Полный текст (1 059 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وَقَوْلِي فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ احْتِرَازٌ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْحُكْمَ هُنَالِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَتَعَذَّرُ فِيهِ الْإِنْشَاءُ لِتَعَيُّنِهِ وَثُبُوتِهِ إجْمَاعًا، وَقَوْلِي تَتَقَارَبُ مَدَارِكُهَا احْتِرَازٌ مِنْ الْخِلَافِ الشَّاذِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُدْرَكِ الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ بَلْ يُنْقَضُ فِي نَفْسِهِ إذَا حَكَمَ بِالْفَتْوَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُدْرَكِ، وَقَوْلِي لِأَجْلِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا احْتِرَازٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْفَتْوَى بِتَحْرِيمِ السِّبَاعِ، وَطَهَارَةِ الْأَوَانِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فِي هَذَا الْفَصْلِ.
وَكَيْفَ يَكُونُ إنْشَاءُ الْحَاكِمِ الْحُكْمَ فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ نَصًّا خَاصًّا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا اجْتَهَدَ أَحَدُكُمْ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» وَكَيْفَ يَصِحُّ الْخَطَأُ فِيمَا فِيهِ النَّصُّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا كَلَامٌ بَيِّنُ الْخَطَأِ بِلَا شَكٍّ فِيهِ، وَمَا تَخَيَّلَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ يُعَيِّنُ فِي الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي نُفُوذِ الْحُكْمِ وَثَبَاتِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ لَوْ لَمْ يُنَفَّذْ لَا لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إنْشَاءٌ مِنْ الْحَاكِمِ مَوْضُوعٌ كَنَصٍّ خَاصٍّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَقَوْلِي فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ احْتِرَازٌ مِنْ مَوْقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْحُكْمَ هُنَالِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَتَعَذَّرُ فِيهِ الْإِنْشَاءُ لِتَعَيُّنِهِ وَثُبُوتِهِ إجْمَاعًا) قُلْت هَذَا كَلَامٌ سَاقِطٌ أَيْضًا، وَكَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَالْحُكْمُ فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ ثَابِتٌ بِالْخِلَافِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّصْوِيبِ كِلَاهُمَا حَقٌّ وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّصْوِيبِ أَحَدُهُمَا حَقٌّ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ ثَبَتَ الْعُذْرُ لِلْمُكَلَّفِ فِي ذَلِكَ، وَمَا أَوْقَعَهُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ إلَّا الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي لَفْظِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يُقَالُ الْحُكْمُ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى النِّكَاحِ اللُّزُومُ لِلْمُقَلِّدِ الْمَالِكِيِّ، وَيُقَالُ الْحُكْمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ الْفُلَانِيُّ عَلَى فُلَانٍ مُعَلِّقِ الطَّلَاقِ لُزُومُ الطَّلَاقِ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ لُزُومُ الطَّلَاقِ لِكُلِّ مُعَلِّقٍ لِلطَّلَاقِ مِنْ مَالِكِيٍّ أَوْ مُقَلِّدٍ لِمَالِكِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الثَّانِي لُزُومُ الطَّلَاقِ بِإِلْزَامِ الْحَاكِمِ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِكِيٍّ أَوْ غَيْرِ الْمَالِكِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (وَقَوْلِي تَتَقَارَبُ مَدَارِكُهَا احْتِرَازٌ مِنْ الْخِلَافِ الشَّاذِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُدْرَكِ الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ بَلْ يُنْقَضُ فِي نَفْسِهِ إذَا حُكِمَ بِالْفَتْوَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُدْرَكِ الضَّعِيفِ) قُلْت لِلْكَلَامِ فِي الْقَوْلِ الشَّاذِّ وَالْمُدْرَكِ الضَّعِيفِ مَجَالٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ قَالَ (وَقَوْلِي لِأَجْلِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا احْتِرَازٌ مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْفَتْوَى بِتَحْرِيمِ السِّبَاعِ وَطَهَارَةِ الْأَوَانِي
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْكَلَامِ) فِيهِ أَنَّ الْمَقْسُومَ كَمَا مَرَّ إمَّا رِقَابُ أَمْوَالٍ، وَإِمَّا مَنَافِعُ الرِّقَابِ، وَأَقْسَامُ الرِّقَابِ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تُنْقَلَ وَتُحَوَّلَ أَمْ لَا، وَالثَّانِي هُوَ الرِّبَاعُ، وَالْأُصُولُ وَالْأَوَّلُ إمَّا مَكِيلٌ أَوْ مَوْزُونٌ، وَإِمَّا غَيْرُ مَكِيلٍ وَلَا مَوْزُونٍ، وَهُوَ الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ أَمَّا الْحَيَوَانُ وَالْعُرُوضُ فَقَالَ حَفِيدُ ابْنِ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ الْمُتَعَدِّدِ مِنْهُمَا عَلَى التَّرَاضِي، وَاخْتَلَفُوا فِي قِسْمَتِهِ بِالتَّعْدِيلِ وَالسُّهْمَةِ فَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي تَمْيِيزِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ الَّذِي تَجُوزُ فِيهِ السُّهْمَةُ مِنْ الَّذِي لَا تَجُوزُ فِيهِ فَاعْتَبَرَ أَشْهَبُ بِمَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ.
وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَاضْطَرَبَ فَمَرَّةً أَجَازَ الْقَسْمَ بِالسُّهْمَةِ فِيمَا لَا يَجُوزُ تَسْلِيمُ بَعْضِهِ فِي بَعْضٍ فَجَعَلَ الْقِسْمَةَ أَخَفَّ مِنْ السَّلَمِ، وَمَرَّةً مَنَعَ الْقِسْمَةَ فِيمَا مَنَعَ فِيهِ السَّلَمُ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ الْقِسْمَةَ فِي ذَلِكَ أَخَفُّ، وَأَنَّ مَسَائِلَهُ الَّتِي يُظَنُّ مِنْ قِبَلِهَا أَنَّ الْقِسْمَةَ عِنْدَهُ أَشَدُّ مِنْ السَّلَمِ تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ عَلَى أَصْلِهِ الثَّانِي اهـ.
مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُ، وَقَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ، وَلَا بُدَّ فِيمَا تَفَاوَتَتْ أَجْزَاؤُهُ مِنْ التَّقْوِيمِ فَتُجْمَعُ الدُّورُ عَلَى حِدَتِهَا، وَالْأَقْرِحَةُ أَيْ الْفَدَّادِينَ عَلَى حِدَتِهَا وَالْأَجِنَاتُ عَلَى حِدَتِهَا، وَالْبَقَرُ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا عَلَى حِدَتِهَا وَالْإِبِلُ كَذَلِكَ عَلَى حِدَتِهَا، وَالرَّقِيقُ كَذَلِكَ عَلَى حِدَتِهَا، وَالْحَمِيرُ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا عَلَى حِدَتِهِ، وَالْبِغَالُ كَذَلِكَ، وَهَكَذَا ثُمَّ يُجَزَّأُ الْمَقْسُومُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بِالْقِسْمَةِ عَلَى أَقَلِّهِمْ نَصِيبًا، وَيَقْتَرِعُونَ اهـ.
بِلَفْظِهِ، وَقَالَ الْأَصْلُ مَنْعُ أَبُو حَنِيفَةَ قَسْمَ الرَّقِيقِ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيِّ، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنَافِعَهُ مُخْتَلِفَةٌ بِالْعَقْلِ وَالشَّجَاعَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّعْدِيلُ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ تَعْدِيلُهُ لَامْتَنَعَ بَيْعُهُ وَتَقْوِيمُهُ لِأَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقِيمَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ اهـ.
(وَأَمَّا) الْمَكِيلُ وَالْمَوْزُونُ فَإِمَّا أَنْ يَقَعَ قَسْمُهُمَا بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ الْمَعْلُومِ أَوْ الْمَجْهُولِ أَوْ جُزَافًا بِلَا تَحَرٍّ أَوْ بِتَحَرٍّ فَمَا وَقَعَ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ الْمَعْلُومِ أَوْ الْمَجْهُولِ يَجُوزُ بِالتَّرَاضِي بِلَا خِلَافٍ كَانَا مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ أَمْ لَا قَالَ الرَّمَاصِيُّ، وَمَا فِي الْحَطَّابِ مَنْ مَنَعَ الْمُرَاضَاةَ فِيمَا فِيهِ التَّفَاضُلُ مَحْمُولٌ عَلَى قَسْمِ مَا لَيْسَ صُبْرَةً وَاحِدَةً كَقَمْحٍ وَشَعِيرٍ أَوْ مَحْمُولَةٍ وَسَمْرَاءَ أَوْ مَغْلُوتٍ وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةٌ اهـ.
وَفِي جَوَازِهِ بِالْقُرْعَةِ وَمَنْعِهِ بِهَا قَوْلَانِ الْأَوَّلُ لِلَّخْمِيِّ فِي قَوْلِ الْمُدَوَّنَةِ، وَمَنْ هَلَكَ، وَتَرَكَ مَتَاعًا وَحُلِيًّا قُسِّمَ الْمَتَاعُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ بِالْقِيمَةِ، وَالْحُلِيُّ بِالْوَزْنِ فَإِنَّهُ قَالَ يُرِيدُ أَوْ يَتَرَاضَيَانِ أَحَدُهُمَا هَذَا، وَالْآخَرُ هَذَا أَوْ بِالْقُرْعَةِ إذَا اسْتَوَى الْوَزْنُ، وَالْقِيمَةُ فَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ لَمْ يَجُزْ
стр. 807
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ لَا لِلدُّنْيَا بَلْ لِلْآخِرَةِ بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي الْعُقُودِ وَالْأَمْلَاكِ وَالرُّهُونِ وَالْأَوْقَافِ وَنَحْوِهَا إنَّمَا ذَلِكَ لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ قِسْمَانِ مِنْهَا مَا يَقْبَلُ حُكْمَ الْحَاكِمِ مَعَ الْفُتْيَا فَيُجْمَعُ الْحُكْمَانِ، وَمِنْهَا لَا يَقْبَلُ إلَّا الْفَتْوَى، وَيَظْهَرُ لَك بِهَذَا أَيْضًا تَصَرُّفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا وَقَعَ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْفَتْوَى أَوْ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ، وَالْإِنْشَاءِ، وَأَيْضًا يَظْهَرُ أَنَّ إخْبَارَ الْحَاكِمِ عَنْ نِصَابٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فَتْوَى، وَأَمَّا أَخْذُهُ لِلزَّكَاةِ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ فَحُكْمٌ، وَفَتْوَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَنَازُعٌ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ.
وَالْأَغْنِيَاءِ فِي الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وَلِذَلِكَ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ السُّعَاةِ، وَالْجُبَاةِ فِي الزَّكَاةِ أَحْكَامٌ لَا نَنْقُضُهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْفَتْوَى عِنْدَنَا عَلَى خِلَافِهَا، وَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مَذْهَبَنَا، وَيَظْهَرُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَيْضًا سِرُّ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يُنْقَضُ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ، وَتَصِيرُ هَذِهِ الصُّورَةُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ تِلْكَ الْأَدِلَّةِ الْعَامَّةِ كَاسْتِثْنَاءِ الْمُصَرَّاةِ، وَالْعَرَايَا، وَالْمُسَاقَاةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَيَظْهَرُ بِهَذَا أَيْضًا أَنَّ التَّقْرِيرَاتِ مِنْ الْحُكَّامِ لَيْسَتْ أَحْكَامًا فَتَبْقَى الصُّورَةُ قَابِلَةً لِحُكْمِ جَمِيعِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْمَنْقُولَةِ فِيهَا قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مَا قَضَى بِهِ مِنْ نَقْلِ الْأَمْلَاكِ، وَفَسْخِ الْعُقُودِ فَهُوَ حُكْمٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيرِ الْحَادِثَةِ لَمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ كَامْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَأَقَرَّهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ لَا لِلدُّنْيَا إلَى قَوْلِهِ لَا نَنْقُضُهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْفَتْوَى عِنْدَنَا عَلَى خِلَافِهَا) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (وَيَصِيرُ حِينَئِذٍ مَذْهَبَنَا) قُلْت لَا يَصِيرُ مَذْهَبَنَا، وَلَكِنَّا لَا نَنْقُضُهُ لِمَصْلَحَةِ الْأَحْكَامِ قَالَ (وَيَظْهَرُ بِهَذَا التَّقْرِيرِ أَيْضًا سِرُّ قَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ لَا يُنْقَضُ، وَأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ إلَى قَوْلِهِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُسْتَثْنَيَاتِ) قُلْت لَا رُجُوعَ هُنَا لِلْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ إنْ كَانَ يَعْنِي قَاعِدَةَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَلَكِنْ يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا نُفِّذَ عَلَى مَذْهَبٍ مَا لَا يُنْقَضُ، وَلَا يُرَدُّ، وَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْأَحْكَامِ وَرَفْعِ التَّشَاجُرِ وَالْخِصَامِ قَالَ (وَيَظْهَرُ بِهَذَا أَيْضًا أَنَّ التَّقْرِيرَاتِ مِنْ الْحُكَّامِ لَيْسَتْ أَحْكَامًا إلَى قَوْلِهِ فَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى مَنْ يَأْتِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ) قُلْت ذَلِكَ صَحِيحٌ، وَأَكْثَرُهُ أَوْ كُلُّهُ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِالْقُرْعَةِ اهـ.
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عَقِبَ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ يَقُومُ مِنْهُ جَوَازُ الْقُرْعَةِ فِي الْوَدِيعَةِ إذَا اسْتَوَتْ فِي الْوَزْنِ وَالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْمُدَّخَرَاتِ اهـ.
وَالثَّانِي لِابْنِ رُشْدٍ وَالْبَاجِيِّ كَمَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ، وَعَزَاهُ ابْنُ زَرْقُونٍ لِسَحْنُونٍ اهـ.
عَلَيْهِ اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْمُعِينِ وَصَاحِبُ التُّحْفَةِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّهُ إذَا كِيلَ أَوْ وُزِنَ فَقَدْ اسْتَغْنَى عَنْ الْقُرْعَةِ فَلَا مَعْنَى لِدُخُولِهَا، وَمَا وَقَعَ جُزَافًا بِلَا تَحَرٍّ قَالَ فِي الْبِدَايَةِ لَا يَجُوزُ يَعْنِي كَانَ بِالتَّرَاضِي أَوْ بِالْقُرْعَةِ كَمَا يُفِيدُهُ تَفْصِيلُ ابْنِ رُشْدٍ الْآتِي فَتَنَبَّهْ، وَمَا وَقَعَ بِالتَّحَرِّي قَدْ تَقَدَّمَ عَنْ عَبْدِ الْبَاقِي مَا يُفِيدُ جَوَازَهُ بِالتَّرَاضِي فَلَا تَغْفُلْ، وَقَدْ حَكَى الْبُنَانِيُّ عَلَى عبق فِي جَوَازِهِ بِالْقُرْعَةِ أَقْوَالًا الْجَوَازُ مُطْلَقًا عَنْ الْبَاجِيَّ قَالَ فَقَدْ سُئِلَ سَيِّدِي عِيسَى بْنُ عَلَّالٍ عَنْ صِفَةِ قِسْمَةِ الْوَزِيعَةِ بِالْقُرْعَةِ الَّتِي جَرَى بِهَا الْعُرْفُ عِنْدَنَا فَقَالَ كَانَ شَيْخُنَا سَيِّدِي مُوسَى الْعَبْدُوسِيُّ يَقُولُ إنْ قُسِمَتْ وَزْنًا فَإِنْ شَاءُوا اقْتَرَعُوا أَوْ تَرَكُوا عَلَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ فِي قِسْمَةِ الْحُلِيِّ، وَإِنْ قُسِمَتْ تَحَرَّيَا فَهَذَا مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ ثُمَّ قَالَ قَالَ الْبَاجِيَّ فِي قِسْمَةِ الثِّمَارِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّحَرِّي عِنْدِي أَنَّهَا لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْقُرْعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهَا تَمْيِيزُ حَقٍّ اهـ.
وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا عَنْ ابْنِ زَرْقُونٍ فَقَدْ قَالَ وَمِثْلُ مَا قُسِمَ بِالْكَيْلِ وَالْوَزْنِ فِي مَنْعِ الْقُرْعَةِ عِنْدِي مَا قُسِمَ بِالتَّحَرِّي لِأَنَّ مَا يَتَسَاوَى فِي الْجِنْسَيْنِ وَالْجُودَةِ وَالْقَدْرِ لَا يَحْتَاجُ إلَى سَهْمٍ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ اهـ.
قَالَ الْعَبْدُوسِيُّ، وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْبَاجِيَّ، وَالْوَزِيعَةُ تَجْرِي عَلَيْهِ اهـ.
نَقَلَهُ فِي تَكْمِيلِ التَّقْيِيدِ، وَعَنْ ابْنِ رُشْدٍ الْقَوْلُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ الْقَسْمِ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فَيَجُوزُ التَّفَاضُلُ أَوْ بِالتَّحَرِّي فَيَجُوزُ أَيْ التَّفَاضُلُ فِي الْمَوْزُونِ دُونَ الْمَكِيلِ أَوْ بِدُونِهِمَا فَيَمْتَنِعُ مُطْلَقًا لِلْمُزَابَنَةِ قَالَ وَذَلِكَ التَّفْصِيلُ إنَّمَا هُوَ فِي الصُّبْرَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ قَسْمَ الصُّبْرَةِ الْوَاحِدَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ لِاتِّحَادِ الصِّفَةِ وَالْقَدْرِ اهـ.
بِتَلْخِيصٍ، وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ، وَأَنَّ مَا وكنو الرِّبَاع وَالْأُصُول فَقَالَ حَفِيدُ ابْنُ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ اتِّفَاقًا مُجْمَلًا عَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ الرِّبَاعِ وَالْأُصُولِ بِالتَّرَاضِي سَوَاءٌ كَانَتْ بَعْدَ تَقْوِيمٍ وَتَعْدِيلٍ أَوْ بِدُونِ ذَلِكَ كَانَتْ الرِّقَابُ مُتَّفِقَةً أَوْ مُخْتَلِفَةً لِأَنَّهَا بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فَلَا يَحْرُمُ فِيهَا إلَّا مَا يَحْرُمُ فِيهَا فِي الْبُيُوعِ، وَكَذَا عَلَى جَوَازِهَا بِالسُّهْمَةِ إذَا عُدِّلَتْ بِالْقِيمَةِ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ ذَلِكَ وَشُرُوطِهِ فَأَمَّا بَيَانُهُ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْقِسْمَةَ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ أَوْ فِي مَحَالَّ كَثِيرَةٍ فَإِذَا كَانَتْ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَإِنْ انْقَسَمَتْ إلَى أَجْزَاءَ مُتَسَاوِيَةٍ بِالصِّفَةِ، وَلَمْ تَنْقُصْ بِالِانْقِسَامِ مَنْفَعَةُ الْأَجْزَاءِ فَلَا
стр. 808
وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ، وَجَاءَ قَاضٍ بَعْدَهُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ حُكْمٌ لِأَنَّهُ أَمْضَاهُ، وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِإِجَازَتِهِ فَلَا يُنْقَضُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَقَالَ إنَّهُ حُكْمٌ فِي حَادِثَةٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِيهِ بِإِمْضَائِهِ أَوْ فَسْخِهِ أَمَّا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا النِّكَاحُ فَقَالَ أَنَا لَا أُجِيزُ هَذَا النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِ هَذَا النِّكَاحِ بِعَيْنِهِ فَهَذِهِ فَتْوَى، وَلَيْسَتْ بِحُكْمٍ أَوْ رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَقَالَ أَنَا لَا أُجِيزُ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَهُوَ فَتْوَى مَا لَمْ يَقَعْ حُكْمٌ عَلَى عَيْنِ الْحُكْمِ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْوَجْهِ خِلَافًا قَالَ وَإِنْ حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا طَرِيقُهُ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ، وَلَيْسَ بِنَقْلِ مِلْكٍ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ إلَى الْآخَرِ، وَلَا فَصْلِ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا إثْبَاتِ عَقْدٍ، وَلَا فَسْخِهِ مِثْلُ رَضَاعِ كَبِيرٍ فَيَحْكُمُ بِأَنَّهُ رَضَاعٌ مُحَرَّمٌ.
وَيُفْسَخُ النِّكَاحُ لِأَجْلِهِ فَالْفَسْخُ حُكْمٌ، وَالتَّحْرِيمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَثْبُتُ بِحُكْمِهِ بَلْ هُوَ مَعْرِضٌ لِلِاجْتِهَادِ أَوْ رُفِعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَفَسَخَ نِكَاحَهَا، وَحَرَّمَهَا عَلَى زَوْجِهَا فَفَسْخُهُ حُكْمٌ دُونَ تَحْرِيمِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَحُكْمُهُ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ إجَارَةٍ فَهُوَ فَتْوَى لَيْسَ حُكْمًا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَهِدَهُ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْكُولٌ لِمَنْ يَأْتِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ فَظَهَرَ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الْفَتَاوِي، وَالْمَبَاحِثِ أَنَّ الْفَتْوَى وَالْحُكْمَ كِلَاهُمَا إخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُهُمَا، وَكِلَاهُمَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَكِنْ الْفَتْوَى إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي إلْزَامٍ أَوْ إبَاحَةٍ، وَالْحُكْمُ إخْبَارٌ مَعْنَاهُ الْإِنْشَاءُ وَالْإِلْزَامُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالتَّمْثِيلِ أَنَّ الْمُفْتِيَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمُتَرْجِمِ مَعَ الْقَاضِي يَنْقُلُ مَا وَجَدَهُ عَنْ الْقَاضِي، وَاسْتَفَادَهُ مِنْهُ بِإِشَارَةٍ أَوْ عِبَارَةٍ أَوْ فِعْلٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (فَظَهَرَ أَيْضًا مِنْ هَذِهِ الْفَتَاوَى وَالْمَبَاحِثِ أَنَّ الْفَتْوَى، وَالْحُكْمَ كِلَاهُمَا إخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُهُمَا، وَكِلَاهُمَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَكِنْ الْفَتْوَى إخْبَارٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي إلْزَامٍ أَوْ إبَاحَةٍ، وَالْحُكْمُ إخْبَارٌ مَعْنَاهُ الْإِنْشَاءُ، وَالْإِلْزَامُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى) قُلْت كَيْفَ يَكُونُ الْإِخْبَارُ إنْشَاءً، وَقَدْ فَرَّقَ هُوَ قَبْلَ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ بَيْنَهُمَا، وَكَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ إلْزَامًا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مُمْكِنُ الْخَطَأِ عَلَى مَا نَصَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﵊ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ هَذَا مَا لَا يَصِحُّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالتَّمْثِيلِ أَنَّ الْمُفْتِيَ مَعَ اللَّهِ كَالْمُتَرْجِمِ مَعَ الْقَاضِي بِنَقْلِ مَا وَجَدَهُ عَنْ الْقَاضِي، وَاسْتَفَادَهُ مِنْهُ بِإِشَارَةٍ أَوْ عِبَارَةٍ أَوْ فِعْلٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
خِلَافَ فِي جَوَازِهَا، وَيُجْبَرُ الشَّرِيكَانِ عَلَى ذَلِكَ.
وَإِنْ انْقَسَمَتْ عَلَى مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَقَالَ مَالِكٌ إنَّهَا تُقْسَمُ بَيْنَهُمْ إذَا دَعَا أَحَدُهُمَا لِذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ يَصِرْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ مِثْلُ قَدْرِ الْقَدَمِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، وَعُمْدَتُهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْسَمُ إلَّا أَنْ يَصِيرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي حَظِّهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ دَاخِلَةٍ عَلَيْهِ فِي الِانْتِفَاعِ مِنْ قِبَلِ الْقِسْمَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُرَاعِي فِي ذَلِكَ نُقْصَانَ الثَّمَنِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقْسَمُ إذَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الِاشْتِرَاكِ أَوْ كَانَتْ أَقَلَّ.
وَقَالَ مُطَرِّفٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إنْ لَمْ يَصِرْ فِي حَظِّ كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ لَمْ يُقْسَمْ، وَإِنْ صَارَ فِي حَظِّ بَعْضِهِمْ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَفِي حَظِّ بَعْضِهِمْ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ قُسِمَ، وَجُبِرُوا عَلَى ذَلِكَ سَوَاءٌ دَعَا إلَى ذَلِكَ صَاحِبُ النَّصِيبِ الْقَلِيلِ أَوْ الْكَثِيرِ، وَقِيلَ يُجْبَرُ إنْ دَعَا صَاحِبُ النَّصِيبِ الْقَلِيلِ، وَلَا يُجْبَرُ إنْ دَعَا صَاحِبُ النَّصِيبِ الْكَثِيرِ، وَقِيلَ بِعَكْسِ هَذَا، وَهُوَ ضَعِيفٌ، هَذَا وَبَقِيَ مَا إذَا انْتَقَلَتْ مَنْفَعَةُ الْمَقْسُومِ إلَى مَنْفَعَةٍ أُخْرَى مِثْلُ الْحَمَّامِ فَقَالَ مَالِكٌ يُقْسَمُ إذَا طُلِبَ كَأَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، وَعُمْدَتُهُمَا ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧] .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْسَمُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعُمْدَتُهُمَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا ضَرَرَ، وَلَا ضِرَارَ» ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ عَنْ أَبِيهِ لَا تَعْضِيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَاثِ إلَّا مَا حَمَلَ الْقَسْمَ، وَالتَّعْضِيَةُ التَّفْرِقَةُ يَقُولُ لَا قِسْمَةَ بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْقِسْمَةُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَإِنْ كَانَتْ الْمَحَالُّ مُخْتَلِفَةَ الْأَنْوَاعِ كَأَنْ يَكُونَ مِنْهَا دُورٌ، وَمِنْهَا حَوَائِطُ، وَمِنْهَا أَرْضٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةَ الْأَنْوَاعِ قُسِمَتْ بِالتَّقْوِيمِ وَالتَّعْدِيلِ وَالسُّهْمَةِ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ أَقَلُّ لِلضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَى الشُّرَكَاءِ مِنْ الْقِسْمَةِ، نَعَمْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفَ الْأَنْوَاعُ الْمُتَّفِقَةُ فِي النَّفَاقِ، وَإِنْ تَبَاعَدَتْ مَوَاضِعُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ بَلْ يُقْسَمُ كُلُّ عَقَارٍ عَلَى حِدَةٍ لِأَنَّ كُلَّ عَقَارٍ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ الشُّفْعَةُ اهـ.
كَلَامُ الْحَفِيدِ فِي الْبِدَايَةِ بِتَصَرُّفٍ، وَفِي الْأَصْلِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ دَارَيْنِ فِي الْقَسْمِ وَإِنْ تَقَارَبَتَا لِأَمْرَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الشُّفْعَةَ تَكُونُ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَكَذَلِكَ تَكُونُ الْقِسْمَةُ (الثَّانِي) أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا يُفْضِي إلَى كَثْرَةِ الْغَرَرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الدَّارَيْنِ بِغَيْرِ رِضَاهُ.
وَالْجَوَابُ (عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّ الشَّرِكَةَ إذَا عَمَّتْ فِيهِمَا، وَالْبَيْعُ عَمَّتْ الشُّفْعَةُ فَنَقِيسُ الْقَسْمَ عَلَى الشُّفْعَةِ فَيَنْقَلِبُ الدَّلِيلُ عَلَيْكُمْ، وَلِأَنَّ اسْتِقْلَالَ كُلِّ وَاحِدٍ
стр. 809
أَوْ تَقْرِيرٍ أَوْ تَرْكٍ، وَالْحَاكِمُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَنَائِبِ الْحَاكِمِ يُنْشِئُ الْأَحْكَامَ، وَالْإِلْزَامَ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَلَيْسَ بِنَاقِلٍ ذَلِكَ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ بَلْ مُسْتَنِيبُهُ قَالَ لَهُ أَيُّ شَيْءٍ حَكَمْت بِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَقَدْ جَعَلْته حُكْمِي فَكِلَاهُمَا مُوَافِقٌ لِلْقَاضِي، وَمُطِيعٌ لَهُ، وَسَاعٍ فِي تَنْفِيذِ مَوَادِّهِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يُنْشِئُ، وَالْآخَرُ يَنْقُلُ نَقْلًا مَحْضًا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ لَهُ فِي الْإِنْشَاءِ كَذَلِكَ الْمُفْتِي، وَالْحَاكِمُ كِلَاهُمَا مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَابِلٌ لِحُكْمِهِ غَيْرَ أَنَّ الْحَاكِمَ مُنْشِئٌ، وَالْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ مَحْضٌ، وَقَدْ، وَضَعْت فِي هَذَا الْمَقْصِدِ كِتَابًا سَمَّيْته الْإِحْكَامَ فِي الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ، وَتَصَرُّفِ الْقَاضِي، وَالْإِمَامِ، وَفِيهِ أَرْبَعُونَ مَسْأَلَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَذَكَرْت فِيهِ نَحْوَ ثَلَاثِينَ نَوْعًا مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْحَاكِمِ لَيْسَ فِيهَا حُكْمٌ، وَلْنَقْتَصِرْ هُنَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فِي هَذَا الْفَرْقِ.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحُكْمِ وَقَاعِدَةِ الثُّبُوتِ)
اُخْتُلِفَ فِيهِمَا هَلْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ الثُّبُوتُ غَيْرُ الْحُكْمِ، وَالْعَجَبُ أَنَّ الثُّبُوتَ يُوجِبُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَوَاطِنَ الَّتِي لَا حُكْمَ فِيهَا بِالضَّرُورَةِ إجْمَاعًا فَيَثْبُتُ هِلَالُ شَوَّالٍ، وَهِلَالُ رَمَضَانَ، وَتَثْبُتُ طَهَارَةُ الْمِيَاهِ، وَنَجَاسَتُهَا، وَيَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ التَّحْرِيمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ، وَالتَّحْلِيلُ بِسَبَبِ الْعَقْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُكْمًا.
وَإِذَا وُجِدَ الثُّبُوتُ بِدُونِ الْحُكْمِ كَانَ أَعَمَّ مِنْ الْحُكْمِ، وَالْأَعَمُّ مِنْ الشَّيْءِ غَيْرُهُ بِالضَّرُورَةِ ثُمَّ الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ الثُّبُوتِ هُوَ نُهُوضُ الْحُجَّةِ كَالْبَيِّنَةِ، وَغَيْرِهَا السَّالِمَةِ مِنْ الْمَطَاعِنِ فَمَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُقَالُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يُوجَدُ الْحُكْمُ بِدُونِ الثُّبُوتِ أَيْضًا كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمَّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ، وَأَخَصَّ مِنْ وَجْهٍ ثُمَّ ثُبُوتُ الْحُجَّةِ مُغَايِرٌ لِلْكَلَامِ النَّفْسَانِيِّ وَالْإِنْشَائِيِّ الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ فَيَكُونَانِ غَيْرَيْنِ بِالضَّرُورَةِ، وَيَكُونُ الثُّبُوتُ نُهُوضَ الْحُجَّةِ، وَالْحُكْمُ إنْشَاءُ كَلَامٍ فِي النَّفْسِ هُوَ إلْزَامٌ أَوْ إطْلَاقٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الثُّبُوتِ، وَهَذَا فَرْقٌ آخَرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الثُّبُوتَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ الثُّبُوتُ لَمْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
أَوْ تَقْرِيرٍ أَوْ تَرْكٍ، وَالْحَاكِمُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَنَائِبِ الْحَاكِمِ يُنْشِئُ الْأَحْكَامَ وَالْإِلْزَامَ بَيْنَ الْخُصُومِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ، وَمَا مَثَّلَ بِهِ كَذَلِكَ إنْ كَانَ يُرِيدُ بِالْإِنْشَاءِ التَّنْفِيذَ، وَالْإِمْضَاءَ لِمَا كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَتْوَى، وَإِلَّا فَلَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحُكْمِ وَقَاعِدَةِ الثُّبُوتِ) .
قُلْت مَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الثُّبُوتِ حُكْمٌ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ لَفْظِيٌّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْهُمَا بِإِحْدَاهُمَا أَتَمُّ فِي الِانْتِفَاعِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِبَعْضِ دَارٍ (وَعَنْ الثَّانِي) الْمُعَارَضَةُ، وَالنَّقْضُ بِالِاخْتِلَافِ فِي الدَّارِ الْوَاحِدَةِ بَلْ هَا هُنَا أَوْلَى لِأَنَّا إنَّمَا نَجْمَعُ الْمُتَقَارِبَ، وَهُنَالِكَ نَجْمَعُ الْمُخْتَلِفَ اهـ.
وَأَمَّا بَيَانُ الْخِلَافِ فِي الشُّرُوطِ فَهُوَ أَنَّ مِنْ شَرْطِ قِسْمَةِ الْحَوَائِطِ الْمُثْمِرَةِ أَنْ لَا تُقْسَمَ مَعَ الثَّمَرَةِ إذَا بَدَا صَلَاحٌ بِاتِّفَاقٍ فِي الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ عَلَى رُءُوسِ الشَّجَرِ، وَذَلِكَ مُزَابَنَةٌ.
وَأَمَّا قِسْمَتُهَا قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَاخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُ مَالِكٍ فَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِبَّانِ بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ، وَيُعْتَلُّ لِذَلِكَ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ مُتَفَاضِلًا، وَلِذَلِكَ زَعَمَ أَنَّ مَالِكًا لَمْ يُجِزْ شِرَاءَ الثَّمَرِ الَّذِي لَمْ يَطِبْ بِالطَّعَامِ لَا نَسِيئَةً، وَلَا نَقْدًا.
وَأَمَّا إنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الْإِبَّانِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ الثَّمَرِ فِي نَصِيبِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي نَصِيبِهِ، وَمَا لَمْ يَدْخُلْ فَهُوَ فِيهِ عَلَى الشَّرِكَةِ وَالْعِلَّةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ الْمُشْتَرِي الثَّمَرَ بَعْدَ الْإِبَّانِ، وَلَا يَجُوزُ قَبْلَ الْإِبَّانِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا اشْتَرَطَ حَظَّ صَاحِبِهِ مِنْ جَمِيعِ الثَّمَرَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْقِسْمَةِ بِحَظِّهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ الَّتِي وَقَعَتْ لِشَرِيكِهِ، وَاشْتَرَطَ الثَّمَرَ، وَصِفَةُ الْقَسَمِ بِالْقُرْعَةِ أَنْ تُقْسَمَ الْفَرِيضَةُ وَتُحَقَّقَ وَتُضْرَبَ إنْ كَانَ فِي سِهَامِهَا كَسْرٌ إلَى أَنْ تَصِحَّ السِّهَامُ ثُمَّ يُقَوِّمُ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنْهَا، وَكُلَّ نَوْعٍ مِنْ غِرَاسَاتِهَا ثُمَّ يُعَدِّلُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ بِالْقِيمَةِ فَرُبَّمَا عُدِّلَ جُزْءٌ مِنْ مَوْضِعِ ثَلَاثِ أَجْزَاءٍ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى قِيَمِ الْأَرْضِينَ وَمَوَاضِعُهَا فَإِذَا قُسِمَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَاتِ، وَعُدِّلَتْ كُتِبَتْ فِي بَطَائِقَ أَسْمَاءُ الِاشْتِرَاكِ، وَأَسْمَاءُ الْجِهَاتِ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ عَلَى جِهَةٍ أَخَذَ مِنْهَا فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ السَّهْمِ ضُوعِفَ لَهُ حَتَّى يَتِمَّ حَظُّهُ فَهَذِهِ هِيَ حَالُ قُرْعَةِ السُّهْمَةِ فِي الرِّقَابِ كَمَا فِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدٍ ابْنِ رُشْدٍ
(وَأَمَّا قِسْمَةُ) مَنَافِعِ الرِّقَابِ فَقَالَ الْحَفِيدُ أَيْضًا هِيَ عِنْدَ الْجَمِيعِ بِالْمُهَايَأَةِ، وَالْمُهَايَأَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ بِالْأَزْمَانِ بِأَنْ يَنْتَفِعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْعَيْنِ مُدَّةً مُسَاوِيَةً لِمُدَّةِ انْتِفَاعِ صَاحِبِهِ، وَتَجُوزُ فِيمَا لَا يُنْقَلُ، وَلَا يُحَوَّلُ فِي الْمُدَّةِ الْبَعِيدَةِ وَالْأَجَلِ الْبَعِيدِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَلَا تَجُوزُ فِيمَا يَنْتَقِلُ، وَيُحَوَّلُ إلَّا فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا أَمَّا فِي الِاغْتِلَالِ فَقِيلَ الْيَوْمُ الْوَاحِدُ، وَنَحْوُهُ، وَقِيلَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ.
وَأَمَّا فِي الِانْتِفَاعِ فَقِيلَ مِثْلُ الْخَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَقِيلَ الشَّهْرُ، وَأَكْثَرُ مِنْ الشَّهْرِ قَلِيلًا، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ بِالْأَعْيَانِ بِأَنْ يَسْتَعْمِلَ هَذَا دَارًا مُدَّةً مِنْ الزَّمَانِ، وَهَذَا دَارًا تِلْكَ الْمُدَّةَ بِعَيْنِهَا فَقِيلَ تَجُوزُ فِي سُكْنَى الدَّارِ وَزِرَاعَةِ الْأَرْضِينَ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْغَلَّةِ وَالْكِرَاءِ، وَقِيلَ يَجُوزُ عَلَى قِيَاسِ التَّهَايُؤِ بِالْأَزْمَانِ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ
стр. 810
يَتَحَقَّقْ لَهُ مَعْنَى مَا هُوَ الْحُكْمُ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فِي التَّحَمُّلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا)
قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ كُلُّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ يَشْهَدُ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ صَحَّتْ شَهَادَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِنُوحٍ ﵇، وَلِغَيْرِهِ عَلَى أُمَمِهِمْ بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وَصَحَّتْ شَهَادَةُ خُزَيْمَةَ. وَلَمْ يَحْضُرْ شِرَاءَ الْفَرَسِ، وَمَدَارِكُ الْعِلْمِ أَرْبَعَةٌ الْعَقْلُ وَأَحَدُ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَالنَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ وَالِاسْتِدْلَالُ؛ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِمَا عُلِمَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَشَهَادَةُ خُزَيْمَةَ كَانَتْ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَمِثْلُهُ شَهَادَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَاءَ خَمْرًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ تَشْهَدُ أَنَّهُ شَرِبَهَا قَالَ أَشْهَدُ أَنَّهُ قَاءَهَا فَقَالَ عُمَرُ ﵁ مَا هَذَا التَّعَمُّقُ فَلَا وَرَبِّك مَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا، وَمِنْهَا شَهَادَةُ الطَّبِيبِ بِقِدَمِ الْعَيْبِ وَالشَّهَادَةُ بِالتَّوَاتُرِ كَالنَّسَبِ وَوِلَايَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ، وَالْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ لِقَوْلِهِ ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَوْلُهُ ﵇ «عَلَى مِثْلِ هَذَا فَاشْهَدْ أَيْ مِثْلَ الشَّمْسِ» فَهَذَا ضَابِطُ مَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ، وَقَدْ يَجُوزُ بِالظَّنِّ وَالسَّمَاعِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ مَا اتَّسَعَ أَحَدٌ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ كَاتِّسَاعِ الْمَالِكِيَّةِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ الْحَاضِرُ مِنْهَا عَلَى الْخَاطِرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مَوْضِعًا الْأَحْبَاسُ الْمِلْكُ الْمُتَقَادِمُ، الْوَلَاءُ، النَّسَبُ، الْمَوْتُ، الْوِلَايَةُ، الْعَزْلُ، الْعَدَالَةُ، الْجُرْحَةُ، وَمَنَعَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ فِيهِمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ الْمَجْرُوحِ وَالْمُعَدَّلِ فَإِنْ أَدْرَكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ، الْإِسْلَام، الْكُفْرِ، الْحَمْلِ، الْوِلَادَةِ، التَّرْشِيدِ السَّفَهِ، الصَّدَقَةِ، الْهِبَةِ، الْبَيْعِ، فِي حَالَةِ الْمُتَقَادِمِ الرَّضَاعِ، النِّكَاحِ، الطَّلَاقِ، الضَّرَرِ، الْوَصِيَّةِ، إبَاقِ الْعَبْدِ الْحِرَابَةُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْبُنُوَّةَ، وَالْأُخُوَّةَ، وَزَادَ الْعَبْدِيُّ فِي الْحُرِّيَّةَ الْقَسَامَةَ فَهَذِهِ مَوَاطِنُ رَأَى الْأَصْحَابُ أَنَّهَا مَوَاطِنُ ضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مَا لَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فِي التَّحَمُّلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا مُدْرَكُ التَّنَازُعِ) :
قُلْت أَكْثَرُ مَا قَالَ نُقِلَ وَمَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي اسْتِخْدَامِ الْعَبْدِ وَالدَّوَابِّ يَجْرِي عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قِسْمَتِهَا بِالزَّمَانِ اهـ.
مُلَخَّصًا، وَفِي شَرْحِ عَبْدِ الْبَاقِي عَلَى مُخْتَصَرِ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ الْقِسْمَةُ تَهَايُؤٌ كَخِدْمَةِ عَبْدٍ شَهْرًا، وَسُكْنَى دَارٍ سِنِينَ كَالْإِجَارَةِ مَا نَصُّهُ فُهِمَ مِنْ التَّشْبِيهِ أَيْ بِالْإِجَارَةِ أَنَّ الْمُهَايَأَةَ إنَّمَا تَكُونُ بِتَرَاضٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ كَالْبَيْعِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَنْ أَبَاهَا، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَعْلُ الْمُصَنِّفِ قِسْمَةَ الْمُرَاضَاةِ قَسِيمًا لَهَا لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهَا بِمِلْكِ الذَّاتِ، وَالْمُهَايَأَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمِلْكِ الْمَنَافِعِ مَعَ بَقَاءِ الذَّاتِ بَيْنَهُمَا اهـ.
بِلَفْظِهِ، وَفِي الرَّهُونِيِّ وَكَنُونِ، وَقَسِيمُ قِسْمَةِ الْمَنَافِعِ هُوَ قِسْمَةُ الذَّوَاتِ، وَأَمَّا الْمُرَاضَاتُ وَالْقُرْعَةُ فَتَكُونَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ.
مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْهُمَا بِلَفْظِهِمَا.
(فَائِدَةٌ) فِي بِدَايَةِ حَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ إنَّمَا جَعَلَ الْفُقَهَاءُ السُّهْمَةَ فِي الْقِسْمَةِ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِ الْمُتَقَاسِمِينَ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الشَّرْعِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وَمِنْ ذَلِكَ الْأَثَرُ الثَّابِتُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنَّ «رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ أَعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ ثُلُثَ ذَلِكَ الرَّقِيقِ» اهـ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ]
(الْفَرْقُ السَّادِسَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ مِنْ الْأَفْعَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ التَّوْكِيلُ فِيهِ مِنْهَا)
كَتَبَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ الشَّاطِّ فِيمَا مَرَّ عِنْدَ قَوْلِ الْأَصْلِ الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ وَالْمِائَةُ إلَخْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْقَاعِدَتَيْنِ قَرِيبٌ مِنْ الْفَرْقِ الْعَاشِرِ وَالْمِائَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَصِحُّ فِيهِ النِّيَابَةُ.
