← Каваид фикха

Каваид фикха · id 2215

الفروق للقرافي = أنوار البروق في أنواء الفروق

القرافي

Полный текст (1 059 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

أَوْلَادَهُ، وَلِأَنَّهُمْ يَتَدَيَّنُونَ فِي الْحُقُوقِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَسَنَ قَالَ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَتِكُمْ، وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ مِنْ غَيْرِ حِلْفِكُمْ. فَمَا تَعَيَّنَ مَا قُلْتُمُوهُ، وَمَعْنَى الشَّهَادَةِ التَّحَمُّلُ، وَنَحْنُ نُجِيزُهُ أَوْ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] كَمَا قَالَ فِي اللِّعَانِ أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَيَّرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ لِأَنَّ الْإِحْصَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْإِسْلَامُ مَعَ أَنَّهُ نَقَلَ أَنَّهُمَا اعْتَرَفَا بِالزِّنَا فَلَمْ يَرْجُمْهُمَا بِالشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ إنَّمَا رَجَمَهُمَا بِالْوَحْيِ لِأَنَّ التَّوْرَاةَ لَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا لِمَا فِيهَا مِنْ التَّحْرِيفِ، وَشَهَادَةُ الْكُفَّارِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ حَدُّ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ الْجَلْدُ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْوَحْيُ الَّذِي يَخُصُّهُمَا، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْفِسْقَ. وَإِنْ نَافَى الشَّهَادَةَ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْوِلَايَةَ لِأَنَّ وَازِعَهَا طَبِيعِيٌّ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ وَازِعُهَا دِينِيٌّ فَافْتَرَقَا لِأَنَّ تَزْوِيجَ الْكُفَّارِ عِنْدَنَا فَاسِدٌ، وَالْإِسْلَامُ يُصَحِّحُهُ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ مَا لَنَا، وَجَمِيعُ أَدِلَّتِكُمْ مُعَارَضَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] فَنَفَى تَعَالَى التَّسْوِيَةَ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَإِلَّا لَحَصَلَتْ التَّسْوِيَةُ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] قَالَ الْأَصْحَابُ، وَنَاسِخُ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] (فَرْعٌ مُرَتَّبٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ لَوْ رَضِيَ الْخَصْمُ بِالْحُكْمِ بِالْكَافِرِ أَوْ الْمَسْخُوطِ لَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِهِ لِأَنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى. (الْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ) الشَّاهِدَانِ وَالْيَمِينُ مَا عَلِمْتُ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَ غَيْرِنَا خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي الدِّمَاءِ وَالدُّيُونِ. وَقَالَ مَالِكٌ إنْ شَهِدَا لَهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِ أَحَدٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا حَتَّى يَحْلِفَ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَلَا خَرَجَتْ عَنْ يَدِهِ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ الْمُزِيلَةِ لِلْمِلْكِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْقَضَاءُ، وَعَلَّلَهُ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَاعَهَا لِهَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ لِمَنْ اشْتَرَاهَا هَذَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْهُ، وَمَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ لَا بُدَّ مِنْ الْيَمِينِ، وَهَذَا مُشْكِلٌ بِالدُّيُونِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَبْرَأَهُ مِنْ الدَّيْنِ أَوْ دَفَعَهُ لَهُ أَوْ عَاوَضَهُ عَلَيْهِ. وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لَا سِيَّمَا، وَجُلُّ الشَّهَادَاتِ فِي الدِّمَاءِ، وَغَيْرِهَا الِاسْتِصْحَابُ، وَإِذَا قَبِلْنَاهُمَا فِي الْقَتْلِ، وَيُقْتَلُ بِهِمَا مَعَ جَوَازِ الْعَفْوِ فَلَأَنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَرْدٍ لَا يَتَعَدَّى لِغَيْرِهِ فَخَطَرُهُ أَقَلُّ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الرِّوَايَةَ وَالسَّمَاعَ وَالرُّؤْيَةَ اسْتَوَى الْجَمِيعُ لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْعِلْمِ بِخِلَافِ الْحُكْمِ. (وَسَابِعُهَا) أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِعِلْمِهِ لِفِسْقٍ فِي صُوَرٍ: (مِنْهَا) أَنْ يَعْلَمَ وِلَادَةَ امْرَأَةٍ عَلَى فِرَاشِ رَجُلٍ فَتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا مَمْلُوكَتُهُ فَإِنْ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مَكَّنَهُ مِنْ وَطْئِهَا، وَهِيَ ابْنَتُهُ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (وَمِنْهَا) أَنْ يَعْلَمَ قَتْلَ زَيْدٍ لِعَمْرٍو فَتَشْهَدَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْقَاتِلَ غَيْرُهُ فَإِنْ قَبِلَهَا، وَقَتَلَهُ قَتَلَ الْبَرِيءَ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ. (وَمِنْهَا) لَوْ سَمِعَهُ يُطَلِّقُ ثَلَاثًا فَأَنْكَرَ فَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِوَاحِدَةٍ فَإِنْ قَبِلَ الْبَيِّنَةَ مَكَّنَ مِنْ الْحَرَامِ، وَهُوَ فِسْقٌ، وَإِلَّا حَكَمَ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَجَوَابُهُ أَنَّ تِلْكَ الصُّوَرِ لَمْ يَحْكُمْ فِيهَا بِعِلْمِهِ بَلْ تَرْكُ الْحُكْمِ، وَتَرْكُهُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ لَيْسَ فِسْقًا، وَتَرْكُ الْحُكْمِ لَيْسَ بِحُكْمٍ (وَثَامِنُهَا) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اشْتَرَى فَرَسًا فَجَحَدَهُ الْبَائِعُ فَقَالَ ﵇ مَنْ يَشْهَدُ لِي فَقَالَ خُزَيْمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَشْهَدُ لَك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَشْهَدُ وَلَا حَضَرْت فَقَالَ خُزَيْمَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَنُصَدِّقُك أَفَلَا نُصَدِّقُك فِي هَذَا فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ» فَهَذَا وَإِنْ اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى عَدَمِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ فَهُوَ يَدُلُّ لَنَا مِنْ جِهَةِ حُكْمِهِ ﵇ لِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ لِغَيْرِهِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التُّهْمَةِ مِنْ الْقَضَاءِ لِنَفْسِهِ بِالْإِجْمَاعِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا حَكَمَ لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَخَذَ الْفَرَسَ قَهْرًا مِنْ الْأَعْرَابِيِّ فَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ حَكَمَ أَمْ لَا، وَهَلْ جَعَلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَتَيْنِ حَقِيقَةً أَوْ مُبَالَغَةً فَمَا تَعَيَّنَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ ﵇ إنَّمَا سَمَّى خُزَيْمَةَ ذَا الشَّهَادَتَيْنِ مُبَالَغَةً لَا حَقِيقَةً. (وَتَاسِعُهَا) الْقِيَاسُ عَلَى التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ لِأَنَّهُ فِي التَّجْرِيحِ أَوْ التَّعْدِيلِ يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ نَفْيًا لِلتَّسَلْسُلِ الْحَاصِلِ إذَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِالْجَرْحِ أَوْ التَّعْدِيلِ، وَتَحْتَاجُ الْبَيِّنَةُ بَيِّنَةً أُخْرَى، وَهَكَذَا بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَالَ فِي الْمَعُونَةِ قَدْ قِيلَ هَذَا لَيْسَ حُكْمًا، وَإِلَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ غَيْرُهُ مِنْ نَقْضِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ تَرْكُ شَهَادَتِهِ، وَتَفْسِيقُهُ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ حُكْمًا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَهِيَ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْأُولَى قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ: إذَا حَكَمَ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ أَوْ بَعْدَهَا فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْحُكُومَةِ أَوْ فِيهِ فَلِلْقَاضِي الثَّانِي نَقْضُهُ فَإِنْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بَعْدَ جُلُوسَهُمَا لِلْحُكُومَةِ ثُمَّ أَنْكَرَ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ بِهِ. وَقَالَ سَحْنُونٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ

стр. 842

يَقْضِيَ بِهِمَا فِي الْأَمْوَالِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَاشْتِرَاطُ الْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدَيْنِ ضَعِيفٌ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَظَاهِرُ هَذِهِ النُّصُوصِ أَنَّهُمَا حُجَّةٌ تَامَّةٌ، وَمَا عَلِمْت أَنَّهُ وَرَدَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فِي اشْتِرَاطِ الْيَمِينِ وَإِثْبَاتُ الْمَشْرُوطِ بِمُجَرَّدِ الْمُنَاسَبَاتِ وَالِاحْتِمَالَاتِ صَعْبٌ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ لَا نَقْبَلُ فِي الدِّمَاءِ مَنْ فِي طَبْعِهِ خَوَرٌ أَوْ خَوْفٌ مِنْ الْقَتْلِ مَعَ تَبْرِيزِهِ فِي الْعَدَالَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَبْعَثُهُ عَلَى حَسْمِ مَادَّةِ الْقَتْلِ، وَلَا يُقْبَلُ فِي الدِّمَاءِ وَأَحْكَامِ الْأَبْدَانِ الشُّبَّانُ مِنْ الْعُدُولِ بَلْ الشُّيُوخُ لِعِظَمِ الْخَطَرِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْمُسَبَّبَاتِ وَالْمُنَاسَبَاتِ كَانَ هَذَا مُرُوقًا مِنْ الْقَوَاعِدِ، وَمُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ لَا سِيَّمَا، وَالْقِيَاسُ عَلَى الدَّيْنِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْفَرْقُ فِي غَايَةِ الْعُسْرِ، وَإِثْبَاتُ شَرْطٍ بِغَيْرِ حُجَّةٍ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَإِنْ ثَبَتَ الْفَرْقُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ عَدَمُ هَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. (الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ) الْأَرْبَعَةُ فِي الزِّنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] (تَنْبِيهٌ) فِي نَظَائِرِ أَبِي عِمْرَانَ يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُ الشُّهُودِ عِنْدَ الْأَدَاءِ فِي الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي غَيْرِهِمَا، وَصَعْبٌ عَلَى دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُنَاسَبَاتِ بِمُجَرَّدِهَا لَا تَكْفِي فِي اشْتِرَاطِ الشُّرُوطِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ قِيَاسٍ صَحِيحٍ أَوْ نَصٍّ صَرِيحٍ، وَأَمَّا قَوْلُنَا ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي طَلَبِ السَّتْرِ عَلَى الزُّنَاةِ وَحِفْظِ الْأَعْضَاءِ عَنْ الضَّيَاعِ فَهَذَا لَا يَكْفِي فِي هَذَا الشَّرْطِ فَيُمْكِنُ أَيْضًا عَلَى هَذَا السِّيَاقِ أَنْ نَشْتَرِطَ التَّبْرِيزَ فِي الْعَدَالَةِ لَوْ يَكُونُ الشَّاهِدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْوِلَايَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ الْمُنَاسَبَاتِ، وَهِيَ عَلَى خِلَافِ الِاجْتِمَاعِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا اتِّبَاعُ مَوَارِدِ النُّصُوصِ وَالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ صَعْبٌ جِدًّا. (الْحُجَّةُ الرَّابِعَةُ) الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَبَالَغَ فِي نَقْضِ الْحُكْمِ أَنْ حَكَمَ بِهِ قَائِلًا هُوَ بِدْعَةٌ، وَأَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِهِ، وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ، وَغَيْرُهُمْ لَنَا وُجُوهٌ (الْأَوَّلُ) مَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» ، وَرُوِيَ فِي الْمَسَانِيدِ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ، وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ رِوَايَةً عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ (الثَّانِي) إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ، وَعَدَدٍ كَثِيرٍ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ رَوَى ذَلِكَ النَّسَائِيّ، وَغَيْرُهُ (الثَّالِثُ) وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ظَهَرَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَحْكُمُ بِهِ فَلَوْ جَحَدَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أَقَرَّ فِي مَوْضِعٍ يَقْبَلُ مَا رَجَعَ إلَيْهِ مِنْ حُجَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ الْجُحُودِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَهُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٍ قَالَ اللَّخْمِيُّ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَلَا أَرَى أَنْ يُبَاحَ هَذَا الْيَوْمَ لِأَحَدٍ مِنْ الْقُضَاةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا حَكَمَ فَقَالَ مُحَمَّدٌ أَرَى أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ هُوَ نَفْسُهُ مَا كَانَ قَاضِيًا لَمْ يُعْزَلْ فَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْقُضَاةِ فَلَا أُحِبُّ لَهُ نَقْضَهُ قَالَ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ يَنْقُضُهُ هُوَ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ خِلَافُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ رَأْيِهِ، وَقِيلَ لَا يَنْقُضُهُ لِأَنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ رَأْيٍ إلَى رَأْيٍ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ لَمْ يَكُنْ حُكْمُهُ الْأَوَّلُ شَيْئًا، وَيَنْظُرُ إلَى مَنْ يُقَلِّدُهُ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْحُكْمَ بِمِثْلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَنْقُضْهُ إلَّا أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُؤَدِّي مَعَ فَسَادِ حَالِ الْقُضَاةِ الْيَوْمَ إلَى الْقَضَاءِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّ كُلَّهُمْ حِينَئِذٍ يَدَّعِي الْعَدَالَةَ فَيَنْقُضُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الذَّرِيعَةِ فَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ اهـ. قَالَ الْأَصْلُ فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ بِالْعِلْمِ يُنْقَضُ، وَإِنْ كَانَ مُدْرَكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمُدْرَكُ فِي النَّقْضِ كَوْنَهُ مُدْرَكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ فَاَلَّذِي يَنْقُضُ بِهِ لَا يَعْتَقِدُهُ فَالْحُكْمُ وَقَعَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ مُدْرَكٍ، وَالْحُكْمُ بِغَيْرِ مُدْرَكٍ يُنْقَضُ فَنَقَضَهُ لِذَلِكَ فَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا نَقْضُ الْحُكْمِ إذَا وَقَعَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى نَقْضِهِ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁، وَقَالَ هُوَ بِدْعَةٌ أَوَّلُ مَنْ قَضَى بِهِ مُعَاوِيَةُ ﵁، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ بَلْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَضَاءِ بِهِ، وَكَذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يُجِيزُ الْحُكْمَ إلَّا بِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَالْحُكْمُ الْوَاقِعُ بِشَهَادَةِ الصِّبْيَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِ فَإِنَّهَا مُدْرَكٌ ضَعِيفٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَتَطَرَّقُ النَّقْضُ لِجَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ لِأَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ بِغَيْرِ مُدْرَكٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَنَدُ فِي نَقْضِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ لَيْسَ كَوْنَهُ مُدْرَكًا مُخْتَلَفًا فِيهِ، وَأَنَّا لَا نَعْتَقِدُهُ مُدْرَكًا بَلْ مُسْتَنَدًا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ كَمَا يَنْقُضُهُ إذَا حَكَمَ لِنَفْسِهِ فَلَا يُشَارِكُهُ فِي النَّقْضِ جَمِيعُ غَيْرِهِ مِنْ الْمَدَارِكِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مَعَ أَنِّي قَدْ تُرَجَّحُ عِنْدِي فِيمَا وَضَعْته فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ أَنَّ الْقَضَاءَ بِالْمُدْرَكِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ فِيهِ، وَيُعَيِّنُهُ لِأَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ الْمُدْرَكِ مَوْطِنُ اجْتِهَادٍ فَيَتَعَيَّنُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِالْحُكْمِ فِيهِ كَمَا يَتَعَيَّنُ أَحَدُ الطَّرَفَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا الْمُخْتَلَفِ فِيهَا اهـ. كَلَامُ الْأَصْلِ بِلَفْظِهِ وَسَلَّمَهُ، وَسَائِرَ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَيُوَضِّحُهُ قَوْلُ التَّسَوُّلِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ إنْ حَكَمَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ تَتَقَارَبُ فِيهَا الْمَدَارِكُ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ فَحُكْمُهُ إنْشَاءُ رَفْعٍ لِلْخِلَافِ فَإِذَا قَضَى الْمَالِكِيُّ مَثَلًا بِلُزُومِ الطَّلَاقِ فِي الَّتِي عُلِّقَ طَلَاقُهَا عَلَى نِكَاحِهَا فَقَضَاؤُهُ إنْشَاءُ نَصٍّ خَاصٍّ وَارِدٍ مِنْ قِبَلِهِ فِي خُصُوصِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ الْمُعَيَّنَةِ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا

стр. 843

صِدْقُهُ وَقَوِيَ جَانِبُهُ، وَقَدْ ظَهَرَ لَك فِي حَقِّهِ بِشَاهِدِهِ (الرَّابِعُ) أَنَّهُ أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ فَتُشْرَعُ الْيَمِينُ فِي حَقِّهِ إذَا رَجَحَ جَانِبُهُ كَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (الْخَامِسُ) قِيَاسًا لِلشَّاهِدِ عَلَى الْيَدِ (السَّادِسُ) وَلِأَنَّ الْيَمِينَ أَقْوَى مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ لِدُخُولِهَا فِي اللِّعَانِ دُونَ الْمَرْأَتَيْنِ، وَقَدْ حَكَمَ بِالْمَرْأَتَيْنِ مَعَ الشَّاهِدِ فَيَحْكُمُ بِالْيَمِينِ (السَّابِعُ) وَلِقَوْلِهِ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْبَيَانِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ يُبَيِّنُ الْحَقَّ (الثَّامِنُ) قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَهَذَا لَيْسَ بِفَاسِقٍ فَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَحَصَرَ الْمَشْرُوعَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ وَالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ زِيَادَةً فِي النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ نَسْخٌ، وَهُوَ لَا يُقْبَلُ فِي الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ (الثَّانِي) «قَوْلُهُ ﵇ لِحَضْرَمِيِّ ادَّعَى عَلَى كِنْدِيٍّ شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» ، وَلَمْ يَقُلْ شَاهِدُك، وَيَمِينُك (الثَّالِثُ) قَوْلُهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَحَصَرَ الْبَيِّنَةَ فِي جِهَةِ الْمُدَّعَى، وَالْيَمِينَ فِي جِهَةِ الْمُنْكِرِ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْصُورٌ فِي خَبَرِهِ، وَاللَّامُ لِلْعُمُومِ فَلَمْ تَبْقَ يَمِينٌ فِي جِهَةِ الْمُدَّعِي (الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَمَّا تَعَذَّرَ نَقْلُ الْبَيِّنَةِ لِلْمُنْكِرِ تَعَذَّرَ نَقْلُ الْيَمِينِ لِلْمُدَّعِي (الْخَامِسُ) الْقِيَاسُ عَلَى أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ (السَّادِسُ) أَنَّ الْيَمِينَ لَوْ كَانَ كَالشَّاهِدِ لَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى الشَّاهِدِ كَأَحَدِ الشَّاهِدَيْنِ مَعَ الْآخَرِ، وَلَجَازَ إثْبَاتُ الدَّعْوَى بِيَمِينٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ زِيَادَةٌ سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ تَمْنَعُ أَنَّهُ نَسْخٌ لِأَنَّ النَّسْخَ الرَّفْعُ، وَلَمْ يَرْتَفِعْ شَيْءٌ، وَارْتِفَاعُ الْحَصْرِ يَرْجِعُ إلَى أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ يَرْجِعُ إلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصِيلَةِ، وَالْبَرَاءَةُ الْأَصِيلَةُ تَرْجِعُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ اتِّفَاقًا لِأَنَّ الْآيَةَ وَارِدَةٌ فِي التَّحَمُّلِ دُونَ الْأَدَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَالشَّرْطُ لِلِاسْتِقْبَالِ فَهُوَ لِلتَّحَمُّلِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ لَا تَدْخُلُ فِي التَّحَمُّلِ فَالْحَصْرُ فِي التَّحَمُّلِ بَاقٍ، وَلَا نَسْخَ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ تُشْرَعُ فِي حَقِّ مَنْ ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، وَجَمِيعُ الْأُمَنَاءِ وَالْقَسَامَةِ، وَاخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَيُنْتَقَضُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ بِالنُّكُولِ، وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي حُكْمِ الْآيَةِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْحَصْرَ لَيْسَ مُرَادًا بِدَلِيلِ الشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ قَضَاءٌ يَخُصُّ بِاثْنَيْنِ لِخُصُوصِ حَالِهِمَا فَيَعُمُّ ذَلِكَ النَّوْعُ، وَنَحْنُ نَقُولُ كُلُّ مَنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِعَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ اسْتِنَادًا لِدَلِيلِهِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِهَذِهِ الصُّورَةِ وَلِغَيْرِهَا لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَصًّا خَالِصًا وَارِدًا مِنْ قِبَلِهِ رَفْعًا لِلْخُصُومَاتِ، وَقَطْعًا لِلْمُشَاجَرَةِ، وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ إذَا تَعَارَضَ خَاصٌّ وَعَامٌّ قُدِّمَ الْخَاصُّ نَعَمْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يُفْتِيَ وَيَحْكُمَ فِي غَيْرِهَا بِمُقْتَضَى دَلِيلِهِ كَذَا لَوْ حَكَمَ الشَّافِعِيُّ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِاسْتِمْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا خَرَجَتْ عَنْ دَلِيلِ الْمَالِكِيِّ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيهَا بِلُزُومِ النِّكَاحِ وَدَوَامِهِ، وَفِي غَيْرِهَا بِلُزُومِ الطَّلَاقِ، وَهَكَذَا حُكْمُهُ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ كَانَ دَاخِلَ الْمَذْهَبِ أَوْ خَارِجَهُ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ، وَرُفِعَ الْخِلَافُ إلَخْ قُلْت وَهَذَا فِي الْمُجْتَهِدِ أَوْ الْمُقَلِّدِ الَّذِي مَعَهُ فِي مَذْهَبِ إمَامِهِ مِنْ النَّظَرِ مَا يُرَجِّحُ بِهِ أَحَدَ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ. وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَمُحْجَرٌ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِغَيْرِ الْمَشْهُورِ أَوْ الرَّاجِحُ أَوْ مَا بِهِ الْعَمَلُ فَحُكْمُهُ بِذَلِكَ إخْبَارٌ وَتَنْفِيذٌ مَحْضٌ نَعَمْ إذَا تَسَاوَى الْقَوْلَانِ فِي التَّرْجِيحِ فَحُكْمُهُ إنْشَاءُ رَفْعٍ لِلْخِلَافِ، وَخَرَجَ بِاجْتِهَادِيَّةٍ حُكْمُ حُكْمِهِ فِي مَوَاضِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ مَحْضٌ لَا إنْشَاءَ فِيهِ لِتَعْيِينِ الْحُكْمِ بِذَلِكَ وَثُبُوتِهِ، وَيُقَيِّدُ التَّقَارُبُ إلَخْ الْمُدْرَكَ الضَّعِيفَ كَالشُّفْعَةِ لِلْجَارِ وَاسْتِسْعَاءِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ فَالْحُكْمُ بِسُقُوطِهِمَا إخْبَارٌ مَحْضٌ، وَالْحُكْمُ بِثُبُوتِهِمَا يُنْقَضُ لِضَعْفِ الْمُدْرَكِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ، وَيُقَيِّدُ الْمَصْلَحَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ الْعِبَادَاتُ، وَتَحْرِيمُ السِّبَاعِ، وَطَهَارَةُ الْأَوَانِي وَالْمِيَاهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ لَا لِلدُّنْيَا بَلْ لِلْآخِرَةِ فَهَذِهِ تَدْخُلُهَا الْفَتْوَى فَقَطْ إذْ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ بِخِلَافِ الْمُنَازَعَةِ فِي الْأَمْلَاكِ وَالْأَوْقَافِ وَالرُّهُونِ وَنَحْوِهَا مِمَّا اخْتَلَفَتْ فِيهَا الْمَصْلَحَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، وَكَذَا أَخْذُهُ لِلزَّكَاةِ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ فَهُوَ حُكْمٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَنَازُعٌ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ لَا إنْ أَخْبَرَ عَنْ نِصَابٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فَفَتْوَى فَقَطْ اهـ. الْمُرَادُ بِتَوْضِيحِ مَا هُوَ عَيْنُ مَا يَأْتِي لِلْأَصْلِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ، وَيَأْتِي فِيهِ مَا لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الشَّاطِّ مِنْ الْبَحْثِ فَتَرَقَّبْ. ٢ - (فَائِدَتَانِ الْأُولَى) الْقَوْلُ بِالْمُوجَبِ بِفَتْحِ الْجِيمِ مَا يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ، وَبِكَسْرِهَا الدَّلِيلُ، وَهُوَ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ تَسْلِيمُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ بِأَنْ يَظْهَرَ عَدَمُ اسْتِلْزَامِهِ الدَّلِيلَ لِمَحَلِّ النِّزَاعِ وَشَاهِدُهُ أَيْ الدَّالُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ [المنافقون: ٨] فِي جَوَابِ ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] الْمَحْكِيِّ عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَيْ صَحِيحُ ذَلِكَ لَكِنْ هُمْ الْأَذَلُّ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ الْأَعَزُّ، وَقَدْ أَخْرَجَاهُمْ فَقَدْ سَلِمَ مُوجَبُ الدَّلِيلِ وَمُقْتَضَاهُ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِي الْأَعَزِّ مَنْ هُوَ، وَالْأَذَلُّ مَنْ هُوَ، وَلَيْسَ هُوَ تَلَقِّي الْمُخَاطَبِ بِغَيْرِ مَا يَتَرَقَّبُ فَقَطْ الَّذِي اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَرْبَابُ الْمَعَانِي كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَشَرْحِ الْمَحَلِّيّ وَعَطَّارِهِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥]

стр. 844

وُجِدَ فِي حَقِّهِ تِلْكَ الصِّفَةُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا شَاهِدَانِ، وَعَلَيْكُمْ أَنْ تُبَيِّنُوا تِلْكَ الْحَالَةَ مِمَّا قُلْنَا نَحْنُ فِيهَا بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي عَلَى الْمُنْكِرِ لَا تَتَعَدَّاهُ لِأَنَّ الْيَمِينَ الَّتِي عَلَيْهِ هِيَ الْيَمِينُ الدَّافِعَةُ وَالْيَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ هِيَ الْجَالِبَةُ فَهِيَ غَيْرُهَا فَلَمْ يَبْطُلْ الْحَصْرُ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِكُمْ لَمَّا لَمْ تَتَحَوَّلْ الْبَيِّنَةُ لَمْ تَتَحَوَّلْ الْيَمِينُ فَإِنَّا لَمْ نُحَوِّلْ تِلْكَ الْيَمِينَ بَلْ أَثْبَتْنَا يَمِينًا أُخْرَى بِالسُّنَّةِ مَعَ أَنَّ التَّحْوِيلَ وَاقِعٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ لِأَنَّهُ لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنْكِرِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ، وَلَوْ ادَّعَى الْقَضَاءَ كَانَ لَهُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ مَعَ أَنَّهَا بَيِّنَةٌ ثَابِتَةٌ فِي الْحَالَيْنِ، وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ أَحْكَامَ الْأَبْدَانِ أَعْظَمُ، وَلِذَلِكَ لَا يُقْبَلَ فِيهَا النِّسَاءَ، وَعَنْ الْخَامِسِ الْفَرْقُ بِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ مَعْنَاهُمَا مُسْتَوِيَانِ فَلَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فِي التَّقْدِيمِ، وَأَمَّا الْيَمِينُ فَإِنَّمَا تَدْخُلُ لِتَقْوِيَةِ جِهَةِ الشَّاهِدِ فَقَبْلَهُ لَا قُوَّةَ فَلَا تَدْخُلُ، وَلَا تُشْرَعُ، وَالشَّاهِدَانِ شَرْعًا لِأَنَّهُمَا حُجَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مَعَ الضَّعْفِ (تَنْبِيهٌ) وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فَيَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَبْلَ قِيَامِ شَاهِدٍ فَإِنْ نَكَلَ حَلِفُ الْمُدَّعِي لَنَا وُجُوهٌ (الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» فَأَخْبَرَ ﵇ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِهِمَا فَمَنْ قَالَ بِالْيَمِينِ مَعَ النُّكُولِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ (الثَّانِي) قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَإِنَّمَا أَمَرَ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا سَبَبُ الثُّبُوتِ فَيَنْحَصِرُ الثُّبُوتُ فِيهَا، وَإِلَّا لَزِمَ الْبَيَانُ فِي تَأْسِيسِ الْقَوَاعِدِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَعَمَلًا بِالْمَفْهُومِ (الثَّالِثُ) أَنَّ الشَّاهِدَ، وَالْمَرْأَتَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ وَالنُّكُولِ لِأَنَّهَا حُجَّةٌ مِنْ جِهَةِ الْمُدَّعِي، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا فَلَا يَثْبُتُ بِالْآخَرِ (الرَّابِعُ) مَا ذَكَرُوهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ إذَا أَحَبَّهَا ادَّعَى عَلَيْهَا فَتُنْكِرُ فَيُحَلِّفُهَا فَتَنْكُلُ فَيَحْلِفُ، وَيَسْتَحِقُّهَا بِتَوَاطُؤٍ مِنْهُمَا (الْخَامِسُ) أَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَكْرَهُ زَوْجَهَا فَتَدَّعِي عَلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ فَتُحَلِّفُهُ، وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ تَدَّعِي الْعِتْقَ، وَهَذَا ضَرَرٌ عَظِيمٌ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ (أَحَدُهَا) قَضِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَهْلٍ، وَهِيَ فِي الصِّحَاحِ، وَقَالَ فِيهَا ﵇ تَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ خَمْسِينَ يَمِينًا (الثَّانِي) أَنَّ كُلَّ حَقٍّ تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَإِذَا نَكَلَ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي قِيَاسًا عَلَى الْمَالِ (الثَّالِثُ) الْقِيَاسُ عَلَى اللِّعَانِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ تُحَدُّ بِيَمِينِ الزَّوْجِ، وَنُكُولِهَا مِنْ الْيَمِينِ (الرَّابِعُ) قَوْلُهُ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَهُوَ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ صُورَةَ النِّزَاعِ (الْخَامِسُ) «أَنَّهُ ﵇ قَالَ لِرُكَانَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتَّةَ مَا أَرَدْت بِالْبَتَّةِ قَالَ وَاحِدَةً فَقَالَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مُسَلَّمٌ مُقْتَضَاهُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ أَيْ الْعَدْلِ مَعَ بَقَاءِ النِّزَاعِ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ مِنْهُ أَمْ لَا، وَهُوَ الَّذِي نَقُولُهُ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عِنْدَنَا فَتَنَبَّهْ قَالَ الْعَطَّارُ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ، وَجَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ الْقَوْلَ بِالْمُوجِبِ مِنْ الْقَوَادِحِ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي تَسْلِيمَهُ لَيْسَ الْمُرَادُ تَسْلِيمَ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعِي الْمُسْتَدِلِّ بَلْ تَسْلِيمُ صِحَّتِهِ عَلَى خِلَافِهِ فَهُوَ قَادِحٌ فِي الْعِلَّةِ اهـ. بِتَوْضِيحٍ (الثَّانِيَةُ) فِي شَرْحِ التَّسَوُّلِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ مِثْلُ التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ تَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ، وَضَرْبُ خَصْمٍ لَهُ إلَخْ فَمَا يُسْتَنَدُ فِيهِ لِعِلْمِهِ جِنْسٌ تَحْتَهُ أَنْوَاعٌ اهـ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَتْوَى وَقَاعِدَةِ الْحُكْمِ] (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْفَتْوَى وَقَاعِدَةِ الْحُكْمِ) : وَهُوَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ الْمُكَلَّفَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إلَّا أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا مِنْ جِهَتَيْنِ: (الْجِهَةُ الْأُولَى) أَنَّ الْفَتْوَى مَحْضُ إخْبَارٍ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي إلْزَامٍ أَوْ إبَاحَةٍ، وَالْحُكْمُ إخْبَارُ مَا لَهُ الْإِنْشَاءُ وَالْإِلْزَامُ أَيْ التَّنْفِيذُ وَالْإِمْضَاءُ لِمَا كَانَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَتْوَى فَالْمُفْتِي مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَالْمُتَرْجِمِ مَعَ الْقَاضِي يَنْقُلُ عَنْهُ مَا، وَجَدَهُ عِنْدَهُ، وَاسْتَفَادَهُ مِنْهُ بِإِشَارَةٍ أَوْ عِبَارَةٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ تَقْرِيرٍ أَوْ تَرْكٍ، وَالْحَاكِمُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى كَنَائِبِ الْحَاكِمِ يُنَفِّذُ وَيُمْضِي بَيْنَ الْخُصُومِ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَتْوَى، وَلَيْسَ بِنَاقِلٍ ذَلِكَ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ بَلْ مُسْتَنِيبُهُ قَالَ لَهُ أَيُّ شَيْءٍ حَكَمْت بِهِ عَلَى الْقَوَاعِدِ فَقَدْ جَعَلْته حُكْمِي فَكَمَا أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَرْجَمِ عَنْ الْقَاضِي، وَنَائِبِ الْقَاضِي مُوَافِقٌ لِلْقَاضِي وَمُطِيعٌ لَهُ وَسَاعٍ فِي تَنْفِيذِ مُرَادِهِ غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْقُلُ نَقْلًا مَحْضًا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ لَهُ فِي التَّنْفِيذِ وَالْإِمْضَاءِ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَالْآخَرُ يُنَفِّذُ، وَيُمْضِي مَا يَجْتَهِدُ فِيهِ مِنْ الْأَحْكَامِ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ بَيْنَ الْخُصُومِ كَذَلِكَ الْمُفْتِي، وَالْحَاكِمُ كِلَاهُمَا مُطِيعٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَابِلٌ لِحُكْمِهِ غَيْرَ أَنَّ الْمُفْتِيَ مُخْبِرٌ مَحْضٌ، وَالْحَاكِمُ مُنَفِّذٌ وَمُمْضٍ هَذَا، وَتَقْرِيرُ هَذِهِ الْجِهَةِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُوَ مَا صَحَّحَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ، وَيَجِبُ عَلَى السَّامِعِ اعْتِقَادُ ذَلِكَ إلَخْ قَالَ قَاضٍ لِخَصْمِهِ اتَّهَمَهُ فِي حُكْمِهِ أَيْ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ لَسْت بِمُؤْمِنٍ فَقَالَ، وَبِمَ كَفَّرْتنِي قَالَ لَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] اهـ. (الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ) أَنَّ كُلَّ مَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْحُكْمُ تَتَأَتَّى فِيهِ الْفَتْوَى، وَلَا عَكْسَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَاتِ كُلَّهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ

стр. 845

لَهُ ﵇ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتَ إلَّا وَاحِدَةً فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَرَدْتُ إلَّا وَاحِدَةً» فَحَلَّفَهُ بَعْدَ دَعْوَى امْرَأَتِهِ الثَّلَاثِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْأَيْمَانَ تَثْبُتُ بَعْدَ اللَّوْثِ، وَهُوَ وُجُودُهُ مَطْرُوحًا بَيْنَهُمْ، وَهُمْ أَعْدَاؤُهُ، وَغَلَّظَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ فِي الْمَقِيسِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ نَادِرٌ، وَفِي الْخَلَوَاتِ حَيْثُ يَتَعَذَّرُ الْإِشْهَادُ فَغَلُظَ أَمْرُهُ لِحُرْمَةِ الدِّمَاءِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هَاهُنَا لَا يَحْلِفُ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى فَانْحَسَمَتْ الْمَادَّةُ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ اللِّعَانَ مُسْتَثْنًى لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ هَاهُنَا فَجُعِلَتْ الْأَيْمَانُ مَقَامُ الشَّهَادَةِ لِتَعَذُّرِهَا، وَضَرُورَةِ الْأَزْوَاجِ لِنَفْيِ الْعَارِ وَحِفْظِ النَّسَبِ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الضَّرُورَاتِ، وَخَطَرِ الْبَابِ، وَعَنْ الْخَامِسِ، وَإِنْ صَحَّ الْفَرْقُ أَنَّ أَصْلَ الطَّلَاقِ يَثْبُتُ بِلَفْظٍ صَالِحٍ بَلْ ظَاهِرٍ لِلثَّلَاثِ، وَدَعْوَى الْمَرْأَةِ أَصْلَ الطَّلَاقِ لَيْسَ فِيهِ ظُهُورٌ بَلْ مَرْجُوحٌ بِاسْتِصْحَابِ الْعِصْمَةِ (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْعَبْدِيُّ يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَرْبَعَةٌ الْأَمْوَالُ وَالْكَفَالَةُ وَالْقِصَاصُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَالْخُلْطَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي التَّحْلِيفِ فِي بَعْضِ الْأَمْوَالِ، وَاَلَّذِي لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ ثَلَاثَةُ عَشَرَ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ وَالْوَلَاءُ وَالْأَحْبَاسُ، وَالْوَصَايَا لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَهِلَالُ رَمَضَانَ وَذِي الْحِجَّةِ، وَالْمَوْتُ وَالْقَذْفُ وَالْإِيصَاءُ، وَتَرْشِيدُ السَّفِيهِ، وَنَقْلُ الشَّهَادَةِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِيهَا هَلْ نُثْبِتُ بِهِمَا أَمْ لَا خَمْسَةٌ الْوَكَالَةُ، وَنِكَاحُ امْرَأَةٍ قَدْ مَاتَتْ وَالتَّجْرِيحُ وَالتَّعْدِيلُ (تَنْبِيهٌ) قَبُولُ مَالِكٍ ﵀ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فِي الْقِصَاصِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهَا يُصَالَحُ عَلَيْهَا بِالْمَالِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مُشْكِلٌ جِدًّا فَإِنَّهُ إلْغَاءٌ لِلْأَصْلِ، وَاعْتِبَارٌ لِلطَّوَارِئِ الْبَعِيدَةِ، وَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ فِي النَّفْسِ أَيْضًا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهِمَا فِي الْأَحْبَاسِ مَعَ أَنَّهَا مَنَافِعُ، وَلَا فِي الْوَلَاءِ، وَمَآلُهُ إلَى الْإِرْثِ، وَهُوَ مَالٌ وَالْوَصَايَا، وَهِيَ مَالٌ، وَتَرْشِيدُ السَّفِيهِ يَئُولُ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَالٌ، وَالْمَالُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَقْرَبُ مِنْ الْمَالِ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ لَا سِيَّمَا وَهُوَ يُبِيحُ الْقِصَاصَ بِذَلِكَ، وَمَتَى يَقَعُ الصُّلْحُ فِيهَا فَهِيَ مُشْكِلَةٌ، وَعَدَمُ قَبُولِهِ هَذِهِ الْحُجَّةَ فِي الْأَحْبَاسِ، وَمَا ذَكَرَ مَعَهَا مُشْكِلٌ مَعَ أَنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَكَالَةَ إذَا كَانَتْ تَئُولُ إلَى مَالٍ تَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا مَآلُهُ إلَى الْمَالِ عَكْسُهُ لَا يَثْبُتُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ فِي الْحَبْسِ عَلَى غَيْرِ الْمُعَيَّنِ فَإِنَّهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ أَلْبَتَّةَ بَلْ إنَّمَا تَدْخُلُهَا الْفُتْيَا فَقَطْ فَكُلُّ مَا وُجِدَ بِهَا مِنْ الْإِخْبَارَاتِ فَهِيَ فُتْيَا فَقَطْ فَلَيْسَ لِحَاكِمٍ أَنْ يَحْكُمَ أَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ أَوْ بَاطِلَةٌ، وَلَا أَنَّ هَذَا الْمَاءَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَيَكُونُ بِحُلُولِ قَلِيلِ نَجَاسَةٍ فِيهِ لَمْ تُغَيِّرْهُ نَجِسًا فَيَحْرُمُ عَلَى الْمَالِكِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ بَلْ مَا يُقَالُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فُتْيَا إنْ كَانَتْ مَذْهَبَ السَّامِعِ عَمِلَ بِهَا، وَإِلَّا فَلَهُ تَرْكُهَا، وَالْعَمَلُ بِمَذْهَبِهِ قَالَهُ الْأَصْلُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ الْأَصْلُ، وَيَلْحَقُ بِالْعِبَادَاتِ أَسْبَابُهَا فَإِذَا شَهِدَ بِهِلَالِ رَمَضَانَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَأَثْبَتَهُ حَاكِمٌ شَافِعِيٌّ، وَنَادَى فِي الْمَدِينَةِ بِالصَّوْمِ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّ لِأَنَّ ذَلِكَ فُتْيَا لَا حُكْمٌ، وَكَذَلِكَ إذَا قَالَ حَاكِمٌ قَدْ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ الدَّيْنَ يُسْقِطُ الزَّكَاةَ أَوْ لَا يُسْقِطُهَا أَوْ مِلْكُ نِصَابٍ مِنْ الْحُلِيِّ الْمُتَّخَذِ لِاسْتِعْمَالِ مُبَاحٍ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ أَوْ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الزَّكَاةَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْأَضَاحِيِّ وَالْعَقِيقَةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنُّذُورِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَوْ فِي أَسْبَابِهَا لَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ مَنْ لَا يَعْتَقِدُهُ بَلْ يَتْبَعُ مَذْهَبَهُ فِي نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ لَا فِي عِبَادَةٍ، وَلَا فِي سَبَبِهَا وَلَا شَرْطِهَا وَلَا مَانِعِهَا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ قَالَ لَا تُقِيمُوا الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِذْنِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمًا، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً مُخْتَلَفًا فِيهَا هَلْ تَفْتَقِرُ الْجُمُعَةِ إلَى إذْنِ السُّلْطَانِ أَمْ لَا، وَلِلنَّاسِ أَنْ يُقِيمُوهَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ صُورَةُ الْمُشَاقَّةِ، وَخَرْقُ أُبَّهَةِ الْوِلَايَةِ، وَإِظْهَارُ الْعِنَادِ وَالْمُخَالَفَةِ فَتَمْتَنِعُ إقَامَتُهَا بِغَيْرِ أَمْرِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَا لِأَنَّهُ مَوْطِنُ خِلَافٍ اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُ حَاكِمٍ، وَقَدْ قَالَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ اهـ بِلَفْظِهِ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِيمَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ نَظَرٌ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ حُكْمَ الشَّافِعِيِّ بِثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَاحِدٍ حُكْمٌ يَلْزَمُ جَمِيعَ أَهْلِ الْبَلَدِ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ غَيْرَ ذَلِكَ الْحَاكِمَ مِمَّنْ يُخَالِفُ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَهُ مَا بُنِيَ عَلَى ذَلِكَ الثُّبُوتِ كَمَا إذَا ثَبَتَ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ أَخْذَهَا مِمَّنْ يُخَالِفُ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ لَا يَسُوغُ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ دَفْعِهَا لَهُ، وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْإِمَامِ لَا تُقِيمُوا الْجُمُعَةَ إلَّا بِإِذْنِي حُكْمُ حَاكِمٍ اتَّصَلَ بِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ الْوُقُوفُ عِنْدَ حُكْمِهِ كَمَا قَالَهُ ذَلِكَ الْفَقِيهُ فَهُوَ الصَّحِيحُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. قُلْت وَخَالَفَهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي قَوْلِهِ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الْإِمَامِ إلَخْ حَيْثُ وَافَقَ مَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّيْخِ سِرَاجِ الدِّينِ عُمَرَ الْبُلْقِينِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ قَوْلِهِ وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْ قَاضٍ حَضَرَ عِنْدَ سُلْطَانٍ، وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي جَامِعٍ بَنَاهُ ذَلِكَ السُّلْطَانُ فَلَمَّا تَكَلَّمُوا فِي الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي نَحْكُمُ بِصِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ، وَهَذَا الْكَلَامُ بَاطِلٌ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ

стр. 846

يَتَعَذَّرُ الْحَلِفُ مِنْ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ كَالْوَصِيَّةِ لِغَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ. (الْحُجَّةُ الْخَامِسَةُ) الْمَرْأَتَانِ وَالْيَمِينُ هِيَ حُجَّةٌ فِي الْأَمْوَالِ يَحْلِفُ مَعَ الْمَرْأَتَيْنِ وَيَسْتَحِقُّ، وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ، وَوَافَقَنَا فِي الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ لَنَا وُجُوهٌ (الْأَوَّلُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَامَ الْمَرْأَتَيْنِ مُقَامَ الرَّجُلِ فَيَقْضِي بِهِمَا مَعَ الْيَمِينِ كَالرَّجُلِ، وَلَمَّا عَلَّلَ ﵇ نُقْصَانَ عَقْلِهِنَّ قَالَ عَدَلَتْ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ، وَلَمْ يَخُصَّ مَوْضِعًا دُونَ مَوْضِعٍ. (الثَّانِي) أَنَّهُ يَحْلِفُ مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَمَعَ الْمَرْأَتَيْنِ أَقْوَى الثَّالِثُ أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ يَمِينٌ مَعَهُمَا، وَيَتَوَجَّهُ مَعَ الرَّجُلِ، وَإِذَا لَمْ يُعَرَّجْ عَلَى الْيَمِينِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِهِمَا كَانَتَا أَقْوَى فَيَكُونَانِ كَالرَّجُلِ فَيَحْلِفُ مَعَهُمَا احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ (الْأَوَّلُ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا شَرَعَ شَهَادَتَهُنَّ مَعَ الرَّجُلِ فَإِذَا عَدِمَ الرَّجُلُ الْعَيْبَ (الثَّانِي) أَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الْمَالِ إذَا خَلَتْ عَنْ رَجُلٍ لَمْ تُقْبَلْ كَمَا لَوْ أَشْهَدَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ فَلَوْ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَالرَّجُلِ لَتَمَّ الْحُكْمُ بِأَرْبَعٍ، وَيَقْبِلْنَ فِي غَيْرِ الْمَالِ كَمَا يُقْبَلُ الرَّجُلُ، وَيُقْبَلُ فِي غَيْرِ الْمَالِ رَجُلٌ، وَامْرَأَتَانِ. (الثَّالِثُ) أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ ضَعِيفَةٌ فَتُقَوَّى بِالرَّجُلِ، وَالْيَمِينُ ضَعِيفَةٌ فَيُضَمُّ ضَعِيفٌ إلَى ضَعِيفٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِهِمَا لَا يَقُومَانِ مَقَامَهُ مَعَ الْيَمِينِ فَهُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الِاعْتِبَارُ الْمُتَقَدِّمُ كَمَا دَلَّ الِاعْتِبَارُ عَلَى اعْتِبَارِ الْقُمُطِ فِي الْبُنْيَانِ وَالْجُذُوعِ وَغَيْرِهَا، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَرْأَتَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَسْتَقِلَّ النِّسْوَةُ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ لِأَنَّهَا لَا يَدْخُلُهَا الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَلِأَنَّ تَخْصِيصَ الرِّجَالِ بِمَوْضِعٍ لَا يَدُلُّ عَلَى قُوَّتِهِمْ لِأَنَّ النِّسَاءَ قَدْ خُصِّصْنَ بِعُيُوبِ الْفَرْجِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى رُجْحَانِهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثِ. (الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ) الشَّاهِدُ وَالنُّكُولُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لَنَا وُجُوهٌ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ النُّكُولَ سَبَبٌ مُؤَثِّرٌ فِي الْحُكْمِ فَيَحْكُمُ بِهِ مَعَ الشَّاهِدِ كَالْيَمِينِ مِنْ الْمُدَّعِي، وَتَأْثِيرُهُ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَنْقُلُ الْيَمِينَ لِلْمُدَّعِي. (الثَّانِي) أَنَّ الشَّاهِدَ أَقْوَى مِنْ يَمِينِ الْمُدَّعِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَرْجِعُ لِلْيَمِينِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدِ. (الثَّالِثُ) أَنَّ الشَّاهِدَ يَدْخُلُ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا بِخِلَافِ الْيَمِينِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) بِأَنَّ السُّنَّةَ إنَّمَا وَرَدَتْ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ، وَهُوَ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنُّكُولُ لَا تَعْظِيمَ فِيهِ. (وَثَانِيهَا) أَنَّ الْحِنْثَ فِيهِ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ، وَيَذْرُ الدِّيَارَ بَلَاقِعَ إذَا أَقْدَمَ عَلَيْهَا غَمُوسًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ النُّكُولُ (الثَّالِثُ) أَنَّ النُّكُولَ لَا يَكُونُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] يَدْخُلَ ذَلِكَ، وَلَا نَحْوُهُ تَحْتَ الْحُكْمِ اسْتِقْلَالًا، وَلَا تَضَمُّنًا عَلَى الْإِطْلَاقِ لَكِنْ يَدْخُلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى وَاقِعَةٍ خَاصَّةٍ مِنْ تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى صِحَّةِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى إلْزَامِ الشَّخْصِ لَا مُطْلَقًا اهـ. وَأَمَّا مَا يَتَأَتَّى فِيهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ فَضَبَطَهُ الْأَصْلُ بِأَرْبَعَةِ قُيُودٍ فَقَالَ إنَّمَا يُؤَثِّرُ حُكْمُ الْحَاكِمِ إذَا أَنْشَأَهُ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ تَتَقَارَبُ فِي الْمَدَارِكِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ قَالَ فَقَيْدُ الْإِنْشَاءِ احْتِرَازٌ مِنْ حُكْمِهِ فِي مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ ذَلِكَ إخْبَارٌ وَتَنْفِيذٌ مَحْضٌ، وَأَمَّا فِي مَوَاضِعِ الْخِلَافِ فَهُوَ يُنْشِئُ حُكْمًا، وَهُوَ إلْزَامُ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قِيلَ بِهِمَا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَيَكُونُ إنْشَاؤُهُ إخْبَارًا خَاصًّا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ نَصًّا وَرَدَ مِنْ قِبَلِهِ فِي خُصُوصِ تِلْكَ الصُّورَةِ فَإِذَا قَضَى الْمَالِكِيُّ فِيمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ بَعْدَ وُضُوءُهُ بِنَقْضِ وُضُوئِهِ أَوْ قَضَى فِي امْرَأَةٍ عُلِّقَ طَلَاقُهَا قَبْلَ الْمِلْكِ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ تَنَاوَلَ هَذِهِ الصُّورَةَ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى عَدَمِ نَقْضِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِ لُزُومِ الطَّلَاقِ عِنْدَ الْحَنَفِيِّ وَالشَّافِعِيِّ، وَكَانَ حُكْمُ الْمَالِكِيِّ بِالنَّقْضِ وَلُزُومِ الطَّلَاقِ نَصًّا خَاصًّا تَخْتَصُّ بِهِ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الْمُعَيَّنَةُ، وَهُوَ نَصٌّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ ذَلِكَ لِلْحُكَّامِ رَفْعًا لِلْخُصُومَاتِ وَالْمُشَاجَرَاتِ، وَهَذَا النَّصُّ الْوَارِدُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْعَامِّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وَيَصِيرُ حُكْمُ الْمَالِكِيِّ مَثَلًا مَذْهَبًا لِغَيْرِهِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الْأُصُولِيَّةَ تَقْدِيمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذَا تَعَارَضَا فَلِذَلِكَ لَا يَرْجِعُ الشَّافِعِيُّ يُفْتِي بِمُقْتَضَى دَلِيلِهِ الْعَامِّ الشَّامِلِ لِجُمْلَةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَنَاوَلَهَا نَصٌّ خَاصٌّ بِهَا مُخْرِجٌ لَهَا عَنْ مُقْتَضَى ذَلِكَ الدَّلِيلِ الْعَامِّ، وَإِنَّمَا يُفْتِي الشَّافِعِيُّ بِمُقْتَضَى دَلِيلِهِ الْعَامِّ فِيمَا عَدَا هَذِهِ الصُّورَةِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ. وَكَذَلِكَ إذَا حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِاسْتِمْرَارِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا خَرَجَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ عَنْ دَلِيلِ الْمَالِكِيِّ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهَا بِلُزُومِ النِّكَاحِ وَدَوَامِهِ، وَفِي غَيْرِهَا بِلُزُومِ الطَّلَاقِ لِأَجْلِ مَا أَنْشَأَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْحُكْمِ تَقْدِيمًا لِلْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ فَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْإِنْشَاءِ، وَقُيِّدَ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ احْتِرَازًا عَنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ الْحُكْمَ هُنَالِكَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَيَتَعَذَّرُ فِيهِ الْإِنْشَاءُ لِتَعَيُّنِهِ وَثُبُوتِهِ إجْمَاعًا، وَقُيِّدَ تَتَقَارَبُ مَدَارِكُهَا احْتِرَازًا مِنْ الْخِلَافِ الشَّاذِّ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُدْرَكِ الضَّعِيفِ فَإِنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْخِلَافَ بَلْ يُنْقَضُ فِي نَفْسِهِ إذَا حُكِمَ بِالْفَتْوَى الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْمُدْرَكِ الضَّعِيفِ، وَقُيِّدَ لِأَجْلِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا احْتِرَازًا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْفَتْوَى بِتَحْرِيمِ السِّبَاعِ وَطَهَارَةِ الْأَوَانِي، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ فِيهِ لَا لِلدُّنْيَا بَلْ لِلْآخِرَةِ بِخِلَافِ الِاخْتِلَافِ فِي الْعُقُودِ وَالْأَمْلَاكِ وَالرُّهُونِ وَالْأَوْقَافِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يَكُونُ إلَّا لِمَصَالِحِ الدُّنْيَا. وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ الْأَحْكَامَ

стр. 847

أَقْوَى حُجَّةً مِنْ جَحْدِهِ أَصْلَ الْحَقِّ، وَجَحْدُهُ لَا يُقْضَى بِهِ مَعَ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ يَكُونُ قَضَاءً بِالشَّاهِدِ وَحْدَهُ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَكَذَلِكَ النُّكُولُ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ التَّعْظِيمَ لَا مَدْخَلَ لَهُ هَاهُنَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَبَّحَ، وَهَلَّلَ أَلْفَ مَرَّةٍ لَا يَكُونُ حُجَّةً مَعَ الشَّاهِدِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي إقْدَامِهِ عَلَى مُوجِبِ الْعُقُوبَةِ عَلَى تَقْدِيرِ الْكَذِبِ، وَهَذَا كَمَا هُوَ وَازِعٌ دِينِيٌّ فَالنُّكُولُ فِيهِ وَازِعٌ طَبِيعِيٌّ لِأَنَّهُ إذَا قِيلَ لَهُ إنْ حَلَفْت بَرِئْت، وَإِنْ نَكَلْت غَرِمْت فَإِذَا نَكَلَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الطَّبْعِ، وَالْوَازِعُ الطَّبِيعِيُّ أَقْوَى عِنْدَنَا إثَارَةً لِلظُّنُونِ مِنْ الْوَازِعِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِقْرَارَ يُقْبَلُ مِنْ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ لِكَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ الْوَازِعِ الطَّبِيعِيِّ، وَالشَّهَادَةُ لَا تُقْبَلُ إلَّا مِنْ الْعَدْلِ لِأَنَّ وَازِعَهَا شَرْعِيٌّ فَلَا يُؤَثِّرُ إلَّا فِي الْمُتَّقِينَ مِنْ النَّاسِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْكَفَّارَةَ قَدْ تَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْحَقِّ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ الْمُجْتَلَبِ، وَهُوَ الْغَالِبُ فَتُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ لِأَنَّ الْوَازِعَ حِينَئِذٍ إنَّمَا هُوَ الْوَازِعُ الشَّرْعِيُّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ دُونَ الْوَازِعِ الطَّبِيعِيِّ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ مُجَرَّدَ الْجَحْدِ لَا يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ فَلَا يَخَافُهُ، وَالنُّكُولُ يُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْيَمِينِ فَخَافَهُ طَبْعُهُ فَظَهَرَ أَنَّ النُّكُولَ أَقْوَى مِنْ الْيَمِينِ، وَأَقْوَى مِنْ الْجَحْدِ (الْحُجَّةُ السَّابِعَةُ) الْمَرْأَتَانِ، وَالنُّكُولُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵁، وَالْمَدْرَكُ هُوَ مَا تَقَدَّمَ سُؤَالًا وَجَوَابًا، وَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى الْيَمِينِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ. (الْحُجَّةُ الثَّامِنَةُ) الْيَمِينُ وَالنُّكُولُ وَصُورَتُهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمَطْلُوبُ بِالْيَمِينِ الدَّافِعَةِ فَيَنْكُلُ فَيَحْلِفُ الطَّالِبُ، وَيَسْتَحِقُّ بِالنُّكُولِ وَالْيَمِينِ فَإِنْ جَهِلَ الْمَطْلُوبُ رَدَّهَا فَعَلَى الْحَاكِمِ أَنْ يُعْلِمَهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَقْضِي حَتَّى يَرُدَّهَا فَإِنْ نَكَلَ الطَّالِبُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ حَنْبَلٍ يَقْضِي بِالنُّكُولِ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الطَّالِبِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة إنْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مَالٍ كَرَّرَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ لَزِمَهُ الْحَقُّ، وَلَا تُرَدُّ الْيَمِينُ، وَإِنْ كَانَتْ فِي عَقْدٍ فَلَا يَحْكُمُ بِالنُّكُولِ بَلْ يُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَعْتَرِفَ، وَفِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالنَّسَبِ وَغَيْرِهِ لَا مَدْخَلَ لِلْيَمِينِ فِيهِ فَلَا نُكُولَ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يُحْبَسُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ حَتَّى يَحْلِفَ لَنَا وُجُوهٌ: (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ، وَلَا يَمِينَ بَعْدَ يَمِينٍ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ غَيْرَ أَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي يَمِينًا بَعْدَ يَمِينٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى يَمِينٍ بَعْدَ رَدِّ يَمِينٍ عَلَى حَذْفِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الشَّرْعِيَّةَ قِسْمَانِ: (الْأَوَّلُ) مَا يَقْبَلُ حُكْمَ الْحَاكِمِ مَعَ الْفَتْوَى فَيَجْتَمِعُ الْحُكْمَانِ (وَالثَّانِي) مَا لَا يَقْبَلُ إلَّا الْفَتْوَى، وَيَظْهَرُ لَك بِهَذَا أَيْضًا تَصَرُّفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا وَقَعَ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْفَتْوَى أَوْ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ وَالْإِنْشَاءِ، وَأَيْضًا يَظْهَرُ أَنَّ إخْبَارَ الْحَاكِمِ عَنْ نِصَابٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الزَّكَاةَ فَتْوَى، وَأَمَّا أَخْذُهُ لِلزَّكَاةِ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ فَحُكْمٌ وَفَتْوَى مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ تَنَازُعٌ بَيْنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ فِي الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَصْلَحَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ، وَلِذَلِكَ أَنَّ تَصَرُّفَاتِ السُّعَاةِ وَالْجُبَاةِ فِي الزَّكَاةِ أَحْكَامٌ لَا نَنْقُضُهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْفَتْوَى عِنْدَنَا عَلَى خِلَافِهَا اهـ. وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا الضَّابِطُ الْعَلَّامَةُ التَّسَوُّلِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ الْقُيُودَ ثَلَاثَةً مُسْتَغْنِيًا عَنْ قَيْدِ الْإِنْشَاءِ بِقَيْدٍ فِي مَسْأَلَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ لِاتِّحَادِ الْمَخْرَجِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا تُرْشِدُ لِذَلِكَ عِبَارَةُ الْأَصْلِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ التَّسَوُّلِيِّ فِي الْفَرْقِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا فَلَا تَغْفُلْ، وَخَالَفَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ أَوَّلًا فِي كَوْنِ غَيْرِ الْعِبَادَاتِ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ مُطْلَقًا كَانَتْ مِنْ مَوَاطِنِ الْخِلَافِ أَوْ الْإِجْمَاعِ فَقَالَ إنَّ دُخُولَ الْحُكْمِ فِي النِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ بِالصِّحَّةِ، وَالْمُوجِبُ اسْتِقْلَالٌ وَاضِحٌ، وَكَذَا سَائِرُ الْمُعَاوَضَاتِ مِنْ الْبَيْعِ وَالْقِرَاضِ وَالرَّهْنِ وَالْإِجَارَةِ وَالْمُسَاقَاتِ وَالْقِسْمَةِ وَالشُّفْعَةِ وَالْعَارِيَّةِ الْوَدِيعَةِ وَالْحَبْسِ وَالْوَكَالَةِ وَالْحَوَالَةِ وَالْحَمَالَةِ وَالضَّمَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْمُعَاوَضَاتِ كُلِّهَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، وَبِالْمُوجِبِ فَلَا نُطَوِّلُ بِالتَّمْثِيلِ، وَمِنْهَا الصَّيْدُ فَإِذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ فِي صَيْدٍ، وَتَرَافَعَا إلَى الْحَاكِمِ، وَتَصَادَقَا عَلَى فِعْلَيْنِ صَدَرَا مِنْهُمَا عَلَى التَّرْتِيبِ مَثَلًا أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ لِلْأَوَّلِ أَوْ لِلثَّانِي فَحَكَمَ لَهُ بِأَنَّهُ الْمَالِكُ كَانَ ذَلِكَ حُكْمًا مُسْتَقِلًّا صَحِيحًا، وَثَابِتًا فِي الْعِبَادَاتِ، فَقَسَمَهَا بِاعْتِبَارِ دُخُولِ الْحُكْمِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) مَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، وَهُوَ الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ قَالَ أَمَّا الزَّكَاةُ فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، وَذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ يَرَى جَوَازَ إخْرَاجِ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ بِصِحَّةِ الْإِخْرَاجِ أَوْ بِمُوجِبِهِ عِنْدَهُ، وَهُوَ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ، وَالْمُوجِبُ فِي ذَلِكَ سَوَاءً، وَلَيْسَ لِلسَّاعِي إذَا كَانَ ذَلِكَ الْحُكْمُ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ أَنْ يُطَالِبَ الْمَالِكَ بِإِخْرَاجِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُ سَوَاءٌ حَكَمَ بِالصِّحَّةِ أَوْ حَكَمَ بِالْمُوجِبِ. وَأَمَّا الصَّوْمُ فَيَدْخُلُهُ أَيْضًا، وَذَلِكَ إذَا صَامَ الْوَلِيُّ الْوَارِثُ عَنْ الْمَيِّتِ، وَطَلَبَ الْوَصِيُّ أَنْ يُخْرَجَ الطَّعَامُ فَامْتَنَعَ الْوَارِثُ مِنْهُ، وَتَرَافَعَا إلَى حَاكِمٍ يَرَى صِحَّةَ الصَّوْمِ عَنْ الْمَيِّتِ فَحَكَمَ بِصِحَّتِهِ أَوْ بِمُوجِبِهِ فَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُخْرِجَ الطَّعَامَ حِينَئِذٍ، وَلَا أَنْ يُطَالِبَ الْوَارِثَ بِذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْحُكْمِ. ٢ -

стр. 848

الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مُقَامَهُ لِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا تَرَكَ مِنْ وَجْهٍ بَقِيَ حُجَّةً فِي الْبَاقِي. (الثَّانِي) مَا رُوِيَ «أَنَّ الْأَنْصَارَ جَاءَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَتْ إنَّ الْيَهُودَ قَتَلَتْ عَبْدَ اللَّهِ، وَطَرَحَتْهُ فِي نَقِيرٍ فَقَالَ ﵇ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ قَالُوا لَا قَالَ فَتَحْلِفُ الْيَهُودُ قَالُوا كَيْفَ يَحْلِفُونَ، وَهُمْ كُفَّارٌ» فَجَعَلَ ﵇ الْيَمِينَ فِي جِهَةِ الْخَصْمِ خَرَّجَهُ صَاحِبُ الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ (وَالثَّالِثُ) مَا رُوِيَ أَنَّ الْمِقْدَادَ اقْتَرَضَ مِنْ عُثْمَانَ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ الْقَضَاءِ جَاءَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَقَالَ عُثْمَانُ أَقْرَضْتُك سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَتَرَافَعَا إلَى عُمَرَ فَقَالَ الْمِقْدَادُ يَحْلِفُ عُثْمَانُ فَقَالَ عُمَرُ لِعُثْمَانَ لَقَدْ أَنْصَفَك. فَلَمْ يَحْلِفْ عُثْمَانُ فَنَقَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ إلَى الْمُدَّعِي، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي ذَلِكَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَالْمِقْدَادُ وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ غَيْرُهُمْ فَكَانَ إجْمَاعًا. (الرَّابِعُ) الْقِيَاسُ عَلَى النُّكُولِ فِي بَابِ الْقَوَدِ وَالْمُلَاعَنَةِ لَا تُحَدُّ بِنُكُولِ الزَّوْجِ. (الْخَامِسُ) لَوْ نَكَلَ عَنْ الْجَوَابِ فِي الدَّعْوَى لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ نُكُولٌ عَنْ الْيَمِينِ وَالْجَوَابِ فَالْيَمِينُ وَحْدَهُ أَوْلَى بِعَدَمِ الْحُكْمِ. (السَّادِسُ) أَنَّ الْبَيِّنَةَ حُجَّةُ الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ حُجَّةُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي النَّفْيِ، وَلَوْ امْتَنَعَ الْمُدَّعِي مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فَكَذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ. (السَّابِعُ) أَنَّ الْمُدَّعِيَ إذَا امْتَنَعَ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ كَانَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ إقَامَتُهَا فَكَذَلِكَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْيَمِينِ فَيَكُونُ لِلْآخَرِ فِعْلُهَا. (الثَّامِنُ) أَنَّ النُّكُولَ إذَا كَانَ حُجَّةً تَامَّةً كَالشَّاهِدَيْنِ وَجَبَ الْقَضَاءُ بِهِ فِي الدِّمَاءِ أَوْ نَاقِصَةً كَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ أَوْ يَمِينٍ وَجَبَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ التَّكْرَارِ أَوْ كَالِاعْتِرَافِ يُقْبَلُ فِي الْقَوَدِ بِخِلَافِهِ فَالِاعْتِرَافُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَكْرَارٍ بِخِلَافِهِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] فَمَنَعَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَسْتَحِقَّ بِيَمِينِهِ عَلَى غَيْرِهِ حَقًّا فَلَا تُرَدُّ الْيَمِينَ لِئَلَّا يَسْتَحِقَّ بِيَمِينِهِ مَالَ غَيْرِهِ (الثَّانِي) الْمُلَاعِنُ إذَا نَكَلَ حُدَّ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ (الثَّالِثُ) أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَلَّى ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَضَاءَ الْيَمَنِ فَجَاءَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ إنَّ هَذَا الرَّجُلَ وَلَّانِي هَذَا الْبَلَدَ، وَإِنَّهُ لَا غَنَاءَ لِي عَنْهُ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: اُكْتُبْ لِي بِمَا يَبْدُو لَك قَالَ فَكَتَبَ إلَيْهِ فِي جَارِيَتَيْنِ جَرَحَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى فِي كَفِّهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ احْبِسْهَا إلَى بَعْدَ الْعَصْرِ، وَاقْرَأْ عَلَيْهَا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] قَالَ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَاسْتَحْلَفَهَا فَأَبَتْ فَأَلْزَمَهَا ذَلِكَ (الرَّابِعُ) قَوْلُهُ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] (وَالثَّانِي) مَا لَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا بَلْ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ فَقَطْ، وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَالصَّلَاةُ وَالْأُضْحِيَّةُ قَالَ (أَمَّا الطَّهَارَةُ) فَلَا يَدْخُلُهَا شَيْءٌ مِنْ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَلَا بِالْمُوجِبِ اسْتِقْلَالًا لَكِنْ يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ كَتَعْلِيقِ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ عَلَى طَهَارَةِ مَاءٍ أَوْ نَجَاسَةٍ فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وُقُوعُ الطَّلَاقِ لِوُجُودِ الصِّفَةِ فَحَكَمَ بِصِحَّةِ الطَّلَاقِ أَوْ بِمُوجِبِ مَا صَدَرَ مِنْ الْمُعَلَّقِ لِوُجُودِ صِفَتِهِ كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا لِلْحُكْمِ بِالنَّجَاسَةِ أَوْ بِالطَّهَارَةِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَيَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بِالتَّضَمُّنِ مِثْلُ مَنْ صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ بِوُضُوءٍ خَالٍ عَنْ النِّيَّةِ أَوْ مَعَ وُجُودِ مَسِّ الذَّكَرِ لِاعْتِقَادِهِ صِحَّةَ الصَّلَاةِ مَعَ ذَلِكَ فَإِذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِعَدَالَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَالْحَاكِمُ مُعْتَقِدٌ صِحَّةَ ذَلِكَ كَانَ حُكْمُهُ مُتَضَمِّنًا صِحَّةَ وُضُوءُهُ، وَعَلَى هَذَا قِيَاسُ الصَّلَاةِ الْخَالِيَةِ عَنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَعَنْ الطُّمَأْنِينَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَهِيَ عِبَادَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا، وَقَدْ يَدْخُلُهَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ فِي التَّعْلِيقِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَالثَّالِثُ) مَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ اسْتِقْلَالًا وَتَضَمُّنًا، وَهُوَ الِاعْتِكَافُ وَالْحَجُّ قَالَ أَمَّا الِاعْتِكَافُ فَيَدْخُلُهُ اسْتِقْلَالًا فِي مَسَائِلَ مِنْهَا أَنَّهُ يَقْضِي لِلْمُكَاتَبِ عَلَى سَيِّدِهِ بِالِاعْتِكَافِ الْيَسِيرِ، وَمِنْهَا مَنْ اعْتَكَفَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا فَلَهُ مَنْعُهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَكَذَا لَوْ اعْتَكَفَ الْمِدْيَانُ هُرُوبًا مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، وَمِنْهَا إذَا وَطِئَ الْمُعْتَكِفُ أَدَّبَهُ الْحَاكِمُ، وَيَدْخُلُهُ تَضَمُّنًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ أَيْ مِثْلُ مَا إذَا حَكَمَ حَاكِمٌ بِعَدَالَةِ مَنْ اعْتَكَفَ بِدُونِ صَوْمٍ، وَالْحَاكِمُ مُعْتَقِدٌ صِحَّةَ ذَلِكَ الِاعْتِكَافِ كَانَ حُكْمُهُ بِعَدَالَتِهِ مُتَضَمِّنًا صِحَّةَ اعْتِكَافِهِ. وَأَمَّا الْحَجُّ فَيَدْخُلُهُ اسْتِقْلَالًا فِي نَحْوِ مَا لَوْ فَسَخَ حَنْبَلِيٌّ حَجَّهُ إلَى عُمْرَةٍ حَيْثُ يَسُوغُ عِنْدَهُ ذَلِكَ، وَلَهُ زَوْجَةٌ لَيْسَ مُعْتَقَدُهَا ذَلِكَ فَامْتَنَعَتْ مِنْ تَمْكِينِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ فَارْتَفَعَا إلَى حَاكِمٍ حَنْبَلِيٍّ فَحَكَمَ عَلَيْهَا بِصِحَّةِ مَا فَعَلَ زَوْجُهَا الْحَنْبَلِيُّ أَوْ بِمُوجِبِ ذَلِكَ عِنْدَهُ فَهُمَا مُسْتَوِيَانِ، وَيَدْخُلُهُ تَضَمُّنًا فِيمَا إذَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِالتَّمْكِينِ لِتَضَمُّنِهِ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ مَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ، وَهُوَ نَفْسُ الْمُوجِبِ اهـ. قُلْت وَمُخَالَفَتُهُ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ سَيَتَّضِحُ لَك وَجْهُهَا، وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ فَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهَا، وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَلْخِيصِ بَعْضِ كَلَامِهِ فِي الْعِبَادَاتِ، وَغَيْرِهَا مِنْ كَلَامِ الْبُلْقِينِيِّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبَعْضِهِ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ فَلَعَلَّ مِمَّا لَخَصَّهُ مِنْ كَلَامِ الْبُلْقِينِيِّ مُخَالَفَتُهُ لِلْأَصْلِ فِي الْعِبَادَاتِ فَافْهَمْ. وَأَمَّا الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ فَنَظَرَ فِي كَلَامِهِ فِي مَوَاضِعَ: (الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ إنَّ مَوَاقِعَ الْإِجْمَاعِ لَا يَدْخُلُهَا الْحُكْمُ بَلْ الْإِخْبَارُ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ أَصْلًا إذْ لَا مَعْنَى لِلْحُكْمِ إلَّا التَّنْفِيذُ، وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ

стр. 849

مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» فَجَعَلَ الْيَمِينَ فِي جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ يَمِينٌ تُجْعَلُ فِي جِهَةِ الْمُدَّعِي، وَجَعَلَ حُجَّةَ الْمُدَّعِي الْبَيِّنَةَ، وَحَجَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْيَمِينَ، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ نَقْلُ حُجَّةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا نَقْلُ جِهَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى جِهَةِ الْمُدَّعِي (الْخَامِسُ) قَوْلُهُ ﵇ «شَاهِدَاك وَيَمِينُهُ» ، وَلَمْ يَقُلْ أَوْ يَمِينُك (السَّادِسُ) أَنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْإِثْبَاتِ، وَيَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلنَّفْيِ فَلَمَّا تَعَذَّرَ جَعْلُ الْبَيِّنَةِ لِلنَّفْيِ تَعَذَّرَ أَيْضًا جَعْلُ الْيَمِينِ لِلْإِثْبَاتِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنْ لَا تَنْفُذَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، وَمُجَرَّدُ الِاحْتِمَالِ لَا يَمْنَعُ، وَإِلَّا مُنِعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ الْيَمِينِ الدَّافِعَةِ لِئَلَّا يَأْخُذَ بِهَا مَالَ غَيْرِهِ بَلْ يَحْكُمُ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ الصِّدْقُ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْمُوجِبَ لِحَدِّ الْمُلَاعِنِ قَذْفُهُ، وَإِنَّمَا أَيْمَانُهُ مُسْقِطَةٌ فَإِذَا فُقِدَ الْمَانِعُ عُمِلَ بِالْمُقْتَضَى، وَالنُّكُولُ عِنْدَكُمْ مُقْتَضَى فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ قَالَ اعْتَرَفَتْ فَأَلْزَمْتهَا ذَلِكَ، وَلَعَلَّهُ بِرَأْيِهِ لَا بِرَأْيِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْحُكْمِ عَلَيْهَا بِذَلِكَ، وَالتَّابِعِيُّ لَا حُجَّةَ فِي فِعْلِهِ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّهُ وَرَدَ لِمَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ابْتِدَاءً، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَأَمَّا مَا نَحْنُ فِيهِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْحَدِيثُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُنْكِرَ قَدْ يُقِيمُ الْبَيِّنَةَ إذَا ادَّعَى وَفَاءَ الدَّيْنِ فَكَذَلِكَ الْيَمِينُ قَدْ تُوجَدُ فِي حَقِّ الْمُدَّعِي فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَنْ الْخَامِسِ أَنَّهُ لِبَيَانِ مَنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ ابْتِدَاءً فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ، وَعَنْ السَّادِسِ أَنَّا لَمْ نَجْعَلْ الْيَمِينَ وَحْدَهَا لِلْإِثْبَاتِ بَلْ الْيَمِينُ مَعَ النُّكُولِ ثُمَّ إنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ تَكُونُ لِلنَّفْيِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ مِثْلُ بَيِّنَةِ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ نَفْيٌ. (الْحُجَّةُ التَّاسِعَةُ) أَيْمَانُ اللِّعَانِ وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا أَيْضًا فِيمَا عَلِمْت مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. (الْحُجَّةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) الْمَرْأَتَانِ فَقَطْ أَمَّا شَهَادَةُ النِّسَاءِ فَوَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ لَا يُقْبَلْنَ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ إلَّا فِي الْجِرَاحِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَوَدِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ لَنَا وُجُوهٌ: (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى فِي مَسَائِلِ الْمُدَايَنَاتِ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَكَانَ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مِثْلُهُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ فَلَا تَجُوزُ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ (الثَّانِي) قَوْلُهُ فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] الْآيَةَ، وَهُوَ حُكْمٌ بَدَنِيٌّ فَكَانَتْ الْأَحْكَامُ الْبَدَنِيَّةُ كُلُّهَا كَذَلِكَ إلَّا مَوْضِعَ لَا يَطَّلِعُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ بِوَجْهِ الثُّبُوتِ أَنَّ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو مِائَةَ دِينَارٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ إيَّاهَا أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا، وَهَذَا الْمَوْضِعُ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ قَالَ وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْحُكْمِ فِي مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ وَفِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ بِتَعَذُّرِ الْإِنْشَاءِ فِي الْأَوَّلِ لِتَعَيُّنِهِ وَثُبُوتِهِ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الثَّانِي سَاقِطٌ إذْ كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ فِي مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ فَالْحُكْمُ فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ ثَابِتٌ بِالْخِلَافِ فَعَلَى الْقَوْلِ بِالتَّصْوِيبِ كِلَاهُمَا حَقٌّ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ التَّصْوِيبِ أَحَدُهُمَا حَقٌّ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنْ ثَبَتَ الْعُذْرُ لِلْمُكَلَّفِ فِي ذَلِكَ، وَمَا أَوْقَعَهُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ إلَّا الِاشْتِرَاكَ الَّذِي فِي لَفْظِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ يُقَالُ الْحُكْمُ فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ عَلَى النِّكَاحِ اللُّزُومُ لِلْمُقَلِّدِ الْمَالِكِيِّ، وَيُقَالُ الْحُكْمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ الْفُلَانِيُّ عَلَى فُلَانٍ مُعَلِّقِ الطَّلَاقِ لُزُومُ الطَّلَاقِ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ لُزُومُ الطَّلَاقِ لِكُلِّ مُعَلِّقٍ لِلطَّلَاقِ مِنْ مَالِكِيٍّ أَوْ مُقَلِّدٍ لِمَالِكِيٍّ، وَالْمُرَادُ بِالْحُكْمِ الثَّانِي لُزُومُ الطَّلَاقِ بِإِلْزَامِ الْحَاكِمِ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِكِيٍّ أَوْ غَيْرِ مَالِكِيٍّ اهـ. قُلْت وَيُوَافِقُهُ إطْلَاقُ ابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ غَيْرَ الْعِبَادَاتِ يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ (الْمَوْضِعُ الثَّانِي) قَوْلُهُ وَيَكُونُ إنْشَاؤُهُ إخْبَارًا خَاصًّا عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الصُّورَةِ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ بِوَجْهٍ إذْ كَيْفَ يَكُونُ إنْشَاءً، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ خَبَرًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَهُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِنْشَاءِ وَالْخَبَرِ (الْمَوْضِعُ الثَّالِثُ) قَوْلُهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى إنْشَاءَهُ فِي مَوَاطِنِ الْخِلَافِ نَصًّا وَرَدَ مِنْ قِبَلِهِ فِي خُصُوصِ تِلْكَ الصُّورَةِ إلَى قَوْلِهِ فَهَذَا مَعْنَى الْإِنْشَاءِ حَيْثُ قَالَ لَا كَلَامَ أَشَدَّ فَسَادًا مِنْ قَوْلِهِ هَذَا فِي هَذَا الْفَصْلِ إذْ كَيْفَ يَكُونُ إنْشَاءُ الْحَاكِمِ الْحُكْمَ فِي مَوَاقِعِ الْخِلَافِ نَصًّا خَاصًّا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا اجْتَهَدَ أَحَدُكُمْ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ» ، وَكَيْفَ يَصِحُّ الْخَطَأُ فِيمَا فِيهِ النَّصُّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا بَيِّنُ الْخَطَأِ بِلَا شَكٍّ فِيهِ، وَمَا تَخَيَّلَ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هُوَ يُعَيِّنُ فِي الْقَضِيَّةِ الْمُعَيَّنَةِ أَحَدَ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ حُكْمُ الْحَاكِمِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي نُفُوذِ الْحُكْمِ وَثَبَاتِهِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ لَوْ لَمْ يَنْفُذْ لَا لِمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إنْشَاءٌ مِنْ الْحَاكِمِ مَوْضُوعٌ كَنَصٍّ خَاصٍّ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَصِيرُ حُكْمُ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا مَذْهَبًا لَنَا وَلِغَيْرِنَا مِنْ الْأَحْنَافِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَكِنَّا لَا نَنْقُضُهُ، وَلَا رُجُوعَ هُنَا لِلْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ الَّتِي هِيَ قَاعِدَةُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، وَلَكِنْ مَا هُنَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَهِيَ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا

стр. 850

عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِلضَّرُورَةِ فِي ذَلِكَ (الثَّالِثُ) قَوْلُهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» وَهُوَ حُكْمٌ بَدَنِيٌّ فَكَانَتْ الْأَحْكَامُ الْبَدَنِيَّةُ كُلُّهَا كَذَلِكَ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ فَأَقَامَ الْمَرْأَتَيْنِ وَالرَّجُلَ مُقَامَ الرَّجُلَيْنِ فِي ذَلِكَ أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِجَوَازِهِمَا مَعَ وُجُودِ الشَّاهِدَيْنِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا فِي التَّسْوِيَةِ فَيَكُونَانِ مُرَادَيْنِ بِقَوْلِهِ ﵇، وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ لِوُجُودِ الِاسْمِ. (الثَّانِي) قَوْله تَعَالَى ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَطْلَقَ، وَمَا خَصَّ مَوْضِعًا فَيَعُمُّ. (الثَّالِثُ) أَنَّهُمَا أُمُورٌ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ فَتُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ كَالْأَمْوَالِ. (الرَّابِعُ) أَنَّ النِّكَاحَ وَالرَّجْعَةَ عَقْدُ مَنَافِعَ فَيُقْبَلُ فِيهِمَا النِّسَاءُ كَالْإِجَارَاتِ. (الْخَامِسُ) أَنَّ الْخِيَارَ وَالْآجَالَ لَيْسَتْ أَمْوَالًا، وَيُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ فَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ صُوَرِ النِّزَاعِ. (السَّادِسُ) أَنَّ الطَّلَاقَ رَافِعٌ لِعَقْدٍ سَابِقٍ فَأَشْبَهَ الْإِقَالَةَ. (السَّابِعُ) أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ كَالرَّضَاعِ. (الثَّامِنُ) أَنَّ الْعِتْقَ إزَالَةُ مِلْكٍ كَالْبَيْعِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ فِي الْحُكْمِ بِدَلِيلِ الرَّفْعِ فِي لَفْظِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ مَا ذَكَرْتُمْ لَقَالَ فَرَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدُ إنْ رَجُلَيْنِ فَيَكُونَا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ فَلَمَّا رَفَعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ كَانَ تَقْدِيرُهُ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ بِحَذْفِ الْخَبَرِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ آخِرَ الْآيَةِ مُرْتَبِطٌ بِأَوَّلِهَا، وَأَوَّلُهَا: إذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عَلَى أَنَّ الْعُمُومَ لَوْ سَلَّمْنَاهُ خَصَّصْنَاهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى جِرَاحِ الْقَوَدِ بِجَامِعِ عَدَمِ قَبُولِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ أَعْلَاهَا الزِّنَا، وَأَدْنَاهُ السَّرِقَةُ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي أَحَدِهِمَا مَا يُقْبَلُ فِي الْآخَرِ فَكَذَلِكَ الْأَبْدَانُ أَعْلَى مِنْ الْأَمْوَالِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا مَا يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ، وَحَدُّ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَحَدُّ الْخَمْرِ لَيْسَ ثَابِتًا بِالنَّصِّ، وَلَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَا لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ أَرْبَعَةٍ فِيهِ، وَلَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ فَتَعَيَّنَ قِيَاسُهَا عَلَى الطَّلَاقِ، وَعَنْ الثَّالِثِ الْفَرْقُ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَبْدَانِ أَعْظَمُ رُتْبَةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَنَحْوَهُ لَا يُقْبَلْنَ فِيهِ مُنْفَرِدَاتٍ فَلَا يُقْبَلْنَ فِيهِ مُطْلَقًا كَالْقِصَاصِ، وَلِأَنَّا وَجَدْنَا النِّكَاحَ آكَدُ مِنْ الْأَمْوَالِ لِاشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْهُ الْأَجَلُ وَالْخِيَارُ وَالْهِبَةُ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَالُ، وَعَنْ الْخَامِسِ أَنَّ مَقْصُودَهُ أَيْضًا الْمَالُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَجَلَ وَالْخِيَارَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] نُفِّذَ عَلَى مَذْهَبٍ مَا لَا يُنْتَقَضُ، وَلَا يُرَدُّ، وَذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الْأَحْكَامِ وَرَفْعِ التَّشَاجُرِ وَالْخِصَامِ قَالَ وَلِلْكَلَامِ فِي الْقَوْلِ الشَّاذِّ وَالْمُدْرَكِ الضَّعِيفِ مَجَالٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهُ اهـ. قَالَ وَمَا قَالَهُ فِي الِاحْتِرَازِ بِقَيْدِ لِأَجْلِ مَصَالِحِ الدُّنْيَا إلَى قَوْلِهِ لَا نَنْقُضُهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْفَتْوَى عِنْدَنَا عَلَى خِلَافِهَا صَحِيحٌ اهـ كَلَامُ ابْنِ الشَّاطِّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ ضَابِطَ الْفُتْيَا أَنَّهَا مُجَرَّدُ إخْبَارٍ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقِ بِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا يَخْتَصُّ لُزُومُهُ بِالْمُقَلِّدِ لِلْمَذْهَبِ الْمُفْتَى بِهِ، وَضَابِطُ الْحُكْمِ إخْبَارٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ إسْنَادِ الْعِبَادَاتِ فَقَطْ، وَتَنْفِيذٌ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ أَوْ مِنْ مَوَاقِعِ الْخِلَافِ بِحَيْثُ لَا يُخَصُّ لُزُومُهُ بِمُقَلِّدِ أَيِّ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ لَكِنْ لَا لِلْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ مِنْ تَقْدِيمِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ إذَا تَعَارَضَا بَلْ لِلْقَاعِدَةِ الْفِقْهِيَّةِ، وَهِيَ أَنَّ الْحُكْمَ إذَا نُفِّذَ عَلَى مَذْهَبٍ لَا يُنْتَقَضُ إلَخْ فَالْفُتْيَا أَعَمُّ مِنْ الْحُكْمِ مَوْقِعًا وَأَخَصُّ لُزُومًا، وَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ ثُمَّ هَلْ يَتَرَتَّبُ حُكْمُهُ عَلَى قَوْلِهِ حَكَمْت فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيرِ الْحَادِثَةِ أَوْ سُكُوتِهِ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَوْ لَا يَتَوَقَّفُ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيرِ الْحَادِثَةِ أَوْ سُكُوتِهِ كَانَ حُكْمًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مَا قُضِيَ بِهِ مِنْ نَقْلِ الْأَمْلَاكِ وَفَسْخِ الْعُقُودِ فَهُوَ حُكْمٌ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيرِ الْحَادِثَةِ لَمَا رُفِعَتْ إلَيْهِ كَامْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَأَقَرَّهُ، وَأَجَازَهُ ثُمَّ عُزِلَ، وَجَاءَ قَاضٍ بَعْدَهُ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَلِغَيْرِهِ فَسْخُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ هُوَ حُكْمٌ لِأَنَّهُ أَمْضَاهُ، وَالْإِقْرَارُ عَلَيْهِ كَالْحُكْمِ بِإِجَازَتِهِ فَلَا يُنْقَضُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مُحْرِزٍ، وَقَالَ إنَّهُ حُكْمٌ فِي حَادِثَةٍ بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ فِيهَا بِإِمْضَائِهِ أَوْ فَسْخِهِ أَمَّا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا النِّكَاحُ فَقَالَ أَنَا لَا أُجِيزَ هَذَا النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْكُمَ بِفَسْخِ هَذَا النِّكَاحِ بِعَيْنِهِ فَهُوَ فَتْوَى، وَلَيْسَ بِحُكْمٍ أَوْ رُفِعَ إلَيْهِ حُكْمٌ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ فَقَالَ أَنَا لَا أُجِيزَ الشَّاهِدَ وَالْيَمِينَ فَهُوَ فَتْوَى مَا لَمْ يَقَعْ حُكْمٌ عَلَى عَيْنِ الْحُكْمِ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْوَجْهِ خِلَافًا قَالَ، وَإِنْ حَكَمَ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا طَرِيقِهِ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ، وَلَيْسَ بِنَقْلِ مِلْكٍ لِأَحَدِ الْخَصْمَانِ إلَى الْآخَرِ، وَلَا فَصْلِ خُصُومَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَا إثْبَاتِ عَقْدٍ وَلَا فَسْخِهِ مِثْلُ رَضَاعِ كَبِيرٍ فَيَحْكُمُ بِأَنَّهُ رَضَاعٌ مُحَرَّمٌ، وَيَفْسَخُ النِّكَاحَ لِأَجْلِهِ فَالْفَسْخُ حُكْمٌ، وَالتَّحْرِيمُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَا يَثْبُتُ بِحُكْمِهِ بَلْ هُوَ مَعْرِضٌ لِلِاجْتِهَادِ أَوْ رُفِعَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَفَسَخَ نِكَاحَهَا وَحَرَّمَهَا عَلَى زَوْجِهَا فَفَسْخُهُ حُكْمٌ دُونَ تَحْرِيمِهِمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَحُكْمُهُ

стр. 851

لَا يَثْبُتَانِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ فِيهِ الْمَالُ، وَعَنْ السَّادِسِ أَنَّ حِلَّ عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ وَالنُّكُولِ أَيْضًا مَقْصُودُ الطَّلَاقِ غَيْرُ الْمَالِ، وَمَقْصُودُ الْإِقَالَةِ الْمَالُ، وَعَنْ السَّابِعِ أَنَّ الرَّضَاعَ يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الثَّامِنِ، وَلِأَنَّ الْعِتْقَ مَالُهُ إلَى غَيْرِ مِلْكٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) خَالَفَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَبُولِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الرَّضَاعِ وَلَنَا أَنَّهُ مَعْنًى لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا فَتَجُوزُ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادِ وَالِاسْتِهْلَالِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) خَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فِي قَبُولِ الْمَرْأَتَيْنِ فِيمَا يَنْفَرِدَانِ فِيهِ. وَقَالَ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ قُبِلَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ، وَقَبِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَاحِدَةً مُطْلَقًا فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَعِنْدَنَا لَا بُدَّ مِنْ اثْنَتَيْنِ مُطْلَقًا، وَيَكْفِيَانِ لَنَا وُجُوهٌ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي شَيْءٍ عَلَى الِانْفِرَادِ كَفَى مِنْهُ اثْنَانِ، وَلَا يَكْفِي مِنْهُ وَاحِدٌ كَالرَّجُلِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ. (الثَّانِي) أَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ أَقْوَى، وَأَكْثَرَ، وَلَمْ يَكْفِ وَاحِدٌ فَالنِّسَاءُ أَوْلَى احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) مَا «رَوَى عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ تَزَوَّجَتْ أُمُّ يَحْيَى بِنْتُ أَبِي إيهَابٍ فَأَتَتْ أُمُّ سَوْرَةَ فَقَالَتْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي ثُمَّ أَتَيْته فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَاذِبَةٌ قَالَ كَيْفَ، وَقَدْ عَلِمْت، وَزَعَمْت ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ. (الثَّانِي) عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِهْلَالِ. (الثَّالِثُ) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ» . (الرَّابِعُ) الْقِيَاسُ عَلَى الرِّوَايَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ لَوْ كَفَتْ لَأَمَرَهُ بِالتَّفْرِيقِ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ كَمَا شَهِدَ عَدْلَانِ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ عِنْدَ كَمَالِ الْحُجَّةِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ لَا سِيَّمَا فِي اسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَةَ كَافِيَةٌ فِي الْحُكْمِ بَلْ مَعْنَاهُ مِنْ قَاعِدَةٍ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَحْرِيمُ شَيْءٍ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ كَانَ ذَلِكَ الطَّرِيقُ يُفْضِي بِهِ إلَى الْحُكْمِ أَمْ لَا فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ أَوْ الطَّعَامُ نَجَسٌ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِخْبَارُ الْوَاحِدَةِ يُفِيدُ الظَّنَّ فَأَمْرُهُ ﵇ بِطَرِيقِ الْفُتْيَا لَا بِطَرِيقِ الْحُكْمِ، وَالْإِلْزَامِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَدِلَّتِنَا الْمُتَقَدِّمَةِ أَوْ بِحَمْلِهِ عَلَى الْفُتْيَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَعَنْ الثَّالِثِ كَذَلِكَ أَيْضًا، وَعَنْ الرَّابِعِ الْفَرْقُ أَنَّ الرِّوَايَةَ تُثْبِتُ حُكْمًا عَامًّا فِي ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ تَحْرِيمِ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ إجَارَةٍ فَهُوَ فَتْوَى لَيْسَ حُكْمًا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاهَدَهُ، وَمَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَوْكُولٌ لِمَنْ يَأْتِي مِنْ الْحُكَّامِ وَالْفُقَهَاءِ اهـ. قَالَ الْأَصْلُ، وَقَدْ وَضَعْت فِي هَذَا الْمَقْصِدِ كِتَابًا سَمَّيْته الْإِحْكَامَ فِي الْفَتَاوَى وَالْأَحْكَامِ، وَتَصَرُّفِ الْقَاضِي وَالْإِمَامِ، وَفِيهِ أَرْبَعُونَ مَسْأَلَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَذَكَرْت فِيهِ نَحْوَ ثَلَاثِينَ نَوْعًا مِنْ تَصَرُّفَاتِ الْحُكَّامِ لَيْسَ فِيهَا حُكْمٌ، وَلْنَقْتَصِرْ هُنَا عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فِي هَذَا الْفَرْقِ اهـ. قُلْت، وَقَوْلُ ابْنِ مُحْرِزٍ أَمَّا لَوْ رُفِعَ إلَيْهِ هَذَا النِّكَاحُ فَقَالَ أَنَا لَا أُجِيزُ هَذَا النِّكَاحَ إلَى قَوْلِهِ، وَلَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْوَجْهِ خِلَافًا هُوَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ، وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ حُكْمٌ فَلَيْسَ لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَرَفَةَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا مَرَّ لِأَنَّ قَوْلَهُ أَنَا لَا أُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ إخْبَارٌ عَنْ رَأْيِهِ وَمُعْتَقَدِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ فَسْخُهُ، وَإِذَا لَمْ يَلْزَمْ بَقِيَ سَاكِتًا عَنْهُ، وَالسُّكُوتُ تَقْرِيرٌ لَهُ، وَهُوَ حُكْمٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ اهـ. الْمُرَادُ وَظَاهِرُ قَوْلِ الْأَصْلِ أَنَّ التَّقْرِيرَاتِ مِنْ الْحُكَّامِ لَيْسَتْ أَحْكَامًا فَتَبْقَى الصُّورَةُ قَابِلَةً لِحُكْمِ جَمِيعِ تِلْكَ الْأَقْوَالِ الْمَنْقُولَةِ فِيهَا أَنَّهُ اخْتَارَ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي اهـ. فَتَحَصَّلَ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الْفَرْقِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الشَّاطِّ أُمُورٌ: (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَتْوَى وَالْحُكْمِ بِأَنَّ الْفَتْوَى أَعَمُّ مَوْقِعًا وَأَخَصُّ لُزُومًا، وَالْحُكْمُ بِالْعَكْسِ. (الْأَمْرُ الثَّانِي) الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يَدْخُلُهُ الْحُكْمُ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَالنِّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ وَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَمَا لَا يَدْخُلُهُ كَالْعِبَادَاتِ بِأَنَّ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَصَالِحِ الْآخِرَةِ لَا يَدْخُلُهُ بِخِلَافِ مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَصَالِح الدُّنْيَا فَيَدْخُلُهُ. (الْأَمْرُ الثَّالِثُ) الْفَرْقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ الْحُكْمِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَةُ الْحُكَّامِ وَبَيْنَ مَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَتُهُمْ لَكِنْ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ الَّتِي جَرَتْ بِهَا عَادَتُهُمْ نَحْوُ قَوْلِهِ حَكَمْت بِثُبُوتِ الْعَقْدِ وَصِحَّتِهِ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ وَقْفًا كَانَ الْعَقْدُ أَوْ بَيْعًا أَوْ غَيْرَهُمَا، وَاَلَّتِي لَمْ تَجْرِ بِهَا نَحْوُ قَوْلِهِ أَسْفَلَ الرَّسْمِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ وَرَدَ عَلَيَّ هَذَا الْكِتَابَ فَقَبِلْتُهُ قَبُولَ مِثْلِهِ، وَأَلْزَمْت الْعَمَلَ بِمُوجِبِهِ أَوْ بِمَضْمُونِهِ فَلَيْسَ بِحُكْمِ لِاحْتِمَالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ فِي مُوجِبِهِ وَمَضْمُونِهِ عَلَى الْكِتَابِ، وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ إنْشَاءٍ لَيْسَ بِزُورٍ مَثَلًا فَيَكُونُ مُرَادُهُ تَصْحِيحَ الْكِتَابِ، وَإِثْبَاتَ الْحُجَّةِ فَلِمَنْ بَعْدَهُ النَّظَرُ فِيهِ فَإِنْ قَالَ حَكَمْتُ بِمُوجِبِ الْإِقْرَارِ أَوْ الْوَقْفِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ فَهُوَ حُكْمٌ بِصِحَّةِ ذَلِكَ اهـ. وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ مَا كَانَ

стр. 852

فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ لَا عَلَى مُعَيَّنٍ فَلَيْسَتْ مَظِنَّةَ الْعَدَاوَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ فَتُقْبَلُ الْوَاحِدَةُ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَا تُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ اتِّفَاقًا. (الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) الْيَمِينُ الْوَاحِدَةُ إذَا تَنَازَعَا دَارًا لَيْسَتْ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ فِي أَيْدِيهِمَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا فَيَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُجَرَّدِ يَمِينِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁، وَهِيَ أَقَلُّ حُجَّةٍ فِي الشَّرِيعَةِ بِسَبَبِ أَنَّا لَمْ نَجِدْ مُرَجِّحًا عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ إلَّا الْيَمِينَ، وَكَذَلِكَ إذَا اسْتَوَتْ الْبَيِّنَتَانِ، وَالْأَيْدِي أَوْ الْبَيِّنَتَانِ مِنْ غَيْرِ يَدٍ بَلْ هِيَ فِي يَدِ ثَالِثٍ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا لِوُجُودِ التَّرْجِيحِ بِالْيَمِينِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﵇ «أُمِرْت أَنْ أَقْضِيَ بِالظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ مُتَوَلِّي السَّرَائِرِ» ، وَهَذَا قَدْ صَارَ ظَاهِرًا بِالْيَمِينِ فَيَقْضِي بِهِ لِصَاحِبِهِ، وَلِأَنَّهُمَا إنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا فَكُلُّ وَاحِدٍ يَدُهُ عَلَى النِّصْفِ فَدَفَعَ عَنْهُ يَمِينَهُ كَسَائِرِ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِ ثَالِثٍ فَأَقَرَّ لَهُمَا عَلَى نِسْبَةٍ اتَّفَقَا عَلَيْهَا قَسَّمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ تَنَازَعَا، وَالثَّالِثُ يَقُولُ هِيَ لَا تَعْدُوهُمَا فَهِيَ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا بِسَبَبِ إقْرَارِهِ لَهُمَا، وَإِنْ قَالَ الثَّالِثُ لَا أَعْلَمُ هِيَ لَهُمَا أَمْ لِغَيْرِهِمَا فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَتَوَقُّفٍ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الْأَيْمَانَ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ دَافِعَةً لَا جَالِبَةً، وَلَا يَقْضِي فِيهَا بِمِلْكٍ بَلْ بِالدَّفْعِ كَمَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَأَنْكَرَ، وَحَلَفَ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا جَالِبَةٌ، وَأَنَّهَا تَقْضِي بِالْمِلْكِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْضًا تَنْدَرِجُ هَذِهِ الْيَمِينُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» ، وَقَالَ ﵇ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْيَمِينُ الدَّافِعَةُ، وَهِيَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا فَتَنْدَرِجُ. (الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ) الْإِقْرَارُ مَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ أَوْ عَيْنٍ قَضَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ كَانَ الْمُقِرُّ بَرًّا أَوْ فَاجِرًا فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ فِي الذِّمَّةِ كَالدَّيْنِ أَوْ عَيْنًا أَقَرَّ بِهَا مَنْ سَلَّمَ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَقَضَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْمِلْكِ لِلْمُقِرِّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ عَيْنًا قَضَى عَلَى الْمُقِرِّ بِتَسْلِيمِهَا لِلْمُقِرِّ لَهُ إنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، وَلَا يَقْضِي بِالْمِلْكِ بَلْ بِإِلْزَامِ التَّسْلِيمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ لِثَالِثٍ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ بِيَدِ الْغَيْرِ لَمْ يَقْضِ بِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ الْإِقْرَارُ فِيمَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ أَوْ يَنْتَقِلُ بِيَدِهِ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَيَقْضِي عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِمُوجَبِ إقْرَارِهِ. (الْحُجَّةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ خَاصَّةً، وَلِقَبُولِهَا عَشَرَةُ شُرُوطٍ: (الْأَوَّلُ) الْعَقْلُ لِيَفْهَمُوا مَا رَأَوْا (الثَّانِي) الذُّكُورِيَّةُ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَا تَحْصُلُ فِي اجْتِمَاعِ الْإِنَاثِ، وَرُوِيَ عَنْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] نَصًّا فِي الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْشَاءِ فَهُوَ لَفْظُ الْحُكْمِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فَيَلْزَمُ، وَمَا كَانَ مُحْتَمَلًا لِصِحَّةِ مَضْمُونِ الْإِقْرَارِ وَنَحْوِهِ، وَصِحَّةُ مَضْمُونِ الْكِتَابِ فَلَيْسَ بِلَفْظِ الْحُكْمِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ عَادَتُهُمْ فَلَا يَلْزَمُ بَلْ لِمَنْ بَعْدَهُ النَّظَرُ فِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (فَائِدَةٌ) قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ عِلْمَا الْقَضَاءِ، وَالْفَتْوَى أَخَصُّ مِنْ الْعِلْمِ بِالْفِقْهِ لِأَنَّ مُتَعَلِّقَ الْفِقْهِ كُلِّيٌّ مِنْ حَيْثُ صِدْقُ كُلِّيَّتِهِ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ فَحَالُ الْفَقِيهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَقِيهٌ كَحَالِ عَالِمٍ بِكُبْرَى قِيَاسِ الشَّكْلِ الْأَوَّلِ فَقَطْ، وَحَالُ الْقَاضِي وَالْمُفْتِي كَحَالِ عَالِمٍ بِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِصُغْرَاهُ، وَلَا خَفَاءَ أَنَّ الْعِلْمَ بِهَا أَشَقُّ وَأَخَصُّ، وَأَيْضًا فِقْهَا الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى مَبْنِيَّانِ عَلَى إعْمَالِ النَّظَرِ فِي الصُّوَرِ الْجُزْئِيَّةِ وَإِدْرَاكِ مَا اسْتَمَلْت عَلَيْهِ مِنْ الْأَوْصَافِ الْكَائِنَةِ فِيهَا فَيُلْغِي طَرْدِيَّهَا، وَيُعْمِلُ مُعْتَبَرُهَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ فَقَوْلُهُ، وَأَيْضًا فِقْهَا إلَخْ هُوَ بَيَانُ وَجْهِ كَوْنِهِمَا بَعْدَ أَنْ بَيَّنَهُ بِالْمِثَالِ. وَقَوْلُهُ طَرْدِيُّهَا أَيْ الْأَوْصَافَ الطَّرْدِيَّةَ الَّتِي لَا تَنْبَنِي عَلَى وُجُودِهَا أَوْ فَقْدِهَا ثَمَرَةٌ، وَهَذَا وَجْهُ تَخْطِئَةِ الْمُفْتِينَ وَالْقُضَاةِ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا فَقَدْ يَبْنِي الْقَاضِي وَالْمُفْتِي حُكْمَهُ وَفَتْوَاهُ عَلَى الْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ بِالنَّازِلَةِ، وَيَغْفُلُ عَنْ أَوْصَافِهَا الْمُعْتَبَرَةِ، وَأَصْلُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصُّهُ وَعِلْمُ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ أَنْوَاعِ عِلْمِ الْفِقْهِ، وَلَكِنَّهُ يَتَمَيَّزُ بِأُمُورٍ لَا يُحْسِنُهَا كُلُّ الْفُقَهَاءِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُ النَّاسِ عَارِفًا بِفَصْلِ الْخِصَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَاعٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الْفَرَائِضِ كَذَلِكَ، وَلَا غَرَابَةَ فِي امْتِيَازِ عِلْمِ الْقَضَاءِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا الْغَرَابَةُ فِي اسْتِعْمَالِ كُلِّيَّاتِ الْفِقْهِ وَتَطْبِيقِهَا عَلَى جُزْئِيَّاتِ الْوَقَائِعِ، وَهُوَ عَسِيرٌ فَتَجِدُ الرَّجُلَ يَحْفَظُ كَثِيرًا مِنْ الْعِلْمِ، وَيَفْهَمُ وَيُعَلِّمُ غَيْرَهُ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ وَاقِعَةٍ بِبَعْضِ الْعَوَامّ مِنْ مَسَائِلِ الْأَيْمَانِ وَنَحْوِهَا لَا يُحْسِنُ الْجَوَابَ عَنْهَا، وَلِلشُّيُوخِ فِي ذَلِكَ حِكَايَاتٌ نَبَّهَ ابْنُ سَهْلٍ أَوَّلَ كِتَابِهِ عَلَى بَعْضِهَا اهـ. وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ خَلِيلٍ فِي التَّوْضِيحِ: وَعِلْمُ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ أَحَد أَنْوَاعَ الْفِقْهِ لَكِنَّهُ يَتَمَيَّزُ بِأُمُورٍ لَا يُحْسِنُهَا كُلُّ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ يُحْسِنُهَا مَنْ لَا بَاعَ لَهُ فِي الْفِقْهِ اهـ. هُوَ أَنَّهُ مَنْ لَا بَاعَ لَهُ فِي حِفْظِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ لَكِنْ مَعَهُ مِنْ الْفَطِنَةِ مَا يُدْخِلُ بِهِ الْجُزْئِيَّاتِ تَحْتَ كُلِّيَّاتِهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَثِيرَ الْحِفْظِ لِمَسَائِلِهِ لَكِنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ تِلْكَ الْفَطِنَةِ شَيْءٌ كَمَا يُرْشِدُ إلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَلِذَلِكَ نَقَلْته بِرُمَّتِهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْحَمْقَاءِ اغْتَرَّ بِظَاهِرِ كَلَامِ التَّوْضِيحِ حَتَّى قَالَ إنَّ الْقَضَاءَ صِنَاعَةٌ يُحْسِنُهُ مَنْ لَا شَيْءَ مَعَهُ مِنْ الْفِقْهِ، وَجَرَى ذَلِكَ عَلَى أَلْسِنَةِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ ابْنِ عَاصِمٍ

стр. 853

مَالِكٍ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُنَّ اعْتِبَارًا لَهُنَّ بِالْبَالِغَاتِ لَوْثًا فِي الْقَسَامَةِ. (الثَّالِثُ) الْحُرِّيَّةُ لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَشْهَدُ. (الرَّابِعُ) الْإِسْلَامُ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقْبَلُ فِي قِتَالٍ، وَلَا جِرَاحٍ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا دَعَتْ لِاجْتِمَاعِ الصِّبْيَانِ لِأَجْلِ الْكُفَّارِ، وَقِيلَ تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ ضَعِيفَةٌ فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى أَضْعَفِ الْأَمْرَيْنِ (الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ لِعَدَمِ ضَرُورَةِ مُخَالَطَةِ الْكَبِيرِ لَهُمْ (السَّادِسُ) أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِئَلَّا يُلَقِّنُوا الْكَذِبَ (السَّابِعُ) اتِّفَاقُ أَقْوَالِهِمْ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يُخِلُّ بِالثِّقَةِ (الثَّامِنُ) أَنْ يَكُونُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُ حَالُهُمْ أَتَمَّ مِنْ الْكِبَارِ هَذَا هُوَ نَقْلُ الْقَاضِي فِي الْمَعُونَةِ، وَزَادَ ابْنُ يُونُسَ (التَّاسِعُ) أَنْ لَا يَحْضُرَ كِبَارٌ فَمَتَى حَضَرَ كِبَارٌ فَشَهِدُوا سَقَطَ اعْتِبَارُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ كَانَ الْكِبَارُ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ تَجُوزُ فِي الْخَطَأِ، وَعَمْدُ الصَّبِيِّ كَالْخَطَأِ. (الْعَاشِرُ) رَأَيْت بَعْضَ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْجَسَدِ الْمَشْهُودِ بِقَتْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا تُسْمَعُ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ قَالُوا لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْعُدُولِ عَلَى رُؤْيَةِ الْبَدَنِ مَقْتُولًا تَحْقِيقًا لِلْقَتْلِ، وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَشْهَبُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ، وَقَالَ بِقَبُولِهَا عَلِيٌّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَمُعَاوِيَةُ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ لَنَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَاجْتِمَاعُ الصِّبْيَانِ لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْحَرْبِ مِنْ أَعْظَمِ الِاسْتِعْدَادِ لِيَكُونُوا كِبَارًا أَهْلًا لِذَلِكَ، وَيَحْتَاجُونَ فِي ذَلِكَ لِحَمْلِ السِّلَاحِ حَيْثُ لَا يَكُونُ مَعَهُمْ كَبِيرٌ فَلَا يَجُوزُ هَدْرُ دِمَائِهِمْ فَتَدْعُو الضَّرُورَةُ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْغَالِبُ مَعَ تِلْكَ الشُّرُوطِ الصِّدْقُ، وَنُدْرَةُ الْكَذِبِ فَتُقَدَّمُ الْمَصْلَحَةُ الْغَالِبَةُ عَلَى الْمَفْسَدَةِ النَّادِرَةِ لِأَنَّهُ دَأْبُ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الْوَضْعِ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِلضَّرُورَةِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلُ الصَّحَابَةِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَهُوَ يَمْنَعُ شَهَادَةَ غَيْرِ الْبَالِغِ (الثَّانِي) قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِعَدْلٍ (الثَّالِثُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَهُوَ نَهْيٌ، وَلَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ الصَّبِيَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشُّهَدَاءِ (الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فَلَا تُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُ كَالْمَجْنُونِ (الْخَامِسُ) أَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ لِقَبُولِهِ مِنْ الْبَرِّ، وَالْفَاجِرِ فَإِذَا كَانَ لَا يُقْبَلُ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ (السَّادِسُ) الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ الْجِرَاحِ (السَّابِعُ) لَوْ قُبِلَتْ لَقُبِلَتْ إذَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَيُسْتَحَبُّ الْعِلْمُ فِيهِ وَالْوَرَعُ مَعَ كَوْنِهِ الْحَدِيثَ لِلْفِقْهِ جَمْعٌ، وَهُوَ احْتِجَاجٌ سَاقِطٌ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ لَيْسَ الْعِلْمُ الَّذِي هُوَ الْفِقْهُ فِي الدِّينِ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَالْحِفْظِ إنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ قُلْت وَمِنْ هَذَا تَعْلَمُ حَقِيقَةَ الْقَاضِي الَّتِي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْقَضَاءِ السِّتَّةِ الْآتِيَةِ فَتَنَبَّهْ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحُكْمِ وَقَاعِدَةِ الثُّبُوتِ] (الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحُكْمِ وَقَاعِدَةِ الثُّبُوتِ) وَهُوَ مِنْ وَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الثُّبُوتَ نُهُوضُ الْحُجَّةِ كَالْبَيِّنَةِ وَغَيْرِهَا السَّالِمَةِ مِنْ الْمَطَاعِنِ يَعْنِي فِي ظَنِّهِ وَاعْتِقَادِهِ لِأَنَّهُ يَسْتَنِدُ لِعِلْمِهِ فِي ذَلِكَ قَالَهُ التَّسَوُّلِيُّ فَمَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يُقَالُ فِي عُرْفِ الِاسْتِعْمَالِ ثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي ذَلِكَ، وَالْحُكْمُ إنْشَاءُ كَلَامٍ فِي النَّفْسِ هُوَ إلْزَامٌ أَوْ إطْلَاقٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الثُّبُوتِ أَعْنِي نُهُوضَ الْحُجَّةِ فَالثُّبُوتُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْحُكْمِ فَهُوَ غَيْرُهُ قَطْعًا قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ، وَتَعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي أَعْلَمُ بِثُبُوتِهِ أَوْ بِاسْتِقْلَالِهِ أَوْ ثَبَتَ عِنْدِي، وَنَحْوَهُ يَكُونُ بَعْدَ كَمَالِ الْبَيِّنَةِ، وَقَبْلَ الْإِعْذَارِ فِيهَا لِأَنَّ الْإِعْذَارَ فَرْعُ ثُبُوتِهَا وَقَبُولِهَا فَلَا يُعْذَرُ لِلْخَصْمِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، وَفِعْلُهُ جَهْلٌ إذْ الْإِعْذَارُ سُؤَالُ الْحَاكِمِ مَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ هَلْ لَهُ مَا يُسْقِطُهُ، وَيَمْتَنِعُ سُؤَالُهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالْقَبُولِ وَالثُّبُوتِ اهـ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَعَمُّ مِنْ الْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَأَخَصُّ مِنْ وَجْهٍ، وَالْأَعَمُّ مِنْ الشَّيْءِ كَذَلِكَ غَيْرُهُ بِالضَّرُورَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الثُّبُوتَ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ يُوجَدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمَوَاطِنِ الَّتِي لَا حُكْمَ فِيهَا بِالضَّرُورَةِ إجْمَاعًا فَيَثْبُتُ هِلَالُ شَوَّالٍ وَهِلَالُ رَمَضَانَ، وَتَثْبُتُ طَهَارَةُ الْمِيَاهِ وَنَجَاسَتُهَا، وَيَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ التَّحْرِيمُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ وَالتَّحَلُّلِ بِسَبَبِ الْعَقْدِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ حُكْمًا، وَالْحُكْمُ أَيْضًا يُوجَدُ بِدُونِ الثُّبُوتِ كَالْحُكْمِ بِالِاجْتِهَادِ، وَيَجْتَمِعَانِ فِيمَا عَدَا مَا ذُكِرَ قَالَهُ الْأَصْلُ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ نَعَمْ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى الثُّبُوتِ حُكْمٌ فَالْخِلَافُ فِيهِمَا هَلْ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ أَوْ الثُّبُوتُ غَيْرُ الْحُكْمِ لَفْظِيٌّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. بِتَوْضِيحٍ قُلْت وَقَوْلُهُ نَعَمْ قَدْ يُطْلَقُ إلَخْ أَيْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَنَّ تَقْرِيرَهُ الْحَادِثَةَ أَوْ سُكُوتَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ حُكْمٌ كَمَا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ. (تَتِمَّةٌ) التَّنْفِيذُ غَيْرُ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ كَانَ تَنْفِيذُ حُكْمِ غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يُوَافِقَهُ فِي الْمَذْهَبِ وَيَقُولَ فِي تَنْفِيذِ حُكْمِهِ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ الْحُكْمِ كَذَا فَهَذَا لَيْسَ حُكْمًا مِنْ الْمُنَفِّذِ أَلْبَتَّةَ، وَكَذَا إذَا قَالَ ثَبَتَ عِنْدِي أَنَّ فُلَانًا حَكَمَ بِكَذَا، وَكَذَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ

стр. 854

افْتَرَقُوا كَالْكِبَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الثَّامِنُ أَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ لَقُبِلَتْ فِي تَخْرِيقِ ثِيَابِهِمْ فِي الْخَلَوَاتِ أَوْ لَجَازَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بَعْضُهُنَّ عَلَى بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ إنَّمَا نَمْنَعُ الْإِنَاثَ لِانْدِرَاجِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦] ، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِشْهَادِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُمْكِنُ إنْشَاءُ الشَّهَادَةِ فِيهَا اخْتِيَارًا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّهْيِ الْإِمْكَانَ، وَهَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ تَقَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بَغْتَةً فَلَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ فَيَكُونُ مَسْكُوتًا عَنْهُ. وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ الْآيَةُ الثَّالِثَةُ فِي الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ اُسْتُشْهِدُوا اخْتِيَارًا مَعَ أَنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ عَامَّةٌ، وَدَلِيلُنَا خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَنَحْنُ نُسَوِّيهِ بِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُقْبَلَانِ فِي الْمَالِ أَوْ فِي الدِّمَاءِ إنْ كَانَتْ عَمْدًا خَطَأً فَيَئُولُ إلَى الدِّيَةِ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ كَالْبَالِغِ، وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الْخَامِسِ، وَعَنْ السَّادِسِ أَنَّ الْفَرْقَ تَعْظِيمُ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ بِدَلِيلِ قَبُولِ الْقَسَامَةِ، وَلَا يُقَسَّمُ عَلَى دِرْهَمٍ، وَعَنْ السَّابِعِ أَنَّ الِافْتِرَاقَ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيمَ وَالتَّغْيِيرَ وَالصَّغِيرَ إذَا خُلِّيَ، وَسَجِيَّتَهُ الْأُولَى لَا يَكَادُ يَكْذِبُ، وَالرِّجَالُ لَهُمْ وَازِعٌ شَرْعِيٌّ إذَا افْتَرَقُوا بِخِلَافِ الصِّبْيَانِ، وَعَنْ الثَّامِنِ التَّفْرِيقُ لِعِظَمٍ حُرِّمَتْ الدِّمَاءُ، وَلِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ لَيْسَ لِتَخْرِيقِ ثِيَابِهِمْ بِخِلَافِ الضَّرْبِ وَالْجِرَاحِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَجْتَمِعْنَ لِلْقِتَالِ، وَلَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهُنَّ. (الْحُجَّةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) الْقَافَةُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ عِنْدَنَا فِي الْقَضَاءِ بِثُبُوتِ الْأَنْسَابِ، وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْحُكْمُ بِالْقَافَةِ بَاطِلٌ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَإِنَّمَا يُجِيزُهُ مَالِكٌ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ يَطَؤُهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِهِ فِي وَلَدِ الزَّوْجَةِ، وَعَنْهُ قَبُولُهُ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِيهِمَا لَنَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ نَظَرَ إلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ تَبَنَّى زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَكَانَ أَبْيَضَ وَابْنُهُ أُسَامَةُ أَسْوَدُ فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمُكَانَتِهِ مِنْهُ فَلَمَّا قَالَ مُجَزِّزٌ ذَلِكَ سُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] ذَلِكَ، وَلَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ التَّصَرُّفَ الْفَاسِدَ وَالْحَرَامَ قَدْ يَثْبُتُ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ مُوجِبَ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعْتَدُّ بِكَثْرَةِ الْإِثْبَاتِ عِنْدَ الْحُكَّامِ فَهُوَ كُلُّهُ كَحُكْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْحَاكِمِ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يَقُولَ الثَّانِي حَكَمْت بِمَا حَكَمَ بِهِ الْأَوَّلُ، وَأَلْزَمْت بِمُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ، وَإِمَّا أَنْ يُخَالِفَهُ فِي الْمَذْهَبِ فَفِي كَوْنِهِ يَقِفُ عَنْ تَنْفِيذِهِ وَإِبْطَالِهِ لِأَنَّهُ إنْ نَفَّذَهُ، وَأَلْزَمَ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مَا فِيهِ أَلْزَمَهُ مَا لَا يَرَى أَنَّهُ الْحَقُّ عِنْدَهُ أَوْ كَوْنَهُ يُنَفِّذُهُ، وَيَلْزَمُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ مَا تَضَمَّنَهُ الْحُكْمُ لِأَنَّ تَوَقُّفَهُ عَنْ إنْفَاذِهِ كَإِبْطَالِهِ. وَقَدْ قُلْنَا إنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ تَنْفِيذُ حُكْمِ نَفْسِهِ كَانَ مَعْنَاهُ الْإِلْزَامَ بِالْحَبْسِ، وَأَخْذَ الْمَالِ بِيَدِ الْقُوَّةِ، وَدَفْعَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَتَخْلِيصَ سَائِرِ الْحُقُوقِ وَإِيقَاعَ الطَّلَاقِ عَلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ إيقَاعُهُ عَلَيْهِ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ، وَهُوَ غَيْرُ الثُّبُوتِ وَالْحُكْمِ فَالثُّبُوتُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْأُولَى، وَالْحُكْمُ هُوَ الرُّتْبَةُ الْوُسْطَى وَالتَّنْفِيذُ هُوَ الرُّتْبَةُ الثَّالِثَةُ، وَلَيْسَ كُلُّ الْحُكَّامِ لَهُمْ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ لَا سِيَّمَا لِلْحَاكِمِ الضَّعِيفِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْجَبَابِرَةِ فَهُوَ يُنْشِئُ الْإِلْزَامَ، وَلَا يَخْطِرُ لَهُ تَنْفِيذُهُ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَالْحَاكِمُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حَاكِمٌ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْإِنْشَاءُ، وَأَمَّا قُوَّةُ التَّنْفِيذِ فَأَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى كَوْنِهِ حَاكِمًا أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحَكَّمَ لَيْسَ لَهُ قُوَّةُ التَّنْفِيذِ اهـ. مُلَخَّصًا مِنْ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فِي التَّحَمُّلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا] (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فِي التَّحَمُّلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا) وَهُوَ أَنَّ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فِي التَّحَمُّلِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ: كُلُّ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ يَشْهَدُ بِهِ قَالَ: وَمَدَارِكُ الْعِلْمِ أَرْبَعَةٌ الْعَقْلُ وَإِحْدَى حَوَاسِّ الْخَمْسِ وَالنَّقْلُ الْمُتَوَاتِرُ وَالِاسْتِدْلَالُ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِمَا عُلِمَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ قَالَ وَشَهَادَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِنُوحٍ ﵇، وَلِغَيْرِهِ عَلَى أُمَمِهِمْ بِإِخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أَيْ فَهِيَ مِنْ قَبِيلِ الشَّهَادَةِ بِالنَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ كَشَهَادَةِ النَّسَبِ وَوِلَايَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ قَالَ وَصَحَّتْ شَهَادَةُ خُزَيْمَةَ، وَلَمْ يَحْضُرْ شِرَاءَ الْفَرَسِ أَيْ شِرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَرَسَ مِنْ خَصْمِهِ الْمُنْكِرِ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا كَانَتْ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ كَشَهَادَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَاءَ خَمْرًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ تَشْهَدُ أَنَّهُ شَرِبَهَا. قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ قَاءَهَا فَقَالَ عُمَرُ ﵁ مَا هَذَا التَّعَمُّقُ؟ فَلَا وَرَبِّك مَا قَاءَهَا حَتَّى شَرِبَهَا.، وَكَشَهَادَةِ الطَّبِيبِ بِعَدَمِ الْعَيْبِ. (الْأَمْرُ الثَّانِي) الظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْ الْيَقِينِ قَالَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ مَا لَا يَثْبُتُ بِالْحِسِّ بَلْ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ كَالْإِعْسَارِ يُدْرَكُ بِالْخِبْرَةِ الْبَاطِنَةِ بِقَرَائِنَ كَالصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ

стр. 855

لَوْ كَانَ الْحَدْسُ بَاطِلًا شَرْعًا لَمَا سُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يُسَرُّ بِالْبَاطِلِ. وَثَانِيهَا أَنَّ إقْرَارَهُ ﵇ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَقَدْ أَقَرَّ مُجَزِّزًا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ حَقًّا مَشْرُوعًا لَا يُقَالُ النِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي إلْحَاقِ الْوَلَدِ، وَهَذَا كَانَ مُلْحَقًا بِأَبِيهِ فِي الْفِرَاشِ فَمَا تَعَيَّنَ مَحَلُّ النِّزَاعِ، وَأَيْضًا سُرُورُهُ ﵇ لِتَكْذِيبِ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ الْقِيَافَةِ، وَتَكْذِيبُ الْمُنَافِقِينَ سَارٌّ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ لِيُؤَيِّدَ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» فَقَدْ يُفْضِي الْبَاطِلُ لِلْخَيْرِ وَالْمَصْلَحَةِ. وَأَمَّا عَدَمُ إنْكَارِهِ ﵇ فَلِأَنَّ مُجَزِّزًا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الْقِيَافَةِ فَلَعَلَّهُ أَخْبَرَ بِهِ بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ لِأَنَّهُ يَكُونُ رَآهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّا نَقُولُ مُرَادُنَا هَاهُنَا لَيْسَ أَنَّهُ ثَبَتَ النَّسَبُ بِمُجَزِّزٍ إنَّمَا مَقْصُودُنَا أَنَّ الشَّبَهَ الْخَاصَّ مُعْتَبَرٌ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا سُرُورُهُ ﵇ بِتَكْذِيبِ الْمُنَافِقِينَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ السُّرُورُ مَعَ بُطْلَانِ مُسْتَنَدِ التَّكْذِيبِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ كَذِبِهِمْ رَجُلٌ كَاذِبٌ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ كَذِبُهُمْ إذَا كَانَ الْمُسْتَنَدُ حَقًّا فَيَكُونُ الشَّبَهُ حَقًّا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ قَوْلُكُمْ إنَّ الْبَاطِلَ قَدْ يَأْتِي بِالْحَسَنِ وَالْمَصْلَحَةِ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مَا أَتَى بِشَيْءٍ. وَأَمَّا قَوْلُكُمْ أَخْبَرَ بِهِ لِرُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ لِأَجْلِ الْفِرَاشِ فَالنَّاسُ كُلُّهُمْ يُشَارِكُونَهُ فِي ذَلِكَ فَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي اخْتِصَاصِ السُّرُورِ بِقَوْلِهِ لَوْلَا أَنَّهُ حَكَمَ بِشَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي كَانَ طَعْنُ الْمُشْرِكِينَ ثَابِتًا مَعَهُ، وَلَا كَانَ لِذِكْرِ الْأَقْدَامِ فَائِدَةٌ، وَحَدِيثُ الْعَجْلَانِيُّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا، وَكَذَا فَأَرَاهُ قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا وَإِنْ أَتَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِشَرِيكٍ فَلَمَّا أَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ قَالَ ﵇ لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» فَصَرَّحَ ﵇ بِأَنَّ وُجُودَ صِفَاتِ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ نَسَبٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُقَالُ إنَّ إخْبَارَهُ ﵇ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ لِأَنَّ الْقِيَافَةَ لَيْسَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ إنَّمَا هِيَ فِي بَنِي مُدْلِجٍ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ إنَّهُ ﵇ كَانَ قَائِفًا، وَلِأَنَّهُ ﵇ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لِشَرِيكٍ، وَأَنْتُمْ تُوجِبُونَ الْحُكْمَ بِمَا أَشْبَهَ أَيْضًا لَمْ تُحَدَّ الْمَرْأَةُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّبَهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنْ جَاءَ الْوَحْيُ بِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ يُشْبِهُهُ فَهُوَ مُؤَسِّسٌ لِمَا يَقُولُهُ، وَصَارَ الْحُكْمُ بِالشَّبَهِ أَوْلَى مِنْ الْحُكْمِ فِي الْفِرَاشِ لِأَنَّ الْفِرَاشَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ الْحَالِ، وَالشَّبَهَ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالضَّرَرِ فَيَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ الْقَرِيبُ مِنْ الْيَقِينِ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي شَهَادَةِ الْأَعْمَى وَشَهَادَةِ الْبَصِيرِ، عَلَى الْخَطِّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ خِلَافًا فِي الشَّهَادَةِ بِالظَّنِّ، بَلْ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي تَحْقِيقِ مَنَاطٍ فَالْمَالِكِيَّةُ يَقُولُونَ: الْأَعْمَى قَدْ يَحْصُلُ لَهُ الْقَطْعُ بِتَمْيِيزِ بَعْضِ الْأَقْوَالِ فَيَشْهَدُ بِهَا، وَيَحْصُلُ لِلْبَصِيرِ الْقَطْعُ بِبَعْضِ الْخُطُوطِ فَيَشْهَدُ بِهَا فَمَا شَهِدَ إلَّا بِالْعِلْمِ، وَالشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ لَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ فِي ذَلِكَ لِالْتِبَاسِ الْأَصْوَاتِ وَكَثْرَةِ التَّزْوِيرِ فِي الْخُطُوطِ فَهَذَا هُوَ مُدْرَكُ التَّنَازُعِ بَيْنَهُمْ قَالَ الْأَصْلُ: وَالْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ الْعِلْمُ وَالْيَقِينُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ ﵈ ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [يوسف: ٨١] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَقَوْلُهُ ﵇ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَاشْهَدْ أَيْ مِثْلُ الشَّمْسِ فَهَذَا ضَابِطُ مَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ فِي الشَّهَادَةِ بِهِ، وَقَدْ يَجُوزُ بِالظَّنِّ وَالسَّمَاعِ قَالَ صَاحِبُ الْقَبَسِ: مَا اتَّسَعَ أَحَدٌ فِي شَهَادَةِ السَّمَاعِ كَاتِّسَاعِ الْمَالِكِيَّةِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ، الْحَاضِرُ مِنْهَا عَلَى الْخَاطِرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ مَوْضِعًا الْأَحْبَاسُ الْمِلْكُ الْمُتَقَادِمُ الْوَلَاءُ النَّسَبُ الْمَوْتُ الْوِلَايَةُ الْعَزْلُ الْعَدَالَةُ الْجُرْحَةُ، وَمَنَعَ سَحْنُونٌ ذَلِكَ فِيهِمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَذَلِكَ إذَا لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ الْمَجْرُوحِ وَالْعَدْلِ فَإِنْ أَدْرَكَ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعِلْمِ، الْإِسْلَامِ، الْكُفْرِ، الْحَمْلِ، الْوِلَادَةِ، التَّرْشِيدِ، السَّفَهِ، الصَّدَقَةِ، الْهِبَةِ، الْبَيْعِ فِي حَالِهِ الْمُتَقَادِمِ، الرَّضَاعِ، النِّكَاحِ، الطَّلَاقِ، الضَّرَرِ، الْوَصِيَّةِ، إبَاقِ الْعَبْدِ، الْحِرَابَةِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْبُنُوَّةَ، وَالْأُخُوَّةَ، وَزَادَ الْعَبْدِيُّ فِي الْحُرِّيَّةِ الْقَسَامَةَ فَهَذِهِ مَوَاطِنُ أَرَى الْأَصْحَابُ أَنَّهَا مَوَاطِنُ ضَرُورَةٍ فَيَجُوزُ تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ انْتَهَى بِلَفْظِهِ قَالَ التَّاوَدِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ وَتَرْجِعُ شَهَادَةُ السَّمَاعِ كَمَا فِي الْمُتَيْطِيِّ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هِيَ لَقَبٌ لِمَا يُصَرِّحُ فِيهِ الشَّاهِدُ بِاسْتِنَادِ شَهَادَتِهِ لِسَمَاعٍ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَخْرُجُ شَهَادَةُ الْبَتِّ وَالنَّقْلِ أَيْ لِأَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْهُ فِي شَهَادَةِ النَّقْلِ مُعَيَّنٌ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ ابْنِ رُشْدٍ وَشَهَادَةُ السَّمَاعِ لَهَا ثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى تُفِيدُ الْعِلْمَ، وَهِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّوَاتُرِ كَالسَّمَاعِ بِأَنَّ مَكَّةَ مَوْجُودَةٌ فَهَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالْمَرْوِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يُفِيدُ الْعِلْمَ. (الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ) شَهَادَةُ الِاسْتِفَاضَةِ، وَهِيَ تُفِيدُ ظَنًّا، يَقْرَبُ مِنْ الْقَطْعِ، وَيَرْتَفِعُ عَنْ السَّمَاعِ، مِثْلُ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ نَافِعًا مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْهِلَالُ إذَا رَآهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَاسْتِفَاضَةِ الْعَدَالَةِ أَوْ الْجَرْحِ فَيَسْتَنِدُ لِذَلِكَ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ عَدَالَةِ الْمَشْهُودِينَ (الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ) شَهَادَةُ السَّمَاعِ، وَهِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ، وَهِيَ الْمُرَادَةُ هُنَا، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي صِفَتِهَا، وَفِي مَحَالِّهَا، وَفِي شُرُوطِهَا فَأَمَّا صِفَتُهَا فَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَالْبَاجِيِّ شَرْطُ شَهَادَةِ السَّمَاعِ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا سَمَاعًا فَاشِيًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ وَغَيْرِهِمْ، وَإِلَّا لَمْ تَصِحَّ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ، وَقَالَهُ مُحَمَّدٌ قَالَا: وَلَا يُسَمُّوا مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ فَإِنْ سَمَّوْا خَرَجَتْ مِنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغُ، وَفِي اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ فِي الْمَسْمُوعِ ثَالِثُهَا إلَّا فِي الرَّضَاعِ اهـ وَسَيَقُولُ النَّاظِمُ

