Полный текст (1 059 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
وَحْدَهُ. لَنَا الْعُمُومَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَقَوْلُ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ وَقِيَاسًا عَلَى الْمُمْسِكِ لِلصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ وَعَلَى الْمُكْرَهِ.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَيْنِ وَقَاعِدَةِ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْ الْجَسَدِ فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ كَالْأُذُنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا) . أَنَّهُ إذَا ذَهَبَ سَمْعُ أَحَدِ أُذُنَيْهِ بِضَرْبَةِ رَجُلٍ ثُمَّ أَذْهَبَ سَمْعَ الْأُخْرَى فَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةُ كَامِلَةً وَوَافَقَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ نِصْفُ الدِّيَةِ. لَنَا وُجُوهٌ (الْأَوَّلُ) أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ قَضَوْا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا. (الثَّانِي) أَنَّ الْعَيْنَ الذَّاهِبَةَ يَرْجِعُ ضَوْءُهَا لِلْبَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ مَجْرَاهَا فِي النُّورِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِبْصَارُ وَاحِدٌ كَمَا شَهِدَ بِهِ عِلْمُ التَّشْرِيحِ وَلِذَلِكَ أَنَّ الصَّحِيحَ إذَا غَمَّضَ إحْدَى عَيْنَيْهِ اتَّسَعَ ثُقْبُ الْأُخْرَى بِسَبَبِ مَا انْدَفَعَ لَهَا مِنْ الْأُخْرَى وَقَوِيَ إبْصَارُهَا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي إحْدَى الْأُذُنَيْنِ إذَا سُدَّتْ الْأُخْرَى أَوْ إحْدَى الْيَدَيْنِ إذَا ذَهَبَتْ الْأُخْرَى أَوْ قُطِعَتْ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ إلَّا الْعَيْنَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اتِّحَادِ الْمَجْرَى فَكَانَتْ الْعَيْنُ الْبَاقِيَةُ فِي مَعْنَى الْعَيْنَيْنِ فَوَجَبَ فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ» الثَّانِي قَوْلُهُ ﵇ «فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةٌ إلَّا إذَا قَلَعَ عَيْنَيْنِ وَهَذَا لَمْ يَقْلَعْ عَيْنَيْنِ. الثَّالِثِ أَنَّ مَا ضُمِنَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَمَعَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
صَحِيحٌ أَيْضًا كَقَوْلِهِ إنَّ مُعَلِّمَ الْكُفْرِ، وَمُتَعَلِّمَهُ لِيَرُدَّ عَلَيْهِ لَيْسَ بِكَافِرٍ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَإِذَا صَحَّ أَنَّ كَوْنَ أَمْرٍ مَا كُفْرًا أَمْرٌ وَضْعِيٌّ شَرْعِيٌّ وَثَبَتَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ، وَأَنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ فَلَا إشْكَالَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ شَرْطِ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَعْمَلَ سِحْرًا وَعِنْدَ ذَلِكَ يَصِحُّ إيمَانُهُ إمَّا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا إنْ كَانَ السِّحْرُ بِنَفْسِهِ كُفْرًا، وَإِمَّا ظَاهِرًا فَقَطْ إنْ كَانَ عَلَامَةُ الْكُفْرِ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فَسَقَطَ قَوْلُ الشِّهَابِ فِي تَوْجِيهِ الْإِشْكَالِ: لِأَنَّا نَعْلَمُ إلَى قَوْلِهِ عَلَى خِلَافِ الْوَاقِعِ. قَالَ: وَلَا أَعْرِفُ مَا قَالُوهُ مِنْ رَبْطِ اللَّهِ تِلْكَ الْآثَارِ بِخَوَاصِّ نُفُوسِهِمْ عِنْدَ اعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْكَوَاكِبَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَقَوْلُ الشِّهَابِ، وَإِنْ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْكَوَاكِبَ وَالشَّيَاطِينَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقُدْرَتِهَا لَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى قَوْلِهِ فَكَمَا لَا نُكَفِّرُ الْمُعْتَزِلَةَ بِذَلِكَ لَا نُكَفِّرُ هَؤُلَاءِ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَفْعَلُ بِقُدْرَتِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهَا فَذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَفْعَلُ بِقُدْرَتِهَا مُبَاشَرَةً مَعَ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهَا فَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ قَالَ: وَقَوْلُهُ وَتَفْرِيقُ بَعْضِهِمْ إلَى قَوْلِهِ كَانَ كُفْرًا إنْ كَانَ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِ أَنَّ الْكَوَاكِبَ مُسْتَغْنِيَةٌ بِقُدْرَتِهَا عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَذَلِكَ كُفْرٌ صَرِيحٌ، وَلَيْسَ تَأْثِيرُ الْحَيَوَانِ بِمُشَاهَدٍ، وَإِنَّمَا الْمُشَاهَدُ التَّأَثُّرُ لَا غَيْرُ قَالَ: وَفِي قَوْلِهِ: وَكَذَلِكَ نَقُولُ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ، نَظَرٌ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ عَمَلَ السِّحْرِ الْمَقْصُودِ بِهِ تَحْصِيلُ أَثَرِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ كُفْرًا أَوْ دَلِيلُ الْكُفْرِ بِوَضْعِ الشَّارِعِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ كَمَا سَبَقَ وَتَوَهُّمُ كَوْنِهِ إذَا كَانَ أَثَرُهُ أَمْرًا مُبَاحًا التَّلَبُّسَ بِهِ فِي الشَّرْعِ كَانَ عَمَلُهُ مُبَاحًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ هَذَا مَا رَدَّهُ ابْنُ الشَّاطِّ مِنْ كَلَامِ الْأَصْلِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ فَصَحَّحَهُ قُلْتُ فَتَحَصَّلَ أَنَّ أَقْوَالَ أَصْحَابِنَا فِي السِّحْرِ ثَلَاثَةٌ. (الْأَوَّلُ) أَنَّهُ كُفْرٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي أَحْكَامِهِ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ عَلَامَةُ الْكُفْرِ مُطْلَقًا وَهُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَعَلَيْهِمَا فَيُقْتَلُ إذَا عَمِلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُبَاشِرٍ عَمَلَهُ وَلَكِنْ ذَهَبَ إلَى مَنْ يَعْمَلُهُ لَهُ فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ يُؤَدَّبُ أَدَبًا شَدِيدًا كَمَا فِي التَّبْصِرَةِ.
(وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ كُفْرٌ إنْ كَانَ بِمَا هُوَ كُفْرٌ وَغَيْرُ كُفْرٍ إنْ كَانَ بِأَمْرٍ مُبَاحٍ وَهُوَ الَّذِي أَيَّدَهُ الْأَصْلُ، وَفِي تَعْلِيمِهِ وَتَعَلُّمِهِ قَوْلَانِ الْأَوَّلُ أَنَّهُمَا كُفْرٌ إنْ كَانَا بِقَصْدِ تَحْصِيلِ أَثَرِهِ مَتَى احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَاصِدِ وَهُوَ مَا أَيَّدَهُ ابْنُ الشَّاطِّ الثَّانِي أَنَّهُمَا كُفْرٌ إنْ كَانَا بِمُبَاشَرَةِ مَا هُوَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونَانِ قُرْبَةً وَهُوَ مَا أَيَّدَهُ الْأَصْلُ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ تَعْلِيمَهُ وَتَعَلُّمَهُ مُطْلَقًا كُفْرٌ فَقَدْ عَلِمْتَ اتِّفَاقَ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ عَلَى أَنَّهُ خِلَافُ الْقَوَاعِدِ وَيَنْبَنِي الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي السِّحْرِ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي التَّبْصِرَةِ عَنْ ابْنِ الْغَرْسِ مِنْ قَوْلِهِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْأَلَ السَّاحِرُ حَلَّ السِّحْرِ عَنْ الْمَسْحُورِ أَمْ لَا فَكَرِهَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ سِحْرٍ وَقَالَ لَا يَعْمَلُ ذَلِكَ إلَّا سَاحِرٌ، وَلَا يَجُوزُ إتْيَانُ السَّاحِرِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَنْ أَتَى إلَى كَاهِنٍ أَوْ سَاحِرٍ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ نَوْعًا مِنْ الْعِلَاجِ فَيُخَصِّصُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا مَا حَكَاهُ فِيهَا مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْغَرْسِ وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ السِّحْرُ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ نَفْسَيْنِ كَالْمَرْأَةِ تَبْغِي إصْلَاحَ زَوْجِهَا وَاسْتِئْلَافَهُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ فَإِنَّمَا يُرَادُ مَا شَهِدَ الشَّرْعُ لَهُ بِأَنَّهُ كُفْرٌ اهـ. فَمَبْنِيٌّ عَلَى مَا أَيَّدَهُ الْأَصْلُ فَافْهَمْ.
٢ -
(مَسْأَلَةٌ) قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الطُّرَرِ لِابْنِ عَاتٍ قَالَ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى حَلِّ الْمَرْبُوطِ وَالْمَسْحُورِ وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ مِنْ الرَّجُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا تُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ، وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْوَرَعِ الدُّخُولُ فِيهِ وَنُسِبَ نَقْلُ ذَلِكَ إلَى الِاسْتِغْنَاءِ لِابْنِ عَبْدِ الْغَفُورِ. اهـ بِلَفْظِهِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ السِّحْرَ مِنْ جِهَةِ الْخِلَافِ
стр. 947
نَظِيرُهُ ضُمِنَ بِنِصْفِهَا مُنْفَرِدًا كَالْأُذُنِ وَالْيَدِ. الرَّابِعُ أَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِ النُّورِ الْبَاصِرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ نِصْفُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَيْنِ غَيْرِ الْعَوْرَاءِ لِأَنَّهُمَا عُمُومَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْأَحْوَالِ فَيُقَيَّدَانِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَعَنْ الثَّالِثِ الْفَرْقُ بِانْتِقَالِ قُوَّةِ الْعَيْنِ الْأُولَى بِخِلَافِ الْأُذُنِ وَالْيَدِ، وَلَوْ انْتَقَلَ الْتَزَمْنَاهُ وَعَنْ الرَّابِعِ لَا يَلْزَمُ إطْرَاحُ الْأَوَّلِ إذْ لَوْ جَنَى عَلَيْهِمَا فَاحْوَلَّتَا أَوْ عَمَشَتَا أَوْ نَقَصَ ضَوْءُهَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ لِمَا نَقَصَ، وَلَا تَنْقُصُ الدِّيَةُ عَمَّنْ جَنَى ثَانِيًا عَلَى قَوْلٍ عِنْدَنَا، وَهَذَا السُّوَالُ قَوِيٌّ عَلَيْنَا، وَكَانَ يَلْزَمُنَا أَنْ نَقْلَعَ بِعَيْنَيْهِ عَيْنَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ الْجَانِي.
(تَفْرِيعٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ فِيهَا أَلْفٌ وَإِنْ أَخَذَ فِي الْأُولَى دِيَتَهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُسْأَلُ عَنْ السَّمْعِ فَإِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ فَكَالْعَيْنَيْنِ، وَإِلَّا فَكَالْيَدِ، وَإِنْ أُصِيبَ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ نِصْفُ بَصَرِهَا ثُمَّ أُصِيبَ بَاقِيهِمَا فِي ضَرْبَةٍ فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ بِهِمَا نِصْفَ نَظَرِهِمَا فَإِنْ أُصِيبَ بَاقِي إحْدَاهُمَا فَرُبُعُ الدِّيَةِ فَإِنْ أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأُخْرَى فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ مَقَامَ نِصْفِ جَمِيعِ بَصَرِهِ فَإِنْ أَخَذَ صَحِيحٌ نِصْفَ دِيَةِ أَحَدِهِمَا ثُمَّ أُصِيبَ بِنِصْفِ الصَّحِيحَةِ فَثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مِنْ جَمِيعِ بَقِيَّةِ بَصَرِهِ ثُلُثَهُ وَإِنْ أُصِيبَ بِبَقِيَّةِ الْمُصَابَةِ فَقَطْ فَرُبُعُ الدِّيَةِ فَإِنْ ذَهَبَ بَاقِيهَا وَالصَّحِيحَةُ بِضَرْبَةٍ فَالدِّيَةُ كَامِلَةٌ أَوْ الصَّحِيحَةُ وَحْدَهَا فَثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا ثُلُثَا بَصَرِهِ فَإِنْ أُصِيبَ بَقِيَّةُ الْمُصَابَةِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ بِخِلَافِ لَوْ أُصِيبَتْ وَالصَّحِيحَةُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ يَلْتَبِسُ بِالْمُعْجِزَةِ وَنَحْوِهَا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَأَنَّهُ يَلْتَبِسُ بِتِسْعِ حَقَائِقَ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ الَّتِي جَمَعَهَا سَيِّدِي عَبْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ فِي نَظْمِهِ رُشْدِ الْغَافِلِ وَشَرْحِهَا وَهِيَ أَنْوَاعُهُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ وَالْخَوَاصُّ الْمَنْسُوبَةُ لِلنُّفُوسِ وَالطَّلْسَمَاتِ وَالْأَوْفَاقِ وَالْعَزَائِمِ وَالِاسْتِخْدَامَات يَفْتَقِرُ إلَى تَوْضِيحِ جِهَاتِهِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي ثَلَاثِ مَقَاصِدَ.
(الْمَقْصِدُ الْأَوَّلُ) الْقَدَرِيَّةُ عَلَى أَنَّ السِّحْرَ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لَهُ حَقِيقَةً، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ.
(الْجِهَةِ الْأُولَى) قَالَ الْأَصْلُ: اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِي السِّحْرِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَكُونُ إلَّا رُقًى أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى عَادَتَهُ أَنْ يَخْلُقَ عِنْدَهَا افْتِرَاقَ الْمُتَحَابِّينَ اهـ.
يُرِيدُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْآخَرُ إنَّهُ كَمَا يَكُونُ بِالرُّقَى الْمَذْكُورَةِ كَذَلِكَ يَكُونُ بِغَيْرِهَا وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَا حَكَاهُ عَنْ الطُّرْطُوشِيِّ فِي تَعْلِيقِهِ مِنْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إنْ قَطَعَ أُذُنًا ثُمَّ أَلْصَقَهَا أَوْ أَدْخَلَ السَّكَاكِينَ فِي بَطْنِهِ فَقَدْ يَكُونُ هَذَا سِحْرًا، وَقَدْ لَا يَكُونُ سِحْرًا اهـ. وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَلَامُ الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا مَرَّ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَنَّ حَقِيقَتَهُ أَنَّهُ كَلَامٌ إلَخْ إلَّا أَنَّهُ خَصَّهُ بِالرُّقَى الْمُكَفِّرَةِ فَافْهَمْ.
(الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ) هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الْمَسْحُورِ فَيَمُوتُ أَوْ يَتَغَيَّرُ طَبْعُهُ وَعَادَتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْهُ وَهُوَ مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَثِّرَ إنْ وَصَلَ إلَى بَدَنِهِ كَالدُّخَانِ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ قَوْلَانِ.
(الْجِهَةِ الثَّالِثَةِ) هَلْ يَقَعُ فِيهِ مَا لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ كَأَنْ يَصِلَ إلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَإِنْطَاقِ الْبَهَائِمِ وَقَلْبِ الْجَمَادِ حَيَوَانًا وَعَكْسِهِ كَمَا يَقَعُ فِيهِ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ أَوْ لَا يَقَعُ فِيهِ إلَّا مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ قَوْلَانِ الثَّانِي لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَاضِي قَالَ: وَلَا يَقَعُ فِيهِ إلَّا مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ، وَإِنْطَاقِ الْبَهَائِمِ، وَمِنْهُمْ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: قَالَ وَقَدْ يَقَعُ التَّغْيِيرُ بِهِ وَالضَّنِي، وَرُبَّمَا أَتْلَفَ، وَأَوْجَبَ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ وَالْبَلَهَ وَفِيهِ أَدْوِيَةٌ مِثْلُ الْمَرَائِرِ وَالْأَكْبَادِ وَالْأَدْمِغَةِ فَهَذَا الَّذِي يَجُوزُ عَادَةً، وَأَمَّا طُلُوعُ الزَّرْعِ فِي الْحَالِ أَوْ نَقْلُ الْأَمْتِعَةِ وَالْقَتْلُ عَلَى الْفَوْرِ وَالْعَمَى وَالصَّمَمُ وَنَحْوُهُ وَعِلْمَ الْغَيْبِ فَمُمْتَنِعٌ، وَإِلَّا لَمْ يَأْمَنْ أَحَدٌ عَلَى نَفْسِهِ عِنْدَ الْعَدَاوَةِ وَقَدْ وَقَعَ الْقَتْلُ وَالْعِنَادُ مِنْ السَّحَرَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهَا أَحَدٌ هَذَا الْمَبْلَغَ، وَقَدْ وَصَلَ الْقِبْطُ فِيهِ إلَى الْغَايَةِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ مِنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَالتَّغَيُّبِ وَالْهُرُوبِ عِنْدَ قَطْعِ فِرْعَوْنَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ.
وَمِنْهُمْ الْعَلْقَمِيُّ قَالَ كَمَا فِي الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْحَقُّ أَنَّ لِبَعْضِ أَسْبَابِ السِّحْرِ تَأْثِيرًا فِي الْقُلُوبِ كَالْحُبِّ وَالْبُغْضِ وَفِي الْبَدَنِ بِالْأَلَمِ وَالسَّقَمِ، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ أَنَّ الْجَمَادَ يَنْقَلِبُ حَيَوَانًا وَعَكْسَهُ بِسِحْرِ السَّاحِرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ. وَحَكَى ابْنُ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّ أَكْثَرَ عُلَمَائِنَا جَوَّزُوا أَنْ يَسْتَدِقَّ جِسْمُ السَّاحِرِ حَتَّى يَلِجَ فِي الْكَوَّةِ وَيَجْرِيَ عَلَى خَيْطٍ مُسْتَدَقٍّ وَيَطِيرَ فِي الْهَوَاءِ وَيَقْتُلَ غَيْرَهُ.
(وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ) أَيَّدَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الشَّاطِّ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْبَشَرِ، وَمَا هُوَ غَيْرُ مَقْدُورٍ لَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى الْجَائِزَةِ عَقْلًا فَلَا غَرْوَ أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَانِعٌ سَمْعِيٌّ مِنْ وُقُوعِ بَعْضِ تِلْكَ الْجَائِزَاتِ. قَالَ: وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِلُ إلَى إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَفَلْقِ الْبَحْرِ وَإِنْطَاقِ الْبَهَائِمِ الَّذِي حَكَاهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ إلَّا التَّوْقِيفُ، وَلَا أَعْرِفُ الْآنَ صِحَّةَ ذَلِكَ الْإِجْمَاعِ، وَلَا التَّوْقِيفَ الَّذِي اسْتَنَدَ إلَيْهِ ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ اهـ.
وَقَالَ الْأَصْلُ: وَوُصُولُهُ إلَى الْقَتْلِ وَتَغْيِيرِ الْخَلْقِ وَنَقْلِ الْإِنْسَانِ إلَى صُورَةِ الْبَهَائِمِ هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْقُولُ عَنْهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْقِبْطُ
стр. 948
بَاقِيَةٌ قَالَهُ أَشْهَبُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ فِيمَا يُصَابُ مِنْ الصَّحِيحَةِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْأُولَى شَيْءٌ إلَّا مِنْ حِسَابِ نِصْفِ الدِّيَةِ.
(الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَأَجْزَاءِ أَسْبَابِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ غَرِيبٌ عَجِيبٌ نَادِرٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُتُبَ الْفَرَائِضِ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا رَأَيْت لَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ اثْنَانِ فِي أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ نَسَبٌ وَوَلَاءٌ وَنِكَاحٌ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّلَاثَةِ إمَّا الْأَسْبَابُ التَّامَّةُ، وَإِمَّا أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ، وَالْكُلُّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْقَرَابَةَ، وَالْأُمُّ لَمْ تَرِثْ الثُّلُثَ فِي حَالَةٍ وَالسُّدُسَ فِي أُخْرَى بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لِلِابْنِ أَوْ الْبِنْتِ لِوُجُودِ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فِيهِمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَأَجْزَاءِ أَسْبَابِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْفَرْقَ غَرِيبٌ عَجِيبٌ نَادِرٌ بِسَبَبِ أَنَّ كُتُبَ الْفَرَائِضِ عَلَى الْعُمُومِ فِيمَا رَأَيْت لَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ اثْنَانِ فِي أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ نَسَبٌ وَوَلَاءٌ وَنِكَاحٌ، وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِشْكَالِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالثَّلَاثَةِ إمَّا الْأَسْبَابُ التَّامَّةُ، أَوْ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ وَالْكُلُّ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْقَرَابَةَ، وَالْأُمُّ لَمْ تَرِثْ الثُّلُثَ فِي حَالَةٍ، وَالسُّدُسَ فِي أُخْرَى بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَكَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لِلِابْنِ أَوْ الْبِنْتِ لِوُجُودِ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فِيهِمَا قُلْت: هَذَا الْفَرْقُ لَيْسَ بِغَرِيبٍ، وَلَا عَجِيبٍ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي أَيَّامِ مَلِكَةِ مِصْرَ بَعْدَ فِرْعَوْنَ الْمُسَمَّاةِ بِدَلُوكَا وَضَعُوا السِّحْرَ فِي الْبَرَايَا، وَصَوَّرُوا فِيهِ عَسَاكِرَ الدُّنْيَا فَأَيُّ عَسْكَرٍ قَصَدَهُمْ، وَأَيُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ مِنْ قَلْعِ الْأَعْيُنِ أَوْ ضَرْبِ الرِّقَابِ تَخَيَّلَ ذَلِكَ الْجَيْشُ أَوْ رِجَالُهُ أَنَّهُ وَقَعَ بِذَلِكَ الْعَسْكَرِ فِي مَوْضِعِهِ فَتُحَاشِيهِمْ الْعَسَاكِرُ فَأَقَامُوا سِتَّمِائَةِ سَنَةً، وَالنِّسَاءُ هُنَّ الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ بِمِصْرَ بَعْدَ غَرَقِ فِرْعَوْنَ وَجُيُوشِهِ كَمَا حَكَاهُ الْمُؤَرِّخُونَ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ سَحَرَةِ فِرْعَوْنَ فَمِنْ وُجُوهٍ. (الْأَوَّلِ) أَنَّهُمْ تَابُوا فَمَنَعَتْهُمْ التَّوْبَةُ وَالْإِسْلَامُ الْعَوْدَةَ إلَى مُعَاوَدَةِ الْكُفْرِ الَّذِي تَكُونُ بِهِ تِلْكَ الْآثَارُ وَرَغِبُوا فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ قَالُوا ﴿لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] .
(الثَّانِي) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ وَصَلُوا لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مَنْ يَقْدِرُ مِنْ السَّحَرَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ عَلَى قَلْبِ الْعَصَا حَيَّةً لِأَجْلِ مُوسَى ﵇.
(الثَّالِثِ) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ قَدْ عَلَّمَهُ بَعْضُ السَّحَرَةِ حُجُبًا وَمَوَانِعَ يُبْطِلُ بِهَا سِحْرَ السَّحَرَةِ اعْتِنَاءً بِهِ وَالْحُجُبُ وَالْمُبْطِلَاتُ فِيهِ مُشْتَهِرَةٌ عِنْدَ أَهْلِهِ قَالَ وَدَلِيلُ أَنَّ لِلسِّحْرِ حَقِيقَةً الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ الْإِجْمَاعُ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، وَمَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ لَا يُعَلَّمُ، وَلَا يَلْزَمُ صُدُورُ الْكُفْرِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ؛ لِأَنَّهُ قُرِئَ الْمَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللَّامِ أَوْ هُمَا مَلَكَانِ، وَأَذِنَ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ السِّحْرَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعْجِزَةِ وَالسِّحْرِ؛ لِأَنَّ مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَتْ تَقْتَضِي ذَلِكَ ثُمَّ صَعِدَا إلَى السَّمَاءِ، وَقَوْلُهُمَا ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ لَا تَسْتَعْمِلْهُ عَلَى وَجْهِ الْكُفْرِ كَمَا يُقَالُ خُذْ الْمَالَ، وَلَا تَفْسُقْ بِهِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أَيْ مَا يَصْلُحُ لِلْأَمْرَيْنِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ ﷺ سُحِرَ فَكَانَ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ، وَلَا يَأْتِيهِنَّ» الْحَدِيثَ وَقَدْ سَحَرَتْ عَائِشَةَ ﵂ جَارِيَةٌ اشْتَرَتْهَا وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ جَارِيَةً لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ سَحَرَتْهَا وَقَدْ كَانَتْ دَبَّرَتْهَا فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ كَمَا فِي التَّبْصِرَةِ وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ كَانَ السِّحْرُ وَخَبَرُهُ مَعْلُومًا لِلصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَكَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَيْهِ قَبْلَ ظُهُورِ الْقَدَرِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِ مَا يَشَاءُ عَقِبَ كَلَامٍ مَخْصُوصٍ أَوْ أَدْوِيَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
وَأَمَّا الْوَجْهَانِ اللَّذَانِ احْتَجُّوا بِهِمَا. (فَالْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى فَهُوَ تَخَيُّلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَ السِّحْرَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنْهَضْ بِالْخَيَالِ إلَى السَّعْيِ وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ كُلَّ سِحْرٍ يَنْهَضُ إلَى كُلِّ الْمَقَاصِدِ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ حَقِيقَةٌ لَأَمْكَنَ السَّاحِرُ أَنْ يَدَّعِيَ بِهِ النُّبُوَّةَ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِالْخَوَارِقِ عَلَى اخْتِلَافِهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ إضْلَالَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْخَلْقِ مُمْكِنٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِضَبْطِ مَصَالِحِهِمْ فَمَا يَسَّرَ ذَلِكَ عَلَى السَّاحِرِ وَكَمْ مِنْ مُمْكِنٍ يَمْنَعُهُ اللَّهُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْعَالَمِ؛ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْحِكَمِ مَعَ أَنَّنَا سَنُبَيِّنُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَرْقَ بَيْنَ السِّحْرِ وَالْمُعْجِزَاتِ مِنْ وُجُوهٍ فَلَا يَحْصُلُ اللَّبْسُ وَالضَّلَالُ. اهـ بِزِيَادَةٍ مَا.
الْمَقْصِدُ الثَّانِي) السِّحْرُ عَلَى الْجُمْلَةِ نَوْعَانِ الْأَوَّلُ مَا هُوَ غَيْرُ خَارِقٍ لِلْعَوَائِدِ وَالثَّانِي مَا هُوَ خَارِقٌ لِلْعَوَائِدِ قَالَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَالنَّوْعُ الثَّانِي هُوَ مَا عَرَّفَهُ الْمُنَاوِيُّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِقَوْلِهِ هُوَ مُزَاوَلَةُ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ لِأَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أُمُورٌ خَارِقَةٌ اهـ.
وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ مُزَاوَلَةُ النَّفْسِ الْخَبِيثَةِ إلَى مَا قَالَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ الْخَطِيبِ فِي كِتَابِهِ الْمُلَخَّصِ السِّحْر وَالْعَيْنِ لَا يَكُونَانِ مِنْ فَاضِلٍ، وَلَا يَقَعَانِ وَلَا يَصِحَّانِ مِنْهُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السِّحْرِ الْجَزْمَ بِصُدُورِ الْأَثَرِ وَكَذَلِكَ أَكْثَرُ الْأَعْمَالِ مِنْ شَرْطِهَا الْجَزْمُ وَالْفَاضِلُ الْمُتَبَحِّرُ فِي الْعُلُومِ يَرَى وُقُوعَ ذَلِكَ مِنْ الْمُمْكِنَاتِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تُوجَدَ، وَأَنْ لَا تُوجَدَ فَلَا يَصِحُّ لِفَاضِلٍ أَصْلًا
стр. 949
بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا أُمًّا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ الْبِنْتُ تَرِثُ النِّصْفَ لَيْسَ بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَثَبَتَ ذَلِكَ لِلْجَدِّ أَوْ الْأُخْتِ لِلْأُمِّ بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فَحِينَئِذٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ سَبَبٌ تَامٌّ يَخُصُّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جُزْأَيْنِ مِنْ خُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا أَوْ غَيْرَهُ وَعُمُومُ الْقَرَابَةِ وَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ لَيْسَ لِمُطْلَقِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
كَمَا زَعَمَ وَمَا تَوَهَّمَهُ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي كَلَامِ الْفَرْضِيِّينَ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا تَعْبِيرُهُمْ عَنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ، وَثَانِيهِمَا: التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ فَمَنْ عَبَّرَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ لَمْ يُرِدْ كُلَّ نَسَبٍ، وَلَا كُلَّ نِكَاحٍ، وَلَا كُلَّ وَلَاءٍ بَلْ أَرَادَ نَسَبًا خَاصًّا وَوَلَاءً خَاصًّا وَنِكَاحًا خَاصًّا، وَلَا نُكْرَ فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ النَّكِرَةِ عَنْ مَخْصُوصٍ، فَإِنَّ اللَّفْظَ عَلَيْهِ صَادِقٌ وَلَهُ صَالِحٌ، وَمَنْ عَبَّرَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ لَمْ يُرِدْ أَيْضًا كُلَّ نَسَبٍ، وَلَا كُلَّ نِكَاحٍ، وَلَا كُلَّ وَلَاءٍ بَلْ أَرَادَ مَا أَرَادَهُ الْأَوَّلُ، وَأَحَالَ الْأَوَّلَ فِي تَقْيِيدِ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ عَلَى تَعْيِينِ أَصْنَافِ الْوَارِثِينَ وَالْوَارِثَاتِ، وَأَحَالَ الثَّانِيَ فِي بَيَانِ الْمَعْهُودِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى مَا أَحَالَهُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ (بَلْ بِخُصُوصِ كَوْنِهَا أُمًّا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ الْبِنْتُ تَرِثُ النِّصْفَ لَيْسَ بِمُطْلَقِ الْقَرَابَةِ، وَإِلَّا لَثَبَتَ ذَلِكَ لِلْجَدِّ أَوْ لِلْأُخْتِ لِلْأُمِّ بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ فَحِينَئِذٍ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ سَبَبٌ تَامٌّ يَخُصُّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ جُزْأَيْنِ مِنْ خُصُوصِ كَوْنِهَا بِنْتًا أَوْ غَيْرَهُ، وَعُمُومِ الْقَرَابَةِ، وَكَذَلِكَ لِلزَّوْجِ النِّصْفُ لَيْسَ لِمُطْلَقِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَأَمَّا الْعَيْنُ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ فَرْطِ التَّعْظِيمِ لِلْمَرْئِيِّ، وَالنَّفْسُ الْفَاضِلَةُ لَا تَصِلُ فِي تَعْظِيمِ مَا تَرَاهُ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ فَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ السِّحْرُ إلَّا مِنْ الْعَجَائِزِ وَالتُّرْكُمَانِ أَوْ السُّودَانِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النُّفُوسِ الْجَاهِلَةِ. اهـ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا قَالَهُ الْفَخْرُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الِاخْتِبَارِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَلَا نَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ مِنْ سَقَمِهِ، قَالَ وَقَوْلُ الشِّهَابِ فِي الْفَرْقِ الْوَاقِعِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَيْنَ الْمُعْجِزَاتِ فِي النُّبُوَّاتِ وَبَيْنَ السِّحْرِ وَأَنْوَاعِهِ وَالطَّلْسَمَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْحَقَائِقِ وَنَحْوِهَا أَنَّ الْمُعْجِزَةَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْعَالَمِ عِنْدَ تَحَدِّي الْأَنْبِيَاءِ بِلَا سَبَبٍ فِي الْعَادَةِ أَصْلًا كَفَلْقِ الْبَحْرِ وَسَيْرِ الْجِبَالِ فِي الْهَوَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ فِي الْعَالَمِ عَقَارًا يَفْلِقُ الْبَحْرَ أَوْ يُسَيِّرُ الْجِبَالَ فِي الْهَوَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا السِّحْرُ، وَأَنْوَاعُهُ وَالطَّلْسَمَاتُ وَنَحْوُهَا فَهِيَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي الْعَالَمِ بِأَسْبَابٍ فِي الْعَادَةِ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا غَيْرَ أَنَّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ لَمْ تَحْصُلْ لِكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ بَلْ لِقَلِيلٍ مِنْهُمْ فَهِيَ كَالْعَقَاقِيرِ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْهَا الْكِيمْيَاءُ أَيْ نَقْلُ الشَّيْءِ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ أَعْلَى مِنْهَا كَتَصْيِيرِ النُّحَاسِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً إلَّا أَنَّهُمَا دُونَ الْخِلْقَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَعَمْ مَا كَانَ فِيهِ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ يَكُونُ ذَهَبُهُ وَفِضَّتُهُ جَيِّدًا كَالْخِلْقَةِ، وَقَدْ رُئِيَ الْكِبْرِيتُ الْأَحْمَرُ فِي تَرِكَةِ أَيْرَمَ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ وَتَرِكَةِ أَبِي عِمْرَانَ الْفَاسِيِّ وَاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ عَمَلِ الْكِيمْيَاءِ إذَا كَانَ الْمَعْمُولُ بِهَا لَا يَتَبَدَّلُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ كَمَا فِي شَرْحِ رُشْدِ الْغَافِلِ لِلْعَلَوِيِّ، وَالْحَشَائِشُ الَّتِي يُعْمَلُ مِنْهَا النِّفْطُ الَّذِي يَحْرِقُ الْحُصُونَ وَالصُّخُورَ، وَالدُّهْنُ الَّذِي مَنْ ادَّهَنَ بِهِ لَمْ يَقْطَعْ فِيهِ حَدِيدٌ وَكَالسَّمَنْدَلِ الْحَيَوَانُ الَّذِي لَا تَعْدُو عَلَيْهِ النَّارُ، وَلَا يَأْوِي إلَّا فِيهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْغَرِيبَةِ قَلِيلَةُ الْوُقُوعِ فِي الْعَالَمِ، وَإِذَا وُجِدَتْ أَسْبَابُهَا وُجِدَتْ عَلَى الْعَادَةِ فِيهَا فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ بَلْ هِيَ عَادَةٌ جَرَتْ مِنْ اللَّهِ بِتَرْتِيبِ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَى أَسْبَابِهَا. اهـ. مَعَ زِيَادَةٍ إنْ كَانَ يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَحْدُثُ عَنْ السِّحْرِ فَهُوَ مُعْتَادٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا هُوَ خَارِقٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَشْعَرِيَّةِ أَوْ جَمِيعَهُمْ يُجَوِّزُونَ خَرْقَ الْعَادَةِ عَلَى يَدِ السَّاحِرِ إلَّا أَنْ يَقُولَ بِالْجَوَازِ وَعَدَمِ الْوُقُوعِ فَلَا أَدْرِي مَنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ اهـ.
قُلْتُ: وَهَذَا الْخِلَافُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ خَارِقٌ أَوْ لَا بَلْ جَمِيعُ مَا يَحْدُثُ عَنْهُ مُعْتَادٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمَارِّ فِي أَنَّهُ هَلْ يَقَعُ فِيهِ مَا لَيْسَ مَقْدُورًا لِلْبَشَرِ كَالْمَقْدُورِ لَهُمْ أَوْ لَا يَقَعُ فِيهِ إلَّا مَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُمْ وَعَلَى مَا لِابْنِ الشَّاطِّ فَلَا يَصْلُحُ فَارِقًا مَا ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ فَرْقٌ وَاقِعٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْفَرْقَانِ الْبَاقِيَانِ فِي كَلَامِهِ اللَّذَانِ قَالَ أَنَّهُمَا بِاعْتِبَارِ الظَّاهِرِ لَكِنْ لَا كَمَا قَالَ بَلْ بِاعْتِبَارِ نَفْسِ الْأَمْرِ.
(الْفَرْقُ الْأَوَّلُ) أَنَّ السِّحْرَ، وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ يَخْتَصُّ بِمَنْ عُمِلَ لَهُ حَتَّى أَنَّ أَهْلَ هَذِهِ الْحِرَفِ إذَا اسْتَدْعَاهُمْ الْمُلُوكُ وَالْأَكَابِرُ لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ هَذِهِ الْأُمُورَ عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّجِ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ أَنْ تُكْتَبَ أَسْمَاءُ كُلِّ مَنْ يَحْضُرُ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ فَيَصْنَعُونَ صُنْعَهُمْ لِمَنْ يُسَمَّى لَهُمْ فَإِنْ حَضَرَ غَيْرُهُمْ لَا يَرَى شَيْئًا مِمَّا رَآهُ الَّذِينَ سُمُّوا أَوَّلًا بِخِلَافِ الْمُعْجِزَةِ فَإِنَّهَا تَظْهَرُ لِمَنْ عُمِلَتْ لَهُ وَلِغَيْرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٨] أَيْ كُلِّ نَاظِرٍ يَنْظُرُ إلَيْهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ اهـ.
قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ لِمَنْ جَرَّبَهُ وَتَكَرَّرَتْ مِنْهُ التَّجْرِبَةُ وَقَلَّ مَنْ يُجَرِّبُهُ اهـ. (وَالْفَرْقُ الثَّانِي) أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ الْمُفِيدَةِ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ الضَّرُورِيِّ الْمُحْتَفَّةِ بِالْأَنْبِيَاءِ ﵈ مَفْقُودَةٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ فَتَجِدُ النَّبِيَّ ﵊ أَفْضَلَ النَّاسِ نَشْأَةً، وَمَوْلِدًا، وَمَزِيَّةً وَخَلْقًا وَخُلُقًا وَصِدْقًا
стр. 950
النِّكَاحِ، وَإِلَّا لَكَانَ لِلزَّوْجَةِ النِّصْفُ لِوُجُودِ مُطْلَقِ النِّكَاحِ فِيهَا بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهِ زَوْجًا مَعَ عُمُومِ النِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فَسَبَبُهُ مُرَكَّبٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
النِّكَاحِ، وَإِلَّا لَكَانَ لِلزَّوْجَةِ النِّصْفُ لِوُجُودِ مُطْلَقِ النِّكَاحِ فِيهَا بَلْ لِخُصُوصِ كَوْنِهِ زَوْجًا مَعَ عُمُومِ النِّكَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ فَسَبَبُهُ مُرَكَّبٌ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ) قُلْت: إذَا كَانَ سَبَبُ الْإِرْثِ الْخَاصُّ الْوَصْفَ الْخَاصَّ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِ الْوَصْفِ الْعَامِّ مَعَهُ فَقَوْلُهُ: مَعَ مُطْلَقِ الْقَرَابَةِ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْوَصْفَ الْعَامَّ صَادِقٌ عَلَى الْخَاصِّ لَكِنَّهُ لَيْسَ الْعَامُّ سَبَبًا مِنْ حَيْثُ عُمُومُهُ بَلْ مِنْ حَيْثُ اشْتَمَلَ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْخَاصُّ سَبَبٌ، فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: مَا سَبَبُ وِرَاثَةِ الْبِنْتِ النِّصْفَ قِيلَ: كَوْنُهَا بِنْتًا، وَهُوَ جَوَابٌ مُسْتَقِيمٌ صَادِقٌ، وَإِنْ قِيلَ: كَوْنُهَا قَرِيبَةً لَمْ يَكُنْ جَوَابًا مُسْتَقِيمًا، وَلَا صَحِيحًا وَإِذَا قِيلَ: مَا سَبَبُ وِرَاثَةِ الْبِنْتِ فَقِيلَ كَوْنُهَا بِنْتًا كَانَ جَوَابًا مُسْتَقِيمًا وَصَحِيحًا أَيْضًا، وَإِنْ قِيلَ: كَوْنُهَا قَرِيبَةً لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْبِنْتِ فَالصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ مِيرَاثِ الْبِنْتِ النِّصْفَ كَوْنُهَا بِنْتًا عَلَى الْخُصُوصِ، وَكَذَلِكَ سَبَبُ مِيرَاثِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ الْوَارِثِينَ وَالْوَارِثَاتِ أَسْبَابُ مِيرَاثِهِمْ خَاصَّةٌ لَا عَامَّةٌ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ السَّبَبَ مَرْكَبٌ لَا مَعْنَى لَهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَى خُصُوصِ الْمِيرَاثِ كَالنِّصْفِ وَشِبْهِهِ، وَلَا عِنْدَ النَّظَرِ إلَى عُمُومِ الْمِيرَاثِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْعُمُومَ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ، وَلَيْسَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ سَبَبًا لِمُطْلَقِ الْمِيرَاثِ عِنْدَنَا نَعَمْ هُوَ سَبَبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَأَدَبًا، وَأَمَانَةً وَزَهَادَةً وَإِشْفَاقًا وَرِفْقًا وَبُعْدًا عَنْ الدَّنَاءَاتِ وَالْكَذِبِ وَالتَّمْوِيهِ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ثُمَّ أَصْحَابُهُ يَكُونُونَ فِي غَايَةِ الْعِلْمِ وَالنُّورِ وَالْبَرَكَةِ وَالتَّقْوَى وَالدِّيَانَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ كَانُوا بِحَارًا فِي الْعُلُومِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا مِنْ الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَالْحِسَابِيَّاتِ وَالسِّيَاسِيَّاتِ وَالْعُلُومِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ حَتَّى يُرْوَى أَنَّ عَلِيًّا ﵁ جَلَسَ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ يَتَكَلَّمُ فِي الْبَاءِ مِنْ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ الْعِشَاءِ إلَى أَنَّ طَلَعَ الْفَجْرُ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَدْرُسُوا وَرَقَةً، وَلَا قَرَءُوا كِتَابًا، وَلَا تَفَرَّغُوا مِنْ الْجِهَادِ وَقَتْلِ الْأَعْدَاءِ، وَإِنَّمَا كَانُوا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِبَرَكَتِهِ ﷺ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ إلَّا أَصْحَابُهُ لَكَفَوْهُ فِي إثْبَاتِ نُبُوَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ مَا عُلِمَ مِنْ فَرْطِ صِدْقِهِ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَوْلِيَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ وَكَانَ يُسَمَّى فِي صِغَرِهِ الْأَمِينَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إلَّا وَلَهُ مِنْ هَذِهِ الْقَرَائِنِ الْحَالِيَّةِ وَالْمَقَالِيَّةِ الْعَجَائِبُ وَالْغَرَائِبُ بِحَيْثُ إنَّ مَنْ وَقَفَ عَلَيْهَا وَعَرَفَهَا مِنْ صَاحِبِهَا جَزَمَ بِصِدْقِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ جَزْمًا قَاطِعًا وَجَزَمَ أَنَّ هَذِهِ الدَّعْوَى حَقٌّ وَلِذَلِكَ «لَمَّا أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ بِنُبُوَّتِهِ قَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ صَدَقْتَ» مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى مُعْجِزَةٍ خَارِقَةٍ فَنَزَلَ فِيهِمَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] أَيْ مُحَمَّدٌ جَاءَ بِالصِّدْقِ، وَأَبُو بَكْرٍ صَدَّقَ بِهِ. وَأَمَّا السَّاحِرُ فَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا تَجِدُهُ فِي مَوْضِعٍ إلَّا مَمْقُوتًا حَقِيرًا بَيْنَ النَّاسِ، وَلَا نَجِدُ أَصْحَابَهُ، وَأَتْبَاعَهُ، وَأَتْبَاعَ كُلِّ مُبْطِلٍ إلَّا عَدِيمِينَ الطَّلَاوَةِ لَا بَهْجَةَ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ تَنْفِرُ النُّفُوسُ مِنْهُمْ، وَلَا فِيهِمْ مِنْ نَوَافِلِ الْخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ أَثَرٌ اهـ.
قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَمَا قَالَهُ فِي هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَالسَّاحِرِ فَكَمَا أَنَّ الِاتِّصَافَ بِالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ دُونَ الْمَذْمُومَةِ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالسَّاحِرِ كَذَلِكَ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلِيِّ وَبَيْنَهُ ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْوَلِيِّ بِالتَّحَدِّي مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ تَحَدِّيَ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ، وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجِيزُ تَحَدِّيَ الْوَلِيِّ بِالْوِلَايَةِ فَيُفَرَّقُ النَّبِيُّ مِنْ الْوَلِيِّ بِالتَّحَدِّي بِالنُّبُوَّةِ اهـ.
وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ كَمَا فِي الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَالْفَرْقُ أَنَّ السِّحْرَ يَكُونُ بِمُعَانَاةِ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ حَتَّى يَتِمَّ لِلسَّاحِرِ مَا يُرِيدُ، وَالْكَرَامَةُ لَا تَحْتَاجُ لِذَلِكَ بَلْ إنَّمَا تَقَعُ غَالِبًا اتِّفَاقًا، وَأَمَّا الْمُعْجِزَةُ فَتَمْتَازُ عَنْ الْكَرَامَةِ بِالتَّحَدِّي أَيْ دَعْوَى الرِّسَالَةِ اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(الْمَقْصِدُ الثَّالِثُ) السِّحْرُ لَمَّا كَانَ اسْمَ جِنْسٍ عِبَارَةٌ عَنْ اعْتِقَادٍ وَلَا يَكُونُ إلَّا كُفْرًا، أَوْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَيَكُونَانِ تَارَةً كُفْرًا وَتَارَةً غَيْرَ كُفْرٍ وَعَمَّا هُوَ خَارِقٌ لِلْعَوَائِدِ وَغَيْرُ خَارِقٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَصْلِ وَابْنِ الشَّاطِّ وَكَانَتْ أَنْوَاعُهُ الْأَرْبَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَالْحَقَائِقُ الْخَمْسَةُ الْأُخَرُ الَّتِي هِيَ مِنْ عُلُومِ الشَّرِّ وَهِيَ الْخَوَاصُّ الْمَنْسُوبَةُ لِلنُّفُوسِ وَالْأَوْفَاقُ وَالطَّلْسَمَاتُ وَالْعَزَائِمُ وَالِاسْتِخْدَامَات كُلُّهَا تَجْرِي مَجْرَاهُ فِيمَا ذُكِرَ تَحَقَّقَ الْتِبَاسُهُ بِهَذِهِ الْحَقَائِقِ التِّسْعِ وَافْتَقَرَتْ هَذِهِ الْحَقَائِقُ إلَى أَنْ تُمَيَّزَ عَنْهُ إمَّا بِبَيَانِ الْخُصُوصِ مُطْلَقًا وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا مَرَّ فِي السِّيمِيَاءِ، وَالْهِيمْيَاءِ مِنْ أَنْوَاعِهِ الْأَرْبَعَةِ، وَإِمَّا بِبَيَانِ الْخُصُوصِ مِنْ جِهَةٍ كَمَا فِي النَّوْعَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ مِنْ أَنْوَاعِهِ وَالْحَقَائِقِ الْخَمْسَةِ الْأُخَرِ الْمَذْكُورَةِ، وَهُوَ يَفْتَقِرُ إلَى سَبْعَةِ وُصُولٍ لِبَيَانِ الْحَقَائِقِ السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ.
