Полный текст (1 059 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَالتَّأْثِيرِ كَانَ كُفْرًا وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ بِأَنَّ تَأْثِيرَ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْقَتْلِ وَالضَّرِّ وَالنَّفْعِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ مُشَاهَدٌ مِنْ السِّبَاعِ وَالْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُشْتَرَى أَوْ زُحَلَ يُوجِبُ شَقَاوَةً أَوْ سَعَادَةً فَإِنَّمَا هُوَ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ مِنْ الْمُنَجِّمِينَ لَا صِحَّةَ لَهُ وَقَدْ عُبِدَتْ الْبَقَرُ وَالشَّجَرُ وَالْحِجَارَةُ وَالثَّعَابِينُ فَصَارَتْ هَذِهِ الشَّائِبَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَاَلَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّهُ كُفْرٌ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَا نَحْتَاجُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا مَذْهَبُ الصَّائِبَةِ وَهُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لَا سِيَّمَا إنْ صَرَّحَ بِنَفْيِ مَا عَدَاهَا وَبِهَذَا الْبَحْثِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الشَّيَاطِينِ وَغَيْرِهِمْ كُفْرٌ بَلْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُفَصِّلُوا فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَصْنَعُ لِسُلَيْمَانَ ﵇ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ اعْتَقَدَ السَّاحِرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَخَّرَ لَهُ بِسَبَبِ عَقَاقِيرِهِ مَعَ خَوَاصِّ نَفْسِهِ الشَّيَاطِينَ صَعُبَ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِاعْتِبَارِ الْفُتْيَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ حَالَ الْإِنْسَانِ فِي تَصْدِيقِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ بَعْدَ عَمَلِ هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ كَحَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَالشَّرْعُ لَا يُخْبِرُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ فَإِنْ أَرَادُوا الْخَاتِمَةَ فَمُشْكِلٌ أَيْضًا لِأَنَّا لَا نُكَفِّرُ فِي الْحَالِ بِكُفْرٍ وَاقِعٍ فِي الْمَآلِ كَمَا أَنَّا لَا نَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا فِي الْحَالِ بِإِيمَانٍ وَاقِعٍ فِي الْمَآلِ وَهُوَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ الْآنَ بَلْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَتْبَعُ أَسْبَابَهَا وَتُحَقِّقُهَا لَا تُوقِعُهَا.
وَإِنْ قَطَعْنَا بِوُقُوعِهَا كَمَا أَنَّا نَقْطَعُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا نُرَتِّبُ مُسَبَّبَاتِهَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي الْعُرْسِ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَخْتَلِطُ فِيهِ الرِّجَالُ مَعَ النِّسَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُنْكَرٌ بَيِّنٌ وَكَانَ دُخُولُهُنَّ الْحَمَّامَ بِالْمِئْزَرِ فِي هَذِهِ مَسْأَلَةُ الْخِلَافِ.
وَأَمَّا إذَا كُنَّ فِي الْحَمَّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَفِي الْأَعْرَاسِ الَّتِي يَمْتَزِجُ فِيهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَلَا يَخْتَلِفُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ شَهَادَةَ بَعْضِهِنَّ لِبَعْضٍ لَا تُقْبَلُ وَكَذَلِكَ الْمَأْتَمُ لَا يَحْصُلُ حُضُورُهُ إذَا كَانَ فِيهِ نَوْحٌ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ لِأَنَّ بِحُضُورِهِنَّ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَسْقُطُ عَدَالَتُهُنَّ، وَاَللَّهُ تَعَالَى اشْتَرَطَ الْعَدَالَةَ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] اهـ الْمُرَادُ فَانْظُرْهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (الْوَصْلُ الثَّانِي) فِي الْأَصْلِ وَقَعَ خِلَافُ الْأَئِمَّةِ لَنَا فِي قَبُولِ شَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَعَدَمِ قَبُولِهَا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ
(الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) خَالَفْنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَبُولِ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الرَّضَاعِ، وَلَنَا أَنَّهُ مَعْنًى لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا فَتَجُوزُ مُنْفَرِدَاتٍ كَالْوِلَادَةِ، وَالِاسْتِهْلَالِ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) خَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ فِي قَبُولِ الْمَرْأَتَيْنِ فِيمَا يَنْفَرِدَانِ فِيهِ، وَقَالَ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَتْ الشَّهَادَةُ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ قُبِلَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ، وَقَبِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَاحِدَةً مُطْلَقًا فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَعِنْدَنَا لَا بُدَّ مِنْ اثْنَتَيْنِ مُطْلَقًا وَيَكْفِيَانِ لَنَا وَجْهَانِ
(الْأَوَّلُ) أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ فِي شَيْءٍ عَلَى الِانْفِرَادِ كَفَى مِنْهُ اثْنَانِ، وَلَا يَكْفِي مِنْهُ وَاحِدٌ كَالرَّجُلِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ
(الثَّانِي) أَنَّ شَهَادَةَ الرِّجَالِ أَقْوَى، وَأَكْثَرَ، وَلَمْ يَكْفِ وَاحِدٌ فَالنِّسَاءُ أَوْلَى، وَأَمَّا الْوُجُوهُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَأَرْبَعَةٌ (الْأَوَّلُ) مَا رَوَى «عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ تَزَوَّجَتْ أُمُّ يَحْيَى بِنْتُ أَبِي إيهَابٍ فَأَتَتْ أُمُّ سَوْرَةَ فَقَالَتْ أَرْضَعْتُكُمَا فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنِّي ثُمَّ أَتَيْته فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا كَاذِبَةٌ قَالَ كَيْفَ، وَقَدْ عَلِمْت وَزَعَمْت ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا فَإِنَّ أَمْرَهُ ﷺ فِيهِ بِطَرِيقِ الْفُتْيَا لَا بِطَرِيقِ الْحُكْمِ، وَالْإِلْزَامِ لِأَمْرَيْنِ
(الْأَوَّلِ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ أَخْبَارَ الْوَاحِدِ يُفِيدُ الظَّنَّ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَحْرِيمَ شَيْءٍ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ كَانَ ذَلِكَ الطَّرِيقُ يُفْضِي إلَى الْحُكْمِ أَمْ لَا فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ فَمَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ طُلُوعُ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ حَرُمَ عَلَيْهِ الْأَكْلُ أَوْ أَنَّ الطَّعَامَ نَجَسٌ حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ
(الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنَّ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ لَوْ كَفَتْ فِي كَمَالِ الْحُجَّةِ لَأَمَرَهُ بِالتَّفْرِيقِ مِنْ أَوَّلِ مَرَّةٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ عَدْلَانِ لِأَنَّ التَّنْفِيذَ عِنْدَ كَمَالِ الْحُجَّةِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ لَا سِيَّمَا فِي اسْتِبَاحَةِ الْفُرُوجِ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَةَ كَافِيَةٌ فِي الْحُكْمِ بَلْ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ مَا عَلِمْت
(الْوَجْهِ الثَّانِي) مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا فِي الِاسْتِهْلَالِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِأَدِلَّتِنَا الْمُتَقَدِّمَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْفُتْيَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ
(الْوَجْهِ الثَّالِثِ) مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ تُجْزِئُ» ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مُعَارَضٌ كَذَلِكَ بِأَدِلَّتِنَا فَيُحْمَلُ عَلَى الْفُتْيَا إلَخْ
(الْوَجْهِ الرَّابِعِ) الْقِيَاسُ عَلَى الرِّوَايَةِ، وَجَوَابُهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الرِّوَايَةَ تَثْبُتُ حُكْمًا عَامًّا فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ لَا عَلَى مُعَيَّنٍ فَلَيْسَتْ مَظِنَّةَ الْعَدَاوَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْعَدَدُ فَتُقْبَلُ الْوَاحِدَةُ فِي الرِّوَايَةِ، وَلَا تُقْبَلُ فِي الشَّهَادَةِ اتِّفَاقًا.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ لَا يُقْبَلُ النِّسَاءُ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْبَلُ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ إلَّا فِي الْجِرَاحِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَوَدِ فِي النُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ لَنَا وُجُوهٌ:
(الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى فِي مَسَائِلِ الْمُدَايَنَاتِ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَكَانَ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ مِثْلُهُ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ
стр. 912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَبْلَهَا، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي التَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ إنَّمَا قَضَيْنَا بِكُفْرِهِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الْفُتْيَا وَقَدْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مُؤْمِنًا فَاَلَّذِي يَسْتَقِيمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ عَنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا أَنَّا لَا نُكَفِّرُهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي كَفَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ أَوْ يَكُونُ سِحْرًا مُشْتَمِلًا عَلَى كُفْرٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كُفْرٌ فَفِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ فَقَدْ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ لِبُرْجِ الْأَسَدِ وَحَكَى الْقَضِيَّةَ إلَى آخِرِهَا فَإِنَّ هَذَا سِحْرٌ فَقَدْ تَصَوَّرَهُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سِحْرٌ فَهَذَا هُوَ تَعَلُّمُهُ فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ شَيْئًا لَمْ يَعْلَمْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَلُّمُ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ كَضَرْبِ الْعُودِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُتُبُ السِّحْرِ مَمْلُوءَةٌ مِنْ تَعْلِيمِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ بَلْ هُوَ كَتَعَلُّمِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ كَمَا نَقُولُ إنَّ النَّصَارَى يَعْتَقِدُونَ فِي عِيسَى ﵇ كَذَا وَالصَّابِئَةُ يَعْتَقِدُونَ فِي النُّجُومِ كَذَا وَنَتَعَلَّمُ مَذَاهِبَهُمْ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى نَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهُوَ قُرْبَةٌ لَا كُفْرٌ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنْ كَانَ تَعَلَّمَ السِّحْرَ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ كَانَ ذَلِكَ قُرْبَةً وَكَذَلِكَ نَقُولُ إنْ عَمِلَ السِّحْرَ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ لِيُفَرِّقَ بِهِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى الزِّنَا أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ بِالْبَغْضَاءِ وَالشَّحْنَاءِ أَوْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِجَيْشِ الْكُفْرِ فَيَقْتُلُونَ بِهِ مَلِكَهُمْ.
فَهَذَا كُلُّهُ قُرْبَةٌ أَوْ يَصْنَعُهُ مَحَبَّةً بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ الْمَلِكِ مَعَ جَيْشِ الْإِسْلَامِ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ كُلَّهَا فَالْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ جِدًّا.
قَوْلُ الطُّرْطُوشِيِّ إذَا قَالَ صَاحِبُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي غَيْرِهِ فَلَا تَجُوزُ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ
(الثَّانِي) قَوْله تَعَالَى فِي الطَّلَاقِ وَالرَّجْعَةِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] الْآيَةَ، وَهُوَ حُكْمٌ بَدَنِيٌّ فَكَانَتْ الْأَحْكَامُ الْبَدَنِيَّةُ كُلُّهَا كَذَلِكَ إلَّا مَوْضِعٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ لِلضَّرُورَةِ فِي ذَلِكَ
(الثَّالِثُ) قَوْلُهُ ﵇ «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» ، وَهُوَ حُكْمٌ بَدَنِيٌّ فَكَانَتْ الْأَحْكَامُ الْبَدَنِيَّةُ كُلُّهَا كَذَلِكَ، وَأَمَّا الْوُجُوهُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا فَثَمَانِيَةٌ
(الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْآيَةَ فَأَقَامَ الْمَرْأَتَيْنِ وَالرَّجُلَ مُقَامَ الرَّجُلَيْنِ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا لَا عِنْدَ عَدَمِ الشَّاهِدَيْنِ فَقَطْ إذْ لَا يَصِحُّ الْحَمْلُ عَلَيْهِ لِجَوَازِهِمَا مَعَ وُجُودِ الشَّاهِدَيْنِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ أَنَّهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا فَيَكُونَانِ مُرَادَيْنِ لِقَوْلِهِ ﷺ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ لِوُجُودِ الِاسْمِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُمَا يَقُومَانِ مَقَامَ الرَّجُلِ فِي الْحُكْمِ بِدَلِيلِ الرَّفْعِ فِي لَفْظِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا مَا ذَكَرْتُمْ، وَإِلَّا لَقَالَ فَرَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الشَّاهِدَانِ رَجُلَيْنِ يَكُونَا رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ فَلَمَّا رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ كَانَ تَقْدِيرُهُ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ الشَّاهِدَيْنِ بِحَذْفِ الْخَبَرِ
(الْوَجْهُ الثَّانِي) قَوْله تَعَالَى ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَطْلَقَ، وَمَا خَصَّ مَوْضِعًا فَيَعُمُّ جَوَابُهُ أَنَّ آخِرَ الْآيَةِ مُرْتَبِطٌ بِأَوَّلِهَا، وَأَوَّلُهَا ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] عَلَى أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا الْعُمُومَ خَصَّصْنَاهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى جِرَاحِ الْقَوَدِ بِجَامِعِ عَدَمِ قَبُولِهِنَّ مُنْفَرِدَاتٍ، وَلِأَنَّ الْحُدُودَ أَعْلَاهَا الزِّنَا، وَأَدْنَاهَا السَّرِقَةُ، وَلَمْ يُقْبَلْ فِي أَحَدِهِمَا مَا يُقْبَلُ فِي الْآخَرِ فَكَذَلِكَ الْأَبْدَانُ أَعْلَى مِنْ الْأَمْوَالِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهَا مَا يُقْبَلُ فِي الْأَمْوَالِ، وَلِأَنَّ الْقَتْلَ وَحَدُّ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَحَدُّ الْخَمْرِ لَيْسَ ثَبْتًا بِالنَّصِّ، وَلَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الزِّنَا لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ أَرْبَعَةٍ فِيهِ، وَلَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْأَمْوَالِ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ فَتَعَيَّنَ قِيَاسُهَا عَلَى الطَّلَاقِ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهَا أُمُورٌ لَا تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ فَتُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ كَالْأَمْوَالِ، وَجَوَابُهُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَحْكَامَ الْأَبْدَانِ أَعْظَمُ رُتْبَةً لِأَنَّ الطَّلَاقَ وَنَحْوَهُ لَا يُقْبَلْنَ فِيهِ مُنْفَرِدَاتٍ فَلَا يُقْبَلْنَ فِيهِ مُطْلَقًا كَالْقِصَاصِ، وَلِأَنَّا وَجَدْنَا النِّكَاحَ آكَدُ مِنْ الْأَمْوَالِ لِاشْتِرَاطِ الْوِلَايَةِ فِيهِ، وَلَمْ يَدْخُلْهُ الْأَجَلُ وَالْخِيَارُ وَالْهِبَةُ
(وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ النِّكَاحَ وَالرَّجْعَةَ عَقْدُ مَنَافِعَ فَيُقْبَلُ فِيهِمَا النِّسَاءُ كَالْإِجَارَاتِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْإِجَارَةِ الْمَالُ
(وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ الْخِيَارَ وَالْآجَالَ لَيْسَتْ أَمْوَالًا، وَيُقْبَلُ فِيهِمَا النِّسَاءُ فَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ صُوَرِ النِّزَاعِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا أَيْضًا الْمَالُ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَجَلَ وَالْخِيَارَ لَا يَثْبُتَانِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ فِيهِ الْمَالِ
(وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) أَنَّ الطَّلَاقَ رَافِعٌ لِعَقْدٍ سَابِقٍ فَأَشْبَهَ الْإِقَالَةَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ مَقْصُودَ الطَّلَاقِ غَيْرُ الْمَالِ، وَمَقْصُودُ الْإِقَالَةِ الْمَالُ عَلَى أَنَّ حِلَّ عَقْدٍ لَا يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ، وَالنُّكُولِ
(وَالْوَجْهُ السَّابِعُ) أَنَّهُ أَيْ الطَّلَاقَ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ كَالرَّضَاعِ
(وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ) أَنَّ الْعِتْقَ إزَالَةُ مِلْكٍ كَالْبَيْعِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الرَّضَاعَ يَثْبُتُ بِالنِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ بِخِلَافِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَأَيْضًا مَآلُ الْعِتْقِ إلَى غَيْرِ مِلْكٍ بِخِلَافِ الْبَيْعِ اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْيَمِينُ الْوَاحِدَةُ فِي الشَّهَادَةِ]
(الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ) فِي بَيَانِ مَا تَكُونُ فِيهِ الْحُجَّةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَكَوْنُهَا دَافِعَةً أَوْ جَالِبَةً، وَدَلِيلُ قَبُولِهَا، وَفِيهِ وَصْلَانِ: (الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ الْقَضَاءُ بِالتَّحَالُفِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ فَيَقْضِي لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِيَمِينِهِ، وَيَنْقَسِمُ الْمُدَّعَى فِيهِ بَيْنَهُمَا أَوْ يَفْسَخُ
стр. 913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الشَّرْعِ مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ كَافِرٌ قَضَيْنَا بِكُفْرِهِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ فَهُوَ فَرْضٌ مُحَالٌ، وَلَا يُخْبِرُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْ إنْسَانٍ بِالْكُفْرِ إلَّا إذَا كَفَرَ، وَقَوْلُهُمْ هُوَ دَلِيلُ الْكُفْرِ مَمْنُوعٌ، وَقَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قُلْنَا حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ السِّحْرِ لَا مُحَالٌ فِيهِ غَايَتُهُ دُخُولُ التَّخْصِيصِ فِي الْعُمُومِ بِالْقَوَاعِدِ وَهَذَا هُوَ شَأْنُنَا فِي الْعُمُومَاتِ.
وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْكُفْرِ فَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ، وَلَا شَاهِدَ لَهُ بِالِاعْتِبَارِ، وَأَيُّ دَلِيلٍ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ أَوْ تَعْلِيمَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْكُفْرِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَالْجَوَابُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] نَمْنَعُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] بَلْ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِ السِّحْرِ وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ إذَا كَانَتْ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مُفَسِّرَةً لِلْأُولَى سَلَّمْنَا أَنَّهَا مُفَسِّرَةٌ لَهَا لَكِنْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ السِّحْرَ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْكُفْرِ، وَكَانَتْ الشَّيَاطِينُ تَعْتَقِدُ مُوجِبَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ كَالنَّصْرَانِيِّ إذَا عَلَّمَ الْمُسْلِمَ دِينَهُ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ مُوجِبَهُ.
وَأَمَّا عِلْمُ الْمُسْلِمِ دِينَ النَّصْرَانِيِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ وَيَتَأَمَّلَ فَسَادَ قَوَاعِدِهِ فَلَا يَكْفُرُ الْمُعَلِّمُ وَلَا الْمُتَعَلِّمُ وَهَذَا التَّقْيِيدُ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ.
وَأَمَّا جَعْلُ التَّعْلِيمِ وَالتَّعَلُّمِ مُطْلَقًا كُفْرًا فَخِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى غَوْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قُلْتُ نَقَلْتُ هَذَا الْفَصْلَ بِجُمْلَتِهِ لِافْتِقَارِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ إلَى مُقَدِّمَةٍ لَمْ يَتَعَيَّنْ تَمْهِيدُهَا وَهِيَ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرٌ أَيَّ أَمْرٍ كَانَ لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَقْلِيَّةِ بَلْ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَضْعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَزِمَهُ بِمُوجِبِ الْعَقْدِ بِيَمِينِهِ، وَالْحُكْمُ بِالْفَسْخِ بَيْنَهُمَا يَدْخُلُ فِي أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ مِنْهُمَا اخْتِلَافُ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَاخْتِلَافُهُمَا يَرْجِعُ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ نَوْعًا يَقَعُ التَّحَالُفُ فِي أَحَدَ عَشَرَ نَوْعًا: (النَّوْعُ الْأَوَّلُ) أَنْ يَخْتَلِفَا فِي جِنْسِ الثَّمَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا هَذِهِ دَنَانِيرُ، وَيَقُولُ الْآخَرُ ثَوْبٌ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ إذْ لَيْسَ تَصْدِيقُ أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، وَيَرُدُّ الْمُبْتَاعُ قِيمَةَ السِّلْعَةِ عِنْدَ الْفَوَاتِ نَعَمْ فِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْبَيْعِ أَوْ الشِّرَاءِ بِالنَّقْدِ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْآخَرِ الْبَيِّنَةُ لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ هِيَ الْأَثْمَانُ، وَبِهَا يَقَعُ الْبَيْعُ
(النَّوْعُ الثَّانِي) أَنْ يَخْتَلِفَا فِي نَوْعِ الثَّمَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا هُوَ قَمْحٌ، وَيَقُولُ الْآخَرُ هُوَ شَعِيرٌ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَا
(النَّوْعُ الثَّالِثُ) أَنْ يَخْتَلِفَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا بِعِشْرِينَ، وَيَقُولُ الْآخَرُ بِعَشَرَةٍ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ مَا لَمْ يَقْبِضْ الْمُشْتَرِي السِّلْعَةَ إذْ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِذَا تَرَجَّحَتْ دَعْوَى الْمُشْتَرِي بِقَبْضِ السِّلْعَةِ فَفِيهَا أَرْبَعُ رِوَايَاتٍ (أَحَدُهُمَا) أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يُصَدَّقُ فِي الثَّمَنِ مَعَ يَمِينِهِ لِقُوَّةِ الْيَدِ (الثَّانِيَةُ) أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَأَنْ قَبْضَهُمَا مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا، وَيُصَدَّقُ حِينَئِذٍ بِالْبَيْنُونَةِ، وَالرِّوَايَتَانِ لِابْنِ وَهْبٍ (الثَّالِثَةُ) أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَإِنْ قَبَضَهَا، وَبَانَ بِهَا مَا لَمْ تَفُتْ بِتَغَيُّرِ سُوقٍ أَوْ بَدَنٍ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَبِهَا أَخَذَ (الرَّابِعَةُ) أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَيَرُدُّ الْقِيمَةَ بَدَلَ الْعَيْنِ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ، وَبِهَا أَخَذَ.
وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَبِهَذِهِ الرِّوَايَةِ كَانَ يُفْتِي شَيْخُنَا، وَأَنَا أُفْتِي بِهِ أَيْضًا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَإِنَّمَا يَرُدُّ الْقِيمَةَ مَا لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَحَيْثُ قُلْنَا بِالتَّحَالُفِ فَالْبُدَاءَةُ بِالْبَائِعِ، وَقِيلَ بِالْمُشْتَرِي، وَقِيلَ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَلَوْ تَنَاكَلَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يُفْسَخُ كَمَا إذَا تَحَالَفَا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَمْضِي الْعَقْدُ بِمَا قَالَ الْبَائِعُ، وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَهَلْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُلْزِمَ صَاحِبَهُ الْبَيْعَ بِمَا ذَكَرَ؟ قَوْلَانِ، وَإِذْ قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ فَهَلْ يَفْتَقِرُ الْبَائِعُ إلَى يَمِينٍ أَمْ لَا؟ قَوْلَانِ، وَهَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ أَوْ يَفْتَقِرُ إلَى الْحُكْمِ؟ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ قَوْلُ سَحْنُونٍ، وَالثَّانِي قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ إنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِقَوْلِ الْآخَرِ فَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَهُ ذَلِكَ، وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ إنْ تَحَالَفَا بِأَمْرِ الْقَاضِي فَلَا بُدَّ مِنْ الْحُكْمِ، وَإِلَّا انْفَسَخَ بِتَمَامِ التَّحَالُفِ
(النَّوْعُ الرَّابِعُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي تَعْجِيلِ الثَّمَنِ، وَتَأْجِيلِهِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت بِنَقْدٍ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ بِنَسِيئَةٍ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى الْعُرْفَ مَعَ يَمِينٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ عُرْفٌ فَقَالَ الْقَاسِمُ يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ بِيَدِ الْبَائِعِ فَهُوَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينٍ، وَإِنْ قَبَضَهَا الْمُبْتَاعُ صُدِّقَ مَعَ يَمِينٍ، وَإِنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ، وَقِيلَ إنْ ادَّعَى الْمُبْتَاعُ أَجَلًا قَرِيبًا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُشْتَرِي مَعَ الْفَوَاتِ، وَإِنْ ادَّعَى أَجَلًا بَعِيدًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَجَلِ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُبْتَاعِ مَعَ الْفَوَاتِ، وَيَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ إنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَائِمَةً، وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى الْأَجَلِ، وَاخْتَلَفَا فِي انْقِضَائِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ الِانْقِضَاءِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ مُدَّعِيهِ مَعَ يَمِينٍ
(النَّوْعُ الْخَامِسُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي الْخِيَارِ، وَالْبَتِّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعِي الْبَتُّ مَعَ يَمِينٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ الْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْخِيَارِ، وَقِيلَ يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي تَقَدَّمَ اخْتِلَافُهُمَا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ فَإِنْ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ لِنَفْسِهِ دُونَ الْآخَرِ فَاخْتَلَفَ
стр. 914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
فَإِذَا قَالَ الشَّارِعُ فِي أَمْرٍ مَا هُوَ كُفْرٌ فَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ إنْشَاءً أَمْ إخْبَارًا فَإِذَا تَمَهَّدْت الْقَاعِدَةُ فَنَقُولُ مَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ مِنْ أَنَّ دَلِيلَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ بِتَعَلُّمِهِ قَوْلٌ صَحِيحٌ وَاسْتِدْلَالُ الْمَالِكِيَّةِ بِذَلِكَ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] عَلَى الْكُفْرِ بِغَيْرِ التَّعْلِيمِ لِعَدَمِ الْتِئَامِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْكُفْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ التَّعَلُّمِ مَعَ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَبِهَذِهِ الْقَرِينَةِ نَصٌّ فِي أَنَّ التَّعَلُّمَ هُوَ الْكُفْرُ وَلَكِنْ يَبْقَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ إخْبَارٌ عَنْ وَاقِعٍ قَبْلَنَا، وَخِطَابٌ عَنْ غَيْرِنَا فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ فِي الْمَذْهَبِ.
وَمَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ أَيْضًا مِنْ أَنَّ السِّحْرَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَغْيِيرِ الْأَجْسَامِ إنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ إلَّا مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ مِثْلُ مَا حَكَاهُ الشِّهَابُ عَنْ الْفَخْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَلَا أَدْرِي صِحَّةَ ذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْجَزْمَ بِذَلِكَ الِاعْتِقَادِ كُفْرٌ قَوْلٌ صَحِيحٌ لِنِسْبَةِ التَّأْثِيرِ لِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا قَالَهُ مِنْ تَسْوِيغِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْكُفْرِ الدَّاخِلِ صَحِيحٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ قَالَ الشَّارِعُ مَنْ دَخَلَ مَوْضِعَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ اعْتَقَدْنَا كُفْرَ الدَّاخِلِ، وَأَنَّ الدُّخُولَ كُفْرٌ، صَحِيحٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْكُفْرَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَضْعِيَّةِ فَإِذَا قَالَ الشَّارِعُ فِي أَمْرٍ مَا إنَّهُ كُفْرٌ مُخْبِرًا أَوْ مُنْشِئًا فَذَلِكَ الْأَمْرِ كُفْرٌ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ أَيْ دَلِيلُ الْكُفْرِ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
هَلْ يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ أَوْ يَتَحَالَفَانِ، وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ؟ قَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ
(النَّوْعُ السَّادِسُ) اخْتِلَافُهُمَا فِي الرَّهْنِ، وَالْحَمِيلِ، وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَزِيدُ مَعَ
نَقْدِهِمَا فَيَنْقُصُ مَعَ وُجُودِهِمَا
(النَّوْعُ السَّابِعُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي عَيْنِ الْمَبِيعِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَقَالَ الْبَائِعُ بِعْت مِنْك هَذَا الثَّوْبَ، وَقَالَ الْمُبْتَاعُ بَلْ هَذَا؛ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيهِ بَعْدَ الْقَبْضِ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْبَائِعِ مَعَ يَمِينٍ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ رَدَدْته عَلَيْك بَعْدَ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ مِنْ ضَمَانِ الْمُبْتَاعِ فَلَا يَزَالُ فِي ضَمَانِهِ حَتَّى يُقِرَّ لَهُ الْبَائِعُ بِالْقَبْضِ أَوْ تَقُومُ لَهُ الْبَيِّنَةُ
(النَّوْعُ الثَّامِنُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمَثْمُونِ فِي بَيْعِ النَّقْدِ، وَفِيهِ الْأَقْوَالُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي اخْتِلَافِهِمَا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ
(النَّوْعُ التَّاسِعُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ فَحَكَى ابْنُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُمَا إذَا اخْتَلَفَا فِي الْقَدْرِ بِالْقُرْبِ مِنْ عَقْدِ السَّلَمِ تَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فِيمَا يُشْبِهُ قَالَ مُحَمَّدٌ فَإِنْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ حَمْلًا عَلَى الْوَسَطِ مِمَّا يُشْبِهُ مِنْ سَلَمِ النَّاسِ
(النَّوْعُ الْعَاشِرُ) إذَا اخْتَلَفَا فِي الْجَوْدَةِ فَقَالَ رَبُّ السَّلَمِ سَمْرَاءُ، وَقَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ مَحْمُولَةٌ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، وَقَالَ فَضْلُ بْنُ سَلَمَةَ يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ
(النَّوْعُ الْحَادِي عَشَرَ) إذَا اخْتَلَفَا فِي مَوْضِعِ الْقَضَاءِ صُدِّقَ مُدَّعِي مَوْضِعِ الْعَقْدِ فَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ وَاحِدٌ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ فَإِنْ تَبَاعَدَ قَوْلُهُمَا، وَأَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ تَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا، وَذَلِكَ إذَا تَبَاعَدَتْ الْمَوَاضِعُ جِدًّا حَتَّى لَا يُشْبِهُ قَوْلَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَمِمَّا يَجْرِي فِيهِ التَّحَالُفُ، وَالتَّفَاسُخُ اخْتِلَافُ الْمُتَكَارِيَيْنِ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالدَّوَابِّ فِي مِقْدَارِ الْأُجْرَةِ أَوْ فِي جِنْسِهَا أَوْ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ فَالْحُكْمُ فِي ذَلِكَ كَاخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ، وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُ رَبِّ الْحَائِطِ وَعَامِلِ الْمُسَاقَاتِ فِي غِلْمَانِ الْحَائِطِ، وَالدَّوَابِّ فَقَالَ الْعَامِلُ كَانُوا فِيهِ، وَأَنْكَرَ رَبُّ الْحَائِطِ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ وَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا فِي جُزْءِ الْمُسَاقَاةِ قَبْلَ الْعَمَلِ تَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْضًا اخْتِلَافُ الدَّائِنِ، وَالْمَدِينِ الَّذِي عَلَيْهِ دَيْنَانِ أَحَدُهُمَا بِرَهْنٍ، وَالْآخَرُ بِغَيْرِ رَهْنٍ فَقَضَى أَحَدُهُمَا فِي أَنَّ الَّذِي قَضَاهُ أَيْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَقَالَ رَبُّ الدَّيْنِ هُوَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ رَهْنٌ، وَقَالَ الْمَطْلُوبُ هُوَ الَّذِي فِيهِ الرَّهْنُ تَحَالَفَا، وَقُسِّمَ ذَلِكَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَهَذَا إذَا ادَّعَيَا أَنَّهُمَا بَيَّنَّا ذَلِكَ عِنْدَ دَفْعِ الْحَقِّ، وَأَمَّا لَوْ دَفَعَهُ الْمَطْلُوبُ، وَلَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَنَّهُ يُقَسِّمُ إذَا كَانَا حَالَّيْنِ أَوْ مُؤَجَّلَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ مِنْ الْحَالِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا اخْتِلَافُ الزَّوْجَيْنِ فِي نَوْعِ الصَّدَاقِ وَعَدَدِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ وَلَا طَلَاقٍ فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ، وَيَتَفَاسَخَانِ، وَوَجَبَ صَدَاقُ الْمِثْلِ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا إذَا تَنَازَعَا دَارًا لَيْسَتْ فِي أَيْدِهِمَا قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ إيمَانِهِمْ اهـ كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ بِتَصَرُّفٍ.
وَقَوْلُهُ لَيْسَتْ فِي أَيْدِيهِمَا أَيْ بِأَنْ كَانَتْ فِي يَدِ ثَالِثٍ قَالَ هِيَ لَا تَعُدُّوهُمَا، وَقَوْلُهُ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمَا بَعْدَ إيمَانِهِمَا أَيْ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِسَبَبِ إقْرَارِ الثَّالِثِ لَهُمَا سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى كُلٍّ مِنْهُمَا مُجَرَّدَةً عَنْ الْبَيِّنَاتِ أَوْ مَعَ الْبَيِّنَاتِ الْمُسْتَوِيَةِ وَكَذَا إذَا كَانَتْ بِأَيْدِيهِمَا كَانَتْ دَعْوَى كُلٍّ مُجَرَّدَةً أَوْ مَعَ الْبَيِّنَاتِ الْمُسْتَوِيَةِ فَفِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ يَقْضِي لِكُلٍّ بِمُجَرَّدِ يَمِينِهِ لِوُجُودِ التَّرْجِيحِ بِالْيَمِينِ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي يَدِ ثَالِثٍ لَمْ يَقُلْ مَا ذُكِرَ فَإِنْ أَقَرَّ لَهُمَا عَلَى نِسْبَةٍ اتَّفَقَا عَلَيْهَا قُسِّمَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَإِنْ قَالَ لَا أَعْلَمُ هِيَ لَهُمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ
стр. 915
وَخَوَاصُّ النُّفُوسِ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِمْ، وَلَا كُفْرَ بِغَيْرِ مُكْتَسِبٍ. وَأَمَّا اعْتِقَادُهُمْ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا، وَإِنَّمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
هَذِهِ الْأُمُورُ كُفْرًا، قَوْلٌ صَحِيحٌ أَيْضًا كَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَالتَّرَدُّدِ عَلَى الْكَنَائِسِ، وَقَوْلُهُ، وَلَا سِيَّمَا وَتَعَلُّمُهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ إلَى قَوْلِهِ أَنْ تُذَلِّلَ لِي قَلْبَ فُلَانٍ الْجَبَّارِ يَعْنِي أَنَّ تَعَلُّمَهُ لِتَحْصِيلِ ثَمَرَتِهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاطِ أَهْلِ السِّحْرِ ذَلِكَ بَلْ الْجَزْمُ بِحُصُولِ الْأَثَرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ وَقَوْلُهُ وَاحْتَجُّوا إلَى قَوْلِهِ لَمْ يَأْثَمْ قُلْتُ: تَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ بِمُوجِبِ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُ مَقْصُودُ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ تَعَلُّمُ الْكُفْرِ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِتَصْحِيحٍ يَقْتَضِيهِ.
قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ عَلَى أُصُولِنَا إلَى قَوْلِهِ طَبَائِعُ تِلْكَ الْعَقَاقِيرِ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ بِجَمْعِ الْعَقَاقِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ صَحِيحٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْجَمْعُ وَسَائِرُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهِ اجْتِلَابُ الْآثَارِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَقْصُودًا بِهَا ذَلِكَ فَهُوَ السِّحْرُ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِقَادَ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ دَلِيلِ الْكُفْرِ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ شِهَابُ الدِّينِ (وَخَوَاصُّ النُّفُوسِ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِمْ، وَلَا كُفْرَ بِغَيْرِ مُكْتَسِبٍ. وَأَمَّا اعْتِقَادُهُمْ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهَا، وَإِنَّمَا
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَتَوَقُّفٍ كَمَا فِي الْأَصْلِ.
وَقَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الْوَصْلُ الثَّانِي) فِي الْأَصْلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ هَذِهِ الْحُجَّةُ أَقَلُّ حُجَّةً فِي الشَّرِيعَةِ بِسَبَبِ أَنَّا لَمْ نَجِدْ مُرَجِّحًا عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ إلَّا الْيَمِينَ فَقُلْنَا بِالتَّرْجِيحِ بِهِ لِقَوْلِهِ ﵇ «أُمِرْتُ أَنْ أَقْضِيَ بِالظَّاهِرِ، وَاَللَّهُ مُتَوَلِّي السَّرَائِرِ» ، وَهَذَا قَدْ صَارَ ظَاهِرًا بِالْيَمِينِ فَيُقْضَى بِهِ لِصَاحِبِهِ قَالَ الْأَصْلُ، وَلِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ فِي أَيْدِيهِمَا أَوْ أَقَرَّ الثَّالِثُ بِأَنَّهَا لَا تَعْدُوهُمَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ عَلَى النِّصْفِ أَوْ لَهُ النِّصْفُ بِإِقْرَارِ الثَّالِثِ فَتُدْفَعُ عَنْهُ بِيَمِينِهِ كَمَا تُدْفَعُ يَمِينُ سَائِرِ مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِ فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ الْيَمِينُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنْ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» .
وَقَوْلُهُ ﵇ «شَاهِدَاك أَوْ يَمِينُهُ» لِأَنَّ الْمُرَادَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْيَمِينُ الدَّافِعَةُ، وَهِيَ هَذِهِ بِعَيْنِهَا، وَلَيْسَتْ هِيَ الْجَالِبَةُ الَّتِي تَقْضِي بِالْمِلْكِ كَمَا اعْتَقَدَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَقَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالْأَصْلُ فِي جَرَيَانِ التَّحَالُفِ وَالتَّفَاسُخِ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ حَدِيثُ إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ تَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْحُجَّةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ أَوْ عَيْنٍ]
(الْبَابُ الثَّانِي عَشَرَ) فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الْإِقْرَارِ وَحُكْمِهِ وَأَرْكَانِهِ فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ حَقِيقَةُ الْإِقْرَارِ الْإِخْبَارُ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ وَحُكْمُهُ اللُّزُومُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ الشَّهَادَةِ قَالَ أَشْهَبُ قَوْلُ كُلِّ أَحَدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْجَبُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ.
وَمَنْ لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ صَغِيرٍ، وَشَبَهِهِ لَمْ يَجُزْ شَهَادَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلِلْأَوَّلِ أَرْكَانٌ أَرْبَعَةٌ الصِّيغَةُ وَالْمُقِرُّ وَالْمُقِرُّ لَهُ، وَالْمُقِرُّ بِهِ فَالرُّكْنُ الْأَوَّلُ، وَهِيَ الصِّيغَةُ نَوْعَانِ:
(الْأَوَّلُ) لَفْظٌ يَدُلُّ بِلَا خَفَاءٍ عَلَى تَوَجُّهِ الْحَقِّ قَبْلَ الْمُقِرِّ
(وَالنَّوْعُ الثَّانِي) مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ الْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالسُّكُوتِ فَأَمَّا الْإِشَارَةُ فَمِنْ الْأَبْكَمِ، وَمِنْ الْمَرِيضِ فَإِذَا قِيلَ لِلْمَرِيضِ لِفُلَانٍ عِنْدَك كَذَا فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ فَهَذَا إقْرَارٌ إذَا فُهِمَ عَنْهُ مُرَادُهُ، وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَهِيَ مِثْلُ أَنْ يَكْتُبَ بِمَحْضَرِ قَوْمٍ، وَيَقُولَ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ فَذَلِكَ لَازِمٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ أَوْ يَكْتُبَ أَوْ عَلَى رِسَالَةٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ بِطَلَاقٍ وَغَيْرُهُ كَذَلِكَ
عَلَى كَذَا، وَيَعْتَرِفُ أَوْ تَقُومُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ كَتَبَهُ أَوْ أَمْلَاهُ فَيَلْزَمُهُ كُلُّ مَا فِيهِ مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ خَلَا الْحُدُودِ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الْحَدِّ نَعَمْ يُؤْخَذُ بِغُرْمِ السَّرِقَةِ، وَلَا يُحَدُّ أَوْ يَكْتُبَ فِي الْأَرْضِ لِفُلَانٍ عَلَيَّ كَذَا، وَيَقُولُ اشْهَدُوا عَلَيَّ بِهَذَا فَيَلْزَمُهُ فَإِنْ لَمْ يَقُلْ اشْهَدُوا لَمْ يَلْزَمْهُ فِي هَذَا، وَيَلْزَمُهُ مُطْلَقًا إذَا كَتَبَ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ أَوْ لَوْحٍ أَوْ خِرْقَةٍ إنْ شَهِدَ أَنَّهُ خَطُّهُ، وَأَمَّا السُّكُوتُ فَكَالْمَيِّتِ تُبَاعُ تَرِكَتُهُ، وَتُقَسَّمُ، وَغَرِيمُهُ حَاضِرٌ سَاكِتٌ لَمْ يَقُمْ فَلَا قِيَامَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَكَمَنْ أَتَى إلَى قَوْمٍ فَقَالَ اشْهَدُوا أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ سَاكِتٌ، وَلَمْ يَسْأَلْهُ الشُّهُودُ عَنْ شَيْءٍ فَلَمَّا طُولِبَ أَنْكَرَ قَالَ بَلْ يَلْزَمُهُ سُكُوتُهُ.
وَأَمَّا مَنْ سُئِلَ عِنْدَ مَوْتِهِ هَلْ لِأَحَدٍ عِنْدَك شَيْءٌ فَقَالَ لَا قِيلَ لَهُ، وَلَا لِامْرَأَتِك فَقَالَ لَا، وَالْمَرْأَةُ سَاكِتَةٌ، وَهِيَ تَسْمَعُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنَّهَا تَحْلِفُ أَنَّ حَقَّهَا عَلَيْهِ تُرِيدُ إلَى الْآنَ، وَتَأْخُذُهُ إنْ قَامَتْ لَهَا بِهِ بَيِّنَةٌ، وَلَا يَضُرُّهَا سُكُوتُهَا مِنْ الْمَذْهَبِ لِابْنِ رُشْدٍ وَكَذَا مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ فُلَانٌ السَّاكِنُ فِي مَنْزِلِك لِمَ أَسْكَنْته؟ فَقَالَ أَسْكَنْته بِلَا كِرَاءٍ، وَالسَّاكِنُ يَسْمَعُ، وَلَا يُنْكِرُ، وَلَا يُغَيِّرُ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَقْطَعُ بِسُكُوتِهِ دَعْوَاهُ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الْمَنْزِلَ لَهُ، وَيُحَلَّفُ لِأَنَّهُ يَقُولُ ظَنَنْته يُدَاعِبُهُ
(فَرْعَانِ الْأَوَّلُ) فِي أَحْكَامِ ابْنِ سَهْلٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُقِرُّ لِقَوْمٍ أَنَّ أَبَاهُمْ أَسْلَفَهُ مَالًا، وَأَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ إيَّاهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَمَدُ ذَلِكَ قَرِيبًا، وَالزَّمَنُ غَيْرُ مُتَطَاوِلٍ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ تَطَاوَلَ زَمَانُ ذَلِكَ حَلَفَ الْمُقِرُّ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَلَمْ يُحَدَّ الطُّولُ فَانْظُرْهُ
(الْفَرْعُ الثَّانِي) وَثَائِقُ أَبِي إِسْحَاقَ الْغَرْنَاطِيِّ مَنْ أَقَرَّ لِرَجُلٍ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عَلَيْهِ بَرِئَ مِنْ الْحُقُوقِ
стр. 916
جَاءَتْ الْآثَارُ مِنْ خَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ الَّتِي رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا تِلْكَ الْآثَارَ عِنْدَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ فِي الْكَوَاكِبِ خَطَأً كَمَا إذَا اعْتَقَدَ طَبِيبٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْدَعَ فِي الصَّبْرِ وَالسَّقَمُونْيَا عَقْلَ الْبَطْنِ وَقَطْعَ الْإِسْهَالِ فَإِنَّهُ خَطَأٌ.
