوصِ دِرْهَمٍ آخَرَ قَالَ الْأَصْلُ وَلَمْ أَرَ لَهُمْ فِي هَذَا أَيْ الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ نَقْلًا، بَلْ حَكَى ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ الْمَنْعَ وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا. اهـ.
فَمِنْ هُنَا قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الشَّاطِّ هَذَا الْفَرْقُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ اهـ وَفِي حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ قَالَ الْقَرَافِيُّ، قُلْت يَوْمًا لِلشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْفُقَهَاءَ الْتَزَمُوا فِي الْأُصُولِ قَاعِدَةَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَمِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَخَالَفُوهَا فِي الْفُرُوعِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا إلَّا الْكَتَّانَ فَقَعَدَ عُرْيَانًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَا الْكَتَّانَ وَعَلَى لُبْسِ الْكَتَّانِ وَمَا لَبِسَ الْكَتَّانَ فَيَحْنَثُ فَقَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سَبَبُ الْمُخَالَفَةِ أَنَّ الْأَيْمَانَ تَتْبَعُ الْمَنْقُولَاتِ الْعُرْفِيَّةَ دُونَ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا تَعَارَضَا، وَقَدْ انْتَقَلَ إلَّا فِي الْحَلِفِ لِمَعْنَى الصِّفَةِ مِثْلُ سِوَى وَغَيْرِ فَمَعْنَى حَلِفِهِ وَاَللَّهِ لَا لَبِسْت ثَوْبًا سِوَى الْكَتَّانِ أَوْ غَيْرَ الْكَتَّانِ فَالْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ هُوَ الْمُغَايِرُ لِلْكَتَّانِ وَالْكَتَّانُ لَيْسَ مَحْلُوفًا عَلَيْهِ فَلَا يَضُرُّ لُبْسُهُ وَلَا تَرْكُهُ، ثُمَّ تُوَفِّيَ ﵀ وَاتَّفَقَ الْبَحْثُ مَعَ قَاضِي الْقُضَاةِ تَاجِ الدِّينِ فَالْتَزَمَ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهُ يَحْنَثُ إذَا قَعَدَ عُرْيَانًا وَأَنَّ إلَّا عَلَى بَابِهَا وَالِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْإِثْبَاتِ نَفْيٌ وَمِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ
стр. 664
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَضَانَةِ يُقَدَّمُ فِيهَا النِّسَاءُ عَلَى الرِّجَالِ بِخِلَافِ جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ يُقَدَّمُ فِيهَا الرِّجَالُ عَلَى النِّسَاءِ) وَهُوَ أَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ أَنَّهُ يُقَدَّمُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ وَكُلِّ وِلَايَةِ مَنْ هُوَ
أَقْوَمُ بِمَصَالِحِهَا
فَيُقَدَّمُ فِي وِلَايَةِ الْحَرْبِ مَنْ هُوَ أَقْوَمُ بِمَصَالِحِ الْحُرُوبِ مِنْ سِيَاسَةِ الْجُيُوشِ وَمَكَائِدِ الْعَدُوِّ وَيُقَدَّمُ فِي الْقَضَاءِ مَنْ هُوَ أَكْثَرُ تَفَطُّنًا لِحِجَاجِ الْخُصُومِ وَقَوَاعِدِ الْأَحْكَامِ وَوُجُوهِ الْخُدَعِ مِنْ النَّاسِ وَيُقَدَّمُ فِي الْفَتْوَى مَنْ هُوَ أَنْقَلُ لِلْأَحْكَامِ وَأَشْفَقُ عَلَى الْأُمَّةِ وَأَحْرَصُهُمْ عَلَى إرْشَادِهَا لِحُدُودِ الشَّرِيعَةِ وَيُقَدَّمُ فِي سِعَايَةِ الْمَاشِيَةِ وَجِبَايَةِ الزَّكَاةِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهَا مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِنَصْبِ الزَّكَوَاتِ وَمَقَادِيرِ الْوَاجِبِ فِيهَا وَأَحْكَامِ اخْتِلَاطِهَا وَافْتِرَاقِهَا وَضَمِّ أَجْنَاسِهَا وَيُقَدَّمُ فِي أَمَانَةِ الْحُكْمِ مَنْ هُوَ أَعْرَفُ بِمَقَادِيرِ النَّفَقَاتِ وَأَهْلِيَّاتِ الْكَفَالَاتِ وَتَنْمِيَةِ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْمُنَاضَلَةِ عَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الْوِلَايَاتِ وَيُقَدَّمُ فِي الْخِلَافَةِ مَنْ هُوَ كَامِلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَافِرُ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ قَوِيُّ النَّفْسِ شَدِيدُ الشَّجَاعَةِ عَارِفٌ بِأَهْلِيَّاتِ الْوِلَايَاتِ حَرِيصٌ عَلَى مَصَالِحِ الْأُمَّةِ قُرَشِيٌّ مِنْ قَبِيلَةِ النُّبُوَّةِ الْمُعَظَّمَةِ كَامِلُ الْحُرْمَةِ وَالْهَيْبَةِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَلَمَّا كَانَتْ الْحَضَانَةُ تَفْتَقِرُ إلَى وُفُورِ الصَّبْرِ عَلَى الْأَطْفَالِ فِي كَثْرَةِ الْبُكَاءِ وَالتَّضَجُّرِ مِنْ الْهَيْئَاتِ الْعَارِضَةِ لِلصِّبْيَانِ وَمَزِيدِ الشَّفَقَةِ وَالرِّقَّةِ الْبَاعِثَةِ عَلَى الرِّفْقِ بِالضُّعَفَاءِ وَالرِّفْقِ بِهِمْ، وَكَانَتْ النِّسْوَةُ أَتَمَّ مِنْ الرِّجَالِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَدْ مَنَّ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ أَنَفَاتِ الرِّجَالِ وَإِبَاءَةَ نُفُوسِهِمْ وَعُلُوَّ هِمَمِهِمْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَأَرَانَا نَقْلًا فِي ذَلِكَ اهـ كَلَامُ الْقَرَافِيِّ.
قَالَ سم مَا قَالَهُ تَاجُ الدِّينِ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ مَمْنُوعٌ مَعَ أَنَّا نُبْقِي إلَّا عَلَى بَابِهَا وَنَلْتَزِمُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِهَا فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ إثْبَاتٌ عَلَى الْقَاعِدَةِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَنْعُ مَا ذَكَرَهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِثْبَاتَ بِحَسَبِ الْمَقْصُودِ مِنْ النَّفْيِ وَالْمَقْصُودُ هُنَا مِنْ النَّفْيِ هُوَ مَنْعُ نَفْسِهِ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ، فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْإِثْبَاتِ هُوَ إبَاحَةُ لُبْسِ الْكَتَّانِ لَا الْتِزَامُ لُبْسِهِ فَلَا يَحْنَثُ بِالتَّرْكِ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ دَقِيقٌ تَرَكَهُ الشَّيْخُ لَنَا، ثُمَّ رَأَيْت فِي بَعْضِ حَوَاشِي التَّلْوِيحِ مَا يُوَافِقُ هَذَا الْجَوَابَ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ اهـ قَالَ الْعَطَّارُ وَفِي التَّمْهِيد لِلْإِسْنَوِيِّ إذَا قَالَ وَاَللَّهِ لَا أُعْطِيك إلَّا دِرْهَمًا أَوْ لَا آكُلُ إلَّا هَذَا الرَّغِيفَ أَوْ لَا أَطَأُ فِي السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ بِالْكُلِّيَّةِ فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، أَحَدُهُمَا نَعَمْ لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ ذَلِكَ وَهُوَ كَوْنُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتًا؛ وَالثَّانِي لَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَنْعُ الزِّيَادَةِ وَقِيَاسُ مَذْهَبِنَا هُوَ الْأَوَّلُ لَكِنْ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ الثَّانِيَ اهـ.