وَقَاعِدَةُ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ أَوْ هُوَ هُوَ اهـ قُلْت، وَأَوْفَى كَلَامُهُ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فَفِي شَرْحِ عبق عَلَى خَلِيلٍ وَالْبَنَّانِيِّ عَلَيْهِ مَا خُلَاصَتُهُ وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونِ أَنَّ قَوْلَ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ صَحَّتْ الْوَكَالَةُ فِي قَابِلِ النِّيَابَةِ إلَخْ أَيْ شَرْعًا، وَهُوَ مَا لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الْمُبَاشَرَةُ أَيْ مَا تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ تَصِحُّ فِيهِ الْوَكَالَةُ، وَمَا لَا تَجُوزُ فِيهِ النِّيَابَةُ لَا تَصِحُّ فِيهِ الْوَكَالَةُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا لِابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ مِنْ مُسَاوَاةِ النِّيَابَةِ لِلْوَكَالَةِ كَمَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْهُمَا مِنْ جَعْلِهِمَا نِيَابَةَ الْأُمَرَاءِ وَكَالَةً لَا عَلَى أَنَّ النِّيَابَةَ أَعَمُّ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى تَعْرِيفِ ابْنِ عَرَفَةَ لِلْوَكَالَةِ بِقَوْلِهِ نِيَابَةُ ذِي حَقٍّ غَيْرِ ذِي إمْرَةٍ، وَلَا عِبَادَةٍ لِغَيْرِهِ فِيهِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ بِمَوْتِهِ فَتَخْرُجُ نِيَابَةُ إمَامِ الطَّاعَةِ أَمِيرًا أَوْ قَاضِيًا أَوْ صَاحِبَ شُرْطَةٍ، أَوْ إمَامَ الصَّلَاةِ وَالْوَصِيَّ اهـ.
قَالَ الْبُنَانِيُّ وَلَوْ أَسْقَطَ ذِي مِنْ قَوْلِهِ ذِي إمْرَةٍ، وَجَعَلَ غَيْرَ نَعْتًا لِحَقٍّ لَكَانَ تَعْرِيفُهُ شَامِلًا لِتَوْكِيلِ الْإِمَامِ فِي حَقٍّ لَهُ قِبَلَ شَخْصٍ تَأَمَّلْ اهـ.
قَالَ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ هُنَا أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ شَرْطَ النِّيَابَةِ بِمُقْتَضَى دَلَالَةِ الِاسْتِقْرَاءِ وَالِاسْتِعْمَالِ اسْتِحْقَاقُ جَاعِلِهَا فِعْلَ مَا
стр. 811
يَثْبُتُ بِالْحِسِّ بَلْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالْإِعْسَارِ يُدْرَكُ بِالْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ بِقَرَائِنَ كَالصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ وَالضُّرِّ فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْ الْيَقِينِ، وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي شَهَادَةِ الْأَعْمَى، وَالشَّهَادَةِ عَلَى الْخَطِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ خِلَافًا فِي الشَّهَادَةِ بِالظَّنِّ بَلْ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطٍ فَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ الْأَعْمَى قَدْ يَحْصُلُ لَهُ الْقَطْعُ بِتَمْيِيزِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ فَيَشْهَدُ بِهَا، وَيَحْصُلُ لِلْبَصِيرِ الْقَطْعُ بِبَعْضِ الْخُطُوطِ فَيَشْهَدُ بِهَا فَمَا شَهِدَ إلَّا بِالْعِلْمِ، وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ فِي ذَلِكَ لِالْتِبَاسِ الْأَصْوَاتِ وَكَثْرَةِ التَّزْوِيرِ فِي الْخُطُوطِ فَهَذَا هُوَ مُدْرَكُ التَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ.
(تَنْبِيهٌ) : اعْلَمْ أَنَّ قَوْلَ الْعُلَمَاءِ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ إلَّا بِالْعِلْمِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَّا مَا هُوَ قَاطِعٌ بِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ لَهُ الْأَدَاءُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الظَّنِّ الضَّعِيفِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ بَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمُدْرِكِ عِلْمًا فَقَطْ فَلَوْ شَهِدَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ دَفَعَهُ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِصْحَابِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، وَكَذَلِكَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ مَعَ احْتِمَالِ دَفْعِهِ، وَيَشْهَدُ بِالْمِلْكِ الْمَوْرُوثِ لِوَارِثِهِ مَعَ جَوَازِ بَيْعِهِ بَعْدَ أَنْ وَرِثَهُ، وَيَشْهَدُ بِالْإِجَارَةِ، وَلُزُومُ الْأُجْرَةِ مَعَ جَوَازِ الْإِقَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ.
وَالْحَاصِلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الضَّعِيفُ، وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ مَا يَبْقَى فِيهِ الْعِلْمُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الصُّوَرِ مِنْ ذَلِكَ النَّسَبُ وَالْوَلَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ فَيَبْقَى الْعِلْمُ عَلَى حَالِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ وُقُوعِ النُّطْقِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِيهَا الظَّنُّ فَقَطْ إذَا شَهِدَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ حَكَمَ بِنَقْضِهِ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ فَأَكْثَرُهَا إنَّمَا فِيهَا الظَّنُّ فَقَطْ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ فِي أَصْلِ الْمُدْرِكِ لَا فِي دَوَامِهِ فَقَدْ تَلَخَّصَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (تَنْبِيهُهُ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ) قُلْت مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَ فِي أَكْثَرِ الشَّهَادَاتِ لَا يَشْهَدُ إلَّا بِالظَّنِّ الضَّعِيفِ غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِنَّمَا يَشْهَدُ بِأَنَّ زَيْدًا وَرِثَ الْمَوْضِعَ الْفُلَانِيَّ مَثَلًا أَوْ اشْتَرَاهُ جَازِمًا بِذَلِكَ لَا ظَانًّا وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ بَاعَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَا تَتَعَرَّضُ لَهُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بِالْجَزْمِ لَا فِي نَفْيِهِ وَلَا فِي إثْبَاتِهِ وَلَكِنْ تَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَفْيِ الْعِلْمِ بِبَيْعِهِ أَوْ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَمَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ مُضَمَّنُ الشَّهَادَةِ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ فَهَذَا التَّنْبِيهُ غَيْرُ صَحِيحٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَقَعَتْ النِّيَابَةُ فِيهِ قَالَ فَإِذَا جَعَلَ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ فَاعِلًا أَمْرًا فَإِنْ كَانَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُبَاشِرَهُ أَوْ لَا حَقَّ لَهُ فِي مُبَاشَرَتِهِ فَهُوَ أَمْرٌ، وَإِنْ صَحَّتْ مُبَاشَرَتُهُ، وَكَانَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ فَهُوَ نِيَابَةٌ فَجَعْلُ الْإِنْسَانِ غَيْرَهُ يَقْتُلُ رَجُلًا عَمْدًا عُدْوَانًا هُوَ أَمْرٌ لَا نِيَابَةٌ، وَجَعْلُهُ يَقْتُلُهُ قِصَاصًا نِيَابَةً، وَوَكَالَةً اهـ.
وَرُدَّ بِهَذَا عَلَى ابْنِ هَارُونَ الَّذِي أَبْطَلَ طَرْدَ تَعْرِيفِ ابْنِ الْحَاجِبِ الْوَكَالَةَ بِأَنَّهَا نِيَابَةٌ فِيمَا لَا تَتَعَيَّنُ الْمُبَاشَرَةُ بِالنِّيَابَةِ فِي الْمَعَاصِي كَالسَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ وَقَتْلِ الْعُدْوَانِ ثُمَّ نَاقَضَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ بِمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ مِنْ أَنَّ الْوَكَالَةَ الَّتِي هِيَ أَخَصُّ مِنْ النِّيَابَةِ تُعْرَضُ لَهَا الْحُرْمَةُ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ بِالْبَيْعِ الْحَرَامِ، وَهُوَ مَمْنُوعُ الْمُبَاشَرَةِ فَتَأَمَّلْهُ قَالَهُ الشَّيْخُ الْمُنَاوِيُّ اهـ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَرْقِ الْعَاشِرِ وَالْمِائَةِ تَوْضِيحُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ وَبَيْنَ مَا لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهِ، وَفِي الْفَرْقِ الْحَادِي وَالسَّبْعِينَ وَالْمِائَةِ مَا يُوَضِّحُهُ مِنْ الْمَسَائِلِ، وَبَقِيَ هُنَا مَسْأَلَةٌ، وَهِيَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ الْعَيْنِيَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُضُوعُ، وَالْخُشُوعُ، وَإِجْلَالُ الرَّبِّ ، وَإِظْهَارُ الْعُبُودِيَّةِ لَهُ لَا تَصِحُّ النِّيَابَةُ فِيهَا لِذَاتِهَا فَرْضًا أَوْ سُنَّةً أَوْ رَغِيبَةً أَوْ مَنْدُوبَةً لِعَدَمِ سُقُوطِهَا عَنْ الْمُسْتَنِيبِ إذَا فَعَلَهَا النَّائِبُ عَنْهُ لِفَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي طَلَبَهَا الشَّارِعُ حِينَئِذٍ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ خُضُوعِ الْوَكِيلِ خُضُوعُ الْمُوَكِّلِ، وَقَالَ عبق عَلَى خَلِيلٍ، وَأَمَّا النِّيَابَةُ عَلَى إيقَاعِهَا بِمَكَانٍ وَزَمَنٍ مَخْصُوصَيْنِ فَتَصِحُّ كَالْقَارِئِ مُطْلَقًا، وَكَنِيَابَةٍ فِي أَذَانٍ وَإِمَامَةٍ، وَنَحْوِهِمَا كَقِرَاءَةٍ بِمُصْحَفٍ بِمَكَانٍ مَخْصُوصٍ لِضَرُورَةٍ اهـ.
الْمُرَادُ قَالَ الْبُنَانِيُّ، وَفِي التَّوْضِيحِ فِي بَابِ الْحَجِّ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ أَجِيرَ الْحَجِّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْأُجْرَةِ إلَّا فِي الْحَجِّ، وَلَا يَقْضِي بِهَا دَيْنَهُ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ، وَأَنَّ ذَلِكَ جِنَايَةٌ مِنْهُ لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَافُ غَرَضِ الْمَيِّتِ الْمُوصِي كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي مُخْتَصَرِهِ بِقَوْلِهِ، وَجَنَى إنْ وَفَى دَيْنَهُ، وَمَشَى مَا نَصُّهُ، وَكَانَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْمَنُوفِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ، وَمِثْلُ هَذَا الْمَسَاجِدُ وَنَحْوُهَا يَأْخُذُهَا الْوَجِيهُ بِوَجَاهَتِهِ ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْ مُرَتَّبَاتِهَا شَيْئًا قَلِيلًا لِمَنْ يَنُوبُ عَنْهُ فَأَرَى أَنَّ الَّذِي أَبْقَاهُ لِنَفْسِهِ حَرَامٌ لِأَنَّهُ اتَّخَذَ عِبَادَةَ اللَّهِ مَتْجَرًا، وَلَمْ يُوفِ بِقَصْدِ صَاحِبِهَا إذْ مُرَادُهُ التَّوْسِعَةُ لِيَأْتِيَ الْأَجِيرُ بِذَلِكَ مَشْرُوحَ الصَّدْرِ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَأَمَّا إنْ اُضْطُرَّ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْإِجَارَةِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنِّي أَعْذُرُهُ لِضَرُورَتِهِ اهـ.
فَكَلَامُ الْمَنُوفِيِّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَمْرَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ النَّائِبَ مَعَ الضَّرُورَةِ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَعَ الْمَنُوبِ عَنْهُ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ. (الثَّانِي) أَنَّ النَّائِبَ مَعَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ مُسْتَحِقٌّ لِجَمِيعِ الْخَرَاجِ، وَصَرِيحُ كَلَامِ الْقَرَافِيِّ الْمُوَافَقَةُ لِلْمَنُوفِيِّ فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ
стр. 812
الْفَرْقُ بَيْنَ مَا هُوَ مُدْرَكٌ لِلتَّحَمُّلِ، وَمَا لَيْسَ بِمُدْرَكٍ مَعَ مُسَبِّبَاتِهِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى عَدَدِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْحَوَاسِّ فَقَطْ كَمَا يَعْتَقِدُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَلْ لَوْ أَفَادَتْ الْقَرَائِنُ الْقَطْعَ جَازَتْ الشَّهَادَةُ بِهَا فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِهِ)
اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْقَاضِي أَنَا أُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِأَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا عَنْ يَقِينٍ مِنِّي، وَعِلْمٍ فِي ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةً بَلْ هَذَا وَعْدٌ مِنْ الشَّاهِدِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ سَيُخْبِرُهُ بِذَلِكَ عَنْ يَقِينٍ فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْوَعْدِ، وَلَوْ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا كَانَ كَذِبًا لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ تَقَدُّمُ الْأَخْبَارِ مِنْهُ وَلَمْ يَقَعْ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْكَذِبِ لَا يَجُوزُ فَالْمُسْتَقْبَلُ وَعْدٌ، وَالْمَاضِي كَذِبٌ، وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَقَوْلِهِ أَنَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِهِ)
قُلْت هَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀ فَإِنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ مُعَيَّنَاتِ الْأَلْفَاظِ لَا فِي الْعُقُودِ وَلَا فِي غَيْرِهَا وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ قَالَ (اعْلَمْ أَنَّ أَدَاءَ الشَّهَادَةِ لَا يَصِحُّ بِالْخَبَرِ أَلْبَتَّةَ) قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ فِي أَوَّلِ فَرْقٍ مِنْ الْكِتَابِ حِكَايَةً عَنْ الْإِمَامِ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَالشَّهَادَةَ خَبَرَانِ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ وَلَا رَدَّهُ بَلْ جَرَى فِي مَسَاقِ كَلَامِهِ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ وَصِحَّتِهِ قَالَ (فَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لِلْقَاضِي أَنَا أُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي إلَى قَوْلِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ شَهَادَةٌ) قُلْت ذَلِكَ لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أُخْبِرُك وَلَمْ يَقُلْ أَشْهَدُ عِنْدَك قَالَ (بَلْ هَذَا وَعْدٌ مِنْ الشَّاهِدِ لِلْقَاضِي أَنَّهُ سَيُخْبِرُهُ بِذَلِكَ عَنْ يَقِينٍ فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ الْقَاضِي عَلَى هَذَا الْوَعْدِ) قُلْت وَمِنْ أَيْنَ يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ وَعْدٌ وَلَعَلَّهُ إنْشَاءُ أَخْبَارٍ فَيَكُونُ شَهَادَةً إذْ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ هُنَالِكَ قَرِينَةً تَقْتَضِي ذَلِكَ مِنْ حُضُورِ مَطَالِبٍ وَشَبَهِ ذَلِكَ فَمَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَ (وَلَوْ قَالَ قَدْ أَخْبَرْتُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا كَانَ كَذِبًا إلَى قَوْلِهِ فَالْمُسْتَقْبَلُ وَعْدٌ وَالْمَاضِي كَذِبٌ) قُلْت إنْ كَانَ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ مِنْهُ أَخْبَارٌ فَذَلِكَ كَذِبٌ كَمَا قَالَ قَالَ (وَكَذَلِكَ اسْمُ الْفَاعِلِ الْمُقْتَضِي لِلْحَالِ كَقَوْلِهِ أَنَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَمُخَالَفَتُهُ فِي الْأَمْرِ الثَّانِي، وَأَنَّ الِاسْتِنَابَةَ إذَا وَقَعَتْ مَعَ عَدَمِ الْغَدْرِ لَمْ يَكُنْ لِلنَّائِبِ، وَلَا لِلْمَنُوبِ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ خَرَاجِ الْوَقْفِ حَيْثُ قَالَ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةِ مَا نَصُّهُ إذَا وَقَفَ الْوَاقِفُ عَلَى مَنْ يَقُومُ بِوَظِيفَةِ الْإِمَامَةِ أَوْ الْأَذَانِ أَوْ الْخَطَابَةِ أَوْ التَّدْرِيسِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْ رِيعِ ذَلِكَ شَيْئًا إلَّا إذَا قَامَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ عَلَى مُقْتَضَى مَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ فَإِنْ اسْتَنَابَ غَيْرَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنْهُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْأَعْذَارِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا شَيْئًا مِنْ رِيعِ ذَلِكَ الْوَقْفِ أَمَّا النَّائِبُ فَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ اسْتِحْقَاقِهِ صِحَّةُ وِلَايَتِهِ، وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ تَكُونَ مِمَّنْ لَهُ النَّظَرُ، وَهَذَا الْمُسْتَنِيبُ لَيْسَ لَهُ نَظَرٌ إنَّمَا هُوَ إمَامٌ أَوْ مُؤَذِّنٌ أَوْ خَطِيبٌ أَوْ مُدَرِّسٌ فَلَا تَصِحُّ الْوِلَايَةُ الصَّادِرَةُ مِنْهُ، وَأَمَّا الْمُسْتَنِيبُ فَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا أَيْضًا بِسَبَبِ أَنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ فَإِنْ اسْتَنَابَ فِي أَيَّامِ الْأَعْذَارِ جَازَ لَهُ تَنَاوُلُ رِيعِ الْوَقْفِ، وَأَنْ يُطْلِقَ لِنَائِبِهِ مَا أَحَبَّ مِنْ ذَلِكَ الرِّيعِ اهـ.
وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُورِيُّ اهـ.
كَلَامُ الْبُنَانِيِّ بِتَصَرُّفٍ، وَفِي حَاشِيَةِ كنون قَالَ الشَّيْخُ الْمِسْنَاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَيَبْقَى النَّظَرُ فِيمَا يُعَدُّ عُذْرًا، وَيُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ شَرْعًا فَإِنَّ الْأَسْبَابَ الْعَارِضَةَ لِلْمَرْءِ مِنْهَا مَا تَتَعَذَّرُ مَعَهُ مُبَاشَرَةُ الْوَظِيفَةِ عَادَةً كَالْمَرَضِ الشَّدِيدِ وَالْحَبْسِ وَالْغَيْبَةِ الْجَبْرِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا تُمْكِنُ الْمُبَاشَرَةُ مَعَهُ بِتَرْكِ ذَلِكَ الْعَارِضِ غَيْرَ أَنَّ فِي تَرْكِهِ فَوَاتَ مَنْفَعَةٍ أَوْ تَرْتِيبَ مَضَرَّةٍ كَخُرُوجِ مَنْ لَا كَافِيَ لَهُ إلَى مُطَالَعَةِ ضَيْعَتِهِ أَوْ تَفَقُّدِ بَعْضِ شُئُونِهِ أَوْ شُهُودِ وَلِيمَةٍ دُعِيَ إلَيْهَا فِي وَقْتِ الْوَظِيفَةِ أَوْ تَشْيِيعِ جِنَازَةِ قَرِيبٍ أَوْ صِدِّيقٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا تُمْكِنُ مَعَهُ أَيْضًا مَعَ عَدَمِ تَرَتُّبِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَقَصْدِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَكَتَعَاطِي أَسْبَابِ غَيْرِ حَاجِيَّتِهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ دُونَ الثَّالِثِ كَمَا يَدُلُّ لَهُ مَا نَقَلَهُ فِي آخِرِ نَوَازِلِ الصَّلَاةِ مِنْ الْمِعْيَارِ عَنْ إمَامَيْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ مِنْ قَوْلِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَسْتَنِيبُ إلَّا لِعُذْرٍ جَرَتْ الْعَادَةُ بِالِاسْتِنَابَةِ فِيهِ كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ، وَقَوْلُ الثَّانِي لِعُذْرٍ لَا يُعَدُّ بِسَبَبِهِ مُقَصِّرًا، وَمَا نَقَلَهُ أَيْضًا فِي أَثْنَاءِ نَوَازِلِ الْحَبْسِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبْدُوسِيِّ مِنْ تَمْثِيلِهِ لِلْعُذْرِ بِالْخُرُوجِ إلَى الضَّيْعَةِ، وَانْظُرْ السَّفَرَ لِلزِّيَارَةِ هَلْ هُوَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّالِثِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ أَوْ مِنْ الثَّانِي لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ اهـ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُتَوَلِّيَ الْوَظِيفَةِ إذَا عَطَّلَهَا رَأْسًا بِأَنْ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِيَامَ بِهَا بِنَفْسِهِ، وَلَا اسْتَنَابَ فِيهَا مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ لَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تَكُونَ الْمُدَّةُ كَثِيرَةً أَوْ يَسِيرَةً، وَالْحُكْمُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَقُّ الْمُرَتَّبُ
стр. 813
مُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ اتِّصَافِهِ بِالْخَبَرِ لِلْقَاضِي، وَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ إنَّمَا وَقَعَ الْإِخْبَارُ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ فَظَهَرَ أَنَّ الْخَبَرَ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ قَالَ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ فَسَمِعْته يُقِرُّ بِكَذَا أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا أَوْ شَهِدْتُ بَيْنَهُمَا بِصُدُورِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ لَا يَكُونُ هَذَا أَدَاءَ شَهَادَةٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ أَنَّ هَذَا مُخْبِرٌ عَنْ أَمْرٍ تَقَدَّمَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَدْ اطَّلَعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا مَنَعَ مِنْ الشَّهَادَةِ بِهِ مِنْ فَسْخٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ حُدُوثِ رِيبَةٍ لِلشَّاهِدِ تَمْنَعُ الْأَدَاءَ فَلَا يَجُوزُ لِأَجْلِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ الِاعْتِمَادُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إذَا صَدَرَ مِنْ الشَّاهِدِ فَالْخَبَرُ كَيْفَمَا تَقَلَّبَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْأَخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا، وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ، وَلِذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
مُخْبِرُك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ اتِّصَافِهِ بِالْخَبَرِ لِلْقَاضِي وَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي الْحَالِ إنَّمَا وَقَعَ الْإِخْبَارُ عَنْ هَذَا الْخَبَرِ) .
قُلْت هَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَفْهَمُ مُقْتَضَى الْكَلَامِ وَكَيْفَ لَا يَكُونُ مَنْ يَقُولُ لِلْقَاضِي أَنَا أُخْبِرُك بِأَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا مُخْبِرًا لِلْقَاضِي أَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارًا بَلْ مُخْبِرًا بِأَنَّهُ مُخْبِرٌ وَهَلْ الْعِبَارَةُ عَنْ إخْبَارِهِ عَنْ الْخَبَرِ إلَّا عَيْنَ تِلْكَ، وَهِيَ أَنَا مُخْبِرُك أَنِّي مُخْبِرُك لَا أَنَا مُخْبِرُك بِكَذَا، هَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ لَا يَفُوهُ بِهِ مَنْ يَفْهَمُ شَيْئًا مِنْ مُضَمَّنَاتِ الْأَلْفَاظِ وَمُقْتَضَى مَسَاقِهَا قَالَ (فَظَهَرَ أَنَّ الْخَبَرَ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ) قُلْت لَمْ يَظْهَرْ مَا قَالَهُ أَصْلًا وَلَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ وَلَا حَالٍ قَالَ (وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ الْحَاكِمُ لِلشَّاهِدِ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ قَالَ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ فَسَمِعْته يُقِرُّ بِكَذَا وَأَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا أَوْ شَهِدْت بَيْنَهُمَا بِصُدُورِ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعُقُودِ لَا يَكُونُ هَذَا أَدَاءَ شَهَادَةٍ إلَى قَوْلِهِ فَالْخَبَرُ كَيْفَمَا تَقَلَّبَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ) قُلْت إذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ الشَّاهِدِ حَضَرْت عِنْدَ فُلَانٍ فَسَمِعْته يُقِرُّ بِكَذَا أَوْ أَشْهَدَنِي عَلَى نَفْسِهِ بِكَذَا بَعْدَ قَوْلِ الْقَاضِي لَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ تَشْهَدُ شَهَادَةً فَلَا أَدْرِي بِأَيِّ لَفْظٍ تُؤَدَّى الشَّهَادَةُ وَمَا هَذَا كُلُّهُ إلَّا تَخْلِيطٌ وَوَسْوَاسٌ لَا يَصِحُّ مِنْهُ شَيْءٌ أَلْبَتَّةَ قَالَ (بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إنْشَاءِ الْأَخْبَارِ عَنْ الْوَاقِعَةِ الْمَشْهُودِ بِهَا) قُلْت يَا لِلْعَجَبِ وَهَلْ إنْشَاءُ الْأَخْبَارِ إلَّا الْإِخْبَارَ بِعَيْنِهِ قَالَ (وَالْإِنْشَاءُ لَيْسَ بِخَبَرٍ إلَى قَوْلِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ) قُلْت مِنْ هُنَا دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَهْمُ وَهُوَ أَنَّهُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْإِنْشَاءِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمَجْعُولُ لِمُتَوَلِّيهَا إلَّا فِي صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ قِيَامِهِ بِهَا لِعُذْرٍ لَا يُعَدُّ بِسَبَبِهِ مُقَصِّرًا عَادَةً، وَالْمُدَّةُ مَعَ ذَلِكَ يَسِيرَةٌ عُرْفًا كَمَا أَفَادَهُ السَّيِّدُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَبْدُوسِيُّ فِي جَوَابٍ لَهُ مَذْكُورٍ فِي الْمِعْيَارِ، وَنَصُّهُ قَالَ عُلَمَاؤُنَا كُلُّ مَنْ جُعِلَ لَهُ مُرَتَّبٌ عَلَى قِرَاءَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الْمُرَتَّبَ كَالْأَجِيرِ عَلَى شَيْءٍ لَا يَقُومُ بِحَقِّ الْمَنْفَعَةِ الْمُسْتَأْجَرِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأُجْرَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا عَطَّلَ مُدَّةً يَسِيرَةً كَخُرُوجِهِ إلَى ضَيْعَتِهِ، وَتَفَقُّدِ شُئُونِهِ أَوْ يَمْرَضُ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْأُجْرَةُ اهـ.
وَمَثَّلَ لِلْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ فِي جَوَابٍ لَهُ آخَرَ مَذْكُورٍ فِيهِ أَيْضًا بِالْجُمْلَةِ وَنَحْوِهَا، وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ فَتُّوحٍ اُنْظُرْ الْقَوْلَ الْكَاشِفَ اهـ.
بِلَفْظِهَا، وَقَدْ قَدَّمْت فِي الْفَرْقِ الْخَامِسَ عَشَرَ وَالْمِائَةِ عَنْ الشَّيْخِ مَنْصُورٍ الْحَنْبَلِيِّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْإِقْنَاعِ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ جَوَازُ اسْتِنَابَةِ الْأَجِيرِ فِي مِثْلِ تَدْرِيسٍ وَإِمَامَةٍ وَخَطَابَةٍ وَنَحْوِهَا جَائِزَةٌ، وَلَوْ نَهَى الْوَاقِفُ عَنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ النَّائِبُ مِثْلَ مُسْتَنِيبِهِ فِي كَوْنِهِ أَهْلًا لِمَا اُسْتُنِيبَ فِيهِ فَلَا تَغْفُلْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) فِي حَاشِيَةِ الرَّهُونِيِّ عَلَى عبق مَا نَصَّهُ ابْنُ يُونُسَ الْأَصْلُ فِي جَوَازِ الْوَكَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف: ١٩] وَقَوْلُهُ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] وَالْأَوْصِيَاءُ كَالْوُكَلَاءِ، وَمِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، وَجَعَلَ وَكِيلُهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ فَاشْتَرَى شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ فَبَاعَ وَاحِدَةً بِدِينَارٍ فَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَرَكَةِ» ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ لِلْمَرِيضِ وَالْغَائِبِ وَالْحَاضِرُ مِثْلُ ذَلِكَ اهـ مِنْهُ بِلَفْظِهِ اهـ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُهُ]
(الْفَرْقُ السَّابِعَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُوجِبُهُ) أَقُولُ هَذَا الْفَرْقُ مُكَرَّرٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ الْحَادِي عَشَرَ وَالْمِائَةِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُضْمَنُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُضْمَنُ.
وَقَدْ وَضَّحْته هُنَاكَ أَتَمَّ تَوْضِيحٍ، وَضَمَمْت مَا زَادَهُ هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ هُنَاكَ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ، وَغَيْرِهِ لَكِنَّهُ ذَكَرَ هُنَا مَسْأَلَتَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْفَرْقِ، وَلَمْ أَذْكُرْهَا هُنَاكَ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) مَشْهُورُ مَذْهَبِنَا الَّذِي حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى الْغَاصِبِ يَوْمَ الْغَصْبِ دُونَ مَا بَعْدَهُ، وَأَنَّ صَدَاقَ الْمِثْلِ يَجِبُ لِلْمَوْطُوءَةِ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَوَّلَ يَوْمِ الشُّبْهَةِ دُونَ مَا بَعْدَهُ، وَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ، وَحُجَّتُنَا فِي الْغَصْبِ أُمُورٌ ثَلَاثَةٌ: (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ، وَهِيَ أَنَّ تَرْتِيبَ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ -
стр. 814
فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ عِنْدَك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا كَانَ إنْشَاءً، وَلَوْ قَالَ شَهِدْت لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً عَكْسُهُ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ أَبِيعُك لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ بَلْ إخْبَارَتُهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ بَيْعٌ بَلْ وَعْدٌ بِالْبَيْعِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ قَالَ بِعْتُك كَانَ إنْشَاءً لِلْبَيْعِ فَالْإِنْشَاءُ فِي الشَّهَادَةِ بِالْمُضَارِعِ، وَفِي الْعُقُودِ بِالْمَاضِي، وَفِي الطَّلَاقِ بِالْمَاضِي، وَاسْمُ الْفَاعِلِ نَحْوُ أَنْتِ طَالِقٌ، وَأَنْتَ حُرٌّ، وَلَا يَقَعُ الْإِنْشَاءُ فِي الْبَيْعِ، وَالشَّهَادَةِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، وَلَوْ قَالَ أَنَا شَاهِدٌ عِنْدَك بِكَذَا، وَأَنَا بَائِعُك بِكَذَا لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً، وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ فَمَا وَضَعَهُ أَهْلُ الْعُرْفِ لِلْإِنْشَاءِ كَانَ إنْشَاءً، وَمَا لَا فَلَا فَاتَّفَقُوا أَنَّهُمْ وَضَعُوا لِلْإِنْشَاءِ الْمَاضِيَ فِي الْعُقُودِ وَالْمُضَارِعَ فِي الشَّهَادَةِ وَاسْمَ الْفَاعِلِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَوْضُوعَةً لِلْإِنْشَاءِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ صَحَّ مِنْ الْحَاكِمِ اعْتِمَادُهُ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ صَرِيحٌ فِيهِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّرِيحِ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى غَيْرِ الصَّرِيحِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ مِنْهُ فَإِنْ اتَّفَقَ أَنَّ الْعَوَائِدَ تَغَيَّرَتْ.
وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضُوعًا لِإِنْشَاءِ الشَّهَادَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
عَلَى جَمِيعِ الْكَلَامِ وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْخَبَرُ وَأَطْلَقَ لَفْظَ الْإِنْشَاءِ عَلَى قَسِيمِ الْخَبَرِ ثُمَّ تَخَيَّلَ أَنَّهُ أَطْلَقَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ فَحَكَمَ بِأَنَّ الْإِنْشَاءَ لَا يَدْخُلُهُ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي الْإِنْشَاءِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ الْخَبَرِ وَغَيْرُ صَحِيحٍ فِي الْإِنْشَاءِ الَّذِي هُوَ إنْشَاءُ الْخَبَرِ وَأَنْ يَكُونَ وَعْدًا بِأَنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَهُ لَا أَعْلَمُ لَهُ مَا الْخَبَرُ.
قَالَ (فَإِذَا قَالَ الشَّاهِدُ أَشْهَدُ عِنْدَك أَيُّهَا الْقَاضِي بِكَذَا كَانَ إنْشَاءً) قُلْت وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَعْدًا بِأَنَّهُ سَيَشْهَدُ عِنْدَهُ لَا أَعْلَمُ لَهُ مَانِعًا إلَّا التَّحَكُّمَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ لَفْظِ الْخَبَرِ وَلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَهَذَا كُلُّهُ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ قَالَ (وَلَوْ قَالَ شَهِدْت لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً عَكْسُهُ فِي الْبَيْعِ لَوْ قَالَ أَبِيعُك لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً إلَى قَوْلِهِ وَلَوْ قَالَ أَنَا شَاهِدٌ عِنْدَك بِكَذَا أَوْ أَنَا بَائِعُك بِكَذَا لَمْ يَكُنْ إنْشَاءً) قُلْت لَقَدْ كَلَّفَ هَذَا الرَّجُلَ نَفْسَهُ شَطَطًا وَأَلْزَمَهَا مَا لَمْ يُلْزِمْهَا كَيْفَ وَهُوَ مَالِكِيٌّ وَالْمَالِكِيَّةُ يُجِيزُونَ الْعُقُودَ بِغَيْرِ لَفْظٍ أَصْلًا فَضْلًا عَنْ لَفْظٍ مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ حَيْثُ يَشْتَرِطُونَ مُعَيِّنَاتِ الْأَلْفَاظِ قَالَ (وَسَبَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الْوَضْعُ الْعُرْفِيُّ إلَى قَوْلِهِ وَفِي الْفَرْقِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مُسَلَّمٌ وَصَحِيحٌ إلَّا قَوْلَهُ أَرَادَ الشَّهَادَةَ بِالْإِنْشَاءِ لَا بِالْخَبَرِ فَإِنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّهَادَةَ خَبَرٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْهُ الْغَلَطُ وَالْوَهْمُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ صَحِيحٌ أَوْ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُ نَقْلٌ وَتَرْجِيحٌ وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي قَوْلِهِ «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تَرُدَّهُ» قَدْ رَتَّبَ الضَّمَانَ عَلَى الْأَخْذِ بِالْيَدِ فَيَكُونُ الْأَخْذُ بِالْيَدِ هُوَ سَبَبُ الضَّمَانِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ مَا أَخَذَتْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ كَمَا يَدُلُّ قَوْلُنَا: عَلَى الزَّانِي الرَّجْمُ، وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعُ عَلَى سَبَبِيَّةِ هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّ غَيْرَ الْأَخْذِ بِالْيَدِ سَبَبًا بَعْدَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ سَبَبِيَّةِ غَيْرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ مَا ذُكِرَ. (الْأَمْرُ الثَّانِي) الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ الْفِقْهِيَّةُ، وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ تَرَتُّبُ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ فَيَتَرَتَّبُ حِينَ وَضْعِ الْيَدِ لَا مَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْمَضْمُونُ لَا يُضْمَنُ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ. (الْأَمْرُ الثَّالِثُ) الْقِيَاسُ عَلَى حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فَإِنَّهَا كَمَا لَا تُضْمَنُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَذَلِكَ لَا يُضْمَنُ الْمَغْصُوبُ بَعْدَ يَوْمِ الْغَصْبِ، وَحُجَّتُنَا فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ إمَّا الْقِيَاسُ عَلَى الْغَصْبِ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَإِمَّا لِأَنَّ الصَّدَاقَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ بِالْوَطْأَةِ الْأُولَى.
وَالْأَصْلُ عَدَمُ انْتِقَالِهِ، وَمَا قَالَ أَحَدٌ بِوُجُوبِ صَدَاقَيْنِ، وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فِيهِمَا فَقَالَ تُعْتَبَرُ فِي الْمَغْصُوبِ الْأَحْوَالُ كُلُّهَا، وَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ أَعْلَى الْقِيَمِ، وَيُعْتَبَرُ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ أَعْلَى الرُّتَبِ فَيَجِبُ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ فِي أَشْرَفِ أَحْوَالِهَا كَمَا يَجِبُ أَعْلَى الْقِيَمِ فِي الْغَصْبِ، وَوَافَقَهُ فِي تَضْمِينِ أَعْلَى الْقِيَمِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَّا أَنَّ الْجَمَاعَةَ مِنْ الْأَصْحَابِ اعْتَبَرُوا الْأَخْذَ بِأَرْفَعِ الْقِيَمِ فِي حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ حَكَى اللَّخْمِيُّ عَنْ أَشْهَبَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ أَخْذَ أَرْفَعِ الْقِيَمِ إذَا حَالَتْ الْأَسْوَاقُ وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَعْتَبِرْ التَّضْمِينَ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ كَمَا عَلِمْت، وَقَدْ يُفَرَّقُ لَهُ بَيْنَ حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ وَزِيَادَةُ صِفَاتِ السِّلَعِ بِأَنَّ الْحَوَالَةَ وَالْأَسْوَاقَ رَغَبَاتُ النَّاسِ، وَهِيَ بَيْنَ النَّاسِ خَارِجَةٌ عَنْ السِّلَعِ فَلَا تُضْمَنُ بِخِلَافِ زِيَادَةِ صِفَاتِهَا، وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي مَسَائِلَ: (مِنْهَا) مَا إذَا غَصَبَهَا ضَعِيفَةً مُشَوَّهَةً مَعِيبَةً بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعُيُوبِ فَزَالَتْ تِلْكَ الْعُيُوبُ عِنْدَهُ فَعِنْدَنَا الْقِيمَةُ الْأُولَى، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الثَّانِيَةُ لِأَنَّهَا أَعْلَى، وَعَلَى مَذْهَبِهِ لَوْ تَعَلَّمَ الْعَبْدُ صَنْعَةً ثُمَّ نَسِيَهَا ضَمِنَهَا الْغَاصِبُ، وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) بِأَنَّ الْغَاصِبَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَأْمُورٌ بِالرَّدِّ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِرَدِّ الزِّيَادَةِ فَمَا لَمْ يَرُدَّهَا يَكُونُ غَاصِبًا لَهَا فَيَضْمَنُهَا.
(الثَّانِي) أَنَّ الزِّيَادَةَ نَشَأَتْ عَنْ مِلْكِهِ، وَفِي مِلْكِهِ فَتَكُونُ مِلْكَهُ، وَيَدُ الْعُدْوَانِ عَلَيْهَا فَتَكُونُ مَغْصُوبَةً فَيَضْمَنُ كَالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ. (الثَّالِثُ) أَنَّهُ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ ظَالِمٌ، وَالظُّلْمُ عِلَّةُ الضَّمَانِ فَيَضْمَنُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوُجُوهَ الثَّلَاثَةَ، وَإِنْ كَانَتْ مُسَلَّمَةً إلَّا أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهَا سَبَبُ الضَّمَانِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْأَمْرِ، وَلَا مِنْ الظُّلْمِ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا الضَّمَانُ لِعَدَمِ نَصْبِهَا شَرْعًا سَبَبًا لَهُ، وَالْأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ تَفْتَقِرُ إلَى نَصْبٍ شَرْعِيٍّ، وَلَفْظُ صَاحِبِ الشَّرْعِ إنَّمَا اقْتَضَى
стр. 815
وَالْمُضَارِعُ لِإِنْشَاءِ الْعُقُودِ جَازَ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا صَارَ مَوْضُوعًا لِلْإِنْشَاءِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ فَتَلَخَّصَ لَك أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَاشِئٌ عَنْ الْعَوَائِدِ، وَتَابِعٌ لَهَا، وَأَنَّهُ يَنْقَلِبُ وَيُنْتَسَخُ بِتَغَيُّرِهَا وَانْتِقَالِهَا فَلَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ خَفَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ أَنْ تُؤَدَّى بِهِ الشَّهَادَةُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ بِهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، وَفِي الْفَرْقِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) الشَّهَادَةُ قِسْمَانِ تَارَةٌ يَكُونُ مَقْصِدُهَا مُجَرَّدُ الْإِثْبَاتِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ نَحْوُ أَشْهَدُ أَنَّهُ بَاعَ وَنَحْوُهُ، وَتَارَةً يَكُونُ الْمَقْصُودُ الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ الْحَصْرُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِمَا فِي الْعِبَارَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي التَّهْذِيبِ لَا يَكْفِي أَنَّهُ ابْنٌ لِلْمَيِّتِ حَتَّى يَقُولُوا فِي حَصْرِ الْوَرَثَةِ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الدَّارُ لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ حَتَّى يَقُولُوا، وَلَا نَعْلَمُ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْمَوْتِ حَتَّى يُحْكَمَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ.
فَإِنْ قَالُوا هَذَا وَارِثٌ مَعَ وَرَثَةٍ آخَرِينَ أَعْطَى هَذَا نَصِيبَهُ وَتَرَكَ الْبَاقِيَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ مُسْتَحِقُّهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ يَدِهِ، وَلِأَنَّ الْغَائِبَ قَدْ يُقِرُّ لَهُ بِهَا قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، وَعَنْ مِلْكٍ يُنْزَعُ مِنْ الْمَطْلُوبِ.