وَأَمَّا تَكْفِيرُهُ بِذَلِكَ فَلَا، وَإِنْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْكَوَاكِبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَالشَّيَاطِينَ بِقُدْرَتِهَا لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةُ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي اسْتِقْلَالِ الْحَيَوَانَاتِ بِقُدْرَتِهَا دُونَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَمَا لَا نُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلَةَ بِذَلِكَ لَا نُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ مَظِنَّةُ الْعِبَادَةِ فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
جَاءَتْ الْآثَارُ مِنْ خَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ الَّتِي رَبَطَ اللَّهُ بِهَا تِلْكَ الْآثَارَ عِنْدَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ) قُلْتُ لَا أَعْرِفُ صِحَّةَ مَا قَالُوهُ مِنْ رَبْطِ تِلْكَ الْآثَارِ بِخَوَاصِّ النُّفُوسِ. قَالَ: (فَيَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ خَطَأً كَمَا إذَا اعْتَقَدَ طَبِيبٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْدَعَ فِي الصَّبْرِ السَّقَمُونْيَا عَقْلَ الْبَطْنِ وَقَطْعَ الْإِسْهَالِ، وَأَمَّا تَكْفِيرُهُ بِذَلِكَ فَلَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ: (وَإِنْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْكَوَاكِبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَالشَّيَاطِينَ بِقُدْرَتِهَا لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي اسْتِقْلَالِ الْحَيَوَانَاتِ بِقُدْرَتِهَا دُونَ اللَّهِ تَعَالَى فَكَمَا لَا نُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلَةَ بِذَلِكَ لَا نُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ) قُلْتُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَفْعَلُ بِقُدْرَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهَا فَذَلِكَ كُفْرٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَفْعَلُ بِقُدْرَتِهَا مُبَاشَرَةً مَعَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهَا فَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ. قَالَ: (وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ مَظِنَّةُ الْعِبَادَةِ فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْوَاجِبَةِ مِنْ الضَّمَانَاتِ وَالدُّيُونِ، وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ عِنْدَهُ أَوْ قِبَلَهُ بَرِئَ مِنْ الضَّمَانَاتِ، وَالْأَمَانَاتِ
(وَالرُّكْنُ الثَّانِي) ، وَهُوَ الْمُقِرُّ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ
(الْحَالَةُ الْأُولَى) أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ رَشِيدٌ طَائِعٌ فَإِنْ أَقَرَّ بِمَالٍ أَوْ بِقِصَاصٍ لَزِمَهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِمَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْحَدَّ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لَكِنْ يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ وَالْمَالُ فَلَوْ كَانَ مُكْرَهًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ لَمْ يَلْزَمْهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الصَّغِيرُ أَنَّهُ احْتَلَمَ فِي وَقْتِ إمْكَانِهِ إذْ لَا يُعْرَفْ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ لِحَقِّ غَيْرٍ كَالْمُفْلِسِ، وَالْعَبْدِ، وَالْمَرِيضِ فَأَحْكَامُ إقْرَارِهِمْ مَشْهُورَةٌ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ
(الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يُقِرَّ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ مِنْهُ كَقَتْلِ الْخَطَأِ، وَجِرَاحِ الْخَطَأِ الَّتِي فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ فَإِقْرَارُهُ غَيْرُ لَازِمٍ أَمَّا مَا فِيهَا دُونَ ثُلُثِهَا فَتَلْزَمُهُ فِي مَا لَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ مِنْهُ كَإِقْرَارِهِ فِي عَبْدِ زَيْدٍ أَنَّهُ لِعَمْرٍو فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ
(الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ) أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فَيُقْبَلُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ شَاهِدًا لِغَيْرِهِ فَلَوْ قَالَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ، وَعَلَى فُلَانٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَعَلَيْهِ النِّصْفُ، وَيَحْلِفُ الطَّالِبُ مَعَهُ فَإِنْ نَكَلَ أَوْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلَا شَيْءَ لِلطَّالِبِ غَيْرُ النِّصْفِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَصْلُ إلَّا الْحَالَةَ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةَ، وَقَسَّمَ الْأُولَى إلَى مَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِقْرَارُ، وَيَقْضِي فِيهِ بِالْمِلْكِ، وَمَا يُؤَثِّرُ، وَلَا يَقْضِي فِيهِ بِمُجَرَّدِ التَّسْلِيمِ فَقَالَ مَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ أَوْ عَيْنٍ قَضَى عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ كَانَ الْمُقِرُّ بَرًّا أَوْ فَاجِرًا فَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ فِي الذِّمَّةِ كَالدَّيْنِ أَوْ عَيْنًا أَقَرَّ بِهَا مِنْ سَلَمٍ أُخِذَتْ مِنْهُ، وَقَضَى فِي جَمِيعِ ذَلِكَ بِالْمِلْكِ لِلْمُقِرِّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ عَيْنًا قَضَى عَلَى الْمُقِرِّ بِتَسْلِيمِهَا لِلْمُقِرِّ لَهُ إنْ كَانَتْ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، وَلَا يُقْضَى بِالْمِلْكِ بَلْ بِإِلْزَامِ التَّسْلِيمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الثَّالِثَ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ بِهِ بِيَدِ الْغَيْرِ لَمْ يَقْضِ بِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤَثِّرُ الْإِقْرَارُ فِيمَا فِي يَدِ الْمُقِرِّ، وَيَنْتَقِلُ بِيَدِهِ يَوْمًا مِنْ الدَّهْرِ فَيُقْضَى عَلَيْهِ حِينَئِذٍ بِمُوجَبِ إقْرَارِهِ اهـ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ
(الرُّكْنُ الثَّالِثُ) وَهُوَ الْمُقِرُّ لَهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِلِاسْتِحْقَاقِ فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ لِلْجَمَادِ، وَالْحَيَوَانِ، وَثَانِيهِمَا أَنْ لَا يَكْذِبَ الْمُقِرُّ، وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْإِقْرَارُ، وَلَوْ رَجَعَ عَنْ تَكْذِيبِهِ لَمْ يُفِدْهُ رُجُوعُهُ إلَّا أَنْ يَرْجِعَ الْمُقِرُّ إلَى الْإِقْرَارِ
(وَالرُّكْنُ الرَّابِعُ) وَهُوَ الْمُقِرُّ بِهِ ضَرْبَانِ نَسَبٌ، وَمَالٌ
(فَالْأَوَّلُ) هُوَ الِاسْتِلْحَاقُ، وَمَسَائِلُهُ مَشْهُورَةٌ
(وَالثَّانِي) مُطْلَقٌ وَمُقَيَّدٌ فَالْمُطْلَقُ مَا صَدَرَ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِمَا يُقَيِّدُهُ أَوْ يَرْفَعُ حُكْمَهُ أَوْ حُكْمَ بَعْضِهِ، وَالْمُقَيَّدُ عَشَرَةُ أَنْوَاعٍ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُقَيَّدَ بِالْمَحَلِّ أَوْ بِالْعِلْمِ أَوْ بِالْغَايَةِ أَوْ بِالْخِيَارِ أَوْ بِالشَّرْطِ أَوْ بِالِاسْتِثْنَاءِ أَوْ بِكَوْنِهِ عَلَى جِهَةِ الشُّكْرِ أَوْ الذَّمِّ أَوْ الِاعْتِذَارِ أَوْ بِتَعْقِيبِهِ بِمَا يُبْطِلُهُ فَالْمَحَلُّ كَقَوْلِهِ غَصَبْت فُلَانًا ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ فَقَالَ سَحْنُونٌ يُؤْخَذُ بِالثَّوْبِ، وَالْمِنْدِيلِ، وَيُصَدَّقُ فِي صِفَتِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَلْزَمُهُ الْمِنْدِيلُ، وَالْعِلْمُ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ فِيمَا أَعْلَمُ أَوْ فِيمَا أَظُنُّ أَوْ فِيمَا حَسِبْت أَوْ فِيمَا رَأَيْت فَقَالَ سَحْنُونٌ هُوَ إقْرَارٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا قَالَ فِيمَا أَعْلَمُ أَوْ فِي عِلْمِي أَوْ فِيمَا يَحْضُرُنِي فَهُوَ شَكٌّ لَا يَلْزَمُ، وَالْغَايَةُ كَقَوْلِهِ عَلَيَّ مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَيَلْزَمُهُ مِائَةٌ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ وَكَقَوْلِهِ عَلَى مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إلَى عَشْرٍ فَيَلْزَمُهُ تِسْعَةٌ.
وَقِيلَ يَلْزَمُهُ عَشَرَةٌ أَيْ بِنَاءً عَلَى دُخُولِ الْغَايَةِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى ثَلَاثَةٍ فَيَلْزَمُهُ ثَلَاثَةٌ، وَالْخِيَارُ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَقِيلَ يَلْزَمُهُ، وَيَكُونُ الْخِيَارُ كَالْأَجَلِ، وَقِيلَ الْخِيَارُ بَاطِلٌ، وَالشَّرْطُ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إنْ حَلَفَ أَوْ إذَا حَلَفَ أَوْ مَتَى حَلَفَ فَقَالَ الْمُقِرُّ مَا ظَنَنْت أَنَّهُ يَحْلِفُ لَمْ يَلْزَمْهُ إقْرَارُهُ إجْمَاعًا، وَالِاسْتِثْنَاءُ لِقَوْلِهِ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَزِمَهُ، وَلَا يَنْفَعُهُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالْمَشِيئَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ
стр. 917
الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرِ كَانَ كُفْرًا، وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ بِأَنَّ تَأْثِيرَ الْحَيَوَانِ فِي الْقَتْلِ وَالضَّرِّ وَالنَّفْعِ فِي الْعَادَةِ مُشَاهَدٌ مِنْ السِّبَاعِ وَالْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ، وَأَمَّا كَوْنُ الْمُشْتَرَى أَوْ زُحَلَ يُوجِبُ شَقَاوَةً أَوْ سَعَادَةً فَإِنَّمَا هُوَ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ مِنْ الْمُنَجِّمِينَ لَا صِحَّةَ لَهُ وَقَدْ عُبِدَتْ الْبَقَرُ وَالشَّجَرُ وَالْحِجَارَةُ وَالثَّعَابِينُ فَصَارَتْ هِيَ الشَّائِبَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَاَلَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّهُ كُفْرٌ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا مَذْهَبُ الصَّائِبَةِ وَهُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لَا سِيَّمَا إنْ صَرَّحَ بِنَفْيِ مَا عَدَاهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرِ كَانَ كُفْرًا) قُلْتُ إنْ كَانَ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِ أَنَّ الْكَوَاكِبَ مُسْتَغْنِيَةٌ بِقُدْرَتِهَا عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ. قَالَ: (وَأُجِيبُ عَنْ هَذَا الْفَرْقِ بِأَنَّ تَأْثِيرَ الْحَيَوَانَاتِ فِي الْقَتْلِ وَالضَّرِّ وَالنَّفْعِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ مُشَاهَدَةٌ مِنْ السِّبَاعِ وَالْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ) قُلْتُ لَيْسَ تَأْثِيرُ الْحَيَوَانِ بِمُشَاهَدٍ، وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لَا غَيْرُ.
قَالَ (وَأَمَّا كَوْنُ الْمُشْتَرَى أَوْ زُحَلَ يُوجِبُ شَقَاوَةً أَوْ سَعَادَةً فَإِنَّمَا ذَلِكَ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ مِنْ الْمُنَجِّمِينَ لَا صِحَّةَ لَهُ) قُلْتُ ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَقَدْ عُبِدَتْ الْبَقَرُ وَالشَّجَرُ وَالْحِجَارَةُ وَالثَّعَابِينَ فَصَارَتْ هَذِهِ الشَّائِبَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ) قُلْتُ هُوَ كَمَا قَالَ مَوْضِعُ نَظَرٍ. قَالَ: (وَاَلَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّهُ كُفْرٌ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا مَذْهَبُ الصَّابِئَةِ وَهُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لَا سِيَّمَا إنْ صَرَّحَ بِنَفْيِ مَا عَدَاهَا) قُلْتُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مَا يُوجِبُ الشَّكَّ وَكَذَا يَلْزَمُهُ إنْ قَالَ إنْ قَضَى اللَّهُ ذَلِكَ قَالَ
سَحْنُونٌ، وَقَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَلْزَمُهُ، وَلَوْ قَالَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى غَيْرَ ذَلِكَ لَزِمَهُ.
وَلَوْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ إلَّا شَيْئًا لَزِمَهُ أَحَدٌ وَتِسْعُونَ، وَمَسَائِلُ هَذَا النَّوْعِ مَذْكُورَةٌ فِي مَحَلِّهَا فَلَا نُطِيلُ بِذِكْرِهَا.
وَالشُّكْرُ مِثْلُ قَوْلِهِ اشْهَدُوا أَنِّي قَبَضْت مِنْ فُلَانٍ مِائَةَ دِينَارٍ كَانَتْ لِي عَلَيْهِ، وَأَحْسَنَ قَضَائِي جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَقَالَ الدَّافِعُ إنَّمَا أَسْلَفْتهَا لَهُ فَاَلَّذِي قَالَ أَسْلَفْتهَا لَهُ مُصَدَّقٌ إلَّا أَنْ يَأْتِيَ الْآخَرُ بِبَيِّنَةٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَقَاضَاهُ فِي دَيْنِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ أَيْ الْآخَرُ مُصَدَّقٌ، وَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ لِقَوْمٍ صُدُقٍ قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْإِقْرَارِ بِالسَّلَفِ وَقَضَائِهِ عَلَى وَجْهِ الشُّكْرِ، وَالثَّنَاءِ لَا يَلْزَمُ الْمُقِرَّ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ فِيمَا طَالَ زَمَانُهُ، وَإِنْ كَانَ فِيمَا وَقْتُهُ قَرِيبٌ أَخَذَ بِإِقْرَارِهِ.
وَقَالَ مُطَرِّفُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ كُلُّ مَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ عِنْدَ قَوْمٍ فِي مَسَاقِ حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُمْ أَوْ شُكْرٍ شَكَرَ بِهِ أَحَدًا فَأَثْنَى عَلَيْهِ بِهِ لِمَا قَدَّمَ مِنْ سَلَفٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحُقُوقِ ثُمَّ ادَّعَى الْمُقِرُّ لَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ قَدْ أَسْلَفْته كَمَا ذَكَرَ وَلَمْ أَقْبِضْ، وَقَالَ الْآخَرُ قَدْ قَضَيْته، وَإِنَّمَا ذَكَرْت إحْسَانَهُ إلَيَّ، وَأَثْنَيْت عَلَيْهِ بِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ الْمُقِرُّ بِهِ إذَا كَانَ عَلَى هَذِهِ الْجِهَةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْقَوْمِ أَنْ يَشْهَدُوا بِذَلِكَ فَإِنْ جَهِلُوا وَشَهِدُوا بِذَلِكَ عَلَى جِهَتِهِ وَكَانَ سَاقَهُ لَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ، وَهَكَذَا سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا، وَالذَّمُّ كَقَوْلِهِ كَانَ لِفُلَانٍ عَلَيَّ دِينَارٌ فَأَسَاءَ تَقَاضِي ذَلِكَ لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، وَقَدْ دَفَعْته لَهُ فَقَالَ الْآخَرُ مَا تَقَاضَيْت مِنْك شَيْئًا فَإِنَّ الْمُقِرَّ يَغْرَمُ الدِّينَارَ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ هَذَا عِنْدِي كَالْمُقِرِّ عَلَى الشُّكْرِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ قَالَ لِقَوْمٍ أَسْلَفَنِي فُلَانٌ مِائَةَ دِينَارٍ، وَقَضَيْته إيَّاهَا أَنَّهُ مُصَدَّقٌ، وَلَوْ قَالَهَا عِنْدَ سُلْطَانٍ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ إنَّ مَا كَانَ مِنْ أَمْرٍ جَرَّهُ الْحَدِيثُ، وَالْإِخْبَارُ عَنْ حَالِ الشُّكْرِ، وَالذَّمِّ فَلَا يَأْخُذُ بِهِ أَحَدٌ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ فِي مَوْضِعِ الْقَضَاءِ، وَالِاعْتِذَارُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لِلسُّلْطَانِ فِي الْجَارِيَةِ وَلَدْت مِنِّي أَوْ الْعَبْدُ مُدَبَّرٌ لِئَلَّا يَأْخُذَهُمَا مِنْهُ فَلَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَوْ سَأَلَهُ ابْنُ عَمِّهِ مَنْزِلًا فَقَالَ هُوَ لِزَوْجَتِي ثُمَّ سَأَلَهُ فِيهِ ثَانٍ، وَثَالِثٌ مَنْ بَنِي عَمِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ ذَلِكَ فَقَامَتْ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ فَقَالَ إنَّمَا قُلْته اعْتِذَارٌ قَالَ مَالِكٌ لَا شَيْءَ لَهَا.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ سُئِلَ أَنْ يَكْرِيَ مَنْزِلَهُ فَقَالَ وَهُوَ لِابْنَتِي حَتَّى أُشَاوِرَهَا ثُمَّ مَاتَ فَقَامَتْ الِابْنَةُ فِيهِ قَالَ لَا يَنْفَعُهَا ذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَازَتْ ذَلِكَ، وَلَهَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَالْحِيَازَةِ بَيِّنَةٌ قِيلَ لَهُ، وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً قَالَ لَيْسَ لَهَا شَيْءٌ قَدْ يَتَعَذَّرُ بِهَذَا يُرِيدُ مَنْعُهُ، وَفِي وَثَائِقِ الْغَرْنَاطِيِّ، وَمَنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ هُوَ لِفُلَانٍ لَمْ يَلْزَمْهُ هَذَا الْإِقْرَارُ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ وَهَبْته أَوْ بِعْته مِنْ فُلَانٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَالرَّافِعُ مِثْلُ أَنْ يُقِرَّ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَعْقُبُهُ بِمَا يُبْطِلُهُ، وَيَرْفَعُ حُكْمَهُ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ إلَّا أَنْ يُخَالِفَهُ الْمُقِرُّ لَهُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ لَهُ عِنْدِي أَلْفٌ مِنْ ثَمَنِ خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ قَالَ ابْنُ شَاسٍ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَقُولَ الْمُقِرُّ لَهُ بَلْ هِيَ ثَمَنُ بُرٍّ فَيَلْزَمُ يَمِينُ الطَّالِبِ اهـ كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ بِتَصَرُّفٍ، وَزِيَادَةٌ مِنْ الْأَصْلِ.
[الْحُجَّةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ فِي الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ]
(الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ) فِي بَيَانِ مَا تَكُونُ فِيهِ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ، وَالْخِلَافُ فِي قَبُولِهَا، وَدَلِيلُهُ، وَفِيهِ وَصْلَانِ. (الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَفِي قَبُولِ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ، وَالْقَتْلُ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ لِمَالِكٍ، وَالْمَنْعُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْجَوَازُ فِي الْجِرَاحِ دُونَ الْقَتْلِ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَعَلَى الْجَوَازِ فَإِنَّمَا تَجُوزُ بِأَحَدَ عَشَرَ شَرْطًا
(الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْقِلُ الشَّهَادَةَ
(الثَّانِي) أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ
стр. 918
وَبِهَذَا الْبَحْثِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الشَّيَاطِينِ وَغَيْرِهِمْ كُفْرٌ بَلْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُفَصِّلُوا فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَصْنَعُ لِسُلَيْمَانَ ﵇ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ اعْتَقَدَ السَّاحِرُ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَهُ بِسَبَبِ عَقَاقِيرِهِ مَعَ خَوَاصِّ نَفْسِهِ الشَّيَاطِينَ صَعُبَ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْحَابِ إنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِاعْتِبَارِ الْفُتْيَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ حَالَ الْإِنْسَانِ فِي تَصْدِيقِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ بَعْدَ عَمَلِ هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ كَحَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالشَّرْعُ لَا يُخْبِرُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (وَبِهَذَا الْبَحْثِ يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّ أَمْرَ الشَّيَاطِينِ وَغَيْرِهِمْ كُفْرٌ بَلْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُفَصِّلُوا فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَصْنَعُ لِسُلَيْمَانَ ﵇ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَخَّرَ لَهُ بِسَبَبِ عَقَاقِيرِهِ مَعَ خَوَاصِّ نَفْسِهِ الشَّيَاطِينَ صَعُبَ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ) قُلْتُ الظَّاهِرُ مَا قَالَهُ مِنْ لُزُومِ التَّفْصِيلِ، وَأَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا كُفْرَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَفْسُ السِّحْرِ كُفْرًا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ فَذَلِكَ كُفْرٌ بِالْوَضْعِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ: (وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَمُشْكِلٌ إلَى قَوْلِهِ خِلَافُ الْوَاقِعِ) قُلْتُ إذَا ثَبَتَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَأَنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ شَرْطِ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَعْمَلَ سِحْرًا وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِحُّ إيمَانُهُ إمَّا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إنْ كَانَ السِّحْرُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَ مَالِكٌ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصِّبْيَانِ الْمَمَالِيكِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ جِنْسِ مَنْ يَشْهَدُ.
(الثَّالِثُ) أَنْ يَكُونَا ذَكَرَيْنِ نَعَمْ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَوَازُ قَبُولِ شَهَادَةِ إنَاثِ الْأَحْرَارِ اعْتِبَارًا بِالْبَالِغَاتِ فِي كَوْنِهَا لَوْثًا فِي الْقَسَامَةِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
(الرَّابِعُ) أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا لَهُمَا بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَا يُقْبَلُ فِي قِتَالٍ، وَلَا فِي جِرَاحٍ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا دَعَتْ لِإِجْمَاعِ الصِّبْيَانِ لِأَجْلِ الْكُفَّارِ نَعَمْ قِيلَ تُقْبَلُ فِي الْجِرَاحِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ ضَعِيفَةٌ فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى أَضْعَفِ الْأَمْرَيْنِ
(الْخَامِسُ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الصِّبْيَانِ لَا لِكَبِيرٍ عَلَى صَغِيرٍ، وَلَا صَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ
(السَّادِسُ) أَنْ يَكُونَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُ حَالُهُمْ أَتَمَّ مِنْ الْكِبَارِ
(السَّابِعُ) أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ قَبْلَ تُفَرِّقْهُمْ لِئَلَّا يُلَقِّنَ الْكَذِبَ
(الثَّامِنُ) أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ مُتَّفِقَةً غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ
(التَّاسِعُ) أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ فِي قَتْلٍ أَوْ جَرْحٍ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ لَا فِي الْأَمْوَالِ
(الْعَاشِرُ) أَنْ لَا يَحْضُرَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْكِبَارِ فَمَتَى حَضَرَ كِبَارٌ فَشَهِدُوا سَقَطَ اعْتِبَارُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ كَانَ الْكِبَارُ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ تَجُوزُ فِي الْخَطَأِ، وَعَمْدُ الصَّبِيِّ كَالْخَطَأِ
(الْحَادِي عَشَرَ) قَالَ الْقَرَافِيُّ رَأَيْت بَعْضَ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ يَقُولُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْجَسَدِ الْمَشْهُودِ بِقَتْلِهِ، وَإِلَّا فَلَا تُسْمَعُ الشَّهَادَةُ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَطَاءِ اللَّهِ مُؤَلِّفُ الْبَيَانِ، وَالْقَرِيبُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ الْعُدُولِ عَلَى رُؤْيَةِ الْجَسَدِ الْمَقْتُولِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى رُجُوعِهِ عَنْ شَهَادَتِهِ بَلْ، وَلَوْ بَلَغُوا، وَشَكُّوا أُخِذَ بِقَوْلِهِمْ الْأَوَّلِ نَعَمْ إنْ قَالُوا لَمْ تَكُنْ عَلَى وَجْهِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَى بِهَا لَمْ يَقْضِ بِهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الصِّبْيَانِ الْعَدَالَةُ وَالْجَرْحُ، وَاخْتُلِفَ فِي اعْتِبَارِ الْقَرَابَةِ وَالْعَدَالَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَرِيبِ لِقَرِيبِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَعَلَى مَذْهَبِهِ فَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْقَرِيبِ الْعَدُوِّ وَأَجَازَهَا عَبْدُ الْمَلِكِ، وَعَلَى مَذْهَبِهِ فَيَجُوزُ مَعَ الْقَرَابَةِ
(مَسْأَلَتَانِ الْأُولَى) سِتَّةٌ صِبْيَةٌ فِي الْبَحْرِ غَرِقَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَشَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى اثْنَيْنِ، وَاثْنَانِ عَلَى ثَلَاثَةٍ أَنَّهُمْ غَرَّقُوهُ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْعَقْلُ عَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْرَأُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَيْسَ الْبَعْضُ أَوْلَى مِنْ الْبَعْضِ فَلَزِمَتْ الدِّيَةُ عَوَاقِلَهُمْ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) إذَا تَعَارَضَ بَيِّنَتَانِ مِنْ الصِّبْيَانِ فِي شَجَّةٍ هَلْ شَجَّهَا فُلَانٌ أَوْ فُلَانٌ سَقَطَتَا لِأَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَنْفِي مَا يُثْبِتُهُ الْآخَرُ، وَأَرْشُ الشَّجَّةِ عَلَى جَمَاعَةِ الصِّبْيَانِ اهـ بِتَصَرُّفٍ، وَزِيَادَةٌ مِنْ الْأَصْلِ
(الْوَصْلُ الثَّانِي) فِي التَّبْصِرَةِ، وَفِي الْأَصْلِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمَنْعَ مِنْ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ هُوَ الْأَصْلُ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْجَوَازُ لِعِلَّةِ الِاضْطِرَارِ إذْ لَوْ أَهْمَلُوا الْأَذَى ذَلِكَ إلَى ضَرَرٍ كَبِيرٍ، وَهَدَرِ جِنَايَاتٍ تَعْظُمُ، وَدَلِيلُهُ وَجْهَانِ
(الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] وَاجْتِمَاعُ الصِّبْيَان لِلتَّدْرِيبِ عَلَى الْحَرْبِ مِنْ أَعْظَمِ الِاسْتِعْدَادِ لِيَكُونُوا كِبَارًا أَهْلًا لِذَلِكَ، وَيَحْتَاجُونَ فِي ذَلِكَ لِحَمْلِ السِّلَاحِ حَيْثُ لَا يَكُونُ مَعَهُمْ كَبِيرٌ، وَهَدَرُ دِمَائِهِمْ لَا يَجُوزُ فَتَدْعُو الضَّرُورَةُ لِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْغَالِبُ مَعَ تِلْكَ الشُّرُوطِ الصِّدْقُ، وَنُدْرَةُ الْكَذِبِ فَتُقَدَّمُ الْمَصْلَحَةُ الْغَالِبَةُ عَلَى الْمَفْسَدَةِ النَّادِرَةِ لِأَنَّهُ دَأْبُ صَاحِبِ الشَّرْعِ كَمَا جَوَّزَ الشَّرْعُ شَهَادَةَ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ ضَرُورَةً
(الْوَجْهُ الثَّانِي) إنَّهُ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيٌّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُرْوَةُ وَرَبِيعَةُ وَمُعَاوِيَةُ
стр. 919
فَإِنْ أَرَادُوا الْخَاتِمَةَ فَمُشْكِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا لَا نُكَفِّرُ فِي الْحَالِ بِكُفْرٍ وَاقِعٍ فِي الْمَآلِ كَمَا أَنَّا لَا نَجْعَلُهُ مُؤْمِنًا فِي الْحَالِ بِإِيمَانٍ وَاقِعٍ فِي الْمَآلِ وَهُوَ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ الْآنَ بَلْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَتْبَعَ أَسْبَابَهَا وَتَحَقُّقَهَا لَا تَوَقُّعَهَا وَإِنْ قَطَعْنَا بِوُقُوعِهَا كَمَا أَنَّا نَقْطَعُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا نُرَتِّبُ مُسَبَّبَاتِهَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي التَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا قَضَيْنَا بِكُفْرِهِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الْفُتْيَا وَقَدْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مُؤْمِنًا.
فَاَلَّذِي يَسْتَقِيمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ عَنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا أَنَّا لَا نُكَفِّرُهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ يَكُونُ سِحْرًا مُشْتَمِلًا عَلَى كُفْرٍ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كُفْرٌ فَفِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ فَقَدْ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ إذَا وَقَفَ لِبُرْجِ الْأَسَدِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بِنَفْسِهِ كُفْرًا، وَإِمَّا ظَاهِرًا، إنْ كَانَ عَلَامَةُ الْكُفْرِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ. قَالَ: (فَإِنْ أَرَادُوا الْخَاتِمَةَ فَمُشْكِلٌ أَيْضًا إلَى وَقَوْلِهِ، وَلَا نُرَتِّبُ مُسَبَّبَاتِهَا قَبْلَهَا) قُلْتُ إنْ أَرَادُوا ذَلِكَ فَمُشْكِلٌ كَمَا قَالَهُ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ.
قَالَ: (وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي التَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ) قُلْتُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ. قَالَ: (وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كُفْرٌ فَفِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ) قُلْتُ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ قَوْلٌ مُسْتَنِدٌ إلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَمَا قَالَهُ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ هُوَ تَعَلُّمُهُ لَا يُرِيدُ أَنْ لَا تَعَلُّمَ لَهُ سِوَاهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ تَعَلُّمُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا لِيَعْرِفَ حَقِيقَتَهُ خَاصَّةً إمَّا لِتَجَنُّبٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَأَمَّا الْوُجُوهُ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَى الْمَنْعِ فَثَمَانِيَةٌ
(الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَهُوَ يَمْنَعُ شَهَادَةَ غَيْرِ الْبَالِغِ
(وَالثَّانِي) قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَالصَّبِيُّ لَيْسَ بِعَدْلٍ
(الثَّالِثُ) قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَهُوَ نَهْيٌ، وَلَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيُ الصَّبِيَّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الشُّهَدَاءِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّلَاثَةِ أَنَّ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ عَامَّةٌ، وَدَلِيلُنَا خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِشْهَادِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى، وَالثَّانِيَةِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُمْكِنُ إنْشَاءُ الشَّهَادَةِ فِيهَا اخْتِيَارًا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ النَّهْيِ الْإِمْكَانَ، وَهَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ تَقَعُ فِيهِ الشَّهَادَةُ بَغْتَةً فَلَا يَتَنَاوَلُ الْأَمْرَ فَيَكُونُ مَسْكُوتًا عَنْهُ عَلَى أَنْ نَمْنَعَ عَدَمَ انْدِرَاجِ الصِّبْيَانِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى لِانْدِرَاجِهِمْ مَعَهُمْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦]
(وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إقْرَارُهُ فَلَا تُعْتَبَرُ شَهَادَتُهُ
(وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ الْإِقْرَارَ أَوْسَعُ مِنْ الشَّهَادَةِ لِقَبُولِهِ مِنْ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فَإِذَا كَانَ لَا يُقْبَلُ فَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ وَالْجَوَابُ عَنْهُمَا أَنَّ إقْرَارَ الصَّبِيِّ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ فَنَحْنُ نُسَوِّيهِ بِالشَّهَادَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُقْبَلَانِ فِي الْمَالِ أَوْ فِي الدِّمَاءِ إنْ كَانَتْ عَمْدًا أَوْ عَمْدُ الصَّبِيِّ خَطَأً فَيَئُولُ إلَى الدِّيَةِ فَيَكُونُ إقْرَارًا عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ كَالْبَالِغِ.
(وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) الْقِيَاسُ عَلَى غَيْرِ الْجِرَاحِ، وَجَوَابُهُ الْفَرْقُ بِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ بِدَلِيلِ قَبُولِ الْقَسَامَةِ، وَلَا يُقَسَّمُ عَلَى دِرْهَمٍ
(وَالْوَجْهُ السَّابِعُ) أَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ لَقُبِلَتْ إذَا افْتَرَقُوا كَالْكِبَارِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الِافْتِرَاقَ يَحْتَمِلُ التَّعْلِيمَ وَالتَّغْيِيرَ، وَالصَّغِيرُ إذَا خُلِّيَ، وَسَجِيَّتَهُ لَا يَكَادُ يَكْذِبُ، وَالرِّجَالُ لَهُمْ وَازِعٌ شَرْعِيٌّ إذَا افْتَرَقُوا بِخِلَافِ الصِّبْيَانِ
(وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ) أَنَّهَا لَوْ قُبِلَتْ لَقُبِلَتْ فِي تَخْرِيقِ ثِيَابِهِمْ فِي الْخَلَوَاتِ أَوْ لَجَازَتْ شَهَادَةُ النِّسَاءِ بَعْضُهُنَّ عَلَى بَعْضٍ فِي الْجِرَاحِ، وَجَوَابُهُ الْفَرْقُ بِتَعْظِيمِ حُرْمَةِ الدِّمَاءِ، وَبِأَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ لَيْسَ لِتَخْرِيقِ ثِيَابِهِمْ بِخِلَافِ الضَّرْبِ وَالْجِرَاحِ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَجْتَمِعْنَ لِلْقِتَالِ، وَلَا هُوَ مَطْلُوبٌ مِنْهُنَّ اهـ كَلَامُ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَالْأَصْلُ الَّذِي سَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْحُجَّةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ الْقَافَةُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ بِثُبُوتِ الْأَنْسَابِ]
(الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ) فِي بَيَانِ مَا تَكُونُ فِيهِ حُجَّةُ الْقَافَةِ، وَالْخِلَافُ فِي قَبُولِهَا، وَدَلِيلُهُ، وَفِيهِ وَصْلَانِ
(الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي الْأَصْلِ الْقَافَةُ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ عِنْدَنَا فِي الْقَضَاءِ بِثُبُوتِ الْأَنْسَابِ، وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَإِنَّمَا يُجِيزُهُ مَالِكٌ فِي وَلَدِ الْأَمَةِ يَطَؤُهَا رَجُلَانِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا، وَالْمَشْهُورُ عَدَمُ قَبُولِهِ فِي وَلَدِ الزَّوْجَةِ، وَعَنْهُ قَبُولُهُ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِيهِمَا اهـ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ، وَلَا تَعْتَمِدُ الْقَافَةُ إلَّا عَلَى أَبٍ مَوْجُودٍ بِالْحَيَاةِ قَالَ بَعْضُهُمْ أَوْ مَاتَ، وَلَمْ يُدْفَنْ قِيلَ، وَتَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَبَةِ قَالَ وَلَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ إلَّا فِي أَوْلَادِ الْإِمَاءِ مِنْ وَطْءِ سَيِّدَيْنِ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ دُونَ أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ يُقْبَلُ فِي أَوْلَادِ الْحَرَائِرِ قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ، وَاخْتَارَهُ اللَّخْمِيُّ قَالَ ابْنُ يُونُسُ، وَهُوَ أَقْيَسُ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو عِمْرَانَ قَالَ إنَّمَا خُصَّتْ الْقَافَةُ بِالْإِمَاءِ لِأَنَّ الْأَمَةَ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَةٍ فَيَطَئُونَهَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَقَالَ تَسَاوَوْا فِي الْمِلْكِ وَالْوَطْءِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَقْوَى مِنْ الْأُخْرَى فِرَاشًا فَالْفِرَاشَانِ مُسْتَوِيَانِ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ إذَا ابْتَاعَهَا رَجُلٌ، وَقَدْ وَطِئَهَا الْبَائِعُ وَوَطِئَهَا الْمُبْتَاعُ فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْمِلْكِ، وَأَمَّا الْحُرَّةُ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ زَوْجًا لِرَجُلَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا فِرَاشَانِ مُسْتَوِيَانِ، وَأَيْضًا فَوَلَدُ الْحُرَّةِ لَا يَنْتَفِي إلَّا بِاللِّعَانِ، وَوَلَدُ الْأَمَةِ يَنْتَفِي بِغَيْرِ اللِّعَانِ، وَالنَّفْيُ
стр. 920
وَحَكَى الْقَضِيَّةَ إلَى آخِرِهَا فَإِنَّ هَذَا سِحْرٌ فَقَدْ تَصَوَّرَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سِحْرٌ فَهَذَا هُوَ تَعَلُّمُهُ فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ شَيْئًا لَمْ يَعْلَمْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَلُّمُ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ كَضَرْبِ الْعُودِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُتُبُ السِّحْرِ مَمْلُوءَةٌ مِنْ تَعْلِيمِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ بَلْ هُوَ كَتَعَلُّمِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ كَمَا نَقُولُ إنَّ النَّصَارَى يَعْتَقِدُونَ فِي عِيسَى ﵇ كَذَا وَالصَّابِئَةَ يَعْتَقِدُونَ فِي النُّجُومِ كَذَا وَنَتَعَلَّمُ مَذَاهِبَهُمْ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى نَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهُوَ قُرْبَةٌ لَا كُفْرٌ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنْ كَانَ تَعَلَّمَ السِّحْرَ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ كَانَ ذَلِكَ قُرْبَةً وَكَذَلِكَ نَقُولُ إنْ عَمِلَ السِّحْرَ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ لِيُفَرِّقَ بِهِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى الزِّنَا أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِالْبَغْضَاءِ وَالشَّحْنَاءِ أَوْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِجَيْشِ الْكُفْرِ فَيَقْتُلُونَ بِهِ مَلِكَهُمْ هَذَا كُلُّهُ قُرْبَةٌ أَوْ يَصْنَعُهُ مَحَبَّةً بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَالْوَجْهِ الثَّانِي أَنْ يَتَعَلَّمَهُ قَاصِدًا بِتَعَلُّمِهِ تَحْصِيلَ أَثَرِهِ مَتَى احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اقْتَضَى ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ كُفْرٌ.
قَالَ: (وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَلُّمُ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ كَضَرْبِ الْعُودِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَى قَوْلِهِ فَهُوَ قُرْبَةٌ لَا كُفْرٌ) قُلْتُ مُرَادُ الطُّرْطُوشِيِّ تَعَلَّمُهُ لِتَجْرِبَةِ حُصُولِ أَثَرِهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ تَعَلُّمَهُ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَةِ صَحِيحٌ وَقَوْلُهُ فَنَقُولُ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ عَمَلَ السِّحْرِ الْمَقْصُودِ بِهِ تَحْصِيلُ أَثَرِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ كُفْرًا أَوْ دَلِيلُ الْكُفْرِ بِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ كَمَا سَبَقَ وَتَوَهَّمَ كَوْنَهُ إذَا كَانَ أَثَرُهُ أَمْرًا مُبَاحًا الْتِبَاسُهُ فِي الشَّرْعِ كَانَ عِلْمُهُ مُبَاحًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِالْقَافَةِ إنَّمَا هُوَ ضَرْبٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فَلَا يُنْقَلُ وَلَدُ الْحُرَّةِ مِنْ يَقِينٍ إلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَمَّا جَازَ نَفْيُ وَلَدِ الْأَمَةِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى جَازَ نَفْيُهُ بِالْقَافَةِ اهـ بِلَفْظِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الْوَصْلُ الثَّانِي) خَالَفَنَا أَبُو حَنِيفَةَ فِي قَبُولِ الْقَافَةِ فِي الْقَضَاءِ بِثُبُوتِ الْأَنْسَابِ فَقَالَ الْحُكْمُ بِالْقَافَةِ بَاطِلٌ قَالَ الْأَصْلُ لَنَا خَمْسَةُ وُجُوهٍ
(الْأَوَّلُ) مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ فَقَالَ أَلَمْ تَرَيْ إلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ نَظَرَ إلَى أُسَامَةَ وَزَيْدٍ عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ إنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ» وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ تَبَنَّى زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَكَانَ أَبْيَضَ، وَابْنُهُ أُسَامَةُ أَسْوَدَ فَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَطْعَنُونَ فِي نَسَبِهِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَكَانَتِهِ مِنْهُ فَلَمَّا قَالَ مُجَزِّزٌ ذَلِكَ سُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَدْسُ بَاطِلًا شَرْعًا لَمَا سُرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يُسَرُّ بِالْبَاطِلِ (وَثَانِيهِمَا) أَنَّ إقْرَارَهُ ﵇ عَلَى الشَّيْءِ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ، وَقَدْ أَقَرَّ مُجَزِّزًا عَلَى ذَلِكَ فَيَكُونُ حَقًّا مَشْرُوعًا لَا يُقَالُ النِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ إلْحَاقُ الْوَلَدِ، وَهَذَا كَانَ مُلْحَقًا بِأَبِيهِ فِي الْفِرَاشِ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ مَحَلُّ النِّزَاعِ لِأَنَّا نَقُولُ مُرَادُنَا هَاهُنَا أَنَّ الشَّبَهَ الْخَاصَّ مُعْتَبَرٌ، وَلَيْسَ مُرَادُنَا أَنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ بِمُجَزِّزٍ، وَلَا يُقَالُ أَيْضًا أَنَّ سُرُورَهُ ﵇ لِتَكْذِيبِ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ الْقِيَافَةِ، وَتَكْذِيبُ الْمُنَافِقِينَ حَاصِلٌ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ بِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّ اللَّهَ لِيُؤَيِّدَ هَذَا الدَّيْنَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ» فَقَدْ يُفْضِي الْبَاطِلُ لِلْخَيْرِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَعَدَمُ إنْكَارِهِ ﷺ هَذَا الْبَاطِلَ، وَهُوَ لَا يُقِرُّهُ لِأَنَّ مُجَزِّزًا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الْقِيَافَةِ فَلَعَلَّهُ أَخْبَرَ بِهِ بِنَاءً عَلَى الْقَرَائِنِ إذْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَآهُمَا قَبْلَ ذَلِكَ (لِأَنَّا نَقُولُ) كَيْفَ يَسْتَقِيمُ السُّرُورُ مَعَ بُطْلَانِ مُسْتَنَدِ التَّكْذِيبِ كَمَا لَوْ أَخْبَرَ عَنْ كَذِبِهِمْ رَجُلٌ كَاذِبٌ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ كَذِبُهُمْ إذَا كَانَ الْمُسْتَنَدُ حَقًّا فَيَكُونُ الشَّبَهُ حَقًّا، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فَانْدَفَعَ بِهَذَا قَوْلُكُمْ أَنَّ الْبَاطِلَ قَدْ يَأْتِي بِالْخَيْرِ، وَالْمَصْلَحَةُ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ مَا أَتَى بِشَيْءٍ، وَقَوْلُكُمْ أَخْبَرَ بِهِ لِرُؤْيَةٍ سَابِقَةٍ لِأَجْلِ الْقَرَائِنِ يَقْتَضِي أَمْرَيْنِ: (الْأَوَّلَ) نَفْيُ فَائِدَةِ اخْتِصَاصِ السُّرُورِ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ يُشْرِكُونَهُ فِي ذَلِكَ حِينَئِذٍ (الثَّانِيَ) نَفْيُ فَائِدَةِ ذِكْرِ الْأَقْدَامِ إذْ أَنَّهُ حَكَمَ بِشَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي كَانَ طَعْنُ الْمُشْرِكِينَ ثَابِتًا مَعَهُ لَمَّا كَانَ لِكُلٍّ مِنْ اخْتِصَاصِ السُّرُورِ، وَبِقَوْلِهِ، وَذِكْرُ الْأَقْدَامِ فَائِدَةٌ.
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثِ الْعَجْلَانِيُّ «إنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا وَكَذَا فَأَرَاهُ قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَتَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لِشَرِيكٍ فَلَمَّا أَتَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ قَالَ ﵇ لَوْلَا الْأَيْمَانُ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» فَصَرَّحَ ﵇ بِأَنَّ وُجُودَ صِفَاتِ أَحَدِهِمَا أَيْ الْوَالِدِ فِي الْآخَرِ أَيْ الْوَلَدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ نَسَبٍ وَاحِدٍ، وَمَجِيءُ الْوَحْيِ بِأَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ يُشْبِهُهُ مُؤَسِّسٌ لِمَا يَقُولُهُ، وَالْحُكْمُ بِالشَّبَهِ أَوْلَى مِنْ الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ فِي الْفِرَاشِ لِأَنَّ الْفِرَاشَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ ظَاهِرِ الْحَالِ، وَالشَّبَهُ يَدُلُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَكَوْنُهُ ﵇ لَمْ يُعْطَ عِلْمَ الْقِيَافَةِ مَمْنُوعٌ لِأَنَّهُ ﵇ أُعْطِيَ عِلْمَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ سَلَّمْنَا لَكِنْ عَنْ ضَابِطِ الْقَائِفِينَ أَنَّ الشَّبَهَ مَتَى كَانَ كَذَا فَهُمْ يَحْكُمُونَ بِكَذَا لَا أَنَّهُ ادَّعَى عِلْمَ الْقِيَافَةِ بَلْ كَمَا يَقُولُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ: الْأَطِبَّاءُ يُدَاوُونَ الْمَحْمُومَ بِكَذَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَبِيبًا، وَإِنَّمَا لَمْ يَحْكُمْ بِالْوَلَدِ لِشَرِيكٍ لِأَنَّهُ زَانٍ، وَالْوَلَدُ إنَّمَا يُحْكَمُ بِهِ فِي وَطْءِ الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ كُلًّا وَطْءُ شُبْهَةٍ، وَأَمَّا عَدَمُ الْحَدِّ فَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ
стр. 921
مَعَ جَيْشِ الْإِسْلَامِ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ كُلَّهَا فَالْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ جِدًّا.
وَقَوْلُ الطُّرْطُوشِيِّ إذَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ كَافِرٌ قَضَيْنَا بِكُفْرِهِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ فَهُوَ فَرْضٌ مُحَالٌ، وَلَا يُخْبِرُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْ إنْسَانٍ بِالْكُفْرِ إلَّا إذَا كَفَرَ وَقَوْلُهُمْ هُوَ دَلِيلُ الْكُفْرِ مَمْنُوعٌ وَقَوْلُهُمْ لِأَنَّ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ: (فَالْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ جِدًّا) قُلْتُ إذَا صَحَّ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرًا أَمْرٌ وَضْعِيٌّ شَرْعِيٌّ وَثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلَا إشْكَالَ. قَالَ: (وَقَوْلُ الطُّرْطُوشِيِّ إذَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرْع مَنْ دَخَلَ الدَّارَ إلَخْ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ صَحِيحٌ، وَلَيْسَ فَرْضُ مُحَالٍ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الْقَوْلُ إنْشَاءَ شَرْعٍ لَا إخْبَارًا عَنْ كُفْرِ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ فَذَلِكَ هُوَ الْمُحَالُ. قَالَ: (وَقَوْلُهُمْ هُوَ دَلِيلُ الْكُفْرِ مَمْنُوعٌ) قُلْتُ: مَنْعُهُ مَمْنُوعٌ، وَمَا قَالَهُ مِنْ شُبْهَةِ التَّخْصِيصِ هُوَ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ سَبَبِ الْكُفْرِ فَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ قَوْله تَعَالَى يُعَلِّمُونَ النَّاسَ لَيْسَ بِتَفْسِيرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى كَفَرُوا مَمْنُوعٌ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِ السِّحْرِ غَيْرُ لَائِقٍ بِفَصَاحَةِ الشَّارِعِ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ السِّحْرُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْكُفْرِ لَيْسَ كَذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ كُفْرًا وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ مِنْ أَنَّ مُعَلِّمَ الْكُفْرِ وَمُتَعَلِّمَهُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ لَيْسَ بِكَافِرٍ صَحِيحٌ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ التَّعْلِيمَ وَالتَّعَلُّمَ مُطْلَقًا كُفْرٌ فَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ، صَحِيحٌ أَيْضًا..