وَقَدْ سَنَحَ لِي مِنْ قَوْلِ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ سَبَبُ الْمُخَالَفَةِ إلَخْ أَنَّهُ لَا مَانِعَ هُنَا مِنْ أَنْ يُقَالَ سَبَبُ مُخَالَفَةِ قَاعِدَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا فِي الْحَلِفِ دُونَ الِالْتِزَامِ أَنَّ الْأَيْمَانَ لَمَّا كَانَتْ تَتْبَعُ الْمَنْقُولَاتِ الْعُرْفِيَّةَ دُونَ الْأَوْضَاعِ اللُّغَوِيَّةِ إذَا تَعَارَضَا، وَقَدْ نَقَلَ الْعُرْفُ الْمَعْطُوفَانِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً وَوَاحِدَةً إلَى مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا خَالَفُوا فِيهَا الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ فَأَعْطَوْهَا حُكْمَهُ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ وَأَنَّهُ إذَا قَالَ بَعْدَهَا إلَّا وَاحِدَةً يَلْزَمُهُ طَلْقَتَانِ كَمَا لَوْ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا وَالِالْتِزَامَاتُ لَمَّا كَانَتْ تَتْبَعُ الْأَوْضَاعَ اللُّغَوِيَّةَ لَمْ يُخَالِفُوا فِيهَا الْقَاعِدَةَ الْمَذْكُورَةَ فَلَمْ يُعْطُوا لِلَّهِ عَلَيَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ حُكْمَ لِلَّهِ عَلَيَّ دَرَاهِمُ مِنْ جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ وَأَنَّهُ إذَا قَالَ بَعْدَهُ إلَّا دِرْهَمًا يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ فَتَأَمَّلْ بِإِنْصَافٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الفرق بَيْن قَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْدُومِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْدُومِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ فِي الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ)
اتَّفَقَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى أَنَّ النَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضُ قَبْلَ مِلْكِهَا هُوَ الْمَعْدُومُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ وَعَلَى جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهَا قَبْلَ الْمِلْكِ بِالنَّذْرِ بِأَنْ يَقُولَ إنْ مَلَكْت دِينَارًا فَهُوَ صَدَقَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي الذِّمَّةِ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ مِنْ النَّقْدَيْنِ وَالْعُرُوضِ وَاخْتَلَفُوا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ قَبْلَ الْمِلْكِ بِأَنْ تَقُولَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ هَلْ هُمَا مِنْ الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بِقَوْلِهِ لِلْأَجْنَبِيَّةِ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ وَمِنْ الْمَعْدُومِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ فَيَلْزَمُ الطَّلَاقُ لِمَنْ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ إنْ تَزَوَّجْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَالْعَتَاقُ لِمَنْ قَالَ لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ لِغَيْرِهِ إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ قِيَاسًا عَلَى النَّذْرِ فِي غَيْرِ الْمَمْلُوكِ بِجَامِعِ الِالْتِزَامِ بِالْمَعْدُومِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِلَى الثَّانِي مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَبَبُ الْخِلَافِ قَالَ الْأَصْلُ هُوَ الْخِلَافُ فِي مُقْتَضَى الْعُقُودِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وَالشُّرُوطِ فِي.
قَوْلِهِ ﵊ «الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ» ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بِمُقْتَضَيَاتِهَا، ضَرُورَةَ أَنَّ الْأَوَامِرَ لَا تَتَعَلَّقُ إلَّا بِمَعْدُومٍ مُسْتَقْبَلٍ وَالْعَقْدُ قَدْ وَقَعَ وَصَارَ مَاضِيًا فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْأَمْرُ
стр. 665
تَمْنَعُهُمْ مِنْ الِانْسِلَاكِ فِي أَطْوَارِ الصِّبْيَانِ وَمَا يَلِيقُ بِهِمْ مِنْ اللُّطْفِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَمُلَابَسَةِ الْقَاذُورَاتِ وَتَحَمُّلِ الدَّنَاءَاتِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَضَانَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ قَوَاعِدِ الْوِلَايَاتِ.
(الْفَرْقُ التَّاسِع وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَقَاعِدَةِ مُعَامَلَةِ الْمُسْلِمِينَ) أَمَّا مَالِكٌ ﵀ فَرَجَّحَ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَالَ أَكْرَهُ الصَّيْرَفِيَّ مِنْ صَيَارِفَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١] .
وَقَالَ وَأَكْرَهُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ بِأَرْضِ الْحَرْبِ لِلْحَرْبِيِّ بِالرِّبَا وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الرِّبَا مَعَ الْحَرْبِيِّ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا رِبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ لَا رِبَا إلَّا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» . وَالْحَرْبِيُّ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ أَجْمَعِينَ -؛ لِأَنَّ الرِّبَا مَفْسَدَةٌ فِي نَفْسِهِ فَيَمْتَنِعُ مِنْ الْجَمِيعِ؛ وَلِأَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، وَعُمُومُ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَتَنَاوَلُ الْحَرْبِيَّ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إذَا ظَهَرَ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَمُعَامَلَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْلَى لِوَجْهَيْنِ
(الْأَوَّلُ) أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ فَلَا يَكُونُ مَا أَخَذُوهُ بِالرِّبَا مُحَرَّمًا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِخِلَافِ الْمُسْلِمِ مُخَاطَبٌ قَوْلًا وَاحِدًا فَكَانَتْ مُعَامَلَتُهُ إذَا كَانَ يَتَعَاطَى الرِّبَا وَهُوَ غَيْرُ مُتَحَذِّرٍ أَشَدَّ مِنْ الذِّمِّيِّ
(الثَّانِي) أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ ثَبَتَ مِلْكُهُ عَلَى مَا اكْتَسَبَهُ بِالرِّبَا وَالْغَصْبِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا تَابَ الْمُسْلِمُ لَا يَثْبُتُ مِلْكُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَمَا هُوَ بِصَدَدِ الثُّبُوتِ الْمُسْتَمِرِّ وَقَابِلٌ لِلثُّبُوتِ أَوْلَى مِمَّا لَا يَقْبَلُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ عَلَيْهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِالْوَفَاءِ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْكَوْنُ عِنْدَ الشُّرُوطِ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ هُوَ الْوَفَاءُ بِمُقْتَضَاهَا وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ عَقْدَانِ عَقَدَهُمَا عَلَى نَفْسِهِ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِمُقْتَضَاهُمَا وَالْوَفَاءُ بِمُقْتَضَى شُرُوطِهِمَا وَالنِّزَاعُ فِي مُقْتَضَاهُمَا مَا هُوَ هَلْ هُوَ لُزُومُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَمْ لَا فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ تَمَسُّكًا بِأَمْرَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعَتَاقَ حَلٌّ وَالنِّكَاحَ وَالشِّرَاءَ عَقْدٌ وَلَا يَكُونُ الْحَلُّ قَبْلَ الْعَقْدِ
(وَثَانِيهِمَا) مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ وَلَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا عَتَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» وَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَمَسُّكًا بِأَمْرَيْنِ أَيْضًا
(أَحَدُهُمَا) أَنَّ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الشَّرْطُ إجْمَاعًا هُوَ الْمُقْتَضَى اللُّغَوِيُّ فِيهَا، وَأَمَّا الْمُقْتَضَى الشَّرْعِيُّ فَهُوَ صُورَةُ النِّزَاعِ وَالْمُقْتَضَى اللُّغَوِيُّ فِيهِمَا هُوَ لُزُومُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُتَعَلِّقُ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ
(وَثَانِيهِمَا) أَنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُقْتَضَى الشَّرْعِيِّ لَكَانَ التَّقْدِيرُ أَوْفُوا بِمَا يَجِبُ عَلَيْكُمْ شَرْعًا الْوَفَاءُ بِهِ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ الْوُجُوبَ إلَّا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لِتَوَقُّفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا إذَا حُمِلَ عَلَى الْمُقْتَضَى اللُّغَوِيِّ فَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرُ لِعَدَمِ تَوَقُّفِ اللُّغَةِ عَلَى الشَّرَائِعِ وَالْجَوَابُ عَمَّا تَمَسَّكَا بِهِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ نَقُلْ بِهِ فِي غَيْرِ عَقْدٍ، بَلْ إنَّمَا قُلْنَا بِلُزُومِهِ بَعْدَ حُصُولِ الْعَقْدِ لَا قَبْلَهُ فَمَا قُلْنَا بِالْحَلِّ إلَّا بَعْدَ الْعَقْدِ فَطَلَاقُ ابْنِ آدَمَ وَعِتْقُهُ إنَّمَا وَقَعَا فِيمَا مَلَكَهُ وَالْمُتَقَدِّمُ إنَّمَا هُوَ التَّعْلِيقُ وَرَبْطُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ إلَّا نَفْسَ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ اهـ.