وَيُوقَفُ لِتَيَقُّنِهَا أَنَّهَا لِغَيْرِهِ فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْرِفُ عَدَدَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَقْضِ لِهَذَا بِشَيْءٍ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَسْمِيَةِ الْوَرَثَةِ، وَتَبْقَى الدَّارُ بِيَدِ صَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى يَثْبُتَ عَدَدُ الْوَرَثَةِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ لِنَقْضِ الْقِسْمَةِ وَتَشْوِيشِ الْأَحْكَامِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ يَقُولُ فُلَانٌ وَارِثٌ أَوْ هَذَا الْعَبْدُ لَهُ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَلَا يَدْرِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِالنَّفْيِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بَلْ يَقُولُ لَا أَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَ، وَلَا وَهَبَ قَالَهُ مَالِكٌ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَجُوزُ إلَّا الْجَزْمُ بِأَنْ يَقُولَ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِغَيْرِ الْجَزْمِ لَا تَجُوزُ قَالَ وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَظْهَرُ، وَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ لَمْ يُسْمَعْ حَتَّى يَقُولَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِي، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَمْسِ ثَبَتَ الْقَرَارُ، وَاسْتُصْحِبَ مُوجِبُهُ، وَلَوْ قَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ مِلْكُهُ بِالْأَمْسِ نُزِعَ مِنْ يَدِهِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ تَحْقِيقٍ فَيُسْتَصْحَبُ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ هُوَ مِلْكُهُ بِالْأَمْسِ بِشِرَاءٍ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ لَمْ يُفِدْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَلَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ غَصَبَهُ جَعَلَ الْمُدَّعِي صَاحِبَ الْيَدِ، وَلَوْ اُدُّعِيَتْ مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدَتْ بِالْمِلْكِ وَالسَّبَبِ لَمْ يَضُرَّ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ شَهِدُوا بِالْأَرْضِ وَلَمْ يَحُدُّوهَا وَشَهِدَ آخَرُونَ بِالْحُدُودِ دُونَ الْمِلْكِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ لَوْ شَهِدُوا بِالْأَرْضِ، وَلَمْ يَحُدُّوهَا، وَشَهِدَ آخَرُونَ بِالْحُدُودِ دُونَ الْمِلْكِ قَالَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
سَبَبِيَّةَ وَضْعِ الْيَدِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِسَبَبٍ فَلَا بُدَّ لِسَبَبِيَّةِ غَيْرِهِ مِنْ دَلِيلٍ، وَلَمْ يُوجَدْ وَضْعُ الْيَدِ فِي أَثْنَاءِ الْغَصْبِ بَلْ اسْتِصْحَابُهَا، وَاسْتِصْحَابُ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ بِدَلِيلِ نَظَائِرَ: (مِنْهَا) أَنَّ اسْتِصْحَابَ النِّكَاحِ لَا يَقُومُ مَقَامَ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لِصِحَّتِهِ مَعَ الِاسْتِبْرَاءِ، وَالْعَقْدُ لَا يَصِحُّ مَعَ الِاسْتِبْرَاءِ. (وَمِنْهَا) أَنَّ الطَّلَاقَ يُوجِبُ تَرَتُّبَ الْعِدَّةِ عَقِيبَهُ، وَاسْتِصْحَابُهُ لَا يُوجِبُ عِدَّةً. (وَمِنْهَا) وَضْعُ الْيَدِ عُدْوَانًا يُوجِبُ التَّفْسِيقَ، وَالتَّأْثِيمَ، وَلَوْ جُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهِيَ تَحْتَ يَدِهِ لَمْ يَأْثَمْ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَفْسُقْ. (وَمِنْهَا) ابْتِدَاءُ الْعِبَادَةِ يُشْتَرَطُ فِيهَا النِّيَّاتُ، وَغَيْرُهَا مِنْ التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ، وَدَوَامُهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذَلِكَ فَعَلِمْنَا أَنَّ اسْتِصْحَابَ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَقُومَ مَقَامَهُ لَا سِيَّمَا، وَسَبَبُ الضَّمَانِ هُوَ الْأَخْذُ عُدْوَانًا، وَلَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ بَعْد زَمَن الْأَخْذِ أَنَّهُ أَخَذَ الْآنَ إلَّا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْأَخْذِ تَجْرِي مَجْرَى الْمُنَاوَلَةِ، وَالْحَرَكَاتُ الْخَاصَّةِ لَا يَصْدُقُ شَيْءٌ مِنْهَا مَعَ الِاسْتِصْحَابِ فَعُلِمَ أَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ مَنْفِيٌّ فِي زَمَنِ الِاسْتِصْحَابِ قَطْعًا، وَنَحْنُ إنَّمَا نَضْمَنُهُ الْآنَ بِسَبَبٍ مُتَقَدِّمٍ لَا بِمَا هُوَ حَاصِلٌ الْآنَ فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرُوهُ، وَأَنَّ الْقِيمَةَ إنَّمَا هِيَ يَوْمَ الْغَصْبِ زَادَتْ الْعَيْنُ أَوْ نَقَصَتْ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) اخْتَلَفَتْ الْمَذَاهِبُ وَتَشَعَّبَتْ الْآرَاءُ، وَطُرُقُ الِاجْتِهَادِ فِيمَا إذَا ذَهَبَ جُلُّ مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ كَقَطْعِ ذَنَبِ بَغْلَةِ الْقَاضِي، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعِنْدَنَا يَضْمَنُ الْجَمِيعَ فِي جَمِيعِ صُوَرِ ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄ لَيْسَ لَهُ فِي جَمِيعِ صُوَرِ ذَلِكَ إلَّا مَا نَقَصَ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مَا بَقِيَ عَلَى مِلْكِهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِي الْعَبْدِ، وَالثَّوْبِ كَقَوْلِنَا فِي الْأَكْثَرِ فِي أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ النِّصْفُ أَوْ الْأَقَلُّ بِاعْتِبَارِ الْمَنْفَعَةِ عَادَةً فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا نَقَصَ، وَقَالَ فَإِنْ قَلَعَ عَيْنَ الْبَهِيمَةِ فَرُبْعُ الْقِيمَةِ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ عِنْدَهُمْ أَنْ لَا يَضْمَنَ إلَّا النَّقْصَ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِ هَذَا الْقَوْلِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالْأَكْلِ وَالرُّكُوبِ مَعًا، وَعَلَيْهِ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ دُونَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالرُّكُوبِ فَقَطْ، وَعَلَيْهِ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ لِلْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ أَيْضًا فَيَضْمَنُ رُبْعَ الْقِيمَةِ فَإِذَا قَطَعَ يَدَيْ الْعَبْدِ أَوْ رِجْلَيْهِ فَأَبُو حَنِيفَةَ يُوَافِقُنَا فِي تَخْيِيرِ السَّيِّدِ بَيْنَ تَسْلِيمِ الْعَبْدِ، وَأَخْذِ الْقِيمَةِ كَامِلَةً وَبَيْنَ إمْسَاكِهِ، وَلَا شَيْءَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ تَتَعَيَّنُ الْقِيمَةُ كَامِلَةً، وَلَا يَلْزَمُ تَسْلِيمُ الْعَبْدِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَعْنِي مَسْأَلَةَ قَطْعِ ذَنَبِ بَغْلَةِ الْقَاضِي، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ خِلَافُهُمْ فِي الْمِلْكِ هَلْ يُضَافُ لِلضَّمَانِ وَسَبَبِهِ مَعًا، وَهُوَ قَوْلُ الْمُخَالِفِ فَلِذَا قَالَ الضَّمَانُ الَّذِي سَبَبُهُ عُدْوَانٌ لَا يُوجِبُ مِلْكًا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّغْلِيطِ لَا سَبَبٌ لِلرِّفْقِ أَوْ يُضَافُ لِلضَّمَانِ فَقَطْ لَا لِسَبَبِهِ، وَهُوَ قَوْلُنَا وَعَلَيْهِ فَالضَّمَانُ قَدْرٌ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ الْعُدْوَانِ وَغَيْرِهِ، وَبَسْطُ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى
стр. 816
مَالِكٌ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ، وَقَضَى بِهِمْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَجْمُوعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنْ شَهِدَتْ بِغَصْبِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يَحُدُّوهَا قِيلَ لِلْمُدَّعِي حَدِّدْ مَا غُصِبَ مِنْك، وَاحْلِفْ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْحَقِّ، وَقَالَتْ لَا نَعْرِفُ عَدَدَهُ قِيلَ لِلْمَطْلُوبِ قِرْ بِحَقٍّ وَاحْلِفْ عَلَيْهِ فَتُعْطِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْك غَيْرَهُ فَإِنْ جَحَدَ قِيلَ لِلطَّالِبِ إنْ عَرَفْته احْلِفْ عَلَيْهِ وَخُذْهُ فَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ أَوْ أَعْرِفُهُ، وَلَا أَحْلِفُ عَلَيْهِ سُجِنَ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يُقِرَّ بِالشَّيْءِ، وَيَحْلِفَ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ عَلَيْهِ أُخِذَ الْمُقِرُّ بِهِ، وَحُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي دَارٍ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا يُحِسُّ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالَ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى.
وَعَنْ مَالِكٍ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِنِسْيَانِ الْعَدَدِ وَجَهْلِهِ لِأَنَّهُ نَقْضٌ فِي الشَّهَادَةِ قَالَ الْبَاجِيَّ نِسْيَانُ بَعْضِ الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ ذَلِكَ الْبَعْضِ إلَّا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ وَالْحِسّ الْإِقْرَارُ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ حِفْظُهُ بَلْ مُرَاعَاةُ الشَّهَادَةِ فِي آخِرِهِ، وَكَذَلِكَ سِجِلَّاتُ الْحَاكِمِ لَا يَلْزَمُ حِفْظُهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا عَلِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ.
[الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ]
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى النَّفْيِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فَإِنَّ النَّفْيَ قَدْ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ أَوْ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَحْصِ، وَقَدْ يَعْرَى عَنْهُمَا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ اتِّفَاقًا كَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ أَفْرُسٌ، وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ يَقَعُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ مَعَ الْقَطْعِ مَطْلَبٌ آخَرُ (وَالثَّانِي) نَحْوَ الشَّهَادَةِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا التَّفْلِيسُ، وَحَصَرُ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ الْحَاصِلَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الْغَالِبُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَقْلًا حُصُولُ الْمَالِ لِلْمُفْلِسِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ، وَحُصُولُ وَارِثٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَمِنْ هَاهُنَا قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَمِنْهَا قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمٌ آخِرُهُ وَاوٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ نَحْوُ أَنَّ زَيْدًا مَا وَفَّى الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ أَوْ مَا بَاعَ سِلْعَتَهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَفْيٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي النَّفْيِ الْمُنْضَبِطِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقْتُلْ عَمْرًا أَمْسِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ فِي الْبَيْتِ أَوْ أَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ لِأَنَّهُ رَآهُ فِي الْبَلَدِ فَهَذِهِ كُلُّهَا شَهَادَةٌ صَحِيحَةٌ بِالنَّفْيِ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ غَيْرُ الْمُنْضَبِطِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَيَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ مِنْ النَّفْيِ، وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ مِنْهُ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَنَا وُجُوهٌ (الْأَوَّلُ) أَنْ نَقُولَ إنَّهُ أَتْلَفَ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ فَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ قَتَلَهَا أَمَّا أَنَّهُ أَتْلَفَ الْمَنْفَعَةَ الْمَقْصُودَةَ فَلِأَنَّ ذَا الْهَيْئَةِ إذَا قُطِعَ ذَنَبُ بَغْلَتِهِ لَا يَرْكَبُهَا بَعْدُ، وَالرُّكُوبُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَأَمَّا قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى قَتْلِهَا فَلِأَنَّهُ إذَا قَتَلَهَا ضَمِنَهَا اتِّفَاقًا مَعَ بَقَاءِ انْتِفَاعِهِ بِإِطْعَامِهَا لِكِلَابِهِ وَبُزَاتِهِ، وَبِدَبْغِ جِلْدِهَا فَيَنْتَفِعُ بِهِ أَوْ بِغَيْرِ دِبَاغٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ غَيْرِ الْمَقْصُودَةِ عَادَةً فَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنْ الضَّمَانِ عَلِمْنَا أَنَّ الضَّمَانَ مُضَافٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا مِنْهَا، وَهُوَ ذَهَابُ الْمَقْصُودِ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الْحُكْمِ عَمَلًا بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجِبِ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ عَسَلًا وَشَيْرَجًا وَنَشًا فَعَقَدَ الْجَمِيعُ فَالُوذَجًا ضَمِنَ عِنْدَهُمْ مَعَ بَقَاءِ مَنَافِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْمَالِيَّةِ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ لَوْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبَقَ أَوْ حِنْطَةً فَبَلَّهَا بَلَلًا فَاحِشًا ضَمِنَ عِنْدَهُمْ مَعَ بَقَاءِ التَّقَرُّبِ فِي الْأَوَّلِ بِالْعِتْقِ وَبَقَاءِ الْمَالِيَّةِ فِي الثَّانِي لَكِنْ جُلُّ الْمَقْصُودِ ذَهَبَ فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَكَمَا أَنَّهُ فِي الْآبِقِ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْعَيْنِ، وَفِي الْحِنْطَةِ أَفْسَدَهَا عَلَيْهِ نَاجِزًا بِالْبَلَلِ لِتَدَاعِي الْفَسَادِ إلَيْهَا بِهِ كَذَلِكَ صُورَةُ النِّزَاعِ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَقْصُودِهِ، وَأَفْسَدَهُ عَلَيْهِ نَاجِزًا مَعَ إمْكَانِ تَجْفِيفِ الْحِنْطَةِ، وَعَمَلِهَا سَوِيقًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَنَافِعِ، وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ: (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وَالِاعْتِدَاءُ حَصَلَ فِي الْبَعْضِ فَتَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْبَعْضِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ مُقْتَضَى أَنَّ تَقْوِيمَ الْمُتْلَفَاتِ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ بَلْ إنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ أَنْ تَكُونَ الْجَنَابَةُ فِي بَغْلَةِ الْقَاضِي أَوْ الْأَمِيرِ مِثْلُهَا فِي غَيْرِهَا كَمَا لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدِهِ أَوْ دَارِهِ فِي عَدَمِ لُزُومِ قِيمَةِ الْجَمِيعِ بَلْ الْبَعْضِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قَطَعَ ذَنَبَ حِمَارِ التَّرَّابِ أَوْ خَرَقَ ثَوْبَ الْحَطَّابِ لَمْ يَلْزَمْهُ جَمِيعُ الْقِيمَةِ مَعَ تَعَذُّرِ بَيْعِ ذَلِكَ مِنْ الْأَمِيرِ وَالْقَاضِي فَإِنَّهُمَا لَا يَلْبَسَانِ ذَلِكَ الثَّوْبَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الْقَطْعِ الْيَسِيرِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَطَعَ أُذُنَ الْأَمِيرِ نَفْسِهِ أَوْ أَنْفَ الْقَاضِي لَمَا اخْتَلَفَتْ الْجِنَايَةُ فَكَيْفَ بِدَابَّتِهِ مَعَ أَنَّ شَيْنَ الْقَاضِي بِقَطْعِ أَنْفِهِ أَشَدُّ فَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَعْوَرَّ فَرَسُ الْجَانِي كَمَا عَوِرَ فَرَسُهُ، وَهَذَا الظَّاهِرُ مَتْرُوكٌ إجْمَاعًا. (الثَّانِي) أَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الدِّمَاءِ لَا فِي الْأَمْوَالِ.
(الثَّالِثُ) أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] أَيْ أَنْفُسَكُمْ إنَّمَا تَنَاوَلَ أَنْفُسَنَا لِأَنَّهُ ضَمِيرُ الْأَنْفُسِ، وَعَنْ الثَّانِي بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ الدَّارَ جُلُّ مَقْصُودِهَا حَاصِلٌ بِخِلَافِ الْفَرَسِ. (الثَّانِي) أَنَّا لَا نُسَلِّمُ قَوْلَهُمْ لَا يَخْتَلِفُ التَّقْوِيمُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ بَلْ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْأَزْمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّابَّةَ الصَّالِحَةَ لِلْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ كَالْقُضَاةِ وَالْخُطَبَاءِ أَنْفَسُ قِيمَةً لِعُمُومِ الْأَغْرَاضِ فِيهَا، وَلِتَوَقُّعِ
стр. 817
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْبَيِّنَاتِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ]
الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْبَيِّنَاتِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ)
قُلْت يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِأَحَدِ ثَمَانِيَةِ أَشْيَاءَ وَقَعَ فِي الْجَوَاهِرِ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ فَقَالَ يَقَعُ التَّرْجِيحُ بِزِيَادَةِ الْعَدَالَةِ وَقُوَّةِ الْحُجَّةِ كَالشَّاهِدَيْنِ يُقَدَّمَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالْيَدِ عِنْدَ التَّعَادُلِ وَزِيَادَةِ التَّارِيخِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَتَرَجُّحُ الْبَيِّنَةِ الْمُفَصَّلَةِ عَلَى الْمُجْمَلَةِ وَالنَّظَرُ فِي التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الْأَعْدَلِيَّةِ فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ نَظَرَ فِي الْأَعْدَلِيَّةِ، وَمِنْهَا شَهَادَةُ إحْدَاهُمَا بِحَوْزِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِرُؤْيَتِهِ يَخْدُمُهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ عَدَمِ الْحَوْزِ إذْ لَمْ تَتَعَرَّضْ الْأُخْرَى لِرَدِّ هَذَا الْقَوْلِ السَّادِسِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ إنْ اخْتَصَّتْ أَحَدُهُمَا بِمَزِيدِ الِاطِّلَاعِ كَشَهَادَةِ إحْدَاهُمَا بِحَوْزِ الرَّهْنِ، وَالْأُخْرَى بِعَدَمِ الْحَوْزِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْحَوْزِ، وَهِيَ زِيَادَةُ اطِّلَاعٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَقْضِي بِهِ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ. السَّابِعُ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ، وَالْغَالِبُ وَمِنْهُ شَهَادَةُ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَشَهِدْت الْأُخْرَى أَنَّهُ أَوْصَى، وَهُوَ مَرِيضٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا شَهِدَتْ بِأَنَّهُ زَنَى عَاقِلًا، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِأَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا إنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَاقِلٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَقْلِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَجْنُونٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْجُنُونِ، وَهُوَ تَرْجِيحٌ بِشَهَادَةِ الْحَالِ وَهُوَ الثَّامِنُ.
وَقَالَ ابْنُ اللَّبَّادِ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ لَا وَقْتُ الْقِيَامِ فَلَمْ يُعْتَبَرُ ظَاهِرًا لِحَالٍ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي إثْبَاتِ الزِّيَادَةِ إذَا شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِالْقَتْلِ أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ بِالزِّنَا، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ أَنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ زِيَادَةً، وَلَا يَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ قَالَ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ كَالْحَجِيجِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّهُ وَقَفَ بِهِمْ أَوْ صَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا يُحَدُّ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ بِخِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ فَهَذِهِ الثَّمَانِيَةُ الْأَوْجُهِ هِيَ ضَابِطُ قَاعِدَةِ تَرْجِيحِ الْبَيِّنَاتِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ لَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَوَقَعَ الْخِلَافُ فِي هَذِهِ التَّرْجِيحَاتِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فَعِنْدَنَا يُقَدَّمُ صَاحِبُ الْيَدِ عِنْدَ التَّسَاوِي أَوْ هُوَ مَعَ الْبَيِّنَةِ الْأَعْدَلِ كَانَتْ الدَّعْوَةُ أَوْ الشَّهَادَةُ بِمُطْلَقِ الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ نَحْوَ هُوَ مِلْكِي نَسَجَتْهُ أَوْ وَلَدَتْهُ الدَّابَّةُ عِنْدِي فِي مِلْكِي كَانَ السَّبَبُ الْمُضَافُ إلَيْهِ الْمِلْكُ يَتَكَرَّرُ كَنَسْجِ الْخَزِّ وَغَرْسِ النَّخْلِ أَمْ لَا.
وَقَالَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُنَافِسَةِ فِي الْمُزَايَدَةِ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إلَّا لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ. (الثَّالِثُ) أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى أُذُنِ الْأَمِيرِ وَأَنْفِ الْقَاضِي بَاطِلٌ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي بَابِ الدِّمَاءِ مَزَايَا الْأَمْوَالِ لَا مَزَايَا الرِّجَالِ فَإِنَّ دِيَةَ أَشْجَعِ النَّاسِ وَأَعْلَمِهِمْ كَدِيَةِ أَجْبَنِ النَّاسِ وَأَجْهَلِهِمْ فَأَيْنَ أَحَدُ الْبَابَيْنِ مِنْ الْآخَرِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّقْصُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) مَا تَذْهَبُ بِهِ الْعَيْنُ بِالْكُلِّيَّةِ فَيُوجِبُ طَلَبَ الْقِيمَةِ اتِّفَاقًا. (وَالثَّانِي) مَا لَا يُبْطِلُ الْمَقْصُودَ فَلَا تَلْزَمُ بِهِ الْقِيمَةُ اتِّفَاقًا. (وَالثَّالِثُ) مَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ فَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ فِي مَذْهَبِنَا إنَّ التَّعَدِّيَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ يَسِيرٌ لَا يُبْطِلُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ بِهِ، وَيَسِيرٌ يُبْطِلُهُ، وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ لَا يُبْطِلُ الْمَقْصُودَ، وَكَثِيرٌ يُبْطِلُهُ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ مُتَقَابِلَةٍ
(أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) وَهُوَ الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يُبْطِلُ الْمَقْصُودَ فَلَا يَضْمَنُ الْعَيْنَ، وَكَذَلِكَ الْكَثِيرُ الَّذِي لَا يُبْطِلُ الْمَقْصُودَ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ، وَأَمَّا الْقِسْمُ (الرَّابِعُ) وَهُوَ الْكَثِيرُ الَّذِي يُبْطِلُ الْمَقْصُودَ فَيُخَيَّرُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِتَضْمِينِهِ الْقِيمَةَ لَوْ أَرَادَ بِهِ أَخْذَهُ، وَمَا نَقَصَهُ فَذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ لَهُ لِأَنَّهُ مَلَكَ أَنْ يَضْمَنَهُ فَامْتَنَعَ فَذَلِكَ رِضًى بِنَقْصِهِ (وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي) وَهُوَ الْيَسِيرُ الَّذِي يُبْطِلُ الْمَقْصُودَ فَقَاعِدَةُ مَالِكٍ تَقْتَضِي تَضْمِينَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي ذَنَبِ بَغْلَةِ الْقَاضِي قَالَ وَتَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمَرْكُوبَاتُ وَالْمَلْبُوسَاتُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَعَنْ مَالِكٍ لَا يَضْمَنُهُ بِذَلِكَ، وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الذَّنَبِ فَيَضْمَنُ وَبَيْنَ الْأُذُنِ فَلَا يَضْمَنُ لِاخْتِلَافِ الشَّيْنِ فِيهِمَا، وَاتَّفَقُوا فِي حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ عَلَى عَدَمِ التَّضْمِينِ لِأَنَّهَا رَغَبَاتُ النَّاسِ فَالنَّقْصُ فِي رَغَبَاتِ النَّاسِ لَا فِي الْمَغْصُوبِ هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ الشَّاطِّ، وَفِي بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ لِحَفِيدِ ابْنِ رُشْدٍ، وَالنُّقْصَانُ الطَّارِئُ عَلَى الْمَغْصُوبِ إمَّا مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ الْخَالِقِ كَأَنْ يَكُونَ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الثَّانِي إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ نَاقِصًا أَوْ يُضَمِّنَهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَقِيلَ إنَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، وَيَضْمَنَ الْغَاصِبُ قِيمَةَ الْعَيْبِ.
وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِجِنَايَةِ الْغَاصِبِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَالْمَغْصُوبُ فِي الْأَوَّلِ مُخَيَّرٌ فِي الْمَذْهَبِ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ أَوْ يَأْخُذَهُ، وَمَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ يَوْمَ الْجِنَايَةَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَعِنْدَ سَحْنُونٍ مَا نَقَصَتْهُ الْجِنَايَةُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَذَهَبَ أَشْهَبُ إلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ الْقِيمَةَ أَوْ يَأْخُذَهُ نَاقِصًا، وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي الْجِنَايَةِ كَاَلَّذِي يُصَابُ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَوَّازِ، وَسَبَبٍ إلَّا فِي اخْتِلَافِ الْخِلَافِ
стр. 818
الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ الْخَارِجُ أَوْلَى، وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ أَصْلًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ إنْ ادَّعَى مُطْلَقَ مِلْكٍ فَإِنْ كَانَ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ يَتَكَرَّرُ فَأَعَادَهُ كِلَاهُمَا فَكَذَلِكَ أَوْ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْوِلَادَةِ، وَادَّعَيَاهُ، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ فَقَالَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ وَلَدٌ عَلَى مِلْكِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ لَنَا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ مَا رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَحَاكَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ فِي دَابَّةٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبِ الْيَدِ» ؛ وَلِأَنَّ الْيَدَ مُرَجَّحَةٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا، وَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ مَا تَقَدَّمَ، وَالْقِيَاسُ عَلَى الْمُضَافِ إلَى سَبَبٍ لَا يَتَكَرَّرُ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
(الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَهُوَ يَقْتَضِي صِنْفَيْنِ مُدَّعِيًا، وَالْبَيِّنَةُ حُجَّتُهُ، وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ حُجَّتُهُ فَبَيِّنَتُهُ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فَلَا تُسْمَعُ كَمَا أَنَّ الْيَمِينَ فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى لَا تُفِيدُ شَيْئًا.
(الثَّانِي) وَلِأَنَّهُمَا لَمَّا تَعَارَضَتَا فِي سَبَبٍ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْوِلَادَةِ شَهِدَتْ هَذِهِ بِالْوِلَادَةِ، وَالْأُخْرَى بِالْوِلَادَةِ تَعَيَّنَ كَذِبُهُمَا فَسَقَطَتَا فَبَقِيَتْ الْيَدُ فَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَأَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْكَذِبُ فَلَمْ تَفْدِ بَيِّنَتُهُ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ فَسَقَطَتْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ
(الثَّالِثُ) وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ إذَا لَمْ يُقِمْ الطَّالِبُ بَيِّنَةً لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَإِذَا لَمْ تُسْمَعْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهِيَ أَحْسَنُ حَالَتَيْهِ فَكَيْفَ إذَا أَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَةً لَا تُسْمَعُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَضْعَفُ
(الرَّابِعُ) إنَّا إنَّمَا أَعْمَلْنَا بَيِّنَتَهُ فِي صُورَةِ النِّتَاجِ لِأَنَّ دَعْوَاهُ أَفَادَتْ الْوِلَادَةَ، وَلَمْ تُفِدْهَا يَدُهُ، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ فَأَفَادَتْ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ مَا أَفَادَتْ الْيَدُ فَقُبِلَتْ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ جَعَلَ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا بَيِّنَةَ ذِي الْيَدِ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي عَلَيْهِ سَلَّمْنَا عَدَمَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ لَكِنَّ الْمُدَّعِيَ إنْ فُسِّرَ بِالطَّالِبِ فَصَاحِبُ الْيَدِ طَالِبٌ لِنَفْسِهِ مَا طَلَبَهُ الْآخَرُ لِنَفْسِهِ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِأَضْعَفَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا فَالْخَارِجُ لَمَّا أَقَامَ بَيِّنَةً صَارَ الدَّاخِلُ أَضْعَفَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا تُشْرَعُ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّهِ سَلَّمْنَا دَلَالَتَهُ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] وَالْعَدْلُ التَّسْوِيَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَقُومَ الْمُخَصَّصُ فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْآخَرِ «، وَبِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٍّ ﵁ لَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ» ، وَهُوَ يُفِيدُ وُجُوبَ الِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا وَأَنْ مَنْ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ حُكِمَ بِهَا، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ لَا نَسْمَعُ بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا تَعَارَضَتَا فِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
جَعْلِ مَا حَصَلَ فِي الْمَغْصُوبِ مِنْ نَمَاءٍ وَنُقْصَانٍ كَأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكٍ صَحِيحٍ فَتَجِبُ لِلْغَاصِبِ الْغَلَّةُ.
وَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فِي النُّقْصَانِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ سَبَبِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ مَنْ يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ فَقَطْ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَسَحْنُونٍ أَوْ جَعْلِ الْمَغْصُوبِ مَضْمُونًا عَلَى الْغَاصِبِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَوَّازِ أَوْ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ أَخَذَهُ بِأَرْفَعِ الْقِيَمِ، وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ رَدَّ الْغَلَّةِ، وَضَمَانَ النُّقْصَانِ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَوْ قِيَاسُ قَوْلِهِ أَوْ أَنَّ جِنَايَةَ الْغَاصِبِ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي غَصَبَهُ هُوَ غَصْبٌ ثَانٍ مُتَكَرِّرٌ مِنْهُ كَمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مِلْكِ صَاحِبِهِ، وَهُوَ قِيَاسُ الشَّبَهِ الَّذِي هُوَ عُمْدَةُ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجِنَايَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ الْغَاصِبِ وَبَيْنَ الْجِنَايَةِ الَّتِي تَكُونُ بِأَمْرٍ مِنْ السَّمَاءِ، وَالْمَغْصُوبُ فِي الثَّانِي، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ نَقْصُ الشَّيْءِ الَّذِي غُصِبَ مِنْهُ بِجِنَايَةِ غَيْرِ الْغَاصِبِ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ الْغَاصِبِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَ الْغَاصِبَ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَيَتْبَعُ الْغَاصِبُ الْجَانِيَ وَبَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ الْغَاصِبَ، وَيَتْبَعَ الْجَانِيَ بِحُكْمِ الْجِنَايَاتِ فَهَذَا حُكْمُ الْجِنَايَاتِ عَلَى الْعَيْنِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ.
وَأَمَّا الْجِنَايَاتُ عَلَى الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَغْصِبَهَا غَاصِبٌ فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَى قِسْمَيْنِ جِنَايَةٌ تُبْطِلُ يَسِيرًا مِنْ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الشَّيْءِ بَاقٍ فَهَذَا يَجِبُ فِيهِ مَا نَقَصَ يَوْمَ الْجِنَايَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَوَّمَ صَحِيحًا، وَيُقَوَّمَ بِالْجِنَايَةِ فَيُعْطِي مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ، وَجِنَايَةٌ تُبْطِلُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ فَصَاحِبُهُ يَكُونُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ أَسْلَمَهُ لِلْجَانِي، وَأَخَذَ قِيمَتَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ قِيمَةَ الْجِنَايَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ لَهُ إلَّا قِيمَةُ الْجِنَايَةِ، وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ الِالْتِفَاتُ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الْغَاصِبِ، وَتَشْبِيهُ إتْلَافِ أَكْثَرِ الْمَنْفَعَةِ بِإِتْلَافِ الْعَيْنِ اهـ. بِتَخْلِيصٍ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقُ بَعْضِهِ إبْطَالَ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَقْتَضِي إبْطَالَ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُوجِبُ اسْتِحْقَاقُ بَعْضِهِ إبْطَالَ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَقْتَضِي إبْطَالَ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ) وَهُوَ أَنَّ مَا اشْتَرَيْته أَوْ صَالَحْت عَلَيْهِ إذَا اُسْتُحِقَّ بَعْضُهُ أَوْ، وَجَدْت بِهِ عَيْبًا فَلَهُ سِتَّةُ أَحْوَالٍ تَنْقَسِمُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا يَقْتَضِي فِيهِ ذَلِكَ تَخْيِيرُك فِي التَّمَاسُكِ وَالرُّجُوعِ بِحِصَّةِ الْبَعْضِ الْمُسْتَحَقِّ أَوْ الْمَعِيبِ مِنْ الثَّمَنِ، وَفِي رَدِّهِ، وَذَلِكَ فِي ثَلَاثِ حَالَاتٍ: (الْحَالَةُ الْأُولَى) أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ الْمُسْتَحَقُّ أَوْ الْمَعِيبُ شَائِعًا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ، وَلَيْسَ مِنْ رِبَاعِ الْغَلَّةِ فَيُخَيَّرُ فِيمَا
стр. 819
دَعْوَى طَعَامٍ ادَّعَيَا زِرَاعَتَهُ، وَشَهِدْنَا بِذَلِكَ، وَالزَّرْعُ لَا يُزْرَعُ مَرَّتَيْنِ كَالْوِلَادَةِ، وَلَمْ يَحْكُمُوا بِهِ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَبِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فِي الْحَالِ لِاسْتِحَالَةِ ثُبُوتِهِ لَهُمَا فِي الْحَالِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حُكِمَ لَهُ بِالْيَدِ دُونَ الْبَيِّنَةِ لَمَا حُكِمَ لَهُ إلَّا بِالْيَمِينِ لِأَنَّهُ شَأْنُ الْيَدِ الْمُنْفَرِدَةِ.
وَلَمَّا لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْيَمِينِ عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا حُكِمَ بِالْبَيِّنَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا حُكِمَ لَهُ حَيْثُ كَذَبَتْ بَيِّنَتُهُ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُحْكَمَ بِهِ إذَا لَمْ تَكَذَّبَتْ بَيِّنَتُهُ، وَلِأَنَّ الْيَدَ أَضْعَفُ مِنْ الْبَيِّنَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْيَدَ لَا يُقْضَى بِهَا إلَّا بِالْيَمِينِ، وَالْبَيِّنَةُ يُقْضَى بِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَلَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً قُدِّمَتْ عَلَى يَدِ الدَّاخِلِ إجْمَاعًا فَعَلِمْنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ وَعَنْ
(الثَّالِثِ) أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عِنْدَ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَوِيٌّ بِالْيَدِ، وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُسْمَعُ مِنْ الضَّعِيفِ فَوَجَبَ سَمَاعُهَا لِلضَّعْفِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا عِنْدَ إقَامَةِ الْخَارِجِ بَيِّنَتَهُ، وَعَنْ
(الرَّابِعِ) أَنَّ الدَّعْوَى، وَالْيَدَ لَا يُفِيدَانِ مُطْلَقًا شَيْئًا، وَإِلَّا لَكَانَ مَعَ الْمُدَّعِي حُجَجُ الْيَدِ، وَالدَّعْوَى، وَالْبَيِّنَةُ يُخَيِّرُهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهُمَا أَيُّهَا شَاءَ أَقَامَ كَمَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ، وَشَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْيَمِينِ مَعَ إحْدَاهُمَا فَعُلِمَ أَنَّ الْمُفِيدَ إنَّمَا هُوَ الْبَيِّنَةُ، وَالْيَدُ لَا تُفِيدُ مِلْكًا، وَإِلَّا لَمْ يُحْتَجْ مَعَهَا لِلْيَمِينِ كَالْبَيِّنَةِ بَلْ تُفِيدُ التَّبْقِيَةَ عِنْدَهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَفَادَتْ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ يَحْتَجْ إلَى يَمِينٍ.
وَأَمَّا الْأَعْدَلِيَّةُ فَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃ التَّرْجِيحَ بِهَا لَنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لِمَا تُثِيرُهُ مِنْ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ فِي الْأَعْدَلِ أَقْوَى فَيُقَدَّمُ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ إذَا رَجَّحَ إحْدَاهُمَا، وَلِأَنَّ مُقِيمَ الْأَعْدَلِ أَقْرَبُ لِلصِّدْقِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أُمِرْتُ أَنْ أَحْكُمَ بِالظَّاهِرِ» ، وَلِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ مَطْلُوبٌ فِي الشَّهَادَةِ أَكْثَرُ مِنْ الرِّوَايَةِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُنْفَرِدِ فِي الرِّوَايَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ فَإِذَا كَانَ الِاحْتِيَاطُ مَطْلُوبًا أَكْثَرَ فِي الشَّهَادَةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ الْأَعْدَلِ، وَالظَّنُّ أَقْوَى فِيهَا قِيَاسًا عَلَى الْخَبَرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْمُدْرَكُ فِي هَذَا الْوَجْهِ الِاحْتِيَاطُ، وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْجَامِعِ إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ.
وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْجَوَامِعُ فِي الْقِيَاسَاتِ تَعَدَّدَتْ. احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ.
(الْأَوَّلُ) أَنَّ الشَّهَادَةَ مُقَدَّرَةٌ فِي الشَّرْعِ فَلَا تَخْتَلِفُ بِالزِّيَادَةِ كَالدِّيَةِ، وَلَا تَخْتَلِفُ بِزِيَادَةِ الْمَأْخُوذِ فِيهِ فَدِيَةُ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ كَدِيَةِ الْكَبِيرِ الشَّرِيفِ الْعَالِمِ الْعَظِيمِ.
(وَثَانِيهَا) أَنَّ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ مِنْ الْفَسَقَةِ يَحْصُلُ الظَّنُّ أَكْثَرُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَعُلِمَ أَنَّهَا تَعَبُّدٌ لَا يَدْخُلُهَا الِاجْتِهَادُ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إذَا كَثُرُوا، وَثَالِثُهَا أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَتْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ذُكِرَ لِأَنَّ حِصَّةَ ذَلِكَ الْبَعْضِ مَعْلُومَةٌ بِغَيْرِ تَقْوِيمٍ فَيُسْتَصْحَبُ الْعَقْدُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلِضَرَرِ الشَّرِكَةِ سَوَاءٌ اُسْتُحِقَّ الْأَقَلُّ أَوْ الْأَكْثَرُ. (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُعَيَّنًا مِثْلِيًّا، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فَتُخُيِّرَ فِيمَا ذُكِرَ لِذَهَابِ مَقْصُودِ الْعَقْدِ فِي الْمَعْنَى. (الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ شَائِعًا مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ مِنْ الْمُتَّخَذِ لِلْغَلَّةِ، وَهُوَ الثُّلُثُ فَتُخُيِّرَ فِيمَا ذُكِرَ أَيْضًا لِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ قَبْلَ الرِّضَا بِهِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَا يَقْتَضِي فِيهِ ذَلِكَ إبْطَالَ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ بَلْ لُزُومُ التَّمَسُّكِ بِالْبَاقِي، وَذَلِكَ فِي حَالَتَيْنِ: (الْحَالَةُ الْأُولَى) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ شَائِعًا مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ مُتَّخَذًا لِغَلَّةٍ، وَهُوَ دُونَ الثُّلُثِ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ، وَالرُّجُوعُ بِحِصَّةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ مِنْ الثَّمَنِ. (الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُعَيَّنًا، وَهُوَ الْأَقَلُّ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مُقَوَّمٍ كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ أَوْ مِنْ مِثْلِيٍّ أَيْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ فَيَجِبُ التَّمَسُّكُ وَالرُّجُوعُ فِي الْمُقَوَّمِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ بِالْقِيمَةِ لَا بِالْقِسْمَةِ، وَفِي الْمِثْلِيِّ بِحِصَّةِ ذَلِكَ الْبَعْضِ مِنْ الثَّمَنِ قَالَ الْأَصْلُ لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُخِلُّ بِمَقْصُودِ الْعَقْدِ لِبَقَاءِ جُلِّ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ لُزُومُ الْعَقْدِ لَك. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا يَقْتَضِي تَعَيُّنَ رَدِّ الْبَاقِي، وَذَلِكَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ مُعَيَّنًا مِنْ الْمُقَوَّمِ، وَهُوَ وَجْهُ الصَّفْقَةِ فَيَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ إبْطَالُ الْعَقْدِ فِي الْكُلِّ، وَيُرَدُّ الْبَاقِي لِفَوَاتِ مَقْصُودِ الْعَقْدِ، وَيَحْرُمُ التَّمَسُّكُ بِمَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لِأَنَّ حِصَّتَهُ لَا تُعْرَفُ حَتَّى تُقَوَّمَ فَهُوَ بَيْعٌ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ فَفِي حَاشِيَةِ الْبُنَانِيِّ عَلَى عبق عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ فِي مُخْتَصَرِهِ مِنْ فَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضٌ فَكَالْبَيْعِ أَيْ الْمَعِيبِ مَا نَصُّهُ حَاصِلُ اسْتِحْقَاقِ الْبَعْضِ أَنْ تَقُولَ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ شَائِعًا أَوْ مُعَيَّنًا فَإِنْ كَانَ شَائِعًا مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ، وَلَيْسَ مِنْ رِبَاعِ الْغَلَّةِ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي فِي التَّمَاسُكِ وَالرُّجُوعِ بِحِصَّةِ الْمُسْتَحَقِّ مِنْ الثَّمَنِ، وَفِي رَدِّهِ لِضَرَرِ الشَّرِكَةِ سَوَاءٌ اُسْتُحِقَّ الْأَقَلُّ أَوْ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ كَانَ مُتَّخَذًا لِغَلَّةٍ خُيِّرَ فِي اسْتِحْقَاقِ الثُّلُثِ، وَوَجَبَ التَّمَسُّكُ فِيمَا دُونَهُ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ جُزْءٌ مُعَيَّنٌ فَإِنْ كَانَ خُصُوصًا كَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ رَجَعَ بِحِصَّةِ الْبَعْضِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْقِيمَةِ لَا بِالتَّسْمِيَةِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ وَجْهُ الصَّفْقَةِ تَعَيَّنَ رَدُّ الْبُنَانِيُّ.
وَلَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِالْأَقَلِّ، وَإِنْ كَانَ مِثْلِيًّا فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْأَقَلُّ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْأَكْثَرُ خُيِّرَ فِي التَّمَسُّكِ وَالرُّجُوعِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَفِي الرَّدِّ، وَكَذَلِكَ يُخَيَّرُ فِي التَّمَسُّكِ وَالرَّدِّ فِي جُزْءٍ شَائِعٍ مِمَّا لَا يَنْقَسِمُ لِأَنَّ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ مَعْلُومَةٌ قَبْلَ الرِّضَا بِهِ اُنْظُرْ الْحَطَّابَ اهـ.
كَلَامُ الْبُنَانِيِّ بِلَفْظِهِ، وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونِ، وَهُوَ عَيْنُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ
стр. 820
زِيَادَةُ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ لَاعْتُبِرَتْ زِيَادَةُ الْعَدَدِ، وَهِيَ بَيِّنَاتٌ مُعْتَبَرَةٌ إجْمَاعًا فَيَكُونُ اعْتِبَارُهَا أَوْلَى مِنْ الصِّفَةِ، وَالْعَدَدُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَالصِّفَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ وَصْفَ الْعَدَالَةِ مَطْلُوبٌ فِي الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِنَا، وَهُوَ يَتَزَايَدُ فِي نَفْسِهِ فَمَا رَجَّحْنَا إلَّا فِي مَوْطِنِ اجْتِهَادٍ لَا فِي مَوْضِعِ تَقْدِيرٍ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّ الظَّنَّ كَيْفَ كَانَ يُعْتَبَرُ بَلْ نَدَّعِي أَنَّ مَزِيدَ الظَّنِّ بَعْدَ حُصُولِ أَصْلٍ مُعْتَبَرٍ كَمَا أَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ لَا نُثْبِتُ بِهَا الْأَحْكَامَ وَالْفَتَاوَى، وَإِنْ حَصَّلَتْ ظَنًّا أَكْثَرَ مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَقْيِسَةِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْهَا مُدْرِكًا لِلْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَلَمَّا جَعَلَ الْأَخْبَارَ وَالْأَقْيِسَةَ مُدْرِكًا لِلْفُتْيَا دَخَلَهَا التَّرْجِيحُ فَكَذَا هَاهُنَا أَصْلُ الْبَيِّنَةِ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ الْعَدَالَةِ وَالشُّرُوطِ الْمَخْصُوصَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا التَّرْجِيحُ.
وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعَدَدِ يُفْضِي إلَى كَثْرَةِ النِّزَاعِ وَطُولِ الْخُصُومَاتِ فَإِذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِمَزِيدِ عَدَدٍ سَعَى الْآخَرُ فِي زِيَادَةِ عَدَدِ بَيِّنَتِهِ، وَتَطُولُ الْخُصُومَةُ، وَتُعَطَّلُ الْأَحْكَامُ، وَلَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ بَيِّنَتَهُ أَعْدَلَ فَلَا يَطُولُ النِّزَاعُ، وَلِأَنَّ الْعَدَدَ يُعَيِّنُ مَا تَقَدَّمَ فَيَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ بِخِلَافِ وَصْفِ الْعَدَالَةِ، وَلِذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ فَعُدُولُ زَمَانِنَا لَمْ يَكُونُوا مَقْبُولِينَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وَأَمَّا الْعَدَدُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَلْبَتَّةَ مَعَ أَنَّا نَلْتَزِمُ التَّرْجِيحَ بِالْعَدَدِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كَبِيرَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَقَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ الشَّهَادَةِ)
اعْلَمْ أَنَّ إمَامَ الْحَرَمَيْنِ فِي أُصُولِ الدِّينِ قَدْ مَنَعَ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الصَّغِيرَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كَبِيرَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَقَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ الشَّهَادَةِ إلَى قَوْلِهِ وَهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ)
قُلْت مَا قَالَهُ وَنَقَلَهُ صَحِيحٌ إلَّا مَا قَالَهُ فِي ضَبْطِ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ بِالنَّظَرِ إلَى مَقَادِيرِ الْمَفَاسِدِ فَإِنَّهُ أَصْلٌ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ بِنَاءً عَلَى قَوَاعِدِ الْمُعْتَزِلَةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَكُونَ بَنَى عَلَى ذَلِكَ بَلْ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فَهِمْنَا مِنْهُ مُرَاعَاةَ الْمَصَالِحِ تَفَضُّلًا فَلَا يَصِحُّ أَيْضًا الْفَرْقُ بِالنَّظَرِ إلَى مَقَادِيرِ الْمَفَاسِدِ لِجَهْلِنَا ذَلِكَ وَعَدَمِ وُصُولِنَا إلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنَّمَا الضَّابِطُ لِمَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مَا دَلَّ عَلَى الْجُرْأَةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ الشَّارِعَ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ابْنُ الشَّاطِّ إلَّا أَنَّهُ زَادَ عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ بَيَانَ حُكْمِ حَالَتَيْ الْبَعْضِ الشَّائِعِ إنْ كَانَ مِمَّا يَنْقَسِمُ أَوْ كَانَ مُتَّخَذًا لِغَلَّةٍ، وَهُوَ ثُلُثٌ أَوْ دُونَهُ فَلِذَا عَوَّلْت عَلَيْهِ فِي بَيَانِ الْفَرْقِ لَا عَلَى مَا فِي الْأَصْلِ فَتَنَبَّهْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ الْتِقَاطُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ الْتِقَاطُهُ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعَ عَشَرَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجِبُ الْتِقَاطُهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَجِبُ الْتِقَاطُهُ) وَهُوَ أَنَّ الِالْتِقَاطَ بِحَسَبِ حَالِ الْمُلْتَقِطِ بِكَسْرِ الْقَافِ وَحَالِ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، وَأَهْلِهِ يَنْقَسِمُ كَمَا فِي التَّوْضِيحِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ إجْمَالًا وَأَرْبَعَةً تَفْصِيلًا: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فَيَحْرُمُ الْتِقَاطُهَا. (الثَّانِي) أَنْ يَخَافَ، وَلَا يَتَحَقَّقُ أَيْ بِأَنْ يَشُكَّ فَيُكْرَهُ. (الثَّالِثُ) أَنْ يَتَيَقَّنَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ إمَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ أَمْ لَا فَإِنْ خَافَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِالْتِقَاطُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فَثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِمَالِكٍ الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالِاسْتِحْبَابُ فِيمَا لَهُ بَالٌ، وَالتَّرْكُ لِغَيْرِهِ أَفْضَلُ اهـ.