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَدْ تَكُونُ مِنْ جِهَتِهَا شُبْهَةً أَوْ تَكُونُ مُكْرَهَةً أَوْ لِأَنَّ اللِّعَانَ يُسْقِطُ الْحَدَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] الْآيَةَ أَوْ لِأَنَّهُ ﵇ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ فَانْدَفَعَ مَا أَوْرَدُوهُ مِنْ أَنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشُّبْهَةِ فِي حَدِيثِ الْمُدْلِجِيِّ أَوْ لِأَنَّ أَخْبَارَهُ عَلَيْهِ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْوَحْيِ لَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَافَةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ فِي بَنِي هَاشِمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ فِي بَنِي مُدْلِجٍ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ ﵇ كَانَ قَائِلَهَا، وَثَانِيًا أَنَّهُ ﵇ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ لِشَرِيكٍ، وَأَنْتُمْ تُوجِبُونَ الْحُكْمَ بِمَا أَشْبَهَ، وَثَالِثًا أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُحَدَّ، وَبِالْجُمْلَةِ فَحَدِيثُ الْمُدْلِجِيِّ يَدُلُّ دَلَالَةً قَوِيَّةً عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَدَلَّ بِالشَّبَهِ عَلَى النَّسَبِ، وَلَوْ كَانَ بِالْوَحْيِ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ تَرْدِيدٌ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ بَلْ كَانَ يَقُولُ هِيَ تَأْتِي بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا، وَهُوَ لِفُلَانٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّرْدِيدِ الَّذِي لَا يَحْسُنُ إلَّا فِي مَوَاطِنِ الشَّكِّ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ هَذَا بِالْوَحْيِ إذَا كَانَ لِتَأْسِيسِ قَاعِدَةِ الْقِيَافَةِ، وَبَسْطِ صُوَرِهَا بِالْأَشْبَاهِ، وَذَلِكَ مَطْلُوبُنَا فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا سُرَّ إلَّا بِسَبَبٍ حَقٍّ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ ﵊ لِعَائِشَةَ فِي الْحَدِيثِ تَرِبَتْ يَدَاك، وَمِنْ أَيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ فَأَخْبَرَ أَنَّ الْمَنِيَّ يُوجِبُ الشَّبَهَ فَيَكُونُ دَلِيلَ النَّسَبِ (وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا وَلَدًا فَاخْتَصَمَا لِعُمَرَ فَاسْتَدْعَى لَهُ الْقَافَةَ فَأَلْحَقُوهُ بِهِمَا فَعَلَاهُمَا بِالدِّرَّةِ، وَاسْتَدْعَى حَرَائِرَ مِنْ قُرَيْشٍ فَقُلْنَ خُلِقَ مِنْ مَاءِ الْأَوَّلِ، وَحَاضَتْ عَلَى الْحَمْلِ فَاسْتُحْشِفَ الْحَمْلُ فَلَمَّا وَطِئَهَا الثَّانِي انْتَعَشَ بِمَائِهِ فَأَخَذَ شَبَهًا مِنْهُمَا فَقَالَ عُمَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأَوَّلِ (وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الشَّبَهَ عِلْمٌ عِنْدَ الْقَافَةِ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ فَيُعْتَمَدُ عَلَيْهِ كَالتَّقْوِيمِ فِي الْمُتْلِفَاتِ، وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ، وَخَرْصِ الثِّمَارِ فِي الزَّكَوَاتِ، وَتَحْرِيرِ جِهَةِ الْكَعْبَةِ فِي الصَّلَوَاتِ، وَالْمِثْلِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ النِّعَمِ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْمِينٌ وَتَقْرِيبٌ (وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ الشَّبَهُ لَمْ يَكُنْ إلَّا إلْحَاقِ الْوَلَدِ بِجَمِيعِ الْمُتَنَازِعِينَ كَمَا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لِلْوَلَدِ آبَاءً بَلْ أَبًا وَاحِدًا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ﴾ [النساء: ١١] .
وَأَمَّا الْوُجُوهُ الثَّمَانِيَةُ الَّتِي عَارَضَ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ حَدِيثَ الْعَجْلَانِيُّ: (فَالْأَوَّلُ) مَا فِي الصِّحَاحِ «أَنَّ رَجُلًا حَضَرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَادَّعَى أَنَّ امْرَأَتَهُ وَلَدَتْ وَلَدًا أَسْوَدَ فَقَالَ لَهُ ﵇ فِي إبِلِك مِنْ أَوْرَقَ؟ فَقَالَ لَهُ نَعَمْ قَالَ لَهُ مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ سُودٌ فَقَالَ مَا السَّبَبُ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ» فَلَمْ يَعْتَبِرْ الشَّبَهَ، وَجَوَابُهُ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَيْسَتْ صُورَةَ النِّزَاعِ لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ، وَإِنَّمَا سَأَلَهُ عَنْ اخْتِلَافِ اللَّوْنِ فَعَرَّفَهُ ﵇ السَّبَبُ، وَنَحْوَ لَا نَقُولُ الْقِيَافَةُ هِيَ اعْتِبَارُ الشَّبَهِ كَيْفَ كَانَ، وَالْمُنَاسَبَةُ كَيْفَ كَانَتْ بَلْ نَقُولُ هِيَ شَبَهٌ خَاصٌّ، وَلِذَلِكَ أَلْحَقَ مُجَزِّزٌ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ مَعَ سَوَادِهِ بِأَبِيهِ الشَّدِيدِ الْبَيَاضِ، وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ إذْ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا، وَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ يَذْكُرْ مُجَرَّدَ اللَّوْنِ فَلَيْسَ فِيهِ شَرْطُ الْقِيَافَةِ حَتَّى يَدُلَّ إلْغَاؤُهُ عَلَى إلْغَاءِ الْقَافَةِ
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) قَوْلُهُ ﵇ «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ، وَلَمْ يُفَرِّقْ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ وَالْعَادَةِ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) إنَّ خَلْقَ الْوَلَدِ مُغَيَّبٌ عَنَّا فَجَازَ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ رَجُلَيْنِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ بُقْرَاطُ فِي كِتَابٍ سَمَّاهُ الْحَمْلُ عَلَى الْحَمْلِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ خِلَافُ الْعَوَائِدِ، وَظَوَاهِرُ النُّصُوصِ الْمُتَقَدِّمَةِ تَأْبَاهُ، وَالشَّرْعُ إنَّمَا يَعْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْغَالِبِ، وَبُقْرَاطُ تَكَلَّمَ عَلَى النَّادِرِ فَلَا تَعَارُضَ
(وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّ الشَّبَهَ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ مِنْ الْوَلَدِ، وَجَمَاعَةٍ لَوَجَبَ إلْحَاقُهُ بِهِمْ بِسَبَبِ الشَّبَهِ، وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ مُضَافًا لِمَا يُشَاهَدُ
стр. 922
صَاحِبَ الشَّرْعِ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ قُلْنَا حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ السِّحْرِ لَا مُحَالٌ فِيهِ غَايَتُهُ دُخُولُ التَّخْصِيصِ فِي الْعُمُومِ بِالْقَوَاعِدِ وَهَذَا هُوَ شَأْنُنَا فِي الْعُمُومَاتِ.
وَأَمَّا التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْكُفْرِ فَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ، وَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ، وَأَيُّ دَلِيلٍ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ أَوْ تَعْلِيمَهُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْكُفْرِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] نَمْنَعُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] بَلْ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِ السِّحْرِ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ الْمَقْصُودُ إذَا كَانَتْ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ مُفَسِّرَةً لِلْأُولَى سَلَّمْنَا أَنَّهَا مُفَسِّرَةٌ لَهَا لَكِنْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ السِّحْرَ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْكُفْرِ وَكَانَتْ الشَّيَاطِينُ تَعْتَقِدُ مُوجِبَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ كَالنَّصْرَانِيِّ إذَا عَلَّمَ الْمُسْلِمَ دِينَهُ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ مُوجِبَهُ، وَأَمَّا الْأُصُولِيُّ إذَا عَلَّمَ تِلْمِيذَهُ الْمُسْلِمَ دِينَ النَّصْرَانِيِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ وَيَتَأَمَّلَ فَسَادَ قَوَاعِدِهِ فَلَا يَكْفُرُ الْمُعَلِّمُ، وَلَا الْمُتَعَلِّمُ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ، وَأَمَّا جَعْلُ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ مُطْلَقًا كُفْرًا فَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَلِنَقْتَصِرَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى غَوْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
(الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ فِي النُّبُوَّاتِ وَبَيْنَ السِّحْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ:
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ وَبَيْنَ السِّحْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ إلَخْ) :
قُلْتُ: إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَحْدُثُ عَنْ السِّحْرِ فَهُوَ مُعْتَادٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ خَارِقٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ، وَأَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ أَوْ جَمِيعُهُمْ يُجَوِّزُونَ خَرْقَ الْعَوَائِدِ عَلَى يَدِ السَّاحِرِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مِنْ شَبَهِ الْإِنْسَانِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا يُضَافُ لِشَبَهٍ خَاصٍّ يَعْرِفُهُ أَهْلُ الْقِيَافَةِ
(وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ الشَّبَهَ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا لَبَطَلَتْ مَشْرُوعِيَّةُ اللِّعَانِ، وَاكْتَفَى بِهِ وُجُوبُهُ أَنَّ الْقِيَافَةَ إنَّمَا تَكُونُ حَيْثُ يَسْتَوِي الْفِرَاشَانِ وَاللِّعَانُ يَكُونُ لِمَا يُشَاهِدُهُ الزَّوْجُ فَهُمَا بَابَانِ مُتَبَايِنَانِ لَا يَسُدُّ أَحَدُهُمَا مَسَدَّ الْآخِرِ
(وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) أَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهُ مَعَ الْفِرَاشِ فَلَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا مَعَ عَدَمِهِ كَغَيْرِهِ، وَجَوَابُهُ الْفَرْقُ بِأَنَّ وُجُودَ الْفِرَاشِ وَحْدَهُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ يَقْتَضِي اسْتِقْلَالَهُ بِخِلَافِ تَعَارُضِ الْفِرَاشَيْنِ.
(الْوَجْهُ السَّابِعُ) أَنَّ الْقِيَافَةَ لَوْ كَانَتْ عِلْمًا لَأَمْكَنَ اكْتِسَابُهُ كَسَائِرِ الْعُلُومِ وَالصَّنَائِعِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ قُوَّةً فِي النَّفْسِ وَقُوَى النَّفْسِ خَوَاصُّهَا لَا يُمْكِنُ اكْتِسَابُهَا كَالْعَيْنِ الَّتِي يُصَابُ بِهَا فَتُدْخِلُ الْجَمَلَ الْقِدْرَ وَالرَّجُلَ الْقَبْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ الْوُجُودُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَوَاصِّ فَالْقِيَافَةُ كَذَلِكَ فَيَتَعَذَّرُ اكْتِسَابُهَا
(وَالْوَجْهُ الثَّامِنُ) أَنَّهُ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَاطِلًا كَأَحْكَامِ النُّجُومِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَتْ أَحْكَامُ النُّجُومِ كَمَا ثَبَتَتْ الْقِيَافَةُ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَبَطَ بِهَا أَحْكَامًا لَاعْتُبِرَتْ فِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ الْمُرْتَبِطَةِ بِهَا كَمَا اُعْتُبِرَتْ الشَّمْسُ فِي الْفُصُولِ، وَنُضْجِ الثِّمَارِ وَتَجْفِيفِ الْحُبُوبِ وَالْكُسُوفَاتِ، وَأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُعْتَبَرٌ مِنْ أَحْكَامِ النُّجُومِ، وَإِنَّمَا أُلْغِيَ مِنْهَا مَا هُوَ كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رَبْطِ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ، وَالْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ بِتَثْلِيثِهَا أَوْ تَرْبِيعِهَا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَصِحَّ فِيهَا، وَلَوْ صَحَّ لَقُلْنَا بِهِ، وَالْقِيَافَةُ صَحَّتْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ فَافْتَرَقَا اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ بِتَهْذِيبٍ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْحُجَّةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ الْقُمُطُ وَشَوَاهِدُ الْحِيطَانِ فِي الشَّهَادَةِ]
(الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ) فِي بَيَانِ مَا تَكُونُ فِيهِ حُجَّةُ الْقِمْطِ وَشَوَاهِدُ الْحِيطَانِ، وَالْخِلَافُ فِي قَبُولِهَا، وَدَلِيلُهُ، وَفِيهِ وَصْلَانِ
(الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) هَذِهِ الْحُجَّةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ الَّتِي يَحْتَجْ بِهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِهَا فِيمَا لَا تَحْضُرُهُ الْبَيِّنَاتُ كَمَا سَيَأْتِي عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَعَلَى النَّاظِرِ أَنْ يَلْحَظَ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ إذَا تَعَارَضَتْ فَمَا تَرَجَّحَ مِنْهَا قُضِيَ بِجَانِبِ التَّرْجِيحِ، وَهُوَ قُوَّةُ التُّهْمَةِ، وَلَا خِلَافَ فِي الْحُكْمِ بِهَا، وَقَدْ جَاءَ بِهَا فِي مَسَائِلَ اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الطَّوَائِفُ الْأَرْبَعَةُ، وَبَعْضُهَا قَالَ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ خَاصَّةً، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي فَصْلِ بَيَانِ عَمَلِ فُقَهَاءِ الطَّوَائِفِ الْأَرْبَعَةِ بِالْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ مِنْ تَبْصِرَتِهِ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً مِنْهَا أَنَّ الْفُقَهَاءَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِجَوَازِ وَطْءِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إذَا أُهْدِيَتْ إلَيْهِ لَيْلَةَ الزِّفَافِ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ عَدْلَانِ مِنْ الرِّجَالِ أَنَّ هَذِهِ فُلَانَةُ بِنْتُ فُلَانٍ الَّتِي عَقَدْت عَلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَنْطِقْ النِّسَاءَ أَنَّ هَذِهِ امْرَأَتُهُ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ الشَّهَادَةِ وَمِنْهَا أَنَّ النَّاسَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا لَمْ يَزَالُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْإِمَاءِ الْمُرْسَلِ مَعَهُمْ الْهَدَايَا، وَأَنَّهُ مُرْسَلَةٌ إلَيْهِمْ فَيَقْبَلُونَ أَقْوَالَهُمْ، وَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ الْمُرْسَلَ بِهِ، وَنَقَلَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ خَبَرَ الْكَافِرِ فِي ذَلِكَ كَافٍ، وَقَالَ وَمِنْهَا قَوْلُهُمْ فِي الرِّكَازِ إذَا كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ سُمِّيَ كَنْزًا، وَهُوَ كَاللُّقَطَةِ.
وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ شَكْلُ الصَّلِيبِ أَوْ الصُّوَرِ أَوْ اسْمِ مِلْكٍ مِنْ مُلُوكِ الرُّومِ فَهُوَ رِكَازٌ فَهَذَا عَمَلٌ بِالْعَلَامَاتِ قَالَ وَمِنْهَا جَوَازُ دَفْعِ اللُّقَطَةِ لِوَاصِفِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ الْقَرِينَةِ قَالَ ابْنُ الْغَرْسِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْوَدِيعَةِ وَالسَّرِقَةِ وَشَبَهِهَا إذَا جَهِلَ صَاحِبُهَا هَلْ تُقْبَلُ فِي ذَلِكَ الصِّفَةُ كَاللُّقَطَةِ أَمْ لَا وَمِنْهَا إذَا تَنَازَعَا جِدَارًا حَكَمَ بِهِ لِصَاحِبِ الْوَجْهِ وَمَعَاقِدِ الْقِمْطِ وَالطَّاقَاتِ وَالْجُذُوعِ، وَذَلِكَ حُكْمٌ بِالْأَمَارَاتِ اهـ الْمُرَادُ فَانْظُرْ التَّبْصِرَةَ.
وَفِي الْأَصْلِ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ قَالَ أَشْهَبُ إذَا تَدَاعَيَا جِدَارًا مُتَّصِلًا بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا، وَعَلَيْهِ جُذُوعٌ لِلْآخَرِ فَهُوَ لِمَنْ اتَّصَلَ بِبُنْيَانِهِ، وَلِصَاحِبِ الْجُذُوعِ مَوْضِعُ جُذُوعِهِ لِأَنَّهُ حَوْزُهُ، وَيُقْضَى بِالْجِدَارِ لِمَنْ إلَيْهِ عُقُودُ الْأَرْبِطَةِ، وَلِلْآخَرِ مَوْضِعُ جُذُوعِهِ
стр. 923
هَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةُ الْوَقْعِ فِي الدِّينِ، وَأَشْكَلَتْ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْتَبَسَتْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ الْمُحَصِّلِينَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ فَرْقٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِاعْتِبَارِ الْبَاطِنِ وَفَرْقَانِ بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ أَمَّا الْفَرْقُ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ أَنَّ السِّحْرَ وَالطَّلْمَسَاتِ وَالسِّيمِيَاءَ وَهَذِهِ الْأُمُورُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ بَلْ هِيَ عَادَةٌ جَرَتْ مِنْ اللَّهِ بِتَرْتِيبِ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ لَمْ تَحْصُلْ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بَلْ لِلْقَلِيلِ مِنْهُمْ كَالْعَقَاقِيرِ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْهَا الْكِيمْيَاءُ وَالْحَشَائِشِ الَّتِي يُعْمَلُ مِنْهَا النَّفْطُ الَّذِي يُحْرِقُ الْحُصُونَ وَالصُّخُورَ، وَالدُّهْنُ الَّذِي مَنْ ادَّهَنَ بِهِ لَمْ يَقْطَعْ فِيهِ حَدِيدٌ وَالسَّمَنْدَلُ وَالْحَيَوَانُ الَّذِي لَا تَعْدُو عَلَيْهِ النَّارُ، وَلَا يَأْوِي إلَّا فِيهَا هَذِهِ كُلُّهَا وَنَحْوُهَا فِي الْعَالَمِ أُمُورٌ غَرِيبَةٌ قَلِيلَةُ الْوُقُوعِ وَإِذَا وُجِدَتْ أَسْبَابُهَا وُجِدَتْ عَلَى الْعَادَةِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ إذَا وُجِدَتْ أَسْبَابُ السِّحْرِ الَّذِي أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ حَصَلَ وَكَذَلِكَ السِّيمِيَاءُ وَغَيْرُهَا كُلُّهَا جَارِيَةٌ عَلَى أَسْبَابٍ عَادِيَّةٍ غَيْرَ أَنَّ الَّذِي يَعْرِفُ تِلْكَ الْأَسْبَابَ قَلِيلٌ مِنْ النَّاسِ أَمَّا الْمُعْجِزَاتُ فَلَيْسَ لَهَا سَبَبٌ فِي الْعَادَةِ أَصْلًا فَلَا يَجْعَلُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَالَمِ عَقَارًا يَفْلِقُ الْبَحْرَ أَوْ يُسَيِّرُ الْجِبَالَ فِي الْهَوَى وَنَحْوَ ذَلِكَ فَنَحْنُ نُرِيدُ بِالْمُعْجِزَةِ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْعَالَمِ عِنْدَ تَحَدِّي الْأَنْبِيَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُنَا فَرْقٌ عَظِيمٌ.
غَيْرَ أَنَّ الْجَاهِلَ بِالْأَمْرَيْنِ يَقُولُ، وَمَا يُدْرِينِي أَنَّ هَذَا لَا سَبَبَ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَادَةِ فَيُقَالُ لَهُ الْفَرْقَانِ الْأَخِيرَانِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
إلَّا أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِ الْوُقُوعِ فَلَا أَدْرِي مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ عَشْرُ خَشَبَاتٍ، وَلِلْآخَرِ خَمْسُ خَشَبَاتٍ، وَلَا رَبْطَ لَا غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لَا عَلَى عَدَدِ الْخَشَبِ، وَبَقِيَتْ خَشَبَاتُهُمَا بِحَالِهَا، وَإِذَا انْكَسَرَتْ خَشَبُ أَحَدِهِمَا رُدَّ مِثْلُ مَا كَانَ، وَلَا يُجْعَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا تَحْتَ خَشَبِهِ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْجِدَارِ، وَلَوْ كَانَ عَقَدَهُ لِأَحَدِهِمَا مِنْ ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ، وَلِلْآخَرِ مِنْ مَوْضِعٍ قُسِّمَ بَيْنَهُمَا عَلَى عَدَدِ الْعُقُودِ، وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْ لِوَاحِدٍ، وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ خَشَبٌ مَعْقُودَةٌ بِعَقْدِ الْبِنَاءِ مُتَقَوِّيَةٌ فَعَقْدُ الْبِنَاءِ يُوجِبُ مِلْكَ الْحَائِطِ فِي الْعَادَةِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَالِكِ، وَقِيلَ لَا يُوجِبُهُ، وَقَالَ فِي الْمُتَقَوِّيَةِ نَظَرٌ لِأَنَّهَا طَارِئَةٌ عَلَى الْحَائِطِ، وَالْكُوَّةُ كَعَقْدِ الْبِنَاءِ تُوجِبُ الْمِلْكَ، وَكُوَى الضَّوْءِ الْمَنْفُوذَةُ لَا دَلِيلَ فِيهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا عَقْدٌ، وَلِلْآخَرِ عَلَيْهِ خَشَبٌ، وَلَوْ وَاحِدَةً فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا كُوًى غَيْرِ مَنْفُوذَةٍ أَوْجَبَتْ الْمِلْكَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَخَصُّ الْقَصَبَ لِأَحَدِهِمَا، وَالْقَصَبُ وَالطُّوبُ سَوَاءٌ اهـ.
قَالَ الْأَصْلُ الْمُدْرَكُ فِي هَذِهِ الْفَتَاوَى كُلُّهَا شَوَاهِدُ الْعَادَاتِ فَمَنْ ثَبَتَتْ عِنْدَهُ عَادَةٌ قَضَى بِهَا، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْعَوَائِدُ فِي الْأَمْصَارِ وَالْأَعْصَارِ وَجَبَ اخْتِلَافُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهَا أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى عَادَةٍ إذَا تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ تَغَيَّرَ كَالنُّقُودِ، وَمَنَافِعِ الْأَعْيَانِ وَغَيْرِهَا
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا تَنَازَعَا حَائِطًا مُبَيَّضًا هَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ لِدَارِك أَوْ لِدَارِهِ فَأَمَرَ الْحَاكِمَ بِكَشْفِ الْبَيَاضِ لِيُنْظَرَ إنْ جُعِلَتْ الْأُجْرَةُ فِي الْكَشْفِ عَلَيْهِ فَمُشْكَلٌ لِأَنَّ الْحَقَّ قَدْ يَكُونُ لِخَصْمِك، وَالْأُجْرَةُ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يَقَعُ لَهُ الْعَمَلُ، وَيَنْفَعُهُ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَقَعَ الْإِجَارَةُ عَلَى مَنْ يَثْبُتُ لَهُ مِلْكٌ لِأَنَّكُمَا جَزَمْتُمَا بِالْمِلْكِيَّةِ فَمَا وَقَعَتْ الْإِجَارَةُ إلَّا جَازِمَةً وَكَذَلِكَ الْقَائِفُ لَوْ امْتَنَعَ إلَّا بِأَجْرٍ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِاسْتِجَارَةٍ، وَيَلْزَمُ الْأُجْرَةَ فِي الْأَخِيرِ لِمَنْ يَثْبُتُ لَهُ ذَلِكَ الْحَقُّ كَمَا يَحْلِفُ فِي اللِّعَانِ وَغَيْرِهِ، وَأَحَدُهُمَا كَاذِبٌ اهـ. كَلَامُ الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
(الْوَصْلُ الثَّانِي) فِي الْأَصْلِ قَالَ بِالْقِمْطِ وَشَوَاهِدِ الْحِيطَانِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ اهـ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ وَدَلِيلُ الْقَضَاءِ بِمَا يَظْهَرُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، وَالْأَمَارَاتِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْله تَعَالَى ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٣] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السِّيمَاءَ الْمُرَادُ بِهَا حَالٌ يَظْهَرُ عَلَى الشَّخْصِ حَتَّى إذَا رَأَيْنَاهُ مَيِّتًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ زُنَّارٌ، وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ لَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَدَّمُ ذَلِكَ عَلَى حُكْمِ الدَّارِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ إنْ وُجِدَ هَذَا الْمَذْكُورُ مَخْنُونًا فَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّصَارَى يُخْتَتَنُونَ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ يُصَلَّى عَلَيْهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] الْآيَةَ، وَقَالَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ الْغَرْسِ رُوِيَ أَنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ ﵊ لَمَّا أَتَوْا بِقَمِيصِ يُوسُفَ إلَى أَبِيهِمْ يَعْقُوبَ تَأَمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ فِيهِ خَرْقًا وَلَا أَثَرَ نَابٍ فَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى كَذِبِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ مَتَى كَانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ، وَلَا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا لَمَّا أَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الدَّمَ عَلَامَةَ صِدْقِهِمْ قَرَنَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ تَعَارُضَهَا، وَهِيَ سَلَامَةُ الْقَمِيصِ مِنْ التَّمْزِيقِ إذْ لَا يُمْكِنُ افْتِرَاسُ الذِّئْبِ لِيُوسُفَ، وَهُوَ لَابِسُ الْقَمِيصِ، وَيَسْلَمُ الْقَمِيصُ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ يَعْقُوبَ ﵊ اسْتَدَلَّ عَلَى كَذِبِهِمْ بِصِحَّةِ الْقَمِيصِ فَاسْتَدَلَّ الْفُقَهَاءُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى إعْمَالِ الْأَمَارَاتِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْفِقْهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٢٦] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧] ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] .
стр. 924
يُذْهِبَانِ عَنْك هَذَا اللَّبْسَ:
الْفَرْقُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا: أَنَّ السِّحْرَ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ عُمِلَ لَهُ حَتَّى أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْحِرَفِ إذَا اسْتَدْعَاهُمْ الْمُلُوكُ وَالْأَكَابِرُ لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّجِ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ أَنْ تُكْتَبَ أَسْمَاءُ كُلُّ مَنْ يَحْضُرُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ فَيَصْنَعُونَ صُنْعَهُمْ لِمَنْ يُسَمَّى لَهُمْ فَإِنْ حَضَرَ غَيْرُهُمْ لَا يَرَى شَيْئًا مِمَّا رَآهُ الَّذِينَ سُمُّوا أَوَّلًا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٨] يَنْظُر إلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَفَارَقَتْ بِذَلِكَ السِّحْرَ وَالسِّيمِيَاءَ، وَهَذَا فَرْقٌ عَظِيمٌ يَظْهَرُ لِلْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ.
الْفَرْقُ الثَّانِي مِنْ الْفَرْقَيْنِ: الظَّاهِرُ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ الضَّرُورِيِّ الْمُحْتَفَّةِ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈ الْمَفْقُودَةِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَنَجِدُ النَّبِيَّ ﵊ أَفْضَلَ النَّاسِ نَشْأَةً وَمَوْلِدًا، وَمَزِيَّةً وَخَلْقًا وَخُلُقًا وَصِدْقًا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْأَوَّلُ مِنْهُمَا أَنَّ السِّحْرَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ عُمِلَ لَهُ إلَخْ) قُلْتُ: إنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ جَرَّبَهُ وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ التَّجْرِبَةُ وَقَلَّ مَنْ يُجَرِّبُهُ. قَالَ: (الْفَرْقُ الثَّانِي مِنْ الْفَرْقَيْنِ الظَّاهِرَيْنِ إلَخْ) قُلْتُ: مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ وَكَمَا هُوَ أَعْنِي الِاتِّصَافَ بِالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ دُونَ الْمَذْمُومَةِ فَرْقٌ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ فَهُوَ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَبَيْنَهُ ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ بِالتَّحَدِّي عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ تَحَدِّي الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ وَالتَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ تَحَدِّيَ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي الْفَرْقِ الثَّالِثِ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَيْنِ إلَى آخِرِ الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالْأَرْبَعِينَ وَالْمِائَتَانِ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَ ابْنُ الْغَرْسِ هَذِهِ الْآيَةُ يَحْتَجُّ بِهَا مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى الْحُكْمَ بِالْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فِيمَا لَا يَحْضُرُهُ الْبَيِّنَاتُ.
وَكَوْنُ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ لَا تَلْزَمُنَا لَا يَسْلَمُ لِأَنَّ كُلَّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ لِفَائِدَةٍ فِيهِ وَمَنْفَعَةٍ لَنَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَآيَةُ يُوسُفَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - مُقْتَدًى بِهَا مَعْمُولٌ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فَمَوَاضِعُ مِنْهَا أَنَّهُ ﷺ حَكَمَ بِمُوجِبِ اللَّوْثِ فِي الْقَسَامَةِ، وَجَوَّزَ لِلْمُدَّعِينَ أَنْ يَحْلِفُوا خَمْسِينَ يَمِينًا، وَيَسْتَحِقُّوا دَمَ الْقَتِيلِ فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ، وَالْحَدِيثُ فِيهِ ذِكْرُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُ قُتِلَ فِي بَلَدِهِمْ، وَلَيْسَ فِيهَا غَيْرُ الْيَهُودِ أَوْ أَنَّهُ قَدْ قَامَ مِنْ الْقَرَائِنِ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوهُ، وَلَكِنْ جَهِلُوا عَيْنَ الْقَاتِلِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبْعُدُ إثْبَاتُهُ لَوْثًا فَلِذَلِكَ جَرَى حُكْمُ الْقَسَامَةِ فِيهِ وَمِنْهَا مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قِصَّةِ الْأَسْرَى مِنْ قُرَيْظَةَ لَمَّا حَكَمَ فِيهِمْ سَعْدٌ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَتُسْبَى الذُّرِّيَّةُ فَكَانَ بَعْضُهُمْ عُدْمَ الْبُلُوغِ فَكَانَ الصَّحَابَةُ يَكْشِفُونَ عَنْ مُؤْتَزِرِهِمْ فَيَعْلَمُونَ بِذَلِكَ الْبَالِغَ مِنْ غَيْرِهِ. وَذَلِكَ مِنْ الْحُكْمِ بِالْأَمَارَاتِ وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ الْمُلْتَقِطَ أَنْ يَدْفَعَ اللُّقَطَةَ إلَى وَاصِفِهَا، وَجَعَلَ وَصْفَهُ لِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا قَائِمًا مَقَامَ الْبَيِّنَةِ وَمِنْهَا حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ بِالْقَافَةِ، وَجَعْلُهَا دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ النَّسَبِ. وَلَيْسَ فِيهَا إلَّا مُجَرَّدُ الْأَمَارَاتِ وَالْعَلَامَاتِ وَمِنْهَا أَنَّ ابْنَا عَفْرَاءَ تَدَاعَيَا قَتْلَ أَبِي جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا قَالَا لَا فَقَالَ ﷺ أَرِيَانِي سَيْفَيْكُمَا فَلَمَّا نَظَرَ فِيهِمَا قَالَ لِأَحَدِهِمَا هَذَا قَتَلَهُ، وَقَضَى لَهُ بِسَلَبِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ الزُّبَيْرَ بِعُقُوبَةِ الَّذِي اتَّهَمَهُ بِإِخْفَاءِ كَنْزِ ابْنِ أَبِي الْحَقِيقِ فَلَمَّا ادَّعَى أَنَّ النَّفَقَةَ وَالْحُرُوبَ أَذْهَبَتْهُ قَالَ ﷺ الْعَهْدُ قَرِيبٌ، وَالْمَالُ أَكْثَرُ وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷺ فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ مَا فَعَلَ بِنَاءً عَلَى شَاهِدِ الْحَالِ، وَلَمْ يَطْلُبْ بَيِّنَةً بِمَا فَعَلُوا، وَلَا وَقَفَ الْأَمْرُ عَلَى إقْرَارِهِمْ، وَمِنْهُ حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَالصَّحَابَةُ مَعَهُ مُتَوَفِّرُونَ بِرَجْمِ الْمَرْأَةِ إذَا ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ، وَلَا زَوْجَ لَهَا، وَقَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ وَمِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ «عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَرَدْت السَّفَرَ إلَى خَيْبَرَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جِئْت وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا فَإِذَا طَلَبَ مِنْك آيَةً فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ» فَأَقَامَ الْعَلَامَةَ مُقَامَ الشَّهَادَةِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيَهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا» فَجَعَلَ صُمَاتَهَا قَرِينَةً عَلَى الرِّضَا، وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا رَضِيَتْ.
وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى الْحُكْمِ بِالْقَرَائِنِ وَمِنْهَا حُكْمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -، وَلَا يُعْلَمُ لَهُمْ مُخَالِفٌ بِوُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وُجِدَ مِنْ فِيهِ رَائِحَةُ الْخَمْرِ أَوْ قَاءَهَا اعْتِمَادًا عَلَى الْقَرِينَةِ الظَّاهِرَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْحُجَّةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْيَدُ فِي الشَّهَادَةِ]
(الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ) فِي بَيَانِ الْحُجَّةِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ الَّتِي هِيَ الْيَدُ قَالَ الْأَصْلُ وَلَيْسَ هِيَ لِلْقَضَاءِ بِالْمِلْكِ بَلْ لِلتَّرْجِيحِ فَيُرَجَّحُ بِهَا إمَّا أَحَدُ الدَّعْوَتَيْنِ الْمُتَسَاوِيَتَيْنِ مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ جَمِيعَ الْمُدَّعَى بِهِ، وَهُوَ بِيَدِ أَحَدِهِمَا، وَلَا بَيِّنَةَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيَبْقَى الْمُدَّعَى بِهِ
стр. 925
وَأَدَبًا، وَأَمَانَةً وَزَهَادَةً، وَإِشْفَاقًا وَرِفْقًا وَبُعْدًا عَنْ الدَّنَاءَاتِ وَالْكَذِبِ وَالتَّمْوِيهِ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ثُمَّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانُوا بِحَارًا فِي الْعُلُومِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَالْحِسَابِيَّاتِ وَالسِّيَاسَاتِ وَالْعُلُومِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَسَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَتَكَلَّمُ فِي الْبَاءِ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ الْعِشَاءِ إلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَدْرُسُوا وَرَقَةً، وَلَا قَرَءُوا كِتَابًا، وَلَا تَفَرَّغُوا مِنْ الْجِهَادِ وَقَتْلِ الْأَعْدَاءِ وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِبَرَكَتِهِ ﷺ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ إلَّا أَصْحَابُهُ لَكَفَوْهُ فِي إثْبَات نُبُوَّتِهِ وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ مِنْ فَرْطِ صِدْقِهِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَوْلِيَاؤُهُ، وَأَعْدَاؤُهُ، وَكَانَ يُسَمَّى فِي صِغَرِهِ الْأَمِينُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ فَمَنْ وَقَفَ عَلَى هَذِهِ الْقَرَائِنِ وَعَرَفَهَا مِنْ صَاحِبِهَا جَزَمَ بِصِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ جَزْمًا قَاطِعًا وَجَزَمَ بِأَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى حَقٌّ وَلِذَلِكَ «لَمَّا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِنُبُوَّتِهِ قَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ صَدَقْتَ» مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى مُعْجِزَةٍ خَارِقَةٍ فَنَزَلَ فِيهِمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أَيْ مُحَمَّدٌ جَاءَ بِالصِّدْقِ، وَأَبُو بَكْرٍ صَدَّقَ بِهِ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَلَهُ مِنْ هَذِهِ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَالْمَقَالِيَّةِ الْعَجَائِبُ وَالْغَرَائِبُ.
وَأَمَّا السَّاحِرُ فَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا تَجِدُهُ فِي مَوْضِعٍ إلَّا مَمْقُوتًا حَقِيرًا بَيْنَ النَّاسِ، وَأَصْحَابَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِصَاحِبِ الْيَدِ مِنْهُمَا، وَلَا يَقْضِي لَهُ بِمِلْكٍ بَلْ يُرَجِّحُ التَّعَدِّيَ فَقَطْ، وَأَمَّا إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْحِجَاجِ كَمَا إذَا كَانَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بَيِّنَةً، وَتَسَاوَيَتَا فِي الْعَدَالَةِ رَجَّحَ جَانِبَ الَّذِي بِيَدِهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَائِزًا فَيَحْكُمُ لَهُ بِهِ مَعَ الْيَمِينِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الدَّاخِلِ عَلَى بَيِّنَةِ الْخَارِجِ عِنْدَ التَّكَافُؤِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا يَنْتَفِعُ الْحَائِرُ بِبَيِّنَتِهِ، وَلَا بِبَيِّنَةِ الْمُدَّعِي أَوْلَى لِقَوْلِهِ ﷺ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» فَإِنْ نَكَلَ الْحَائِزُ حَلَفَ الْمُدَّعِي، وَحَكَمَ لَهُ بِهِ فَإِنْ نَكَلَ أَقَرَّ عَلَى يَدِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةُ الْخَارِجِ أَرْجَحَ قُدِّمَتْ لِأَنَّ الْيَدَ لَا اعْتِبَارَ لَهَا مَعَ الْحُجَّةِ الضَّعِيفَةِ ثُمَّ هَلْ يَحْلِفُ الْخَارِجُ لِأَجْلِ اقْتِرَانِ الْيَدِ بِالْبَيِّنَةِ؟ قَوْلَانِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي مِلْكٍ مُطْلَقٍ غَيْرِ مُضَافٍ إلَى سَبَبٍ أَوْ فِي مِلْكٍ غَيْرِ مُطْلَقٍ، وَهُوَ الْمُضَافُ إلَى سَبَبٍ يَتَكَرَّرُ أَوْ لَا يَتَكَرَّرُ فَالْمُطْلَقُ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ لَهُ مِلْكًا مُطْلَقًا، وَغَيْرَ مُطْلَقٍ هُوَ الْمُضَافُ إلَى سَبَبٍ، وَهُوَ أَنْ يُبَيِّنَ سَبَبَ الْمِلْكِ مِثْلَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ مِلْكُهُ وُلِدَ فِي مِلْكِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الدَّابَّةَ نَتَجَتْ فِي مِلْكِهِ، وَأَنَّ هَذَا الثَّوْبَ مِلْكُهُ نَسَجَ فِي مِلْكِهِ ثُمَّ هَذَا السَّبَبُ عَلَى ضَرْبَيْنِ مِنْهُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَرَّرَ فِي الْمِلْكِ مِثْلَ الْغِرَاسِ إذَا قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَرَسْته فِي مِلْكِي فَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَكَرَّرَ بِأَنْ يَغْرِسَ دَفْعَتَيْنِ، وَهَكَذَا نَسْجُ الثَّوْبِ الْخَزِّ عَلَى مَا يَقُولُهُ أَهْلُ صَنَعْته يُمْكِنُ أَنْ يَنْسِجَ دَفْعَتَيْنِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ تَكْرَارُهُ كَالْوِدَّةِ وَالنِّتَاجِ وَنَسْجِ ثَوْبِ الْقُطْنِ اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ بِتَوْضِيحٍ مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي الْفَرْقِ السَّادِسِ وَالثَّلَاثِينَ وَالْمِائَتَيْنِ بَيْنَ الْيَدِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمُرَجِّحَةِ لِقَوْلِ صَاحِبِهَا، وَالْيَدِ الَّتِي لَا تُعْتَبَرُ فَلَا تُغْفَلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا اُعْتُبِرَ مِنْ الْغَالِبِ وَبَيْنَ مَا أُلْغِيَ مِنْ الْغَالِبِ فِي الشَّهَادَةِ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا اُعْتُبِرَ مِنْ الْغَالِبِ وَبَيْنَ مَا أُلْغِيَ مِنْ الْغَالِبِ أَمَّا مَعَ اعْتِبَارِ النَّادِرِ أَوْ مَعَ إلْغَائِهِ أَيْضًا) :
وَذَلِكَ كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَا يَتَيَسَّرُ عَلَى الْمُبْتَدَئِينَ، وَلَا عَلَى ضَعْفَةِ الْفُقَهَاءِ بَلْ لَا يَحْصُلُ إلَّا لِمُتَّسِعٍ فِي الْفَقِيهَاتِ، وَالْمَوَارِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْغَالِبِ، وَتَقْدِيمُهُ عَلَى النَّادِرِ، وَهُوَ شَأْنُ الشَّرِيعَةِ، وَأَمْثِلَتُهُ لَا تُحْصَى كَثْرَةً مِنْهَا تَقْدِيمُ طَهَارَةِ الْمِيَاهِ، وَعُقُودِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ، وَيُفْطِرُ بِنَاءً عَلَى غَالِبِ الْحَالِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ يَمْنَعُ شَهَادَةَ الْأَعْدَاءِ، وَالْخُصُومِ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْهُمْ الْحَيْفُ، وَلَكِنْ جَرَى عَلَى خِلَافِ هَذَا الْأَصْلِ أَجْنَاسُ كَثِيرَةٌ اُسْتُثْنِيَتْ مِنْهُ سَتَتَّضِحُ لَك فَإِذَا وَقَعَ لَك غَالِبٌ، وَلَا تَدْرِي هَلْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا أُلْغِيَ أَوْ مِنْ قَبِيلِ مَا اُعْتُبِرَ فَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ تَسْتَقْرِيَ مَوَارِدَ النُّصُوصِ، وَالْفَتَاوَى اسْتِقْرَاءً حَسَنًا، وَلَا يَتَأَتَّى لَك ذَلِكَ إلَّا إذَا كُنْت حِينَئِذٍ وَاسِعَ الْحِفْظِ جَيِّدَ الْفَهْمِ فَإِذَا تَحَقَّقَتْ بِذَلِكَ إلْغَاؤُهُ فَذَاكَ ظَاهِرٌ، وَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ لَك إلْغَاؤُهُ فَاعْتَقِدْ أَنَّهُ مُعْتَبَرٌ، وَالْأَجْنَاسُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ عَلَى قِسْمَيْنِ
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) مَا أَلْغَى الشَّرْعُ فِيهِ الْغَالِبَ، وَقَدَّمَ النَّادِرَ عَلَيْهِ أَيْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ فِيهِ حُكْمَ النَّادِرِ دُونَ حُكْمِ الْغَالِبِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ
(وَالْقِسْمُ الثَّانِي) مَا أَلْغَى الشَّرْعُ فِيهِ الْغَالِبَ، وَالنَّادِرَ مَعًا رِعَايَةً لِلضَّرُورَةِ وَرَحْمَةً بِالْعِبَادِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْقِسْمَيْنِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ تَفْتَقِرُ عَلَى التَّمْثِيلِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِعِشْرِينَ مِثَالًا فِي الْوَصْلَيْنِ الِاثْنَيْنِ لِتَجْزِمَ بِشَيْئَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ إذَا دَارَ الشَّيْءُ بَيْنَ النَّادِرِ
стр. 926
وَأَتْبَاعَهُ وَأَتْبَاعَ كُلِّ مُبْطِلٍ عَدِيمِينَ لِلطَّلَاوَةِ لَا بَهْجَةَ عَلَيْهِمْ وَالنُّفُوسُ تَنْفِرُ مِنْهُمْ، وَلَا فِيهِمْ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ أَثَرٌ فَهَذِهِ فُرُوقٌ ثَلَاثَةٌ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَهِيَ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ لَا يَبْقَى مَعَهَا - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - لَبْسٌ وَلَا شَكٌّ لِجَاهِلٍ، وَلَا عَالِمٍ.