(الْوَصْلُ الْأَوَّلُ) الْخَوَاصُّ الْمَنْسُوبَةُ لِلْحَقَائِقِ أَيْ الذَّوَاتِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ وَغَيْرِهَا أَسْرَارٌ عَظِيمَةٌ وَكَثِيرَةٌ أَوْدَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي أَجْزَاءِ الْعَالَمِ حَتَّى لَا يَكَادَ يُعَرَّى شَيْءٌ عَنْ خَاصِّيَّتِهِ فَلَا يَدْخُلُهَا فِعْلُ الْبَشَرِ بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ كَامِلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْهَا مَا هُوَ مَعْلُومٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَإِرْوَاءِ الْمَاءِ وَإِحْرَاقِ النَّارِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَجْهُولٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمِنْهَا مَا يَعْلَمُهُ الْأَفْرَادُ مِنْ النَّاسِ وَهَذِهِ إمَّا مُغَيِّرَةٌ لِأَحْوَالِ النُّفُوسِ وَهِيَ الَّتِي قَدَّمْنَا
стр. 951
إذَا ظَهَرَ هَذَا فَإِنْ أَرَادُوا حَصْرَ الْأَسْبَابِ التَّامَّةِ فِي ثَلَاثَةٍ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوْ النَّاقِصَةِ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ أَسْبَابٍ فَالْخُصُوصَاتُ كَمَا رَأَيْت كَثِيرَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْحَصْرُ مُطْلَقًا لَا فِي التَّامِّ، وَلَا فِي النَّاقِصِ فَتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ حَسَنٌ لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لَهُ، وَلَا لَخَّصَهُ، وَحِينَئِذٍ أَقُولُ: إنَّ أَسْبَابَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (إذَا ظَهَرَ هَذَا فَإِنْ أَرَادُوا حَصْرَ الْأَسْبَابِ التَّامَّةِ فِي ثَلَاثَةٍ فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا تَقَدَّمَ، أَوْ النَّاقِصَةَ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ فَالْخُصُوصَاتُ كَمَا رَأَيْت كَثِيرَةٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ الْحَصْرُ مُطْلَقًا لَا فِي التَّامِّ، وَلَا فِي النَّاقِصِ) قُلْت: قَوْلُهُ: هِيَ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ إنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا يَخُصُّ كُلَّ صِنْفٍ مِنْ الْوَارِثِينَ وَالْوَارِثَاتِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَكْثَرِ الْفَرْضِيِّينَ فِي عَدِّهِمْ أَصْنَافَ الْوَارِثِينَ عَشَرَةً وَأَصْنَافَ الْوَارِثَاتِ سَبْعَةً فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ مَا يَخُصُّ كُلَّ صِنْفٍ عَلَى مَا هُوَ الْأَوْلَى فِي ذَلِكَ فَلَيْسَ قَوْلُهُ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ لَا أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ، وَقَوْلُهُ: بِالْإِجْمَاعِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَأَيُّ إجْمَاعٍ فِي ذَلِكَ مَعَ تَوْرِيثِ الْحَنَفِيَّةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَقَوْلُهُ: أَوْ النَّاقِصَةُ الَّتِي هِيَ أَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ فَالْخُصُوصَاتُ كَمَا رَأَيْت كَثِيرَةٌ إنْ أَرَادَ بِالْخُصُوصَاتِ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ الَّتِي كُلُّ خُصُوصٍ مِنْهَا أَعَمُّ مِنْ الْخُصُوصِ الَّذِي تَحْتَهُ مِنْ الْخُصُوصَاتِ الَّتِي عَدَّهَا الْفَرَضِيُّونَ فَذَلِكَ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَلَا أَدْرِي مَا أَرَادَ قَالَ (فَتَنَبَّهْ لِهَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ حَسَنٌ لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لَهُ وَلَا لَخَّصَهُ وَحِينَئِذٍ أَقُولُ إنَّ أَسْبَابَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ، وَإِمَّا مُخْتَصَّةٌ بِانْفِعَالَاتِ الْأَمْزِجَةِ صِحَّةً أَوْ سَقَمًا كَالْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ مِنْ الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ الْمَسْطُورَةِ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ وَالْعَشَّابِينَ والطبائعيين وَهَذِهِ مِنْ عِلْمِ الطِّبِّ لَا مِنْ عِلْمِ السِّحْرِ قَالَهُ الْأَصْلُ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
(الْوَصْلُ الثَّانِي) الرُّقَى أَلْفَاظٌ خَاصَّةٌ يَحْدُثُ عِنْدَهَا الشِّفَاءُ مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْأَدْوَاءِ وَالْأَسْبَابِ الْمُهْلِكَةِ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مِنْهَا مَا هُوَ مَشْرُوعٌ كَالْفَاتِحَةِ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨] تُقْرَأُ سَبْعَ مَرَّاتٍ عِنْدَ دُخُولِ مَحَلٍّ لِقَضَاءِ حَاجَةٍ مَا وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤] إلَى ﴿يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] سَبْعَ مَرَّاتٍ لِتَعْطِيفِ الْقُلُوبِ وَتَسْكِينِ غَضَبِ الْمُلُوكِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ كَرُقَى الْجَاهِلِيَّةِ وَالْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ كُفْرًا أَوْ مُحَرَّمًا وَلِذَلِكَ نَهَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ الرُّقَى بِالْعَجَمِيَّةِ وَغَيْرُ الْمَشْرُوعِ قَدْ يُحْدِثُ ضَرَرًا فَيُقَالُ لَهُ السِّحْرُ، وَلَا يُقَالُ لَفْظُ الرُّقَى عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْأَصْلُ: وَقَدْ نَهَى عُلَمَاءُ الْعَصْرِ عَنْ الرُّقْيَةِ الَّتِي تُكْتَبُ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِمَا فِيهَا مِنْ اللَّفْظِ الْأَعْجَمِيِّ؛ وَلِأَنَّهُمْ يَشْتَغِلُونَ بِهَا عَنْ الْخُطْبَةِ وَيَحْصُلُ بِهَا مَعَ ذَلِكَ مَفَاسِدُ اهـ.
وَفِي الِاعْتِصَامِ لِأَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الدُّعَاءِ وَالْأَذْكَارِ غَيْرَ مَشْرُوعٍ كَالَّتِي يَزْعُمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِلْمِ الْحُرُوفِ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَنَى بِهِ الْبَوْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ حَذَا حَذْوَهُ أَوْ قَارَبَهُ فَهِيَ بِدْعَةٌ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ الْعِلْمَ فَلْسَفَةٌ أَلْطَفُ مِنْ فَلْسَفَةِ مُعَلِّمِهِمْ الْأَوَّلِ وَهُوَ أَرِسْطُو طَالِيسَ فَرَدُّوهَا إلَى أَوْضَاعِ الْحُرُوفِ وَجَعَلُوهَا هِيَ الْحَاكِمَةَ فِي الْعَالَمِ وَرُبَّمَا أَشَارُوا عِنْدَ الْعَمَلِ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الْأَذْكَارِ.
وَمَا قُصِدَ بِهَا إلَى تَحَرِّي الْأَوْقَاتِ وَالْأَحْوَالِ الْمُلَائِمَةِ لِطَبَائِعِ الْكَوَاكِبِ لِيَحْصُلَ التَّأْثِيرُ عِنْدَهُمْ وَحْيًا فَحَكَّمُوا الْعُقُولَ وَالطَّبَائِعَ كَمَا تَرَى وَتَوَجَّهُوا شَطْرَهَا، وَأَعْرَضُوا عَنْ رَبِّ الْعَقْلِ وَالطَّبَائِعِ، وَإِنْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَقْصِدُونَهُ اعْتِقَادًا فِي اسْتِدْلَالِهِمْ بِصِحَّةِ مَا انْتَحَلُوا عَلَى وُقُوعِ الْأَمْرِ وَفْقَ مَا يَقْصِدُونَهُ فَإِذَا تَوَجَّهُوا بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ الْمَفْرُوضِ عَلَى الْفَرْضِ الْمَطْلُوبِ حَصَلَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَنَفْعًا كَانَ أَمْ ضَرًّا وَخَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا وَيَبْنُونَ عَلَى ذَلِكَ اعْتِقَادَ بُلُوغِ النِّهَايَةِ فِي إجَابَةِ الدُّعَاءِ أَوْ حُصُولِ نَوْعٍ مِنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، كَلًّا لَيْسَ طَرِيقُ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ مِنْ مُرَادِهِمْ، وَلَا كَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ نَتَائِجِ أَوْرَادِهِمْ فَلَا تَلَاقِيَ بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ النَّارِ وَالْمَاءِ وَحُصُولُ التَّأْثِيرِ حَسْبَمَا قَصَدُوا هُوَ فِي الْأَصْلِ مِنْ قَبِيلِ الْفِتْنَةِ الَّتِي اقْتَضَاهَا فِي الْخَلْقِ ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦] فَالنَّظَرُ إلَى وَضْعِ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ أَحْكَامٌ وَضَعَهَا الْبَارِي تَعَالَى فِي النُّفُوسِ يَظْهَرُ عِنْدَهَا مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ التَّأْثِيرَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا يَظْهَرُ عَلَى الْمَعْيُونِ عِنْدَ الْإِصَابَةِ، وَعَلَى الْمَسْحُورِ عِنْدَ عَمَلِ السِّحْرِ بَلْ هُوَ بِالسِّحْرِ أَشْبَهُ لِاسْتِمْدَادِهَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَشَاهِدُهُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَقُولُ أَنَا عِنْدَ ظَنَّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إذَا دَعَانِي» وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ» وَشَرْحُ هَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَلِيقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ اهـ.
(الْوَصْلُ الثَّالِثُ) خَوَاصُّ النُّفُوسِ بِمَعْنَى مُقْتَضَى الْأَمْزِجَةِ وَالطَّبَائِعِ نَوْعٌ خَاصٌّ مِنْ الْخَوَاصِّ الْمُودَعَةِ فِي الْعَالَمِ فَالْحَيَوَانَاتُ لَا تَكَادُ تَتَّفِقُ طَبَائِعُهَا بَلْ نَقْطَعُ بِأَنَّهُ، وَلَوْ عَظُمَ شَبَهُ فَرْدٍ مِنْهَا بِفَرْدٍ آخَرَ لَا بُدَّ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ التَّبَايُنَ لَمَّا حَصَلَ فِي الصِّفَاتِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَجَبَ حُصُولُهُ فِي الْأَمْزِجَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَلَا تَرَى أَنَّ نَفْسًا مِنْ الْأَنَاسِيِّ طُبِعَتْ عَلَى الشَّجَاعَةِ إلَى الْغَايَةِ وَنَفْسًا عَلَى الْجُبْنِ إلَى الْغَايَةِ وَنَفْسًا عَلَى الشَّرِّ إلَى
стр. 952
الْقَرَابَةِ، وَإِنْ كَثُرَتْ فَنَحْنُ لَا نُرِيدُهَا، وَلَا نُرِيدُ التَّامَّةَ الَّتِي هِيَ الْخُصُوصَاتُ بَلْ النَّاقِصَةَ الَّتِي هِيَ الْمُشْتَرَكَاتُ، وَهِيَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ وَمُطْلَقُ النِّكَاحِ وَمُطْلَقُ الْوَلَاءِ
وَالدَّلِيلُ عَلَى حَصْرِ غَيْرِ التَّامَّةِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ أَنَّ الْأَمْرَ الْعَامَّ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ التَّامَّةِ إمَّا أَنْ يُمْكِنَ إبْطَالُهُ أَوْ لَا فَإِنْ أَمْكَنَ فَهُوَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إبْطَالُهُ فَإِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَ التَّوَارُثَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ غَالِبًا أَوْ لَا فَإِنْ اقْتَضَى التَّوَارُثَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ غَالِبًا فَهُوَ الْقَرَابَةُ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِهِ إلَّا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْقَرَابَةِ وَإِنْ كَثُرَتْ فَنَحْنُ لَا نُرِيدُهَا، وَلَا نُرِيدُ التَّامَّةَ الَّتِي هِيَ الْخُصُوصَاتُ بَلْ النَّاقِصَةُ الَّتِي هِيَ الْمُشْتَرَكَاتُ، وَهِيَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ وَمُطْلَقُ النِّكَاحِ وَمُطْلَقُ الْوَلَاءِ)
قُلْت: هَذَا الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ هُنَا مُنَاقِضٌ فِي ظَاهِرِهِ لِقَوْلِهِ إنَّ أَسْبَابَ الْقَرَابَةِ، وَإِنْ كَثُرَتْ فَنَحْنُ لَا نُرِيدُهَا لَكِنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ لَا نُرِيدُ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ الْقَرَابَةُ لَا خُصُوصَ كَوْنِ الْقَرَابَةِ بُنُوَّةً مَثَلًا، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَا هُوَ أَخَصُّ مِنْ الْأَوَّلِ، وَأَعَمُّ مِنْ الثَّانِي، وَهُوَ قَرَابَةُ مَاءٍ، وَنِكَاحُ مَاءٍ، وَوَلَاءُ مَاءٍ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا قَرَّرَهُ ضَابِطًا بَعْدَ هَذَا
قَالَ (وَالدَّلِيلُ عَلَى حَصْرِ غَيْرِ التَّامَّةِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ الْأَمْرَ الْعَامَّ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ التَّامَّةِ إمَّا أَنْ يُمْكِنَ إبْطَالُهُ أَوْ لَا فَإِنْ أَمْكَنَ فَهُوَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إبْطَالُهُ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَ التَّوَارُثَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ غَالِبًا، وَهُوَ الْقَرَابَةُ أَوْ لَا يَقْتَضِيَ إلَّا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ وَهُوَ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْغَايَةِ وَنَفْسًا عَلَى الْخَيْرِ إلَى الْغَايَةِ وَنَفْسًا يَهْلَكُ مَا عَظَّمَتْهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْعَيْنِ، وَلَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ يُؤْذِي بِالْعَيْنِ، وَأَحْوَالُ مَنْ يُؤْذِي بِهَا مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَصِيدُ الطَّيْرَ فِي الْهَوَى وَيَقْلَعُ الشَّجَرَ الْعَظِيمَ مِنْ الْقُرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَصِلُ بِهَا إلَّا إلَى التَّمْرِيضِ اللَّطِيفِ وَنَحْوِهِ وَنَفْسًا عَلَى صِحَّةِ الْحَزْرِ بِحَيْثُ لَا يُخْطِئُ الْغَيْبَ عِنْدَ شَيْءٍ مَخْصُوصٍ، وَلَا يَتَأَتَّى لَهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فَلِذَلِكَ تَجِدُ بَعْضَهُمْ لَا يُخْطِئُ فِي عِلْمِ الرَّمَلِ أَبَدًا وَآخَرُ لَا يُخْطِئُ فِي أَحْكَامِ النُّجُومِ أَبَدًا وَآخَرُ لَا يُخْطِئُ فِي عِلْمِ الْكَفِّ أَبَدًا وَآخَرُ لَا يُخْطِئُ فِي عِلْمِ السَّيْرِ أَبَدًا؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ طُبِعَتْ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ تُطْبَعْ عَلَى غَيْرِهِ فَمَنْ تَوَجَّهَتْ نَفْسُهُ لِطَلَبِ الْغَيْبِ عِنْدَ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْخَاصِّ أَدْرَكَتْهُ بِخَاصِّيَّتِهَا فَقَطْ، لَا لِأَنَّ النُّجُومَ فِيهَا شَيْءٌ، وَلَا الْكَتِفَ، وَلَا الرَّمَلَ، وَلَا بَقِيَّتَهَا بَلْ هِيَ خَوَاصُّ نُفُوسٍ فَقَطْ. أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَجِدُ صِحَّةَ أَعْمَالِهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ شَابٌّ فَإِذَا صَارَ كَبِيرًا فَقَدَهَا؛ لِأَنَّ الْقُوَّةَ نَقَصَتْ عَنْ تِلْكَ الْحِدَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الشُّبُوبِيَّةِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ.
قُلْتُ: ثُمَّ إنَّ خَوَاصَّ النُّفُوسِ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي خَوَاصِّ الْحَقَائِقِ مِنْهَا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ كَخَوَاصِّ النُّفُوسِ الْمَذْكُورَةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَجْهُولٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَمِنْهَا مَا يَعْلَمُهُ مِنْ النَّاسِ الْأَفْرَادُ قَالَ الْأَصْلُ كَجَمَاعَةٍ فِي الْهِنْدِ إذَا وَجَّهُوا أَنْفُسَهُمْ لِقَتْلِ شَخْصٍ انْتَزَعُوا قَلْبَهُ مِنْ صَدْرِهِ بِالْهِمَّةِ وَالْعَزْمِ وَقُوَّةِ النَّفْسِ فَإِذَا مَاتَ وَشُقَّ صَدْرُهُ لَا يُوجَدُ فِيهِ قَلْبُهُ وَيُجَرِّبُونَ بِالرُّمَّانِ فَيَجْمَعُونَ عَلَيْهِ هِمَمَهُمْ فَلَا تُوجَدُ فِيهِ حَبَّةٌ. اهـ. وَمِنْ حَيْثُ إنَّ هَذَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا الْأَفْرَادُ مِنْ النَّاسِ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْهِنْدِ لَا أَدْرِي صِحَّتَهُ مِنْ سَقَمِهِ اهـ.
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ الشِّنْقِيطِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِهِ رُشْدَ الْغَافِلِ: إنَّ مَصَّ دِمَاءِ الْقَلْبِ أَوْ نَزْعَ الْقَلْبِ نَفْسَهُ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَنْ طَبْعٍ كَمَا هُوَ مِنْ جَمَاعَةٍ فِي الْهِنْدِ إذَا وَجَّهَ أَحَدُهُمْ نَفْسَهُ لِقَتْلِ شَخْصٍ انْتَزَعَ قَلْبَهُ مِنْ صَدْرِهِ بِالْهِمَّةِ وَالْعَزْمِ إلَى آخِرِ مَا قَالَهُ الْأَصْلُ وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ زِكْرِيٍّ فِي شَرْحِ النَّصِيحَةِ قَالَ: وَالْغَالِبُ حُصُولُ الْمَصِّ الْمَذْكُورِ وَالنَّزْعِ عَنْ كَسْبٍ وَهَذَا كَثِيرٌ فِي السُّودَانِ سَوَاءٌ وُلِدَ فِي أَرْضِهِمْ أَوْ فِي أَرْضِنَا، وَقَالَ قَبْلُ: وَبَعْضُ النَّاسِ يُسَمِّي الْمَصَّ الْمَذْكُورَ وَالنَّزْعَ بِسُغُنْيَا بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ، وَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ بِالسَّلَّالَةِ بِفَتْحِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْأُولَى فَأَلْفٌ فَلَامٌ مُخَفَّفَةٌ فَهَاءُ تَأْنِيثٍ اهـ وَسَيَأْتِي فِي وَصْلِ الْأَوْفَاقِ مَا قَالَهُ فِي شِفَاءِ مَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَتَرَقَّبْ.
قُلْتُ: وَهَذَا النَّوْعُ وَنَحْوُهُ مِنْ خَوَاصِّ النُّفُوسِ هُوَ الَّذِي يَلْتَبِسُ بِهِ السِّحْرُ كَمَا لَا يَخْفَى قَالَ الْأَصْلُ وَتَبِعَهُ ابْنُ زِكْرِيٍّ فِي شَرْحِ النَّصِيحَةِ: وَخَوَاصُّ النُّفُوسِ كَثِيرَةٌ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَإِلَى تَبَايُنِ الْأَخْلَاقِ وَالْخَلْقِ وَالسَّجَايَا وَالْقُوَى كَمَا أَنَّ الْمَعَادِنَ كَذَلِكَ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ﵊ «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ» اهـ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْإِشَارَةَ إلَى مَا ذَكَرَهُ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُ، وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.
(الْوَصْلُ الرَّابِعُ) الْأَوْفَاقُ وَتُسَمَّى عِلْمَ الْأَشْكَالِ وَعِلْمَ الْجَدَاوِلِ وَتُسَمَّى الْأَشْكَالَ وَالْجَدَاوِلَ بِالْمُثَلَّثِ وَالْمُرَبَّعِ وَالْمُخَمَّسِ وَنَحْوِهَا أَيْ كَمُسَبَّعِ السَّلَّالَةِ الْآتِي وَهِيَ مِنْ الْبَاطِلِ إذَا قَصَدَ بِهَا إضْرَارَ أَوْ نَفْعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ شَرْعًا مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْجُرْأَةِ عَلَى أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا لِأَغْرَاضٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَلِهَذَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ بِابْنِ الْبَوْنِيِّ، وَأَشْكَالِهِ أَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهَا غَرَضٌ لَا اعْتِرَاضَ لِلشَّرْعِ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ كَمُثَلَّثِ الْغَزَالِيِّ أَيْ مَمْلُوءُ الْوَسَطِ لِتَيْسِيرِ الْعَسِيرِ، وَإِخْرَاجِ الْمَسْجُونِ، وَإِيضَاعِ الْجَنِينِ مِنْ الْحَامِلِ وَتَيْسِيرِ الْوَضْعِ، وَكُلِّ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى وَنُسِبَ لِلْغَزَالِيِّ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَعْتَنِي بِهِ كَثِيرًا، وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ هَذَا الْمُثَلَّثَ بِصُورَتِهِ الْآتِيَةِ يُسَمَّى بِخَاتَمِ أَبِي سَعِيدٍ
стр. 953
الْمَوْلَى الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ، وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى وَقَوْلُنَا غَالِبًا احْتِرَازٌ مِنْ الْعَمَّةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَرِثُهَا ابْنُ أَخِيهَا وَلَا تَرِثُهُ
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَقَاعِدَةِ شُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ) لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْفَرْضِيِّينَ يَذْكُرُ إلَّا أَسْبَابَ التَّوَارُثِ وَمَوَانِعَهُ وَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ شُرُوطَهُ قَطُّ وَلَهُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْمَوْلَى الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ، وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى وَقَوْلُنَا: غَالِبًا احْتِرَازٌ مِنْ الْعَمَّةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَرِثُهَا ابْنُ أَخِيهَا، وَلَا تَرِثُهُ) قُلْت: مَا ذَكَرَهُ مِنْ سَبَبِ الْحَصْرِ لِلْأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ فِي ثَلَاثَةٍ، وَإِنْ كَانَ مُفِيدًا لِلْحَصْرِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي النِّكَاحِ، وَهُوَ كَوْنُهُ يُمْكِنُ إبْطَالُهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَوْنِ النِّكَاحِ سَبَبَ الْمِيرَاثِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ اللَّاحِقُ بِهِ الْإِبْطَالُ سَبَبًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا النِّكَاحُ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْهُ إبْطَالٌ فَإِذَا ثَبَتَتْ سَبَبِيَّتُهُ لَمْ تَرْتَفِعْ لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقَرَابَةِ أَمْرٌ ثَانٍ عَنْ كَوْنِ سَبَبِ الْإِرْثِ لَيْسَ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ اطِّرَادِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْوَلَاءِ كَذَلِكَ أَمْرٌ ثَانٍ عَنْ كَوْنِ سَبَبِيَّتِهِ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ مَا حَصَرُوهَا فِي ثَلَاثَةٍ إلَّا لِكَوْنِهَا أُمُورًا مُخْتَلِفَةً ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْمِيرَاثِ سِوَاهَا ثُمَّ إنَّهَا لَيْسَتْ أَسْبَابًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مُقَيَّدَةٌ بِتَعْيِينِ مَنْ يَرِثُ بِهَا
قَالَ (الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَقَاعِدَةِ شُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ ثُمَّ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
اهـ. وَكَمُسَبَّعِ السُّلَالَةِ الْآتِي لَكِنَّهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهَا أَلْبَتَّةَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ كَمَا فِي شَرْحِ سَيِّدِي عَبْدِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ عَلَى نَظْمِهِ رُشْدَ الْغَافِلِ بِتَصَرُّفٍ وَزِيَادَةٍ، قَالَ الْأَصْلُ: وَالْأَوْفَاقُ تَرْجِعُ إلَى مُنَاسَبَاتِ الْأَعْدَادِ وَجَعْلِهَا عَلَى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ. اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ تَسَامَحَ فِي قَوْلِهِ أَنَّهَا تَرْجِعُ إلَخْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ رَاجِعَةٌ إلَى الْمُسَاوَاةِ بِحَسَبِ جَمْعِ مَا فِي كُلِّ سَطْرٍ مِنْ بُيُوتِ مُرَبَّعَاتِهَا وَجَمِيعِ مَا فِي الْبُيُوتِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْقُطْرِ. اهـ. وَالشَّكْلُ الْمَخْصُوصُ إمَّا مُثَلَّثٌ كَمُثَلَّثِ بُدُوحٍ يُكْتَبُ إذَا أُرِيدَ جَلْبُ خَيْرٍ فِي كَاغِدٍ أَوْ رَقِّ غَزَالٍ هَكَذَا brok٠٠٠٤-٠١٩٨-٠٠٠١.jpg
، وَمُثَلَّثُ أَجْهَزَ يُكْتَبُ إذَا أُرِيدَ دَفْعُ شَرٍّ فِي كَاغِدٍ أَوْ رَقِّ غَزَالٍ هَكَذَا brok٠٠٠٤-٠١٩٨-٠٠٠٢.jpg
ثُمَّ يُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَكَمُثَلَّثِ الْكَلِمَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ يُكْتَبُ إذَا أُرِيدَ كُلٌّ مِنْ جَلْبِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ وَيُرَقَّمُ فِي خَانَاتِهِ إمَّا حُرُوفُ الْكَلِمَتَيْنِ هَكَذَا brok٠٠٠٤-٠١٩٨-٠٠٠٣.jpg
، وَإِمَّا أَعْدَادُ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهُمَا بِحِسَابِ الْجُمَلِ الْكَبِيرِ هَكَذَا brok٠٠٠٤-٠١٩٨-٠٠٠٤.jpg.
وَضَابِطُهُ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ أَنَّك لَوْ جَمَعْتَ الْحُرُوفَ الْمُفْرَدَةَ فِي كُلِّ خَانَةٍ مِنْ الْخَانَاتِ الثَّلَاثِ مِنْ أَيِّ جِهَةٍ أُفُقِيَّةٍ أَوْ عَمُودِيَّةٍ أَوْ مُسْتَطِيلَةٍ يَكُونُ مَجْمُوعُهَا وَاحِدًا وَهُوَ عَدَدُ (١٥) ، وَأَنْ تَكُونَ الْأَرْقَامُ الْمَكْتُوبَةُ فِي الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ الْخَاتَمِ زَوْجِيَّةً وَتُسَمَّى مُزْدَوَجَاتُ الْمُثَلَّثِ وَالْأَرْقَامُ الْمَكْتُوبَةُ فِي الْخَانَاتِ الْأُخْرَى فَرْدِيَّةً وَتُسَمَّى مُفْرَدَاتُ الْمُثَلَّثِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَالْخَاتَمُ الْمَرْقُومُ فِي خَانَاتِهِ كُلٌّ مِنْ حُرُوفِ الْكَلِمَتَيْنِ أَوْ أَعْدَادِهَا هُوَ خَاتَمُ أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ مَمْلُوءُ الْوَسَطِ. قُلْت: وَذَكَرَ لِي بَعْضُ الْأَفَاضِلِ أَنَّ لِلْغَزَالِيِّ مُثَلَّثًا أَيْضًا خَالِيَ الْوَسَطِ وَبَيَّنَ لِي كَيْفِيَّةَ وَضْعِهِ، وَمَا يُبْدَأُ بِهِ مِنْ خَانَاتِهِ، وَمَا يَلِيهِ، وَمَا يَخْتِمُ بِهِ بِرَقْمٍ وَاحِدٍ عَلَى مَا يَبْدَأُ بِهِ وَاثْنَيْنِ عَلَى مَا يَلِيهِ وَهَكَذَا إلَى ثَمَانِيَةٍ، وَأَنَّ صُورَتَهُ هَكَذَا brok٠٠٠٤-٠١٩٨-٠٠٠٥.jpg
وَضَابِطُهُ أَنَّك لَوْ جَمَعْت أَعْدَادَ الْخَانَاتِ الْعَمُودِيَّةِ أَوْ الْمُسْتَطِيلَةِ أَوْ الْخَانَتَيْنِ الْأُفُقِيَّةِ لَكَانَ مَجْمُوعُ كُلٍّ مِنْ الْخَانَاتِ وَالْخَانَتَيْنِ الْأُفُقِيَّةِ وَاحِدًا وَهُوَ عَدَدُ (٦٦) وَإِنَّك تَكْتُبُ فِي وَسَطِهِ الْخَالِي حَاجَتَك الَّتِي تُرِيدُ قَضَاءَهَا وَتَبْتَدِئُ بِعَدَدِ (٣١) وَتَخْتِمُ بِعَدَدِ (٣٥) فَافْهَمْ.
وَإِمَّا مُرَبَّعٌ كَمُرَبِّعِ بُدُوحٍ الَّذِي ذَكَرَهُ الْبَوْنِيُّ فِي شَمْسِ الْمَعَارِفِ الْكُبْرَى، وَأَنَّهُ يَكْتُبُ فِي رَقٍّ طَاهِرٍ وَيُعَلَّقُ عَلَى الشَّخْصِ لِتَيْسِيرِ الْفَهْمِ وَالْحِفْظِ وَالْحِكْمَةِ وَلِتَعْظِيمِ الْقَدْرِ عِنْدَ النَّاسِ وَفِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَعَلَى الْمَسْجُونِ لِإِطْلَاقِهِ مِنْ السِّجْنِ سَرِيعًا وَعَلَى الرَّايَةِ لِهَزْمِ الْأَعْدَاءِ مِنْ الْكَفَرَةِ وَالْبَاغِينَ، وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُرَقِّمَ بِالْأَعْدَادِ هَكَذَا brok٠٠٠٤-٠١٩٨-٠٠٠٦.jpg
، وَإِمَّا أَنْ يُوضَعَ مَحَلُّ الْأَعْدَادِ حُرُوفٌ هَكَذَا brok٠٠٠٤-٠١٩٨-٠٠٠٧.jpg
وَذَكَرَ لِكِتَابَتِهِ شُرُوطًا، وَإِمَّا مُخَمَّسٌ، وَإِمَّا مُسَدَّسٌ، وَإِمَّا مُسَبَّعٌ كَمُسَبَّعِ السَّلَّالَةِ الَّذِي ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِهِ رُشْدَ الْغَافِلِ أَنَّهُ يَكْتُبُ لِشِفَاءِ مَنْ فُعِلَ بِهِ مَصُّ الدَّمِ أَوْ نَزْعُ الْقَلْبِ الْمُسَمَّى بِالسُّلَالَةِ هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْجَدْوَلُ الْمُسَبَّعُ بَعْدَهَا فِي وَرَقَتَيْنِ إحْدَاهُمَا تُجْعَلُ عَلَى
стр. 954
شُرُوطٌ قَطْعًا كَسَائِرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فَإِنْ كَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ فَأَسْبَابُ التَّوَارُثِ مَعْلُومَةٌ أَيْضًا فَالصَّوَابُ اسْتِيعَابُ الثَّلَاثَةِ كَسَائِرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَإِنْ قَالُوا لَا شُرُوطَ لِلتَّوَارُثِ بَلْ أَسْبَابٌ وَمَوَانِعُ فَقَطْ فَضَوَابِطُ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَانِعِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ الْفُضَلَاءُ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الْحَقَائِقِ فَحَكِّمُوا الْحُدُودَ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ السَّبَبَ يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ وَالشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ وَالْمَانِعُ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ فَبِهَذِهِ الْحُدُودِ وَالضَّوَابِطِ يَظْهَرُ أَنَّ لِلتَّوَارُثِ شُرُوطًا وَهَا أَنَا أَذْكُرُهَا عَلَى هَذَا الضَّابِطِ فَأَقُولُ: شُرُوطُ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ كَالْأَسْبَابِ تَقَدُّمُ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ عَلَى الْوَارِثِ، وَاسْتِقْرَارُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَهُ كَالْجَنِينِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَهَا أَنَا أَذْكُرُهَا عَلَى هَذَا الضَّابِطِ فَأَقُولُ: شُرُوطُ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ كَالْأَسْبَابِ تَقَدُّمُ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ عَلَى الْوَارِثِ، وَاسْتِقْرَارُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَهُ كَالْجَنِينِ) قُلْت: لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ الْمَوْرُوثِ وَجَعْلِهِ شَرْطًا، وَحَيَاةُ الْوَارِثِ بَعْدَهُ شَرْطًا آخَرَ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْمَوْرُوثِ بِنَفْسِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْوَارِثِ شَرْطًا لِامْتِنَاعِ تَوْرِيثِ مَنْ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ فِيهِمَا بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ وَلِصِحَّةِ التَّوْرِيثِ بِالتَّعْمِيرِ فِي الْمَفْقُودِ بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّ شَرْطَ الْإِرْثِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْعِلْمُ أَوْ الْحُكْمُ بِحَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ وَبِنِسْبَتِهِ وَرُتْبَتِهِ مِنْهُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
النَّارِ وَتُبَخَّرُ لَهُ وَالْأُخْرَى تُعَلَّقُ عَلَيْهِ وَصُورَةُ كِتَابَةِ الْآيَاتِ وَالْجَدْوَلِ هَكَذَا ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ [النساء: ١٤١] ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا - وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦] ، ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] ، ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ ضَبْطَهُ بِقَوْلِهِ brok٠٠٠٤-٠١٩٩-٠٠٠١.jpg:
وَإِنْ تُرِدْ لِجَدْوَلِ السَّلَّالَةِ ... فَخُذْهُ بِالنَّظْمِ وَعِ الْمَقَالَةِ
مُجَدْوَلٌ مُسَبَّعٌ بَعْدَ الْآيَاتِ ... مُعَمَّرٌ بِذِي الْحُرُوفِ بِالثَّبَاتِ
فَجّ شث ظخز بِصَدْرِ أَوَّلٍ ... وَابْدَأْ بِثَانِيهَا وَاخْتِمْ بِأَوَّلِ
وَانْحَ لِذَاكَ النَّحْوِ حَتَّى تَنْتَهِيَ ... بُيُوتُهُ فَخُذْ لِذَا النَّظْمِ الشَّهِيِّ
قَالَ الْأَصْلُ وَلِلْأَوْفَاقِ كُتُبٌ مَوْضُوعَةٌ لِتَعْرِيفِ كَيْفَ تُوضَعُ حَتَّى تَصْبِرَ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ مِنْ الِاسْتِوَاءِ، وَهِيَ كُلَّمَا كَثُرَتْ كَانَ وَضْعُهَا أَعْسَرَ، وَالضَّوَابِطُ الْمَوْضُوعَةُ لَهَا حَسَنَةٌ نَفِيسَةٌ لَا تَتَخَرَّمُ إذَا عُرِفَتْ أَعْنِي فِي صُورَةِ الْوَضْعِ، وَأَمَّا مَا يُنْسَبُ إلَيْهَا مِنْ الْآثَارِ فَقَلِيلَةُ الْوُقُوعِ أَوْ عَدِيمَتُهُ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ مَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَتَبِعَهُ ابْنُ زِكْرِيٍّ فِي شَرْحِ النَّصِيحَةِ وَكَذَا الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ فِي شَرْحِهِ عَلَى نَظْمِهِ رُشْدِ الْغَافِلِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدُ وَلِشِفَاءِ مَنْ فُعِلَ بِهِ الْمَصُّ لِلدَّمِ وَالنَّزْعُ لِلْقَلْبِ الْمُسَمَّى بِالسَّلَّالَةِ تُكْتَبُ هَذِهِ الْآيَاتُ وَالْجَدْوَلُ بَعْدَهَا إلَخْ وَلِلْمُعَاصِرِ الْفَاضِلِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ حَبِيبِ اللَّهِ مِنْ أَبْيَاتٍ نَظَمَهَا فِي مُسَبَّعِ السَّلَّالَةِ قَوْلُهُ:
هَذَا سَبْعٌ لِسِحْرٍ دَافِعٍ ... وَأَنَّهُ فِي بَابِهِ لِنَافِعٍ
يُعْرَفُ عِنْدَ عُلَمَاءِ السِّرِّ ... مُسَبَّعُ السَّلِّ مُفِيدُ الضُّرِّ
وَهُوَ مُجَرَّبٌ فَقَدْ جَرَّبْتُهُ ... وَنَفْعُهُ إذْ ذَاكَ قَدْ وَجَدْته
وَكَيْفَ لَا وَهُوَ كَلَامٌ طَيِّبٌ ... وَالْعُلَمَا فِي أَخْذِهِ قَدْ رَغِبُوا
وَفِيهِ أَسْمَاءٌ لِمَوْلَانَا عَلَا ... يَحْصُلُ نَفْعُهَا لِمَنْ ذَا اسْتَعْمَلَا
وَنَفْعُهُ اشْتَهَرَ فِي بِلَادِي ... وَطَنِنَا مِنْ حَاضِرٍ وَبَادِي
وَهُوَ مُضَافٌ لِكَلَامِ اللَّهِ ... فِي خَمْسِ آيَاتٍ عَلَى تَنَاهِي
تُنَاسِبُ الدَّفْعَ لِكُلِّ شَرٍّ ... لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ شَرَّ السِّحْرِ
وَأَفَادَنِي أَنَّ شَيْخَ أَشْيَاخِهِ سَيِّدِي مُحَمَّدَ الْخَلِيفَةَ ابْنَ الشَّيْخِ سَيِّدِي الْمُخْتَارِ الْكَنَّتَيْ فِي كِتَابِهِ الطَّرَائِفِ اعْتَرَضَ قَوْلَ الْأَصْلِ أَوْ عَدِيمَتَهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ بِالتَّجْرِبَةِ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ فَقَلِيلَةُ الْوُقُوعِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ لِفَقْدِ شَرْطِهَا فِي النَّاسِ وَهُوَ التَّقْوَى أَمَّا إذَا تَحَقَّقَ الشَّرْطُ فَتَحَقُّقُ الْمَشْرُوطِ ضَرُورِيٌّ اهـ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الْوَصْلُ الْخَامِسُ) الطَّلْسَمَاتُ حَقِيقَتُهَا نَقْشُ أَسْمَاءٍ خَاصَّةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ بِالْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ عَلَى زَعْمِ أَهْلِ الطَّلَاسِمِ فِي جِسْمٍ مِنْ الْمَعَادِنِ أَوْ غَيْرِهَا تَحْدُثُ بِهَا آثَارٌ خَاصَّةٌ رُبِطَتْ بِهَا فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ، وَلَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنْ قُوَّةِ نَفْسٍ صَالِحَةٍ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ فَلَيْسَ كُلُّ النُّفُوسِ مَجْبُولَةً عَلَى ذَلِكَ بَلْ بَعْضُ النَّاسِ لَا تَجْرِي الْخَاصِّيَّةُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى يَدِهِ فَلَا بُدَّ فِي الطَّلْسَمِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ
стр. 955
وَالْعِلْمُ بِالْقُرْبِ وَالدَّرَجَةِ الَّتِي اجْتَمَعَا فِيهَا احْتِرَازًا مِنْ مَوْتِ رَجُلٍ مِنْ مَضْرَ أَوْ قُرَيْشٍ لَا يُعْلَمُ لَهُ قَرِيبٌ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ كُلَّ قُرَشِيٍّ ابْنُ عَمِّهِ، وَلَا مِيرَاثَ لِبَيْتِ الْمَالِ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَكِنَّهُ فَاتَ شَرْطُهُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِدَرَجَتِهِ مِنْهُ فَمَا مِنْ قُرَشِيٍّ إلَّا لَعَلَّ غَيْرَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ فَهَذِهِ شُرُوطٌ لَا يُؤَثِّرُ وُجُودُهَا إلَّا فِي نُهُوضِ الْأَسْبَابِ لِتَرَتُّبِ مُسَبِّبَاتِهَا عَلَيْهَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ، بَلْ الْوُجُودُ إنْ وَقَعَ فَهُوَ لِوُجُودِ الْأَسْبَابِ لَا لَهَا، وَإِنْ وَقَعَ الْعَدَمُ عِنْدَ وُجُودِهَا فَلِعَدَمِ السَّبَبِ أَوْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ قَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَتَكُونُ شُرُوطًا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (وَالْعِلْمُ بِالْقُرْبِ وَبِالدَّرَجَةِ الَّتِي اجْتَمَعَا فِيهَا احْتِرَازًا مِنْ مَوْتِ رَجُلٍ مِنْ مُضَرَ أَوْ مِنْ قُرَيْشٍ لَا يُعْلَمُ لَهُ قَرِيبٌ، فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ كُلَّ قُرَشِيٍّ ابْنُ عَمِّهِ، وَلَا مِيرَاثَ لِبَيْتِ الْمَالِ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَكِنَّهُ فَاتَ شَرْطُهُ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِدَرَجَتِهِ مِنْهُ فَمَا مِنْ قُرَشِيٍّ إلَّا لَعَلَّ غَيْرَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ نَقَصَهُ الْحُكْمُ بِالْقُرْبِ وَالدَّرَجَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ قَالَ: (فَهَذِهِ شُرُوطٌ لَا يُؤَثِّرُ وُجُودُهَا إلَّا فِي نُهُوضِ الْأَسْبَابِ لِتَرَتُّبِ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَيْهَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ بَلْ الْوُجُودُ إنْ وَقَعَ فَهُوَ لِوُجُودِ الْأَسْبَابِ لَا لَهَا، وَإِنْ وَقَعَ الْعَدَمُ عِنْدَ وُجُودِهَا فَلِعَدَمِ السَّبَبِ أَوْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ قَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَتَكُونُ شُرُوطًا) قُلْت: قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْطٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعِلْمُ بِحَيَاةِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْأَوَّلُ: الْأَسْمَاءُ الْمَخْصُوصَةُ وَالثَّانِي تَعَلُّقُهَا بِبَعْضِ أَجْزَاءِ الْفَلَكِ. وَالثَّالِثُ جَعْلُهَا فِي جِسْمٍ مِنْ الْأَجْسَامِ. وَالرَّابِعُ قُوَّةُ النَّفْسِ الصَّالِحَةِ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ، قَالَهُ الْأَصْلُ.
وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ: وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ شَرْعًا ثُمَّ مَنْ اعْتَقَدَ لَهَا فِعْلًا وَتَأْثِيرًا فَذَلِكَ كُفْرٌ، وَإِلَّا فَعِلْمُهَا مَعْصِيَةٌ غَيْرُ كُفْرٍ إمَّا مُطْلَقًا، وَإِمَّا مَا يُؤَدِّي مِنْهَا إلَى مَضَرَّةٍ دُونَ مَا يُؤَدِّي إلَى مَنْفَعَةٍ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ بِلَفْظِهِ.
(الْوَصْلُ السَّادِسُ) الْعَزَائِمُ قَالَ الْأَصْلُ: حَقِيقَتُهَا كَلِمَاتٌ، وَأَسْمَاءٌ يَزْعُمُ أَهْلُ هَذَا الْعِلْمِ أَنَّهَا تُعَظِّمُهَا الْمَلَائِكَةُ فَمَتَى أَقْسَمَ عَلَيْهَا بِهَا أَطَاعَتْ، وَأَجَابَتْ وَفَعَلَتْ مَا طَلَبَ مِنْهَا فَالْمُعَزِّمُ يُقْسِمُ بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ عَلَى ذَلِكَ الْمَلَكِ فَيُحْضِرُ الْقَبِيلَ مِنْ الْجَانِّ الَّذِي طَلَبَهُ أَوْ الشَّخْصَ مِنْهُمْ فَيَحْكُمُ فِيهِ بِمَا يُرِيدُ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ لَمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَجَدَ الْجَانَّ يَعْبَثُونَ بِبَنِي آدَمَ وَيَسْخَرُونَ بِهِمْ فِي الْأَسْوَاقِ وَيَخْطَفُونَهُمْ مِنْ الطُّرُقَاتِ فَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى كُلِّ قَبِيلٍ مِنْ الْجَانِّ مَلِكًا يَضْبِطُهُمْ عَنْ الْفَسَادِ فَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمَلَائِكَةَ عَلَى قَبَائِلِ الْجِنِّ فَمَنَعُوهُمْ مِنْ الْفَسَادِ وَمُخَالَطَةِ النَّاسِ، وَأَلْزَمَهُمْ سُلَيْمَانُ ﵇ سُكْنَى الْقِفَارِ وَالْخَرَابِ مِنْ الْأَرْضِ دُونَ الْعَامِرِ لِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِمْ وَيَزْعُمُونَ أَيْضًا أَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ أَسْمَاءً أُمِرَتْ بِتَعْظِيمِهَا فَإِذَا عَنَى الْقَبِيلُ مِنْ الْجَانِّ أَوْ الشَّخْصُ مِنْهُمْ ذَكَرَ الْمُعَزِّمُ الْأَسْمَاءَ الَّتِي تُعَظِّمُهَا تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ لِيُحْضِرُوا لَهُ مَنْ عَنَى وَأَفْسَدَ مِنْ الْجَانِّ لِيَحْكُمَ فِيهِ بِمَا يُرِيدُ وَيَزْعُمُونَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْبَابَ إنَّمَا دَخَلَهُ الْخَلَلُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ ضَبْطِ تِلْكَ الْأَسْمَاءِ فَإِنَّهَا أَعْجَمِيَّةٌ لَا يُدْرَى وَزْنُ صِيَغِهَا، وَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا يَشُكُّ فِيهِ هَلْ هُوَ بِالضَّمِّ أَوْ الْفَتْحِ أَوْ الْكَسْرِ وَرُبَّمَا أَسْقَطَ النُّسَّاخُ بَعْضَ حُرُوفِ الِاسْمِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَيَخْتَلُّ الْعَمَلُ فَإِنَّ الْمُقْسَمَ بِهِ لَفْظٌ آخَرُ لَا يُعَظِّمُهُ ذَلِكَ الْمَلَكُ فَلَا يُجِيبُ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْمُعَزِّمِ قَالَهُ الْأَصْلُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ، وَلَمْ يَذْكُرْ حُكْمَ الْعَزَائِمِ فِي الشَّرْعِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الرُّقَى إذَا تَحَقَّقَتْ وَتَحَقَّقَ أَنْ لَا مَحْذُورَ فِي تِلْكَ الْأَلْفَاظِ اهـ فَافْهَمْ.