بِاخْتِصَارٍ أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ عَلَى عبق يَعْنِي أَنَّ التَّرْكَ لِغَيْرِ مَا لَهُ بَالٌ أَفْضَلُ مِنْ الِالْتِقَاطِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيرِ وَعَدَمُ الِاحْتِفَالِ بِهِ، وَالْحَقِيرُ كَالدِّرْهَمِ، وَنَحْوِهِ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ اللَّخْمِيِّ قَالَ الْبُنَانِيُّ، وَاخْتَارَ التُّونُسِيُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الْكَرَاهَةَ أَيْ مُطْلَقًا كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي الشَّيْخَ خَلِيلًا بِقَوْلِهِ الْخِيَانَةَ فِيمَا إذَا عَلِمَ خِيَانَةً عَلَى الْأَحْسَنِ، وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وُجُوبَ الِالْتِقَاطِ عَلَيْهِ، وَتَرَكَهُ نَفْسُهُ أَيْ وَهُوَ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الَّذِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِيهِ بِحُرْمَةِ الْتِقَاطِهَا، وَفِيمَا إذَا شَكَّ فِيهَا أَنَّهُ هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي الَّذِي قَالَ فِي التَّوْضِيحِ فِيهِ بِكَرَاهَتِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ عُذْرًا يُسْقِطُ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِ مَالِ الْغَيْرِ قَالَ الْحَطَّابُ، وَمَا قَالَهُ حَسَنٌ اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
كَلَامُ الْبُنَانِيِّ، وَسَلَّمَهُ الرَّهُونِيُّ وَكَنُونِ، وَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا أَنَّ وُجُوبَ الِالْتِقَاطِ عَلَى كَلَامِ التَّوْضِيحِ فِي قِسْمٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي أَنْ يَخَافَ عَلَى اللُّقَطَةِ الْخَوَنَةَ، وَأَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ فِيمَا عَدَاهُ فَيَحْرُمُ فِي قِسْمٍ، وَهُوَ مَا إذَا عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ جَزْمًا فِي قِسْمٍ، وَهُوَ مَا إذَا شَكَّ فِي خِيَانَةِ نَفْسِهِ، وَيُكْرَهُ عَلَى الْأَحْسَنِ مِنْ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي قِسْمٍ، وَهُوَ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ أَمْرَانِ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَمَانَةَ نَفْسِهِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَخَافَ عَلَى اللُّقَطَةِ الْخَوَنَةَ.
وَأَمَّا وُجُوبُ الِالْتِقَاطِ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَاسْتَحْسَنَهُ الْحَطَّابُ فَفِي ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ أَمْرَانِ تَيَقُّنُ أَمَانَةِ نَفْسِهِ، وَخَوْفُ الْخَوَنَةِ عَلَى اللُّقَطَةِ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مَا إذَا عَلِمَ خِيَانَةَ نَفْسِهِ أَوْ شَكَّ فِيهَا، وَلَا يَكُونُ عِلْمُ
стр. 821
تَعَالَى، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقَالُوا لَا يُقَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ صَغِيرَةً بَلْ جَمِيعُ الْمَعَاصِي كَبَائِرُ لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ جَمِيعُ مَعَاصِيهِ كَبَائِرَ، وَقَالَ غَيْرُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ تَخْتَلِفُ بِالْقَدْحِ فِي الْعَدَالَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ يَسْقُطُ بِهَا الْعَدْلُ عَنْ مَرْتَبَةِ الْعَدَالَةِ فَالْخِلَافُ حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِطْلَاقِ.
وَقَدْ وَرَدَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ بِالْإِشَارَةِ إلَى الْفَرْقِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] فَجَعَلَ لِلْمَعْصِيَةِ رُتَبًا ثَلَاثًا كُفْرًا وَفُسُوقًا، وَهُوَ الْكَبِيرَةُ، وَعِصْيَانًا، وَهِيَ الصَّغِيرَةُ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَكَانَ اللَّفْظُ فِي الْآيَةِ مُتَكَرِّرًا إلَّا بِمَعْنًى مُسْتَأْنَفٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَنَقُولُ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ فِي الْمَعَاصِي لَيْسَ مِنْ جِهَةِ مَنْ عَصَى بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمَفْسَدَةِ الْكَائِنَةِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ فَالْكَبِيرَةُ مَا عَظُمَتْ مَفْسَدَتُهَا، وَالصَّغِيرَةُ مَا قَلَّتْ مَفْسَدَتُهَا، وَرُتَبُ الْمَفَاسِدِ مُخْتَلِفَةٌ، وَأَدْنَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْكَرَاهَةُ ثُمَّ كُلَّمَا ارْتَقَتْ الْمَفْسَدَةُ عَظُمَتْ الْكَرَاهَةُ حَتَّى تَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْمَكْرُوهَاتِ تَلِيهَا أَدْنَى رُتَبِ الْمُحَرَّمَاتِ ثُمَّ تَرْتَقِي رُتَبُ الْمُحَرَّمَاتِ حَتَّى تَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ يَلِيهِ أَدْنَى الْكَبَائِرِ ثُمَّ تَرْتَقِي رُتَبُ الْكَبَائِرِ بِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ حَتَّى تَكُونَ أَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ يَلِيهَا الْكُفْرُ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا.
وَأَرَدْنَا ضَبْطَ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ لِعِظَمِهِ نَنْظُرُ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ أَوْ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ بِجَعْلِهِ كَبِيرَةً أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ أَوْ ثَبَتَ فِيهِ حَدٌّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى كَقَطْعِ السَّرِقَةِ وَجَلْدِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّهَا كُلَّهَا كَبَائِرُ قَادِحَةٌ فِي الْعَدَالَةِ إجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ مَا فِيهِ وَعِيدٌ صَرَّحَ بِهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ فِي السُّنَّةِ فَنَجْعَلُهُ أَصْلًا، وَنَنْظُرُ فَمَا سَاوَى أَدْنَاهُ مَفْسَدَةً أَوْ رَجَحَ عَلَيْهَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ أَلْحَقْنَاهُ بِهِ، وَرَدَدْنَا بِهِ الشَّهَادَةَ، وَأَثْبَتْنَا بِهِ الْفُسُوقَ، وَالْجَرْحَ، وَمَا وَجَدْنَاهُ قَاصِرًا عَنْ أَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ الَّتِي شَهِدَتْ لَهَا الْأُصُولُ جَعَلْنَاهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
أَوْ احْتَمَلَ الْجُرْأَةَ فَمَنْ دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِهِ عَلَى الْجُرْأَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ كَمُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ دَلَائِلِ الشَّرْعِ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ أَوْ الْمُصِرُّ عَلَى الصَّغِيرَةِ إصْرَارًا يُؤْذِنُ بِالْجُرْأَةِ وَمَنْ احْتَمَلَ حَالُهُ إنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ جُرْأَةً أَوْ فَلْتَةً تَوَقَّفَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ وَإِنْ دَلَّتْ دَلَائِلُ حَالِهِ أَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ، أَعْنِي مَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ الْكَبِيرُ مِنْ الشَّرْعِ فَلْتَةٌ غَيْرُ مُتَّصِفٍ بِالْجُرْأَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِأَنَّ السَّبَبَ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ لَيْسَ إلَّا التُّهْمَةَ بِالِاجْتِرَاءِ عَلَى مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ فَإِذَا عَرِيَ مِنْ الِاتِّصَافِ بِالْجُرْأَةِ وَاحْتِمَالِ الِاتِّصَافِ بِهَا بِظَاهِرِ حَالِهِ سَقَطَتْ التُّهْمَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْخِيَانَةِ أَوْ الشَّكِّ فِيهَا عُذْرًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهَا وَعَدَمُ وُجُوبِ الِالْتِقَاطِ فِي قِسْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ أَمْرَانِ تَيَقُّنُ أَمَانَةِ نَفْسِهِ وَعَدَمُ خَوْفِ الْخَوَنَةِ عَلَى اللُّقَطَةِ فَفِي كَرَاهَتِهِ ثَالِثُهَا إنْ كَانَتْ حَقِيرَةً كَالدِّرْهَمِ وَنَحْوِهِ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ.
وَانْظُرْ وَجْهَ عَدَمِ اسْتِحْسَانِهِ وُجُوبُ الِالْتِقَاطِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ حَتَّى فِيمَا إذَا كَانَتْ حَقِيرَةً ضَرُورَةَ أَنَّ كَوْنَ الْغَالِبِ عَدَمُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيرِ وَعَدَمُ الِاحْتِفَالِ بِهِ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ تَيَقُّنِ خِيَانَةِ نَفْسِهِ الَّتِي أَوْجَبَ عَلَيْهِ تَرْكَهَا فَلْيُتَأَمَّلْ بِإِمْعَانٍ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ إنَّمَا يَجْرِي عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ حَيْثُ قَالَ فِي الْأَصْلِ فِي لُقَطَةِ الْمَالِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْأَفْضَلُ تَرْكُهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَمُرُّ بِاللُّقَطَةِ فَلَا يَأْخُذُهَا، وَالْأَفْضَلُ أَخْذُهَا لِأَنَّ فِيهِ صَوْنُ مَالِ الْغَيْرِ الثَّالِثُ أَخْذُ الْجَلِيلِ أَفْضَلُ وَتَرْكُ الْحَقِيرِ أَفْضَلُ، وَهَذَا إذَا كَانَ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ، وَالْإِمَامُ عَدْلٌ أَمَّا بَيْنَ الْخَوَنَةِ، وَلَا يَخْشَى السُّلْطَانَ إذَا عُرِّفَتْ فَالْأَخْذُ وَاجِبٌ اتِّفَاقًا وَبَيْنَ خَوَنَةٍ، وَيَخْشَى مِنْ الْإِمَامِ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَيُّ الْخَوْفَيْنِ أَشَدُّ، وَيُسْتَثْنَى لُقَطَةُ الْحَاجِّ فَلَا يَجْرِي فِيهَا هَذَا الْخِلَافُ كُلُّهُ لِأَنَّهَا بِالتَّرْكِ أَوْلَى لِأَنَّ مُلْتَقِطَهَا يَرْحَلُ إلَى قُطْرِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ التَّعْرِيفِ اهـ.
بِلَفْظِهِ نَعَمْ التَّفْصِيلُ فِي الْقَوْلِ الثَّالِثِ فِي كَلَامِ أَبِي الْوَلِيدِ غَيْرُهُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ، وَإِنَّمَا يُقَرَّرُ مِنْهُ فِي كَلَامِ صَاحِبِ التَّوْضِيحِ التَّفْصِيلُ فِي قَوْلِ اللَّخْمِيِّ الِالْتِقَاطُ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا وَمُسْتَحَبًّا وَمُحَرَّمًا وَمَكْرُوهًا بِحَسَبِ حَالِ الْمُلْتَقِطِ وَحَالِ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ وَأَهْلِهِ، وَمِقْدَارَ اللُّقْطَةِ فَإِنْ كَانَ الْوَاجِدُ مَأْمُونًا، وَلَا يَخْشَى السُّلْطَانَ إذَا أَشْهَرَهَا، وَهِيَ بَيْنَ قَوْمٍ أُمَنَاءَ لَا يُخْشَى عَلَيْهَا مِنْهُمْ، وَلَهَا قَدْرٌ فَأَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا مُسْتَحَبٌّ، وَهَذِهِ صُورَةُ السَّائِلِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ خُذْهَا وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِصَاحِبِهَا خَوْفَ أَنْ يَأْخُذَهَا مَنْ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ، وَلَا يَنْتَهِي إلَى الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ بَيْنَ قَوْمٍ أُمَنَاءَ وَبَيْنَ غَيْرِ الْأُمَنَاءِ يَجِبُ الِالْتِقَاطُ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَالِ كَحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَلِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ غَيْرَ مَأْمُونٍ إذَا أَشْهَرَهَا أَخَذَهَا أَوْ الْوَاجِدُ غَيْرَ أَمِينٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أَخْذُهَا لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ لِضَيَاعِ مَالِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيرَةً كُرِهَ أَخْذُهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ عَدَمُ الْمُبَالَغَةِ فِي تَعْرِيفِ الْحَقِيرِ وَعَدَمُ الِاحْتِفَالِ بِهِ، وَالْحَقِيرُ كَالدِّرْهَمِ، وَنَحْوِهِ كَمَا فِي الْأَصْلِ. (تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ) قَالَ الْأَصْلُ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا فَصَّلَ، وَقَسَّمَ أَخَذَ اللُّقَطَةَ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ إلَّا أَصْحَابَنَا بَلْ كُلُّهُمْ أَطْلَقُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 822
صَغِيرَةً لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، وَلَا تُوجِبُ فُسُوقًا إلَّا أَنْ يُصِرَّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ كَبِيرَةً إنْ وَصَلَ بِالْإِصْرَارِ إلَى تِلْكَ الْغَايَةِ فَإِنَّهُ لَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ. وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ
كَمَا قَالَهُ السَّلَفُ، وَيَعْنُونَ بِالِاسْتِغْفَارِ التَّوْبَةَ بِشُرُوطِهَا لَا طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ مَعَ بَقَاءِ الْعَزْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُزِيلُ كِبَرَ الْكَبِيرَةِ أَلْبَتَّةَ فَفِي الْكِتَابِ فِيهِ ذِكْرُ الْكِبَرِ أَوْ الْعِظَمِ عَقِبَ ذِكْرِ جَرِيمَةٍ، وَفِي السُّنَّةِ فِي مُسْلِمٍ «قَالُوا مَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا وَقَدْ خَلَقَك قُلْت ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك خَوْفًا أَنْ يَأْكُلَ مَعَك قُلْت ثُمَّ أَيُّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قِيلَ، وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الشِّرْكُ بِاَللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَاسْتِحْلَالُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ الْقُبْلَةَ فِي الْأَجْنَبِيَّةِ صَغِيرَةً» فَيَلْحَقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا، وَهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى)
مَا حَقِيقَةُ الْإِصْرَارِ الَّذِي يُصَيِّرُ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً وَقَعَ الْبَحْثُ فِيهِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ أَنْ يَتَكَرَّرَ الذَّنْبُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ يَعْزِمُ عَلَى الْعَوْدِ أَمْ لَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ تَكَرَّرَ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ لَمْ يَكُنْ إصْرَارًا بِأَنْ يَفْعَلَ الذَّنْبَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ لَا يَخْطُرُ لَهُ مُعَاوَدَتُهُ لِدَاعِيَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ فَيَفْعَلُهُ كَذَلِكَ مِرَارًا فَهَذَا لَيْسَ إصْرَارًا، وَتَارَةً يَفْعَلُ الذَّنْبَ، وَهُوَ عَازِمٌ عَلَى مُعَاوَدَتِهِ فَيُعَاوِدُهُ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ الْعَزْمِ السَّابِقِ فَهَذَا هُوَ الْإِصْرَارُ النَّاقِلُ لِلصَّغِيرَةِ لِدَرَجَةِ الْكَبِيرَةِ، وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٣٥] وَيُقَالُ فُلَانٌ مُصِرٌّ عَلَى الْعَدَاوَةِ أَيْ مُصَمِّمٌ بِقَلْبِهِ عَلَيْهَا، وَعَلَى مُصَاحَبَتِهَا، وَمُدَاوَمَتِهَا، وَلَا يُفْهَمُ فِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى مَا حَقِيقَةُ الْإِصْرَارِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ)
قُلْت الْإِصْرَارُ لُغَةً الْمُقَامُ عَلَى الشَّيْءِ وَالْمُعَاوَدَةُ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِعْلًا أَوْ غَيْرَهُ، لَا مَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ، مِنْ أَنَّهُ الْعَزْمُ وَالتَّصْمِيمُ عَلَى الشَّيْءِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَالْإِصْرَارُ الْمُصَيِّرُ لِلصَّغِيرَةِ كَبِيرَةً مَانِعَةً مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ الْمُعَاوَدَةُ لَهَا مُعَاوَدَةً تُشْعِرُ بِالْجُرْأَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لَا الْمُعَاوَدَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعَزْمِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعَزْمَ مِمَّا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ. فَإِنْ قِيلَ الْجُرْأَةُ أَمْرٌ بَاطِنٌ قُلْت لِمَ اشْتَرَطَ الْجُرْأَةَ بِنَفْسِهَا وَإِنَّمَا اشْتَرَطَتْ الْإِشْعَارَ بِهَا وَهُوَ مِمَّا يُدْرِكُهُ مَنْ يَتَأَمَّلُ أَحْوَالَ الْمَوَاقِعِ لِلْمُخَالَفَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ كَمَا قَالَ بِهِمَا مَالِكٌ قِيَاسًا عَلَى الْوَدِيعَةِ بِجَامِعِ حِفْظِ الْمَالِ فَيَلْزَمُ النَّدْبُ أَوْ قِيَاسًا عَلَى إنْقَاذِ الْمَالِ الْهَالِكِ فَيَلْزَمُ الْوُجُوبُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَخْذُهَا مَنْدُوبٌ إلَّا عِنْدَ خَوْفِ الضِّيَاعِ فَيَجِبُ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ الْكَرَاهَةُ لِمَا فِي الِالْتِقَاطِ مِنْ تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِأَكْلِ الْحَرَامِ وَتَضْيِيعِ الْوَاجِبِ مِنْ التَّعْرِيفِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى كَتَوَلِّي مَالِ الْيَتِيمِ، وَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الدُّخُولَ فِي التَّكَالِيفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] أَيْ ظَلُومًا لِنَفْسِهِ بِتَوْرِيطِهَا وَتَعْرِيضِهَا لِلْعِقَابِ، وَجَهُولًا بِالْعَوَاقِبِ وَالْحَزْمِ فِيهَا، وَالْأَمَانَةُ قَالَ الْعُلَمَاءُ هِيَ هَا هُنَا التَّكَالِيفُ اهـ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) قَالَ الْأَصْلُ أَيْضًا وُجُوبُ حِفْظِ اللُّقَطَةِ عَنْ الضَّيَاعِ لِقَاعِدَةِ أَنَّ خَمْسًا أَجْمَعَتْ الْأُمَمُ مَعَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَلَيْهَا، وَهِيَ وُجُوبُ حِفْظِ النُّفُوسِ فَيَحْرُمُ الْقَتْلُ بِإِجْمَاعِ الشَّرَائِعِ، وَيَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَوُجُوبُ حِفْظِ الْعُقُولِ فَتَحْرُمُ الْمُسْكِرَاتُ بِإِجْمَاعِ الشَّرَائِعِ، وَيَجِبُ فِيهَا الْحَدُّ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ فِي شُرْبِ الْقَدْرِ الَّذِي لَا يُسْكِرُ فَحُرِّمَ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ، وَسَدُّ الذَّرِيعَةِ بِتَنَاوُلِ الْقَدْرِ الْمُسْكِرِ، وَأُبِيحَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الشَّرَائِعِ لِعَدَمِ الْمَفْسَدَةِ فِيهِ، وَوُجُوبُ حِفْظِ الْأَعْرَاضِ فَيَحْرُمُ الْقَذْفُ، وَسَائِرُ السِّبَابِ، وَيَجِبُ فِي ذَلِكَ الْحَدُّ أَوْ التَّعْذِيرُ، وَوُجُوبُ حِفْظِ الْأَنْسَابِ فَيَحْرُمُ الزِّنَا فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، وَيَجِبُ فِيهِ إمَّا الرَّجْمُ أَوْ الْحَدُّ، وَوُجُوبُ حِفْظِ الْأَمْوَالِ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ فَتَحْرُمُ السَّرِقَةُ، وَيَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ أَوْ التَّعْزِيرُ، وَكَذَا نَحْوُهَا اهـ بِزِيَادَةٍ مِنْ مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَزَادَ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ سَادِسًا، وَهُوَ وُجُوبُ حِفْظِ الدِّينِ الْمَشْرُوعِ لَهُ قَتْلُ الْكُفَّارِ، وَعُقُوبَةُ الدَّاعِينَ إلَى الْبِدَعِ اهـ.
مَعَ شَرْحِ الْمُحَلَّى فَافْهَمْ.
(التَّنْبِيهُ الثَّالِثُ) قَالَ الْأَصْلُ أَيْضًا أَنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي بَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ وَفَرْضِ الْعَيْنِ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مَا لَا يَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ كَإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ فَإِنَّ تَكْرِيرَ فِعْلِ النُّزُولِ بَعْدَ شَيْلِ الْغَرِيقِ لَا يُحَصِّلُ مَصْلَحَةً بَعْدَ ذَلِكَ، وَفَرْضُ الْأَعْيَانِ مَا تَتَكَرَّرُ مَصْلَحَتُهُ بِتَكَرُّرِهِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْإِجْلَالُ، وَالتَّعْظِيمُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ يَتَكَرَّرُ حُصُولُهُ بِتَكَرُّرِ الصَّلَاةِ وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مِنْهُ أَنَّ أَخْذَ اللُّقَطَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ اهـ.
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ]
(الْفَرْقُ الْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ) وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ الْمَصَالِحَ الَّتِي مِنْهَا اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ فِي التَّصَرُّفَاتِ لِحُصُولِ الضَّبْطِ بِهَا ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا انْضِبَاطَ
стр. 823
عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ الْإِصْرَارِ إلَّا الْعَزْمُ وَالتَّصْمِيمُ عَلَى الشَّيْءِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ وَالتَّغْيِيرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُون ذَلِكَ مَعْنَاهُ لُغَةً وَشَرْعًا هَذَا هُوَ الَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدِي.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مَا ضَابِطُ التَّكَرُّرِ فِي الْإِصْرَارِ الَّذِي يُصَيِّرُ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنْ الْكِتَابِ وَلَا مِنْ السُّنَّةِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُنْظَرُ إلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ مُلَابَسَةِ أَدْنَى الْكَبَائِرِ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ بِمُلَابَسَتِهَا فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يُنْظَرُ لِذَلِكَ التَّكَرُّرِ فِي الصَّغِيرَةِ فَإِنْ حَصَلَ فِي النَّفْسِ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ مَا حَصَلَ مِنْ أَدْنَى الْكَبَائِرِ كَانَ هَذَا الْإِصْرَارُ كَبِيرَةً تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ، وَهَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعَزْمِ فَإِنَّ الْفَلَتَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَمِرَّ لَا تَكَادُ تُخِلُّ بِالْوُثُوقِ نَعَمْ قَدْ تَدُلُّ كَثْرَةُ التَّكْرَارِ عَلَى فِرَارِ الْعَزْمِ فِي النَّفْسِ، وَبِهَذَا الضَّابِطُ أَيْضًا يُعْلَمُ الْمُبَاحُ الْمُخِلُّ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْأَكْلِ فِي الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهِ فَإِنْ يَصْدُرُ مِنْهُ صُدُورًا يُوجِبُ عَدَمَ الْوُثُوقِ بِهِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ ذَلِكَ مُخِلًّا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ إلَى قَوْلِهِ كَانَ هَذَا الْإِصْرَارُ كَبِيرَةً تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ هَذَا الْعَالِمُ هُوَ الَّذِي أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِالْجُرْأَةِ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ قَالَ (وَهَذَا يُؤَكِّدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْعَزْمِ فَإِنَّ الْفَلَتَاتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْتَمِرَّ لَا تَكَادُ تُخِلُّ بِالْوُثُوقِ) قُلْت إنْ أَرَادَ أَنْ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِنَا بِعَزْمِهِ فَذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَنَّ الْحَالَةَ الْمُشْعِرَةَ بِالْجُرْأَةِ لَا تَخْلُو عَنْ الْإِشْعَارِ بِالْعَزْمِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَاوَدَ الْمُخَالَفَةَ مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ عَلَى الْمُعَاوَدَةِ تَكُونُ حَالُهُ هَذِهِ مُشْعِرَةً بِجُرْأَتِهِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ فَالْعَزْمُ لَا حَاجَةَ إلَى اشْتِرَاطِهِ بِوَجْهٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ (وَبِهَذَا الضَّبْطِ أَيْضًا يُعْلَمُ الْمُبَاحُ الْمُخِلُّ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْأَكْلِ فِي الْأَسْوَاقِ أَوْ نَحْوِهِ فَإِنْ يَصْدُرُ مِنْهُ صُدُورًا يُوجِبُ عَدَمَ الْوُثُوقِ بِهِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ ذَلِكَ بُخْلًا) قُلْت مَا قَالَهُ هُنَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَأَنَّ الْمُبَاحَ الْمُخِلَّ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ رُبَّمَا لَا يُخِلُّ بِهَا مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي تُخِلُّ بِهِ الْمُخَالَفَةُ فَإِنَّ إخْلَالَ الْمُخَالَفَةِ إنَّمَا هُوَ بِالْعَدَالَةِ الَّتِي هِيَ أَحَدُ رُكْنَيْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَإِخْلَالِ الْمُبَاحِ إنَّمَا هُوَ بِالْوُثُوقِ بِالضَّبْطِ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ ضَابِطُ الْأَمْرَيْنِ ضَابِطًا وَاحِدًا هَذَا لَا يَصِحُّ بَلْ الضَّابِطُ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ الشَّاهِدِ فِي أُمُورِهِ الْمُبَاحَةِ رُبَّمَا أَشْعَرَتْ بِخَلَلٍ فِي عَقْلِهِ فَيَتَطَرَّقُ الْخَلَلُ إلَى ضَبْطِهِ وَرُبَّمَا لَمْ تُشْعِرْ وَذَلِكَ بِحَسَبِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ أَشْعَرَ بِذَلِكَ أَوْ احْتَمَلَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي قَبُولِهَا أَوْ تَوَقَّفَ وَإِلَّا فَلَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَعَ الْفَسَقَةِ، وَمَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلِّ الضَّرُورِيَّاتِ فَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ اشْتِرَاطُهَا فِيهِ، وَلِهَذَا هُنَا نَظَائِرُ (مِنْهَا) الشَّهَادَاتُ فَإِنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو لِحِفْظِ دِمَاءِ النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَبْضَاعِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ عَنْ الضَّيَاعِ فَلَوْ قُبِلَ فِيهَا قَوْلُ الْفَسَقَةِ وَمَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ لَضَاعَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا مِمَّا أَجْمَعَتْ الْأُمَمُ مَعَ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِهِ (وَمِنْهَا) الْوِلَايَاتُ كَالْإِمَامَةِ وَالْقَضَاءِ وَأَمَانَةِ الْحُكْمِ فَإِنَّ هَذِهِ الْوِلَايَاتِ وَغَيْرَهَا مِمَّا فِي مَعْنَى هَذِهِ لَوْ فُوِّضَتْ لِمَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ لَحُكِمَ بِالْجَوْرِ، وَانْتَشَرَ الظُّلْمُ، وَضَاعَتْ الْمَصَالِحُ، وَكَثُرَتْ الْمَفَاسِدُ، نَعَمْ لَمْ يَشْتَرِطْ بَعْضُهُمْ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى الْعَدَالَةَ لِغَلَبَةِ الْفُسُوقِ عَلَى وُلَاتِهَا فَلَوْ اُشْتُرِطَتْ لَتَعَطَّلَتْ التَّصَرُّفَاتُ الْمُوَافِقَةُ لِلْحَقِّ فِي تَوْلِيَةِ مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْ الْقُضَاةِ وَالسُّعَاةِ، وَأَخْذِ مَا يَأْخُذُونَهُ، وَبَذْلِ مَا يَبْذُلُونَهُ، وَفِي هَذَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ فَلِذَا أُفْسِحَ مِنْ فَوَاتِ عَدَالَةِ السُّلْطَانِ، وَلَمَّا كَانَ تَصَرُّفُ الْقُضَاةِ أَعَمُّ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَوْصِيَاءِ، وَأَخَصُّ مِنْ تَصَرُّفِ الْأَئِمَّةِ اُخْتُلِفَ فِي إلْحَاقِهِمْ بِالْأَئِمَّةِ أَوْ بِالْأَوْصِيَاءِ فَيَجْرِي فِيهِمْ الْخِلَافُ فِي عَدَالَةِ الْوَصِيِّ، وَإِذَا نَفَذَتْ تَصَرُّفَاتُ الْقُضَاةِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ الْقَطْعِ بِعَدَمِ وِلَايَتِهِمْ فَأَوْلَى نُفُوذُ تَصَرُّفَاتِ الْوُلَاةِ وَالْأَئِمَّةِ مَعَ غَلَبَةِ الْفُجُورِ عَلَيْهِمْ، وَمَعَ قُدْرَةِ الْبُغَاةِ وَعُمُومِ الضَّرُورَةِ لِلْوُلَاةِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلِّ الْحَاجِيَّاتِ فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِهَا نَظَرًا لِدَاعِيَةِ الْحَاجَةِ أَوْ عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا نَظَرًا لِمَا يُعَارِضُ دَاعِيَتَهَا إنْ كَانَ، وَلِهَذَا هُنَا نَظَائِرُ مِنْهَا إمَامَةُ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ شُفَعَاءُ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ لِإِصْلَاحِ حَالِ الشَّفِيعِ عِنْدَ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ، وَإِلَّا لَا تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ فَيُشْتَرَطُ فِيهِمْ الْعَدَالَةُ لَكِنْ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مَعَهُ نَظَرًا لِمَا ذُكِرَ، وَأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ مُرْتَبِطَةٌ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، وَأَنَّ فِسْقَهُ يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الرَّبْطِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهَا الشَّافِعِيُّ ﵀ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْفَاسِقَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ إجْمَاعًا، وَكُلُّ مُصَلٍّ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ عِنْدَهُ فَلَمْ تَدْعُهُ حَاجَةٌ لِصَلَاحِ حَالِ الْإِمَامِ.
(وَمِنْهَا) الْمُؤَذِّنُونَ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَى أَقْوَالِهِمْ فِي دُخُولِ الْأَوْقَاتِ وَإِيقَاعِ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ حَاجَةَ الِاعْتِمَادِ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فَقَطْ تَدْعُو إلَى اشْتِرَاطِ عَدَالَتِهِ إذْ لَوْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ غَيْرَ مَوْثُوقٍ بِهِ حَتَّى يُؤَذِّنَ قَبْلَ الْوَقْتِ لَتَعَدَّى خَلَلُهُ لِلصَّلَاةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ قَبْلَ وَقْتِهَا بَاطِلَةٌ فَلِذَا لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْأَذَانِ، وَهُوَ وَسِيلَةٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي إمَامَةِ الصَّلَاةِ، وَهِيَ مَقْصِدٌ، وَالْعِنَايَةُ بِالْمَقَاصِدِ أَوْلَى مِنْ الْوَسَائِلِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْإِمَامُ الْفَاسِقُ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ، وَأَخَلَّ بِشَرْطٍ بَاطِنٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْمَأْمُومُ لَمْ يَقْدَحْ عِنْدَهُ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ حَصَّلَ ذَلِكَ الشَّرْطَ فَلَا
стр. 824
وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ الْمُقْتَرِنَةِ وَالْقَرَائِنِ الْمُصَاحِبَةِ وَصُورَةِ الْفَاعِلِ وَهَيْئَةِ الْفِعْلِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ مَا يُؤَدِّي إلَى مَا يُوجَدُ فِي الْقَلْبِ السَّلِيمِ عَنْ الْهَوَاءِ الْمُعْتَدِلِ الْمِزَاجِ وَالْعَقْلِ وَالدِّيَانَةِ الْعَارِفِ بِالْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِوَزْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّسَاهُلُ فِي طَبْعِهِ لَا يَعُدُّ الْكَبِيرَةَ شَيْئًا، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّشْدِيدُ فِي طَبْعِهِ يَجْعَلُ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْعَقْلِ الْوَازِنِ لِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ، وَمَتَى تَخَلَّلَتْ التَّوْبَةُ الصَّغَائِرَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي إذَا كَانَتْ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الشَّبَهُ وَاللَّبْسُ إذَا تَقَرَّرَتْ مِنْ النَّوْعِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَوْضُوعُ النَّظَرِ الَّذِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا قَبُولُ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ قَبْلَ جَلْدِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ كَبِيرَةً اتِّفَاقًا، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَرَدَّهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَمُطَرِّفٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ لَنَا أَنَّهُ قَبْلَ الْجَلْدِ غَيْرُ فَاسِقٍ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ جَلْدِهِ يَجُوزُ رُجُوعُ الْبَيِّنَةِ أَوْ تَصْدِيقُ الْمَقْذُوفِ لَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْفِسْقُ إلَّا بَعْدَ الْجَلْدِ، وَالْأَصْلُ اسْتِصْحَابُ الْعَدَالَةِ وَالْحَالَةِ السَّابِقَةِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ تَرْتِيبَ الْفِسْقِ عَلَى الْقَذْفِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْقَذْفُ فَيَتَحَقَّقُ الْفِسْقُ سَوَاءٌ جُلِدَ أَمْ لَا.
(الثَّانِي) أَنَّ الْجَلْدَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْفِسْقِ فَلَوْ تَوَقَّفَ الْفِسْقُ عَلَى الْجَلْدِ لَزِمَ الدَّوْرُ.
(الثَّالِثُ) أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ إلَّا حَيْثُ تَيَقُّنِ الْعَدَالَةِ، وَلَمْ تُتَيَقَّنْ هُنَا فَتُرَدُّ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبُطْلَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَرَتَّبَ رَدَّ الشَّهَادَةِ وَالْفِسْقِ عَلَى الْجَلْدِ وَتَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عِلِّيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَكُونُ الْجَلْدُ هُوَ السَّبَبَ الْمُفَسِّقَ فَحَيْثُ لَا جَلْدَ لَا فُسُوقَ.
وَهُوَ مَطْلُوبُنَا أَوْ عَكْسُ مَطْلُوبِكُمْ، وَعَنْ الْوَجْهِ الثَّانِي أَنَّ الْجَلْدَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْفِسْقِ ظَاهِرًا ظُهُورًا ضَعِيفًا لِجَوَازِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ أَوْ تَصْدِيقِ الْمَقْذُوفِ فَإِذَا أُقِيمَ الْجَلْدُ قَوِيَ الظُّهُورُ بِإِقْدَامِ الْبَيِّنَةِ وَتَصْمِيمِهَا عَلَى أَذِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَقْذُوفُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ الْمُقْتَرِنَةِ وَالْقَرَائِنِ الْمُصَاحِبَةِ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ) قُلْت مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْدَهَا نَقْلٌ وَتَوْجِيهٌ وَلَا كَلَامَ فِيهِ وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوقِ السِّتَّةِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ أَوْ نَقْلٌ وَتَرْجِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يَقْدَحُ عِنْدَهُ تَضْيِيعُ غَيْرِهِ لَهُ، وَإِنْ أَخَلَّ بِرُكْنٍ ظَاهِرٍ كَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَنَحْوِهِمَا فَالِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ ضَرُورِيٌّ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْعَدَالَةِ فِيهِ لِأَنَّ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ نَابَ عَنْ الْعَدَالَةِ فِي ضَبْطِ الْمَصْلَحَةِ فَاسْتَغْنَى عَنْهَا فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ، وَأَمَّا مَنْ يُؤَذِّنُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَى قَوْلِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ عَدَالَةٌ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) أَنْ تَكُونَ فِي مَحَلِّ التَّتِمَّاتِ فَيَجْرِي الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِهَا وَعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا لِتَعَارُضِ شَائِبَتَيْنِ فِيهِ، وَلِهَذَا نَظَائِرُ هُنَا أَيْضًا مِنْهَا الْوِلَايَةُ فِي النِّكَاحِ فَإِنَّهَا تَتِمَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِحَاجِيَّةٍ بِسَبَبِ أَنَّ الْوَازِعَ الطَّبِيعِيَّ فِي الشَّفَقَةِ عَلَى الْمُوَلَّى عَلَيْهَا يَمْنَعُ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الْعَارِ، وَمِنْ السَّعْيِ فِي الْإِضْرَارِ فَقَرَّبَ ذَلِكَ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِيهَا كَالْإِقْرَارَاتِ لِقِيَامِ الْوَازِعِ الطَّبِيعِيِّ فِيهَا إلَّا أَنَّ الْفَاسِقَ لَمَّا كَانَ قَدْ يُوَالِي أَهْلَ شِيعَتِهِ فَيُؤْثِرُهُمْ بِتَوْلِيَتِهِ كَأُخْتِهِ وَابْنَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَهَا الْمَفْسَدَةُ الْعَظِيمَةُ فَاشْتُرِطَتْ الْعَدَالَةُ تَتِمَّةً لِأَجْلِ تَعَارُضِ هَاتَيْنِ الشَّائِبَتَيْنِ، وَلِهَذَا التَّعَارُضِ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَهَلْ تَصِحُّ وِلَايَةُ الْفَاسِقِ أَمْ لَا، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَوْلَانِ، وَمِنْهَا الْأَوْصِيَاءُ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنَّهُ لَا يُوصِي عَلَى ذُرِّيَّتِهِ إلَّا مَنْ يَثِقُ بِشَفَقَتِهِ فَوَازِعُهُ الطَّبِيعِيُّ يُحَصِّلُ مَصْلَحَةَ الْوَصِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ قَدْ يُوَلِّي أَهْلَ شِيعَتِهِ مِنْ الْفَسَقَةِ فَتَحْصُلُ الْمَفَاسِدُ مِنْ وِلَايَتِهِمْ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتَّزْوِيجِ تَعَارَضَتْ هَاتَانِ الشَّائِبَتَانِ فَكَانَ تَعَارُضُهُمَا سَبَبًا فِي كَوْنِ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْأَوْصِيَاءِ تَتِمَّةً كَمَا تَقَدَّمَ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ، وَفِي الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْأَوْصِيَاءِ
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الضَّرُورَةُ، وَالْحَاجَةُ وَالتَّتِمَّةُ فَيَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِيهِ، وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ هُنَا (مِنْهَا) الْإِقْرَارُ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْوَازِعِ الطَّبِيعِيِّ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَالِهِ أَوْ نَفْسِهِ أَوْ أَعْضَائِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَالطَّبْعُ يَمْنَعُ مِنْ الْمُسَامَحَةِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ بَلْ هُوَ مَعَ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَهُ شَأْنُ الطِّبَاعِ جَحْدُهُ فَلَا يُعَارِضُ الطَّبْعَ هُنَا مُوَالَاتُهُ لِأَهْلِ شِيعَتِهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَطْبُوعٌ عَلَى تَقْدِيمِ نَفْسِهِ عَلَى غَيْرِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ شِيعَتِهِ وَأَصْدِقَائِهِ أَمْ لَا فَلِذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِيهِ، وَلَمْ يَنْعَقِدْ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَالْوَصِيَّةِ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْوَلِيَّ وَالْوَصِيَّ يَتَصَرَّفَانِ لِغَيْرِهِمَا فَيُمْكِنُ فِيهِمَا مُرَاعَاةُ الْأَصْدِقَاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِأَحَدِ الْغَيْرَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
(وَمِنْهَا) الدَّعَاوَى فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَدَّعِي لِنَفْسِهِ فَدَعْوَاهُ عَلَى، وَفْقِ طَبْعِهِ عَكْسُ الْأَقَارِيرِ إلَّا أَنَّ إلْزَامَهُ الْبَيِّنَةَ
стр. 825
وَحِينَئِذٍ نَقُولُ إنَّ مُدْرَكَ رَدِّ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ الظُّهُورُ الْقَوِيُّ لِأَنَّهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعَدَالَةِ السَّابِقَةِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) قَالَ الْبَاجِيَّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيُّ لَا بُدَّ فِي تَوْبَةِ الْقَاذِفِ مِنْ تَكْذِيبِهِ لِنَفْسِهِ لِأَنَّا قَضَيْنَا بِكَذِبِهِ فِي الظَّاهِرِ لَمَّا فَسَّقْنَاهُ فَلَوْ لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ لَكَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي فَسَّقْنَاهُ لِأَجْلِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَيْهِ إشْكَالَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ فَتَكْذِيبُهُ لِنَفْسِهِ كَذِبٌ فَكَيْفَ تُشْتَرَطُ الْمَعْصِيَةُ فِي التَّوْبَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّهَا، وَنَجْعَلُ الْمَعَاصِيَ سَبَبَ صَلَاحِ الْعَبْدِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَرِفْعَتِهِ.