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقَاعِدَةِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ) . قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: الْبُغَاةُ هُمْ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الْإِمَامِ يَبْغُونَ خَلْعَهُ أَوْ مَنْعَ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ أَوْ تَبْغِي مَنْعَ حَقٍّ وَاجِبٍ بِتَأْوِيلٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃، وَمَا عَلِمْت فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَبِهِ يَمْتَازُونَ عَنْ الْمُحَارِبِينَ وَيَفْتَرِقُ قِتَالُهُمْ مِنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا أَنْ يَقْصِدُوا بِالْقِتَالِ رَدْعَهُمْ لَا قَتْلَهُمْ وَيَكُفَّ عَنْ مُدْبِرِهِمْ وَلَا يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ، وَلَا تُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ، وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمُشْرِكٍ، وَلَا نُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ وَلَا تُنْصَبُ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتُ، وَلَا تُحْرَقُ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِينُ وَلَا يُقْطَعُ شَجَرُهُمْ وَيَمْتَازُ قِتَالُهُمْ عَنْ قِتَالِ الْمُحَارِبِينَ بِخَمْسَةٍ يُقَاتَلُونَ مُدْبِرِينَ وَيَجُوزُ تَعَمُّدُ قَتْلِهِمْ وَيُطَالَبُونَ بِمَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا، وَيَجُوزُ حَبْسُ أَسْرَاهُمْ لِاسْتِبْرَاءِ أَحْوَالِهِمْ، وَمَا أَخَذُوهُ مِنْ الْخَرَاجِ وَالزَّكَاةِ لَا يَسْقُطُ عَمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ كَالْغَاصِبِ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي هَذَا الْفَرْعِ قَالَ إنْ وَلَّى الْبُغَاةُ قَاضِيًا أَوْ أَخَذُوا الزَّكَاةَ أَوْ أَقَامُوا حَدًّا نَفَذَ ذَلِكَ كُلُّهُ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ لِلضَّرُورَةِ مَعَ التَّأْوِيلِ وَرَدَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلَّهُ لِعَدَمِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالْغَالِبِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِالْغَالِبِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ قُلْت بَلْ مُقَيَّدٌ بِثَلَاثَةِ قُيُودٍ: (الْأَوَّلِ) أَنْ يَطَّرِدَ الْغَالِبُ بِمُخَالَفَةِ الْأَصْلِ الثَّانِي أَنْ تَكْثُرَ أَسْبَابُهُ الثَّالِثِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ النَّادِرِ مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، وَإِلَّا قُدِّمَ عَلَى الْغَالِبِ عَمَلًا بِالتَّرْجِيحِ لِتَعَيُّنِهِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا نَقَلَهُ الْعَطَّارُ عَلَى مَحَلِّيٍّ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَنْ قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ
(الثَّانِي) أَنَّ قَوْلَ الْفُقَهَاءِ إذَا اجْتَمَعَ الْأَصْلُ، وَالْغَالِبُ فَهَلْ يُغَلَّبُ الْأَصْلُ عَلَى الْغَالِبِ أَوْ الْغَالِبُ عَلَى الْأَصْلِ قَوْلَانِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، وَفِي الْعَطَّارِ عَلَى مَحَلِّيٍّ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَنْ قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ بَلْ لِجَرَيَانِ الْقَوْلَيْنِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ الْأَوَّلُ أَنْ لَا تَطَّرِدَ الْعَادَةُ بِمُخَالَفَةِ الْأَصْلِ، وَإِلَّا قُدِّمَ حُكْمُ الْعَادَةِ، وَالْغَالِبُ قَطْعًا، وَمِنْ ذَلِكَ الْمَاءُ الْهَارِبُ فِي الْحَمَّامِ لِاطِّرَادِ الْعَادَةِ بِالْبَوْلِ فِيهِ
(الثَّانِي) أَنْ تَكْثُرَ أَسْبَابُ الظَّاهِرِ، وَالْغَالِبِ فَإِنْ نَدَرَتْ لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ قَطْعًا، وَمِنْ ذَلِكَ مَا إذَا تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الْحَدَثُ اتَّفَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ لَهُ الْأَخْذَ بِالْوُضُوءِ، وَلَمْ يُجْرُوا فِيهِ الْقَوْلَيْنِ كَمَا أَجْرَوْهُمَا فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ نَجَاسَتُهُ هَلْ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ، وَفَرَّقَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْأَسْبَابَ الَّتِي تَظْهَرُ بِالنَّجَاسَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ قَلِيلَةٌ فِي الْأَحْدَاثِ، وَلَا أَثَرَ لِلنَّادِرِ، وَالتَّمَسُّكُ بِاسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ أَوْلَى
(الثَّالِثُ) أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ أَحَدِهِمَا مَا يَعْتَضِدُ بِهِ، وَإِلَّا فَالْعَمَلُ بِالتَّرْجِيحِ مُتَعَيَّنٌ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فَإِذَا جَزَمَتْ بِذَلِكَ عَلِمْت أَنَّ الضَّابِطَ فِيمَا يَجْرِي قَوْلَانِ فِيهِ، وَمَا لَا يَجْرِيَانِ فِيهِ هُوَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الظَّاهِرُ، وَالْغَالِبُ حُجَّةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا شَرْعًا كَالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ وَالْأَخْبَارِ فَهُوَ مُقَدَّمُ الْأَصْلِ قَطْعًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الظَّاهِرَ، وَالْغَالِبُ حُجَّةٌ بَلْ كَانَ سَنَدُهُ الْعُرْفَ أَوْ الْقَرَائِنَ أَوْ غَلَبَةَ الظَّنِّ فَهَذِهِ يَتَفَاوَتُ أَمْرُهَا فَتَارَةً يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ قَطْعًا، وَتَارَةً يُعْمَلُ بِالظَّاهِرِ، وَالْغَالِبُ قَطْعًا، وَتَارَةً يَخْرُجُ الْخِلَافُ هَلْ يُقَدَّمُ الْأَصْلُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ لَا أَوْ الظَّاهِرُ، وَالْغَالِبُ عَلَى الصَّحِيحِ أَوَّلًا فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ
(الْأَوَّلُ) مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالظَّاهِرِ كَالْبَيِّنَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ الْمَالُ الْمَشْهُودُ بِهِ قَطْعًا لِأَنَّ الْغَالِبَ صِدْقُ الْبَيِّنَةِ، وَهِيَ حُجَّةٌ وَكَالْيَدِ فِي الدَّعْوَى فَإِنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمِلْكِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ الْيَدِ الْمِلْكُ، وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ
(الثَّانِي) مَا قَطَعُوا فِيهِ بِالْأَصْلِ وَإِلْغَاءِ الْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ أَوْ ظَنَّهُ فَإِنَّهُ يُبْنَى عَلَى تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ أَوْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فِي رَمَضَانَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ الْأَكْلُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ أَوْ اخْتَلَطَ الْحَرَامُ بِالْحَلَالِ وَكَانَ الْحَرَامُ مَغْمُورًا أَوْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مُحَرَّمُهُ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ فَإِنَّ لَهُ نِكَاحَ مَنْ شَاءَ مِنْهُنَّ فَإِنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَأَشْبَهَتْ مَيِّتَةٌ بِمُذَكَّاةِ بَلَدٍ أَوْ إنَاءُ بَوْلٍ بِأَوَانِي بَلَدٍ فَلَهُ أَخْذُ بَعْضِهَا بِالِاجْتِهَادِ قَطْعًا
(الثَّالِثُ) مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الظَّاهِرِ كَمَا لَوْ شَكَّ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ مِنْهَا فَلَا يُؤَثِّرُ عَلَى الْمَشْهُورِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ جَرَيَانُهَا عَلَى الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَ إتْيَانِهِ بِهِ وَكَذَا حُكْمُ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَكَاخْتِلَافِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ فَالْقَوْلُ لِمُدَّعِي الصِّحَّةِ عَلَى الْأَظْهَرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعُقُودِ الْجَارِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الصِّحَّةُ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ عَدَمَهَا، وَكَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ، وَلَمْ يَقْصِدْ تَأْكِيدًا، وَلَا اسْتِئْنَافًا بَلْ أَطْلَقَ فَالْأَظْهَرُ يَقَعُ ثَلَاثٌ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْإِيقَاعِ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ، وَلِهَذَا يُقَالُ إذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ التَّأْسِيسِ وَالتَّوْكِيدِ فَالتَّأْسِيسُ أَوْلَى، وَهَذَا يَرْجِعُ إلَى الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَوَجْهُ مُقَابِلِهِ أَنَّ الْأَصْلَ الْمُتَيَقَّنَ عَدَمُ ذَلِكَ
(الرَّابِعُ) مَا فِيهِ خِلَافٌ، وَالْأَصَحُّ تَقْدِيمُ الْأَصْلِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ مَا لَوْ شَكَّ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ هَلْ صَلَّاهَا أَمْ لَا قَالَ الرُّويَانِيُّ إنْ كَانَ مَعَ بُعْدِ الزَّمَانِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ضَبْطِ مَا يَقَعُ مِنْهُ فِي
стр. 927
الْوِلَايَةِ وَبِقَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ.
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ شُبْهَةٌ تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ) . قَاعِدَةٌ يَقَعُ بِهَا الْفَرْقُ وَهِيَ أَنَّ الشُّبُهَاتِ ثَلَاثَةٌ: شُبْهَةٌ فِي الْوَطْءِ وَشُبْهَةٌ فِي الْمَوْطُوءَةِ وَشُبْهَةٌ فِي الطَّرِيقِ فَالشُّبْهَةُ الْأُولَى تَعُمُّ الْحُدُودَ وَالْكَفَّارَاتِ وَمِثَالُهَا اعْتِقَادُ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ امْرَأَتُهُ وَمَمْلُوكَتُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَمِثَالُ شُبْهَةِ الْمَوْطُوءَةِ الْأَمَةُ الْمُشْتَرَكَةُ إذَا وَطِئَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَمَا فِيهَا مِنْ نَصِيبِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ، وَمَا فِيهَا مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ يَقْتَضِي الْحَدَّ فَيَحْصُلُ الِاشْتِبَاهُ وَهِيَ عَيْنُ الشُّبْهَةِ كَمَا أَنَّ اعْتِقَادَ الْأُولَى الَّذِي هُوَ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ وَغَيْرُ مُطَابِقٍ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُعْتَقِدٌ الْإِبَاحَةَ، وَعَدَمُ الْمُطَابَقَةِ فِي اعْتِقَادِهِ يَقْتَضِي الْحَدَّ فَحَصَلَتْ الشُّبْهَةُ مِنْ الشَّبَهَيْنِ، وَمِثَالُ الثَّالِثَةِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي إبَاحَةِ الْمَوْطُوءَةِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ قَوْلَ الْمُحَرِّمِ يَقْتَضِي الْحَدَّ وَقَوْلَ الْمُبِيحِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ فَحَصَلَتْ الشُّبْهَةُ مِنْ الشُّبْهَتَيْنِ فَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ ضَابِطُ الشُّبْهَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي إسْقَاطِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فِي إفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ غَيْرَ أَنَّ لَهَا شَرْطًا وَهُوَ اعْتِقَادُ مُقَارَنَةِ السَّبَبِ الْمُبِيحِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابُ الصِّيَامِ إذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَوْمَهُ فَتَعَمَّدَ الْفِطْرَ ثَانِيَةً أَوْ امْرَأَةٌ رَأَتْ الطُّهْرَ فِي رَمَضَانَ لَيْلًا فَلَمْ تَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَتْ فَظَنَّتْ أَنَّهُ لَا صَوْمَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمَاضِي، وَيَغِيبُ عَلَيْهِ تَذَكُّرُهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ قُرْبِ الزَّمَانِ كَمَنْ شَكَّ فِي آخِرِ الْأُسْبُوعِ فِي صَلَاةِ يَوْمٍ مِنْ أَوَّلِهِ وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَيَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الرُّويَانِيِّ عَلَى مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ مُوَاظَبَةَ الصَّلَاةِ أَمَّا مَنْ اعْتَادَ تَرْكَهَا أَوْ بَعْضَهَا فَالظَّاهِرُ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَمِنْهَا ثِيَابُ مُدْمِنِي النَّجَاسَةِ وَطِينِ الشَّارِعِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ اخْتِلَاطُهُ بِالنَّجَاسَةِ، وَالْمَقَابِرُ الَّتِي يَغْلِبُ نَبْشُهَا فَالْأَصَحُّ الطَّهَارَةُ، وَلِطِينِ الشَّارِعِ أُصُولٌ يُبْنَى عَلَيْهَا
(أَحَدُهُمَا) مَا ذُكِرَ مِنْ تَعَرُّضِ الْأَصْلِ، وَالظَّاهِرُ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ
(ثَانِيهُمَا) طَهَارَةُ الْأَرْضِ بِالْجَفَافِ وَالرِّيحِ وَالشَّمْسِ عَلَى الْقَدِيمِ
(ثَالِثُهَا) طَهَارَةُ النَّجَاسَةِ بِالِاسْتِحَالَةِ إذَا اُسْتُهْلِكَتْ فِيهَا عَيْنُ النَّجَاسَةِ، وَصَارَتْ طِينًا، وَأَمَّا الَّذِي يُظَنُّ نَجَاسَةً، وَلَا نَتَيَقَّنُ طَهَارَتُهُ فَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَخَالَفَهُمَا النَّوَوِيُّ فَقَالَ الْمُخْتَارُ الْجَزْمُ بِطَهَارَتِهِ وَمِنْهَا مَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي وَلَدِ الْأَمَةِ الْمَبِيعَةِ فَقَالَ الْبَائِعُ وَضَعْته قَبْلَ الْعَقْدِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي بَلْ بَعْدَهُ قَالَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ النِّهَايَةِ كَتَبَ الْحَلِيمِيُّ إلَى الشَّيْخِ أَبُو زَيْدٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِأَنَّ قَوْلَ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ، وَحَكَى الدَّارِمِيُّ فِيهَا وَجْهَيْنِ اهـ مَا نَقَلَهُ الْعَطَّارُ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى مَحَلِّيٍّ جَمْعِ الْجَوَامِعِ عَنْ قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) فِي عِشْرِينَ مِثَالًا مِنْ أَمْثِلَةِ مَا أُلْغِيَ فِيهِ الْغَالِبُ، وَقُدِّمَ عَلَيْهِ النَّادِرُ (الْمِثَالُ الْأَوَّلُ) غَالِبُ الْوَلَدِ أَنْ يُوضَعُ لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا جَاءَ بَعْدَ خَمْسِ سِنِينَ مِنْ امْرَأَةٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا دَارَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ زِنًا، وَهُوَ الْغَالِبُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ تَأَخَّرَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَهُوَ نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى وُقُوعِ الزِّنَا فِي الْوُجُودِ فَأَلْغَى الشَّارِعُ الْغَالِبَ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ، وَهُوَ تَأَخُّرُ الْحَمْلِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ لِحُصُولِ السِّتْرِ عَلَيْهِمْ، وَصَوْنِ أَعْرَاضِهِمْ عَنْ الْهَتْكِ
(الْمِثَالُ الثَّانِي) إذَا تَزَوَّجَتْ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ جَازَ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءٍ قَبْلَ الْعَقْدِ، وَهُوَ الْغَالِبُ أَوْ مِنْ وَطْءٍ بَعْدَهُ، وَهُوَ النَّادِرُ فَإِنَّ غَالِبَ الْأَجِنَّةُ لَا تُوضَعُ إلَّا لِتِسْعَةِ أَشْهُرٍ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ فِي السَّنَةِ سِقْطًا فِي الْغَالِبِ فَأَلْغَى الشَّارِعُ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ، وَجَعَلَهُ مِنْ الْوَطْءِ بَعْدَ الْعَقْدِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ لِحُصُولِ السِّتْرِ عَلَيْهِمْ وَصَوْنِ أَعْرَاضِهِمْ
(الْمِثَالُ الثَّالِثُ) نَدَبَ الشَّرْعُ لِلنِّكَاحِ لِحُصُولِ الذُّرِّيَّةِ مَعَ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْأَوْلَادِ الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْمَعَاصِي، وَعَلَى رَأْيِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ اللَّهَ تَعَالَى بِالْبُرْهَانِ فَهُوَ كَافِرٌ لَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا إلَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ كَمَا حَكَاهُ الْإِمَامُ فِي الشَّامِلِ وَالْإسْفَرايِينِيّ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَنْهَى عَنْ الذُّرِّيَّةِ لِغَلَبَةِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ فَأَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَاعْتَبَرَ حُكْمَ النَّادِرِ تَرْجِيحًا لِقَلِيلِ الْإِيمَانِ عَلَى كَثِيرِ الْكُفْرِ، وَالْمَعَاصِي تَعْظِيمًا لِحَسَنَاتِ الْخَلْقِ عَلَى سَيِّئَاتِهِمْ رَحْمَةً بِهِمْ
(الْمِثَالُ الرَّابِعُ) طِينُ الْمَطَرِ الْوَاقِعُ فِي الطَّرَقَاتِ، وَمَمَرِّ الدَّوَابِّ وَالْمَشْيِ بِالْأَمْدِسَةِ الَّتِي يُجْلَسُ بِهَا فِي الْمَرَاحِيضِ الْغَالِبُ عَلَيْهَا وُجُودُ النَّجَاسَةِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُشَاهِدُ عَيْنَهَا، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا مِنْهَا، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً بِالْعِبَادِ فَيُصَلِّي بِهِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ
(الْمِثَالُ الْخَامِسُ) النِّعَالُ الْغَالِبُ عَلَيْهَا مُصَادَفَةُ النَّجَاسَاتِ لَا سِيَّمَا نَعْلٌ مَشَى بِهَا سَنَةً، وَجَلَسَ بِهَا فِي مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ سَنَةً وَنَحْوَهَا فَالْغَالِبُ عَلَيْهَا النَّجَاسَةُ وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا مِنْ النَّجَاسَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ فَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالصَّلَاةِ فِي النِّعَالِ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ قَلْعَ النِّعَالِ فِي الصَّلَاةِ بِدْعَةٌ ذَلِكَ رَحْمَةٌ وَتَوْسِعَةٌ عَلَى الْعِبَادِ
(الْمِثَالُ السَّادِسُ) الْغَالِبُ عَلَى ثِيَابِ الصِّبْيَانِ النَّجَاسَةُ لَا سِيَّمَا مَعَ طُولِ لُبْسِهِمْ لَهَا، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا، وَقَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِصَلَاتِهِ ﵇ بِأُمَامَةَ
стр. 928
لِمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَكَلَتْ أَوْ مُسَافِرٌ قَدِمَ إلَى أَهْلِهِ لَيْلًا فَظَنَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ يُمْسِي أَنَّ صَوْمَهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فَأَفْطَرَ أَوْ عَبْدٌ بَعَثَهُ سَيِّدُهُ فِي رَمَضَانَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ عَلَى مَسِيرَةِ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَفَرٌ فَأَفْطَرَ فَلَيْسَ عَلَى هَؤُلَاءِ إلَّا الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَا رَأَيْت مَالِكًا يَجْعَلُ الْكَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى التَّأْوِيلِ إلَّا امْرَأَةٌ قَالَتْ الْيَوْمَ أَحِيضُ وَكَانَ يَوْمَ حَيْضِهَا ذَلِكَ فَأَفْطَرَتْ أَوَّلَ نَهَارِهَا وَحَاضَتْ فِي آخِرِهِ وَاَلَّذِي يَقُولُ الْيَوْمُ يَوْمُ جُمَادَى فَيَأْكُلُ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ ثُمَّ يَمْرَضُ فِي آخِرِهِ مَرَضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ مَعَهُ فَقَالَ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ.
وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ أَنَّ تِلْكَ اعْتَقَدَ فِيهَا الْمُقَدَّمُ عَلَيْهَا اقْتِرَانَ السَّبَبِ الْمُبِيحِ وَفِي هَاتَيْنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ سَيَقَعُ فَأَوْقَعَا الْإِبَاحَةَ قَبْلَ سَبَبِهَا فَهُمَا مُصِيبَانِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَرَضَ وَالْحَيْضَ مُبِيحَانِ مُخْطِئَانِ فِي التَّقْدِيمِ لِلْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ، وَالْأُوَلُ مُخْطِئُونَ فِي حُصُولِ السَّبَبِ مُصِيبُونَ فِي اعْتِقَادِ الْمُقَارَنَةِ، وَلَمْ يَقْصِدُوا تَقْدِيمَ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ فَعُذِرُوا بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ، وَلَمْ يُعْذَرْ الْآخَرَانِ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ، وَسِرُّ الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ أَنَّ تَقْدِيمَ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ بُطْلَانُهُ مَشْهُورٌ غَيْرُ مُلْتَبِسٍ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَا صَلَاةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا صَوْمَ قَبْلَ الْهِلَالِ، وَلَا عُقُوبَةَ قَبْلَ الْجِنَايَاتِ، وَهُوَ كَثِيرٌ لَا يُعَدُّ، وَلَا يُحْصَى حَتَّى لَا يَكَادَ يُوجَدُ خِلَافُهُ أَلْبَتَّةَ. وَأَمَّا اشْتِبَاهُ صُورَةِ الْأَسْبَابِ الْمُبِيحَةِ وَتَحْقِيقُ شُرُوطِهَا وَمَقَادِيرِهَا فَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا الْفُقَهَاءُ الْفُحُولُ وَتَحْقِيقُهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
يَحْمِلُهَا فِي الصَّلَاةِ إلْغَاءً لِحُكْمِ الْغَالِبِ، وَإِثْبَاتًا لِحُكْمِ النَّادِرِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ
(الْمِثَالُ السَّابِعُ) ثِيَابُ الْكُفَّارِ الَّتِي يَنْسِجُونَهَا بِأَيْدِيهِمْ مَعَ عَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ مِنْ النَّجَاسَاتِ بَلْ الْغَالِبُ نَجَاسَةُ أَيْدِيهِمْ لِمَا يُبَاشِرُونَهُ عِنْدَ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ، وَمُبَاشَرَتُهُمْ الْخُمُورَ وَالْخَنَازِيرَ وَلُحُومَ الْمَيْتَاتِ، وَجَمِيعُ أَوَانِيهِمْ نَجِسَةٌ بِمُلَابَسَةِ ذَلِكَ، وَيُبَاشِرُونَ النَّسْجَ وَالْعَمَلَ مَعَ بِلَّةِ أَيْدِيهِمْ وَعَرَقِهَا حَالَةَ الْعَمَلِ، وَيَبُلُّونَ تِلْكَ الْأَمْتِعَةَ بِالنَّشَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُقَوِّي لَهُمْ الْخُيُوطَ، وَيُعِينُهُمْ عَلَى النَّسْجِ فَالْغَالِبُ نَجَاسَةُ هَذَا الْقُمَاشِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَقَالَ مَا أَدْرَكْت أَحَدًا يَتَحَرَّزُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا فَأَثْبَتَ الشَّارِعُ حُكْمَ النَّادِرِ، وَأَلْغَى حُكْمَ الْغَالِبِ، وَجَوَّزَ لُبْسَهُ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ
(الْمِثَالُ الثَّامِنُ) مَا يَصْنَعُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ فِي أَوَانِيهِمْ، وَبِأَيْدِيهِمْ فَالْغَالِبُ نَجَاسَتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ، وَالنَّادِرُ طَهَارَتُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَثْبَتَ الشَّرْعُ حُكْمَ النَّادِرِ، وَأَلْغَى حُكْمَ الْغَالِبِ فَجَوَّزَا كُلَّهُ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ
(الْمِثَالُ التَّاسِعُ) الْغَالِبُ عَلَى مَا يَصْنَعُهُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ، وَلَا يَسْتَنْجُونَ بِالْمَاءِ، وَلَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْ النَّجَاسَاتِ مِنْ الْأَطْعِمَةِ نَجَاسَتُهَا، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا فَأَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ، وَجَوَّزَ أَكْلَهَا تَوْسِعَةً وَرَحْمَةً لِلْعِبَادِ
(الْمِثَالُ الْعَاشِرُ) الْغَالِبُ عَلَى مَا يَنْسِجُهُ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُمْ النَّجَاسَةُ، وَقَدْ أَثْبَتَ الشَّرْعُ حُكْمَ النَّادِرِ، وَأَلْغَى حُكْمَ الْغَائِبِ فَجَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ
(الْمِثَالُ الْحَادِي عَشَرَ) الْغَالِبُ نَجَاسَتُهُ مَا يَصْبُغُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ بَلْ هُوَ أَشَدُّ مِمَّا يَنْسِجُونَهُ لِكَثْرَةِ الرُّطُوبَاتِ النَّاقِلَةِ لِلنَّجَاسَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ رِفْقًا بِالْعِبَادِ فَجَوَّزَ الصَّلَاةَ فِيهَا
(الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ) الْغَالِبُ نَجَاسَةُ مَا يَصْنَعُهُ عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ، وَلَا يَتَحَرَّزُونَ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُ فَجَوَّزَ الشَّرْعُ الصَّلَاةَ فِيهِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ تَوْسِعَةً وَلُطْفًا بِالْعِبَادِ
(الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ) الْغَالِبُ نَجَاسَةُ مَا يَلْبَسُهُ النَّاسُ، وَيُبَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُعْلَمُ كَوْنُ لَابِسِهِ كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا يَحْتَاطُ وَيَتَحَرَّزُ أَوْ لَا؟ ، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْبِلَادِ فَإِنَّ غَالِبَهُمْ عَوَامُّ وَفَسَقَةٌ، وَتُرَّاكُ صَلَاةٍ، وَمَنْ لَا يَتَحَرَّزُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُ فَأَلْغَى الشَّرْعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ
(الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ) الْغَالِبُ مُصَادَفَةُ الْحُصْرِ وَالْبُسُطِ الَّتِي قَدْ اسْوَدَّتْ مِنْ طُولِ مَا قَدْ لُبِسَتْ يَمْشِي عَلَيْهَا الْحُفَاةُ، وَالصِّبْيَانُ، وَمَنْ يُصَلِّي، وَمَنْ لَا يُصَلِّي، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَلَّى عَلَى حَصِيرٍ قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ بَعْدَ أَنْ نَضَحَهُ بِمَاءٍ، وَالنَّضْحُ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بَلْ يَنْشُرُهَا فَقَدَّمَ الشَّرْعُ حُكْمَ النَّادِرِ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ
(الْمِثَالُ الْخَامِسَ عَشَرَ) الْغَالِبُ مُصَادَفَةُ الْحُفَاةِ النَّجَاسَةَ لَا سِيَّمَا فِي الطَّرَقَاتِ وَمَوَاضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَاتِ، وَالنَّادِرُ سَلَامَتُهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ جَوَّزَ الشَّرْعُ صَلَاةَ الْحَافِي مِنْ غَيْرِ غَسْلِ رِجْلَيْهِ كَمَا جَوَّزَ الصَّلَاةَ بِالنَّعْلِ فَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَمْشِي حَافِيًا، وَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي بِنَعْلِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَفَاءَ أَخَفُّ مِنْ تَحَمُّلِ النَّجَاسَةِ مِنْ النَّعْلِ فَقَدَّمَ الشَّارِعُ حُكْمَ النَّادِرِ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ تَوْسِعَةً عَلَى الْعِبَادِ
(الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ) الْغَالِبُ صِدْقُ الصَّالِحِ الْوَلِيِّ التَّقِيِّ فِي دَعْوَاهُ عَلَى الْفَاجِرِ الشَّقِيِّ الظَّالِمِ أَنَّهُ غَصَبَ مِنْهُ دِرْهَمًا، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلَ الشَّرْعُ الْقَوْلَ قَوْلَ الْفَاجِرِ فَقَدَّمَ حُكْمَ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ بِإِسْقَاطِ الدَّعَاوَى عَنْهُمْ، وَانْدِرَاجِ الصَّالِحِ مَعَ غَيْرِهِ سَدًّا لِبَابِ الْفَسَادِ وَالظُّلْمِ بِالدَّعَاوَى الْكَاذِبَةِ
(الْمِثَالُ السَّابِعَ عَشَرَ) الْغَالِبُ اسْتِمْرَارُ الْكُفَّارِ عَلَى الْكُفْرِ، وَمَوْتُهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ الِاسْتِمْرَارِ فَأَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَهُ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ
стр. 929
عَسِيرٌ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ فَكَانَ اللَّبْسُ فِيهِ عُذْرًا، وَمَا هُوَ مَشْهُورٌ لَا يَكُونُ اللَّبْسُ فِيهِ عُذْرًا وَنَظِيرُ الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ فِي الْكَفَّارَاتِ فِي الْحُدُودِ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَصِيرُ خَلًّا أَوْ يَطَأَ امْرَأَةً يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ لِعَدَمِ اعْتِقَادِ مُقَارَنَةِ الْعِلْمِ لِسَبَبِهِ بِخِلَافِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ حِلٌّ أَوْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ فَهَذَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ فَيَتَحَصَّلُ لَك مِنْ ذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَسَائِلِ مَالِكٍ الَّتِي اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِيهَا وَيَتَحَصَّلُ أَيْضًا قَيْدٌ آخَرُ يَنْعَطِفُ عَلَى الشُّبْهَةِ فَيَكُونُ شَرْطًا فِيهَا وَهُوَ أَنَّا نَشْتَرِطُ اعْتِقَادَ الْمُقَارَنَةِ فِي دَرْءِ الْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ فَهَذَا هُوَ ضَابِطُ الشُّبْهَةِ الْمُسْقِطَةِ لِلْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ كَمَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ مَبْتُوتَةً ثَلَاثًا قَبْلَ زَوْجٍ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ ذَاتَ مَحْرَمٍ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ رَمَضَانَ بِالْفِطْرِ، وَمَا خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَفِيهِ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ.
(سُؤَالٌ) قُلْتُ لِبَعْضِ الْفُضَلَاءِ: الْحَدِيثُ الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الْفُقَهَاءُ وَهُوَ مَا يُرْوَى «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» لَمْ يَصِحَّ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا مَا يَكُونُ مُعْتَمَدُنَا فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ؟ . (جَوَابُهُ) قَالَ لِي يَكْفِينَا أَنْ نَقُولَ حَيْثُ أَجْمَعْنَا عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ كَانَ سَالِمًا عَنْ الشُّبْهَةِ وَمَا قَصُرَ عَنْ مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ لَا يَلْحَقُ بِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ فِي صُوَرِ الشُّبُهَاتِ وَهُوَ جَوَابٌ حَسَنٌ.
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَهُوَ تَوَقُّعُ إسْلَامِ بَعْضِهِمْ فَعَقَدَ الْجِزْيَةَ لِذَلِكَ التَّوَقُّعِ النَّادِرِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ فِي عَدَمِ تَعْجِيلِ الْقَتْلِ وَحَسْمِ مَادَّةِ الْإِيمَانِ عَنْهُمْ
(الْمِثَالُ الثَّامِنَ عَشَرَ) الْغَالِبُ فِي إشْغَالِ النَّاسِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً لِلرِّيَاءِ وَعَدَمِ الْإِخْلَاصِ، وَالنَّادِرُ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً لِلْإِخْلَاصِ فَلَمْ يَعْتَبِرْ الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ الَّذِي هُوَ النَّهْيُ عَنْهُ لِأَنَّ وَسِيلَةَ الْمَعْصِيَةِ مَعْصِيَةٌ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ فَرَغِبَ فِي الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ
(الْمِثَالُ التَّاسِعَ عَشَرَ) أَحَدُ الْمُتَدَاعِيَيْنِ وَالْمُتَلَاعِنِينَ كَاذِبٌ قَطْعًا، وَالْغَالِبُ أَنْ يَعْلَمَ الْكَاذِبُ مِنْهُمَا بِكَذِبِهِ فَيَكُونُ تَحْلِيفُهُ سَعْيًا فِي وُقُوعِ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ الْمُحَرَّمَةِ فَيَكُونُ حَرَامًا غَايَتُهُ أَنَّهُ يُعَارِضُهُ أَخْذُ الْحَقِّ، وَإِلْجَاؤُهُ إلَيْهِ، وَذَلِكَ إمَّا مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ،.
وَإِذَا تَعَارَضَ الْوَاجِبُ وَالْمُحَرَّمُ قُدِّمَ الْمُحَرَّمُ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَى الشَّارِعُ حُكْمَ الْغَالِبِ، وَأَثْبَتَ حُكْمَ النَّادِرِ الَّذِي هُوَ وُقُوعُ شُبْهَةٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَدَاعِيَيْنِ أَوْ الْمُتَلَاعِنَيْنِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ عَلَى تَخْلِيصِ حُقُوقِهِمْ وَالسَّتْرِ عَلَيْهِمْ.
(الْمِثَالُ الْعِشْرُونَ) غَالِبُ الْمَوْتِ فِي الشَّبَابِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، وَلِذَلِكَ الشُّيُوخُ أَقَلُّ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الشَّبَابُ يَعِيشُونَ لَصَارُوا شُيُوخًا فَتَكْثُرُ الشُّيُوخُ فَلَمَّا كَانَ الشُّيُوخُ فِي الْوُجُودِ أَقَلَّ كَانَ مَوْتُ الْإِنْسَانِ شَابًّا أَكْثَرَ، وَحَيَاتُهُ لِلشَّيْخُوخَةِ نَادِرًا، وَمَعَ ذَلِكَ شَرَعَ صَاحِبُ الشَّرْعِ التَّعْمِيرَ فِي الْغَائِبِينَ إلَى سَبْعِينَ سَنَةً إلْغَاءً لِحُكْمِ الْغَالِبِ وَإِثْبَاتًا لِحُكْمِ النَّادِرِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ فِي إبْقَاءِ مَصَالِحِهِمْ عَلَيْهِمْ قَالَ الْأَصْلُ وَنَظَائِرُ هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ فِي الشَّرِيعَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ تُتَأَمَّلَ وَتُعْلَمَ فَقَدْ غَفَلَ قَوْمٌ فِي الطِّهَارَاتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ الْوَسْوَاسُ، وَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى قَاعِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ هِيَ الْحُكْمُ بِالْغَالِبِ نَعَمْ هُوَ غَالِبُ كَمَا قَالُوا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى النَّاسِ وَالْأَوَانِي وَالْكُتُبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلَابِسُونَهُ النَّجَاسَةُ فَيَغْسِلُونَ ثِيَابَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ الْحُكْمُ بِالْغَالِبِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا بِأَنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْغَالِبُ كَمَا قَالُوا لَكِنَّ الشَّارِعَ أَلْغَى حُكْمَهُ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِ حُكْمَ النَّادِرِ، وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فِي النَّفْسِ، وَظَنُّهُ مَعْدُومٌ بِالنِّسْبَةِ لِلظَّنِّ النَّاشِئِ عَنْ الْغَالِبِ إذْ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ أَنْ يَصْنَعَ فِي شَرْعِهِ مَا شَاءَ، وَيَسْتَثْنِي مِنْ قَوَاعِدِهِ مَا يَشَاءُ هُوَ الْأَعْلَمُ بِمَصَالِحِ عِبَادِهِ فَيَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ إثْبَاتَ حُكْمِ الْغَالِبِ دُونَ النَّادِرِ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا كَيْفَ كَانَ بَلْ حَتَّى يَنْظُرَ هَلْ ذَلِكَ الْغَالِبُ مِمَّا أَلْغَاهُ الشَّرْعُ أَمْ لَا إذْ الِاعْتِمَادُ عَلَى مُطْلَقِ الْغَالِبِ كَيْفَ كَانَ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ اهـ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
٢ -
(تَنْبِيهٌ) قَالَ الْأَصْلُ وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ، وَعَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصِ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ مِنْ بَابِ تَقْدِيمِ النَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ نَظَرًا لِغَلَبَةِ الْمَجَازِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ حَتَّى قَالَ ابْنُ جِنِّي: كَلَامُ الْعَرَبِ كُلُّهُ مَجَازٌ، وَغَلَبَةُ الْخُصُوصَاتِ عَلَى الْعُمُومَاتِ حَتَّى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَا مِنْ عَامٍّ إلَّا وَقَدْ خُصَّ إلَّا قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَحِينَئِذٍ فَيَنْبَغِي إذَا ظَفِرْنَا بِلَفْظٍ ابْتِدَاءً أَنْ نَحْمِلَهُ عَلَى مَجَازِهِ تَغْلِيبًا لِلْغَالِبِ عَلَى النَّادِرِ، وَأَنْ نَحْمِلَ الْعُمُومَ ابْتِدَاءً عَلَى التَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ فَحَيْثُ عَكَسْنَا وَحَمَلْنَا اللَّفْظَ ابْتِدَاءً عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَالْعُمُومَ ابْتِدَاءً عَلَى الْعُمُومِ كَانَ ذَلِكَ تَغْلِيبًا لِلنَّادِرِ عَلَى الْغَالِبِ إلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ شَرْطَ الْفَرْدِ الْمُتَرَدِّدِ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْغَالِبِ، وَإِلَّا فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ.
وَبَيَانُهُ بِالْمِثَالِ أَنَّ الشُّقَّةَ إذَا جَاءَتْ مِنْ
стр. 930
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْقَذْفِ إذَا وَقَعَ مِنْ الْأَزْوَاجِ لِلزَّوْجَاتِ فَإِنَّ اللِّعَانَ يَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِهِنَّ إذَا قَذَفَ الزَّوْجُ زَوْجَاتِهِ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَمَاعَةِ يَقْذِفُهُمْ الْوَاحِدُ فَإِنَّ الْحَدَّ يَتَّحِدُ عِنْدَنَا) فَإِنْ قَامَ بِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ كُلُّ قَذْفٍ قَبْلَهُ وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ حَدٌّ وَقَالَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ أَوْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَوْلَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَبَنَاهُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ فَصَحَّ التَّدَاخُلُ فِيهِ وَبَنَاهُ الْآخَرُونَ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَيَتَعَدَّدُ وَيَلْزَمُنَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَنَا قَوْلَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا؛ لِأَنَّ لَنَا فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْعَبْدِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَنَا أَنَّ «هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْعَجْلَانِيَّ رَمَى امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حَدٌّ فِي ظَهْرِك أَوْ تَلْتَعِنُ» ، وَلَمْ يَقُلْ حَدَّانِ وَجَلَدَ عُمَرُ الشُّهُودَ عَلَى الْمُغِيرَةِ حَدًّا وَاحِدًا مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَذَفَ الْمُغِيرَةَ وَالْمَزْنِيَّ بِهَا وَقَدْ «حَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَذَفَةَ عَائِشَةَ ﵂ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَعَ أَنَّهُمْ قَذَفُوا عَائِشَةَ ﵂ وَصَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطِّلِ وَقِيَاسًا عَلَى حَدِّ الزِّنَا احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: أَحَدِهَا الْقِيَاسُ عَلَى الزَّوْجَاتِ الْأَرْبَعِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ لِلْعَانَاتِ أَرْبَعٍ. وَثَانِيهَا أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَلَا يَدْخُلُهُ التَّدَاخُلُ كَالْغَصْبِ وَغَيْرِهِ. وَالثَّالِثِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ فَلَا يَتَدَاخَلُ كَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْفَرْقُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْقَصَّارِ جَازَ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً وَهُوَ الْغَالِبُ أَوْ نَجِسَةً بِأَنْ يُصِيبَهَا بَوْلُ فَأْرٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَهُوَ النَّادِرُ فَإِنَّا لَوْ كُنَّا نَحْكُمُ بِطَهَارَتِهَا بِنَاءً عَلَى الْغَالِبِ لِأَنَّا قَدْ حَكَمْنَا بِطَهَارَةِ الثِّيَابِ الْمَقْصُورَةِ لِأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الْقِصَارَةِ لَكَانَ هَذَا الثَّوْبُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ النَّادِرِ وَالْغَالِبِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ الْقِصَارَةِ مِنْ جِنْسِ الْغَالِبِ الَّذِي قَضَيْنَا بِطَهَارَتِهِ فَيُحْكَمُ بِهِ.
وَأَمَّا لَوْ كُنَّا لَا نَقْضِي بِطَهَارَةِ الثِّيَابِ الْمَقْصُورَةِ لِكَوْنِهَا خَرَجَتْ مِنْ الْقِصَارَةِ بَلْ نَقْضِي بِطَهَارَتِهَا لِأَنَّهَا تُغْسَلُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الثَّوْبُ الْمُتَرَدِّدُ بَيْنَ النَّادِرِ، وَالْغَالِبُ الَّذِي لَمْ يُغْسَلْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ الْغَالِبِ الَّذِي قَضَيْنَا بِطَهَارَتِهِ فَلَا نَقْضِي بِطَهَارَتِهِ لِأَجْلِ عَدَمِ الْغُسْلِ بَعْدَ الْقِصَارَةِ الَّذِي لِأَجْلِهِ حَكَمْنَا بِالطَّهَارَةِ وَكَذَا يُقَالُ فِي الْأَلْفَاظِ فَإِذَا لَمْ نَقْضِ عَلَى لَفْظٍ بِأَنَّهُ مَجَازٌ أَوْ مَخْصُوصٌ بِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ لَفْظًا بَلْ نَقْضِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِأَجْلِ اقْتِرَانِهِ بِالْقَرِينَةِ الصَّادِقَةِ مِنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ وَاقْتِرَانُهُ بِالْمُخَصِّصِ الصَّارِفِ عَنْ الْعُمُومِ لِلتَّخْصِيصِ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ الْوَارِدُ ابْتِدَاءً الَّذِي حَمَلْنَاهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ دُونَ مَجَازِهِ، وَالْعُمُومُ دُونَ الْخُصُوصِ لَيْسَ مَعَهُ صَارِفٌ مِنْ قَرِينَةٍ صَارِفَةٍ عَنْ الْحَقِيقَةِ.
وَلَا مُخَصِّصَ صَارِفٌ عَنْ الْعُمُومِ فَهُوَ حِينَئِذٍ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ الْغَالِبِ فَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْمَجَازِ أَوْ التَّخْصِيصِ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى غَيْرِ غَالِبٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لَفْظٌ مِنْ حَيْثُ هُوَ لَفْظٌ حُمِلَ عَلَى الْمَجَازِ، وَلَا عَلَى الْخُصُوصِ أَلْبَتَّةَ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ غَالِبًا بَلْ هُوَ اللَّفْظُ قَاعِدَةً مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهَا لَيْسَ فِيهَا غَالِبٌ وَنَادِرٌ بَلْ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْحَقِيقَةُ مُطْلَقًا، وَالْعُمُومُ مُطْلَقًا فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ شَرْطٌ خَفِيٌّ فِي حَمْلِ الشَّيْءِ عَلَى غَالِبِهِ دُونَ نَادِرِهِ لِيَظْهَرَ لَك جَلِيًّا أَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَةِ دُونَ مَجَازٍ ابْتِدَاءً، وَالْعُمُومِ دُونَ الْخُصُوصِ ابْتِدَاءً لَيْسَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ عَلَى النَّادِرِ دُونَ الْغَالِبِ فَهَذَا سُؤَالٌ حَسَنٌ لَقَدْ أَوْرَدْته عَلَى جَمْعِ كَثِيرٍ مِنْ الْفُضَلَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فَلَمْ يَحْصُلْ عَنْهُ جَوَابٌ، وَهَذَا جَوَابُهُ حَسَنٌ جِدًّا اهـ.
٢ -
(الْوَصْلُ الثَّانِي) فِيهِ عِشْرِينَ مِثَالًا مِنْ أَمْثِلَةِ مَا أَلْغَى الشَّارِعُ فِيهِ الْغَالِبَ وَالنَّادِرَ مَعًا (الْمِثَالُ الْأَوَّلُ) الْغَالِبُ صِدْقُ شَهَادَةِ الصِّبْيَانِ فِي الْأَمْوَالِ إذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ جِدًّا، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ فَأَهْمَلَهُمْ الشَّرْعُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ صِدْقَهُمْ، وَلَا قَضَى بِكَذِبِهِمْ رَحْمَةً بِالْعِبَادِ وَلُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا فِي الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ فَقَبِلَهُمْ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ لِلضَّرُورَةِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ
(الْمِثَالُ الثَّانِي) الْغَالِبُ صِدْقُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ جَمَاعَةِ النِّسْوَانِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ لَا سِيَّمَا مَعَ الْعَادِلَةِ فَأَلْغَى صَاحِبُ الشَّرْعِ صِدْقَهُنَّ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ، وَلَا حَكَمَ بِكَذِبِهِنَّ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ
(الْمِثَالُ الثَّالِثُ) الْغَالِبُ صِدْقُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الْكُفَّارِ وَالرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ إذَا شَهِدُوا، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ فَأَلْغَى صَاحِبُ الشَّرْعِ صِدْقَهُمْ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِمْ
(الْمِثَالُ الرَّابِعُ) الْغَالِبُ صِدْقُ شَهَادَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الْفَسَقَةِ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ فَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِصِدْقِهِمْ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِمْ
(الْمِثَالُ الْخَامِسُ) الْغَالِبُ صِدْقُ شَهَادَةِ ثَلَاثَةِ عُدُولٍ فِي الزِّنَا فَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِهِ سِتْرًا عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِمْ بَلْ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ قَذَفُوهُ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ شُهُودُ زُورٍ
(الْمِثَالُ السَّادِسُ) الْغَالِبُ صِدْقُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ فِي أَحْكَامِ الْأَبْدَانِ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ فَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِصِدْقِهِ لُطْفًا بِالْعِبَادِ وَرَحْمَةً بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَلَمْ يُكَذِّبْهُ
(الْمِثَالُ السَّابِعُ) الْغَالِبُ صِدْقُ حَلِفِ الْمُدَّعِي الطَّالِبِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ فَلَمْ يَقْضِ الشَّارِعُ بِصِدْقِهِ فَيَحْكُمُ لَهُ بِيَمِينِهِ بَلْ اشْتَرَطَ فِي الْحُكْمِ لَهُ الْبَيِّنَةَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِ لُطْفًا بِالْمُدَّعَى عَلَيْهِ
стр. 931
بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ أَنَّهُ أَيْمَانٌ وَالْأَيْمَانُ لَا تَتَدَاخَلُ بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَلَوْ وَجَبَ لِجَمَاعَةٍ أَيْمَانٌ لَمْ تَتَدَاخَلْ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَلَوْ غَلَبَ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ لَمْ يَتَدَاخَلْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ كَمَا لَمْ يَتَدَاخَلْ الْإِتْلَافُ وَهُوَ الْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثِ.