стр. 856

وَأَمَّا كَوْنُهُ ﵇ لَمْ يُعْطَ عِلْمَ الْقِيَافَةِ فَمَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ ﵇ أُعْطِيَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ سَلَّمْنَاهُ لَكِنْ أَخْبَرَ عَنْ ضَابِطِ الْقَائِفِينَ أَنَّ الشَّبَهَ مَتَى كَانَ كَذَا فَهُمْ يَحْكُمُونَ بِكَذَا إلَّا أَنَّهُ ادَّعَى عِلْمَ الْقِيَافَةِ كَمَا نَقُولُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ الْأَطِبَّاءُ يُدَاوُونَ الْمَحْمُومَ بِكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَبِيبًا، وَلَمْ يَحْكُمْ بِالْوَلَدِ لِشَرِيكٍ لِأَنَّهُ زَانٍ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالْوَلَدِ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ، وَإِنَّمَا وَطِئَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا عَدَمُ الْحَدِّ فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ جِهَتِهَا شُبْهَةً أَوْ مُكْرَهَةً أَوْ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُ الْحَدَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] الْآيَةَ أَوْ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَحَدِيثُ الْمُدْلِجِيِّ يَدُلُّ دَلَالَةً قَوِيَّةً عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَدَلَّ بِالشَّبَهِ عَلَى النَّسَبِ، وَلَوْ كَانَ بِالْوَحْيِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ تَرْدِيدٌ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ بَلْ كَانَ يَقُولُ هِيَ تَأْتِي بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا، وَهُوَ لِفُلَانٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّرْدِيدِ الَّذِي لَا يَحْسُنُ إلَّا فِي مَوَاطِنِ الشَّكِّ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ هَذَا بِالْوَحْيِ إذَا كَانَ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةِ الْقِيَافَةِ وَبَسْطِ صُوَرِهَا بِالْأَشْبَاهِ، وَذَلِكَ مَطْلُوبُنَا فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا سُرَّ إلَّا بِسَبَبٍ حَقٍّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ لِعَائِشَةَ فِي الْحَدِيثِ «تَرِبَتْ يَدَاك، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ» فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَنِيَّ يُوجِبُ الشَّبَهَ فَيَكُونُ دَلِيلَ النَّسَبِ، وَلَنَا أَيْضًا أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا وَلَدًا فَاخْتَصَمَا لِعُمَرَ فَاسْتَدْعَى لَهُ الْقَافَةَ فَأَلْحَقُوهُ بِهِمَا فَعَلَاهُمَا بِالدِّرَّةِ، وَاسْتَدْعَى حَرَائِرَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقُلْنَ خُلِقَ مِنْ مَاءِ الْأَوَّلِ، وَحَاضَتْ عَلَى الْحَمْلِ فَاسْتَخْشَفَ الْحَمْلُ فَلَمَّا وَطِئَهَا الثَّانِي انْتَعَشَ بِمَائِهِ فَأَخَذَ شَبَهًا مِنْهَا فَقَالَ عُمَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ، وَلِأَنَّهُ عِلْمٌ عِنْدَ الْقَافَةِ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَالتَّقْوِيمِ فِي الْمُتْلَفَاتِ وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَخَرْصِ الثِّمَارِ فِي الزَّكَوَاتِ وَتَحْرِيرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَوَاتِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْمِينٌ وَتَقْرِيبٌ. وَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرْ أَبُو حَنِيفَةَ الشَّبَهَ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِجَمِيعِ الْمُتَنَازِعِينَ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] فَالْأَبُ وَاحِدٌ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] فَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ آبَاءً. وَعَارَضَ أَبُو حَنِيفَةَ حَدِيثَ الْعَجْلَانِيُّ بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) بِمَا فِي الصِّحَاحِ «أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَادَّعَى أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ وَلَدًا أَسْوَدَ فَقَالَ لَهُ ﵇ هَلْ فِي إبِلِك مِنْ أَوْرَقَ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ قَالَ لَهُ مَا أَلْوَانُهَا قَالَ سُودٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَشَرْطُهَا اسْتِفَاضَةٌ حَيْثُ لَا ... يَحْضُرُ مَنْ عَنْهُ السَّمَاعُ نُقِلَا مَعَ السَّلَامَةِ مِنْ ارْتِيَابٍ ... يُفْضِي إلَى تَغْلِيطٍ أَوْ إكْذَابٍ وَيُكْتَفَى فِيهَا بِعَدْلَيْنِ عَلَى ... مَا تَابَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ الْعَمَلَا (وَأَمَّا مَحَالُّهَا) وَمَا تُقْبَلُ فِيهِ فَفِيهِ طُرُقٌ (إحْدَاهَا) لِعَبْدِ الْوَهَّابِ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِمَا لَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهِ كَالْمَوْتِ وَالنَّسَبِ وَالْوَقْفِ قَالَ وَفِي قَبُولِهَا فِي النِّكَاحِ قَوْلَانِ (الثَّانِيَةُ) لِابْنِ رُشْدٍ أَنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ تَصِحُّ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَلَّا تَصِحَّ فِي شَيْءٍ. الثَّالِثُ تَجُوزُ فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: النَّسَبُ، وَالْقَضَاءُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْمَوْتُ؛ إذْ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَسْتَفِيضَ فَيَشْهَدَ فِيهَا عَلَى الْقَطْعِ. الرَّابِعُ عَكْسُهُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحٌ وَيَجْمَعُهَا قَوْلُك فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ الْقَاضِي نَكَحَ فَمَاتَ (الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ) لِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّهَا تَجُوزُ فِي مَسَائِلَ مَعْدُودَةٍ وَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهَا، وَإِيَّاهَا سَلَكَ النَّاظِمِ فَقَالَ: وَأُعْمِلْت شَهَادَةُ السَّمَاعِ ... فِي الْحَمْلِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّضَاعِ وَالْحَيْضِ وَالْمِيرَاثِ وَالْمِيلَادِ ... وَحَالِ إسْلَامٍ أَوْ ارْتِدَادِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَالْوَلَاءِ ... وَالرُّشْدِ وَالتَّسْفِيهِ وَالْإِيصَاءِ وَفِي تَمَلُّكٍ لِمِلْكٍ بِيَدِ ... يُقَامُ فِيهِ بَعْدَ طُولِ الْمَدَدِ وَحَبْسِ مَنْ حَازَ مِنْ السِّنِينَ ... عَلَيْهِ مَا يُنَاهِزُ الْعِشْرِينَ وَعَزْلِ حَاكِمٍ وَفِي تَقْدِيمِهِ ... وَضَرَرِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ تَتْمِيمِهِ وَجُمْلَةُ مَا ذَكَرَهُ تِسْعَةَ عَشَرَ وَهَذَا فِيمَا عِنْدَهُ، وَحَضَرَهُ الْآنَ، وَعَدَّهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ إحْدَى وَعِشْرِينَ فَقَالَ: أَيَا سَائِلِي عَمَّا يُنَفَّذُ حُكْمُهُ ... وَيَثْبُتُ سَمْعًا دُونَ عِلْمٍ بِأَصْلِهِ فَفِي الْعَزْلِ وَالتَّجْرِيحِ وَالْكُفْرِ بَعْدَهُ ... وَفِي سَفَهٍ أَوْ ضِدِّ ذَلِكَ كُلِّهِ وَفِي الْبَيْعِ وَالْأَحْبَاسِ وَالصَّدَقَاتِ وَالرَّضَاعِ ... وَخُلْعٍ وَالنِّكَاحِ وَحِلِّهِ وَزَادَ وَلَدُهُ سِتَّةً فَقَالَ: وَفِي قِسْمَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ ... وَمَوْتٍ وَحَمْلٍ وَالْمُقِرِّ بِأَهْلِهِ وَمِنْهَا الْهِبَاتُ الْوَصِيَّةُ فَاعْلَمَنْ ... وَمُلْكٍ قَدِيمٍ قَدْ يُظَنُّ بِمِثْلِهِ وَمِنْهَا وِلَادَاتٌ وَمِنْهَا حِرَابَةٌ ... وَمِنْهَا الْإِبَاقُ فَلْيُضَمَّ بِشَكْلِهِ فَدُونَكُمَا عِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ سَبْعَةٍ ... تَدُلُّ عَلَى حِفْظِ الْفَقِيهِ وَنُبْلِهِ أَبِي نَظَمَ الْعِشْرِينَ مِنْ بَعْدِ وَاحِدٍ ... وَأَتْبَعْتهَا سِتًّا تَمَامًا لِفِعْلِهِ

стр. 857

فَقَالَ مَا السَّبَبُ فَقَالَ الرَّجُلُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ» فَلَمْ يَعْتَبِرْ الشَّبَهُ. (الثَّانِي) بِقَوْلِهِ ﵇ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، وَلَمْ يُفَرِّقْ. (الثَّالِثُ) أَنَّ خَلْقَ الْوَلَدِ مُغَيَّبٌ عَنَّا فَجَازَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ بُقْرَاطُ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ الْحَمْلُ عَلَى الْحَمْلِ. (الرَّابِعُ) وَلِأَنَّ الشَّبَهَ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنْ الْوَلَدِ وَجَمَاعَةٍ لَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِهِمْ بِسَبَبِ الشَّبَهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ. (الْخَامِسُ) وَلِأَنَّ الشَّبَهَ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا لَبَطَلَتْ مَشْرُوعِيَّةُ اللِّعَانِ، وَاكْتُفِيَ بِهِ. (السَّادِسُ) أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ مَعَ الْفِرَاشِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا عِنْدَ عَدَمِهِ كَغَيْرِهِ. (السَّابِعُ) أَنَّ الْقِيَافَةَ لَوْ كَانَتْ عِلْمًا لَأَمْكَنَ اكْتِسَابُهُ كَسَائِرِ الْعُلُومِ وَالصَّنَائِعِ. (الثَّامِنُ) أَنَّهُ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَأَحْكَامِ النُّجُومِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَيْسَتْ صُورَةَ النِّزَاعِ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ فَعَرَّفَهُ ﵇ السَّبَبَ، وَلِأَنَّا لَا نَقُولُ إنَّ الْقِيَافَةَ هِيَ اعْتِبَارُ الشَّبَهِ كَيْفَمَا كَانَ، وَالْمُنَاسَبَةُ كَيْفَ كَانَتْ بَلْ شَبَهٌ خَاصٌّ، وَلِذَلِكَ أَلْحَقُوا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَعَ سَوَادِهِ بِأَبِيهِ الشَّدِيدِ الْبَيَاضِ بَلْ حَقِيقَتُهَا شَبَهٌ خَاصٌّ، وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْأَلْوَانِ وَغَيْرِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَرِّجْ مُجَزِّزٌ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ، وَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا مُجَرَّدَ اللَّوْنِ فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْقِيَافَةِ حَتَّى يَدُلَّ إلْغَاؤُهُ عَلَى إلْغَاءِ الْقِيَافَةِ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَادَةِ وَالْغَالِبِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّهُ خِلَافُ الْعَوَائِدِ، وَظَوَاهِرُ النُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةُ تَأْبَاهُ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْغَالِبِ، وَبُقْرَاطُ تَكَلَّمَ عَلَى النَّادِرِ فَلَا تَعَارُضَ، وَعَنْ الرَّابِعِ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُضَافًا لِمَا يُشَاهَدُ مِنْ شَبَهِ الْإِنْسَانِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ لِشَبَهٍ خَاصٍّ يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْقِيَافَةِ، وَعَنْ الْخَامِسِ أَنَّ الْقِيَافَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ حَيْثُ يَسْتَوِي الْفِرَاشَانِ، وَاللِّعَانُ يَكُونُ لِمَا يُشَاهِدُ الزَّوْجُ فَهُمَا بَابَانِ مُتَبَايِنَانِ لَا يَسُدُّ أَحَدُهُمَا مَسَدَ الْآخَرِ، وَعَنْ السَّادِسِ الْفَرْقُ بِأَنَّ وُجُودَ الْفِرَاشِ وَحْدَهُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ يَقْتَضِي اسْتِقْلَالَهُ بِخِلَافِ تَعَارُضِ الْفِرَاشَيْنِ، وَعَنْ السَّابِعِ أَنَّهُ قُوَّةٌ فِي النَّفْسِ، وَقُوَى النَّفْسِ وَخَوَاصُّهَا لَا يُمْكِنُ اكْتِسَابُهَا كَالْعَيْنِ الَّتِي يُصَابُ بِهَا فَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ، وَالرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ الْوُجُودُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَوَاصِّ فَالْقِيَافَةُ كَذَلِكَ حَتَّى يَتَعَذَّرَ اكْتِسَابُهَا. وَعَنْ الثَّامِنِ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَتْ أَحْكَامُ النُّجُومِ كَمَا ثَبَتَتْ الْقِيَافَةُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبَطَ بِهَا أَحْكَامًا لَاعْتُبِرَتْ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْمُرْتَبِطَةِ بِهَا كَمَا اُعْتُبِرَتْ الشَّمْسُ فِي الْفُصُولِ وَنُضْجِ الثِّمَارِ وَتَجْفِيفِ الْحُبُوبِ وَالْكُسُوفَاتِ وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعْتَبَرٌ مِنْ أَحْكَامِ النُّجُومِ، وَإِنَّمَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ خَمْسَةً، وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَقَدْ زِيدَ فِيهَا الْفَقْرُ وَالْأَسْرُ وَالْمَلَا ... وَلَوْثٌ وَعِتْقٌ فَاظْفَرَنَّ بِنَقْلِهِ فَصَارَتْ لَدَى عَدٍّ ثَلَاثِينَ أُتْبِعَتْ ... بِثِنْتَيْنِ فَاطْلُبْ نَصَّهَا فِي مَحَلِّهِ وَنَظَمَهَا أَيْضًا الْعَبْدُوسِيُّ وَذَيَّلَهُ ابْنُ غَازِيٍّ بِمَا زَادَهُ عَلَيْهِ إلَى أَنْ قَالَ فِي آخِرِهِ: لَوْلَا التَّدَاخُلُ عِنْدَ عَدِّ الزَّائِدِ ... لَبَلَغَتْ خَمْسِينَ دُونَ وَاحِدِ اهـ كَلَامُ التَّاوَدِيِّ مَعَ بَعْضِ إصْلَاحٍ. وَحَذَفَ شَرْحَهُ لِأَبْيَاتِ الْعَاصِمِيَّةِ فَانْظُرْهُ، وَأَمَّا مَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدًا فَهُوَ مَا عَدَا الْأَمْرَيْنِ الْمَذْكُورِينَ، وَمِنْهُ الظَّنُّ الضَّعِيفُ، وَقَوْلُ الْأَصْلِ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ الْأَدَاءُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ الظَّنِّ الضَّعِيفِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ فَلَوْ شَهِدَ بِقَبْضِ الدَّيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ قَدْ دَفَعَهُ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِصْحَابِ الَّذِي لَا يُفِيدُ إلَّا الظَّنَّ الضَّعِيفَ، وَكَذَلِكَ الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ مَعَ احْتِمَالِ دَفْعِهِ، وَيَشْهَدُ بِالْمِلْكِ الْمَوْرُوثِ لِوَارِثِهِ مَعَ جَوَازِ بَيْعِهِ بَعْدَ أَنْ وَرِثَهُ، وَيَشْهَدُ بِالْإِجَازَةِ وَلُزُومِ الْأُجْرَةِ مَعَ جَوَازِ الْإِقَالَةِ بَعْدَ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ فَالْحَاصِلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الضَّعِيفُ بَلْ لَا يَكَادُ يُوجَدُ مَا يَبْقَى فِيهِ الْعِلْمُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ الصُّوَرِ، وَمِنْ ذَلِكَ النَّسَبُ وَالْوَلَاءُ فَإِنَّهُ لَا يَقْبَلُ النَّقْلَ فَيَبْقَى الْعِلْمُ عَلَى حَالِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ وُقُوعِ النُّطْقِ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَذَلِكَ لَا يَرْتَفِعُ، وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْفُ إذَا حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَمَّا إذَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ حَاكِمٌ فَإِنَّ الشَّهَادَةَ إنَّمَا يَحْصُلُ فِيهَا الظَّنُّ فَقَطْ إذَا شَهِدَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّارَ وَقْفٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ حَاكِمٌ حَنَفِيٌّ حَكَمَ بِنَقْضِهِ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَوَاطِنَ فَأَكْثَرُهَا إنَّمَا فِيهَا الظَّنُّ فَقَطْ، وَإِنَّمَا الْعِلْمُ فِي أَصْلِ الْمُدْرَكِ لَا فِي دَوَامِهِ فَقَوْلُ الْعُلَمَاءِ لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ إلَّا بِالْعِلْمِ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤَدِّيَ إلَّا مَا هُوَ قَاطِعٌ بِهِ بَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ الْمُدْرَكِ عِلْمًا فَقَطْ اهـ بِتَصَرُّفٍ. قَالَ الْمُحَقِّقُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الشَّاهِدَ فِي أَكْثَرِ الشَّهَادَاتِ لَا يَشْهَدُ إلَّا بِالظَّنِّ الضَّعِيفِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا يَشْهَدُ بِأَنَّ زَيْدًا وَرِثَ الْمَوْضِعَ الْفُلَانِيَّ مَثَلًا أَوْ اشْتَرَاهُ جَازِمًا بِذَلِكَ لَا ظَانًّا، وَاحْتِمَالُ كَوْنِهِ بَاعَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ لَا تَتَعَرَّضُ لَهُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ بِالْجَزْمِ لَا فِي نَفْيِهِ، وَلَا فِي إثْبَاتِهِ، وَلَكِنْ تَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَفْيِ الْعِلْمِ بِبَيْعِهِ أَوْ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِهِ عَلَى الْجُمْلَةِ فَمَا تَوَهَّمَ أَنَّهُ مُضَمَّنُ الشَّهَادَةِ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.

стр. 858

أُلْغِيَ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رَبْطِ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَالْأَمَانَةِ وَالْإِحْيَاءِ بِمُثَلَّثِهَا وَتَرْبِيعِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَصِحَّ فِيهَا، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَالْقِيَافَةُ صَحَّتْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ. (الْحُجَّةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) الْقُمُطُ وَشَوَاهِدُ الْحِيطَانِ قَالَ بِهَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ قَالَ أَشْهَبُ إذَا تَدَاعَيَا جِدَارًا مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَيْهِ جُذُوعٌ لِلْآخَرِ فَهُوَ لِمَنْ اتَّصَلَ بِبِنَائِهِ. وَلِصَاحِبِ الْجُذُوعِ مَوْضِعُ جُذُوعِهِ لِأَنَّهُ جَوَّزَهُ، وَيَقْضِي بِالْجِدَارِ لِمَنْ إلَيْهِ عُقُودُ الْأَرْبِطَةِ، وَلِلْآخَرِ مَوْضِعُ جُذُوعِهِ، وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ عَشْرُ خَشَبَاتٍ، وَلِلْآخَرِ خَمْسُ خَشَبَاتٍ وَلَا رَبْطَ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَا عَلَى عَدَدِ الْخُشُبِ، وَبَقِيَتْ خَشَبَاتُهُمَا بِحَالِهَا، وَإِذَا انْكَسَرَتْ خُشُبُ أَحَدِهِمَا رَدَّ مِثْلَ مَا كَانَ، وَلَا يُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا تَحْتَ خُشُبِهِ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ عَقَدَهُ لِأَحَدِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَلِلْآخَرِ مِنْ مَوْضِعٍ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا عَلَى عَدَدِ الْعُقُودِ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ لِوَاحِدٍ، وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ خُشُبٌ مَعْقُودَةٌ بِعَقْدِ الْبِنَاءِ أَوْ مَثْقُوبَةٌ فَعَقْدُ الْبِنَاءِ يُوجِبُ مِلْكَ الْحَائِطِ لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَالِكِ، وَقِيلَ لَا يُوجِبُهُ، وَقَالَ فِي الْمَثْقُوبَةِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا طَارِئَةٌ عَلَى الْحَائِطِ، وَالْكُوَى كَعَقْدِ الْبِنَاءِ تُوجِبُ الْمِلْكَ، وَكُوَى الضَّوْءِ الْمَنْفُوذَةُ لَا دَلِيلَ فِيهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا عَقْدٌ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ خُشُبٌ، وَلَوْ وَاحِدَةً فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا كُوًى غَيْرَ مَنْفُوذَةٍ أَوْجَبَتْ الْمِلْكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَخَصُّ الْقَصَبُ لِأَحَدِهِمَا، وَالْقَصَبُ وَالطُّوبُ سَوَاهُ قُلْت الْمُدْرَكُ فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى كُلِّهَا شَوَاهِدُ الْعَادَاتِ فَمَنْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ عَادَةٌ قَضَى بِهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعَوَائِدُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ وَجَبَ اخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ مَبْنِيٍّ عَلَى عَادَةٍ إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ تَغَيَّرَ كَالنُّقُودِ وَمَنَافِعِ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهِمَا (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا تَنَازَعَا حَائِطًا مُبَيَّضًا هَلْ هُوَ مُنْعَطِفٌ لِدَارِك أَوْ لِدَارِهِ فَأَمَرَ الْحَاكِمُ بِكَشْفِ الْبَيَاضِ لِيُنْظَرَ إنْ جُعِلَتْ الْأُجْرَةُ فِي الْكَشْفِ عَلَيْهِ فَمُشْكِلٌ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ يَكُونُ لِخَصْمِك، وَالْأُجْرَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يَقَعُ لَهُ الْعَمَلُ وَنَفْعُهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْ يُثْبِتُ لَهُ الْمِلْكَ لِأَنَّكُمَا جَزَمْتُمَا بِالْمِلْكِيَّةِ فَمَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ إلَّا جَازِمَةً. وَكَذَلِكَ الْقَائِفُ لَوْ امْتَنَعَ إلَّا بِأَجْرٍ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ الْحَاكِمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاسْتِجَارَةٍ، وَيَلْزَمُ الْأُجْرَةَ فِي الْأَخِيرِ لِمَنْ يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ كَمَا يَحْلِفُ فِي اللِّعَانِ، وَغَيْرِهِ، وَأَحَدُهُمَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِهِ] [ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى الشَّهَادَةُ قِسْمَانِ] (الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ اللَّفْظِ الَّذِي يَصِحُّ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ أَدَاؤُهَا بِهِ) وَهُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ مِنْ اشْتِرَاطِ أَلْفَاظٍ مُعَيَّنَةٍ فِي الْعُقُودِ وَغَيْرِهَا لَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ عَدَمِ اشْتِرَاطِ مُعَيَّنَاتِ الْأَلْفَاظِ لَا فِي الْعُقُودِ، وَلَا غَيْرِهَا، وَهُوَ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعُرْفَ لَمَّا وَضَعَ فِي الشَّهَادَةِ الْمُضَارِعَ لِلْإِخْبَارِ الْخَاصِّ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ فَصْلُ الْقَضَاءِ وَفِي الْعُقُودِ الْمَاضِي لِإِنْشَائِهَا وَفِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الْوَصْفَ أَعْنِي اسْمَيْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ لِإِنْشَائِهَا صَحَّ مِنْ الْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْمُضَارِعِ فِي الشَّهَادَةِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ غَيْرِ صَرِيحٍ فِيهَا عُرْفًا، وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّرِيحِ هُوَ الْأَصْلُ، وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِمَادُ عَلَى غَيْرِ الصَّرِيحِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْمُرَادِ مِنْهُ فَلَوْ اتَّفَقَ أَنَّ الْعَوَائِدَ تَغَيَّرَتْ، وَصَارَ الْمَاضِي مَوْضُوعًا فِي الشَّهَادَةِ لِلْإِخْبَارِ الْخَاصِّ الَّذِي يَقْصَدُ بِهِ فَصْلَ الْقَضَاءِ، وَالْمُضَارِعُ مَوْضُوعًا فِي الْعُقُودِ لِإِنْشَائِهَا جَازَ لِلْحَاكِمِ الِاعْتِمَادُ عَلَى مَا صَارَ مَوْضُوعًا فِي الْبَابَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَى الْعُرْفِ الْأَوَّلِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ نَاشِئٌ عَنْ الْعَوَائِدِ، وَتَابِعٌ لَهَا بِحَيْثُ يَنْقَلِبُ، وَيَنْفَسِخُ بِتَغَيُّرِهَا وَانْتِقَالِهَا فَلَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ خَفَاءٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ أَنْ تُؤَدَّى بِهِ الشَّهَادَةُ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ بِهِ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا صَحَّحَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ هُنَا، وَسَلَّمَهُ قُلْت لَكِنْ مِنْ حَيْثُ جَرَيَانُهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - كَانَ عَلَى الْأَصْلِ أَنْ يُبَدَّلَ هَذَا الْفَرْقُ بِقَوْلِهِ الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ مِنْ النَّفْيِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ إطْلَاقُ عَدَمِ قَبُولِ الشَّهَادَةِ عَلَى النَّفْيِ إلَّا أَنَّ فِي قَبُولِهَا، وَعَدَمِهِ تَفْصِيلًا يَحْصُلُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ، وَيَظْهَرُ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُمْ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَهُوَ أَنَّ النَّفْيَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) نَفْيٌ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالضَّرُورَةِ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ اتِّفَاقًا كَمَا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَرَسٌ، وَنَحْوُهُ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ بِذَلِكَ، وَلَيْسَ مَعَ الْقَطْعِ مَطْلَبٌ آخَرُ. (الْقِسْمُ الثَّانِي) نَفْيٌ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالظَّنِّ الْغَالِبِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَحْصِ فَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِهِ فِي صُوَرٍ مِنْهَا التَّفْلِيسُ، وَحَصْرُ الْوَرَثَةِ فَإِنَّ الْحَاصِلَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ الْغَالِبُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ عَقْلًا حُصُولُ الْمَالِ لِلْمُفْلِسِ، وَهُوَ يَكْتُمُهُ، وَحُصُولُ، وَارِثٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصَحِيحٍ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ. (وَمِنْهَا) قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمٌ آخِرُهُ وَاوٌ قَبْلَهَا ضَمَّةٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ قُلْت، وَمُرَادُهُمْ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أَصَالَةً لَيْسَ مَنْقُولًا مِنْ فِعْلٍ مُعْتَلٍ كَيَدْعُو، وَلَا مِنْ اسْمٍ عَجَمِيٍّ

стр. 859

كَاذِبٌ (الْحُجَّةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) الْيَدُ، وَهِيَ يُرَجَّحُ بِهَا، وَيَبْقَى الْمُدَّعِي بِهِ لِصَاحِبِهَا، وَلَا يُقْضَى لَهُ بِمِلْكٍ بَلْ يُرَجَّحُ التَّعَدِّي فَقَطْ، وَتُرَجَّحُ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْحِجَاجِ، وَهِيَ لِلتَّرْجِيحِ لَا لِلْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ فَهَذِهِ هِيَ الْحِجَجُ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الْحَاكِمُ، وَمَا عَدَاهَا لَا يَجُوزُ الْقَضَاءُ بِهِ فِي الْقَضَاءِ. (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا اُعْتُبِرَ مِنْ الْغَالِبِ وَبَيْنَ مَا أُلْغِيَ مِنْ الْغَالِبِ) : وَقَدْ يُعْتَبَرُ النَّادِرُ مَعَهُ، وَقَدْ يُلْغَيَانِ مَعًا اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْغَالِبِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى النَّادِرِ، وَهُوَ شَأْنُ الشَّرِيعَةِ كَمَا يُقَدَّمُ الْغَالِبُ فِي طَهَارَةِ الْمِيَاهِ وَعُقُودِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقْصِرُ فِي السَّفَرِ، وَيُفْطِرُ بِنَاءً عَلَى غَالِبِ الْحَالِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ، وَيَمْنَعُ شَهَادَةَ الْأَعْدَاءِ وَالْخُصُومِ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ الْحَيْفُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الشَّرِيعَةِ لَا يُحْصَى كَثْرَةً، وَقَدْ يُلْغِي الشَّرْعُ الْغَالِبَ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ، وَتَقْدِيمُهُ قِسْمَانِ قِسْمٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ النَّادِرُ، وَقِسْمٌ يُلْغَيَانِ فِيهِ مَعًا. وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْ كُلِّ قِسْمٍ مَثَلًا لِيَتَهَذَّبَ بِهَا الْفَقِيهُ، وَيَتَنَبَّهُ إلَى وُقُوعِهَا فِي الشَّرِيعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالْبَالِ، وَلَا سِيَّمَا تَقْدِيمُ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا أُلْغِيَ فِيهِ الْغَالِبُ، وَقُدِّمَ النَّادِرُ عَلَيْهِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَهُ دُونَهُ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ عِشْرِينَ مِثَالًا: (الْأَوَّلُ) غَالِبُ الْوَلَدِ أَنْ يُوضَعَ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا جَاءَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا دَارَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زِنًى وَهُوَ الْغَالِبُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَأَخَّرَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَهُوَ نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وُقُوعِ الزِّنَا فِي الْوُجُودِ أَلْغَى الشَّارِعُ الْغَالِبَ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ، وَهُوَ تَأَخُّرُ الْحَمْلِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ لِحُصُولِ السَّتْرِ عَلَيْهِمْ، وَصَوْنِ أَعْرَاضِهِمْ عَنْ الْهَتْكِ. (الثَّانِي) إذَا تَزَوَّجَتْ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءٍ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْغَالِبُ أَوْ مِنْ وَطْءٍ بَعْدَهُ، وَهُوَ النَّادِرُ فَإِنَّ غَالِبَ الْأَجِنَّةِ لَا تُوضَعُ إلَّا لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ فِي السِّتَّةِ سِقْطًا فِي الْغَالِبِ أَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ، وَجَعَلَهُ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ الْعَقْدِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ لِحُصُولِ السَّتْرِ عَلَيْهِمْ وَصَوْنِ أَعْرَاضِهِمْ. (الثَّالِثُ) نَدَبَ الشَّرْعُ النِّكَاحَ لِحُصُولِ الذُّرِّيَّةِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَوْلَادِ الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمَعَاصِي، وَعَلَى رَأْيِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ اللَّهَ تَعَالَى بِالْبُرْهَانِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ كَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ فِي الشَّامِلِ وَالْإسْفَرايِينِيّ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يُنْهَى مِنْ الذُّرِّيَّةِ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ فَأَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَاعْتَبَرَ حُكْمَ النَّادِرِ تَرْجِيحًا لِقَلِيلِ الْإِيمَانِ عَلَى كَثِيرِ الْكُفْرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] كمسمند ووقمدوا فَافْهَمْ (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) نَفْيٌ يَعْرَى عَمَّا ذُكِرَ مِنْ الضَّرُورَةِ وَالظَّنِّ الْغَالِبِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَحْصِ نَحْوُ أَنَّ زَيْدًا مَا وَفَّى الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ أَوْ مَا بَاعَ سِلْعَتَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ مَحْمَلُ مَا اشْتَهَرَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهُ نَفْيٌ غَيْرُ مُنْضَبِطٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي النَّفْيِ الْمُنْضَبِطِ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا غَالِبًا كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكَمَا فِي نَحْوِ أَنَّ زَيْدًا لَمْ يَقْتُلْ عَمْرًا أَمْسِ لِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ فِي الْبَيْتِ أَوْ إنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ لِأَنَّهُ رَآهُ فِي الْبَلَدِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ لِيَظْهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَهُمْ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْيِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَيَظْهَرُ لَك الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ مِنْ النَّفْيِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ مِنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ حَاصِلُ الشَّهَادَةِ بِاعْتِبَارِ قَصْدِ النَّفْيِ مِنْهَا أَوْ الْإِثْبَاتِ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا عَرَفْته مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا مُجَرَّدُ النَّفْيِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ. (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا مُجَرَّدُ الْإِثْبَاتِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ نَحْوُ أَشْهَدُ أَنَّهُ بَاعَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ يُونُسَ لَوْ شَهِدُوا بِالْأَرْضِ وَلَمْ يُحِدُّوهَا، وَشَهِدَ آخَرُونَ بِالْحُدُودِ دُونَ الْمِلْكِ قَالَ مَالِكٌ تَمَّتْ الشَّهَادَةُ، وَقَضَى بِهِمْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْمَجْمُوعِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ شَهِدُوا بِغَصْبِ الْأَرْضِ، وَلَمْ يُحِدُّوهَا قِيلَ لِلْمُدَّعِي حَدِّدْ مَا غُصِبَ مِنْك، وَاحْلِفْ عَلَيْهِ قَالَ مَالِكٌ، وَإِنْ شَهِدَتْ بِالْحَقِّ، وَقَالَتْ لَا نَعْرِفُ عَدَدَهُ قِيلَ لِلْمَطْلُوبِ قِرْ بِحَقٍّ، وَاحْلِفْ عَلَيْهِ فَتُعْطِيهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْك غَيْرُهُ فَإِنْ جَحَدَ قِيلَ لِلطَّالِبِ إنْ عَرَفْته احْلِفْ عَلَيْهِ وَخُذْهُ فَإِنْ قَالَ لَا أَعْرِفُهُ أَوْ أَعْرِفُهُ، وَلَا أَحْلِفُ عَلَيْهِ سُجِنَ الْمَطْلُوبُ حَتَّى يُقِرَّ بِشَيْءٍ، وَيَحْلِفُ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ أَخَذَ الْمُقِرُّ بِهِ، وَحَبَسَ حَتَّى يَحْلِفَ، وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي دَارٍ حِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَحْلِفَ، وَلَا يُحْبَسُ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي شَيْءٍ بِعَيْنِهِ قَالَ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى، وَعَنْ مَالِكٍ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِنِسْيَانِ الْعَدَدِ وَجَهْلِهِ لِأَنَّهُ نَقْصٌ فِي الشَّهَادَةِ قَالَ الْبَاجِيَّ نِسْيَانُ بَعْضِ الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ مِنْ أَدَاءِ ذَلِكَ الْبَعْضِ إلَّا فِي عَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ وَالْحَبْسِ وَالْإِقْرَارِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يَلْزَمُ الشَّاهِدُ حِفْظُهُ بَلْ مُرَاعَاةُ الشَّهَادَةِ فِي آخِرِهِ، وَكَذَلِكَ سِجِلَّاتُ الْحَاكِمِ لَا يَلْزَمُ حِفْظُهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ بِمَا عَلِمَ مِنْ تَقْيِيدِ الشَّهَادَةِ (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَهُوَ الْحَصْرُ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّصْرِيحِ بِهِمَا فِي الْعِبَارَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي التَّهْذِيبِ لَا يَكْفِي أَنَّهُ ابْنٌ لِلْمَيِّتِ حَتَّى يَقُولُوا فِي حَصْرِ الْوَرَثَةِ لَا نَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ هَذِهِ الدَّارُ لِأَبِيهِ أَوْ جَدِّهِ حَتَّى يَقُولُوا، وَلَا نَعْلَمُ خُرُوجَهَا عَنْ مِلْكِهِ إلَى الْمَوْتِ حَتَّى يُحْكَمَ بِالْمِلْكِ فِي الْحَالِ فَإِنْ قَالُوا هَذَا وَارِثٌ مَعَ وَرَثَةٍ آخَرِينَ أُعْطِيَ هَذَا نَصِيبَهُ، وَتُرِكَ الْبَاقِيَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ مُسْتَحِقُّهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ دَوَامُ يَدِهِ، وَلِأَنَّ الْغَائِبَ

стр. 860

وَالْمَعَاصِي تَعْظِيمًا لِحَسَنَاتِ الْخَلْقِ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ رَحْمَةً بِهِمْ. (الرَّابِعُ) طِينُ الْمَطَرِ الْوَاقِعُ فِي الطَّرَقَاتِ وَمَمَرِّ الدَّوَابِّ وَالْمَشْيِ بِالْأَمْدِسَةِ الَّتِي يُجْلَسُ بِهَا فِي الْمَرَاحِيضِ الْغَالِبُ عَلَيْهَا وُجُودُ النَّجَاسَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُشَاهِدُ عَيْنَهَا، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا مِنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً بِالْعِبَادِ فَيُصَلِّي بِهِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ. (الْخَامِسُ) النِّعَالُ الْغَالِبُ عَلَيْهَا مُصَادَفَةُ النَّجَاسَاتِ لَا سِيَّمَا نَعْلٌ مَشَى بِهَا سَنَةً، وَجَلَسَ بِهَا فِي مَوَاضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ سَنَةً، وَنَحْوَهَا فَالْغَالِبُ النَّجَاسَةُ وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا مِنْ النَّجَاسَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ فَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ قَلْعَ النِّعَالِ فِي الصَّلَاةِ بِدْعَةٌ كُلُّ ذَلِكَ رَحْمَةٌ وَتَوْسِعَةٌ عَلَى الْعِبَادِ. (السَّادِسُ) الْغَالِبُ عَلَى ثِيَابِ الصِّبْيَانِ النَّجَاسَةُ لَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ لُبْسِهِمْ لَهَا، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِصَلَاتِهِ ﵇ بِأُمَامَةَ يَحْمِلُهَا فِي الصَّلَاةِ إلْغَاءً لِحُكْمِ الْغَالِبِ وَإِثْبَاتًا لِحُكْمِ النَّادِرِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ. (السَّابِعُ) ثِيَابُ الْكُفَّارِ الَّتِي يَنْسِجُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ مَعَ عَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَالْغَالِبُ نَجَاسَةُ أَيْدِيهِمْ لِمَا يُبَاشِرُونَهُ عِنْدَ قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَمُبَاشَرَتِهِمْ الْخُمُورَ وَالْخَنَازِيرَ، وَلُحُومَ الْمَيْتَاتِ، وَجَمِيعُ أَوَانِيهِمْ نَجِسَةٌ بِمُلَابَسَةِ ذَلِكَ، وَيُبَاشِرُونَ النَّسْجَ وَالْعَمَلَ مَعَ بِلَّةِ أَيْدِيهِمْ، وَعَرَقِهَا حَالَةَ الْعَمَلِ، وَيَبُلُّونَ تِلْكَ الْأَمْتِعَةَ بِالنَّشَا وَغَيْرِهِ مِمَّا يُقَوِّي لَهُمْ الْخُيُوطَ وَيُعِينُهُمْ عَلَى النَّسْجِ فَالْغَالِبُ نَجَاسَةُ هَذَا الْقُمَاشِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَقَالَ مَا أَدْرَكْت أَحَدًا يَتَحَرَّزُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا فَأَثْبَتَ الشَّارِعُ حُكْمَ النَّادِرِ، وَأَلْغَى حُكْمَ الْغَالِبِ، وَجَوَّزَ لُبْسَهُ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ. (الثَّامِنُ) مَا يَصْنَعُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ فِي أَوَانِيهِمْ، وَبِأَيْدِيهِمْ الْغَالِبُ نَجَاسَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالنَّادِرُ طَهَارَتُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَثْبَتَ الشَّرْعُ حُكْمَ النَّادِرِ، وَأَلْغَى حُكْمَ الْغَالِبِ، وَجَوَّزَ أَكْلَهُ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ. (التَّاسِعُ) مَا يَصْنَعُهُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ، وَلَا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، وَلَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْ النَّجَاسَاتِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ الْغَالِبُ نَجَاسَتُهَا، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا فَأَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ، وَجَوَّزَ أَكْلَهَا تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً عَلَى الْعِبَادِ. (الْعَاشِرُ) مَا يَنْسِجُهُ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ، وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ حُكْمَ النَّادِرِ، وَأَلْغَى حُكْمَ الْغَالِبِ، وَجَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ (الْحَادِيَ عَشَرَ) مَا يَصْبُغُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ الْغَالِبُ نَجَاسَتُهُ، وَهُوَ أَشَدُّ مِمَّا يَنْسِجُونَهُ لِكَثْرَةِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] قَدْ يُقِرُّ لَهُ بِهَا قَالَ سَحْنُونٌ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُ غَيْرَ هَذَا، وَعَنْ مَالِكٍ يُنْزَعُ مِنْ الْمَطْلُوبِ، وَيُوقَفُ لِتَيَقُّنِهَا أَنَّهَا لِغَيْرِهِ فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْرِفُ عَدَدَ الْوَرَثَةِ لَمْ يَقْضِ لِهَذَا بِشَيْءٍ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهِ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى تَسْمِيَةِ الْوَرَثَةِ، وَتَبْقَى الدَّارُ بِيَدِ صَاحِبِ الْيَدِ حَتَّى يَثْبُتَ عَدَدُ الْوَرَثَةِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ لِنَقْضِ الْقِسْمَةِ وَتَشْوِيشِ الْأَحْكَامِ ثُمَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْجَزْمِ بِالنَّفْيِ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ لَا نَقْبَلُ شَهَادَةَ مَنْ يَقُولُ فُلَانٌ وَارِثٌ، وَهَذَا الْعَبْدُ لَهُ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَلَا يَدْرِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ جَزَمَ بِالنَّفْيِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ نَعَمْ قَالَ مَالِكٌ يَكْفِي أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ لَهُ وَارِثًا غَيْرَهُ، وَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَ، وَلَا وَهَبَ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَجُوزُ إلَّا الْجَزْمُ بِأَنْ يَقُولَ مَا بَاعَ، وَلَا وَهَبَ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِغَيْرِ الْجَزْمِ لَا تَجُوزُ قَالَ وَقَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَظْهَرُ. وَفِي الْجَوَاهِرِ لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ لَمْ يُسْمَعْ حَتَّى يَقُولَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِي، وَلَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالْأَمْسِ ثَبَتَ الْإِقْرَارُ، وَاسْتُصْحِبَ مُوجِبُهُ، وَلَوْ قَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَانَ مِلْكُهُ بِالْأَمْسِ نَزَعَ مِنْ يَدِهِ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ تَحْقِيقٍ فَيُسْتَصْحَبُ كَمَا لَوْ قَالَ الشَّاهِدُ هُوَ مِلْكُهُ بِالْأَمْسِ بِشِرَاءٍ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَوْ شَهِدُوا أَنَّهُ كَانَ بِيَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ لَمْ يُفْدِ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ مَلَكَهُ، وَلَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ غَصَبَهُ جَعَلَ الْمُدَّعِيَ صَاحِبَ الْيَدِ، وَلَوْ اُدُّعِيَتْ مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدَتْ بِالْمِلْكِ وَالسَّبَبِ لَمْ يَضُرَّ لِعَدَمِ الْمُنَافَاةِ هَذَا تَهْذِيبُ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ فِي الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَمَا قَالَهُ فِيهَا صَحِيحٌ أَوْ نَقْلٌ لَا كَلَامَ فِيهِ اهـ. قُلْت: وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِاعْتِبَارِ مَا يَكْفِي مِنْهَا فِي الْمَشْهُورِ فَلِابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَخَلِيلٍ أَنَّهَا أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، وَسَمُّوهَا مَرَاتِبُ عَدْلَانِ عَدْلٌ، وَامْرَأَتَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا مَعَ الْيَمِينِ امْرَأَتَانِ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا تُوجِبُهُ فَلِلْجَزِيرِيِّ فِي وَثَائِقِهِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عَاصِمٍ فِي نَظْمِهِ أَنَّهَا بِالِاسْتِقْرَاءِ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ قَالَ فِي الْعَاصِمِيَّةِ: تَخْتَصُّ أُولَاهَا عَلَى التَّعْيِينِ ... أَنْ تُوجِبَ الْحَقَّ بِلَا يَمِينِ وَالثَّانِي قَالَ فِي الْعَاصِمِيَّةِ: ثَانِيَةٌ تُوجِبُ حَقًّا مَعَ قَسَمْ ... فِي الْمَالِ أَوْ مَا آلَ لِلْمَالِ تُؤَمْ وَالثَّالِثُ قَالَ فِيهَا: ثَالِثَةٌ لَا تُوجِبُ الْحَقَّ نَعَمْ ... تُوجِبُ تَوْقِيفًا بِهِ حُكْمُ الْحَكَمْ وَالرَّابِعُ قَالَ فِيهَا: رَابِعَةٌ مَا تَلْزَمُ الْيَمِينَا ... لَا الْحَقَّ لَكِنْ لِلْمُطَالِبِينَا ، وَالْخَامِسُ قَالَ فِيهَا: خَامِسَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَمَلُ ... وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي لَا تَقْبَلُ