(ثَانِيهِمَا) أَنَّهُ إنْ كَانَ كَاذِبًا فِي قَذْفِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ صَادِقًا فَهُوَ عَاصٍ لِأَنَّ تَعْيِيرَ الزَّانِي بِزِنَاهُ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يَنْفَعُهُ تَكْذِيبُ نَفْسِهِ مَعَ كَوْنِهِ عَاصِيًا بِكُلِّ حَالٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْكَذِبَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ كَالرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَلِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا التَّكْذِيبُ فِيهِ مَصْلَحَةُ السَّتْرِ عَلَى الْمَقْذُوفِ، وَتَقْلِيلُ الْأَذِيَّةِ وَالْفَضِيحَةِ عِنْدَ النَّاسِ، وَقَبُولُ شَهَادَتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَعَوْدُهُ إلَى الْوِلَايَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَالَةُ، وَتَصَرُّفُهُ فِي أَمْوَالِ أَوْلَادِهِ وَتَزْوِيجُهُ لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ، وَتَعَرُّضُهُ لِلْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ
(وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ تَعْيِيرَ الزَّانِي بِزِنَاهُ صَغِيرَةٌ لَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ وَلَا قَبُولِ شَهَادَتِهِ تَكْذِيبُهُ لِنَفْسِهِ بَلْ صَلَاحُ حَالِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ كَسَائِرِ الذُّنُوبِ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ التُّهْمَةِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا تُرَدُّ بِهِ]
(الْفَرْقُ الثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التُّهْمَةِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا تُرَدُّ بِهِ)
اعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ بِالتُّهْمَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَكِنْ وَقَعَ الْخِلَافُ فِي بَعْضِ الرُّتَبِ، وَتَحْرِيرُ ذَلِكَ أَنَّ التُّهْمَةَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ مُجْمَعٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا لِقُوَّتِهَا، وَمُجْمَعٌ عَلَى إلْغَائِهَا لِخِفَّتِهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ تَلْحَقُ بِالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا فَتَمْنَعُ أَوْ بِالرُّتْبَةِ الدُّنْيَا فَلَا تَمْنَعُ فَأَعْلَاهَا شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ مُجْمَعٌ عَلَى رَدِّهَا، وَأَدْنَاهَا شَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِرَجُلٍ مِنْ قَبِيلَتِهِ أُجْمِعَ عَلَى اعْتِبَارِهَا، وَبُطْلَانِ هَذِهِ التُّهْمَةِ، وَمِثَالُ الْمُتَوَسِّطِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرُّتْبَتَيْنِ شَهَادَتُهُ لِأَخِيهِ أَوْ لِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَوَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي عَمُودَيْ النَّسَبِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لَا يَشْهَدُ لَهُمْ، وَخَالَفُونَا فِي الْأَخِ وَالصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ، وَوَافَقَنَا ابْنُ حَنْبَلٍ فِي الزَّوْجَيْنِ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ لَهُمَا، وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فَقَبِلَ، وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ فِي اعْتِبَارِ الْعَدَاوَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي الدِّينِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُ أَوْ الْيَمِينَ مَعَ شَاهِدٍ أَوْ مَعَ نُكُولٍ عَلَى الْخِلَافِ فِي صِحَّةِ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ أَوْ النُّكُولِ لِأَنَّهُمَا يُبْعِدَانِ التُّهْمَةَ عَنْ الدَّعْوَى، وَيُقِرُّ بِأَنَّهَا مِنْ الصِّحَّةِ قَائِمٌ مَقَامَ الْعَدَالَةِ لِرُجْحَانِ الصِّدْقِ عَلَى الْكَذِبِ حِينَئِذٍ كَمَا تُرَجَّحُ بِالْعَدَالَةِ، وَقِسْ عَلَى هَذِهِ النَّظَائِرِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهَا فَيَحْصُلُ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ إجْمَاعًا إذَا كَانَ مِنْ الضَّرُورَةِ أَوْ عَلَى الْخِلَافِ إذَا كَانَ مِنْ الْحَاجَةِ وَثَمَّ مُعَارِضٌ، وَإِلَّا فَلَا خِلَافَ أَوْ كَانَ مِنْ التَّتِمَّةِ لِتَعَارُضِ الشَّائِبَيْنِ فِيهِ وَبَيْنَ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ إذَا كَانَ مِمَّا خَرَجَ عَنْ الثَّلَاثَةِ كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) قَالَ الْعَلَّامَةُ الشِّرْبِينِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمُرْسَلِ أَيْ الْمُطْلَقِ عَنْ الِاعْتِبَارِ وَالْإِلْغَاءِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ مَصْلَحَةٌ ضَرُورِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ لِأَنَّهَا مِمَّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فَهِيَ حَقٌّ قَطْعًا، وَاشْتَرَطَهَا الْغَزَالِيُّ لِلْقَطْعِ بِالْقَوْلِ بِهِ لَا لِأَصْلِ الْقَوْلِ بِهِ قَالَ، وَالظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْ الْقَطْعِ كَالْقَطْعِ اهـ.
مَا خُلَاصَتُهُ نَقْلًا عَنْ السَّعْدِ فِي التَّلْوِيحِ أَنَّ الْإِمَامَ الْغَزَالِيَّ قَسَمَ الْمَصَالِحَ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِاعْتِبَارِهِ، وَهِيَ أَصْلٌ فِي الْقِيَاسِ وَحُجَّةٌ، وَهِيَ الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ أَيْ الَّتِي هِيَ حِفْظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسَبِ وَالْمَالِ فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الضَّرُورِيَّةِ، وَكُلُّ مَا يُقَوِّيهَا فَهِيَ مَصْلَحَةٌ، وَدَفْعُهَا مَفْسَدَةٌ، وَإِذَا أَطْلَقْنَا الْمُعَيَّنَ الْمُخَيَّلَ، وَالْمُنَاسِبَ فِي بَابِ الْقِيَاسِ أَرَدْنَا بِهِ هَذَا الْجِنْسَ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطْلَانِهِ كَنَفْيِ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْمَلِكِ أَيْ السُّلْطَانِ. (الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا لَمْ يَشْهَدْ لَهُ الشَّرْعُ بِالِاعْتِبَارِ وَلَا بِالْبُطْلَانِ، وَهَذَا فِي مَحَلِّ النَّظَرِ، وَهِيَ الْمَصَالِحُ الْحَاجِيَّةُ وَالتَّحْسِينِيَّة فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهَا مَا لَمْ تُعَضَّدْ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى وَضْعِ الشَّرْعِ بِالرَّأْيِ، وَإِذَا اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ فَهُوَ قِيَاسٌ اهـ.
وَمَا مَشْي عَلَيْهِ فِي هَذَا الْقِسْمِ الْمُسَمَّى بِالْمُرْسَلِ، وَبِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ذَكَرَهَا الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فِي كِتَابِهِ الِاعْتِصَامِ، وَعَزَى هَذَا الْقَوْلَ إلَى الْقَاضِي وَطَائِفَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ. (وَالثَّانِي) وَهُوَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِمَالِكٍ (وَالثَّالِثُ) وَهُوَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ بِشَرْطِ قُرْبِهِ مِنْ مَعَانِي الْأُصُولِ لِلشَّافِعِيِّ، وَمُعْظَمِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ هَذَا مَا حَكَى الْإِمَامُ الْجُوَيْنِيُّ اهـ.
وَمِنْ نَظَائِرِ هَذَا الْقِسْمِ رَمْيُ بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السَّفِينَةِ فِي الْبَحْرِ لِنَجَاةِ الْبَاقِينَ فَعِنْدَ أَصْحَابِنَا يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ مِنْ
стр. 826
الْعَدَاوَةُ مُطْلَقًا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُتَوَسِّطَاتِ لَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» احْتَجُّوا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَبِقَوْلِهِ ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الظَّوَاهِرِ وَالْفِقْهِ مَعَ مَنْ كَانَتْ الْقَوَاعِدُ وَالنُّصُوصُ مَعَهُ أَظْهَرُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ أَوْ كُفْرِهِ أَوْ صِغَرِهِ أَوْ رَقِّهِ ثُمَّ أَدَّاهَا بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ يُتَّهَمُ فِي تَنْفِيذِ مَا رُدَّ فِيهِ مَنَعْنَاهَا نَحْنُ وَابْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄ يُقْبَلُ الْكُلَّ إلَّا الْفَاسِقَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَاسِقَ تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي عَدَالَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ الرَّدُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الْفِسْقِ، وَأُولَئِكَ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ لِمَا عُلِمَ مِنْ صِفَاتِهِمْ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرَّدُّ الْبَاعِثُ عَلَى التُّهْمَةِ، وَلَنَا شَهَادَةُ الْعَوَائِدِ، وَلِأَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ بِصِفَاتِهِمْ لَوْ وَقَعَ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمَا وَقَعَ الْأَدَاءُ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَا حَيْثُ وَقَعَ الْأَدَاءُ فَصِفَاتُهُمْ حِينَئِذٍ تَكُونُ مَجْهُولَةً فَسَقَطَ الْفَرْقُ، وَعَكْسُهُ لَوْ حَصَلَ الْبَحْثُ عَنْ الْفِسْقِ قَبْلَ الْأَدَاءِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا لَمْ تُرَدَّ، وَصَلَحَتْ حَالُهُ، وَمَنَعْنَا شَهَادَةَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إذَا قُصِدُوا فِي التَّحَمُّلِ دُونَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْعُدُولَ إلَيْهِمْ مَعَ إمْكَانِ غَيْرِهِمْ تُهْمَةٌ فِي إبْطَالِ مَا شَهِدُوا بِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ لَا يُقْبَلُ بَدْوِيٌّ مُطْلَقًا عَلَى قَرَوِيٍّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ تُقْبَلُ مُطْلَقًا، لَنَا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَفِي أَبِي دَاوُد «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدْوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ» ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَنَا عَلَى مَوْضِعِ التُّهْمَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُمُومَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وَحَمَّلُوهُمْ الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ لَمْ تُعْلَمْ عَدَالَتُهُ مِنْ الْأَعْرَابِ قَالُوا وَهُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ التَّخْصِيصِ حِينَئِذٍ فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَهِدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُ عَلَى النَّاسِ» ، وَلِأَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْجِرَاحِ قُبِلَتْ فِي غَيْرِهَا كَالْحَضَرِيِّ، وَلِأَنَّ الْجِرَاحَ آكَدُ مِنْ الْمَالِ فَفِي الْمَالِ أَوْلَى.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ جَمْعَنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَجْلِ عَدَمِ الْعَدَالَةِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ بِصَاحِبِ الْقَرْيَةِ فَائِدَةٌ بَلْ لِلتُّهْمَةِ، وَعَنْ الثَّانِي نَحْنُ نَقْبَلُهُ فِي الْهِلَالِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْجِرَاحَ يُقْصَدُ الْخِلْوَاتِ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ فَكَانَتْ التُّهْمَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَوْجُودَةً دُونَ الْجِرَاحِ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ الْحُرِّ وَالرَّقِيقِ لِأَجْلِ نَجَاةِ الْبَاقِينَ لَكِنْ بَعْدَ رَمْيِ الْأَمْوَالِ غَيْرِ الرَّقِيقِ، وَقَالَ الْمَحَلِّيُّ لَا يَجُوزُ رَمْيُ الْبَعْضِ بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّ الْقُرْعَةَ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ نَجَاةَ الْبَاقِينَ لَيْسَ كُلِّيًّا أَيْ مُتَعَلِّقًا بِكُلِّ الْأُمَّةِ اهـ.
وَفِي الْعَطَّارِ عَلَيْهِ ذَكَرَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ أَنَّ مَرْكَبًا كَانَ فِي الْبَحْرِ وَفِيهِ مُسْلِمُونَ وَكُفَّارٌ فَأَشْرَفُوا عَلَى الْغَرَقِ، وَأَرَادُوا لِيَرْمُوا بَعْضَهُمْ إلَى الْبَحْرِ لِتَخِفَّ الْمَرْكَبُ، وَيَنْجُوَ الْبَاقِي فَقَالُوا نَقْتَرِعُ، وَمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ أَلْقَيْنَاهُ فَقَالَ الرَّيِّسُ نَعُدُّ الْجَمَاعَةَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ تَاسِعًا فِي الْعَدَدِ أَلْقَيْنَاهُ فَارْتَضَوْا بِذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ يَعُدُّهُمْ، وَيُلْقِي التَّاسِعَ فَالتَّاسِعَ إلَى أَنْ أَلْقَى الْكُفَّارَ أَجْمَعِينَ، وَسَلِمَ الْمُسْلِمُونَ، وَكَانَ وَضَعَهُمْ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِأَنْ وَضَعَ أَرْبَعَةً مُسْلِمِينَ، وَخَمْسَةً كُفَّارًا ثُمَّ مُسْلِمَيْنِ ثُمَّ كَافِرًا إلَى آخِرِ ذَلِكَ، وَوَضَعَ لَهُمْ ضَابِطًا، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ:
اللَّهُ يَقْضِي بِكُلِّ يُسْرٍ ... وَيَرْزُقُ الضَّعِيفَ حَيْثُ كَانَا
فَمُهْمَلُ الْحُرُوفِ لِلْمُسْلِمِينَ وَمُعْجَمُهَا لِلْكُفَّارِ، وَالِابْتِدَاءُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَالسَّيْرُ إلَى جِهَةِ الشِّمَالِ بِالْعَدَدِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَفِيهِ أَيْضًا قَبْلَ ذَلِكَ عَنْ اللُّغْزِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِالْمُرْسَلِ فِي الشَّرْعِ لَا يُتَصَوَّرُ حَتَّى يُتَكَلَّمَ فِيهِ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ إذْ الْوَقَائِعُ لَا حَصْرَ لَهَا، وَكَذَا الْمَصَالِحُ، وَمَا مِنْ مَسْأَلَةٍ تَعْرِضُ إلَّا وَفِي الشَّرْعِ دَلِيلٌ عَلَيْهَا إمَّا بِالْقَبُولِ أَوْ بِالرَّدِّ فَإِنَّا نَعْتَقِدُ اسْتِحَالَةَ خُلُوِّ وَاقِعَةٍ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ الدِّينَ قَدْ كَمُلَ.
وَقَدْ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وَانْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ الدِّينِ قَالَ تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ تَصَوُّرِهِ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ تَنْقَسِمُ إلَى مَوَاقِعِ التَّعَبُّدَاتِ، وَالْمُتَّبَعُ فِيهَا النُّصُوصُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَمَا لَمْ تُرْشِدْ النُّصُوصُ إلَيْهِ فَلَا تَعَبُّدَ بِهِ.
وَإِلَى مَا لَيْسَ مِنْ التَّعَبُّدَاتِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ كَالْأَيْمَانِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالطَّلَاقِ؛ وَقَدْ أَحَالَهَا الشَّرْعُ فِي مُوجِبَاتِهَا إلَى قَضَايَا الْعُرْفِ فِيهَا بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ ﵊ كَالِاكْتِفَاءِ بِالْعِثْكَالِ الَّذِي عَلَيْهِ مِائَةُ شُمْرُوخٍ إذَا حَلَفَ أَنْ يَضْرِبَ مِائَةً لِمَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ ﵇ وَلَمْ يُنْسَخْ فِي شَرْعِنَا، وَإِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الْأَلْفَاظِ، وَهُوَ مُنْقَسِمٌ إلَى مَا يَنْضَبِطُ فِي نَفْسِهِ كَالنَّجَاسَاتِ وَالْمَحْظُورَاتِ وَطُرُقِ تَلَقِّي الْمِلْكِ فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ مُنْضَبِطَةٌ، وَمُسْتَنَدَاتُهَا مَعْلُومَةٌ، وَإِلَى مَا لَا يَنْضَبِطُ إلَّا بِالضَّبْطِ فِي مُقَابِلِهِ كَالْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ، وَالْأَفْعَالُ الْمُبَاحَةُ تَنْضَبِطُ بِضَبْطِ النَّجَاسَةِ وَالْحَظْرِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْلَاكُ مُنْتَشِرَةٌ تَنْضَبِطُ بِضَبْطِ طُرُقِ النَّقْلِ، وَالْإِيذَاءُ مُحَرَّمٌ عَلَى الِاسْتِرْسَالِ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ، وَيَنْضَبِطُ بِضَبْطِ مَا اسْتَثْنَى الشَّرْعُ فِي مُقَابَلَتِهِ فَالْوَقَائِعُ إنْ وَقَعَتْ فِي جَانِبِ الضَّبْطِ أُلْحِقَتْ بِهِ
стр. 827
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَقَاعِدَةِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ)
فَضَابِطُ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ أَنَّهَا طَلَبٌ مُعَيَّنٌ أَوْ مَا فِي ذِمَّةِ مُعَيَّنٍ أَوْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا لَا تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ فَالْأَوَّلُ كَدَعْوَى أَنَّ السِّلْعَةَ الْمُعَيَّنَةَ اشْتَرَاهَا مِنْهُ أَوْ غُصِبَتْ مِنْهُ، وَالثَّانِي كَالدُّيُونِ وَالسَّلَمِ ثُمَّ الْمُعَيَّنُ الَّذِي يَدَّعِي فِي ذِمَّتِهِ قَدْ يَكُونُ مُعَيَّنًا بِالشَّخْصِ كَزَيْدٍ أَوْ بِالصِّفَةِ كَدَعْوَى الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْقَتْلِ عَلَى جَمَاعَةٍ أَوْ أَنَّهُمْ أَتْلَفُوا مُتَمَوِّلًا، وَالثَّالِثُ كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ أَوْ الرِّدَّةَ عَلَى زَوْجِهَا فَيَتَرَتَّبُ لَهَا حَوْزُ نَفْسِهَا، وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ أَوْ الْوَارِثُ أَنَّ أَبَاهُ مَاتَ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا فَيَتَرَتَّبُ لَهُ الْمِيرَاثُ الْمُعَيَّنُ فَهِيَ مَقَاصِدُ صَحِيحَةٌ، وَقَوْلُنَا مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا احْتِرَازٌ مِنْ دَعْوَى عُشْرِ سِمْسِمَةٍ فَإِنَّ الْحَاكِمَ لَا يَسْمَعُ مِثْلَ هَذِهِ الدَّعْوَى لِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَفْعٌ شَرْعِيٌّ، وَلِهَذِهِ الدَّعْوَى أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً مُحَقَّقَةً لَا تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ يَتَعَلَّقُ بِهَا غَرَضٌ صَحِيحٌ، وَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ قَالَ: لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ لِأَنَّهَا مَجْهُولَةٌ، وَكَذَلِكَ: أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْك أَلْفًا أَوْ: لَك عَلَيَّ أَلْفٌ، وَأَظُنُّ أَنِّي قَضَيْتهَا لَمْ تُسْمَعْ لِتَعَذُّرِ الْحُكْمِ بِالْمَجْهُولِ إذْ لَيْسَ بَعْضُ الْمَرَاتِبِ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْخَطَرِ بِمُجَرَّدِ الْوَهْمِ مِنْ الْمُدَّعِي، وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ لَا يَصِحُّ دَعْوَى الْمَجْهُولِ إلَّا فِي الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ بِالْوَصِيَّةِ الْمَجْهُولَةِ كَثُلُثِ الْمَالِ، وَالْمَالُ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَصِحَّةُ الْمِلْكِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، وَيَلْزَمُهُ الْحَاكِمُ بِالتَّعْيِينِ، وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إنْ ادَّعَى بِدَيْنٍ مِنْ الْأَثْمَانِ ذَكَرَ الْجِنْسَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ، وَالنَّوْعَ مِصْرِيَّةً أَوْ مَغْرِبِيَّةً، وَالصِّفَةَ صِحَاحًا أَوْ مُكَسَّرَةً وَالْمِقْدَارَ وَالسِّكَّةَ، وَيَذْكُرُ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةَ فِي السَّلَمِ، وَذِكْرُ الْقِيمَةِ مَعَ الصِّفَاتِ أَحْوَطُ، وَمَا لَا تَضْبِطُهُ الصِّفَةُ كَالْجَوَاهِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقِيمَةِ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَيَذْكُرُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارِ اسْمَ الصُّقْعِ وَالْبَلَدِ، وَفِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالذَّهَبِ قِيمَتَهُ فِضَّةً، وَبِالْفِضَّةِ قِيمَتَهُ ذَهَبًا أَوْ بِهِمَا قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ ذِكْرُ سَبَبِ مِلْكِ الْمَالِ بِخِلَافِ سَبَبِ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ هَاهُنَا دُونَ الْمَالِ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَهَلْ قَتَلَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ إتْلَافَهُ لَا يُسْتَدْرَكُ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَهَذَا كُلُّهُ لَا يُخَالِفُهُ أَصْحَابُنَا، وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ وَقَوْلَ أَصْحَابِنَا إنَّ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَإِنْ وَقَعَتْ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ أُلْحِقَتْ بِهِ، وَإِنْ تَرَدَّدَتْ بَيْنَهُمَا، وَتَجَاذَبَهَا الطَّرَفَانِ أُلْحِقَتْ بِأَقْرَبِهِمَا، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَلُوحَ التَّرْجِيحُ لَا مَحَالَةَ فَخَرَجَ مِنْهُ أَنَّ كُلَّ مَصْلَحَةٍ تُتَخَيَّلُ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ مَحْبُوسَةٍ بِالْأُصُولِ الْمُتَعَارِضَةِ لَا بُدَّ أَنْ تَشْهَدَ الْأُصُولُ بِرَدِّهَا أَوْ قَبُولِهَا اهـ.
وَفِي التَّلْوِيحِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَأَمَّا الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا رَأْيُ مُجْتَهِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ، وَلَهَا نَظَائِرُ مِنْهَا رَمْيُ الْكُفَّارِ الْمُتَتَرِّسِينَ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْحَرْبِ الْمُؤَدِّي إلَى قَتْلِ التُّرْسِ مَعَهُمْ إذَا قُطِعَ أَوْ ظَنَّ ظَنًّا قَرِيبًا مِنْ الْقَطْعِ بِأَنَّهُمْ إنْ لَمْ يَرْمُوا اسْتَأْصَلُوا الْمُسْلِمِينَ بِالْقَتْلِ التُّرْسَ، وَغَيْرَهُ، وَإِنْ رَمَوْا سَلِمَ غَيْرُ التُّرْسِ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ لِحِفْظِ بَاقِي الْأُمَّةِ فَإِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا بِأَدِلَّةٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْحَصْرِ أَنَّ تَعْلِيلَ الْقَتْلِ مَقْصُودٌ لِلشَّارِعِ كَمَنْعِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لَكِنْ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ غَرِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مَعَنَا، وَنَحْنُ إنَّمَا نُجَوِّزُ عِنْدَ الْقَطْعِ أَوْ ظَنٍّ قَرِيبٍ مِنْ الْقَطْعِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَخَصَّصَ الْحُكْمُ مِنْ الْعُمَومَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَنْعِ عَنْ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِمَا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الشَّرْعَ يُؤْثِرُ الْحُكْمَ الْكُلِّيَّ عَلَى الْجُزْئِيِّ، وَأَنَّ حِفْظَ أَصْلِ الْإِسْلَامِ أَهَمُّ مِنْ حِفْظِ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا، وَإِنْ سَمَّيْنَاهُ مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً لَكِنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ لِأَنَّ مُرَجِّحَ الْمَصْلَحَةِ إلَى حِفْظِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ الْمَعْلُومَةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي عُرِفَتْ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ لَا حَصْرَ لَهَا مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَتَفَارِيقِ الْأَمَارَاتِ سَمَّيْنَاهَا مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً لَا قِيَاسًا إذْ الْقِيَاسُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ. اهـ
بِتَوْضِيحٍ مِنْ الْمَحَلِّيّ قَالَ الشِّرْبِينِيُّ فَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَنَحْنُ إنَّمَا نُجَوِّزُهُ إلَخْ أَنَّهُ هُوَ لَا يَقُولُ بِهِ أَيْ الْمُرْسَلِ عِنْدَ فَقْدِ الشُّرُوطِ أَمَّا غَيْرُهُ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ بِهِ عِنْدَ الْفَقْدِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُؤَدِّيَ إلَيْهَا رَأْيُ مُجْتَهِدٍ، وَمِنْ قَوْلِهِ، وَلِأَنَّ كَوْنَ هَذِهِ الْمَعَانِي إلَخْ أَنَّهُ إنَّمَا جَعَلَ هَذِهِ مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الدَّلِيلِ، وَإِنْ رَجَعَتْ إلَى الْأُصُولِ الْأَرْبَعَةِ لَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ كَمَا فِي غَيْرِهِمَا مِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ فَإِطْلَاقُ الْمُرْسَلِ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْمُشَابَهَةِ فِي عَدَمِ تَعَيُّنِ الدَّلِيلِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهَا لَا لِعَدَمِهِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ عَنْهُ فِي الْمَنْخُولِ أَنَّهُ ذَكَرَ مِنْ نَظَائِرِهَا أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا انْقِلَابَ أَمْوَالِ الْعَالَمِ بِجُمْلَتِهَا مُحَرَّمَةً لِكَثْرَةِ الْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ وَاشْتِبَاهِ الْغُصُوبِ بِغَيْرِهَا عَسِرَ الْوُصُولُ إلَى الْحَلَالِ الْمَحْضِ.
وَقَدْ وَقَعَ فَنُبِيحُ لِكُلِّ مُحْتَاجٍ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ مِنْ كُلِّ مَالٍ لِأَنَّ تَحْرِيمَ التَّنَاوُلِ يُفْضِي إلَى الْهَلَاكِ، وَتَخْصِيصُهُ بِمِقْدَارِ سَدِّ الرَّمَقِ يُكَفُّ النَّاسَ عَنْ مُعَامَلَاتِهِمْ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَيَتَدَاعَى ذَلِكَ إلَى فَسَادِ الدُّنْيَا وَخَرَابِ
стр. 828
الْإِنْسَانَ لَوْ وَجَدَ وَثِيقَةً فِي تَرِكَةِ مُوَرِّثِهِ أَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِحَقٍّ لَهُ فَالْمَنْقُولُ جَوَازُ الدَّعْوَى بِمِثْلِ هَذَا، وَالْحَلِفُ بِمُجَرَّدِهِ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ لَا تُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الْعِلْمَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عِنْدَ الطَّالِبِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ التَّصْرِيحَ بِالظَّنِّ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ لَا يَقْدَحُ فَهَذَا مَانِعٌ لِأَنَّ عَدَمَهُ شَرْطٌ، وَأَيْضًا فَمَا جَازَ الْإِقْدَامُ مَعَهُ لَا يَكُونُ التَّصْرِيحُ بِهِ مَانِعًا كَمَا لَوْ شَهِدُوا بِالِاسْتِفَاضَةِ وَبِالسَّمَاعِ وَبِالظَّنِّ فِي الْفَلَسِ وَحَصْرِ الْوَرَثَةِ، وَصَرَّحَ بِمُسْتَنَدِهِ فِي الشَّهَادَةِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا عَلَى الصَّحِيحِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَقْدَحُ تَصْرِيحُ الشَّاهِدِ بِمُسْتَنَدِهِ فِي ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ فَإِنَّ مَا جَوَّزَهُ الشَّرْعُ لَا يَكُونُ النُّطْقُ بِهِ مُنْكَرًا، وَهَذَا مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ، وَقَوْلِي لَا تُكَذِّبُهُمَا الْعَادَةُ سَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَسَائِلِ هَذَا الْفَرْقِ فَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُسْمَعُ، وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُسْمَعُ مِنْ الدَّعَاوَى مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَيَكْمُلُ الْبَيَانُ فِي ذَلِكَ بِمَسْأَلَتَيْنِ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) تُسْمَعُ الدَّعَاوَى عِنْدَنَا فِي النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ تَزَوَّجْتهَا بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا بَلْ يَقُولُ هِيَ زَوْجَتِي فَيَكْفِيهِ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄ لَا تُسْمَعُ حَتَّى يَقُولَ بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ بِخِلَافِ دَعْوَى الْمَالِ وَغَيْرِهِ لَنَا الْقِيَاسُ عَلَى الْبَيْعِ وَالرِّدَّةِ وَالْعِدَّةِ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لَهُمَا فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا، وَلِأَنَّ ظَاهِرَ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ النِّكَاحَ خَطَرٌ، وَالْوَطْءُ لَا يُسْتَدْرَكُ فَأَشْبَهَ الْقَتْلَ (الثَّانِي) أَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا اخْتَصَّ بِشُرُوطٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ الصَّدَاقِ وَغَيْرِهِ خَالَفَتْ دَعْوَاهُ الدَّعَاوَى قِيَاسًا لِلدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ. (الثَّالِثُ) أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَمِيعِ الْعُقُودِ يَدْخُلُهُ الْبَدَلُ وَالْإِبَاحَةُ بِخِلَافِهِ فَكَانَ خَطَرًا فَيُحْتَاطُ فِيهِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ غَالِبَ دَعْوَى الْمُسْلِمِ الصِّحَّةُ فَالِاسْتِدْرَاكُ حِينَئِذٍ نَادِرٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ.
وَالْقَتْلُ خَطَرُهُ أَعَدُّ مِنْ حُرْمَةِ النِّكَاحِ، وَالنَّادِرُ وَهُوَ الْفَرْقُ الْمَانِعُ مِنْ الْقِيَاسِ. (وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ دَعْوَى الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ شُرُوطَهُ بِدَلِيلِ الْبَيْعِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الشُّرُوطِ كَالْبَيْعِ لَهُ شُرُوطٌ لَا تُشْتَرَطُ فِي دَعْوَاهُ (وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ الرِّدَّةَ وَالْعِدَّةَ لَا يَدْخُلُهُمَا الْبَدَلُ، وَيَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِيهِمَا.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الدَّعَاوَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي بَيَانِ قَوْلِي لَا تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ وَالدَّعَاوَى ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (قِسْمٌ) تُصَدِّقُهُ الْعَادَةُ كَدَعْوَى الْقَرِيبِ الْوَدِيعَةَ (وَقِسْمٌ) تُكَذِّبُهُ الْعَادَةُ كَدَعْوَى الْحَاضِرِ الْأَجْنَبِيِّ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ زَيْدٍ، وَهُوَ حَاضِرٌ يَرَاهُ يَهْدِمُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْعَالَمِ فَلَا يَتَفَرَّغُونَ، وَهُمْ عَلَى حَالَتِهِمْ مُشْرِفُونَ عَلَى الْمَوْتِ إلَى صِنَاعَتِهِمْ، وَأَشْغَالِهِمْ، وَالشَّرْعُ لَا يَرْضَى بِمِثْلِهِ قَطْعًا فَنُبِيحُ لِكُلِّ غَنِيٍّ مِنْ مَالِهِ مِقْدَارَ كِفَايَتِهِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا اقْتِصَارٍ عَلَى سَدِّ الرَّمَقِ، وَنُبِيحُ لِكُلِّ مُقَتِّرٍ فِي مَالِ مَنْ فَضَلَ مِنْهُ هَذَا الْقَدْرَ مِثْلَهُ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَاعِدَةٌ، وَهُوَ أَنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ إذَا اُضْطُرَّ إلَى طَعَامِ غَيْرِهِ أَوْ إلَى مَيْتَةٍ يُبَاحُ لَهُ مِقْدَارُ الِاسْتِقْلَالِ مُحَافَظَةً عَلَى الرُّوحِ فَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْأَرْوَاحِ أَوْلَى وَأَحَقُّ اهـ.
قَالَ الْعَطَّارُ.
وَقَوْلُ الْغَزَالِيِّ، وَقَدْ وَقَعَ أَيْ هَذَا حَصَلَ فِي عَصْرِهِ، وَأَمَّا الْعَصْرُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ الْآنَ فَالْحَالُ أَقْوَى وَأَشَدُّ نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ فَالتَّمَسُّكُ بِمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِيهِ أَحْرَى سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ فِي كِتَابِهِ تَوْشِيحُ التَّرْشِيحِ كَلَامًا يَقْرُبُ مِمَّا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ حَيْثُ نَقَلَ عَنْ وَالِدِهِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ فِي ذِكْرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا، وَاسْتَخْرَجَهَا قَالَ: مَنْ جَاءَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمَالِ، وَهُوَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ يَأْخُذُهُ حَرَامًا كَانَ أَمْ حَلَالًا ثُمَّ إنْ كَانَ حَلَالًا لَا تَبِعَةَ فِيهِ تَمَوَّلَهُ، وَإِلَّا رَدَّهُ فِي مَرَدِّهِ إنْ عَرَفَ مُسْتَحِقَّهُ، وَإِلَّا فَهُوَ كَالْمَالِ الضَّائِعِ قَالَ وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «مَا أَتَاك مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ، وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَإِلَّا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» قَالَ، وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ ﷺ هَذَا مَا يَدْفَعُ مَا نَقُولُهُ لِأَنَّا عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَمْ يَعْنِ خُصُوصَ ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي دَفَعَهُ هُوَ ﷺ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَعَمُّ مِنْهُ مِنْ كُلِّ حَلَالٍ أَوْ الْأَعَمُّ مُطْلَقًا مِنْ كُلِّ مَالٍ قَالَ وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ اهـ.
الْمُرَادُ، وَفِي حَاشِيَةِ كنون عَلَى عبق وَبَنَان أَوَّلَ بَابِ الْبُيُوعِ قَالَ الْقَلْشَانِيُّ اُخْتُلِفَ فِي تَعْرِيفِ الْحَلَالِ فَقِيلَ هُوَ مَا لَمْ يُعْرَفْ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَقِيلَ مَا عُرِفَ أَصْلُهُ، وَالْأَوَّلُ أَرْفَقُ بِالنَّاسِ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَانِ قَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ وَعِنْدِي فِي هَذَا الزَّمَانِ أَنَّ مَنْ أَخَذَ قَدْرَ الضَّرُورَةِ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مِنْ غَيْرِ سَرَفٍ، وَلَا زِيَادَةٍ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لَمْ يَأْكُلْ حَرَامًا، وَلَا شُبْهَةً، وَقَدْ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا حَرَامًا لَمَا كَانَ لَك بُدٌّ مِنْ الْعَيْشِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَمَالِ الْغَيْرِ لِلْمُضْطَرِّ فَمَا ظَنُّك بِمَا ظَاهِرُهُ الْإِبَاحَةُ هَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يُخْتَلَفُ فِيهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُطْلَبُ الْأَشْبَهُ فَالْأَشْبَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ اهـ.
وَمُرَادُهُ بِبَعْضِ الْأَئِمَّةِ الْفَاكِهَانِيِّ كَمَا فِي ابْنِ نَاجِي اهـ.
الْمُرَادُ وَفِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَانْظُرْهُ، وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ، وَهُوَ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطْلَانِهِ فَهُوَ الْغَرِيبُ لِبُعْدِهِ عَنْ الِاعْتِبَارِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيّ، وَإِلَى تَمْثِيلِ الْغَزَالِيِّ لَهُ بِقَوْلِهِ كَنَفْيِ الصَّوْمِ إلَخْ يُشِيرُ إلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ فِي كِتَابِهِ الِاعْتِصَامِ حَكَى ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّ الْحَكَمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَ فِي الْفُقَهَاءِ، وَشَاوَرَهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ نَزَلَتْ بِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ
стр. 829
وَيَبْنِي، وَيُؤَاجِرُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ وَازِعٍ يَزَعُهُ عَنْ الطَّلَبِ مِنْ رَهْبَةٍ أَوْ رَغْبَةٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِظُهُورِ كَذِبِهَا، وَالسَّمَاعُ إنَّمَا هُوَ لِتَوَقُّعِ الصِّدْقِ فَإِذَا تَبَيَّنَ الْكَذِبُ عَادَةً امْتَنَعَ تَوَقُّعُ الصِّدْقِ.
(وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا لَمْ تَقْضِ الْعَادَةُ بِصِدْقِهَا، وَلَا بِكَذِبِهَا كَدَعْوَى الْمُعَامَلَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْخُلْطَةُ، وَبَيَانُ الْخُلْطَةِ يَكُونُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ قَاعِدَةِ مَنْ يَحْلِفُ، وَمَنْ لَا يَحْلِفُ، وَأَمَّا مَا تُكَذِّبُهُ الْعَادَةُ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْأَجَانِبِ سِنِينَ، وَلَمْ يُحَدُّ بِالْعَشَرَةِ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ عَشْرَ سِنِينَ تَقْطَعُ الدَّعْوَى لِلْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَعَارَ، وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَكُلُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُهُ الْعُرْفُ وَجَبَ أَنْ لَا يُؤْمَرَ بِهِ بَلْ يُؤْمَرُ بِالْمِلْكِ لِحَائِزِهِ لِأَنَّهُ الْعُرْفُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحِيَازَةُ مِنْ الثَّمَانِيَةِ إلَى الْعَشَرَةِ.
وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ قَامَتْ بِيَدِهِ دَارٌ سِنِينَ يَكْرِي، وَيَهْدِمُ وَيَبْنِي فَأَقَمْت بَيِّنَةً أَنَّهَا لَك أَوْ لِأَبِيك أَوْ لِجَدِّك وَثَبَتَتْ الْمَوَارِيثُ، وَأَنْتَ حَاضِرٌ تَرَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ لَك فَإِنْ كُنْت غَائِبًا أَفَادَك إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَالْعُرُوضِ وَالْحَيَوَانِ وَالرَّقِيقِ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ إذَا ادَّعَى بِأُجْرَةٍ مِنْ سِنِينَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَلَا مَانِعَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى بِثَمَنِ سِلْعَةٍ مِنْ زَمَنٍ قَدِيمٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ طَلَبِهِ، وَعَادَتُهَا تُبَاعُ بِالنَّقْدِ، وَشَهِدَتْ الْعَادَةُ أَنَّ هَذَا الثَّمَنَ لَا يَتَأَخَّرُ، وَأَمَّا فِي الْأَقَارِبِ فَقَالَ مَالِكٌ الْحِيَازَةِ الْمُكَذِّبَةُ لِلدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ نَحْوُ الْخَمْسِينَ سَنَةً لِأَنَّ الْأَقَارِبَ يَتَسَامَحُونَ لِبِرِّ الْقَرَابَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْأَجَانِبِ أَمَّا لِدُونِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الطُّولِ فَلَا تَكُونُ الدَّعْوَى كَاذِبَةً، وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ ﵁، وَسَمِعَ الدَّعْوَى فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَنَا النُّصُوصُ الْمُتَقَدِّمَةُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَّعِي وَقَاعِدَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُدَّعِي وَقَاعِدَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ) فَإِنَّهُمَا يَلْتَبِسَانِ فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ مُدَّعِيًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنْهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا فِي عِدَّةِ مَسَائِلَ، وَالْبَحْثُ فِي هَذَا الْفَرْقِ بَحْثٌ عَنْ تَحْقِيقِ قَوْلِهِ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»
مَنْ هُوَ الْمُدَّعِي الَّذِي عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَمَنْ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الَّذِي يَحْلِفُ فَضَابِطُ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ عِبَارَتَانِ لِلْأَصْحَابِ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ أَبْعَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَمَدَ إلَى إحْدَى كَرَائِمِهِ أَيْ عَقَائِلِ نِسَائِهِ الْحَرَائِرِ وَوَطِئَهَا فِي رَمَضَانَ فَأَفْتَوْا بِالْإِطْعَامِ وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ سَاكِنٌ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَقُولُ الشَّيْخُ فِي فَتْوَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُ لَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ، وَأَقُولُ بِالصِّيَامِ فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ مَذْهَبُ مَالِكٍ الْإِطْعَامَ فَقَالَ لَهُمْ تَحْفَظُونَ مَذْهَبَهُ إلَّا أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُصَانَعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا أَمَرَ مَالِكٌ بِالْإِطْعَامِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا مَالَ لَهُ إنَّمَا هُوَ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَكَرَ لَهُ عَلَيْهِ اهـ وَهُوَ صَحِيحٌ اهـ.
أَيْ لِأَنَّ إفْتَاءَهُ بِغَيْرِ الصَّوْمِ مَعَ ذَلِكَ مِمَّا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطْلَانِهِ كَمَا أَنَّ إفْتَاءَهُ بِالصَّوْمِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يَرْتَدِعُ بِهِ إذْ يَسْهُلُ بَذْلُ الْمَالِ فِي شَهْوَةِ الْفَرْجِ كَذَلِكَ مِمَّا شَهِدَ الشَّرْعُ بِبُطْلَانِهِ كَمَا فِي الْمَحَلِّيّ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ أَيْضًا حَكَى ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّهُ اتَّفَقَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ مِثْلُ هَذَا فِي رَمَضَانَ فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ وَكَفَّارَتِهِ فَقَالَ يَحْيَى أَيْ ابْنُ يَحْيَى الْمَغْرِبِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ تَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، وَلَمَّا سُئِلَ عَنْ حِكْمَةِ مُخَالَفَتِهِ لِإِمَامِ مَذْهَبِهِ الْإِمَامِ مَالِكٍ، وَهُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ فَقَالَ لَوْ فَتَحْنَا لَهُ هَذَا الْبَابَ سَهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ كُلَّ يَوْمٍ، وَيُعْتِقَ فَحَمَلْته عَلَى أَصْعَبِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الصَّوْمُ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ يَحْيَى ﵀، وَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ اهـ.
نَعَمْ قَالَ الْقَرَافِيُّ إفْتَاءُ يَحْيَى لَهُ بِالصَّوْمِ هُوَ الْأَوْفَقُ بِكَوْنِ مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ لِلزَّجْرِ، وَلَمْ يُفْتِهِ يَحْيَى عَلَى أَنَّهُ أَمْرٌ لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ اهـ.
أَيْ حَتَّى يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ فَاحْتُفِظَ عَلَى هَذَا التَّحْقِيقِ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) نَظَمَ الشَّيْخُ إبْرَاهِيمُ الرِّيَاحِيُّ التُّونُسِيُّ نَظَائِرَ الصَّلَاةِ الَّتِي تَفْسُدُ عَلَى الْإِمَامِ دُونَ الْمَأْمُومِ بِقَوْلِهِ:
وَأَيُّ صَلَاةٍ لِلْإِمَامِ فَسَادُهَا ... تَبَيَّنَ فَالْمَأْمُومُ فِي ذَاكَ تَابِعُ
سِوَى عِدَّةٍ سَاوَتْ كَوَاكِبَ يُوسُفَ ... وَهَا أَنَا مُبْدِيهَا إلَيْك وَجَامِعُ
فَفِي حَدَثٍ يُنْسِي الْإِمَامَ وَسَبْقِهِ ... وَقَهْقَهَةٍ وَالْخَوْفِ فِي الْعَدِّ رَابِعُ
وَإِعْلَامُ مَأْمُومٍ يَفُوزُ إمَامُهُ ... بِتَنْجِيسِهِ وَالْبَعْضُ فِيهِ مُنَازِعُ
وَقَطْعُ إمَامٍ حِينَ كَشْفٍ لِعَوْرَةٍ ... عَلَى مَا لِسَحْنُونٍ وَقَدْ قِيلَ وَاسِعُ
وَمُسْتَخْلِفٌ لَفْظًا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ ... لِأَجْلِ رُعَافٍ وَهِيَ فِي الْعَدِّ سَابِعُ
وَمُسْتَخْلَفٌ بِالْفَتْحِ لَمْ يَنْوِ ثُمَّ مَنْ ... بِتَسْلِيمِهِ فَاتَ التَّدَارُكُ تَابِعُ
وَتَارِكٌ قِبْلِيَّ الثَّلَاثِ وَطَالَ إنْ ... هُمُو فَعَلُوا لَكِنْ بِهِ الْخُلْفُ وَاقِعُ
وَمُنْحَرِفٌ لَا يُسْتَجَازُ انْحِرَافُهُ ... وَهَذَا غَرِيبٌ بِالتَّمْتَمَةِ طَالِعُ
وَذَا فِي صَلَاةٍ مَا الْجَمَاعَةُ شَرَطَهَا ... وَإِلَّا فَبُطْلَانٌ عَلَى الْكُلِّ شَائِعُ
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 830
هُوَ أَقْرَبُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا، وَالْعِبَارَةُ الثَّانِيَةُ، وَهِيَ تُوَضِّحُ الْأُولَى الْمُدَّعِي مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى وَفْقِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْمِثْلِ أَنَّ الْيَتِيمَ إذَا بَلَغَ، وَطَلَبَ الْوَصِيَّ بِمَا لَهُ تَحْتَ يَدِهِ فَقَالَ أَوْصَلْتُك فَإِنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْوَصِيُّ الْمَطْلُوبُ مُدَّعٍ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْأَوْصِيَاءَ بِالْإِشْهَادِ عَلَى الْيَتَامَى إذَا دَفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَلَمْ يَأْتَمِنْهُمْ عَلَى الدَّفْعِ بَلْ عَلَى التَّصَرُّفِ وَالْإِنْفَاقِ خَاصَّةً، وَإِذَا لَمْ يَكُونُوا أُمَنَاءَ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ الدَّفْعِ، وَهُوَ يُعَضِّدُ الْيَتِيمَ، وَيُخَالِفُ الْوَصِيَّ فَهَذَا طَالِبٌ، وَالْيَمِينُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْوَصِيُّ مَطْلُوبٌ، وَهُوَ مُدَّعٍ، وَكَذَلِكَ طَالِبُ الْوَدِيعَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا لِلْمُودِعِ عِنْدَ بَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمِنْ الْمُودَعَ عِنْدَهُ لَمَّا أَشْهَدَ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ مَعَ بَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِ الْمُودَعِ عِنْدَهُ لَمَّا قَبَضَ بِبَيِّنَةِ أَنَّهُ لَا يُعْطِي إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ الدَّفْعِ فَاجْتَمَعَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ، وَهُمَا يُعَضِّدَانِ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ، وَيُخَالِفَانِ الْقَابِضَ لَهَا، وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ إذَا قُبِضَ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ قُبِضَتْ الْوَدِيعَةُ أَوْ الْقِرَاضُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ وَالْمُودَعِ عِنْدَهُ لِأَنَّ يَدَهُمَا يَدُ أَمَانَةٍ صِرْفَةً، وَالْأَمِينُ مُصَدَّقٌ، وَنَظَائِرُ هَذَا كَثِيرَةٌ يَكُونُ الطَّالِبُ فِيهَا مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَيَعْتَمِدُ أَبَدًا التَّرْجِيحُ بِالْعَوَائِدِ وَظَوَاهِرِ الْأَحْوَالِ وَالْقَرَائِنِ فَيَحْصُلُ لَك مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَا لَا يَنْحَصِرُ عَدَدُهُ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إذَا تَدَاعَى بَزَّازٌ وَدَبَّاغٌ جِلْدًا كَانَ الدَّبَّاغُ مُدَّعًى عَلَيْهِ أَوْ قَاضٍ وَجُنْدِيٌّ رُمْحًا كَانَ الْجُنْدِيُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ مَسْأَلَةُ الزَّوْجَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ أَنْ يَقُولَ قَوْلُ الرَّجُلِ فِيمَا يُشْبِهُ قُمَاشَ الرِّجَالِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ فِيمَا يُشْبِهُ قُمَاشَ النِّسَاءِ، وَإِذَا تَنَازَعَ عَطَّارٌ وَصَبَّاغٌ فِي مِسْكٍ وَصِبْغٍ قُدِّمَ الْعَطَّارُ فِي الْمِسْكِ وَالصَّبَّاغُ فِي الصِّبْغِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ، وَالْخِلَافُ فِيهَا مَعَ الشَّافِعِيِّ ﵁، وَكَذَلِكَ خَالَفَنَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ كُلِّهَا، وَحُجَّتُنَا النُّصُوصُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَأَمَّا الْأَصْلُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ ظَاهِرٍ وَلَا عُرْفٍ فَمَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ دَيْنًا أَوْ غَصْبًا أَوْ جِنَايَةً وَنَحْوَهَا فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ يُعَضِّدُهُ، وَيُخَالِفُ الطَّالِبَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الظَّوَاهِرِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَظَهَرَ لَك بِهَذَا قَوْلُ الْأَصْحَابِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ أَضْعَفُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ أَقْوَى الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا.