(تَنْبِيهٌ) تَخَيَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أَنَّ مُقَابَلَةَ جَمْعِ الْمُحْصَنَاتِ بِجِلْدِ ثَمَانِينَ يَقْتَضِي لُغَةً أَنَّ حَدَّ الْجَمَاعَةِ يَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا وَيَحْصُلُ التَّدَاخُلُ وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَهَذَا بَاطِلٌ بِسَبَبِ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فِي اللُّغَةِ تَارَةً تُوَزِّعُ الْأَفْرَادَ عَلَى الْأَفْرَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَلَا يَصِحُّ إلَّا التَّوْزِيعُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رَهْنٌ يُؤْمَرُ بِهِ وَكَقَوْلِنَا الدَّنَانِيرُ لِلْوَرَثَةِ وَتَارَةً لَا يُوَزِّعُ الْجَمْعَ بَلْ يُثْبِتُ أَحَدَ الْجَمْعَيْنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْجَمْعِ الْآخَرِ نَحْوَ الثَّمَانِينَ جَلْدُ الْقَذْفِ أَوْ جَلْدُ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ وَتَارَةً يُثْبِتُ الْجَمْعَ لِلْجَمْعِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَى الْأَفْرَادِ نَحْوَ الْحُدُودِ لِلْجِنَايَاتِ إذَا قَصَدَ أَنَّ الْمَجْمُوعَ لِلْمَجْمُوعِ وَتَارَةً يَرِدُ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلتَّوْزِيعِ وَعَدَمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ﴾ [لقمان: ٨] يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَدَدُ جَنَّاتٍ بِمَعْنَى بَسَاتِينَ دَاخِلَ الْجَنَّةِ وَمَنَازِلَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُوَزَّعَ فَيَكُونُ لِبَعْضِهِمْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ وَلِبَعْضِهِمْ جَنَّةُ الْمَأْوَى وَلِبَعْضِهِمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ، وَإِذَا اخْتَلَفَ أَحْوَالُ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَجَبَ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
(الْمِثَالُ الثَّامِنُ) الْغَالِبُ صِدْقُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ فِي الرِّوَايَةِ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الْمُتَدَيِّنِينَ الْمُعْتَقِدِينَ لِتَحْرِيمِ الْكَذِبِ فِي دِينِهِمْ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ فَلَمْ يَعْتَبِرْ الشَّرْعُ صِدْقَهُمْ لُطْفًا بِالْعِبَادِ وَسَدًّا لِذَرِيعَةِ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ
(الْمِثَالُ التَّاسِعُ) الْغَالِبُ صِدْقُ رِوَايَةِ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الْفَسَقَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَتْلِ النَّفْسِ وَنُهْبَةِ الْأَمْوَالِ، وَهُمْ رُؤَسَاءُ عُظَمَاءُ فِي الْوُجُودِ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى الرِّوَايَةِ الْوَاحِدَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا سِيَّمَا إنْ مَنَعُوا مِنْ الْكَذِبِ لِوَازِعٍ طَبِيعِيٍّ لَا تَدَيُّنًا لَمْ يَقْبَلْ الشَّرْعُ رِوَايَتَهُمْ صَوْنًا لِلْعِبَادِ عَنْ أَنْ يُدْخِلَ فِي دِينِهِمْ مَا لَيْسَ مِنْهُ بَلْ جَعَلَ الضَّابِطَ الْعَدَالَةَ، وَلَمْ يَحْكُمْ بِكَذِبِهِمْ
(الْمِثَالُ الْعَاشِرُ) الْغَالِبُ صِدْقُ الْجَمْعِ الْكَثِيرِ مِنْ الْجَاهِلِينَ فِي رِوَايَتِهِمْ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُمْ فَلَمْ يَحْكُمْ الشَّرْعُ بِصِدْقِهِمْ وَلَا بِكَذِبِهِمْ لُطْفًا بِالْعِبَادِ
(الْمِثَالُ الْحَادِي عَشَرَ) الْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُ السُّرَّاقِ الْمُتَّهَمِينَ بِالتُّهَمِ وَقَرَائِنِ أَحْوَالِهِمْ كَمَا يَفْعَلُهُ الْأُمَرَاءُ الْيَوْمَ دُونَ الْإِقْرَارِ الصَّحِيحِ وَالْبَيِّنَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ مُصَادِفًا لِلصَّوَابِ، وَالنَّادِرُ خَطَؤُهُمْ، وَمَعَ ذَلِكَ أَلْغَاهُ الشَّرْعُ صَوْنًا لِلْأَعْرَاضِ وَالْأَطْرَافِ عَنْ الْقَطْعِ
(الْمِثَالُ الثَّانِي عَشَرَ) الْغَالِبُ أَنْ يَكُونَ أَخْذُ الْحَاكِمِ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مِنْ التَّظَلُّمِ وَكَثْرَةِ الشَّكْوَى وَالْبُكَاءِ مَعَ كَوْنِ الْخَصْمِ مَشْهُورًا بِالْفَسَادِ وَالْعِنَادِ مُصَادِفًا لِلْحَقِّ، وَالنَّادِرُ خَطَؤُهُ، وَمَعَ ذَلِكَ مَنَعَهُ الشَّارِعُ مِنْهُ وَحَرَّمَهُ إذْ لَا يَضُرُّ الْحَاكِمَ ضَيَاعُ حَقٍّ لَا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ
(الْمِثَالُ الثَّالِثَ عَشَرَ) الْغَالِبُ عَلَى مَنْ وُجِدَ بَيْنَ فَخِذَيْ امْرَأَةٍ، وَهُوَ مُتَحَرِّكٌ حَرَكَةَ الْوَاطِئِ وَطَالَ الزَّمَانُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَوْلَجَ، وَالنَّادِرُ عَدَمُ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْكُمْ الشَّارِعُ بِوَطْئِهِ وَلَا بِعَدَمِهِ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَأَلْغَى هَذَا الْغَالِبَ سَتْرًا عَلَى الْعِبَادِ
(الْمِثَالُ الرَّابِعَ عَشَرَ) الْغَالِبُ صِدْقُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ لِوَلَدِهِ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ فَلَمْ يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِصِدْقِهِ، وَلَا بِكَذِبِهِ بَلْ أَلْغَاهَا جُمْلَةً
(الْمِثَالُ السَّادِسَ عَشَرَ) الْغَالِبُ صِدْقُ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ عَلَى خَصْمِهِ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ فَأَلْغَى الشَّارِعُ صِدْقَهُ وَكَذِبَهُ
(الْمِثَالُ السَّابِعَ عَشَرَ) الْغَالِبُ صِدْقُ شَهَادَةِ الْحَاكِمِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ إذَا عُزِلَ، وَصِدْقُ شَهَادَةِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ مُطْلَقًا إذَا وَقَعَتْ مِنْ الْعَدْلِ الْمُبَرَّزِ، وَالنَّادِرُ كَذِبُهُ فِيهَا فَأَلْغَى الشَّارِعُ صِدْقَهُ وَكَذِبَهُ
(الْمِثَالُ الثَّامِنَ عَشَرَ) الْغَالِبُ أَنَّ حُكْمَ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ وَهُوَ عَدْلٌ مُبَرَّزٌ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى وَالْوَرَعِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْحَقِّ، وَالنَّادِرُ أَنْ يَكُونَ بِخِلَافِهِ فَأَلْغَى الشَّرْعُ اعْتِبَارَ صِحَّةِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَبُطْلَانِهِ مَعًا
(الْمِثَالُ التَّاسِعَ عَشَرَ) الْغَالِبُ الْقُرْءُ الْوَاحِدُ فِي الْعَدَدِ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، وَالنَّادِرُ شَغْلُهُ مَعَهُ فَأَلْغَى الشَّارِعُ اعْتِبَارَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَمْ يَحْكُمْ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مَعَهُ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ قُرْءَانِ آخَرَانِ
(الْمِثَالُ الْعِشْرُونَ) الْغَالِبُ بَرَاءَةُ رَحِمِ مَنْ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا سِنِينَ ثُمَّ طَلَّقَهَا أَوْ مَاتَ عَنْهَا، وَالنَّادِرُ شَغْلُهُ بِالْوَلَدِ فَأَلْغَى الشَّرْعُ اعْتِبَارَ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَأَوْجَبَ عَلَيْهَا اسْتِئْنَافَ الْعِدَّةِ بَعْدَ الْوَفَاةِ أَوْ الطَّلَاقِ لِأَنَّ وُقُوعَ الْحُكْمِ قَبْلَ سَبَبِهِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ قَالَ وَنَظَائِرُ هَذَا الْغَالِبِ الَّذِي أَلْغَاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ - إمَّا مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي إلْغَائِهِ بِعَدَمِ اعْتِبَارِ نَادِرِهِ أَيْضًا كَمَا هُنَا، وَإِمَّا مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي إلْغَائِهِ بِاعْتِبَارِ نَادِرِهِ دُونَهُ كَمَا تَقَدَّمَ - كَثِيرَةٌ فِي الشَّرْعِ، وَهَذِهِ أَرْبَعُونَ مِثَالًا قَدْ سُرِدَتْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَرْبَعِينَ جِنْسًا فَهِيَ أَرْبَعُونَ جِنْسًا أُلْغِيَتْ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ الْإِقْرَاعُ فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ الْإِقْرَاعُ فِيهِ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَصِحُّ الْإِقْرَاعُ فِيهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يَصِحُّ الْإِقْرَاعُ فِيهِ)
وَضَابِطُهُ كَمَا فِي الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ أَنَّ مَا تَحَقَّقَ فِيهِ شَرْطَانِ (الْأَوَّلُ) تَسَاوِي الْحُقُوقِ وَالْمَصَالِحِ (وَالثَّانِي) قَبُولُ
стр. 932
الثَّلَاثِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْمَجَازُ فَيَبْطُلُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى مُقَابَلَةِ الْجَمَاعَةِ الْمَقْذُوفَةِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ كَمَا تَخَيَّلَهُ الطُّرْطُوشِيُّ وَغَيْرُهُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْمَقْذُوفَةِ وَالزَّوْجَاتِ بِأَنَّهُ أَيْمَانٌ، وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ أَحْكَامَ اللِّعَانِ تُعَدُّ فِي تَوَجُّهِ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وَانْتِفَاءِ النَّسَبِ وَالْمِيرَاثِ وَتَأَبُّدِ التَّحْرِيمِ وَوُقُوعِ الْفُرْقَةِ. وَأَمَّا حَدُّ الْقَذْفِ فَمَقْصُودٌ وَاحِدٌ وَهُوَ التَّشَفِّي وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِجَلْدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ لَمَّا اخْتَلَفَتْ الْأَحْكَامُ أَمْكَنَ ثُبُوتُ بَرَاءَةِ هَذِهِ دُونَ هَذِهِ أَوْ بِحَدٍّ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فَنَاسَبَ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدٍ بِلِعَانٍ لِتَوَقُّعِ ثُبُوتِ بَعْضِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ فِي بَعْضٍ دُونَ الْبَاقِي. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ لِلْبَقَاءِ فَنَاسَبَ التَّغْلِيظَ بِالتَّعَدُّدِ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَاذِفِ وَالْمَقْذُوفِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحُدُودِ وَقَاعِدَةِ التَّعَازِيرِ مِنْ وُجُوهٍ عَشَرَةٍ) . (أَحَدِهَا) أَنَّهَا غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ أَكْثَرِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ تَحْدِيدِ أَقَلِّهِ فَعِنْدَنَا هُوَ غَيْرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحُدُودِ وَقَاعِدَةِ التَّعَازِيرِ مِنْ وُجُوهٍ) قُلْتُ جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ أَغْفَلَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» أَصَحَّهَا، وَأَقْوَاهَا وَهُوَ أَنَّ لَفْظَ الْحُدُودِ فِي لَفْظِ الشَّرْعِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الزِّنَا وَشَبَهِهِ بَلْ لَفْظُ الْحُدُودِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ وَمَنْهِيٍّ عَنْهُ فَالتَّعْلِيقُ عَلَى هَذَا مِنْ جُمْلَةِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قِيلَ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي مَفْهُومُهُ أَنَّهُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الرِّضَا بِالنَّقْلِ فَهُوَ مَوْضِعُ الْقُرْعَةِ عِنْدَ الشَّارِعِ دَفْعًا لِلضَّغَائِنِ وَالْأَحْقَادِ، وَالرِّضَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْأَقْدَارُ، وَمَا فُقِدَ فِيهِ أَحَدُ الشَّرْطَيْنِ تَعَذَّرَتْ فِيهِ الْقُرْعَةُ فَمَتَى تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ أَوْ الْحَقُّ فِي جِهَةٍ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ لِأَنَّ فِي الْقُرْعَةِ ضَيَاعَ ذَلِكَ الْحَقِّ الْمُتَعَيَّنِ أَوْ الْمَصْلَحَةِ الْمُتَعَيَّنَةِ وَمَتَى لَمْ يَقْبَلْ الشَّيْءُ الرِّضَا بِالنَّقْلِ كَحُرِّيَّةِ الرَّقِيقِ حَالَةَ الصِّحَّةِ لَا يَجُوزُ الْإِقْرَاعُ فِيهِ كَمَا سَيَتَّضِحُ مِنْ الْمَبَاحِثِ وَالِاخْتِلَافَاتِ وَالِاتِّفَاقَاتِ الْآتِيَةِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي مَوَاضِعَ:
(أَحَدِهِمَا) بَيْنَ الْخُلَفَاءِ إذَا اسْتَوَتْ فِيهِمْ الْأَهْلِيَّةُ لِلْوِلَايَةِ
(ثَانِيهِمَا) بَيْنَ الْأَئِمَّةِ لِلصَّلَاةِ إذَا اسْتَوَوْا
(ثَالِثِهَا) بَيْنَ الْمُؤَذِّنِينَ فِي الْمَغْرِبِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ أَيْضًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ
(رَابِعِهَا) فِي التَّقَدُّمِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ عِنْدَ الزِّحَامِ
(خَامِسِهَا) فِي تَغْسِيلِ الْأَمْوَاتِ عِنْدَ تَزَاحُمِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَسَاوِيهِمْ فِي الطَّبَقَاتِ
(سَادِسِهَا) فِي الْحَضَانَةِ فَفِي التَّوْضِيحِ، وَتَدْخُلُ الْقُرْعَةُ بَيْنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ عِنْدَ إثْغَارِ الذَّكَرِ لِحَدِيثٍ وَرَدَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْقَصَّارِ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمَا اُنْظُرْهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَحَضَانَةُ الذَّكَرِ حَتَّى يَحْتَلِمَ
(سَابِعِهَا) بَيْنَ الزَّوْجَاتِ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ
(ثَامِنُهَا) فِي بَابِ الْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ فِي الْأُصُولِ وَالْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ وَالنُّقُودِ إذَا اسْتَوَى فِيهِ الْوَزْنُ وَالْقِيمَةُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَاخْتِلَافٌ مَحَلُّهُ كُتُبُ الْفِقْهِ
(تَاسِعِهَا) بَيْنَ الْخُصُومِ فِي التَّقَدُّمِ إلَى الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ
(عَاشِرُهَا) بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فَيَمِينٌ تَكُونُ مُحَاكَمَتُهَا عِنْدَهُ
(حَادِي عَشَرَتِهَا) إذَا ازْدَحَمَ اثْنَانِ عَلَى اللَّقِيطِ فَالسَّابِقُ أَوْلَى، وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ
(ثَانِي عَشَرَتِهَا) إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَقُلْنَا أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ، وَاخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالْيَمِينِ فَفِيهِ أَقْوَالٌ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَقْرَعُ بَيْنَهُمَا، وَالْمَشْهُورُ تَقْدِمَةُ الْبَائِعِ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَانِ يَخْتَلِفَانِ فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ فَيَتَحَالَفَانِ
(ثَالِثِ عَشَرَتِهَا) فِي الْمُتَيْطِيَّةِ أَنَّ كِتَابَةَ الْوَثَائِقِ وَالْمَكَاتِيبِ فَرْضٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمْهَا إذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً كَانَتْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ فَإِنْ قَامَ بِهَا أَحَدُهُمْ سَقَطَ الطَّلَبُ عَنْ الْبَاقِينَ، وَإِنْ امْتَنَعُوا جَمِيعُهُمْ اقْتَرَعُوا فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ كَتَبَ
(رَابِعَ عَشَرَتِهَا) فِي شَرْعِ الْجَلَّابِ فِيمَنْ يَبْدَأُ بِهِ مِنْ الْوَصَايَا إذَا اجْتَمَعَ عِتْقُ الظِّهَارِ، وَعِتْقُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَضَاقَ الثُّلُثُ فَأَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُقْرِعُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِتْقُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فَيُقْرِعُ بَيْنَهُمَا فَيَصِحُّ الْعِتْقُ لِأَحَدِهِمَا
(خَامِسُ عَشَرَتِهَا) إذَا انْكَسَرَتْ يَمِينٌ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا عَلَى أَكْثَرِهِمْ نَصِيبًا مِنْ الْأَيْمَانِ، وَقِيلَ أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا مِنْ الْكَسْرِ، وَقِيلَ يَقْرَعُ بَيْنَهُمْ عَلَيْهَا
(سَادِسِ عَشَرَتِهَا) إذَا تَقَارَبَتْ الْأَنَادِرُ وَأَرَادُوا الذَّرْوَ وَكَانَ يَخْتَلِطُ نَبْتُهُمْ إذَا ذَرُّوا جَمِيعًا فَيُقَالُ اقْتَرِعُوا عَلَى الذَّرْوِ فَإِنْ أَبَوْا لَمْ يُجْبَرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى قَطْعِ أَنْدَرِهِ، وَيُقَالُ لِمَنْ أَذْرَى عَلَى صَاحِبِهِ أَتْلَفْت نَبْتَك لَا شَيْءَ لَك مِنْ الطُّرَرِ
(سَابِعَ عَشَرَتِهَا) إذَا زُفَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتَانِ فِي لَيْلَةٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُ يَخْتَارُ
(ثَامِنَ عَشَرَتِهَا) يُقْرِعُ الْحَاكِمُ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ إذَا تَنَازَعَا فِيمَنْ هُوَ الْمُدَّعِي مِنْهُمَا، وَأَشْكَلَ عَلَى الْحَاكِمِ مَعْرِفَةُ الْمُدَّعِي
(تَاسِعَ عَشَرَتِهَا) تَقْسِيمُ الْغَنِيمَةِ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ فَإِذَا اعْتَدَلَتْ ضَرَبَ عَلَيْهَا بِالْقُرْعَةِ فَإِذَا تَعَيَّنَ الْخُمُسُ أُفْرِدَ ثُمَّ جُمِعَتْ الْأَرْبَعَةُ فَبِيعَتْ، وَقُسِّمَ ثَمَنُهَا أَوْ قُسِّمَتْ الْغَنِيمَةُ
بِأَعْيَانِهَا بَيْنَ أَهْلِ الْجَيْشِ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ فَانْظُرْ شَرْحَ الرِّسَالَةِ لِلتَّادَلِيِّ فِي بَابِ الْجِهَادِ (الْمُوفِي عِشْرِينَ) إذَا اجْتَمَعَتْ الْجَنَائِزُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَاسْتَوَتْ الْأَوْلِيَاءُ فِي الْفَضْلِ، وَتَشَاحُّوا فِي التَّقَدُّمِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ
(الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ) إذَا اجْتَمَعَ الْخُصُومُ عِنْدَ الْقَاضِي، وَفِيهِمْ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ، وَخَافَ الْمُسَافِرُونَ فَوَاتَ الرُّفْقَةِ قُدِّمُوا إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا
стр. 933
مَحْدُودٍ بَلْ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ وَالْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُجَاوِزُ بِهِ أَقَلَّ الْحُدُودِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ حَدُّ الْعَبْدِ بَلْ يَنْقُصُ مِنْهُ سَوْطٌ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ لَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ زَوَّرَ كِتَابًا عَلَى عُمَرَ ﵁ وَنَقَشَ خَاتَمًا مِثْلَ خَاتَمِهِ فَجُلِدَ مِائَةً فَشَفَعَ فِيهِ قَوْمٌ فَقَالَ أَذْكَرُونِي الطَّعْنَ وَكُنْت نَاسِيًا فَجَلَدَهُ مِائَةً أُخْرَى ثُمَّ جَلَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِائَةً أُخْرَى وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مُسَاوَاةُ الْعُقُوبَاتِ لِلْجِنَايَاتِ احْتَجُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرٍ فِي غَيْرِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» وَالْجَوَابُ أَنَّهُ خِلَافُ مَذْهَبِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرٍ أَوْ؛ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى طِبَاعِ السَّلَفِ ﵃ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ أُمُورًا هِيَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ إنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
يُجْلَدُ عَشْرَ جَلَدَاتٍ فَمَا دُونَهَا فِي غَيْرِ الْحُدُودِ فَمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ جَلْدُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. وَأَغْفَلَ أَيْضًا التَّنْبِيهَ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْجِنَايَةَ الْحَقِيرَةَ تَسْقُطُ عُقُوبَتُهَا وَبَيَانُ ضَعْفِ ذَلِكَ الْقَوْلِ بَلْ بُطْلَانِهِ أَنَّ قَوْلَهُ الْعُقُوبَةُ الصَّالِحَةُ لَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا رَدْعًا، قَوْلٌ مُتَنَافٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْعُقُوبَةِ صَالِحَةً لِلْجِنَايَةِ إلَّا أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ رَدْعًا فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تُؤَثِّرُ رَدْعًا فَلَيْسَتْ بِصَالِحَةٍ لَهَا هَذَا أَمْرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَلَا إشْكَالَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَجَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي الْفُرُوقِ الثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ صَحِيحٌ أَوْ نَقْلٌ وَتَرْجِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
كَثْرَةً يَلْحَقُ الْمُقِيمِينَ مِنْهَا ضَرَرٌ فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمْ ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ
(الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ) فِي عِتْقِ الْعَبِيدِ إذَا أَوْصَى بِعِتْقِهِمْ أَوْ بِثُلُثِهِمْ فِي الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ، وَلَمْ يَحْمِلْهُمْ الثُّلُثُ عَتَقَ مَبْلَغُ الثُّلُثِ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ اهـ زَادَ الْأَصْلُ وَلَوْ لَمْ يَدَّعِ غَيْرُهُمْ عَتَقَ ثُلُثِهِمْ أَيْضًا بِالْقُرْعَةِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ ﵄، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ لَا تَجُوزُ الْقُرْعَةُ فِيمَا إذَا أَوْصَى بِهِمْ، وَيَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُهُ وَيُسْتَسْعَى فِي بَاقِي قِيمَتِهِ لِلْوَرَثَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا فَيَعْتِقُ، لَنَا سِتَّةٌ وُجُوهٍ
(الْأَوَّلُ) مَا فِي الْمُوَطَّإِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبِيدًا لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَأَسْهَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْتَقَ ثُلُثَ الْعَبِيدِ» قَالَ مَالِكٌ
، وَبَلَغَنِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ الرَّجُلِ مَالٌ غَيْرُهُمْ
(الثَّانِي) مَا فِي الصِّحَاحِ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمَالِيكَ لَهُ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُمْ فَدَعَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ اثْنَيْنِ، وَرَقَّ أَرْبَعَةً»
(الثَّالِثُ) إجْمَاعُ التَّابِعِينَ ﵃ عَلَى ذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ وَابْنُ سِيرِينَ، وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يُخَالِفْهُمْ مِنْ مِصْرِهِمْ أَحَدٌ
(الرَّابِعُ) الْقِيَاسُ عَلَى قِسْمَةِ الْأَرْضِ الَّتِي وَافَقْنَا فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ إذْ لَا مُرَجِّحَ
(الْخَامِسُ) أَنَّ فِي الِاسْتِسْعَاءِ مَشَقَّةً وَضَرَرًا عَلَى الْعَبِيدِ بِالْإِلْزَامِ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ بِتَأْخِيرِ الْحَقِّ، وَتَعْجِيلِ حَقِّ الْمُوصِي لَهُ، وَالْقَوَاعِدُ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ حَقِّ الْوَارِثِ لِأَنَّ لَهُ الثُّلُثَيْنِ
(السَّادِسُ) أَنَّ مَقْصُودَ الْوَصِيِّ كَمَالُ الْعِتْقِ فِي الْعَبْدِ لِيَتَفَرَّغَ لِلطَّلَعَاتِ، وَيَحُوزَ الِاكْتِسَابَ وَالْمَنَافِعَ مِنْ نَفْسِهِ، وَتَجْزِئَةُ الْعِتْقِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ لَا يَحْصُلُ الْكَمَالُ أَبَدًا، وَأَمَّا الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ الَّتِي احْتَجُّوا بِهَا
(فَالْأَوَّلُ) قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ» ، وَالْمَرِيضُ مَالِكُ الثُّلُثِ مِنْ كُلِّ عَبْدٍ فَيَنْفُذُ عِتْقُهُ فِيهِ، وَلِأَنَّ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا، وَلِأَنَّ قَوْلَهُ اثْنَيْنِ يَحْتَمِلُ شَائِعَيْنِ لَا مُعَيَّنَيْنِ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي اخْتِلَافَ قِيَمِ الْعَبِيدِ فَيَتَعَذَّرُ أَنْ يَكُونَ اثْنَانِ مُعَيَّنَانِ ثُلُثَ مَالِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْعِتْقَ إنَّمَا وَقَعَ فِيمَا يَمْلِكُ وَمَا قَالَ الْعِتْقُ فِي كُلِّ مَا يَمْلِكُ فَإِذَا نَفَذَ الْعِتْقُ فِي عَبْدَيْنِ وَقَعَ الْعِتْقُ فِيمَا يَمْلِكُ، وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ قَضِيَّةُ عَيْنٍ فَنَقُولُ هِيَ وَرَدَتْ فِي تَمْهِيدِ قَاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ كَالرَّجْمِ وَغَيْرِهِ فَتَعُمُّ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ «حُكْمِي عَلَى الْوَاحِدِ حُكْمِي عَلَى الْجَمَاعَةِ» ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ شَائِعًا بَاطِلٌ بِالْقُرْعَةِ لِأَنَّهَا لَا مَعْنًى لَهَا مَعَ الْإِشَاعَةِ، وَاتِّفَاقُهُمْ فِي الْقِيمَةِ لَيْسَ مُتَعَذِّرًا عَادَةً لَا سِيَّمَا مَعَ الْجَلْبِ وَوَخْشِ الرَّقِيقِ
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ الْقُرْعَةَ عَلَى خِلَافِ الْقُرْآنِ لِأَنَّهَا مِنْ الْمَيْسِرِ، وَعَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ لِأَنَّ فِيهِ الْحُرِّيَّةَ بِالْقُرْعَةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمَيْسِرَ هُوَ الْقِمَارُ، وَتَمْيِيزُ الْحُقُوقِ لَيْسَ قِمَارًا، وَقَدْ أَقْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَاسْتُعْمِلَتْ الْقُرْعَةُ فِي شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١] الْآيَةَ و ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] وَلَيْسَ فِيهَا نَقْلُ الْحُرِّيَّةِ لِأَنَّ عِتْقَ الْمَرِيضِ لَمْ يَتَحَقَّقْ لِأَنَّهُ إنْ صَحَّ عَتَقَ الْجَمِيعُ، وَإِنْ طَرَأَتْ دُيُونٌ بَطَلَ، وَإِنْ مَاتَ، وَهُوَ يُخْرِجُ مِنْ الثُّلُثِ عَتَقَ مِنْ الثُّلُثِ فَلَمْ يَقَعْ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْعِتْقِ إلَّا مَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) أَنَّهُ لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ صَحَّ فَيَنْفُذُ هَاهُنَا قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى حَالِ الصِّحَّةِ
(وَجَوَابُهُ) أَنَّ مَقْصُودَ الْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي مِلْكِ الشَّائِعِ كَغَيْرِهِ، وَمَقْصُودُ الْعِتْقِ التَّخْلِيصُ لِلطَّاعَاتِ وَالِاكْتِسَابِ، وَلَا يَحْصُلُ مَعَ التَّبْعِيضِ، وَلِأَنَّ الْمِلْكَ شَائِعًا لَا يُؤَخِّرُ حَقَّ الْوَارِثِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَهَاهُنَا يَتَأَخَّرُ بِالِاسْتِسْعَاءِ
(وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ) أَنَّهُ لَوْ بَاعَ ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ جَازَ، وَالْبَيْعُ يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ لَا يَلْحَقُهُ الْفَسْخُ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْقُرْعَةِ لِأَنَّ فِيهَا تَحْوِيلَ الْعِتْقِ كَمَا تَقَدَّمَ
(وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ)
стр. 934
مِنْ الْمُوبِقَاتِ فَكَانَ يَكْفِيهِمْ قَلِيلُ التَّعْزِيرِ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى زَوَّرُوا خَاتَمَ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ عَلَى قَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ، وَلَمْ يَرِدْ ﵁ نَسْخَ حُكْمٍ بَلْ الْمُجْتَهِدُ فِيهِ يَنْتَقِلُ لَهُ الِاجْتِهَادُ لِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ.
(وَثَانِيهَا) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْحُدُودَ وَاجِبَةُ النُّفُوذِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْزِيرِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إنْ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ كَالْمَحْدُودِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّ غَيْرَ الضَّرْبِ مَصْلَحَةٌ مِنْ الْمَلَامَةِ وَالْكَلَامِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵁ بِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُعَزِّرْ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قَالَ لَهُ فِي حَقِّ الزُّبَيْرِ فِي أَمْرِ السَّقْيِ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك» يَعْنِي فَسَامَحْتَهُ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَا يَجِبُ كَضَرْبِ الْأَبِ وَالْمُعَلِّمِ وَالزَّوْجِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ حَقٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] فَإِذَا قَسَطَ فَتَجِبُ إقَامَتُهُ، وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ غَيْرَ الْمُقَدَّرِ قَدْ يَجِبُ كَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ، وَنَصِيبُ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَهُوَ وَاجِبٌ؛ وَلِأَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ كَانَتْ تَصْدُرُ لِجَفَاءِ الْأَعْرَابِ لَا لِقَصْدِ السَّبِّ.
(وَثَالِثِ الْفُرُوقِ) أَنَّ التَّعْزِيرَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَافِهِ بِاخْتِلَافِ الْجِنَايَاتِ وَهُوَ الْأَصْلُ بِدَلِيلِ الزِّنَا مِائَةٌ وَحَدُّ الْقَذْفِ ثَمَانُونَ وَالسَّرِقَةُ الْقَطْعُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَالِكًا لِثُلُثِهِمْ فَأَعْتَقَهُ لَمْ يَجْتَمِعْ ذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ، وَالْمَرِيضُ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَ الثُّلُثِ فَلَا يَجْمَعُ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَدَمِ الْمِلْكِ، وَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي نُفُوذِ الْعِتْقِ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ الثُّلُثَ فَقَطْ لَمْ يَحْصُلْ تَنَازُعٌ فِي الْعِتْقِ، وَلَا حِرْمَانٌ مِنْ تَنَاوُلِهِ لَفْظَ الْعِتْقِ
(وَالْوَجْهُ السَّادِسُ) أَنَّ الْقُرْعَةَ إنَّمَا تَدْخُلُ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ فِيمَا يَجُوزُ التَّرَاضِي عَلَيْهِ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ حَالَةَ الصِّحَّةِ لَمَّا لَمْ يَجُزْ التَّرَاضِي عَلَى انْتِقَاضِهَا لَمْ يَجُزْ الْقُرْعَةُ فِيهَا، وَالْأَمْوَالُ يَجُوزُ التَّرَاضِي فِيهَا قَدْ خَلَتْ الْقُرْعَةُ فِيهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَارِثَ لَوْ رَضِيَ تَنْفِيذَ عِتْقِ الْجَمِيعِ لَصَحَّ فَهُوَ يَدْخُلُهُ الرِّضَا اهـ كَلَامُ الْأَصْلِ، وَسَلَّمَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ كُفْرٌ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ بِكُفْرٍ) :
الِاحْتِيَاجُ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا لِلْأَصْلِ مِنْ الْتِبَاسِ الْكُفْرِ بِالْكَبَائِرِ نَظَرًا لِمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّ الْكُفْرَ يُشَارِكُ مُطْلَقَ الْمَعْصِيَةِ كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً فِي أَمْرَيْنِ.
(الْأَمْرِ الْأَوَّلِ) فِي مُطْلَقِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. (الْأَمْرِ الثَّانِي) فِي مُطْلَقِ الْمَفْسَدَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالنَّوَاهِي تَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ كَمَا أَنَّ الْأَوَامِرَ تَعْتَمِدُ الْمَصَالِحَ، وَلَكِنَّ أَعْلَى رُتَبِ الْمَفَاسِدِ الْكُفْرُ، وَأَدْنَاهَا الصَّغَائِرُ وَالْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ الْكَبَائِرُ فَأَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ يَلِيهَا أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ، وَأَدْنَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ يَلِيهَا أَعْلَى رُتَبِ الصَّغَائِرِ وَحِينَئِذٍ فَأَكْثَرُ الْتِبَاسِ الْكُفْرِ إنَّمَا هُوَ بِالْكَبَائِرِ.
قَالَ مَا تَهْذِيبُهُ: وَالْمَجَالُ فِي تَحْرِيرِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا صَعْبٌ بَلْ التَّعَرُّضُ إلَى الْحَدِّ الَّذِي يَمْتَازُ بِهِ أَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ عَسِيرٌ جِدًّا وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ الْكُفْرِ إنَّمَا هُوَ انْتِهَاكٌ خَاصٌّ لِحُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إمَّا بِالْجَهْلِ بِوُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَإِمَّا بِالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِكَرَمْيِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ أَوْ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ التَّرَدُّدِ لِلْكَنَائِسِ فِي أَعْيَادِهِمْ بِزِيِّ النَّصَارَى، وَمُبَاشَرَةِ أَحْوَالِهِمْ أَوْ جَحْدِ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَعُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَعْضِ الْمُبَاحَاتِ، فَجَحْدُ إبَاحَةِ اللَّهِ التِّينَ وَالْعِنَبَ كُفْرٌ كَجَحْدِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَمَعْنَى عِلْمِهِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنْ يُشْتَهَرَ فِي الدِّينِ حَتَّى يَصِيرَ ضَرُورِيًّا فَجَحْدُ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا إجْمَاعًا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا خَوَاصُّ الْفُقَهَاءِ بِحَيْثُ يَخْفَى الْإِجْمَاعُ فِيهَا لَيْسَ كُفْرًا، قَالَ: بَلْ قَدْ جَحَدَ أَصْلَ الْإِجْمَاعِ جَمَاعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنْ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ كَالنَّظَّامِ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا قَالَ بِكُفْرِهِمْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمْ جَحَدُوا أَصْلَ الْإِجْمَاعِ.
وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ بَذَلُوا جُهْدَهُمْ فِي أَدِلَّتِهِ فَمَا ظَفِرُوا بِهَا كَمَا ظَفِرَ بِهَا الْجُمْهُورُ فَكَانَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي حَقِّهِمْ كَمَا أَنَّ مُتَجَدِّدَ الْإِسْلَامِ إذَا قَدِمَ مِنْ أَرْضِ الْكُفْرِ وَجَحَدَ فِي مَبَادِئِ أَمْرِهِ مَعْنَى شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْمَعْلُومَةِ لَنَا مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا نُكَفِّرُهُ لِعُذْرِهِ بِعَدَمِ الِاطِّلَاعِ، وَإِنْ كُنَّا نُكَفِّرُ بِذَلِكَ الْجَحْدِ غَيْرَهُ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّا لَا نُكَفِّرُ بِالْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ حَتَّى يُقَالَ كَيْفَ تُكَفِّرُونَ جَاحِدَ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَلَا تُكَفِّرُونَ جَاحِدَ أَصْلِ الْإِجْمَاعِ وَكَيْفَ يَكُونُ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ بَلْ نُكَفِّرُ بِهِ مِنْ حَيْثُ الشُّهْرَةُ الْمُحَصِّلَةُ لِلضَّرُورَةِ فَمَنْ جَحَدَ إبَاحَةَ الْقِرَاضِ لَا نُكَفِّرُهُ، وَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ فِيهِ إنَّمَا يَعْلَمُهُ خَوَاصُّ الْفُقَهَاءِ أَوْ الْفُقَهَاءُ دُونَ غَيْرِهِمْ فَلَمْ يُجْعَلْ الْفَرْعُ أَقْوَى مِنْ الْأَصْلِ فَافْهَمْ، وَأَلْحَقَ الْأَشْعَرِيُّ بِالْكُفْرِ أَيَّ جُرْأَةٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى إرَادَةَ الْكُفْرِ كَبِنَاءِ الْكَنَائِسِ لِيَكْفُرَ فِيهَا أَوْ قَتْلِ نَبِيٍّ مَعَ اعْتِقَادِهِ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ لِيُمِيتَ شَرِيعَتَهُ، وَمِنْهُ تَأْخِيرُ إسْلَامِ مَنْ أَتَى لِيُسْلِمَ عَلَى يَدَيْكَ فَتُشِيرُ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ إرَادَةٌ لِبَقَاءِ الْكُفْرِ، وَلَا يَنْدَرِجُ فِي إرَادَةِ الْكُفْرِ الدُّعَاءُ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ عَلَى مَنْ تُعَادِيهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إرَادَةُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ اللَّهِ بَلْ
стр. 935
وَالْحِرَابَةُ الْقَتْلُ وَقَدْ خُولِفَتْ الْقَاعِدَةُ فِي الْحُدُودِ دُونَ التَّعَازِيرِ فَسَوَّى الشَّرْعُ بَيْنَ سَرِقَةِ دِينَارٍ وَسَرِقَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَشَارِبِ قَطْرَةٍ مِنْ الْخَمْرِ وَشَارِبِ جَرَّةٍ فِي الْحَدِّ مَعَ اخْتِلَافِ مَفَاسِدِهَا حَدًّا، وَعُقُوبَةُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءٌ مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْحُرِّ أَعْظَمُ لِجَلَالَةِ مِقْدَارِهِ بِدَلِيلِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ دُونَ الْبِكْرِ لِعِظَمِ مِقْدَارِهِ مَعَ أَنَّ الْعَبِيدَ إنَّمَا سَاوَتْ الْأَحْرَارَ فِي السَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ لِتَعَذُّرِ التَّجْزِئَةِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ وَاسْتَوَى الْجُرْحُ اللَّطِيفُ السَّارِي لِلنَّفْسِ وَالْعَظِيمُ فِي الْقِصَاصِ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا، وَقَتْلُ الرَّجُلِ الْعَالِمِ الصَّالِحِ التَّقِيِّ الشُّجَاعِ الْبَطَلِ مَعَ الْوَضِيعِ.
(الرَّابِعِ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ التَّعْزِيرَ تَأْدِيبٌ يَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ، وَقَدْ لَا يَصْحَبُهَا الْعِصْيَانُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ كَتَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ وَالْمَجَانِينِ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ وَجَاءَ فِي هَذَا الْفَرْقِ فَرْعٌ وَهُوَ أَنَّ الْحَنَفِيَّ إذَا شَرِبَ النَّبِيذَ، وَلَمْ يَسْكَرْ قَالَ مَالِكٌ أَحُدُّهُ وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ لِمُنَافَاتِهَا لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الْخَمْرِ وَمُخَالَفَةِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَحُدُّهُ، وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا حَدُّهُ فَلِلْمَفْسَدَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ التَّوَسُّلِ لِإِفْسَادِ الْعَقْلِ، وَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَعْصِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّقْلِيدِ عِنْدَهُ، قَالَ: وَالْعُقُوبَاتُ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ لَا الْمَعَاصِيَ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ عُقُوبَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ وَيَبْطُلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي التَّعَازِيرِ أَمَّا الْحُدُودُ الْمُقَدَّرَةُ فَلَمْ تُوجَدْ فِي الشَّرْعِ إلَّا فِي مَعْصِيَةٍ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ، فَالْحَقُّ مَعَ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
إذَايَةُ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ.
وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضًا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ عَقْدَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْأُسَارَى الْمُوجِبِ لِاسْتِمْرَارِ الْكُفْرِ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى قَتْلِهِمْ الْمُوجِبِ لِمَحْوِ الْكُفْرِ مِنْ قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ تَوَقُّعُ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ إذَا بَقُوا أَحْيَاءً وَعَدَمُ سَدِّ بَابِ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمْ بِقَتْلِهِمْ فَحُصُولُ الْكُفْرِ بِإِبْقَائِهِمْ أَحْيَاءَ وَقَعَ بِالْعَرَضِ فَهُوَ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ بَلْ وَاجِبٌ عِنْدَ تَعَيُّنِ مُقْتَضِيهِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْفَاعِلُ بِخِلَافِ الدُّعَاءِ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَأْثَمُ قَائِلُهُ وَإِنْ لَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ. قَالَ: وَالِانْتِهَاكُ الْخَاصُّ الْمُمَيِّزُ لِلْكُفْرِ عَنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ إنَّمَا يَتَبَيَّنُ خُصُوصُهُ بِبَيَانِ أَقْسَامِ الْجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبَيَانِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا أَقْسَامُ الْجَهْلِ فَعَشَرَةٌ.
(أَحَدُهَا) مَا لَمْ نُؤْمَرْ بِإِزَالَتِهِ أَصْلًا، وَلَمْ نُؤَاخَذْ بِبَقَائِهِ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَنَا لَا يُمْكِنُ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ وَهُوَ جَلَالُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ الَّتِي لَمْ تَدُلَّ عَلَيْهَا الصَّنْعَةُ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْعَبْدُ عَلَى تَحْصِيلِهِ بِالنَّظَرِ فَعَفَا عَنْهُ لِعَجْزِنَا عَنْهُ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» وَقَوْلِ الصِّدِّيقِ الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ.
(وَثَانِيهَا) مَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ جَحَدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ أَوْ مُتَكَلِّمٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ فَإِنْ جَهِلَ الصِّفَةَ وَلَمْ يَنْفِهَا كَفَّرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَقِيلَ لَا يَكْفُرُ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ الْأَشْعَرِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَمِّمْ عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ، وَيَعْضُدُهُ حَدِيثُ الْقَائِلِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لِيُعَذِّبَنِّي الْحَدِيثَ وَحَدِيثُ «السَّوْدَاءِ لَمَّا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْنَ اللَّهُ قَالَتْ فِي السَّمَاءِ» قَالَ، وَلَوْ كُوشِفَ أَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى الصِّفَاتِ لَمْ يَعْلَمْهَا.
قَالَ الْأَصْلُ: فَنَفْيُ الصِّفَاتِ وَالْجَزْمُ بِنَفْيِهَا هُوَ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَ الْعِلْمِ أَوْ الْكَلَامِ أَوْ الْإِرَادَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بَلْ الْعَالِمُ وَالْمُتَكَلِّمُ وَالْمُرِيدُ فَالْمُجْمَعُ عَلَى كُفْرِهِ هُوَ مَنْ نَفَى أَصْلَ الْمَعْنَى وَحُكْمَهُ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَالدَّهْرِيَّةِ دُونَ أَرْبَابِ الشَّرَائِعِ.
(وَالثَّالِثُ) مَا اُخْتُلِفَ فِي التَّكْفِيرِ بِهِ وَهُوَ مَنْ أَثْبَتَ الْأَحْكَامَ دُونَ الصِّفَاتِ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَالِمٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَمُتَكَلِّمٌ بِغَيْرِ كَلَامٍ، وَمُرِيدٌ بِغَيْرِ إرَادَةٍ وَحَيٌّ بِغَيْرِ حَيَاةٍ وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الصِّفَاتِ وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَلِلْأَشْعَرِيِّ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْبَاقِلَّانِيّ فِي تَكْفِيرِهِمْ قَوْلَانِ.
(وَالرَّابِعُ) مَا اخْتَلَفَ أَهْلُ الْحَقِّ فِيهِ هَلْ هُوَ جَهْلٌ تَجِبُ إزَالَتُهُ أَمْ هُوَ حَقٌّ لَا تَجِبُ إزَالَتُهُ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ هُوَ مَعْصِيَةٌ، وَمَا رَأَيْتُ مَنْ يُكَفِّرُ بِهِ وَذَلِكَ كَالْقِدَمِ وَالْبَقَاء فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَنْعَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَاقٍ بِبَقَاءٍ قَدِيمٍ وَيَعْصِي مَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ أَوْ يَجِبُ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ ذَلِكَ بَلْ اللَّهُ تَعَالَى بَاقٍ بِغَيْرِ بَقَاءٍ وَقَدِيمٌ بِغَيْرِ قِدَمٍ، وَاعْتِقَادُ خِلَافِ ذَلِكَ جَهْلٌ حَرَامٌ عَكْسُ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْبَقَاءِ وَالْقِدَمِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصِّفَاتِ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ أُصُول الدِّينِ. وَالصَّحِيحُ هُنَالِكَ أَنَّ الْبَقَاءَ وَالْقِدَمَ لَا وُجُودَ لَهُمَا فِي الْخَارِجِ بِخِلَافِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي السَّبْعَةِ.