(الْوَصْلُ السَّابِعُ) الِاسْتِخْدَامَاتُ لِرُوحَانِيَّاتِ الْكَوَاكِبِ وَلِمُلُوكِ الْجَانِّ حَقِيقَتُهَا كَلِمَاتٌ خَاصَّةٌ مَوْضُوعَةٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ هَذَا الْعِلْمِ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا إذَا حَصَلَتْ مَعَ الْبَخُورِ الْخَاصِّ وَاللِّبَاسِ الْخَاصِّ عَلَى الَّذِي يُبَاشِرُ الْبَخُورَ، وَمَعَ الْأَفْعَالِ الْخَاصَّةِ الَّتِي اسْتَوْعَبُوا فِي كُتُبِهِمْ اشْتِرَاطَهَا كَانَتْ رُوحَانِيَّةُ ذَلِكَ الْكَوْكَبِ مُطِيعَةً لَهُ وَكَذَلِكَ يَكُونُ كُلُّ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْجَانِّ مُطِيعًا لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ لِلْكَوَاكِبِ إدْرَاكَاتٍ رُوحَانِيَّةً فَإِذَا قُوبِلَتْ الْكَوَاكِبُ أَوْ مُلُوكُ الْجَانِّ بِبَخُورٍ خَاصٍّ وَلِبَاسٍ خَاصٍّ عَلَى الَّذِي يُبَاشِرُ الْبَخُورَ وَرُبَّمَا تَقَدَّمَتْ مِنْهُ أَفْعَالٌ خَاصَّةٌ مِنْهَا مَا هُوَ مُحَرَّمٌ فِي الشَّرْعِ كَاللِّوَاطِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ كَالسُّجُودِ لِلْكَوَاكِبِ أَوْ مَلِكِ الْجِنِّ وَكَذَلِكَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي يُخَاطِبُ بِهَا الْكَوَاكِبَ أَوْ مَلِكَ الْجِنِّ مِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صَرِيحٌ كَنِدَائِهِ بِلَفْظِ الْآلِهِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمِنْهَا مَا هُوَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ عَلَى قَدْرِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْمَوْضُوعَةِ فِي كُتُبِهِمْ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الْكُفْرُ فَلَا جَرَمَ لَا يَشْتَغِلُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ مُفْلِحٌ قَالَهُ الْأَصْلُ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
٢ -
(خَاتِمَةٌ) أَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَهَا فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ الْبَاجِيَّ قَدْ ذَكَرَ النَّاسُ فِي أَمْرِ الْعَيْنِ وُجُوهًا أَصَحُّهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ أَجْرَى الْعَادَةَ عِنْدَ تَعَجُّبِ النَّاظِرِ مِنْ أَمْرٍ وَنُطْقِهِ دُونَ أَنْ يُبَرِّكَ أَنْ يَمْرَضَ الْمُتَعَجَّبُ مِنْهُ أَوْ يَتْلَفَ أَوْ يَتَغَيَّرَ؛ لِأَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ بَارَكَ اللَّهُ فِيهِ بَطَلَ الْمَعْنَى الَّذِي يَخَافُ مِنْ الْعَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِيرٌ فَإِنْ لَمْ يُبَرِّكَ أَوْقَعَ اللَّهُ مَا أَجْرَى بِهِ الْعَادَةَ عِنْدَ ذَلِكَ وَقَدْ يَتَلَافَى ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِمَا أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْبَارِي سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ لِمَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَيْسَ فِيهَا حَرَكَةٌ، وَلَا سَكْنَةٌ، وَلَا كَلِمَةٌ، وَلَا لَفْظَةٌ إلَّا سُبْحَانَهُ خَالِقُهَا فِي الْعَبْدِ وَهُوَ مُقَدِّرُهَا
стр. 956
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا شُكَّ فِيهِ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَمُ، وَكَذَلِكَ السَّبَبُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ الْعَدَمُ بَلْ يَتَرَتَّبُ الثُّبُوتُ بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ، وَهَذَا أَيْضًا يُوَضِّحُ لَك شَرْطِيَّةَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَلَا فِي الْمَوَانِعِ بَلْ أُهْمِلَتْ وَذِكْرُهَا مُتَعَيِّنٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَسْبَابِ وَأَمَّا الْمَوَانِعُ فَأَقْصَى مَا ذُكِرَ فِيهَا أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَغَالِبُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ الْكُفْرُ وَالْقَتْلُ وَالرِّقُّ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الشَّكَّ احْتِرَازًا مِنْ أَهْلِ السَّفِينَةِ أَوْ الرَّدْمِ فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمْ، وَاللِّعَانَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ إرْثِ الْأَبِ وَالْإِرْثِ مِنْهُ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوَاعِدِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ وَبِقَرَابَتِهِ وَرُتْبَتِهِ مِنْهُ أَوْ الْحُكْمُ بِذَلِكَ قَالَ
(وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْضًا أَوَّلَ الْكِتَابِ أَنَّ الشَّرْطَ إذَا شُكَّ فِيهِ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْعَدَمُ، وَكَذَلِكَ السَّبَبُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الشَّكِّ فِي الْمَانِعِ الْعَدَمُ بَلْ يَتَرَتَّبُ الثُّبُوتُ بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ وَهَذَا أَيْضًا يُوَضِّحُ لَك شَرْطِيَّةَ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَلَا فِي الْمَوَانِعِ بَلْ أُهْمِلَتْ وَذِكْرُهَا مُتَعَيِّنٌ) قُلْت: قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَيْسَتْ ثَلَاثَةً بَلْ شَرْطٌ وَاحِدٌ فَقَطْ قَالَ (وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْأَسْبَابِ وَأَمَّا الْمَوَانِعُ فَأَقْصَى مَا ذُكِرَ فِيهَا أَنَّهَا خَمْسَةٌ وَغَالِبُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ الْكُفْرُ وَالْقَتْلُ وَالرِّقُّ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الشَّكَّ احْتِرَازًا مِنْ أَهْلِ السَّفِينَةِ أَوْ الرَّدْمِ فَإِنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمْ وَاللِّعَانَ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ إرْثِ الْأَبِ وَالْإِرْثِ مِنْهُ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوَاعِدِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَهُ هُوَ تَعَالَى رَتَّبَ أَفْعَالَهُ وَرَتَّبَ أَسْبَابَهَا وَرَتَّبَ الْعَوَائِدَ عَلَى أَسْبَابٍ. مِثَالُ ذَلِكَ: الْعَيْنُ فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا رَأَتْ صُورَةً تَسْتَحْسِنُهَا فَغَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَاسْتَوْلَى ذَلِكَ عَلَى الْقَلْبِ فَإِنْ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ شَيْئًا، وَإِنْ نَطَقَتْ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالتَّعَجُّبِ مِنْ الْجَمَالِ فَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِأَنَّهُ إذَا خَلَقَ النُّطْقَ بِالِاسْتِحْسَانِ وَالتَّعَجُّبِ مَثَلًا مِنْ الْعَائِنِ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَدَنِ الْمُعَيَّنِ الْمَرَضَ وَالْهَلَكَةَ عَلَى قَدْرِ مَا يُرِيدُ اللَّهُ فَلِذَلِكَ نَهَى الْعَائِنَ عَنْ الْقَوْلِ، وَالْبَارِي تَعَالَى وَإِنْ كَانَ قَدْ سَبَقَ فِي حُكْمِهِ الْوُجُودُ بِذَلِكَ فَقَدْ سَبَقَ مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّ الْعَائِنَ إذَا بَرَّكَ سَقَطَ حُكْمُ فِعْلِهِ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ، وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ يَرُدُّ قَضَاءَهُ بِقَضَائِهِ، وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَنْ جَعَلَ وُضُوءَ الْعَائِنِ يُسْقِطُ أَثَرَ عَيْنِهِ وَذَلِكَ بِخَاصَّةٍ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا خَالِقُ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَكَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ عِنْدَ قَوْلِ السَّاحِرِ وَفِعْلِهِ فِي جِسْمِ الْمَسْحُورِ أَوْ مَالِهِ وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ بِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ. وَمِنْ فُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفَضْلِهَا وَحِكْمَتِهَا الْبَالِغَةِ مَا وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الرُّقَى مِنْ إذْهَابِ الْأَمْرَاضِ مِنْ الْأَبْدَانِ بِهَا وَإِبْطَالِ سِحْرِ السَّاحِرِ وَرَدِّ عَيْنِ الْعَائِنِ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ بِهَا وَدَفْعِ كُلِّ ضَرَرٍ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْبَارِئُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَلَقَ الشِّفَاءَ عِنْدَ الِاسْتِرْقَاءِ كَمَا خَلَقَ الشِّفَاءَ مِنْ الدَّاءِ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الدَّوَاءِ، وَلَا حَظَّ لِلدَّوَاءِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يَصِحُّ فِي عَقْلِ عَاقِلٍ أَنْ يَكُونَ جَمَادٌ فَاعِلًا وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَصْرِفُ الْأَعْمَالَ الْغَرِيبَةَ دَاخِلَ الْبَدَنِ بِالْأَدْوِيَةِ كَذَلِكَ يَصْرِفُهَا خَارِجَ الْبَدَنِ بِالرُّقَى وَالتَّعْوِيذِ وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ، وَالشَّاهِدُ أَقْوَى مِنْ الدَّلِيلِ النَّظَرِيِّ. اهـ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقَاعِدَةِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَقَاعِدَةِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَكَذَا بَيْنَهُمْ وَقِتَالِهِمْ وَبَيْنَ الْمُحَارِبِينَ وَقِتَالِهِمْ) فَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُحَارِبِينَ بِوَجْهَيْنِ. (الْأَوَّلِ) الْبُغَاةِ قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ هُمْ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ عَلَى الْإِمَامِ يَبْغُونَ خَلْعَهُ أَوْ مَنْعَ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ وَمَنْعَ حَقٍّ وَاجِبٍ بِتَأْوِيلٍ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵃ قَالَ الْأَصْلُ، وَمَا عَلِمْت فِي ذَلِكَ خِلَافًا. اهـ. وَالْمُحَارِبُونَ جَمْعُ مُحَارِبٍ وَهُوَ كَمَا فِي خَلِيلٍ، وَأَقْرَبِ الْمَسَالِكِ قَاطِعُ الطَّرِيقِ لِمَنْعِ سُلُوكٍ أَوْ آخِذُ مَالٍ مُحْتَرَمٍ، وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا، وَالْبُضْعُ أَحْرَى عَلَى وَجْهٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْغَوْثُ أَوْ مَذْهَبُ عَقْلٍ، وَلَوْ انْفَرَدَ، وَلَوْ بِبَلَدٍ كَمَسْقِيٍّ نَحْوِ سَيْكَرَانَ لِذَلِكَ، وَمُخَادِعُ مُمَيِّزٍ لِأَخْذِ مَا مَعَهُ بِتَعَذُّرِ غَوْثٍ، وَدَاخِلُ زُقَاقٍ أَوْ دَارٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا لِأَخْذِ مَالٍ بِقِتَالٍ.
(الْوَجْهِ الثَّانِي) نَقَلَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ الْبُغَاةَ وَلَّوْا قَاضِيًا أَوْ أَخَذُوا الزَّكَاةَ، وَأَقَامُوا حَدًّا نَفَذَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِلضَّرُورَةِ مَعَ التَّأْوِيلِ، وَبِهِ قَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ وَرَدَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كُلَّهُ لِعَدَمِ الْوِلَايَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْمُحَارِبُونَ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ قِتَالِهِمْ وَقِتَالِ الْمُحَارِبِينَ بِخَمْسَةِ وُجُوهٍ. (الْأَوَّلِ) أَنَّ الْمُحَارِبِينَ يُقَاتَلُونَ مُدْبِرِينَ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ. (الثَّانِي) أَنَّهُ يَجُوزُ تَعَمُّدُ قَتْلِهِمْ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ. (الثَّالِثِ) أَنَّهُمْ يُطَالَبُونَ بِمَا اسْتَهْلَكُوا مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ فِي الْحَرْبِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ الْبُغَاةِ. (الرَّابِعِ) أَنَّهُ يَجُوزُ حَبْسُ أَسْرَاهُمْ لِاسْتِبْرَاءِ أَحْوَالِهِمْ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ. (الْخَامِسِ) أَنَّ مَا أَخَذُوهُ مِنْ الْخَرَاجِ وَالزَّكَاةِ لَا يَسْقُطُ عَمَّنْ كَانَ عَلَيْهِ كَالْغَاصِبِ بِخِلَافِ الْبُغَاةِ.
وَيُفَرَّقُ بَيْنَ قِتَالِهِمْ وَقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا: الْأَوَّلِ أَنْ يَقْصِدَ بِقِتَالِهِمْ رَدْعَهُمْ لَا قَتْلَهُمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. الثَّانِي أَنْ يَكُفَّ عَنْ مُدْبِرِهِمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. الثَّالِثِ أَنْ لَا يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. الرَّابِعِ أَنْ لَا يَقْتُلَ أَسْرَاهُمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. الْخَامِسِ أَنْ لَا تُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. السَّادِسِ أَنْ لَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. السَّابِعِ أَنْ لَا يُسْتَعَانَ عَلَى قِتَالِهِمْ بِمُشْرِكٍ بِخِلَافِ
стр. 957
الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْبِدَعِ وَيُنْهَى عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْهَا)
اعْلَمْ أَنَّ الْأَصْحَابَ - فِيمَا رَأَيْت - مُتَّفِقُونَ عَلَى إنْكَارِ الْبِدَعِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ
(قِسْمٌ) وَاجِبٌ، وَهُوَ مَا تَتَنَاوَلُهُ قَوَاعِدُ الْوُجُوبِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرْعِ كَتَدْوِينِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَائِعِ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ فَإِنَّ التَّبْلِيغَ لِمَنْ بَعْدَنَا مِنْ الْقُرُونِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا، وَإِهْمَالُ ذَلِكَ حَرَامٌ إجْمَاعًا فَمِثْلُ هَذَا النَّوْعِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ فِي وُجُوبِهِ
(الْقِسْمُ الثَّانِي) : مُحَرَّمٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ تَنَاوَلَتْهَا قَوَاعِدُ التَّحْرِيمِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرِيعَةِ كَالْمُكُوسِ وَالْمُحْدَثَاتِ مِنْ الْمَظَالِمِ الْمُنَافِيَةِ لِقَوَاعِدِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ) قُلْت: لَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْمَوَانِعَ خَمْسَةٌ بَلْ هِيَ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ فَإِنَّ الشَّكَّ فِي أَهْلِ السَّفِينَةِ وَالرَّدْمِ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِقْدَانِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْعِلْمُ أَوْ الْحُكْمُ بِتَقَدُّمِ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ، وَكَذَلِكَ اللِّعَانُ لَيْسَ بِمَانِعٍ بَلْ هُوَ سَبَبٌ فِي فِقْدَانِ السَّبَبِ، وَهُوَ النَّسَبُ وَلَيْتَ شِعْرِي لِمَ لَمْ يُحَكِّمْ هُنَا الْحُدُودَ كَمَا ذَكَرَهُ قَبْلُ عَنْ الْفُضَلَاءِ وَجَمِيعُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْفَرْقَيْنِ بَعْدَ هَذَا صَحِيحٌ، وَكَذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْفَرْقِ بَعْدَهُمَا، وَهُوَ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ إلَّا قَوْلَهُ: وَقِيلَ بِالْعَكْسِ فَإِنِّي لَا أَدْرِي الْآنَ مُرَادَهُ بِذَلِكَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْمُشْرِكِينَ. الثَّامِنِ أَنْ لَا نَدَعَهُمْ عَلَى مَالٍ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. التَّاسِعِ أَنْ لَا تُنْصَبَ عَلَيْهِمْ الرَّعَّادَاتُ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. الْعَاشِرِ أَنْ لَا تُحَرَّقَ عَلَيْهِمْ الْمَسَاكِنُ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ. الْحَادِي عَشَرَ أَنْ لَا يُقْطَعَ شَجَرُهُمْ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِينَ، قَالَهُ الْأَصْلُ، وَسَلَّمَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ شُبْهَةٌ تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ]
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا هُوَ شُبْهَةٌ تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ وَقَاعِدَةِ مَا لَيْسَ كَذَلِكَ) . وَهُوَ أَنَّ ضَابِطَ الشُّبْهَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي إسْقَاطِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فِي إفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ أَمْرَانِ. (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) أَنْ لَا تَخْرُجَ عَنْ شُبُهَاتٍ ثَلَاثٍ. (الْأُولَى) الشُّبْهَةُ فِي الْوَاطِئِ كَاعْتِقَادِ أَنَّ هَذِهِ الْأَجْنَبِيَّةَ امْرَأَتُهُ أَوْ مَمْلُوكَتُهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَالِاعْتِقَادُ الَّذِي هُوَ جَهْلٌ مُرَكَّبٌ وَغَيْرُ مُطَابِقٍ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُعْتَقِدٌ الْإِبَاحَةَ، وَعَدَمُ الْمُطَابَقَةِ فِي اعْتِقَادِهِ يَقْتَضِي الْحَدَّ فَحَصَلَ الِاشْتِبَاهُ وَهِيَ عَيْنُ الشُّبْهَةِ. (الثَّانِيَةِ) الشُّبْهَةُ فِي الْمَوْطُوءَةِ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ إذَا وَطِئَهَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ فَمَا فِيهَا مِنْ نَصِيبِهِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ، وَمَا فِيهَا مِنْ مِلْكِ غَيْرِهِ يَقْتَضِي الْحَدَّ فَحَصَلَ الِاشْتِبَاهُ وَهِيَ عَيْنُ الشُّبْهَةِ. (الثَّالِثَةِ) الشُّبْهَةُ فِي الطَّرِيقِ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي إبَاحَةِ الْمَوْطُوءَةِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّ قَوْلَ الْمُحْرِمِ يَقْتَضِي الْحَدَّ وَقَوْلَ الْمُبِيحِ يَقْتَضِي عَدَمَ الْحَدِّ فَحَصَلَ الِاشْتِبَاهُ وَهِيَ عَيْنُ الشُّبْهَةِ. (الْأَمْرُ الثَّانِي) تَحَقَّقَ شَرْطُهَا وَهُوَ اعْتِقَادُ الْمُقْدِمِ مُقَارَنَةَ السَّبَبِ الْمُبِيحِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فِي حُصُولِ السَّبَبِ، وَإِلَى أَمْثِلَةِ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ إذَا جَامَعَ فِي رَمَضَانَ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ صَوْمَهُ فَتَعَمَّدَ الْفِطْرَ ثَانِيَةً أَوْ امْرَأَةٌ رَأَتْ الطُّهْرَ فِي رَمَضَانَ لَيْلًا فَلَمْ تَغْتَسِلْ حَتَّى أَصْبَحَتْ فَظَنَّتْ أَنَّهُ لَا صَوْمَ لِمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ قَبْلَ الْفَجْرِ فَأَكَلَتْ أَوْ مُسَافِرٌ قَدِمَ إلَى أَهْلِهِ لَيْلًا فَظَنَّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ نَهَارًا قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ أَنَّ صَوْمَهُ لَا يُجْزِئُهُ، وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ فَأَفْطَرَ أَوْ عَبْدٌ بَعَثَهُ سَيِّدُهُ فِي رَمَضَانَ يَرْعَى غَنَمًا لَهُ عَلَى مَسِيرَةِ مِيلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ سَفَرٌ فَأَفْطَرَ فَلَيْسَ عَلَى هَؤُلَاءِ إلَّا الْقَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ اهـ.
وَقَالَ الْأَصْلُ: وَنَظِيرُ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ فِي الْكَفَّارَاتِ فِي الْحُدُودِ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ خَلٌّ أَوْ يَطَأَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً يَعْتَقِدُ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ فِي الْوَقْتِ الْحَاضِرِ، وَضَابِطُ الشُّبْهَةِ الَّتِي لَا تُعْتَبَرُ فِي إسْقَاطِ الْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ فِي فَسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ أَيْضًا أَمْرَانِ: (الْأَمْرُ الْأَوَّلُ) الْخُرُوجُ عَنْ الشُّبُهَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ كَمَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ مَبْتُوتَةً ثَلَاثًا قَبْلَ زَوْجٍ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ ذَاتِ مَحْرَمٍ عَامِدًا عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ أَوْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ رَمَضَانَ بِالْفِطْرِ. (الْأَمْرُ الثَّانِي) أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ، وَإِلَى أَمْثِلَتِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَقِبَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ وَمَا رَأَيْت مَالِكًا يَجْعَلُ الْكَفَّارَةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى التَّأْوِيلِ إلَّا امْرَأَةً قَالَتْ الْيَوْمَ أَحِيضُ وَكَانَ يَوْمُ حَيْضِهَا ذَلِكَ فَأَفْطَرَتْ أَوَّلَ نَهَارِهَا وَحَاضَتْ فِي آخِرِهِ وَاَلَّذِي يَقُولُ الْيَوْمَ يَوْمُ جُمَادَى فَيَأْكُلُ فِي رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَلَمْ يَمْرَضْ فِي آخِرِهِ مَرَضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ مَعَهُ فَقَالَ عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ اهـ.
وَقَالَ الْأَصْلُ: وَنَظِيرُ الْحَائِضِ وَالْمَرِيضِ فِي الْكَفَّارَاتِ فِي الْحُدُودِ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَصِيرُ خَلًّا أَوْ يَطَأَ امْرَأَةً يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا
стр. 958
الشَّرِيعَةِ كَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لَهَا بِطَرِيقِ التَّوَارُثِ وَجَعْلِ الْمُسْتَنَدِ لِذَلِكَ كَوْنُ الْمَنْصِبِ كَانَ لِأَبِيهِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِأَهْلٍ
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ) مِنْ الْبِدَعِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ النَّدْبِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرِيعَةِ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَإِقَامَةِ صُوَرِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَقَاصِدَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِعَظَمَةِ الْوُلَاةِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَكَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ مُعْظَمُ تَعْظِيمِهِمْ إنَّمَا هُوَ بِالدِّينِ وَسَابِقِ الْهِجْرَةِ ثُمَّ اخْتَلَّ النِّظَامُ وَذَهَبَ ذَلِكَ الْقَرْنُ وَحَدَثَ قَرْنٌ آخَرُ لَا يُعَظِّمُونَ إلَّا بِالصُّوَرِ فَيَتَعَيَّنُ تَفْخِيمُ الصُّوَرِ حَتَّى تَحْصُلَ الْمَصَالِحُ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَالْمِلْحَ وَيَفْرِضُ لِعَامِلِهِ نِصْفَ شَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَوْ عَمِلَهَا غَيْرُهُ لَهَانَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَلَمْ يَحْتَرِمُوهُ وَتَجَاسَرُوا عَلَيْهِ بِالْمُخَالَفَةِ فَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَضَعَ غَيْرَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لِحِفْظِ النِّظَامِ؛ وَلِذَلِكَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ وَوَجَدَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ قَدْ اتَّخَذَ الْحُجَّابَ وَأَرْخَى الْحِجَابَ، وَاِتَّخَذَ الْمَرَاكِبَ النَّفِيسَةَ وَالثِّيَابَ الْهَائِلَةَ الْعَلِيَّةَ، وَسَلَكَ مَا يَسْلُكُهُ الْمُلُوكُ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّا بِأَرْضٍ نَحْنُ فِيهَا مُحْتَاجُونَ لِهَذَا فَقَالَ لَهُ لَا آمُرُك، وَلَا أَنْهَاك وَمَعْنَاهُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِحَالِك هَلْ أَنْتَ مُحْتَاجٌ إلَى هَذَا فَيَكُونُ حَسَنًا أَوْ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْقُرُونِ وَالْأَحْوَالِ فَلِذَلِكَ يَحْتَاجُونَ إلَى تَجْدِيدِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ لِعَدَمِ اعْتِقَادِ مُقَارَنَةِ الْعِلْمِ لِسَبَبِهِ. قَالَ: وَوَجْهُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنَّ تِلْكَ اعْتَقَدَ فِيهَا الْمُقْدِمُ عَلَيْهَا اقْتِرَانَ السَّبَبِ الْمُبِيحِ فَأَوْقَعَتْ الْإِبَاحَةَ فِيهَا قَبْلَ سَبَبِهَا فَالْمُقْدِمُ فِي هَاتِهِ مُصِيبٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنْ الْمَرَضِ وَالْحَيْضِ وَصَيْرُورَةِ الْخَمْرِ خَلًّا وَالْعَقْدِ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ مُبِيحٌ، وَمُخْطِئٌ فِي التَّقَدُّمِ لِلْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ، وَالْمُقْدِمُ فِي تِلْكَ مُخْطِئٌ فِي حُصُولِ السَّبَبِ مُصِيبٌ فِي اعْتِقَادِهِ الْمُقَارَنَةَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَقْدِيمَ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ فَعُذِرَ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ فِي تِلْكَ، وَلَمْ يُعْذَرْ فِي هَاتِهِ بِالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ وَسِرُّ الْفَرْقِ أَنَّ تَقَدُّمَ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ بُطْلَانُهُ مَشْهُورٌ غَيْرُ مُلْتَبِسٍ فِي الشَّرِيعَةِ فَلَا صَلَاةَ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَا صَوْمَ قَبْلَ الْهِلَالِ، وَلَا عُقُوبَةَ قَبْلَ الْجِنَايَاتِ وَهُوَ كَثِيرٌ لَا يُعَدُّ، وَلَا يُحْصَى حَتَّى لَا يَكَادُ يُوجَدُ خِلَافُهُ أَلْبَتَّةَ، وَمَا هُوَ مَشْهُورٌ لَا يَكُونُ اللَّبْسُ فِيهِ عُذْرًا، وَأَمَّا اشْتِبَاهُ صُورَةِ الْأَسْبَابِ الْمُبِيحَةِ وَتَحْقِيقُ شُرُوطِهَا، وَمَقَادِيرِهَا فَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا فُحُولُ الْفُقَهَاءِ وَتَحْقِيقُهُ عَسِيرٌ عَلَى أَكْثَرِ النَّاسِ فَكَانَ اللَّبْسُ فِيهِ عُذْرًا.
قَالَ وَحَدِيثُ «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» الَّذِي يَسْتَدِلُّ بِهِ الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ إلَّا أَنَّ مُعْتَمَدَنَا فِيهَا مَا قَالَهُ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ أَجْمَعْنَا عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ كَانَ سَالِمًا عَنْ الشُّبْهَةِ، وَمَا قَصُرَ عَنْ مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ لَا يَلْحَقُ بِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ حَتَّى يَدُلَّ بِدَلِيلِ عَلَى إقَامَةِ الْحَدِّ فِي صُوَرِ الشُّبُهَاتِ. اهـ. وَهُوَ حَسَنٌ هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْقَذْفِ إذَا وَقَعَ مِنْ الْأَزْوَاجِ لِلزَّوْجَاتِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَمَاعَةِ يَقْذِفُهُمْ الْوَاحِدُ]
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْقَذْفِ إذَا وَقَعَ مِنْ الزَّوْجِ الْوَاحِدِ لِزَوْجَاتِهِ الْمُتَعَدِّدَاتِ يَتَعَدَّدُ اللِّعَانُ بِتَعَدُّدِهِنَّ قَذَفَهُنَّ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجْلِسَيْنِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْجَمَاعَةِ يَقْذِفُهُمْ الْوَاحِدَ يَتَّحِدُ الْحَدُّ فِيهِ عِنْدَنَا) . فَإِنْ قَامَ بِهِ وَاحِدٌ مِنْ الْجَمَاعَةِ سَقَطَ كُلُّ قَذْفٍ قَبْلَهُ وَقَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ بَنَاهُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ فَصَحَّ التَّدَاخُلُ فِيهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ أَوْ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَوْلَانِ عِنْدَهُمَا وَبَنَيَا ذَلِكَ عَلَى قَوْلِهِمَا إنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَيَتَعَدَّدُ وَعِنْدَنَا فِي أَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْ لَا قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْعَبْدِيُّ وَاللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُمَا فَكَانَ يَلْزَمُنَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَنَا قَوْلَانِ بِالتَّعَدُّدِ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حَنْبَلٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَبِالِاتِّحَادِ كَمَا قُلْنَا نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّ حُجَّتَنَا عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الِاتِّحَادِ وُجُوهٌ.
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) أَنَّ «هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ الْعَجْلَانِيَّ رَمَى امْرَأَتَهُ بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاء فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَدٌّ فِي ظَهْرِك أَوْ تَلْتَعِنُ» ، وَلَمْ يَقُلْ حَدَّانِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ عُمَرَ ﵁ جَلَدَ الشُّهُودَ عَلَى الْمُغِيرَةِ حَدًّا وَاحِدًا مَعَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَذَفَ الْمُغِيرَةَ وَالْمَزْنِيَّ بِهَا. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حَدّ قَذَفَةَ عَائِشَةَ ﵂ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مَعَ أَنَّهُمْ قَذَفُوا عَائِشَةَ ﵂ وَصَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطِّلِ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) الْقِيَاسُ عَلَى حَدِّ الزِّنَا.
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَذْفِ الزَّوْجِ لِزَوْجَاتِهِ الْأَرْبَعِ يَحْتَاجُ لِلْعَانَاتِ أَرْبَعٍ مَدْفُوعٌ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِوُجُوهٍ. (الْأَوَّلِ) أَنَّ اللِّعَانَ أَيْمَانٌ وَالْأَيْمَانُ لَا تَتَدَاخَلُ فَلَوْ وَجَبَ لِجَمَاعَةٍ أَيْمَانٌ لَمْ تَتَدَاخَلْ بِخِلَافِ الْحُدُودِ. (الثَّانِي) أَنَّ أَحْكَامَ اللِّعَانِ لَمَّا تَعَدَّدَتْ وَاخْتَلَفَتْ وَهِيَ تَوَجُّهُ الْحَدِّ عَلَى الْمَرْأَةِ وَانْتِفَاءُ النَّسَبِ وَالْمِيرَاثِ وَتَأَبُّدُ التَّحْرِيمِ وَوُقُوعُ الْفُرْقَةِ أَمْكَنَ ثُبُوتُ
стр. 959
زَخَارِفَ وَسِيَاسَاتٍ لَمْ تَكُنْ قَدِيمًا وَرُبَّمَا وَجَبَتْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ
(الْقِسْمُ الرَّابِعُ) بِدَعٌ مَكْرُوهَةٌ، وَهِيَ مَا تَنَاوَلَتْهُ أَدِلَّةُ الْكَرَاهَةِ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَقَوَاعِدُهَا كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِنَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ أَوْ لَيْلَتِهِ» بِقِيَامٍ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ الزِّيَادَةُ فِي الْمَنْدُوبَاتِ الْمَحْدُودَاتِ كَمَا وَرَدَ فِي التَّسْبِيحِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ فَيُفْعَلُ مِائَةٌ وَوَرَدَ صَاعٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ فَيُجْعَلُ عَشَرَةُ آصُعٍ بِسَبَبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا إظْهَارُ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ، وَقِلَّةُ أَدَبٍ مَعَهُ بَلْ شَأْنُ الْعُظَمَاءِ إذَا حَدَّدُوا شَيْئًا وُقِفَ عِنْدَهُ، وَالْخُرُوجُ عَنْهُ قِلَّةُ أَدَبٍ وَالزِّيَادَةُ فِي الْوَاجِبِ أَوْ عَلَيْهِ أَشَدُّ فِي الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ؛ وَلِذَلِكَ نَهَى مَالِكٌ عَنْ إيصَالِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ أَنَّهَا مِنْ رَمَضَانَ وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ إلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ فَصَلَّى الْفَرْضَ وَقَامَ لِيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: اجْلِسْ حَتَّى تَفْصِلَ بَيْنَ فَرْضِك وَنَفْلِك فَبِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَقَالَ لَهُ ﵇: أَصَابَ اللَّهُ بِك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» يُرِيدُ عُمَرُ أَنَّ مَنْ قَبْلَنَا وَصَلُوا النَّوَافِلَ بِالْفَرَائِضِ فَاعْتَقَدُوا الْجَمِيعَ وَاجِبًا، وَذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلشَّرَائِعِ، وَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا
(الْقِسْمُ الْخَامِسُ) الْبِدَعُ الْمُبَاحَةُ، وَهِيَ مَا تَنَاوَلْته أَدِلَّةُ الْإِبَاحَةِ وَقَوَاعِدُهَا مِنْ الشَّرِيعَةِ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ لِلدَّقِيقِ فَفِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بَرَاءَةِ هَذِهِ دُونَ هَذِهِ بِحَدٍّ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ فَنَاسَبَ إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِلِعَانٍ لِتَوَقُّعِ ثُبُوتِ بَعْضِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ فِي بَعْضٍ دُونَ الْبَاقِي وَالْمَقْصُودُ بِحَدِّ الْقَذْفِ وَاحِدٌ، وَهُوَ التَّشَفِّي وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِجَلْدٍ وَاحِدٍ. (وَالثَّالِثِ) أَنَّ الزَّوْجِيَّةَ مَطْلُوبَةٌ لِلْبَقَاءِ فَنَاسَبَ التَّغْلِيظَ بِالتَّعَدُّدِ، وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَاذِفِ وَالْمَقْذُوفِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ. (الْوَجْهِ السَّادِسِ) أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ بِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَلَا يَدْخُلُهُ التَّدَاخُلُ كَالْغَصْبِ أَوْ غَيْرِهِ وَبِأَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ فَلَا يَتَدَاخَلُ كَالْإِقْرَارِ بِالْمَالِ مَدْفُوعَانِ بِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ فَلَوْ غَلَبَ فِيهِ حَقُّ الْآدَمِيِّ لَمْ يَتَدَاخَلْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ كَمَا لَمْ يَتَدَاخَلْ الْإِتْلَافُ.
(الْوَجْهِ السَّابِعِ) أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] لَا يَقْتَضِي لُغَةً مِنْ جِهَةِ مُقَابَلَةِ جَمْعِ الْمُحْصَنَاتِ بِجَلْدِ ثَمَانِينَ أَنَّ حَدَّ الْجَمَاعَةِ يَكُونُ حَدًّا وَاحِدًا وَيَحْصُلُ التَّدَاخُلُ، وَإِنْ تَخَيَّلَهُ الطُّرْطُوشِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ فِي اللُّغَةِ تَارَةً تُوَزِّعُ الْأَفْرَادَ عَلَى الْأَفْرَادِ كَقَوْلِهِ ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَلَا يَصِحُّ إلَّا التَّوْزِيعُ، وَأَنَّ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ رَهْنًا يُؤْمَرُ بِهِ، وَكَقَوْلِنَا الدَّنَانِيرُ لِلْوَرَثَةِ، وَتَارَةً لَا يُوَزَّعُ الْجَمْعُ عَلَى الْجَمْعِ بَلْ يَثْبُتُ أَحَدُ الْجَمْعَيْنِ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ الْجَمْعِ الْآخَرِ نَحْوُ: الثَّمَانُونَ جَلْدُ الْقَذْفِ أَوْ جَلْدُ الْقَذْفَةِ ثَمَانُونَ، وَتَارَةً يَثْبُتُ الْجَمْعُ لِلْجَمْعِ، وَلَا يَحْكُمُ عَلَى الْأَفْرَادِ نَحْوُ: الْحُدُودُ لِلْجِنَايَاتِ إذَا قَصَدَ أَنَّ الْمَجْمُوعَ لِلْمَجْمُوعِ وَتَارَةً يَرِدُ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِلتَّوْزِيعِ وَعَدَمِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ﴾ [لقمان: ٨] فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَدَدُ جَنَّاتٍ بِمَعْنَى بَسَاتِينَ دَاخِلَ الْجَنَّةِ وَمَنَازِلَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُوَزَّعَ فَيَكُونُ لِبَعْضِهِمْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ وَلِبَعْضٍ جَنَّةُ الْمَأْوَى وَلِبَعْضِهِمْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَإِذَا اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَجَبَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ أَوْ الْمَجَازُ فَيَبْطُلُ اسْتِدْلَالُ الطُّرْطُوشِيِّ وَجَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ بِهِ عَلَى مُقَابَلَةِ الْجَمَاعَةِ الْمَقْذُوفَةِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ، هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ.
قُلْتُ وَفِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِ الْأَصْلِ: وَجَبَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ إلَخْ وَذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ حَقِيقَةً فِي أَحَدِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثِ بِلَا تَعْيِينٍ لِذَلِكَ الْأَحَدِ وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ بِالْقَرِينَةِ كَانَ هَذَا عَيْنَ الِاشْتِرَاكِ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ وَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي أَحَدِهَا مَعَ التَّعْيِينِ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فَلَا يَصِحُّ قَوْلُهُ أَوْ الْمَجَازِ نَعَمْ قَدْ يُقَالُ أَرَادَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَاهِيَّةَ الْكُلِّيَّةَ الصَّادِقَةَ عَلَى الْأَفْرَادِ الثَّلَاثَةِ كَالْإِنْسَانِ عَلَى أَفْرَادِهِ فَيَصِحُّ قَوْلُهُ لِئَلَّا يَلْزَمَ إلَخْ بِشِقَّيْهِ وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثِ حَقِيقَةً إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ فَرْدًا، وَمَجَازًا إنْ كَانَ مِنْ حَيْثُ خُصُوصُهُ عَلَى الصَّحِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحُدُودِ وَقَاعِدَةِ التَّعَازِيرِ]
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَتَيْ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ) . وَهُوَ مِنْ عَشَرَةِ وُجُوهٍ. (الْوَجْهِ الْأَوَّلِ) أَنَّ الْحَدَّ مُقَدَّرٌ شَرْعًا وَالتَّعْزِيرَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ شَرْعًا بَلْ قَدْ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ تَحْدِيدِ أَقَلِّهِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ أَكْثَرِهِ فَعِنْدَنَا هُوَ غَيْرُ مَحْدُودٍ بَلْ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ وَالْجَانِي وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ الْمَازِرِيُّ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى، وَأَمَّا تَحْدِيدُ الْعُقُوبَةِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وَقَالَ فِي الْمُعَلِّمِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُجِيزُ فِي الْعُقُوبَاتِ فَوْقَ الْحَدِّ وَقَالَ فِيهِ أَيْضًا، وَمَشْهُورُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُزَادُ عَلَى الْحُدُودِ وَقَدْ أَمَرَ مَالِكٌ بِضَرْبِ رَجُلٍ وُجِدَ مَعَ صَبِيٍّ قَدْ جَرَّدَهُ وَضَمَّهُ إلَى صَدْرِهِ
стр. 960
الْآثَارِ أَوَّلُ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتِّخَاذُ الْمَنَاخِلِ لِلدَّقِيقِ؛ لِأَنَّ تَلْيِينَ الْعَيْشِ وَإِصْلَاحَهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فَوَسَائِلُهُ مُبَاحَةُ فَالْبِدْعَةُ إذَا عَرَضَتْ تُعْرَضُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَأَدِلَّتِهَا فَأَيُّ شَيْءٍ تَنَاوَلَهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ وَالْقَوَاعِدِ أُلْحِقَتْ بِهِ مِنْ إيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَمَّا يَتَقَاضَاهَا كُرِهَتْ فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الِاتِّبَاعِ، وَالشَّرَّ كُلَّهُ فِي الِابْتِدَاعِ وَلِبَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُسَمَّى أَبَا الْعَبَّاسِ الْأَبْيَانِيَّ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ ثَلَاثٌ لَوْ كُتِبْنَ فِي ظُفْرٍ لَوَسِعَهُنَّ، وَفِيهِنَّ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اتَّبِعْ، وَلَا تَبْتَدِعْ اتَّضِعْ، وَلَا تَرْتَفِعْ مَنْ تَوَرَّعَ لَا يَتَّسِعُ
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَقَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] وَقَالَ ﵇ «الْغِيبَةُ أَنْ تَذْكُرَ فِي الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ إنْ سَمِعَ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ حَقًّا قَالَ إنْ قُلْت: بَاطِلًا فَذَلِكَ الْبُهْتَانُ» فَدَلَّ هَذَا النَّصُّ عَلَى أَنَّ الْغِيبَةَ مَا يَكْرَهُهُ الْإِنْسَانُ إذَا سَمِعَهُ وَأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غِيبَةً إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا لِقَوْلِهِ إنْ سَمِعَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاضِرٍ، وَهُوَ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ مَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ
(تَنْبِيهٌ) قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ اُسْتُثْنِيَ مِنْ الْغِيبَةِ سِتُّ صُوَرٍ (الْأُولَى) النَّصِيحَةُ «لِقَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ شَاوَرَتْهُ ﵇ لَمَّا خَطَبَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبُو جَهْمٍ أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ صُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ» فَذَكَرَ عَيْبَيْنِ فِيهِمَا مَا يَكْرَهَانِهِ لَوْ سَمِعَاهُ وَأُبِيحَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ النَّصِيحَةِ وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَضَرَبَهُ أَرْبَعَمِائَةٍ فَانْتَفَخَ، وَمَاتَ، وَلَمْ يَسْتَعْظِمْ مَالِكٌ ذَلِكَ. اهـ الْمُرَادُ، قَالَ الْأَصْلُ لَنَا وَجْهَانِ.
(الْأَوَّلُ) إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ مَعْنَ بْنَ زَائِدَةَ زَوَّرَ كِتَابًا عَلَى عُمَرَ ﵁ وَنَقَشَ خَاتَمًا مِثْلَ نَقْشِ خَاتَمِهِ فَجَلَدَهُ مِائَةً فَشَفَعَ فِيهِ قَوْمٌ فَقَالَ أَذْكَرْتُمُونِي الطَّعْنَ وَكُنْت نَاسِيًا فَجَلَدَهُ مِائَةً أُخْرَى ثُمَّ جَلَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِائَةً أُخْرَى، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا وَفِي التَّبْصِرَةِ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَضَرَبَ عُمَرُ ﵁ صَبِيغًا أَكْثَرَ مِنْ الْحَدِّ أَيْ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَإِلَّا لَوَرَدَ. (الثَّانِي) أَنَّ الْأَصْلَ مُسَاوَاةُ الْعُقُوبَاتِ لِلْجِنَايَاتِ، قَالَ الْأَصْلُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُجَاوِزُ بِهِ أَيْ بِالتَّعْزِيرِ أَقَلَّ الْحُدُودِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ حَدُّ الْعَبْدِ بَلْ يَنْقُصُ مِنْهُ سَوْطٌ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ وَفِي التَّبْصِرَةِ وَبِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَيْضًا لَا يَبْلُغُ عِشْرِينَ وَفِيهَا أَيْضًا، وَلَمْ يَزِدْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْعَشَرَةِ قَالَ الْأَصْلُ وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَجْلِدُوا فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» .
وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ، وَأَغْفَلَهُ الشِّهَابُ وَهُوَ أَصَحُّهَا، وَأَقْوَاهَا: إنَّ لَفْظَ الْحُدُودِ فِي لَفْظِ الشَّرْعِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الزِّنَا وَشِبْهِهِ بَلْ لَفْظُ الْحُدُودِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ مُتَنَاوِلٌ لِكُلِّ مَأْمُورٍ بِهِ، وَمَنْهِيٍّ عَنْهُ فَالتَّعْلِيقُ عَلَى هَذَا مِنْ جُمْلَةِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ حُدُودِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ جَلْدُ غَيْرِ الْمُكَلَّفِينَ كَالصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ وَالْبَهَائِمِ فَافْهَمْ. اهـ. وَعِبَارَةُ الْمُعَلِّمِ كَمَا فِي التَّبْصِرَةِ وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُنَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي غَيْرِ حَدٍّ إلَخْ أَيْ فِي غَيْرِ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْمَعَاصِي الْمُقَدَّرِ حُدُودُهَا؛ لِأَنَّ الْمَعَاصِيَ كُلَّهَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ، وَمِنْهَا أَنَّ الْحَدِيثَ مَقْصُورٌ عَلَى زَمَنِهِ ﵊؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَكْفِي الْجَانِيَ مِنْهُ هَذَا الْقَدْرُ كَمَا فِي الْمُعَلِّمِ قَالَ الْأَصْلُ أَيْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى طِبَاعِ السَّلَفِ ﵃ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ أُمُورًا هِيَ فِي أَعْيُنِكُمْ أَدَقُّ مِنْ الشَّعْرِ، وَإِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا مِنْ الْمُوبِقَاتِ فَكَانَ يَكْفِيهِمْ قَلِيلُ التَّعْزِيرِ ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى زَوَّرُوا خَاتَمَ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ عَلَى قَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنْ الْفُجُورِ، وَلَمْ يُرِدْ ﵁ نَسْخَ حُكْمٍ بَلْ الْمُجْتَهَدُ فِيهِ يَنْتَقِلُ لَهُ الِاجْتِهَادُ لِاخْتِلَافِ الْأَسْبَابِ.