وَقَالَ حَفِيدٌ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ سَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ مِنْ شَرْطِ وُقُوعِ الطَّلَاقِ أَيْ وَالْعَتَاقِ وُجُودُ الْمِلْكِ مُتَقَدِّمًا بِالزَّمَانِ عَلَى الطَّلَاقِ أَيْ وَالْعَتَاقِ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ فَمَنْ قَالَ هُوَ مِنْ شَرْطِهِ قَالَ لَا يَتَعَلَّقُ الطَّلَاقُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ أَيْ وَلَا الْعَتَاقُ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ بِالْفِعْلِ، وَمَنْ قَالَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ إلَّا وُجُودُ الْمِلْكِ فَقَطْ قَالَ يَقَعُ أَيْ الطَّلَاقُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ أَيْ وَالْعَتَاقُ بِغَيْرِ الْمَمْلُوكِ اهـ.
قَالَ الْأَصْلُ وَبِكَثْرَةِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ قَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ شَرَّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِحِكْمَةٍ لَا يُشَرِّعُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْحِكْمَةِ وَبِعِبَارَةِ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ لَا يُشَرَّعُ كَمَا شَرَّعَ التَّعْذِيرَاتِ وَالْحُدُودَ لِلزَّجْرِ وَلَمْ يُشَرِّعْهَا فِي حَقِّ الْمَجَانِينِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ الْجِنَايَةُ مِنْهُمْ حَالَةَ التَّكْلِيفِ لِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِمَقَادِيرِ انْخِرَاقِ الْحُرْمَةِ وَالذِّلَّةِ وَالْمَهَانَةِ فِي حَالَةِ الْغَفْلَةِ فَلَا يَحْصُلُ الزَّجْرُ وَشَرَّعَ الْبَيْعَ لِلِاخْتِصَاصِ بِالْمَنَافِعِ فِي الْعِوَضَيْنِ وَلَمْ يُشَرِّعْهُ فِيمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا فِيمَا كَثُرَ غَرَرُهُ أَوْ جَهَالَتُهُ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الِانْتِفَاعِ مَعَ الْغَرَرِ وَالْجَهَالَةِ الْمُخِلَّيْنِ بِالْأَرْبَاحِ وَحُصُولِ الْأَعْيَانِ، وَشَرَّعَ اللِّعَانَ لِنَفْيِ النَّسَبِ وَلَمْ يُشَرِّعْهُ لِلْمَجْبُوبِ وَالْخَصِيِّ لِانْتِفَاءِ النَّسَبِ بِغَيْرِ لِعَانٍ يُشْكِلُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَذَلِكَ أَنَّ النِّكَاحَ سَبَبٌ شُرِعَ لِلتَّنَاسُلِ وَالْمُكَارَمَةِ وَالْمَوَدَّةِ فَمَنْ قَالَ بِشَرْعِيَّتِهِ أَيْ النِّكَاحِ فِي صُورَةِ تَعْلِيقِ طَلَاقِ الْأَجْنَبِيَّةِ قَبْلَ الْمِلْكِ فَقَدْ الْتَزَمَ شَرْعِيَّتَهُ أَيْ النِّكَاحِ مَعَ انْتِفَاءِ حِكْمَتِهِ إذْ لَا يَتَأَتَّى حُصُولُهَا مَعَ تَرَتُّبِ الطَّلَاقِ عَلَى حُصُولِ عَقْدِهِ صَحِيحًا شَرْعًا فَكَانَ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَصِحَّ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ حِينَئِذٍ عَقْدُ نِكَاحٍ أَلْبَتَّةَ لَكِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ إجْمَاعًا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ تَحْصِيلًا لِحِكْمَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ الْمَقْصُودَةِ مِنْهُ.
وَلَيْسَ مِنْ الْمَقْصُودِ مِنْهُ وُجُوبُ نِصْفِ الصَّدَاقِ وَتَبْعِيضُ الطَّلَاقِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذَا الْعَقْدِ، بَلْ مِنْ الْأُمُورِ التَّابِعَةِ لِلْمَقْصُودِ مِنْهُ فَلَا يُشْرَعُ الْعَقْدُ لِأَجْلِهَا فَحَيْثُ أَجْمَعْنَا عَلَى شَرْعِيَّتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ حِكْمَتِهِ وَهُوَ بَقَاءُ النِّكَاحِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَقَاصِدِهِ وَعَدَمُ لُزُومِ الطَّلَاقِ عَلَى وُقُوعِهِ صَحِيحًا فَتَأَمَّلْ
стр. 666
بِحَالٍ وَلِذَلِكَ اعْتَمَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُتَوَرِّعِينَ عَلَى مُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ أَكْثَرَ مُلَاحَظَةً لِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَهُمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ وَالْفَرِيقَيْنِ.
(الْفَرْقُ الثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمِلْكِ وَقَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمِلْكَ أُشْكِلَ ضَبْطُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُ عَامٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَى أَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْإِرْثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُهَا وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ هُوَ التَّصَرُّفُ؛ لِأَنَّ الْمَحْجُورَ عَلَيْهِ يَمْلِكُ وَلَا يَتَصَرَّفُ فَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ التَّصَرُّفِ فَالتَّصَرُّفُ وَالْمِلْكُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ فَقَدْ يُوجَدُ التَّصَرُّفُ بِدُونِ الْمِلْكِ كَالْوَصِيِّ وَالْوَكِيلِ وَالْحَاكِمِ وَغَيْرِهِمْ يَتَصَرَّفُونَ وَلَا مِلْكَ لَهُمْ وَيُوجَدُ الْمِلْكُ بِدُونِ التَّصَرُّفِ كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَغَيْرِهِمْ يَمْلِكُونَ وَلَا يَتَصَرَّفُونَ وَيَجْتَمِعُ الْمِلْكُ وَالتَّصَرُّفُ فِي حَقِّ الْبَالِغِينَ الرَّاشِدِينَ النَّافِذِينَ لِلْكَلِمَةِ الْكَامِلِينَ الْأَوْصَافِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الْأَعَمِّ مِنْ وَجْهٍ وَالْأَخَصِّ مِنْ وَجْهٍ أَنْ يَجْتَمِعَا فِي صُورَةٍ وَيَنْفَرِدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَفْسِهِ فِي صُورَةٍ كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ، وَالْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّمَانُونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمِلْكِ وَقَاعِدَةِ التَّصَرُّفِ إلَى قَوْلِهِ كَالْحَيَوَانِ وَالْأَبْيَضِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (وَالْعِبَارَةُ الْكَاشِفَةُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ يَقْتَضِي تَمَكُّنَ مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْمَمْلُوكِ وَالْعَرْضِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ) قُلْت هَذَا الْحَدُّ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ذَلِكَ وَلَعَلَّ الْإِمَامَ ابْنَ الشَّاطِّ لِهَذَا قَالَ وَيَكُونُ تَمَامُ الْفَرْقِ مُبَيَّنًا عَلَى أَنَّ مُقْتَضَى الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ هُوَ مُقْتَضَاهُمَا الشَّرْعِيُّ لَا اللُّغَوِيُّ، وَقَدْ عَلِمْت مَا فِيهِ قَالَ هَذَا الْفَرْقُ يَحْتَاجُ إلَى تَأَمُّلٍ وَنَظَرٍ اهـ بِلَفْظِهِ (مَسْأَلَةٌ)
وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ بِشَرْطِ التَّزْوِيجِ وَإِنْ وَافَقَ مَالِكٌ فِيهِ أَبَا حَنِيفَةَ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ فِيمَا إذَا عَمَّمَ الْمُطَلِّقُ جَمِيعَ النِّسَاءِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا فَهِيَ طَالِقٌ، فَاسْتَحْسَنَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ طَلَاقٌ حِينَئِذٍ بِنَاءً عَلَى
الْمَصْلَحَةِ