(تَنْبِيهٌ) مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الظَّوَاهِرِ يَنْتَقِضُ بِمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ مِنْ أَنَّ الصَّالِحَ التَّقِيَّ الْكَبِيرَ الْعَظِيمَ الْمَنْزِلَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
[الفرق بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُقَارَنَة شُرُوطهِ وَأَسْبَابهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْتَرَطُ فِيهِ اجْتِمَاعُ الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ وَانْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ وَقَاعِدَةُ مَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُقَارَنَةُ شُرُوطِهِ وَأَسْبَابِهِ وَانْتِفَاءُ مَوَانِعِهِ)
وَهُوَ أَنَّ مَا كَانَ سَبَبًا فِي مُعَامَلَةٍ يُشْتَرَطُ حَالَ وُقُوعِهِ مُقَارَنَةُ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِيمَا يَنْشَأُ مِنْهُ مِنْ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَالْأَسْبَابِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَمَا كَانَ دَلِيلُ تَقَدُّمِ سَبَبٍ لِمُعَامَلَةٍ لَا يُشْتَرَطُ حَالَ وُقُوعِهِ مُقَارَنَةُ شُرُوطِ ذَلِكَ الْمُسَبِّبِ وَأَسْبَابِهِ وَانْتِفَاءُ مَوَانِعِهِ (وَالْأَوَّلُ) هُوَ الْإِنْشَاءَاتُ كُلُّهَا كَالْبِيَاعَاتِ وَالْإِجَارَاتِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَشَأْنُ الْإِنْشَاءَاتِ كُلِّهَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي جَمِيعِ مَا يَنْشَأُ مِنْهَا مُقَارَنَةُ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ حَالَةَ الْإِنْشَاءِ.
(وَالثَّانِي) هُوَ الْإِقْرَارَاتُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا حُضُورُ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْمُقَرِّ بِهِ حَالَةَ الْإِقْرَارِ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ لَيْسَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ بِهِ بَلْ هُوَ دَلِيلُ تَقَدُّمِ السَّبَبِ لِاسْتِحْقَاقِهِ فِي زَمَنٍ سَابِقٍ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ مَعَ مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَبَرِ الشَّرْعِيِّ فَمَنْ قَالَ هُوَ يَسْتَحِقُّ عَلَيَّ دِينَارًا مِنْ ثَمَنِ دَابَّةٍ حَمَلْنَا هَذَا الْإِقْرَارَ عَلَى تَقَدُّمِ بَيْعٍ صَحِيحٍ عَلَى الْأَوْضَاعِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَاتٍ تَقْبَلُ الْبَيْعَ لَا خَمْرٍ وَلَا خِنْزِيرٍ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الْبَيْعِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْفَرْقِ تَتَفَرَّعُ مَسْأَلَتَانِ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵃ إذَا بَاعَهُ بِدِينَارٍ، وَفِي الْبَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةُ السِّكَّةِ تَعَيَّنَ الْغَالِبُ مِنْهَا هُنَا لِأَنَّ التَّصَرُّفَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَوْ أَقَرَّ بِدِينَارٍ فِي بَلَدٍ، وَفِيهَا نَقْدٌ غَالِبٌ لَا يَتَعَيَّنُ الْغَالِبُ بَلْ يُقْبَلُ تَفْسِيرُهُ فِي إقْرَارِهِ بِأَيِّ سِكَّةٍ ذَلِكَ الدِّينَارُ لِأَنَّ الْإِقْرَارَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَدَّمَ السَّبَبُ لِاسْتِحْقَاقِ الدِّينَارِ فَلَعَلَّ السَّبَبَ وَاقِعٌ فِي بَلَدٍ آخَرَ فِي زَمَانٍ مُتَقَدِّمٍ تَقَدُّمًا كَثِيرًا، وَالْغَالِبُ حِينَئِذٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَفِي ذَلِكَ الْبَلَدِ سِكَّةُ غَيْرِ هَذَا الْغَالِبِ الْمُتَجَدِّدِ نَاسِخًا لِذَلِكَ الْغَالِبِ الْوَاقِعِ قَبْلَهُ، وَالِاسْتِحْقَاقُ يَتْبَعُ زَمَنَ وُقُوعِ السَّبَبِ لَا زَمَنَ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَهَكَذَا جَمِيعُ النَّظَائِرِ الَّتِي تَكُونُ الشُّرُوطُ فِيهَا فَائِتَةً حَالَةَ الْإِقْرَارِ، وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي الَّذِي هُوَ زَمَنُ وُقُوعِ السَّبَبِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ الْمَجْنُونُ الْآنَ
стр. 831
وَالشَّأْنِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بَلْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَوْ ادَّعَى عَلَى أَفْسَقِ النَّاسِ وَأَدْنَاهُمْ دِرْهَمًا لَا يُصَدَّقُ فِيهِ، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَهُوَ مُدَّعٍ، وَالْمَطْلُوبُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَكْسُهُ لَوْ ادَّعَى الطَّالِحُ عَلَى الصَّالِحِ لَكَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، وَبِهَذَا يَحْتَجُّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْنَا، وَيُجِيبُ عَمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ، وَكَمَا أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ فَهُوَ نَقْضٌ عَلَى قَوْلِنَا الْمُدَّعِي مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ أَصْلًا أَوْ عُرْفًا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ أَصْلًا أَوْ عُرْفًا فَإِنَّ الْعُرْفَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ شَاهِدٌ، وَكَذَلِكَ الظَّاهِرُ، وَقَدْ أُلْغِيَا إجْمَاعًا فَكَانَ ذَلِكَ مُبْطِلًا لِلْحُدُودِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَنَقْصًا عَلَى الْمَذْهَبِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ
(تَنْبِيهٌ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ إذَا تَعَارَضَا الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ اجْتَمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَإِلْغَاءِ الْغَالِبِ فِي دَعْوَى الدِّينِ وَنَحْوِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَصْلَحَ النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ الْغَالِبِ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَدَّعِيَ إلَّا مَالَهُ فَهَذَا الْغَالِبُ مُلْغًى إجْمَاعًا، وَاتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى تَقْدِيمِ الْغَالِبِ وَإِلْغَاءِ الْأَصْلِ فِي الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهَا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَأُلْغِيَ الْأَصْلُ هُنَا إجْمَاعًا عَكْسُ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ الْخِلَافُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(تَنْبِيهٌ) خُولِفَتْ قَاعِدَةُ الدَّعَاوَى فِي خَمْسِ مَوَاطِنَ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ (أَحَدُهَا) اللِّعَانُ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْفِي عَنْ زَوْجِهِ الْفَوَاحِشَ فَحَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى رَمْيِهَا بِالْفَاحِشَةِ مَعَ إيمَانِهِ أَيْضًا قَدَّمَهُ الشَّرْعُ (وَثَانِيهَا) الْقَسَامَةُ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ لِتَرَجُّحِهِ بِاللَّوْثِ، وَ (ثَالِثُهَا) قَبُولُ قَوْلِ الْأُمَنَاءِ فِي التَّلَفِ لِئَلَّا يُزْهَدَ فِي قَبُولِ الْأَمَانَاتِ فَتَوَقَّفَ مَصَالِحُهَا الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى حِفْظِ الْأَمَانَاتِ
(وَرَابِعُهَا) يَقْبَلُ قَوْلَ الْحَاكِمِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْكَامِ لِئَلَّا تَفُوتَ الْمَصَالِحُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْوِلَايَةِ لِلْأَحْكَامِ.
(وَخَامِسُهَا) قَبُولُ قَوْلِ الْغَاصِبِ فِي التَّلَفِ مَعَ يَمِينِهِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَخْلُدَ فِي الْحَبْسِ ثُمَّ الْأَمِينُ قَدْ يَكُونُ أَمِينًا مِنْ جِهَةِ مُسْتَحَقِّ الْأَمَانَةِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ كَالْوَصِيِّ وَالْمُلْتَقِطِ، وَمَنْ أَلْقَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي بَيْتِهِ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْتَاجُ لِلدَّعْوَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْتَاجُ لِلدَّعْوَى وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا)
وَتَلْخِيصُ الْفَرْقِ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ مُجْمَعٌ عَلَى ثُبُوتِهِ، وَتَعَيَّنَ الْحَقُّ فِيهِ، وَلَا يُؤَدِّي أَخْذُهُ لِفِتْنَةٍ، وَلَا تَشَاجُرٍ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَوْ سَكْرَانُ الْآنَ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ الْآنَ بِدِينَارٍ مِنْ ثَمَنِ بَيْعٍ قَبْلَ إقْرَارِهِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَقَعَ مِنْ الْمَجْنُونِ حَالَةَ عَقْلِهِ، وَمِنْ السَّكْرَانِ حَالَةَ صَحْوِهِ، وَمِنْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ حَالَةَ إفَاقَتِهِ، وَأَنَّ شُرُوطَ الْبَيْعِ الْآنَ مَفْقُودَةٌ فِي حَقِّهِمْ، وَكَمَا لَوْ أَقَرَّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ ثَمَنَ بَيْعِ هَذِهِ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ الْآنَ فَيَصِحُّ إقْرَارُهُ، وَيُحْمَلُ عَلَى حَالَةٍ تَكُونُ فِيهِ هَذِهِ الدَّارُ طَلْقًا، وَأَمَّا النَّظَائِرُ الَّتِي تَتَعَذَّرُ فِيهَا الشُّرُوطُ فِي الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدِينَارٍ مِنْ ثَمَنِ هَذَا الْخِنْزِيرِ فَإِنَّ الْخِنْزِيرَ لَا يَكُونُ فِي الْمَاضِي غَيْرَ خِنْزِيرٍ فَيَبْطُلُ الْإِقْرَارُ فِي ذَلِكَ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا أَوْصَى لِجَنِينٍ أَوْ مَلَّكَهُ فَالشَّرْطُ الْمُقَارَنَةُ، وَإِذَا أَقَرَّ لَهُ فَالشَّرْطُ تَقَدُّمُ السَّبَبِ عَلَى الْإِقْرَارِ فَإِنْ حَصَلَ الشَّكُّ فِي تَقَدُّمِ الْجَنِينِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِقْرَارُ لِأَنَّا شَكَكْنَا فِي الْمَحَلِّ الْقَابِلِ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ شَرْطٌ، وَالشَّكُّ فِي الشَّرْطِ يَمْنَعُ تَرَتُّبَ الْمَشْرُوطِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفُرُوقِ أَفَادَهُ الْأَصْلُ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِقْرَارِ الَّذِي يَقْبَلُ الرُّجُوعَ عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِقْرَارِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الرُّجُوعَ عَنْهُ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِقْرَارِ الَّذِي يُقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِقْرَارِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ الرُّجُوعُ عَنْهُ) وَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْإِقْرَارِ اللُّزُومَ مِنْ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ لِأَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الطَّبْعِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِقْرَارُ خَبَرٌ يُوجِبُ حُكْمَ صِدْقِهِ عَلَى قَائِلِهِ فَقَطْ بِلَفْظِهِ أَوْ لَفْظِ نَائِبِهِ لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْمُقِرِّ فِي الرُّجُوعِ عَنْهُ عُذْرٌ عَادِيٌّ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ انْقَسَمَ قِسْمَيْنِ:
(الْأَوَّلُ) مَا لَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَضَابِطُهُ مَا لَيْسَ لِلْمُقِرِّ فِي رُجُوعِهِ عَنْهُ عُذْرٌ عَادِيٌّ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ إلَّا أَنَّ فِي نُفُوذِهِ تَفْصِيلًا أَشَارَ لَهُ ابْنُ عَاصِمٍ بِقَوْلِهِ:
وَمَالِكٌ لِأَمْرِهِ أَقَرَّ فِي ... صِحَّتِهِ لِأَجْنَبِيٍّ اُقْتُفِيَ
وَمَا لِوَارِثٍ فَفِيهِ اُخْتُلِفَا ... وَمَنْفَذٌ لَهُ لِتُهْمَةٍ نَفَى
وَرَأْسُ مَتْرُوكِ الْمُقِرِّ أُلْزِمَا ... وَهُوَ بِهِ فِي فَلَسٍ كَالْغُرَمَا
وَإِنْ يَكُنْ لِأَجْنَبِيٍّ فِي الْمَرَضْ ... غَيْرَ صَدِيقٍ فَهُوَ نَافِذُ الْغَرَضْ
وَلِصَدِيقٍ أَوْ قَرِيبٍ لَا يَرِثْ ... يَبْطُلُ مِمَّنْ بِكَلَالَةٍ وَرِثْ
وَقِيلَ بَلْ يَمْضِي بِكُلِّ حَالِ ... وَعِنْدَمَا يُؤْخَذُ بِالْإِبْطَالِ
قِيلَ بِإِطْلَاقٍ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ ... يَمْضِي مِنْ الثُّلْثِ بِحُكْمٍ جَازِمِ
стр. 832
وَلَا فَسَادِ عَرْضٍ أَوْ عُضْوٍ فَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ فَمَنْ أَخَذَ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ أَوْ وَجَدَ عَيْنَ سِلْعَتِهِ الَّتِي اشْتَرَاهَا أَوْ وَرِثَهَا، وَلَا يَخَافُ مِنْ أَخْذِهَا ضَرَرًا فَلَهُ أَخْذُهَا، وَمَا يَحْتَاجُ لِلْحَاكِمِ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ
(النَّوْعُ الْأَوَّلُ) الْمُخْتَلَفُ فِيهِ هَلْ هُوَ ثَابِتٌ أَمْ لَا فَلَا بُدَّ مِنْ رَفْعٍ لِلْحَاكِمِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ ثُبُوتُهُ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ يَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ دُونَ بَعْضٍ كَاسْتِحْقَاقِ الْغُرَمَاءِ لِرَدِّ عِتْقِ الْمِدْيَانِ وَتَبَرُّعَاتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ لَا يُثْبِتُ لَهُمْ حَقًّا فِي ذَلِكَ وَمَالِكٌ يُثْبِتُهُ فَيَحْتَاجُ لِقَضَاءِ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ، وَقَدْ لَا يَفْتَقِرُ هَذَا النَّوْعُ لِلْحَاكِمِ كَمَنْ وُهِبَ لَهُ مَشَاعٌ فِي عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ اشْتَرَى مَبِيعًا عَلَى الصِّفَةِ أَوْ أَسْلَمَ فِي حَيَوَانٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ الْمُعْتَقِدَ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَالْمُفْتَقِرُ مِنْهُ لِلْحَاكِمِ قَلِيلٌ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَفْتَقِرُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَمَا لَا يَفْتَقِرُ عُسْرٌ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) مَا يَحْتَاجُ لِلِاجْتِهَادِ وَالتَّحْرِيرِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ لِلْحَاكِمِ كَتَقْوِيمِ الرَّقِيقِ فِي إعْتَاقِ الْبَعْضِ عَلَى الْمُعْتِقِ وَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ لِلزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ، وَالطَّلَاقُ عَلَى الْمُولِي بِعَدَمِ الْفَيْئَةِ فَإِنَّ فِيهِ تَحْرِيرَ عَدَمِ فَيْئَتِهِ، وَالْمُعْسِرُ بِالنَّفَقَةِ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَمَنَعَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَلِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ لِتَحْرِيرِ إعْسَارِهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَمَا مِقْدَارُ الْإِعْسَارِ الَّذِي يُطْلَقُ بِهِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَعِنْدَ مَالِكٍ ﵀ لَا يُطْلَقُ بِالْعَجْزِ عَنْ أَصْلِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ اللَّتَانِ يُفْرَضَانِ بَلْ بِالْعَجْزِ عَنْ الضَّرُورِيِّ الْمُقِيمِ لِلْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَفْرِضُهُ ابْتِدَاءً.
(النَّوْعُ الثَّالِثُ) مَا يُؤَدِّي أَخْذُهُ لِلْفِتْنَةِ كَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَالْأَعْضَاءِ يُرْفَعُ ذَلِكَ لِلْأَئِمَّةِ لِئَلَّا يَقَعَ لِسَبَبِ تَنَاوُلِهِ تَمَانُعٌ وَقَتْلٌ وَفِتْنَةٌ أَعْظَمُ مِنْ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ التَّعْزِيرُ، وَفِيهِ أَيْضًا الْحَاجَةُ لِلِاجْتِهَادِ فِي مِقْدَارِهِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ فِي الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ.
(النَّوْعُ الرَّابِعُ) مَا يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ الْعِرْضِ وَسُوءِ الْعَاقِبَةِ كَمَنْ ظَفِرَ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ أَوْ الْمُشْتَرَاةِ أَوْ الْمَوْرُوثَةِ لَكِنْ يَخَافُ مِنْ أَخْذِهَا أَنْ يُنْسَبَ إلَى السَّرِقَةِ فَلَا يَأْخُذُهَا بِنَفْسِهِ، وَيَرْفَعُهَا لِلْحَاكِمِ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ.
(النَّوْعُ الْخَامِسُ) مَا يُؤَدِّي إلَى خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ إذَا أَوْدَعَ عِنْدَك مَنْ لَك عَلَيْهِ حَقٌّ، وَعَجَزْتَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ لِعَدَمِ اعْتِرَافِهِ أَوْ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَهَلْ لَك جَحْدُ وَدِيعَتِهِ إذَا كَانَتْ قَدْرَ حَقِّك مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَمَنَعَهُ مَالِكٌ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ «لِقَوْلِهِ ﷺ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إلَخْ، وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ الْمَالِكَ لِأَمْرِهِ تَارَةً يُقِرُّ فِي صِحَّتِهِ، وَتَارَةً فِي مَرَضِهِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُقَرُّ لَهُ وَارِثًا أَوْ أَجْنَبِيًّا اُنْظُرْ شُرُوحَ الْعَاصِمِيَّةِ
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ، وَضَابِطُهُ مَا لِلْمُقِرِّ عُذْرٌ عَادِيٌّ فِي رُجُوعِهِ عَنْهُ، وَمَثَّلَ لَهُ الْأَصْلُ بِثَلَاثِ مَسَائِلَ فَقَالَ.
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) إذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ لِلْوَرَثَةِ أَنَّ مَا تَرَكَهُ أَبُوهُ مِيرَاثٌ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا عُهِدَ فِي الشَّرِيعَةِ، وَمَا تُحْمَلُ عَلَيْهِ الدِّيَانَةُ ثُمَّ جَاءَ شُهُودٌ أَخْبَرُوهُ أَنَّ أَبَاهُ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ بِهَذِهِ الدَّارِ، وَحَازَهَا لَهُ أَوْ أَنَّ وَالِدَهُ أَقَرَّ أَنَّهُ مَلَّكَهَا عَلَيْهِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْ إقْرَارِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ، وَمُقْتَضَى ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، وَعُذْرُهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا أَخْبَرَتْهُ الْبَيِّنَةُ بِهِ مِنْ أَنَّ التَّرِكَةَ كُلَّهَا مَوْرُوثَةٌ إلَّا هَذِهِ الدَّارَ الْمَشْهُودَ بِهَا لَهُ دُونَ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ عُذْرٌ عَادِيٌّ يُسْمَعُ مِثْلُهُ فَيُقِيمُ بَيِّنَتَهُ، وَلَا يَكُونُ إقْرَارُهُ السَّابِقُ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ وَقَادِحًا فِيهَا اهـ.
وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ الشَّاطِّ، وَفِي شَرْحِ التَّسَوُّلِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ مَا نَصُّهُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْمَلَوِيُّ اعْتَمَدَ مَا لِلْقَرَافِيِّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ مِنْهُمْ أَبُو سَالِمٍ إبْرَاهِيمُ الْيَزَنَاسَنِيُّ اهـ.
وَبِهِ يُعْلَمُ ضَعْفُ مَا فِي الْحَطَّابِ عَنْ سَحْنُونٍ مِنْ أَنَّ إقْرَارَهُ الْأَوَّلَ مُكَذِّبٌ لِلْبَيِّنَةِ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهَا نَقَلَهُ فِي بَابَيْ الْإِقْرَارِ وَالْقِسْمَةِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ أَفْتَى بِمِثْلِ مَا لِلْقَرَافِيِّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمُعْتَمَدُ مَا لِلْقَرَافِيِّ، وَبِهِ كُنْت أَفْتَيْت اُنْظُرْ شَرْحَنَا لِلشَّامِلِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا مَرَّ أَوَّلَ الِاسْتِحْقَاقِ اهـ.
بِلَفْظِهِ، وَمَا مَرَّ أَوَّلَ الِاسْتِحْقَاقِ هُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْ أَنَّ حُكْمَ الِاسْتِحْقَاقِ الْوُجُوبُ عِنْدَ تَيَسُّرِ أَسْبَابِهِ فِي الرَّبْعِ وَالْعَقَارِ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ يَمِينِ مُسْتَحِقِّهِ، وَعَلَى يَمِينِهِ هُوَ مُبَاحٌ كَغَيْرِ الْعَقَارِ وَالرَّبْعِ لِأَنَّ الْحَلِفَ مَشَقَّةٌ اهـ.
قَالَ وَمُرَادُ ابْنِ عَرَفَةَ إذَا لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ حِينَئِذٍ مِنْ إطْعَامِ الْحَرَامِ لِغَيْرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِهِ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ ﵇ «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» .
وَقَالَ «اُنْصُرْ أَخَاك وَإِنْ ظَالِمًا، وَنَصْرُهُ أَنْ تَمْنَعَهُ عَنْ ظُلْمِهِ» فَالْمُسْتَحِقُّ حِينَئِذٍ آثِمٌ بِعَدَمِ قِيَامِهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فَهُوَ رَاجِعٌ إلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالْمُسْتَحِقُّ مِنْ ذَلِكَ الْقَبِيلِ، وَهَذَا عَامٌّ سَوَاءٌ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مِنْ ذِي الشُّبْهَةِ أَوْ مِنْ غَاصِبٍ لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَ ذَا الشُّبْهَةِ بِأَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِهِ، وَيُطْلِعُهُ عَلَى بَيَانِ مِلْكِهِ لِلشَّيْءِ الْمُسْتَحَقِّ، وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْهُ كَانَ قَدْ تَرَكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ آثِمًا بِذَلِكَ، وَهُوَ مَعْنَى وُجُوبِ قِيَامِهِ بِالِاسْتِحْقَاقِ خِلَافًا لِمَا لِلشَّيْخِ الرَّهُونِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وُجُوبُهُ بِالنِّسْبَةِ لِذِي
стр. 833
لِهِنْدَ ابْنَةِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا شَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهُ بَخِيلٌ لَا يُعْطِيهَا وَوَلَدَهَا مَا يَكْفِيهِمَا فَقَالَ لَهَا ﵇ خُذِي لَك وَلِوَلَدِك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ» ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ هَلْ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ﵇ فُتْيَا فَيَصِحُّ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَوْ قَضَاءٌ فَيَصِحُّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَصَلَ بَيْنَ ظَفَرِك بِجِنْسِ حَقِّك فَلَكَ أَخْذُهُ أَوْ غَيْرُ جِنْسِهِ فَلَيْسَ لَك أَخْذُهُ فَهَذَا تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْيَدِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمُرَجِّحَةِ لِقَوْلِ صَاحِبِهَا، وَقَاعِدَةِ الْيَدِ الَّتِي لَا تُعْتَبَرُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْيَدَ إنَّمَا تَكُونُ مُرَجِّحَةً إذَا جُهِلَ أَصْلُهَا أَوْ عُلِمَ أَصْلُهَا بِحَقٍّ أَمَّا إذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أَوْ عَلِمْنَا نَحْنُ ذَلِكَ أَنَّهَا بِغَصْبٍ أَوْ عَارِيَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الطُّرُقِ الْمُقْتَضِيَةِ وَضْعَ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ مِلْكٍ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ مُرَجِّحَةً أَلْبَتَّةَ.
(تَنْبِيهٌ) الْيَدُ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُرْبِ وَالِاتِّصَالِ، وَأَعْظَمُهَا ثِيَابُ الْإِنْسَانِ الَّتِي عَلَيْهِ وَنَعْلُهُ وَمِنْطَقَتُهُ، وَيَلِيهِ الْبِسَاطُ الَّذِي هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَالدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ رَاكِبُهَا، وَيَلِيهِ الدَّابَّةُ الَّتِي هُوَ سَائِقُهَا أَوْ قَائِدُهَا، وَيَلِيهِ الدَّارُ الَّتِي هُوَ سَاكِنُهَا فَهِيَ دُونَ الدَّابَّةِ لِعَدَمِ اسْتِيلَائِهِ عَلَى جَمِيعِهَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَتُقَدَّمُ أَقْوَى الْيَدَيْنِ عَلَى أَضْعَفِهِمَا فَلَوْ تَنَازَعَ السَّاكِنَانِ الدَّارَ سَوَّى بَيْنَهُمَا بَعْدَ إيمَانِهِمَا، وَيُقَدَّمُ رَاكِبُ الدَّابَّةِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى السَّائِقِ، وَهُوَ مُتَّجَهٌ.
(فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ إذَا ادَّعَيَاهَا فِي يَدِ ثَالِثٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَجَرْته إيَّاهَا، وَقَالَ الْآخَرُ: أَوْدَعْته إيَّاهَا صُدِّقَ مَنْ عُلِمَ سَبْقَ كِرَائِهِ أَوْ إيدَاعِهِ، وَيُسْتَصْحَبُ الْحَالُ لَهُ وَالْمِلْكُ إلَّا أَنْ تَشْهَدَ بَيِّنَةٌ لِلْآخَرِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِحِيَازَةٍ عَنْ الْأَوَّلِ وَحُضُورِهِ، وَلَمْ يُنْكِرْ فَيُقْضَى لَهُ فَإِنْ جُهِلَ السَّبْقُ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا قَالَ أَشْهَبُ فَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا بِغَصْبِ الثَّالِثِ مِنْهُ، وَبَيِّنَةُ الْآخَرِ أَنَّ الثَّالِثَ أَقَرَّ لَهُ بِالْإِيدَاعِ قَضَى لِصَاحِبِ الْغَصْبِ لِتَضْمِينِ بَيِّنَةِ الْيَدِ السَّابِقَةِ.
(فَرْعٌ) قَالَ فِي النَّوَادِرِ: لَوْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدِ رَجُلَيْنِ، وَفِي يَدِ عَبْدٍ لِأَحَدِهِمَا فَادَّعَاهَا الثَّلَاثَةُ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا إنْ كَانَ الْعَبْدُ تَاجِرًا، وَإِلَّا فَنِصْفَيْنِ لِأَنَّ الْعَبْدَ فِي يَدِ مَوْلَاهُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَجِبُ إجَابَةُ الْحَاكِمِ فِيهِ إذَا دَعَاهُ إلَيْهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ فِيهِ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَجِبُ إجَابَةُ الْحَاكِمِ فِيهِ إذَا دَعَاهُ إلَيْهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا تَجِبُ إجَابَتُهُ فِيهِ)
إنْ ادَّعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَمَا دُونَهَا وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ لِأَنَّهُ لَا تَتِمُّ مَصَالِحُ الْأَحْكَامِ، وَإِنْصَافُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الشُّبْهَةِ اهـ انْتَهَى الْمُرَادُ بِلَفْظِهِ وَقَالَ الْأَصْلُ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي الْجَوَاهِرِ إذَا قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةُ دِرْهَمٍ إنْ حَلَفَ أَوْ إذَا حَلَفَ أَوْ مَتَى حَلَفَ أَوْ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ مَعَ يَمِينِهِ أَوْ بَعْدَ يَمِينِهِ فَحَلَفَ الْمُقَرُّ لَهُ فَنَكَلَ الْمُقِرُّ، وَقَالَ مَا ظَنَنْت أَنَّهُ يَحْلِفُ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ هَذَا الِاشْتِرَاطَ يَقْتَضِي عَدَمَ اعْتِقَادِ لُزُومِ مَا أَقَرَّ لَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إنْ حَلَفَ أَوْ دَعَاهَا أَوْ مَهْمَا حَلَفَ بِالْعِتْقِ أَوْ إنْ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ أَوْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَهُ أَوْ إنْ أَعَارَنِي دَارِهِ فَأَعَارَهُ أَوْ إنْ شَهِدَ عَلَيَّ بِهَا فُلَانٌ فَشَهِدَ عَلَيْهِ بِهَا لَا يَلْزَمُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ شَيْءٌ لِأَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ عَلَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِإِقْرَارِهِ فَإِنْ قَالَ إنْ حَكَمَ بِهَا عَلَى فُلَانٍ فَحَكَمَ بِهَا عَلَيْهِ لَزِمَتْهُ لِأَنَّ الْحُكْمَ سَبَبٌ فَيَلْزَمُهُ عِنْدَ سَبَبِهَا، وَالْأَوَّلُ كُلُّهُ شُرُوطٌ لَا أَسْبَابٌ بَلْ اسْتِبْعَادَاتٌ مَحْضَةٌ مُخِلَّةٌ بِالْإِقْرَارِ اهـ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا أَقَرَّ فَقَالَ لَهُ عِنْدِي مِائَةٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ مَيْتَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ بِآخِرِهِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ إذَا اتَّصَلَ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ صَيَّرَهُ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ بِنَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ الْأَوَّلُ الْمُسْتَقِلُّ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ، وَكَذَلِكَ الصِّفَةُ وَالِاسْتِثْنَاءُ وَالْغَايَةُ وَالشَّرْطُ وَنَحْوُهَا مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ اهـ.
كَلَامُ الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(فَائِدَةٌ) قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْكَلَالَةِ هُنَا الْفَرِيضَةُ الَّتِي لَا، وَلَدَ فِيهَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَإِنْ سَفَلَ بِأَنْ كَانَ فِيهَا أَبَوَانِ أَوْ زَوْجَةٌ أَوْ عُصْبَةٌ، وَأَمَّا الْكَلَالَةُ فِي بَابِ الْمِيرَاثِ فَهِيَ الْفَرِيضَةُ الَّتِي لَا وَلَدَ وَلَا وَالِدَ، وَفِيهَا يَقُولُ الْقَائِلُ:
وَيُسْئِلُونَك عَنْ الْكَلَالَهْ ... هِيَ انْقِطَاعُ النَّسْلِ لَا مَحَالَّهْ
لَا وَالِدٌ يَبْقَى وَلَا مَوْلُودُ ... فَانْقَطَعَ الْأَبْنَاءُ وَالْجُدُودُ
اهـ بِلَفْظِهِ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُنَفَّذُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُنَفَّذُ مِنْ ذَلِكَ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَنْفُذُ مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْوُلَاتِ وَالْقُضَاةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَنْفُذُ مِنْ ذَلِكَ) وَهُوَ أَنَّ مَا نَفَذَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُنْقَضُ هُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ:
(الْأَوَّلُ) مَا تَتَنَاوَلُهُ الْوِلَايَةُ بِالْأَصَالَةِ مِمَّا دَلَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وَقَوْلُهُ ﵊ «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا ثُمَّ لَمْ يَجْتَهِدْ لَهُمْ، وَلَمْ يَنْصَحْ فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ» عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةَ الْخِلَافَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الْوَصِيَّةِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ إلَّا بِمَا هُوَ أَحْسَنُ أَوْ مَا فِيهِ بَذْلُ الْجَهْدِ، وَعَلَى أَنَّ قَاعِدَةَ الْوِلَايَةِ أَنَّهَا إنَّمَا تَتَنَاوَلُ وَاحِدًا مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ هِيَ جَلْبُ الْمَصْلَحَةِ الْخَالِصَةِ
стр. 834
الْمَظْلُومِينَ مِنْ الظَّالِمِينَ إلَّا بِذَلِكَ، وَمِنْ أَبْعَدِ مِنْ الْمَسَافَةِ لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ أَوْ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ، وَلَكِنْ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْحَاكِمِ لَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ فَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَدَائِهِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهُ، وَلَا يَذْهَبُ إلَيْهِ، وَمَتَى عَلِمَ خَصْمُهُ إعْسَارُهُ حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُهُ، وَدَعْوَاهُ إلَى الْحَاكِمِ، وَإِنْ دَعَاهُ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِ بِجَوْرٍ لَمْ تَجِبْ الْإِجَابَةُ، وَتَحْرُمُ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَالْحُدُودِ وَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ مَوْقُوفًا عَلَى الْحَاكِمِ كَأَجْلِ الْعِنِّينِ يُخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْنَ الطَّلَاقِ فَلَا تَجِبُ الْإِجَابَةُ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْقِسْمَةُ الْمُتَوَقِّفَةُ عَلَى الْحَاكِمِ يُخَيَّرُ بَيْنَ تَمْلِيكِ حِصَّتِهِ لِغَرِيمِهِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ، وَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْفُسُوخُ الْمَوْقُوفَةُ عَلَى الْحَاكِمِ، وَإِنْ دَعَاهُ إلَى حَقٍّ مُخْتَلَفٍ فِي ثُبُوتِهِ، وَخَصْمُهُ يَعْتَقِدُ ثُبُوتَهُ وَجَبَتْ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا دَعْوَى حَقٍّ أَوْ يَعْتَقِدُ عَدَمَ ثُبُوتِهِ لَا تَجِبُ لِأَنَّهُ مُبْطِلٌ، وَإِنْ دَعَاهُ الْحَاكِمُ وَجَبَ لِأَنَّ الْمَحِلَّ قَابِلٌ لِلْحُكْمِ وَالتَّصَرُّفِ وَالِاجْتِهَادِ، وَمَتَى طُولِبَ بِحَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ كَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَا أَدْفَعُهُ إلَّا بِالْحُكْمِ لِأَنَّ الْمَطْلَ ظُلْمٌ وَوُقُوفُ النَّاسِ عِنْدَ الْحَاكِمِ صَعْبٌ، وَأَمَّا النَّفَقَاتُ فَيَجِبُ الْحُضُورُ فِيهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ لِتَقْدِيرِهَا إنْ كَانَتْ لِلْأَقَارِبِ، وَإِنْ كَانَتْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لِلرَّقِيقِ يُخَيَّرُ بَيْنَ إبَانَةِ الزَّوْجَةِ وَعِتْقِ الرَّقِيقِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْرَعُ مِنْ الْحَبْسِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُشْرَعُ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْرَعُ مِنْ الْحَبْسِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُشْرَعُ)
الْمَشْرُوعُ مِنْ الْحَبْسِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ يُحْبَسُ الْجَانِي لِغَيْبَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ حِفْظًا لِمَحَلِّ الْقِصَاصِ الثَّانِي حَبْسُ الْآبِقِ سَنَةً حِفْظًا لِلْمَالِيَّةِ رَجَاءَ أَنْ يُعْرَفَ رَبُّهُ الثَّالِثُ يُحْبَسُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ دَفْعِ الْحَقِّ إلْجَاءً إلَيْهِ الرَّابِعُ يُحْبَسُ مَنْ أَشْكَلَ أَمْرُهُ فِي الْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ اخْتِبَارًا لِحَالِهِ فَإِذَا ظَهَرَ حَالُهُ حَكَمَ بِمُوجِبِهِ عُسْرًا أَوْ يُسْرًا الْخَامِسُ الْحَبْسُ لِلْجَانِي تَعْزِيرًا وَرَدْعًا عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى السَّادِسُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُشْرَعُ مِنْ الْحَبْسِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يُشْرَعُ)
قُلْت مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ مِنْ انْحِصَارِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَبْسِ فِي ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ كَمَا قَالَ لَيْسَ وَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ وَمَا قَالَهُ فِي الْفُرُوقِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ أَوْ نَقْلٌ وَتَرْجِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَوْ الرَّاجِحَةِ، وَدَرْءُ الْمَفْسَدَةِ الْخَالِصَةِ أَوْ الرَّاجِحَةِ.
(وَالثَّانِي) الْمُوَافَقَةُ لِدَلِيلِ الْحُكْمِ
(وَالثَّالِثُ) الْمُوَافَقَةُ لِسَبَبِهِ وَحُجَّتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَسْبَابِ وَالْأَدِلَّةِ وَالْحِجَاجِ، وَأَنَّ الْقُضَاةَ يَعْتَمِدُونَ الْحِجَاجَ، وَالْمُجْتَهِدِينَ يَعْتَمِدُونَ الْأَدِلَّةَ، وَأَنَّ الْمُكَلَّفِينَ يَعْتَمِدُونَ الْأَسْبَابَ
(وَالرَّابِعُ) انْتِفَاءُ التُّهْمَةِ فِيهِ
(وَالْخَامِسُ) وُقُوعُهُ عَلَى الْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَنْفُذُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُنْقَضُ فَهُوَ مَا انْتَفَى فِيهِ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فَلِذَا انْقَسَمَ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا لَا تَتَنَاوَلُهُ الْوِلَايَةُ بِالْأَصَالَةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) مَا دَلَّتْ النُّصُوصُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةَ الْخِلَافَةِ فَمَا دُونَهَا إلَى الْوَصِيَّةِ يَكُونُ مَعْزُولًا عَنْهَا إذَا أَجْرَاهُ فِي وِلَايَتِهِ، وَذَلِكَ كُلُّ مَا لَيْسَ هُوَ بِأَحْسَنَ، وَلَيْسَ فِيهِ بَذْلُ الْجَهْدِ مِمَّا خَرَجَ عَنْ قَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَصَارَ وَاحِدًا مِنْ الْأَرْبَعَةِ السَّاقِطَةِ الَّتِي هِيَ الْمَفْسَدَةُ الرَّاجِحَةُ، وَالْمَصْلَحَةُ الْمَرْجُوحَةُ وَالْمُسَاوِيَةُ، وَمَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ، وَلَا مَفْسَدَةَ فَمِنْ هُنَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ لَا يَبِيعُ الْوَصِيُّ صَاعًا بِصَاعٍ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَفْعَلُ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ عَزْلُ الْحَاكِمِ إذَا ارْتَابَ فِيهِ دَفْعًا لِمَفْسَدَةِ الرِّيبَةِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، وَيُعْزَلُ الْمَرْجُوحُ عِنْدَ وُجُودِ الرَّاجِحِ تَحْصِيلًا لِمَزِيدِ الْمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ.
وَاخْتُلِفَ فِي عَزْلِ أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ بِالْآخَرِ فَقِيلَ يَمْتَنِعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْمَعْزُولَ بِالْعَزْلِ وَالتُّهَمِ مِنْ النَّاسِ، وَلِأَنَّ تَرْكَ الْفَسَادِ أَوْلَى مِنْ تَحْصِيلِ الصَّلَاحِ لِلْمُتَوَلَّى.
وَأَمَّا الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَيْ بَيْعُ صَاعٍ بِصَاعٍ، وَمَا يُسَاوِي أَلْفًا بِمِائَةٍ فِيمَا يَخْتَصُّ بِهِ حَصَلَتْ مَصْلَحَةٌ أَمْ لَا، وَضَابِطُ مَا يُحْجَرُ بِهِ أَنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ، وَلَمْ يَسْتَجْلِبْ بِهِ الْمُتَصَرِّفُ حَمْدًا شَرْعِيًّا، وَقَدْ تَكَرَّرَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُحْجَرُ بِهِ فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَوَّلِ مَا فَوَّتَ مَصْلَحَةً لَمْ تَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ كَمَا هُنَا، وَبِالثَّانِي مَا اسْتَجْلَبَ بِهِ حَمْدَ الشَّرَابِ وَالْمَسَاخِرِ، وَبِالثَّالِثِ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ كَمَنْ رَمَى دِرْهَمًا فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ لَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ تَكَرُّرًا يَدُلُّ عَلَى سَفَهِهِ وَعَدَمِ اكْتِرَاثه بِالْمَالِ (النَّوْعُ الثَّانِي) الْقَضَاءُ مِنْ الْقَاضِي بِغَيْرِ عَمَلِهِ فَإِنَّهُ لَا تَتَنَاوَلُهُ الْوِلَايَةُ لِأَنَّ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ إنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنْ عَقْدِ الْوِلَايَةِ، وَعَقْدُ الْوِلَايَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْصِبًا مُعَيَّنًا فَكَانَ مَعْزُولًا عَمَّا عَدَاهُ لَا يَنْفُذُ فِيهِ حُكْمُهُ، وَعَلَى هَذَا أَصْحَابُنَا فَفِي الْجَوَاهِرِ إنْ شَافَهَ قَاضٍ قَاضِيًا لَمْ يَكْفِ فِي ثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا بِغَيْرِ عَمَلِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ إسْمَاعُهُ وَسَمَاعُهُ إلَّا إذَا كَانَا قَاضِيَيْنِ بِبَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ تَجَاذَبَا فِي ذَلِكَ فِي طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ الشَّهَادَةِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي
стр. 835
يُحْبَسُ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ التَّصَرُّفِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَحَبْسِ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أُخْتَيْنِ أَوْ عَشْرِ نِسْوَةٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا، وَامْتَنَعَ مِنْ التَّعْيِينِ السَّابِعُ مَنْ أَقَرَّ بِمَجْهُولِ عَيْنٍ أَوْ فِي الذِّمَّةِ، وَامْتَنَعَ مِنْ تَعْيِينِهِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يُعَيِّنُهُمَا فَيَقُولُ الْعَيْنُ هُوَ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ هَذِهِ الدَّابَّةُ، وَنَحْوُهُمَا أَوْ الشَّيْءُ الَّذِي أَقَرَرْت بِهِ هُوَ دِينَارٌ فِي ذِمَّتِي الثَّامِنُ يُحْبَسُ الْمُمْتَنِعُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَالصَّوْمِ، وَعِنْدَنَا يُقْتَلُ كَالصَّلَاةِ، وَمَا عَدَا هَذِهِ الثَّمَانِيَةَ لَا يَجُوزُ الْحَبْسُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ الْحَبْسُ فِي الْحَقِّ إذَا تَمَلَّكَ الْحَاكِمُ مِنْ اسْتِيفَائِهِ فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الدَّيْنِ، وَنَحْنُ نَعْرِفُ مَالَهُ أَخَذْنَا مِنْهُ مِقْدَارَ الدَّيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لَنَا حَبْسُهُ، وَكَذَلِكَ إذَا ظَفِرْنَا بِمَالِهِ أَوْ دَارِهِ أَوْ شَيْءٍ يُبَاعُ لَهُ فِي الدَّيْنِ كَانَ رَهْنًا أَمْ لَا فَعَلْنَا ذَلِكَ، وَلَا نَحْبِسُهُ لِأَنَّ فِي حَبْسِهِ اسْتِمْرَارَ ظُلْمِهِ، وَدَوَامَ الْمُنْكَرِ فِي الظُّلْمِ، وَضَرَرُهُ هُوَ مَعَ إمْكَانِ أَنْ لَا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَكَذَلِكَ إذَا رَأَى الْحَاكِمُ عَلَى الْخَصْمِ فِي الْحَبْسِ مِنْ الثِّيَابِ وَالْقُمَاشِ مَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ عَنْهُ أَخَذَهُ مِنْ عَلَيْهِ قَهْرًا، وَبَاعَهُ فِيمَا عَلَيْهِ، وَلَا يَحْبِسُهُ تَعْجِيلًا لِدَفْعِ الظُّلْمِ، وَإِيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ.