(وَمِنْهَا) أَنَّهُ لَا يُوَافِقُ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ إلَّا مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَمَّا الْأَحْنَافُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْعَشْرِ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ خِلَافُ مَذْهَبِهِمْ. (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْحُدُودَ وَاجِبَةُ النُّفُوذِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى الْأَئِمَّةِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْزِيرِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ كَالْحُدُودِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّ غَيْرَ الضَّرْبِ مِنْ الْمَلَامَةِ وَالْكَلَامِ مَصْلَحَةٌ أَيْ وَإِنْ كَانَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ لَمْ يَجِبْ وَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ فَإِنْ تَجَرَّدَ التَّعْزِيرُ عَنْ حَقِّ آدَمِيٍّ وَانْفَرَدَ بِهِ حَقُّ السَّلْطَنَةِ كَانَ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ مُرَاعَاةُ حُكْمِ الْأَصْلَحِ فِي الْعَفْوِ وَالتَّعْزِيرِ وَلَهُ التَّشْفِيعُ فِيهِ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «اشْفَعُوا إلَيَّ وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا يَشَاءُ» قَالَ فَلَوْ تَعَافَى الْخَصْمَانِ عَنْ الذَّنْبِ قَبْلَ التَّرَافُعِ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ سَقَطَ حَقُّ الْآدَمِيِّ وَفِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ وَالتَّقْوِيمِ وَالْأَدَبِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا عَدَمُ السُّقُوطِ فَلَهُ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ التَّعْزِيرُ بِإِسْقَاطِ مَا وَجَبَ بِسَبَبِهِ، وَلَوْ نَصَّ عَلَى الْعَفْوِ وَالْإِسْقَاطِ.
وَيَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ ضِمْنًا كَمَا إذَا عَفَا مُسْتَحِقُّ الْحَدِّ عَنْ الْحَدِّ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ إذْ لَيْسَ لِلْإِمَامِ التَّعْزِيرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ لِانْدِرَاجِهِ فِي الْحَدِّ السَّاقِطِ وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ إذْ وُجُوبُ التَّعْزِيرِ الْمُقْتَرِنِ بِالْحَدِّ لِمُجَرَّدِ حَقِّ السَّلْطَنَةِ فَلَا يَنْبَغِي سُقُوطُهُ بِإِسْقَاطِ الْحَدِّ مِنْ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ قَالَ فَلَوْ كَانَ الْخَصْمَانِ الْمُتَرَافِعَانِ وَالِدًا وَوَلَدًا فَلَا حَقَّ لِلْوَلَدِ فِي تَعْزِيرِ وَالِدِهِ نَعَمْ يَخْتَصُّ
стр. 961
تَكُونَ الْحَاجَةُ مَاسَّةً لِذَلِكَ وَأَنْ يَقْتَصِرَ النَّاصِحُ مِنْ الْعُيُوبِ عَلَى مَا يُخِلُّ بِتِلْكَ الْمَصْلَحَةِ خَاصَّةً الَّتِي حَصَلَتْ الْمُشَاوَرَةُ فِيهَا، أَوْ الَّتِي يَعْتَقِدُ النَّاصِحُ أَنَّ الْمَنْصُوحَ شَرَعَ فِيهَا أَوْ هُوَ عَلَى عَزْمِ ذَلِكَ فَيَنْصَحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْهُ فَإِنَّ حِفْظَ مَالِ الْإِنْسَانِ وَعِرْضِهِ وَدَمِهِ عَلَيْك وَاجِبٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِضْ لَك بِذَلِكَ فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنْ ذِكْرِ عُيُوبِ النَّاسِ مُطْلَقًا لِجَوَازِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُخَالَطَةِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَهَذَا حَرَامٌ بَلْ لَا يَجُوزُ إلَّا عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَةِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُبِيحَتْ الْغِيبَةُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ قَائِمٌ فِي الْكُلِّ، وَالشَّرْطُ الثَّانِي احْتِرَازٌ مِنْ أَنْ يُسْتَشَارَ فِي أَمْرِ الزَّوَاجِ فَيَذْكُرَ الْعُيُوبَ الْمُخِلَّةَ بِمَصْلَحَةِ الزَّوَاجِ وَالْعُيُوبَ الْمُخِلَّةَ بِالشَّرِكَةِ أَوْ الْمُسَاقَاةِ أَوْ يُسْتَشَارَ فِي السَّفَرِ مَعَهُ فَتُذْكَرَ الْعُيُوبُ الْمُخِلَّةُ بِمَصْلَحَةِ السَّفَرِ، وَالْعُيُوبُ الْمُخِلَّةُ بِالزَّوَاجِ فَالزِّيَادَةُ عَلَى الْعُيُوبِ الْمُخِلَّةِ بِمَا اُسْتُشِرْت فِيهِ حَرَامٌ بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى عَيْنِ مَا عُيِّنَ أَوْ تَعَيَّنَ الْإِقْدَامُ عَلَيْهِ
(الثَّانِيَةُ) التَّجْرِيحُ وَالتَّعْدِيلُ فِي الشُّهُودِ عِنْدَ الْحَاكِمِ عِنْدَ تَوَقُّعِ الْحُكْمِ بِقَوْلِ الْمُجَرِّحِ وَلَوْ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ أَمَّا عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَيَحْرُمُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِذَلِكَ وَالتَّفَكُّهُ بِأَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ حَرَامٌ وَالْأَصْلُ فِيهَا الْعِصْمَةُ، وَكَذَلِكَ رُوَاةُ الْحَدِيثِ يَجُوزُ وَضْعُ الْكُتُبِ فِي جَرْحِ الْمَجْرُوحِ مِنْهُمْ وَالْإِخْبَارُ بِذَلِكَ لِطَلَبَةِ الْعِلْمِ الْحَامِلِينَ لِذَلِكَ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهَذَا الْبَابُ أَوْسَعُ مِنْ أَمْرِ الشُّهُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِحُكَّامٍ بَلْ يَجُوزُ وَضْعُ ذَلِكَ لِمَنْ يَضْبِطْهُ وَيَنْقُلُهُ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُ النَّاقِلِ؛ لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى ضَبْطِ السُّنَّةِ وَالْأَحَادِيثِ، وَطَالِبُ ذَلِكَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
تَعْزِيرُهُ لِحَقِّ السَّلْطَنَةِ فَلِوَلِيِّ الْأَمْرِ فِعْلُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَتَعْزِيرُ الْوَلَدِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ حَقَّيْ الْوَالِدِ وَالسَّلْطَنَةِ. اهـ بِلَفْظِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْإِمَامِ إنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُ أَيْ مُطْلَقًا مُحْتَجًّا بِوَجْهَيْنِ. (الْأَوَّلِ) مَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُعَزِّرْ الْأَنْصَارِيَّ الَّذِي قَالَهُ فِي حَقِّ الزُّبَيْرِ فِي أَمْرِ السَّقْيِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِك» يَعْنِي فَسَامَحْتَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ حَقٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ بِخِلَافِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: ١٣٥] فَإِذَا قَسَطَ فَتَجِبُ إقَامَتُهُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ كَانَتْ تَصْدُرُ لِجَفَاءِ الْأَعْرَابِ لَا لِقَصْدِ السَّبِّ.
(وَالثَّانِي) أَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ فَلَا يَجِبُ كَضَرْبِ الْأَبِ وَالْمُعَلِّمِ وَالزَّوْجِ وَجَوَابُهُ أَنَّ غَيْرَ الْمُقَدَّرِ قَدْ يَجِبُ كَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ وَالْأَقَارِبِ وَنَصِيبُ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وَهُوَ وَاجِبٌ. (الْوَجْهِ الثَّالِثِ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْحُدُودَ، وَإِنْ جَرَتْ عَلَى الْأَصْلِ وَالْقَاعِدَةِ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُقُوبَاتِ بِاخْتِلَافِ الْجِنَايَاتِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ حَدَّ الزِّنَا مِائَةً وَحَدَّ الْقَذْفِ ثَمَانِينَ وَحَدَّ السَّرِقَةِ الْقَطْعَ وَحَدَّ الْحِرَابَةِ الْقَتْلَ إلَّا أَنَّهَا جَرَتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ فِي مَسَائِلَ. (مِنْهَا) أَنَّ الشَّرْعَ سَوَّى فِي الْحَدِّ بَيْنَ سَرِقَةِ دِينَارٍ وَسَرِقَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. (وَمِنْهَا) أَنَّهُ سَوَّى فِي الْحَدِّ بَيْنَ شَارِبِ قَطْرَةٍ مِنْ الْخَمْرِ وَشَارِبِ جَرَّةٍ مَعَ اخْتِلَافِ مَفَاسِدِهَا حَدًّا. (وَمِنْهَا) أَنَّهُ جَعَلَ عُقُوبَةَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ سَوَاءً مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْحُرِّ أَعْظَمُ لِجَلَالَةِ مِقْدَارِهِ بِدَلِيلِ رَجْمِ الْمُحْصَنِ دُونَ الْبِكْرِ لِعِظَمِ مِقْدَارِهِ مَعَ أَنَّ الْعَبِيدَ إنَّمَا سَاوَتْ الْأَحْرَارَ فِي السَّرِقَةِ وَالْحِرَابَةِ لِتَعَذُّرِ التَّجْزِئَةِ بِخِلَافِ الْجَلْدِ. (وَمِنْهَا) أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْجُرْحِ اللَّطِيفِ السَّارِي لِلنَّفْسِ وَالْعَظِيمِ فِي الْقِصَاصِ مَعَ تَفَاوُتِهِمَا. (وَمِنْهَا) أَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ قَتْلِ الرَّجُلِ الْعَالِمِ الصَّالِحِ التَّقِيِّ الشُّجَاعِ الْبَطَلِ مَعَ الْوَضِيعِ.
وَأَمَّا التَّعْزِيرُ فَهُوَ عَلَى وَفْقِ الْأَصْلِ الْمَذْكُورِ أَبَدًا فَيَخْتَلِفُ دَائِمًا بِاخْتِلَافِ الْجِنَايَاتِ قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي التَّبْصِرَةِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا قَوْلٍ مُعَيَّنٍ وَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ بَعْضَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ فَمَا قَالَ بِبَعْضِهِ أَصْحَابُنَا وَبَعْضُهُ خَارِجُ الْمَذْهَبِ. (فَمِنْهَا) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَزَّرَ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِالْهَجْرِ فَهُجِرُوا خَمْسِينَ يَوْمًا لَا يُكَلِّمُهُمْ أَحَدٌ» وَقِصَّتُهُمْ مَشْهُورَةٌ فِي الصِّحَاحِ. (وَمِنْهَا) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ ضَرَبَ صَبِيغًا الَّذِي كَانَ يَسْأَلُ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَغَيْرِهَا وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالتَّفَقُّهِ فِي الْمُشْكِلَاتِ مِنْ الْقُرْآنِ ضَرْبًا وَجِيعًا وَنَفَاهُ إلَى الْبَصْرَةِ أَوْ الْكُوفَةِ، وَأَمَرَ بِهَجْرِهِ فَكَانَ لَا يُكَلِّمُهُ أَحَدٌ حَتَّى تَابَ وَكَتَبَ عَامِلُ الْبَلَدِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ يُخْبِرُهُ بِتَوْبَتِهِ فَأَذِنَ لِلنَّاسِ فِي كَلَامِهِ. (وَمِنْهَا) «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَزَّرَ بِالنَّفْيِ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِ الْمُخَنَّثِينَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَفْيِهِمْ» وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ ﷺ . (وَمِنْهَا) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ حَلَقَ رَأْسَ نَصْرِ بْنِ الْحَجَّاجِ وَنَفَاهُ مِنْ الْمَدِينَةِ لَمَّا تَشَبَّبَ النِّسَاءُ بِهِ فِي الْأَشْعَارِ وَخَشَى الْفِتْنَةَ بِهَا. (وَمِنْهَا) مَا فَعَلَهُ ﷺ بِالْعُرَنِيِّينَ. (وَمِنْهَا) «أَمْرُهُ ﷺ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي لَعَنَتْ نَاقَتَهَا أَنْ تُخَلِّيَ سَبِيلَهَا» . (وَمِنْهَا) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي رَجُلٍ يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ فَأَشَارُوا بِحَرْقِهِ فِي النَّارِ فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ بِذَلِكَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ ثُمَّ حَرَقَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي خِلَافَتِهِ ثُمَّ حَرَقَهُمْ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ذَكَرَهُ فِي مُخْتَصَرِ الْوَاضِحَةِ. (وَمِنْهَا) أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ حَرَقَ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ. (وَمِنْهَا) «إبَاحَتُهُ
стр. 962
غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ فِيهِ خَالِصَةً لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي نَصِيحَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ حُكَّامِهِمْ، وَفِي ضَبْطِ شَرَائِعِهِمْ أَمَّا مَتَى كَانَ لِأَجْلِ عَدَاوَةٍ أَوْ تَفَكُّهٍ بِالْأَعْرَاضِ وَجَرْيًا مَعَ الْهَوَى فَذَلِكَ حَرَامٌ، وَإِنْ حَصَلَتْ بِهِ الْمَصَالِحُ عِنْدَ الْحُكَّامِ وَالرُّوَاةِ فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ قَدْ تَجُرُّ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَنْ قَتَلَ كَافِرًا يَظُنُّهُ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ عَاصٍ بِظَنِّهِ، وَإِنْ حَصَلَتْ الْمَصْلَحَةُ بِقَتْلِ الْكَافِرِ، وَكَذَلِكَ مَنْ يُرِيقُ خَمْرًا وَيَظُنُّهُ خَلًّا انْدَفَعَتْ الْمَفْسَدَةُ بِفِعْلِهِ، وَاشْتُرِطَ أَيْضًا فِي هَذَا الْقِسْمِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَوَادِحِ الْمُخِلَّةِ بِالشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ فَلَا يَقُولُ هُوَ ابْنُ زِنًا، وَلَا أَبُوهُ لَاعَنَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُؤْلِمَاتِ الَّتِي لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ
(الثَّالِثَةُ) الْمُعْلِنُ بِالْفُسُوقِ كَقَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ
فَمِثْلُك حُبْلَى قَدْ طَرَقْت وَمُرْضِعٌ
فَيَفْتَخِرُ بِالزِّنَا فِي شِعْرِهِ فَلَا يَضُرُّ أَنْ يُحْكَى ذَلِكَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَلَّمُ إذَا سَمِعَهُ بَلْ قَدْ يُسَرُّ بِتِلْكَ الْمَخَازِي فَإِنَّ الْغِيبَةَ إنَّمَا حُرِّمَتْ لِحَقِّ الْمُغْتَابِ وَتَأَلُّمِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَعْلَنَ بِالْمَكْسِ وَتَظَاهَرَ بِطَلَبِهِ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْمُلُوكِ وَفَعَلَهُ وَنَازَعَ فِيهِ أَبْنَاءَ الدُّنْيَا وَأَبْنَاءَ جِنْسِهِ كَثِيرٌ مِنْ اللُّصُوصِ يَفْتَخِرُ بِالسَّرِقَةِ وَالِاقْتِدَارِ عَلَى التَّسَوُّرِ عَلَى الدُّورِ الْعِظَامِ وَالْحُصُونِ الْكِبَارِ فَذِكْرُ مِثْلِ هَذَا عَنْ هَذِهِ الطَّوَائِفِ لَا يَحْرُمُ فَإِنَّهُمْ لَا يَتَأَذَّوْنَ بِسَمَاعِهِ بَلْ يُسَرُّونَ
(الرَّابِعَةُ) أَرْبَابُ الْبِدَعِ وَالتَّصَانِيفِ الْمُضِلَّةِ يَنْبَغِي أَنْ يُشْهِرَ النَّاسُ فَسَادَهَا وَعَيْبَهَا وَأَنَّهُمْ عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ لِيَحْذَرَهَا النَّاسُ الضُّعَفَاءُ فَلَا يَقَعُوا فِيهَا، وَيُنَفَّرُ عَنْ تِلْكَ الْمَفَاسِدِ مَا أَمْكَنَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُتَعَدَّى فِيهَا الصِّدْقُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
ﷺ سَلَبَ الَّذِي يَصْطَادُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ لِمَنْ وَجَدَهُ» .
(وَمِنْهَا) «أَمْرُهُ ﷺ بِكَسْرِ دِنَانِ الْخَمْر وَشَقِّ ظُرُوفِهَا» . (وَمِنْهَا) «أَمْرُهُ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ بِتَحْرِيقِ الثَّوْبَيْنِ الْمُعَصْفَرَيْنِ» . (وَمِنْهَا) «أَمْرُهُ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَ فِيهَا لَحْمُ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ثُمَّ اسْتَأْذَنُوهُ فِي غَسْلِهَا فَأَذِنَ لَهُمْ» فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْكَسْرِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً. (وَمِنْهَا) «هَدْمُهُ ﷺ لِمَسْجِدِ الضِّرَارِ» . (وَمِنْهَا) «أَمْرُهُ ﷺ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الَّذِي غَلَّ مِنْ الْغَنِيمَةِ» . (وَمِنْهَا) إضْعَافُ الْغُرْمِ عَلَى سَارِقِ مَا لَا قَطْعَ فِيهِ مِنْ التَّمْرِ وَالْكَسْرِ. (وَمِنْهَا) إضْعَافُ الْغُرْمِ عَلَى كَاتِمِ الضَّالَّةِ. (وَمِنْهَا) أَخْذُهُ شَطْرَ مَالِ مَانِعِ الزَّكَاةِ غَرْمَةً مِنْ غَرَامَاتِ الرَّبِّ ﵎. (وَمِنْهَا) أَمْرُهُ ﷺ لَابِسَ خَاتَمِ الذَّهَبِ بِطَرْحِهِ فَطَرَحَهُ فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أَحَدٌ. (وَمِنْهَا) «أَمْرُهُ ﷺ بِقَطْعِ نَخِيلِ الْيَهُودِ إغَاظَةً لَهُمْ» . (وَمِنْهَا) تَحْرِيقُ عُمَرَ ﵁ لِلْمَكَانِ الَّذِي يُبَاعُ فِيهِ الْخَمْرُ. (وَمِنْهَا) تَحْرِيقُ عُمَرَ قَصْرَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لَمَّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنْ الرَّعِيَّةِ وَصَارَ يَحْكُمُ فِي دَارِهِ (وَمِنْهَا) مُصَادَرَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ عُمَّالَهُ بِأَخْذِ شَطْرِ أَمْوَالِهِمْ فَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
(وَمِنْهَا) أَنَّهُ ﵁ ضَرَبَ الَّذِي زَوَّرَ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِهِ، وَأَخَذَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مِائَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِائَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِائَةً. (وَمِنْهَا) أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَمَّا وَجَدَ مَعَ السَّائِلِ مِنْ الطَّعَامِ فَوْقَ كِفَايَتِهِ وَهُوَ يَسْأَلُ أَخْذَ مَا مَعَهُ، وَأَطْعَمَهُ إبِلَ الصَّدَقَةِ. (وَمِنْهَا) أَنَّهُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَرَاقَ اللَّبَنَ الْمَغْشُوشَ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، وَهَذِهِ قَضَايَا صَحِيحَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ شَائِعَةٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَبَعْضُهَا شَائِعٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -، وَمَنْ قَالَ إنَّ الْعُقُوبَةَ الْمَالِيَّةَ مَنْسُوخَةٌ فَقَدْ غَلِطَ عَلَى مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ نَقْلًا وَاسْتِدْلَالًا، وَلَيْسَ بِمُسَلَّمٍ دَعْوَاهُ نَسْخَهَا كَيْفَ وَفِعْلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ لَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ ﷺ مُبْطِلٌ لِدَعْوَى نَسْخِهَا وَالْمُدَّعُونَ لِلنَّسْخِ لَيْسَ مَعَهُمْ كِتَابٌ، وَلَا سُنَّةٌ، وَلَا إجْمَاعٌ يُصَحِّحُ دَعْوَاهُمْ إلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ فَمَذْهَبُ أَصْحَابِهِ عِيَارٌ عَلَى الْقَبُولِ وَالرَّدِّ اهـ.
قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ وَالتَّعْزِيرُ بِالْمَالِ قَالَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَلَهُمْ فِيهِ تَفْصِيلٌ ذَكَرْتُ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْحِسْبَةِ طَرَفًا فَمِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ اللَّبَنِ الْمَغْشُوشِ أَيُهْرَاقُ؟ . قَالَ لَا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ إذَا كَانَ هُوَ الَّذِي غَشَّهُ وَقَالَ فِي الزَّعْفَرَانِ وَالْمِسْكِ الْمَغْشُوشِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا وَخَالَفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْكَثِيرِ فَقَالَ يُبَاعُ الْمِسْكُ وَالزَّعْفَرَانُ إلَى مَنْ لَا يَغِشُّ بِهِ وَيُتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ أَدَبًا لِلْغَاشِّ. (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) أَفْتَى ابْنُ الْقَطَّانِ الْأَنْدَلُسِيِّ فِي الْمَلَاحِمِ الرَّدِيئَةِ النَّسْجِ بِأَنْ تُحْرَقَ، وَأَفْتَى ابْنُ عَتَّابٍ بِتَقْطِيعِهَا وَالصَّدَقَةِ بِهَا خِرَقًا.
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) إذَا اشْتَرَى عَامِلُ الْقِرَاضِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ عَالِمًا بِأَنَّهُ قَرِيبُهُ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ مُوسِرًا عَتَقَ الْعَبْدُ وَغَرِمَ الْعَامِلُ ثَمَنَهُ وَحِصَّةَ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الرِّبْحِ إنْ كَانَ فِي الْمَالِ يَوْمَ الشِّرَاءِ رِبْحٌ وَوَلَاؤُهُ لِرَبِّ الْمَالِ وَذَلِكَ لِتَعَدِّيهِ فِيمَا فَعَلَ. (الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ) مَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ مِنْ مَحَارِمِهِ مِمَّنْ لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْمِلْكِ فَإِنَّهُ يُعَاقِبُ وَتُبَاعُ عَلَيْهِ، وَإِخْرَاجُهَا عَنْ مِلْكِهِ كُرْهًا مِنْ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ. (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ) الْفَاسِقُ إذَا آذَى جَارَهُ، وَلَمْ يَنْتَهِ تُبَاعُ عَلَيْهِ الدَّارُ وَهُوَ عُقُوبَةٌ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ. (الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) مَنْ مَثَّلَ بِأَمَتِهِ عَتَقَتْ عَلَيْهِ وَذَلِكَ عُقُوبَةٌ بِالْمَالِ اهـ.
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ) مِنْ الْفُرُوقِ
стр. 963
وَلَا يُفْتَرَى عَلَى أَهْلِهَا مِنْ الْفُسُوقِ وَالْفَوَاحِشِ مَا لَمْ يَفْعَلُوهُ بَلْ يُقْتَصَرُ عَلَى مَا فِيهِمْ مِنْ الْمُنَفِّرَاتِ خَاصَّةً فَلَا يُقَالُ عَلَى الْمُبْتَدِعِ إنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَلَا أَنَّهُ يَزْنِي وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ دَاخِلٌ فِي النَّصِيحَةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ، وَلَا مُقَارَنَةِ الْوُقُوعِ فِي الْمَفْسَدَةِ وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ وَلَمْ يَتْرُكْ شِيعَةً تُعَظِّمُهُ، وَلَا كُتُبًا تُقْرَأُ، وَلَا سَبَبًا يُخْشَى مِنْهُ إفْسَادٌ لِغَيْرِهِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَرَ بِسِتْرِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَلَا يُذْكَرَ لَهُ عَيْبٌ أَلْبَتَّةَ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ ﵇ «اُذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ» فَالْأَصْلُ اتِّبَاعُ هَذَا إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ صَاحِبُ الشَّرْعِ
(الْخَامِسَةُ) إذَا كُنْت أَنْتَ وَالْمُغْتَابَ عِنْدَهُ قَدْ سَبَقَ لَكُمَا الْعِلْمُ بِالْمُغْتَابِ بِهِ فَإِنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحُطُّ قَدْرَ الْمُغْتَابِ عِنْدَ الْمُغْتَابِ عِنْدَهُ لِتَقَدُّمِ عِلْمِهِ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: لَا يَعْرَى هَذَا الْقِسْمُ عَنْ نَهْيٍ؛ لِأَنَّكُمَا إذَا تَرَكْتُمَا الْحَدِيثَ فِيهِ رُبَّمَا نَسِيَ فَاسْتَرَاحَ الرَّجُلُ الْمَعِيبُ بِذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ حَالِهِ، وَإِذَا تَعَاهَدْتُمَاهُ أَدَّى ذَلِكَ إلَى عَدَمِ نِسْيَانِهِ
(السَّادِسَةُ) الدَّعْوَى عِنْدَ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ فُلَانًا أَخَذَ مَالِي وَغَصَبَنِي وَثَلَمَ عِرْضِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَادِحِ الْمَكْرُوهَةِ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْك
(تَنْبِيهٌ) سَأَلْت جَمَاعَةً مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ عَمَّنْ يَرْوِي قَوْلَهُ ﷺ «لَا غِيبَةَ فِي فَاسِقٍ» فَقَالُوا لِي: لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَجُوزُ التَّفَكُّهُ بِعِرْضِ الْفَاسِقِ فَاعْلَمْ ذَلِكَ فَهَذَا هُوَ تَلْخِيصُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْغِيبَةِ وَمَا لَا يَحْرُمُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنَّ الْحُدُودَ الْمُقَدَّرَةَ لَمْ تُوجَدْ فِي الشَّرْعِ إلَّا فِي مَعْصِيَةٍ عَمَلًا بِالِاسْتِقْرَاءِ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ تَأْدِيبٌ يَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ وَقَدْ لَا يَصْحَبُهَا الْعِصْيَانُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ كَتَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَهَائِمِ وَالْمَجَانِينِ اسْتِصْلَاحًا لَهُمْ مَعَ عَدَمِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ الْأَصْلُ: وَمِنْ هُنَا يَبْطُلُ عَلَى الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ فِي الْحَنَفِيِّ إذَا شَرِبَ النَّبِيذَ، وَلَمْ يَسْكَرْ أَحُدُّهُ وَأَقْبَلُ شَهَادَتَهُ أَمَّا حَدُّهُ فَلِلْمَفْسَدَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ التَّوَسُّلِ لِإِفْسَادِ الْعَقْلِ، وَأَمَّا قَبُولُ شَهَادَتِهِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يَعْصِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ التَّقْلِيدِ عِنْدَهُ، قَالَ: وَالْعُقُوبَاتُ تَتْبَعُ الْمَفَاسِدَ لَا الْمَعَاصِيَ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ عُقُوبَتِهِ وَقَبُولِ شَهَادَتِهِ. اهـ. لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ فِي التَّعَاذِيرِ لَا فِي الْحُدُودِ وَيَكُونُ الْحَقُّ فِيهِ قَوْلَ مَالِكٍ أَحُدُّهُ، وَلَا أَقْبَلُ شَهَادَتَهُ؛ لِأَنَّ تَقْلِيدَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَبِي حَنِيفَةَ لَا يَصِحُّ لِمُنَافَاتِهَا لِلْقِيَاسِ الْجَلِيِّ عَلَى الْخَمْرِ وَمُخَالَفَةِ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ فَافْهَمْ.
(الْوَجْهُ الْخَامِسُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ بِخِلَافِ التَّعْزِيرِ فَإِنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ، وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ: إذَا كَانَ الْجَانِي مِنْ الصِّبْيَانِ وَالْمُكَلَّفِينَ قَدْ جَنَى جِنَايَةً حَقِيرَةً وَالْعُقُوبَةُ الصَّالِحَةُ لَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ رَدْعًا وَالْعَظِيمَةُ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِيهِ لَا تَصْلُحُ لِهَذِهِ الْجِنَايَةِ سَقَطَ تَأْدِيبُهُ مُطْلَقًا أَمَّا الْعَظِيمَةُ فَلِعَدَمِ مُوجِبِهَا، وَأَمَّا الْحَقِيرَةُ فَلِعَدَمِ تَأْثِيرِهَا. اهـ. قَالَ الْأَصْلُ: وَهُوَ بَحْثٌ حَسَنٌ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ فِيهِ. اهـ. وَقَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَبَيَانُ ضَعْفِ قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْجِنَايَةَ الْحَقِيرَةَ تَسْقُطُ عُقُوبَتُهَا، بَلْ بُطْلَانِهِ أَنَّ قَوْلَهُ الْعُقُوبَةُ الصَّالِحَةُ لَهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ رَدْعًا، قَوْلٌ مُتَنَافٍ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْعُقُوبَةِ صَالِحَةً لِلْجِنَايَةِ إلَّا أَنَّهَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ رَدْعًا فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ لَا تُؤَثِّرُ رَدْعًا فَلَيْسَتْ بِصَالِحَةٍ لَهَا هَذَا أَمْرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَلَا إشْكَالَ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ.
(الْوَجْهُ السَّادِسُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ قَالَ الْأَصْلُ: مَا عَلِمْت فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَالْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا الْحِرَابَةَ وَالْكُفْرَ فَإِنَّهُمَا يَسْقُطُ حَدُّهُمَا بِالتَّوْبَةِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ [الأنفال: ٣٨] الْآيَةَ، لَا يُقَالُ قِيَاسُ نَحْوِ الزِّنَا مِنْ بَاقِي الْمَفَاسِدِ الْمُوجِبَةِ لِلْحَدِّ عَلَى هَذَا الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُقَالَ مَفْسَدَةُ الْكُفْرِ أَعْظَمُ الْمَفَاسِدِ وَالْحِرَابَةُ أَعْظَمُ مَفْسَدَةً مِنْ الزِّنَا فَإِذَا أَثَّرَتْ التَّوْبَةُ فِي سُقُوطِ هَاتَيْنِ الْمَفْسَدَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ فَلَأَنْ تُؤَثِّرَ فِيمَا دُونَهُمَا مِنْ الْمَفَاسِدِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى إذْ الْمُؤَثِّرُ فِي سُقُوطِ الْأَعْلَى أَوْلَى أَنْ يُؤَثِّرَ فِي سُقُوطِ الْأَدْنَى يُقَوِّي قَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِسُقُوطِ الْحُدُودِ بِالتَّوْبَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ مُقَابِلَ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْقِيَاسُ الْمَذْكُورُ لَا يَصِحُّ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْكُفْرِ فَمِنْ وُجُوهٍ. (أَحَدِهَا) أَنَّ سُقُوطَ الْقِتَالِ فِي الْكُفْرِ يُرَغِّبُ فِي الْإِسْلَامِ وَكَوْنُهُ يَبْعَثُ عَلَى الرِّدَّةِ مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الرِّدَّةَ قَلِيلَةٌ فَاعْتُبِرَ جِنْسُ الْكُفْرِ وَغَالِبُهُ.
وَ (ثَانِيهَا) أَنَّ الْكُفْرَ يَقَعُ لِلشُّبُهَاتِ فَيَكُونُ فِيهِ عُذْرٌ عَادِيٌّ، وَلَا يُؤْثِرُ أَحَدٌ أَنْ يَكْفُرَ لِهَوَاهُ بِخِلَافِ نَحْوِ الزِّنَا فَإِنَّهُ لَا يَزْنِي أَحَدٌ مَثَلًا إلَّا لِهَوَاهُ فَنَاسَبَ التَّغْلِيظَ. (وَثَالِثِهَا) أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَتَكَرَّرُ غَالِبًا وَجِنَايَاتُ الْحُدُودِ تَتَكَرَّرُ غَالِبًا فَلَوْ أَسْقَطْنَاهَا بِالتَّوْبَةِ ذَهَبَتْ مَعَ تَكَرُّرِهَا مَجَّانًا وَتَجَرَّأَ عَلَيْهَا النَّاسُ فِي اتِّبَاعِ أَهْوِيَتِهِمْ أَكْثَرُ، وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْحِرَابَةِ فَلِأَنَّا لَا نُسْقِطُهَا بِالتَّوْبَةِ إلَّا إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمَفْسَدَةُ بِالْقَتْلِ أَوْ أَخْذِ الْمَالِ أَمَّا مَتَى قَتَلَ قُتِلَ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ الْأَوْلِيَاءُ عَنْ الدَّمِ، وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ وَجَبَ الْغُرْمُ وَسَقَطَ الْحَدُّ؛ لِأَنَّهُ حَدٌّ فِيهِ تَخْيِيرٌ بِخِلَافِ غَيْرِهِ
стр. 964
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ وَقَاعِدَةِ النَّمِيمَةِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ وَقَاعِدَةِ النَّمِيمَةِ وَالْهَمْزِ وَاللَّمْزِ) أَمَّا الْغِيبَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا وَإِنَّمَا حَرُمَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ إفْسَادِ الْأَعْرَاضِ، وَالنَّمِيمَةُ أَنْ يَنْقُلَ إلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهُ يَتَعَرَّضُ لِأَذَاهُ فَحَرُمَتْ لِمَا فِيهَا مِنْ مَفْسَدَةِ إلْقَاءِ الْبِغْضَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا النَّصِيحَةُ فَيَقُولُ لَهُ إنْ فُلَانًا يَقْصِدُ قَتْلَك وَنَحْوَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغِيبَةِ وَالْهَمْزُ تَعْيِيبُ الْإِنْسَانِ بِحُضُورِهِ وَاللَّمْزُ هُوَ تَعْيِيبُهُ بِغَيْبَتِهِ فَتَكُونُ هِيَ الْغِيبَةُ وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزُّهْدِ وَقَاعِدَةِ ذَاتِ الْيَدِ)
اعْلَمْ أَنَّ الزُّهْدَ لَيْسَ عَدَمَ الْمَالِ بَلْ عَدَمُ احْتِفَالِ الْقَلْبِ بِالدُّنْيَا وَالْأَمْوَالِ فَإِنْ كَانَتْ فِي مِلْكِهِ فَقَدْ يَكُونُ الزَّاهِدُ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَهُوَ زَاهِدٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَفِلٍ بِمَا فِي يَدِهِ، وَبَذْلُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ بَذْلِ الْفَلْسِ عَلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الشَّدِيدُ الْفَقْرِ غَيْرَ زَاهِدٍ بَلْ فِي غَايَةِ الْحِرْصِ لِأَجْلِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالزُّهْدُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَاجِبٌ، وَفِي الْوَاجِبَاتِ حَرَامٌ، وَفِي الْمَنْدُوبَاتِ مَكْرُوهٌ، وَفِي الْمُبَاحَاتِ مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً؛ لِأَنَّ الْمَيْلَ إلَيْهَا يُفْضِي لِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ فَتَرْكُهَا مِنْ بَابِ الْوَسَائِلِ الْمَنْدُوبَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَمَا قَالَ فِي الْفَرْقِ الْخَامِسِ وَالْخَمْسِينَ وَالْمِائَتَيْنِ صَحِيحٌ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَإِنَّهُ مُحَتَّمٌ، وَالْمُحَتَّمُ آكَدُ مِنْ الْمُخَيَّرِ فِيهِ.
(الْوَجْهُ السَّابِعُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ التَّخْيِيرَ يَدْخُلُ فِي التَّعَاذِيرِ مُطْلَقًا، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ إلَّا فِي الْحِرَابَةِ إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنْهَا فَقَطْ وَتِلْكَ الثَّلَاثَةُ. (أَحَدُهَا) مَا فِي قَوْلِ أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ وَتَعَيَّنَ قَتْلُهُ إنْ قَتَلَ. (وَثَانِيهَا) مَا فِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ إنْ طَالَ أَمْرُهُ، وَأَخَذَ الْمَالَ، وَلَمْ يُقْتَلْ بِحَدٍّ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ يُقْتَلُ، وَلَا يَخْتَارُ الْإِمَامُ فِيهِ غَيْرَ الْقَتْلِ. اهـ (وَثَالِثُهَا) مَا فِي التَّبْصِرَةِ عَنْ الْبَاجِيَّ قَالَ أَشْهَبُ فِي الَّذِي أَخَذَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ هَذَا الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ لَوْ أَخَذَ فِيهِ بِأَيْسَرِ ذَلِكَ قَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُجْلَدَ وَيُنْفَى وَيُحْبَسَ حَيْثُ نُفِيَ إلَيْهِ. اهـ بِلَفْظِهِ. وَالْمُرَادُ بِالتَّخْيِيرِ هَاهُنَا الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ بِمَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ بِشَرْطِ الِاجْتِهَادِ الْمُؤَدِّي إلَى مَا يَتَحَتَّمُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ مِمَّا أَدَّتْ إلَيْهِ الْمَصْلَحَةُ لَا التَّخْيِيرُ بِمَعْنَى الْإِبَاحَةِ الْمُطْلَقَةِ إذْ لَا إبَاحَةَ هَاهُنَا أَلْبَتَّةَ، وَلَا التَّخْيِيرُ بِمَعْنَى الِانْتِقَالِ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ بِهَوَاهُ وَإِرَادَتِهِ كَيْفَ خَطَرَ لَهُ وَلَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَمَّا شَاءَ وَيَقْبَلَ مِنْهَا مَا شَاءَ فَإِنَّ هَذَا هَاهُنَا فُسُوقٌ وَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الشَّرِيعَةِ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ. (أَحَدِهِمَا) الْإِبَاحَةُ الْمُطْلَقَةُ كَالتَّخْيِيرِ بَيْنَ أَكْلِ الطَّيِّبَاتِ وَتَرْكِهَا. (وَثَانِيهِمَا) الْوَاجِبُ الْمُطْلَقُ وَتَحْتَهُ نَوْعَانِ. (الْأَوَّلُ) انْتِقَالٌ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ بِشَرْطِ الِاجْتِهَادِ لِيُؤَدِّيَ إلَى مَا تَعَيَّنَ سَبَبُهُ وَأَدَّتْ الْمَصْلَحَةُ إلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ كَتَصَرُّفَاتِ الْوُلَاةِ فَمَتَى قُلْنَا الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي صَرْفِ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ فِي أُسَارَى الْعَدُوِّ أَوْ الْمُحَارِبِينَ أَوْ فِي التَّعْزِيرِ كَانَ مَعْنَاهُ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ (وَالنَّوْعُ الثَّانِي) انْتِقَالٌ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ بِهَوَاهُ وَإِرَادَتِهِ كَيْفَ خَطَرَ لَهُ وَلَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَمَّا شَاءَ وَيَقْبَلَ مَا شَاءَ مِنْ تِلْكَ الْوَاجِبَاتِ، وَهَذَا نَوْعَانِ أَيْضًا. (الْأَوَّلُ) تَخَيُّرٌ مُتَأَصِّلٌ بِمَعْنَى انْتِقَالٍ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ بِهَوَاهُ أَصَالَةً لَا عُرُوضًا كَمَا فِي تَخْيِيرِ الْمُكَفِّرِ فِي كَفَّارَةِ الْحِنْثِ بَيْنَ أَنْوَاعِهَا الْوَاجِبَةِ بِهَوَاهُ وَالثَّانِي تَخْيِيرٌ جَرَّ إلَيْهِ الْحُكْمُ بِمَعْنَى انْتِقَالٍ مِنْ وَاجِبٍ إلَى وَاجِبٍ بِهَوَاهُ لَا أَصَالَةً بَلْ عُرُوضًا بِحَسَبِ مَا جَرَّ إلَيْهِ الْحُكْمُ كَمَا فِي تَخْيِيرِ السَّاعِي بَيْنَ أَخْذِ أَرْبَعِ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسِ بَنَاتٍ لَبُونٍ فِي صَدَقَةِ الْإِبِلِ فَإِنَّ الْإِمَامَ هَاهُنَا يَتَخَيَّرُ كَمَا يَتَخَيَّرُ الْمُكَفِّرُ فِي كَفَّارَةِ الْحِنْثِ إلَّا أَنَّ هَذَا تَخْيِيرٌ أَدَّتْ إلَيْهِ الْأَحْكَامُ وَفِي الْحِنْثِ تَخْيِيرٌ مُتَأَصِّلٌ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ التَّخْيِيرَاتِ وَاحْتَفِظْ عَلَيْهَا بِهَذَا التَّفْصِيلِ.
(الْوَجْهُ الثَّامِنُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ مَعَهُ وَالْجِنَايَةِ فَفِي تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ بِحَسَبِ الْجِنَايَةِ فِي الْعِظَمِ وَالصِّغَرِ وَبِحَسَبِ الْجَانِي فِي الشَّرِّ وَعَدَمِهِ. اهـ. أَيْ وَبِحَسَبِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الشَّرَفِ وَعَدَمِهِ وَفِيهَا أَيْضًا بُعْدٌ، أَنَّ التَّعَاذِيرَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الذُّنُوبِ، وَمَا يُعْلَمُ مِنْ حَالِ الْمُعَاقَبِ مِنْ جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ عَلَى يَسِيرِهَا أَوْ ضَعْفِهِ عَنْ ذَلِكَ وَانْزِجَارِهِ إذَا عُوقِبَ بِأَقَلِّهَا. اهـ. وَالْحُدُودُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ فَاعِلِهَا.
(الْوَجْهُ التَّاسِعُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ فَرُبَّ تَعْزِيرٍ فِي عَصْرٍ يَكُونُ إكْرَامًا فِي عَصْرٍ آخَرَ وَرُبَّ تَعْزِيرٍ فِي بِلَادٍ يَكُونُ إكْرَامًا فِي بَلَدٍ آخَرَ كَقَلْعِ الطَّيْلَسَانِ بِمِصْرَ تَعْزِيرٌ وَفِي الشَّامِ إكْرَامٌ وَكَكَشْفِ الرَّأْسِ عِنْدَ الْأَنْدَلُسِ لَيْسَ هَوَانًا وَبِالْعِرَاقِ وَمِصْرَ هَوَانٌ. (الْوَجْهُ الْعَاشِرُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ التَّعْزِيرَ يَتَنَوَّعُ إلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الصِّرْفِ كَالْجِنَايَةِ عَلَى الصَّحَابَةِ أَوْ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ
стр. 965
(الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزُّهْدِ وَقَاعِدَةِ الْوَرَعِ) فَالزُّهْدُ هَيْئَةٌ فِي الْقَلْبِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَالْوَرَعُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ الْبَأْسُ وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ: ﵇ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ سَلِمَ» ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَمِنْهُ الْخُرُوجُ عَنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِعْلٍ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ أَوْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ مَعَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ حَتَّى يُجْزِئَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الزُّهْدِ وَقَاعِدَةِ الْوَرَعِ فَالزُّهْدُ هُوَ هَيْئَةٌ فِي الْقَلْبِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَالْوَرَعُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ تَرْكُ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ وَأَصْلُهُ قَوْلُهُ: ﷺ «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ) قُلْت: مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ قَالَ (وَمِنْهُ الْخُرُوجُ عَنْ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ فَإِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي فِعْلٍ هَلْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ أَوْ هُوَ مُبَاحٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ مَعَ اعْتِقَادِ الْوُجُوبِ حَتَّى يُجْزِئَ عَنْ الْوَاجِبِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ حَرَامٌ فَالْوَرَعُ التَّرْكُ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَى حَقِّ الْعَبْدِ الصِّرْفِ كَشَتْمِ زَيْدٍ وَنَحْوِهِ، وَالْحُدُودُ لَا يَتَنَوَّعُ مِنْهَا حَدٌّ بَلْ الْكُلُّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى إلَّا الْقَذْفَ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ قَدْ تَقَدَّمَ أَمَّا أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى وَتَارَةً يَكُونُ حَقًّا لِآدَمِيٍّ فَلَا يُوجَدُ أَلْبَتَّةَ، هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِالصِّيَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِغَيْرِهِ]
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِالصِّيَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِغَيْرِهِ) . مِنْ نَحْوِ تَرْكِ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يَمُوتَ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ وَالضَّمَانُ فِي غَيْرِهِ، وَمِنْ حَيْثُ تَرَتُّبُ الْإِثْمِ عَلَى تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يَمُوتَ وَعَدَمُ تَرَتُّبِ الْإِثْمِ عَلَى تَرْكِ الدَّفْعِ لِلصَّائِلِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ اثْنَانِ بِاعْتِبَارِ الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَاثْنَانِ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْإِثْمِ وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ. (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي غَيْرِ الصَّائِلِ لِعَدَمِ الْمُسْقِطِ وَعَدَمَ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنَوْعٍ مِنْ إسْقَاطِ اعْتِبَارِ إتْلَافِهِ بِسَبَبِ عِدَاهُ وَعِدْوَانِهِ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) مِنْ الْفُرُوقِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا أَنَّ الضَّمَانَ فِي غَيْرِ الصَّائِلِ لِعَدَمِ تَعَارُضِ مَفْسَدَتَيْنِ عُلْيَا وَدُنْيَا فِيهِ وَعَدَمَ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَتْ فِيهِ مَفْسَدَةُ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يُمَكِّنَ مِنْ الْقَتْلِ، التَّمْكِينُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ مُبَاشَرَةِ الْمَفْسَدَةِ نَفْسِهَا وَالْقَاعِدَةُ سُقُوطُ اعْتِبَارِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا إذَا تَعَارَضَتَا. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ تَرْكَ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ سَبَبٌ تَامٌّ فِي الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ وَتَرْكُ دَفْعِ الصَّائِلِ سَبَبٌ فِي الْمَوْتِ نَاقِصٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِضَافَةِ فِعْلِ الصَّائِلِ إلَيْهِ فَلِذَا تَرَتَّبَ الْإِثْمُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَافْهَمْ.
فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ حُرْمَةِ تَرْكِ الْغِذَاءِ وَعَدَمِ حُرْمَةِ تَرْكِ الدَّوَاءِ؟ قُلْتُ الْوَجْهُ أَنَّ الدَّوَاءَ غَيْرُ مُنْضَبِطِ النَّفْعِ فَإِنَّهُ قَدْ يُفِيدُ وَقَدْ لَا يُفِيدُ وَنَفْعُ الْغِذَاءِ ضَرُورِيٌّ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ نَفْسِهِ طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا حَتَّى مَاتَ يُعَدُّ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ فَلِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالسَّاكِتُ عَنْ دَفْعِ الصَّائِلِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُعَدُّ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ فَلِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْإِثْمُ، وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الدَّافِعَ لِصَائِلٍ إنْسَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَنْ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ لَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ بَلْ الدَّفْعَ خَاصَّةً، وَإِنْ أَدَّى إلَى الْقَتْلِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيَقْصِدُ قَتْلَهُ ابْتِدَاءً لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا إلَى الدَّفْعِ فَمَنْ خَشِيَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ فَهُوَ هَدَرٌ عِنْدَنَا لَا يَضْمَنُ حَتَّى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَكَذَلِكَ الْبَهِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْ صَاحِبِهَا فِي دَفْعِهَا، نَعَمْ لَوْ قَدَرَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ عَلَى الْهُرُوبِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُ تَعَيَّنَ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الدَّفْعُ بِالْجُرْحِ وَلِذَا لَا يَجُوزُ الدَّفْعُ بِالْجُرْحِ ابْتِدَاءً لِمَنْ يَخْشَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنُبْ عَنْ غَيْرِهِ فِي الْقِيَامِ بِذَلِكَ الْإِتْلَافِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهُرُوبِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ فَلَهُ الدَّفْعُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ: أَعْظَمُ الْمَدْفُوعِ النَّفْسُ، وَأَمْرُهُ بِيَدِهِ إنْ شَاءَ أَسْلَمَ نَفْسَهُ أَوْ دَفَعَ عَنْهَا وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فَفِي زَمَنِ الْفِتْنَةِ الصَّبْرُ أَوْلَى تَقْلِيلًا لَهَا وَهُوَ يُقْصَدُ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ فِتْنَةٍ عَامَّةٍ فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَإِنْ عَضَّ الصَّائِلُ يَدَك فَنَزَعْتَهَا مِنْ فِيهِ فَقَلَعْتَ أَسْنَانَهُ ضَمِنْتَ دِيَةَ الْأَسْنَانِ لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِك وَقِيلَ لَا تَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ أَلْجَأَك لِذَلِكَ، وَإِنْ نَظَرَ إلَى حَرَمٍ مِنْ كَوَّةٍ لَمْ يَجُزْ لَك أَنْ تَقْصِدَ عَيْنَهُ أَوْ غَيْرَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا تُدْفَعُ الْمَعْصِيَةُ بِالْمَعْصِيَةِ وَفِيهِ الْقَوَدُ إنْ فَعَلْت وَيَجِبُ تَقَدُّمُ الْإِنْذَارِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فِيهِ دَفْعٌ.
وَمُسْتَنَدُ تَرْكِ الدَّفْعِ عَنْ النَّفْسِ وَجْهَانِ: (الْأَوَّلُ) مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
стр. 966
حَذَرًا مِنْ الْعِقَابِ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلُ الْمَكْرُوهِ لَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ أَمْ لَا فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ مُثْبِتٌ لِأَمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ النَّافِي، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ، وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَمَالِكٌ يَقُولُ لَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ هِيَ مَشْرُوعَةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِتَيَقُّنِ الْخُلُوصِ مِنْ إثْمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَكَالْبَسْمَلَةِ قَالَ مَالِكٌ: هِيَ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هِيَ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْعِقَابُ مُتَوَقَّعٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا وَرَعَ إلَّا أَنْ نَقُولَ إنَّ الْمُحَرَّمَ إذَا عَارَضَهُ الْوَاجِبُ قُدِّمَ عَلَى الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ رِعَايَةَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
حَذَرًا مِنْ الْعِقَابِ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ وَفِعْلُ الْمَكْرُوهِ لَا يَضُرُّهُ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ أَمْ لَا فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ مُثْبِتٌ لِأَمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ النَّافِي وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْفَاتِحَةِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فَمَالِكٌ يَقُولُ: لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً وَالشَّافِعِيُّ يَقُولُ: هِيَ مَشْرُوعَةٌ وَوَاجِبَةٌ، فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِتَيَقُّنِ الْخُلُوصِ مِنْ إثْمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ عَلَى مَذْهَبِهِ وَكَالْبَسْمَلَةِ قَالَ مَالِكٌ هِيَ فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ وَاجِبَةٌ فَالْوَرَعُ الْفِعْلُ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ فَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ وَاجِبٌ فَالْعِقَابُ مُتَوَقَّعٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا وَرَعَ إلَّا أَنَّ الْمُحَرَّمَ إذَا عَارَضَهُ الْوَاجِبُ قُدِّمَ عَلَى الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّ رِعَايَةَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
«كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» . (وَالثَّانِي) قِصَّةُ ابْنَيْ آدَمَ ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧] ثُمَّ قَالَ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] وَلَمْ يَدْفَعْهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ وَعَلَى ذَلِكَ اعْتَمَدَ عُثْمَانُ ﵁ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ وَوَافَقَنَا الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْفَحْلَ الصَّائِلَ وَالْمَجْنُونَ وَالصَّغِيرَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُبَاحُ لَهُ الدَّفْعُ وَيَضْمَنُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ آدَمِيًّا بَالِغًا عَاقِلًا.
لَنَا وُجُوهٌ، الْأَوَّلُ: الْأَصْلُ عَدَمُ الضَّمَانِ الثَّانِي الْقِيَاسُ عَلَى الْآدَمِيِّ الثَّالِثُ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْأَذَى أَنَّهَا تَقْتُلُ، وَلَا تُضْمَنُ إجْمَاعًا وَلَا يَلْزَمُنَا إذَا غَصَبَهُ فَصَالَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ هُنَالِكَ بِالْغَصْبِ لَا بِالدَّفْعِ، وَإِلَّا إذَا اُضْطُرَّ لَهُ لِجُوعٍ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْجُوعَ الْقَاتِلَ فِي نَفْسِ الْجَائِعِ لَا فِي نَفْسِ الصَّائِلِ وَالْقَتْلُ بِالصِّيَالِ مِنْ جِهَةِ الصَّائِلِ، وَأَمَّا مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَحْنَافُ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ. (فَالْأَوَّلُ) أَنَّ مُدْرَك عَدَمِ الضَّمَانِ إنَّمَا يَكُونُ هُوَ إذْنُ الْمَالِكِ لَا جَوَازُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَكَلَهُ لِمَجَاعَةٍ ضَمِنَهُ وَجَوَابُهُ أَنَّ الضَّمَانَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْعَبْدَ إذَا صَالَ عَلَى مُحَرَّمٍ لَمْ يَضْمَنْهُ أَوْ صَالَ عَلَى الْعَبْدِ سَيِّدُهُ فَقَتَلَهُ الْعَبْدُ وَالْأَبُ عَلَى ابْنِهِ فَقَتَلَهُ ابْنُهُ لَا يَضْمَنُونَ لِجَوَازِ الْفِعْلِ. (وَالثَّانِي) أَنَّ الْآدَمِيَّ لَهُ قَصْدٌ وَاخْتِيَارٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يُضْمَنْ وَالْبَهِيمَةُ لَا اخْتِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَطُرِحَ إنْسَانٌ فِيهَا لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ طَرَحَتْ بَهِيمَةٌ نَفْسَهَا فِيهَا ضُمِنَتْ، وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ، وَجِنَايَةُ الْبَهِيمَةِ لَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَهَا اخْتِيَارٌ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُؤْكَلْ صَيْدُهُ وَالْبَعِيرُ الشَّارِدُ يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصَّيْدِ عَلَى أَصْلِهِمْ، وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَائِرٌ فَقَعَدَ الطَّائِرُ سَاعَةً ثُمَّ طَارَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ طَارَ بِاخْتِيَارِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْآدَمِيِّ لَوْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ لَمْ يُضْمَنْ بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ فَيَلْزَمُهُمْ أَنَّهُ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَتْ فِيهَا بَهِيمَةٌ لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَرْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْهُ. وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَتَبْطُلُ بِالْعَبْدِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ تَتَعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِلدَّابَّةِ فِي الضَّمَانِ. (وَالثَّالِثُ) قَوْلُهُ ﵊ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» فَلَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَمْ يَكُنْ جُبَارًا كَالْآدَمِيِّ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْهَدَرَ يَقْتَضِي عَدَمَ الضَّمَانِ.
(مَسْأَلَةٌ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَضَاءِ فِيمَا أَفْسَدَتْهُ الْمَوَاشِي وَالدَّوَابُّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ. (الْقَوْلِ الْأَوَّلِ) لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّ الضَّمَانَ عَلَى أَرْبَابِ الْبَهَائِمِ فِيمَا أَفْسَدَتْهُ إنْ أُرْسِلَتْ بِاللَّيْلِ لِلرَّعْيِ كَمَا لَوْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهَا فَلَمْ يَمْنَعْهَا، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَفْسَدَتْهُ إنْ أُرْسِلَتْ لِذَلِكَ بِالنَّهَارِ كَمَا لَوْ انْفَلَتَتْ فَأَتْلَفَتْ قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ وَالْقَوْلُ بِنَفْيِ الضَّمَانِ فِيمَا أَفْسَدَتْهُ نَهَارًا مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ الْأَوَّلِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا رَاعٍ لَا يُضَيِّعُ وَلَا يُفَرِّطُ، الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ إلَّا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَغِيبُ أَهْلُهَا عَنْهَا فَإِنْ انْتَفَى قَيْدٌ مِنْهَا فَرَبُّهَا ضَامِنٌ لِمَا أَفْسَدَتْ، وَإِذَا سَقَطَ الضَّمَانُ عَنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي فِيمَا رَعَتْهُ نَهَارًا فَضَمَانُ ذَلِكَ عَلَى الرَّاعِي إنْ فَرَّطَ فَإِنْ شَذَّ مِنْهَا شَيْءٌ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ فَلَا ضَمَانَ. اهـ مُلَخَّصًا.
(الْقَوْلِ الثَّانِي) لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ مُرْسَلَةٍ فَصَاحِبُهَا لَا يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْهُ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَتَحْقِيقُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا أَرْسَلَهَا مَحْفُوظَةً فَأَمَّا إذَا لَمْ يُرْسِلْهَا مَحْفُوظَةً فَيَضْمَنُ وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وُجُوهٌ. (الْأَوَّلُ) قَوْله تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الْآيَةَ، وَالنَّفْشُ رَعْيُ اللَّيْلِ وَالْهَمْلُ رَعْيُ النَّهَارِ وَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ دَاوُد ﵇ قَضَى بِتَسْلِيمِ الْغَنَمِ لِأَرْبَابِ الزَّرْعِ قُبَالَةَ زَرْعِهِمْ وَقَضَى سُلَيْمَانُ ﵇ بِدَفْعِهَا لَهُمْ يَنْتَفِعُونَ بِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَخَرَاجِهَا حَتَّى يَخْلُفَ الزَّرْعُ وَيَنْبُتَ زَرْعُ
стр. 967
دَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حُصُولِ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ الْأَنْظَرُ فَيُقَدَّمُ الْمُحَرَّمُ هَا هُنَا فَيَكُونُ الْوَرَعُ التَّرْكَ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فَلَا وَرَعَ لِتَسَاوِي الْجِهَتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ وَيُمْكِنُ تَرْجِيحُ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ تَجْرِي قَاعِدَةُ الْوَرَعِ وَهَذَا مَعَ تَقَارُبِ الْأَدِلَّةِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ ضَعِيفَ الدَّلِيلِ جِدًّا بِحَيْثُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ لَمْ يَحْسُنْ الْوَرَعُ فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ إذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ شَرِيعَةً
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
دَرْءِ الْمَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ رِعَايَةِ حُصُولِ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ الْأَنْظَرُ فَيُقَدَّمُ الْمُحَرَّمُ هَا هُنَا فَيَكُونُ الْوَرَعُ التَّرْكَ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فَلَا وَرَعَ لِتَسَاوِي الْجِهَتَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ وَالْوَاجِبِ يُمْكِنُ تَرْجِيحُ الْمَكْرُوهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ تَجْرِي قَاعِدَةُ الْوَرَعِ، وَهَذَا مَعَ تَقَارُبِ الْأَدِلَّةِ أَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْمَذْهَبَيْنِ ضَعِيفَ الدَّلِيلِ جِدًّا بِحَيْثُ لَوْ حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ لَنَقَضْنَاهُ لَمْ يَحْسُنْ الْوَرَعُ فِي مِثْلِهِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ إذَا كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ شَرِيعَةً) قُلْت: لَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ الْخِلَافِ يَكُونُ وَرَعًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوَرَعَ فِي ذَلِكَ لِتَوَقُّعِ الْعِقَابِ وَأَيُّ عِقَابٍ يُتَوَقَّعُ فِي ذَلِكَ أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ فَالْأَمْرُ وَاضِحٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ.
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ دُونَ غَيْرِهِ فَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى عَدَمِ تَأْثِيمِ الْمُخْطِئِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ فَلَا يَصِحُّ دُخُولُ الْوَرَعِ فِي خِلَافِ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ
وَأَمَّا الدَّلِيلُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
الْآخَرِ قَالَ حَفِيدُ ابْنِ رُشْدٍ فِي بِدَايَتِهِ وَهَذَا الِاحْتِجَاجُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّا مُخَاطَبُونَ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا. اهـ. (الثَّانِي) أَنَّهُ فَرَّطَ فَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا. (الثَّالِثُ) الْمُرْسَلُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ «نَاقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ حِفْظَهَا، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْهُ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا» أَيْ مَضْمُونٌ وَجْهُهُ أَنَّهُ بِالنَّهَارِ يُمْكِنُ التَّحَفُّظُ دُونَ اللَّيْلِ. (الرَّابِعُ) أَنَّكُمْ قَدْ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي قَوْلِكُمْ إنْ رَمَتْ الدَّابَّةُ حَصَاةً كَبِيرَةً أَصَابَتْ إنْسَانًا ضَمِنَ الرَّاكِبُ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْهَا وَالتَّحَفُّظُ مِنْ الْكَبِيرِ بِالتَّنْكِيبِ عَنْهُ وَقُلْتُمْ يَضْمَنُ مَا نَفَحَتْ بِيَدِهَا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَدُّهَا بِلِجَامِهَا، وَلَا يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ بِرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا.
وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوهٌ. (الْأَوَّلُ) قَوْلُهُ ﵇ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَجَوَابُهُ أَنَّ الْجُرْحَ عِنْدَنَا جُبَارٌ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِ الْجُرْحِ وَاتَّفَقْنَا عَلَى تَضْمِينِ السَّائِقِ وَالرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ. (الثَّانِي) الْقِيَاسُ عَلَى النَّهَارِ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الْفَرْقِ بِالْحِرَاسَةِ بِالنَّهَارِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَفِظَ مَالَهُ فَأَتْلَفَهُ إنْسَانٌ أَوْ أَهْمَلَهُ فَأَتْلَفَهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَجَوَابُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ عَلَى النَّهَارِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ بُطْلَانَ الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ بِالْحِرَاسَةِ بِالنَّهَارِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَ الْمَالِ هَاهُنَا كَمَنْ تَرَكَ غُلَامَهُ يَصُولُ فَيَقْتُلُ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبِ الْمَالِكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمُوهُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ. (الثَّالِثُ) الْقِيَاسُ عَلَى جِنَايَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَالِهِ وَجِنَايَةُ مَالِهِ عَلَيْهِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَيْهِ وَعَكْسُهُ جِنَايَةُ صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ قِيَاسٌ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ بِاللَّيْلِ مُفَرِّطٌ وَبِالنَّهَارِ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ عَلَى أَنَّ تِلْكَ النُّقُوضَ لَا يُمْكِنُ فِيهَا التَّضْمِينُ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ وَهَاهُنَا أَمْكَنَ التَّضْمِينُ.
(الْقَوْلُ الثَّالِثُ) لِلَّيْثِ أَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ مُرْسَلَةٍ فَصَاحِبُهَا ضَامِنٌ وَعُمْدَتُهُ أَنَّهُ تَعَدٍّ مِنْ الْمُرْسِلِ، وَالْأُصُولُ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمُتَعَدِّي الضَّمَانَ وَجَوَابُهُ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِهِ تَعَدِّيًا مِنْ الْمُرْسِلِ إذَا لَمْ يَتَسَبَّبْ الْمَالِكُ فِي الْإِتْلَافِ، وَإِلَّا فَالتَّعَدِّي مِنْ الْمَالِكِ لَا مِنْ الْمُرْسِلِ كَمَا يُؤْخَذُ مِمَّا تَقَدَّمَ فَافْهَمْ. (الْقَوْلُ الرَّابِعُ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ ﵁ وُجُوبُ الضَّمَانِ فِي غَيْرِ الْمُنْفَلِتِ، وَلَا ضَمَانَ فِي الْمُنْفَلِتِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ قَالَ فِي الْبِدَايَةِ فَسَبَبُ الْخِلَافِ فِي هَذَا الْبَابِ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ لِلسَّمْعِ وَمُعَارَضَةُ السَّمَاعِ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ يُعَارِضُ قَوْلَهُ ﵇ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» وَيُعَارِضُ أَيْضًا التَّفْرِقَةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَكَذَلِكَ التَّفْرِقَةُ الَّتِي فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ تُعَارِضُ أَيْضًا قَوْلَهُ ﵇ جُرْحُ إلَخْ. اهـ. فَافْهَمْ. (تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ) أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وَإِنْ اقْتَضَى ظَاهِرُهُ أَنَّ حُكْمَ سُلَيْمَانَ ﵇ كَانَ أَقْرَبَ لِلصَّوَابِ مِنْ حُكْمِ دَاوُد وَهُوَ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ أُصُولُ شَرِيعَتِنَا مِنْ أَنَّ حُكْمَ سُلَيْمَانَ ﵇ إيجَابٌ لِقِيمَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ صَاحِبَ الْحَرْثِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقِيَمِ الْحُلُولُ إذَا وَجَبَتْ فِي الْإِتْلَافَاتِ؛ وَلِأَنَّهُ إحَالَةٌ عَلَى أَعْيَانٍ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَمَا لَا يُبَاعُ لَا يُعَارَضُ بِهِ فِي الْقِيَمِ فَلِذَا لَوْ وَقَعَ حُكْمُهُ ﵇ فِي شَرْعِنَا مِنْ بَعْضِ الْقُضَاةِ مَا أَمْضَيْنَاهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَقَعَ حُكْمُ دَاوُد ﵇ فِي شَرْعِنَا فَإِنَّنَا نُمْضِيهِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الزَّرْعِ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهَا غَنَمٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا مُفْلِسٌ مَثَلًا أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إمَّا أَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُنَا أَتَمَّ فِي الْمَصَالِحِ، وَأَكْمَلَ الشَّرَائِعِ أَوْ يَكُونَ دَاوُد ﵇ فَهِمَ دُونَ سُلَيْمَانَ ﵇ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْآيَةِ إلَّا أَنَّا إذَا قُلْنَا أَنَّ اخْتِلَافَ الْمَصَالِحِ
стр. 968
الدَّالُّ عَلَى دُخُولِ الْوَرَعِ فِي ذَلِكَ هَذَا أَمْرٌ لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا غَيْرَ مَا يُتَوَهَّمُ مِنْ تَوَقُّعِ الْإِثْمِ وَالْعِقَابِ، وَذَلِكَ مُنْتَفٍ بِالدَّلِيلِ الْإِجْمَاعِيِّ الْقَطْعِيِّ، وَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» فَأَطْلَقَ الْقَوْلَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَلَا تَفْصِيلٍ، وَلَا تَنْبِيهٍ عَلَى وَجْهِ الْوَرَعِ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يُحْفَظْ التَّنْبِيهُ فِي ذَلِكَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِ ثُمَّ الْخُرُوجُ عَنْ الْخِلَافِ لَا يَتَأَتَّى فِي مِثْلِ مَا مُثِّلَ بِهِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِقْدَامِ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ وَالِانْكِفَافِ عَنْهُ فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَيْهِ الْمُكَلَّفُ فَقَدْ وَافَقَ مَذْهَبَ الْمُحَلِّلِ وَإِنْ انْكَفَّ عَنْهُ فَقَدْ وَافَقَ مَذْهَبَ الْمُحَرِّمِ فَأَيْنَ الْخُرُوجُ عَنْ الْخِلَافِ إنَّمَا ذَلِكَ عَمَلٌ عَلَى وَفْقِ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ لَا خُرُوجٌ عَنْ الْمَذْهَبَيْنِ، وَمِثَالُهُ أَكْلُ لُحُومِ الْخَيْلِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَمْنُوعٌ أَوْ مَكْرُوهٌ عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى الْأَكْلِ، فَذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ انْكَفَّ فَذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَمَا قَالَهُ فِيمَا إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَعَدَمِهَا مِنْ أَنَّ الْقَائِلَ بِهَا مُثْبِتٌ لِأَمْرٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ النَّافِي، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ كَتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَإِنَّهُ إنْ عَنَى بِتَعَارُضِ الْبَيِّنَاتِ كَمَا إذَا قَالَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ لِزَيْدٍ عِنْدَ عَمْرٍو دِينَارٌ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلَا تَعَارُضَ؛ لِأَنَّ النَّافِيَةَ مَعْنَى نَفْيِهَا أَنَّهَا لَا تَعْلَمُ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ شَيْئًا أَوْ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلَا تَعَارُضَ، وَلَيْسَ مَعْنَى نَفْيِهَا أَنَّهَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ يَتَعَذَّرُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِي الْأَزْمِنَةِ كَمَا اقْتَضَى اعْتِبَارُهُ حُسْنَ النَّسْخِ كَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ هَاهُنَا فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا سُلَيْمَانُ ﵇ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَتَمَّ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِأَنْ تَكُونَ مَصْلَحَةُ زَمَانِهِمْ كَانَتْ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَخْرُجَ عَيْنُ مَالِ الْإِنْسَانِ مِنْ يَدِهِ إمَّا لِقِلَّةِ الْأَعْيَانِ، وَإِمَّا لِعَدَمِ ضَرَرِ الْحَاجَةِ أَوْ لِعَدَمِ الزَّكَاةِ لِلْفُقَرَاءِ بِأَنْ تُقَدَّمَ لِلنَّارِ الَّتِي تَأْكُلُ الْقُرْبَانِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَتَكُونُ الْمَصْلَحَةُ الْأُخْرَى بِاعْتِبَارِ زَمَانِنَا أَتَمَّ فَيَتَغَيَّرُ الْحُكْمُ بِتَغَيُّرِ الْمَصْلَحَةِ.
(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) الْمُرَادُ بِالشَّهَادَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] الْعِلْمُ لَا بِمَعْنَى الْمُكَافَأَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ [النور: ٦٣] وَنَحْوَهُ؛ لِأَنَّ السِّيَاقَ لَيْسَ سِيَاقَ تَهْدِيدٍ أَوْ تَرْغِيبٍ حَتَّى يَكُونَ الْمُرَادُ ذَلِكَ بَلْ بِمَعْنَاهُ وَفَائِدَةُ ذِكْرِهِ لَا التَّمَدُّحُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يَتَمَدَّحُ بِالْعِلْمِ الْجُزْئِيِّ بَلْ الْفَائِدَةُ التَّمَدُّحُ بِأَحْكَامِ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ وَضَبْطِهِ وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ إنَّمَا وَرَدَتْ لِتَقْرِيرِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَدْرِ السُّورَةِ حِكَايَةً عَنْ الْكُفَّارِ ﴿هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] فَبَسَطَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْقِصَصِ لِيُبَيِّنَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ لَيْسَ بِدُعَاءٍ مِنْ الرُّسُلِ وَأَنَّهُ يُفَضِّلُ مَنْ شَاءَ مِنْ الْبَشَرِ وَغَيْرِهِ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ حُكْمِهِ، وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ غَفْلَةً بَلْ عَنْ عِلْمٍ وَكَذَلِكَ فَهْمُ سُلَيْمَانَ دُونَ دَاوُد ﵉ لَمْ يَكُنْ غَفْلَةً بَلْ نَحْنُ عَالِمُونَ فَهُوَ إشَارَةٌ إلَى ضَبْطِ التَّصَرُّفِ وَإِحْكَامِهِ فَكَمَا أَنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ إذَا قَالَ عَرَضْتُ عَنْ زَيْدٍ، وَأَنَا أَعْلَمُ بِحُضُورِهِ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودُهُ التَّمَدُّحَ بِأَعْلَمُ بَلْ بِإِحْكَامِ التَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ كَذَلِكَ هَهُنَا، هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ مِنْ الْبِدَايَةِ وَالتَّبْصِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا خَرَجَ عَنْ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا بَقِيَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ]
[الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ]
(الْفَرْقُ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا خَرَجَ عَنْ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِي الْقِصَاصِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا بَقِيَ عَلَى الْمُسَاوَاةِ) وَهُوَ أَنَّ مَا خَرَجَ الْقِصَاصُ عَنْ الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ فِيهِ هُوَ مَا يُؤَدِّي اشْتِرَاطُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ إلَى تَعْطِيلِ الْقِصَاصِ قَطْعًا أَوْ غَالِبًا، وَلَهُ مُثُلٌ أَحَدُهَا أَجْزَاءُ الْأَعْضَاءِ وَسُمْكُ اللَّحْمِ فِي الْجَانِي إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ التَّسَاوِي فِيهَا لَمَا حَصَلَ الْقِصَاصُ إلَّا نَادِرًا وَثَانِيهَا مَنَافِعُ الْأَعْضَاءِ وَثَالِثُهَا الْعُقُولُ وَرَابِعُهَا قُلْتُ إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ التَّسَاوِي فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لَمَا حَصَلَ الْقِصَاصُ أَصْلًا أَوْ لَمَا حَصَلَ إلَّا نَادِرًا وَخَامِسُهَا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ وَقَطْعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ إذْ لَوْ اُشْتُرِطَتْ الْوَاحِدَةُ لِتَسَاوِي الْأَعْدَاءُ بِبَعْضِهِمْ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَسَادِسُهَا الْحَيَاةُ الْيَسِيرَةُ كَالشَّيْخِ الْكَبِيرِ مَعَ الشَّابِّ، وَمَنْفُوذُ الْمَقَاتِلِ عَلَى الْخِلَافِ وَسَابِعُهَا تَفَاوُتُ الصَّنَائِعِ وَالْمَهَارَةِ فِيهَا.
قُلْتُ إذْ لَوْ اُشْتُرِطَ التَّسَاوِي فِي هَذَيْنِ لَمَا حَصَلَ الْقِصَاصُ أَصْلًا أَوْ لَمَا حَصَلَ إلَّا نَادِرًا، وَمَا بَقِيَ الْقِصَاصُ فِيهِ عَلَى الْمُسَاوَاةِ وَالْمُمَاثَلَةِ هُوَ مَا لَا يُؤَدِّي اشْتِرَاطُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ إلَى ذَلِكَ كَالْجِرَاحَاتِ فِي الْجَسَدِ فَيَجْرِي عَلَى الْأَصْلِ فِي الْقِصَاصِ فَإِنَّ أَصْلَهُ مِنْ الْقَصِّ الَّذِي هُوَ الْمُسَاوَاةُ؛ لِأَنَّ مَنْ قَصَّ شَيْئًا مِنْ شَيْءٍ بَقِيَ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَمِنْ ثَمَّ قَالَ السَّيِّدُ الْجُرْجَانِيُّ فِي تَعْرِيفَاتِهِ الْقِصَاصُ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ بِالْفَاعِلِ مِثْلَ مَا فَعَلَ اهـ.
وَهَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ. (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) فِي قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لِلْعُلَمَاءِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵃ قَتْلُهُمْ بِهِ إذَا قَتَلُوهُ عَمْدًا أَوْ تَعَاوَنُوا عَلَى قَتْلِهِ بِالْحِرَابَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى يُقْتَلَ النَّاظُورُ. وَعُمْدَتُهُمْ أُمُورٌ: الْأَوَّلُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى قَتْلِ عُمَرَ سَبْعَةً مِنْ أَهْلِ صَنْعَاءَ بِرَجُلٍ وَاحِدٍ وَقَالَ لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ بِهِ وَقَتَلَ عَلِيٌّ ثَلَاثَةً، وَهُوَ كَثِيرٌ، وَلَمْ يُعْرَفْ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الثَّانِي أَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَجِبُ لِلْوَاحِدِ عَلَى الْجَمَاعَةِ كَمَا تَجِبُ لَهُ عَلَى الْوَاحِدِ كَحَدِّ الْقَذْفِ وَتُفَارِقُ الدِّيَةَ فَإِنَّهَا تَتَبَعَّضُ دُونَ الْقِصَاصِ
стр. 969
وَهَا هُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ (الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى) أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ دُخُولَ الْوَرَعِ فِي مَسْحِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا جَمِيعَ رَأْسِهِ قَالُوا: لِأَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْعِلْمُ بِهِ عَادَةً، وَإِنْ عَنَى كَمَا إذَا قَالَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ رَأَيْنَاهُ يَوْمَ عَرَفَةَ مِنْ عَامِ سَبْعِمِائَةٍ بِمَكَّةَ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: رَأَيْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَيْنِهِ بِالْمَدِينَةِ فَهَذَا تَعَارُضٌ، وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى إلَّا بِالتَّرْجِيحِ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الَّتِي تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا الصُّورَةُ الْأُولَى فَإِذَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِي مِثْلِ هَذَا الِاجْتِهَادِ ثَبَتَ الْخِلَافُ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيمٍ لِأَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ عَلَى الْآخَرِ إلَّا عِنْدَ مَنْ رَجَحَ عِنْدَهُ كَالْمُجْتَهَدِينَ، وَكُلُّ مَنْ رَجَحَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَا يَسُوغُ لَهُ تَرْكُهُ، وَكُلُّ مَنْ رَجَحَ عِنْدَهُ الْمَذْهَبُ الْآخَرُ لَا يَسُوغُ لَهُ تَرْكُهُ فَلَا وَرَعَ بِاعْتِبَارِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا بُدَّ لِمَنْ حُكْمُهُ التَّقْلِيدُ أَنْ يَعْمَلَ بِالتَّقْلِيدِ، فَإِذَا قَلَّدَ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا يَتَمَكَّنُ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَفِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ أَنْ يُقَلِّدَ الْآخَرَ، وَلَا أَنْ يَنْظُرَ لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، وَالْمُكَلَّفُونَ كُلُّهُمْ دَائِرُونَ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ، وَالْمُجْتَهِدُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْأَخْذِ بِغَيْرِ مَا اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ فَلَا يَصِحُّ الْوَرَعُ الَّذِي يَقْتَضِي خِلَافَ مَذْهَبِ مُقَلِّدِهِ فِي حَقِّهِ، وَإِذَا كَانَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الْوَرَعِ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَا فِي حَقِّ الْمُقَلِّدِينَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ لَا ثَالِثَ يَصِحُّ ذَلِكَ الْوَرَعُ فِي حَقِّهِ، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
قَالَ (وَهَا هُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ دُخُولَ الْوَرَعِ فِي مَسْحِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا جَمِيعَ رَأْسِهِ قَالُوا: لِأَنَّهُ إنْ اعْتَقَدَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَالثَّالِثُ أَنَّ الشَّرِكَةَ لَوْ أَسْقَطَتْ الْقِصَاصَ كَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلْقَتْلِ، الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَشْهُورُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَتْلُهُمْ بِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ فَفِي الْإِقْنَاعِ وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ إذَا كَانَ فِعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَالِحًا لِلْقَتْلِ بِهِ، وَإِلَّا فَلَا، مَا لَمْ يَتَوَاطَئُوا عَلَى ذَلِكَ أَيْ الْفِعْلِ لِيَقْتُلُوهُ بِهِ فَعَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ لِئَلَّا يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً إلَى دَرْءِ الْقِصَاصِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُشْرَعْ فِي الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ لَبَطَلَتْ حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الَّتِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] بِزِيَادَةٍ مِنْ كَشَّافِ قِنَاعِهِ.
الْقَوْلُ الثَّالِثُ لِأَحْمَدَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ عَلَيْهِمْ الدِّيَةَ، الْقَوْلُ الرَّابِعُ لِلزُّهْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ يُقْتَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَعَلَى الْبَاقِي حِصَصُهُمْ مِنْ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُكَافِئٌ لَهُ فَلَا يَسْتَوِي إبْدَالٌ فِي مُبْدَلٍ مِنْهُ وَاحِدٍ كَمَا لَا تَجِبُ دِيَاتٌ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَلِأَنَّ تَفَاوُتَ الْأَوْصَافِ يَمْنَعُ كَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ بِذِمِّيٍّ قَوْلَانِ لِلْأَئِمَّةِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا يُقْتَلُ بِهِ لِمَا فِي الْبُخَارِيِّ «لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ» الْقَوْلُ الثَّانِي لِأَبِي حَنِيفَةَ يُقْتَلُ بِهِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] وَهَذَا قُتِلَ مَظْلُومًا فَيَكُونُ لِوَلِيِّهِ سُلْطَانٌ وَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] وَكَذَا سَائِرُ الْعُمُومَاتِ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا خَاصٌّ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْعُمُومَاتِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ.
[الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ قَتْلِ الْمُمْسِكِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) فِي قَتْلِ مُمْسِكِ الْمَقْتُولِ لِلْقَاتِلِ مَعَ الْقَاتِلِ أَوْ لَا بَلْ الْقَاتِلُ وَحْدَهُ قَوْلَانِ لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْأَوَّلُ لِمَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْعُمُومَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِقَوْلِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ وَلِلْقِيَاسِ عَلَى الْمُمْسِكِ لِلصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ وَعَلَى الْمُكْرَهِ قُلْتُ وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَفِي الْإِقْنَاعِ وَكَشَّافِ قِنَاعِهِ، وَإِنْ أَكْرَهَ مُكَلَّفٌ مُكَلَّفًا عَلَى قَتْلِ مُعَيَّنٍ فَقَتَلَهُ فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ تَسَبَّبَ إلَى قَتْلِهِ بِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا وَفِيهِمَا أَيْضًا، وَإِنْ أَكْرَهَ سَعْدٌ زَيْدًا عَلَى أَنْ يُكْرِهَ عَمْرًا عَلَى قَتْلِ بَكْرٍ فَقَتَلَهُ قُتِلَ الثَّلَاثَةُ جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى الْمُبَاشِرُ لِمُبَاشَرَتِهِ الْقَتْلَ ظُلْمًا وَالْآخَرَانِ لِتَسَبُّبِهِمَا إلَى الْقَتْلِ لِمَا يُفْضِي إلَيْهِ غَالِبًا. اهـ الْمُرَادُ فَافْهَمْ. وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَيْنِ وَقَاعِدَةِ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْ الْجَسَدِ فِيهِمَا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ]
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَيْنَيْنِ وَقَاعِدَةِ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنْ الْجَسَدِ كَالْأُذُنَيْنِ وَنَحْوِهِمَا) مِنْ حَيْثُ إنَّ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ الدِّيَةَ كَامِلَةً عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَإِنْ أَخَذَ فِي الْأُولَى نِصْفَ الدِّيَةِ، وَأَمَّا إذَا أَذْهَبَ رَجِلٌ بِضَرْبَةٍ سَمْعَ الْأُذُنِ الْأُخْرَى مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْ بِأَحَدِ أُذُنَيْهِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا فَرْقَ بَيْنَ عَيْنِ الْأَعْوَرِ وَنَحْوِ أُذُنِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِأَحَدِ أُذُنَيْهِ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ.
لَنَا أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ قَضَوْا بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُخَالِفٍ فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا، وَوَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ الْعَيْنَ الذَّاهِبَةَ يَرْجِعُ ضَوْءُهَا لِلْبَاقِيَةِ لِأَنَّ مَجْرَاهُمَا فِي النُّورِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْإِبْصَارُ وَاحِدٌ كَمَا شَهِدَ بِهِ عِلْمُ التَّشْرِيحِ؛ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الصَّحِيحَ إذَا غَمَّضَ إحْدَى عَيْنَيْهِ اتَّسَعَ ثُقْبُ الْأُخْرَى بِسَبَبِ مَا انْدَفَعَ لَهَا مِنْ الْأُخْرَى وَقَوِيَ إبْصَارُهَا، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ فِي إحْدَى الْأُذُنَيْنِ إذَا سُدَّتْ الْأُخْرَى أَوْ إحْدَى الْيَدَيْنِ إذَا ذَهَبَتْ الْأُخْرَى أَوْ قُطِعَتْ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ إلَّا الْعَيْنَ لِمَا تَقَدَّرَ مِنْ اتِّحَادِ الْمَجْرَى فَكَانَتْ الْعَيْنُ الْبَاقِيَةُ فِي مَعْنَى الْعَيْنَيْنِ فَوَجَبَ
стр. 970
الْوُجُوبَ فَقَدْ تَرَكَ النَّدْبَ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ، بَلْ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْوُجُوبَ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ إلَّا بِنِيَّةِ النَّدْبِ فَمَا حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيُّ إذَا بَسْمَلَ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ يُورِدُونَ فِيهِ هَذَا السُّؤَالَ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ بِسَبَبِ أَنَّا نَقُولُ: يُعْتَقَدُ فِي مَسْحِ رَأْسِهِ كُلِّهِ النَّدْبُ عَلَى رَأْيِ الشَّافِعِيِّ وَالْوُجُوبُ عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ فَإِنَّ النَّدْبَ وَالْوُجُوبَ وَالْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ أَضْدَادٌ لَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا اتَّحَدَ الْمُتَعَلِّقُ مَعَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَمَّا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ فَقَطْ فَلَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَةَ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، وَالْبِغْضَةُ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْقَلْبِ الْعَدَاوَةُ لِلْكَافِرِينَ، وَالصَّدَاقَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
الْوُجُوبَ فَقَدْ تَرَكَ النَّدْبَ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ بَلْ هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ الْوُجُوبَ لَمْ يُجْزِهِ الْمَسْحُ إلَّا بِنِيَّةِ النَّدْبِ فَمَا حَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ، وَكَذَلِكَ الْمَالِكِيُّ إذَا بَسْمَلَ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ يُورِدُونَ فِيهِ هَذَا السُّؤَالَ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: يُعْتَقَدُ فِي مَسْحِ رَأْسِهِ كُلِّهِ النَّدْبُ عَلَى رَأْيِ الشَّافِعِيِّ وَالْوُجُوبُ عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ النَّدْبِ وَالْوُجُوبِ فَإِنَّ النَّدْبَ وَالْوُجُوبَ وَالْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ أَضْدَادٌ وَلَكِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ إنَّمَا يَمْتَنِعُ إذَا اتَّحَدَ الْمُتَعَلَّقُ مَعَ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ أَمَّا اتِّحَادُ الْمَحَلِّ فَقَطْ فَلَا يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ الصَّدَاقَةَ ضِدُّ الْعَدَاوَةِ، وَالْبِغْضَةُ ضِدُّ الْمَحَبَّةِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْتَمِعَ فِي الْقَلْبِ الْعَدَاوَةُ لِلْكَافِرِينَ وَالصَّدَاقَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فِيهَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ ﵇ «فِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ مِنْ الْإِبِلِ» وَبِقَوْلِهِ ﵇ «فِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ» فَجَوَابُهُ حَمْلُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْعَيْنِ غَيْرِ الْعَوْرَاءِ؛ لِأَنَّهُمَا عُمُومَانِ مُطْلَقَانِ فِي الْأَحْوَالِ فَيُقَيَّدَانِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّ مَا ضُمِنَ بِنِصْفِ الدِّيَةِ وَمَعَهُ نَظِيرُهُ ضُمِنَ بِنِصْفِهَا مُنْفَرِدًا كَالْأُذُنِ وَالْيَدِ فَجَوَابُهُ الْفَرْقُ الْمُتَقَدِّمُ بِانْتِقَالِ قُوَّةِ الْعَيْنِ الْأُولَى بِخِلَافِ الْأُذُنِ وَالْيَدِ، وَلَوْ انْتَقَلَتْ الْقُوَّةُ فِيهِمَا أَيْضًا الْتَزَمْنَاهُ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِ النُّورِ الْبَاصِرِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَوَّلِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْهِبْ نِصْفَ الْمَنْفَعَةِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ اطِّرَاحُ الْأَوَّلِ إذْ لَوْ جَنَى عَلَيْهَا فَاحْوَلَّتَا أَوْ عَمِشَتَا أَوْ نَقَصَ ضَوْءُهُمَا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَقْلُ لِمَا نَقَصَ وَلَا تَنْقُصُ الدِّيَةُ عَمَّنْ جَنَى ثَانِيًا عَلَى قَوْلٍ عِنْدَنَا، وَهَذَا السُّؤَالُ قَوِيٌّ عَلَيْنَا وَكَانَ يَلْزَمُنَا أَنْ نَقْلَعَ بِعَيْنِ الْأَعْوَرِ عَيْنَيْنِ اثْنَيْنِ مِنْ الْجَانِي.