وَهِيَ أَنَّهُ إذَا عَمَّمَ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ التَّعْمِيمَ لَمْ يَجِدْ سَبِيلًا إلَى النِّكَاحِ الْحَلَالِ فَكَانَ ذَلِكَ عَنَتًا بِهِ وَحَرَجًا وَكَأَنَّهُ مِنْ بَابِ نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ فَقَالُوا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ مُطْلَقًا عَمَّمَ جَمِيعَ النِّسَاءِ أَوْ خَصَّصَ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ مِنْ بَلَدِ كَذَا أَوْ فِي وَقْتِ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِابْنِ رُشْدٍ الْحَفِيدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي يَتَقَدَّمُهَا سَبَبٌ تَامٌّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي يَتَقَدَّمُهَا سَبَبٌ تَامٌّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِيجَابَاتِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ)
هُوَ أَنَّ الْإِيجَابَاتِ
(الْأُولَى) يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إجْمَاعًا فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا التَّأْخِيرُ كَالْخِيَارِ فِي عُيُوبِ النِّكَاحِ وَعُيُوبِ السِّلَعِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِيجَابَاتِ
(الثَّانِيَةُ) لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا فَيَقْدَحُ فِيهَا التَّأْخِيرُ كَالْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فِي الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيجَابَاتِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ التَّامَّ تَقَدَّمَهُ وَعَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْهُ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ التَّأْخِيرُ كَخِيَارِ الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَإِمْضَاءِ خِيَارِ الشَّرْطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ وَغَيْرُهُ
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ جُزْءُ السَّبَبِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ فَيَقْدَحُ فِيهِ التَّأْخِيرُ كَالْقَبُولِ بَعْدَ الْإِيجَابِ فِي نَحْوِ النِّكَاحِ وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْبَيْعِ إلَخْ
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا اُخْتُلِفَ فِي كَوْنِهِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهِ التَّأْخِيرُ أَوْ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي فَيَقْدَحُ وَهُوَ الْجَوَابُ فِي التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ الْمُطْلَقَيْنِ فَفِيهِمَا عَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ فِي الْمُقَدِّمَاتِ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لِلْمُمَلَّكَةِ وَالْمُخَيَّرَةِ الْخِيَارُ فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ كَالْمُبَايَعَةِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ لَهَا وَإِنْ افْتَرَقَا لِاحْتِيَاجِهَا لِلْمُشَاوَرَةِ.
وَهَذَا إذَا بَاشَرَهَا أَوْ وَكِيلُهُ فَإِنْ كَتَبَ إلَيْهَا أَوْ أَرْسَلَ رَسُولًا أَوْ عَلَّقَ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ فِي تَمَادِي ذَلِكَ مَا لَمْ يَطُلْ طُولًا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِالْإِسْقَاطِ بِأَنْ يَطُولَ نَحْوَ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ سُؤَالٌ يَتَّصِلُ بِهِ جَوَابُهُ وَجَوَابُهُ لِلرِّسَالَةِ مَعَ مُرْسَلِهِ، قَالَ الْخَرَشِيُّ إذَا مَلَكَهَا تَمْلِيكًا مُطْلَقًا أَوْ خَيَّرَهَا تَخْيِيرًا مُطْلَقًا أَيْ عَارِيًّا عَنْ التَّقْيِيدِ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فَلِمَالِكٍ قَوْلَانِ مَرْوِيَّانِ عَنْهُ قَوْلٌ رَجَعَ إلَيْهِ أَنَّهُمَا بِيَدِهَا مَا لَمْ تُوقَفُ عِنْدَ حَاكِمٍ أَوْ تُوطَأُ أَيْ تُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ طَائِعَةً قَالَتْ فِي الْمَجْلِسِ قَبِلْت أَمْ لَا وَاَلَّذِي رَجَعَ عَنْهُ أَنَّهُمَا بِيَدِهَا فِي الْمَجْلِسِ فَقَطْ وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ إمْكَانِ الْقَضَاءِ فَلَا شَيْءَ لَهَا وَإِنْ وَثَبَ أَيْ قَامَ حِينَ مَلَكَهَا يُرِيدُ قَطْعَ ذَلِكَ عَنْهَا لَمْ يَنْفَعْهُ، وَحَدُّ ذَلِكَ إذَا قَعَدَ مَعَهَا قَدْرَ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا تَخْتَارُ فِي مِثْلِهِ وَلَمْ يَقُمْ فِرَارًا وَإِنْ ذَهَبَ عَامَّةُ النَّهَارِ وَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ تَرَكَا ذَلِكَ وَخَرَجَا إلَى غَيْرِهِ فَلَا خِيَارَ لَهَا وَالْمَدَارُ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِ وَأَخَذَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِهَذَا الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ الْمُتَيْطِيُّ وَبِهِ الْعَمَلُ وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ رَجَعَ مَالِكٌ آخِرًا إلَى هَذَا الْقَوْلِ الْمَرْجُوعِ عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ إلَى أَنْ مَاتَ اهـ بِتَصَرُّفٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَأَرَى إمْهَالَ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَالْمُصَرَّاةِ
стр. 667
يَقْتَضِي يُمْكِنُ مَنْ يُضَافُ إلَيْهِ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْمُلُوكِ وَالْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ أَمَّا قَوْلُنَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَبِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ، وَأَمَّا إنَّهُ مُقَدَّرٌ فَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ إذْنِ الشَّرْعِ، وَالتَّعَلُّقُ عَدَمِيٌّ لَيْسَ وَصْفًا حَقِيقِيًّا، بَلْ يُقَدَّرُ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ الْمُفِيدَةِ لِلْمِلْكِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ
(أَحَدُهَا) أَنَّ الْمِلْكَ مِنْ أَوْصَافِ الْمَالِكِ لَا الْمَمْلُوكِ لَكِنَّهُ وَصْفٌ مُتَعَلِّقٌ وَالْمَمْلُوكُ هُوَ مُتَعَلِّقُهُ
(وَثَانِيهَا) أَنَّهُ لَيْسَ مُقْتَضِيًا لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِانْتِفَاعِ، بَلْ الْمُقْتَضِي لِذَلِكَ كَلَامُ الشَّارِعِ
(ثَالِثُهَا) أَنَّهُ لَا يَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِالْمَمْلُوكِ وَبِالْعَرْضِ، بَلْ بِأَحَدِهِمَا
(رَابِعُهَا) أَنَّ الْمَمْلُوكَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمِلْكِ فَلَا يُعْرَفُ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ وَالصَّحِيحُ فِي حَدِّ الْمِلْكِ أَنَّهُ تَمَكُّنُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِيَابَةٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَنْ الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ هَذَا إنْ قُلْنَا إنَّ الضِّيَافَةَ وَنَحْوَهَا لَا يَمْلِكُهَا مَنْ سُوِّغَتْ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ يَمْلِكُهَا زِدْنَا فِي الْحَدِّ فَقُلْنَا إنَّهُ تَمَكُّنُ الْإِنْسَانِ شَرْعًا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنِيَابَةٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ وَمِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ أَوْ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِانْتِفَاعِ خَاصَّةً وَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى بَيَانِ صِحَّةِ هَذَا الْحَدِّ فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى الْمُتَأَمِّلِ الْمُنْصِفِ قَالَ (أَمَّا قَوْلُنَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَبِالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ يَتْبَعُ الْأَسْبَابَ الشَّرْعِيَّةَ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَحَدُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ عَلَى الْجُمْلَةِ فَذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ.