стр. 861

الرُّطُوبَاتِ النَّاقِلَةِ لِلنَّجَاسَةِ، وَأَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ رِفْقًا بِالْعِبَادِ فَجَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهَا. (الثَّانِي عَشَرَ) مَا يَصْنَعُهُ الْعَوَامُّ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْ النَّجَاسَاتِ الْغَالِبِ نَجَاسَتُهُ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُ فَجَوَّزَ الشَّرْعُ الصَّلَاةَ فِيهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ تَوْسِعَةً وَلُطْفًا بِالْعِبَادِ (الثَّالِثَ عَشَرَ) مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ، وَيُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُعْلَمُ لَابِسُهُ كَافِرٌ أَوْ مُسْلِمٌ يُحْتَاطُ وَيُتَحَرَّزُ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْبِلَادِ الْعَوَامُّ وَالْفَسَقَةُ وَتُرَّاكُ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَمَنْ لَا يَتَحَرَّزُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فَالْغَالِبُ نَجَاسَةُ هَذَا الْمَلْبُوسِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُ فَأَثْبَتَ الشَّارِعُ حُكْمَ النَّادِرِ، وَأَلْغَى حُكْمَ الْغَالِبِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ. (الرَّابِعَ عَشَرَ) الْحُصْرُ وَالْبُسُطُ الَّتِي قَدْ اسْوَدَّتْ مِنْ طُولِ مَا قَدْ لُبِسَتْ يَمْشِي عَلَيْهَا الْحُفَاةُ وَالصِّبْيَانُ، وَمَنْ يُصَلِّي، وَمَنْ لَا يُصَلِّي الْغَالِبُ مُصَادَفَتُهَا لِلنَّجَاسَةِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَلَّى عَلَى حَصِيرٍ قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ بَعْدَ أَنْ نَضَحَهُ بِمَاءٍ، وَالنَّضْحُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بَلْ يَنْشُرُهَا فَقَدَّمَ الشَّرْعُ حُكْمَ النَّادِرِ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ. (الْخَامِسَ عَشَرَ) الْحُفَاةُ الْغَالِبُ مُصَادَفَتُهُمْ النَّجَاسَةَ، وَلَوْ فِي الطَّرَقَاتِ وَمَوَاضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ جَوَّزَ الشَّرْعُ صَلَاةَ الْحَافِي كَمَا جَوَّزَ لَهُ الصَّلَاةَ بِنَعْلِهِ مِنْ غَيْرِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَمْشِي حَافِيًا، وَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَعْلِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَفَاءَ أَخَفُّ مِنْ تَحَمُّلِ النَّجَاسَةِ مِنْ النِّعَالِ فَقَدَّمَ الشَّارِعُ حُكْمَ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ (السَّادِسَ عَشَرَ) دَعْوَى الصَّالِحِ الْوَلِيِّ التَّقِيِّ عَلَى الْفَاجِرِ الشَّقِيِّ الْغَاصِبِ الظَّالِمِ دِرْهَمًا الْغَالِبُ صِدْقُهُ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدَّمَ الشَّرْعُ حُكْمَ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ، وَجَعَلَ الشَّرْعُ الْقَوْلَ قَوْلُ الْفَاجِرِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ بِإِسْقَاطِ الدَّعَاوَى عَنْهُمْ، وَانْدِرَاجُ الصَّالِحِ مَعَ غَيْرِهِ سَدًّا لِبَابِ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ. (السَّابِعَ عَشَرَ) عَقْدُ الْجِزْيَةِ لِتَوَقُّعِ إسْلَامِ بَعْضِهِمْ، وَهُوَ نَادِرٌ، وَالْغَالِبُ اسْتِمْرَارُهُمْ عَلَى الْكُفْرِ وَمَوْتُهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِمْرَارِ فَأَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ فِي عَدَمِ تَعْجِيلِ الْقَتْلِ وَحَسْمِ مَادَّةِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ. (الثَّامِنَ عَشَرُ) الِاشْتِغَالُ بِالْعِلْمِ مَأْمُورٌ بِهِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ الرِّيَاءُ، وَعَدَمُ الْإِخْلَاصِ، وَالنَّادِرُ الْإِخْلَاصُ، وَمُقْتَضَى الْغَالِبِ النَّهْيُ عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ لِلرِّيَاءِ، وَوَسِيلَةُ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ فَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّارِعُ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] اُنْظُرْ الْعَاصِمِيَّةَ وَشُرَّاحَهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ شَهَادَةُ مَنْ يَقُولُ فُلَانٌ وَارِثٌ أَوْ هَذَا الْعَبْدُ لَهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا يَدْرِي ذَلِكَ] (الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ بَيْنَ الْبَيِّنَاتِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ) وَهُوَ أَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ ضَابِطِ قَاعِدَةِ تَرْجِيحِ الْبَيِّنَاتِ لَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَمَا كَانَ دَاخِلًا تَحْتَ ذَلِكَ الضَّابِطِ يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ، وَضَابِطُ قَاعِدَةِ تَرْجِيحِ الْبَيِّنَاتِ أَنَّهُ كُلُّ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ مِنْ الْبَيِّنَاتِ أَحَدُ ثَمَانِيَةِ أَوْجُهٍ ثَبَتَ تَرْجِيحُهُ عِنْدَ تَعَارُضِهَا (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) زِيَادَةُ الْعَدَالَةِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ وَإِنْ مَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃ التَّرْجِيحَ بِهَا مُحْتَجِّينَ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) أَنَّ الشَّهَادَةَ مُقَدَّرَةٌ فِي الشَّرْعِ فَلَا تَخْتَلِفُ بِالزِّيَادَةِ كَالدِّيَةِ لَا تَخْتَلِفُ بِزِيَادَةِ الْمَأْخُوذِ فِيهِ فَدِيَةُ الصَّغِيرِ الْحَقِيرِ كَدِيَةِ الْكَبِيرِ الشَّرِيفِ الْعَالِمِ الْعَظِيمِ. (وَالثَّانِي) أَنَّ الْجَمْعَ الْعَظِيمَ مِنْ الْفَسَقَةِ يَحْصُلُ الظَّنُّ أَكْثَرُ مِنْ الشَّاهِدَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَعُلِمَ أَنَّهَا تَعَبُّدٌ لَا يَدْخُلُهَا الِاجْتِهَادُ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إذَا كَثُرُوا، وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَتْ زِيَادَةُ الْعَدَالَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ لَاعْتُبِرَتْ زِيَادَةُ الْعَدَدِ، وَهِيَ بَيِّنَاتٌ مُعْتَبَرَةٌ إجْمَاعًا فَيَكُونُ اعْتِبَارُهَا أَوْلَى مِنْ الصِّفَةِ، وَالْعَدَدُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَالصِّفَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، وَذَلِكَ لِأَنَّ لَنَا وَجْهَيْنِ (الْأَوَّلُ) أَنَّ الْبَيِّنَةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ لَمَّا تُثِيرُهُ مِنْ الظَّنِّ، وَالظَّنُّ فِي الْأَعْدَلِ أَقْوَى لِأَنَّ مُقِيمَ الْأَعْدَلِ أَقْرَبُ لِلصِّدْقِ فَيَكُونُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أُمِرْتُ أَنْ أَحْكُمَ بِالظَّاهِرِ» فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ كَأَخْبَارِ الْآحَادِ إذَا رَجَّحَ أَحَدُهُمَا. (وَالثَّانِي) أَنَّ الِاحْتِيَاطَ مَطْلُوبٌ فِي الشَّهَادَةِ أَكْثَرُ مِنْ الرِّوَايَةِ دُونَ الشَّهَادَةِ فَإِذَا كَانَ الِاحْتِيَاطُ مَطْلُوبًا أَكْثَرُ فِي الشَّهَادَةِ وَجَبَ أَنْ لَا يَعْدِلَ عَنْ الْأَعْدَلِ، وَالظَّنُّ أَقْوَى فِيهَا قِيَاسًا عَلَى الْخَبَرِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَالْمُدْرَكُ فِي هَذَا الْوَجْهِ الِاحْتِيَاطِ، وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْجَامِعِ إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْجَوَامِعُ فِي الْقِيَاسَاتِ تَعَدَّدَتْ، وَأَمَّا الْوُجُوهُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ وَصْفَ الْعَدَالَةِ مَطْلُوبٌ فِي الشَّهَادَةِ، وَهُوَ مَوْكُولٌ إلَى اجْتِهَادِنَا، وَهُوَ يَتَزَايَدُ فِي نَفْسِهِ فَمَا رَجَّحْنَا فِي مَوْطِنِ تَقْدِيرٍ، وَإِنَّمَا رَجَّحْنَا فِي مَوْطِنِ اجْتِهَادٍ. (وَعَنْ الثَّانِي) إنَّا لَا نَدَّعِي أَنَّ الظَّنَّ يُعْتَبَرُ كَيْفَ كَانَ بَلْ نَدَّعِي أَنَّ مَزِيدَ الظَّنِّ مُعْتَبَرٌ فِي التَّرْجِيحِ بَعْدَ حُصُولِ أَصْلٍ مُعْتَبَرٍ أَلَا تَرَى أَنَّ قَرَائِنَ الْأَحْوَالِ لَا تَثْبُتُ بِهَا الْأَحْكَامُ وَالْفَتَاوَى، وَإِنْ حَصَلَتْ ظَنًّا أَكْثَرَ مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْأَقْيِسَةِ وَأَخْبَارِ الْآحَادِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَجْعَلْهَا مُدْرَكًا لِلْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَأَنَّ الْأَخْبَارَ وَالْأَقْيِسَةَ لَمَّا جُعِلَتْ مُدْرَكًا لِلْفُتْيَا دَخَلَهَا

стр. 862

النَّادِرِ (التَّاسِعَ عَشَرَ) الْمُتَدَاعِيَانِ أَحَدُهُمَا كَاذِبٌ قَطْعًا، وَالْغَالِبُ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَعْلَمُ بِكَذِبِهِ، وَالنَّادِرُ أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَتْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُبْهَةٌ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ يَكُونُ تَحْلِيفُهُ سَعْيًا فِي وُقُوعِ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَيَكُونُ حَرَامًا غَايَتُهُ أَنَّهُ يُعَارِضُهُ أَخْذُ الْحَقِّ، وَإِلْجَاؤُهُ إلَيْهِ، وَذَلِكَ إمَّا مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُحَرَّمُ، وَالْوَاجِبُ قُدِّمَ الْمُحَرَّمُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ عَلَى تَخْلِيصِ حُقُوقِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي اللِّعَانِ الْغَالِبِ أَنَّ أَحَدَهُمَا كَاذِبٌ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ يُشْرَعُ اللِّعَانُ. (الْعِشْرُونَ) غَالِبُ الْمَوْتِ فِي الشَّبَابِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلِذَلِكَ الشُّيُوخُ أَقَلُّ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الشُّبَّانُ يَعِيشُونَ لَصَارُوا شُيُوخًا فَتَكْثُرُ الشُّيُوخُ فَلَمَّا كَانَ الشُّيُوخُ فِي الْوُجُودِ أَقَلَّ كَانَ مَوْتُ الْإِنْسَانِ شَابًّا أَكْثَرَ، وَحَيَاتُهُ لِلشَّيْخُوخَةِ نَادِرًا، وَمَعَ ذَلِكَ شَرَعَ صَاحِبُ الشَّرْعِ التَّعْمِيرَ فِي الْغَائِبِينَ إلَى سَبْعِينَ سَنَةً إلْغَاءً لِحُكْمِ الْغَالِبِ وَإِثْبَاتًا لِحُكْمِ النَّادِرِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ فِي إبْقَاءِ مَصَالِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَنَظَائِرُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَمَّلَ وَتَعْلَمَ فَقَدْ غَفَلَ عَنْهَا قَوْمٌ فِي الطِّهَارَاتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ الْوَسْوَاسُ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى قَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَهِيَ الْحُكْمُ بِالْغَالِبِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ وَالْأَوَانِي وَالْكُتُبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلَابِسُونَهُ النَّجَاسَةُ فَيَغْسِلُونَ ثِيَابَهُمْ، وَأَنْفُسَهُمْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ، وَهُوَ غَالِبٌ كَمَا قَالُوا، وَلَكِنَّهُ قَدَّمَ النَّادِرَ الْمُوَافِقَ لِلْأَصْلِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فِي النَّفْسِ، وَظَنُّهُ مَعْدُومُ النِّسْبَةِ لِلظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْ الْغَالِبِ لَكِنْ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ أَنْ يَضَعَ فِي شَرْعِهِ مَا شَاءَ، وَيَسْتَثْنِي مِنْ قَوَاعِدِهِ مَا شَاءَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَصَالِح عِبَادِهِ فَيَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ إثْبَاتَ حُكْمِ الْغَالِبِ دُونَ النَّادِرِ أَنْ يَنْظُرَ هَلْ ذَلِكَ الْغَالِبُ مِمَّا أَلْغَاهُ الشَّرْعُ أَمْ لَا، وَحِينَئِذٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مُطْلَقُ الْغَالِبِ كَيْفَ كَانَ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ. (تَنْبِيهٌ) لَيْسَ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ، وَعَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مِنْهُ لِغَلَبَةِ الْمَجَازِ عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ حَتَّى قَالَ ابْنُ جِنِّي كَلَامُ الْعَرَبِ كُلُّهُ مَجَازٌ، وَغَلَبَةُ الْخُصُوصَاتِ عَلَى الْعُمُومَاتِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا، وَقَدْ خُصَّ إلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَإِذَا غَلَبَ الْمَجَازُ وَالتَّخْصِيصُ فَيَنْبَغِي إذَا ظَفِرْنَا بِلَفْظٍ ابْتِدَاءً أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى مَجَازِهِ تَغْلِيبًا لِلْغَالِبِ عَلَى النَّادِرِ، وَلَا نَحْمِلْهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ النَّادِرُ، وَنَحْمِلُ الْعُمُومَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] التَّرْجِيحُ فَكَذَا هُنَا أَصْلُ الْبَيِّنَةِ مُعْتَبَرٌ بَعْدَ الْعَدَالَةِ وَالشُّرُوطِ الْمَخْصُوصَةِ فَاعْتُبِرَ فِيهَا التَّرْجِيحُ. (وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعَدَدِ يُفَارِقُ التَّرْجِيحَ بِالْأَعْدَلِيَّةِ مِنْ جِهَتَيْنِ: (الْأُولَى) أَنَّ التَّرْجِيحَ بِالْعَدَدِ يُفْضِي إلَى كَثْرَةِ النِّزَاعِ وَطُولِ الْخُصُومَاتِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ إذَا تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا بِمَزِيدِ عَدَدٍ سَعَى الْآخَرُ فِي زِيَادَةِ عَدَدِ بَيِّنَتِهِ فَتَطُولُ الْخُصُومَةُ، وَتُعَطَّلُ الْأَحْكَامُ، وَلَيْسَ الْأَعْدَلِيَّةُ كَذَلِكَ إذْ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِ أَنْ يَجْعَلَ بَيِّنَتَهُ أَعْدَلَ فَلَا يَطُولُ النِّزَاعُ. (وَالثَّانِيَةُ) أَنَّ الْعَدَدَ يَمْتَنِعُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ وَصْفِ الْعَدَالَةِ فَإِنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ فَعُدُولُ زَمَانِنَا لَمْ يَكُونُوا مَقْبُولِينَ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلَى أَنَّا نَلْتَزِمُ التَّرْجِيحَ بِالْعَدَدِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا (الْوَجْهُ الثَّانِي) قُوَّةُ الْحُجَّةِ كَالشَّاهِدَيْنِ يُقَدَّمَانِ عَلَى الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) الْيَدُ عِنْدَ التَّعَادُلِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ الْأَصْلُ فَعِنْدَنَا يُقَدَّمُ صَاحِبُ الْيَدِ عِنْدَ التَّسَاوِي أَوْ هُوَ مَعَ الْبَيِّنَةِ الْأَعْدَلِ كَانَتْ الدَّعْوَى أَوْ الشَّهَادَةُ بِمُطْلَقِ الْمِلْكِ أَوْ مُضَافًا إلَى سَبَبٍ نَحْوَ هُوَ مِلْكِي نَسَجَتْهُ أَوْ وَلَدَتْهُ الدَّابَّةُ عِنْدِي فِي مِلْكِي كَانَ السَّبَبُ الْمُضَافُ إلَيْهِ الْمِلْكُ يَتَكَرَّرُ كَنَسْجِ الْخَزِّ، وَغَرْسِ النَّخْلِ أَوْ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْوِلَادَةِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ الْخَارِجُ أَوْلَى، وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ أَصْلًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ إنْ ادَّعَى مُطْلَقَ الْمِلْكِ فَإِنْ كَانَ إلَى سَبَبٍ يَتَكَرَّرُ فَادَّعَاهُ كِلَاهُمَا فَكَذَلِكَ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَوْ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْوِلَادَةِ وَادَّعَيَاهُ، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِهِ فَقَالَتْ كُلُّ بَيِّنَةٍ وُلِدَ عَلَى مِلْكِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْيَدِ. لَنَا عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ مَا رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تَحَاكَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ فِي دَابَّةٍ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا لَهُ فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصَاحِبِ الْيَدِ» ، وَلِأَنَّ الْيَدَ مُرَجَّحَةٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا، وَلَنَا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ وَجْهَانِ الْأَوَّلُ مَا تَقَدَّمَ، وَالثَّانِي الْقِيَاسُ عَلَى الْمُضَافِ إلَى سَبَبٍ لَا يَتَكَرَّرُ، وَاحْتَجُّوا بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ ﵊ الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، وَهُوَ يَقْتَضِي صِنْفَيْنِ مُدَّعِيًا، وَالْبَيِّنَةُ حُجَّتُهُ وَمُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ حُجَّتُهُ فَبَيِّنَتُهُ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فَلَا تُسْمَعُ كَمَا أَنَّ الْيَمِينَ فِي الْجِهَةِ الْأُخْرَى لَا تُفِيدُ شَيْئًا، وَجَوَابُهُ الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ جَعَلَ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ بِهِ فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا بَيِّنَةُ ذِي الْيَدِ لِأَنَّهَا هِيَ الَّتِي عَلَيْهِ سَلَّمْنَا عَدَمَ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ لَكِنَّ الْمُدَّعِيَ إنْ فُسِّرَ بِالطَّالِبِ فَصَاحِبُ الْيَدِ طَالِبٌ لِنَفْسِهِ مَا طَلَبَهُ الْآخَرُ

стр. 863

ابْتِدَاءً عَلَى التَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ، وَلَا نَحْمِلُهُ عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّهُ نَادِرٌ فَحَيْثُ عَكَسْنَا كَانَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا لِلنَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ (وَالْجَوَابُ) عَنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَسَبَبُهُ أَنَّ شَرْطَ الْفَرْدِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ بَيَانُهُ بِالْمِثَالِ أَنَّ الشُّقَّةَ إذَا جَاءَتْ مِنْ الْقَصَّارِ جَازَ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً، وَهُوَ الْغَالِبُ أَوْ نَجِسَةً، وَهُوَ النَّادِرُ أَنْ يُصِيبَهَا بَوْلُ فَأْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِنَّا نَحْكُمُ بِطَهَارَتِهَا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّ حُكْمَنَا بِطَهَارَةِ الثِّيَابِ الْمَقْصُورَةِ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الْقِصَارَةِ، وَهَذَا الثَّوْبُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ خَرَجَ مِنْ الْقِصَارَةِ فَكَانَ مِنْ جِنْسِ الْغَالِبِ الَّذِي قَضَيْنَا بِطَهَارَتِهِ فَيُلْحَقُ بِهِ أَمَّا لَوْ كُنَّا لَا نَقْضِي بِطَهَارَةِ الثِّيَابِ الْمَقْصُورَةِ لِكَوْنِهَا خَرَجَتْ مِنْ الْقِصَارَةِ بَلْ لِأَنَّهَا تُغْسَلُ بَعْد ذَلِكَ، وَهَذَا الثَّوْبُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ لَمْ يُغْسَلْ فَإِنَّا هُنَا لَا نَقْضِي بِطَهَارَتِهِ لِأَجْلِ عَدَمِ الْغُسْلِ بَعْدَ الْقِصَارَةِ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْغَالِبِ الَّذِي قَضَيْنَا بِطَهَارَتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ مَغْسُولٌ بَعْدَ الْقِصَارَةِ، وَهَذَا الثَّوْبُ غَيْرُ مَغْسُولٍ كَذَلِكَ فِي الْأَلْفَاظِ فَإِذَا لَمْ نَقْضِ عَلَى لَفْظٍ بِأَنَّهُ مَجَازٌ أَوْ مَخْصُوصٌ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَفْظًا بَلْ لِأَجْلِ اقْتِرَانِهِ بِالْقَرِينَةِ الصَّادِرَةِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ، وَاقْتِرَانُ الْمُخَصِّصِ الصَّارِفِ عَنْ الْعُمُومِ لِلتَّخْصِيصِ، وَهَذَا اللَّفْظُ الْوَارِدُ ابْتِدَاءً الَّذِي حَمَلْنَاهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ، وَالْعُمُومُ دُونَ الْخُصُوصِ لَيْسَ مَعَهُ صَارِفٌ مِنْ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنْ الْحَقِيقَةِ، وَلَا مُخَصِّصٌ صَارِفٌ عَنْ الْعُمُومِ فَهُوَ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ ذَلِكَ الْغَالِبِ فَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْ التَّخْصِيصِ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى غَيْرِ غَالِبٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَفْظٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَفْظٌ حُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ، وَلَا عَلَى الْخُصُوصِ أَلْبَتَّةَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ غَالِبًا بَلْ هَذَا اللَّفْظُ قَاعِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَيْسَ فِيهَا غَالِبٌ، وَنَادِرٌ بَلْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ مُطْلَقًا، وَالْعُمُومُ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ شَرْطٌ خَفِيٌّ فِي حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى غَالِبِهِ دُونَ نَادِرِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ بِالْمِثَالِ فَظَهَرَ أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ ابْتِدَاءً، وَالْعُمُومُ دُونَ الْخُصُوصِ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ عَلَى النَّادِرِ دُونَ الْغَالِبِ، وَلَقَدْ أَوْرَدْت هَذَا السُّؤَالَ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَلَمْ يَحْصُلْ عَنْهُ جَوَابٌ، وَهُوَ سُؤَالٌ حَسَنٌ، وَجَوَابُهُ حَسَنٌ جِدًّا. (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا أَلْغَى الشَّارِعُ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] لِنَفْسِهِ فَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِ، وَإِنْ فُسِّرَ بِأَضْعَفِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا فَالْخَارِجُ لَمَّا أَقَامَ بَيِّنَةً صَارَ الدَّاخِلُ أَضْعَفَ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُدَّعِيًا تُشْرَعُ الْبَيِّنَةُ فِي حَقِّهِ سَلَّمْنَا دَلَالَتُهُ أَيْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ عَلَى أَنَّ بَيِّنَةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] وَالْعَدْلُ التَّسْوِيَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَقُومَ الْمُخَصَّصُ فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، وَبِقَوْلِهِ ﵊ لِعَلِيٍّ ﵁ لَا تَقْضِ لِأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنْ الْآخَرِ، وَهُوَ يُفِيدُ وُجُوبَ الِاسْتِمَاعِ مِنْهُمَا، وَأَنَّ مَنْ قَوِيَتْ حُجَّتُهُ حَكَمَ بِهَا، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ. (الثَّانِي) أَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمَّا تَعَارَضَتَا فِي سَبَبٍ لَا يَتَكَرَّرُ كَالْوِلَادَةِ شَهِدَتْ هَذِهِ بِالْوِلَادَةِ، وَالْأُخْرَى بِالْوِلَادَةِ تَعَيَّنَ كَذِبُهُمَا فَسَقَطَتَا فَبَقِيَتْ الْيَدُ فَلَمْ يَحْكُمْ لَهُ بِالْبَيِّنَةِ فَأَمَّا مَا يَتَكَرَّرُ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ الْكَذِبُ فَلَمْ تُفِدْ بِبَيِّنَتِهِ إلَّا مَا أَفَادَتْهُ يَدُهُ فَسَقَطَتْ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ يَنْتَقِضُ بِمَا إذَا تَعَارَضَتَا فِي دَعْوَى طَعَامٍ ادَّعَيَا زِرَاعَتَهُ، وَشَهِدَا بِذَلِكَ، وَالزَّرْعُ لَا يُزْرَعُ مَرَّتَيْنِ كَالْوِلَادَةِ، وَلَمْ يَحْكُمُوا بِهِ لِصَاحِبِ الْيَدِ، وَبِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ فِي الْحَالِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حُكِمَ بِالْيَدِ دُونَ الْبَيِّنَةِ لَمَا حُكِمَ لَهُ إلَّا بِالْيَمِينِ لِأَنَّهُ لَمَّا حَكَمَ لَهُ حَيْثُ كَذَبَتْ بَيِّنَتُهُ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُحْكَمَ لَهُ إذَا لَمْ تَكْذِبْ بَيِّنَتُهُ، وَلِأَنَّ الْيَدَ أَضْعَفُ مِنْ الْبَيِّنَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْيَدَ لَا يُقْضَى بِهَا إلَّا بِالْيَمِينِ، وَالْبَيِّنَةَ يُقْضَى بِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَلَوْ أَقَامَ الْخَارِجُ بَيِّنَةً قُدِّمَتْ عَلَى يَدِ الدَّاخِلِ إجْمَاعًا فَعَلِمْنَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُفِيدُ مَا لَا تُفِيدُهُ الْيَدُ (وَالثَّالِثُ) أَنَّ صَاحِبَ الْيَدِ إذَا لَمْ يُقِمْ الطَّالِبُ بَيِّنَةً لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَإِذَا لَمْ تُسْمَعْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهِيَ أَحْسَنُ حَالَتَيْهِ فَكَيْفَ إذَا أَقَامَ الطَّالِبُ بَيِّنَتَهُ، وَهُوَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَضْعَفُ فَعَدَمُ سَمَاعِهَا حِينَئِذٍ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَجَوَابُهُ) أَنَّهُ إنَّمَا تُسْمَعُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عِنْدَ عَدَمِ بَيِّنَةِ الْخَارِجِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ قَوِيٌّ بِالْيَدِ، وَالْبَيِّنَةُ إنَّمَا تُسْمَعُ مِنْ الضَّعِيفِ فَوَجَبَ سَمَاعُهَا لِلضَّعْفِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ إلَّا عِنْدَ إقَامَةِ الْخَارِجِ بَيِّنَتَهُ. (وَالرَّابِعُ) أَنَّا إنَّمَا أَعْلَمْنَا بَيِّنَتَهُ فِي صُورَةِ النِّتَاجِ لِأَنَّ دَعْوَاهُ أَفَادَتْ الْوِلَادَةَ، وَلَمْ تُفِدْهَا يَدُهُ، وَشَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ فَأَفَادَتْ الْبَيِّنَةُ غَيْرَ مَا أَفَادَتْ الْيَدُ فَقُبِلَتْ. (وَجَوَابُهُ) أَنَّ الدَّعْوَى، وَالْيَدَ لَا يُفِيدَانِ مُطْلَقًا شَيْئًا، وَإِلَّا لَكَانَ مَعَ الْمُدَّعِي حُجَجُ الْيَدِ وَالدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ يُخَيِّرُهُ الْحَاكِمُ بَيْنَهَا أَيُّهَا شَاءَ أَقَامَ كَمَنْ شَهِدَ لَهُ شَاهِدَانِ وَشَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ خُيِّرَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْيَمِينِ مَعَ إحْدَاهُمَا فَعَلِمَ أَنَّ الْمُفِيدَ إنَّمَا هُوَ الْبَيِّنَةُ، وَالْيَدُ لَا تُفِيدُ مِلْكًا، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ مَعَهَا لِلْيَمِينِ كَالْبَيِّنَةِ بَلْ تُفِيدُ التَّبْقِيَةَ عِنْدَهُ حَتَّى تَقُومَ الْبَيِّنَةُ، وَلِأَنَّهَا لَوْ أَفَادَتْ، وَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ لَمْ يُحْتَجْ إلَى يَمِينٍ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) زِيَادَةُ التَّارِيخِ كَمَا فِي الْجَوَاهِرِ. (الْوَجْهُ الْخَامِسُ) الزِّيَادَةُ

стр. 864

الْغَالِبَ وَالنَّادِرَ مَعًا فِيهِ، وَأَنَا أَذْكُرُ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ عِشْرِينَ مِثَالًا (الْأَوَّلُ) شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ فِي الْأَمْوَالِ إذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ جِدًّا الْغَالِبُ صِدْقُهُمْ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ الشَّرْعُ صِدْقَهُمْ، وَلَا قَضَى بِكَذِبِهِمْ بَلْ أَهْمَلَهُمْ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ، وَرَحْمَةً بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ فَقَبِلَهُمْ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. (الثَّانِي) شَهَادَةُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ جَمَاعَةِ النِّسْوَانِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ الْغَالِبُ صِدْقُهُنَّ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُنَّ لَا سِيَّمَا مَعَ الْعَدَالَةِ، وَقَدْ أَلْغَى صَاحِبُ الشَّرْعِ صِدْقُهُنَّ فَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، وَلَا حَكَمَ بِكَذِبِهِنَّ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (الثَّالِثُ) الْجَمْعُ الْكَثِيرُ مِنْ الْكُفَّارِ وَالرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ إذَا شَهِدُوا الْغَالِبُ صِدْقُهُمْ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ فَأَلْغَى صَاحِبُ الشَّرْعِ صِدْقَهُمْ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِمْ. (الرَّابِعُ) شَهَادَةُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الْفَسَقَةِ الْغَالِبُ صِدْقُهُمْ، وَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِهِ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِمْ (الْخَامِسُ) شَهَادَةُ ثَلَاثَةِ عُدُولٍ فِي الزِّنَا الْغَالِبُ صِدْقُهُمْ، وَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِهِ سَتْرًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِمْ بَلْ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ قَذَفُوهُ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ شُهُودُ زُورٍ (السَّادِسُ) شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ الْغَالِبُ صِدْقُهُ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ، وَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِصِدْقِهِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ، وَلُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ. (السَّابِعُ) حَلَّفَ الْمُدَّعِي الطَّالِبَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ الْغَالِبُ صِدْقُهُ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ، وَلَمْ يَقْضِ الشَّارِعُ بِصِدْقِهِ فَيَحْكُمُ لَهُ بِيَمِينِهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْبَيِّنَةِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (الثَّامِنُ) رِوَايَةُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ لِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الْمُتَدَيِّنِينَ الْمُعْتَقِدِينَ لِتَحْرِيمِ الْكَذِبِ فِي دِينِهِمْ الْغَالِبِ صِدْقُهُمْ وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ الشَّرْعُ صِدْقَهُمْ لُطْفًا بِالْعِبَادِ وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِهِمْ مَا لَيْسَ مِنْهُ. (التَّاسِعُ) رِوَايَةُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الْفَسَقَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَنَهْبِ الْأَمْوَالِ، وَهُمْ رُؤَسَاءُ عُظَمَاءُ فِي الْوُجُودِ كَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ الْغَالِبُ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صِدْقُهُمْ فَإِنْ أَتَاهُمْ وَازِعٌ طَبِيعِيٌّ يَمْنَعُهُمْ الْكَذِبَ، وَغَيْرَهُ لَا تَدَيُّنًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ صَوْنًا لِلْعِبَادِ عَنْ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِهِمْ مَا لَيْسَ مِنْهُ بَلْ جَعَلَ الضَّابِطَ الْعَدَالَةَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِ هَؤُلَاءِ (الْعَاشِرُ) رِوَايَةُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الْجَاهِلِينَ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الْغَالِبُ صِدْقُهُمْ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِالتَّفْصِيلِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ وَتُرَجَّحُ الْبَيِّنَةُ الْمُفَصَّلَةُ عَلَى الْمُجْمَلَةِ، وَالنَّظَرُ فِي التَّفْصِيلِ وَالْإِجْمَالِ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّظَرِ فِي الْأَعْدَلِيَّةِ، وَمِنْهَا شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا بِحَوْزِ الصَّدَقَةِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِرُؤْيَتِهِ يَخْدُمُهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ عَدَمِ الْحَوْزِ إذْ لَمْ تَتَعَرَّضْ الْأُخْرَى لِرَدِّ هَذَا الْقَوْلِ. (الْوَجْهُ السَّادِسُ) الِاخْتِصَاصُ بِمَزِيدِ الِاطِّلَاعِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ إنْ اخْتَصَّتْ إحْدَاهُمَا بِمَزِيدِ الِاطِّلَاعِ كَشَهَادَةِ إحْدَاهُمَا بِحَوْزِ الرَّهْنِ، وَالْأُخْرَى بِعَدَمِ الْحَوْزِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلْحَوْزِ، وَهِيَ زِيَادَةُ اطِّلَاعٍ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٌ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ يُقْضَى بِهِ لِمَنْ هُوَ فِي يَدِهِ، وَمِنْ هَذَا مَا إذَا شَهِدَتْ إحْدَاهُمَا بِالْقَتْلِ أَوْ السَّرِقَةِ أَوْ الزِّنَا، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ كَانَ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ فَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْقَتْلِ وَنَحْوِهِ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ زِيَادَةً، وَلَا يُدْرَأُ عَنْهُ الْحَدُّ قَالَ سَحْنُونٌ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ كَالْحَجِيجِ وَنَحْوِهِمْ أَنَّهُ وَقَفَ بِهِمْ أَوْ صَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلَا يُحَدُّ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ بِخِلَافِ الشَّاهِدَيْنِ اهـ قُلْت وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ: مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. (الْوَجْهُ السَّابِعُ) اسْتِصْحَابُ الْحَالِ وَالْغَالِبِ، وَمِنْهُ شَهَادَةُ إحْدَاهُمَا أَنَّهُ أَوْصَى، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى أَنَّهُ أَوْصَى، وَهُوَ مَرِيضٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الصِّحَّةِ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْغَالِبُ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) ظَاهِرُ الْحَالِ اعْتَبَرَهُ سَحْنُونٌ فَقَالَ إذَا شَهِدَتْ بِأَنَّهُ زَنَى عَاقِلًا، وَشَهِدَتْ الْأُخْرَى بِأَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا إنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَاقِلٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْعَقْلِ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَامُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَجْنُونٌ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الْجُنُونِ اهـ. وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ ابْنُ اللَّبَّادِ فَقَالَ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الرُّؤْيَةِ لَا وَقْتُ الْقِيَامِ اهـ هَذَا تَنْقِيحٌ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ فِي هَذَا الْفَرْقِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَمَا قَالَهُ فِيهِ نَقْلٌ وَتَرْجِيحٌ، وَلَا كَلَامَ فِي ذَلِكَ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الفرق بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كَبِيرَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَقَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ الشَّهَادَةِ] (الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْفَرْقُ الثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي هِيَ كَبِيرَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَقَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ مَانِعَةً مِنْ الشَّهَادَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْمُبَاحِ الْمُخِلِّ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَالْمُبَاحِ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِقَبُولِهَا) : اعْلَمْ أَنَّ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ رُكْنَيْنِ: (الرُّكْنُ الْأَوَّلُ) الْعَدَالَةُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ فِي بِدَايَتِهِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ بِدُونِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْفَاسِقِ لَا تُقْبَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الْآيَةَ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْفَاسِقَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ إلَّا مَنْ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ قَبْلِ

стр. 865

وَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِصِدْقِهِمْ وَلَا بِكَذِبِهِمْ. (الْحَادِيَ عَشَرَ) أَخْذُ السُّرَّاقِ الْمُتَّهَمِينَ بِالتُّهَمِ وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهِمْ كَمَا يَفْعَلُهُ الْأُمَرَاءُ الْيَوْمَ دُونَ الْإِقْرَارِ الصَّحِيحِ وَالْبَيِّنَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ الْغَالِبُ مُصَادَفَتُهُ لِلصَّوَابِ، وَالنَّادِرُ خَطَؤُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَاهُ الشَّرْعُ صَوْنًا لِلْأَعْرَاضِ وَالْأَطْرَافِ عَنْ الْقَطْعِ (الثَّانِيَ عَشَرَ) أَخْذُ الْحَاكِمُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مِنْ التَّظَلُّمِ وَكَثْرَةِ الشَّكْوَى وَالْبُكَاءِ مَعَ كَوْنِ الْخَصْمِ مَشْهُورًا بِالْفَسَادِ وَالْعِنَادِ الْغَالِبُ مُصَادَفَتُهُ لِلْحَقِّ، وَالنَّادِرُ خَطَؤُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ مَنَعَهُ الشَّارِعُ مِنْهُ وَحَرَّمَهُ، وَلَا يَضُرُّ الْحَاكِمَ ضَيَاعُ حَقٍّ لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ. (الثَّالِثَ عَشَرَ) الْغَالِبُ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَيْنَ فَخِذَيْ امْرَأَةِ، وَهُوَ مُتَحَرِّكٌ حَرَكَةَ الْوَاطِئِ، وَطَالَ الزَّمَانُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَوْلَجَ، وَالنَّادِرُ عَدَمُ ذَلِكَ فَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ أَلْغَى الشَّارِعُ هَذَا الْغَالِبَ سَتْرًا عَلَى عِبَادِهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِوَطْئِهِ، وَلَا بِعَدَمِهِ (الرَّابِعَ عَشَرَ) شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ لِوَلَدِهِ الْغَالِبُ صِدْقُهُ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ، وَقَدْ أَلْغَاهُ الشَّارِعُ، وَأَلْغَى كَذِبَهُ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. (الْخَامِسَ عَشَرَ) شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ لِوَالِدِهِ الْغَالِبُ صِدْقُهُ، وَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِصِدْقِهِ وَلَا بِكَذِبِهِ بَلْ أَلْغَاهُمَا جُمْلَةً. (السَّادِسَ عَشَرَ) شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ عَلَى خَصْمِهِ الْغَالِبُ صِدْقُهُ، وَقَدْ أَلْغَى الشَّارِعُ صِدْقَهُ وَكَذِبَهُ. (السَّابِعَ عَشَرَ) شَهَادَةُ الْحَاكِمِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ إذَا عُزِلَ، وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ مُطْلَقًا إذَا وَقَعَتْ مِنْ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ الْغَالِبُ صِدْقُهُ، وَقَدْ أَلْغَاهُ الشَّارِعُ فِي صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ (الثَّامِنَ عَشَرَ) حُكْمُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ، وَهُوَ عَدْلٌ مُبْرِزٌ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ الْغَالِبُ أَنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ بِالْحَقِّ، وَالنَّادِرُ خِلَافُهُ، وَقَدْ أَلْغَى الشَّرْعُ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِبُطْلَانِهِ وَصِحَّتِهِ مَعًا (التَّاسِعَ عَشَرَ) الْقُرْءُ الْوَاحِدُ فِي الْعَدَدِ الْغَالِبُ مَعَهُ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، وَالنَّادِرُ شَغْلُهُ، وَلَمْ يَحْكُمْ الشَّارِعُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يَنْضَافَ إلَيْهِ قُرْءَانِ آخَرَانِ. (الْعِشْرُونَ) مَنْ غَابَ عَنْ امْرَأَتِهِ سِنِينَ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا الْغَالِبُ بَرَاءَةُ رَحِمِهَا، وَالنَّادِرُ شُغْلُهُ بِالْوَلَدِ، وَقَدْ أَلْغَاهُمَا صَاحِبُ الشَّرْعِ مَعًا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا اسْتِئْنَافَ الْعِدَّةِ بَعْدَ الْوَفَاءِ أَوْ الطَّلَاقِ لِأَنَّ وُقُوعَ الْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَنَظَائِرُ فِي الشَّرْعِ كَثِيرَةٌ مِنْ الْغَالِبِ أَلْغَاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ، وَتَارَةً بَالَغَ فِي إلْغَائِهِ فَاعْتُبِرَ نَادِرُهُ دُونَهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَهَذِهِ أَرْبَعُونَ مِثَالًا قَدْ سَرَدْتهَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَرْبَعِينَ جِنْسًا فَهِيَ أَرْبَعُونَ جِنْسًا قَدْ أُلْغِيَتْ (فَإِنْ قُلْت) أَنْتَ تَعَرَّضْت لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا أُلْغِيَ مِنْهُ، وَمَا لَمْ يَلْغُ، وَلَمْ تَذْكُرْهُ بَلْ ذَكَرْت ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْقَذْفِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، وَإِنْ تَابَ، وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ تُقْبِلُ إذَا تَابَ، وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَعُودُ الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٥] إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إلَيْهِ أَوْ عَلَى الْجُمْلَةِ إلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ، وَهُوَ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَسْقُطُ عِنْدَ الْحَدِّ اهـ. قَالَ الْبَاجِيَّ قَالَ مَالِكٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاذِفِ وَلَا قَبُولِ شَهَادَتِهِ تَكْذِيبُهُ لِنَفْسِهِ بَلْ صَلَاحُ حَالِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ كَسَائِرِ الذُّنُوبِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَالشَّافِعِيُّ لَا بُدَّ فِي تَوْبَةِ الْقَاذِفِ مِنْ تَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ لِأَنَّا قَضَيْنَا بِكَذِبِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَإِلَّا لَمَا فَسَّقْنَاهُ فَلَوْ لَمْ يُكَذِّبْ نَفْسَهُ لَكَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي فَسَّقْنَاهُ لِأَجْلِهِ فِي الظَّاهِرِ، وَعَلَيْهِ إشْكَالَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ فَتَكْذِيبُهُ لِنَفْسِهِ كَذِبٌ فَكَيْفَ تُشْتَرَطُ الْمَعْصِيَةُ فِي التَّوْبَةِ، وَهِيَ ضِدُّهَا، وَكَيْفَ نَجْعَلُ الْمَعَاصِيَ سَبَبَ صَلَاحِ الْعَبْدِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَرِفْعَتِهِ، وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ إنْ كَانَ كَاذِبًا فِي قَذْفِهِ فَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ صَادِقًا فَهُوَ عَاصٍ لِأَنَّ تَعْبِيرَ الزَّانِي بِزِنَاهُ مَعْصِيَةٌ فَكَيْفَ يَنْفَعُهُ تَكْذِيبُ نَفْسِهِ مَعَ كَوْنِهِ عَاصِيًا بِكُلِّ حَالٍ. (وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّ الْكَذِبَ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ جَائِزٌ كَالرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَلِلْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا التَّكْذِيبُ فِيهِ مَصْلَحَةُ السَّتْرِ عَلَى الْمَقْذُوفِ، وَتَقْلِيلُ الْأَذِيَّةِ وَالْفَضِيحَةِ عِنْدَ النَّاسِ، وَقَبُولُ شَهَادَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَعَوْدُهُ إلَى الْوِلَايَةِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَالَةُ، وَتَصَرُّفُهُ فِي أَمْوَالِ أَوْلَادِهِ، وَتَزْوِيجُهُ لِمَنْ يَلِي عَلَيْهِ، وَتَعَرُّضُهُ لِلْوِلَايَاتِ الشَّرْعِيَّةِ (وَعَنْ الثَّانِي) تَعْيِيرُ الزَّانِي بِزِنَاهُ صَغِيرَةٌ لَا تَمْنَعُ الشَّهَادَةَ اهـ، وَقَالَ فِي الْبِدَايَةِ قَبْلَ مَا ذُكِرَ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ الْفُقَهَاءُ فِي مَفْهُومِ اسْمِ الْعَدَالَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْفِسْقِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ هِيَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُلْتَزِمًا لِوَاجِبَاتِ الشَّرْعِ وَمُسْتَحَبَّاتِهِ مُجْتَنِبًا لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكْفِي فِي الْعَدَالَةِ ظَاهِرُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْ لَا تُعْلَمُ مِنْهُ جُرْحَةٌ اهـ وَقَالَ الْأَصْلُ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَعَاصِيَ تَخْتَلِفُ بِالْقَدْحِ فِي الْعَدَالَةِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَعْصِيَةٍ يَسْقُطُ بِهَا الْعَدْلُ عَنْ مَرْتَبَةِ الْعَدَالَةِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْإِطْلَاقِ فَقَطْ فَمَنَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي أُصُولِ الدِّينِ مِنْ إطْلَاقِ لَفْظِ الصَّغِيرَةِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَكَذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَقَالُوا لَا يُقَالُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ صَغِيرَةً بَلْ جَمِيعُ الْمَعَاصِي كَبَائِرُ لِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ جَمِيعُ مَعَاصِيهِ كَبَائِرَ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ يَجُوزُ ذَلِكَ، وَقَدْ وَرَدَ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ بِالْإِشَارَةِ إلَى الْفَرْقِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧] فَجَعَلَ لِلْمَعْصِيَةِ رُتَبًا ثَلَاثًا كُفْرًا وَفُسُوقًا وَهُوَ الْكَبِيرَةُ، وَعِصْيَانًا وَهِيَ الصَّغِيرَةُ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا لَكَانَ اللَّفْظُ فِي الْآيَةِ