(سُؤَالٌ) كَيْفَ يَخْلُدُ فِي الْحَبْسِ مَنْ امْتَنَعَ مَنْ دَفْعِ دِرْهَمٍ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، وَعَجَزْنَا عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ عَظِيمَةٌ فِي جِنَايَةٍ حَقِيرَةٍ، وَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَقْتَضِي تَقْدِيرَ الْعُقُوبَاتِ بِقَدْرِ الْجِنَايَاتِ
(جَوَابُهُ) أَنَّهَا عُقُوبَةٌ صَغِيرَةٌ بِإِزَاءِ جِنَايَةٍ صَغِيرَةٍ، وَلَمْ تُخَالِفْ الْقَوَاعِدَ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يَمْتَنِعُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ فَتُقَابَلُ كُلُّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الِامْتِنَاعِ بِسَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْحَبْسِ فَهِيَ جِنَايَاتٌ، وَعُقُوبَاتٌ مُتَكَرِّرَةٌ مُتَقَابِلَةٌ فَانْدَفَعَ السُّؤَالُ، وَلَمْ تُخَالِفْ الْقَوَاعِدَ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يُشْرَعُ إلْزَامُهُ بِالْحَلِفِ وَقَاعِدَةِ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ]
الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَنْ يُشْرَعُ إلْزَامُهُ بِالْحَلِفِ وَقَاعِدَةِ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ)
فَاَلَّذِي يَلْزَمُهُ الْحَلِفُ كُلُّ مَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ مُشَبَّهَةٌ فَقَوْلُنَا صَحِيحَةٌ احْتِرَازٌ مِنْ الْمَجْهُولَةِ أَوْ غَيْرُ الْمُحَرَّرَةِ، وَمَا فَاتَ فِيهِ شَرْطٌ مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، وَقَوْلُنَا مُشَبَّهَةٌ احْتِرَازٌ مِنْ الَّتِي يُكَذِّبُهَا الْعُرْفُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الدَّعْوَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مَا يُكَذِّبُهَا الْعُرْفُ، وَمَا يَشْهَدُ بِهَا، وَمَا لَمْ يَتَعَرَّضْ لِتَكْذِبِيهَا وَتَصْدِيقِهَا؛ فَمَا شَهِدَ لَهَا كَدَعْوَى سِلْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِيَدِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَيُعْتَمَدُ اهـ. وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃ قَالَ الْأَصْلُ، وَمَا عَلِمْت فِيهِ خِلَافًا، وَفِي هَذَا الْقِسْمِ فُرُوعٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا تَتَنَاوَلُهُ الْوِلَايَةُ لَكِنْ حَكَمَ بِمُسْتَنَدٍ بَاطِلٍ بِأَنْ حَكَمَ فِيهِ عَلَى خِلَافِ أَحَدِ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ الْإِجْمَاعِ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَالنَّصِّ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ، وَالْقِيَاسِ الْجَلِيِّ السَّالِمِ عَنْ الْمُعَارِضِ.
وَقَاعِدَةِ مِنْ الْقَوَاعِدِ السَّالِمَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ فَلَا بُدَّ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ الْمُخَالِفِ لِوَاحِدٍ مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ اشْتِرَاطِ السَّلَامَةِ عَنْ الْمُعَارِضِ أَيْ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ فَإِنْ خَالَفَهُ، وَثَمَّ مُعَارِضٌ أَرْجَحُ لَمْ يُنْقَضْ قَضَاؤُهُ (وَلِكُلٍّ) مِنْ الْمُخَالَفَةِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا مَعَ الْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ نَظَائِرُ.
(أَمَّا الْأَوَّلُ) فَمِنْ نَظَائِرِهِ أَنَّهُ لَوْ قَضَى فِي عَقْدِ الرِّبَا بِالْفَسْخِ لَمْ يُنْقَضْ قَضَاؤُهُ عَلَى خِلَافِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] لِأَنَّهُ عُورِضَ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا (وَمِنْهَا) أَنَّهُ لَوْ قَضَى فِي لَبَنِ الْمُصَرَّاةِ بِالثَّمَنِ لَمْ يُنْقَضْ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ إتْلَافِ الْمِثْلِيَّاتِ أَنَّهُ يَجِبُ جِنْسُهَا لِأَجْلِ وُرُودِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ: (الْأَوَّلُ) مَا قَضَى فِيهِ بِمُدْرَكٍ شَاذٍّ مُخَالِفٍ لِمُدْرَكِ إمَامِهِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ لَهُ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ، وَمِنْ نَظَائِرِهِ أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِصِحَّةِ نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ فَسَخْنَاهُ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ قَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَنْكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ» (وَمِنْهَا) أَنَّهُ لَوْ قَضَى بِاسْتِمْرَارِ عِصْمَةِ مَنْ لَزِمَهُ الطَّلَاقُ أَيْ الثَّلَاثَةُ بِنَاءً عَلَى الْمَسْأَلَةِ السُّرَيْجِيَّةِ نَقَضْنَاهُ لِكَوْنِ شَرْطِ السُّرَيْجِيَّةِ لَمْ يَجْتَمِعْ مَعَ مَشْرُوطِهِ أَبَدًا فَإِنْ تَقَدَّمَ الثَّلَاثُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ لُزُومِ الطَّلَاقِ بَعْدَهَا فَكَانَ عَلَى خِلَافِ قَاعِدَةِ صِحَّةِ اجْتِمَاعِ الشَّرْطِ مَعَ مَشْرُوطِهِ.
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي) مَا قَضَى فِيهِ بِالشَّاذِّ الْمُخَالِفِ لِمُدْرَكِ إمَامِهِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ لَهُ مُعَارِضٌ رَاجِحٌ، وَمِنْ نَظَائِرِهِ مَا نَقَلَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ قَالَ يُنْقَضُ عِنْدَ مَالِكٍ قَضَاءُ الْقَاضِي لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ كَالْقَضَاءِ بِاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ لِعِتْقِ بَعْضِهِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ، وَرَدَ بِأَنَّهُ لَا يُسْتَسْعَى، وَكَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ أَوْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ لِقَوْلِهِ ﵇ «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» أَوْ يُحْكَمْ بِشَهَادَةِ النَّصْرَانِيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] أَوْ بِمِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَالْمَوْلَى الْأَسْفَلِ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتْ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى عَصَبَةٍ ذَكَرٍ» ، وَكُلُّ مَا هُوَ عَلَى خِلَافِ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا شُذُوذُ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْأَصْحَابِ عَلَى نَقْضِهِ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ.
وَقَالَ لَا تُنْقَضُ شُفْعَةُ الْجَارِ، وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ مِنْ الْفُرُوعِ لِضَعْفِ مُوجِبِ النَّقْضِ عِنْدَهُ. (وَالنَّوْعُ
стр. 836
رَجُلٍ أَوْ دَعْوَى غَرِيبٍ وَدِيعَةً عِنْدَ جَارِهِ أَوْ مُسَافِرٍ أَنَّهُ أَوْدَعَ أَحَدُ رُفَقَائِهِ.
وَكَالدَّعْوَى عَلَى الصَّانِعِ الْمُنْتَصِبِ أَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ مَتَاعًا لِيَصْنَعَهُ أَوْ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ الْمُنْتَصِبِينَ لِلْبَيْعِ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ أَحَدِهِمْ أَوْ يُوصِي فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عِنْدَ رَجُلٍ فَيُشْرَعُ التَّحْلِيفُ هَاهُنَا بِغَيْرِ شَرْطٍ، وَتَتَّفِقُ الْأَئِمَّةُ فِيهَا، وَاَلَّتِي شَهِدَ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُشَبَّهَةٍ فَهِيَ كَدَعْوَى دَيْنٍ لَيْسَ عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ فَلَا يُسْتَخْلَفُ إلَّا بِإِثْبَاتِ خُلْطَتِهِ لَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَهِيَ أَنْ يُسَالِفَهُ أَوْ يُبَايِعَهُ مِرَارًا، وَإِنْ تَقَابَضَا فِي ذَلِكَ الثَّمَنَ أَوْ السِّلْعَةَ، وَتَفَاضَلَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيْعِ، وَالشِّرَاءِ بَيْنَ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ هِيَ أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى تُشْبِهُ أَنْ يَدَّعِيَ مِثْلَهَا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَحْلِفُ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْمُدَّعِي بِلَطْخٍ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُشْبِهُ أَنْ يُعَامِلَ الْمُدَّعِيَ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ فِي تَفْسِيرِ الْخُلْطَةِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي هَذَا الْقِسْمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ يَحْلِفُ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَنَا مَا رَوَاهُ سَحْنُونٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ إذَا كَانَتْ بَيْنَهُمَا خُلْطَةٌ» وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَا يَدَّعِي الْحَاكِمُ عَلَى الْخَصْمِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ بَيْنَهُمَا مُعَامَلَةً، وَلَمْ يُرْوَ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ عَمَلَ الْمَدِينَةِ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَتَجَرَّأَ السُّفَهَاءُ عَلَى ذَوِي الْأَقْدَارِ بِتَبْذِيلِهِمْ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِالتَّحْلِيفِ، وَذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَرُبَّمَا الْتَزَمُوا مَا لَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ الْجُمَلِ الْعَظِيمَةِ مِنْ الْمَالِ فِرَارًا مِنْ الْحَلِفِ كَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ ﵁.
وَقَدْ يُصَادِفُهُ عَقِبَ الْحَلِفِ مُصِيبَةٌ فَيُقَالُ هِيَ بِسَبَبِ الْحَلِفِ فَيَتَعَيَّنُ حَسْمُ الْبَابِ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ مُرَجِّحٍ لِأَنَّ صِيَانَةَ الْأَعْرَاضِ وَاجِبَةٌ، وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي دَرْءَ مِثْلِ هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ احْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ بِدُونِ زِيَادَةٍ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَيُسْقِطُ اعْتِبَارَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الشَّرْطِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُخَالَطَةً، وَلِأَنَّ الْحُقُوقَ قَدْ تَثْبُتُ بِدُونِ الْخُلْطَةِ فَاشْتِرَاطُهَا يُؤَدِّي إلَى ضَيَاعِ الْحُقُوقِ، وَتَخْتَلُّ حُكْمَهُ الْحُكَّامُ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ بَيَانُ مَنْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لَا بَيَانُ حَالِ مَنْ تَتَوَجَّهَ عَلَيْهِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ اللَّفْظَ إذَا وَرَدَ لِمَعْنًى لَا يَحْتَجْ بِهِ فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ مُعْرِضٌ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَقَعَ الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَضْرَاوَات بِقَوْلِهِ ﵇
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الثَّالِثُ) مَا قُضِيَ فِيهِ بِنَقْضِ مَا لَمْ يُنْقَضْ فَفِي النَّوَادِرِ لِأَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ مُحَمَّدٌ مِمَّا يُنْقَضُ نَقْضُ مَا لَا يُنْقَضُ فَإِذَا قَضَى قَاضٍ بِأَنْ يُنْقَضَ حُكْمُ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُنْقَضُ نَقَضَ الثَّالِثُ حُكْمَ الثَّانِي لِأَنَّ نَقْضَهُ خَطَأٌ وَيُقِرُّ الْأَوَّلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَصَرَّفَ السَّفِيهُ الَّذِي تَحْتَ حَجْرِ الْقَاضِي بِالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا فَرَدُّهُ فَجَاءَ قَاضٍ ثَانٍ فَأَنْفَذَهُ نَقَضَ الثَّالِثُ هَذَا التَّنْفِيذَ، وَأَقَرَّ الْأَوَّلَ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَسَخَ الثَّانِي الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ رَدَّهُ الثَّالِثُ لِأَنَّ النَّقْضَ فِي مَوَاطِنِ الِاجْتِهَادِ خَطَأٌ، وَنَقْضُ الْخَطَأِ مُتَعَيِّنٌ
(وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ) مَا لَوْ حَكَمَ حَدْسًا وَتَخْمِينًا مِنْ غَيْرِ مُدْرَكٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّهُ يُنْقَضُ إجْمَاعًا، وَهُوَ فِسْقٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ قَالَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ مِنْ أَصْحَابِنَا.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا حُكِمَ بِهِ عَلَى خِلَافِ السَّبَبِ فَإِذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْقَتْلِ عَلَى مَنْ لَمْ يَقْتُلْ أَوْ بِالْبَيْعِ عَلَى مَنْ لَمْ يَبِعْ أَوْ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ لَمْ يُطَلِّقْ أَوْ الدَّيْنِ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَدِنْ كَانَ قَضَاءً عَلَى خِلَافِ الْأَسْبَابِ فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَجَبَ نَقْضُهُ عِنْدَ الْكُلِّ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵁ خَالَفَ فِي قِسْمٍ مِنْهُ، وَهُوَ مَا كَانَ فِيهِ عَقْدٌ أَوْ فَسْخٌ فَيُجْعَلُ حُكْمُ الْحَاكِمِ كَالْعَقْدِ فِيمَا لَا عَقْدَ فِيهِ أَوْ كَالْفَسْخِ فِيمَا لَا فَسْخَ فِيهِ فَإِذَا شَهِدَ عِنْدَهُ شَاهِدَا زُورٍ بِطَلَاقِ امْرَأَةٍ فَحَكَمَ بِطَلَاقِهَا جَازَ لِذَلِكَ الشَّاهِدِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِ نَفْسِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ فَسْخٌ لِذَلِكَ النِّكَاحِ، وَإِذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِبَيْعِ جَارِيَةٍ فَحَكَمَ بِبَيْعِهَا جَازَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَشْتَرِيَهَا مِمَّنْ حُكِمَ لَهُ بِهَا، وَيَطَأَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِ نَفْسِهِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ تَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ الْبَيْعِ لِمَنْ حُكِمَ لَهُ، وَهَكَذَا كُلُّ مَا فِيهِ عَقْدٌ أَوْ فَسْخٌ، وَوَافَقْنَا فِيمَا لَا عَقْدَ فِيهِ، وَلَا فَسْخَ مِنْ الدُّيُونِ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهَا فَقَالَ إنَّهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْحُكْمِ.
وَقَالَ إذَا قَضَى بِنِكَاحِ أُخْتِ الْمَقْضِيِّ لَهُ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ فَلَا تَحِلُّ لَهُ لِفَوَاتِ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِلنِّكَاحِ بِالْمَحْرَمِيَّةِ.
وَقَالَ إذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الشُّهُودَ عَبِيدٌ، وَالْحُكْمُ فِي عَقْدِ نِكَاحٍ لَمْ يُنَزَّلْ حُكْمُهُ مَنْزِلَةَ الْعَقْدِ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هُنَا شَرْطٌ بِخِلَافِ الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ الْحَاكِمَ لَمْ يَحْكُمْ بِالْمِلْكِ بَلْ بِالتَّسْلِيمِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْمِلْكَ، وَهَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلُّ حَرَامًا، وَلَا يُحَرِّمُ حَلَالًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَحُجَّتُنَا أَمْرَانِ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ» ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ.
(وَالثَّانِي) الْقِيَاسُ عَلَى الْأَمْوَالِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْأَمْوَالَ أَضْعَفُ فَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهَا فَأَوْلَى الْفُرُوجُ (وَحُجَّتُهُمْ) خَمْسَةُ أُمُورٍ
стр. 837
«فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» أَنَّ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ بَيَانُ الْجُزْءِ الْوَاجِبِ فِي الزَّكَاةِ لَا بَيَانُ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَعَنْ الْأَوَّلِ أَيْضًا جَوَابٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ غَيْرُ عَامٍّ فِي الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْبِقَاعِ وَالْمُتَعَلِّقَاتِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مُطْلَقًا فِي أَحْوَالِ الْحَالِفِينَ فَيُحْمَلُ عَلَى الْحَالَةِ الْمُحْتَمَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهِيَ الْحَالَةُ الَّتِي فِيهَا الْخُلْطَةُ لِأَنَّهَا الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا فَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي غَيْرِهَا، وَإِلَّا لَكَانَ عَامًّا فِي الْأَحْوَالِ.
وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ الْحَصْرِ، وَبَيَانُ مَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْهُمَا لَا بَيَانُ شَرْطِ ذَلِكَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَعْرَضَ عَنْ شَرْطِ الْبَيِّنَةِ مِنْ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ نَقُولُ لَيْسَ هُوَ عَامًّا فِي الْأَشْخَاصِ لِأَنَّ الْمُخَالَطَةَ لِلشَّخْصِ الْوَاحِدِ لَا تَعُمُّ فَيُحْمَلُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَسَلُّطِ الْفَسَقَةِ السَّفَلَةِ عَلَى الْأَتْقِيَاءِ الْأَخْيَارِ بِالتَّحْلِيفِ عِنْدَ الْقُضَاةِ، وَأَنَّهُ يُفْتَحُ بَابُ دَعْوَى أَحَدِ الْعَامَّةِ عَلَى الْخَلِيفَةِ أَوْ الْقَاضِي أَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ أَوْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَاوَلَهُ، وَعَاقَدَهُ عَلَى كَنْسِ مِرْحَاضِهِ أَوْ خِيَاطَةِ قَلَنْسُوَتِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُقْطَعُ بِكَذِبِهِ فِيهِ فَطَرِيقُ الْجَمِيعِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَالْقَوَاعِدِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْخُلْطَةِ فَهَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْقَوِيمُ، وَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ:
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْخُلْطَةَ حَيْثُ اُشْتُرِطَتْ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ فَثَبَتَ بِإِقْرَارِ الْخَصْمِ وَالشَّاهِدَيْنِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لِأَنَّهَا أَسْبَابُ الْأَمْوَالِ فَتَلْحَقُ بِهَا فِي الْحِجَاجِ، وَقَالَ ابْنُ لُبَابَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَامْرَأَةٍ، وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا دَفَعَ الدَّعْوَى بِعَدَاوَةٍ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَحْلِفُ لِأَنَّ الْعَدَاوَةَ مُقْتَضَاهَا الْإِضْرَارُ بِالتَّحْلِيفِ وَالْبِذْلَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَقِيلَ يَحْلِفُ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ أَبُو عُمَرَ أَنَّ خَمْسَ مَوَاطِنَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهَا الْخُلْطَةُ الصَّانِعُ، وَالْمُتَّهَمُ بِالسَّرِقَةِ، وَالْقَائِلُ عِنْدَ مَوْتِهِ لِي عِنْدَ فُلَانٍ دَيْنٌ، وَالْمُتَضَيِّفُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيَدَّعِي عَلَيْهِ وَالْعَارِيَّةُ، الْوَدِيعَةُ.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُمْ)
قَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَالْأَسْبَابِ وَالْحِجَاجِ، وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ شَأْنُ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْحِجَاجَ شَأْنُ الْقُضَاةِ وَالْمُتَحَاكِمِينَ وَالْأَسْبَابَ تَعْتَمِدُ الْمُكَلَّفِينَ، وَالْمَقْصُودُ هَاهُنَا إنَّمَا هُوَ الْحِجَاجُ فَنَقُولُ، وَبِاَللَّهِ نَسْتَعِينُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَوَّلُ «قَضِيَّةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِاللِّعَانِ قَالَ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى صِفَةِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكٍ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ» ، وَتَبَيَّنَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ هِلَالٌ، وَأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَفْسَخْ تِلْكَ الْفُرْقَةَ، وَأَمْضَاهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ يَقُومُ مَقَامَ الْفَسْخِ وَالْعَقْدِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْفُرْقَةَ فِي اللِّعَانِ لَيْسَتْ بِسَبَبِ صِدْقِ الزَّوْجِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِصِدْقِهِ لَمْ تَعُدْ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ بِسَبَبِ أَنَّهُمَا وَصَلَا إلَى أَسْوَأِ الْأَحْوَالِ فِي الْمُقَابَحَةِ بِالتَّلَاعُنِ فَلَمْ يَرَ الشَّارِعُ اجْتِمَاعَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَبْنَاهَا السُّكُونُ وَالْمَوَدَّةُ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اللِّعَانِ يَمْنَعُ ذَلِكَ فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْكَذِبِ كَالْبَيِّنَةِ إذَا قَامَتْ
(وَالثَّانِي) مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ ادَّعَى عِنْدَهُ رَجُلٌ نِكَاحَ امْرَأَةٍ، وَشَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ فَقَضَى بَيْنَهُمَا بِالزَّوْجِيَّةِ فَقَالَتْ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَزَوَّجَنِي فَاعْقِدْ بَيْنَنَا عَقْدًا حَتَّى أَحِلَّ لَهُ فَقَالَ شَاهِدَاك زَوَّجَاك فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ وَإِنْ صَحَّ فَلَا حُجَّةَ لَهُ لِأَنَّهُ ﵁ أَضَافَ التَّزَوُّجَ لِلشُّهُودِ لَا لِحُكْمِهَا، وَمَنَعَهَا مِنْ الْعَقْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ الطَّعْنِ عَلَى الشُّهُودِ فَأَخْبَرَهَا بِأَنَّهُ زَوْجُهَا ظَاهِرًا، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْفُتْيَا، وَمَا النِّزَاعُ إلَّا فِيهَا.
(وَالثَّالِثُ) الْقِيَاسُ عَلَى اللِّعَانِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ بِهِ النِّكَاحُ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فَالْحُكْمُ أَوْلَى لِأَنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايَةً عَامَّةً عَلَى النَّاسِ فِي الْعُقُودِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ كَذِبَ أَحَدِهِمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ بِاللِّعَانِ، وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ أَمَّا عَدَمُ تَعْيِينِهِ فَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مُسْتَنَدُهُ فِي اللِّعَانِ كَوْنَهُ لَمْ يَطَأْهَا بَعْدَ حَيْضَتِهَا مَعَ أَنَّ الْحَامِلَ قَدْ تَحِيضُ أَوْ قَرَائِنَ حَالِيَّةً مِثْلُ كَوْنِهِ رَأَى رَجُلًا بَيْنَ فَخِذَيْهَا مَعَ أَنَّ الْقَرَائِنَ قَدْ تَكْذِبُ كَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لَمْ يُولِجْ أَوْ أَوْلَجَ، وَمَا أَنْزَلَ، وَأَمَّا عَدَمُ اخْتِصَاصِهِ بِاللِّعَانِ فَلِأَنَّ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فِي النِّكَاحِ أَوْ غَيْرِهِ قَدْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا فَاجِرًا يَطْلُبُ مَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ يَقُومُ مَقَامَ الْفَسْخِ وَالْعَقْدِ بَلْ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ التَّلَاعُنَ يَمْنَعُ الزَّوْجِيَّةَ
(وَالرَّابِعُ) أَنَّ الْحَاكِمَ لَهُ أَهْلِيَّةُ الْعَقْدِ وَالْفَسْخِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَوْقَعَ الْعَقْدَ عَلَى وَجْهٍ لَوْ فَعَلَهُ الْمَالِكُ نَفَذَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إنَّمَا جَعَلَ لِلْحَاكِمِ الْعَقْدَ لِلْغَائِبِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِمْ وَنَحْوِهِمْ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ لِتَعَذُّرِ الْمُبَاشَرَةِ مِنْهُمْ، وَهَا هُنَا لَا ضَرُورَةَ لِذَلِكَ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَلِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مَصَالِحَ نَفْسِهِ، وَلَا يَتْرُكُ الْأَصْلَ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ
(وَالْخَامِسُ) أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمُخَالَفَةُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ فَصَارَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّهِ مَا حَكَمَ لَهُ الْحَاكِمُ، وَإِنْ عَلِمَ خِلَافَهُ فَكَذَلِكَ غَيْرُهُ قِيَاسًا عَلَيْهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إنَّمَا حَرُمَتْ
стр. 838
الْحِجَاجُ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الْحَاكِمُ سَبْعَ عَشْرَةَ حُجَّةً الشَّاهِدَانِ، الشَّاهِدَانِ وَالْيَمِينُ، وَالْأَرْبَعَةُ فِي الزِّنَا، وَالشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ وَالْمَرْأَتَانِ، وَالْيَمِينُ وَالشَّاهِدُ وَالنُّكُولُ، وَالْمَرْأَتَانِ وَالنُّكُولُ، وَالْيَمِينُ وَالنُّكُولُ، وَأَرْبَعَةُ أَيْمَانٍ فِي اللِّعَانِ، وَخَمْسُونَ يَمِينًا فِي الْقَسَامَةِ، وَالْمَرْأَتَانِ فَقَطْ فِي الْعُيُوبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالنِّسَاءِ، وَالْيَمِينُ وَحْدَهَا بِأَنْ يَتَحَالَفَا، وَيُقَسِّمُ بَيْنَهُمَا فَيَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ وَالْإِقْرَارُ، وَشَهَادَةُ الصِّبْيَانِ، وَالْقَافَةُ، وَقُمُطُ الْحِيطَانِ، وَشَوَاهِدُهَا، وَالْيَدُ فَهَذِهِ هِيَ الْحِجَاجُ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الْحَاكِمُ، وَمَا عَدَاهُ لَا يَقْضِي بِهِ عِنْدَنَا، وَفِيهَا شُبُهَاتٌ، وَاخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أُنَبِّهُ عَلَيْهِ فَأَذْكُرُ مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ حُجَّةً حُجَّةً بِانْفِرَادِهَا، وَأُورِدُ الْكَلَامَ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْحُجَّةُ
(الْأُولَى الشَّاهِدَانِ) وَالْعَدَالَةُ فِيهِمَا شَرْطٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْعَدَالَةُ حَقٌّ لِلْخَصْمِ فَإِنْ طَلَبَهَا فَحَصَ الْحَاكِمُ عَنْهَا، وَإِلَّا فَلَا، وَعِنْدَنَا هِيَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ أَنْ لَا يَحْكُمَ حَتَّى يُحَقِّقَهَا، وَقَالَ مُتَأَخِّرُو الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا كَانَ قَوْلُ الْمَجْهُولِ مَقْبُولًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ كَانَ الْغَالِبُ الْعَدَالَةَ فَأُلْحِقَ النَّادِرُ بِالْغَالِبِ فَجَعَلَ الْكُلَّ عُدُولًا.
وَأَمَّا الْيَوْمُ فَالْغَالِبُ الْفُسُوقُ فَيُلْحَقُ النَّادِرُ بِالْغَالِبِ حَتَّى تَثْبُتَ الْعَدَالَةُ، وَالْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ هُوَ الْأَوَّلُ، وَاسْتَثْنَى الْحُدُودَ فَلَا يَكْتَفِي فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْعَدَالَةِ لِأَنَّ الْحُدُودَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ ثَابِتٌ فَتُطْلَبُ الْعَدَالَةُ، وَإِذَا كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ حَقًّا لِآدَمِيٍّ يَجْرَحُهَا وَجَبَ الْبَحْثُ عَنْهُمَا لَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ لَا أَعْرِفُكُمَا، وَلَا يَضُرُّكُمَا أَنْ لَا أَعْرِفَكُمَا فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ أَتَعْرِفُهُمَا قَالَ نَعَمْ قَالَ لَهُ أَكُنْت مَعَهُمَا فِي سَفَرٍ يَتَبَيَّنُ عَنْ جَوَاهِرِ النَّاسِ قَالَ لَا قَالَ فَأَنْتَ جَارُهُمَا تَعْرِفُ صَبَاحَهُمَا، وَمَسَاءَهُمَا قَالَ لَا قَالَ أَعَامَلْتهمَا بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ الَّتِي تَقْطَعُ بَيْنَهُمَا الْأَرْحَامَ قَالَ لَا فَقَالَ ابْنُ أَخِي مَا تَعْرِفُهُمَا ائْتِيَانِي بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا، وَهَذَا بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَحْكُمُ إلَّا بِحَضْرَتِهِمْ، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَكَانَ إجْمَاعًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَا سَأَلَ عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ مِنْ السَّفَرِ وَغَيْرِهِ إلَّا وَقَدْ عُرِفَ إسْلَامُهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَتَعْرِفُهُمَا مُسْلِمَيْنِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ تَعْجِيلَ الْحُكْمِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَ وُجُودِ الْحُجَّةِ لِأَنَّ أَحَدَ الْخَصْمَيْنِ عَلَى مُنْكِرٌ غَالِبًا، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْوَاجِبُ لَا يُؤَخَّرُ إلَّا لِوَاجِبٍ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] مَفْهُومُهُ أَنَّ غَيْرَ الْعَدْلِ لَا يُسْتَشْهَدُ، وَقَوْلُهُ ﴿مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] إشَارَةٌ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ كَافِيًا لَمْ يَبْقَ فِي لِتَقْيِيدِ فَائِدَةٍ.
وَالْعَدْلُ مَأْخُوذٌ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَلَيْهِ الْمُخَالَفَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ مُشَاقَةِ الْحُكَّامِ وَانْخِرَامِ النِّظَامِ وَتَشْوِيشِ نُفُوذِ الْمَصَالِحِ، وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ بِحَيْثُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ حَاكِمٌ وَلَا غَيْرُهُ فَجَائِزَةٌ.
٢ -
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) مَا تَتَنَاوَلُهُ الْوِلَايَةُ، وَصَادَفَ فِيهِ الْحُجَّةَ وَالدَّلِيلَ وَالسَّبَبَ غَيْرَ أَنَّهُ مُتَّهَمٌ فِيهِ كَقَضَائِهِ لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ يُفْسَخُ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ التُّهْمَةَ تَقْدَحُ فِي التَّصَرُّفَاتِ إجْمَاعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَإِلَّا فَالتُّهْمَةُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ أَعْلَاهَا كَقَضَائِهِ لِنَفْسِهِ مُعْتَبَرٌ إجْمَاعًا وَأَدْنَاهَا كَقَضَائِهِ لِجِيرَانِهِ وَأَهْلِ صَقْعِهِ وَقَبِيلَتِهِ مَرْدُودٌ إجْمَاعًا، وَالْمُتَوَسِّطُ مِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ هَلْ يَلْحَقُ بِالْأَوَّلِ أَوْ بِالثَّانِي، وَأَصْلُهَا أَيْ الْقَاعِدَةِ الْمَذْكُورَةِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» أَيْ مُتَّهَمٍ قَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لَهُ.
وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَازِمٌ لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى بِالرَّدِّ مِنْ الشَّهَادَةِ لِأَنَّ فَوْقَ الشَّاهِدِ مَنْ يَنْظُرُ عَلَيْهِ فَيَضْعُفُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْبَاطِلِ فَتَضْعُفُ التُّهْمَةُ قَالَ وَلَا يُحْكَمُ لِعَمِّهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَرِّزًا وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يُحْكَمُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ يَتِيمِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ، وَيَجُوزُ لِغَيْرِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ كَالْأَبِ وَالِابْنِ الْكَبِيرِ، وَإِنْ امْتَنَعَتْ الشَّهَادَةُ فَإِنَّ مَنْصِبَ الْقَضَاءِ أَبْعَدُ عَنْ التُّهَمِ لِوُفُورِ جَلَالَةِ الْقَاضِي دُونَ الشَّاهِدِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ إنْ قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي، وَلَا نَعْلَمُ أَثْبَتَ أَمْ لَا، وَلَمْ يَحْضُرْهُ الشُّهُودُ لَمْ يَنْفُذْ فَإِنْ حَضَرَ الشُّهُودُ، وَكَانَتْ شَهَادَةً ظَاهِرَةً بِحَقٍّ بَيِّنٍ جَازَ فِيمَا عَدَا الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَعْنِي حُكْمَهُ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ أَوْ يَتِيمِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الْأُمُورِ أَيْ حُضُورَ الشُّهُودِ، وَكَوْنَ الشَّهَادَةِ ظَاهِرَةً، وَبِحَقٍّ بَيِّنٍ تَضْعُفُ التُّهْمَةُ، وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، وَعَنْ أَصْبَغَ الْجَوَازُ فِي الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ وَالْأَخِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَالْمِدْيَانِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ، وَصَحَّ الْحُكْمُ، وَقَدْ يَحْكُمُ لِلْخَلِيفَةِ، وَهُوَ فَوْقَهُ، وَتُهْمَتُهُ أَقْوَى، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ الْقَضَاءُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ وَخَصْمِهِ، وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِخِلَافِ رَجُلَيْنِ رَضِيَا بِحُكْمِ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا، وَلَا يَقْضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، وَإِنْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِذَلِكَ فَإِنْ فَعَلَ فَيُشْهِدُ عَلَى رِضَاهُ، وَيَجْتَهِدُ فِي الْحَقِّ فَإِنْ قَضَى لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَنْ يَمْتَنِعُ قَضَاؤُهُ لَهُ فَلْيَذْكُرْ الْقِصَّةَ كُلَّهَا، وَرَضِيَ خَصْمِهِ، وَشَهَادَةَ مَنْ شَهِدَ بِرِضَى الْخَصْمِ.
وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَوَاطِنِ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَرَأَى أَفْضَلَ مِنْهُ فَالْأَحْسَنُ فَسْخُهُ فَإِنْ مَاتَ أَوْ عُزِلَ فَلَا يَفْسَخُهُ غَيْرُهُ إلَّا فِي الْخَطَأِ الْبَيِّنِ فَإِنْ اجْتَمَعَ فِي الْقَضِيَّةِ حَقُّهُ، وَحَقُّ اللَّهِ كَالسَّرِقَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ يَقْطَعُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يَرْفَعُهُ لِمَنْ
стр. 839
مِنْ الِاعْتِدَالِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالِاعْتِقَادِ فَهُوَ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَغَيْرُ مَعْلُومٍ بِمُجَرَّدِ الْإِسْلَامِ وقَوْله تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَرِضَاءُ الْحَاكِمِ بِهِمْ فَرْعُ مَعْرِفَتِهِمْ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى الْحُدُودِ وَبِالْقِيَاسِ عَلَى طَلَبِ الْخَصْمِ الْعَدَالَةَ فَإِنْ فَرَّقُوا بِأَنَّ الْعَدَالَةَ حَقٌّ لِلْخَصْمِ فَإِذَا طَلَبَهَا تَعَيَّنَتْ، وَأَنَّ الْحُدُودَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ اللَّهِ مَنَعْنَا أَنَّ الْعَدَالَةَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ بَلْ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْجَمِيعِ فَيَتَّجِهُ الْقِيَاسُ، وَيَنْدَفِعُ الْفَرْقُ بِالْمَنْعِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعَدَالَةَ، وَبِقَوْلٍ عُمَرَ ﵁ الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إلَّا مَحْدُودًا فِي حَدٍّ «وَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهَادَةَ الْأَعْرَابِيِّ بَعْدَ أَنْ قَالَ لَهُ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ» فَلَمْ يَعْتَبِرْ غَيْرَ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ كَافِرٌ بِحَضْرَتِنَا جَازَ قَبُولُ قَوْلِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ إلَّا الْإِسْلَامَ، وَلِأَنَّ الْبَحْثَ لَا يُؤَدِّي إلَى تَحَقُّقِ الْعَدَالَةِ، وَإِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الظَّاهِرَ فَالْإِسْلَامُ كَافٍ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَتَمُّ وَازِعٍ، وَلِأَنَّ صَرْفَ الصَّدَقَةِ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ، وَعُمُومَاتُ النُّصُوصِ وَالْأَوَامِرِ تُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا يَتَوَضَّأُ بِالْمِيَاهِ، وَيُصَلِّي بِالثِّيَابِ بِنَاءً عَلَى الظَّوَاهِرِ مِنْ غَيْرِ بَحْثٍ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مُطْلَقٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ فَقَيَّدَ بِالْعَدَالَةِ، وَإِلَّا لَضَاعَتْ الْفَائِدَةُ فِي هَذَا الْقَيْد، وَقَيَّدَ أَيْضًا بِرِضَاءِ الْحَاكِمِ.
وَهُوَ مَشْرُوطٌ بِالْبَحْثِ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَكْفِي فِيهِ ظَاهِرُ الدَّارِ فَكَذَلِكَ لَا يَكْفِي الْإِسْلَامُ فِي الْعَدَالَةِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ وَصْفِ الْعَدَالَةِ بِقَوْلِهِ عُدُولٌ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرُ السَّكْتِ عَنْهُ، وَهُوَ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَا يُؤْمَرُ مُسْلِمٌ بِغَيْرِ الْعُدُولِ، وَالْمُتَأَخِّرُ نَاسِخٌ لِلْمُتَقَدِّمِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ الْعَدَالَةُ غَالِبَةٌ بِخِلَافِ غَيْره (وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ الْإِسْلَامِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ سُؤَالِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَعَلَّهُ سَأَلَ أَوْ كَانَ غَيْرُ هَذَا الْوَصْفِ مَعْلُومًا عِنْدَهُ (وَعَنْ الرَّابِعِ) أَنَّا لَا نَقْبَلُ شَهَادَتَهُ حَتَّى نَعْلَمَ سَجَايَاهُ، وَعَدَمَ جُرْأَتِهِ عَلَى الْكَذِبِ، وَإِنْ قَبِلْنَاهُ فَذَلِكَ لِأَجْلِ تَيَقُّنِنَا عَدَمَ مُلَابَسَتِهِ مَا يُنَافِي الْعَدَالَةَ بَعْدَ إسْلَامِهِ
(وَعَنْ الْخَامِسِ) أَنَّهُ بَاطِلٌ بِالْإِسْلَامِ فَإِنَّ الْبَحْثَ عَنْهُ لَا يُؤَدِّي إلَى يَقِينٍ، وَيَحْكُمُ الْحَاكِمُ فِي الْقَضِيَّةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا، وَلَا إجْمَاعَ فَإِنَّ بَحْثَهُ لَا يُؤَدِّي إلَى يَقِينٍ.
وَأَمَّا الْفَقْرُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْفَقْرُ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ بَلْ وِزَانُهُ هَاهُنَا أَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَوْقَهُ، وَأَمَّا مَا لَهُ فَلَا يَحْكُمُ لَهُ.
(الْقِسْمُ الْخَامِسُ) مَا اجْتَمَعَ فِيهِ أَنَّهُ تَنَاوَلَتْهُ الْوِلَايَةُ، وَصَادَفَ السَّبَبَ وَالدَّلِيلَ وَالْحُجَّةَ وَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ فِيهِ غَيْرَ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الْحُجَّةِ هَلْ هِيَ حُجَّةٌ أَمْ لَا، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) اتَّفَقَ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ حُكْمِ الْحَاكِمِ بِعِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَنْعِهِ فِيمَا عَدَاهُمَا مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَمَذْهَبُ ابْنِ حَنْبَلٍ، وَجَوَازُهُ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُحْكَمُ فِي الْحُدُودِ بِمَا شَاهَدَهُ مِنْ أَسْبَابِهَا إلَّا فِي الْقَذْفِ، وَلَا فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِيمَا عَلِمَهُ قَبْلَ الْوِلَايَةِ، لَنَا سَبْعَةُ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ» الْحَدِيثَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ بِحَسَبِ الْمَسْمُوعِ لَا بِحَسَبِ الْمَعْلُومِ (الثَّانِي) قَوْلُهُ ﷺ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ لَيْسَ لَك إلَّا ذَلِكَ» فَحَصَرَ الْحُجَّةَ فِي الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينَ دُونَ عِلْمِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(الثَّالِثُ) مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «بَعَثَ أَبَا جَهْمٍ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَاحَاهُ رَجُلٌ فِي فَرِيضَةٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا شِجَاجٌ فَأَتَوْا النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ الْأَرْشَ ثُمَّ قَالَ أَفَأَخْطُبُ فَأُعْلِمُ النَّاسَ بِرِضَاكُمْ؟ قَالُوا نَعَمْ فَخَطَبَ فَأَعْلَمَ فَقَالُوا مَا رَضِينَا فَأَرَادَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا، وَنَزَلَ فَجَلَسُوا إلَيْهِ فَأَرْضَاهُمْ فَقَالَ أَأَخْطُبُ النَّاسَ فَأُعْلِمُهُمْ بِرِضَاكُمْ قَالُوا نَعَمْ فَخَطَبَ فَأَعْلَمَ النَّاسَ فَقَالُوا رَضِينَا» ، وَهُوَ نَصٌّ فِي عَدَمِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ.
(الرَّابِعُ) مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ وَشَرِيكٍ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِهِلَالٍ يَعْنِي الزَّوْجَ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا فَهُوَ لِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ يَعْنِي الْمَقْذُوفَ فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ فَقَالَ ﷺ لَوْ كُنْت رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقْضِي فِي الْحُدُودِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولُ إلَّا حَقًّا.
وَقَدْ وَقَعَ مَا قَالَ فَيَكُونُ الْعِلْمُ حَاصِلًا لَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ مَا رَجَمَ، وَعَلَّلَ بِعَدَمِ الْبَيِّنَةِ (الْخَامِسُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَأَمَرَ بِجَلْدِهِمْ عِنْدَ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ، وَإِنْ عُلِمَ صِدْقُهُمْ.
(السَّادِسُ) أَنَّ الْحَاكِمَ غَيْرُ مَعْصُومٍ فَيُتَّهَمُ بِالْقَضَاءِ بِعِلْمِهِ فَلَعَلَّ الْمَحْكُومَ لَهُ وَلِيٌّ أَوْ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ صَدِيقٌ، وَلَا نَعْلَمُ نَحْنُ ذَلِكَ فَحَسَمْنَا الْمَادَّةَ صَوْنًا لِمَنْصِبِ الْقَضَاءِ عَنْ الْمُتَّهَمِ.