(وَأَمَّا أَنَّهُ مَقْدُورٌ فَلِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى تَعَلُّقِ إذْنِ الشَّرْعِ إلَى قَوْلِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْأَسْبَابِ الْمُفِيدَةِ لِلْمِلْكِ) قُلْت قَوْلُهُ إنَّهُ عَدَمِيٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّسَبَ أُمُورٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالشُّفْعَةِ لِمَا فِي الْفِرَاقِ مِنْ الصُّعُوبَةِ وَسَيَأْتِي الْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ فَتَرَقَّبْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ التَّمْلِيكِ فِي الزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ خِيَارِ التَّمْلِيكِ فِي الزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَخْيِيرِ الْإِمَاءِ فِي الْعِتْقِ)
مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ إذَا غِبْت عَنْك فَأَمْرُك بِيَدِك فَتَقُولُ الْمَرْأَةُ مَتَى غِبْت عَنِّي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ فِي الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ سَيِّدُ الْأَمَةِ بِحُرِّيَّتِهَا بِأَنْ يَقُولَ إنْ لَمْ أَصُمْ فَأَنْتِ حُرَّةٌ أَوْ إنْ زَنَيْت فَتَقُولُ إنْ فَعَلْت فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي فَإِذَا قَالَتْ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مَبْسُوطَةٌ هِيَ أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ وَقَعَ قَبْلَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ لَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَعْدَهُمَا يَنْعَقِدُ إجْمَاعًا وَبَيْنَهُمَا فِي النُّفُوذِ قَوْلَانِ وَالْحُرَّةُ وُجِدَ فِي حَقِّهَا سَبَبٌ وَهُوَ قَوْلُ الزَّوْجِ الْمُقْتَضِي إذْنَهَا فِي الْقَضَاءِ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ مَعَ إذْنِ الشَّرْعِ الْمُقَدَّرِ فَلَمْ يَقَعْ قَضَاؤُهَا إلَّا بَعْدَ سَبَبِهِ وَشَرْطِهِ وَالْأَمَةُ انْفَرَدَ فِي حَقِّهَا الْإِذْنُ الْمُقَدَّرُ فَقَطْ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَهَا فِي الْقَضَاءِ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَهُوَ الْعِتْقُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَى حُصُولِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَوَقَعَ قَضَاؤُهَا بَعْدَ شَرْطِهِ وَقَبْلَ سَبَبِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَالِفَ بِحُرِّيَّتِهَا لَمْ يَأْذَنْ وَإِنَّمَا قَصَدَ حَثَّ نَفْسِهِ بِالْيَمِينِ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ زَجْرَهَا عَنْهُ.
وَأَمَّا الزَّوْجُ فَأَذِنَ لِلْحُرَّةِ الْقَضَاءَ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وَهُوَ غَيْبَتُهُ عَنْهَا وَالْقَاعِدَةُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ أَيْضًا أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ إنَّمَا تَسْقُطُ بِإِذْنِ الْعِبَادِ فَلِذَا جَرَى الْخِلَافُ فِي نُفُوذِ قَضَائِهَا كَالزَّوْجَاتِ قَالَ اللَّخْمِيُّ وَسَوَّى أَصْبَغُ الْإِمَاءَ بِالزَّوْجَاتِ وَعَدَمُ نُفُوذِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ الْمَبْنِيُّ عَلَيْهِ الْفَرْقُ، وَقَدْ سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ مَالِكًا عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ أَتَعْرِفُ دَارَ قُدَامَةَ؟ وَدَارُ قُدَامَةَ يُلْعَبُ فِيهَا بِالْحَمَامِ بِالْمَدِينَةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ نَعَمْ سَوَّى أَشْهَبُ الزَّوْجَاتِ بِالْإِمَاءِ لِعَدَمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الِاخْتِيَارُ فَافْهَمْ وَلَا يَسْتَوِيَانِ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا إذَا قَالَتْ الْحُرَّةُ إنْ مَلَكْتنِي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ فِيهِ نَظَرٌ اهـ.
وَوَجْهُهُ مَا عَلَّلَ بِهِ أَشْهَبُ قَوْلَهُ بِتَسْوِيَةِ الزَّوْجَاتِ بِالْإِمَاءِ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَةُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّمْلِيكِ وَقَاعِدَةِ التَّخْيِيرِ)
عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ التَّمْلِيكَ جَعْلُ الزَّوْجِ الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ حَقًّا لِلزَّوْجَةِ، وَكَذَا لِغَيْرِهَا رَاجِحًا فِي الثَّلَاثِ يَخُصُّ بِمَا دُونَهَا بِنِيَّةٍ وَالتَّخْيِيرُ جَعْلُهُ إنْشَاءَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا حُكْمًا أَوْ نَصًّا عَلَيْهَا حَقًّا لَهَا، وَكَذَا لِغَيْرِهَا كَمَا لِابْنِ عَرَفَةَ فَمَوْضُوعُ التَّمْلِيكِ عَلَى هَذَا أَصْلُ الطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ إشْعَارٍ بِالْبَيْنُونَةِ وَلَا بِالْعَدَدِ فَلَهَا أَنْ تَقْضِيَ بِأَيِّ ذَلِكَ شَاءَتْ وَمَوْضُوعُ التَّخْيِيرِ عَلَى هَذَا الثَّلَاثُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَبَعْدَهُ وَمَقْصُودُهُ الْبَيْنُونَةُ فَلِذَلِكَ تُقْبَلُ نِيَّةُ الزَّوْجِ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ قَبْلَ الْبِنَاءِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ بِالْوَاحِدَةِ حِينَئِذٍ دُونَ مَا بَعْدَ الْبِنَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ التَّخْيِيرَ حِينَئِذٍ صَرِيحٌ فِي الْبَيْنُونَةِ لَا يَقْبَلُ الْمَجَازَ كَالثَّلَاثِ إذَا نَطَقَ بِهَا، وَلَيْسَ لَهُ عَزْلُهَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَا كَانَ بِيَدِهِ مِنْ الْعِصْمَةِ.
وَأَخْرَجَهُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْوَكَالَةِ قَالَ الْحَطَّابُ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوَكَالَةِ عَمَّنْ وَكَّلَهُ وَالْمُمَلَّكُ وَالْمُخَيَّرُ إنَّمَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا مَلَكَا مَا كَانَ يَمْلِكُهُ الزَّوْجُ اهـ.
قَالَ حَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ فَرَأْيُ مَالِكٍ أَنَّ قَوْلَهُ لَهَا اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك أَنَّهُ ظَاهِرٌ بِعُرْفِ الشَّرْعِ فِي مَعْنَى
стр. 668
وَقَوْلُنَا فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ كَالْبَيْعِ وَالْمَنَافِعِ كَالْإِجَارَاتِ وَقَوْلُنَا يَقْتَضِي انْتِفَاعَهُ بِالْمَمْلُوكِ لِيَخْرُجَ التَّصَرُّفُ بِالْوَصِيَّةِ وَالْوَكَالَةِ وَتَصَرُّفُ الْقُضَاةِ فِي أَمْوَالِ الْغَائِبِينَ وَالْمَجَانِينِ فَإِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ مِلْكٍ وَقَوْلُنَا وَالْعِوَضُ عَنْهُ لِيَخْرُجَ عَنْهُ الْإِبَاحَاتُ فِي الضِّيَافَاتِ فَإِنَّ الضِّيَافَةَ مَأْذُونٌ فِيهَا، وَلَيْسَتْ مَمْلُوكَةً عَلَى الصَّحِيحِ وَيَخْرُجُ أَيْضًا الِاخْتِصَاصَاتُ بِالْمَسَاجِدِ وَالرُّبُطِ وَالْخَوَانِقِ وَمَوَاضِعِ الْمَطَافِ وَالسِّكَكِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا مِلْكَ فِيهَا مَعَ الْمُكْنَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
عَدَمِيَّةٌ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْمَالِكِ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ.