стр. 866

أَجْنَاسًا أُلْغِيَتْ خَاصَّةً فَمَا الْفَرْقُ، وَكَيْفَ الِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ (قُلْت) الْفَرْقُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامُ لَا يَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ، وَلَا عَلَى ضَعَفَةِ الْفُقَهَاءِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْغَالِبِ، وَهَذِهِ الْأَجْنَاسُ الَّتِي ذَكَرْت اسْتِثْنَاؤُهَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَإِذَا وَقَعَ لَك غَالِبٌ، وَلَا تَدْرِي هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا أُلْغِيَ أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَا اُعْتُبِرَ فَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَسْتَقْرِيَ مَوَارِدَ النُّصُوصِ، وَالْفَتَاوَى اسْتِقْرَاءً حَسَنًا مَعَ أَنَّك تَكُونُ حِينَئِذٍ وَاسِعَ الْحِفْظِ جَيِّدَ الْفَهْمِ فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ لَك إلْغَاؤُهُ فَاعْتَقِدْ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ، وَهَذَا الْفَرْقُ لَا يَحْصُلُ إلَّا لِمُتَّسِعٍ فِي الْفِقْهِيَّاتِ وَالْمَوَارِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدْت هَذِهِ الْأَجْنَاسَ حَتَّى تَعْتَقِدَ أَنَّ الْغَالِبَ وَقَعَ مُعْتَبَرًا شَرْعًا، وَنَجْزِمُ أَيْضًا بِشَيْئَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إذَا دَارَ الشَّيْءُ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِالْغَالِبِ (ثَانِيهِمَا) قَوْلُ الْفُقَهَاءِ إذَا اجْتَمَعَ الْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ فَهَلْ يَغْلِبُ الْأَصْلُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ الْغَالِبُ عَلَى الْأَصْلِ قَوْلَانِ فَقَدْ ظَهَرَ لَك أَجْنَاسٌ كَثِيرَةٌ اتَّفَقَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى تَقْدِيمِ الْأَقَلِّ، وَأَلْغَاهُ الْغَالِبُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي اعْتَبَرْنَا رَدَّهُ فَلَا تَكُونُ تِلْكَ الدَّعْوَى عَلَى عُمُومِهَا، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ أَيْضًا عَلَى تَقْدِيمِ الْغَالِبِ عَلَى الْأَوَّلِ فِي أَمْرِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهَا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ تَقَدُّمُ الْبَيِّنَةِ إجْمَاعًا فَهُوَ أَيْضًا تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ تِلْكَ الدَّعْوَى فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ بَيَانِ هَذَا الْفَرْقِ وَالتَّنْبِيهِ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاطِنِ. (الْفَرْقُ الْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ الْإِقْرَاعُ فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ الْإِقْرَاعُ فِيهِ) اعْلَمْ أَنَّهُ مَتَى تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ أَوْ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِي الْقُرْعَةِ ضَيَاعَ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُتَعَيَّنِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ، وَمَتَى تَسَاوَتْ الْحُقُوقُ أَوْ الْمَصَالِحُ فَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ التَّنَازُعِ دَفْعًا لِلضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ، وَالرِّضَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ، وَقَضَى بِهِ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ فَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بَيْنَ الْخُلَفَاءِ إذَا اسْتَوَتْ فِيهِمْ الْأَهْلِيَّةُ لِلْوِلَايَةِ، وَالْأَئِمَّةِ وَالْمُؤَذِّنِينَ إذَا اسْتَوَوْا، وَالتَّقَدُّمُ لِلصَّفِّ الْأَوَّلِ عِنْدَ الِازْدِحَامِ وَتَغْسِيلِ الْأَمْوَاتِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَتَسَاوِيهِمْ فِي الطَّبَقَاتِ وَبَيْنَ الْحَاضِنَاتِ وَالزَّوْجَاتِ فِي السَّفَرِ وَالْقِسْمَةِ وَالْخُصُومِ عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَفِي عِتْقِ الْعَبِيدِ إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ أَوْ بِثُلُثِهِمْ فِي الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ عَتَقَ مَبْلَغُ الثُّلُثِ مِنْهُمْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] مُتَكَرِّرًا لَا بِمَعْنًى مُسْتَأْنَفٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ اهـ. إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالضَّابِطُ لِمَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ مِنْ الْمَعَاصِي الَّذِي بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ هُوَ مَا دَلَّ عَلَى الْجُرْأَةِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ الشَّارِعَ فِي أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ أَوْ احْتَمَلَ الْجُرْأَةَ كَمَا اخْتَارَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ قَالَ فَمَنْ دَلَّتْ قَرَائِنُ حَالِهِ عَلَى الْجُرْأَةِ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ كَمُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ الْمَعْلُومِ مِنْ دَلَائِلِ الشَّرْعِ أَنَّهَا كَبِيرَةٌ أَوْ الْمُصِرُّ عَلَى الصَّغِيرَةِ إصْرَارًا يُؤْذِنُ بِالْجُرْأَةِ، وَمَنْ احْتَمَلَ حَالُهُ إنْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ جُرْأَةً أَوْ فَلْتَةً تُوَقِّفَ عَنْ قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَمَنْ دَلَّتْ دَلَائِلُ حَالِهِ أَنَّهُ فَعَلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْنِي مَا لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ مَعْلُومَةِ الْكِبَرِ مِنْ الشَّرْعِ فَلْتَةً غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالْجُرْأَةِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ السَّبَبَ رَدُّ الشَّهَادَةِ لَيْسَ إلَّا التُّهْمَةَ بِالِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَذِبِ كَالِاجْتِرَاءِ عَلَى مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ الْمُخَالَفَةِ فَإِذَا عَرِيَ عَنْ الِاتِّصَافِ بِالْجُرْأَةِ وَاحْتِمَالِ الِاتِّصَافِ بِهَا بِظَاهِرِ حَالِهِ سَقَطَتْ التُّهْمَةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. قَالَ الْأَصْلُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْأَحْوَالِ الْمُقْتَرِنَةِ وَالْقَرَائِنِ الْمُصَاحِبَةِ وَصُورَةِ الْفَاعِلِ وَهَيْئَةِ الْفِعْلِ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ مَا يُؤَدِّي إلَى مَا يُوجَدُ فِي الْقَلْبِ السَّلِيمِ عَنْ الْأَهْوَاءِ الْمُعْتَدِلِ الْمِزَاجِ وَالْعَقْلِ وَالدِّيَانَةِ الْعَارِفِ بِالْأَوْضَاعِ الشَّرْعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِوَزْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَإِنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّسَاهُلُ فِي طَبْعِهِ لَا يَعُدُّ الْكَبِيرَةَ شَيْئًا، وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّشْدِيدُ فِي طَبْعِهِ يَجْعَلُ الصَّغِيرَةَ كَبِيرَةً فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْعَقْلِ الْوَازِنِ بِهَذِهِ الِاعْتِبَارَاتِ اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَالْإِصْرَارُ الْمُصَيِّرُ لِلصَّغِيرَةِ كَبِيرَةً مَانِعَةً مِنْ قَبُولِ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ الْمُعَاوَدَةُ لَهَا مُعَاوَدَةً تُشْعِرُ بِالْجُرْأَةِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ لَا الْمُعَاوَدَةُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعَزْمِ عَلَيْهَا لِأَنَّ الْعَزْمَ مِمَّا لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ كَالْجُرْأَةِ نَفْسِهَا بِخِلَافِ الْإِشْعَارِ بِهَا الَّذِي اشْتَرَطْته فَإِنَّهُ مِمَّا يُدْرِكُهُ مَنْ يَتَأَمَّلُ أَحْوَالَ الْمَوَاقِعِ لِلْمُخَالَفَةِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُنْظَرُ إلَى مَا يَحْصُلُ مِنْ مُلَابَسَةِ أَدْنَى الْكَبَائِرِ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ بِمُلَابَسَتِهَا فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَالْوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ يُنْظَرُ لِذَلِكَ التَّكَرُّرِ فِي الصَّغِيرَةِ فَإِنْ حَصَلَ فِي النَّفْسِ مِنْ عَدَمِ الْوُثُوقِ مَا حَصَلَ مِنْ أَدْنَى الْكَبَائِرِ كَانَ هَذَا الْإِصْرَارُ كَبِيرَةً تُخِلُّ بِالْعَدَالَةِ إلَخْ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. قَالَ الْأَصْلُ وَمَتَى تَخَلَّلَتْ التَّوْبَةُ الصَّغَائِرَ فَلَا خِلَافَ أَنَّهَا لَا تَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي إذَا كَانَتْ مِنْ أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الشَّبَهُ وَاللُّبْسُ إذَا تَكَرَّرَتْ مِنْ النَّوْعِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مَوْضِعُ النَّظَرِ اهـ (الرُّكْنُ الثَّانِي) الْوُثُوقُ بِالضَّبْطِ فَلِذَا اشْتَرَطُوا الْبُلُوغَ فِيهَا وَالْحُرِّيَّةَ وَنَفْيَ التُّهْمَةِ أَمَّا الْبُلُوغُ فَقَالَ فِي الْبِدَايَةِ اتَّفَقُوا عَلَى اشْتِرَاطِهِ فِيهَا

стр. 867

بِالْقُرْعَةِ، وَلَوْ لَمْ يَدَعْ غَيْرَهُمْ عَتَقَ ثُلُثُهُمْ أَيْضًا بِالْقُرْعَةِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ لَا تَجُوزُ الْقُرْعَةُ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِهِمْ وَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ، وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِي قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا فَيَعْتَقَ، لَنَا وُجُوهٌ: (الْأَوَّلُ) مَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَعْتَقَ ثُلُثَ الْعَبِيدِ» قَالَ مَالِكٌ، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مَالٌ غَيْرَهُمْ (الثَّانِي) فِي الصِّحَاحِ أَنَّ «رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَدَعَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّاهُمْ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَرَقَّ أَرْبَعَةً» (الثَّالِثُ) إجْمَاعُ التَّابِعِينَ ﵃ عَلَى ذَلِكَ قَالَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَابْنُ سِيرِينَ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ مِنْ عَصْرِهِمْ أَحَدٌ (الرَّابِعُ) وَافَقَنَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ فِي قِسْمَةِ الْأَرْضِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ، وَذَلِكَ هُنَا مَوْجُودٌ فَثَبَتَ قِيَاسًا عَلَيْهِ (الْخَامِسُ) أَنَّ فِي الِاسْتِسْعَاءِ مَشَقَّةً وَضَرَرًا عَلَى الْعَبِيدِ بِالْإِلْزَامِ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ بِتَأْخِيرِ الْحَقِّ وَتَعْجِيلِ حَقِّ الْمُوصَى لَهُ، وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ حَقِّ الْوَارِثِ لِأَنَّ لَهُ الثُّلُثَيْنِ (السَّادِسُ) أَنَّ مَقْصُودَ الْوَصِيِّ كَمَالُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ لِيَتَفَرَّغَ لِلطَّاعَاتِ، وَيَجُوزُ الِاكْتِسَابُ وَالْمَنَافِعُ مِنْ نَفْسِهِ، وَتَجْزِئَةُ الْعِتْقِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ الْكَمَالُ أَبَدًا احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: (الْأَوَّلُ) قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» ، وَالْمَرِيضُ مَالِكُ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ اثْنَيْنِ يَحْتَمِلُ شَائِعَيْنِ لَا مُعَيَّنَيْنِ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ الْعَادَةَ تُحْصِي اخْتِلَافَ قِيَمِ الْعَبِيدِ فَيَتَعَذَّرُ أَنْ يَكُونَ اثْنَانِ مُعَيِّنَانِ ثُلُثِ مَالِهِ. (الثَّانِي) أَنَّ الْقُرْعَةَ عَلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا مِنْ الْمُيَسَّرِ، وَعَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّ فِيهِ نَقْلُ الْحُرِّيَّةِ بِالْقُرْعَةِ. (الثَّالِثُ) أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ صَحَّ فَيَنْفُذُ هَاهُنَا قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى حَالِ الصِّحَّةِ. (الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَوْ بَاعَ ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ جَازَ، وَالْبَيْعُ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ، وَالْعِتْقُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْقُرْعَةِ لِأَنَّ فِيهَا تَحْوِيلَ الْعِتْقِ. (الْخَامِسُ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالِكًا لِثُلُثِهِمْ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَالْمَرِيضُ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَ الثُّلُثِ فَلَا يَجْتَمِعُ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ الْمَالِكِ، وَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ. (السَّادِسُ) أَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ فِيمَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَيْهِ لِأَنَّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] حَيْثُ تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ، وَاخْتَلَفُوا فِي شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ، وَفِي الْقَتْلِ فَرَدَّهَا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ وُقُوعِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الشَّهَادَةِ الْعَدَالَةُ، وَمِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ الْبُلُوغُ، وَلَك لَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ شَهَادَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا هِيَ قَرِينَةُ حَالٍ، وَلِذَلِكَ اشْتَرَطَ فِيهَا أَنْ لَا يَتَفَرَّقُوا لِئَلَّا يُجَنَّبُوا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ هَلْ تَجُوزُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ أَمْ لَا، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعِدَّةُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي الشَّهَادَةِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُشْتَرَطُ فِيهَا الذُّكُورَةُ أَمْ لَا، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ تَجُوزُ فِي الْقَتْلِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمْ، وَلَا عُمْدَةَ لِمَالِكٍ فِي هَذَا إلَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ إجَازَتِهِ قِيَاسَ الْمَصْلَحَةِ، وَإِمَّا أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَدَّهَا، وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِهَا نَعَمْ قَالَ بِقَوْلِ مَالِكٍ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَقَوْمٌ مِنْ التَّابِعِينَ اهـ. بِتَصَرُّفٍ، وَأَمَّا الْحُرِّيَّةُ فَفِي الْبِدَايَةِ أَيْضًا جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ لِأَنَّ الْأَصْلَ إنَّمَا هُوَ اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ، وَالْعُبُودِيَّةُ لَيْسَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الرَّدِّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ، وَكَأَنَّ الْجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ الْعُبُودِيَّةَ أَثَرٌ مِنْ أَثَرِ الْكُفْرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ اهـ. وَأَمَّا نَفْيُ التُّهْمَةِ فَأَمَّا التُّهَمُ بِالِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَذِبِ الَّتِي سَبَبُهَا ارْتِكَابُ بَعْضِ الْمَعَاصِي فَقَدْ تَضَمَّنَهَا اشْتِرَاطُ الْعَدَالَةِ كَمَا عَرَفَتْ، وَأَمَّا التُّهْمَةُ الَّتِي سَبَبُهَا الْمَحَبَّةُ وَالْقَرَابَةُ أَوْ الْبِغْضَةُ لِلْعَدَاوَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَفِي الْبِدَايَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا مُؤَثِّرَةٌ فِي إسْقَاطِ الشَّهَادَةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي رَدِّ شَهَادَةِ الْعَدْلِ بِالتُّهْمَةِ لِمَوْضِعِ الْمَحَبَّةِ أَوْ الْبِغْضَةِ الَّتِي سَبَبُهَا الْعَدَاوَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ فَقَالَ بِرَدِّهَا فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ إلَّا أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا فِي مَوَاضِعَ عَلَى أَعْمَالِ التُّهْمَةِ، وَفِي مَوَاضِعَ عَلَى إسْقَاطِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي مَوَاضِعَ فَأَعْمَلَهَا بَعْضُهُمْ، وَأَسْقَطَهَا بَعْضُهُمْ اهـ. الْمُرَادُ فَانْظُرْهَا، وَسَيَأْتِي فِي الْفَرْقِ بَعْدَ تَوْضِيحِ ذَلِكَ فَتَرَقَّبْ، وَأَمَّا التُّهْمَةُ الْمُشْعِرَةُ بِخَلَلٍ فِي عَقْلِهِ فَبِفِعْلِ بَعْضِ الْمُبَاحِ الْمُخِلِّ بِقَبُولِ الشَّهَادَةِ كَالْأَكْلِ فِي الْأَسْوَاقِ وَنَحْوِهِ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَالضَّابِطُ أَنَّ مُخَالَفَةَ الْعَادَةِ الْجَارِيَةِ مِنْ الشَّاهِدِ فِي أُمُورِهِ الْمُبَاحَةِ رُبَّمَا أَشْعَرَتْ بِخَلَلٍ فِي عَقْلِهِ فَيَتَطَرَّقُ الْخَلَلُ إلَى ضَبْطِهِ، وَرُبَّمَا لَمْ تُشْعِرْ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ فَإِنْ أَشْعَرَ بِذَلِكَ أَوْ احْتَمَلَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ أَوْ تُوُقِّفَ فِي قَبُولِهَا، وَإِلَّا فَلَا اهـ بِلَفْظِهِ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَصْلُ الْمَشْهُورُ عِنْدَنَا قَبُولُ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ قَبْلَ جَلْدِهِ بِدُونِ تَوْبَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْقَذْفُ كَبِيرَةً اتِّفَاقًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ وَرَدَّهَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَمُطَرِّفٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵃ لَنَا أَنَّهُ قَبْلَ الْجَلْدِ غَيْرُ فَاسِقٍ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ جَلْدِهِ يَجُوزُ رُجُوعُ الْبَيِّنَةِ أَوْ تَصْدِيقُ الْمَقْذُوفِ لَهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْفِسْقُ إلَّا بَعْدَ

стр. 868

الْحُرِّيَّةَ حَالَةَ الصِّحَّةِ لَمَّا لَمْ يَجُزْ التَّرَاضِي عَلَى انْتِفَاضِهَا لَمْ تَجُزْ الْقُرْعَةُ فِيهَا، وَالْأَمْوَالُ يَجُوزُ التَّرَاضِي فِيهَا فَدَخَلَتْ الْقُرْعَةُ فِيهَا. وَالْجَوَابُ (عَنْ الْأَوَّلِ) أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ فِيمَا يَمْلِكُ، وَمَا قَالَ الْعِتْقُ فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُ فَإِذَا نَفَذَ الْعِتْقُ فِي عَبْدَيْنِ وَقَعَ الْعِتْقُ فِيمَا يَمْلِكُ. وَقَوْلُهُمْ إنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ فَنَقُولُ هِيَ وَرَدَتْ فِي تَمْهِيدِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ كَالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ فَتَعُمُّ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» ، وَقَوْلُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَائِعًا بَاطِلًا بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا لَا مَعْنَى لَهَا مَعَ الْإِشَاعَةِ، وَاتِّفَاقُهُمْ فِي الْقِيمَةِ لَيْسَ مُتَعَذَّرًا عَادَةً لَا سِيَّمَا مَعَ الْجَلْبِ وَوَخْشِ الرَّقِيقِ (وَعَنْ الثَّانِي) أَنَّ الْمَيْسِرَ هُوَ الْقِمَارُ، وَتَمْيِيزُ الْحُقُوقِ لَيْسَ قِمَارًا، وَقَدْ أَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتُعْمِلَتْ الْقُرْعَةُ فِي شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] الْآيَةَ، وَ ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وَلَيْسَ فِيهَا نَقْلُ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّ عِتْقَ الْمَرِيضِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِأَنَّهُ إنْ صَحَّ عَتَقَ الْجَمِيعُ، وَإِنْ طَرَأَتْ دُيُونٌ بَطَلَ، وَإِنْ مَاتَ، وَهُوَ يَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْ الثُّلُثِ فَلَمْ يَقَعْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْعِتْقِ إلَّا مَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ (وَعَنْ الثَّالِثِ) أَنَّ مَقْصُودَ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ التَّمْلِيكُ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي مِلْكِ الشَّائِعِ كَغَيْرِهِ، وَمَقْصُودُ الْعِتْقِ التَّخْلِيصُ لِلطَّاعَاتِ. وَالِاكْتِسَابُ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّبْعِيضِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ شَائِعًا لَا يُؤَخِّرُ حَقَّ الْوَارِثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَهَاهُنَا يَتَأَخَّرُ بِالِاسْتِسْعَاءِ (وَعَنْ الرَّابِعِ) أَنَّ الْبَيْعَ لَا ضَرَرَ فِيهِ عَلَى الْوَارِثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَلَا ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْجَلْدِ، وَالْأَصْلُ اسْتِصْحَابُ الْعَدَالَةِ وَالْحَالَةُ السَّابِقَةُ، وَاحْتَجُّوا بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ تَرْتِيبَ الْفِسْقِ عَلَى الْقَذْفِ. وَقَدْ تَحَقَّقَ الْقَذْفُ فَيَتَحَقَّقُ الْفِسْقُ سَوَاءٌ جُلِدَ أَمْ لَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ صِحَّةَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبُطْلَانَ مَا ذَكَرْتُمُوهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] فَرَتَّبَ رَدَّ الشَّهَادَةِ وَالْفِسْقَ عَلَى الْجَلْدِ، وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يَدُلُّ عَلَى عَلِيَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ فَيَكُونُ الْجَلْدُ هُوَ السَّبَبُ الْمُفَسِّقُ فَحَيْثُ لَا جَلْدَ لَا فُسُوقَ، وَهُوَ مَطْلُوبُنَا، وَعَكْسُ مَطْلُوبِكُمْ، وَالْوَجْهُ (الثَّانِي) أَنَّ الْجَلْدَ فَرْعُ ثُبُوتِ الْفِسْقِ فَلَوْ تَوَقَّفَ الْفِسْقُ عَلَيْهِ لَزِمَ الدَّوْرُ، وَالْوَجْهُ (الثَّالِثُ) أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ إلَى حَيْثُ تَيَقُّنِ الْعَدَالَةَ، وَلَمْ تُتَيَقَّنْ هُنَا فَتُرَدُّ، وَجَوَابُهُمْ أَنَّ كَوْنَ الْجَلْدِ فَرْعُ ثُبُوتِ الْفِسْقِ ظَاهِرٌ ظُهُورًا ضَعِيفًا لِجَوَازِ رُجُوعِ الْبَيِّنَةِ أَوْ تَصْدِيقِ الْمَقْذُوفِ فَإِذَا أُقِيمَ الْجَلْدُ قَوِيَ الظُّهُورُ بِإِقْدَامِ الْبَيِّنَةِ وَتَصْمِيمِهَا عَلَى أَذِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَقْذُوفُ، وَحِينَئِذٍ نَقُولُ أَنَّ مُدْرَكَ رَدِّ الشَّهَادَةِ إنَّمَا هُوَ الظُّهُورُ الْقَوِيُّ لِأَنَّهُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْعَدَالَةِ السَّابِقَةِ اهـ بِإِصْلَاحٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التُّهْمَةِ الَّتِي تُرَدُّ بِهَا الشَّهَادَةُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَدَالَةِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُرَدُّ بِهِ) قَدْ عَلِمْت مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ التُّهْمَةَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: (الْأَوَّلُ) تُهْمَةُ الِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَذِبِ الَّتِي سَبَبُهَا ارْتِكَابُ بَعْضِ الْمَعَاصِي، وَقَدْ تَضَمَّنَهَا الرُّكْنُ الْأَوَّلُ مِنْ رُكْنَيْ الشَّهَادَةِ، وَالثَّانِي تُهْمَةُ خَلَلِ الْعَقْلِ الَّتِي سَبَبُهَا فِعْلُ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ، وَالثَّالِثُ تُهْمَةُ الِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَذِبِ الَّتِي سَبَبُهَا الْمَحَبَّةُ بِنَحْوِ الْقَرَابَةِ أَوْ الْبِغْضَةِ بِالْعَدَاوَةِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْهُمَا، وَالْمُرَادُ هُنَا الْقِسْمُ الثَّالِثُ، وَالْأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ بِتُهْمَةٍ سَبَبُهَا مَا ذُكِرَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّ هَذِهِ التُّهْمَةَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ أَيْضًا: (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مُجْمَعٌ عَلَى اعْتِبَارِهَا لِفَوْتِهَا كَشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ، وَكَشَهَادَةِ الْأَبِ لِابْنِهِ، وَالْأُمِّ لِابْنِهَا، وَبِالْعَكْسِ فَقَدْ ذَهَبَ شُرَيْحٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد إلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْأَبِ لِابْنِهِ تُقْبَلُ فَضْلًا عَمَّنْ سِوَاهُ إذَا كَانَ الْأَبُ عَدْلًا لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥] فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي إجْرَاءَ الْمَأْمُورِ إلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ مِنْ شَهَادَةِ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ الثَّانِي إنْ رَدَّ الشَّهَادَةَ بِالْجُمْلَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَوْضِعِ اتِّهَامِ الْكَذِبِ، وَهَذِهِ التُّهْمَةُ إنَّمَا اعْتَمَلَهَا الشَّرْعُ فِي الْفَاسِقِ، وَمَنَعَ إعْمَالَهَا فِي الْعَادِلِ فَلَا تَجْتَمِعُ الْعَدَالَةُ مَعَ التُّهْمَةِ (وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مُجْمَعٌ عَلَى إلْغَائِهَا لِخِفَّتِهَا كَشَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِرَجُلٍ مِنْ قَبِيلَتِهِ قَالَ فِي الْبِدَايَةِ، وَمِنْهُ شَهَادَةُ الْأَخِ لِأَخِيهِ مَا لَمْ يَدْفَعْ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ عَارًا عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ وَمَا لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا إلَى أَخِيهِ يَنَالُهُ بِرُّهُ، وَصِلَتُهُ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى إسْقَاطِ التُّهْمَةِ فِيهَا مَا عَدَا الْأَوْزَاعِيَّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ، وَمُفَادُ كَلَامِ الْأَصْلِ أَنَّ التُّهْمَةَ فِيهَا تُلْغَى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ، وَتُعْتَبَرُ عِنْدَنَا مُطْلَقًا، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ فَانْظُرْ ذَلِكَ (وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ) مُخْتَلَفٌ فِيهَا هَلْ تَلْحَقُ بِالرُّتْبَةِ الْعُلْيَا فَتُمْنَعُ أَوْ بِالرُّتْبَةِ الدُّنْيَا فَلَا تُمْنَعُ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ شَهَادَةُ الزَّوْجَيْنِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ وَابْنَ حَنْبَلٍ رَدُّوهَا، وَأَجَازَهَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْحَسَنُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى تُقْبَلُ شَهَادَةُ الزَّوْجِ لِزَوْجَتَيْهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهَا لَهُ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ، وَمِنْهَا شَهَادَةُ الشَّاهِدِ لِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ فَتُرَدُّ عِنْدَنَا، وَتُقْبَلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ

стр. 869

يَحْصُلُ تَحْوِيلُ الْعِتْقِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَعَنْ الْخَامِسِ) أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الثُّلُثَ فَقَطْ لَمْ يَحْصُلْ تَنَازُعُ الْعِتْقِ فِي، وَلَا حِرْمَانَ مِنْ تَنَاوُلِهِ لَفْظَ الْعِتْقِ (وَعَنْ السَّادِسِ) أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ رَضِيَ بِتَنْفِيذِ عِتْقِ الْجَمِيعِ لَصَحَّ فَهُوَ يَدْخُلُهُ الرِّضَا فَهَذِهِ الْمَبَاحِثُ، وَهَذِهِ الِاخْتِلَافَاتُ وَالِاتِّفَاقَاتُ يَتَخَلَّصُ مِنْهَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا تَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ، وَمَا لَا تَدْخُلُهُ الْقُرْعَةُ، وَأَنَّ ضَابِطَهُ التَّسَاوِي مَعَ قَبُولِ الرِّضَا بِالنَّقْلِ، وَمَا فُقِدَ فِيهِ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ تَعَذَّرَتْ فِيهِ الْقُرْعَةُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ) : اعْلَمْ أَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ كَمَا أَنَّ الْأَوَامِرَ تَعْتَمِدُ الْمَصَالِحَ فَأَعْلَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ الْكُفْرُ، وَأَدْنَاهَا الصَّغَائِرُ وَالْكَبَائِرُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ، وَأَكْثَرُ الْتِبَاسِ الْكُفْرِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَبَائِرِ فَأَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ يَلِيهَا أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ، وَأَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ يَلِيهَا أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَى قَوْلِهِ وَالْكَبَائِرُ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ) : قُلْتُ: إنْ أَرَادَ الْمَفَاسِدَ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ الْمَفَاسِدِ، وَمَا عَدَاهُ تَتَفَاوَتْ رُتَبُهُ. قَالَ: (وَأَكْثَرُ الْتِبَاسِ الْكُفْرِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَبَائِرِ إلَى قَوْلِهِ، وَأَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ يَلِيهَا أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَ الْتِبَاسِ الْكُفْرِ إنَّمَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ، وَمِنْهَا شَهَادَةُ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ تُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَقَالَ مَالِكٌ لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تُقْبَلُ إلَّا أَنْ تَكُونَ فِي الدَّيْنِ. لَنَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ ﵊ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ» الثَّانِي مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى حَضَرِيٍّ» لِقِلَّةِ شُهُودِ الْبَدَوِيِّ مَا يَقَعُ فِي الْمِصْرِ الثَّالِثِ الْقِيَاسُ عَلَى مَا أَجْمَعَ الْجُمْهُورُ عَلَيْهِ مِنْ تَأْثِيرِ الْعَدَاوَةِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِثْلُ إجْمَاعِهِمْ عَلَى عَدَمِ تَوْرِيثِ الْقَاتِلِ الْمَقْتُولَ، وَعَلَى تَوْرِيثِ الْمَبْتُوتَةِ فِي الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ، وَاحْتَجُّوا بِظَوَاهِرَ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَالْفِقْهُ مَعَ مَنْ كَانَتْ الْقَوَاعِدُ وَالنُّصُوصُ مَعَهُ أَظْهَرُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْقِسْمِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ لِفِسْقِهِ أَوْ كُفْرِهِ أَوْ صِغَرِهِ أَوْ رِقِّهِ ثُمَّ أَدَّاهَا بَعْدَ زَوَالِ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَإِنَّهُ يَتَّهِمُ فِي تَنْفِيذِ مَا رُدَّ فِيهِ فَنَحْنُ وَابْنُ حَنْبَلٍ مَنَعْنَاهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄ يُقْبَلُ الْكُلُّ إلَّا الْفَاسِقَ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْفَاسِقَ تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ ثُمَّ يُنْظَرُ فِي عَدَالَتِهِ فَيَتَحَقَّقُ الرَّدُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الْفِسْقِ، وَأُولَئِكَ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ لِمَا عُلِمَ مِنْ صِفَاتِهِمْ فَلَا يَتَحَقَّقُ الرَّدُّ الْبَاعِثُ عَلَى التُّهْمَةِ، وَلَنَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ شَهَادَةُ الْعَوَائِدِ الثَّانِي أَنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ ﵁. (الثَّالِثُ) أَنَّ الْعِلْمَ بِفِسْقِهِمْ لَوْ وَقَعَ قَبْلَ الْأَدَاءِ لَمَا وَقَعَ الْأَدَاءُ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَا حَيْثُ وَقَعَ الْأَدَاءُ فَصِفَاتُهُمْ حِينَئِذٍ تَكُونُ مَجْهُولَةً فَسَقَطَ الْفَرْقُ، وَعَكْسُهُ لَوْ حَصَلَ الْبَحْثُ عَنْ الْفِسْقِ قَبْلَ الْأَدَاءِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إذَا لَمْ تُرَدَّ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ شَهَادَةُ أَهْلِ الْبَادِيَةِ إذَا قَصَدُوا فِي التَّحَمُّلِ دُونَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ فَنَحْنُ مَنَعْنَاهَا فِي الْبِيَاعَاتِ وَالنِّكَاحِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّ الْعُدُولَ إلَيْهِمْ مَعَ إمْكَانِ غَيْرِهِمْ تُهْمَةٌ فِي إبْطَالِ مَا شَهِدُوا بِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى قَرَوِيٍّ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ تُقْبَلُ مُطْلَقًا لَنَا، وَجْهَانِ الْأَوَّلُ حَدِيثُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ إلَخْ، وَالثَّانِي حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَلَى مَوْضِعِ التُّهْمَةِ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُمُومَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَحُجَّتُهُمْ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ حَمْلُ حَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَلَى مَنْ لَمْ تُعْلَمْ عَدَالَتُهُ مِنْ الْأَعْرَابِ قَالُوا: وَهُوَ أَوْلَى لِقِلَّةِ التَّخْصِيصِ حِينَئِذٍ فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ جَمْعَنَا أَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِأَجْلِ عَدَمِ الْعَدَالَةِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِهِ بِصَاحِبِ الْقَرْيَةِ بَلْ لِلتُّهْمَةِ، وَالثَّانِي مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا شَهِدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فَقَبِلَ شَهَادَتَهُ عَلَى النَّاسِ» ، وَجَوَابُهُ أَنَّا نَقْبَلُهُ فِي الْهِلَالِ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا، وَالثَّالِثُ أَنَّ مَنْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي الْجِرَاحِ قُبِلَتْ فِي غَيْرِهَا كَالْحَضَرِيِّ، وَلِأَنَّ الْجِرَاحَ آكَدُ مِنْ الْمَالِ فَفِي الْمَالِ أَوْلَى، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْجِرَاحَ يَقْصِدُ لَهَا الْخِلْوَاتِ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ فَكَانَتْ التُّهْمَةُ فِي الْمُعَامَلَاتِ مَوْجُودَةً دُونَ الْجِرَاحِ هَذَا خُلَاصَةُ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ بِدَايَةِ الْحَفِيدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ وَقَاعِدَةِ الدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ] (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ، وَالدَّعْوَى الْبَاطِلَةِ) وَهُوَ أَنَّ الْبَاطِلَةَ مَا كَانَتْ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا بِأَنْ اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِهَا، وَالصَّحِيحَةُ مَا كَانَتْ مُعْتَبَرَةً شَرْعًا بِأَنْ اسْتَوْفَتْ شُرُوطَهَا وَشُرُوطُهَا خَمْسَةٌ: (الشَّرْطُ الْأَوَّلُ) بَيَانُ الْمُدَّعِي فِيهِ بِأَنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرًا فِي ذِهْنِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْقَاضِي

стр. 870

وَأَصْلُ الْكُفْرِ إنَّمَا هُوَ انْتِهَاكٌ خَاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إمَّا بِالْجَهْلِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ صِفَاتِهِ الْعُلَى وَيَكُونُ الْكُفْرُ بِفِعْلٍ كَرَمْيِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ أَوْ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] هُوَ بِالْكَبَائِرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَكَيْفَ يَلْتَبِسُ الْكُفْرُ بِالْكَبَائِرِ وَالْكُفْرُ أَمْرٌ اعْتِقَادِيٌّ وَالْكَبَائِرُ أَعْمَالٌ، وَلَيْسَتْ بِاعْتِقَادٍ سَوَاءٌ كَانَتْ أَعْمَالًا قَلْبِيَّةً أَوْ بَدَنِيَّةً. قَالَ: (وَأَصْلُ الْكُفْرِ أَنَّهُ انْتِهَاكٌ خَاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ) قُلْتُ: لَيْسَ الْكُفْرُ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَكِنَّهُ الْجَهْلُ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَلَا يَصْدُرُ عَادَةً مِمَّنْ يَدِينُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. قَالَ: (أَمَّا الْجَهْلُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ صِفَاتِهِ الْعُلَى) قُلْتُ: الْجَهْلُ بِذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ خَاصَّةً عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ الْكُفْرَ عِنَادًا، وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُهُ فَالْكُفْرُ إمَّا الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَإِمَّا جَحْدُهُ وَانْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْجَهْلِ أَمَّا مَعَ الْعِلْمِ فَيَتَعَذَّرُ عَادَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ: (وَيَكُونُ الْكُفْرُ بِفِعْلٍ كَرَمْيِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ) قُلْتُ: رَمْيُ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَ الْجَهْلِ فَالْكُفْرُ هُوَ الْجَهْلُ لَا عَيْنُ رَمْيِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَعَ التَّكْذِيبِ بِهِ أَوْ لَا فَإِنْ كَانَ مَعَ التَّكْذِيبِ بِهِ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ. قَالَ: (وَالسُّجُودُ لِلصَّنَمِ) قُلْتُ: إنْ كَانَ السُّجُودُ لِلصَّنَمِ مَعَ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ إلَهًا فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَلَا، بَلْ يَكُونُ مَعْصِيَةً إنْ كَانَ لِغَيْرِهِ إكْرَاهٌ أَوْ جَائِزٌ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] بِأَحَدِ نَوْعَيْنِ: (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) بِبَيَانِ عَيْنِهِ كَدَعْوَى أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ أَوْ الْفَرَسَ اشْتَرَاهُ مِنْهُ أَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ غُصِبَتْ مِنْهُ أَوْ بَيَانُ صِفَتِهِ كَلِيِّ فِي ذِمَّتِهِ ثَوْبٌ أَوْ فَرَسٌ صِفَتُهُمَا كَذَا أَوْ دَرَاهِمُ يَزِيدِيَّةٌ أَوْ مُحَمَّدِيَّةٌ أَوْ سَبَّنِي أَوْ شَتَمَنِي أَوْ قَذَفَنِي بِلَفْظِ كَذَا إذْ لَيْسَ كُلُّ سَبٍّ وَشَتْمٍ يُوجِبُ الْحَدَّ (وَالنَّوْعُ الثَّانِي) بَيَانُ سَبَبِ الْمُدَّعِي فِيهِ الْمُعَيَّنُ كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ الطَّلَاقَ أَوْ الرِّدَّةَ لِتَحَرُّرِ نَفْسِهَا، وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ أَوْ بَيَانُ سَبَبِ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُعَيَّنِ كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ الْمَسِيسَ أَوْ الْقَتْلَ خَطَأً لِيَتَرَتَّبَ الصَّدَاقُ أَوْ الدِّيَةُ فِي ذِمَّةِ الزَّوْجِ أَوْ الْعَاقِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِالنَّوْعِ قَالَ تَسْتَوِي الْعَاصِمِيَّةُ، وَهَذَا النَّوْعُ بِمِثَالَيْهِ رَاجِعٌ فِي الْمَعْنَى لِلنَّوْعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَقُولُ فِيهِمَا أَحْرَزْت نَفْسِي لِأَنَّك طَلَّقْتنِي، وَلِي عَلَيْك صَدَاقٌ أَوْ دِيَةٌ لِأَنَّك مَسِسْتنِي أَوْ قَتَلَتْ وَلِيِّي، وَكَذَا لَوْ قَالَ بِعْت لَك دَارِي أَوْ أَجَرْتهَا مِنْك فَادْفَعْ لِي ثَمَنَهَا أَوْ أُجْرَتَهَا، وَلِذِكْرِ السَّبَبِ فِي هَذَا النَّوْعِ لَا يَحْتَاجُ الْمُدَّعِي فِيهِ لِبَيَانِ السَّبَبِ بِخِلَافِ النَّوْعِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ فِي كَوْنِ بَيَانِ السَّبَبِ فِيهِ كَانَ يَقُولُ مَنْ تَعَدٍّ أَوْ بِيعَ قَالَ خَلِيلٌ وَكَفَى بِعْت وَتَزَوَّجْت، وَحَمَلَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِلَّا فَلْيَسْأَلْهُ الْحَاكِمُ عَنْ السَّبَبِ ثُمَّ قَالَ وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ اهـ. لَيْسَ مِنْ تَمَامِ صِحَّةِ الدَّعْوَى أَوْ مِنْ تَمَامِ صِحَّتِهَا خِلَافَانِ الْأَوَّلُ لِلْحَطَّابِ قَالَ بِدَلِيلِ قَوْلِ خَلِيلٍ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَخْ، وَالثَّانِي الرَّمَّاحِيُّ مُحْتَجًّا بِكَلَامِ الْمَجْمُوعَةِ وَابْنِ عَرَفَةَ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ، وَاعْتِرَاضُ بَنَّانِيٍّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ شَرْطًا لَبَطَلَتْ الدَّعْوَى مَعَ عَدَمِ ادِّعَاءِ النِّسْيَانِ سَاقِطٌ لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ إذَا لَمْ يَدَّعِ النِّسْيَانَ كَمَا أَنَّ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ سَاقِطَةٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّفْسِيرِ عِنْدَ الْمَازِرِيِّ، وَغَيْرِهِ كَمَا يَأْتِي ثُمَّ قَالَ وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ بِأَنَّ بَيَانَ السَّبَبِ مِنْ تَمَامِ صِحَّةِ الدَّعْوَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ مَا يَدَّعِيهِ فَاسِدًا كَوْنُهُ ثَمَنَ خَمْرٍ أَوْ رِبًا، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَارِثٍ إذَا لَمْ يَسْأَلْهُ الْقَاضِي عَنْهُ أَيْ السَّبَبِ كَانَ كَالْخَابِطِ خَبْطَ عَشْوَاءَ قَالَ فَإِنْ سَأَلَهُ الْحَاكِمُ أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهُ، وَامْتَنَعَ مِنْ بَيَانِهِ لَمْ يُكَلَّفْ الْمَطْلُوبُ بِالْجَوَابِ فَإِنْ ادَّعَى نِسْيَانَهُ قُبِلَ بِغَيْرِ يَمِينٍ اهـ. قَالَ التَّسَوُّلِيُّ وَيَنْبَنِي عَلَى بَيَانِهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ إذَا قَالَ فِي جَوَابِهِ لَا حَقَّ لَك عَلَيَّ لَا يُكْتَفَى مِنْهُ بِذَلِكَ بَلْ حَتَّى يَنْفِيَ السَّبَبَ الَّذِي بَيَّنَهُ الْمُدَّعِي اهـ. وَفِي الْأَصْلِ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ، وَلَا يَلْزَمُ ذِكْرُ سَبَبِ مِلْكِ الْمَالِ بِخِلَافِ سَبَبِ الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ لِاخْتِلَافِ الْحُكْمِ هَاهُنَا بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَهَلْ قَتَلَهُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ إتْلَافَهُ لَا يُسْتَدْرَكُ بِخِلَافِ الْمَالِ، وَهَذَا لَا يُخَالِفُهُ أَصْحَابُنَا وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَنْبَلٍ ﵄ لَا تُسْمَعُ الدَّعَاوَى فِي النِّكَاحِ حَتَّى يَقُولَ تَزَوَّجْتهَا بِوَلِيٍّ وَرِضَاهَا وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ بِخِلَافِ دَعْوَى الْمَالِ وَغَيْرِهِ مُحْتَجِّينَ بِثَلَاثَةِ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ النِّكَاحَ خَطَرٌ كَالْقَتْلِ إذْ الْوَطْءُ لَا يُسْتَدْرَكُ. الثَّانِي أَنَّ النِّكَاحَ لَمَّا اخْتَصَّ بِشُرُوطٍ زَائِدَةٍ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ الصِّدْقِ وَغَيْرِهِ خَالَفْت دَعْوَاهُ الدَّعَاوَى قِيَاسًا لِلدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعَى بِهِ الثَّالِثُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ جَمِيعِ الْعُقُودِ يَدْخُلُهُ الْبَدَلُ وَالْإِبَاحَةُ بِخِلَافِهِ فَكَانَ خَطَرًا فَيُحْتَاطُ فِيهِ فَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِنَا مِنْ أَنَّ الدَّعْوَى فِي النِّكَاحِ تُسْمَعُ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ تَزَوَّجْتُهَا بِوَلِيٍّ، وَبِرِضَاهَا بَلْ يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ هِيَ زَوْجَتِي. وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ لَنَا وَجْهَانِ الْأَوَّلُ الْقِيَاسُ عَلَى الْبَيْعِ وَالرِّدَّةُ وَالْعِدَّةُ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَرُّضُ لَهُمَا فَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا الثَّانِي أَنَّ ظَاهِرَ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ وَأَمَّا مَا احْتَجُّوا بِهِ فَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ غَالِبَ دَعْوَى الْمُسْلِمِ الصِّحَّةُ كَمَا عَلِمْت فَالِاسْتِدْرَاكُ حِينَئِذٍ نَادِرٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ، وَالْقَتْلُ خَطَرُهُ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ النِّكَاحِ