(تَفْرِيعٌ) قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِي النَّوَادِرِ: فِيهَا أَيْ فِي عَيْنِ الْأَعْوَرِ أَلْفٌ وَإِنْ أَخَذَ فِي الْأُولَى دِيَتَهَا قَالَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُسْأَلُ عَنْ السَّمْعِ فَإِنْ كَانَ يَنْتَقِلُ فَكَالْعَيْنَيْنِ وَإِلَّا فَكَالْيَدِ وَإِنْ أُصِيبَ مِنْ كُلٍّ نِصْفُ بَصَرِهَا ثُمَّ أُصِيبَ بَاقِيهِمَا فِي ضَرْبَةٍ فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ يَنْظُرُ بِهِمَا نِصْفَ نَظَرِهِمَا فَإِنْ أُصِيبَ بَاقِي إحْدَاهُمَا فَرُبْعُ الدِّيَةِ فَإِنْ أُصِيبَ بَعْدَ ذَلِكَ بَقِيَّةُ الْأُخْرَى فَنِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ أُقِيمَ مَقَامَ نِصْفِ جَمِيعِ بَصَرِهِ فَإِنْ أَخَذَ صَحِيحٌ نِصْفَ دِيَةِ إحْدَاهُمَا ثُمَّ أُصِيبَ بِنِصْفِ الصَّحِيحَةِ فَثُلُثُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مِنْ جَمِيعِ بَقِيَّةِ بَصَرِهِ ثُلُثَهُ وَإِنْ أُصِيبَ بِبَقِيَّةِ الْمُصَابَةِ فَقَطْ فَرُبْعُ الدِّيَةِ فَإِنْ ذَهَبَ بَاقِيهَا وَالصَّحِيحَةُ بِضَرْبَةٍ فَالدِّيَةُ كَامِلَةً أَوْ الصَّحِيحَةُ وَحْدَهَا فَثُلُثَا الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا ثُلُثَا بَصَرِهِ فَإِنْ أُصِيبَ بَقِيَّةُ الْمُصَابَةِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ بِخِلَافِ لَوْ أُصِيبَتْ وَالصَّحِيحَةُ بَاقِيَةٌ قَالَهُ أَشْهَبُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ فِيمَا يُصَابُ مِنْ الصَّحِيحَةِ إذَا بَقِيَ مِنْ الْأُولَى شَيْءٌ إلَّا مِنْ حِسَابِ نِصْفِ الدِّيَةِ اهـ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَأَجْزَاءِ أَسْبَابِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ]
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَأَجْزَاءِ أَسْبَابِهَا الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ)
وَهُوَ أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ التَّامَّةِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَاهِيَّةِ كُلٍّ مِنْ الْقَرَابَةِ وَالْوَلَاءِ وَالنِّكَاحِ بِشَرْطِ شَيْءٍ أَعْنِي خُصُوصَ كَوْنِ الْقَرَابَةِ بُنُوَّةً مَثَلًا وَخُصُوصَ كَوْنِ الْوَلَاءِ عَلَوِيًّا وَخُصُوصَ كَوْنِ النِّكَاحِ زَوْجَةً أَوْ زَوْجًا، وَأَجْزَاؤُهَا الْعَامَّةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَاهِيَّةِ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ بِشَرْطِ لَا شَيْءَ أَعْنِي مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُطْلَقُ الْقَرَابَةِ، وَمُطْلَقُ الْوَلَاءِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُطْلَقُ الْوَلَاءِ، وَمُطْلَقُ النِّكَاحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُطْلَقُ النِّكَاحِ، وَأَجْزَاؤُهَا الْخَاصَّةُ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ مَاهِيَّةِ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لَا بِشَرْطِ شَيْءٍ أَيْ مِنْ إطْلَاقٍ أَوْ خُصُوصٍ، وَهِيَ الْمُشْتَرَكَاتُ أَعْنِي قَرَابَةً مَا وَوَلَاءً مَا وَنِكَاحًا مَا، وَهَذِهِ أَخَصُّ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْعَامَّةِ، وَأَعَمُّ مِنْ التَّامَّةِ وَهِيَ مُرَادُ الْفَرْضِيِّينَ بِقَوْلِهِمْ: إنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ ثَلَاثَةٌ نَسَبٌ وَوَلَاءٌ وَنِكَاحٌ قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا تَوَهَّمَهُ الشِّهَابُ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي كَلَامِهِمْ هَذَا لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
(أَحَدُهُمَا) تَعْبِيرُهُمْ عَنْ الْأَسْبَابِ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ
(وَثَانِيهِمَا) : التَّعْبِيرُ عَنْهَا بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ فَمَنْ عَبَّرَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ التَّنْكِيرِ لَمْ يُرِدْ كُلَّ نَسَبٍ، وَلَا كُلَّ وَلَاءٍ، وَلَا كُلَّ نِكَاحٍ بَلْ أَرَادَ نَسَبًا خَاصًّا وَوَلَاءً خَاصًّا وَنِكَاحًا خَاصًّا، وَلَا نُكْرَ فِي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ النَّكِرَةِ عَنْ مَخْصُوصٍ فَإِنَّ اللَّفْظَ عَلَيْهِ صَادِقٌ وَلَهُ صَالِحٌ وَمَنْ عَبَّرَ مِنْهُمْ بِلَفْظِ التَّعْرِيفِ لَمْ يُرِدْ أَيْضًا كُلَّ نَسَبٍ، وَلَا كُلَّ وَلَاءٍ، وَلَا كُلَّ نِكَاحٍ بَلْ أَرَادَ مَا أَرَادَهُ الْأَوَّلُ وَأَحَالَ الْأَوَّلَ فِي تَقْيِيدِ ذَلِكَ الْمُطْلَقِ عَلَى تَعْيِينِ أَصْنَافِ الْوَارِثِينَ وَالْوَارِثَاتِ وَأَحَالَ الثَّانِي فِي بَيَانِ الْمَعْهُودِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَى مَا أَحَالَ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ وَذَلِكَ أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ التَّامَّةِ إجْمَالًا سَبْعَةَ
стр. 971
وَالْمَحَبَّةُ لِلصَّالِحِينَ، وَالْبِغْضَةُ لِلطَّالِحِينَ بِسَبَبِ أَنَّ مُتَعَلَّقَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ غَيْرُ مُتَعَلَّقِ الْآخَرِ كَذَلِكَ هَا هُنَا اخْتَلَفَتْ الْإِضَافَةُ فَنَقُولُ: اعْتَقَدَ هَذَا الْفِعْلَ وَاجِبًا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَمَنْدُوبًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَيَجْمَعُهُمَا فِي ذِهْنِهِ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ وَإِضَافَتَيْنِ كَمَا يَصْدُقُ أَنَّ زَيْدًا أَبٌ لِعَمْرٍو لَيْسَ أَبًا لِخَالِدٍ فَاجْتَمَعَ فِيهِ النَّقِيضَانِ بِاعْتِبَارِ إضَافَتَيْنِ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَرْبَابُ الْمَعْقُولِ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ اتِّحَادَ الْإِضَافَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُهُ فِي الْأُبُوَّةِ، فَإِذَا تَعَدَّدَتْ الْإِضَافَةُ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ وَالضِّدَّانِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَجْتَمِعُ فِي الذِّهْنِ الْوَاحِدِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِ خَمْسَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَصَوَّرْنَا الْجَمْعَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَالْمَحَبَّةُ لِلصَّالِحِينَ، وَالْبِغْضَةُ لِلطَّالِحِينَ بِسَبَبِ أَنَّ مُتَعَلَّقَ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ غَيْرُ مُتَعَلَّقِ الْآخَرِ كَذَلِكَ هَا هُنَا اخْتَلَفَتْ الْإِضَافَةُ فَنَقُولُ: اعْتِقَادُ هَذَا الْفِعْلِ وَاجِبًا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَمَنْدُوبًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَيَجْمَعُهَا فِي ذِهْنِهِ بِاعْتِبَارِ جِهَتَيْنِ وَإِضَافَتَيْنِ كَمَا يَصْدُقُ أَنَّ زَيْدًا أَبٌ لِعَمْرٍو، وَلَيْسَ أَبًا لِخَالِدٍ فَاجْتَمَعَ فِيهِ النَّقِيضَانِ بِاعْتِبَارِ إضَافَتَيْنِ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَرْبَابُ الْمَعْقُولِ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ التَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ اتِّحَادَ الْإِضَافَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِثَالُهُ فِي الْأُبُوَّةِ، فَإِذَا تَعَدَّدَتْ الْإِضَافَةُ اجْتَمَعَ النَّقِيضَانِ وَالضِّدَّانِ، وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَجْتَمِعُ فِي الذِّهْنِ الْوَاحِدِ فِي الزَّمَنِ الْوَاحِدِ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ الْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ بِاعْتِبَارِ خَمْسَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِتِلْكَ الْأَحْكَامِ فَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَصَوَّرْنَا الْجَمْعَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
عَشَرَ وَتَفْصِيلًا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ؛ لِأَنَّ ذُكُورَ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْمِيرَاثُ عَشَرَةٌ وَيَتَفَرَّعُونَ إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَإِنَاثُ مَنْ ثَبَتَ لَهُ الْمِيرَاثُ سَبْعٌ وَيَتَفَرَّعْنَ أَيْضًا إلَى عَشَرَةٍ نَعَمْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، وَأَجْزَاءُ الْأَسْبَابِ الْعَامَّةِ كُلِّيَّةٌ لَا تَحَقُّقَ لَهَا إلَّا فِي الذِّهْنِ قَطْعًا فَلَا أَقْسَامَ لَهَا بِخُصُوصِهَا فَإِنَّمَا أَقْسَامُهَا مَا تَحْتَهَا مِنْ الْأَسْبَابِ التَّامَّةِ، وَأَجْزَاؤُهَا الْخَاصَّةُ وَأَقْسَامُهُمَا فَافْهَمْ قَالَ الْأَصْلُ وَالدَّلِيلُ عَلَى حَصْرِ الْأَسْبَابِ غَيْرِ التَّامَّةِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ أَنَّ الْأَمْرَ الْعَامَّ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ إمَّا أَنْ يُمْكِنَ إبْطَالُهُ أَوْ لَا فَإِنْ أَمْكَنَ إبْطَالُهُ فَهُوَ النِّكَاحُ؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالطَّلَاقِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إبْطَالُهُ فَإِمَّا أَنْ يَقْتَضِيَ التَّوَارُثَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ غَالِبًا أَوْ لَا فَإِنْ اقْتَضَى التَّوَارُثَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ غَالِبًا فَهُوَ الْقَرَابَةُ وَالِاحْتِرَازُ بِ غَالِبًا مِنْ الْعَمَّةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ يَرِثُهَا ابْنُ أَخِيهَا، وَلَا تَرِثُهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَضِهِ إلَّا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَهُوَ الْوَلَاءُ؛ لِأَنَّهُ يَرِثُ الْمَوْلَى الْأَعْلَى الْأَسْفَلَ، وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ الْأَعْلَى. اهـ. قَالَ ابْنُ الشَّاطِّ وَمَا ذَكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ مُفِيدًا لِلْحَصْرِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي النِّكَاحِ مِنْ كَوْنِهِ يُمْكِنُ إبْطَالُهُ أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَوْنِ النِّكَاحِ سَبَبَ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ سَبَبًا النِّكَاحُ الَّذِي لَمْ يَلْحَقْهُ إبْطَالٌ أَمَّا اللَّاحِقُ بِهِ الْإِبْطَالُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا، وَمَا ثَبَتَتْ سَبَبِيَّتُهُ لَمْ تُرْفَعْ لِاسْتِحَالَةِ رَفْعِ الْوَاقِعِ، وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْقَرَابَةِ أَمْرٌ ثَانٍ عَنْ كَوْنِ سَبَبِ الْإِرْثِ لَيْسَ مُطْلَقَ الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبِيَّةَ ثَابِتَةٌ عَنْهُ مَعَ عَدَمِ اطِّرَادِهِ وَمَا ذُكِرَ فِي الْوَلَاءِ، وَكَذَلِكَ أَمْرٌ ثَانٍ عَنْ كَوْنِ سَبَبِيَّتِهِ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهُمْ مَا حَصَرُوهَا فِي ثَلَاثَةٍ إلَّا لِكَوْنِهَا أُمُورًا مُخْتَلِفَةً ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ سَبَبُ الْمِيرَاثِ سِوَاهَا ثُمَّ إنَّهَا لَيْسَتْ أَسْبَابًا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ مُقَيَّدَةً بِتَعْيِينِ مَنْ يَرِثُ. اهـ. بَلْ قَالَ ابْنُ عَاصِمٍ
جَمِيعُهَا أَرْكَانُهُ ثَلَاثَهْ ... مَالٌ وَمِقْدَارٌ وَذُو الْوِرَاثَهْ
قَالَ التَّسَوُّلِيُّ أَيْ لَا يَصِحُّ الْإِرْثُ بِالْعِصْمَةِ أَوْ الْوَلَاءِ أَوْ النَّسَبِ إلَّا بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ أَيْ مَعْرِفَةِ مَالٍ مَتْرُوكٍ عَنْ الْمَيِّتِ وَمِقْدَارِ مَا يَرِثُهُ كُلُّ وَارِثٍ وَمَنْ يَرِثُ مِمَّنْ لَا يَرِثُ وَمَهْمَا اخْتَلَّ وَاحِدٌ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ. اهـ. قَالَ التَّاوَدِيُّ عَلَى الْعَاصِمِيَّةِ: وَبَقِيَ عَلَيْهِ أَسْبَابُ الْمِلْكِ وَالْإِسْلَامِ خَلِيلٌ وَلِسَيِّدِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ جَمِيعُ إرْثِهِ، وَفِي الزَّرْقَانِيِّ أَنَّ تَسْمِيَتَهُ إرْثًا مَجَازٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْمِلْكِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الثَّانِيَ لَا يَرِدُ بِحَالٍ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَبَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ يَسْتَقِلُّ الْبَيْتُ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ وَقَاعِدَةِ شُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ]
(الْفَرْقُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ أَسْبَابِ التَّوَارُثِ، وَقَاعِدَةِ شُرُوطِهِ وَمَوَانِعِهِ) وَهُوَ أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ هِيَ الثَّلَاثَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ أَعْنِي الْقَرَابَةَ وَالْوَلَاءَ وَالنِّكَاحَ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهُ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ ضَابِطَ السَّبَبِ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ وَمِنْ عَدَمِهِ - وَلَوْ شَكًّا - الْعَدَمُ، وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ قَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَسْبَابِ، وَأَمَّا مَوَانِعُهُ فَغَالِبُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ الْكُفْرُ وَالْقَتْلُ وَالرِّقُّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا مِنْ أَنَّ ضَابِطَ الْمَانِعِ مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ - أَيْ يَقِينًا - الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الشَّكِّ فِي وُجُودِهِ الْعَدَمُ بَلْ يَتَرَتَّبُ الثُّبُوتُ بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ، وَهَذِهِ الْحَقِيقَةُ قَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَوَانِعِ، وَأَمَّا مَا زَادَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْمَوَانِعِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الشَّكِّ فِي أَهْلِ السَّفِينَةِ وَالرَّدْمِ، وَاللِّعَانِ، وَجَعْلِ الْمَوَانِعِ خَمْسَةً فَلَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ الْمَذْكُورَ إنَّمَا مَنَعَ مِنْ الْمِيرَاثِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فِقْدَانِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْعِلْمُ أَوْ الْحُكْمُ بِتَقَدُّمِ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، وَكَذَلِكَ اللِّعَانُ لَيْسَ بِمَانِعٍ بَلْ هُوَ سَبَبٌ فِي فِقْدَانِ السَّبَبِ، وَهُوَ النَّسَبُ، وَقَدْ قَالَ الْفُضَلَاءُ إذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الْحَقَائِقِ
стр. 972
بَيْنَ الْمَذَاهِبِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْمَقَاصِدِ وَالْوَرَعُ وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ فَتَأَمَّلْهُ فَقَدْ نَازَعَنِي فِيهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
بَيْنَ الْمَذَاهِبِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ الْإِجْزَاءُ وَالِاسْتِيفَاءُ لِلْمَقَاصِدِ وَالْوَرَعُ وَالْخُرُوجُ عَنْ الْعُهْدَةِ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ فَتَأَمَّلْهُ فَقَدْ نَازَعَنِي فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُضَلَاءِ)
قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْوَرَعَ لَا يَحْصُلُ بِاعْتِبَارِ اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ لِلُزُومِ الْمَذْهَبِ لِلْمُجْتَهِدِ وَالْمُقَلِّدِ جَمِيعًا لَا سِيَّمَا عِنْدَ اخْتِلَافِهِمَا بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ؛ إذْ يَتَعَيَّنُ الْفِعْلُ فِي الْأَوَّلِ، وَالتَّرْكُ فِي الثَّانِي، وَأَمَّا فِي الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ وَالتَّحْلِيلِ أَوْ فِي التَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ فَقَدْ يَتَوَهَّمُ صِحَّةَ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ مُشْتَرَكَةٌ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ، وَالِاثْنَانِ مُشْتَرِكَانِ فِي رُجْحَانِ التَّرْكِ لَكِنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ ذَلِكَ لُزُومُ عَمَلِ الْمُجْتَهِدِ، وَمُقَلِّدُهُ عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِ إلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ فِي الْمُقَلِّدِ: إنَّهُ يَسُوغُ لَهُ تَقْلِيدُ أَحَدِ الْقَائِلِينَ بِالْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ مَثَلًا لَا بِعَيْنِهِ وَيَفْعَلُ الْفِعْلَ بِنِيَّةِ التَّفْوِيضِ لَكِنْ لَا أَعْرِفُهُ لِأَحَدٍ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا، وَمَا وَجْهُ الشِّهَابِ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ التَّنَاقُضَ وَالتَّضَادَّ إنَّمَا يَتَحَقَّقَانِ بِشَرْطِ اتِّحَادِ الْمَحَلِّ، وَالْمُتَعَلَّقُ وَالْإِضَافَةُ لَا يَصِحُّ لَهُ، وَإِنْ كَانَ اشْتِرَاطُ تِلْكَ الشُّرُوطِ فِي التَّنَاقُضِ وَالتَّضَادِّ صَحِيحًا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ وَمُقَلِّدَهُ مُوَافَقَةُ اجْتِهَادِهِ فِي عَمَلِهِ وَاعْتِقَادِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ وَعَلَى مُقَلِّدِهِ مُخَالَفَتُهُ فَظَهَرَ أَنَّ الْقَوْلَ الصَّحِيحَ هُوَ قَوْلُ مُنَازِعِي الشِّهَابِ فِي ذَلِكَ - وَاَللَّهُ تَعَالَى - أَعْلَمُ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَحَكِّمُوا الْحُدُودَ.
وَقَدْ حَكَّمْنَا حَدَّ الْمَانِعِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَمْ نَجِدْهُ مُنْطَبِقًا عَلَى هَذَيْنِ كَمَا عَلِمْت، وَأَمَّا شُرُوطُهُ فَذَكَرَ الْأَصْلُ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ أَيْضًا: تَقَدُّمُ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ عَلَى الْوَارِثِ، وَاسْتِقْرَارُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَهُ كَالْجَنِينِ، وَالْعِلْمُ بِالْقُرْبِ وَالدَّرَجَةِ قَالَ: وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِنْ الْفَرْضِيِّينَ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي ذَكَرُوهَا، وَلَا فِي الْمَوَانِعِ الَّتِي ذَكَرُوهَا بَلْ أَهْمَلُوهَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ شُرُوطَ التَّوَارُثِ قَطُّ مَعَ أَنَّ لَهُ شُرُوطًا قَطْعًا كَسَائِرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ فَإِنْ كَانُوا قَدْ تَرَكُوهَا؛ لِأَنَّهَا مَعْلُومَةٌ، وَرَدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ أَسْبَابَ التَّوَارُثِ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ اسْتِيعَابُ الثَّلَاثَةِ كَسَائِرِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا شُرُوطَ لِلتَّوَارُثِ بَلْ أَسْبَابٌ وَمَوَانِعُ فَقَطْ وَرَدَ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إنَّمَا يَصْدُقُ عَلَيْهَا ضَابِطُ الشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْكِتَابِ فِي الْفُرُوقِ مِنْ أَنَّهُ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ - وَلَوْ شَكًّا - الْعَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ فَبِتَحْكِيمِ الْحُدُودِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْفُضَلَاءِ يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ شُرُوطٌ لِلتَّوَارُثِ لَا أَسْبَابٌ وَلَا مَوَانِعُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْقُرْبِ وَالدَّرَجَةِ أَيْ الَّتِي اجْتَمَعَا فِيهَا مَثَلًا احْتِرَازٌ مِنْ مَوْتِ رَجُلٍ مِنْ مُضَرَ أَوْ قُرَيْشٍ لَا يُعْلَمُ لَهُ قَرِيبٌ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ مَعَ أَنَّ كُلَّ قُرَشِيٍّ ابْنُ عَمِّهِ، وَلَا مِيرَاثَ لِبَيْتِ الْمَالِ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَكِنَّهُ لَمَّا فَقَدَ شَرْطَ إرْثِهِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِدَرَجَتِهِ مِنْهُ؛ إذْ مَا مِنْ قُرَشِيٍّ إلَّا لَعَلَّ غَيْرَهُ أَقْرَبُ مِنْهُ جُعِلَ الْمِيرَاثُ لِبَيْتِ الْمَالِ دُونَهُ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ لَا يُؤَثِّرُ وُجُودُهَا إلَّا فِي نُهُوضِ الْأَسْبَابِ لِتَرَتُّبِ مُسَبَّبَاتِهَا عَلَيْهَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهَا الْعَدَمُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ، وَلَا عَدَمٌ بَلْ الْوُجُودُ إنْ وَقَعَ فَهُوَ لِوُجُودِ الْأَسْبَابِ لَا لَهَا، وَإِنْ وَقَعَ الْعَدَمُ عِنْدَ وُجُودِهَا فَلِعَدَمِ السَّبَبِ أَوْ لِوُجُودِ الْمَانِعِ فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الشَّرْطِ قَدْ وُجِدَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَتَكُونُ شُرُوطًا. اهـ. بِتَهْذِيبٍ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّاطِّ أَوَّلًا بِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ شَرْطَ الْإِرْثِ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْعِلْمُ أَوْ الْحُكْمُ بِحَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ وَبِنِسْبَتِهِ وَرُتْبَتِهِ مِنْهُ لِوَجْهَيْنِ
(الْأَوَّلُ) : أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى ذِكْرِ تَقَدُّمِ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ وَجَعْلِهِ شَرْطًا، وَحَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَهُ شَرْطًا آخَرَ
(الثَّانِي) : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَوْتُ الْمَوْرُوثِ بِنَفْسِهِ قَبْلَ مَوْتِ الْوَارِثِ شَرْطًا لِأَمْرَيْنِ (أَحَدُهُمَا) امْتِنَاعُ تَوْرِيثِ مَنْ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ فِيهِمَا بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ (وَثَانِيهِمَا) : صِحَّةُ التَّوْرِيثِ بِالتَّعْمِيرِ فِي الْمَفْقُودِ وَثَانِيًا بِأَنَّ جَعْلَهُ الْعِلْمَ بِالْقُرْبِ وَالدَّرَجَةِ الَّتِي اجْتَمَعَا فِيهَا احْتِرَازٌ مِنْ مَوْتِ رَجُلٍ إلَخْ صَحِيحٌ غَيْرَ أَنَّهُ نَقَضَهُ الْحُكْمُ بِالْقُرْبِ وَالدَّرَجَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْلُومًا، وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْبِدَعِ وَيُنْهَى عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْهَا]
(الْفَرْقُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْبِدَعِ وَيُنْهَى عَنْهُ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْهَا)
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَحَدِ الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْبِدَعِ اللَّتَيْنِ فِي قَوْلِ الْأَصْلِ: الْأَصْحَابُ - فِيمَا رَأَيْت - مُتَّفِقُونَ عَلَى إنْكَارِ الْبِدَعِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، وَأَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ
(الْأَوَّلُ) : وَاجِبٌ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْوُجُوبِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرْعِ كَتَدْوِينِ الْقُرْآنِ وَالشَّرَائِعِ إذَا خِيفَ عَلَيْهَا الضَّيَاعُ فَإِنَّ التَّبْلِيغَ لِمَنْ بَعْدَنَا مِنْ الْقُرُونِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا.
وَإِهْمَالُهُ حَرَامٌ إجْمَاعًا
(الثَّانِي) : مُحَرَّمٌ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهَا قَوَاعِدُ التَّحْرِيمِ، وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرْعِ كَالْمُكُوسِ وَالْمُحْدَثَاتِ مِنْ الْمَظَالِمِ الْمُنَافِيَةِ لِقَوَاعِد الشَّرِيعَةِ كَتَقْدِيمِ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَتَوْلِيَةِ الْمَنَاصِبِ الشَّرْعِيَّةِ مَنْ لَا يَصْلُحُ لَهَا بِطَرِيقِ التَّوَارُثِ نَظَرًا لِكَوْنِ الْمَنْصِبِ كَانَ لِأَبِيهِ، وَهُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِأَهْلٍ
(الثَّالِثُ) مَنْدُوبٌ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ النَّدْبِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرْعِ كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَيْ الَّذِي عَمِلَ بِهَا عُمَرُ ﵁ فَجَمَعَ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى
стр. 973
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْمَالِكِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يَتَدَلَّك فِي غُسْلِهِ أَوْ يَمْسَحْ جَمِيعَ رَأْسِهِ وَنَحْوَهُ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمَالِكِيِّ إذَا لَمْ يُبَسْمِلْ، وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ وَالْوَرَعَ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِصَوْنِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا عَنْ الْبُطْلَانِ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْوَرَعُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ لِتَحْصِيلِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ بَلْ عِبَادَةُ كُلِّ مُقَلِّدٍ لِإِمَامٍ مُعْتَبَرٍ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَجْمَعَ كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ خَصْمِهِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّقْلِيدِ الْمُعْتَبَرِ فَإِنْ قُلْت: فَإِذَا كَانَتْ الْعِبَادَةُ الْوَاقِعَةُ صَحِيحَةً بِالْإِجْمَاعِ فَمَا فَائِدَةُ الْوَرَعِ وَكَيْفَ يُشْرَعُ الْوَرَعُ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْت: فَائِدَةُ الْوَرَعِ وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ أَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
[الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ عِبَادَةُ كُلِّ مُقَلِّدٍ لِإِمَامٍ مُعْتَبَرٍ]
قَالَ (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَالِكِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذَا لَمْ يَتَدَلَّك فِي غُسْلِهِ، أَوْ يَمْسَحْ جَمِيعَ رَأْسِهِ وَنَحْوُهُ وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الْمَالِكِيِّ إذَا لَمْ يُبَسْمِلْ وَأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ وَالْوَرَعَ إنَّمَا هُوَ لِصَوْنِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا عَنْ الْبُطْلَانِ عَلَى قَوْلِ الْمُخَالِفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْوَرَعُ فِي ذَلِكَ لَيْسَ لِتَحْصِيلِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ بَلْ عِبَادَةُ كُلِّ مُقَلِّدٍ لِإِمَامٍ مُعْتَبَرٍ صَحِيحَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَجْمَعَ كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ خَصْمِهِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفَاتِهِ وَعِبَادَتِهِ الْوَاقِعَةِ عَلَى وَجْهِ التَّقْلِيدِ الْمُعْتَبَرِ، فَإِنْ قُلْت: إذَا كَانَتْ الْعِبَادَةُ صَحِيحَةً بِالْإِجْمَاعِ، فَمَا فَائِدَةُ الْوَرَعِ، وَكَيْفَ يُشْرَعُ الْوَرَعُ بَعْدَ ذَلِكَ)
قُلْت: السُّؤَالُ وَارِدٌ قَالَ (قُلْت: فَائِدَةُ الْوَرَعِ وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّتِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ أَدِلَّةِ الْمُخْتَلِفِينَ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ حِينَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَهُمْ يُصَلُّونَ: نِعْمَتْ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ، فَإِنَّهُ إنَّمَا سَمَّاهَا بِدْعَةً بِاعْتِبَارٍ مَا وَإِلَّا فَقِيَامُ الْإِمَامِ بِالنَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ سُنَّةٌ عَمِلَ بِهَا صَاحِبُ السُّنَّةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا تَرَكَهَا خَوْفًا مِنْ الِافْتِرَاضِ فَلَمَّا انْقَضَى زَمَنُ الْوَحْيِ زَالَتْ الْعِلَّةُ فَعَادَ الْعَمَلُ بِهَا إلَى نِصَابِهِ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَتَأَتَّ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ زَمَانَ خِلَافَتِهِ لِمُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَوْلَى بِالنَّظَرِ فِيهِ، وَكَذَلِكَ صَدْرُ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ حَتَّى تَأَنَّى النَّظَرَ فَوَقَعَ مِنْهُ لَكِنَّهُ صَارَ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَأَنَّهُ أَمْرٌ لَمْ يَجْرِ بِهِ عَمَلُ مَنْ تَقَدَّمَهُ دَائِمًا فَسَمَّاهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ عَلَى خِلَافِ مَا ثَبَتَ مِنْ السُّنَّةِ كَمَا فِي الِاعْتِصَامِ لِأَبِي إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيِّ قُلْت: وَقَدْ جَرَى عَلَى مَا عَمِلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ فِي الْمَسْجِدِ عَمَلُ الْأَعْصَارِ إلَى عَصْرِنَا فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ مَا عَدَا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ فَإِنَّهُمَا قَدْ اُبْتُدِعَ فِيهِمَا شَرَّفَهُمَا اللَّهُ - تَعَالَى - تَعَدُّدُ الْجَمَاعَاتِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ أَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْ يُوَفِّقَ أَهْلَهَا لِلْعَمَلِ فِيهَا بِالسُّنَّةِ كَسَائِرِ الْأَمْصَارِ قَالَ الْأَصْلُ: وَكَإِقَامَةِ صُورِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَمْرُ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ أَنَّ الْمَصَالِحَ وَالْمَقَاصِدَ الشَّرْعِيَّةَ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِعَظَمَةِ الْوُلَاةِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَكَانَ النَّاسُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ مُعْظَمُ تَعْظِيمِهِمْ إنَّمَا هُوَ بِالدِّينِ وَسَابِقِ الْهِجْرَةِ ثُمَّ اخْتَلَّ النِّظَامُ وَذَهَبَ ذَلِكَ الْقَرْنُ وَحَدَثَ قَرْنٌ آخَرُ لَا يُعَظِّمُونَ إلَّا بِالصُّوَرِ فَتَعَيَّنَ تَفْخِيمُ الصُّوَرِ حَتَّى تَحْصُلَ الْمَصَالِحُ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَالْمِلْحِ وَيَفْرِضُ لِعَامِلِهِ نِصْفَ شَاةٍ كُلَّ يَوْمٍ لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا لَوْ عَمِلَهَا غَيْرُهُ لَهَانَ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَلَمْ يَحْتَرِمُوهُ وَتَجَاسَرُوا عَلَيْهِ بِالْمُخَالَفَةِ فَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَضَعَ غَيْرَهُ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لِحِفْظِ النِّظَامِ وَلِذَلِكَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ وَوَجَدَ مُعَاوِيَةُ قَدْ اتَّخَذَ الْحُجَّابَ وَأَرْخَى الْحِجَابَ وَاِتَّخَذَ الْمَرَاكِبَ النَّفِيسَةَ وَالثِّيَابَ الْهَائِلَةَ الْعَلِيَّةَ، وَسَلَكَ مَا يَسْلُكُهُ الْمُلُوكُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّا بِأَرْضٍ نَحْنُ فِيهَا مُحْتَاجُونَ لِهَذَا فَقَالَ لَهُ لَا آمُرُك، وَلَا أَنْهَاك وَمَعْنَاهُ أَنْتَ أَعْلَمُ بِحَالِك هَلْ أَنْتَ مُحْتَاجٌ إلَى هَذَا فَيَكُونُ حَسَنًا أَوْ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ أَحْوَالَ الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْقُرُونِ وَالْأَحْوَالِ؛ فَلِذَلِكَ يَحْتَاجُونَ إلَى تَجْدِيدِ زَخَارِفَ وَسِيَاسَاتٍ لَمْ تَكُنْ قَدِيمًا، وَرُبَّمَا وَجَبَتْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ
(الرَّابِعُ) مَكْرُوهٌ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْكَرَاهَةِ، وَأَدِلَّتُهَا مِنْ الشَّرْعِ كَتَخْصِيصِ الْأَيَّامِ الْفَاضِلَةِ وَغَيْرِهَا بِنَوْعٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ «لِنَهْيِهِ ﷺ عَنْ تَخْصِيصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ أَوْ لَيْلَتِهِ بِقِيَامٍ» كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَكَالزِّيَادَةِ فِي الْمَنْدُوبَاتِ الْمَحْدُودَاتِ بِأَنْ يُجْعَلَ التَّسْبِيحُ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ مِائَةً، وَالْوَارِدُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَالصَّاعُ الْوَاحِدُ الْوَارِدُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ عَشَرَةُ آصُعٍ بِسَبَبِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا إظْهَارُ الِاسْتِظْهَارِ عَلَى الشَّارِعِ، وَهُوَ قِلَّةُ أَدَبٍ مَعَهُ؛ لِأَنَّ شَأْنَ الْعُظَمَاءِ إذَا حَدَّدُوا شَيْئًا وَقَفَ عِنْدَهُ، وَعُدَّ الْخُرُوجُ عَنْهُ قِلَّةَ أَدَبٍ، وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فِي الْوَاجِبِ أَوْ عَلَيْهِ فَهُوَ حَرَامٌ لَا مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْأَصْلُ وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلشَّرَائِعِ، وَهُوَ حَرَامٌ إجْمَاعًا؛ وَلِذَلِكَ نَهَى مَالِكٌ عَنْ إيصَالِ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ أَنَّهَا مِنْ رَمَضَانَ وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ إلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى الْفَرْضَ وَقَامَ لِيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ اجْلِسْ حَتَّى تَفْصِلَ بَيْنَ فَرْضِك
стр. 974
وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى كُلِّ دَلِيلٍ فَلَا يَبْقَى فِي النُّفُوسِ تَوَهُّمٌ أَنَّهُ قَدْ أَهْمَلَ دَلِيلًا لَعَلَّ مُقْتَضَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ فَبِالْجَمْعِ يَنْتَفِي ذَلِكَ، فَأَثَرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي جَمِيعِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَدِلَّةِ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَالتَّصَرُّفِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْمَالِكِيُّ يَعْتَقِدُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الشَّافِعِيِّ وَبِالْعَكْسِ لَكَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ عِنْدَ الْأُخْرَى مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ فِسْقًا لِتَرْكِهَا الصَّلَاةَ طُولَ عُمْرِهَا، وَلَا تُقْبَلُ لَهَا شَهَادَةٌ، وَتَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْفُسَّاقِ أَبَدَ الدَّهْرِ، وَيَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي الْفِرَقِ كُلِّهَا مِنْ جِهَةِ مُخَالِفِهَا، وَهَذَا فَسَادٌ عَظِيمٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ بَلْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمِيعُ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَعْدَلِ النَّاسِ عِنْدَ جَمِيعِ النَّاسِ، وَلَا يَقُولُ بِفِسْقِ أَحَدٍ مِنْهُمْ إلَّا مُنَافِقٌ مَارِقٌ مِنْ الدِّينِ
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوَّلِ الْعَصْرِ الَّذِي
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
وَالْعَمَلُ بِمُقْتَضَى كُلِّ دَلِيلٍ فَلَا يَبْقَى فِي النَّفْسِ تَوَهُّمٌ أَنَّهُ قَدْ أَهْمَلَ دَلِيلًا لَعَلَّ مُقْتَضَاهُ هُوَ الصَّحِيحُ فَبِالْجَمْعِ يَنْتَفِي ذَلِكَ فَأَثَرُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي جَمِيعِ مُقْتَضَيَاتِ الْأَدِلَّةِ فِي صِحَّةِ الْعِبَادَةِ وَالتَّصَرُّفِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ) قُلْت: قَدْ تَأَمَّلْت ذَلِكَ فَلَمْ أَجِدْهُ صَحِيحًا وَكَيْفَ يَصِحُّ الْجَمْعُ بَيْنَ مُقْتَضَى دَلِيلَيْنِ مُوجِبٍ وَمُحَرِّمٍ، وَأَحَدُهُمَا يَقْتَضِي لُزُومَ الْفِعْلِ، وَالثَّانِي يَقْتَضِيَ لُزُومَ التَّرْكِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَمْرِ الْوَاحِدِ مُحَالٌ، وَلَا يُغْنِي فِي ذَلِكَ اعْتِقَادُ اخْتِلَافِ الْإِضَافَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْإِمَامَيْنِ وَمَا قَالَهُ إلَى آخِرِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ.
، وَكَذَلِكَ مَا قَالَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ وَجَمِيعُ مَا قَالَ فِي الْفُرُوقِ الْخَمْسَةِ بَعْدَ هَذَا الْفَرْقِ صَحِيحٌ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَنَفْلِك فَبِهَذَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَقَالَ لَهُ ﵇ أَصَابَ اللَّهُ بِك يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» يُرِيدُ عُمَرُ أَنَّ مَنْ قَبْلَنَا وَصَلُوا النَّوَافِلَ بِالْفَرَائِضِ فَاعْتَقَدُوا الْجَمِيعَ وَاجِبًا فَهَلَكُوا بِتَغْيِيرِهِمْ لِلشَّرَائِعِ
(الْخَامِسُ) : مُبَاحٌ، وَهُوَ مَا تَنَاوَلَتْهُ قَوَاعِدُ الْمُبَاحِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ الشَّرْعِ كَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ لِلدَّقِيقِ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ أَحْدَثُهُ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا فِي الْآثَارِ وَتَلْيِينُ الْعَيْشِ وَإِصْلَاحُهُ مِنْ الْمُبَاحَاتِ فَوَسَائِلِهِ كَذَلِكَ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالْبِدْعَةُ إنَّمَا تَنْقَسِمُ لِهَذِهِ الْأَقْسَامِ إذَا نُظِرَ إلَيْهَا بِاعْتِبَارِ مَا يَتَقَاضَاهَا وَيَتَنَاوَلُهَا مِنْ الْقَوَاعِدِ وَالْأَدِلَّةِ فَأُلْحِقَتْ بِمَا تَنَاوَلَهَا مِنْ قَوَاعِدِ وَأَدِلَّةِ الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ أَوْ النَّدْبِ أَوْ الْكَرَاهَةِ أَوْ الْإِبَاحَةِ، وَأَمَّا إنْ قُطِعَ النَّظَرُ عَنْ ذَلِكَ وَنُظِرَ إلَى كَوْنِهَا بِدْعَةً مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ لَمْ تَكُنْ إلَّا مَكْرُوهَةً أَيْ إمَّا تَنْزِيهًا، وَإِمَّا تَحْرِيمًا فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الِاتِّبَاعِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي الِابْتِدَاعِ وَلِبَعْضِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَيُسَمَّى أَبَا الْعَبَّاسِ الْأَبْيَانِيَّ مِنْ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ ثَلَاثٌ لَوْ كُتِبْنَ فِي ظُفْرٍ لَوَسِعَهُنَّ، وَفِيهِنَّ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ اتَّضِعْ وَلَا تَرْتَفِعْ مَنْ تَوَرَّعَ لَا يَتَّسِعُ. اهـ. كَلَامُ الْأَصْلِ بِتَهْذِيبٍ وَزِيَادَةٍ فَقَوْلُهُ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ إلَخْ هِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ، وَإِلَيْهَا ذَهَبَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ غَيْرُ وَاحِدٍ كَالْإِمَامِ مُحَمَّدٍ الزَّرْقَانِيِّ فَقَالَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُوَطَّإِ: وَتَنْقَسِمُ الْبِدْعَةُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ وَحَدِيثُ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ عَامٌّ مَخْصُوصٌ قَالَ: وَالْبِدْعَةُ لُغَةً مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ وَتُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مُقَابِلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ مَا لَمْ تَكُنْ فِي عَهْدِهِ ﷺ اهـ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخُ الْأَصْلِ فَفِي الْعَزِيزِيِّ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْ الْعَلْقَمِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ: الْبِدْعَةُ بِكَسْرِ الْبَاءِ فِي الشَّرْعِ هِيَ إحْدَاثُ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إلَى حَسَنَةٍ وَقَبِيحَةٍ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي آخِرِ الْقَوَاعِدِ الْبِدْعَةُ مُنْقَسِمَةٌ إلَى وَاجِبَةٍ وَمُحَرَّمَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ وَمَكْرُوهَةٍ وَمُبَاحَةٍ قَالَ: وَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ تُعْرَضَ الْبِدْعَةُ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنْ دَخَلَتْ فِي قَوَاعِدِ الْإِيجَابِ فَهِيَ وَاجِبَةٌ، أَوْ فِي قَوَاعِدِ التَّحْرِيمِ فَهِيَ مُحَرَّمَةٌ، أَوْ النَّدْبِ فَمَنْدُوبَةٌ، أَوْ الْمَكْرُوهِ فَمَكْرُوهَةٌ، أَوْ الْمُبَاحِ فَمُبَاحَةٌ وَلِلْوَاجِبَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا الِاشْتِغَالُ بِعِلْمِ النَّحْوِ الَّذِي يُفْهِمُ كَلَامَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَكَلَامَ رَسُولِهِ ﷺ وَمِنْهَا حِفْظُ غَرِيبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ اللُّغَةِ، وَمِنْهَا تَدْرِيسُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمِنْهَا الْكَلَامُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَتَمْيِيزِ الصَّحِيحِ مِنْ السَّقِيمِ، وَمِنْهَا الرَّدُّ عَلَى مَذَاهِبِ نَحْوِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ؛ إذْ لَا يَتَأَتَّى حِفْظُ الشَّرِيعَةِ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَدْ دَلَّتْ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ عَلَى أَنَّ حِفْظَ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُتَعَيِّنِ، وَلِلْمُحَرَّمَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا مَذَاهِبُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ، وَلِلْمَنْدُوبَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا التَّرَاوِيحُ، وَالْكَلَامُ فِي دَقَائِقِ التَّصَوُّفِ، وَفِي الْجَدَلِ.
وَمِنْهَا جَمْعُ الْمَحَافِلِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْمَسَائِلِ إنْ يُقْصَدْ بِذَلِكَ وَجْهُ اللَّهِ، وَالْمَكْرُوهَةُ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ وَتَزْوِيقُ الْمَصَاحِفِ، وَلِلْمُبَاحَةِ أَمْثِلَةٌ مِنْهَا الْمُصَافَحَةُ عَقِبَ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَمِنْهَا التَّوَسُّعُ فِي اللَّذِيذِ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلَابِسِ وَالْمَسَاكِنِ وَلُبْسِ الطَّيَالِسَةِ وَتَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ، وَقَدْ نَخْتَلِفُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ فَيَجْعَلُهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ وَيَجْعَلُهُ آخَرُونَ مِنْ السُّنَنِ الْمَفْعُولَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَا بَعْدَهُ وَذَلِكَ كَالِاسْتِعَاذَةِ وَالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلَاةِ. اهـ. بِتَصَرُّفٍ فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ كَرَاهَتُهُمَا فِي الْفَرِيضَةِ دُونَ النَّافِلَةِ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ
стр. 975
أَدْرَكْته هَلْ يَدْخُلُ الْوَرَعُ وَالزُّهْدُ فِي الْمُبَاحَاتِ أَمْ لَا فَادَّعَى ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَضَيَّقَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَأَكْثَرُوا التَّشْنِيعَ فَقَالَ الْأَبْيَانِيُّ فِي مُصَنَّفِهِ: لَا يَدْخُلُ الْوَرَعُ فِيهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - سَوَّى بَيْنَ طَرَفَيْهَا، وَالْوَرَعُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالنَّدْبُ مَعَ التَّسْوِيَةِ مُتَعَذِّرٌ، وَقَالَ الشَّيْخُ بَهَاءُ الدِّينِ الْحِمْيَرِيُّ: يَدْخُلُ الْوَرَعُ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ عَلَى الزُّهْدِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] وَغَيْرُهُ مِنْ النُّصُوصِ، وَكُلٌّ مِنْ الشَّيْخَيْنِ عَلَى الْحَقِّ وَالصَّوَابِ؛ إذْ لَمْ يَتَوَارَدَا عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي الْكَلَامِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُبَاحَاتِ لَا زُهْدَ فِيهَا، وَلَا وَرَعَ فِيهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ مُبَاحَاتٌ، وَفِيهَا الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الِاسْتِكْثَارَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ يَحُوجُ إلَى كَثْرَةِ الِاكْتِسَابِ الْمُوقِعِ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَدْ يُوقِعُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَكَثْرَةُ الْمُبَاحَاتِ أَيْضًا تُفْضِي إلَى بَطَرِ النُّفُوسِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْعَبِيدِ وَالْخَيْلِ وَالْخَوَلِ وَالْمَسَاكِنِ الْعَلِيَّةِ وَالْمَآكِلِ الشَّهِيَّةِ وَالْمَلَابِسِ اللَّيِّنَةِ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ صَاحِبُهَا مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ مَوَاقِفِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّضَرُّعِ لِعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْفُقَرَاءُ أَهْلُ الْحَاجَاتِ وَالْفَاقَاتِ وَالضَّرُورَاتِ، وَمَا يَلْزَمُ قُلُوبَهُمْ مِنْ الْخُضُوعِ وَالذِّلَّةِ لِذِي الْجَلَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ مِنْ نَوَالِهِ وَفَضْلِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الضَّرُورَاتِ تَبْعَثُ عَلَى ذَلِكَ قَهْرًا، وَالْأَغْنِيَاءُ بَعِيدُونَ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ فَكَانَ الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ فِي الْمُبَاحَاتِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُبَاحَاتٌ، وَيَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مَا تَقَدَّمَ قَوْله تَعَالَى ﴿كَلا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧]
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا تَصِحُّ بِتَرْكِهِمَا، وَلَمْ يَقْصِدْ الْخُرُوجَ مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ، وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ سُنِّيَّتُهُمَا فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا، وَمِثْلُهُمَا فِي كَوْنِهِ بِدْعَةً مَكْرُوهَةً، أَوْ سُنَّةً سُجُودُ الشُّكْرِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مَفْعُولَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى كَرَاهَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ يُحِبُّهُ فَيَسْجُدُ لِلَّهِ شُكْرًا فَقَالَ: لَا يَفْعَلُ هَذَا مِمَّا مَضَى مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، قِيلَ لَهُ: إنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ فِيمَا يَذْكُرُونَ سَجَدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شُكْرًا لِلَّهِ أَفَسَمِعْت ذَلِكَ قَالَ مَا سَمِعْت ذَلِكَ، وَأَنَا أَرَى أَنْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَهَذَا مِنْ الضَّلَالِ أَنْ يَسْمَعَ الْمَرْءُ الشَّيْءَ فَيَقُولَ: هَذَا لَمْ تَسْمَعْهُ مِنِّي قَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُ أَفَسَمِعْت أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ فَعَلَ مِثْلَ هَذَا إذْ مَا قَدْ كَانَ فِي النَّاسِ وَجَرَى عَلَى أَيْدِيهِمْ سُمِعَ عَنْهُمْ فِيهِ شَيْءٌ فَعَلَيْك بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَذُكِرَ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ الَّذِي قَدْ كَانَ فِيهِمْ فَهَلْ سَمِعْت أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ سَجَدَ فَهَذَا إجْمَاعٌ.
وَإِذَا جَاءَك أَمْرٌ لَا تَعْرِفْهُ فَدَعْهُ. اهـ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِمَّا شُرِعَ فِي الدِّينِ يَعْنِي سُجُودَ الشُّكْرِ فَرْضًا، وَلَا نَفْلًا إذْ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَلَا فَعَلَهُ، وَلَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى اخْتِيَارِ فِعْلِهِ، وَالشَّرَائِعُ لَا تَثْبُتُ إلَّا مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ قَالَ: وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، وَلَا الْمُسْلِمُونَ بَعْدَهُ بِأَنَّ فِي ذَلِكَ لَوْ كَانَ النَّقْلُ صَحِيحًا؛ إذْ لَا يَصِحُّ أَنْ تَتَوَفَّرَ الدَّوَاعِي عَلَى تَرْكِ نَقْلِ شَرِيعَةٍ مِنْ شَرَائِعِ الدِّينِ، وَقَدْ أُمِرُوا بِالتَّبْلِيغِ قَالَ: وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ الْأُصُولِ، وَعَلَيْهِ يَأْتِي إسْقَاطُ الزَّكَاةِ مِنْ الْخُضَرِ وَالْبُقُولِ مَعَ وُجُودِ الزَّكَاةِ فِيهَا لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ وَالْبَعْلُ الْعُشْرُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» ؛ لِأَنَّا نَزَّلْنَا تَرْكَ نَقْلِ أَخْذِ النَّبِيِّ ﷺ الزَّكَاةَ مِنْهَا كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ فِي أَنْ لَا زَكَاةَ فِيهَا فَكَذَلِكَ نَزَلَ تَرْكُ نَقْلِ السُّجُودِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الشُّكْرِ كَالسُّنَّةِ الْقَائِمَةِ فِي أَنْ لَا سُجُودَ فِيهَا ثُمَّ حُكِيَ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْمَسْأَلَةِ تَوْجِيهُ مَالِكٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا بِدْعَةٌ لَا تَوْجِيهُ أَنَّهَا بِدْعَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَفَادَهُ الشَّاطِبِيُّ فِي الِاعْتِصَامِ وَحَاصِلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ هُوَ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْعَلَّامَةُ الْحِفْنِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ بِمَعْنَى مَا لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ ﷺ نَوْعَانِ حَقِيقِيَّةٌ وَمُشْتَبِهَاتٌ فَالْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْمُقَابِلَةُ لِلسُّنَّةِ فَالسُّنَّةُ مَا فُعِلَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَشَهِدَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، وَالْبِدْعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ مَا أُحْدِثَ بَعْدَ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، قَالَ: زَادَ الشَّارِحُ فِي الْكَبِيرِ وَغَلَبَتْ عَلَى مَا خَالَفَ أُصُولَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْعَقَائِدِ.