(وَالْخَامِسُ) جَهْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالصِّفَاتِ لَا بِالذَّاتِ نَحْوَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَفْعَالِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَكَتَعَلُّقِ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَخْصِيصِ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَوْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِأَفْعَالِ الْحَيَوَانَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَلِلْعُلَمَاءِ فِي تَكْفِيرِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ تَكْفِيرِهِمْ.
(وَالسَّادِسُ) جَهْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالذَّاتِ لَا بِصِفَةٍ مِنْ الصِّفَاتِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُودِهَا كَالْجَهْلِ بِسَلْبِ الْجِسْمِيَّةِ
стр. 936
(الْخَامِسِ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ التَّعْزِيرَ قَدْ يَسْقُطُ، وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إذَا كَانَ الْجَانِي مِنْ الصِّبْيَانِ أَوْ الْمُكَلَّفِينَ قَدْ جَنَى جِنَايَةً حَقِيرَةً وَالْعُقُوبَةُ الصَّالِحَةُ لَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ رَدْعًا، وَالْعَظِيمَةُ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِيهِ لَا تَصْلُحُ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ سَقَطَ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا أَمَّا الْعَظِيمَةُ فَلِعَدَمِ مُوجِبِهَا، وَأَمَّا الْحَقِيرَةُ فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِهَا، وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ فِيهِ.
(السَّادِسِ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ مَا عَلِمْت فِي ذَلِكَ خِلَافًا، وَالْحُدُودَ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا الْحِرَابَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] . (سُؤَالٌ) مَفْسَدَةُ الْكُفْرِ أَعْظَمُ الْمَفَاسِدِ وَالْحِرَابَةُ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً مِنْ الزِّنَا وَهَاتَانِ الْمَفْسَدَتَانِ الْعَظِيمَتَانِ تَسْقُطَانِ بِالتَّوْبَةِ وَالْمُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الْأَعْلَى أَوْلَى أَنْ يُؤَثِّرَ فِي سُقُوطِ الْأَدْنَى، وَهُوَ سُؤَالٌ قَوِيٌّ يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِسُقُوطِ الْحُدُودِ بِالتَّوْبَةِ قِيَاسًا عَلَى هَذَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَجَوَابُهُ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدِهَا) أَنَّ سُقُوطَ الْقَتْلِ فِي الْكُفْرِ يُرَغِّبُ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنْ قُلْتُ: إنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى الرِّدَّةِ قُلْتُ الرِّدَّةُ قَلِيلَةٌ فَاعْتُبِرَ جِنْسُ الْكُفْرِ وَغَالِبُهُ. (وَثَانِيهَا) أَنَّ الْكُفْرَ يَقَعُ لِلشُّبُهَاتِ فَيَكُونُ فِيهِ عُذْرٌ عَادِيٌّ، وَلَا يُؤْثِرُ أَحَدٌ أَنْ يَكْفُرَ لِهَوَاهُ قُلْنَا، وَلَا يَزْنِي أَحَدٌ إلَّا لِهَوَاهُ فَنَاسَبَ التَّغْلِيظَ. (وَثَالِثِهَا) أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَتَكَرَّرُ غَالِبًا وَجِنَايَاتُ الْحُدُودِ تُكَرَّرُ غَالِبًا فَلَوْ أَسْقَطْنَاهَا بِالتَّوْبَةِ ذَهَبَتْ مَعَ تَكَرُّرِهَا مَجَّانًا وَتَجَرَّأَ عَلَيْهَا النَّاسُ فِي اتِّبَاعِ أَهْوِيَتِهِمْ أَكْثَرَ، وَأَمَّا الْحِرَابَةُ فَلِأَنَّا لَا نُسْقِطُهَا إلَّا إذَا لَمْ نَتَحَقَّقْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالْجِهَةِ وَالْمَكَانِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَشَوِيَّةِ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ اسْتِحَالَةُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَفِي تَكْفِيرِ الْحَشَوِيَّةِ بِذَلِكَ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ التَّكْفِيرِ.
وَأَمَّا سَلْبُ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِخِلَافِ تَجْوِيزِ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْتَحِيلَاتِ كَالْجِهَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقِسْمَيْنِ أَنَّ الْقِسْمَ الْأَوَّلَ الَّذِي هُوَ الْجِسْمِيَّةُ وَنَحْوُهَا فِيهِ عُذْرٌ عَادِيٌّ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَنْشَأُ عُمُرَهُ كُلَّهُ وَهُوَ لَا يُدْرِكُ مَوْجُودًا وَهُوَ جِسْمٌ أَوْ قَائِمٌ بِجِسْمٍ إلَّا فِي جِهَةٍ فَكَانَ هَذَا عُذْرًا عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يُضْطَرَّ الْإِنْسَانُ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ إلَى الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ وَالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَنَحْوِهَا فَكَمْ مِنْ مَوْجُودٍ فِي الْعَالَمِ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ كَالْأَمْلَاكِ وَالْأَفْلَاكِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ وَالْبِحَارِ فَلَمَّا انْتَفَتْ الشُّبْهَةُ الْمُوجِبَةُ لِلضَّلَالِ انْتَفَى الْعُذْرُ فَلِذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى التَّكْفِيرِ فِي هَذَا الْقِسْمِ، وَاخْتُلِفَ فِي التَّكْفِيرِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
(وَالسَّابِعُ) الْجَهْلُ بِقِدَمِ الصِّفَاتِ لَا بِوُجُودِهَا وَتَعَلُّقِهَا كَقَوْلِ الْكَرَّامِيَّةِ بِحُدُوثِ الْإِرَادَةِ وَنَحْوِهَا وَفِي التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلَانِ الصَّحِيحُ عَدَمُ التَّكْفِيرِ.
(وَالثَّامِنُ وَالتَّاسِعُ) الْجَهْلُ بِمَا وَقَعَ أَوْ يَقَعُ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الصِّفَاتِ وَهُوَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا كُفْرٌ إجْمَاعًا وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا كَجَهْلِ الْفَلَاسِفَةِ، وَمَنْ تَابَعَهُمْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ بِعْثَةَ الرُّسُلِ، وَأَرْسَلَهُمْ لِخَلْقِهِ بِالرَّسَائِلِ الرَّبَّانِيَّةِ وَكَجَهْلِهِمْ بِبِعْثَةِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِحْيَائِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ وَجَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ عَلَى التَّفْصِيلِ الْوَارِدِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(وَثَانِيهِمَا) مَا لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ كَالْجَهْلِ بِخَلْقِ حَيَوَانٍ فِي الْعَالَمِ أَوْ إجْرَاءِ نَهْرٍ أَوْ إمَاتَةِ حَيَوَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ نَعَمْ قَدْ يُكَلِّفُ الشَّرْعُ بِمَعْرِفَةِ بَعْضِ الصُّوَرِ مِنْ ذَلِكَ لِأَمْرٍ يَخُصُّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَا لِأَنَّ الْجَهْلَ بِهِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مَنْهِيٌّ عَنْهُ.
(وَالْعَاشِرُ) الْجَهْلُ بِمَا وَقَعَ مِنْ مُتَعَلَّقَاتِ الصِّفَاتِ وَهُوَ تَعَلُّقُهَا بِإِيجَادِ مَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ لِلْخَلْقِ هَلْ يَجُوزُ هَذَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا فَأَهْلُ الْحَقِّ يُجَوِّزُونَهُ، وَأَنْ يَفْعَلَ لِعِبَادِهِ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُمْ، وَأَنْ لَا يَفْعَلَهُ كُلُّ ذَلِكَ لَهُ تَعَالَى فَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَالْخَلَائِقُ دَائِرُونَ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] .
وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ وَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ تَعَالَى الصَّلَاحَ وَالْأَصْلَحَ وَفِي تَكْفِيرِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلَانِ وَالصَّحِيحُ عَدَمُ تَكْفِيرِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِتَفْصِيلِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ عَلَى مَا ذَكَرَ تَبَيَّنَ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْهَا مِمَّا لَيْسَ بِكُفْرٍ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْمَجَالُ الصَّعْبُ فِي التَّحْرِيرِ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ أَمْرِ الْمَلِكِ الْعَظِيمِ فِي جَمِيعِ الْمَعَاصِي صَغَائِرِهَا وَكَبَائِرِهَا جُرْأَةٌ عَلَيْهِ كَيْفَ كَانَ فَتَمْيِيزُ مَا هُوَ كُفْرٌ مِنْهَا مُبِيحٌ لِلدَّمِ مُوجِبٌ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ هُوَ الْمَكَانُ الْحَرِجُ فِي التَّحْرِيرِ وَالْفَتْوَى فَمِنْ هُنَا اسْتَشْكَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْفَرْقَ بَيْنَ السُّجُودِ لِلشَّجَرَةِ وَالسُّجُودِ لِلْوَالِدِ بِأَنَّ الْأَوَّلَ كَيْفَ يَكُونُ كُفْرًا دُونَ الثَّانِي، وَالسَّاجِدُ فِي الْحَالَيْنِ يَعْتَقِدُ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى وَمَا يَسْتَحِيلُ، وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّشْرِيكَ فِي السُّجُودِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَالَيْنِ وَقَدْ قَالَتْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] .
وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْكَبِيرَةِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَفْسَدَةِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ إنَّمَا هُوَ بِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ وَصِغَرِهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ عِظَمُهَا هُنَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ عَنْ السُّجُودِ كَانَ مَفْسَدَةً، وَإِنْ أَمَرَ بِهِ كَانَ مَصْلَحَةً؛ لِأَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّ الْمَفْسَدَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ تَابِعَةً لِلنَّهْيِ مَعَ أَنَّ النَّهْيَ يَتْبَعُ الْمَفْسَدَةَ فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَابِعًا لِصَاحِبِهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ، بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ يَتْبَعُهَا النَّهْيُ، وَالنَّهْيَ يَتْبَعُهُ الْعِقَابُ، وَمَا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ لَا يَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَلَا مُعَاقَبًا عَلَيْهِ وَاسْتِقْرَاءُ الشَّرَائِعِ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ
стр. 937
الْمَفْسَدَةَ بِالْقَتْلِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ أَمَّا مَتَى قَتَلَ قُتِلَ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ الدَّمِ، وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَجَبَ الْغُرْمُ وَسَقَطَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ فِيهِ تَخْيِيرٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ مُحَتَّمٌ وَالْمُحَتَّمُ آكَدُ مِنْ الْمُخَيَّرِ فِيهِ.
(السَّابِعِ) أَنَّ التَّخْيِيرَ يَدْخُلُ فِي التَّعَازِيرِ مُطْلَقًا وَلَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ إلَّا فِي الْحِرَابَةِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ فَقَطْ.
(تَنْبِيهٌ) التَّخْيِيرُ فِي الشَّرِيعَةِ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ أَشْيَاءَ أَحَدِهَا: الْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَتَرْكِهَا. وَثَانِيهَا: الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ كَتَصَرُّفَاتِ الْوُلَاةِ فَمَتَى قُلْنَا الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي صَرْفِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ فِي أُسَارَى الْعَدُوِّ أَوْ الْمُحَارِبِينَ أَوْ التَّعْزِيرِ فَمَعْنَاهُ أَنَّ مَا تَعَيَّنَ سَبَبُهُ وَمَصْلَحَتُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ فَهُوَ أَبَدًا يَنْتَقِلُ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ كَمَا يَنْتَقِلُ الْمُكَفِّرُ فِي كَفَّارَةِ الْحِنْثِ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ غَيْرَ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ يَهْوَاهُ فِي التَّكْفِيرِ، وَالْإِمَامُ يَتَحَتَّمُ فِي حَقِّهِ مَا أَدَّتْ الْمَصْلَحَةُ إلَيْهِ لَا أَنَّ هَاهُنَا إبَاحَةٌ أَلْبَتَّةَ، وَلَا أَنَّهُ يَحْكُمُ فِي التَّعَازِيرِ بِهَوَاهُ وَإِرَادَتِهِ كَيْفَ خَطَرَ لَهُ، وَلَهُ أَنْ يَعْرِضَ عَمَّا شَاءَ وَيَقْبَلَ مِنْهَا مَا شَاءَ هَذَا فُسُوقٌ وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ بَلْ الصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. وَثَالِثِهَا تَخْيِيرُ السَّاعِي بَيْنَ أَخْذِ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ فَإِنَّ الْإِمَامَ هَاهُنَا يَتَخَيَّرُ كَمَا يَتَخَيَّرُ الْمُكَفِّرُ فِي كَفَّارَةِ الْحِنْثِ غَيْرَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ هَذَا تَخْيِيرٌ أَدَّتْ إلَيْهِ الْأَحْكَامُ وَفِي الْحِنْثِ تَخْيِيرٌ مُتَأَصِّلٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ التَّخْيِيرَاتِ.
(الثَّامِنِ) أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعَهُ، وَالْجِنَايَةُ وَالْحُدُودُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ فَاعِلِهَا فَلَا بُدَّ فِي التَّعْزِيرِ مِنْ اعْتِبَارِ مِقْدَارِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَمَّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ وَعَدَمُ النَّهْيِ عَمَّا لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّرِقَةَ لَمَّا كَانَ فِيهَا ضَيَاعُ الْمَالِ نَهَى عَنْهَا، وَأَنَّ الْقَتْلَ لَمَّا كَانَ فِيهِ فَوَاتُ الْحَيَاةِ نَهَى عَنْهُ، وَأَنَّ الزِّنَا لَمَّا كَانَ فِيهِ اخْتِلَاطُ الْأَنْسَابِ نَهَى عَنْهُ، وَأَنَّ الْخَمْرَ لَمَّا كَانَ فِيهِ ذَهَابُ الْعُقُولِ نَهَى عَنْهُ وَأَنَّ الْعَصِيرَ لَمَّا كَانَ لَا يُفْسِدُ الْعَقْلَ لَمْ يَكُنْ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَأَنَّ الْخَمْرَ إذَا صَارَ خَلًّا انْتَفَى عَنْهُ فَسَادُ الْعَقْلِ فَذَهَبَ عَنْهُ النَّهْيُ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَفَاسِدَ وَالْمَصَالِحَ سَابِقَةٌ عَلَى الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ تَابِعٌ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي فَمَا فِيهِ مَفْسَدَةٌ يَنْهَى عَنْهُ فَإِذَا فَعَلَ حَصَلَ الْعِقَابُ وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ أَمَرَ بِهِ فَإِذَا فَعَلَ حَصَلَ الثَّوَابُ فَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّالِثَةِ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِي الرُّتْبَةِ الثَّانِيَةِ، وَالْمَفْسَدَةُ وَالْمَصْلَحَةُ فِي الرُّتْبَةِ الْأُولَى فَلَوْ عَلَّلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ لَزِمَ تَقَدُّمُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ بِرُتْبَتَيْنِ فَقَوْلُ الْأَغْبِيَاءِ مِنْ الطَّلَبَةِ مَصْلَحَةُ هَذَا الْأَمْرِ أَنَّهُ يُثَابُ عَلَيْهِ غَلَطٌ.
وَحَيْثُ عَلِمْتَ ذَلِكَ فَالطَّرِيقُ الْمُحَصِّلُ لِلْحَدِّ الَّذِي يَمْتَازُ بِهِ أَعْلَى رُتَبِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَدْنَى رُتَبِ الْكُفْرِ هُوَ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ حِفْظِ فَتَاوَى الْمُتَقَدِّمِينَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ وَيَنْظُرَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ النَّوَازِلِ هَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا أَفْتَوْا فِيهِ بِالْكُفْرِ أَوْ مِنْ جِنْسِ مَا أَفْتَوْا فِيهِ بِعَدَمِ الْكُفْرِ فَيُلْحِقَهُ بَعْدَ إمْعَانِ النَّظَرِ وَجَوْدَةِ الْفِكْرِ بِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَوْ وَقَعَتْ الْمُشَابَهَةُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ فِي ذَلِكَ لِقُصُورِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ، وَلَا يُفْتِي بِشَيْءٍ فَهَذَا هُوَ الضَّابِطُ لِهَذَا الْبَابِ.
وَيُوَضِّحُهُ ثَلَاثُ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَنَّ السُّجُودَ لِلشَّجَرَةِ إنَّمَا اقْتَضَى الْكُفْرَ دُونَ السُّجُودِ لِلْوَالِدِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مِنْ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي نَعْلَمُهَا مَا يَقْتَضِي الْكُفْرَ دُونَ السُّجُودِ لِلْوَالِدِ إذْ الشَّجَرَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْمَقْصُودِ بِالتَّعْظِيمِ شَرْعًا وَقَدْ عُبِدَتْ مُدَّةً بِخِلَافِ الْوَالِدِ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَقْصُودِ بِالتَّعْظِيمِ شَرْعًا، وَلَمْ يُعْبَدْ مُدَّةً وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَسَجَدُوا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ قِبْلَةً عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ بَلْ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالتَّعْظِيمِ بِذَلِكَ السُّجُودِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ هُنَالِكَ بِمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْكُفْرِ، وَلَا أَنَّهُ أَبَاحَ الْكُفْرَ لِأَجْلِ آدَمَ، وَلَا أَنَّ فِي السُّجُودِ لِآدَمَ مَفْسَدَةً تَقْتَضِي كُفْرًا، لَوْ فَعَلَ مِنْ أَمْرِ غَيْرِ رَبِّهِ فَافْهَمْ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) قَالَ الْأَصْلُ: اتَّفَقَ النَّاسُ فِيمَا عَلِمْتُ عَلَى تَكْفِيرِ إبْلِيسَ بِقَضِيَّتِهِ مَعَ آدَمَ ﵇، وَلَيْسَ مُدْرَكُ الْكُفْرِ فِيهَا الِامْتِنَاعَ مِنْ السُّجُودِ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ مَنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَامْتَنَعَ مِنْهُ كَافِرًا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَا كَانَ كُفْرُهُ لِكَوْنِهِ حَسَدَ آدَمَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ حَاسِدٍ كَافِرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَا كَانَ كُفْرُهُ لِعِصْيَانِهِ وَفُسُوقِهِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِصْيَانٌ وَفُسُوقٌ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ عَاصٍ وَفَاسِقٍ كَافِرًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَدْ أَشْكَلَ ذَلِكَ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ مُدْرَكَ كُفْرِهِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ بِنِسْبَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الْجَوْرِ وَالتَّصَرُّفِ الَّذِي لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ كَمَا ظَهَرَ ذَلِكَ مِنْ فَحْوَى قَوْلِهِ ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] ، وَمُرَادُهُ أَنَّ إلْزَامَ الْعَظِيمِ الْجَلِيلِ بِالسُّجُودِ لِلْحَقِيرِ مِنْ التَّصَرُّفِ الرَّدِيءِ وَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ نَسَبَ اللَّهَ تَعَالَى لِذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْجُرْأَةِ الْعَظِيمَةِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) قَالَ الْأَصْلُ: أَطْلَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُمْ الْكُفْرَ عَلَى السَّاحِرِ وَأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ غَيْرَ أَنَّهُ عِنْدَ الْفُتْيَا فِي جُزْئِيَّاتِ الْوَقَائِعِ يَقَعُ فِيهِ الْغَلَطُ الْعَظِيمُ الْمُؤَدِّي إلَى هَلَاكِ الْمُفْتِي، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قِيلَ لِلْفَقِيهِ مَا هُوَ السِّحْرُ، وَمَا حَقِيقَتُهُ حَتَّى يُقْضَى بِوُجُودِهِ عَلَى كُفْرِ فَاعِلِيهِ يَعْسُرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ جِدًّا فَإِنَّكَ إذَا قُلْتُ: لَهُ السِّحْرُ
стр. 938
الْجِنَايَةِ وَالْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
(التَّاسِعِ) أَنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ فَرُبَّ تَعْزِيرٍ فِي بِلَادٍ يَكُونُ إكْرَامًا فِي بَلَدٍ آخَرَ كَقَلْعِ الطَّيْلَسَانِ بِمِصْرَ تَعْزِيرٌ وَفِي الشَّامِ إكْرَامٌ وَكَشْفُ الرَّأْسِ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِ لَيْسَ هَوَانًا وَبِالْعِرَاقِ، وَمِصْرَ هَوَانٌ. (الْعَاشِرِ) أَنَّهُ يَتَنَوَّعُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الصِّرْفِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ أَوْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَى حَقِّ الْعَبْدِ الصِّرْفِ كَشَتْمِ زَيْدٍ وَنَحْوِهِ، وَالْحُدُودُ لَا يَتَنَوَّعُ مِنْهَا حَدٌّ بَلْ الْكُلُّ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا الْقَذْفَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ إمَّا أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ حَدًّا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَارَةً يَكُونُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ فَلَا يُوجَدُ أَلْبَتَّةَ.
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِالصِّيَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِغَيْرِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الصِّيَالَ يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنْ إسْقَاطِ اعْتِبَارِ إتْلَافِهِ بِسَبَبِ عِدَاهُ وَعُدْوَانِهِ وَيَقْوَى الضَّمَانُ فِي غَيْرِهِ عَلَى مُتْلِفِهِ لِعَدَمِ الْمُسْقِطِ، وَلَهُ خَصِيصَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ السَّاكِتَ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُقْتَلَ لَا يُعَدُّ آثِمًا، وَلَا قَاتِلًا لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ لَوْ مَنَعَ مِنْ نَفْسِهِ طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ آثِمٌ قَاتِلٌ لِنَفْسِهِ، وَلَوْ لَمْ يَمْنَعْ عَنْهَا الصَّائِلَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ وَبَسْطُ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ أَوْ غَيْرَهُ صَالَ فَدَفَعَ عَنْ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ دَفْعًا لَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ بَلْ الدَّفْعَ خَاصَّةً، وَإِنْ أَدَّى إلَى الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيَقْصِدُ قَتْلَهُ ابْتِدَاءً لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا إلَى الدَّفْعِ فَمَنْ خَشِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ هَدَرٌ لَا يُضْمَنُ حَتَّى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَكَذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالرُّقَى وَالْخَوَاصُّ وَالسِّيمْيَا وَالْهِيمْيَا وَقُوَى النُّفُوسِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَكُلُّهَا سِحْرٌ أَوْ بَعْضُ هَذِهِ الْأُمُورِ سِحْرٌ وَبَعْضُهَا لَيْسَ بِسِحْرٍ فَإِنْ قَالَ الْكُلُّ سِحْرٌ يَلْزَمُهُ أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ سِحْرٌ؛ لِأَنَّهَا رُقْيَةٌ إجْمَاعًا، وَإِنْ قَالَ بَلْ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ خَاصِّيَّةٌ تَخْتَصُّ بِهَا فَيُقَالُ بَيِّنْ لَنَا خُصُوصَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَمَا بِهِ تَمْتَازُ وَهَذَا لَا يَكَادُ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ الْمُعْتَرِضِينَ لِلْفُتْيَا، وَأَنَا طُولَ عُمُرِي مَا رَأَيْت مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأُمُورِ فَكَيْفَ يُفْتِي أَحَدٌ بَعْدَ هَذَا بِكُفْرِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ بِمُبَاشَرَةِ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ ذَلِكَ سِحْرٌ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ السِّحْرَ مَا هُوَ، وَلَقَدْ وُجِدَ فِي بَعْضِ الْمَدَارِسِ عِنْدَ بَعْضِ الطَّلَبَةِ كُرَّاسَةٌ فِيهَا آيَاتٌ لِلْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ وَالتَّهَيُّجِ وَالنَّزِيفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْمَغَارِبَةُ عِلْمَ الْمُخِلَّاتِ فَأَفْتَوْا بِكُفْرِهِ، وَإِخْرَاجِهِ مِنْ الْمَدْرَسَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ سِحْرٌ، وَأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ، وَإِقْدَامٌ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ بِجَهْلٍ وَعَلَى عِبَادِهِ بِالْفَسَادِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَاحْذَرْ هَذِهِ الْخُطَّةَ الرَّدِيئَةَ الْمُهْلِكَةَ عِنْدَ اللَّهِ وَسَتَقِفُ فِي الْفَرْقِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا عَلَى الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. اهـ
كَلَامُ الْأَصْلِ وَذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ إلَى عَدَمِ صِحَّةِ قَوْلِهِ بِالْتِبَاسِ الْكُفْرِ بِالْكَبَائِرِ قَالَ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَنَّ النَّهْيَ يَعْتَمِدُ الْمَفَاسِدَ إنْ أَرَادَ الْمَفَاسِدَ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ فَلَا شَكَّ أَنَّ الْكُفْرَ أَعْظَمُ الْمَفَاسِدِ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْمَعَاصِي تَتَفَاوَتُ رُتْبَتُهُ عَلَى أَنَّهُ كَيْفَ يَلْتَبِسُ بِهَا وَالْكُفْرُ أَمْرٌ اعْتِقَادِيٌّ وَالْكَبَائِرُ أَعْمَالٌ وَلَيْسَتْ بِاعْتِقَادٍ سَوَاءٌ كَانَتْ أَعْمَالٌ قَلْبِيَّةٌ أَوْ بَدَنِيَّةٌ، قَالَ: وَلَيْسَ الْكُفْرُ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إذْ لَا يَصْدُرُ عَادَةً مِمَّنْ يَدِينُ بِالرُّبُوبِيَّةِ بَلْ يَتَعَذَّرُ عَادَةً مَعَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْجَهْلِ بِهِ تَعَالَى فَالْكُفْرُ إمَّا الْجَهْلُ بِوُجُودِ الصَّانِعِ أَوْ صِفَاتِهِ خَاصَّةً عِنْدَ مَنْ لَا يُصَحِّحُ الْكُفْرَ، وَإِمَّا الْجَهْلُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ جَحْدُهُ عِنْدَ مَنْ يُصَحِّحُ الْكُفْرَ عِنَادًا قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُجَرَّدَ رَمْيِ الْمُصْحَفِ فِي الْقَاذُورَاتِ كُفْرٌ بَلْ رَمْيُهُ فِيهَا إنْ كَانَ مَعَ الْجَهْلِ فَالْكُفْرُ هُوَ الْجَهْلُ لَا عَيْنُ رَمْيِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعَ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ مَعَ التَّكْذِيبِ بِهِ هُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ.
وَلَا أَنَّ مُجَرَّدَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ كُفْرٌ بَلْ إنْ كَانَ مَعَ اعْتِقَادِ كَوْنِهِ إلَهًا فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَلَا بَلْ يَكُونُ مَعْصِيَةً إنْ كَانَ لِغَيْرِ إكْرَاهٍ وَجَائِزًا إنْ كَانَ لِلْإِكْرَاهِ وَلَا أَنَّ مُجَرَّدَ التَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ فِي أَعْيَادِهِمْ بِزِيِّ النَّصَارَى، وَمُبَاشَرَةِ أَحْوَالِهِمْ كُفْرٌ بَلْ لَيْسَ هُوَ بِكُفْرٍ إلَّا أَنْ يَعْتَقِدَ مُعْتَقَدَهُمْ قَالَ وَجَحْدُ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ الْمَعْلُومِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كُفْرٌ إنْ كَانَ جَحَدَ بَعْدَ عِلْمِهِ فَيَكُونُ تَكْذِيبًا، وَإِلَّا فَهُوَ جَهْلٌ وَذَلِكَ الْجَهْلُ مَعْصِيَةٌ؛ لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ بِإِزَالَةِ مِثْلِ هَذَا الْجَهْلِ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى اشْتِرَاطِ شُهْرَةِ ذَلِكَ الْأَمْرِ مِنْ الدِّينِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَ اشْتِهَارِ ذَلِكَ مِنْ وُصُولِ ذَلِكَ إلَى هَذَا الشَّخْصِ وَعِلْمِهِ بِهِ فَيَكُونُ إذْ ذَاكَ مُكَذِّبًا لِلَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ فَيَكُونُ بِذَلِكَ كَافِرًا أَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ الْأَمْرَ وَكَانَ مِنْ مَعَالِمِ الدِّينِ الْمُشْتَهِرَةِ فَهُوَ عَاصٍ بِتَرْكِ التَّسَبُّبِ إلَى عِلْمِهِ لَيْسَ بِكَافِرٍ بِذَلِكَ، وَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ الشِّهَابِ مِنْ نَقْصِ شَرْطِ عِلْمِ الشَّخْصِ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُشْتَهَرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ انْتِهَاكٌ لِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا هِيَ جُرْأَةٌ عَلَى مُخَالَفَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَغْرَاضُ وَالشَّهَوَاتُ.
قَالَ وَبِنَاءُ الشَّخْصِ الْكَنَائِسَ لِيَكْفُرَ فِيهَا إنْ كَانَ الِاعْتِقَادُ رُجْحَانَ الْكُفْرِ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهُوَ كُفْرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لِكَافِرٍ إرَادَةُ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ وَالتَّوَدُّدُ لَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ وَقَتْلُ الشَّخْصِ نَبِيًّا مَعَ اعْتِقَادِهِ صِحَّةَ رِسَالَتِهِ لِيُمِيتَ شَرِيعَتَهُ لَا يَتَأَتَّى فَرْضُ كَوْنِهِ كُفْرًا إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْكُفْرَ عِنَادًا، وَإِشَارَةُ الشَّخْصِ عَلَى مَنْ أَتَى لِيُسْلِمَ عَلَى يَدَيْهِ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ لَا تَكُونُ كُفْرًا إلَّا إنْ كَانَتْ لِاعْتِقَادِهِ رُجْحَانَ الْكُفْرِ أَمَّا إنْ كَانَتْ لِكَوْنِهِ لَا يُرِيدُ لِهَذَا
стр. 939
الْبَهِيمَةُ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْ صَاحِبِهَا فِي دَفْعِهَا وَهُوَ سِرُّ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ فَإِنَّ الْمُتْلِفَ ابْتِدَاءً لَمْ يَنُبْ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْقِيَامِ بِذَلِكَ الْإِتْلَافِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَعْظَمُ الْمَدْفُوعِ عَنْهُ النَّفْسُ، وَأَمْرُهُ بِيَدِهِ إنْ شَاءَ أَسْلَمَ نَفْسَهُ أَوْ دَفَعَ عَنْهَا وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فَفِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ الصَّبْرُ أَوْلَى تَقْلِيلًا لَهَا أَوْ هُوَ يَقْصِدُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ عَامَّةٍ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ عَضَّ الصَّائِلُ يَدَك فَنَزَعْتَهَا مِنْ فِيهِ فَقَلَعْتَ أَسْنَانَهُ ضَمِنْتَ دِيَةَ الْأَسْنَانِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِك وَقِيلَ لَا تَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَك لِذَلِكَ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى حَرَمٍ مِنْ كَوَّةٍ لَمْ يَجُزْ لَك أَنْ تَقْصِدَ عَيْنَهُ أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تُدْفَعُ الْمَعْصِيَةُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَفِيهِ الْقَوَدُ إنْ فَعَلْت وَيَجِبُ تَقَدُّمُ الْإِنْذَارِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فِيهِ دَفْعٌ وَمُسْتَنَدُ تَرْكِ الدَّفْعِ عَنْ النَّفْسِ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» وَلِقِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧] ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] وَلَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ وَعَلَى ذَلِكَ اعْتَمَدَ عُثْمَانُ ﵁ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ؛ وَلِأَنَّهُ تَعَارَضَتْ مَفْسَدَةٌ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يُمَكِّنَ مِنْ الْقَتْلِ، وَالتَّمْكِينُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ مُبَاشَرَةِ الْمَفْسَدَةِ نَفْسِهَا فَإِذَا تَعَارَضَتَا سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا فَهَذَا أَقْرَبُ الْفُرُوقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَرْكِ دَفْعِ الصَّائِلُ، وَبَيْنَ تَرْكِ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يَمُوتَ أَنَّ تَرْكَ الْغِذَاءِ هُوَ السَّبَبُ الْعَامُّ فِي الْمَوْتِ لَمْ يُضِفْ إلَيْهِ غَيْرَهُ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُضَافَ فِعْلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الشَّخْصِ الْإِسْلَامَ لِحِقْدٍ لَهُ عَلَيْهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُشِيرُ رُجْحَانَ الْكُفْرِ فَلَا تَكُونُ كُفْرًا قَالَ وَيُوَافِقُ قَوْلُنَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِشَارَةِ بِتَأْخِيرِ الْإِسْلَامِ مِنْ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكُفْرٍ مِنْ أَنَّهُ جِهَةٌ لَمْ يُشِرْ بِذَلِكَ عَلَيْهِ إلَّا لِقَصْدِ إثْبَاتِهِ لَا لِاعْتِقَادِهِ رُجْحَانَ الْكُفْرِ قَوْلَ شِهَابِ الدِّينِ، وَلَا يَنْدَرِجُ فِي إرَادَةِ الْكُفْرِ الدُّعَاءُ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ عَلَى مَنْ تُعَادِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ إرَادَةُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ إذَايَةُ الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: وَلَيْسَ مِنْهُ أَيْضًا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ عَقْدَ الْجِزْيَةِ عَلَى الْأُسَارَى الْمُوجِبِ لِاسْتِمْرَارِ الْكُفْرِ فِي قُلُوبِهِمْ عَلَى الْقَتْلِ إلَى قَوْلِهِ وَقَعَ بِالْعَرَضِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اسْتِبْقَاءَ الْأُسَارَى وَضَرْبَ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ لَا يَتَعَيَّنُ أَنَّهُ إيثَارٌ لِاسْتِمْرَارِ الْكُفْرِ وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ لِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كُفْرًا وَأَمَّا مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّهُ مَشْرُوعٌ مَأْمُورٌ بِهِ عِنْدَ تَعَيُّنِ مُقْتَضِيهِ فَنَقُولُ كَذَلِكَ يَكُونُ لَوْ تَعَيَّنَ الْمُقْتَضِي، وَمَتَى يَتَعَيَّنُ عِنْدَنَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ مَا عَاقِبَةُ أَمْرِ الْأَسِيرِ.
قَالَ: وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ السَّاجِدِ لِلشَّجَرَةِ وَالسَّاجِدِ لِلْوَالِدِ إنْ سَجَدَ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْمَسْجُودَ لَهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِنْ سَجَدَ لَا مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ بَلْ تَعْظِيمًا عَارِيًّا عَنْ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ لَا كُفْرٌ، وَإِنْ سَجَدَ السَّاجِدُ لِلشَّجَرَةِ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ شَرِيكٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَسَجَدَ السَّاجِدُ لِلْوَالِدِ لَا مَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ بَلْ تَعْظِيمًا فَالْأَوَّلُ كُفْرٌ وَالثَّانِي مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ أَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ فَبِالْعَكْسِ.
وَأَمَّا إذَا قُلْنَا إنَّ مُجَرَّدَ السُّجُودِ لِلشَّجَرَةِ كُفْرٌ؛ لِأَنَّهَا عُبِدَتْ مُدَّةً، وَمُجَرَّدَ السُّجُودِ لِلْوَالِدِ لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ مُدَّةً قَالَ: ذَلِكَ يَفْتَقِرُ إلَى تَوْقِيفٍ قَالَ، وَمَعْنَى تَبَعِيَّةِ الْأَمْرِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ الْوَاجِبِ مَثَلًا لِمَصْلَحَتِهِ وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّهُ لَوْلَا الْقَصْدُ إلَى حُصُولِ الْمَصْلَحَةِ مَا شُرِعَ، وَمَعْنَى تَبَعِيَّةِ الْمَصْلَحَةِ لِلْأَوَامِرِ وَالْمُرَادُ بِهَا أَنَّهُ لَوْلَا شَرْعِيَّةُ الْأَمْرِ الْبَاعِثِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ مَا حَصَلَتْ فَالْمَأْمُورُ بِهِ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ وُجُوبًا، وَالْمَصْلَحَةُ تَابِعَةٌ لَهُ وُجُودًا وَحِينَئِذٍ فَلَا غَرْوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ تَابِعًا لِلْآخَرِ مِنْ وَجْهٍ وَيَكُونَ الْآخَرُ تَابِعًا لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ كَمَا أَنَّ الشَّجَرَةَ تَابِعَةٌ لِلثَّمَرَةِ وُجُوبًا أَيْ لَوْلَا الْقَصْدُ إلَى تَحْصِيلِ الثَّمَرَةِ مَا زُرِعَتْ الشَّجَرَةُ وَالثَّمَرَةُ تَابِعَةٌ لِلشَّجَرَةِ وُجُودًا أَيْ لَوْلَا زَرْعُ الشَّجَرَةِ مَا حَصَلَتْ الثَّمَرَةُ فَصَحَّ مَا قَالَهُ الْأَغْبِيَاءُ مِنْ الطَّلَبَةِ مِنْ أَنَّ الثَّوَابَ هِيَ الْمَصْلَحَةُ وَهِيَ تَابِعَةٌ وُجُودَ الْفِعْلِ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْوَاجِبِ تَابِعٌ وُجُوبًا بِالتَّحَيُّلِ الْمَصْلَحَةَ، وَبَطَلَ مَا ادَّعَاهُ الشِّهَابُ مِنْ الدَّوْرِ الْمُمْتَنِعِ، وَإِنَّمَا الْمُوجِبُ لِتَوَهُّمِهِ هُوَ الْغَفْلَةُ عَنْ تَغَايُرِ جِهَتَيْ التَّبَعِيَّةِ فَانْزَاحَ الْإِشْكَالُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْمَنِّ وَالْأَفْضَالِ قَالَ وَكَلَامُ الشِّهَابِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ أَقْسَامِ الْجَهْلِ الْعَشَرَةِ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِأَنَّ هُنَاكَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الصَّنْعَةُ لَكِنَّنَا لَا نَعْلَمُهَا فَإِنْ أَرَادَ أَنَّا لَا نَعْلَمُهَا لَا جُمْلَةً، وَلَا تَفْصِيلًا فَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ فَإِنَّ مَسَاقَ كَلَامِهِ يَقْتَضِي الْجَزْمَ بِثُبُوتِهَا عَلَى الْجُمْلَةِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَعْلَمُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّا لَا نَعْلَمُهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، وَإِنْ عَلِمْنَاهَا عَلَى الْجُمْلَةِ كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ دَعْوَى لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ ﵇ لَا أُحْصِي إلَخْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ لَا أَسْتَطِيعُ الْمُدَاوَمَةَ وَالِاسْتِمْرَارَ عَلَى الثَّنَاءِ عَلَيْك لِلْقَوَاطِعِ عَنْ ذَلِكَ بِكَالنَّوْمِ وَشِبْهِهِ قَوْلُ الصِّدِّيقِ الْعَجْزُ إلَخْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى جَمِيعِ مَعْلُومَاتِ اللَّهِ تَعَالَى اطِّلَاعٌ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَرْبُوبِ وَالْمَالِكِ وَالْمَمْلُوكِ وَالْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ وَذَلِكَ هُوَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ وَصَحِيحُ الْإِيقَانِ.
قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ مِمَّا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا صِفَةَ وَرَاءَ مَا عَلِمْنَاهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّ هُنَاكَ صِفَاتٌ لَا نَعْلَمُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ الْوَقْفَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ بِإِزَالَةِ هَذَا الْجَهْلِ، وَلَا مُؤَاخَذَةَ
стр. 940
الصَّائِلِ لِلتَّمْكِينِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَرْكِ الْغِذَاءِ أَنَّهُ يَحْرُمُ وَبَيْنَ تَرْكِ الدَّوَاءِ فَلَا يَحْرُمُ أَنَّ الدَّوَاءَ غَيْرُ مُنْضَبِطِ النَّفْعِ فَقَدْ يُفِيدُ وَقَدْ لَا يُفِيدُ وَالْغِذَاءُ ضَرُورِيُّ النَّفْعِ، وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْفَحْلَ الصَّائِلَ وَالْمَجْنُونَ وَالصَّغِيرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُبَاحُ لَهُ الدَّفْعُ وَيَضْمَنُ وَاتَّفَقُوا إذَا كَانَ آدَمِيًّا بَالِغًا عَاقِلًا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ. لَنَا وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّمَانِ. الثَّانِي الْقِيَاسُ عَلَى الْآدَمِيِّ. الثَّالِثُ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْأَذَى أَنَّهَا تَقْتُلُ، وَلَا تُضْمَنُ إجْمَاعًا، وَلَا يَلْزَمُنَا إذَا غَصَبَهُ فَصَالَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ هُنَالِكَ بِالْغَصْبِ لَا بِالدَّفْعِ، وَإِلَّا إذَا اُضْطُرَّ لَهُ لِجُوعٍ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْجُوعَ الْقَاتِلَ فِي نَفْسِ الْجَامِعِ لَا فِي نَفْسِ الصَّائِلِ وَالْقَتْلُ بِالصِّيَالِ مِنْ جِهَةِ الصَّائِلِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ أَنَّ مُدْرِكَ عَدَمِ الضَّمَانِ إنَّمَا هُوَ إذْنُ الْمَالِكِ لَا جَوَازُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَكَلَهُ لِمَجَاعَةٍ ضَمِنَهُ. الثَّانِي أَنَّ الْآدَمِيَّ لَهُ قَصْدٌ وَاخْتِيَارٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ وَالْبَهِيمَةُ لَا اخْتِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَطَرَحَ إنْسَانٌ نَفْسَهُ فِيهَا لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ طَرَحَتْ بَهِيمَةٌ نَفْسَهَا فِيهَا ضُمِنَتْ وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَجِنَايَةُ الْبَهِيمَةِ لَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا. الثَّالِثُ قَوْلُهُ ﵇ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» فَلَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَمْ يَكُنْ جُبَارًا كَالْآدَمِيِّ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الضَّمَانَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّيْدَ إذَا صَالَ عَلَى مُحْرِمٍ لَمْ يَضْمَنْهُ أَوْ صَالَ عَلَى الْعَبْدِ سَيِّدُهُ فَقَتَلَهُ الْعَبْدُ أَوْ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ فَقَتَلَهُ ابْنُهُ لَا يَضْمَنُونَ لِجَوَازِ الْفِعْلِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَهَا اخْتِيَارٌ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَوْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِبَقَائِهِ كَمَا قَالَ الشِّهَابُ قَالَ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثَيْنِ عَلَى مَا نَقَلَهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي عَنْ شِفَاءِ عِيَاضٍ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ قَطْعٍ لَا يَكْفِي فِي مِثْلِهِ الظَّوَاهِرُ مَعَ تَعَيُّنِ التَّأْوِيلِ فِي الْحَدِيثَيْنِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي بِنَفْيِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى تَارَةً قَادِرًا أَوْ تَارَةً غَيْرَ قَادِرٍ وَلَيْسَ ظَاهِرُهُ نَفْيَ أَنَّهُ قَادِرٌ بِقُدْرَةٍ وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ حَدِيثِ السَّوْدَاءِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُسْتَقِرٌّ فِي السَّمَاءِ اسْتِقْرَارَ الْأَجْسَامِ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُجْمَعٍ عَلَى أَنَّهُ كُفْرٌ إلَّا أَنَّهُ بَاطِلٌ قَطْعًا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ التَّأْوِيلُ هُنَا؛ لِأَنَّ إقْرَارَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْبَاطِلِ لَا يَجُوزُ، قَالَ، وَمَا قَالَهُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ صَحِيحٌ وَكَذَا مَا قَالَهُ فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ بَاقٍ بِغَيْرِ بَقَاءٍ لَمْ يُرِدْ مَنْ عَبَّرَ بِهِ ظَاهِرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَاقُضِ بَلْ مُرَادُهُ أَنَّ الْبَقَاءَ لَيْسَ بِصِفَةٍ ثُبُوتِيَّةٍ، وَمَا قَالَهُ فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ صَحِيحٌ وَكَذَا مَا قَالَهُ فِي السَّادِسِ إلَّا أَنَّهُ كَانَ الْأَوْلَى لَهُ إبْدَالَ قَوْلِهِ جَهْلٌ يَتَعَلَّقُ بِالذَّاتِ بِقَوْلِهِ جَهْلٌ بِالصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَأَنْ يَحْذِفَ قَوْلَهُ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِوُجُودِهَا فَإِنَّهُ فِي كَلَامِهِ كَالْمُتَنَاقِضِ مَعَ أَنَّ الْجَهْلَ بِسَلْبِ الْجِسْمِيَّةِ لَيْسَ مَذْهَبَ الْحَشَوِيَّةِ بَلْ مَذْهَبُهُمْ إثْبَاتُ الْجِسْمِيَّةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا إلَّا أَنْ يُطْلِقَ عَلَى كُلِّ مَذْهَبٍ بَاطِلٍ أَنَّهُ جَهْلٌ فَذَلِكَ لَهُ وَجْهٌ، وَمَا قَالَهُ فِي الْقِسْمِ السَّابِعِ صَحِيحٌ، وَكَذَا مَا قَالَهُ فِي الثَّامِنِ.
لَكِنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْجَهْلِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْبَاطِلِ لَا عَلَى خُصُوصِ مَذْهَبِ الْفَلَاسِفَةِ، وَإِلَّا فَمَذْهَبُهُمْ الْجَزْمُ بِأَنْ لَا بَعْثَةَ لِلْأَجْسَامِ وَالْجَهْلُ فِي التَّاسِعِ إنْ أَرَادَ بِهِ الْجَهْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْمَوْجُودَاتِ الْمَعْلُومِ وُجُودُهَا فَذَلِكَ كُفْرٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْجَهْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ حَيَوَانًا لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فَذَلِكَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، وَلَا مَعْصِيَةٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَاجِعٍ إلَى الْجَهْلِ لِتَعَلُّقِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ بَلْ بِوُجُودِ هَذَا الْمُتَعَلِّقِ وَبَعْضِ الصُّوَرِ الَّتِي قَدْ يُكَلِّفُ الشَّرْعُ بِمَعْرِفَتِهَا مِنْ ذَلِكَ لِأَمْرٍ يَخُصُّهَا إنْ أَرَادَ بِهَا مِثْلَ السِّحْرِ الَّذِي يَكْفُرُ بِهِ فَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا أَدْرِي مَا أَرَادَ، وَمَا قَالَهُ فِي الْعَاشِرِ نَقْلٌ وَتَرْجِيحٌ، وَمَا قَالَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُرْأَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِقَاطِعٍ سَمْعِيٍّ، وَمَا ذَكَرَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا مُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وَلَا مُسْتَنَدَ فِيهِ فَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى جَوَابًا عَمَّا اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ كَوْنِ السُّجُودِ لِلشَّجَرَةِ كُفْرًا وَالسُّجُودِ لِلْوَالِدِ لَيْسَ بِكُفْرٍ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى تَوْقِيفٍ وَتَقَدَّمَ مَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ فَلَا تَغْفُلْ، وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ لُزُومِ الْكُفْرِ لِكُلِّ مُمْتَنِعٍ مِنْ السُّجُودِ وَلِكُلِّ حَاسِدٍ وَلِكُلِّ عَاصٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْنَعُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ تَعَالَى حَسَدًا مَا وَامْتِنَاعًا وَعِصْيَانًا مَا دُونَ سَائِرِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ كُفْرًا إذْ كَوْنُ أَمْرٍ مَا كُفْرًا أَوْ غَيْرَ كُفْرٍ أَمْرٌ وَضْعِيٌّ وَضَعَهُ الشَّارِعُ لِذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَ كُفْرُهُ لِامْتِنَاعِهِ أَوْ لِحَسَدِهِ، وَمَا قَالَهُ فِي مُدْرَك كُفْرِ إبْلِيسَ فِي قَضِيَّتِهِ مَعَ آدَمَ هُوَ الظَّاهِرُ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كُفْرُهُ لِامْتِنَاعِهِ أَوْ لِحَسَدِهِ أَوْ لَهُمَا أَوْ مَعَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّجْوِيرِ أَوْ لِلتَّجْوِيرِ خَاصَّةً إذْ لَا مَانِعَ مِنْ عَقْلٍ وَلَا نَقْلٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا قَالَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ صَحِيحٌ لَكِنْ لَا بِمَا عَلَّلَهُ بِهِ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْجُرْأَةِ الْعَظِيمَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ بَلْ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَهْلِ الْعَظِيمِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ التَّصَرُّفِ الرَّدِيءِ وَالْجَوْرِ وَالظُّلْمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّهِ عَقْلًا وَسَمْعًا، وَمَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ صَحِيحٌ إنْ كَانَ مَا بَنَى عَلَيْهِ كَلَامَهُ صَحِيحًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ كَلَامُهُ مُلَخَّصًا. قُلْتُ: وَمُرَادُهُ بِمَا بَنَى عَلَيْهِ كَلَامَهُ قَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ الْكُلُّ سِحْرٌ يَلْزَمُهُ أَنَّ سُورَةَ الْفَاتِحَةِ سِحْرٌ وَقَدْ عَلِمْت مِمَّا مَرَّ عَنْهُ أَنَّ هَذَا اللُّزُومَ وَنَحْوَهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إذْ لَا يَمْتَنِعُ عَقْلًا جَعْلُ نَوْعٍ مِنْ الرُّقَى سِحْرًا دُونَ مَا عَدَاهُ بَلْ سَيُصَرِّحُ الْأَصْلُ بِالْفَرْقِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا بِذَلِكَ فَافْهَمْ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 941
اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُؤْكَلْ صَيْدُهُ، وَالْبَعِيرُ الشَّارِدُ يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصَّيْدِ عَلَى أَصْلِهِمْ، وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَائِرٌ فَقَعَدَ الطَّائِرُ سَاعَةً ثُمَّ طَارَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ طَارَ بِاخْتِيَارِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْآدَمِيِّ لَوْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ لَمْ يُضْمَنْ بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ فَيَلْزَمُهُمْ أَنَّهُ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَتْ فِيهَا بَهِيمَةٌ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَرْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْهُ، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَتَبْطُلُ بِالْعَبْدِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ تَتَعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِلدَّابَّةِ فِي الضَّمَانِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْهَدَرَ يَقْتَضِي عَدَمَ الضَّمَانِ مُطْلَقًا.
(مَسْأَلَةٌ) إنْ أُرْسِلَتْ الْمَاشِيَةُ بِالنَّهَارِ لِلرَّعْيِ أَوْ انْفَلَتَتْ فَأَتْلَفَتْ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهَا فَلَمْ يَمْنَعْهَا ضَمِنَ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ﵄، وَإِنْ انْفَلَتَتْ بِاللَّيْلِ، وَأَرْسَلَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَنْعِهَا ضَمِنَ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ فِي الزَّرْعِ وَفِي غَيْرِ الزَّرْعِ اخْتِلَافٌ عِنْدَهُمْ وَقَالُوا يَضْمَنُ أَرْبَابُ الْقِطَطِ الْمُعْتَادَةِ لِلْفَسَادِ لَيْلًا أَفْسَدَتْ أَوْ نَهَارًا، وَإِنْ خَرَجَ الْكَلْبُ مِنْ دَارِهِ فَجَرَحَ ضَمِنَ أَوْ الدَّاخِلُ بِإِذْنٍ فَوَجْهَانِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَرْسَلَ الطَّيْرَ فَالْتَقَطَتْ حَبَّ الْغَيْرِ لَمْ يَضْمَنْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: ﵀ لَا ضَمَانَ فِي الزَّرْعِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا.
لَنَا وُجُوهٌ الْأَوَّلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الْآيَةَ، وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ دَاوُد ﵇ قَضَى بِتَسْلِيمِ الْغَنَمِ لِأَرْبَابِ الزَّرْعِ قُبَالَةَ زَرْعِهِ وَقَضَى سُلَيْمَانُ ﵇ بِدَفْعِهَا لَهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَخَرَاجِهَا حَتَّى يَخْلُفَ الزَّرْعُ وَيَنْبُتَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ سِحْرٌ يَكْفُرُ بِهِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ]
الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ سِحْرٌ يَكْفُرُ بِهِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ قَاعِدَةُ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ) :
وَهُوَ أَنَّ أَنْوَاعَ السِّحْرِ أَرْبَعَةٌ: (الْأَوَّلُ) السِّيمْيَاءُ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا يُرَكَّبُ مِنْ خَوَاصَّ أَرْضِيَّةٍ كَدُهْنٍ خَاصٍّ أَوْ مَائِعَاتٍ خَاصَّةٍ أَوْ كَلِمَاتٍ خَاصَّةٍ تُوجِبُ تَخَيُّلَاتٍ خَاصَّةً، وَإِدْرَاكَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ أَوْ بَعْضِهَا لِحَقَائِقَ خَاصَّةٍ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَشْمُومَاتِ وَالْمُبْصَرَاتِ وَالْمَلْمُوسَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ وَقَدْ يَكُونُ لِذَلِكَ وُجُودٌ حَقِيقِيٌّ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى تِلْكَ الْأَعْيَانِ عِنْدَ تِلْكَ الْمُحَاوَلَاتِ وَقَدْ لَا تَكُونُ لَهُ حَقِيقَةٌ بَلْ تَخَيُّلٌ صِرْفٍ، وَقَدْ يَسْتَوْلِي ذَلِكَ عَلَى الْأَوْهَامِ حَتَّى يَتَخَيَّلَ الْوَهْمُ مُضِيَّ السِّنِينَ الْمُتَدَاوَلَةِ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ وَتَكَرُّرَ الْفُصُولِ وَتَخَيُّلَ السِّنِّ وَحُدُوثَ الْأَوْلَادِ وَانْقِضَاءَ الْأَعْمَارِ فِي الْوَقْتِ الْمُتَقَارِبِ مِنْ السَّاعَةِ وَنَحْوِهَا وَيَسْلُبُ الْفِكْرَ الصَّحِيحَ بِالْكُلِّيَّةِ وَتَصِيرُ أَحْوَالُ الْإِنْسَانِ مَعَ تِلْكَ الْمُحَاوَلَاتِ كَحَالَاتِ النَّائِمِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَنْ عُمِلَ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعْمَلْ لَهُ فَلَا يَجِدُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ فِي شَرْحِ رُشْدِ الْغَافِلِ: وَهَذَا تَخْيِيلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ بِخِلَافِ مَا يَقَعُ لِبَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فَإِنَّ لَهُ حَقِيقَةً خَرْقًا لِلْعَادَةِ فَقَدْ خَرَجَ بَعْضُهُمْ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَارْتَفَعَ لِأَرْضٍ أُخْرَى سَكَنَ بِهَا وَتَزَوَّجَ وَحَصَلَتْ لَهُ عِدَّةُ أَوْلَادٍ فِي عِدَّةِ بُطُونٍ مِنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ قُدِّرَ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى ذَلِكَ الْبَلَدِ فَوَجَدَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ فِي تِلْكَ الْجُمُعَةِ بِعَيْنِهَا، وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ عَشْرَ خِتْمَاتٍ فِي شَوْطٍ وَاحِدٍ مِنْ الطَّوَافِ قِرَاءَةً مُرَتَّلَةً، وَالطَّائِفُ يَسْمَعُ ذَلِكَ، وَالشَّوْطُ الْوَاحِدُ قَدْرُ مَا يُقْرَأُ فِيهِ ثُمُنُ حِزْبٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يُطَوِّلُ الزَّمَانَ لِبَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ اهـ بِلَفْظِهِ.
(النَّوْعُ الثَّانِي) الْهِيمْيَاءُ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَمَّا تَقَدَّمَ مُضَافًا لِلْآثَارِ السَّمَاوِيَّةِ مِنْ الِاتِّصَالَاتِ الْفَلَكِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَحْوَالِ الْأَفْلَاكِ فَيَحْدُثُ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فَخَصَّصُوا هَذَا النَّوْعَ بِهَذَا الِاسْمِ تَمْيِيزًا بَيْنَ الْحَقَائِقِ.
(النَّوْعُ الثَّالِثُ) بَعْضُ خَوَاصِّ الْحَقَائِقِ أَيْ الذَّوَاتِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَالنَّبَاتَاتِ وَغَيْرِهِمَا الْمُغَيِّرَةِ لِأَحْوَالِ النُّفُوسِ كَأَخْذِ سَبْعَةِ أَحْجَارٍ فَيُرْجَمُ بِهَا نَوْعٌ مِنْ الْكِلَابِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعَضَّ مَا يُرْمَى بِهِ مِنْ الْأَحْجَارِ فَإِذَا عَضَّهَا كُلَّهَا لُقِطَتْ وَطُرِحَتْ فِي مَاءٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ ظَهَرَتْ فِيهِ آثَارٌ عَجِيبَةٌ خَاصَّةٌ نَصَّ عَلَيْهَا السَّحَرَةُ وَكَجَمْعِ مُشْطِ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، وَمُشَاطَةٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الشِّينِ أَيْ مَا سَقَطَ مِنْ الشَّعْرِ أَوْ الْكَتَّانِ عِنْدَ الْمَشْطِ وَوِعَاءِ طَلْعِ الذَّكَرِ مِنْ النَّخْلِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْعَقَاقِيرِ وَجَعْلِهَا فِي الْأَنْهَارِ وَالْآبَارِ أَوْ زِيرِ الْمَاءِ أَوْ فِي قُبُورِ الْمَوْتَى أَوْ فِي بَابٍ يُفْتَحُ إلَى الْمَشْرِقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْآثَارَ تَحْدُثُ عِنْدَ تِلْكَ الْأُمُورِ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ الَّتِي طَبَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْآثَارِ عِنْدَ صِدْقِ الْعَزْمِ.
(النَّوْعُ الرَّابِعُ) مَا يُحْدِثُ ضَرَرًا مِمَّا لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ مِنْ نَحْوِ رُقَى الْجَاهِلِيَّةِ وَالْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ بَلْ رُبَّمَا كَانَ كُفْرًا فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الرُّقَى يُقَالُ لَهُ السِّحْرُ، وَلَا يُقَالُ عَلَيْهِ لَفْظُ الرُّقَى فَمَتَى وَقَعَتْ أَنْوَاعُ السِّحْرِ الْمَذْكُورَةِ بِمَا هُوَ كُفْرٌ مِنْ أَحَدِ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ.
(الْأَوَّلُ) اعْتِقَادٌ كَاعْتِقَادِ انْفِرَادِ الْكَوَاكِبِ أَوْ بَعْضِهَا بِالرُّبُوبِيَّةِ فَيَقُومُ السَّاحِرُ إذَا أَرَادَ سِحْرَ سُلْطَانٍ لِبُرْجِ الْأَسَدِ قَائِلًا خَاضِعًا مُتَقَرِّبًا لَهُ وَيُنَادِيهِ يَا سَيِّدَاهُ يَا عَظِيمَاهُ أَنْتَ الَّذِي إلَيْك تَدِينُ الْمُلُوكُ وَالْجَبَابِرَةُ وَالْأُسُودُ أَسْأَلُك أَنْ تُذَلِّلَ لِي قَلْبَ فُلَانٍ الْجَبَّارِ.
(وَالثَّانِي) لَفْظٌ كَالسَّبِّ الْمُتَعَلِّقِ بِمَنْ سَبُّهُ كُفْرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ.
(وَالثَّالِثُ) فِعْلٌ كَإِهَانَةِ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعْظِيمَهُ مِنْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَغَيْرِهِ كَانَ ذَلِكَ السِّحْرُ كُفْرًا لَا مِرْيَةَ فِيهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِاعْتِقَادٍ هُوَ كُفْرٌ أَوْ
стр. 942
زَرْعُ الْآخَرِ وَالنَّفْشُ رَعْيُ اللَّيْلِ وَالْهَمْلُ رَعْيُ النَّهَارِ بِلَا رَاعٍ. الثَّانِي أَنَّهُ فَرَّطَ فَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا. الثَّالِثِ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ دُونَ اللَّيْلِ وَقَدْ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي قَوْلِكُمْ إنْ رَمَتْ الدَّابَّةُ حَصَاةً كَبِيرَةً أَصَابَتْ إنْسَانًا ضَمِنَ الرَّاكِبُ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْهَا وَالتَّحَفُّظُ مِنْ الْكَبِيرَةِ بِالتَّنَكُّبِ عَنْهُ وَقُلْتُمْ يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِيَدِهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَدُّهَا بِلِجَامِهَا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ بِرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا. احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ: الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵇ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» الثَّانِي الْقِيَاسُ عَلَى النَّهَارِ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْفَرْقِ بِالْحِرَاسَةِ بِالنَّهَارِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَفِظَ مَالَهُ فَأَتْلَفَهُ إنْسَانٌ أَوْ أَهْمَلَهُ فَأَتْلَفَهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ. الثَّالِثِ: الْقِيَاسُ عَلَى جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ وَجِنَايَةُ مَالِهِ عَلَيْهِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِ وَعَكْسُهُ جِنَايَةُ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجُرْحَ عِنْدَنَا جُبَارٌ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِ الْجُرْحِ وَاتَّفَقْنَا عَلَى تَضْمِينِ السَّائِقِ وَالرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْفَرْقَ الْمُتَقَدِّمَ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ أَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ بِسَبَبِ الْمَالِكِ هَاهُنَا فَهُوَ كَمَنْ تَرَكَ غُلَامَهُ يَصُولُ فَيَقْتُلُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّهُ قِيَاسٌ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ بِاللَّيْلِ مُفَرِّطٌ بِالنَّهَارِ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ، وَالْجَوَابُ عَنْ تِلْكَ النُّقُوضِ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ، وَهَاهُنَا أَمْكَنَ التَّضْمِينُ.
(سُؤَالٌ) قَوْله تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] يَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَهُ كَانَ أَقْرَبَ لِلصَّوَابِ مَعَ أَنَّ حُكْمَ دَاوُد ﵇ لَوْ وَقَعَ فِي شَرْعِنَا أَمْضَيْنَاهُ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الزَّرْعِ يَجُوزُ أَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِلَفْظٍ هُوَ كُفْرٌ أَوْ بِمَا هُوَ كُفْرٌ بِالْفِعْلِ كَإِلْقَاءِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ، وَلَوْ حَرْفًا بِقَدَرٍ، قَالَهُ سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ فِي شَرْحِ رُشْدِ الْغَافِلِ، وَمَتَى وَقَعَتْ الْأَنْوَاعُ الْمَذْكُورَةُ بِشَيْءٍ مُبَاحٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ السِّحْرُ كُفْرًا بَلْ إمَّا مُحَرَّمٌ إنْ كَانَ لَا يَرُوجُ ذَلِكَ الْمُبَاحُ إلَّا بِنَحْوِ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ.
وَإِمَّا مُبَاحٌ إنْ رَاجَ بِدُونِ ذَلِكَ نَعَمْ، وَيَكُونُ كُفْرًا مِنْ جِهَةٍ خَارِجَةٍ كَقَصْدِ إضْرَارِهِ ﷺ كَمَا فِي شَرْحِ سَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ عَلَى رُشْدِ الْغَافِلِ نَقْلًا عَنْ ابْن زِكْرِيٍّ فِي شَرْحِ النَّصِيحَةِ وَالْمُبَاحُ إمَّا فِعْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي وَضْعِ الْأَحْجَارِ فِي الْمَاءِ فَإِنَّهَا مُبَاحَةٌ، وَإِمَّا قَوْلٌ مَعَ قُوَّةِ نَفْسٍ كَقَوْلِ مَنْ يَسْحَرُ الْحَيَّاتِ الْعِظَامَ مِنْ السَّحَرَةِ: مُوسَى بِعَصَاهُ مُحَمَّدٌ بِفُرْقَانِهِ يَا مُعَلِّمَ الصِّغَارِ عَلِّمْنِي كَيْفَ آخُذُ الْحَيَّةَ وَالْحَوِيَّةَ، وَكَانَتْ لَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ يَحْصُلُ مِنْهَا مَعَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ إقْبَالُ الْحَيَّاتِ إلَيْهِ وَتَمُوتُ بَيْنَ يَدَيْهِ سَاعَةً ثُمَّ تُفِيقُ ثُمَّ يُعَاوِدُ ذَلِكَ الْكَلَامَ فَيَعُودُ حَالُهَا كَذَلِكَ أَبَدًا فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مُبَاحَةٌ لَيْسَ فِيهَا كُفْرُ وَقُوَّةُ نَفْسِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ فَلَا يَكْفُرُ بِهَا كَمَا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْصِي بِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مِنْ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ وَتَأْثِيرِهَا فِي قَتْلِ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ بِتَصَدِّيهِ وَاكْتِسَابِهِ لِذَلِكَ بِمَا حَرَّمَ الشَّرْعُ أَذِيَّتَهُ أَوْ قَتْلَهُ أَمَّا لَوْ تَصَدَّى صَاحِبُ الْعَيْنِ لِقَتْلِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ السِّبَاعِ الْمُهْلِكَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَائِعًا لِلَّهِ تَعَالَى بِإِصَابَتِهِ بِالْعَيْنِ الَّتِي طُبِعَتْ عَلَيْهَا نَفْسُهُ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، قَالَ الْأَصْلُ: وَأَمَّا جَمْعُ مُشْطٍ، وَمُشَاقٍ وَكُوَرِ طَلْعٍ مِنْ النَّخْلِ وَجَعْلُ الْجَمِيعِ فِي بِئْرٍ لِسِحْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْبِئْرِ كَلِمَاتٌ أُخْرَى أَوْ شَيْءٌ آخَرُ فَهِيَ أَمْرٌ مُبَاحٌ إلَّا مِنْ جِهَةِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا فِي صُورَةٍ كَمَا فِي قَصْدِ إضْرَارِهِ ﷺ بِذَلِكَ.
وَقَدْ تَقْتَضِي الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ وُجُوبَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى أَوْ إنْ كَانَ مَعَ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْبِئْرِ كَلِمَاتٌ أُخْرَى أَوْ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ الظَّاهِرُ نَظَرَ فِيهِ هَلْ يَقْتَضِي كُفْرًا أَوْ هُوَ مُبَاحٌ مِثْلُهَا وَلِلسَّحَرَةِ فُصُولٌ كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِهِمْ يُقْطَعُ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَعَاصِيَ، وَلَا كُفْرًا كَمَا أَنَّ لَهُمْ مَا يُقْطَعُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ فَيَجِبُ حِينَئِذٍ التَّفْصِيلُ بِمَا حَكَاهُ الطُّرْطُوشِيُّ عَنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا أَنَّا لَا نُكَفِّرُهُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ يَكُونُ سِحْرًا مُشْتَمِلًا عَلَى كُفْرٍ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ أَمَّا الْإِطْلَاقُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يُسَمَّى سِحْرًا كُفْرٌ فَصَعْبٌ جِدًّا، وَإِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّ السَّاحِرَ كَافِرٌ
وَقَالَ الطُّرْطُوشِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: السَّاحِرُ كَافِرٌ يُقْتَلُ، وَلَا يُسْتَتَابُ سَحَرَ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا كَالزِّنْدِيقِ قَالَ مُحَمَّدٌ: إنْ أَظْهَرَهُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ قَالَ أَصْبَغُ إنْ أَظْهَرَهُ، وَلَمْ يَتُبْ فَقُتِلَ فَمَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ اسْتَتَرَ فَلِوَرَثَتِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا آمُرُهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلُوا فَهُمْ أَعْلَمُ قَالَ وَتَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ عِنْدَ مَالِكٍ كُفْرٌ قَالَ وَدَلِيلُ الْمَالِكِيَّةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ بِتَعَلُّمِهِ ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا مِمَّنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِ الْأَجْسَامِ.
وَالْجَزْمُ بِذَلِكَ كُفْرٌ أَوْ نَقُولُ هُوَ عَلَامَةُ الْكُفْرِ بِإِخْبَارِ الشَّرْعِ فَلَوْ قَالَ الشَّارِعُ مَنْ دَخَلَ مَوْضِعَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ اعْتَقَدْنَا كُفْرَ الدَّاخِلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الدُّخُولُ كُفْرًا وَإِنْ أَخْبَرَنَا هُوَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ لَمْ نُصَدِّقْهُ قَالَ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ أَصْحَابِنَا إنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ أَيْ دَلِيلُ الْكُفْرِ لَا أَنَّهُ كُفْرٌ فِي نَفْسِهِ كَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالتَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ فِي أَعْيَادِ النَّصَارَى فَنَحْكُمُ بِكُفْرِ فَاعِلِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأُمُورُ كُفْرًا لَا سِيَّمَا وَتَعَلُّمُهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ كَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الزَّمْرَ أَوْ ضَرْبَ الْعُودِ، وَالسِّحْرُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِالْكُفْرِ كَقِيَامِهِ إذَا أَرَادَ سِحْرَ سُلْطَانٍ لِبُرْجِ الْأَسَدِ قَائِلًا خَاضِعًا مُتَقَرِّبًا لَهُ وَيُنَادِيهِ يَا سَيِّدَاهُ يَا عَظِيمَاهُ أَنْتَ الَّذِي إلَيْك تَدِينُ الْمُلُوكُ وَالْجَبَابِرَةُ وَالْأُسُودُ أَسْأَلُك أَنْ تُذَلِّلَ
стр. 943
يُؤْخَذَ فِيهَا غَنَمٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا مُفْلِسٌ مَثَلًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَأَمَّا حُكْمُ سُلَيْمَانَ ﵇ لَوْ وَقَعَ فِي شَرْعِنَا مِنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ مَا أَمْضَيْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ إيجَابٌ لِقِيمَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ صَاحِبَ الْحَرْثِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِيَمِ الْحُلُولُ إذَا وَجَبَتْ فِي الْإِتْلَافَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ إحَالَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ لَا يَجُوزُ بَيْعًا، وَمَا لَا يُبَاعُ لَا يُعَارَضُ بِهِ فِي الْقِيَمِ فَيَلْزَمُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُنَا أَتَمَّ فِي الْمَصَالِحِ، وَأَكْمَلَ الشَّرَائِعِ أَوْ يَكُونَ دَاوُد ﵇ فَهِمَ دُونَ سُلَيْمَانَ ﵇ وَظَاهِرُ الْآيَةِ خِلَافُهُ وَهُوَ مَوْضِعٌ مُشْكِلٌ يَحْتَاجُ لِلْكَشْفِ وَالنَّظَرِ حَتَّى يُفْهَمَ الْمَعْنَى فِيهِ. وَوَجْهُ الْجَوَابِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا سُلَيْمَانُ ﵇ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَتَمَّ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِأَنْ تَكُونَ مَصْلَحَةُ زَمَانِهِمْ كَانَتْ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَخْرُجَ عَيْنُ مَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ يَدِهِ إمَّا لِقِلَّةِ الْأَعْيَانِ وَإِمَّا لِعَدَمِ ضَرَرِ الْحَاجَةِ أَوْ لِعِظَمِ الزَّكَاةِ لِلْفُقَرَاءِ بِأَنْ تُقَدَّمَ لِلنَّارِ الَّتِي تَأْكُلُ الْقُرْبَانَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَتَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الْأُخْرَى بِاعْتِبَارِ زَمَانِنَا أَتَمَّ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ كَمَا أَنَّ النَّسْخَ حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ فِي الْأَزْمِنَةِ فَقَاعِدَةُ النَّسْخِ تَشْهَدُ لِهَذَا الْجَوَابِ.
(سُؤَالٌ) فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ هَاهُنَا الْعِلْمُ فَمَا فَائِدَةُ ذِكْرِهِ، وَالتَّمَدُّحُ بِهِ هَاهُنَا بَعِيدٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمْتَدِحُ بِالْعِلْمِ الْجُزْئِيِّ، وَلَيْسَ السِّيَاقُ سِيَاقَ تَهْدِيدٍ أَوْ تَرْغِيبٍ حَتَّى يَكُونَ الْمُرَادُ الْمُكَافَأَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] وَنَحْوِهِ جَوَابُهُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ إنَّمَا وَرَدَتْ لِتَقْرِيرِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لِي قَلْبَ فُلَانٍ الْجَبَّارِ اهـ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْمُشْكِلِينَ أَنَّ مِنْ أَقْسَامِ السِّحْرِ فِعْلَ مَا يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمِنْهُ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَيُسَمَّى التُّوَلَةَ، وَكِلَاهُمَا كُفْرٌ وَالْكُلُّ حَرَامٌ كُفْرٌ قَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ السِّحْرُ مَعْصِيَةٌ إنْ قَتَلَ بِهِ السَّاحِرُ قُتِلَ، وَإِنْ أَضَرَّ بِهِ أُدِّبَ عَلَى قَدْرِ الضَّرَرِ، وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ. (أَحَدِهِمَا) أَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ السِّحْرَ، وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُنْسَبُ إلَيْهِ فِيهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ.
(وَالثَّانِي) أَنَّ اللَّهَ صَرَّحَ فِي كِتَابِهِ بِأَنَّهُ كُفْرٌ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ مِنْ السِّحْرِ ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ بِقَوْلِ السِّحْرِ ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ بِهِ وَبِتَعْلِيمِهِ وَهَارُوتُ وَمَارُوتَ يَقُولَانِ ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْبَيَانِ اهـ.
وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَسْأَلَةَ إطْلَاقِ أَنَّ كُلَّ مَا يُسَمَّى سِحْرًا كُفْرٌ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ عَلَى أُصُولِنَا فَإِنَّ السَّحَرَةَ يَعْتَمِدُونَ أَشْيَاءَ تَأْبَى قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَكْفِيرَهُمْ بِهَا كَفِعْلِ الْحِجَارَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَكَذَلِكَ يَجْمَعُونَ عَقَاقِيرَ وَيَجْعَلُونَهَا فِي الْأَنْهَارِ أَوْ الْآبَارِ أَوْ زِيرِ الْمَاءِ أَوْ قُبُورِ الْمَوْتَى أَوْ فِي بَابٍ يُفْتَحُ إلَى الْمَشْرِقِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْبِقَاعِ وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْآثَارَ تَحْدُثُ عِنْدَ تِلْكَ الْأُمُورِ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ الَّتِي طَبَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ تِلْكَ الْآثَارِ عِنْدَ صِدْقِ الْعَزْمِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا يُمْكِنُنَا تَكْفِيرُهُمْ بِجَمْعِ الْعَقَاقِيرِ، وَلَا بِوَضْعِهَا فِي الْآبَارِ، وَلَا بِاعْتِقَادِهِمْ حُصُولَ تِلْكَ الْآثَارِ عَنْ ذَلِكَ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُمْ جَرَّبُوا ذَلِكَ فَوَجَدُوهُ لَا يَنْخَرِمُ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِ خَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ فَصَارَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ كَاعْتِقَادِ الْأَطِبَّاءِ حُصُولَ الْآثَارِ عِنْدَ شُرْبِ الْعَقَاقِيرِ لِخَوَاصِّ طَبَائِعَ تِلْكَ الْعَقَاقِيرِ، وَخَوَاصُّ النُّفُوسِ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِمْ، وَلَا كُفْرَ بِغَيْرِ مُكْتَسِبٍ، وَأَمَّا اعْتِقَادُهُمْ أَنَّ الْكَوَاكِبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِهَا، وَإِنَّمَا جَاءَتْ الْآثَارُ مِنْ خَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ الَّتِي رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا تِلْكَ الْآثَارِ عِنْدَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ فِي الْكَوَاكِبِ خَطَأً كَمَا إذَا اعْتَقَدَ طَبِيبٌ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْدَعَ فِي الصَّبْرِ وَالسَّقَمُونْيَا عَقْلَ الْبَطْنِ وَقَطْعَ الْإِسْهَالِ فَإِنَّهُ خَطَأٌ، وَأَمَّا تَكْفِيرُهُ بِذَلِكَ فَلَا.
وَإِنْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْكَوَاكِبَ وَالشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهَا لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ قَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي اسْتِقْلَالِ الْحَيَوَانَاتِ بِقُدْرَتِهَا دُونَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَمَا لَا تُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلَةَ بِذَلِكَ لَا نُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ وَتَفْرِيقُ بَعْضِهِمْ بِأَنَّ الْكَوَاكِبَ مَظِنَّةُ الْعِبَادَةِ فَإِنْ انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ اعْتِقَادُ الْقُدْرَةِ وَالتَّأْثِيرِ كَانَ كُفْرًا مَدْفُوعٌ بِأَنَّ تَأْثِيرَ الْحَيَوَانِ فِي الْقَتْلِ وَالضَّرِّ وَالنَّفْعِ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ مُشَاهَدٌ مِنْ السِّبَاعِ وَالْآدَمِيِّينَ وَغَيْرِ هَذَا.
وَأَمَّا كَوْنُ الْمُشْتَرَى أَوْ زُحَلَ يُوجِبُ شَقَاوَةً أَوْ سَعَادَةً فَإِنَّمَا هُوَ حَزْرٌ وَتَخْمِينٌ مِنْ الْمُنَجِّمِينَ لَا صِحَّةَ لَهُ وَقَدْ عُبِدَتْ الْبَقَرُ وَالشَّجَرُ وَالْحِجَارَةُ وَالثَّعَابِينُ فَصَارَتْ هَذَا الشَّائِبَةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْكَوَاكِبِ وَغَيْرِهَا فَهُوَ مَوْضِعُ نَظَرٍ وَاَلَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّهُ كُفْرٌ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّهَا مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الصَّابِئَةِ وَهُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ لَا سِيَّمَا إنْ صَرَّحَ بِنَفْيِ مَا عَدَاهَا.
وَبِهَذَا الْبَحْثِ يَظْهَرُ ضَعْفُ قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ لَهُ مَا يَشَاءُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ تَخَيُّلٌ وَتَمْوِيهٌ لَمْ يَكْفُرْ بَلْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُفَصِّلُوا فِي هَذَا الْإِطْلَاقَ فَإِنَّ
стр. 944
فِي صَدْرِ السُّورَةِ حِكَايَةً عَنْ الْكُفَّارِ ﴿هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فَبَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْقِصَصِ لِيُبَيِّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَيْسَ بِدُعَاءٍ مِنْ الرُّسُلِ، وَأَنَّهُ يُفَضِّلُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْبَشَرِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ حُكْمِهِ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ غَفْلَةً بَلْ عَنْ عِلْمٍ وَلِذَلِكَ فَهْمُ سُلَيْمَانَ دُونَ دَاوُد ﵉ لَمْ يَكُنْ عَنْ غَفْلَةٍ بَلْ نَحْنُ عَالِمُونَ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى ضَبْطِ التَّصَرُّفِ، وَإِحْكَامِهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا يَقُولُ الْمَلِكُ الْعَظِيمُ أَعْرَضْتُ عَنْ زَيْدٍ، وَأَنَا عَالِمٌ بِحُضُورِهِ، وَلَيْسَ مَقْصُودُهُ التَّمَدُّحَ بِالْعِلْمِ بَلْ بِإِحْكَامِ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا خَرَجَ عَنْ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا بَقِيَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْقِصَاصَ أَصْلُهُ مِنْ الْقَصِّ الَّذِي هُوَ الْمُسَاوَاةُ؛ لِأَنَّ مَنْ قَصَّ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ بَقِيَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ شَرْطٌ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَ إلَى تَعْطِيلِ الْقِصَاصِ قَطْعًا أَوْ غَالِبًا، وَلَهُ مُثُلٌ أَحَدُهَا التَّسَاوِي فِي أَجْزَاءِ الْأَعْضَاءِ وَسُمْكِ اللَّحْمِ فِي الْجَانِي لَوْ اُشْتُرِطَ لَمَا حَصَلَ إلَّا نَادِرًا بِخِلَافِ الْجِرَاحَاتِ فِي الْجَسَدِ وَثَانِيهِمَا التَّسَاوِي فِي مَنَافِعِ الْأَعْضَاءِ وَثَالِثُهَا الْعُقُولُ وَرَابِعُهَا الْحَوَاسُّ وَخَامِسُهَا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَقَطْعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ لَوْ اُشْتُرِطَتْ الْوَاحِدَةُ لِتَسَاوِي الْأَعْدَادِ بِبَعْضِهِمْ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ، السَّادِسُ الْحَيَاةُ الْيَسِيرَةُ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ مَعَ الشَّابِّ، وَمَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ عَلَى الْخِلَافِ، السَّابِعُ تَفَاوُتُ الصَّنَائِعِ وَالْمَهَارَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَصْنَعُ لِسُلَيْمَانَ ﵇ مَا يَأْمُرُهَا بِهِ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ اعْتَقَدَ السَّاحِرُ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَهُ الشَّيَاطِينَ بِسَبَبِ عَقَاقِيرِهِ مَعَ خَوَاصِّ نَفْسِهِ ضَعُفَ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ الْأَصْحَابِ إنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَمُشْكِلٌ؛ لِأَنَّا نَتَكَلَّمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِاعْتِبَارِ الْفُتْيَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ حَالَ الْإِنْسَانِ فِي تَصْدِيقِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ بَعْدَ عَمَلِ هَذِهِ الْعَقَاقِيرِ كَحَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَالشَّرْعُ لَا يُخْبِرُ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ، وَإِنْ أَرَادُوا الْخَاتِمَةَ فَمُشْكِلٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّا لَا نُكَفِّرُ فِي الْحَالِ بِكُفْرٍ وَاقِعٍ فِي الْمَآلِ كَمَا أَنَّا لَا نَجْعَلُ مَنْ يَعْبُدُ الْأَصْنَامَ الْآنَ مُؤْمِنًا فِي الْحَالِ بِإِيمَانٍ وَاقِعٍ فِي الْمَآلِ بَلْ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ تَتْبَعُ أَسْبَابَهَا وَتَحَقُّقَهَا لَا تَوَقُّعَهَا وَإِنْ قَطَعْنَا بِوُقُوعِهَا كَمَا أَنَّا نَقْطَعُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَلَا تَتَرَتَّبُ مُسَبَّبَاتُهَا قَبْلَهَا، وَأَمَّا قَوْلُ أَصْحَابِنَا فِي التَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا قَضَيْنَا بِكُفْرِهِ فِي الْقَضَاءِ دُونَ الْفُتْيَا، وَقَدْ يَكُونُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مُؤْمِنًا، وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ إنَّ تَعَلُّمَهُ وَتَعْلِيمَهُ كُفْرٌ فَفِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ فَقَدْ قَالَ الطُّرْطُوشِيُّ وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّهُ إذَا وَقَفَ لِبُرْجِ الْأَسَدِ، وَحَكَى الْقَضِيَّةَ إلَى آخِرِهَا فَإِنَّ هَذَا سِحْرٌ فَقَدْ تَصَوَّرَهُ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ سِحْرٌ فَهَذَا هُوَ تَعَلُّمُهُ فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ شَيْئًا لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ التَّعَلُّمُ إلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ كَضَرْبِ الْعُودِ بَلْ كُتُبُ السِّحْرِ مَمْلُوءَةٌ مِنْ تَعْلِيمِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ بَلْ هُوَ كَتَعَلُّمِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَكْفُرُ بِهِ الْإِنْسَانُ كَمَا تَقُولُ إنَّ النَّصَارَى يَعْتَقِدُونَ فِي عِيسَى ﵇ كَذَا وَالصَّابِئَةَ مُعْتَقِدُونَ فِي النُّجُومِ كَذَا وَنَتَعَلَّمُ مَذَاهِبَهُمْ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ حَتَّى نَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَهُوَ قُرْبَةٌ لَا كُفْرٌ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إنْ كَانَ تَعَلَّمَ السِّحْرَ لِيُفَرِّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ كَانَ ذَلِكَ قُرْبَةً وَكَذَلِكَ نَقُولُ إذَا عَمِلَ السَّحَرُ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ لِيُفَرِّقَ بِهِ بَيْنَ الْمُجْتَمِعِينَ عَلَى الزِّنَا أَوْ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِالْبَغْضَاءِ وَالشَّحْنَاءِ أَوْ لِيَقْتُلَ جَيْشُ الْكُفْرِ مَلِكَهُمْ بِهِ أَوْ لِيُوقِعَ بِهِ الْمَحَبَّةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَوْ بَيْنَ جَيْشِ الْإِسْلَامِ، وَمَلِكِهِمْ فَهَذَا كُلُّهُ قُرْبَةٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَبَاحِثَ كُلَّهَا فَالْمَوْضِعُ مُشْكِلٌ جِدًّا.
وَأَمَّا قَوْلُ الطُّرْطُوشِيِّ إذَا قَالَ صَاحِبُ الشَّرْعِ مَنْ دَخَلَ الدَّارَ فَهُوَ كَافِرٌ قَضَيْنَا بِكُفْرِهِ عِنْدَ دُخُولِ الدَّارِ فَهُوَ فَرْضٌ مُحَالٌ إذْ لَا يُخْبِرُ صَاحِبُ الشَّرْعِ عَنْ إنْسَانٍ بِالْكُفْرِ إلَّا إذَا كَفَرَ وَقَوْلُهُمْ هُوَ دَلِيلُ الْكُفْرِ مَمْنُوعٌ وَقَوْلُهُمْ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ مُسَلَّمٌ إذْ لَا مُحَالَ فِي حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى مَا هُوَ كُفْرٌ إنَّمَا الْمُحَالُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَدْخُلُ التَّخْصِيصُ فِي عُمُومِهَا بِالْقَوَاعِدِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْعُمُومَاتِ، وَهُوَ مَا نَقُولُ أَوْ لَا يَدْخُلُ كَمَا يَقُولُونَ فَيَلْزَمُ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِ سَبَبِ الْكُفْرِ وَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَلَا شَاهِدَ لَهُ فِي الِاعْتِبَارِ، وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ أَوْ تَعَلُّمَهُ لَا يَكُونُ بِالْكُفْرِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] خَبَرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] وَنَحْنُ نَمْنَعُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ بَلْ هُوَ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِ السِّحْرِ سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ لَكِنْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ السِّحْرَ كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْكُفْرِ، وَكَانَتْ الشَّيَاطِينُ تَعْتَقِدُ مُوجِبَ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ كَالنَّصْرَانِيِّ إذَا عَلَّمَ الْمُسْلِمَ دِينَهُ فَإِنَّهُ يَعْتَقِدُ مُوجِبَهُ، وَأَمَّا الْأُصُولِيُّ إذَا عَلَّمَ تِلْمِيذَهُ الْمُسْلِمَ دِينَ النَّصْرَانِيِّ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ وَيَتَأَمَّلَ فَسَادَ قَوَاعِدِهِ فَلَا يَكْفُرُ الْمُعَلِّمُ، وَلَا الْمُتَعَلِّمُ، وَهَذَا التَّقْيِيدُ عَلَى وَفْقِ الْقَوَاعِدِ، وَأَمَّا جَعْلُ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ مُطْلَقًا كُفْرًا فَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَى غَوْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، هَذَا
стр. 945
فِيهَا.
وَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) : قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ إذَا قَتَلُوهُ عَمْدًا وَتَعَاوَنُوا عَلَى قَتْلِهِ بِالْحِرَابَةِ أَوْ غَيْرِهَا حَتَّى يُقْتَلَ عِنْدَنَا النَّاظُورُ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمَشْهُورُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ وَعَنْ أَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَالصَّحَابَةِ أَنَّ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ أَنَّهُ يُقْتَلُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَعَلَى الْبَاقِي حِصَصُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُكَافِئٌ لَهُ فَلَا يَسْتَوِي إبْدَالٌ فِي مُبْدَلٍ مِنْهُ وَاحِدٌ كَمَا لَا تَجِبُ دِيَاتٌ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ؛ وَلِأَنَّ تَفَاوُتَ الْأَوْصَافِ يُمْنَعُ كَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ لَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ وَقَتَلَ عَلِيٌّ ثَلَاثَةً وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ وَلِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَتُفَارِقُ الدِّيَةَ فَإِنَّهَا تَتَبَعَّضُ دُونَ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَوْ أَسْقَطَتْ الْقِصَاصَ كَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلْقَتْلِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) وَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ لَنَا مَا فِي الْبُخَارِيِّ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وَهَذَا قُتِلَ مَظْلُومًا فَيَكُونُ لِوَلِيِّهِ سُلْطَانٌ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَسَائِرُ الْعُمُومَاتِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ وَمَا بَعْدَهُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْعُمُومَاتِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) خَالَفَنَا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي قَتْلِ الْمُمْسِكِ وَقَالَا يُقْتَلُ الْقَاتِلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
خُلَاصَةُ كَلَامِ الْأَصْلِ.
وَفِي التَّبْصِرَةِ قَالَ ابْنُ الْغَرْسِ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْمَرْأَةِ تُقِرُّ أَنَّهَا عَقَدَتْ زَوْجَهَا عَنْ نَفْسِهَا أَوْ عَنْ غَيْرِهَا مِنْ النِّسَاءِ أَنَّهَا تُقْتَلُ، وَلَا تُنَكَّلُ قَالَ، وَلَوْ سَحَرَ نَفْسَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِذَلِكَ يُؤْخَذُ مِنْهُ مَعَ قَوْلِ مَالِكٍ فِيمَنْ يَعْقِدُ الرِّجَالَ عَنْ النِّسَاءِ يُعَاقَبُ، وَلَا يُقْتَلُ اهـ أَنْ لَيْسَ كُلُّ سِحْرٍ كُفْرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ
بِتَصَرُّفٍ وَأَيَّدَ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ إبْقَاءَ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] عَلَى عُمُومِهَا، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ ﴿كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] وَتَسْوِيغُ الطُّرْطُوشِيِّ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْكُفْرِ بِوُجُوهٍ.
(الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) أَنَّ قَاعِدَةَ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرًا أَيْ أَمْرٍ كَانَ لَيْسَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَلِيَّةِ بَلْ هُوَ مِنْ الْأُمُورِ الْوَضْعِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِذَا قَالَ الشَّارِعُ فِي أَمْرٍ مَا هُوَ كُفْرٌ فَهُوَ كَذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ إنْشَاءً أَمْ إخْبَارًا يَقْتَضِي صِحَّةَ قَوْلِ الطُّرْطُوشِيِّ إنَّ الشَّارِعَ لَوْ قَالَ مَنْ دَخَلَ مَوْضِعَ كَذَا فَهُوَ كَافِرٌ اعْتَقَدْنَا كُفْرَ الدَّاخِلِ، وَأَنَّ الدُّخُولَ كُفْرٌ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْقَوْلُ إنْشَاءَ شَرِيعَةٍ أَوْ إخْبَارًا عَنْ إنْشَاءِ شَرْعٍ لَا إخْبَارًا عَنْ كُفْرِ مَنْ لَمْ يَكْفُرْ حَتَّى يَكُونَ مُحَالٌ، وَصِحَّةُ قَوْلِهِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْأَصْحَابِ أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ أَيْ دَلِيلُ الْكُفْرِ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ تَكُنْ هَذِهِ الْأُمُورُ كُفْرًا فَهِيَ كَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَالتَّرَدُّدِ إلَى الْكَنَائِسِ.
(الْوَجْهِ الثَّانِي) أَنَّ اسْتِدْلَالَ الْمَالِكِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ بِتَعْلِيمِهِ ظَاهِرٌ وَاضِحٌ لِتَعَذُّرِ حَمْلِ قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] عَلَى الْكُفْرِ بِغَيْرِ التَّعْلِيمِ لِعَدَمِ الْتِئَامٍ. قَوْلِهِ ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] مَعَ مَا قَبْلَهُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ الْكُفْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ غَيْرُ التَّعَلُّمِ فَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَبِهَذِهِ الْقَرِينَةِ نَصٌّ فِي أَنَّ التَّعَلُّمَ هُوَ الْكُفْرُ، وَلَكِنْ يَبْقَى فِي ذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ إخْبَارٌ عَنْ وَاقِعٍ قَبْلَنَا وَخِطَابٌ عَنْ غَيْرِنَا فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ فِي الْمَذْهَبِ.
(الْوَجْهِ الثَّالِثِ) أَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] لَا يَلِيقُ بِفَصَاحَةِ الشَّارِعِ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِمْ بَعْدَ تَقَرُّرِ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِ السِّحْرِ بَلْ اللَّائِقُ بِهَا أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ كُفْرًا، وَلَا نُسَلِّمُ بِغَيْرِ حَمْلِهِ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ السِّحْرُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْكُفْرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيمُهُ وَتَعَلُّمُهُ كُفْرًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا مَعْدِلَ عَنْهُ.
(الْوَجْهِ الرَّابِعِ) أَنَّ تَعَلُّمَ السِّحْرِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا لِيَعْرِفَ حَقِيقَتَهُ خَاصَّةً إمَّا لِتَجَنُّبٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَهَذَا لَيْسَ بِكُفْرٍ وَثَانِيهِمَا أَنْ يَتَعَلَّمَهُ قَاصِدًا بِتَعَلُّمِهِ تَحْصِيلَ أَثَرِهِ مَتَى احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي اقْتَضَى ظَاهِرُ الْكِتَابِ أَنَّهُ كُفْرٌ وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُ الشِّهَابِ لَا يُمْكِنُ التَّكْفِيرُ بِجَمْعِ الْعَقَاقِيرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ صَحِيحٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ الْجَمْعُ وَسَائِرُ تِلْكَ الْأَفْعَالِ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِهَا اجْتِلَابُ الْآثَارِ الْمَطْلُوبَةِ مِنْ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ مَقْصُودًا بِهَا ذَلِكَ فَهُوَ السِّحْرُ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ بِنَفْسِهِ لِتَضَمُّنِهِ اعْتِقَادَ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ دَلِيلَ الْكُفْرِ عَلَى مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ وَقَوْلُ الطُّرْطُوشِيِّ لَا سِيَّمَا وَتَعَلُّمُهُ لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِمُبَاشَرَتِهِ إلَى قَوْلِهِ أَنْ تُذَلِّلَ لِي قَلْبَ فُلَانٍ الْجَبَّارِ، يَعْنِي أَنَّ تَعَلُّمَهُ لِتَحْصِيلِ ثَمَرَتِهِ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاطِ أَهْلِ السِّحْرِ ذَلِكَ بَلْ الْجَزْمُ بِحُصُولِ الْأَثَرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ وَقَوْلُهُ وَاحْتَجُّوا إلَى قَوْلِهِ لَمْ يَأْثَمْ الْمَالِكِيَّةُ تَقُولُ بِمُوجِبِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مَقْصُودُ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ تَعَلُّمُ الْكُفْرِ لَا لِنَفْسِهِ بَلْ لِتَصْحِيحٍ يَقْتَضِيهِ وَقَوْلُ الشِّهَابِ إنَّ مَنْ قَالَ التَّعْلِيمُ وَالتَّعَلُّمُ مُطْلَقًا كُفْرٌ فَهُوَ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ
стр. 946
وَحْدَهُ. لَنَا الْعُمُومَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَقَوْلُ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَقِيَاسًا عَلَى الْمُمْسِكِ لِلصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ وَعَلَى الْمُكْرَهِ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَيْنِ وَقَاعِدَةِ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْ الْجَسَدِ فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَالْأُذُنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا) . أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ سَمْعُ أَحَدِ أُذُنَيْهِ بِضَرْبَةِ رَجُلٍ ثُمَّ أَذْهَبَ سَمْعَ الْأُخْرَى فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَوَافَقَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ نِصْفُ الدِّيَةِ. لَنَا وُجُوهٌ (الْأَوَّلُ) أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ قَضَوْا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. (الثَّانِي) أَنَّ الْعَيْنَ الذَّاهِبَةَ يَرْجِعُ ضَوْءُهَا لِلْبَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ مَجْرَاهَا فِي النُّورِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِبْصَارُ وَاحِدٌ كَمَا شَهِدَ بِهِ عِلْمُ التَّشْرِيحِ وَلِذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ إذَا غَمَّضَ إحْدَى عَيْنَيْهِ اتَّسَعَ ثُقْبُ الْأُخْرَى بِسَبَبِ مَا انْدَفَعَ لَهَا مِنْ الْأُخْرَى وَقَوِيَ إبْصَارُهَا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي إحْدَى الْأُذُنَيْنِ إذَا سُدَّتْ الْأُخْرَى أَوْ إحْدَى الْيَدَيْنِ إذَا ذَهَبَتْ الْأُخْرَى أَوْ قُطِعَتْ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ إلَّا الْعَيْنَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اتِّحَادِ الْمَجْرَى فَكَانَتْ الْعَيْنُ الْبَاقِيَةُ فِي مَعْنَى الْعَيْنَيْنِ فَوَجَبَ فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ» الثَّانِي قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةٌ إلَّا إذَا قَلَعَ عَيْنَيْنِ وَهَذَا لَمْ يَقْلَعْ عَيْنَيْنِ. الثَّالِثِ أَنَّ مَا ضُمِنَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَمَعَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
صَحِيحٌ أَيْضًا كَقَوْلِهِ إنَّ مُعَلِّمَ الْكُفْرِ، وَمُتَعَلِّمَهُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ لَيْسَ بِكَافِرٍ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرًا أَمْرٌ وَضْعِيٌّ شَرْعِيٌّ وَثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَأَنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ شَرْطِ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَعْمَلَ سِحْرًا وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِحُّ إيمَانُهُ إمَّا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إنْ كَانَ السِّحْرُ بِنَفْسِهِ كُفْرًا، وَإِمَّا ظَاهِرًا فَقَطْ إنْ كَانَ عَلَامَةُ الْكُفْرِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَسَقَطَ قَوْلُ الشِّهَابِ فِي تَوْجِيهِ الْإِشْكَالِ: لِأَنَّا نَعْلَمُ إلَى قَوْلِهِ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ. قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ مَا قَالُوهُ مِنْ رَبْطِ اللَّهِ تِلْكَ الْآثَارِ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ عِنْدَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْكَوَاكِبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَقَوْلُ الشِّهَابِ، وَإِنْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْكَوَاكِبَ وَالشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهَا لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى قَوْلِهِ فَكَمَا لَا نُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلَةَ بِذَلِكَ لَا نُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَفْعَلُ بِقُدْرَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهَا فَذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَفْعَلُ بِقُدْرَتِهَا مُبَاشَرَةً مَعَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهَا فَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ قَالَ: وَقَوْلُهُ وَتَفْرِيقُ بَعْضِهِمْ إلَى قَوْلِهِ كَانَ كُفْرًا إنْ كَانَ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِ أَنَّ الْكَوَاكِبَ مُسْتَغْنِيَةٌ بِقُدْرَتِهَا عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ، وَلَيْسَ تَأْثِيرُ الْحَيَوَانِ بِمُشَاهَدٍ، وَإِنَّمَا الْمُشَاهَدُ التَّأَثُّرُ لَا غَيْرُ قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ، نَظَرٌ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ عَمَلَ السِّحْرِ الْمَقْصُودِ بِهِ تَحْصِيلُ أَثَرِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ كُفْرًا أَوْ دَلِيلُ الْكُفْرِ بِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ كَمَا سَبَقَ وَتَوَهُّمُ كَوْنِهِ إذَا كَانَ أَثَرُهُ أَمْرًا مُبَاحًا التَّلَبُّسَ بِهِ فِي الشَّرْعِ كَانَ عَمَلُهُ مُبَاحًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ هَذَا مَا رَدَّهُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَصَحَّحَهُ قُلْتُ فَتَحَصَّلَ أَنَّ أَقْوَالَ أَصْحَابِنَا فِي السِّحْرِ ثَلَاثَةٌ. (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ كُفْرٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَعَلَيْهِمَا فَيُقْتَلُ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُبَاشِرٍ عَمَلَهُ وَلَكِنْ ذَهَبَ إلَى مَنْ يَعْمَلُهُ لَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُؤَدَّبُ أَدَبًا شَدِيدًا كَمَا فِي التَّبْصِرَةِ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ كُفْرٌ إنْ كَانَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ وَغَيْرُ كُفْرٍ إنْ كَانَ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ وَهُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ الْأَصْلُ، وَفِي تَعْلِيمِهِ وَتَعَلُّمِهِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُمَا كُفْرٌ إنْ كَانَا بِقَصْدِ تَحْصِيلِ أَثَرِهِ مَتَى احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَهُوَ مَا أَيَّدَهُ ابْنُ الشَّاطِّ الثَّانِي أَنَّهُمَا كُفْرٌ إنْ كَانَا بِمُبَاشَرَةِ مَا هُوَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونَانِ قُرْبَةً وَهُوَ مَا أَيَّدَهُ الْأَصْلُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ تَعْلِيمَهُ وَتَعَلُّمَهُ مُطْلَقًا كُفْرٌ فَقَدْ عَلِمْتَ اتِّفَاقَ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَيَنْبَنِي الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي السِّحْرِ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي التَّبْصِرَةِ عَنْ ابْنِ الْغَرْسِ مِنْ قَوْلِهِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ السَّاحِرُ حَلَّ السِّحْرِ عَنْ الْمَسْحُورِ أَمْ لَا فَكَرِهَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ سِحْرٍ وَقَالَ لَا يَعْمَلُ ذَلِكَ إلَّا سَاحِرٌ، وَلَا يَجُوزُ إتْيَانُ السَّاحِرِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ أَتَى إلَى كَاهِنٍ أَوْ سَاحِرٍ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ نَوْعًا مِنْ الْعِلَاجِ فَيُخَصِّصُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا مَا حَكَاهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْغَرْسِ وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ السِّحْرُ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ نَفْسَيْنِ كَالْمَرْأَةِ تَبْغِي إصْلَاحَ زَوْجِهَا وَاسْتِئْلَافَهُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ فَإِنَّمَا يُرَادُ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ لَهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ اهـ. فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَيَّدَهُ الْأَصْلُ فَافْهَمْ.
٢ -
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ قَالَ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى حَلِّ الْمَرْبُوطِ وَالْمَسْحُورِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ مِنْ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْوَرَعِ الدُّخُولُ فِيهِ وَنُسِبَ نَقْلُ ذَلِكَ إلَى الِاسْتِغْنَاءِ لِابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ. اهـ بِلَفْظِهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السِّحْرَ مِنْ جِهَةِ الْخِلَافِ
стр. 947
نَظِيرُهُ ضُمِنَ بِنِصْفِهَا مُنْفَرِدًا كَالْأُذُنِ وَالْيَدِ. الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِ النُّورِ الْبَاصِرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ نِصْفُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَيْنِ غَيْرِ الْعَوْرَاءِ لِأَنَّهُمَا عُمُومَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْأَحْوَالِ فَيُقَيَّدَانِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَعَنْ الثَّالِثِ الْفَرْقُ بِانْتِقَالِ قُوَّةِ الْعَيْنِ الْأُولَى بِخِلَافِ الْأُذُنِ وَالْيَدِ، وَلَوْ انْتَقَلَ الْتَزَمْنَاهُ وَعَنْ الرَّابِعِ لَا يَلْزَمُ إطْرَاحُ الْأَوَّلِ إذْ لَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَاحْوَلَّتَا أَوْ عَمَشَتَا أَوْ نَقَصَ ضَوْءُهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ لِمَا نَقَصَ، وَلَا تَنْقُصُ الدِّيَةُ عَمَّنْ جَنَى ثَانِيًا عَلَى قَوْلٍ عِنْدَنَا، وَهَذَا السُّوَالُ قَوِيٌّ عَلَيْنَا، وَكَانَ يَلْزَمُنَا أَنْ نَقْلَعَ بِعَيْنَيْهِ عَيْنَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ الْجَانِي.
(تَفْرِيعٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ فِيهَا أَلْفٌ وَإِنْ أَخَذَ فِي الْأُولَى دِيَتَهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُسْأَلُ عَنْ السَّمْعِ فَإِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ فَكَالْعَيْنَيْنِ، وَإِلَّا فَكَالْيَدِ، وَإِنْ أُصِيبَ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ بَصَرِهَا ثُمَّ أُصِيبَ بَاقِيهِمَا فِي ضَرْبَةٍ فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ بِهِمَا نِصْفَ نَظَرِهِمَا فَإِنْ أُصِيبَ بَاقِي إحْدَاهُمَا فَرُبُعُ الدِّيَةِ فَإِنْ أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأُخْرَى فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ مَقَامَ نِصْفِ جَمِيعِ بَصَرِهِ فَإِنْ أَخَذَ صَحِيحٌ نِصْفَ دِيَةِ أَحَدِهِمَا ثُمَّ أُصِيبَ بِنِصْفِ الصَّحِيحَةِ فَثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مِنْ جَمِيعِ بَقِيَّةِ بَصَرِهِ ثُلُثَهُ وَإِنْ أُصِيبَ بِبَقِيَّةِ الْمُصَابَةِ فَقَطْ فَرُبُعُ الدِّيَةِ فَإِنْ ذَهَبَ بَاقِيهَا وَالصَّحِيحَةُ بِضَرْبَةٍ فَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ أَوْ الصَّحِيحَةُ وَحْدَهَا فَثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا ثُلُثَا بَصَرِهِ فَإِنْ أُصِيبَ بَقِيَّةُ الْمُصَابَةِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ بِخِلَافِ لَوْ أُصِيبَتْ وَالصَّحِيحَةُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ يَلْتَبِسُ بِالْمُعْجِزَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَأَنَّهُ يَلْتَبِسُ بِتِسْعِ حَقَائِقَ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ الَّتِي جَمَعَهَا سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ فِي نَظْمِهِ رُشْدِ الْغَافِلِ وَشَرْحِهَا وَهِيَ أَنْوَاعُهُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالْخَوَاصُّ الْمَنْسُوبَةُ لِلنُّفُوسِ وَالطَّلْسَمَاتِ وَالْأَوْفَاقِ وَالْعَزَائِمِ وَالِاسْتِخْدَامَات يَفْتَقِرُ إلَى تَوْضِيحِ جِهَاتِهِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي ثَلَاثِ مَقَاصِدَ.
(الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ) الْقَدَرِيَّةُ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ.
(الْجِهَةِ الْأُولَى) قَالَ الْأَصْلُ: اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي السِّحْرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ إلَّا رُقًى أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى عَادَتَهُ أَنْ يَخْلُقَ عِنْدَهَا افْتِرَاقَ الْمُتَحَابِّينَ اهـ.
يُرِيدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْآخَرُ إنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِالرُّقَى الْمَذْكُورَةِ كَذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِهَا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا حَكَاهُ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ فِي تَعْلِيقِهِ مِنْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ قَطَعَ أُذُنًا ثُمَّ أَلْصَقَهَا أَوْ أَدْخَلَ السَّكَاكِينَ فِي بَطْنِهِ فَقَدْ يَكُونُ هَذَا سِحْرًا، وَقَدْ لَا يَكُونُ سِحْرًا اهـ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَلَامُ الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ كَلَامٌ إلَخْ إلَّا أَنَّهُ خَصَّهُ بِالرُّقَى الْمُكَفِّرَةِ فَافْهَمْ.
(الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ) هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الْمَسْحُورِ فَيَمُوتُ أَوْ يَتَغَيَّرُ طَبْعُهُ وَعَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَثِّرَ إنْ وَصَلَ إلَى بَدَنِهِ كَالدُّخَانِ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَانِ.
(الْجِهَةِ الثَّالِثَةِ) هَلْ يَقَعُ فِيهِ مَا لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ كَأَنْ يَصِلَ إلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَإِنْطَاقِ الْبَهَائِمِ وَقَلْبِ الْجَمَادِ حَيَوَانًا وَعَكْسِهِ كَمَا يَقَعُ فِيهِ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ أَوْ لَا يَقَعُ فِيهِ إلَّا مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ قَوْلَانِ الثَّانِي لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي قَالَ: وَلَا يَقَعُ فِيهِ إلَّا مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَإِنْطَاقِ الْبَهَائِمِ، وَمِنْهُمْ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ وَقَدْ يَقَعُ التَّغْيِيرُ بِهِ وَالضَّنِي، وَرُبَّمَا أَتْلَفَ، وَأَوْجَبَ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ وَالْبَلَهَ وَفِيهِ أَدْوِيَةٌ مِثْلُ الْمَرَائِرِ وَالْأَكْبَادِ وَالْأَدْمِغَةِ فَهَذَا الَّذِي يَجُوزُ عَادَةً، وَأَمَّا طُلُوعُ الزَّرْعِ فِي الْحَالِ أَوْ نَقْلُ الْأَمْتِعَةِ وَالْقَتْلُ عَلَى الْفَوْرِ وَالْعَمَى وَالصَّمَمُ وَنَحْوُهُ وَعِلْمَ الْغَيْبِ فَمُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا لَمْ يَأْمَنْ أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الْعَدَاوَةِ وَقَدْ وَقَعَ الْقَتْلُ وَالْعِنَادُ مِنْ السَّحَرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهَا أَحَدٌ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَقَدْ وَصَلَ الْقِبْطُ فِيهِ إلَى الْغَايَةِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ مِنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَالتَّغَيُّبِ وَالْهُرُوبِ عِنْدَ قَطْعِ فِرْعَوْنَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ.
وَمِنْهُمْ الْعَلْقَمِيُّ قَالَ كَمَا فِي الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ لِبَعْضِ أَسْبَابِ السِّحْرِ تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوبِ كَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَفِي الْبَدَنِ بِالْأَلَمِ وَالسَّقَمِ، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ أَنَّ الْجَمَادَ يَنْقَلِبُ حَيَوَانًا وَعَكْسَهُ بِسِحْرِ السَّاحِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وَحَكَى ابْنُ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَائِنَا جَوَّزُوا أَنْ يَسْتَدِقَّ جِسْمُ السَّاحِرِ حَتَّى يَلِجَ فِي الْكَوَّةِ وَيَجْرِيَ عَلَى خَيْطٍ مُسْتَدَقٍّ وَيَطِيرَ فِي الْهَوَاءِ وَيَقْتُلَ غَيْرَهُ.
(وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ) أَيَّدَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ، وَمَا هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَائِزَةِ عَقْلًا فَلَا غَرْوَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَانِعٌ سَمْعِيٌّ مِنْ وُقُوعِ بَعْضِ تِلْكَ الْجَائِزَاتِ. قَالَ: وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَإِنْطَاقِ الْبَهَائِمِ الَّذِي حَكَاهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ إلَّا التَّوْقِيفُ، وَلَا أَعْرِفُ الْآنَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ، وَلَا التَّوْقِيفَ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ اهـ.
وَقَالَ الْأَصْلُ: وَوُصُولُهُ إلَى الْقَتْلِ وَتَغْيِيرِ الْخَلْقِ وَنَقْلِ الْإِنْسَانِ إلَى صُورَةِ الْبَهَائِمِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْقِبْطُ
стр. 948
بَاقِيَةٌ قَالَهُ أَشْهَبُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ فِيمَا يُصَابُ مِنْ الصَّحِيحَةِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْأُولَى شَيْءٌ إلَّا مِنْ حِسَابِ نِصْفِ الدِّيَةِ.
(الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَأَجْزَاءِ أَسْبَابِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ غَرِيبٌ عَجِيبٌ نَادِرٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُتُبَ الْفَرَائِضِ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا رَأَيْت لَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ اثْنَانِ فِي أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ نَسَبٌ وَوَلَاءٌ وَنِكَاحٌ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّلَاثَةِ إمَّا الْأَسْبَابُ التَّامَّةُ، وَإِمَّا أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ، وَالْكُلُّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْقَرَابَةَ، وَالْأُمُّ لَمْ تَرِثْ الثُّلُثَ فِي حَالَةٍ وَالسُّدُسَ فِي أُخْرَى بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لِلِابْنِ أَوْ الْبِنْتِ لِوُجُودِ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فِيهِمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَأَجْزَاءِ أَسْبَابِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ غَرِيبٌ عَجِيبٌ نَادِرٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُتُبَ الْفَرَائِضِ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا رَأَيْت لَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ اثْنَانِ فِي أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ نَسَبٌ وَوَلَاءٌ وَنِكَاحٌ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّلَاثَةِ إمَّا الْأَسْبَابُ التَّامَّةُ، أَوْ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ وَالْكُلُّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْقَرَابَةَ، وَالْأُمُّ لَمْ تَرِثْ الثُّلُثَ فِي حَالَةٍ، وَالسُّدُسَ فِي أُخْرَى بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لِلِابْنِ أَوْ الْبِنْتِ لِوُجُودِ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فِيهِمَا قُلْت: هَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِغَرِيبٍ، وَلَا عَجِيبٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي أَيَّامِ مَلِكَةِ مِصْرَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ الْمُسَمَّاةِ بِدَلُوكَا وَضَعُوا السِّحْرَ فِي الْبَرَايَا، وَصَوَّرُوا فِيهِ عَسَاكِرَ الدُّنْيَا فَأَيُّ عَسْكَرٍ قَصَدَهُمْ، وَأَيُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ مِنْ قَلْعِ الْأَعْيُنِ أَوْ ضَرْبِ الرِّقَابِ تَخَيَّلَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَوْ رِجَالُهُ أَنَّهُ وَقَعَ بِذَلِكَ الْعَسْكَرِ فِي مَوْضِعِهِ فَتُحَاشِيهِمْ الْعَسَاكِرُ فَأَقَامُوا سِتَّمِائَةِ سَنَةً، وَالنِّسَاءُ هُنَّ الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ بِمِصْرَ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَجُيُوشِهِ كَمَا حَكَاهُ الْمُؤَرِّخُونَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ فَمِنْ وُجُوهٍ. (الْأَوَّلِ) أَنَّهُمْ تَابُوا فَمَنَعَتْهُمْ التَّوْبَةُ وَالْإِسْلَامُ الْعَوْدَةَ إلَى مُعَاوَدَةِ الْكُفْرِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ تِلْكَ الْآثَارُ وَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ قَالُوا ﴿لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] .
(الثَّانِي) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ وَصَلُوا لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مَنْ يَقْدِرُ مِنْ السَّحَرَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى قَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً لِأَجْلِ مُوسَى ﵇.
(الثَّالِثِ) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قَدْ عَلَّمَهُ بَعْضُ السَّحَرَةِ حُجُبًا وَمَوَانِعَ يُبْطِلُ بِهَا سِحْرَ السَّحَرَةِ اعْتِنَاءً بِهِ وَالْحُجُبُ وَالْمُبْطِلَاتُ فِيهِ مُشْتَهِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِهِ قَالَ وَدَلِيلُ أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْإِجْمَاعُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، وَمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ لَا يُعَلَّمُ، وَلَا يَلْزَمُ صُدُورُ الْكُفْرِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُ قُرِئَ الْمَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ هُمَا مَلَكَانِ، وَأَذِنَ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ السِّحْرَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ تَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ صَعِدَا إلَى السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُمَا ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ لَا تَسْتَعْمِلْهُ عَلَى وَجْهِ الْكُفْرِ كَمَا يُقَالُ خُذْ الْمَالَ، وَلَا تَفْسُقْ بِهِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ مَا يَصْلُحُ لِلْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ سُحِرَ فَكَانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ، وَلَا يَأْتِيهِنَّ» الْحَدِيثَ وَقَدْ سَحَرَتْ عَائِشَةَ ﵂ جَارِيَةٌ اشْتَرَتْهَا وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ سَحَرَتْهَا وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ كَمَا فِي التَّبْصِرَةِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ كَانَ السِّحْرُ وَخَبَرُهُ مَعْلُومًا لِلصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَكَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ قَبْلَ ظُهُورِ الْقَدَرِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ عَقِبَ كَلَامٍ مَخْصُوصٍ أَوْ أَدْوِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ احْتَجُّوا بِهِمَا. (فَالْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَهُوَ تَخَيُّلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ السِّحْرَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْهَضْ بِالْخَيَالِ إلَى السَّعْيِ وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ كُلَّ سِحْرٍ يَنْهَضُ إلَى كُلِّ الْمَقَاصِدِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ لَأَمْكَنَ السَّاحِرُ أَنْ يَدَّعِيَ بِهِ النُّبُوَّةَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْخَوَارِقِ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ إضْلَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْخَلْقِ مُمْكِنٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِضَبْطِ مَصَالِحِهِمْ فَمَا يَسَّرَ ذَلِكَ عَلَى السَّاحِرِ وَكَمْ مِنْ مُمْكِنٍ يَمْنَعُهُ اللَّهُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْعَالَمِ؛ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْحِكَمِ مَعَ أَنَّنَا سَنُبَيِّنُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَرْقَ بَيْنَ السِّحْرِ وَالْمُعْجِزَاتِ مِنْ وُجُوهٍ فَلَا يَحْصُلُ اللَّبْسُ وَالضَّلَالُ. اهـ بِزِيَادَةٍ مَا.
الْمَقْصِدُ الثَّانِي) السِّحْرُ عَلَى الْجُمْلَةِ نَوْعَانِ الْأَوَّلُ مَا هُوَ غَيْرُ خَارِقٍ لِلْعَوَائِدِ وَالثَّانِي مَا هُوَ خَارِقٌ لِلْعَوَائِدِ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَالنَّوْعُ الثَّانِي هُوَ مَا عَرَّفَهُ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ هُوَ مُزَاوَلَةُ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ لِأَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أُمُورٌ خَارِقَةٌ اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مُزَاوَلَةُ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ الْخَطِيبِ فِي كِتَابِهِ الْمُلَخَّصِ السِّحْر وَالْعَيْنِ لَا يَكُونَانِ مِنْ فَاضِلٍ، وَلَا يَقَعَانِ وَلَا يَصِحَّانِ مِنْهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السِّحْرِ الْجَزْمَ بِصُدُورِ الْأَثَرِ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ مِنْ شَرْطِهَا الْجَزْمُ وَالْفَاضِلُ الْمُتَبَحِّرُ فِي الْعُلُومِ يَرَى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تُوجَدَ، وَأَنْ لَا تُوجَدَ فَلَا يَصِحُّ لِفَاضِلٍ أَصْلًا
стр. 949
بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا أُمًّا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ الْبِنْتُ تَرِثُ النِّصْفَ لَيْسَ بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَثَبَتَ ذَلِكَ لِلْجَدِّ أَوْ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فَحِينَئِذٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ سَبَبٌ تَامٌّ يَخُصُّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جُزْأَيْنِ مِنْ خُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا أَوْ غَيْرَهُ وَعُمُومُ الْقَرَابَةِ وَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ لَيْسَ لِمُطْلَقِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
كَمَا زَعَمَ وَمَا تَوَهَّمَهُ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي كَلَامِ الْفَرْضِيِّينَ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا تَعْبِيرُهُمْ عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، وَثَانِيهِمَا: التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ فَمَنْ عَبَّرَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ لَمْ يُرِدْ كُلَّ نَسَبٍ، وَلَا كُلَّ نِكَاحٍ، وَلَا كُلَّ وَلَاءٍ بَلْ أَرَادَ نَسَبًا خَاصًّا وَوَلَاءً خَاصًّا وَنِكَاحًا خَاصًّا، وَلَا نُكْرَ فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ النَّكِرَةِ عَنْ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَلَيْهِ صَادِقٌ وَلَهُ صَالِحٌ، وَمَنْ عَبَّرَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ لَمْ يُرِدْ أَيْضًا كُلَّ نَسَبٍ، وَلَا كُلَّ نِكَاحٍ، وَلَا كُلَّ وَلَاءٍ بَلْ أَرَادَ مَا أَرَادَهُ الْأَوَّلُ، وَأَحَالَ الْأَوَّلَ فِي تَقْيِيدِ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ عَلَى تَعْيِينِ أَصْنَافِ الْوَارِثِينَ وَالْوَارِثَاتِ، وَأَحَالَ الثَّانِيَ فِي بَيَانِ الْمَعْهُودِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى مَا أَحَالَهُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ (بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا أُمًّا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ الْبِنْتُ تَرِثُ النِّصْفَ لَيْسَ بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَثَبَتَ ذَلِكَ لِلْجَدِّ أَوْ لِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فَحِينَئِذٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ سَبَبٌ تَامٌّ يَخُصُّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جُزْأَيْنِ مِنْ خُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا أَوْ غَيْرَهُ، وَعُمُومِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ لَيْسَ لِمُطْلَقِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ فَرْطِ التَّعْظِيمِ لِلْمَرْئِيِّ، وَالنَّفْسُ الْفَاضِلَةُ لَا تَصِلُ فِي تَعْظِيمِ مَا تَرَاهُ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ السِّحْرُ إلَّا مِنْ الْعَجَائِزِ وَالتُّرْكُمَانِ أَوْ السُّودَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النُّفُوسِ الْجَاهِلَةِ. اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ الْفَخْرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاخْتِبَارِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ مِنْ سَقَمِهِ، قَالَ وَقَوْلُ الشِّهَابِ فِي الْفَرْقِ الْوَاقِعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ فِي النُّبُوَّاتِ وَبَيْنَ السِّحْرِ وَأَنْوَاعِهِ وَالطَّلْسَمَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَقَائِقِ وَنَحْوِهَا أَنَّ الْمُعْجِزَةَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْعَالَمِ عِنْدَ تَحَدِّي الْأَنْبِيَاءِ بِلَا سَبَبٍ فِي الْعَادَةِ أَصْلًا كَفَلْقِ الْبَحْرِ وَسَيْرِ الْجِبَالِ فِي الْهَوَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ فِي الْعَالَمِ عَقَارًا يَفْلِقُ الْبَحْرَ أَوْ يُسَيِّرُ الْجِبَالَ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا السِّحْرُ، وَأَنْوَاعُهُ وَالطَّلْسَمَاتُ وَنَحْوُهَا فَهِيَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْعَالَمِ بِأَسْبَابٍ فِي الْعَادَةِ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ لَمْ تَحْصُلْ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بَلْ لِقَلِيلٍ مِنْهُمْ فَهِيَ كَالْعَقَاقِيرِ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْهَا الْكِيمْيَاءُ أَيْ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ أَعْلَى مِنْهَا كَتَصْيِيرِ النُّحَاسِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً إلَّا أَنَّهُمَا دُونَ الْخِلْقَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَعَمْ مَا كَانَ فِيهِ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ يَكُونُ ذَهَبُهُ وَفِضَّتُهُ جَيِّدًا كَالْخِلْقَةِ، وَقَدْ رُئِيَ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ فِي تَرِكَةِ أَيْرَمَ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ وَتَرِكَةِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ عَمَلِ الْكِيمْيَاءِ إذَا كَانَ الْمَعْمُولُ بِهَا لَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ كَمَا فِي شَرْحِ رُشْدِ الْغَافِلِ لِلْعَلَوِيِّ، وَالْحَشَائِشُ الَّتِي يُعْمَلُ مِنْهَا النِّفْطُ الَّذِي يَحْرِقُ الْحُصُونَ وَالصُّخُورَ، وَالدُّهْنُ الَّذِي مَنْ ادَّهَنَ بِهِ لَمْ يَقْطَعْ فِيهِ حَدِيدٌ وَكَالسَّمَنْدَلِ الْحَيَوَانُ الَّذِي لَا تَعْدُو عَلَيْهِ النَّارُ، وَلَا يَأْوِي إلَّا فِيهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْغَرِيبَةِ قَلِيلَةُ الْوُقُوعِ فِي الْعَالَمِ، وَإِذَا وُجِدَتْ أَسْبَابُهَا وُجِدَتْ عَلَى الْعَادَةِ فِيهَا فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ بَلْ هِيَ عَادَةٌ جَرَتْ مِنْ اللَّهِ بِتَرْتِيبِ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا. اهـ. مَعَ زِيَادَةٍ إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَحْدُثُ عَنْ السِّحْرِ فَهُوَ مُعْتَادٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ خَارِقٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَشْعَرِيَّةِ أَوْ جَمِيعَهُمْ يُجَوِّزُونَ خَرْقَ الْعَادَةِ عَلَى يَدِ السَّاحِرِ إلَّا أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِ الْوُقُوعِ فَلَا أَدْرِي مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ اهـ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ خَارِقٌ أَوْ لَا بَلْ جَمِيعُ مَا يَحْدُثُ عَنْهُ مُعْتَادٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمَارِّ فِي أَنَّهُ هَلْ يَقَعُ فِيهِ مَا لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ كَالْمَقْدُورِ لَهُمْ أَوْ لَا يَقَعُ فِيهِ إلَّا مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُمْ وَعَلَى مَا لِابْنِ الشَّاطِّ فَلَا يَصْلُحُ فَارِقًا مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرْقٌ وَاقِعٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْفَرْقَانِ الْبَاقِيَانِ فِي كَلَامِهِ اللَّذَانِ قَالَ أَنَّهُمَا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لَكِنْ لَا كَمَا قَالَ بَلْ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ.
(الْفَرْقُ الْأَوَّلُ) أَنَّ السِّحْرَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ عُمِلَ لَهُ حَتَّى أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْحِرَفِ إذَا اسْتَدْعَاهُمْ الْمُلُوكُ وَالْأَكَابِرُ لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّجِ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ أَنْ تُكْتَبَ أَسْمَاءُ كُلِّ مَنْ يَحْضُرُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ فَيَصْنَعُونَ صُنْعَهُمْ لِمَنْ يُسَمَّى لَهُمْ فَإِنْ حَضَرَ غَيْرُهُمْ لَا يَرَى شَيْئًا مِمَّا رَآهُ الَّذِينَ سُمُّوا أَوَّلًا بِخِلَافِ الْمُعْجِزَةِ فَإِنَّهَا تَظْهَرُ لِمَنْ عُمِلَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٨] أَيْ كُلِّ نَاظِرٍ يَنْظُرُ إلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ اهـ.
قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ جَرَّبَهُ وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ التَّجْرِبَةُ وَقَلَّ مَنْ يُجَرِّبُهُ اهـ. (وَالْفَرْقُ الثَّانِي) أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ الضَّرُورِيِّ الْمُحْتَفَّةِ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈ مَفْقُودَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَتَجِدُ النَّبِيَّ ﵊ أَفْضَلَ النَّاسِ نَشْأَةً، وَمَوْلِدًا، وَمَزِيَّةً وَخَلْقًا وَخُلُقًا وَصِدْقًا
стр. 950
النِّكَاحِ، وَإِلَّا لَكَانَ لِلزَّوْجَةِ النِّصْفُ لِوُجُودِ مُطْلَقِ النِّكَاحِ فِيهَا بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهِ زَوْجًا مَعَ عُمُومِ النِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فَسَبَبُهُ مُرَكَّبٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
النِّكَاحِ، وَإِلَّا لَكَانَ لِلزَّوْجَةِ النِّصْفُ لِوُجُودِ مُطْلَقِ النِّكَاحِ فِيهَا بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهِ زَوْجًا مَعَ عُمُومِ النِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فَسَبَبُهُ مُرَكَّبٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ) قُلْت: إذَا كَانَ سَبَبُ الْإِرْثِ الْخَاصُّ الْوَصْفَ الْخَاصَّ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ الْوَصْفِ الْعَامِّ مَعَهُ فَقَوْلُهُ: مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَصْفَ الْعَامَّ صَادِقٌ عَلَى الْخَاصِّ لَكِنَّهُ لَيْسَ الْعَامُّ سَبَبًا مِنْ حَيْثُ عُمُومُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ اشْتَمَلَ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْخَاصُّ سَبَبٌ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَا سَبَبُ وِرَاثَةِ الْبِنْتِ النِّصْفَ قِيلَ: كَوْنُهَا بِنْتًا، وَهُوَ جَوَابٌ مُسْتَقِيمٌ صَادِقٌ، وَإِنْ قِيلَ: كَوْنُهَا قَرِيبَةً لَمْ يَكُنْ جَوَابًا مُسْتَقِيمًا، وَلَا صَحِيحًا وَإِذَا قِيلَ: مَا سَبَبُ وِرَاثَةِ الْبِنْتِ فَقِيلَ كَوْنُهَا بِنْتًا كَانَ جَوَابًا مُسْتَقِيمًا وَصَحِيحًا أَيْضًا، وَإِنْ قِيلَ: كَوْنُهَا قَرِيبَةً لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْبِنْتِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ مِيرَاثِ الْبِنْتِ النِّصْفَ كَوْنُهَا بِنْتًا عَلَى الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ سَبَبُ مِيرَاثِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْوَارِثِينَ وَالْوَارِثَاتِ أَسْبَابُ مِيرَاثِهِمْ خَاصَّةٌ لَا عَامَّةٌ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ مَرْكَبٌ لَا مَعْنَى لَهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَى خُصُوصِ الْمِيرَاثِ كَالنِّصْفِ وَشِبْهِهِ، وَلَا عِنْدَ النَّظَرِ إلَى عُمُومِ الْمِيرَاثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعُمُومَ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ، وَلَيْسَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ سَبَبًا لِمُطْلَقِ الْمِيرَاثِ عِنْدَنَا نَعَمْ هُوَ سَبَبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَأَدَبًا، وَأَمَانَةً وَزَهَادَةً وَإِشْفَاقًا وَرِفْقًا وَبُعْدًا عَنْ الدَّنَاءَاتِ وَالْكَذِبِ وَالتَّمْوِيهِ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ثُمَّ أَصْحَابُهُ يَكُونُونَ فِي غَايَةِ الْعِلْمِ وَالنُّورِ وَالْبَرَكَةِ وَالتَّقْوَى وَالدِّيَانَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ كَانُوا بِحَارًا فِي الْعُلُومِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَالْحِسَابِيَّاتِ وَالسِّيَاسِيَّاتِ وَالْعُلُومِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَسَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَتَكَلَّمُ فِي الْبَاءِ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ الْعِشَاءِ إلَى أَنَّ طَلَعَ الْفَجْرُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَدْرُسُوا وَرَقَةً، وَلَا قَرَءُوا كِتَابًا، وَلَا تَفَرَّغُوا مِنْ الْجِهَادِ وَقَتْلِ الْأَعْدَاءِ، وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِبَرَكَتِهِ ﷺ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ إلَّا أَصْحَابُهُ لَكَفَوْهُ فِي إثْبَاتِ نُبُوَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ مِنْ فَرْطِ صِدْقِهِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ وَكَانَ يُسَمَّى فِي صِغَرِهِ الْأَمِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَلَهُ مِنْ هَذِهِ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَالْمَقَالِيَّةِ الْعَجَائِبُ وَالْغَرَائِبُ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا وَعَرَفَهَا مِنْ صَاحِبِهَا جَزَمَ بِصِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ جَزْمًا قَاطِعًا وَجَزَمَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى حَقٌّ وَلِذَلِكَ «لَمَّا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِنُبُوَّتِهِ قَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ صَدَقْتَ» مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى مُعْجِزَةٍ خَارِقَةٍ فَنَزَلَ فِيهِمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أَيْ مُحَمَّدٌ جَاءَ بِالصِّدْقِ، وَأَبُو بَكْرٍ صَدَّقَ بِهِ. وَأَمَّا السَّاحِرُ فَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا تَجِدُهُ فِي مَوْضِعٍ إلَّا مَمْقُوتًا حَقِيرًا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا نَجِدُ أَصْحَابَهُ، وَأَتْبَاعَهُ، وَأَتْبَاعَ كُلِّ مُبْطِلٍ إلَّا عَدِيمِينَ الطَّلَاوَةِ لَا بَهْجَةَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ تَنْفِرُ النُّفُوسُ مِنْهُمْ، وَلَا فِيهِمْ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ أَثَرٌ اهـ.
قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ فَكَمَا أَنَّ الِاتِّصَافَ بِالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ دُونَ الْمَذْمُومَةِ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالسَّاحِرِ كَذَلِكَ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَبَيْنَهُ ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ بِالتَّحَدِّي مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ تَحَدِّيَ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ تَحَدِّيَ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ فَيُفَرَّقُ النَّبِيُّ مِنْ الْوَلِيِّ بِالتَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ اهـ.
وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ كَمَا فِي الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْفَرْقُ أَنَّ السِّحْرَ يَكُونُ بِمُعَانَاةِ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ حَتَّى يَتِمَّ لِلسَّاحِرِ مَا يُرِيدُ، وَالْكَرَامَةُ لَا تَحْتَاجُ لِذَلِكَ بَلْ إنَّمَا تَقَعُ غَالِبًا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمُعْجِزَةُ فَتَمْتَازُ عَنْ الْكَرَامَةِ بِالتَّحَدِّي أَيْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ) السِّحْرُ لَمَّا كَانَ اسْمَ جِنْسٍ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادٍ وَلَا يَكُونُ إلَّا كُفْرًا، أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَيَكُونَانِ تَارَةً كُفْرًا وَتَارَةً غَيْرَ كُفْرٍ وَعَمَّا هُوَ خَارِقٌ لِلْعَوَائِدِ وَغَيْرُ خَارِقٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ وَكَانَتْ أَنْوَاعُهُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَالْحَقَائِقُ الْخَمْسَةُ الْأُخَرُ الَّتِي هِيَ مِنْ عُلُومِ الشَّرِّ وَهِيَ الْخَوَاصُّ الْمَنْسُوبَةُ لِلنُّفُوسِ وَالْأَوْفَاقُ وَالطَّلْسَمَاتُ وَالْعَزَائِمُ وَالِاسْتِخْدَامَات كُلُّهَا تَجْرِي مَجْرَاهُ فِيمَا ذُكِرَ تَحَقَّقَ الْتِبَاسُهُ بِهَذِهِ الْحَقَائِقِ التِّسْعِ وَافْتَقَرَتْ هَذِهِ الْحَقَائِقُ إلَى أَنْ تُمَيَّزَ عَنْهُ إمَّا بِبَيَانِ الْخُصُوصِ مُطْلَقًا وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي السِّيمِيَاءِ، وَالْهِيمْيَاءِ مِنْ أَنْوَاعِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِمَّا بِبَيَانِ الْخُصُوصِ مِنْ جِهَةٍ كَمَا فِي النَّوْعَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَالْحَقَائِقِ الْخَمْسَةِ الْأُخَرِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ يَفْتَقِرُ إلَى سَبْعَةِ وُصُولٍ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ.
(الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) الْخَوَاصُّ الْمَنْسُوبَةُ لِلْحَقَائِقِ أَيْ الذَّوَاتِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا أَسْرَارٌ عَظِيمَةٌ وَكَثِيرَةٌ أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي أَجْزَاءِ الْعَالَمِ حَتَّى لَا يَكَادَ يُعَرَّى شَيْءٌ عَنْ خَاصِّيَّتِهِ فَلَا يَدْخُلُهَا فِعْلُ الْبَشَرِ بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ كَامِلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَإِرْوَاءِ الْمَاءِ وَإِحْرَاقِ النَّارِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَجْهُولٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمِنْهَا مَا يَعْلَمُهُ الْأَفْرَادُ مِنْ النَّاسِ وَهَذِهِ إمَّا مُغَيِّرَةٌ لِأَحْوَالِ النُّفُوسِ وَهِيَ الَّتِي قَدَّمْنَا
следующие страницы →