стр. 871

أَوْ التَّرَدُّدِ لِلْكَنَائِسِ فِي أَعْيَادِهِمْ بِزِيِّ النَّصَارَى، وَمُبَاشَرَةِ أَحْوَالِهِمْ أَوْ جَحْدِ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَقَوْلُنَا انْتِهَاكٌ خَاصٌّ احْتِرَازٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ فَإِنَّهَا انْتِهَاكٌ، وَلَيْسَتْ كُفْرًا وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا الْخُصُوصِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَجَحْدُ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَجَحْدِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْقُرُبَاتِ بَلْ لَوْ جَحَدَ بَعْضَ الْإِبَاحَاتِ الْمَعْلُومَةِ بِالضَّرُورَةِ كَفَرَ كَمَا لَوْ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (أَوْ التَّرَدُّدُ إلَى الْكَنَائِسِ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَمُبَاشَرَةُ أَحْوَالِهِمْ) قُلْتُ: هَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ مُعْتَقَدَهُمْ. قَالَ: (أَوْ جَحَدَ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) قُلْتُ: هَذَا كُفْرٌ إنْ كَانَ جَحَدَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ فَيَكُونُ تَكْذِيبًا، وَإِلَّا فَهُوَ جَهْلٌ وَذَلِكَ الْجَهْلُ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِإِزَالَةِ مِثْلِ هَذَا الْجَهْلِ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ. قَالَ: (فَقَوْلُنَا انْتِهَاكٌ خَاصٌّ احْتِرَازٌ مِنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ فَإِنَّهَا انْتِهَاكٌ، وَلَيْسَتْ كُفْرًا وَسَيَأْتِي بَيَانُ هَذَا الْخُصُوصِ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى) قُلْتُ: لَيْسَتْ الْكَبَائِرُ وَالصَّغَائِرُ انْتِهَاكًا لِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا هِيَ جُرْأَةٌ عَلَى مُخَالَفَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَغْرَاضُ وَالشَّهَوَاتُ. قَالَ: (وَجَحْدُ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ كُنَّا نُكَفِّرُ بِذَلِكَ الْجَحْدِ غَيْرَهُ) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا كَوْنَهُ اقْتَصَرَ عَلَى اشْتِرَاطِ شُهْرَةِ ذَلِكَ الْأَمْرِ مِنْ الدِّينِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ اشْتِهَارِ ذَلِكَ مِنْ وُصُولِ ذَلِكَ إلَى هَذَا الشَّخْصِ وَعِلْمِهِ بِهِ فَيَكُونُ إذْ ذَاكَ مُكَذِّبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ فَيَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَكَانَ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ الْمُشْتَهِرَةِ فَهُوَ عَاصٍ بِتَرْكِ التَّسَبُّبِ إلَى عِلْمِهِ لَيْسَ بِكَافِرٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَالنَّذْرِ وَهُوَ الْفَرْقُ الْمَانِعُ مِنْ الْقِيَاسِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ دَعْوَى الشَّيْءِ يَتَنَاوَلُ شُرُوطَهُ بِدَلِيلِ الْبَيْعِ فَكَمَا لَا يَحْتَاجُ الْبَيْعُ فِي دَعْوَاهُ إلَى الشُّرُوطِ كَذَلِكَ النِّكَاحُ لَا يَحْتَاجُ فِي دَعْوَاهُ إلَيْهَا وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الرِّدَّةَ وَالْعُدَّةَ لَا يَدْخُلُهُمَا الْبَدْلَ وَيَكْفِي الْإِطْلَاقُ فِيهِمَا اهـ. قَالَ تُسُولِيُّ الْعَاصِمِيَّةِ وَخَرَجَ بِهَذَا الشَّرْطِ الدَّعْوَى بِمَجْهُولِ الْعَيْنِ أَوْ الصِّفَةِ كَلِيِّ عَلَيْهِ شَيْءٌ لَا يَدْرِي جِنْسَهُ وَنَوْعَهُ أَوْ أَرْضٌ لَا يَدْرِي حُدُودَهَا أَوْ ثَوْبٌ لَا يَدْرِي صِفَتَهُ أَوْ دَرَاهِمُ لَا يَدْرِي صِفَتَهَا وَلَا قَدْرَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ فَلَا نَسْمَعُ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ لَوْ أَقَرَّ وَقَالَ نَعَمْ عَلَى مَا يَدَّعِيهِ أَوْ أَنْكَرَ وَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِذَلِكَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ وَلَا بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ إذْ الْكُلُّ مَجْهُولٌ وَالْحُكْمُ بِهِ مُتَعَذِّرٌ فَلَيْسَ الْحُكْمُ بِالْهَرَوِيِّ بِأَوْلَى مِنْ الْمَرْوِيِّ مَثَلًا وَلَا بِالْيَزِيدِيَّةِ بِأَوْلَى مِنْ الْمُحَمَّدِيَّةِ إذْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْحُكْمِ تَعْيِينُ الْمَحْكُومِ بِهِ وَلَا تَعْيِينَ هَاهُنَا وَهَكَذَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْلِ ابْنِ عَاصِمٍ: وَمَنْ لِطَالِبٍ بِحَقٍّ شَهِدَا وَلَمْ يُحَقَّقْ عِنْدَ ذَاكَ الْعَدَدُ إلَخْ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ الْبِسَاطِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ لِقَوْلِهِمْ يَلْزَمُ الْإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ وَيُؤْمَرُ بِتَفْسِيرِهِ فَكَذَلِكَ هَذَا يُؤْمَرُ بِالْجَوَابِ لَعَلَّهُ يُقِرُّ فَيُؤْمَرُ بِالتَّفْسِيرِ وَيُسْجَنُ لَهُ. فَإِنْ ادَّعَى الْمُقِرُّ الْجَهْلَ أَيْضًا فَانْظُرْ مَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ لِطَالِبٍ بِحَقٍّ شَهِدَا إلَخْ وَانْظُرْ شَرْحَنَا لِلشَّامِلِ أَوَّلَ بَابِ الصُّلْحِ قَالَ الْحَطَّابُ مَسَائِلُ الْمُدَوَّنَةِ مُرِيحَةٌ فِي صِحَّةِ الدَّعْوَى بِالْمَجْهُولِ الْمَازِرِيِّ وَلَيْسَ مِنْهُ الدَّعْوَى عَلَى سِمْسَارٍ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا لِيَبِيعَهُ بِدِينَارَيْنِ وَقِيمَتُهُ دِينَارٌ وَنِصْفٌ لِأَنَّ الدَّعْوَى هُنَا تَعَلَّقَتْ بِأَمْرٍ مَعْلُومٍ فِي الْأَصْلِ وَلَا يَضُرُّهُ كَوْنُهُ لَا يَدْرِي مَا يَجِبُ لَهُ عَلَى السِّمْسَارِ هَلْ الثَّمَنُ الَّذِي سَمَّاهُ إنْ بَاعَ أَوْ قِيمَتُهُ إنْ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ غَيَّبَهُ إنْ لَمْ يَبِعْ اهـ إلَخْ. قُلْتُ الدَّعْوَى هُنَا إنَّمَا هِيَ فِي الثَّوْبِ وَهُوَ مُعَيَّنٌ فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِرَدِّهِ لَكِنْ إنْ اسْتَهْلَكَ أَوْ بَاعَ فَيُرَدُّ الثَّمَنُ أَوْ الْقِيمَةُ لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ تَأَمَّلْ. اهـ. كَلَامُ التَّسَوُّلِيِّ وَفِي الْأَصْلِ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ لَا يَصِحُّ دَعْوَى الْمَجْهُولِ إلَّا فِي الْإِقْرَارِ وَالْوَصِيَّةِ لِصِحَّةِ الْقَضَاءِ بِالْوَصِيَّةِ الْمَجْهُولَةِ كَثُلُثِ الْمَالِ وَالْمَالُ غَيْرُ مَعْلُومٍ وَصِحَّةُ الْمِلْكِ فِي الْإِقْرَارِ بِالْمَجْهُولِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ وَيُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ بِالتَّعْيِينِ وَقَالَهُ أَصْحَابُنَا وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ إنْ ادَّعَى بِدَيْنٍ فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَثْمَانِ ذَكَرَ الْجِنْسَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ وَالنَّوْعَ مِصْرِيَّةً أَوْ مَغْرِبِيَّةً وَالصِّفَةَ صِحَاحًا أَوْ مُكَسَّرَةً وَالْمِقْدَارَ وَالسِّكَّةَ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَضْبِطُهُ الصِّفَةُ ذَكَرَ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةَ فِي السَّلَمِ وَالْأَحْوَطُ أَنْ يَذْكُرَ مَعَهَا الْقِيمَةَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَضْبِطُهُ الصِّفَةُ كَالْجَوَاهِرِ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْقِيمَةِ مِنْ غَالِبِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَيَذْكُرُ فِي الْأَرْضِ وَالدَّارَ اسْمَ الصُّقْعِ وَالْبَلَدِ وَفِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالذَّهَبِ قِيمَتَهُ فِضَّةً وَبِالْفِضَّةِ قِيمَتَهُ ذَهَبًا أَوْ بِهِمَا قَوَّمَهُ بِمَا يَشَاءُ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَهَذَا لَا يُخَالِفُهُ أَصْحَابُنَا وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ اهـ. (الشَّرْطُ الثَّانِي) تَحَقُّقُ الدَّعْوَى بِالْمُدَّعَى فِيهِ أَيْ جَزْمُهَا وَقَطْعُهَا بِأَنْ يَقُولَ لِي عَلَيْهِ كَذَا احْتِرَازًا مِنْ نَحْوِ أَشُكُّ أَوْ أَظُنُّ أَنَّ لِي كَذَا فَإِنَّهَا لَا تَسْمَعُ قَالَ الْأَصِيلُ وَفِي اشْتِرَاطِ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةُ هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ مَنْ وَجَدَ وَثِيقَةً فِي تَرِكَةِ مَوْرُوثِهِ أَوْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِحَقٍّ لَهُ فَلَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ إلَّا الظَّنَّ وَمَعَ ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الدَّعْوَى بِهِ وَإِنْ شَهِدَ بِالظَّنِّ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِالِاسْتِفَاضَةِ وَالسَّمَاعِ وَالْفَلَسِ وَحَصَرَ الْوَرَثَةَ وَصَرَّحَ بِالظَّنِّ الَّذِي هُوَ مُسْتَنَدُهُ فِي الشَّهَادَةِ فَلَا يَكُونُ قَادِحًا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا لِأَنَّ مَا جَازَ الْإِقْدَامُ مَعَهُ لَا يَكُونُ النُّطْقُ بِهِ قَادِحًا قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الظَّنَّ هَاهُنَا لِقُوَّتِهِ نُزِّلَ مَنْزِلَةَ الْقَطْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ جَازَ لَهُ الْحَلِفُ مَعَهُ. قَالَ خَلِيلٌ وَاعْتَمَدَ الْبَابَ عَلَى ظَنٍّ قَوِيٍّ كَخَطِّهِ أَوْ خَطِّ

стр. 872

قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُبِحْ التِّينَ، وَلَا الْعِنَبَ، وَلَا يَعْتَقِدُ أَنَّ جَاحِدَ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ يَكْفُرُ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مُشْتَهِرًا فِي الدِّينِ حَتَّى صَارَ ضَرُورِيًّا فَكَمْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا إجْمَاعًا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا خَوَاصُّ الْفُقَهَاءِ فَجَحْدُ مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَخْفَى الْإِجْمَاعُ فِيهَا لَيْسَ كُفْرًا بَلْ قَدْ جَحَدَ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ كَالنَّظَّامِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ بِكُفْرِهِمْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ جَحَدُوا أَصْلَ الْإِجْمَاعِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ بَذَلُوا جُهْدَهُمْ فِي أَدِلَّتِهِ فَمَا ظَفِرُوا بِهَا كَمَا ظَفِرَ بِهَا الْجُمْهُورُ فَكَانَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي حَقِّهِمْ. كَمَا أَنَّ مُتَجَدِّدَ الْإِسْلَامِ إذَا قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ وَجَحَدَ فِي مَبَادِئِ أَمْرِهِ بَعْضَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْمَعْلُومَةِ لَنَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا نُكَفِّرُهُ لِعُذْرِهِ بِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ، وَإِنْ كُنَّا نُكَفِّرُ بِذَلِكَ الْجَحْدِ غَيْرَهُ وَبِهَذَا التَّقْرِيبِ نُجِيبُ عَنْ سُؤَالِ السَّائِلِ كَيْفَ تُكَفِّرُونَ جَاحِدَ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَلَا تُكَفِّرُونَ جَاحِدَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ؟ وَكَيْفَ يَكُونُ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ؟ . وَالْجَوَابُ بِأَنْ نَقُولَ إنَّا لَمْ نُكَفِّرْ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَلْ مِنْ حَيْثُ الشُّهْرَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلضَّرُورَةِ فَمَتَى انْضَافَتْ هَذِهِ الشُّهْرَةُ لِلْإِجْمَاعِ كَفَرَ جَاحِدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَإِذَا لَمْ تَنْضَفْ لَمْ نُكَفِّرْهُ وَعَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ لَمْ يُجْعَلْ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ كَفَّرْنَا بِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُشْتَهِرٌ فَمَنْ جَحَدَ إبَاحَةَ الْفَرَائِضِ لَا نُكَفِّرُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَإِنَّ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ فِيهِ إنَّمَا يَعْلَمُهُ خَوَاصُّ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] قَالَ: (وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ نُجِيبُ عَلَى سُؤَالِ السَّائِلِ إلَى قَوْلِهِ الْإِجْمَاعُ فِيهِ إنَّمَا يَعْلَمُهُ خَوَاصُّ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] أَبِيهِ إلَخْ ثُمَّ عَدَمُ سَمَاعِهَا فِي الظَّنِّ الَّذِي لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّ يَمِينَ التُّهْمَةِ لَا تَتَوَجَّهُ أَبُو الْحَسَنِ وَالْمَشْهُورُ تَوَجُّهُهَا ابْنُ فَرْحُونٍ يُرِيدُ بَعْدَ إثْبَاتِ كَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِمَّنْ تَلْحَقُهُ التُّهْمَةُ اهـ. وَعَلَيْهِ فَتُسْمَعُ فِيمَنْ ثَبَتَتْ تُهْمَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا خَلِيلٌ، وَاسْتَحَقَّ بِهِ بِيَمِينٍ إنْ حَقَّقَ وَيَمِينِ تُهْمَةٍ بِمُجَرَّدِ النُّكُولِ إلَخْ. وَقَالَ ابْنُ عَاصِمٍ وَتُهْمَةٍ إنْ قَوِيَتْ بِهَا تَجِبْ يَمِينُ مَتْهُومٍ إلَخْ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ الدَّعْوَى تُسْمَعُ هَاهُنَا، وَلَوْ قُلْنَا بِعَدَمِ تَوَجُّهِ عَيْنِ التُّهْمَةِ فَيُؤْمَرُ بِالْجَوَابِ لَعَلَّهُ يُقِرُّ فَتَأَمَّلْهُ فَلَوْ قَالَ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَيْهِ أَلْفًا فَقَالَ الْآخَرُ أَظُنُّ أَنِّي قَضَيْته لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ لِتَعَذُّرِ الْقَضَاءِ بِالْمَجْهُولِ إذْ كُلٌّ مِنْهَا شَاكٌّ فِي وُجُوبِ الْحَقِّ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ الْقَضَاءُ بِقَوْلِ الْمُدَّعِي بِأَوْلَى مِنْ الْقَضَاءِ بِقَوْلِ الْآخَرِ فَلَوْ قَالَ الْمَطْلُوبُ نَعَمْ كَانَ لَهُ الْأَلْفُ عَلَيَّ، وَأَظُنُّ أَنِّي قَضَيْته لَزِمَهُ الْأَلْفُ قَطْعًا، وَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَضَاهُ ثُمَّ قَالَ التَّاوَدِيُّ وَالتُّسُولِيُّ، وَالتَّحَقُّقُ فِي هَذَا الشَّرْطِ رَاجِعٌ لِلتَّصْدِيقِ، وَالْعِلْمُ وَالْبَيَانُ فِي الشَّرْطِ الْأَوَّلِ رَاجِعٌ لِلتَّصَوُّرِ فَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ كَمَا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ اهـ. (الشَّرْطُ الثَّالِثُ) كَوْنُ الْمُدَّعَى فِيهِ ذَا غَرَضٍ صَحِيحٍ أَيْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ نَفْعٌ شَرْعِيٌّ احْتِرَازٌ مِنْ الدَّعْوَى بِقَمْحَةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ أَوْ عُشْرِ سِمْسِمَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِذَا لَا يُمَكَّنُ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ مِنْ قَلْعِ مَا لَا قِيمَةَ لَهُ. (الشَّرْطُ الرَّابِعُ) كَوْنُ الْمُدَّعِي فِيهِ مِمَّا لَوْ أَقَرَّ بِهِ الْمَطْلُوبُ لَقَضَى عَلَيْهِ بِهِ احْتِرَازًا مِنْ الدَّعْوَى بِأَنَّهُ قَالَ دَارِي صُدِّقُوا بِيَمِينٍ مُطْلَقًا أَوْ بِغَيْرِهَا، وَلَمْ يُعَيِّنْ إلَخْ، وَمِنْ الدَّعْوَى عَلَيْهِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْمَسَاكِينِ، وَمِمَّا يُؤْمَرُ فِيهِ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ كَقَوْلِهِ إنْ كُنْت تُحِبِّينِي أَوْ تُبْغِضِينِي، وَمِنْ الدَّعْوَى عَلَى الْمَحْجُورِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَلَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ ثَبَتَ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ الِاسْتِهْلَاكُ أَوْ الْغَصْبُ، وَنَحْوُهُمَا خَلِيلٌ، وَضَمِنَ مَا أَفْسَدَ إنْ لَمْ يُؤْمَنْ عَلَيْهِ اهـ. قَالَ التَّسَوُّلِيُّ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْمَحْجُورَ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَيْهِ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَلَوْ نَصَبَهُ وَلِيُّهُ لِمُعَامَلَاتِ النَّاسِ بِمَالٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ لِلتِّجَارَةِ لِيَخْتَبِرَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ الدَّيْنُ اللَّاحِقُ لَا يَلْزَمُهُ لَا فِيمَا دُفِعَ إلَيْهِ، وَلَا فِيمَا بَقِيَ، وَلَا فِي ذِمَّتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِذَلِكَ مِنْ الْوِلَايَةِ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَقِيلَ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الْمَالِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ خَاصَّةً، وَهَذَا إذَا لَمْ يُصَنْ بِهِ مَالُهُ، وَإِلَّا فَيَضْمَنُ فِي الْمَالِ الْمَصُونِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَدَمِ التَّصْوِينِ، وَانْظُرْ مَا يَأْتِي لَنَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَجَارٍ لِلْوَصِيِّ فِيمَا حَجَرَا إعْطَاءُ بَعْضِ مَالِهِ مُخْتَبَرًا " قَالَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُغْنِي عَنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَا يَحْتَرِزُ بِهِ عَنْ دَعْوَى الْهِبَةِ وَالْوَعْدِ لِأَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْجَوَابِ فِيهِمَا، وَلَوْ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ لُزُومِهِمَا بِالْقَوْلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُقِرَّ، وَلَا يَرْجِعُ عَنْ الْهِبَةِ، وَلَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ اهـ كَلَامُ التَّسَوُّلِيِّ قُلْت وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ وَلَا يُحْتَرَزُ بِهِ إلَخْ لِدَفْعِ قَوْلِ التَّاوَدِيِّ أَنَّهُ احْتِرَازٌ مِنْ دَعْوَى الْهِبَةِ عَلَى الْقَوْلِ الشَّاذِّ، وَهُوَ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْقَوْلِ اهـ. (الشَّرْطُ الْخَامِسُ) كَوْنُ الْعَادَةِ لَا تُكَذَّبُ الدَّعْوَى بِالْمُدَّعَى فِيهِ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ وَاحْتُرِزَ بِهِ مِنْ الدَّعْوَى بِالْغَصْبِ وَالْفَسَادِ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ خَلِيلٌ وَأَدَبٍ مُمَيَّزٍ كَمُدَّعِيهِ عَلَى صَالِحٍ اهـ وَمِنْ مَسْأَلَةِ الْحِيَازَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فَإِنَّ الدَّعْوَى لَا تُسْمَعُ فِيهَا، وَقِيلَ تُسْمَعُ، وَيُؤْمَرُ الْمَطْلُوبُ بِجَوَابِهَا لَعَلَّهُ يُقِرُّ أَوْ يُنْكِرُ فَيَحْلِفُ قَالَهُ الْحَطَّابُ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ. وَفِي الْأَصْلِ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الدَّعْوَى الَّتِي تُكَذِّبُهَا الْعَادَةُ كَدَعْوَى الْحَاضِرِ الْأَجْنَبِيِّ مِلْكَ دَارٍ فِي يَدِ زَيْدٍ، وَهُوَ حَاضِرٌ يَرَاهُ يَهْدِمُ وَيَبْنِي وَيُؤَاجِرُ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ مِنْ غَيْرِ وَازِعٍ يَزَعُهُ عَنْ الطَّلَبِ مِنْ رَهْبَةِ أَوْ رَغْبَةٍ فَلَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِظُهُورِ كَذِبِهَا، وَالسَّمَاعُ إنَّمَا هُوَ لِتَوَقُّعِ الصِّدْقِ فَإِذَا تَبَيَّنَ الْكَذِبُ عَادَةً امْتَنَعَ تَوَقُّعُ الصِّدْقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي طُولِ الزَّمَانِ الَّذِي تُكَذِّبُ بِهِ الْعَادَةُ دَعْوَى

стр. 873

الْفُقَهَاءِ أَوْ الْفُقَهَاءُ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَأَلْحَقَ الْأَشْعَرِيُّ بِالْكُفْرِ إرَادَةَ الْكُفْرِ كَبِنَاءِ الْكَنَائِسِ لِيَكْفُرَ فِيهَا أَوْ قَتْلِ نَبِيٍّ مَعَ اعْتِقَادِهِ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ لِيُمِيتَ شَرِيعَتَهُ، وَمِنْهُ تَأْخِيرُ إسْلَامِ مَنْ أَتَى لِيُسْلِمَ عَلَى يَدَيْك فَتُشِيرُ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ إرَادَةٌ لِبَقَاءِ الْكُفْرِ. وَلَا يَنْدَرِجُ فِي إرَادَةِ الْكُفْرِ الدُّعَاءُ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ عَلَى مَنْ تُعَادِيهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إرَادَةُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] الْفُقَهَاءِ أَوْ الْفُقَهَاءُ دُونَ غَيْرِهِمْ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ إلَّا مَا نَقَضَهُ مِنْ شَرْطِ عِلْمِ هَذَا الشَّخْصِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُشْتَهَرِ. قَالَ: (وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِالْكُفْرِ إرَادَةَ الْكُفْرَ كَبِنَاءِ الْكَنَائِسِ لِيَكْفُرَ فِيهَا) قُلْتُ: إنْ كَانَ بَنَاهَا الشَّخْصُ لِاعْتِقَادِهِ رُجْحَانَ الْكُفْرِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهُوَ كُفْرٌ لَا شَكَّ، وَإِنْ كَانَ بَنَاهَا الْكَافِرُ إرَادَةَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ وَالتَّوَدُّدِ لَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ. قَالَ: (أَوْ قَتْلِ نَبِيٍّ مَعَ اعْتِقَادِهِ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ لِيُمِيتَ شَرِيعَتَهُ) قُلْتُ: ذَلِكَ كُفْرٌ، وَلَكِنْ لَا يَتَأَتَّى فَرْضُهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مِنْ يُجَوِّزُ الْكُفْرَ عِنَادًا. قَالَ: (وَمِنْهُ تَأْخِيرُ إسْلَامِ مَنْ أَتَى لِيُسْلِمَ عَلَى يَدَيْكَ فَتُشِيرُ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ إرَادَةٌ لِبَقَاءِ الْكُفْرِ) قُلْتُ: ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا إنْ كَانَ إنَّمَا أَشَارَ بِالتَّأْخِيرِ لِاعْتِقَادِهِ رُجْحَانَ الْكُفْرِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كُفْرًا إنْ كَانَ إنَّمَا أَرَادَ بِالتَّأْخِيرِ لِكَوْنِهِ لَا يُرِيدُ لِهَذَا الْإِسْلَامِ لِحِقْدٍ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُشِيرُ رُجْحَانَ الْكُفْرِ. قَالَ: (وَلَا يَنْدَرِجُ فِي إرَادَةِ الْكُفْرِ الدُّعَاءُ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ عَلَى مَنْ تُعَادِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إرَادَةُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْحَاضِرِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَمْ يَحُدَّهُ مَالِكٌ بِالْعَشِيرَةِ بَلْ قَالَ مَنْ أَقَامَتْ بِيَدِهِ دَارٌ سِنِينَ يَكْرِي وَيَهْدِمُ وَيَبْنِي فَأَقَمْت بِبَيِّنَةِ أَنَّهَا لَك أَوْ لِأَبِيك أَوْ لِجَدِّك، وَثَبَتَتْ الْمَوَارِيثُ، وَأَنْتَ حَاضِرٌ تَرَاهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ لَك فَإِنْ كُنْت غَائِبًا أَفَادَك إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَالْعُرُوضِ، وَالْحَيَوَانُ وَالرَّقِيقُ كَذَلِكَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَصْحَابُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَاتِ إذَا ادَّعَى بِأُجْرَةٍ مِنْ سِنِينَ لَا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ إنْ كَانَ حَاضِرًا، وَلَا مَانِعَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى بِثَمَنِ سِلْعَةٍ مِنْ زَمَنٍ قَدِيمٍ، وَلَا مَانِعَ مِنْ طَلَبِهِ، وَعَادَتُهَا تُبَاعُ بِالنَّقْدِ، وَشَهِدَتْ الْعَادَةُ أَنَّ هَذَا الثَّمَنَ لَا يَتَأَخَّرُ، وَقَالَ رَبِيعَةُ عَشْرُ سِنِينَ تَقْطَعُ الدَّعْوَى لِلْحَاضِرِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ أَكْرَى أَوْ أَسْكَنَ أَوْ أَعَارَ، وَلَا حِيَازَةَ عَلَى غَائِبٍ، وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ حَازَ شَيْئًا عَشْرَ سِنِينَ فَهُوَ لَهُ» ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَكُلُّ شَيْءٍ يُكَذِّبُهُ الْعُرْفُ وَجَبَ أَنْ لَا يُؤْمَرَ بِهِ بَلْ يُؤْمَرُ بِالْمِلْكِ لِحَائِزِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْحِيَازَةُ مِنْ الثَّمَانِيَةِ إلَى الْعَشَرَةِ، وَأَمَّا فِي الْأَقَارِبِ فَقَالَ مَالِكٌ الْحِيَازَةُ الْمُكَذِّبَةُ لِلدَّعْوَى فِي الْعَقَارِ نَحْوُ الْخَمْسِينَ سَنَةً لِأَنَّ الْأَقَارِبَ يَتَسَامَحُونَ لِبِرِّ الْقَرَابَةِ أَكْثَرَ مِنْ الْأَجَانِبِ إمَّا لِدُونِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ الطُّولِ فَلَا تَكُونُ الدَّعْوَى كَاذِبَةً، وَخَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ ﵁، وَسَمِعَ الدَّعْوَى فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لَنَا النُّصُوصُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَهَذَا قِسْمٌ مِنْ أَقْسَامِ الدَّعْوَى الثَّلَاثَةِ، وَيَبْقَى قِسْمَانِ دَاخِلَانِ تَحْتَ قَاعِدَةِ الدَّعْوَى الصَّحِيحَةِ: (الْأَوَّلُ) مَا تُصَدِّقُهَا الْعَادَةُ كَدَعْوَى الْقَرِيبِ الْوَدِيعَةَ. (وَالثَّانِي) مَا لَمْ تَقْضِ الْعَادَةُ بِصِدْقِهَا، وَلَا بِكَذِبِهَا كَدَعْوَى الْمُعَامَلَةِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا الْخُلْطَةُ، وَسَيَأْتِي بَيَانُهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ قَاعِدَتَيْ مَنْ يَحْلِفُ وَمَنْ لَا اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ. (تَنْبِيهَانِ: الْأَوَّلُ) قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ كُلَّهَا مَبْحُوثٌ فِيهَا مَا عَدَا الشَّرْطَ الرَّابِعَ اهـ فَافْهَمْ. (التَّنْبِيهُ الثَّانِي) قَالَ التَّاوَدِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ هَذِهِ شُرُوطُ الدَّعْوَى، وَأَمَّا الدَّعْوَى نَفْسُهَا فَقَالَ الْقَرَافِيُّ هِيَ طَلَبٌ مُعَيَّنٌ كَهَذَا الثَّوْبِ، وَمَا فِي ذِمَّةِ مُعَيَّنٌ كَالدَّيْنِ وَالسَّلَمِ، وَادِّعَاءِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا أَيْ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنُ كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الطَّلَاقَ أَوْ الرِّدَّةَ لِتُحَرِّرَ نَفْسَهَا، وَهِيَ مُعَيَّنَةٌ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا فِي ذِمَّةِ مُعَيَّنٍ كَدَعْوَى الْمَسِيسِ أَوْ الْقَتْلِ لِيَتَرَتَّبَ الصَّدَاقُ وَالدِّيَةُ فِي ذِمَّةِ الْعَاقِلَةِ الْمُعَيَّنَةِ بِالنَّوْعِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى تُسْمَعُ الدَّعَاوَى فِي النِّكَاحِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ تَزَوَّجْتهَا بِوَلِيٍّ وَبِرِضَاهَا] (الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ) : وَفِيهِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَةُ الْعُلَمَاءِ تَحْقِيقًا لِمَنْ هُوَ الْمُدَّعِي الَّذِي عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ وَلِمَنْ هُوَ الْمُدَّعِي الَّذِي يَحْلِفُ فِي قَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» لِأَنَّ بَيْنَهُمَا الْتِبَاسًا، وَعِلْمُ الْقَضَاءِ يَدُورُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ﵁ مَنْ مَيَّزَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ عَرَفَ وَجْهَ الْقَضَاءِ كَمَا فِي تُسُولِيِّ الْعَاصِمِيَّةِ فَقِيلَ كُلُّ طَالِبٍ فَهُوَ مَدْفُوعٌ، وَكُلُّ مَطْلُوبٍ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ﵁ كُلُّ مَنْ قَالَ قَدْ كَانَ فَهُوَ مُدَّعٍ، وَكُلُّ مَنْ قَالَ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ اهـ. وَلِلْأَصْحَابِ فِيهِ عِبَارَتَانِ تُوَضِّحُ ثَانِيَهُمَا الْأُولَى أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ أَبْعَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ أَقْرَبُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ سَبَبًا، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى خِلَافِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ أَيْ مُجَرَّدًا عَنْهُمَا مَعًا فَأَوْ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ كَانَ قَوْلُهُ عَلَى وَفْقِ أَصْلٍ أَوْ عُرْفٍ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ

стр. 874

مَقْصُودًا فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ إذَايَةُ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضًا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ عَقْدَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْأُسَارَى عَلَى الْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِمَحْوِ الْكُفْرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَفِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ إرَادَةُ اسْتِمْرَارِ الْكُفْرِ فِي قُلُوبِهِمْ فَهُوَ فِيهِ إرَادَةُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَوَقُّعُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ إذَا بَقُوا أَحْيَاءَ وَفِي تَعْجِيلِ الْقَتْلِ عَلَيْهِمْ سَدُّ بَابِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ فَالْمَقْصُودُ تَوَقُّعُ الْإِيمَانِ وَحُصُولُ الْكُفْرِ وَقَعَ بِالْعَرَضِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ وَاجِبٌ عِنْدَ تَعْيِينِ مُقْتَضِيهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْفَاعِلُ لَهُ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] مَقْصُودًا فِيهِ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ إذَايَةَ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ) قُلْتُ: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُنَا مُوَافِقٌ لِمَا قُلْتُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِشَارَةِ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يُشِرْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا بِقَصْدِ إذَايَتِهِ لَا لِاعْتِقَادِهِ رُجْحَانَ الْكُفْرِ. قَالَ: (وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضًا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ عَقْدَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْأُسَارَى عَلَى الْقَتْلِ الْمُوجِبِ لِمَحْوِ الْكُفْرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ وَفِي عَقْدِ الْجِزْيَةِ إرَادَةُ اسْتِمْرَارِ الْكُفْرِ فِي قُلُوبِهِمْ فَهُوَ فِيهِ إرَادَةُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَوَقُّعُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ إذَا بَقُوا أَحْيَاءَ وَفِي تَعْجِيلِ الْقَتْلِ عَلَيْهِمْ سَدُّ بَابِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ فَالْمَقْصُودُ تَوَقُّعُ الْإِيمَانِ، وَحُصُولُ الْكُفْرِ وَقَعَ بِالْعَرَضِ) قُلْتُ: مَا حَامَ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ كُلُّهُ صَحِيحٌ وَهُوَ أَنَّ اسْتِبْقَاءَ الْأُسَارَى وَضَرْبَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ إيثَارٌ لِاسْتِمْرَارِ الْكُفْرِ، وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا. قَالَ: (فَهُوَ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ وَاجِبٌ عِنْدَ تَعْيِينِ مُقْتَضِيهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْفَاعِلُ لَهُ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَبِمَعْنَى الْعُرْفِ الْعَادَةُ، وَالشَّبَهُ، وَالْغَالِبُ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي مِنْ الْأَمْثِلَةِ، وَأَوْ هُنَا مَانِعَةُ خُلُوٍّ فَقَطْ فَتَجُوزُ الْجَمْعُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا وَافَقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ الْأَصْلَ وَحْدَهُ، وَخَالَفَهُ الْمُدَّعِي مَنْ ادَّعَى عَلَى شَخْصٍ دَيْنًا أَوْ غَصْبًا أَوْ جِنَايَةً، وَنَحْوَهُمَا فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ هَذِهِ الْأُمُورِ. وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ يُعَضِّدُهُ، وَيُخَالِفُ الطَّالِبَ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا اخْتِلَافُ الْيَتِيمِ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَرُشْدِهِ مَعَ وَصِيَّةٍ فِي الدَّفْعِ فَإِنَّ الْيَتِيمَ مُتَمَسِّكٌ بِالْأَصْلِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الدَّفْعِ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَالْوَصِيُّ مُدَّعٍ، وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا لِأَنَّهُ غَيْرُ أَمِينٍ فِي الدَّفْعِ عِنْدَ التَّنَازُعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا وَافَقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ الْعُرْفَ وَحْدَهُ مَنْ ادَّعَى الشِّرَاءَ أَوْ الْهِبَةَ مِنْ حَائِزٍ لِلْمُدَّعِي فِيهِ مُدَّةَ الْحِيَازَةِ فَالْحَائِزُ مُدَّعًى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ تَقَوَّى جَانِبُهُ بِالْحِيَازَةِ، وَالْقَائِمُ مُدَّعٍ، وَمِنْهَا جَزَّارٌ وَدَبَّاغٌ تَدَاعَيَا جِلْدًا تَحْتَ يَدِهِمَا، وَلَا يَدَ عَلَيْهِ فَالْجَزَّارُ مُدَّعًى عَلَيْهِ وَالدَّبَّاغُ مُدَّعٍ فَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْحَائِزُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِنْهَا قَاضٍ وَجُنْدِيٌّ تَدَاعَيَا رُمْحًا تَحْتَ يَدِهِمَا أَوْ لَا يَدَ عَلَيْهِ فَالْجُنْدِيُّ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَالْقَاضِي مُدَّعٍ، وَمِنْهَا عَطَّارٌ وَصَبَّاغٌ تَدَاعَيَا مِسْكًا وَصِبْغًا فَالْعَطَّارُ مُدَّعٍ فِي الصِّبْغِ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي الْمِسْكِ وَالصَّبَّاغُ بِالْعَكْسِ، وَمِنْهَا اخْتِلَافُ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ فَلِلْمَرْأَةِ الْمُعْتَادُ لِلنِّسَاءِ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى نَقْدِ صَدَاقِهَا، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِالْفَقْرِ، وَمِنْهُ النُّكُولُ، وَدَعْوَى الشَّبَهِ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ فِي الصَّدَاقِ أَوْ الْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَمِنْهَا دَعْوَى الْعَامِلِ فِي الْقِرَاضِ أَوْ الْمُودَعِ عِنْدَهُ الرَّدُّ حَيْثُ قُبِضَا بِغَيْرِ إشْهَادٍ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ هُوَ مِنْ تَقْوَى جَانِبُهُ بِسَبَبٍ مِنْ حِيَازَةٍ أَوْ شَبَهٍ أَوْ نُكُولِ صَاحِبِهِ أَوْ أَمَانَةٍ أَوْ كَوْنِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مِمَّا شَأْنُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ، وَالْمُدَّعِي مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ ذَلِكَ السَّبَبِ كَمَا فِي التَّسَوُّلِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا وَافَقَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِيهِ الْأَصْلَ وَالْعُرْفَ مَعًا طَالِبُ الْوَدِيعَةِ الَّتِي سَلَّمَهَا لِلْمُودِعِ عِنْدَهُ بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ ائْتَمَنَ الْمُودِعُ عِنْدَهُ لَمَا أَشْهَدَ عَلَيْهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ بِيَمِينِهِ فَهُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ طَالِبًا وَالْمُودِعُ عِنْدَهُ مُدَّعٍ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ، وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ لَمَّا قَبَضَ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ لَا يُعْطِي إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَالْأَصْلُ أَيْضًا عَدَمُ الدَّفْعِ فَالْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ مَعًا يُعَضِّدَانِ صَاحِبَ الْوَدِيعَةِ وَيُخَالِفَانِ الْمُودَعَ عِنْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْقِرَاضُ إذَا قُبِضَ بِبَيِّنَةٍ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ، وَإِذَا تَمَسَّكَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْعُرْفِ كَمَا إذَا أَشْبَهَا مَعًا فِيمَا يَرْجِعُ فِيهِ لِلشَّبَهِ كَتَنَازُعِ جَزَّارٍ مَعَ جَزَّارٍ فِي جِلْدٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَكُنْ بِيَدِ أَحَدِهِمَا حَلَفَا وَقُسِمَ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا تَمَسَّكَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْأَصْلِ كَدَعْوَى الْمُكْتَرِي لِلرَّحَى أَوْ الدَّارِ أَنَّهُ انْهَدَمَتْ أَوْ انْقَطَعَ الْمَاءُ عَنْهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي شَهْرَانِ فَقَطْ اخْتَلَفَ فِيمَنْ يَكُونُ مُدَّعًى عَلَيْهِ مِنْهُمَا فَقِيلَ الْمُكْتَرِي لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ مِنْ الْغَرَامَةِ فَيُسْتَصْحَبُ ذَلِكَ، وَقِيلَ الْمُكْرِي لِأَنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ أَوْجَبَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُكْتَرِي، وَهُوَ يَدَّعِي إسْقَاطَ بَعْضِهِ فَلَا يَصْدُقُ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ شَخْصٌ مِنْ رَجُلٍ دَنَانِيرَ فَلَمَّا طَلَبَهُ بِهَا الدَّافِعُ زَعَمَ أَنَّهُ قَبَضَهَا مِنْ مِثْلِهَا الْمُرَتَّبِ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا كَوْنَ الدَّافِعِ بَرِيءُ الذِّمَّةِ مِنْ سَلَفِ هَذَا الْقَابِضِ كَانَ الدَّافِعُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا لِابْنِ رُشْدٍ وَأَبِي الْحَسَنِ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ اعْتَبَرْنَا حَالَ الْقَابِضِ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ أَيْضًا بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَلَا يُؤَاخَذُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَقَرَّ بِهِ جَعَلْنَاهُ هُوَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَافْهَمْ فَبِهَذِهِ الْوُجُوهِ صَعُبَ عِلْمُ الْقَضَاءِ قَالَ وَإِذَا تَعَارَضَ الْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ قَدَّمَ الشَّافِعِيَّةُ الْأَصْلَ فِي جَمِيعِ صُوَرِ التَّعَارُضِ. وَقَدَّمَ الْمَالِكِيَّةَ الْغَالِبَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] فَكُلُّ أَصْلٍ كَذَّبَهُ الْعُرْفُ كَمَا إذَا شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ الْغَالِبَ

стр. 875

بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَأْثَمُ قَائِلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ. وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّجُودِ لِلشَّجَرَةِ وَالسُّجُودِ لِلْوَالِدِ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ كُفْرٌ دُونَ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ فِي الْحَالَتَيْنِ مُعْتَقِدًا مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشْرِيكَ فِي السُّجُودِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَعْتَقِدُهُ السَّاجِدُ لِلْوَالِدِ وَقَدْ قَالَتْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَأْثَمُ قَائِلُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ تَعَيُّنِ مُقْتَضِيهِ كَذَلِكَ يَكُونُ لَوْ تَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي، وَمَتَى يَتَعَيَّنُ الْمُقْتَضِي عِنْدَنَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ عَاقِبَةَ أَمْرِ الْأَسِيرِ (وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّجُودِ لِلشَّجَرَةِ وَالسُّجُودِ لِلْوَالِدِ: فِي الْأَوَّلِ كُفْرٌ دُونَ الثَّانِي، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ فِي الْحَالَتَيْنِ مُعْتَقِدًا مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشْرِيكَ فِي السُّجُودِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَعْتَقِدُهُ السَّاجِدُ لِلْوَالِدِ وَقَدْ قَالَتْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] قُلْتُ السَّاجِدُ لِلشَّجَرَةِ وَالسَّاجِدُ لِلْوَالِدِ إنْ سَجَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْمَسْجُودَ لَهُ شَرِيكُ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ سَجَدَ لَا مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ بَلْ تَعْظِيمًا عَارِيًّا عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ، وَإِنْ سَجَدَ السَّاجِدُ لِلشَّجَرَةِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَجَدَ السَّاجِدُ لِلْوَالِدِ لَا مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ بَلْ تَعْظِيمًا فَالْأَوَّلُ كُفْرٌ وَالثَّانِي مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ أَوْ بِالْعَكْسِ إلَّا أَنْ نَقُولَ أَنَّ مُجَرَّدَ السُّجُودِ لِلشَّجَرَةِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] صِدْقُهَا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ وَجَبَ أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهِ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا ادَّعَى الصَّالِحُ التَّقِيُّ الْكَبِيرُ الْعَظِيمُ الْمَنْزِلَةِ وَالشَّأْنِ مِنْ الْعِلْمِ وَالدِّينِ بَلْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوْ عُمَرُ الْفَارُوقُ ابْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أَفْسَقِ النَّاسِ وَأَدْنَاهُمْ دِرْهَمًا وَاحِدًا فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهُ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ فَيُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَى الْغَالِبِ فِي هَذِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اهـ بِتَصَرُّفٍ وَتَوْضِيحٍ. لَكِنْ قَالَ الْأَصْلُ أَنَّ إلْغَاءَ الْأَصْلِ فِي الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ بِدَيْنٍ وَنَحْوِهِ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ كَمَا أَنَّ إلْغَاءَ الْغَالِبِ فِي مُجَرَّدِ دَعْوَى الدَّيْنِ، وَنَحْوُهُ، وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ أَصْلَحَ النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَفْسَقِ النَّاسِ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ كَذَلِكَ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فَلَيْسَ فِي كَوْنِ الْمُلْغَى الْأَصْلَ أَوْ الْغَالِبَ عِنْدَ تَعَرُّضِهِمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَبِهَذَا الْإِجْمَاعِ احْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَيْنَا فِي تَقْدِيمِ الْغَالِبِ عَلَى الْأَصْلِ فِي دَعْوَى الْمَرْأَةِ الْمَسِيسَ وَعَدَمَ الْإِنْفَاقِ وَنَحْوَهُمَا مِمَّا شَهِدَ الْعُرْفُ فِيهِ لِلْمُدَّعِي كَمَا مَرَّ، وَيُوَضِّحُهُ مَا فِي حَاشِيَةِ الْعَطَّارِ عَلَى مَحَلِّي جَمْعِ الْجَوَامِعِ قَالَ زَكَرِيَّا، وَفِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ تَعَارَضَ الْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ فِيهِ قَوْلَانِ، وَلِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (أَحَدُهَا) أَنْ لَا تَطَّرِدَ الْعَادَةُ بِمُخَالَفَةِ الْأَصْلِ، وَإِلَّا قُدِّمَتْ قَطْعًا، وَلِذَا حَكَمَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْهَارِبِ فِي الْحَمَّامِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْبَوْلِ فِيهِ الثَّانِي أَنْ تَكْثُرَ أَسْبَابُ الظَّاهِرِ فَإِنْ نَدَرَتْ لَمْ يُنْظَرْ إلَيْهِ قَطْعًا، وَلِذَا اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ بِالْأَخْذِ بِالْوُضُوءِ فِيمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحَدَثُ مَعَ إجْزَائِهِمْ الْقَوْلَيْنِ فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَفَرَّقَ الْإِمَامُ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَظْهَرُ بِهَا النَّجَاسَةُ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ فِي الْأَحْدَاثِ قَلِيلَةٌ، وَلَا أَثَرَ لِلنَّادِرِ، وَالتَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَوْلَى. (الثَّالِثُ) أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِالتَّرْجِيحِ مُتَعَيَّنٌ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الظَّاهِرُ حُجَّةً يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَصْلِ قَطْعًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ سَنَدُهُ، الْعُرْفُ أَوْ الْقَرَائِنُ أَوْ غَلَبَةُ الظَّنِّ فَهَذِهِ يَتَفَاوَتُ أَمْرُهَا فَتَارَةً يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ، وَتَارَةً يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ وَتَارَةً يُخَرَّجُ خِلَافٌ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ الْأَوَّلُ مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالظَّاهِرِ كَالْبَيِّنَةِ الثَّانِي مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَقَدُّمُ الظَّاهِرِ كَمَا فِي اخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ عَلَى الْأَظْهَرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا الثَّالِثُ مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ وَإِلْغَاءِ الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ مُحْرِمَةٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ. الرَّابِعُ مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْأَصْلِ كَمَا فِي ثِيَابِ مُدْمِنِي النَّجَاسَةِ وَطِينِ الشَّارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ، وَالْمَقَابِرِ الَّتِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَبْشُهَا فَإِنَّ الْأَصَحَّ فِيهَا الطَّهَارَةُ اهـ الْمُرَادُ بِتَلْخِيصٍ فَافْهَمْ. هَذَا، وَاَلَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ بَيَانِ مَا لِلْأَصْحَابِ مِنْ الْفَرْقَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ بَيْنَ الْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِالْأَمْثِلَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَنَّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَأَنَّهُمَا مُطَّرِدَانِ، وَأَنَّ الْفَرْقَ الْأَوَّلَ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِنَقْضِهِ بِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَدِيعَةِ مَعَ الْإِشْهَادِ وَالْيَتِيمِ مَعَ وَصِيَّةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ الْمَسِيسَ عَلَى زَوْجِهَا فِي خَلْوَةِ الِاهْتِدَاءِ، وَادَّعَى هُوَ عَدَمُهُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمْ طَالِبٌ مَعَ أَنَّهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ فَلِذَا قَالَ الْأَصْلُ فَلَيْسَ كُلُّ طَالِبٍ مُدَّعِيًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَطْلُوبٍ مِنْهُ مُدَّعًى عَلَيْهِ اهـ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ. وَأَمَّا فَرْقُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ فَكَذَلِكَ قِيلَ أَنَّهُ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لِنَقْضِهِ بِدَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْحَاضِرِ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا، وَقَالَ هُوَ أَنْفَقْت، وَبِدَعْوَى الْمَرْأَةِ الْمَسِيسَ عَلَى زَوْجِهَا فِي خَلْوَةِ الِاهْتِدَاءِ، وَادَّعَى عَدَمَهُ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ فِي