وَهِيَ الْبِدْعَةُ الْمُحَرَّمَةُ سَوَاءٌ كَفَرَ بِهَا كَإِنْكَارِ عِلْمِهِ - تَعَالَى بِالْجُزْئِيَّاتِ أَوْ لَا كَالْمُجَسِّمَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ إنْ لَمْ تَقُلْ الْأُولَى كَالْأَجْسَامِ، وَهِيَ الْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ مَتَى أُطْلِقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ تُطْلَقُ عَلَى الْمُحَرَّمَةِ وَغَيْرِهَا، فَهِيَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَبَى اللَّهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ لِإِيرَادِهِ فِي حَيِّزِ التَّحْذِيرِ مِنْهَا وَالذَّمِّ لَهَا وَالتَّوْبِيخِ عَلَيْهَا، فَنَفْيُ قَبُولِ الْعَمَلِ بِمَعْنَى إبْطَالِهِ وَرَدِّهِ إنْ كَانَتْ الْبِدْعَةُ مُكَفِّرَةً لَهُ، وَبِمَعْنَى نَفْيِ الثَّوَابِ إنْ كَانَتْ لَا تُكَفِّرُهُ مِثْلَ مَا وَرَدَ أَنَّ الشَّخْصَ إذَا لَبِسَ ثَوْبًا بِدَرَاهِمَ مِنْهَا دِرْهَمٌ حَرَامٌ، وَصَلَّى فِيهِ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ أَيْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا، وَالْمُشْتَبِهَاتُ تُعْرَضُ عَلَى أُصُولِ الشَّرْعِ فَإِنْ وَافَقَتْ الْوَاجِبَ كَانَتْ
стр. 976
وقَوْله تَعَالَى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أَيْ مِنْ أَجْلِ أَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ فَلَوْ كَانَ النُّمْرُودُ فَقِيرًا حَقِيرًا مُبْتَلًى بِالْحَاجَاتِ وَالضَّرُورَاتِ لَمْ تَحْتَدَّ نَفْسُهُ إلَى مُنَازَعَةِ إبْرَاهِيمَ وَدَعْوَاهُ الْإِحْيَاءَ أَوْ الْإِمَاتَةَ، وَتَعَرُّضِهِ لِإِحْرَاقِ إبْرَاهِيمَ ﵇ بِالنِّيرَانِ، وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَى هَذِهِ الْمَعَاطِبِ وَالْمَهَالِكِ بِسَبَبِ أَنَّهُ مَلِكٌ، وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ الْكُفَّارِ ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وَفِي الْأَنْبِيَاءِ الْآيَةُ الْأُخْرَى ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ اتِّبَاعَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالْمُبَادِرِينَ إلَى تَصْدِيقِهِمْ إنَّمَا هُمْ الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ، وَأَعْدَاءُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمُعَانِدُوهُمْ هُمْ الْأَغْنِيَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: ٣٤] وَلَمْ يَقُلْ إلَّا قَالَ فُقَرَاؤُهَا فَهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي خَلْقِهِ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ فِي هَذِهِ الدَّارِ هُمْ الْأَقَلُّونَ فِي تِلْكَ الدَّارِ، وَالْأَقَلُّونَ فِي هَذِهِ الدَّارِ هُمْ الْأَكْثَرُونَ فِي تِلْكَ الدَّارِ فَهَذَا وَجْهُ مَا كَانَ السَّلَفُ يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ فِي الْمُبَاحَاتِ، وَهُوَ وَجْهُ لُزُومِ الذَّمِّ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ
(الْفَرْقُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ التَّوَكُّلِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْأَسْبَابِ)
اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ الْتَبَسَ هَاتَانِ الْقَاعِدَتَانِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ فِي عِلْمِ الرَّقَائِقِ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَصِحُّ التَّوَكُّلُ إلَّا مَعَ تَرْكِ الْأَسْبَابِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ وَغَيْرِهِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَاجِبَةً أَوْ الْمَنْدُوبَ كَانَتْ مَنْدُوبَةً أَوْ الْمَكْرُوهَ كَانَتْ مَكْرُوهَةً أَوْ الْمُبَاحَ كَانَتْ مُبَاحَةً، وَبِالْجُمْلَةِ فَتَقْسِيمُ الْبِدْعَةِ مَعَ السُّنَّةِ عَلَى نَحْوِ تَقْسِيمِ النَّحْوِيِّينَ حَرْفَ الْجَرِّ الْأَصْلِيِّ مَعَ الزَّائِدِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَصْلِيٌّ، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ وَاحْتَاجَ لِمُتَعَلَّقٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ وَزَائِدٌ، وَهُوَ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ، وَلَا يَحْتَاجُ لِمُتَعَلَّقٍ وَشَبِيهٌ بِهِمَا، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ، وَلَمْ يَحْتَجْ لِمُتَعَلَّقٍ فَكَمَا انْقَسَمَ حَرْفُ الْجَرِّ إلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ الْبِدْعَةُ مَعَ السُّنَّةِ تَنْقَسِمُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إلَى ثَلَاثَةٍ: سُنَّةٌ، وَهِيَ مَا فُعِلَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَشَهِدَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، وَبِدْعَةٌ، وَهُوَ مَا لَمْ يُفْعَلْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ لَهُ الْأَصْلُ.
وَمُشْتَبِهَاتٌ، وَهُوَ مَا لَمْ يُفْعَلْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَشَهِدَ لَهُ الْأَصْلُ وَتَوْضِيحُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّ مَا يَحْرُمُ وَيُنْهَى عَنْهُ مِنْ الْبِدَعِ هُوَ الْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ الْقَبِيحَةِ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ الصَّادِقَةِ عَلَى الْمُحَرَّمَةِ وَعَلَى الْمَكْرُوهَةِ وَأَنَّ مَا لَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْهَا هُوَ الْمُرَادُ بِالْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ الصَّادِقَةِ عَلَى الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَالْمُبَاحَةِ وَقَوْلُ الْأَصْلِ: وَالْأَصْحَابُ - فِيمَا رَأَيْت - مُتَّفِقُونَ عَلَى إنْكَارِ الْبِدَعِ إلَخْ هُوَ طَرِيقَةُ نَفْيِ التَّفْصِيلِ فِي الْبِدَعِ، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ وَاجِبَةً، وَلَا مَنْدُوبَةً، وَلَا مُبَاحَةً بَلْ إنَّمَا تَكُونُ قَبِيحَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا فَالْكَلَامُ عَلَيْهَا مِنْ جِهَتَيْنِ
(الْجِهَةُ الْأُولَى) أَنَّ أَمْثِلَةَ الْبِدَعِ الْوَاجِبَةِ وَالْمَنْدُوبَةِ وَالْمُبَاحَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَرَافِيُّ وَشَيْخُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الدِّينِ، وَمِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَعَنْ كَوْنِهَا مِنْ الْعَادِيَّاتِ، وَمَا كَانَ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الدِّينِ، وَمِنْ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَا يُعَدُّ مِنْ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّ خَاصَّةَ الْبِدْعَةِ أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَمَّا رَسَمَهُ الشَّارِعُ؛ إذْ هِيَ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ اُبْتُدِعَتْ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ تَقَدَّمَهَا تُضَاهِي الشَّرِيعَةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ فَانْفَصَلَتْ بِهَذَا الْقَيْدِ عَنْ كُلِّ مَا ظَهَرَ لِبَادِئِ الرَّأْيِ أَنَّهُ مُخْتَرِعٌ مِمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالدِّينِ كَعِلْمِ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ وَمُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْخَادِمَةِ لِلشَّرِيعَةِ فَإِنَّهَا.
وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ فَأُصُولُهَا مَوْجُودَةٌ فِي الشَّرْعِ؛ إذْ الْأَمْرُ بِإِعْرَابِ الْقُرْآنِ مَنْقُولٌ، وَعُلُومُ اللِّسَانِ هَادِيَةٌ لِلصَّوَابِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَحَقِيقَتُهَا إذًا أَنَّهَا فِقْهُ التَّعَبُّدِ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا كَيْفَ تُؤْخَذُ وَتُؤَدَّى، وَأُصُولُ الْفِقْهِ إنَّمَا مَعْنَاهَا اسْتِقْرَاءُ كُلِّيَّاتِ الْأَدِلَّةِ حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ نَصْبَ عَيْنٍ، وَعِنْدَ الطَّالِبِ سَهْلَةَ الْمُلْتَمَسِ، وَكَذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ، وَهُوَ عِلْمُ الْكَلَامِ إنَّمَا حَاصِلُهُ تَقْرِيرٌ لِأَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَوْ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا فِي التَّوْحِيدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كَمَا كَانَ الْفِقْهُ تَقْرِيرَ الْأَدِلَّةِ فِي الْفُرُوعِ الْعَبَّادِيَّةِ، وَتَصْنِيفُهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَرَعًا إلَّا أَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الشَّرْعِ فَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ فَالشَّرْعُ بِجُمْلَتِهِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهَا فَعَلَى الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِهَا أَصْلًا شَرْعِيًّا لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ خَادِمٌ لِلشَّرِيعَةِ دَاخِلٌ تَحْتَ أَدِلَّتِهَا الَّتِي لَيْسَتْ بِمَأْخُوذَةٍ مِنْ جُزْءٍ وَاحِدٍ فَلَيْسَتْ بِبِدْعَةٍ أَلْبَتَّةَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْعُلُومُ مُبْتَدَعَاتٍ، وَإِذَا دَخَلَتْ فِي عِلْمِ الْبِدَعِ كَانَتْ قَبِيحَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ مِنْ غَيْرِ إشْكَالٍ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَتْبُ الْمُصْحَفِ، وَجَمْعُ الْقُرْآنِ قَبِيحًا، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَلَيْسَ إذًا بِبِدْعَةٍ وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ إلَّا هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ، وَإِذَا ثَبَتَ جُزْءٌ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ثَبَتَ مُطْلَقُ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى عِلْمُ النَّحْوِ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ عُلُومِ اللِّسَانِ، أَوْ عِلْمُ الْأُصُولِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْعُلُومِ الْخَادِمَةِ لِلشَّرِيعَةِ بِدْعَةً أَصْلًا
стр. 977
وَقَالَ آخَرُونَ: لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَتَرْكِ الْأَسْبَابِ، وَلَا هُوَ هُوَ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ التَّوَكُّلَ هُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فِيمَا يَجْلِبُهُ مِنْ خَيْرٍ، أَوْ يَدْفَعُهُ مِنْ ضُرٍّ، قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: وَالْأَحْسَنُ مُلَابَسَةُ الْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ لِلْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ، أَمَّا الْمَنْقُولُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠] فَأَمَرَ بِالِاسْتِعْدَادِ مَعَ الْأَمْرِ بِالتَّوَكُّلِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] أَيْ تَحَرَّزُوا مِنْهُ فَقَدْ أَمَرَ بِاكْتِسَابِ التَّحَرُّزِ مِنْ الشَّيْطَانِ كَمَا يُتَحَرَّزُ مِنْ الْكُفَّارِ، وَأَمَرَ - تَعَالَى - بِمُلَابَسَةِ أَسْبَابِ الِاحْتِيَاطِ وَالْحَذَرِ مِنْ الْكُفَّارِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدُ الْمُتَوَكِّلِينَ وَكَانَ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَيَقُولُ مَنْ يَعْصِمُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي.
وَكَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ يَحْرُسُونَهُ مِنْ الْعَدُوِّ حَتَّى نَزَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وَدَخَلَ مَكَّةَ مُظَاهِرًا بَيْنَ دِرْعَيْنِ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مِنْ الْحَدِيدِ، وَكَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَأَكْمَلِ أَحْوَالِهِ مَعَ رَبِّهِ - تَعَالَى - يَدَّخِرُ قُوتَ سَنَةٍ لِعِيَالِهِ، وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَهُوَ أَنَّ الْمَلِكَ الْعَظِيمَ إذَا كَانَتْ لَهُ جَمَاعَةٌ، وَلَهُمْ عَوَائِدُ فِي أَيَّامٍ لَا يَحْسُنُ إلَّا فِيهَا أَوْ أَبْوَابٌ لَا تَخْرُجُ إلَّا مِنْهَا، أَوْ أَمْكِنَةٌ لَا يُدْفَعُ إلَّا فِيهَا فَالْأَدَبُ مَعَهُ أَنْ لَا يُطْلَبَ مِنْهُ فِعْلٌ إلَّا حَيْثُ عَوَّدَهُ، وَأَنْ لَا يُخَالِفَ عَوَائِدَهُ بَلْ يَجْرِي عَلَيْهَا، وَاَللَّهُ - تَعَالَى - مَلِكُ الْمُلُوكِ وَأَعْظَمُ الْعُظَمَاءِ بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ رَتَّبَ مُلْكَهُ عَلَى عَوَائِدَ أَرَادَهَا، وَأَسْبَابٍ قَدَّرَهَا، وَرَبَطَ بِهَا آثَارَ قُدْرَتِهِ، وَلَوْ شَاءَ لَمْ يَرْبِطْهَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وَمَنْ سَمَّاهُ بِدْعَةً فَإِمَّا عَلَى الْمَجَازِ كَمَا سَمَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ قِيَامَ النَّاسِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ بِدْعَةً، وَإِمَّا جَهْلًا بِمَوَاقِعِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ فَلَا يَكُونُ قَوْلُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مُعْتَدًّا بِهِ، وَلَا مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْعَادِيَّاتِ كَإِقَامَةِ صُوَرِ الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ وَالْقُضَاةِ وَاِتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ وَغَسْلِ الْيَدَيْنِ بِالْأُشْنَانِ وَلُبْسِ الطَّيَالِسِ وَتَوْسِيعِ الْأَكْمَامِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الْعَادِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِي الزَّمَنِ الْفَاضِلِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ فَالتَّمْثِيلُ بِهَا لِمَنْدُوبَاتِ الْبِدَعِ وَمُبَاحَاتِهَا، وَكَذَا بِالْمُكُوسِ وَالْمُحْدَثَاتِ مِنْ الْمَظَالِمِ.
وَتَقْدِيمُ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْوِلَايَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَتَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ مَنْ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ لِمُحَرَّمَاتِ الْبِدَعِ مَبْنِيٌّ عَلَى إحْدَى الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الْعَادِيَّاتِ، وَهِيَ الَّتِي مَال إلَيْهَا الْقَرَافِيُّ وَشَيْخُهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَذَهَبَ إلَيْهَا بَعْضُ السَّلَفِ كَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ مِنْ أَنَّ الْمُخْتَرَعَاتِ مِنْهَا تَلْحَقُ بِالْبِدَعِ، وَتَصِيرُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ الْجَارِيَةِ فِي الْأُمَّةِ لِوُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) : أَنَّهَا أُمُورٌ جَرَتْ فِي النَّاسِ وَكَثُرَ الْعَمَلُ بِهَا وَشَاعَتْ وَذَاعَتْ
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) : أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِبَادَاتِ؛ إذْ الْأُمُورُ الْمَشْرُوعَةُ تَارَةً تَكُونُ عِبَادِيَّةً، وَتَارَةً تَكُونُ عَادِيَّةً فَكِلَاهُمَا مَشْرُوعٌ مِنْ قِبَلِ الشَّارِعِ فَكَمَا تَقَعُ الْمُخَالَفَةُ بِالِابْتِدَاعِ فِي أَحَدِهِمَا تَقَعُ فِي الْآخَرِ
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) : أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِالْوَعْدِ بِأَشْيَاءَ تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ هِيَ خَارِجَةٌ عَنْ سُنَّتِهِ فَتَدْخُلُ فِيمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالَ فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا حَقَّكُمْ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ كَرِهَ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا «إذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرُوا السَّاعَةَ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيُلْقَى وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَا هُوَ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ» وَعَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ بَيْنَ يَدَيَّ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ وَيَرْتَفِعُ فِيهَا الْعِلْمُ وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ» وَالْهَرَجُ الْقَتْلُ وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأَيْت أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ حَدَّثَنَا أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ عَلِمُوا مِنْ السُّنَّةِ، وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا ثُمَّ قَالَ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِك فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ. وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدَهُ، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إيمَانٍ» الْحَدِيثَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولٌ وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ثُمَّ قَالَ وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ» إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ» ، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -
стр. 978
فَجَعَلَ الرَّيَّ بِالشُّرْبِ، وَالشِّبَعَ بِالْأَكْلِ، وَالِاحْتِرَاقَ بِالنَّارِ وَالْحَيَاةَ بِالتَّنَفُّسِ فِي الْهَوَاءِ فَمَنْ طَلَبَ مِنْ اللَّهِ - تَعَالَى - حُصُولَ هَذِهِ الْآثَارِ بِدُونِ أَسْبَابِهَا فَقَدْ أَسَاءَ الْأَدَبَ مَعَ اللَّهِ بَلْ يَلْتَمِسُ فَضْلَهُ فِي عَوَائِدِهِ، وَقَدْ انْقَسَمَتْ الْخَلَائِقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ عَامَلُوا اللَّهَ - تَعَالَى - بِاعْتِمَادِ قُلُوبِهِمْ عَلَى قُدْرَتِهِ - تَعَالَى - مَعَ إهْمَالِ الْأَسْبَابِ وَالْعَوَائِدِ فَلَجَّجُوا فِي الْبِحَارِ فِي زَمَنِ الْهَوْلِ وَسَلَكُوا الْقِفَارَ الْعَظِيمَةَ الْمُهْلِكَةَ بِغَيْرِ زَادٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، فَهَؤُلَاءِ حَصَلَ لَهُمْ التَّوَكُّلُ وَفَاتَهُمْ الْأَدَبُ مَعَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعِبَادِ أَحْوَالُهُمْ مَسْطُورَةٌ فِي الْكُتُبِ فِي الرَّقَائِقِ، وَقِسْمٌ لَاحَظُوا الْأَسْبَابَ، وَأَعْرَضُوا عَنْ التَّوَكُّلِ، وَهُمْ عَامَّةُ الْخَلْقِ وَشَرُّ الْأَقْسَامِ، وَرُبَّمَا وَصَلُوا بِمُلَاحَظَةِ الْأَسْبَابِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُسَبِّبِ إلَى الْكُفْرِ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ اعْتَمَدَتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - طَلَبُوا فَضْلَهُ فِي عَوَائِدِهِ مُلَاحِظِينَ فِي تِلْكَ الْأَسْبَابِ مُسَبِّبَهَا وَمُيَسِّرَهَا فَجَمَعُوا بَيْنَ التَّوَكُّلِ وَالْأَدَبِ وَهَؤُلَاءِ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ، وَخَاصَّةُ عِبَادِ اللَّهِ - تَعَالَى.
وَالْعَارِفُونَ بِمُعَامَلَتِهِ جَعَلَنَا اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْهُمْ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ فَهَؤُلَاءِ هُمْ خَيْرُ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ، وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يُهْمِلُ الْأَسْبَابَ وَيُفَرِّطُ فِي التَّوَكُّلِ بِحَيْثُ يَجْعَلُهُ عَدَمَ الْأَسْبَابِ أَوْ مِنْ شَرْطِهِ عَدَمُ الْأَسْبَابِ إذَا قِيلَ: الْإِيمَانُ سَبَبٌ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالْكُفْرُ سَبَبٌ لِدُخُولِ النَّارِ بِالْجَعْلِ الشَّرْعِيِّ كَسَائِرِ الْأَسْبَابِ فَهَلْ هُوَ تَارِكٌ هَذَيْنِ السَّبَبَيْنِ أَوْ مُعْتَبِرُهُمَا فَإِنْ تَرَكَ اعْتِبَارَهُمَا خَسِرَ الدُّنْيَا، وَإِنْ اعْتَبَرَهُمَا فَقَالَ: لَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ، وَتَرَكَ الْكُفْرَ فَيُقَالُ لَهُ: مَا بَالُ غَيْرِهِمَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
أَنَّهُ ﵇ قَالَ «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا فَيَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضِ الدُّنْيَا» وَفَسَّرَ ذَلِكَ الْحَسَنُ قَالَ يُصْبِحُ مُحَرِّمًا لِدَمِ أَخِيهِ وَعِرْضِهِ وَمَالِهِ وَيُمْسِي مُسْتَحِلًّا لَهُ كَأَنَّهُ تَأَوَّلَهُ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَفْشُوَ الزِّنَا وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ» .
وَمِنْ غَرِيبِ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إذَا صَارَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ زَوْجَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَجَفَا أَبَاهُ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَشُرِبَتْ الْخُمُورُ وَلُبِسَ الْحَرِيرُ وَاُتُّخِذَتْ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا أَوْ مَسْخًا وَقَذْفًا» .
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَرِيبُ هَذَا وَفِيهِ «سَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَفِيهِ وَظَهَرَتْ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ، وَفِي آخِرِهِ فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ بَالٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ» .
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ وَأَمْثَالُهَا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَهُ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَبْدِيلُ الْأَعْمَالِ الَّتِي كَانُوا أَحَقَّ بِالْعَمَلِ بِهَا فَلَمَّا عَوَّضُوا مِنْهَا غَيْرَهَا وَفَشَا فِيهَا كَأَنَّهُ مِنْ الْمَعْمُولِ بِهِ تَشْرِيعًا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ الطَّارِئَةِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَ فِي الْعِبَادَاتِ.
٢ -
(وَالطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ) وَعَلَيْهَا الْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْعَادِيَّاتِ إنْ كَانَتْ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَالشِّرَاءِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْجِنَايَاتِ مِمَّا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعَبُّدَاتِ لِكَوْنِهَا مُقَيَّدَةً بِأُمُورٍ شَرْعِيَّةٍ لَا خِيرَةَ لِلْمُكَلَّفِ فِيهَا كَانَتْ اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا فَإِنَّ التَّخْيِيرَ فِي التَّعَبُّدَاتِ إلْزَامٌ كَمَا أَنَّ الِاقْتِضَاءَ إلْزَامٌ حَسْبَمَا تُقِرُّ، وَبُرْهَانُهُ فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ صَحَّ دُخُولُ الِابْتِدَاعِ فِيهَا كَالْعِبَادَاتِ.
وَإِلَّا فَلَا وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا حُكْمُ الْبَابِ وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ بِالْأَمْثِلَةِ فَمَا أَتَى بِهِ الْقَرَافِيُّ مِثَالًا لِلْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ وَضْعِ الْمُكُوسِ فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى قَصْدِ حَجْرِ التَّصَرُّفَاتِ وَقْتًا مَا أَوْ فِي حَالَةٍ مَا لِنَيْلِ حُطَامِ الدُّنْيَا عَلَى هَيْئَةِ غَصْبِ الْغَاصِبِ وَسَرِقَةِ السَّارِقِ وَقَطْعِ الْقَاطِعِ لِلطَّرِيقِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ يَكُونُ عَلَى قَصْدِ وَضْعِهِ عَلَى النَّاسِ كَالدَّيْنِ الْمَوْضُوعِ وَالْأَمْرِ الْمَحْتُومِ عَلَيْهِمْ دَائِمًا أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ عَلَى كَيْفِيَّاتٍ مَضْرُوبَةٍ بِحَيْثُ تُضَاهِي الْمَشْرُوعَ الدَّائِمَ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْعَامَّةُ وَيُؤْخَذُونَ بِهِ وَتُوَجَّهُ عَلَى الْمُمْتَنِعِ مِنْهُ الْعُقُوبَةُ كَمَا فِي أَخْذِ زَكَاةِ الْمَوَاشِي وَالْحَرْثِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَمِنْ الْفَرْضِ الثَّانِي يَصِيرُ تَشْرِيعًا زَائِدًا وَبِدْعَةً بِلَا شَكٍّ، وَيَصِيرُ لِلْمُكُوسِ عَلَى هَذَا الْفَرْضِ نَظَرَانِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً عَلَى الْفَاعِلِ أَنْ يَفْعَلَهَا كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ، وَنَظَرٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا اخْتِرَاعًا لِتَشْرِيعٍ يُؤْخَذُ بِهِ النَّاسُ إلَى الْمَوْتِ كَمَا يُؤْخَذُونَ بِسَائِرِ التَّكَالِيفِ فَاجْتَمَعَ فِيهَا نَهْيَانِ نَهْيٌ عَنْ الْمَعْصِيَةِ، وَنَهْيٌ عَنْ الْبِدْعَةِ، وَمِنْ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ إنَّمَا يُوجَدُ بِهَا النَّهْيُ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا تَشْرِيعًا مَوْضُوعًا عَلَى النَّاسِ أَمْرَ وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ؛ إذْ لَيْسَ فِيهَا جِهَةٌ أُخْرَى يَكُونُ بِهَا مَعْصِيَةٌ بَلْ نَفْسُ التَّشْرِيعِ هُوَ نَفْسُ الْمَمْنُوعِ، وَكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الْجُهَّالِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَتَوْلِيَةُ الْمَنَاصِبِ الشَّرِيفَةِ مَنْ لَا يُصْلَحُ لَهَا بِطَرِيقِ التَّوْرِيثِ فَإِنْ جُعِلَ الْجَاهِلُ فِي مَوْضِعِ الْعَالِمِ حَتَّى يَصِيرَ مُفْتِيًا فِي الدِّينِ وَمَعْمُولًا بِقَوْلِهِ فِي الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ وَغَيْرِهَا
стр. 979
مِنْ الْأَسْبَابِ إنْ كَانَ هَذَانِ لَا يُنَافِيَانِ التَّوَكُّلَ فَغَيْرُهُمَا كَذَلِكَ نَعَمْ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا هُوَ مُطَّرِدٌ فِي مَجْرَى عَوَائِدِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَالْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالْغِذَاءِ وَالتَّنَفُّسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ أَكْثَرِيٌّ غَيْرُ مُطَّرِدٍ لَكِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَجْرَى فِيهِ عَادَةً مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ كَالْأَدْوِيَةِ وَأَنْوَاعِ الْأَسْفَارِ لِلْأَرْبَاحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْأَدَبُ فِي الْجَمِيعِ الْتِمَاسُ فَضْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي عَوَائِدِهِ وَلِذَلِكَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالدَّوَاءِ وَالْحِمْيَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ حَتَّى الْكَيِّ بِالنَّارِ «فَأَمَرَ بِكَيِّ سَعْدٍ» ، وَقَالَ ﵇ «الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ، وَصَلَاحُ كُلِّ جِسْمٍ مَا اعْتَادَ» وَإِذَا كَانَ حَالُهُ فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي لَيْسَتْ مُطَّرِدَةً مِنْ الْحِمْيَةِ وَإِصْلَاحِ الْبَدَنِ بِمُوَاظَبَةِ عَادَتِهِ فَمَا ظَنُّك بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَائِدِ، فَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْأَبْلَجُ، وَالطَّرِيقُ الْأَنْهَجُ
(الْفَرْقُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْحَسَدِ وَقَاعِدِ الْغِبْطَةِ) اشْتَرَكَتْ الْقَاعِدَتَانِ فِي أَنَّهُمَا طَلَبٌ مِنْ الْقَلْبِ غَيْرَ أَنَّ الْحَسَدَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ الْغَيْرِ، وَالْغِبْطَةُ تَمَنِّي حُصُولِ مِثْلِهَا مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِطَلَبِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا ثُمَّ الْحَسَدُ حَسَدَانِ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ وَحُصُولِهَا لِلْحَاسِدِ وَتَمَنِّي زَوَالِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْلُبَ حُصُولَهَا لِلْحَاسِدِ، وَهُوَ شَرُّ الْحَاسِدِينَ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ الْمَفْسَدَةَ الصِّرْفَةَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ عَادِيٍّ أَوْ طَبِيعِيٍّ ثُمَّ حُكْمُ الْحَسَدِ فِي الشَّرِيعَةِ التَّحْرِيمُ، وَحُكْمُ الْغِبْطَةِ الْإِبَاحَةُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْسَدَةٍ أَلْبَتَّةَ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمِ الْحَسَدِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
مُحَرَّمٌ فِي الدِّينِ فَقَطْ.
وَأَمَّا كَوْنُ ذَلِكَ يُتَّخَذُ دَيْدَنًا حَتَّى يَصِيرَ الِابْنُ مُسْتَحِقًّا لِرُتْبَةِ الْأَبِ.
وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ الْأَبِ فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ بِطَرِيقِ الْوِرَاثَةِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ بِحَيْثُ يَشِيعُ هَذَا الْعَمَلُ وَيَطَّرِدُ وَيَرِدُهُ النَّاسُ كَالشَّرْعِ الَّذِي لَا يُخَالَفُ بِأَنْ يُعَبِّرُوا عَنْهُ كَمَا يُعَبَّرُ عَنْ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ مَنْ مَاتَ عَنْ شَيْءٍ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ فَفِيهِ جِهَتَانِ جِهَةُ كَوْنِهِ بِدْعَةً بِلَا إشْكَالٍ، وَجِهَةُ كَوْنِهِ قَوْلًا بِالرَّأْيِ غَيْرِ الْجَارِي عَلَى الْعِلْمِ هُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «حَتَّى إذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» وَإِنَّمَا ضَلُّوا وَأَضَلُّوا؛ لِأَنَّهُمْ أَفْتَوْا بِالرَّأْيِ؛ إذْ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ، وَهُوَ بِدْعَةٌ أَوْ سَبَبُ الْبِدْعَةِ، وَمَا أَتَى بِهِ الْقَرَافِيُّ مَثَلًا لِلْبِدْعَةِ الْمَنْدُوبَةِ مِنْ إقَامَةِ صُوَرِ الْأَئِمَّةِ وَالْقُضَاةِ وَوُلَاةِ الْأَمْرِ عَلَى خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فَإِنَّ الْبِدْعَةَ لَا تُتَصَوَّرُ فِيهِ إلَّا بِمَا فِيهِ بُعْدٌ جِدًّا مِنْ تَكَلُّفِ فَرْضِ أَنْ يُعْتَقَدَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ أَنَّهُ مِمَّا يُطْلَبُ بِهِ الْأَئِمَّةُ عَلَى الْخُصُوصِ تَشْرِيعًا خَارِجًا عَنْ قَبِيلِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ بِحَيْثُ يُعَدُّ مِنْ الدِّينِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمَطْلُوبُونَ بِهِ، أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ خَاصًّا بِالْأَئِمَّةِ دُونَ غَيْرِهِمْ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُهُمْ أَنَّ خَاتَمَ الذَّهَبِ جَائِزٌ لِذَوِي السُّلْطَانِ، أَوْ يَقُولُ: إنَّ الْحَرِيرَ جَائِزٌ لَهُمْ لُبْسُهُ دُونَ غَيْرِهِمْ.
وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَوَّلِ فِي تَصَوُّرِ الْبِدْعَةِ فِي حَقِّ هَذَا الْقِسْمِ وَيُشْبِهُهُ عَلَى قُرْبٍ زَخْرَفَةُ الْمَسَاجِدِ؛ إذْ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مِنْ قَبِيلِ تَرْفِيعِ بُيُوتِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ تَعْلِيقُ الثُّرَيَّاتِ الْخَطِيرَةِ الْأَثْمَانِ حَتَّى يَعُدَّ الْإِنْفَاقَ فِي ذَلِكَ إنْفَاقًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ إذَا اعْتَقَدَ فِي زَخَارِفِ الْمُلُوكِ.
وَإِقَامَةِ صُوَرِهِمْ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ تَرْفِيعِ الْإِسْلَامِ وَإِظْهَارِ مَعَالِمِهِ وَشَعَائِرِهِ أَوْ قَصَدَ ذَلِكَ فِي فِعْلِهِ أَوْ لَا أَنَّهُ تَرْفِيعٌ لِلْإِسْلَامِ لِمَا لَمْ يَأْذَنْ اللَّهُ بِهِ.
وَمَا حَكَاهُ الْقَرَافِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ هَذِهِ الزَّخَارِفِ بَلْ مِنْ قَبِيلِ الْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ وَالِاحْتِيَاطِ فِي الْحِجَابِ مَخَافَةً مِنْ انْخِرَاقِ خَرْقٍ يَتَّسِعُ فَلَا يُرَقَّعُ هَذَا إنْ صَحَّ مَا قَالَ، وَإِلَّا فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى نَقْلِ الْمُؤَرِّخِينَ وَمَنْ لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْمُؤَلَّفِينَ وَأَحْرَى فِي أَنْ يَنْبَنِيَ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَمَا أَتَى بِهِ الْقَرَافِيُّ مِثَالًا لِلْبِدْعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنْ اتِّخَاذِ الْمَنَاخِلِ لِلدَّقِيقِ فَالْمُعْتَادُ فِيهِ أَنْ لَا يُلْحِقَهُ أَحَدٌ بِالدِّينِ، وَلَا بِتَدْبِيرِ الدُّنْيَا بِحَيْثُ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ كَالتَّشْرِيعِ فَلَا نُطَوِّلُ بِهِ، وَعَلَى ذَلِكَ التَّرْتِيبِ يُنْظَرُ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ فَتَبَيَّنَ مَجَالُ الْبِدْعَةِ فِي الْعَادِيَّاتِ مِنْ مَجَالِ غَيْرِهَا وَقَدْ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي تَعْرِيفِ الْبِدْعَةِ الْمُتَقَدِّمِ ظَاهِرُ الْمَعْنَى عَلَى طَرِيقَةِ الْأَكْثَرِينَ فِي الْعَادِيَّاتِ وَأَمَّا عَلَى طَرِيقَةِ الْقَرَافِيِّ وَشَيْخِهِ وَبَعْضِ السَّلَفِ فِيهَا فَمَعْنَاهُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ إنَّمَا جَاءَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي عَاجِلَتِهِمْ وَآجِلَتِهِمْ لِتَأْتِيَهُمْ فِي الدَّارَيْنِ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهَا فَهُوَ الَّذِي يَقْصِدُهُ الْمُبْتَدِعُ بِبِدْعَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبِدْعَةَ إمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِالْعَادَاتِ أَوْ الْعِبَادَاتِ فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعِبَادَاتِ فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا أَنْ يَأْتِيَ تَعَبُّدُهُ عَلَى أَبْلَغِ مَا يَكُونُ فِي زَعْمِهِ لِيَفُوزَ بِأَتَمِّ الْمَرَاتِبِ فِي الْآخِرَةِ فِي ظَنِّهِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِالْعَادَاتِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَضَعَهَا لِتَأْتِيَ أُمُورُ دُنْيَاهُ عَلَى تَمَامِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا فَمَنْ يَجْعَلْ الْمَنَاخِلَ فِي قِسْمِ الْبِدَعِ فَظَاهِرٌ أَنَّ التَّمَتُّعَ عِنْدَهُ بِلَذَّةِ الدَّقِيقِ الْمَنْخُولِ أَتَمُّ مِنْهُ بِغَيْرِ الْمَنْخُولِ.
وَكَذَلِكَ الْبِنَاءَاتُ الْمُشَيَّدَةُ التَّمَتُّعُ بِهَا أَبْلَغُ مِنْهُ بِالْحُشُوشِ وَالْخِرَبِ وَمِثْلُهُ الْمُصَادَرَاتُ فِي الْأَمْوَالِ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُولِي الْأَمْرِ.
وَقَدْ أَبَاحَتْ الشَّرِيعَةُ التَّوَسُّعَ فِي التَّصَرُّفَاتِ فَيُعَدُّ الْمُبْتَدِعُ هَذَا مِنْ ذَلِكَ (الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ) : أَنَّ الْبِدَعَ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ قَبِيحَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا هَلْ لَهَا حُكْمٌ وَاحِدٌ أَمْ مُتَعَدِّدٌ طَرِيقَتَانِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى الْأُولَى، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا كَبَائِرَ وَأَيَّدَهَا بِأَنَّ الصَّغِيرَةَ فَضْلًا عَنْ الْكَرَاهَةِ وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي الْمَعَاصِي
стр. 980
فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ٥] أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] أَيْ لَا تَتَمَنَّوْا زَوَالَهُ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ النَّهْيِ دَالَّةٌ عَلَى هَذَا الْحَذْفِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ: ﷺ «وَلَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ - تَعَالَى - مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ» أَيْ لَا غِبْطَةَ إلَّا فِي هَاتَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَقَالَ ﵇ «لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا» وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ الْغِبْطَةِ بِلَفْظِ الْحَسَدِ كَالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيُقَالُ: إنَّ الْحَسَدَ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهَا فِي الْأَرْضِ حَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ فَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكِبْرِ وَقَاعِدَةِ التَّجَمُّلِ بِالْمَلَابِسِ وَالْمَرَاكِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ)
اعْلَمْ أَنَّ الْكِبْرَ لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى أَعْدَائِهِ حَسَنٌ، وَعَلَى عِبَادِهِ وَشَرَائِعِهِ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ، قَالَ ﵇ «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ الْكِبْرِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَحَدَنَا يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً فَقَالَ إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ وَلَكِنَّ الْكِبْرَ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاسِ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ ﵃: بَطَرُ الْحَقِّ رَدُّهُ عَلَى قَائِلِهِ وَغَمْصُ النَّاسِ احْتِقَارُهُمْ، وَقَوْلُهُ: ﵇ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَعِيدٌ عَظِيمٌ يَقْتَضِي أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَعَدَمَ دُخُولِهِ الْجَنَّةَ مُطْلَقًا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
غَيْرِ الْبِدَعِ لَا تَظْهَرُ فِي الْبِدَعِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبِدَعَ ثَبَتَ لَهَا أَمْرَانِ
(أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا مُضَادَّةٌ لِلشَّارِعِ وَمُرَاغَمَةٌ لَهُ حَيْثُ نَصَّبَ الْمُبْتَدِعُ نَفْسَهُ نَصْبَ الْمُسْتَدْرِكِ عَلَى الشَّرِيعَةِ لَا نَصْبَ الْمُكْتَفِي بِمَا حُدَّ لَهُ
(وَالثَّانِي) : أَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ - وَإِنْ قَلَّتْ - تَشْرِيعٌ زَائِدٌ أَوْ نَاقِصٌ أَوْ تَغْيِيرٌ لِلْأَصْلِ الصَّحِيحِ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الِانْفِرَادُ، وَقَدْ يَكُونُ مُلْحَقًا بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ فَيَكُونُ قَادِحًا فِي الْمَشْرُوعِ، وَلَوْ فَعَلَ أَحَدٌ مِثْلَ هَذَا فِي نَفْسِ الشَّرِيعَةِ عَدَا الْكُفْرَ؛ إذْ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِيهَا أَوْ التَّغْيِيرُ قَلَّ أَوْ كَثُرَ كُفْرٌ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَلَّ مِنْهُ، وَمَا كَثُرَ فَمَنْ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ أَوْ بِرَأْيٍ غَالِطٍ رَآهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْمَشْرُوعِ، فَإِذَا لَمْ نُكَفِّرْهُ لَمْ يَكُنْ فِي حُكْمِهِ فَرْقٌ بَيْنَ مَا قَلَّ مِنْهُ وَمَا كَثُرَ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَا تَحْمِلُهَا الشَّرِيعَةُ لَا بِقَلِيلٍ، وَلَا بِكَثِيرٍ لَا سِيَّمَا.
وَعُمُومُ الْأَدِلَّةِ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ، وَكَلَامُ السَّلَفِ يَدُلُّ عَلَى عُمُومِ الذَّمِّ فِيهَا فَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ بِدْعَةٍ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةٌ بِالْإِضَافَةِ إلَى مُجَاوَزَةِ حُدُودِ اللَّهِ بِالتَّشْرِيعِ إلَّا أَنَّهَا.
وَإِنْ عَظُمَتْ لِمَا ذَكَرْنَاهُ تَتَفَاوَتُ رُتَبُهَا إذَا نُسِبَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فَيَكُونُ مِنْهَا صِغَارٌ وَكِبَارٌ أَمَّا بِاعْتِبَارِ أَنَّ بَعْضَهَا أَشَدُّ عِقَابًا مِنْ بَعْضٍ فَالْأَشَدُّ عِقَابًا أَكْبَرُ مِمَّا دُونَهُ.
وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ فَوْتِ الْمَطْلُوبِ فِي الْمَفْسَدَةِ فَكَمَا انْقَسَمَتْ الطَّاعَةُ بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ إلَى الْفَاضِلِ وَالْأَفْضَلِ لِانْقِسَامِ مَصَالِحِهَا إلَى الْكَامِلِ وَالْأَكْمَلِ انْقَسَمَتْ الْبِدَعُ لِانْقِسَامِ مَفَاسِدِهَا إلَى الرَّذْلِ وَالْأَرْذَلِ إلَى الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ مِنْ بَابِ النَّسَبِ وَالْإِضَافَاتِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ كَبِيرًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّهُ صَغِيرٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ فَلَا يُنْظَرُ إلَى خِفَّةِ الْأَمْرِ فِي الْبِدْعَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى صُورَتِهَا، وَإِنْ دَقَّتْ بَلْ يُنْظَرُ إلَى مُصَادَمَتِهَا لِلشَّرِيعَةِ وَرَمْيِهَا لَهَا بِالنَّقْصِ وَالِاسْتِدْرَاكِ وَأَنَّهَا لَمْ تَكْمُلْ بَعْدُ حَتَّى يُوضَعَ فِيهَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْمَعَاصِي فَإِنَّهَا لَا تَعُودُ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِتَنْقِيصٍ، وَلَا غَضٍّ مِنْ جَانِبِهَا بَلْ صَاحِبُ الْمَعْصِيَةِ يَتَنَصَّلُ مِنْهَا مُقِرًّا لِلَّهِ بِمُخَالَفَتِهِ لِحُكْمِهَا فَحَاصِلُ الْمَعْصِيَةِ أَنَّهَا مُخَالَفَةٌ فِي فِعْلِ الْمُكَلَّفِ لِمَا يُعْتَقَدُ صِحَّتُهُ مِنْ الشَّرِيعَةِ وَحَاصِلُ الْبِدْعَةِ مُخَالَفَةٌ فِي اعْتِقَادِ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ خَانَ الرِّسَالَةَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ وَمِثْلُهَا جَوَابُهُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَدِينَةِ.
وَقَالَ: أَيُّ فِتْنَةٍ فِيهَا إنَّمَا هِيَ أَمْيَالٌ أَزِيدُهَا، فَقَالَ: وَأَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّك فَعَلْت فِعْلًا قَصَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ فَإِذًا لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْبِدَعِ مَا هُوَ صَغِيرَةٌ بَلْ صَارَ اعْتِقَادُ الصَّغَائِرِ فِيهَا يَكَادُ يَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهَاتِ كَمَا صَارَ اعْتِقَادُ نَفْيِ الْكَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهَ عَنْهَا مِنْ الْوَاضِحَاتِ، وَإِلَى الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ أَعْنِي تَعَدُّدَ حُكْمِ الْبِدَعِ مَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ الِاعْتِصَامِ: إنَّ الْبِدَعَ.
وَإِنْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَنِسْبَتُهُ إلَى الضَّلَالَةِ وَاحِدَةٌ فِي قَوْلِهِ ﷺ «إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ بِدْعَةٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ هُوَ التَّحْرِيمُ فَقَطْ، أَوْ الْكَرَاهَةُ فَقَطْ لِوُجُوهٍ
(الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) : أَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ جِنْسِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَهِيَ لَا تُعَدُّ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ فَالْبِدَعُ كَذَلِكَ
(وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّ الْبِدَعَ إذَا تُؤُمِّلَ مَعْقُولُهَا وُجِدَتْ مُتَفَاوِتَةً فَمِنْهَا مَا هُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ كَبِدْعَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي نَبَّهَ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ بِنَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٩]
стр. 981
عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ يُخَلَّدُ فِي النَّارِ كَالْكَافِرِ، وَعِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ لَا يَدْخُلُ فِي وَقْتٍ يَدْخُلُهَا غَيْرُ الْمُتَكَبِّرِينَ أَيْ فِي الْمَبْدَأِ، وَالنَّفْيُ الْعَامُّ قَدْ يُرَادُ بِهِ الْخَاصُّ إذَا اقْتَضَتْهُ النُّصُوصُ أَوْ الْقَوَاعِدُ وَالْكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ ذُنُوبِ الْقَلْبِ نَسْأَلُ اللَّهَ - تَعَالَى - الْعَافِيَةَ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: كُلُّ ذُنُوبِ الْقَلْبِ يَكُونُ مَعَهُ الْفَتْحُ إلَّا الْكِبْرَ، وَأَمَّا التَّجَمُّلُ فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ إذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ تَنْفِيذُ الْوَاجِبِ فَإِنَّ الْهَيْئَاتِ الرَّثَّةَ لَا تَحْصُلُ مَعَهَا مَصَالِحُ الْعَامَّةِ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا إلَيْهَا فِي الصَّلَوَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ وَفِي الْحُرُوبِ لِرَهْبَةِ الْعَدُوِّ وَالْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا، وَفِي الْعُلَمَاءِ لِتَعْظِيمِ الْعِلْمِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ أُحِبُّ أَنْ أَنْظُرَ إلَى قَارِئِ الْقُرْآنِ أَبْيَضَ الثِّيَابِ وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا إذَا كَانَ وَسِيلَةً لِمُحَرَّمٍ كَمَنْ يَتَزَيَّنُ لِلنِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ لِيَزْنِيَ بِهِنَّ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا إذَا عَرِيَ عَنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ وَانْقَسَمَ التَّجَمُّلُ إلَى هَذِهِ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ، وَكَذَلِكَ الْكِبْرُ أَيْضًا قَدْ يَجِبُ عَلَى الْكُفَّارِ فِي الْحُرُوبِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُنْدَبُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ تَقْلِيلًا لِلْبِدْعَةِ، وَقَدْ يَحْرُمُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، وَالْإِبَاحَةُ فِيهِ بَعِيدَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّجَمُّلِ فِي تَصَوُّرِ الْإِبَاحَةِ فِيهِ أَنَّ أَصْلَ التَّجَمُّلِ الْإِبَاحَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] فَإِذَا عُدِمَ الْمُعَارِضُ النَّاقِلُ عَنْ الْإِبَاحَةِ بَقِيَتْ الْإِبَاحَةُ، وَأَصْلُ الْكِبْرِ التَّحْرِيمُ، فَإِذَا عُدِمَ الْمُعَارِضُ النَّاقِلُ عَنْ التَّحْرِيمِ اُسْتُصْحِبَ فِيهِ التَّحْرِيمُ فَهَذَا فَرْقٌ، وَفَرْقٌ آخَرَ أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَالتَّجَمُّلُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
وقَوْله تَعَالَى ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] وَكَذَلِكَ بِدْعَةُ الْمُنَافِقِينَ حَيْثُ اتَّخَذُوا الدِّينَ ذَرِيعَةً لِحِفْظِ النَّفْسِ وَالْمَالِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُشَكُّ أَنَّهُ كُفْرٌ صُرَاحٌ.
وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي لَيْسَتْ بِكُفْرٍ أَوْ يُخْتَلَفُ هَلْ هِيَ كُفْرٌ أَمْ لَا كَبِدْعَةِ الْخَوَارِجِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنْ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ وَيُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِكُفْرٍ كَبِدْعَةِ التَّبَتُّلِ وَالصِّيَامِ قَائِمًا فِي الشَّمْسِ وَالْخِصَاءِ بِقَصْدِ قَطْعِ شَهْوَةِ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي إتْبَاعِ رَمَضَانَ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالَ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بِالْإِدَارَةِ وَالِاجْتِمَاعِ لِلدُّعَاءِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَذِكْرِ السَّلَاطِينِ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالشَّافِعِيُّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ
(وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ) : أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْهَا صَغَائِرُ، وَمِنْهَا كَبَائِرُ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِكَوْنِهَا وَاقِعَةً فِي الضَّرُورِيَّاتِ أَوْ الْحَاجِيَّاتِ أَوْ التَّكْمِيلِيَّاتِ فَإِنَّ مَا كَانَتْ فِي الضَّرُورِيَّاتِ أَعْظَمُ الْكَبَائِرِ، وَمَا كَانَتْ فِي التَّحْسِينَاتِ فَأَدْنَى رُتْبَةً بِلَا إشْكَالٍ، وَمَا وَقَعَتْ فِي الْحَاجِيَّاتِ فَمُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ ثُمَّ إنَّ كُلَّ رُتْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الرُّتَبِ لَهَا مُكَمِّلٌ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي رُتْبَةِ الْمُكَمِّلِ فَإِنَّ الْمُكَمَّلَ مَعَ الْمُكَمِّلِ فِي نِسْبَةِ الْوَسِيلَةِ مَعَ الْمَقْصِدِ، وَلَا تَبْلُغُ الْوَسِيلَةُ رُتْبَةَ الْمَقْصِدِ، وَأَيْضًا الضَّرُورِيَّاتُ إذَا تُؤُمِّلَتْ وُجِدَتْ عَلَى مَرَاتِبَ فِي التَّأْكِيدِ وَعَدَمِهِ فَإِنَّ مَرْتَبَةَ النَّفْسِ لَيْسَتْ كَمَرْتَبَةِ الدِّينِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْكُفْرَ مُبِيحٌ لِلدَّمِ وَأَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى الدِّينِ تُبِيحُ تَعْرِيضَ النَّفْسِ لِلْقَتْلِ وَالْإِتْلَافِ فِي الْأَمْرِ بِمُجَاهَدَةِ الْكُفَّارِ وَالْمَارِقِينَ عَنْ الدِّينِ، وَمَرْتَبَةُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ لَيْسَتْ كَمَرْتَبَةِ النَّفْسِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ مُبِيحٌ لِلْقِصَاصِ، فَالْقَتْلُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَالْمَالِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا بَقِيَ، وَإِذَا نَظَرْت فِي مَرْتَبَةِ النَّفْسِ وَجَدْتهَا مُتَبَايِنَةَ الْمَرَاتِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ قَطْعَ الْعُضْوِ لَيْسَ كَالذَّبْحِ، وَأَنَّ الْخَدْشَ لَيْسَ كَقَطْعِ الْعُضْوِ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَحَلُّ بَيَانِهِ الْأُصُولُ فَقَدْ ظَهَرَ تَفَاوُتُ رُتَبِ الْمَعَاصِي وَالْبِدَعِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي فَيُتَصَوَّرُ فِيهَا التَّفَاوُتُ أَيْضًا فَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ إخْلَالًا بِهَا وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي الْحَاجِيَاتِ إخْلَالًا بِهَا وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي التَّحْسِينَاتِ إخْلَالًا بِهَا وَمَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الدِّينِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي اخْتِرَاعِ الْكُفَّارِ وَتَغْيِيرِهِمْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ ﵇ وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ كَنِحَلِ الْهِنْدِ فِي تَعْذِيبِهَا أَنْفُسَهَا بِأَنْوَاعِ الْعَذَابِ الشَّنِيعِ وَالتَّمْثِيلِ الْفَظِيعِ وَالْقَتْلِ بِالْأَصْنَافِ الَّتِي تَفْزَعُ مِنْهَا الْقُلُوبُ وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ اسْتِعْجَالِ الْمَوْتِ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي زَعْمِهِمْ وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الْأَكْمَلِ بَعْدَ الْخُرُوجِ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ الْعَاجِلَةِ، وَمَبْنِيٌّ عَلَى أُصُولٍ لَهُمْ فَاسِدَةٍ اعْتَقَدُوهَا وَبَنَوْا عَلَيْهَا أَعْمَالَهُمْ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي النَّسْلِ كَمَا فِي أَنْكِحَةِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِي شَرِيعَةِ إبْرَاهِيمَ ﵇، وَلَا غَيْرِهِ بَلْ كَانَتْ مِنْ جُمْلَةِ مَا اخْتَرَعُوا وَابْتَدَعُوا وَهِيَ أَنْوَاعٌ مِنْهَا نِكَاحُ الِاسْتِبْضَاعِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ: إذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِي إلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يُسْتَبْضَعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلَهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الْعَقْلِ كَزَعْمِ بَعْضِ الْفِرَقِ أَنَّ الْعَقْلَ لَهُ مَجَالٌ فِي التَّشْرِيعِ، وَأَنَّهُ مُحَسَّنٌ وَمُقَبَّحٌ فَابْتَدَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ، وَمِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الْمَالِ كَاحْتِجَاجِ الْكُفَّارِ عَلَى اسْتِحْلَالِ الْعَمَلِ بِالرِّبَا بِقِيَاسٍ فَاسِدٍ كَذَّبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]
стр. 982
مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْحَسَنُ دُونَ الْكِبْرِ
(الْفَرْقُ السِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْكِبْرِ وَقَاعِدَةِ الْعُجْبِ) قَدْ تَقَدَّمَتْ حَقِيقَةُ الْكِبْرِ، وَأَنَّهُ فِي الْقَلْبِ وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] فَجَعَلَ مَحَلَّهُ الْقَلْبَ وَالصُّدُورَ وَأَمَّا الْعُجْبُ فَهُوَ رُؤْيَةُ الْعِبَادَةِ، وَاسْتِعْظَامُهَا مِنْ الْعَبْدِ فَهُوَ مَعْصِيَةٌ تَكُونُ بَعْدَ الْعِبَادَةِ وَمُتَعَلِّقَةً بِهَا هَذَا التَّعَلُّقَ الْخَاصَّ كَمَا يَتَعَجَّبُ الْعَابِدُ بِعِبَادَتِهِ، وَالْعَالِمُ بِعِلْمِهِ، وَكُلُّ مُطِيعٍ بِطَاعَتِهِ هَذَا حَرَامٌ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلطَّاعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَقَعُ بَعْدَهَا بِخِلَافِ الرِّيَاءِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَهَا فَيُفْسِدَهَا، وَسِرُّ تَحْرِيمِ الْعُجْبِ أَنَّهُ سُوءُ أَدَبٍ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّ الْعَبْدَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْظِمَ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى سَيِّدِهِ بَلْ يَسْتَصْغِرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَظَمَةِ سَيِّدِهِ لَا سِيَّمَا عَظَمَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أَيْ مَا عَظَّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ فَمَنْ أُعْجِبَ بِنَفْسِهِ وَعِبَادَتِهِ فَقَدْ هَلَكَ مَعَ رَبِّهِ، وَهُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَعَرَّضَ نَفْسَهُ لِمَقْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَخَطِهِ وَنَبَّهَ عَلَى ضِدِّ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] مَعْنَاهُ يَفْعَلُونَ مِنْ الطَّاعَاتِ مَا يَفْعَلُونَ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ لِقَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِتِلْكَ الطَّاعَةِ احْتِقَارًا لَهَا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَلَبِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهَا فَالْكِبْرُ رَاجِعٌ لِلْخَلْقِ وَالْعِبَادِ، وَالْعَجَبُ رَاجِعٌ لِلْعِبَادَةِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
قَالَ: وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي تَوْجِيهِ طَرِيقَةِ اتِّحَادِ حُكْمِ الْبِدَعِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ عَالِمًا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً وَيُقِرُّ بِالْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ بَحْتًا أَمَّا فِي حَقِّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَا، وَشَأْنُ كُلِّ مَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِحُكْمِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يُقِرَّ بِالْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ بَحْتًا بَلْ يَكُونُ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنَّ مَا عَمِلَهُ بِدْعَةٌ؛ إذْ لَا يَرْضَى مُنْتَمٍ إلَى الْإِسْلَامِ بِإِبْدَاءِ صَفْحَةِ الْخِلَافِ لِلسُّنَّةِ أَصْلًا؛ لِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِلشَّارِعِ مُرَاغِمٌ لِلشَّرْعِ بِالزِّيَادَةِ فِيهِ وَالنُّقْصَانِ مِنْهُ وَالتَّحْرِيفِ لَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَأْوِيلٍ فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَفِي اسْتِنْبَاطِهَا وَتَشْرِيعِهَا كَقَوْلِهِ: هِيَ بِدْعَةٌ، وَلَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ وَكَفِعْلِهِ لَهَا مُقِرًّا بِكَوْنِهَا بِدْعَةً لِأَجْلِ حَظٍّ عَاجِلٍ كَفَاعِلِ الذَّنْبِ لِقَضَاءِ حَظِّهِ الْعَاجِلِ خَوْفًا عَلَى حَظِّهِ أَوْ فِرَارًا مِنْ خَوْفٍ عَلَى حَظِّهِ أَوْ فِرَارًا مِنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ كَمَا هُوَ الشَّأْنُ الْيَوْمَ فِي كَثِيرٍ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا فَفِي تَقْلِيدِهِ كَقَوْلِهِ: إنَّهَا بِدْعَةٌ، وَلَكِنَّنِي رَأَيْت فُلَانًا الْفَاضِلَ يَعْمَلُ بِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَوْلُ مَالِكٍ: مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَلَفُهَا فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَانَ الرِّسَالَةَ وَقَوْلُهُ: لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمَدِينَةِ أَيُّ فِتْنَةٍ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَظُنَّ أَنَّك سَبَقْت إلَى فَضِيلَةٍ قَصَرَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى آخِرِ الْحِكَايَةِ أَنَّهَا إلْزَامٌ لِلْخَصْمِ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ النَّظَرِ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَلْزَمُك فِي هَذَا الْقَوْلِ كَذَا لَا أَنَّهُ يَقُولُ: قَصَدْت إلَيْهِ قَصْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْصِدُ إلَى ذَلِكَ مُسْلِمٌ وَلَازِمُ الْمَذْهَبِ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ فِيهِ هَلْ هُوَ مَذْهَبٌ أَمْ لَا إلَّا أَنَّ شُيُوخَنَا الْبَجَائِيِّينَ وَالْمَغْرِبِيِّينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، وَيُرْوَى أَنَّهُ رَأْيُ الْمُحَقِّقِينَ أَيْضًا؛ فَلِذَلِكَ إذَا قُرِّرَ عَلَى الْخَصْمِ أَنْكَرَهُ غَايَةَ الْإِنْكَارِ فَاعْتِبَارُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَى التَّحْقِيقِ لَا يَنْهَضُ إذًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَسْتَوِي الْبِدْعَةُ مَعَ الْمَعْصِيَةِ.
٢ -
فَكَمَا تَنْقَسِمُ الْمَعْصِيَةُ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ كَذَلِكَ تَنْقَسِمُ الْبِدَعُ إلَى صَغَائِرَ وَكَبَائِرَ نَعَمْ لَا تَكُونُ الْبِدْعَةُ صَغِيرَةً إلَّا بِشُرُوطٍ
(أَحَدُهَا) : أَنْ لَا يُدَاوِمَ عَلَيْهَا كَمَا أَنَّ الصَّغِيرَةَ مِنْ الْمَعَاصِي كَذَلِكَ؛ فَلِذَلِكَ قَالُوا: لَا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرَارٍ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ إلَّا أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ شَأْنِهَا فِي الْوَاقِعِ أَنَّهَا قَدْ يُصَرُّ عَلَيْهَا، وَقَدْ لَا يُصَرُّ عَلَيْهَا وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَنِي طَرْحُ الشَّهَادَةِ، وَسَخْطَةُ الشَّاهِدِ بِهَا، وَعَدَمُهُ بِخِلَافِ الْبِدْعَةِ فَإِنَّ شَأْنَهَا فِي الْوَاقِعِ الْمُدَاوَمَةُ وَالْحِرْصُ عَلَى أَنْ لَا تَزُولَ مِنْ مَوْضِعِهَا، وَأَنْ تَقُومَ عَلَى تَارِكِهَا الْقِيَامَةُ وَتَنْطَلِقَ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ الْمَلَامَةِ وَيُرْمَى بِالتَّسْفِيهِ وَالتَّجْهِيلِ وَيُنْبَزَ بِالتَّبْدِيعِ وَالتَّضْلِيلِ ضِدُّ مَا كَانَ عَلَيْهِ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَالْمُقْتَدَى بِهِمْ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ أَوَّلًا الِاعْتِبَارُ، فَإِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ كَانَ مِنْ شَأْنِهِمْ الْقِيَامُ بِالنَّكِيرِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ إنْ كَانَ لَهُمْ عُصْبَةٌ أَوْ لَصِقُوا بِسُلْطَانٍ تَجْرِي أَحْكَامُهُ فِي النَّاسِ، وَتَنْفُذُ أَوَامِرُهُ فِي الْأَقْطَارِ، وَمَنْ طَالَعَ سِيَرَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يَخْفَى
وَثَانِيًا: النَّقْلُ فَقَدْ ذَكَرَ السَّلَفُ أَنَّ الْبِدْعَةَ إذَا أُحْدِثَتْ لَا تَزِيدُ إلَّا مُضِيًّا، وَالْمَعَاصِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَقَدْ يَتُوبُ صَاحِبُهَا وَيُنِيبُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بَلْ قَدْ جَاءَ مَا يَشُدُّ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ لِصَاحِبِهِ، وَمِنْ هُنَا جَزَمَ السَّلَفُ بِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا تَوْبَةَ لَهُ مِنْهَا
(وَالشَّرْطُ الثَّانِي) : أَنْ لَا يَدْعُوَ إلَيْهَا فَإِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ تَكُونُ صَغِيرَةً بِالْإِضَافَةِ ثُمَّ يَدْعُو مُبْتَدِعُهَا إلَى الْقَوْلِ بِهَا وَالْعَمَلِ عَلَى مُقْتَضَاهَا فَيَكُونُ إثْمُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ الَّذِي أَثَارَهَا، وَسَبَبُ كَثْرَةِ وُقُوعِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا فَقَدْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّ كُلَّ «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا، وَالصَّغِيرَةُ إنَّمَا تُفَاوِتُ الْكَبِيرَةَ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْإِثْمِ وَقِلَّتِهِ فَرُبَّمَا تُسَاوِي الصَّغِيرَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْكَبِيرَةَ أَوْ تُرْبَى عَنْهَا
(وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ) أَنْ لَا تُفْعَلَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي هِيَ مُجْتَمَعَاتُ النَّاسِ، أَوْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ، وَتَظْهَرُ فِيهَا أَعْلَامُ الشَّرِيعَةِ فَأَمَّا إظْهَارُهَا فِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِمَّنْ يُقْتَدَى
стр. 983
(الْفَرْقُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْعَجَبِ وَقَاعِدَةِ التَّسْمِيعِ) كِلَاهُمَا مَعْصِيَةٌ وَيُعَكِّرُ عَلَى الْعِبَادَةِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْمُوَازَنَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْإِحْبَاطِ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» أَيْ يُنَادِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَذَا فُلَانٌ عَمِلَ عَمَلًا لِي ثُمَّ أَرَادَ بِهِ غَيْرِي، وَهُوَ غَيْرُ الرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ يَقَعُ قَبْلَهُ خَالِصًا، وَالرِّيَاءُ مُقَارِنٌ مُفْسِدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعُجْبِ أَنَّهُ يَكُونُ بِاللِّسَانِ، وَالْعُجْبُ بِالْقَلْبِ كِلَاهُمَا بَعْدِ الْعِبَادَةِ
(الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَبَيْنَ قَاعِدَةِ عَدَمِ الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ) اعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَلْتَبِسَانِ عَلَيْهِ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّخَطِ بِالْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ، وَالسَّخَطِ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
قَالَ (الْفَرْقُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِالْمُقَضَّى) قُلْت: مَا قَالَهُ فِيهِ صَحِيحٌ مَا عَدَا قَوْلَهُ: وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ مَعَ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِ فَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى إلَّا مِنْ الْكَافِرِ عِنَادًا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ ذَلِكَ عَادَةً، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِامْتِنَاعِ ذَلِكَ عَادَةً فَلَا، وَمَا عَدَا قَوْلَهُ فَمَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ أَوْ الْكُفْرِ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُلَاحِظَ جِهَةَ الْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ فَيَكْرَهُهُمَا، وَأَمَّا قَدَرُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِيهِمَا فَالرِّضَا بِهِ لَيْسَ إلَّا وَمَتَى سَخِطَهُ وَسَفَّهَ الرُّبُوبِيَّةَ فِي ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً أَوْ كُفْرًا مُنْضَمًّا إلَى مَعْصِيَتِهِ وَكُفْرِهِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ كَرَاهَةَ الْكُفْرِ
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
بِهِ أَوْ مِمَّنْ يُحْسَنُ الظَّنُّ بِهِ فَذَلِكَ مِنْ أَضَرِّ الْأَشْيَاءِ عَلَى سُنَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهَا لَا تَعْدُو أَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يُقْتَدَى بِصَاحِبِهَا فِيهَا فَإِنَّ الْعَوَامَّ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَا سِيَّمَا الْبِدَعُ الَّتِي وُكِّلَ الشَّيْطَانُ بِتَحْسِينِهَا لِلنَّاسِ، وَاَلَّتِي لِلنُّفُوسِ فِي تَحْسِينِهَا هَوًى، وَعَلَى حَسَبِ كَثْرَةِ الْإِتْبَاعِ يَعْظُمُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا اتِّخَاذُهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا السُّنَنُ فَهُوَ كَالدُّعَاءِ إلَيْهَا بِالتَّصْرِيحِ؛ لِأَنَّ عَمَلَ إظْهَارِ الشَّرَائِعِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَوَهُّمُ أَنَّ كُلَّ مَا ظَهَرَ فِيهَا فَهُوَ مِنْ الشَّعَائِرِ فَكَانَ الْمُظْهِرُ لَهَا يَقُولُ: هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا
(وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ) أَنْ لَا يَسْتَصْغِرَهَا، وَلَا يَسْتَحْقِرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ، وَإِنْ فَرَضْنَاهَا صَغِيرَةً اسْتِهَانَةٌ بِهَا، وَالِاسْتِهَانَةُ بِالذَّنْبِ أَعْظَمُ مِنْ الذَّنْبِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِعِظَمِ مَا هُوَ صَغِيرٌ، وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ أَنَّهَا أَدْنَى رُتْبَةً فِي الذَّمِّ مِنْ رُتْبَةِ الصَّغِيرَةِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهَا التَّنْزِيهَ الَّذِي هُوَ نَفْيُ إثْمِ فَاعِلِهَا، وَرَفْعُ الْحَرَجِ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يُوجَدُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنْ الشَّرْعِ، وَلَا مِنْ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْخُصُوصِ أَمَّا الشَّرْعُ فَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَالَ مَنْ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ اللَّيْلَ، وَلَا أَنَامُ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْكِحُ النِّسَاءَ إلَى آخِرِ مَا قَالُوا رَدَّ عَلَيْهِمْ ﵇ ذَلِكَ، وَقَالَ «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ أَشَدُّ شَيْءٍ فِي الْإِنْكَارِ مَعَ أَنَّ مَا الْتَزَمُوا لَمْ يَكُنْ إلَّا فِعْلَ مَنْدُوبٍ آخَرَ، وَكَذَلِكَ مَا فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵇ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَجْلِسَ، وَيَصُومَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُرْهُ فَلْيَجْلِسْ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» قَالَ مَالِكٌ: أَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ طَاعَةٌ، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِيهِ مَعْصِيَةٌ فَتَأَمَّلْ كَيْفَ جَعَلَ مَالِكٌ الْقِيَامَ لِلشَّمْسِ وَتَرْكَ الْكَلَامِ وَالْجُلُوسِ مَعَاصِيَ حَتَّى فَسَّرَ بِهَا الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ مَعَ أَنَّهَا فِي أَنْفُسِهَا أَشْيَاءُ مُبَاحَاتٌ لَكِنَّهُ لَمَّا أَجْرَاهَا مَجْرَى مَا يُتَشَرَّعُ بِهِ، وَيُدَانُ لِلَّهِ بِهِ صَارَتْ عِنْدَ مَالِكٍ مَعَاصِيَ لِلَّهِ وَكُلِّيَّةً قَوْلُهُ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» شَاهِدَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى وَالْجَمِيعُ يَقْتَضِي التَّأْثِيمَ وَالتَّهْدِيدَ وَالْوَعِيدَ.
وَهِيَ خَاصِّيَّةُ الْمُحَرَّمِ، قَالَ: وَأَمَّا كَلَامُ الْعُلَمَاءِ فَإِنَّهُمْ، وَإِنْ أَطْلَقُوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الْأُمُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ لِلْمُتَأَخِّرِينَ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقَبِيلَيْنِ فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ وَيَخُصُّونَ كَرَاهِيَةَ التَّحْرِيمِ بِلَفْظِ التَّحْرِيمِ وَالْمَنْعِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمْ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦] وَحَكَى مَالِكٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ هَذَا الْمَعْنَى، فَإِذَا وَجَدْت فِي كَلَامِهِمْ فِي الْبِدْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا أَكْرَهُ هَذَا، وَلَا أُحِبُّ هَذَا وَهَذَا مَكْرُوهٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَلَا تَقْطَعَنَّ عَلَى أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ التَّنْزِيهَ فَقَطْ فَإِنَّهُ إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ فِي جَمِيعِ الْبِدَعِ عَلَى أَنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ يَعُدُّ فِيهَا مَا هُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهِيَةَ التَّنْزِيهِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُطْلِقُوا لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ أَمْرٌ آخَرُ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ فَيُكْرَهُ لِأَجْلِهِ لَا؛ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مَوْضِعِهِ. اهـ. مَحَلُّ الْحَاجَةِ مِنْ كَلَامِ الشَّاطِبِيِّ فِي الِاعْتِصَامِ قُلْت: وَحَاصِلُ طَرِيقَتَيْ عَدَمِ التَّفْصِيلِ فِي الْبِدَعِ أَنَّهَا عَلَى الْأُولَى لَا تَكُونُ إلَّا كَبَائِرَ.
وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهَا بِكَثْرَةِ الْعِقَابِ وَعَدَمِ كَثْرَتِهِ وَأَنَّهَا عَلَى الثَّانِيَةِ تَكُونُ كَبَائِرَ أَوْ صَغَائِرَ أَوْ مَكْرُوهَةً إلَّا أَنَّ صَغَائِرَهَا وَإِنْ كَانَتْ كَصَغَائِرِ غَيْرِهَا مِنْ الْمَعَاصِي
стр. 984
بِالْمَقْضِيِّ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ اعْلَمْ أَنَّ السَّخَطَ بِالْقَضَاءِ حَرَامٌ إجْمَاعًا وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ إجْمَاعًا بِخِلَافِ الْمَقْضِيِّ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ وَالْقَدَرِ وَالْمَقْدُورِ أَنَّ الطَّبِيبَ إذَا وَصَفَ لِلْعَلِيلِ دَوَاءً مُرًّا، أَوْ قَطَعَ يَدَهُ الْمُتَآكِلَةَ، فَإِنْ قَالَ: بِئْسَ تَرْتِيبُ الطَّبِيبِ، وَمُعَالَجَتُهُ، وَكَانَ غَيْرُ هَذَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا هُوَ أَيْسَرُ مِنْهُ فَهُوَ تَسَخُّطٌ بِقَضَاءِ الطَّبِيبِ وَأَذِيَّةٌ لَهُ، وَجِنَايَةٌ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَوْ سَمِعَهُ الطَّبِيبُ كَرِهَ ذَلِكَ وَشَقَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ: هَذَا دَوَاءٌ مُرٌّ قَاسَيْت مِنْهُ شَدَائِدَ، وَقَطْعُ الْيَدِ حَصَلَ لِي مِنْهَا آلَامٌ عَظِيمَةٌ مُبَرِّحَةٌ فَهَذَا تَسَخُّطٌ بِالْمَقْضِيِّ الَّذِي هُوَ الدَّوَاءُ وَالْقَطْعُ لَا بِالْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ تَرْتِيبُ الطَّبِيبِ، وَمُعَالَجَتُهُ فَهَذَا لَيْسَ قَدْحًا فِي الطَّبِيبِ، وَلَا يُؤْلِمُهُ إذَا سَمِعَ ذَلِكَ بَلْ يَقُولُ لَهُ: صَدَقْت الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَعَلَى هَذَا إذَا اُبْتُلِيَ الْإِنْسَانُ بِمَرَضٍ فَتَأَلَّمَ مِنْ الْمَرَضِ بِمُقْتَضَى طَبْعِهِ فَهَذَا لَيْسَ عَدَمَ رِضًا بِالْقَضَاءِ بَلْ عَدَمُ رِضًا بِالْمَقْضِيِّ، وَإِنْ قَالَ: أَيَّ شَيْءٍ عَمِلْت حَتَّى أَصَابَنِي مِثْلُ هَذَا، وَمَا ذَنْبِي وَمَا كُنْت أَسْتَأْهِلُ هَذَا فَهَذَا عَدَمُ رِضًا بِالْقَضَاءِ فَنَحْنُ مَأْمُورُونَ بِالرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَلَا نَتَعَرَّضُ لِجِهَةِ رَبِّنَا إلَّا بِالْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَا نَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ وَأَمَّا أَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ تَطِيبَ لَنَا الْبَلَايَا وَالرَّزَايَا
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
لَا يَتَأَتَّى إلَّا مَعَ الْكُفْرِ عِنَادًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْبَعِيدِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَا كُفْرَ عِنَادًا إلَّا لِحَامِلٍ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ وَيُرَجِّحُهُ عُنُدَهُ فَكَرَاهِيَتُهُ إيَّاهُ مَعَ رُجْحَانِهِ عِنْدَهُ كَالْمُتَنَاقَضِينَ، وَأَمَّا كَرَاهِيَتُهُ الْمَعْصِيَةَ فَهِيَ مُمْكِنَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاصٍ عَالِمٌ بِعِصْيَانِهِ وَاَللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ.
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
لَا يَتَحَقَّقُ صِغَرُهَا إلَّا بِالشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَكِنْ تَحَقُّقُ الشُّرُوطِ فِي صَغَائِرِهَا بَعِيدٌ جِدًّا وَمَكْرُوهُهَا لَيْسَ مَعْنَاهُ التَّنْزِيهَ وَعَدَمَ الْعِقَابِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ عِقَابَهُ أَقَلُّ مِنْ عِقَابِ الصَّغِيرَةِ فَافْهَمْ، وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ أَنَّ طَرِيقَةَ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى الْأَصْلِ، وَاخْتَارَهَا الشَّاطِبِيُّ وَبَنَى عَلَيْهَا كِتَابَهُ الِاعْتِصَامَ مِنْ أَنَّ الْبِدَعَ لَا تَكُونُ إلَّا قَبِيحَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا مَبْنِيَّةً عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْبِدْعَةَ حَقِيقَةٌ فِيمَا لَمْ يُفْعَلْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ، وَمَجَازٌ فِي غَيْرِ ذَلِكَ
الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْبِدَعِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» بَاقٍ عَلَى عُمُومِهِ
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْبِدَعَ لَا تَدْخُلُ إلَّا فِي الْعَادِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّعَبُّدِ، وَأَنَّ طَرِيقَةَ انْقِسَامِ الْبِدَعِ إلَى قَبِيحَةٍ وَحَسَنَةٍ وَالْقَبِيحَةِ إلَى حَرَامٍ وَاصِلٍ إلَى حَدِّ الْكُفْرِ أَوْ إلَى حَدِّ الْكَبِيرَةِ أَوَّلًا وَإِلَى مَكْرُوهٍ تَنْزِيهًا وَالْحَسَنَةِ إلَى وَاجِبَةٍ وَمَنْدُوبَةٍ وَمُبَاحَةٍ الَّتِي اخْتَارَهُ الْأَصْلُ وَابْنُ الشَّاطِّ وَمُحَمَّدٌ الزَّرْقَانِيُّ بَلْ جَرَى عَلَيْهَا عَمَلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالزَّقَّاقِ وَغَيْرِهِ وَبَنَى عَلَيْهَا الْأَصْلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَاعِدَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَإِلَيْهَا ذَهَبَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَالْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ شَيْخُ الشَّيْخِ الْقَرَافِيِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَبْنِيَّةً عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَيْضًا:
الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبِدْعَةَ حَقِيقَةٌ فِيمَا لَمْ يُفْعَلْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَانَ لَهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ أَمْ لَا
الْأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ مَا وَرَدَ فِي الْبِدَعِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﷺ «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» عَامٌّ مَخْصُوصٌ
الْأَمْرُ الثَّالِثُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ جَمِيعَ الْمُخْتَرَعَاتِ مِنْ الْعَادِيَّاتِ، وَلَوْ لَمْ يَلْحَقْهَا شَائِبَةُ تَعَبُّدٍ تَلْحَقُ بِالْبِدَعِ وَتَصِيرُ كَالْعِبَادَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْفَرْقُ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَقَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ]
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ وَقَاعِدَةِ الْغِيبَةِ الَّتِي لَا تَحْرُمُ)
وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْغِيبَةِ الْحُرْمَةُ لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] أَيْ لَا يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ مِنْكُمْ فِي حَقِّ أَحَدٍ فِي غَيْبَتِهِ بِمَا هُوَ فِيهِ مِمَّا يَكْرَهُهُ فَفِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَطُرُقُهُ كَثِيرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ذِكْرُك أَخَاك بِمَا يَكْرَهُ» كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ وَفِي الْأَصْلِ أَنْ تَذْكُرَ فِي الْمَرْءِ مَا يَكْرَهُ إنْ سَمِعَ قِيلَ أَفَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ قَالَ إنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغْتَبْته، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ قَالَ الْأَصْلُ فَدَلَّ قَوْلُهُ: ﷺ إنْ سَمِعَ نَصًّا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَا يَكْرَهُهُ الْإِنْسَانُ إذَا سَمِعَهُ غِيبَةً إلَّا إذَا كَانَ غَائِبًا، وَلَيْسَ بِحَاضِرٍ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، قَالَ: وَلَفْظُ مَا مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ فَتَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَكْرَهُ. اهـ. أَيْ سَوَاءٌ كَانَ فِي بَدَنِهِ كَأَحْوَلَ أَوْ قَصِيرٍ أَوْ أَسْوَدَ أَوْ ضِدِّهَا أَوْ فِي نَسَبِهِ كَأَبُوهُ هِنْدِيٌّ أَوْ إسْكَافٌ أَوْ نَحْوُهُمَا مِمَّا يَكْرَهُهُ كَيْفَ كَانَ أَوْ فِي خَلْقِهِ كَسَيِّئِ الْخَلْقِ عَاجِزٍ ضَعِيفٍ أَوْ فِي فِعْلِهِ الدِّينِيِّ كَكَذَّابٍ أَوْ مُتَهَاوِنٍ بِالصَّلَاةِ أَوْ لَا يُحْسِنُهَا أَوْ عَاقٍّ لِوَالِدَيْهِ أَوْ لَا يُعْطِي الزَّكَاةَ أَوْ لَا يُؤَدِّيهَا لِمُسْتَحِقِّيهَا أَوْ فِي فِعْلِهِ الدُّنْيَوِيِّ كَقَلِيلِ الْأَدَبِ، أَوْ لَا يَرَى لِأَحَدٍ حَقًّا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ كَثِيرِ الْأَكْلِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ فِي ثَوْبِهِ كَطَوِيلِ الذَّيْلِ أَوْ قَصِيرِهِ وَسِخِهِ أَوْ فِي دَارِهِ كَقَلِيلَةِ الْمَرَافِقِ أَوْ فِي دَابَّتِهِ كَجَمُوحٍ أَوْ فِي وَلَدِهِ كَقَلِيلِ التَّرْبِيَةِ، أَوْ فِي زَوْجَتِهِ كَكَثِيرَةِ الْخُرُوجِ أَوْ عَجُوزٍ أَوْ تَحْكُمُ عَلَيْهِ، أَوْ قَلِيلَةِ النَّظَافَةِ، أَوْ فِي خَادِمِهِ كَآبِقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْرَهُهُ لَوْ بَلَغَهُ، وَحِكْمَةُ تَحْرِيمِهَا مَعَ أَنَّهَا صِدْقٌ الْمُبَالَغَةُ فِي حِفْظِ عِرْضِ الْمُؤْمِنِ، وَالْإِشَارَةُ إلَى عَظِيمِ تَأَكُّدِ حُرْمَتِهِ وَحُقُوقِهِ.
وَزَادَ - تَعَالَى - ذَلِكَ تَأْكِيدًا وَتَحْقِيقًا بِتَشْبِيهِ عِرْضِهِ بِلَحْمِهِ وَدَمِهِ مَعَ الْمُبَالَغَةِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا بِالتَّعْبِيرِ فِيهِ بِالْأَحَبِّ
стр. 985
وَمُؤْلِمَاتُ الْحَوَادِثِ فَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَمْ تَرِدْ الشَّرِيعَةُ بِتَكْلِيفِ أَحَدٍ بِمَا لَيْسَ فِي طَبْعِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ الْأَرْمَدُ بِاسْتِطَابَةِ الرَّمَدِ الْمُؤْلِمِ، وَلَا غَيْرِهِ مِنْ الْمَرَضِ بَلْ ذَمَّ اللَّهُ قَوْمًا لَا يَتَأَلَّمُونَ، وَلَا يَجِدُونَ لِلْبَأْسَاءِ وَقْعًا فَذَمَّهُمْ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦] فَمَنْ لَمْ يَسْكُنْ وَلَمْ يَذِلَّ لِلْمُؤْلِمَاتِ وَيُظْهِرْ الْجَزَعَ مِنْهَا وَيَسْأَلْ رَبَّهُ إقَالَةَ الْعَثْرَةِ مِنْهَا فَهُوَ جَبَّارٌ عَنِيدٌ بَعِيدٌ عَنْ طُرُقِ الْخَيْرِ فَالْمَقْضِيُّ وَالْمَقْدُورُ أَثَرُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ فَالْوَاجِبُ هُوَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَقَطْ أَمَّا الْمَقْضِيُّ فَقَدْ يَكُونُ الرِّضَا بِهِ وَاجِبًا كَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - وَالْوَاجِبَاتِ إذَا قَدَّرَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - لِلْإِنْسَانِ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا فِي الْمَنْدُوبَاتِ وَحَرَامًا فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ وَمُبَاحًا فِي الْمُبَاحَاتِ، وَأَمَّا بِالْقَضَاءِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ تَفْصِيلٍ فَمَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ أَوْ الْكُفْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ أَنْ يُلَاحِظَ جِهَةَ الْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ فَيُكْرِهُهُمَا وَأَمَّا قَدَرُ اللَّهِ فِيهِمَا فَالرِّضَا بِهِ لَيْسَ إلَّا وَمَتَى سَخِطَهُ وَسَفَّهَ الرُّبُوبِيَّةَ فِي ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ مَعْصِيَةً أَوْ كُفْرًا مُنْضَمًّا إلَى مَعْصِيَتِهِ وَكُفْرِهِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ فِي ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْفُرُوقَ، وَإِذَا وَضَحَتْ لَك فَاعْلَمْ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ يَعْتَقِدُ أَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ إنَّمَا يَحْصُلُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ وَخَاصَّةِ عِبَادِ اللَّهِ - تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْعَزِيزِ الْوُجُودِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ أَكْثَرُ الْعَوَامّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا يَتَأَلَّمُونَ مِنْ الْمَقْضِيِّ فَقَطْ، وَأَمَّا التَّوَجُّهُ إلَى جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالتَّجْوِيرِ وَالْقَضَاءِ بِغَيْرِ الْعَدْلِ، فَهَذَا لَا يَكَادُ يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا مِنْ الْفُجَّارِ وَالْمَرَدَةِ وَإِنَّمَا يَبْعَثُ
ــ
[حاشية ابن الشاط = إدْرَار الشُّرُوقِ عَلَى أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[تَهْذِيب الْفُرُوقِ وَالْقَوَاعِدِ السنية فِي الْأَسْرَارِ الْفِقْهِيَّةِ]
فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَتَأَلَّمُ قَلْبُهُ مِنْ قَرْضِ عِرْضِهِ كَمَا يَتَأَلَّمُ بَدَنُهُ مِنْ قَطْعِ لَحْمِهِ لِأَكْلِهِ بَلْ أَبْلَغُ؛ لِأَنَّ عِرْضَ الْعَاقِلِ عِنْدَهُ أَشْرَفُ مِنْ لَحْمِهِ وَدَمِهِ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَحْسُنُ مِنْ عَاقِلٍ أَكْلُ لُحُومِ النَّاسِ لَا يَحْسُنُ مِنْهُ قَرْضُ عِرْضِهِمْ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَلَمٌ، وَوَجْهُ الْآكَدِيَّةِ فِي لَحْمِ أَخِيهِ أَنَّ الْأَخَ لَا يُمْكِنُهُ مَضْغُ لَحْمِ أَخِيهِ فَضْلًا عَنْ أَكْلِهِ بِخِلَافِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّهُ يَأْكُلُ لَحْمَ عَدُوِّهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ مِنْهُ فِي ذَلِكَ، وَانْدَفَعَ بِمَيْتًا - الْوَاقِعِ حَالًا إمَّا مِنْ لَحْمِ أَخِيهِ أَوْ أَخِيهِ - مَا قَدْ يُقَالُ: إنَّمَا تَحْرُمُ الْغِيبَةُ فِي الْوَجْهِ؛ لِأَنَّهَا الَّتِي تُؤْلِمُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِهَا فِي الْغِيبَةِ، فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لِلْمُغْتَابِ عَلَيْهَا، وَوَجْهُ انْدِفَاعِ هَذَا أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْأَخِ، وَهُوَ مَيِّتٌ لَا يُؤْلِمُ أَيْضًا، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ فِي غَايَةِ الْقُبْحِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ الِاطِّلَاعُ لَتَأَلَّمَ بِهِ فَإِنَّ الْمَيِّتَ لَوْ أَحَسَّ بِأَكْلِ لَحْمِهِ لَآلَمَهُ فَكَذَا الْغِيبَةُ تَحْرُمُ فِي الْغَيْبَةِ؛ لِأَنَّ الْمُغْتَابَ لَوْ اطَّلَعَ عَلَيْهَا لَتَأَلَّمَ، وَأَيْضًا فَفِي الْعِرْضِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَلَوْ فُرِضَ أَنَّ الْغِيبَةَ وَقَعَتْ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمُغْتَابَ الْعِلْمُ بِهَا حَرُمَتْ أَيْضًا رِعَايَةً لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - وَفَطْمًا لِلنَّاسِ عَنْ الْأَعْرَاضِ وَالْخَوْضِ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ اللَّهُمَّ إلَّا لِلْأَسْبَابِ الْآتِيَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ ضَرُورَةٍ فَتُبَاحُ حِينَئِذٍ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ كَمَا أَشَارَتْ الْآيَةُ إلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِذِكْرِ " مَيْتًا " إذْ لَحْمُ الْمَيِّتِ إنَّمَا يَحِلُّ لِلضَّرُورَةِ الْحَاقَّةِ حَتَّى لَوْ وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً أُخْرَى مَعَ مَيْتَةِ الْآدَمِيِّ لَمْ تَحِلَّ لَهُ مَيْتَةُ الْآدَمِيِّ بِخِلَافِ مَا لَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَيْتَةَ الْآدَمِيِّ، فَإِذَا تَحَقَّقَ الْفَرْضُ الصَّحِيحُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِالْغِيبَةِ خَرَجَتْ عَنْ أَصْلِهَا مِنْ الْحُرْمَةِ وَحِينَئِذٍ فَتَجِبُ أَوْ تُبَاحُ.
وَتَنْحَصِرُ الَّتِي لَا تَحْرُمُ لِلْغَرَضِ الصَّحِيحِ الشَّرْعِيِّ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ نَظَمَهَا الْكَمَالُ بِقَوْلِهِ
الْقَدْحُ لَيْسَ بِغِيبَةٍ فِي سِتَّةٍ ... مُتَظَلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ وَمُحَذِّرِ
وَلِمُظْهِرٍ فِسْقًا وَمُسْتَفْتٍ وَمَنْ ... طَلَبَ الْإِعَانَةَ فِي إزَالَةِ مُنْكَرِ
كَمَا فِي حَاشِيَةَ الْعَطَّارِ عَلَى مُحَلَّى جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَبَيَانُهَا كَمَا فِي الزَّوَاجِرِ
(الْأَوَّلُ) الْمُتَظَلِّمُ فَلِمَنْ ظُلِمَ أَنْ يَشْكُوَ لِمَنْ يَظُنُّ أَنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلَى إزَالَةِ ظُلْمِهِ أَوْ تَخْفِيفِهِ كَأَنْ يَقُولَ لِوُلَاةِ الْأُمُورِ: إنَّ فُلَانًا أَخَذَ مَالِي وَغَصَبَنِي أَوْ ثَلَمَ عِرْضِي إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقَوَادِحِ الْمَكْرُوهَةِ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ
الثَّانِي الِاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِذِكْرِهِ لِمَنْ يَظُنُّ قُدْرَتَهُ عَلَى إزَالَتِهِ بِنَحْوِ فُلَانٌ يَعْمَلُ كَذَا فَازْجُرْهُ عَنْهُ بِقَصْدِ التَّوَصُّلِ إلَى إزَالَةِ الْمُنْكَرِ، وَإِلَّا كَانَ غِيبَةً مُحَرَّمَةً مَا لَمْ يَكُنْ الْفَاعِلُ مُجَاهِرًا لِمَا يَأْتِي
(الثَّالِثُ) الِاسْتِفْتَاءُ بِأَنْ يَقُولَ لِمُفْتٍ ظَلَمَنِي بِكَذَا فُلَانٌ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ وَمَا طَرِيقِي فِي خَلَاصِي مِنْهُ أَوْ تَحْصِيلِ حَقِّي أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُبْهِمَهُ فَيَقُولُ: مَا تَقُولُ فِي شَخْصٍ أَوْ زَوْجٍ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ كَذَا لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ وَإِنَّمَا جَازَ التَّصْرِيحُ بِاسْمِهِ مَعَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُفْتِيَ قَدْ يُدْرِكُ مِنْ تَعْيِينِهِ مَعْنًى لَا يُدْرِكُهُ مَعَ إبْهَامِهِ فَكَانَ فِي التَّعْيِينِ نَوْعُ مَصْلَحَةٍ؛ لِأَنَّ هِنْدَ امْرَأَةَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ لَمَّا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي إلَّا مَا أَخَذْت مِنْهُ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ قَالَ: خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(الرَّابِعُ) تَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الشَّرِّ وَنَصِيحَتِهِمْ كَجَرْحِ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ وَالْمُصَنَّفِينَ وَالْمُتَصَدِّينَ لِإِفْتَاءٍ أَوْ إقْرَاءٍ مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ مَعَ نَحْوِ فِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، وَهُمْ دُعَاةٌ إلَيْهَا وَلَوْ سِرًّا فَيَجُوزُ إجْمَاعًا بَلْ يَجِبُ وَكَانَ يُذْكَرُ لِمَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى عَزْلِ ذِي الْوِلَايَةِ وَتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ أَوْ عَلَى نُصْحِهِ وَحَثِّهِ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ مَا يَعْلَمُهُ مِنْهُ قَادِحًا فِيهَا كَفِسْقٍ أَوْ تَغَفُّلٍ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُشِيرُ وَلَوْ إنْ لَمْ يَسْتَشِرْ عَلَى مُرِيدِ تَزْوِيجٍ أَوْ مُخَالَطَةٍ لِغَيْرِهِ فِي أَمْرٍ دِينِيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ، وَقَدْ عَلِمَ فِي ذَلِكَ الْغَيْرُ قَبِيحًا مُنَفِّرًا كَفِسْقٍ أَوْ بِدْعَةٍ أَوْ طَمَعٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَفَقْرٍ فِي الزَّوْجِ «لِقَوْلِهِ ﵇ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ
следующие страницы →