(السَّابِعُ) أَنَّ أَبَا عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ
стр. 840
تَعْلَمَ عَدَالَتُهُ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّا لَا نَبْحَثُ عَنْ مُزِيلِهَا، وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْمَاءِ الطَّهَارَةُ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَغَيُّرِ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِالْقَطْعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْبَحْثِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ بِخِلَافِ الْعَدَالَةِ، وَأَمَّا الْعُمُومَاتُ وَالْأَوَامِرُ فَإِنَّا لَا نَكْتَفِي بِظَاهِرِهَا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ الصَّارِفِ الْمُخَصِّصِ، وَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا.
(مَسْأَلَةٌ) لَا تُقْبَلُ عِنْدَنَا شَهَادَةُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَوْ الْكَافِرِ عَلَى أَهْلِ مِلَّتِهِ، وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا فِي وَصِيَّةِ مَيْتٍ مَاتَ فِي السَّفَرِ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ مُسْلِمُونَ، وَتُمْنَعُ شَهَادَةُ نِسَائِهِمْ فِي الِاسْتِهْلَالِ وَالْوِلَادَةِ، وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ، وَهُمْ ذِمَّةٌ، وَيَحْلِفَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَا خَانَا، وَلَا كَتَمَا، وَلَا اشْتَرَيَا بِهِ ثَمَنًا، وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى، وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إنَّا إذًا لِمَنْ الْآثِمِينَ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَيْ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَقِيلَ الشَّهَادَةُ فِي الْآيَةِ هِيَ الْيَمِينُ، وَلَا تُقْبَلُ فِي غَيْرِ هَذَا عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ الْيَهُودِيُّ عَلَى النَّصْرَانِيِّ، وَالنَّصْرَانِيُّ عَلَى الْيَهُودِيِّ مُطْلَقًا لِأَنَّ الْكُفْرَ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ يُقْبَلُ عَلَى مِلَّتِهِ دُونَ غَيْرِهَا لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤] وَقَالَ ﵇ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ» ، وَقِيَاسًا عَلَى الْفَاسِقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالتَّوَقُّفِ فِي خَبَرِ الْفَاسِقِ، وَهَذَا أَوْلَى إذْ الشَّهَادَةُ آكَدُ مِنْ الْخَبَرِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] .
وَفِي الْحَدِيثِ قَالَ ﵇ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَهْلِ دِينٍ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِ إلَّا الْمُسْلِمُونَ فَإِنَّهُمْ عُدُولٌ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ» ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ لَا تُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهِ كَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] مَعْنَاهُ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، وَغَيْرِهِ، وَإِذَا جَازَتْ عَلَى الْمُسْلِمِ جَازَتْ عَلَى الْكَافِرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّ الْيَهُودَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَعَهُمْ يَهُودِيَّانِ فَذَكَرَتْ لَهُ ﵇ أَنَّهُمَا زَنَيَا فَرَجَمَهُمَا ﵇» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ رَجْمَهُمَا بِشَهَادَتِهِمْ، وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّهُ ﵇ قَالَ «إنْ شَهِدَ مِنْكُمْ أَرْبَعَةٌ رَجَمْتُهُمَا» ، وَلِأَنَّ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ يُزَوِّجُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَوْ قَتَلَ أَخَاهُ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُ قَاتِلٌ أَنَّهُ كَالْقَاتِلِ عَمْدًا لَا يَرِثُ مِنْهُ شَيْئًا لِلتُّهْمَةِ، وَاحْتَجُّوا بِتِسْعَةِ وُجُوهٍ:
(أَحَدُهَا) مَا فِي مُسْلِمٍ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى عَلَى أَبِي سُفْيَانَ بِالنَّفَقَةِ بِعِلْمِهِ فَقَالَ لِهِنْدَ خُذِي لَك وَلِوَلَدِك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ» ، وَلَمْ يُكَلِّفْهَا الْبَيِّنَةَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ قِصَّةَ هِنْدَ فُتْيَا لَا حُكْمٌ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ لِأَنَّهُ مُبَلِّغٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالتَّبْلِيغُ فُتْيَا لَا حُكْمٌ، وَالتَّصَرُّفُ بِغَيْرِهَا قَلِيلٌ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ، وَلِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَى حَاضِرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْرِفَ.
(وَثَانِيهَا) مَا رَوَاهُ الِاسْتِذْكَارُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ادَّعَى عَلَى أَبِي سُفْيَانَ عِنْدَ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ ظَلَمَهُ حَدًّا فِي مَوْضِعٍ فَقَالَ عُمَرُ ﵁ إنِّي لَأَعْلَمُ النَّاسَ بِذَلِكَ فَقَالَ عُمَرُ انْهَضْ إلَى الْمَوْضِعِ فَنَظَرَ عُمَرُ ﵁ إلَى الْمَوْضِعِ فَقَالَ يَا أَبَا سُفْيَانَ خُذْ هَذَا الْحَجَرَ مِنْ هَا هُنَا فَضَعْهُ هَا هُنَا فَقَالَ وَاَللَّهِ لَا أَفْعَلُ فَقَالَ وَاَللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ فَقَالَ لَا أَفْعَلُ فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، وَقَالَ خُذْهُ لَا أُمَّ لَك وَضَعْهُ هُنَا فَإِنَّك مَا عَلِمْت قَدِيمَ الظُّلْمِ فَأَخَذَهُ فَوَضَعَهُ حَيْثُ قَالَ، وَاسْتَقْبَلَ عُمَرُ ﵁ الْقِبْلَةَ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ إذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى غَلَبْت أَبَا سُفْيَانَ عَلَى رَأْيِهِ وَأَذْلَلْته لِي بِالْإِسْلَامِ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ إذْ لَمْ تُمِتْنِي حَتَّى جَعَلْت فِي قَلْبِي مَا ذَلَلْتُ بِهِ لِعُمَرَ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْمُنْكَرِ الَّذِي يَحْسُنُ مِنْ آحَادِ النَّاسِ لَا مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّهُ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَرَدِّدَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لَكَانَتْ مُجْمَلَةً فَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَا.
(وَثَالِثُهَا) قَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] وَقَدْ عُلِمَ الْقِسْطُ فَيُقَوِّمُ بِهِ، وَجَوَابُهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ الْحُكْمَ بِالْعِلْمِ مِنْ الْقِسْطِ بَلْ هُوَ عِنْدَنَا مُحَرَّمٌ.
(وَرَابِعُهَا) أَنَّهُ إذَا جَازَ أَنْ يُحْكَمَ بِالظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْ قَوْلِ الْبَيِّنَةِ فَالْعِلْمُ أَوْلَى، وَمِنْ الْعَجَبِ جَعْلُ الظَّنِّ خَيْرًا مِنْ الْعِلْمِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْعِلْمَ أَفْضَلُ مِنْ الظَّنِّ إلَّا أَنَّ اسْتِلْزَامَهُ لِلتُّهْمَةِ، وَفَسَادِ مَنْصِبِ الْقَضَاءِ أَوْجَبَ مَرْجُوحِيَّتِهِ لِأَنَّ الظَّنَّ فِي الْقَضَاءِ يَخْرِقُ الْأُبَّهَةَ، وَيَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ الْمَصَالِحِ.
(وَخَامِسُهَا) أَنَّ التُّهْمَةَ قَدْ تَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ الْبَيِّنَةِ فَيَقْبَلُ مَنْ لَا يُقْبَلُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ التُّهْمَةَ مَعَ مُشَارَكَةِ الْغَيْرِ أَضْعَفُ بِخِلَافِ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التُّهَمَ كُلَّهَا لَيْسَتْ مُعْتَبَرَةٌ بَلْ بَعْضُهَا.
(وَسَادِسُهَا) أَنَّ الْعَمَلَ وَاجِبٌ بِمَا نَقَلَتْهُ الرُّوَاةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا سَمِعَهُ الْمُكَلَّفُ أَوْلَى أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، وَيَحْكُمَ بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْفُتْيَا تُثْبِتُ شَرْعًا عَامًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالْقَضَاءُ فِي
стр. 841
أَوْلَادَهُ، وَلِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ فِي الْحُقُوقِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ مِنْ غَيْرِ حِلْفِكُمْ. فَمَا تَعَيَّنَ مَا قُلْتُمُوهُ، وَمَعْنَى الشَّهَادَةِ التَّحَمُّلُ، وَنَحْنُ نُجِيزُهُ أَوْ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] كَمَا قَالَ فِي اللِّعَانِ أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْإِسْلَامُ مَعَ أَنَّهُ نَقَلَ أَنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِالزِّنَا فَلَمْ يَرْجُمْهُمَا بِالشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ إنَّمَا رَجَمَهُمَا بِالْوَحْيِ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّحْرِيفِ، وَشَهَادَةُ الْكُفَّارِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ حَدُّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ الْجَلْدُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَحْيُ الَّذِي يَخُصُّهُمَا، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْفِسْقَ.
وَإِنْ نَافَى الشَّهَادَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ لِأَنَّ وَازِعَهَا طَبِيعِيٌّ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَازِعُهَا دِينِيٌّ فَافْتَرَقَا لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْكُفَّارِ عِنْدَنَا فَاسِدٌ، وَالْإِسْلَامُ يُصَحِّحُهُ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ مَا لَنَا، وَجَمِيعُ أَدِلَّتِكُمْ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] فَنَفَى تَعَالَى التَّسْوِيَةَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَإِلَّا لَحَصَلَتْ التَّسْوِيَةُ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] قَالَ الْأَصْحَابُ، وَنَاسِخُ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]
(فَرْعٌ مُرَتَّبٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ لَوْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِالْحُكْمِ بِالْكَافِرِ أَوْ الْمَسْخُوطِ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى.
(الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ) الشَّاهِدَانِ وَالْيَمِينُ مَا عَلِمْتُ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَ غَيْرِنَا خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي الدِّمَاءِ وَالدُّيُونِ.
وَقَالَ مَالِكٌ إنْ شَهِدَا لَهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِ أَحَدٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا حَتَّى يَحْلِفَ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَلَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمُزِيلَةِ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْقَضَاءُ، وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا لِهَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ لِمَنْ اشْتَرَاهَا هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُ، وَمَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ بِالدُّيُونِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ دَفَعَهُ لَهُ أَوْ عَاوَضَهُ عَلَيْهِ.
وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا سِيَّمَا، وَجُلُّ الشَّهَادَاتِ فِي الدِّمَاءِ، وَغَيْرِهَا الِاسْتِصْحَابُ، وَإِذَا قَبِلْنَاهُمَا فِي الْقَتْلِ، وَيُقْتَلُ بِهِمَا مَعَ جَوَازِ الْعَفْوِ فَلَأَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَرْدٍ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ فَخَطَرُهُ أَقَلُّ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَالسَّمَاعَ وَالرُّؤْيَةَ اسْتَوَى الْجَمِيعُ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْعِلْمِ بِخِلَافِ الْحُكْمِ.
(وَسَابِعُهَا) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِعِلْمِهِ لِفِسْقٍ فِي صُوَرٍ:
(مِنْهَا) أَنْ يَعْلَمَ وِلَادَةَ امْرَأَةٍ عَلَى فِرَاشِ رَجُلٍ فَتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ فَإِنْ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مَكَّنَهُ مِنْ وَطْئِهَا، وَهِيَ ابْنَتُهُ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (وَمِنْهَا) أَنْ يَعْلَمَ قَتْلَ زَيْدٍ لِعَمْرٍو فَتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُ فَإِنْ قَبِلَهَا، وَقَتَلَهُ قَتَلَ الْبَرِيءَ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ.
(وَمِنْهَا) لَوْ سَمِعَهُ يُطَلِّقُ ثَلَاثًا فَأَنْكَرَ فَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِوَاحِدَةٍ فَإِنْ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مَكَّنَ مِنْ الْحَرَامِ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ تِلْكَ الصُّوَرِ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِعِلْمِهِ بَلْ تَرْكُ الْحُكْمِ، وَتَرْكُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ لَيْسَ فِسْقًا، وَتَرْكُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ (وَثَامِنُهَا) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى فَرَسًا فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ فَقَالَ ﵇ مَنْ يَشْهَدُ لِي فَقَالَ خُزَيْمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَشْهَدُ لَك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَشْهَدُ وَلَا حَضَرْت فَقَالَ خُزَيْمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَنُصَدِّقُك أَفَلَا نُصَدِّقُك فِي هَذَا فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ» فَهَذَا وَإِنْ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ فَهُوَ يَدُلُّ لَنَا مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ ﵇ لِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِغَيْرِهِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التُّهْمَةِ مِنْ الْقَضَاءِ لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا حَكَمَ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخَذَ الْفَرَسَ قَهْرًا مِنْ الْأَعْرَابِيِّ فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ حَكَمَ أَمْ لَا، وَهَلْ جَعَلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَتَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ مُبَالَغَةً فَمَا تَعَيَّنَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا سَمَّى خُزَيْمَةَ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ مُبَالَغَةً لَا حَقِيقَةً.
(وَتَاسِعُهَا) الْقِيَاسُ عَلَى التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ لِأَنَّهُ فِي التَّجْرِيحِ أَوْ التَّعْدِيلِ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ نَفْيًا لِلتَّسَلْسُلِ الْحَاصِلِ إذَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِالْجَرْحِ أَوْ التَّعْدِيلِ، وَتَحْتَاجُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةً أُخْرَى، وَهَكَذَا بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي الْمَعُونَةِ قَدْ قِيلَ هَذَا لَيْسَ حُكْمًا، وَإِلَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ غَيْرُهُ مِنْ نَقْضِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ تَرْكُ شَهَادَتِهِ، وَتَفْسِيقُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْأُولَى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: إذَا حَكَمَ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكُومَةِ أَوْ فِيهِ فَلِلْقَاضِي الثَّانِي نَقْضُهُ فَإِنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بَعْدَ جُلُوسَهُمَا لِلْحُكُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ بِهِ.
وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ
стр. 842
يَقْضِيَ بِهِمَا فِي الْأَمْوَالِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَاشْتِرَاطُ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ ضَعِيفٌ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَظَاهِرُ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّهُمَا حُجَّةٌ تَامَّةٌ، وَمَا عَلِمْت أَنَّهُ وَرَدَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ الْيَمِينِ وَإِثْبَاتُ الْمَشْرُوطِ بِمُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَاتِ وَالِاحْتِمَالَاتِ صَعْبٌ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ لَا نَقْبَلُ فِي الدِّمَاءِ مَنْ فِي طَبْعِهِ خَوَرٌ أَوْ خَوْفٌ مِنْ الْقَتْلِ مَعَ تَبْرِيزِهِ فِي الْعَدَالَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْعَثُهُ عَلَى حَسْمِ مَادَّةِ الْقَتْلِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّمَاءِ وَأَحْكَامِ الْأَبْدَانِ الشُّبَّانُ مِنْ الْعُدُولِ بَلْ الشُّيُوخُ لِعِظَمِ الْخَطَرِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَبَّبَاتِ وَالْمُنَاسَبَاتِ كَانَ هَذَا مُرُوقًا مِنْ الْقَوَاعِدِ، وَمُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ لَا سِيَّمَا، وَالْقِيَاسُ عَلَى الدَّيْنِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ، وَإِثْبَاتُ شَرْطٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْفَرْقُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ عَدَمُ هَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
(الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ) الْأَرْبَعَةُ فِي الزِّنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]
(تَنْبِيهٌ) فِي نَظَائِرِ أَبِي عِمْرَانَ يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْأَدَاءِ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِمَا، وَصَعْبٌ عَلَى دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُنَاسَبَاتِ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَكْفِي فِي اشْتِرَاطِ الشُّرُوطِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ أَوْ نَصٍّ صَرِيحٍ، وَأَمَّا قَوْلُنَا ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي طَلَبِ السَّتْرِ عَلَى الزُّنَاةِ وَحِفْظِ الْأَعْضَاءِ عَنْ الضَّيَاعِ فَهَذَا لَا يَكْفِي فِي هَذَا الشَّرْطِ فَيُمْكِنُ أَيْضًا عَلَى هَذَا السِّيَاقِ أَنْ نَشْتَرِطَ التَّبْرِيزَ فِي الْعَدَالَةِ لَوْ يَكُونُ الشَّاهِدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْوِلَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْمُنَاسَبَاتِ، وَهِيَ عَلَى خِلَافِ الِاجْتِمَاعِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اتِّبَاعُ مَوَارِدِ النُّصُوصِ وَالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ صَعْبٌ جِدًّا.
(الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ) الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَبَالَغَ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ أَنْ حَكَمَ بِهِ قَائِلًا هُوَ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِهِ، وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَغَيْرُهُمْ لَنَا وُجُوهٌ
(الْأَوَّلُ) مَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» ، وَرُوِيَ فِي الْمَسَانِيدِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ رِوَايَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ
(الثَّانِي) إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ رَوَى ذَلِكَ النَّسَائِيّ، وَغَيْرُهُ
(الثَّالِثُ) وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يَحْكُمُ بِهِ فَلَوْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَوْضِعٍ يَقْبَلُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مِنْ حُجَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ الْجُحُودِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَلَا أَرَى أَنْ يُبَاحَ هَذَا الْيَوْمَ لِأَحَدٍ مِنْ الْقُضَاةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا حَكَمَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ أَرَى أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ هُوَ نَفْسُهُ مَا كَانَ قَاضِيًا لَمْ يُعْزَلْ فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْقُضَاةِ فَلَا أُحِبُّ لَهُ نَقْضَهُ قَالَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَنْقُضُهُ هُوَ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ رَأْيِهِ، وَقِيلَ لَا يَنْقُضُهُ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ رَأْيٍ إلَى رَأْيٍ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ الْأَوَّلُ شَيْئًا، وَيَنْظُرُ إلَى مَنْ يُقَلِّدُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِمِثْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْقُضْهُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُؤَدِّي مَعَ فَسَادِ حَالِ الْقُضَاةِ الْيَوْمَ إلَى الْقَضَاءِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ كُلَّهُمْ حِينَئِذٍ يَدَّعِي الْعَدَالَةَ فَيَنْقُضُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الذَّرِيعَةِ فَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ اهـ.
قَالَ الْأَصْلُ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِلْمِ يُنْقَضُ، وَإِنْ كَانَ مُدْرَكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ فِي النَّقْضِ كَوْنَهُ مُدْرَكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَاَلَّذِي يَنْقُضُ بِهِ لَا يَعْتَقِدُهُ فَالْحُكْمُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ مُدْرَكٍ، وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مُدْرَكٍ يُنْقَضُ فَنَقَضَهُ لِذَلِكَ فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا نَقْضُ الْحُكْمِ إذَا وَقَعَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ.
وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَقْضِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁، وَقَالَ هُوَ بِدْعَةٌ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ ﵁، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ بَلْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَضَاءِ بِهِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُجِيزُ الْحُكْمَ إلَّا بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَالْحُكْمُ الْوَاقِعُ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ فَإِنَّهَا مُدْرَكٌ ضَعِيفٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَتَطَرَّقُ النَّقْضُ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ بِغَيْرِ مُدْرَكٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ فِي نَقْضِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ لَيْسَ كَوْنَهُ مُدْرَكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَأَنَّا لَا نَعْتَقِدُهُ مُدْرَكًا بَلْ مُسْتَنَدًا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ كَمَا يَنْقُضُهُ إذَا حَكَمَ لِنَفْسِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ فِي النَّقْضِ جَمِيعُ غَيْرِهِ مِنْ الْمَدَارِكِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ أَنِّي قَدْ تُرَجَّحُ عِنْدِي فِيمَا وَضَعْته فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمُدْرَكِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ فِيهِ، وَيُعَيِّنُهُ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ الْمُدْرَكِ مَوْطِنُ اجْتِهَادٍ فَيَتَعَيَّنُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِالْحُكْمِ فِيهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا الْمُخْتَلَفِ فِيهَا اهـ.
كَلَامُ الْأَصْلِ بِلَفْظِهِ وَسَلَّمَهُ، وَسَائِرَ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ التَّسَوُّلِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ إنْ حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ تَتَقَارَبُ فِيهَا الْمَدَارِكُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَحُكْمُهُ إنْشَاءُ رَفْعٍ لِلْخِلَافِ فَإِذَا قَضَى الْمَالِكِيُّ مَثَلًا بِلُزُومِ الطَّلَاقِ فِي الَّتِي عُلِّقَ طَلَاقُهَا عَلَى نِكَاحِهَا فَقَضَاؤُهُ إنْشَاءُ نَصٍّ خَاصٍّ وَارِدٍ مِنْ قِبَلِهِ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا
стр. 843
صِدْقُهُ وَقَوِيَ جَانِبُهُ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك فِي حَقِّهِ بِشَاهِدِهِ
(الرَّابِعُ) أَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ إذَا رَجَحَ جَانِبُهُ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ
(الْخَامِسُ) قِيَاسًا لِلشَّاهِدِ عَلَى الْيَدِ
(السَّادِسُ) وَلِأَنَّ الْيَمِينَ أَقْوَى مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ لِدُخُولِهَا فِي اللِّعَانِ دُونَ الْمَرْأَتَيْنِ، وَقَدْ حَكَمَ بِالْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الشَّاهِدِ فَيَحْكُمُ بِالْيَمِينِ
(السَّابِعُ) وَلِقَوْلِهِ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْبَيَانِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ يُبَيِّنُ الْحَقَّ
(الثَّامِنُ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَهَذَا لَيْسَ بِفَاسِقٍ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:
(الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَحَصَرَ الْمَشْرُوعَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ زِيَادَةً فِي النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ فِي الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ
(الثَّانِي) «قَوْلُهُ ﵇ لِحَضْرَمِيِّ ادَّعَى عَلَى كِنْدِيٍّ شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» ، وَلَمْ يَقُلْ شَاهِدُك، وَيَمِينُك
(الثَّالِثُ) قَوْلُهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَحَصَرَ الْبَيِّنَةَ فِي جِهَةِ الْمُدَّعَى، وَالْيَمِينَ فِي جِهَةِ الْمُنْكِرِ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْصُورٌ فِي خَبَرِهِ، وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ فَلَمْ تَبْقَ يَمِينٌ فِي جِهَةِ الْمُدَّعِي
(الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ نَقْلُ الْبَيِّنَةِ لِلْمُنْكِرِ تَعَذَّرَ نَقْلُ الْيَمِينِ لِلْمُدَّعِي
(الْخَامِسُ) الْقِيَاسُ عَلَى أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ
(السَّادِسُ) أَنَّ الْيَمِينَ لَوْ كَانَ كَالشَّاهِدِ لَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الشَّاهِدِ كَأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ مَعَ الْآخَرِ، وَلَجَازَ إثْبَاتُ الدَّعْوَى بِيَمِينٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ زِيَادَةٌ سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ تَمْنَعُ أَنَّهُ نَسْخٌ لِأَنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ شَيْءٌ، وَارْتِفَاعُ الْحَصْرِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ يَرْجِعُ إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصِيلَةِ، وَالْبَرَاءَةُ الْأَصِيلَةُ تَرْجِعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَالشَّرْطُ لِلِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ لِلتَّحَمُّلِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ لَا تَدْخُلُ فِي التَّحَمُّلِ فَالْحَصْرُ فِي التَّحَمُّلِ بَاقٍ، وَلَا نَسْخَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَجَمِيعُ الْأُمَنَاءِ وَالْقَسَامَةِ، وَاخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَيُنْتَقَضُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ بِالنُّكُولِ، وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي حُكْمِ الْآيَةِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْحَصْرَ لَيْسَ مُرَادًا بِدَلِيلِ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ قَضَاءٌ يَخُصُّ بِاثْنَيْنِ لِخُصُوصِ حَالِهِمَا فَيَعُمُّ ذَلِكَ النَّوْعُ، وَنَحْنُ نَقُولُ كُلُّ مَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِعَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ اسْتِنَادًا لِدَلِيلِهِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِهَذِهِ الصُّورَةِ وَلِغَيْرِهَا لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَصًّا خَالِصًا وَارِدًا مِنْ قِبَلِهِ رَفْعًا لِلْخُصُومَاتِ، وَقَطْعًا لِلْمُشَاجَرَةِ، وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ إذَا تَعَارَضَ خَاصٌّ وَعَامٌّ قُدِّمَ الْخَاصُّ نَعَمْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفْتِيَ وَيَحْكُمَ فِي غَيْرِهَا بِمُقْتَضَى دَلِيلِهِ كَذَا لَوْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِاسْتِمْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا خَرَجَتْ عَنْ دَلِيلِ الْمَالِكِيِّ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا بِلُزُومِ النِّكَاحِ وَدَوَامِهِ، وَفِي غَيْرِهَا بِلُزُومِ الطَّلَاقِ، وَهَكَذَا حُكْمُهُ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ كَانَ دَاخِلَ الْمَذْهَبِ أَوْ خَارِجَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ، وَرُفِعَ الْخِلَافُ إلَخْ قُلْت وَهَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَوْ الْمُقَلِّدِ الَّذِي مَعَهُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ مِنْ النَّظَرِ مَا يُرَجِّحُ بِهِ أَحَدَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَمُحْجَرٌ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ أَوْ الرَّاجِحُ أَوْ مَا بِهِ الْعَمَلُ فَحُكْمُهُ بِذَلِكَ إخْبَارٌ وَتَنْفِيذٌ مَحْضٌ نَعَمْ إذَا تَسَاوَى الْقَوْلَانِ فِي التَّرْجِيحِ فَحُكْمُهُ إنْشَاءُ رَفْعٍ لِلْخِلَافِ، وَخَرَجَ بِاجْتِهَادِيَّةٍ حُكْمُ حُكْمِهِ فِي مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ مَحْضٌ لَا إنْشَاءَ فِيهِ لِتَعْيِينِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ وَثُبُوتِهِ، وَيُقَيِّدُ التَّقَارُبُ إلَخْ الْمُدْرَكَ الضَّعِيفَ كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَاسْتِسْعَاءِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ فَالْحُكْمُ بِسُقُوطِهِمَا إخْبَارٌ مَحْضٌ، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِهِمَا يُنْقَضُ لِضَعْفِ الْمُدْرَكِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، وَيُقَيِّدُ الْمَصْلَحَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْعِبَادَاتُ، وَتَحْرِيمُ السِّبَاعِ، وَطَهَارَةُ الْأَوَانِي وَالْمِيَاهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ لَا لِلدُّنْيَا بَلْ لِلْآخِرَةِ فَهَذِهِ تَدْخُلُهَا الْفَتْوَى فَقَطْ إذْ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ بِخِلَافِ الْمُنَازَعَةِ فِي الْأَمْلَاكِ وَالْأَوْقَافِ وَالرُّهُونِ وَنَحْوِهَا مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْمَصْلَحَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَكَذَا أَخْذُهُ لِلزَّكَاةِ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ فَهُوَ حُكْمٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَنَازُعٌ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ لَا إنْ أَخْبَرَ عَنْ نِصَابٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فَفَتْوَى فَقَطْ اهـ. الْمُرَادُ بِتَوْضِيحِ مَا هُوَ عَيْنُ مَا يَأْتِي لِلْأَصْلِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الشَّاطِّ مِنْ الْبَحْثِ فَتَرَقَّبْ.
٢ -
(فَائِدَتَانِ الْأُولَى) الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ، وَبِكَسْرِهَا الدَّلِيلُ، وَهُوَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ تَسْلِيمُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ بِأَنْ يَظْهَرَ عَدَمُ اسْتِلْزَامِهِ الدَّلِيلَ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَشَاهِدُهُ أَيْ الدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] فِي جَوَابِ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] الْمَحْكِيِّ عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَيْ صَحِيحُ ذَلِكَ لَكِنْ هُمْ الْأَذَلُّ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ الْأَعَزُّ، وَقَدْ أَخْرَجَاهُمْ فَقَدْ سَلِمَ مُوجَبُ الدَّلِيلِ وَمُقْتَضَاهُ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِي الْأَعَزِّ مَنْ هُوَ، وَالْأَذَلُّ مَنْ هُوَ، وَلَيْسَ هُوَ تَلَقِّي الْمُخَاطَبِ بِغَيْرِ مَا يَتَرَقَّبُ فَقَطْ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَرْبَابُ الْمَعَانِي كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِ الْمَحَلِّيّ وَعَطَّارِهِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]
стр. 844
وُجِدَ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الصِّفَةُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا شَاهِدَانِ، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تُبَيِّنُوا تِلْكَ الْحَالَةَ مِمَّا قُلْنَا نَحْنُ فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي عَلَى الْمُنْكِرِ لَا تَتَعَدَّاهُ لِأَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي عَلَيْهِ هِيَ الْيَمِينُ الدَّافِعَةُ وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ هِيَ الْجَالِبَةُ فَهِيَ غَيْرُهَا فَلَمْ يَبْطُلْ الْحَصْرُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِكُمْ لَمَّا لَمْ تَتَحَوَّلْ الْبَيِّنَةُ لَمْ تَتَحَوَّلْ الْيَمِينُ فَإِنَّا لَمْ نُحَوِّلْ تِلْكَ الْيَمِينَ بَلْ أَثْبَتْنَا يَمِينًا أُخْرَى بِالسُّنَّةِ مَعَ أَنَّ التَّحْوِيلَ وَاقِعٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنْكِرِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ كَانَ لَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مَعَ أَنَّهَا بَيِّنَةٌ ثَابِتَةٌ فِي الْحَالَيْنِ، وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ أَحْكَامَ الْأَبْدَانِ أَعْظَمُ، وَلِذَلِكَ لَا يُقْبَلَ فِيهَا النِّسَاءَ، وَعَنْ الْخَامِسِ الْفَرْقُ بِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مَعْنَاهُمَا مُسْتَوِيَانِ فَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي التَّقْدِيمِ، وَأَمَّا الْيَمِينُ فَإِنَّمَا تَدْخُلُ لِتَقْوِيَةِ جِهَةِ الشَّاهِدِ فَقَبْلَهُ لَا قُوَّةَ فَلَا تَدْخُلُ، وَلَا تُشْرَعُ، وَالشَّاهِدَانِ شَرْعًا لِأَنَّهُمَا حُجَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَعَ الضَّعْفِ
(تَنْبِيهٌ) وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ قِيَامِ شَاهِدٍ فَإِنْ نَكَلَ حَلِفُ الْمُدَّعِي لَنَا وُجُوهٌ
(الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» فَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِمَا فَمَنْ قَالَ بِالْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ
(الثَّانِي) قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا سَبَبُ الثُّبُوتِ فَيَنْحَصِرُ الثُّبُوتُ فِيهَا، وَإِلَّا لَزِمَ الْبَيَانُ فِي تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَعَمَلًا بِالْمَفْهُومِ
(الثَّالِثُ) أَنَّ الشَّاهِدَ، وَالْمَرْأَتَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ وَالنُّكُولِ لِأَنَّهَا حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا فَلَا يَثْبُتُ بِالْآخَرِ
(الرَّابِعُ) مَا ذَكَرُوهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ إذَا أَحَبَّهَا ادَّعَى عَلَيْهَا فَتُنْكِرُ فَيُحَلِّفُهَا فَتَنْكُلُ فَيَحْلِفُ، وَيَسْتَحِقُّهَا بِتَوَاطُؤٍ مِنْهُمَا
(الْخَامِسُ) أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَكْرَهُ زَوْجَهَا فَتَدَّعِي عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَتُحَلِّفُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَدَّعِي الْعِتْقَ، وَهَذَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ
(أَحَدُهَا) قَضِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَهِيَ فِي الصِّحَاحِ، وَقَالَ فِيهَا ﵇ تَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا
(الثَّانِي) أَنَّ كُلَّ حَقٍّ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي قِيَاسًا عَلَى الْمَالِ
(الثَّالِثُ) الْقِيَاسُ عَلَى اللِّعَانِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُحَدُّ بِيَمِينِ الزَّوْجِ، وَنُكُولِهَا مِنْ الْيَمِينِ
(الرَّابِعُ) قَوْلُهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ صُورَةَ النِّزَاعِ
(الْخَامِسُ) «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِرُكَانَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ مَا أَرَدْت بِالْبَتَّةِ قَالَ وَاحِدَةً فَقَالَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مُسَلَّمٌ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ أَيْ الْعَدْلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ مِنْهُ أَمْ لَا، وَهُوَ الَّذِي نَقُولُهُ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عِنْدَنَا فَتَنَبَّهْ قَالَ الْعَطَّارُ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَجَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ مِنْ الْقَوَادِحِ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي تَسْلِيمَهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَسْلِيمَ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعِي الْمُسْتَدِلِّ بَلْ تَسْلِيمُ صِحَّتِهِ عَلَى خِلَافِهِ فَهُوَ قَادِحٌ فِي الْعِلَّةِ اهـ.
بِتَوْضِيحٍ (الثَّانِيَةُ) فِي شَرْحِ التَّسَوُّلِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ مِثْلُ التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ تَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ، وَضَرْبُ خَصْمٍ لَهُ إلَخْ فَمَا يُسْتَنَدُ فِيهِ لِعِلْمِهِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ اهـ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَتْوَى وَقَاعِدَةِ الْحُكْمِ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَتْوَى وَقَاعِدَةِ الْحُكْمِ) :
وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُكَلَّفَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مِنْ جِهَتَيْنِ: (الْجِهَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْفَتْوَى مَحْضُ إخْبَارٍ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي إلْزَامٍ أَوْ إبَاحَةٍ، وَالْحُكْمُ إخْبَارُ مَا لَهُ الْإِنْشَاءُ وَالْإِلْزَامُ أَيْ التَّنْفِيذُ وَالْإِمْضَاءُ لِمَا كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَتْوَى فَالْمُفْتِي مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمُتَرْجِمِ مَعَ الْقَاضِي يَنْقُلُ عَنْهُ مَا، وَجَدَهُ عِنْدَهُ، وَاسْتَفَادَهُ مِنْهُ بِإِشَارَةٍ أَوْ عِبَارَةٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ أَوْ تَرْكٍ، وَالْحَاكِمُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَنَائِبِ الْحَاكِمِ يُنَفِّذُ وَيُمْضِي بَيْنَ الْخُصُومِ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتْوَى، وَلَيْسَ بِنَاقِلٍ ذَلِكَ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ بَلْ مُسْتَنِيبُهُ قَالَ لَهُ أَيُّ شَيْءٍ حَكَمْت بِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَقَدْ جَعَلْته حُكْمِي فَكَمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَرْجَمِ عَنْ الْقَاضِي، وَنَائِبِ الْقَاضِي مُوَافِقٌ لِلْقَاضِي وَمُطِيعٌ لَهُ وَسَاعٍ فِي تَنْفِيذِ مُرَادِهِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْقُلُ نَقْلًا مَحْضًا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ لَهُ فِي التَّنْفِيذِ وَالْإِمْضَاءِ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَالْآخَرُ يُنَفِّذُ، وَيُمْضِي مَا يَجْتَهِدُ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ بَيْنَ الْخُصُومِ كَذَلِكَ الْمُفْتِي، وَالْحَاكِمُ كِلَاهُمَا مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَابِلٌ لِحُكْمِهِ غَيْرَ أَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ مَحْضٌ، وَالْحَاكِمُ مُنَفِّذٌ وَمُمْضٍ هَذَا، وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُوَ مَا صَحَّحَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ، وَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ ذَلِكَ إلَخْ قَالَ قَاضٍ لِخَصْمِهِ اتَّهَمَهُ فِي حُكْمِهِ أَيْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ لَسْت بِمُؤْمِنٍ فَقَالَ، وَبِمَ كَفَّرْتنِي قَالَ لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] اهـ.
(الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ كُلَّ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْحُكْمُ تَتَأَتَّى فِيهِ الْفَتْوَى، وَلَا عَكْسَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ كُلَّهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ
стр. 845
لَهُ ﵇ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً» فَحَلَّفَهُ بَعْدَ دَعْوَى امْرَأَتِهِ الثَّلَاثِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَيْمَانَ تَثْبُتُ بَعْدَ اللَّوْثِ، وَهُوَ وُجُودُهُ مَطْرُوحًا بَيْنَهُمْ، وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ، وَغَلَّظَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ فِي الْمَقِيسِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ نَادِرٌ، وَفِي الْخَلَوَاتِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ الْإِشْهَادُ فَغَلُظَ أَمْرُهُ لِحُرْمَةِ الدِّمَاءِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَاهُنَا لَا يَحْلِفُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى فَانْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ اللِّعَانَ مُسْتَثْنًى لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا فَجُعِلَتْ الْأَيْمَانُ مَقَامُ الشَّهَادَةِ لِتَعَذُّرِهَا، وَضَرُورَةِ الْأَزْوَاجِ لِنَفْيِ الْعَارِ وَحِفْظِ النَّسَبِ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الضَّرُورَاتِ، وَخَطَرِ الْبَابِ، وَعَنْ الْخَامِسِ، وَإِنْ صَحَّ الْفَرْقُ أَنَّ أَصْلَ الطَّلَاقِ يَثْبُتُ بِلَفْظٍ صَالِحٍ بَلْ ظَاهِرٍ لِلثَّلَاثِ، وَدَعْوَى الْمَرْأَةِ أَصْلَ الطَّلَاقِ لَيْسَ فِيهِ ظُهُورٌ بَلْ مَرْجُوحٌ بِاسْتِصْحَابِ الْعِصْمَةِ
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْعَبْدِيُّ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَرْبَعَةٌ الْأَمْوَالُ وَالْكَفَالَةُ وَالْقِصَاصُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْخُلْطَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي التَّحْلِيفِ فِي بَعْضِ الْأَمْوَالِ، وَاَلَّذِي لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ثَلَاثَةُ عَشَرَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْوَلَاءُ وَالْأَحْبَاسُ، وَالْوَصَايَا لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَهِلَالُ رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ، وَالْمَوْتُ وَالْقَذْفُ وَالْإِيصَاءُ، وَتَرْشِيدُ السَّفِيهِ، وَنَقْلُ الشَّهَادَةِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا هَلْ نُثْبِتُ بِهِمَا أَمْ لَا خَمْسَةٌ الْوَكَالَةُ، وَنِكَاحُ امْرَأَةٍ قَدْ مَاتَتْ وَالتَّجْرِيحُ وَالتَّعْدِيلُ
(تَنْبِيهٌ) قَبُولُ مَالِكٍ ﵀ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فِي الْقِصَاصِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهَا يُصَالَحُ عَلَيْهَا بِالْمَالِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مُشْكِلٌ جِدًّا فَإِنَّهُ إلْغَاءٌ لِلْأَصْلِ، وَاعْتِبَارٌ لِلطَّوَارِئِ الْبَعِيدَةِ، وَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ فِي النَّفْسِ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِمَا فِي الْأَحْبَاسِ مَعَ أَنَّهَا مَنَافِعُ، وَلَا فِي الْوَلَاءِ، وَمَآلُهُ إلَى الْإِرْثِ، وَهُوَ مَالٌ وَالْوَصَايَا، وَهِيَ مَالٌ، وَتَرْشِيدُ السَّفِيهِ يَئُولُ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَالٌ، وَالْمَالُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَقْرَبُ مِنْ الْمَالِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ لَا سِيَّمَا وَهُوَ يُبِيحُ الْقِصَاصَ بِذَلِكَ، وَمَتَى يَقَعُ الصُّلْحُ فِيهَا فَهِيَ مُشْكِلَةٌ، وَعَدَمُ قَبُولِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ فِي الْأَحْبَاسِ، وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا مُشْكِلٌ مَعَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَكَالَةَ إذَا كَانَتْ تَئُولُ إلَى مَالٍ تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَآلُهُ إلَى الْمَالِ عَكْسُهُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ فِي الْحَبْسِ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ أَلْبَتَّةَ بَلْ إنَّمَا تَدْخُلُهَا الْفُتْيَا فَقَطْ فَكُلُّ مَا وُجِدَ بِهَا مِنْ الْإِخْبَارَاتِ فَهِيَ فُتْيَا فَقَطْ فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ، وَلَا أَنَّ هَذَا الْمَاءَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَيَكُونُ بِحُلُولِ قَلِيلِ نَجَاسَةٍ فِيهِ لَمْ تُغَيِّرْهُ نَجِسًا فَيَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ بَلْ مَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فُتْيَا إنْ كَانَتْ مَذْهَبَ السَّامِعِ عَمِلَ بِهَا، وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُهَا، وَالْعَمَلُ بِمَذْهَبِهِ قَالَهُ الْأَصْلُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْأَصْلُ، وَيَلْحَقُ بِالْعِبَادَاتِ أَسْبَابُهَا فَإِذَا شَهِدَ بِهِلَالِ رَمَضَانَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَأَثْبَتَهُ حَاكِمٌ شَافِعِيٌّ، وَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ بِالصَّوْمِ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّ لِأَنَّ ذَلِكَ فُتْيَا لَا حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ حَاكِمٌ قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ الدَّيْنَ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ أَوْ لَا يُسْقِطُهَا أَوْ مِلْكُ نِصَابٍ مِنْ الْحُلِيِّ الْمُتَّخَذِ لِاسْتِعْمَالِ مُبَاحٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ أَوْ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْأَضَاحِيِّ وَالْعَقِيقَةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَوْ فِي أَسْبَابِهَا لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ بَلْ يَتْبَعُ مَذْهَبَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ لَا فِي عِبَادَةٍ، وَلَا فِي سَبَبِهَا وَلَا شَرْطِهَا وَلَا مَانِعِهَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَالَ لَا تُقِيمُوا الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِذْنِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً مُخْتَلَفًا فِيهَا هَلْ تَفْتَقِرُ الْجُمُعَةِ إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ أَمْ لَا، وَلِلنَّاسِ أَنْ يُقِيمُوهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ صُورَةُ الْمُشَاقَّةِ، وَخَرْقُ أُبَّهَةِ الْوِلَايَةِ، وَإِظْهَارُ الْعِنَادِ وَالْمُخَالَفَةِ فَتَمْتَنِعُ إقَامَتُهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا لِأَنَّهُ مَوْطِنُ خِلَافٍ اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَقَدْ قَالَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ اهـ بِلَفْظِهِ.
قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِيمَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ حُكْمٌ يَلْزَمُ جَمِيعَ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ غَيْرَ ذَلِكَ الْحَاكِمَ مِمَّنْ يُخَالِفُ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَهُ مَا بُنِيَ عَلَى ذَلِكَ الثُّبُوتِ كَمَا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ أَخْذَهَا مِمَّنْ يُخَالِفُ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ دَفْعِهَا لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا تُقِيمُوا الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِذْنِي حُكْمُ حَاكِمٍ اتَّصَلَ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ الْوُقُوفُ عِنْدَ حُكْمِهِ كَمَا قَالَهُ ذَلِكَ الْفَقِيهُ فَهُوَ الصَّحِيحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
قُلْت وَخَالَفَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي قَوْلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْإِمَامِ إلَخْ حَيْثُ وَافَقَ مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ عُمَرَ الْبُلْقِينِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ قَوْلِهِ وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْ قَاضٍ حَضَرَ عِنْدَ سُلْطَانٍ، وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعٍ بَنَاهُ ذَلِكَ السُّلْطَانُ فَلَمَّا تَكَلَّمُوا فِي الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي نَحْكُمُ بِصِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ، وَهَذَا الْكَلَامُ بَاطِلٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ
следующие страницы →