стр. 876

مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْكَبِيرَةِ إنَّمَا هُوَ بِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ وَصِغَرِهَا لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ، وَمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي نَعْلَمُهَا مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَسَجَدُوا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ قِبْلَةً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّعْظِيمِ بِذَلِكَ السُّجُودِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ هُنَالِكَ بِمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْكُفْرِ، وَلَا أَنَّهُ أَبَاحَ الْكُفْرَ لِأَجْلِ آدَمَ، وَلَا أَنَّ فِي السُّجُودِ لِآدَمَ مَفْسَدَةً تَقْتَضِي كُفْرًا. وَلَوْ فَعَلَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ رَبِّهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ عَنْهُمَا سَبَبَا الْمَفَاسِدِ وَالْمَصَالِحِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] كُفْرٌ؛ لِأَنَّهَا قَدْ عُبِدَتْ مُدَّةً، وَمُجَرَّدُ السُّجُودِ لِلْوَالِدِ لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ مُدَّةً فَيَفْتَقِرُ ذَلِكَ إلَى تَوْقِيفٍ. قَالَ: (مَعَ أَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْكَبِيرَةِ إنَّمَا هُوَ بِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ وَصِغَرِهَا لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ، وَمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي نَعْلَمُهَا مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ فِي إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَسَجَدُوا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ قِبْلَةً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّعْظِيمِ بِذَلِكَ السُّجُودِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ هُنَالِكَ بِمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْكُفْرِ، وَلَا أَنَّهُ أَبَاحَ الْكُفْرَ لِأَجْلِ آدَمَ، وَلَا أَنَّ فِي السُّجُودِ لِآدَمَ مَفْسَدَةً تَقْتَضِي كُفْرًا لَوْ فَعَلَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ رَبِّهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ عَنْهُمَا سَبَبَا الْمَفَاسِدِ وَالْمَصَالِحِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] الْأُولَى لِشَهَادَةِ الْعُرْفِ لَهُ، وَهِيَ مُدَّعِيَةٌ، وَهُمَا فِي الثَّانِيَةِ عَلَى الْعَكْسِ، وَفَرْقُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي الْأُولَى مُدَّعًى عَلَيْهَا لِأَنَّهَا تَقُولُ لَمْ يَكُنْ، وَفِي الثَّانِيَةِ مُدَّعِيَةٌ لِأَنَّهَا تَقُولُ قَدْ كَانَ كَمَا فِي التَّسَوُّلِيِّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ قَالَ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الرَّدَّ الْمَذْكُورَ لِلتَّعْرِيفَيْنِ أَيْ لِلْمُدَّعِي، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِمَا ذُكِرَ أَيْ الْفَرْقُ الْأَوَّلُ. وَفَرَقُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا يَتِمُّ وَلَوْ كَانَ الْقَائِلُ بِهِمَا يُسَلِّمُ أَنَّ الطَّالِبَ، وَمَنْ يَقُولُ قَدْ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ أَيْ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي تَقْضِي بِهَا الرَّادُّ كُلًّا مِنْ التَّعْرِيفَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَقَدْ يَقُولُ إنَّهُ مُدَّعٍ قَامَ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ عُرْفٍ أَوْ أَصْلٍ، وَلَا يُحْتَجُّ عَلَى الْإِنْسَانِ بِمَذْهَبٍ مِثْلِهِ، وَاخْتَارَ هَذَا الْجَوَابَ ابْنُ رَحَّالٍ وَالْحَاصِلُ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ أَنَّ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَنْ يَتَمَسَّكَ أَحَدُهُمَا بِالْعُرْفِ فَقَطْ كَالِاخْتِلَافِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، وَدَعْوَى الشَّبَهِ وَاخْتِلَافِ الْقَاضِي وَالْجُنْدِيِّ فِي الرُّمْحِ، وَالْجَزَّارِ وَالدَّبَّاغِ فِي الْجِلْدِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَتَعَارَضْ فِيهِ الْعُرْفُ وَالْأَصْلُ، وَأَمَّا أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْأَصْلِ فَقَطْ كَالِاخْتِلَافِ فِي أَصْلِ الدَّيْنِ وَفِي قَضَائِهِ، وَفِي دَعْوَى الْحَائِزِ نَفْسَهُ الْحُرِّيَّةَ، وَدَعْوَى رَبِّ الْمَالِ وَالْمُودِعِ عَدَمَ الرَّدِّ مَعَ دَفْعِهِمَا بِإِشْهَادٍ، وَدَعْوَى الْيَتِيمِ عَدَمَ الْقَبْضِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي هَذَيْنِ أَيْ أَمْثِلَةُ شَهَادَةِ الْعُرْفِ فَقَطْ أَوْ الْأَصْلِ فَقَطْ، هُوَ الْمُتَمَسِّكُ بِذَلِكَ الْعُرْفِ أَوْ الْأَصْلِ عَلَى تَعْرِيفِ الْأَصْحَابِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَمَنْ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَتَمَسَّكَ أَحَدُهُمَا بِالْأَصْلِ، وَالْآخَرُ بِالْعُرْفِ فَيَأْتِي الْخِلَافُ كَدَعْوَى الزَّوْجِ عَلَى سَيِّدِ الْأَمَةِ أَنَّهُ غَرَّهُ بِتَزْوِيجِهَا فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْغُرُورِ، وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ، وَالْغَالِبُ عَدَمُ رِضَا الْحُرِّ بِتَزْوِيجِ الْأَمَةِ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَكَمَسْأَلَةِ اخْتِلَافِ الْمُتَرَاهِنَيْنِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ فَإِنَّ الرَّهْنَ شَاهِدٌ عُرْفِيٌّ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وَكَمَسْأَلَةِ الْحِيَازَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَدَعْوَى عَامِلِ الْقِرَاضِ وَالْمُودِعِ عِنْدَهُ الرَّدَّ مَعَ عَدَمِ الْإِشْهَادِ لِأَنَّ الْغَالِبَ صِدْقُ الْأَمِينِ، وَدَعْوَى الْمَرْأَةِ الْمَسِيسَ، وَعَدَمَ الْإِنْفَاقِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي مِثْلِ هَذَا عَلَى تَعْرِيفِ الْأَصْحَابِ هُوَ الْمُتَمَسِّكُ بِالْعُرْفِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ أَوْ عُرْفٌ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهِ عَارَضَهُ أَصْلٌ أَمْ لَا، وَعَلَى التَّعْرِيفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. هُوَ الْمَطْلُوبُ، وَمَنْ يَقُولُ لَمْ يَكُنْ لَكِنْ لَمَّا تَرَجَّحَ جَانِبُ الْمُدَّعِي فِيهَا بِشَهَادَةِ الْعُرْفِ لِأَنَّهُ أَقْوَى صَارَ الْمُدَّعِي مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ مَا نَصُّهُ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وَجَبَ عَلَى الْمُدَّعِي إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ تُجَرَّدُ دَعْوَاهُ مِنْ سَبَبٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ سَبَبٌ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ أَوْ الرَّهْنِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ إرْخَاءِ السِّتْرِ وَجَبَ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيَمِينِ دُونَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اهـ. وَنَقَلَهُ الْقَلْشَانِيُّ، وَغَيْرُهُ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ سَمَّاهُ مُدَّعِيًا، وَجَعَلَ الرَّهْنَ وَإِرْخَاءَ السُّتُورِ وَالشَّاهِدَ الْحَقِيقِيَّ سَبَبًا لِصَيْرُورَتِهِ مُدَّعًى عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ خَصْمِهِ الْمُتَمَسِّكِ بِالْأَصْلِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْعُرْفِ هَلْ هُوَ شَاهِدٌ أَوْ كَشَاهِدٍ أَنَّ الْبُرْزُلِيَّ الْقَاعِدَةُ إحْلَافُ مَنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ فَيَكُونُ بِمَثَابَةِ الشَّاهِدِ، وَقِيلَ هُوَ كَالشَّاهِدَيْنِ اهـ. وَقَدْ دَرَجَ خَلِيلٌ فِي مَوَاضِعَ عَلَى أَنَّهُ كَالشَّاهِدِ مِنْهَا قَوْلُهُ فِي الرَّهْنِ، وَهُوَ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، وَقَدْ عَقَدَ فِي التَّبْصِرَةِ بَابًا فِي رُجْحَانِ قَوْلِ الْمُدَّعِي بِالْعَوَائِدِ، وَقَالَ الْقَرَافِيُّ أَجْمَعُوا عَلَى اعْتِبَارِ الْغَالِبِ وَإِلْغَاءِ الْأَصْلِ فِي الْبَيِّنَةِ إذَا شَهِدَتْ فَإِنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهَا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ اهـ فَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ لَك الْجَوَابَ الْمُتَقَدِّمَ عَمَّا وَرَدَ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. وَيَدُلُّك عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّعَارِيفِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ يَنْقَلِبُ مُدَّعًى عَلَيْهِ لِقِيَامِ سَبَبٍ أَقْوَى مِنْ سَبَبِ خَصْمِهِ كَانَ ذَلِكَ السَّبَبُ حَقِيقِيًّا أَوْ عُرْفِيًّا

стр. 877

فَإِنْ نَهَى عَنْ السُّجُودِ كَانَ مَفْسَدَةً، وَإِنْ أَمَرَ بِهِ كَانَ مَصْلَحَةً؛ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ تَابِعَةً لِلنَّهْيِ مَعَ أَنَّ النَّهْيَ يَتْبَعُ الْمَفْسَدَةَ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَابِعًا لِصَاحِبِهِ فَيَلْزَمْ الدَّوْرَ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ يَتْبَعُهَا النَّهْيُ، وَمَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَاسْتِقْرَاءُ الشَّرَائِعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ السَّرِقَةَ لَمَّا كَانَ فِيهَا ضَيَاعُ الْمَالِ نَهَى عَنْهَا، وَلَمَّا كَانَ فِي الْقَتْلِ فَوَاتُ الْحَيَاةِ نَهَى عَنْهُ وَلَمَّا كَانَ فِي الزِّنَا مَفْسَدَةُ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ نَهَى عَنْهُ، وَلَمَّا كَانَ فِي الْخَمْرِ ذَهَابُ الْعُقُولِ نَهَى عَنْهُ فَلَا جَرَمَ لَمَّا صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا ذَهَبَ عَنْهُ النَّهْيُ وَلَمَّا كَانَ عَصِيرًا لَا يُفْسِدُ الْعَقْلَ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَالِاسْتِقْرَاءُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَفَاسِدَ وَالْمَصَالِحَ سَابِقَةٌ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالثَّوَابَ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] فَإِنْ نَهَى عَنْ السُّجُودِ كَانَ مَفْسَدَةً، وَإِنْ أَمَرَ بِهِ كَانَ مَصْلَحَةً؛ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ تَكُونُ حِينَئِذٍ تَابِعَةً لِلنَّهْيِ مَعَ أَنَّ النَّهْيَ يَتْبَعُ الْمَفْسَدَةَ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَابِعًا لِصَاحِبِهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ يَتْبَعُهَا النَّهْيُ، وَمَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ وَاسْتِقْرَاءُ الشَّرَائِعِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ السَّرِقَةَ لَمَّا كَانَ فِيهَا ضَيَاعُ الْمَالِ نَهَى عَنْهَا وَلَمَّا كَانَ فِي الْقَتْلِ فَوَاتُ الْحَيَاةِ نَهَى عَنْهُ وَلَمَّا كَانَ فِي الزِّنَا مَفْسَدَةُ اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ نَهَى عَنْهُ وَلَمَّا كَانَ فِي الْخَمْرِ ذَهَابُ الْعُقُولِ نَهَى عَنْهُ فَلَا جَرَمَ لَمَّا صَارَ الْخَمْرُ خَلًّا ذَهَبَ النَّهْيُ عَنْهُ، وَلَمَّا كَانَ عَصِيرًا لَا يُفْسِدُ الْعَقْلَ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَالِاسْتِقْرَاءُ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَفَاسِدَ وَالْمَصَالِحَ سَابِقَةٌ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَالثَّوَابُ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] إلَّا أَنَّ الْعُرْفِيَّ لَا يَقْوَى عِنْدَهُمْ قُوَّةَ الْحَقِيقِيِّ فَلَيْسَتْ الْيَمِينُ مَعَهُ تَكْمِلَةً لِلنِّصَابِ حَتَّى يُؤَدِّيَ ذَلِكَ لِنَفْيِ يَمِينِ الْإِنْكَارِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ شَاهِدٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِدُونِ الْيَمِينِ كَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُتَيْطِيِّ عِنْدَ قَوْلِ خَلِيلٍ، وَهُوَ كَالشَّاهِدِ إلَخْ فَاعْتِرَاضُ التَّاوَدِيِّ عَلَى الْجَوَابِ السَّابِقِ بِكَوْنِهِ يُؤَدِّي لِنَفْيِ يَمِينِ الْإِنْكَارِ إلَخْ سَاقِطٌ اهـ بِتَوْضِيحِ الْمُرَادِ فَانْهَمْ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَصْلُ خُولِفَتْ قَاعِدَةُ الدَّعَاوَى أَيْ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ الْمَطْلُوبِ دُونَ الطَّالِبِ فِي خَمْسِ مَوَاطِنَ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ: (أَحَدُهَا) اللِّعَانُ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الزَّوْجِ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ يَنْفِي عَنْ زَوْجِهِ الْفَوَاحِش فَحَيْثُ أَقْدَمَ عَلَى رَمْيِهَا بِالْفَاحِشَةِ مَعَ أَيْمَانِهِ أَيْضًا قَدَّمَهُ الشَّرْعُ. (وَثَانِيهَا) فِي الْقَسَامَةِ يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلُ الطَّالِبِ لِتَرَجُّحِهِ بِاللَّوْثِ. (وَثَالِثُهَا) قَبُولُ قَوْلِ الْأُمَنَاءِ فِي التَّلَفِ لِئَلَّا يَزْهَدَ النَّاسُ فِي قَبُولِ الْأَمَانَاتِ فَتَفُوتَ مَصَالِحُهَا الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى حِفْظِ الْأَمَانَاتِ، وَالْأَمِينُ قَدْ يَكُونُ أَمِينًا مِنْ جِهَةِ مُسْتَحِقِّ الْأَمَانَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ كَالْوَصِيِّ وَالْمُتَلَقِّطِ، وَمَنْ أَلْقَتْ الرِّيحُ ثَوْبًا فِي بَيْتِهِ. (وَرَابِعُهَا) قَبُولُ قَوْلِ الْحَاكِمِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحْكَامِ لِئَلَّا تَفُوتُ الْمَصَالِحُ الْمُرَتَّبَةُ عَلَى الْوِلَايَةِ لِلْأَحْكَامِ. (وَخَامِسُهَا) قَبُولُ قَوْلِ الْغَاصِبِ فِي التَّلَفِ مَعَ يَمِينِهِ لِضَرُورَةِ الْحَاجَةِ لِئَلَّا يَخْلُدَ فِي الْحَبْسِ اهـ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ لَكِنْ قَالَ التَّسَوُّلِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ فَتَأَمَّلْ عَدَّهُ اللِّعَانَ وَالْقَسَامَةَ وَالْأَمَانَةَ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا قُدِّمَ فِيهِ الْغَالِبُ عَلَى الْأَصْلِ كَمَا مَرَّ فَلَمْ تَكُنْ فِيهِ مُخَالَفَةٌ، وَبَعْضُهُمْ يُعَبِّرُ عَنْ الْأَمِينِ أَنَّ الْغَالِبَ صِدْقُهُ أَيْ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ، وَبَعْدَ أَنْ ذَكَرَهَا الْمِكْنَاسِيُّ فِي مَجَالِسِهِ قَالَ، وَمِنْهَا اللُّصُوصُ إذَا قَدِمُوا بِمَتَاعٍ، وَادَّعَى شَخْصٌ أَنَّهُ لَهُ، وَأَنَّهُمْ نَزَعُوهُ مِنْهُ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَأْخُذُهُ، وَمِنْهَا السِّمْسَارُ إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيَّبَ مَا أَعْطَى لَهُ لِلْبَيْعِ، وَكَانَ مَعْلُومًا بِالْعَدَاءِ، وَبِإِنْكَارِ النَّاسِ فَيَصْدُقُ الْمُدَّعِي بِيَمِينِهِ، وَيَغْرَمُ السِّمْسَارُ، وَمِنْهَا السَّارِقُ إذَا سَرَقَ مَتَاعَ رَجُلٍ، وَانْتَهَبَ مَالَهُ، وَأَرَادَ قَتْلَهُ، وَقَالَ الْمَسْرُوقُ أَنَا أَعْرِفُهُ فَيُصَدَّقُ الْمَسْرُوقُ بِيَمِينِهِ، وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الَّتِي زَادَهَا لَا تَحْمِلُهَا الْأُصُولُ كَمَا لِأَبِي الْحَسَنِ، وَلَا يُخَالِفُ مَا لِلْمِكْنَاسِيِّ مِنْ قَبُولِ قَوْلِ مَنْ ادَّعَى عَلَى اللُّصُوصِ أَنَّهُمْ أَخَذُوا مَا قَدِمُوا بِهِ مِنْهُ، وَيَأْخُذُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَرَافِيِّ الْآتِي فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُقَدَّمُ فِيهِ النَّادِرُ عَلَى الْغَالِبِ، وَمَا لَا مَا نَصُّهُ: أَخْذُ السُّرَّاقِ الْمَنْهُومِينَ بِالتُّهَمِ وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهِمْ كَمَا يَفْعَلُهُ الْأُمَرَاءُ الْيَوْمَ دُونَ الْإِقْرَارِ الصَّحِيحِ، وَالْبَيِّنَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ الْغَالِبُ مُصَادَفَتُهُ لِلصَّوَابِ، وَالنَّادِرُ خَطَؤُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّارِعُ هَذَا الْغَالِبَ صَوْنًا لِلْأَعْرَاضِ وَالْأَطْرَافِ عَنْ الْقَطْعِ اهـ. فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا أَلْغَى الشَّارِعُ هَذَا الْغَالِبَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأَعْرَاضِ وَالْأَطْرَافِ لَا بِالنِّسْبَةِ لِلْغَرَامَةِ فَإِنَّهُ يَغْرَمُ فَيُوَافِقُ مَا لِلْمِكْنَاسِيِّ، وَلِهَذَا دَرَجَ نَاظِمُ الْعَمَلِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: لِوَالِدِ الْقَتِيلِ مَعَ يَمِينِ ... الْقَوْلُ فِي الدَّعْوَى بِلَا تَبْيِينِ إذَا ادَّعَى دَرَاهِمًا وَأَنْكَرَا ... الْقَاتِلُونَ مَا ادَّعَاهُ وَطَرَا فَلَا مَفْهُومَ لِقَوْلِهِ الْقَتِيلِ بَلْ الْمَدَارُ عَلَى كَوْنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعْرُوفًا بِالْغَصْبِ وَالْعَدَاءِ اُنْظُرْ شَرْحُهُ، وَانْظُرْ مَا يَأْتِي فِي الْغَصْبِ وَلَا بُدَّ اهـ. وَفِي الْغَصْبِ لَمَّا ذَكَرَ كَلَامَ نَاظِمٍ الْعَمَلُ فِي شَرْحِهِ لِلْبَيْتَيْنِ، وَنَقَلَهُ عَنْ ابْنِ النَّعِيمِ مَا نَصُّهُ الَّذِي جَرَى بِهِ الْعَمَلُ عِنْدَنَا فِي هَذِهِ

стр. 878

وَالْعِقَابَ تَابِعٌ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَمَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ يَنْهَى عَنْهُ فَإِذَا فَعَلَ حَصَلَ الْعِقَابُ، وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَمَرَ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ حَصَلَ الثَّوَابُ فَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى فَلَوْ عَلَّلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَزِمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِرُتْبَتَيْنِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْأَغْبِيَاءُ مِنْ الطَّلَبَةِ مَصْلَحَةُ هَذَا الْأَمْرِ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ فَيُعَلِّلُونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهُوَ غَلَطٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] وَالْعِقَابُ تَابِعٌ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَمَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ نَهَى عَنْهُ فَإِذَا فَعَلَ حَصَلَ الْعِقَابُ، وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَمَرَ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ حَصَلَ الثَّوَابُ فَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْمَفْسَدَةُ وَالْمَصْلَحَةُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى فَلَوْ عَلَّلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَزِمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِرُتْبَتَيْنِ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْأَغْبِيَاءُ مِنْ الطَّلَبَةِ مَصْلَحَةُ هَذَا الْأَمْرِ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ فَيُعَلِّلُونَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَهُوَ غَلَطٌ) . قُلْتُ: تَبَعِيَّةُ الْأَمْرِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ الْوَاجِبِ مَثَلًا لِمَصْلَحَتِهِ إنَّمَا مَعْنَاهَا وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّهُ لَوْلَا الْقَصْدُ إلَى تَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ مَا شُرِعَ وَتَبَعِيَّةُ الْمَصْلَحَةِ لِلْأَمْرِ إنَّمَا مَعْنَاهَا وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّهُ لَوْلَا شَرْعِيَّةُ الْأَمْرِ الْبَاعِثِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَا حَصَلَتْ فَالْمَأْمُورُ بِهِ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ وُجُوبًا وَالْمَصْلَحَةُ تَابِعَةٌ لَهُ وُجُودًا، وَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ تَابِعًا لِلثَّانِي مِنْ وَجْهٍ وَيَكُونَ الثَّانِي تَابِعًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَالشَّجَرَةِ وَالثَّمَرَةِ، الشَّجَرَةُ تَابِعَةٌ لِلثَّمَرَةِ أَيْ لَوْلَا الْمَقْصِدُ إلَى تَحْصِيلِ الثَّمَرَةِ مَا زُرِعَتْ الشَّجَرَةُ وَالثَّمَرَةُ تَابِعَةٌ لِلشَّجَرَةِ أَيْ لَوْلَا زَرْعُ الشَّجَرَةِ مَا حَصَلَتْ الثَّمَرَةُ وَعَلَى هَذَيْنِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] النَّازِلَةِ، وَمِثْلُهَا أَنَّ الْقَوْلَ لِوَالِدِ الْقَتِيلِ مَعَ يَمِينِهِ أَيْ إذَا ادَّعَى دَرَاهِمَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنْهُوبِ، وَأَنْكَرَهَا الْقَاتِلُونَ، وَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ خِلَافَهُ أَيْ مِنْ الْقَوْلِ لِلْغَاصِبِ فِي الْقَدْرِ وَالْوَصْفِ كَمَا فِي خَلِيلٍ، وَكَمْ مِنْ مَسْأَلَةٍ جَرَى الْحُكْمُ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَشْهُورِ، وَرَجَّحَهَا الْعُلَمَاءُ لِلْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ اهـ، وَعَنْ الْعَرَبِيِّ الْفَاسِيِّ فِي تَأْيِيدِهِ سَاقَ بَعْدَهُ كَلَامًا طَوِيلًا فَرَاجِعْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْتَاجُ لِلدَّعْوَى وَقَاعِدَةِ مَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا) وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَحْتَاجُ لِلدَّعْوَى، وَيَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ غَيْرِ رَفْعٍ إلَى الْحَاكِمِ هُوَ مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسَةُ قُيُودٍ الْقَيْدُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ مُجْمَعًا عَلَى ثُبُوتِهِ. الْقَيْدُ الثَّانِي أَنْ يَتَعَيَّنَ الْحَقُّ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ لِلِاجْتِهَادِ وَالتَّحْرِيرِ فِي تَحْقِيقِ سَبَبِهِ وَمِقْدَارِ مُسَبِّبِهِ. الْقَيْدُ الثَّالِثُ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ أَخْذُهُ لِفِتْنَةٍ وَشَحْنَاءَ. الْقَيْدُ الرَّابِعُ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى فَسَادِ عِرْضٍ أَوْ عُضْوٍ. الْقَيْدُ الْخَامِسُ أَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ، وَمَثَّلَ لَهُ الْأَصْلُ بِمَنْ وَجَدَ عَيْنَ سِلْعَتِهِ الَّتِي اشْتَرَاهَا أَوْ وَرِثَهَا فَأَخَذَهَا أَوْ أَخَذَ عَيْنَ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَخَافُ مِنْ الْأَخْذِ ضَرَرًا تُسُولِيُّ الْعَاصِمِيَّةِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ فَرْحُونٍ بِتَحْرِيمِ الْمُحَرَّمَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، وَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَالْغُصُوبِ قَالَ وَمِنْهُ الْعِتْقُ بِالْقَرَابَةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ جُزْءًا فِي عَبْدٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فَيَكْمُلُ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَى الْمَشْهُورِ اهـ، وَمَا يَحْتَاجُ لِلدَّعْوَى، وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ إلَّا بَعْدَ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ هُوَ مَا خَلَا عَنْ قَيْدٍ مِنْ الْقُيُودِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) مَا اخْتَلَفَ فِي كَوْنِهِ ثَابِتًا أَمْ لَا فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ حَتَّى يَتَوَجَّهَ بِثُبُوتِهِ لَعَمَّ افْتِقَارُ هَذَا النَّوْعِ إلَى الْحَاكِمِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَإِلَّا فَالْكَثِيرُ مِنْ مَسَائِلِهِ لَا يَفْتَقِرُ لِلْحَاكِمِ مِنْهَا مَنْ وُهِبَ لَهُ مُشَاعٌ فِي عَقَارٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ اشْتَرَى مَبِيعًا عَلَى الصِّفَةِ أَوْ أَسْلَمَ فِي حَيَوَانٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُسْتَحِقَّ الْمُعْتَقِدَ لِصِحَّةِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأُمُورَ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ، وَالْمُفْتَقِرُ مِنْ مَسَائِلِهِ لِلْحَاكِمِ قَلِيلٌ مِنْهَا اسْتِحْقَاقُ الْغُرَمَاءِ لِرَدِّ عِتْقِ الْمِدْيَانِ، وَتَبَرُّعَاتِهِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ ﵁ لَا يُثْبِتُ لَهُمْ حَقًا فِي ذَلِكَ وَمَالِكٌ ﵁ يُثْبِتُ فَيَحْتَاجُ لِقَضَاءِ الْحَاكِمِ بِذَلِكَ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَفْتَقِرُ مِنْ مَسَائِلِهِ لِلْحَاكِمِ وَمَا لَا يَفْتَقِرُ مِنْهَا لَهُ عُسْرٌ (النَّوْعُ الثَّانِي) مَا يَحْتَاجُ لِلِاجْتِهَادِ وَالتَّحْرِيرِ فِي تَحْقِيقِ سَبَبِهِ وَمِقْدَارِ مُسَبِّبِهِ فَإِنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى الْحَاكِمِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ الطَّلَاقُ بِالْإِعْسَارِ، وَالطَّلَاقُ بِالْإِضْرَارِ، وَالطَّلَاقُ عَلَى الْمُولِي، وَعَلَى نَحْوِ الْغَالِبِ وَالْمُعْتَرِضِ قَالَ الْأَصْلُ فَإِنَّ فِي الطَّلَاقِ عَلَى الْمُولِي تَحْرِيرَ عَدَمِ فَيْئَتِهِ، وَعَلَى الْمُعْسِرِ مَعَ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ بِمَنْعِهِ تَحْرِيرَ إعْسَارِهِ، وَتَقْدِيرَهُ، وَمَا مِقْدَارُ الْإِعْسَارِ الَّذِي يُطْلَقُ بِهِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَعِنْدَ مَالِكٍ ﵀ لَا يُطْلَقُ بِالْعَجْزِ عَنْ أَصْلِ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ اللَّتَيْنِ تُفْرَضَانِ بَلْ بِالْعَجْزِ عَنْ الضَّرُورِيِّ الْمُقِيمِ لِلْبَيِّنَةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَفْرِضُهُ ابْتِدَاءً اهـ. وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَحْقِيقِ الْإِعْسَارِ، وَهَلْ هُوَ مِمَّنْ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ أَمْ لَا كَمَا لَوْ تَزَوَّجَتْ فَقِيرًا عَلِمَتْ بِفَقْرِهِ فَإِنَّهَا لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ بِالْإِعْسَارِ بِالنَّفَقَةِ، وَكَذَلِكَ تَحْقِيقُ حَالِهِ، وَهَلْ هُوَ مِمَّا يُرْجَى لَهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ تَحْقِيقُ صُورَةِ الْإِضْرَارِ، وَكَذَلِكَ يَمِينُ الْمُولِي يُنْظَرُ هَلْ هِيَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَهَا، وَهِيَ مُرْضِعٌ خَوْفًا عَلَى، وَلَدِهِ فَيُنْظَرُ فِيمَا ادَّعَاهُ فَإِنْ كَانَ مَقْصُودُهُ الْإِضْرَارَ طَلُقَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ لَمْ تَطْلُقْ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْغَائِبِ، وَكَذَلِكَ التَّطْلِيقُ عَلَى الْمُفْتَرِضِ، وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ مَا خُلَاصَتُهُ أَنَّ الْحَقَّ إذَا كَانَ لِلْمَرْأَةِ خَالِصًا فَإِنْقَاذُ الطَّلَاقِ إلَيْهَا مَعَ إبَاحَةِ الْحَاكِمِ لَهَا ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ لِلْقَائِمَةِ عِنْدَهُ بِعَدَمِ النَّفَقَةِ بَعْدَ كَمَالِ نَظَرِهِ بِمَا يَجِبُ إنْ شِئْت أَنْ تُطَلِّقِي نَفْسَك

стр. 879

وَأَمَّا الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى عَشَرَةُ أَقْسَامٍ (أَحَدُهَا) مَا لَمْ نُؤْمَرْ بِإِزَالَتِهِ أَصْلًا، وَلَمْ نُؤَاخَذْ بِبَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَنَا لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ وَهُوَ جَلَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ الَّتِي لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهَا الصَّنْعَةُ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْعَبْدُ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالنَّظَرِ فَعَفَا عَنْهُ لِعَجْزِنَا عَنْهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِك» وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] التَّقْرِيرَيْنِ يَبْطُلُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ الدَّوْرِ وَيَصِحُّ مَا قَالَهُ الْأَغْبِيَاءُ مِنْ أَنَّ الثَّوَابَ هِيَ الْمَصْلَحَةُ وَهِيَ تَابِعَةٌ وُجُودَ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْوَاجِبِ تَابِعٌ وُجُوبًا لِتَحْصِيلِ الْمَصْلَحَةِ، وَالْمُوجِبُ لِتَوَهُّمِهِ الدَّوْرُ الْمُمْتَنِعُ إنَّمَا هُوَ الْغَفْلَةُ عَنْ تَغَايُرِ جِهَتَيْ التَّبَعِيَّةِ، وَقَدْ انْزَاحَ الْإِشْكَالُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْمَنِّ وَالْإِفْضَالِ. قَالَ (وَأَمَّا الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ عَشَرَةُ أَقْسَامٍ أَحَدُهُمَا مَا لَمْ نُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهِ أَصْلًا، وَلَمْ نُؤَاخَذْ بِبَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَنَا لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ وَهُوَ جَلَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ الَّتِي لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهَا الصَّنْعَةُ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْعَبْدُ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالنَّظَرِ فَعَفَا عَنْهُ لِعَجْزِنَا عَنْهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِك» وَقَوْلُ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ) . قُلْتُ كَلَامُهُ هَذَا يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِأَنَّ هُنَاكَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّنْعَةُ لَكِنَّا لَا نَعْلَمُهَا فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّهُ لَا نَعْلَمُهَا لَا جُمْلَةً وَلَا تَفْصِيلًا فَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ إذْ مَسَاقُهُ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِثُبُوتِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّا لَا ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] وَإِنْ شِئْت التَّرَبُّصَ عَلَيْهِ فَإِنْ طَلُقَتْ أَشْهَدَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَحُجَّةُ ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ حَدِيثُ بَرِيرَةَ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنْتِ أَمْلَكُ بِنَفْسِك إنْ شِئْت أَقَمْت مَعَ زَوْجِك، وَإِنْ شِئْت فَارَقْتِيهِ» ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي امْرَأَةِ الْمُعْتَرِضِ تَقُولُ لَا تُطَلِّقُونِي، وَأَنَا أَصْبِرُ إلَى أَجَلٍ آخَرَ قَالَ ذَلِكَ لَهَا ثُمَّ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا مَتَى شَاءَتْ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَحْلِفُ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ أَنَّهُ يُوقَفُ عَنْ امْرَأَتِهِ فَإِذَا جَاءَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ قِيلَ لَهُ فَيْءٌ، وَإِلَّا طَلَّقْنَا عَلَيْك فَتَقُولُ امْرَأَتُهُ أَنَا أُنْظِرُهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَذَلِكَ لَهَا ثُمَّ تَطْلُقُ مَتَى شَاءَتْ بِغَيْرِ أَمْرِ سُلْطَانٍ اهـ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ تُطَلِّقُ نَفْسَهَا، وَلَا اعْتِرَاضَ بِمَا فِي السُّؤَالِ مِنْ قَوْلِ الْمَرْأَةِ لَا تُطَلِّقُونِي لِأَنَّهَا جَهِلَتْ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا، وَلِأَنَّهُ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِالْبَيَانِ بِأَنَّهَا هِيَ الْمُطَلِّقَةُ بَعْدَ التَّأْخِيرِ فَكَذَلِكَ تَكُونُ هِيَ الْمُطَلِّقَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ إنْ أَحَبَّتْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا اعْتِرَاضَ بِقَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْمُولِي، وَإِلَّا طَلَّقْنَا عَلَيْك لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّا نَجْعَلُ ذَلِكَ إلَى الْمَرْأَةِ فَتُنَفِّذُ هِيَ طَلَاقَهَا إنْ شَاءَتْ، وَطَلَاقُ الْمُولِي عَلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ تُوقِعُهُ الْمَرْأَةُ، وَهُوَ فِي الصُّورَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقِسْمٌ يُوقِعُهُ الْحَاكِمُ. وَهُوَ إذَا قَالَ لَهَا إنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَفِيهَا أَقْوَالٌ (أَحَدُهَا) أَنَّهُ مُولٍ، وَلَا يُمَكَّنُ مِنْ وَطْئِهَا لِأَنَّ بَاقِيَ وَطْئِهِ بَعْدَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ حَرَامٌ فَإِذَا رَفَعَتْهُ إلَى الْحَاكِمِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يُنَجِّزُ عَلَيْهِ الطَّلَاقَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَإِنْ لَمْ تَرْفَعْهُ وَرَضِيَتْ بِالْمَقَامِ بِلَا وَطْءٍ فَلَهَا ذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ سَمِعْت أَبَا مَرْوَانَ بْنَ مَالِكٍ الْقُرْطُبِيَّ يَسْتَحْسِنُ إيرَادَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الشَّيْخِ ابْنِ عَتَّابٍ وَيَقُولُ: لَوْ كَانَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ لَعُدَّتْ مِنْ فَضَائِلِهِ قَالَ ابْنُ سَهْلٍ، وَفِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ قَالَ لَهَا أَنْ تَخْتَارَ قَبْلَ أَنْ تَرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَمَا طَلَّقَتْ بِهِ نَفْسَهَا جَازَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَجْزُومُ فَلَا خِيَارَ لَهَا حَتَّى تَرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ ثُمَّ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يُفَوِّضَ إلَيْهَا أَمْرَهَا تَطْلُقُ مَتَى شَاءَتْ، وَلَكِنْ عَلَى السُّلْطَانِ إذَا كَرِهَتْهُ، وَأَرَادَتْ فِرَاقَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا بِوَاحِدَةٍ إذَا يَئِسَ مِنْ بُرْئِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ إلَّا أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلَ سَنَةٍ كَانَ مُوَسْوِسًا أَوْ يَغِيبُ مَرَّةً، وَيُفِيقُ أُخْرَى، وَهَذَا يُوَضِّحُ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَتَّابٍ مِنْ تَقْسِيمِ الطَّلَاقِ الْمَحْكُومِ بِهِ إلَى قِسْمَيْنِ قِسْمٌ تُوَقِّعُ الْمَرْأَةُ خَاصَّةً دُونَ الْحَاكِمِ، وَقِسْمٌ يُنَفِّذُهُ الْحَاكِمُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَرِهَتْ إيقَاعَهُ كَزَوَاجِهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَتَزْوِيجِهَا مِمَّنْ لَيْسَ بِكُفْءٍ، وَنِكَاحِهَا لِلْفَاسِقِ، وَمَنْ تَزَوَّجَتْ مَعَ وُجُودِ وَلَدِهَا، وَلَمْ يَسْتَأْذِنْهُ وَلِيُّهَا الَّذِي زَوَّجَهَا عَلَى مَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ وَأَنْوَاعِ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ، وَهُوَ بَابٌ يَطُولُ تَعَدُّدُهُ اهـ كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ وَمِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا النَّوْعِ أَيْضًا تَفْلِيسُ مَنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ، وَكَذَا بَيْعٌ أَعْتَقَهُ الْمِدْيَانُ لِتَعَارُضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِتْقِ، وَحَقِّ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَالِيَّةِ. وَكَذَلِكَ إذَا هَرَبَ الْجَمَّالُ، وَكَانَ الزَّمَانُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يَفُتْ الْمَقْصُودُ فَإِذَا رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ نَظَرَ فِي ذَلِكَ فَيَفْسَخُهُ عَنْهُ إنْ كَانَ فِي الصَّبْرِ مَضَرَّةٌ، وَلَا يَنْفَسِخُ بِغَيْرِ حُكْمِ الْحَاكِمِ مِنْ كِتَابِ قَيْدِ الْمُشْكِلِ وَحَلِّ الْمُعْضَلِ لِابْنِ يَاسِين، وَمِنْهَا مَنْ أَعْتَقَ نِصْفَ عَبْدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ بَقِيَّةُ الْعَبْدِ إلَّا بِالْحُكْمِ لِتَعَارُضِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِتْقِ، وَحَقِّ السَّيِّدِ فِي الْمِلْكِ، وَحَقِّ الْعَبْدِ فِي تَخْلِيصِ الْكَسْبِ، وَأَيْضًا لِقُوَّةِ الْخِلَافِ فِي التَّكْمِيلِ عَلَيْهِ (وَمِنْهَا) تَعْجِيزُ الْمُكَاتَبِ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْحُكْمِ فَلَوْ رَضِيَ بِتَعْجِيزِ نَفْسِهِ، هُوَ وَسَيِّدُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا ذَلِكَ (وَمِنْهَا) مَا إذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا

стр. 880

وَقِسْمٌ) أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ أَوْ مُتَكَلِّمٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ فَإِنْ جَهِلَ الصِّفَةَ، وَلَمْ يَنْفِهَا كَفَّرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ لَا يَكْفُرُ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَمِّمْ عَلَى اعْتِقَادِ ــ [حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ] نَعْلَمَهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنْ عَلِمْنَاهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَقَوْلُهُ ذَلِكَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَهَذَا الْمَقَامُ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا صِفَةَ وَرَاءَ مَا عَلِمْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّ هُنَاكَ صِفَاتٌ لَا نَعْلَمُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ الْوَقْفَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ لَا تَكْلِيفَ بِإِزَالَةِ هَذَا الْجَهْلِ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ بِبَقَائِهِ كَمَا قَالَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَلَا دَلِيلَ لَهُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ لَا أَسْتَطِيعُ الْمُدَاوَمَةَ وَالِاسْتِمْرَارَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْكَ لِلْقَوَاطِعِ عَنْ ذَلِكَ كَالنَّوْمِ وَشَبَهِهِ، وَلَا فِي كَلَامِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لِاحْتِمَالِ أَنْ يُرِيدَ: الْعَجْزُ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اطِّلَاعٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ وَالْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَذَلِكَ هُوَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ، وَصَحِيحُ الْإِيقَانِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ: (وَقِسْمٌ أَجْمَعُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ أَوْ مُتَكَلِّمٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ فَإِنْ جَهِلَ الصِّفَةَ، وَلَمْ يَنْفِهَا كَفَّرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ لَا يَكْفُرُ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَمِّمْ عَلَى اعْتِقَادِ ــ [تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ] فَعِتْقُهُ عَلَيْهِ يَفْتَقِرُ لِحُكْمِ الْحَاكِمِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ ثَمَّ جِنَايَةٌ تَقْتَضِي مِثْلَ هَذَا الضَّرْبِ أَمْ لَا، وَيَحْتَاجُ بَعْدَ وُقُوعِ الضَّرْبِ مِنْ السَّيِّدِ إلَى تَحْقِيقِ كَوْنِ ذَلِكَ الضَّرْبِ مُبَرِّحًا بِذَلِكَ الْعَبْدِ، وَهَلْ السَّيِّدُ عَاصٍ بِهِ فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ يُوجِبُ تَعْجِيلَ الْعِتْقِ أَوْ لَيْسَ عَاصِيًا فَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ اهـ (وَمِنْهَا) كَمَا فِي الْأَصْلِ تَقْدِيرُ النَّفَقَاتِ لِلزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ. (النَّوْعُ الثَّالِثُ) مَا يُؤَدِّي أَخْذُهُ لِلْفِتْنَةِ وَالشَّحْنَاءِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ الْحُدُودُ فَإِنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَإِنْ كَانَتْ مَقَادِيرُهَا مَعْلُومَةً لِأَنَّ تَفْوِيضَهَا لِجَمِيعِ النَّاسِ يُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ وَالشَّحْنَاءِ وَالْقَتْلِ وَفَسَادِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ قَالَ وَمِنْهَا قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ. وَإِنْ كَانَتْ مَعْلُومَةَ الْمَقَادِيرِ وَأَسْبَابِ الِاسْتِحْقَاقَاتِ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الْحَاكِمِ إذْ لَوْ فُوِّضَتْ لِجَمِيعِ النَّاسِ لَدَخَلَهُمْ الطَّمَعُ، وَأَحَبَّ كُلُّ إنْسَانٍ لِنَفْسِهِ مِنْ كَرَائِمِ الْأَمْوَالِ مَا يَطْلُبُهُ غَيْرُهُ فَيُؤَدِّي إلَى الْفِتَنِ، وَمِنْهَا جِبَايَةُ الْجِزْيَةِ، وَأَخْذُ الْخُرَاجَاتِ مِنْ أَرَاضِي الْعَنْوَةِ، وَلَوْ جُعِلَتْ لِلْعَامَّةِ لَفَسَدَ الْحَالُ اهـ، وَمِنْهَا كَمَا فِي الْأَصْلِ الْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالْأَعْضَاءِ إذْ لَوْ لَمْ يُرْفَعْ لِلْأَئِمَّةِ لَأَدَّى بِسَبَبِ تَنَاوُلِهِ تَمَانُعٌ وَقَتْلٌ وَفِتْنَةٌ أَعْظَمُ مِنْ الْأُولَى، وَكَذَلِكَ التَّعْزِيرُ، وَفِيهِ أَيْضًا الْحَاجَةُ لِلِاجْتِهَادِ فِي تَحْرِيرِ مِقْدَارِ الْجِنَايَةِ، وَحَالُ الْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ فِي الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ فِي الْأَطْرَافِ. (النَّوْعُ الرَّابِعُ) مَا يُؤَدِّي إلَى فَسَادِ عِرْضٍ أَوْ عُضْوٍ كَمَنْ ظَفِرَ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ أَوْ الْمُشْتَرَاةِ أَوْ الْمَوْرُوثَةِ، وَخَافَ مِنْ أَخْذِهَا بِنَفْسِهِ أَنْ يُنْسَبَ إلَى السَّرِقَةِ فَلَا يَأْخُذُهَا إلَّا بَعْدَ رَفْعِهَا لِلْحَاكِمِ دَفْعًا لِهَذِهِ الْمَفْسَدَةِ. (النَّوْعُ الْخَامِسُ) مَا يُؤَدِّي إلَى خِيَانَةِ الْأَمَانَةِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا إذَا أَوْدَعَ عِنْدَك مَنْ لَك عَلَيْهِ حَقٌّ، وَعَجَزْتَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ لِعَدَمِ اعْتِرَافِهِ أَوْ عَدَمِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ فَفِي مَنْعِ جَحْدِ وَدِيعَتِهِ إذَا كَانَتْ قَدْرَ حَقِّك مِنْ جِنْسِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك» ، وَهُوَ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِجَازَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ لِهِنْدَ ابْنَةِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا شَكَتْ إلَيْهِ أَنَّهُ بَخِيلٌ لَا يُعْطِيهَا وَوَلَدَهَا مَا يَكْفِيهِمَا فَقَالَ لَهَا ﵇ «خُذِي لَك، وَلِوَلَدِك مَا يَكْفِيك بِالْمَعْرُوفِ» بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ فُتْيَا، وَهُوَ لِلشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا عَلَى أَنَّهُ قَضَاءٌ مِنْهُ ﵇ فَيَصِحُّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ قَوْلَانِ ثَالِثُهَا لِبَعْضِهِمْ الْجِوَازُ إنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّك. وَالْمَنْعُ إنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ هَذَا تَوْضِيحُ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ بِزِيَادَةٍ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ (وَبَقِيَ مَا اُخْتُلِفَ) فِي كَوْنِهِ يَحْتَاجُ إلَى الْحَاكِمِ أَوْ لَا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ (وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ) قَبْضُ الْمَغْصُوبِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا كَانَ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ غَائِبًا أَيْ فِي افْتِقَارِهِ إلَى الْحَاكِمِ، وَعَدَمِ افْتِقَارِهِ خِلَافٌ (وَمِنْهَا) مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قَالَ ابْنُ يُونُسَ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ بَاقِيَهُ يَعْتِقُ بِمُجَرَّدِ التَّقْوِيمِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ يَفْتَقِرُ عِتْقُ بَاقِيهِ إلَى الْحَاكِمِ (وَمِنْهَا) عِتْقُ الْقَرِيبِ إذَا مَلَكَهُ الْحُرُّ الْمَلِيءُ الْمَشْهُورُ عَدَمُ افْتِقَارِهِ لِلْحُكْمِ، وَقِيلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ الْحُكْمِ (وَمِنْهَا) الْعِتْقُ بِالْمُثْلَةِ قَالَ مَالِكٌ ﵁ لَا يُعْتَقُ إلَّا بِالْحُكْمِ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَفْتَقِرُ (وَمِنْهَا) فَسْخُ الْبَيْعِ بَعْدَ تَخَالُفِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ (وَمِنْهَا) فَسْخُ النِّكَاحِ بَعْدَ التَّخَالُفِ فِيهِ الْخِلَافُ أَيْضًا. (وَمِنْهَا) الْيَتِيمُ الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِوَصِيٍّ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ هَلْ يَكْفِي إطْلَاقُهُ لِلْيَتِيمِ مِنْ الْحَجْرِ دُونَ مُطَالَعَةِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْذَانِ الْحَاكِمِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ إطْلَاقُ الْوَصِيِّ لَهُ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ فِيهِ خِلَافٌ (وَمِنْهَا) وُقُوعُ الْفُرْقَةِ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ
следующие страницы →