قَالَ (وَقَوْلُنَا فِي الْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ بِالْبَيْعِ وَالْمَنَافِعُ كَالْإِجَارَاتِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ عَلَى مَا فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ الْأَعْيَانَ تُمْلَكُ مِنْ الْمُسَامَحَةِ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ هُوَ بَعْدَ هَذَا عَنْ الْمَازِرِيِّ قَالَ (وَقَوْلُنَا يَقْتَضِي انْتِفَاعَهُ بِالْمَمْلُوكِ إلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ هَذِهِ الطَّوَائِفَ لَهُمْ التَّصَرُّفُ بِغَيْرِ مِلْكٍ) قُلْت هَذَا التَّحَرُّزُ صَحِيحٌ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّةِ حَدِّهِ.
قَالَ (وَقَوْلُنَا وَالْعِوَضُ عَنْهُ إلَى قَوْلِهِ مَعَ الْمُكْنَةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ) قُلْت جُعِلَ التَّصَرُّفُ بَدَلَ الِانْتِفَاعِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْهُ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ هُوَ قَبْلَ هَذَا مِنْ تَصَرُّفِ الْأَوْصِيَاءِ وَالْحَاكِمِ حَيْثُ لَهُمْ التَّصَرُّفُ دُونَ الِانْتِفَاعِ وَكُلُّ مَنْ ذُكِرَ هُنَا مِنْ ضَيْفٍ وَشَبَهِهِ لَيْسَ لَهُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ، بَلْ لَهُ التَّصَرُّفُ بِالِانْتِفَاعِ خَاصَّةً
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْبَيْنُونَةِ بِتَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ إنَّمَا كَانَ الْبَيْنُونَةَ وَرَأَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي التَّمْلِيكِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ طَلَاقًا إذَا زَعَمَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ ظَاهِرٌ فِي مَعْنَى جَعْلِ الطَّلَاقِ بِيَدِهَا قَالَ وَصَارَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ التَّخْيِيرَ وَالتَّمْلِيكَ وَاحِدٌ فِي الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ مِنْ عُرْفِ دَلَالَةِ اللُّغَةِ أَنَّ مَنْ مَلَّكَ إنْسَانًا أَمْرًا مِنْ الْأُمُورِ إنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ أَوْ لَا يَفْعَلَهُ فَإِنَّهُ قَدْ خَيَّرَهُ اهـ.
مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ الَّذِي وَقَعَ اشْتِرَاكُهُمَا فِيهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ اخْتَارِي وَأَمْرُك بِيَدِك سَوَاءٌ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ طَلَاقًا إلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ وَإِنْ نَوَاهُ فَهُوَ مَا أَرَادَ إنْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ فَلَهُ عِنْدَهُ أَنْ يُنَاكِرَهَا فِي الطَّلَاقِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَدَدِ فِي الْخِيَارِ أَوْ التَّمْلِيكِ نَعَمْ التَّمْلِيكُ عِنْدَهُ إذَا أَرَادَ بِهِ الطَّلَاقَ كَالْوَكَالَةِ وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ مَتَى أَحَبَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُوقِعْ الطَّلَاقَ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ الْخِيَارُ وَالتَّمْلِيكُ وَاحِدٌ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا (وَقَدْ قِيلَ) الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِي أَعْدَادِ الطَّلَاقِ فِي التَّمْلِيكِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ.
(وَقَدْ قِيلَ) إنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ فِي التَّمْلِيكِ إلَّا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ ﵄ رُوِيَ أَنَّهُ جَاءَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ فَقَالَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ فَقَالَتْ لَوْ أَنَّ الَّذِي بِيَدِك مِنْ أَمْرِي بِيَدِي لَعَلِمْتَ كَيْفَ أَصْنَعُ، قَالَ فَإِنَّ الَّذِي بِيَدِي مِنْ أَمْرِك بِيَدِك، قَالَتْ فَأَنْتَ طَالِقٌ ثَلَاثًا قَالَ أَرَاهَا وَاحِدَةً وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا وَسَأَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ، ثُمَّ لَقِيَهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ صَنَعَ اللَّهُ بِالرِّجَالِ وَفَعَلَ يَعْمِدُونَ إلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي أَيْدِيهِمْ فَيَجْعَلُونَهُ بِأَيْدِي النِّسَاءِ بِفِيهَا التُّرَابُ مَاذَا قُلْت فِيهَا قَالَ، قُلْت أَرَاهَا وَاحِدَةً وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا قَالَ وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ، وَلَوْ رَأَيْت غَيْرَ ذَلِكَ عَلِمْت أَنَّك لَمْ تُصِبْ، وَقَدْ قِيلَ لَيْسَ التَّمْلِيكُ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَا جَعَلَ الشَّرْعُ بِيَدِ الرَّجُلِ لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى يَدِ الْمَرْأَةِ بِجَعْلِ جَاعِلٍ، وَكَذَلِكَ التَّخْيِيرُ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ قَالَ وَمَعْنَى مَا ثَبَتَ مِنْ تَخْيِيرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ أَنَّهُنَّ لَوْ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ طَلَّقَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا أَنَّهُنَّ كُنَّ يُطَلَّقْنَ بِنَفْسِ اخْتِيَارِ الطَّلَاقِ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي قِيلَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِيهِ (إمَّا) عَدَمُ لُزُومِ شَيْءٍ إلَّا مَا أَرَادَهُ إنْ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ فَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِي الطَّلَاقِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَدَدِ (وَإِمَّا) مَا قَالَتْهُ مِنْ الْعَدَدِ، وَلَيْسَ لَهُ مُنَاكَرَتُهَا وَإِمَّا لُزُومُ طَلْقَةٍ رَجْعِيَّةٍ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ (وَإِمَّا) أَنَّهُ لَغْوٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ مُطْلَقًا وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ مَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَهُمَا مَشْهُورُ مَالِكٍ فَقَالُوا الْخِيَارُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ أَيْ لَا صَرِيحٍ وَلَا ظَاهِرٍ، بَلْ كِنَايَةٍ خَفِيَّةٍ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ لِمَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا التَّمْلِيكُ فَإِنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فَهِيَ بَائِنَةٌ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَفَرَّقَ ابْنُ حَنْبَلٍ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ مَا ذَكَرَ قَالَ الشَّيْخُ مَنْصُورُ بْنُ إدْرِيسَ الْحَنْبَلِيُّ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ عَلَى الْإِقْنَاعِ مَعَ الْمَتْنِ.
وَإِذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُك بِيَدِك فَهُوَ تَوْكِيلٌ مِنْهُ لَهَا فِي الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهَا فِيهِ وَلَا يَتَقَيَّدُ ذَلِكَ بِالْمَجْلِسِ، بَلْ هُوَ عَلَى التَّرَاخِي مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ؛ وَلِأَنَّهُ نَوْعُ تَمَلُّكٍ فِي الطَّلَاقِ، فَمَلَكَهُ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ كَمَا لَوْ جَعَلَهُ لِأَجْنَبِيٍّ وَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا ثَلَاثًا أَفْتَى بِهِ أَحْمَدُ مِرَارًا، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عُثْمَانَ.
وَقَالَ عَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ
стр. 669
وَقَوْلُنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَانِعٍ يَعْرِضُ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ لَهُمْ الْمِلْكُ، وَلَيْسَ لَهُمْ الْمُكْنَةُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي تِلْكَ الْأَعْيَانِ الْمَمْلُوكَةِ، لَكِنَّ تِلْكَ الْأَمْلَاكَ فِي تِلْكَ الصُّوَرِ لِوُجُودِ النَّظَرِ إلَيْهَا اقْتَضَتْ مُكْنَةَ التَّصَرُّفِ وَإِنَّمَا جَاءَ الْمَنْعُ مِنْ أُمُورٍ خَارِجَةٍ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَبُولِ الذَّاتِيِّ وَالِاسْتِحَالَةِ لِأَمْرٍ خَارِجِيٍّ وَلِذَلِكَ نَقُولُ إنَّ جَمِيعَ أَجْزَاءِ الْعَالَمِ لَهَا الْقَبُولُ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَوَاتِهَا وَهِيَ إمَّا وَاجِبَةٌ لِغَيْرِهَا إنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وُجُودَهَا أَوْ مُسْتَحِيلَةٌ لِغَيْرِهَا إنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى عَدَمَهَا، وَكَذَلِكَ هَا هُنَا بِالنَّظَرِ إلَى الْمِلْكِ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ الْمَذْكُورُ وَبِالنَّظَرِ لِمَا عَرَضَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْخَارِجَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَقَوْلُنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ كَذَلِكَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَانِعٍ يَعْرِضُ إلَى قَوْلِهِ وَبِالنَّظَرِ لِمَا عَرَضَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْخَارِجَةِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ مِنْ التَّصَرُّفِ) قُلْت كَلَامُهُ هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّصَرُّفَ هُوَ مُوجِبُ الْمِلْكِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ مُوجِبُهُ الِانْتِفَاعُ، ثُمَّ الِانْتِفَاعُ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ انْتِفَاعٌ يَتَوَلَّاهُ الْمَالِكُ بِنَفْسِهِ وَانْتِفَاعٌ يَتَوَلَّاهُ النَّائِبُ عَنْهُ، ثُمَّ النَّائِبُ قَدْ يَكُونُ بِاسْتِنَابَةِ الْمَالِكِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ اسْتِنَابَتِهِ فَغَيْرُ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ بِنَفْسِهِ وَنِيَابَتِهِ وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ لَا يَتَوَصَّلُ إلَى الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ إلَّا بِنِيَابَتِهِ وَنَائِبِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بِاسْتِنَابَتِهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَفَضَالَةُ وَنَضْرَةُ فِي الشَّرْحِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ هُوَ ثَلَاثٌ» قَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَلِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْعُمُومَ فِي جَمِيعِ أَمْرِهَا؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ فَيَتَنَاوَلُ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثَ كَقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك مَا شِئْت وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ أَرَدْت وَاحِدَةً وَلَا يُدَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إنْ جَعَلَ أَمْرَهَا فِي يَدِ غَيْرِهَا أَيْ الزَّوْجَةِ بِأَنْ جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِ زَيْدٍ مَثَلًا فَلَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثَلَاثًا مَا لَمْ يَفْسَخْ أَوْ يَطَأْ.
(وَإِنْ) قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَتَقَعُ رَجْعِيَّةً حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَةَ وَغَيْرِهِمْ؛ وَلِأَنَّ اخْتَارِي تَفْوِيضٌ مُعَيَّنٌ فَيَتَنَاوَلُ أَقَلَّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ وَهُوَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ بِخِلَافِ أَمْرُك بِيَدِك فَإِنَّهُ أَمْرٌ مُضَافٌ فَيَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَمْرِهَا إلَّا أَنْ يَجْعَلَ إلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ مِنْ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ جَعَلَهُ بِلَفْظِهِ بِأَنْ يَقُولَ اخْتَارِي مَا شِئْت أَوْ اخْتَارِي الطَّلْقَاتِ إنْ شِئْت أَوْ جَعَلَهُ بِنِيَّةٍ بِأَنْ يَنْوِيَ بِقَوْلِهِ اخْتَارِي عَدَدًا اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا؛ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ فَيَرْجِعُ فِيمَا يَقَعُ بِهَا إلَى نِيَّتِهِ كَسَائِرِ الْكِنَايَاتِ الْخَفِيَّةِ وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ ثَلَاثًا فَطَلُقَتْ أَقَلَّ مِنْهَا أَيْ مِنْ ثَلَاثٍ كَاثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدَةٍ وَقَعَ مَا طَلَّقَتْهُ دُونَ مَا نَوَاهُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَا يَقَعُ بِهَا الطَّلَاقُ وَإِنَّمَا يَقَعُ بِتَطْلِيقِهَا وَلِذَا لَوْ لَمْ تُطَلِّقْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ اهـ مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ عِنْدَنَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا مَا قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ التَّفَرُّقِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّخْيِيرَ ثَلَاثٌ وَإِنْ نَوَتْ دُونَهَا وَثَانِيهِمَا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا وَأَنَّ التَّخْيِيرَ ثَلَاثٌ إنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ رَدَّتْ الْخِيَارَ عَلَيْهِ حَكَاهَا الْأَصْلُ عَنْ عِيَاضٍ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهَاتِ
، وَأَمَّا التَّمْلِيكُ فَعَلَى مَا مَرَّ عَنْ مَالِكٍ فَالتَّشْهِيرُ فِيمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ التَّخْيِيرِ لَا التَّمْلِيكِ فَإِنَّ مَوْضُوعَهُ عِنْدَنَا أَصْلُ الطَّلَاقِ فَقَطْ كَمَا عَلِمْت فَهُوَ كِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ يَلْزَمُ بِهِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ إنْ لَمْ تُوقِعْ أَكْثَرَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ هُوَ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ كَالتَّخْيِيرِ يُرْجَعُ فِيمَا يَقَعُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ قِيلَ هُوَ عَلَى مَا تَقُولُهُ مِنْ إعْدَادِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا كَالتَّخْيِيرِ، وَقِيلَ هُوَ كَالتَّخْيِيرِ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ، وَقِيلَ هُوَ كَالتَّخْيِيرِ لَغْوًا لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ أَصْلًا.
وَقِيلَ هُوَ خِلَافُ التَّخْيِيرِ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ إلَّا مَا نَوَاهُ، وَقِيلَ هُوَ غَيْرُ التَّخْيِيرِ يَلْزَمُ بِهِ مَا قَالَتْهُ مِنْ إعْدَادِ الطَّلَاقِ فَإِنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَبَائِنَةٌ فَالْأَقْوَالُ فِيهِ سَبْعَةٌ شَارَكَ التَّخْيِيرُ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَالَفَهُ فِي ثَلَاثَةٍ وَحُكِيَ الْأَصْلُ فِي التَّخْيِيرِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي كِتَابِ التَّنْبِيهَاتِ سَبْعَةَ أَقْوَالٍ أَيْضًا
(الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا الثَّلَاثُ نَوَتْهَا الْمَرْأَةُ أَمْ لَا فَإِنْ قَضَتْ بِدُونِهَا فَهَلْ يَسْقُطُ خِيَارُهَا خِلَافٌ
(الْقَوْلُ الثَّانِي) لِعَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثُ وَإِنْ نَوَتْ دُونَهَا
(الْقَوْلُ الثَّالِثُ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ الثَّلَاثُ إنْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي وَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ إنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَوْ أَرَادَتْ الْخِيَارَ عَلَيْهِ، وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُقَابِلَا الْمَشْهُورِ عِنْدَنَا وَعَلَى كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ التَّخْيِيرُ خِلَافُ التَّمْلِيكِ فَإِنَّ مَوْضُوعَ التَّمْلِيكِ أَصْلُ الطَّلَاقِ كَمَا عَلِمْت
(الْقَوْلُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَلِلزَّوْجِ الْمُنَاكَرَةُ فِي الثَّلَاثِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ عِيَاضٌ لِأَحَدٍ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ إلَّا كَوْنُ التَّمْلِيكِ بِخِلَافِهِ فَقَطْ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِهَذَا الْقَوْلِ فِيهِ فَافْهَمْ
(الْقَوْلُ الْخَامِسُ) لِابْنِ الْجَهْمِ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄ أَنَّهُ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا لَيْسَ لِلزَّوْجِ الْمُنَاكَرَةُ فِي الثَّلَاثِ كَمَا مَرَّ عَنْ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ فِي التَّمْلِيكِ مِنْ أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ فِيهِ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَعَطَاءٌ هُوَ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا فِي أَعْدَادِ الطَّلَاقِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مُنَاكَرَتُهَا فَتَأَمَّلْ
(الْقَوْلُ السَّادِسُ) أَنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ وَهُوَ إمَّا أَنْ
стр. 670
وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْأَوْقَافُ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُمْ الْبَيْعُ وَمِلْكُ الْعِوَضِ عَنْهَا بِسَبَبِ مَا عَرَضَ مِنْ الْوَقْفِ الْمَانِعِ مِنْ الْبَيْعِ كَالْحَجْرِ الْمَانِعِ مِنْ الْبَيْعِ فَقَدْ انْطَبَقَ هَذَا الْحَدُّ عَلَى الْمِلْكِ فَإِنْ، قُلْت قَدْ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ إنَّ الضِّيَافَةَ تُمْلَكُ وَهَلْ بِالْمَضْغِ أَوْ بِالْبَلْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلَى خِلَافٍ عِنْدَهُمْ، فَهَذَا مِلْكٌ مَعَ أَنَّ الضَّيْفَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى مَا قُدِّمَ لَهُ وَلَا يُمْكِنُ مِنْ إطْعَامِهِ لِغَيْرِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ إنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمْلِكُ أَنْ يَمْلِكَ وَهَلْ يُعَدُّ مَالِكًا أَوْ لَا قَوْلَانِ فَمَنْ مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ وَلَا أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي مَلَكَ أَنْ يَمْلِكَهُ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ صَرَّحُوا بِحَقِيقَةِ الْمِلْكِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَمْلِكُ الْمَنْفَعَةَ، وَقَدْ يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ فَقَطْ كَبُيُوتِ الدَّارِسِ وَالْأَوْقَافِ وَالرُّبُطِ وَنَحْوِهَا مَعَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ قُلْت أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الضِّيَافَاتِ أَنَّهَا إبَاحَاتٌ لَا تَمْلِيكٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا قُلْنَا الْأَوْقَافُ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِينَ إلَى قَوْلِهِ فَقَدْ انْطَبَقَ هَذَا الْحَدُّ عَلَى الْمِلْكِ) قُلْت قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَدٍّ صَحِيحٍ قَالَ (فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ إلَى قَوْلِهِ مَعَ إنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ لَا يَمْلِكُ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ تِلْكَ الْمَنَافِعِ) ، قُلْت ذَلِكَ حِكَايَةُ سُؤَالَاتٍ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ قَالَ (قُلْت أَمَّا السُّؤَالُ الْأَوَّلُ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الضِّيَافَاتِ أَنَّهَا إبَاحَاتٌ لَا تَمْلِيكٌ) قُلْت مَا قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَمْلِيكٌ لِلِانْتِفَاعِ بِالْأَكْلِ خَاصَّةً سَوَاءٌ أَوَقَعَ الْبِنَاءُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي ارْتَضَيْته أَوْ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يُنْسَبَ لِأَبِي يُوسُفَ كَمَا قَالَ عِيَاضٌ وَعَلَيْهِ فَهُوَ إمَّا بِخِلَافِ التَّمْلِيكِ فَإِنَّهُ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِمَّا كَالتَّمْلِيكِ كَمَا مَرَّ عَنْ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّهُ رَوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُمَرَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّمْلِيكُ إلَّا طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ ثَلَاثًا وَإِمَّا أَنْ يُنْسَبَ لِابْنِ حَنْبَلٍ، فَيَكُونُ خِلَافَ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ كَالتَّوْكِيلِ يَلْزَمُ بِهِ مَا قَالَتْهُ فَإِنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَبَائِنَةٌ كَمَا مَرَّ عَنْ الشَّيْخِ مَنْصُورِ بْنِ إدْرِيسَ الْحَنْبَلِيِّ فَتَنَبَّهْ
(الْقَوْلُ السَّابِعُ) أَنَّهُ كِنَايَةٌ خَفِيَّةٌ لَا يَلْزَمُ بِهِ شَيْءٌ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَحُكِيَ الْأَصْلُ عَنْ عِيَاضٍ أَنَّهُ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ وَأَنَّهُمْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ لَفْظَ التَّخْيِيرِ يَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرَهُ، فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَيَحْتَمِلُ الْوَحْدَةَ وَالْكَثْرَةَ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعِصْمَةِ حَتَّى يَنْوِيَ اهـ.
وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ مُعْتَمَدَ مَذْهَبِ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وَلَوْ أَوْقَعَتْ أَكْثَرَ، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ مَنْصُورٍ الْحَنْبَلِيِّ وَأَنَّهُ خِلَافُ التَّمْلِيكِ إذْ التَّمْلِيكُ كَالتَّوْكِيلِ الْقَوْلُ قَوْلُهَا فِيمَا تُوقِعُهُ، فَإِنْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً فَبَائِنَةٌ وَأَنَّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَى هَذَا إنَّمَا هُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا مَعَ ذَلِكَ فِي التَّمْلِيكِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ كَالتَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْحُكْمِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ بِخِلَافٍ؛ لِأَنَّهَا إنْ طَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً فِيهِ فَهِيَ بَائِنَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ وَاعْتَمَدَ أَصْحَابُنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمَشْهُورِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَدَارَكَ
(الْمُدْرَكُ الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] . الْآيَةَ. قَالُوا هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَيْنُونَةِ بِالثَّلَاثِ
(الْمُدْرَكُ الثَّانِي) أَنَّ إحْدَى نِسَائِهِ ﵇ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَكَانَتْ أَلْبَتَّةَ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْخِيَارِ
(الْمُدْرَكُ الثَّالِثُ) أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ عَادَةً إنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ فِي الْكَوْنِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُفَارَقَتُهَا هَذَا هُوَ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ لِزَوْجَتِهِ خَيَّرْتُك وَتَعَقَّبَ اللَّخْمِيُّ الْمُدْرَكَ الْأَوَّلَ بِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ
(الْأَوَّلُ) أَنَّهُ ﵇ كَانَ الْمُطَلِّقُ لَا النِّسَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٨]
(الْوَجْهُ الثَّانِي) سَلَّمْنَا أَنَّ الْأَزْوَاجَ كُنَّ اللَّاتِي طَلَّقْنَ لَكِنَّ السَّرَاحَ لَا يُوجِبُ إلَّا وَاحِدَةً كَمَا لَوْ قَالَ سَرَّحْتُك
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) سَلَّمْنَا أَنَّهُ الثَّلَاثُ لَكِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ ﵇؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مُعَلَّلٌ بِالنَّدَمِ وَهُوَ ﵇ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنَّا
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ التَّخْيِيرَ إنَّمَا كَانَ بَيْنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالدَّارِ الْآخِرَةِ وَتَعَقَّبَ الْمُدْرَكَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ إنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُهُ مِثْلَ ذَلِكَ» وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ يُنَازِعُونَ فِي أَنَّ هَذَا أَيْ التَّخْيِيرَ فِي الْكَوْنِ فِي الْعِصْمَةِ أَوْ مُفَارَقَتِهَا هُوَ الْمَفْهُومُ عَادَةً لَكِنْ فِي شَرْحِ الْحَطَّابِ عَلَى الْمُخْتَصَرِ كَمَا فِي الْبُنَانِيِّ عَلَى ابْنِ عبق أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّخْيِيرِ وَالتَّمْلِيكِ قِيلَ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ لَا مُشَارَكَةَ لِلُّغَةِ فِيهِ فَقَوْلُهُمْ فِي الْمَشْهُورِ إنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنَاكِرَ الْمُمَلَّكَةَ دُونَ الْمُخَيَّرَةِ إنَّمَا هُوَ أَمْرٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْعُرْفِ وَعَلَى هَذَا يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ بِانْعِكَاسِ الْعُرْفِ، وَقِيلَ هُوَ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا لِلْعُرْفِ إلَّا أَنَّ الْعُرْفَ تَابِعٌ لِلُّغَةِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّ التَّمْلِيكَ إعْطَاءُ مَا لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا فَلِذَلِكَ قُلْنَا إنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يُنَاكِرَهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ بِيَدِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ إلَّا مَا اعْتَرَفَ أَنَّهُ إعْطَاءٌ.
وَأَمَّا التَّخْيِيرُ فَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ خُيِّرَ فُلَانٌ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إذَا جُعِلَ لَهُ الْخِيَارُ، فَيَكُونُ تَخْيِيرُ الزَّوْجَةِ مَعْنَاهُ أَنَّ الزَّوْجَ فَوَّضَ إلَيْهَا الْبَقَاءَ عَلَى الْعِصْمَةِ وَالذَّهَابَ عَنْهَا، وَذَلِكَ
следующие страницы →